الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




معالم المدرستين - السيد مرتضى العسكري ج 1

معالم المدرستين

السيد مرتضى العسكري ج 1


[1]

معالم المدرستين

[2]

مؤسسة النعمان للطباعة والنشر والتوزيع الحاج حسن الكتبي تتعهد المؤسسة لكافة المؤلفين والناشرين الكرام داخل لبنان وخارجه بطبع كتبهم وصفها (بالكمبيوتر): وكذلك التصحيح والورق والتجليد الفني بأسعار مرضية، كما تزود المكتبات ودور النشر بكتبها وكتب دور النشر الاخرى وحسب الطلب. اتصلوا بنا على العنوان التالي: بيروت - لبنان حارة حريك - شارع دكاش ص. ب: 229 / 25.

[3]

معالم المدرستين بحوث ممهدة لتوحيد كلمة المسلمين الجزء الاول بحوث المدرستين في الصحابة والامامة تأليف العلامة السيد مرتضى العسكري مؤسسة النعمان للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - حارة حريك - شارع دكاش - ص ب: 229 / 25

[5]

الاهداء بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليك يا امام العصر ورحمة الله وبركاته سيدي يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله اليك اهدي هذا المجهود الضئيل. " يا ايها العزيز مسنا واهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا أن الله يجزي المتصدقين ". ايها الجواد الكريم اشفع لنا عند الله ليغفر لنا ذنوبنا ويكشف عنا وعن قومنا الضر انه ارحم الراحمين. صغير خدامكم مرتضى العسكري

[6]

كلمة الناشر: بسمه تعالى الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أفضل الانبياء وسيد المرسلين محمد صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين. أما بعد، فيسر مؤسسة النعمان التي عودت قراءها على نشر نفائس الكتب لخيرة المؤلفين أن تتحفهم هذه المرة بكتاب (معالم المدرسين) لمؤلفه حجة الاسلام والمسلمين السيد مرتضى العسكري دام تأييده. أما المؤلف فغني عن التعريف، فهو صاحب الخدمات المشكورة في كل الميادين الاجتماعية والثقافية، من تأسيس الجمعيات الخيرية إلى تأسيس المدارس الدينية، وناهيك ما في تأسيسه لكلية أصول الدين ببغداد وتربية جيلا من خيرة الشباب. ثم تحقيقاته وأبحاثه القيمة التي أتحف بها المكتبة الاسلامية فكانت في الطراز الاول مما أنتجه الباحثون الخبراء من عمق في التفكير وبعد في النظر فاقرأ إن شئت أي مؤلف من مؤلفاته الغزيرة الفائدة (مائة وخمسون صحابي مختلف، أو أحاديث السيدة عائشة، أو ابن سبأ) لتقف على حقيقة ما ذكرنا وتتأكد من صحة ما قلناه. ثم جاء هذا المؤلف النفيس ليكمل تلك الابحاث الجليلة، ويصحح أخطاء التاريخ، ويحاكم الاحداث باسلوبه الرصين الحجة، الواضح الديباجة، السلس البيان، البليغ العبارة، إحقاقا للحق، وذبا عن الدين، وجلاء للحقيقة، وأداء للواجب فجزاه الله عن الاسلام وأهله خير الجزاء، ووفاه أجر المجاهدين. وقد تشرفت بزيارته في العام الماضي ببيروت وأبديت رغبتي بإعادة طبعه، وكان طبع منه جزء واحد في إيران، فتلقى طلبي هذا برحابة صدر وشجعني وأخبرني أن جزئين آخرين قد انجزا وأجازني بطبع الاجزاء الثلاثة، وها أناذا اقدمها للقراء الكرام سائلا المولى عزوجل أن يتقبل هذا الجهد الجليل من مؤلفه دام ظله ويطيل عمره الشريف لاكمال مشروعه الضخم ويوفقني لنشره إنه سميع مجيب. حسن الشيخ ابراهيم الكتبي

[7]

مقدمة الطبعة الثانية بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الانبياء وافضل المرسلين محمد وآله الطاهرين وعلى اصحابه الميامين من الآن إلى قيام يوم الدين. وبعد منعني المرض في الطبعة الاولى من كتابة البحوث اللازمة في مقدمة الكتاب وبعد أن خفت وطأته نوعا ما والحمد لله انجزت قسما من البحوث الهامة وقدمتها امام الكتاب، مع يسير من الاضافات اللازمة في اصل الكتاب وعاقني المرض - أيضا - عن التنظيم والتعبير كما ينبغي. هذا عذري لاهل العلم والمعرفة في ما يجدونه فيها من خلل ونقص. واني حين أقدم الكتاب إلى الملا الاسلامي الكريم ارجو ان يقرؤوه بتجرد علمي وينبهوني إلى ما فيه من خطأ يلازم الانسان غير المعصوم، أخذ الله بأيدينا جميعا إلى ما فيه الخير والصواب. المؤلف

[8]

بسم الله الرحمن الرحيم فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الالباب. الزمر 17 - 18

[9]

مخطط بحوث الكتاب بحوث تمهيدية تبين منشأ الخلاف بين مدرستي الامامة والخلافة وتنقسم بحوث الكتاب بعدها إلى قسمين: القسم الاول - بحوث مصادر الشريعة الاسلامية لدى المدرستين وسبل الوصول إليها وعليها تبنى العقيدة الاسلامية واحكامها وتشمل والبحوث الخمسة الآتية: أ - بحوث المدرستين في الصحبة والصحابة. ب - بحوث المدرستين في الامامة والخلافة وهما من سبل الوصول إلى الشريعة الاسلامية وتكوين الرؤية الصحيحة للاسلام. ج - بحوث المدرستين في مصادر الشريعة الاسلامية وبحث كيفية اتخاذ مدرسة الخلفاء الاجتهاد والعمل بالرأي من مصادر الشريعة الاسلامية في عداد كتاب الله وسنة رسوله (ص) وبها يتم بحث مصادر الشريعة الاسلامية وسبل الوصول إليها لدى مدرسة الخلفاء. د - قيام الامام الحسين (ع) ضد الانحراف عن سنة الرسول بسبب الاجتهاد والعمل بالرأي. ه‍ - تمكن ائمة اهل البيت (ع) من اعادة سنة الرسول إلى المجتمع بعد قيام الامام الحسين، وتمكن مدرستهم من نشر سنة الرسول (ص) بعد ذلك، وبهذا يتم بحث مصادر الشريعة الاسلامية وسبل الوصول إليها لدى مدرسة اهل البيت وتتم بذلك بحوث الاسس الفكرية لدى المدرستين. القسم الثاني - في بيان انواع نشاط اتباع المدرستين الفكري والسياسي والاجتماعي ويشمل الابواب الاربعة الاتية انشاء الله تعالى: ا - انتشار افكار مدرسة الخلافة من ايران وقيام دول اتباعهم فيها. ب - حملة المغول على البلاد الاسلامية وتقويظهم الخلافة العباسية ببغداد. ج - انتشار التشيع في القسم التابع لبلد الكوفة من ايران خاصة ونشاط سكانه في نشر افكار مدرسة اهل البيت (ع) وقيام دول اتباعهم فيه. د - افتراءات على مدرسة اهل البيت (ع).

[11]

بحوث تمهيدية

[12]

بسم الله الرحمن الرحيم

[13]

- 1 - شرع الله للانسان بمقتضى ربوبيته من الدين ما ينظم حياته ويسعده ويوصله إلى درجة الكمال الانساني وهداه بواسطة انبيائه إليه وسماه الاسلام (1). كما سن لجميع مخلوقاته انظمة تتناسب وفطرتهم وتوصلهم إلى درجة الكمال في وجودهم وهداهم إلى السير بموجبها الهاميا أو تسخيريا (2). وكان النوع الانساني كلما توفي رسول من رسل الله في امة منه قام اصحاب الطول والسلطان من تلك الامة بتحريف ما يخالف هوى انفسهم من شريعة نبيهم أو كتمانه ثم ينسبون ما لديهم من الشريعة المحرفة إلى الله ورسوله (3).


(1) قال الله سبحانه وتعالى: " ان الدين عند الله الاسلام " آل عمران / 19 وقال: " ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه ". آل عمران / 85. (2) قال الله سبحانه وتعالى: " سبح اسم ربك الاعلى الذي خلق فسوى والذى قدر فهدى والذى اخرج المرعى فجعله غثاء احوى ". الاعلى / 1 - 6 وقال: ربنا الذي اعطى كل شئ خلقه ثم هدى. طه / 50 وقال سبحانه: واوحى ربك إلى النحل ان اتخذى من الجبال بيوتا... النحل / 68. وقال سبحانه: والشمس والقمر والنجوم مسخرات بامره. الاعراف / 54 (3) قال الله سبحانه: وان منهم لفريقا يلوون السنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب، ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون. آل عمران / 78. وقال افتطمعون ان يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعدما عقلوه وهم يعلمون. البقرة / 75. وراجع الآيات: البقرة / 42 و 146 و 159 و 174. وآل عمران / 187 والنساء 46، والمائدة / 12 - 15، 41، 59 - 61.

[14]

ثم يجدد الله دين الاسلام بارسال نبي جديد ينسخ بعض الشعائر والطقوس التي لامسها التحريف. ولما ارسل الله خاتم انبيائه محمد (ص) بالقرآن انزل فيه اصول الاسلام من عقائد واحكام في آيات محكمة واوحى إليه تفصيل ما انزل في القرآن ليبين للناس ما نزل إليهم (1) فعلمهم الرسول شرائع الاسلام من كيفية ركعات الصلاة وتعدادها، وما يمسكون عنه في الصوم وشرائطه، والطواف واشواطه وبدايته ونهايته. إلى غيرها من احكام واجبة ومستحبة ومحرمة، فتكون منها لدى المسلمين الحديث النبوي الشريف، وكذلك جعل الله تجسيد الاسلام في سيرة رسول الله (ص) وأمر الناس باتباعه في قوله تعالى: " لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة " الاحزاب / 21. وسمي مجموع السيرة والحديث النبوي في الشرع الاسلامي بالسنة وامرنا الله ورسوله باتباع سنة الرسول (2). وهكذا اكمل الله تبليغ الاسلام الينا في القرآن والسنة النبوية، وتوفي الرسول (ص) بعد ان اخبر امته وحذرها بانه يجري في هذه الامة ما جرى في الامم السابقة حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة وأنه لو دخل من الامم السابقة احدهم في جحر ضب لدخل من هذه الامة احدهم كذلك في جحر ضب (3). وكان من أمر التحريف في هذه الامة أن الله سبحانه وتعالى حفظ القرآن من * (الهامش) * (1) قال سبحانه: " وانزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون " النحل / 44. (2) امر الله في آية: " كان لكم في رسول اسوة حسنة بالاقتداء بسيرة الرسول (ص)، وفي آية: " ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " الحشر / 7، أمر بالعمل بحديث الرسول (ص): والسنة عبارة عنهما. (3) تجد تفصيل الاحاديث الواردة في هذا الشأن في البحث الخامس من البحوث التمهيدية بالجزء الثاني من (مائة وخمسون صحابي مختلق). وراجع - أيضا - نصوص الاحاديث في المصادر التالية: أ - اكمال الدين للصدوق ص 576 وروى المجلسي عنه في البحار (8 / 3) وفي تفسير الآية " لتركبن طبقا عن طبقا " في كل من: مجمع البيان للطبرسي. وجلاء الاذهان لكازر - ب - صحيح البخاري، كتاب الانبياء، باب ما ذكر عن بني اسرائيل (ح / 3). ج 2 / 171 وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب قول النبي (ص) " لتتبعن سنن من كان - >

[15]

أن تناله يد التحريف وقال: " انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون " وقال: " لا يأتيه الباطن من بين يديه ولا من خلفه ". وأما السنة التي رويت لنا سيرة وحديثا في روايات كثيرة فان الله لم يحفظها من التحريف كما يتضح ذلك جليا في اختلاف الروايات النبوية التي بأيدي جميع المسلمين اليوم ولتعارض بعضها مع بعض. وأدى الاختلاف في الحديث الشريف إلى أن يهتم بعض العلماء بمعالجتها والفوا كتبا أمثال: تأويل مختلف الحديث (1) وبيان مشكل الحديث (2) وبيان مشكلات الاثار (3). ومن جراء اختلاف الاحاديث اختلف المسلمون في فهم القرآن وتشتتت كلمتهم أبد الدهر، أضف إليه وجودهم في بيئات مختلفة، ومعاشرتهم اهل الآراء والملل والنحل الاخرى، كل ذلك أدى إلى اختلاف رؤيتهم للاسلام، وبادر بعضهم إلى تأويل الايات الكريمة والصحيح مما بايديهم من الحديث الشريف وفقا لرأيهم ورؤيتهم للاسلام، وأدى بهم ذلك إلى القطيعة في ما بينهم وعدم استماع بعضهم أراء الاخرين، والى تكفير بعضهم البعض الاخر، ثم هاجمت قوى الكفر الغازية بلاد


< - قبلكم... " الحديث (ح 1 و 2) ج 4 / 176 وفتح الباري بشرح البخاري (17 / 63 و 64). ج - وصحيح مسلم بشرح النووي (16 / 219) كتاب العلم. د - صحيح الترمذي (9 / 27 - 28) و 10 / 109. ه‍ - سنن ابن ماجة (ح 3994). و - مسند الطيالسي (ح 1346) و (2178) ز - مسند احمد (2 / 327 و 367 و 450 و 511 و 527) و (3 / 84 و 94) و (4 / 125 و 5 / 218 و 340). ح - ومجمع الزوائد (7 / 261) عن الطبراني. ط - كنز العمال 11 / 123 عن الطبراني في الاوسط والحاكم في المستدرك. ي - في تفسير الآية (ولا تكونوا كالذين تفرقوا) من سورة آل عمران في الدر المنثور للسيوطي عن المستدرك للحاكم. (1) الف ابن قتيبة عبد الله بن مسلم (ت 280 ه‍) أو (276 ه‍) تأويل مختلف الحديث. (2) الف ابن فورك محمد أو حسين (ت 446 أو 406 ه‍)، بيان مشكل الحديث. (3) الف أبو جعفر أحمد بن محمد الازدي المعروف بالطحاوي (ت 331 أو 332 ه‍) بيان مشكلات الاثار.

[16]

الاسلام والمسلمين بأفتك سلاح هدام حين حاربت الاسلام بسلاح الفكر المستورد من بلادهم والتي اعدها ونظمها المبشرون المستشرقون من النصارى واليهود وروجها دعاة افكارهم في بلادنا باسم (الاسلام المتطور حسب حاجة العصر) وسلط الغزاة الكفرة الاضواء على خريجي مدارس المستشرقين في بلادنا ونوهوا بأسمائهم ودفعوهم إلى الواجهة باسم المصلحين للاسلام ومنوري الفكر والتقدميين، فكان في الهند منهم السير سيد احمد مؤسس جامعة على كرة الاسلامية وفي مصر أحمد لطفي السيد استاذ الجيل، وقاسم أمين نصير المرأة، وفي العراق علي الوردي استاذ علم الاجتماع (1)، وفي غيرها غيرهم، وكان افتك سلاح بأيدي هؤلاء ما تذرعوا به في حرب الاسلام باسم تعريف الاسلام وتعريف الشخصيات الاسلامية مثل ما فعل السير سيد احمد حين كتب تفسير القرآن حسب زعمه، وكل محاولات هؤلاء واساتذتهم المستشرقين ترمي إلى شئ واحد وتستهدفه، وهو ما قاله احدهم " لا يقتل الدين الا بسيف الدين " وفي سبيل تحقيق هذه الخطة يفسرون القرآن ويشرحون الحديث النبوي الشريف ويكتبون سيرة الرسول والائمة، يحاولون في كل ما يعملون ان يجردوا الجميع من الاتصال بالغيب، واراءتها على انها من طبيعة البشر، ثم يلوحون من طرف خفي وأحيانا يصرحون جليا أن كل فرد منهم وكل شئ من الاسلام كان متناسبا مع زمانه وكان تقدميا في عصره ونافعا للبشر في حينه اما اليوم فنحن بحاجة إلى تطوير الاسلام وتجديده ليطابق مقتضيات العصر وحاجة اهله، وهؤلاء مع سلاحهم هذا الخفي اثره على الكثير اضر على الاسلام والمسلمين من بعض السياسيين العملاء للغزاة الكفرة في بلادنا والذين نصبوهم حكاما لبلاد المسلمين بما قاموا به في الحرب الفكرية من تحريف لحقائق الاسلام باسم تعريف الاسلام أحيانا والاسلام المتطور الملبي لحاجات العصر آونة أخرى (2)، من كل ما ذكرنا يظهر جليا أن المسلمين في هذا اليوم وبعد كل ما مر على الاسلام من تيارات فكرية بحاجة شديدة إلى دراسات مستفيضة لاقوال الفرق الاسلامية وتمحيص ما لديها خلافا لما يراه بعض المسلمين الغيارى الذين يرون السكوت عن كل ذلك أولى حفظا لوحدة


(1) هؤلاء من دعاة الحضارة الغربية في البلاد الاسلامية ومهدمي الاعراف الاسلامية ومخالفي أحكامها. (2) ان أفضل بيان لهذا المكر كتاب أجنحة المكر الثلاثة، تأليف عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني، من سلسلة أعداء الاسلام، ولنا بعد بعض المؤاخذات على الكتاب.

[17]

المسلمين ! ولست أدري كيف يتم دلك مع وجود الخوارج (1) الذين بنيت اصول عقائدهم على تكفير عامة المسلمين وأنهم هم وحدهم المسلمون وما عداهم مشركون وعلى التبري من الخليفة عثمان والامام علي وأم المؤمنين عائشة وطلحة والزبير ومن كان معهم ثم لعن أولئك ولعن جميع المسلمين. كيف يتم ذلك وفي المسلمين من تتوق نفسه إلى زيارة قبر الرسول الاكرم (ص) وأئمة المسلمين والتبرك بها والاستشفاع والتوسل بهم إلى الله، وفيهم من يرى كل ذلك شركا لله وخروجا على الاسلام وبدعة محرمة وبذلك يرون أن جميع المسلمين بعد القرن الثالث الهجري إلى اليوم مشركون وقد هدموا مساجد المسلمين التي بنيت في طريق غار حراء وأمثاله من الاماكن المتبركة إلى جانب تهديمهم قبور أئمة المسلمين وأمهات المؤمنين وعم الرسول وابن الرسول وصحابته وشهداء أحد ! ؟ ولا يفعل مثل ذلك مع اليهود وتوراتهم والنصارى وبيعهم وكنائسهم وفيها ما فيها من الصلبان وتماثيل عيسى ومريم عليهما السلام وهم يعلنون ان عيسى ربهم وان الله ثالث ثلاثة معاذ الله وانما يعاهدون ولا يقال لهم انتم مشركون. ثم ان المسائل المذكورة ونظائرها ليست مسائل تخص الفرد المسلم مثل اسبال اليدين في الصلاة الذى تراه مدرسة اهل البيت والمالكية خلافا للاحناف والحنابلة الذين يرون وجوب التكتيف ومثل الاختلاف في غسل الرجلين أو مسحهما في الوضوء مما يتيسر للفرد المسلم ان يعمل بموجب ما ثبت لديه حكمه اجتهادا أو تقليدا ويستطيع الفرد الاخر المخالف له في الرأي - أيضا - ان يعمل بموجب ما ثبت لديه حكمه ويمكن لهما مع ذلك ان يعيشا في وفاق في مجتمع اسلامي واحد وانما هي مما يبنى المجتمع عليها، فاما أن يبني المجتمع على هذه العقيدة وتزول تلك أو يبني على تلك وتزول هذه. وهي ليست بعد قضايا سياسية غير دينية يمكن التغاضي عنها حفظا لوحدة المسلمين، وان نشر ملايين النسخ من أمثال كتاب " وجاء دور المجوس " باسماء مستعارة وغير مستعارة وانفاق بعض الحكومات على أمثالها لتنسب إلى أمة كبيرة من المسلمين الخروج عن الاسلام وانفاقها ملايين في نشر دعايتها في آلاف المعاهد والمساجد والمدارس بجميع أقطار الارض: أن ما عداهم من المسلمين مشركون بالاضافة


(1) منتشرون في الجانب الشرقي من جزيرة العرب وشمال أفريقيا ولهم دولة قائمة في عمان، ويسمون اليوم بالاباضية.

[18]

إلى ايفاد آلاف المبعوثين كذلك إلى جميع أقطار الارض لنشر دعايتها من جانب واحد، ان كل ذلك لم يكن بدافع سياسي غير ديني. كما أنها ليست من قضايا أوجدها الاستعمار لايجاد التفرقة بين المسلمين ليحسن السكوت عليها، بل هي قضايا كانت قائمة ومنتشرة في المجتمع الاسلامي منذ عصر امام الحنابلة أحمد (ت 240 ه‍) وعصر الشيخ ابن تيمية (ت 728 ه‍) من أتباع مدرسته بل وقبلهما وبعدهما إلى اليوم، وان قتل مئات الالوف من المسلمين وحرق مكتباتهم في شتى العصور ومختلف البلاد خير دليل علي ما نقول، فهي اذن مما يستفاد منها سياسيا من قبل تلك الحكومة أو ذلك الاستعمار، متى ما شاءت تلك أو شاء هذا، في ما إذا لم تعالج، ثم انها كما ذكرنا عقائد راسخة والسكوت عنها على مضض لن يحقق وحدة بين المسلمين ولا تقاربا ولا تفاهما، بل يعمق الجرح ويوسع شقة الخلاف ويطيل أمدها. ولمزيد التوضيح واقامة الدليل على ما بينت، أذكر بعض مشاهداتي من آثار مسائل الخلاف بين ابناء الامة الاسلامية في ما يأتي:

[19]

- 2 - بعض ما شاهدت من آثار الخلاف بين ابناء الامة الاسلامية اعتمدت في ما اشرت إليه آنفا من تكفير المسلمين بعضهم البعض الاخر وما سأذكره منها في ما يأتي مع انواع من استدلالهم بالاضافة إلى ما ورد في الكتب المطبوعة إلى مشاهداتي في اسفارى إلى البلاد الاسلامية واجتماعي بعلماء فرق المسلمين ومفكريهم وابناء شعوبهم وخاصة في سفراتي الشعر لحج بيت الله الحرام. في السفرة الاولى وكان مما رأيت في سفري الاول للحج على عهد الملك عبد العزيز آل سعود: ان ركبنا - ركب الحاج العراقي - عندما بلغ مدينة الرماح من بلاد الحكومة السعودية، مكثنا فيها اربعا وعشرين ساعة واشتركنا جميعا في اداء الفرائض جماعة بمسجدهم ولما دنت ساعة الرحيل اجتمع علينا لفيف من اهالي المدينة يشاهدون رحيلنا فحضر حشدهم من بدا عليه انه كان من ذوى معرفتهم، وخطب فيهم واشار إلى افراد الحاج وقال " هؤلاء مشركون " وقال ايضا " هؤلاء يبكون على الحسن والحسين " ثم اشار الي وقال: " هذا مطوعهم لو يطيح بيدى اذبحوا والطع دمو " فانبرى له احد الحجاج وقال " لماذا نحن مشركون نحن حججنا بيت الله، زرنا قبر النبي... " فإذا به يرعد ويزبد ويقول له: " اشركت، لو يجي أبو أبو سعود ما يحامي عنك. ويش محمد: محمد رجالا مثلي " أي لا يستطيع الملك بسلطته ولا يستطيع جده سعود ان ينجيك مني. واي شئ كان محمدا محمد كان رجلا مثلي وقد مات وانتهى اثره. فارتعد الحاج العراقي وقال: ماذا أقول ؟ ماذا أقول ؟ فقال له: قل ما هو ضار الا الله، ما هو نافع الا الله، فردد الحاج ما لقنه اياه، فانبرى له حاج عراقي آخر وقال له:

[20]

" محمد رجالا مثلك ؟ " فاكد قوله ثانية وقال: " محمد رجالا مثلي، مات " فقال له الحاج " محمد نزل عليه القرآن وينزل عليك القرآن ؟ " فلم يحر جوابا، وبادرنا ركوب السيارات وتحركت بنا. وكان في ركبنا حاج يحمل جواز سفر سعودي ويسكن العراق، فلما بلغنا الحدود وشاهده موظف الجوازات السعودي، انتهره وقال له مستهزئا ومستنكرا: تترك بلاد الاسلام وتسكن بلاد الشرك فأخذ الحاج السعودي يتذلل له ويتخشع ويدعو له ويطلب جوازه حتى ارجع إليه جوازه ! ! ! في السفرة الثانية: كان علماء العراق يومذاك يحملون هم إعادة الاحكام الاسلامية إلى المجتمع، يوقظون أبناء الامة الاسلامية في سبيل المطالبة بها، في مساجدهم واحتفالاتهم ومهرجاناتهم ويعارضون السلطة في تشريعاتها قوانين مخالفة للاحكام الاسلامية، وكنا نتنسم أخبار تحركات المسلمين في هذا السبيل في أي مكان كان، نؤيد ثورة الجزائر ضد فرنسا وندعم الثورة الفلسطينية بكل ما أوتينا من حول وقوة ونستطلع أخبار الثورة الاريتيرية ضد الاحباش ونرى من لوازم نجاح المعركة في سبيل إعاة الاحكام الاسلامية توعية المسلمين في هذا السبيل ثم تكاتفهم وتعاونهم في هذا الصدد ونسيان مسائل الخلاف في ما بينهم. ولما نشبت المعركة الاسلامية في إيران بين سلطة الطاغوت وعلماء المسلمين يومذاك بدءا بمعركتهم من المدرسة الفيضية في الجامعة الاسلامية الكبرى بقم في اليوم الخامس والعشرين من شوال سنة 1382 ه‍، استبشرنا بها خيرا وحشدنا كل طاقاتنا لمساعدتها وجندنا أنفسنا لخدمتها، فقام علماء العراق بكل ما أوتوا من حول وقوة بتأييدها، جزاهم الله جميعا خيرا. وكنت ممن أقام الحفلات التأبينية وأقمت ثلاث ليال حفلة تأبينية كبرى في بغداد، ألقيت فيها خطب توجيهية توضح أبعاد المعركة الاسلامية في إيران وآثارها ومغزاها. في مثل هذا الظرف سافرت إلى الحج وانا احمل معي شعارا واطروحة، شعارى الدعوة لتوحيد كلمة المسلمين في سبيل اعادة حياة اسلامية في البلاد الاسلامية واطروحتي النهضة الاسلامية المتمثلة بالنهضة الاسلامية التي بدت طلائعها في ايران من

[21]

قبل علماء المسلمين، وكنت أبذل الجهد في شرح دوافعها لقادة المسلمين ومفكريهم واستنهاضهم لمساعدتها وبيان ان معركة المسلمين في سبيل اعادة الاحكام الاسلامية واحدة وانه إذا نجحت المعركة في أي بلد اسلامي فانه ستنتشر آثارها إلى غيرها ويعم المسلمين خبرها، وكلي أمل ورجاء أني سوف اجد اذنا صاغية لما أعرض من مأساة المسلمين في ايران مع بيان وحدة القضية ووحدة المصير. اجتمعت في هذه السفرة بقادة الاخوان المسلمين في سوريا وسعيد رمضان بمكة ومحمد آدم، رئيس الثورة الاريترية في موقف عرفات ومثقفي الفلسطينيين في الاردن وبيت المقدس ومحرري الصحف الاسلامية وعلماء المسلمين وخطبائهم وقادة الحركات الاسلامية امثال ابي الحسن الندوى وأبي الاعلى المودودي رئيس الجماعة الاسلامية بباكستان يومذاك إلى غيرهم. بدأت عملي في المدينة بالمساهمة في كتابة المناشير التي كانوا يعدونها للتوزيع على الحجيج، فأجريت تعديلات على صيغ المناشير، شرحنا فيها أبعاد النهضة الاسلامية في إيران وتبين ظلم حكومة الطاغوت وعمالتها لدول الكفر، نستنهض فيها المسلمين لاعانة أبناء الامة الاسلامية في إيران، ورجحت توزيعها ليلة العيد على الحجاج في المشعر الحرام، غير أني بوغت مساء السابع من ذي الحجة في مكة المكرمة بأن الشيخ المسؤول عن توزيعها وزع بعضها في الحرم المكي الشريف فألقي القبض عليه وزج في السجن وحجزت النشرات كافة. فاجتمعنا نحن علماء العراق وإيران يوم العيد بولي العهد فيصل، يومذاك، نطلب منه اطلاق سراح الموقوف والنشرات المحجوزة، فاغتنمت الفرصة وقلت إن حكومتكم رفعت شعار تنفيذ أحكام القرآن في هذا البلد، وعليه يقتضي أن تعينوا المسلمين الذين يجاهدون في سبيل تطبيق أحكام القرآن في بلادهم ويصدمون بحكومات بلادهم الذين يريدون تنفيذ أحكام الكفر، وأن تجعلوا من البلد الحرام ملجأ للمشردين منهم وتساعدوهم في شرح ظلامتهم لاخوانهم الحجيج، وذلك هو مصداق قوله تعالى: " ليشهدوا منافع لهم ". ثم ذكرت قيام علماء المسلمين في الجامعة الاسلامية الكبرى بقم وأسهبت في شرح أبعاد النهضة الاسلامية الطالعة بإيران، وواجب قادة المسلمين خاصة الحكومة السعودية تجاهه، وختمت حديثي بشرح قضية العالم الذي وزع نشرات التظلم على المسلمين وتوقيفه، وجرت حول ذلك بيننا مناقشات، أدت إلى إطلاق سراح الموقوف.

[22]

ونشرت الصحف بعد اداء المناسك ورجوعنا إلى مكة دعوة للحضور في المسجد الهندي بمكة مساء الجمعة للاستماع إلى خطبة الاستاذ المودودي فحضرنا الاحتفال بعد صلاة العشاء والقى الاستاذ المحاضر خطبة (1) ذكر فيها ثمانية امور تلزم المسلمين لاعادة الحياة الاسلامية إلى المجتع وتقدمت بعده خلف المذياع وخطبت معلقا على خطابه وقلت: ان المسلمين في نهضتهم اليوم بحاجة إلى ثلاثة امور: اولا - ان المسلمين بعد مضي اربعة عشر قرنا من بعثة الرسول الاكرم (ص) والظروف التي مرت عليهم بحاجة إلى دراسة موضوعية مستوعبة لكيفية استنباط الاحكام من مصادر الشريعة الاسلامية ودراية الحديث وفقه السنة وترك البقاء على تقليد العلماء السلف في كل ذلك. ثانيا - ان الغزاة الكفرة لبلاد الاسلام - المستعمرين - استطاعوا ان يشتتوا كلمة المسلمين وبذلك استطاعوا ان يقضوا على كل حركة اسلامية في أي مكان تظهر، ثم شرحت ثورة الجزائر ضد الفرنسيين والاريتيريين ضد الاحباش وعلماء ايران ضد الطاغوت العميل واسهبت في شرحه واستنهضت همم المسلمين لمساعدتهم. وذكرت ثالثا اننا اليوم بحاجة إلى ايمان كايمان ابي ذر وعمار وسمية وشرحت ما تحملوا من الاذى في ارض مكة التي نحن عليها في سبيل الاسلام. وفي المدينة المنورة بلغ عميد الجامعة الاسلامية الشيخ عبد العزيز بن بازخبر لقاءاتي بالوفود الاسلامية وان احد علماء بغداد، من وصفه كذا وكذا، فظنني من اتباع مدرسة الخلفاء ورغب أن ازور الجامعة الاسلامية بالمدينة وكانت جديدة التأسيس وارسل الينا من سيارات الجامعة ما حملتنا إليها مع بعض علماء بغداد ومثقفيها ووجهائها وكان اساتذتها قد اجتمعوا في بهو كبير بانتظارنا واستقبلونا فيه واحتشد على نوافذ البهو فريق من الطلاب لمشاهدتنا ولما استقربنا الجلوس بدأت بعد حمد الله والثناء عليه بتقديم تحايا علماء المسلمين في العراق لهم وتهانيهم بتأسيسهم الجامعة الاسلامية في


(1) كان قد اعدها ليلقيها في ندوات رابطة العالم الاسلامي التي دعي للاشتراك في جلسات تأسيسها، ولما لم يسمح له بذلك ألقاها في ذلك المسجد.

[23]

المدينة المنورة ثم قلت: ان رسول الله (ص) لما حل بهذا البلد المبارك بدأ بعقد التآخي بين المسلمين المهاجرين والانصار، وبنى على ذلك التآخي مجتمعه الاسلامي المجيد وانتم بوجود طلبة من خمس واربعين دولة عندكم تستطيعون ان تقتدوا به وتقدموا هذه الخدمة الجليلة للاسلام والمسلمين. والمسلمون اليوم بأمس الحاجة إليها فانهم في شتى اصقاع الارض ابتلوا بالاستعمار - الغازي الكافر - منهم من يئن تحت وطأته مباشرة ومنهم من يسيطر عملاؤه عليهم وبدؤا اليوم يجاهدون الاستعمار وعملاءه فهذى الجزائر يجاهد مسلموها فرنسا ويجرى عليهم... وفي اريتيريا يجاهد ثوارها هيلاسيلاسي امبراطور الحبشة ويجرى عليهم... وعلماء المسلمين في ايران يجاهدون الطاغوت وسيده المستعمر ويكافحون لطرد اقسى استعمار كافر على وجه الارض لاعادة الاحكام الاسلامية إلى البلد الاسلامي وجرى عليهم كذا وكذا... قلت هذا بعد ان أفضت الحديث عن مأسي التفرقة بين المسلمين وضربت الامثال لذلك وأتممت الحديث وجاء دور مضيفي الشيخ بن باز للحديث - وكان قد أنبئ باني من أتباع مدرسة اهل البيت وكان ضريرا لا يبصر - فإذا به يتنحنح ثم يقول بالحرف الواحد: " انتم مشركون أسلموا ثم اطلبوا من المسلمين أن يتحدوا معكم ". فثار الدم في عروقي واشتركت معه في نقاش طويل وذكره خارج عن الصدد (1). استمعت في سفراتي إلى الحج إلى خطباء الجمعة والجماعة في مكة والمدينة واشتركت في النقاش احيانا مع الخطباء بين صلاتي المغرب والعشاء بمسجد الخيف وحضرت ندوات رابطة العالم الاسلامي بمكة مستمعا واجتمعت في اسفارى بعلماء مصر وخاصة الازهر الشريف وسائر بلاد المسلمين في لبنان وبلاد الخليج والهند وباكستان وكشمير وغيرها وطارحتهم سمعت احيانا ما لا يصلح نقله اليوم وادركت من خلال مطارحاتي مع مفكري المسلمين وعلمائهم وقادتهم - ولا ينب‍ ؟ ك مثل خبير - انه لن يتحقق أي تقارب أو تفاهم بين المسلمين دون تدارس مسائل الخلاف والبحث عن


(1) انما اشرت إلى احاديثي في هذه السفرة ليعلم مدى اخلاصي للشعار الذى كنت ارفعه والاطروحة التى كنت اطرحها واحيانا كان الالم يعصر قلبي حين التحدث والدمع ينحدر من عيني. وإذا بي أجابه تلك المجابهة الفظة من هذا الشيخ.

[24]

منشئها ثم المبادرة إلى علاجها وإذا كان لابد لنا من معرفة منشأ الخلاف في مسائل الخلاف من اجل علاجها فسنذكر في ما يأتي امثلة منها ثم نختم البحوث بما ينبغي أن نعمله في سبيل علاج مسائل الخلاف بحوله تعالى.

[25]

- 3 - بعض صفات الله جل اسمه ومنشأ الخلاف حولها في المسلمين من يرى أن الله: خلق آدم على صورته (1). وأن له أصابع (2) وساقا (3) وقدما. وأنه يضع قدمه يوم القيامة على نار جهنم أو على جهنم فتقول قط، قط، قط (4). وأن له مكانا، وأنه ينتقل من مكان إلى مكان، وذلك لما رووا: أن رسول الله قال: " كان ربنا قبل أن يخلق خلقه في عماء - أي ليس معه شئ - ما تحته هواء، وما فوقه هواء، وما ثم، خلق عرشه على الماء (5).


(1) صحيح البخاري، كتاب الاستئذان، باب بدء السلام. صحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير الحديث 28، وكتاب البر، باب النهي عن ضرب الوجه الحديث 115، وارشاد الساري ج 10 / 490، ومسند أحمد ج 2 / 244 و 251، و 365 و 323 و 424 و 462 و 569. (2) صحيح البخاري، تفسير سورة الزمر ج 2 / 122 وكتاب التوحيد، باب قول الله: لما خلقت بيدي ج 4 / 186 وباب وجوه يومئذ ناضرة ج 4 / 192. صحيح مسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، الحديث: 19، 21، 22. (3) صحيح البخاري، تفسير قوله تعالى " يوم يكشف عن ساق " من سورة ن والقلم، الاية 43. (4) صحيح البخاري، تفسير سورة ق، وكتاب التوحيد، باب أن رحمة الله قريب من المحسنين، ج 4 / 191 والترمذي، كتاب صفة الجنة، باب ما جاء في خلود أهل الجنة وأهل النار. وصحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، الحديث: 35 و 36 و 37 و 38. (5) سنن ابن ماجة، المقدمة، باب في ما انكرت الجهمية الحديث رقم 182. - >

[26]

وأنه قال: أن عرشه على سماواته كهكذا، وقال بأصابعه مثل القبة عليه، وانه ليئط به أطيط الرجل بالراكب (1). وانه قال: ينزل الله في آخر الليل إلى السماء الدنيا فيقول من يسألني فأستجيب له ومن يسألني فأعطيه... (2). وأنه قال: ينزل في ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا فيغفر... (3). وانه قال عن يوم القيامة: يقال لجهنم هل امتلات وتقول: هل من مزيد فيضع الرب تبارك وتعالى قدمه عليها فتقول: قط قط. وفي رواية: فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله فتقول قط قط فهنالك تمتلئ ويزوى بعضها إلى بعض (4).


< - سنن الترمذي، تفسير سورة هود، الحديث الاول وفيه العلماء - أي ليس معه شئ، ومسند أحمد ج 4 / 11 و 12. (1) سنن أبي داود، كتاب السنة، باب في الجهمية، رقم الحديث 4726. وسنن ابن ماجة المقدمة باب في ما أنكرت الجهمية. وسنن الدارمي، كتاب الرقائق، باب في شأن الساعة ونزول الرب تعالى وراجع كتاب التوحيد لمحمد بن عبد الوهاب (ت 1206 ه‍) ومنهاج السنة. (2) صحيح البخاري، كتاب التهجد، باب الدعاء والصلاة في آخر الليل، وكتاب التوحيد باب قوله تعالى " يريدون أن يبدلوا كلام الله "، وكتاب الدعوات باب الدعاء نصف الليل. صحيح مسلم، كتاب الدعاء، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل. وسنن أبي داود، كتاب السنة، باب في الرد على الجهمية، الحديث رقم 4733 سنن الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في نزول الرب إلى السماء الدنيا كل ليلة ج 2 / 233 و 235 وكتاب الدعوات، باب حدثني الانصاري ج 13 / 30. وسنن ابن ماجة، كتاب اقامة الصلاة، باب ما جاء في أي ساعات الليل افضل، الحديث رقم 1366. وسنن الدارمي، كتاب الصلاة، باب ينزل الله إلى السماء الدنيا. وموطأ مالك، كتاب القرآن، باب 30. ومسند أحمد ج (2 / 264، 267، 282، 419، 433، 487، 504، 521 ج 3 / 34، ج 4 / 16). (3) سنن الترمذي، أبواب الصوم، باب ما جاء في ليلة النصف من شعبان. سنن ابن ماجة، كتاب اقامة الصلاة، باب ما جاء في ليلة النصف من شعبان مسند أحمد ج 2 / 433. (4) كلتا الروايتان عن الصحابي أبي هريرة في تفسير سورة ق من صحيح البخاري، ج 3 / 128 وفي باب - >

[27]

حول رؤيته: رووا ان رسول الله (ص) يرى ربه يوم القيامة. فقد قال (ص): ياتيني المؤمنون للشفاعة بعد اباء الانبياء من الشفاعة. " فانطلق فأستئذن على ربي فيؤذن لي فإذا رأيت ربي وقعت ساجدا - إلى قوله - ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة ثم أرجع فإذا رأيت ربي وقعت ساجدا... " الحديث (1). وأنه قال: أن الله تبارك وتعالى ينزل يوم القيامة إلى العباد ليقضي بينهم (2). وأنه قال: انكم سترون ربكم عيانا (3). وأن المسلمين يرون ربهم يوم القيامة كما يرون القمر لا يضامون في رؤيته (4). وأن الله يقول يومئذ: من كان يعبد شيئا فليتبع، فمنهم من يتبع الشمس ومنهم من يتبع القمر ومنهم من يتبع الطواغيت وتبقى هذه الامة فيها منافقوها فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا أتانا ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه... (5).


< - " وجوه يومئذ ناضرة " من كتاب التوحيد منه، ج 4 / 191. وعن أنس حديث القدم في باب قول الله تعالى وهو العزيز الحكيم " سبحان ربك... " من كتاب التوحيد منه ج 4 / 129. وراجع سنن الترمذي، كتاب الجنة، باب ما جاء في خلود اهل الجنة واهل النار ج 10 / ومسند احمد 2 / 396. (1) صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى " لما خلقت بيدي " ج 4 / 185 وفي باب قول الله تعالى " وجوه يومئذ ناضرة " بتفصيل أو في راجع ج 4 / 190 منه. (2) سنن الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في الرياء والسمعة. (3) صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: " وجوه يومئذ ناضرة " ج 4 / 188. (4) صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى " وجوه يومئذ ناضرة " وكتاب الصلاة، باب فضل صلاة العصر وباب وقت العشاء إلى نصف الليل وكتاب التفسير باب سورة ق. صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب فصل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما. (5) صحيح البخاري، باب قول الله تعالى " وجوه يومئذ ناضرة " ج 4 / 188 وراجع تفسير سورة ق منه ج 3 / 128. صحيح مسلم، كتاب الايمان، باب اثبات رؤية المؤمنين في الاخرة لربهم.

[28]

وفي رواية: حتى إذا لم يبق الا من كان يعبد الله من بر وفاجر أتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها فيقال: ماذا تنظرون، تتبع كل أمة ما كانت تعبد، قالوا... نحن ننتظر ربنا الذي نعبد. فيقول أنا ربكم فيقولون لا نشرك بالله شيئا مرتين أو ثلاثا... فيقول هل بينكم وبينه علامة فتعرفونه بها فيقولون الساق فيكشف عن ساق (ثم يسجدون) (1). ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة، فقال أنا ربكم فيقولون أنت ربنا (2). في الجنة. وأنه قال عن المؤمنين في الجنة: ما بينهم وما بين أن ينظروا إلى ربهم الا رداء الكبر على وجهه في جنة عدن (3). وأن أهل الجنة إذا دخلوها يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم ؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا ؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار ؟ فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عزوجل (4). وأن رسول الله (ص) قال: بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور، فرفعوا رؤوسهم، فإذا الرب قد أشرف عليهم من فوقهم فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة ! ! قال: وذلك قول الله " سلام قولا من رب رحيم " قال: فينظر إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شئ من النعيم، ماداموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم ويبقى نوره وبركته (5).


(1) ما بين القوسين ملخص من لفظ الحديث في السجدة. (2) صحيح مسلم كتاب الايمان، باب معرفة طريق الرؤية الحديث: 299 واللفظ منه. وصحيح البخاري في تفسير سورة النساء، باب قوله ان الله تعالى لا يظلم مثقال ذرة (ج 3 / 80) واللفظ فيه مختصر، وكذلك في كتاب التوحيد منه، باب قول الله تعالى وجوه يومئذ ناضرة (ج 4 / 189. لو تفضل الراءون ربهم ووصفوا لنا صورة ربهم التي رأوه عليها وساقه التي هي علامة بينهم وبين ربهم لكان ذلك فضلا منهم كبيرا يشكرون عليه ويحمدون. (3) صحيح البخاري كتاب التوحيد باب قول الله تعالى وجوه إلى ربهم... (ج 4 / 191). وفي صحيح مسلم كتاب الايمان باب اثبات رؤية المؤمنين في الاخرة ربهم، الحديث: 296. (4) صحيح مسلم، كتاب الايمان، باب اثبات رؤية المؤمنين في الاخرة ربهم، الحديث 297. (5) سنن ابن ماجة، كتاب المقدمة، باب في ما انكرت الجهمية الحديث 184.

[29]

وأنه قال... أكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشيا ثم قرأ رسول الله (ص) " وجوه يومئذ ناضرة إلى ربهم ناظرة ". (1). وان رسول الله (ص) اخبر وقال ان اهل الجنة يزورون الله عزوجل ويبرز لهم عرشه ويتبدى لهم في روضة من رياض الجنة ولا يبقى في ذلك المجلس احد الا حاضره الله عزوجل محاضرة حتى انه يقول للرجل منكم: " الا تذكر يا فلان يوم عملت كذا وكذا " فيقول يا رب افلم تغفر لي، فيقول " بلى... " ثم ننصرف إلى منازلنا فتلقانا ازواجنا فيقلن اهلا ومرحبا لقد جئت وان بك من الجمال والنور والطيب افضل مما فارقتنا عليه فنقول انا جالسنا اليوم ربنا عزوجل ويحقنا ان ننقلب بمثل ما انقلبنا (2). نكتفي بايراد ما أوردنا من الاحاديث الكثيرة الوفيرة في صفات أعضاء الله ورؤية العباد ربهم يوم القيامة لاننا بصدد ضرب المثل لبيان منشأ الخلاف ولسنا بصدد الاحصاء وندرس في ما يأتي الخلاف حول تأويل هذه الاحاديث. الخلاف على تأويل تلكم الاحاديث. في المسلمين من يؤمن بظواهر تلكم الاحاديث ويرى الايمان بها ايمانا بالله ودليلا على القول بتوحيده تعالى. ويسمون من يؤولها إلى غير معنى الجسمية: بمعطلة الصفات، أي معطلة صفات الله. وقد دون مسلم تلك الاحاديث في كتاب الايمان من صحيحه والبخاري في كتاب التوحيد من صحيحه. وألف ابن خزيمة كتابا سماه " التوحيد واثبات صفات الرب عزوجل التي وصف بها نفسه في تنزيله وعلى لسان نبيه نقل الاخبار الصحيحة نقل العدول عن العدول من غير قطع في اسناد ولا جرح في ناقلي الاخبار الثقات " (3). وهذا فهرس بعض أبواب الكتاب كما جاء في آخره:


(1) سنن الترمذي، كتاب صفة الجنة باب رؤية الرب، ج 10 / 18 - 19. (2) سنن الترمذي ابواب صفة الجنة باب ما جاء في سوق الجنة (ج 10 / 16). سنن ابن ماجة كتاب الزهد باب صفة اهل الجنة الحديث: 4336 ص: 1451. (3) هو الحافظ الكبير امام الائمة محمد بن اسحاق بن خزيمة (ت: 311 ه‍)، استاذ البخاري ومسلم في الحديث، طبع الكتاب سنة 1378 ه‍. نشر مكتبة الكليات الازهرية بميدان الازهر في القاهرة. راجع ترجمة المؤلف في مقدمة الكتاب.

[30]

أبواب كتاب ابن خزيمة ص اثبات النفس لله ص 6 اثبات وجه لله ص 10 باب ذكر صورة ربنا جل وعلا ص 19 باب ذكر اثبات العين لله جل وعلا ص 42 باب اثبات السماع والرؤية لله جل وعلا ص 44 باب اثبات اليد ص 53 باب ذكر اثبات الرجل لله عزوجل ص 80 باب ذكر البيان أن الله عزوجل ينظر إليه جميع المؤمنين ص 167 باب ذكر البيان أن جميع المؤمنين يرون الله يوم القيامة مخليا به 178 والف الامام الحافظ عثمان بن سعيد الدارمي (ت 280 ه‍) في الرد على الجهمية ومن ابوابه: باب استواء الرب على العرش وارتفاعه إلى السماء وبينونته من الخلق. باب النزول ليلة النصف من شعبان. باب النزول يوم عرفة. باب نزول الرب يوم القيامة للحساب باب نزول الله لاهل الجنة باب الرؤية (1). وألف الذهبي كتاب (العلو العال للعلي الغفار) (2) أورد فيه الايات والاحاديث التي يفهمون منها أن مكان الله في العلو المكاني، ثم ذكر أقوال الصحابة والتابعين والعلماء والمحدثين في تأييد ذلك.


(1) ط. ليدن سنة 1960 م. (2) الامام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي (ت: 748 ه‍) نشر المكتبة السلفية في المدينة المنورة، باب الرحمة، ط. الثانية سنة 1388 ه‍.

[31]

منشأ الخلاف حول بعض صفات الله ورؤيته في المسلمين من درسنا آراءهم في صفات الله المذكورة وفيهم من يتلو في رد تلكم الاقوال، قول الله تعالى: " لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار ". ويقول: ان قول الله " وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة " أي إلى أمر ربها ناظرة " أي منتظرة وذلك مثل قوله تعالى في حكاية قول اولاد يعقوب لابيهم " واسأل القرية التي كنا فيها " أي وأسأل أهل القرية " قدر (امر) في تلك الاية وفي قد هذه الاية (أهل) وهكذا تؤول سائر الايات التي ظاهرها يدل على أن الله تبارك وتعالى جسم. ويسمون اهل تلك الاقوال بالمجسمة والمشبهة أي الذين يشبهون ربهم بمخلوقاته ويقولون انه جسم. ويروون عن الامام جعفر بن محمد الصادق انه قال: من زعم ان الله فوق العرش فقد صير الله محمولا ولزمه أن الشئ الذي يحمله أقوى منه، ومن زعم أن الله في شئ، أو على شئ أو يخلو منه شئ أو يشغل به شئ فقد وصفه بصفة المخلوقين والله خالق كل شئ، لا يقاس بالقياس ولا يشبه بالناس، لا يخلو منه مكان، ولا يشتغل به مكان (1). يستشهدون بقول الامام علي (ع): ان الله لا ينزل ولا يحتاج أن ينزل وانما يقول ذلك من ينسبه إلى نقص وزيادة وكل متحرك يحتاج إلى من يحركه أو يتحرك به فاحذروا في صفاته من أن تقضوا له على حد تحدونه بنقص أو زيادة أو تحريك أو تحرك أو زوال أو استنزال أو نهوض أو قعود (2). وقال الراوى للامام علي بن موسى الرضا: انا روينا ان الله عزوجل قسم لموسى الكلام ولمحمد الرؤية فقال أبو الحسن - الرضا - فمن المبلغ عن الله عزوجل إلى الثقلين الجن والانس " لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار ولا يحيطون به علما وليس كمثله شئ اليس محمدا (ص) قال: بلى، قال: فكيف يجيى رجل إلى الخلق جميعا فيخبرهم انه جاء من عند الله وانه يدعوهم إلى


(1) راجع الكافي ج 1 / كتاب التوحيد والتوحيد للصدوق والبحار للمجلسي ج 4 ط الجديدة. كتاب التوحيد (2) الكافي باب ابطال الرؤية. التوحيد للصدوق. البحار للمجلسي ج 4 باب نفي الرؤية.

[32]

الله بأمر الله ويقول " لا تدركه الابصار... الايات ثم يقول انا رأيته بعيني واحطت به علما وهو على صورة البشر اما تستحون: ما قدرت الزنادقة ان ترميه بهذا ان يكون يأتي عن الله بشئ ثم يأتي بخلافه من وجه آخر. قال الراوى فانه يقول: " ولقد رآه نزلة اخرى " فقال أبو الحسن ان بعد هذه الاية ما يدل على ما رآى حيث قال: ما كذب الفؤاد ما رآى، يقول ما كذب فؤاد محمد (ص) ما رأت عيناه ثم اخبر بما رآى يقول ما كذب فؤاد محمد (ص) ما رأت عيناه ثم اخبر بما رآى فقال: لقد رآى من آيات ربه الكبرى فآيات الله عزوجل غير الله وقد قال: " ولا يحيطون به علما " فإذا رأته الابصار فقد احاطت به العلم ووقعت المعرفة، فقال أبو قرة فتكذب بالروايات فقال أبو الحسن (ع) إذا كانت الروايات مخالفة للقرآن كذبت بها... (1). وهكذا بين ائمة اهل البيت تفسير الآيات التي فيها شبهة رؤية الله وتجسيمه وكشفوا عن المقصود عن الساق واليد والعرش ونظائرها في الآيات الكريمة وان الله خلق آدم على صورته في الحديث (2) وتركنا ايرادها لانا لسنا بصدد ايراد ادلة المدرستين واستقصاء ادلتهما في ما ارتأيا بل اردنا ان نورد امثلة مما ورد من الاحاديث المتعارضة في صفات الله لدى المدرستين وان احاديث كل مدرسة تؤول آيات القرآن باتجاهها الخاص، وانه هكذا نشأ الخلاف حول صفات الله ثم ندرس في ما يأتي منشأ الخلاف في بعض صفات الانبياء بحوله تعالى:


(1) توحيد الصدوق ط. تهران سنة 1387 ه‍ ق ص 111 - 112 واحاطت به العلم أي احاطت به الابصار علما وقد اوردنا الحديث موجزا. (2) يراجع بشأن صفات الله كتب الكافي للشيخ الكليني والتوحيد وعيون اخبار الرضا للشيخ الصدوق.

[33]

- 4 - الخلاف في صفات الانبياء وما خصهم الله بها ومنشؤها يرى البعض حول صفات الانبياء: ان التبرك بآثار الانبياء وإتخاذ قبورهم محلا للعبادة شرك. وأن البناء على قبورهم في حد الشرك. وأن الاحتفال بأيام مواليدهم ومواليد الاولياء معصية وبدعة محرمة. وأن التوسل إلى الله بغيره في حد الشرك، والاستشفاع برسول الله (ص) بعد وفاته مخالف للشرع الاسلامي. ويستدل مخالفوهم بما يأتي: أ - التبرك بآثار الانبياء يستدلون في مشروعية التبرك بآثار الانبياء بما تواتر نقله في جميع كتب الحديث أن الصحابة تبركوا برسول الله (ص) وآثاره في حياة الرسول (ص) بمباشرته، و دعوته بذلك، وتبركوا - أيضا - بآثاره بعد وفاته، وفي ما يأتي بعض ما يستدلون به: التبرك ببصاق النبي. في صحيح البخاري عن سهل بن سعد في باب ما قيل في لواء النبي (ص) من كتاب المغازى (1) ان رسول الله (ص) قال يوم خيبر لاعطين هذه الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، قال: فبات الناس يدوكون ليلتهم


(1) صحيح البخاري ج 3 / 35.

[34]

ايهم يعطاها فلما اصبح الناس غدوا على رسول الله (ص)، كلهم يرجو ان يعطاها فقال: اين علي فقيل: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، فارسل فأتي به... ولفظه في كتاب الجهاد والسير (1) (فأمر فدعي له فبصق في عينيه فبرأ مكانه حتى كأنه لم يكن به شئ...) الحديث. وفي لفظ مسلم بن الاكوع بصحيح مسلم: قال فأتيت عليا فجئت به اقوده وهو ارمد حتى اتيت به رسول الله (ص) فبصق في عينيه فبرأ واعطاه الراية... الحديث (2). التبرك بوضوء النبي. في صحيح البخاري عن انس بن مالك قال: رأيت رسول الله (ص) وحانت وقت صلاة العصر فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه فاتى رسول الله (ص) بوضوء فوضع رسول الله في ذلك الاناء يده وامر الناس ان يتوضأوا منه فرأيت الماء ينبع من تحت اصابعه حتى توضؤا من عند آخرهم (3). التبرك بنخامة النبي. روى البخاري في صلح الحديبية عن عروة بن مسعود قال عن رسول الله (ص) واصحابه. والله ما تنخم رسول الله (ص) نخامة الا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده وانه إذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه (4). التبرك بشعر النبي (ص) روى مسلم في صحيحه:


(1) باب دعاء النبي إلى الاسلام ج 2 / 107. (2) صحيح مسلم كتاب الجهاد والسير الحديث 132. (3) صحيح البخاري كتاب الوضوء باب التماس الوضوء إذا حانت الصلاة ج 1 / 31. (4) صحيح البخاري كتاب الشروط / باب (الشروط في الجهاد والمصالحة مع اهل الحرب وكتابة الشروط). وكتاب الوضوء منه باب البزاق والمخاط ونحوه... 1 / 38 وباب استعمال فضل وضوء الناس... 1 / 33 ومسند احمد 4 / 329، 330.

[35]

ان رسول الله (ص) اتى منى وحلق رأسه بعد ان رمى ونحر " ثم جعل يعطيه الناس ". وفي رواية اخرى: انه دعا الحالق فحلقه فاعطاه ابا طلحة فقال: اقسمه بين الناس (1). وروى ايضا عن انس قال: لقد رأيت رسول الله (ص) والحلاق يحلقه واطاف به اصحابه. فما يريدون ان تقع شعرة الا في يد رجل (2). وفي ترجمة خالد باسد الغابة: ان خالد بن الوليد كان له الاثر المشهور في قتال الفرس والروم، وافتتح دمشق، وكان في قلنسوته التي يقاتل بها شعر من شعر رسول الله (ص) يستنصر به و ببركته، فلا يزال منصورا. وفي ترجمته - ايضا - باسد الغابة والاصابة ومستدرك الحاكم واللفظ له: ان خالد بن الوليد فقد قلنسوة له يوم اليرموك فقال اطلبوها، فلم يجدوها ثم طلبوها فوجدوها وإذا قلنسوة خلقة فقال خالد اعتمر رسول الله (ص) فحلق رأسه وابتدر الناس جوانب شعره فسبقتهم إلى ناصيته فجعلتها في هذه القلنسوة فلم اشهد قتالا وهي معي الا رزقت النصر (3). وروى البخاري: انه كان عند ام سلمة زوج النبي (ص) شئ من شعر النبي فإذا أصاب انسانا


(1) صحيح مسلم كتاب الحج. (باب: بيان ان السنة يوم النحر ان يرمي ثم ينحر ثم يحلق، والابتداء في الحلق بالجانب الايمن من راس المحلوق) (ح / 323) و (ح / 326). وراجع الحديث 324 و 325 منه في سنن ابي داود بكتاب المناسك باب وطبقات ابن سعد 1 / 135 ومسند احمد 3 / 111، 133 و 137 و 146 و 208 و 214 و 239 و 256 و 287 و 4 / 42 ومغازي الواقدي ص 429 (2) صحيح مسلم كتاب الفضائل باب قرب النبي (ص) من الناس وتبركهم به الحديث 74 ص 1812 (3) المستدرك للحاكم كتاب معرفة الصحابة كتاب مناقب خالد ج 3 / 299 واللفظ له وبترجمة خالد في اسد الغابة والاصابة وموجز الخبر بمنتخب كنز العمال بهامش مسند احمد 5 / 178 تاريخ ابن كثير ج 7 / 113.

[36]

عين أرسلوا إليها قدحا من الماء تغمس الشعر فيه فيداوي من أصيب (1). وفي صحيح البخاري وغيره: قال عبيدة لان تكون عندي شعرة منه - أي النبي - أحب الي من الدنيا وما فيها (2). التبرك بسهم النبي (ص) روى البخاري في صلح الحديبية وقال: " نزل الرسول (ص) بجيشه في أقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتبرضه الناس تبرضا فلم يلبثه الناس حتى نزحوه وشكوا لى رسول الله (ص) العطش فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه فوالله ما يزال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه (3). التبرك بموضع كف النبي (ص). في ترجمة حنظلة من الاصابة ومسند احمد ما موجزه: قال حنظلة دنا بي جدي إلى النبي (ص) فقال ان لي بنين ذوي لحى ودون ذلك وان ذا أصغرهم فادع الله له فمسح رأسه وقال: بارك الله فيك أو بورك فيه، قال الراوي فلقد رأيت حنظلة يؤتى بالانسان الوارم وجهه أو البهيمة الوارمة الضرع فيتفل على يديه و يقول: باسم الله ويضع يده على رأسه ويقول على موضع كف رسول الله (ص) فيمسحه عليه وقال الراوي فيذهب الورم (4). وفي لفظ الاصابة: ويقول باسم الله ويضع يده على رأسه موضع كف رسول الله فيمسحه عليه ثم يمسح موضع الورم فيذهب الورم. كان انتشار البركة من رسول الله (ص) إلى من حوله كانتشار الضوء من


(1) أوردناه ملخصا من صحيح البخاري، كتاب اللباس، باب ما يذكر في الشيب، ج 4 / 27. (2) صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب الماء الذي يغسل به شعر الانسان ج 1 / 31. ومسند أحمد 4 / 329 و 330. وسيرة ابن هشام. (3) صحيح البخاري، كتاب الشروط، (باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط ج 2 / 81 وراجع كتاب المغازي منه، باب غزوة الحديبية، وراجع طبقات ابن سعد ج 3 / 29، وباب ذكر علامات بعد نزول الوحي ج 1 / ق 1 / 118، ومغازي الواقدي ص 247. (4) مسند أحمد 5 / 68 وتفصيله بترجمة حنظلة بن حذيم بن حنيفة التميمي في الاصابة وفي لفظه، وأورد - >

[37]

الشمس والشذى من الزهر، لا ينفك عنه اينما حل، في صغره وكبره، سفره وحضره ليله ونهاره، سواء أكان في خباء حليمة السعدية رضيعا، أم في سفره إلى الشام تاجرا أم في خيمة أم معبد مهاجرا، أم في المدينة قائدا وحاكما، وما أوردناه أمثلة من أنواعها وليس من باب الاحصاء فان احصائها لا يتيسر للباحث، وفى ما اوردناه الكفاية لمن كان له قلب أو القى السمع وهو شهيد. وندرس بعد هذا في ما يلي مسألة الاستشفاع برسول الله (ص) ثم ندرس منشأ الخلاف في جملة ميزات رسول الله على سائر الناس ان شاء الله تعالى: ب - الاستشفاع برسول الله (ص). يستدل القائلون بمشروعية التوسل برسول الله (ص) والاستشفاع به في كل زمان بأن ذلك وقع برضا من الله قبل ان يخلق النبي وفي حياته وبعد وفاته وكذلك يقع يوم القيامة وفي ما يأتي الدليل على ذلك: أ - التوسل بالنبي قبل أن يخلق: روى جماعة منهم الحاكم في المستدرك من حديث عمر بن الخطاب (رض) أن آدم لما اقترف الخطيئة قال: (يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي، فقال الله وكيف عرفت محمدا ولم أخلقه ؟ قال يا رب لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت قوائم العرش مكتوب عليها " لا اله الا الله محمد رسول الله " فعرفت لم تضف إلى اسمك الا أحب الخلق اليك فقال الله تبارك وتعالى صدقت يا آدم انه لاحب الخلق الي إذ سألتني بحقه فقد غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك). وذكره الطبراني وزاد فيه " وهو أخر الانبياء من ذريتك " (1). وأخرج المحدثون والمفسرون في تفسير الاية " ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفحتون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين ". ان اليهود من اهل المدينة وخيبر إذا قاتلوا من يليهم من مشركي العرب من


< - الخبر أيضا بأسناد اخرى. (1) مستدرك الحاكم كتاب التاريخ في اخر كتاب البعث، ج 2 / 615 ومجمع الزوائد 8 / 253 وتحقيق النصرة للمراغي (ت: 816 ه‍)، ص 113 - 114. وهو الذي نقله عن الطبراني.

[38]

الاوس والخزرج وغيرهما قبل أن يبعث النبي كانوا يستنصرون به عليهم ويستفتحون لما يجدون ذكره في التوراة فيدعون على الذين كفروا ويقولون: " اللهم انا نستنصرك بحق النبي الامي الا نصرتنا عليهم " أو يقولون " اللهم ربنا انصرنا عليهم باسم نبيك... (1) فينصرون فلما جاءهم كتاب من عند الله وهو القرآن مصدق لما معهم وهو التوراة والانجيل وجاءهم ما عرفوا وهو محمد (ص) ولم يشكوا فيه كفروا به لانه لم يكن من بني اسرائيل (2). ج - التوسل بالنبي في حياته. روى احمد بن حنبل والترمذي وابن ماجة والبيهقي عن عثمان بن حنيف ان رجلا ضرير البصر أتى النبي (ص) فقال ادع الله ان يعافيني، قال ان شئت دعوت وان شئت صبرت فهو خير لك، قال فادعه، قال فأمره ان يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: " اللهم اني أسألك واتوجه بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد اني توجهت بك إلى ربي في حاجتي لتقضى لي، اللهم شفعه في " (3) صححه البيهقي والترمذي. التوسل بالنبي بعد وفاته. روى الطبراني في معجمه الكبير من حديث عثمان بن حنيف. ان رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان (رض) في حاجة له فكان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته فلقي ابن حنيف فشكا إليه ذلك، فقال عثمان بن حنيف ائت


(1) يظهر من الروايات أنهم كانوا يدعون بأمثال هذه الادعية مما فيه التوسل بالنبي إلى الله جل اسمه. (2) تواترت الروايات بالمضمون الذي أوردناه في كل من: دلائل النبوة للبيهقي ص 343 - 345 وتفسير الاية 89 من سورة البقرة وتفسير محمد بن جرير الطبري ج 1 / 324 - 328 وتفسير النيسابوري بهامشه ج 1 / 333. والحاكم بتفسير الاية 89 بسورة البقرة من كتاب التفسير بمستدركه ج 4 / 263 وتفسير السيوطي عن دلائل النبوة لابي نعيم وتفسير محمد بن عبد حميد وتفسير ابي محمد عبد الرحمن بن أبي خاتم بن ادريس الرازي وتفسير أبو بكر محمد بن ابراهيم المنذر النيسابوري. (3) مسند أحمد 4 / 138. وسنن الترمذي، كتاب الدعوات ج 13 / 80 - 81 وسنن ابن ماجة، كتاب اقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في صلاة الحاجة الحديث 1385 ص 441 وابن الاثير بسنده بترجمة عثمان بن حنيف من اسد الغابة والبيهقي برواية صاحب تحقيق النصرة عنه. تحقيق النصرة / 114. وأوردنا لفظ امام الحنابلة أحمد لان المنكرين للشفاعة من أتباع الشيخين ابن تيمية وابن عبد الوهاب من أتباع ابن حنبل.

[39]

الميضاة فتوضأ ثم ائت المسجد فصل ركعتين ثم قل: اللهم اني اسألك وأتوجه اليك بنبينا محمد (ص) نبي الرحمة، يا محمد اني اتوجه بك إلى ربي فتقضي حاجتي وتذكر حاجتك. فانطلق الرجل فصنع ما قال له ثم أتى باب عثمان بن عفان فجاءه البواب فأخذ بيده، فادخله على عثمان فأجلسه معه على الطنفسة فقال: ما حاجتك ؟ فذكر حاجته فقضاها له ثم قال له ما ذكرت حاجتك حتى كانت الساعة وقال ما كان لك من حاجة فاذكرها. الاستشفاع بالعباس عم النبي (ص) في صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب (رض) كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: اللهم انا كنا نتوسل بنبينا فتسقينا وانا نتوسل اليك بعم نبينا فاسقنا، قال فيسقون (2). كان الاستشفاع بالعباس لانه عم رسول الله (ص) وليس لصفة أخرى فيه. مع وجود هذه الاحاديث من سنة الرسول (ص) لا ينبغي أن يكون ثمة خلاف في مسألة صفات الانبياء وخاصة خاتم الرسل المذكورة وما فضلهم الله بها، وخصهم على سائر الناس، وفي ما يأتي سنذكر بعض ما نراه سببا للخلاف في صفات خاتم الرسل خاصة. منشأ الخلاف حول صفات رسول الله (ص) مع صراحة النصوص المتواترة المذكورة آنفا حول بعض صفات الانبياء كيف نشأ الخلاف حولها ؟ الجواب انا إذا انعمنا النظر في روايات جمة اخرى رويت في انتقاص شأن الانبياء وانتشرت في كتب الحديث مما تنزل منزلة الانبياء عن مستوى سائر الناس


(1) تحقيق النصرة ص 114 - 115. رواه عن الطبراني في معجمه الكبير. (2) صحيح البخاري، كتاب الاستسقاء، باب سؤال الناس الامام الاستسقاء إذا قحطوا. وكتاب فضائل أصحاب النبي، باب مناقب العباس بن عبد المطلب. صحيح البخاري 1 / 124 و 2 / 200. وسنن البيهقي، كتاب صلاة الاستسقاء، باب الاستسقاء بمن ترجى بركة دعائه، ج 3 / 352.

[40]

تكون للمعتقد بصحتها رؤية خاصة تناقض محتوى الاحاديث الآنفة ولئلا يطول بنا المقام نقتصر في ما يأتي بالاشارة إلى بعض ما روى بشأن خاتم الانبياء وأفضل المرسلين صلى الله عليهم وسلم، ففيه كفاية لمن اراد أن يتدبر ويتبصر، منها: 1 - ما رواه البخاري في صحيحه وقال: ان رسول الله (ص) قبل ان ينزل عليه الوحي قدم إلى زيد بن عمرو بن نفيل سفرة فيها لحم فأبى ان يأكل منها ثم قال: اني لا آكل الا مما ذكر اسم الله عليه (1) إذا فان زيدا كان في الجاهلية افضل من رسول الله يتجنب من امر الجاهلية مالا يتجنبه رسول الله (ص). 2 - روى البخاري ومسلم: ان رسول الله (ص) لما جاءه جبرائيل بآيات " اقرأ باسم ربك الذي خلق - إلى قوله - علم بالقلم " رجع النبي (ص) إلى بيته ترجف بوادره وقال لخديجة اني خشيت على نفسي فقالت له خديجة: ابشر، كلا فوالله لا يخزيك الله أبدا وانطلقت به إلى ورقة بن نوفل وكان امرءا تنصر في الجاهلية فاخبره رسول الله (ص) خبر ما راه. فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى... الحديث (2). إذا فان ورقة النصراني كان أدرى بالوحي وجبرائيل من رسول الله الذي خوطب بالوحي ومن كلام ورقة اطمأن النبي بمصيره. والا فانه كان يريد أن يلقي بنفسه من حالق جبل. حسب ما رواه ابن سعد في طبقاته وقال أيضا ان رسول الله (ص) قال: ان الابعد يعني نفسه لشاعر أو مجنون لا تحدث بها عني قريش ابدا (3).


(1) البخاري كتاب الذبائح، باب ما ذبح على النصب والاصنام ج 3 / 207 ومسند احمد 2 / 69 و 86. وزيد بن عمرو بن نفيل كان ابن عم الخليفة عمرو والد زوجته، ورد ذكره في ترجمة ابنه سعيد في الاستيعاب 2 / 4. (2) صحيح البخاري: باب بدء الوحي، الجزء 1 / 3 وتفسير سورة اقرأ وصحيح مسلم: كتاب الايمان باب بدء الوحي الحديث 252، ومسند احمد 6 / 223 و 233. والبوادر: اللحمة بين المنكب والعنق تضطرب عند الفزع. وقد لخصنا الخبر. وناقشنا روايات بعثة النبي الواردة في كتب الحديث والسيرة والتفسير وذكرنا عللها في الجزء الرابع من " نقش أئمة " وهو سلسلة دراسات عن أثر أئمة أهل البيت (ع) في احياء الاسلام نشر منها سبعة أجزاء باللغة الفارسية وأوردنا الخبر الصحيح في ذلك، والحمد لله. (3) طبقات ابن سعد ج 1 / 129 - 130 وخبر البعثة بتاريخ الطبري. (*)

[41]

3 - روى البخاري ومسلم وقالا: ان رسول الله كان يغضب فيلعن ويسب ويؤذى من لا يستحقها ودعا الله ان يجعلها لمن بدرت منه إليه زكاة وطهورا (1). 4 - ورويا ايضا وقالا: ان بعض اليهود سحر رسول الله حتى يخيل إليه انه يفعل الشئ وما فعله (2). 5 - روى مسلم: ان رسول الله مر بقوم يلقحون النخل فقال: لو لم تلقحوها لصلح فتركوا تلقيحها فخرج شيصا فقال: أنتم أعلم بامور دنياكم (3). 6 - ورويا ايضا: ان رسول الله استمع إلى غناء جوار من الانصار فنهرهن أبو بكر (4). 7 - روى مسلم: ان رسول الله رفع عائشة على منكبه لتنظر إلى الحبشة الذين يلعبون في المسجد فنهرهم عمر (5). وفي رواية الترمذي: إذ طلع عمر فانفض الناس فقال رسول الله (ص) اني لانظر إلى شياطين الجن والانس قد فروا من عمر (6). وفي رواية:


(1) صحيح البخاري كتاب الدعوات، باب قول النبي (ص) من آذيته. وصحيح مسلم كتاب البر والصلة باب من لعنه النبي (ص) وليس له أهلا. (2) صحيح البخاري كتاب بدء الخلق باب صفة ابليس وجنوده وكتاب الطب باب هل يستخرج السحر وباب السحر وكتاب الادب باب ان الله يأمر بالعدل وكتاب الدعوات باب تكرير الدعاء وصحيح مسلم باب السحر. (3) صحيح مسلم، كتاب الفضائل باب وجوب امتثال ما قاله شرعا دون ما ذكره من معايش الناس... وسنن ابن ماجة باب تلقيح النخل. (4) صحيح البخاري: كتاب فضائل اصحاب النبي، باب مقدم النبي واصحابه المدينة وكتاب العيدين باب سنة العيدين لاهل الاسلام وصحيح مسلم كتاب صلاة العيدين، باب الرخصة في لعب يوم العيد. (5) صحيح مسلم: كتاب صلاة العيدين، باب الرخصة في اللعب الذى لا معصية فيه في ايام العيد. الحديث 18 و 19 و 20 و 21 و 22. (6) سنن الترمذي ابواب المناقب، باب مناقب عمر.

[42]

ان جارية سوداء ضربت بالدف وغنت بين يدي رسول الله (ص) بعد رجوعه من احدى غزواته فدخل عمر فالقت الدف تحت استها ثم قعدت عليها فقال رسول الله (ص) ان الشيطان ليخاف منك يا عمر. (1) 8 - روى البخاري ومسلم في صحيحيهما: عن عائشة أن النبي سمع رجلا يقرأ في المسجد فقال: رحمه الله أذكرني كذا و كذا آية أسقطتها من سورة كذا (2). رأينا في ما مر أن زيد بن عمرو بن نفيل ابن عم الخليفة عمر كان أتقى لله من رسوله يمتنع من أكل ما ذبح على الانصاب والاصنام بينما ياكله رسول الله. وأن ورقة بن نوفل النصراني يدرك أن الذي جاء إلى رسول الله (ص) هو جبرائيل ورسول الله لم يعرفه، وخشي ان يكون اصابه مس من الجن وان ايات سورة اقرأ هي من سجعهم. وان سحر اليهود اثر في رسول الله (ص) فكان يرى انه يفعل الشئ وما فعله. وانه أسقط من القرآن ايات نسيها حتى قرأها بعض الصحابة. وأنه أمر بعدم تلقيح النخيل ليصلح فلما أصبح شيصا قال لهم أنتم أعلم بامور دنياكم مني. وأنه استمع إلى غناء جوار من الانصار وكرهها أبو بكر وقال في شأن عمر ان الشيطان ليفر منك. ان تلكم الاحاديث وامثالها تثبت ان رسول الله كان دون زيد في الجاهلية وبعد الاسلام كان ورقة النصراني أدرى بالوحي وجبرئيل من رسول الله وان أبا بكر وعمر كانا أكثر تجنبا من اللهو واللغو من رسول الله (ص) وأن الصحابي الذي قرأ من القرآن ما كان قد أسقطه الرسول منه كان أقوى ذاكرة من رسول الله (ص) وأن رسول الله كسائر الناس لا يعصمه الله من عبث اليهود وسحرهم وأنه يغضب ويلعن ويسب


(1) سنن الترمذي: ابواب المناقب، باب مناقب عمر. ومسند احمد ج 5 / 353. وقد ناقشنا هذه الاحاديث وذكرنا عللها في الجزء 2 و 3 و 4 و 5 من كتاب (نقش ائمة) والحمد لله. (2) صحيح البخاري، باب قول الله " وصل عليهم "، وكتاب الشهادات باب شهادة الاعمى ونكاحه، وصحيح مسلم، كتاب فضائل القرآن، باب الامر بتعهد القرآن.

[43]

من لا يستحق (1). ومن آمن بصحة الاحاديث المذكورة آنفا تتكون له رؤية تناقض محتوى الاحاديث التى أشرنا إليها فيما خص الله به خاتم أنبيائه وميزه عن سائر الناس بفضائل جمة وحق للرجل ذي معرفة السعوديين أذن أن يقول " محمد رجالا مثلي مات ". أضف إلى هذه الاحاديث التي كونت رؤية تناقض تلك الفضائل ما فعله الخليفة الصحابي عمر بن الخطاب واجتهاده في قطعه الشجرة التي بويع تحتها رسول الله (ص) (2). وتفصيل الخبر في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 1 / 59. وينقض جميع الاحاديث التي تنقص من منزلة رسول الله (ص) ما أخبر عنه الامام على عن رسول الله في خطبته القاصعة حيث قال: ولقد قرن الله به صلى الله عليه وآله من لدن أن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره، ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل إثر أمه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علما ويأمرني بالاقتداء به ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري ولم يجمع يومئذ في الاسلام غير رسول الله صلى الله عليه وآله وخديجة وأنا ثالثهما أرى نور الوحي والرسالة وأشم ريح النبوة ولقد سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحي عليه صلى الله عليه وآله. فقلت يا رسول الله ما هذه الرنة ؟ قال هذا الشيطان أيس من عبادته (3). ولست أدري كيف لم يكن الرسول (ص) يعرف نفسه وعلى كتفه خاتم النبوة التي يعرفه بها كل من شاهده من أهل الكتاب (4).


(1) لما كانت احاديث مدرسة الخلفاء تكون رؤية تنزل من مستوى الرسول الاكرم (ص) عن مستوى الانسان العادى وخاصة في مثل الخبر المختلق في قصة الغرانيق التي بينا زيفها في الجزء الرابع من (نقش ائمه) ويمكن من خلالها القاء الشبهات في الوصي والقرآن استند المستشرقون من مبشري النصارى في دراساتهم للاسلام إلى احاديث مدرسة الخلفاء وتركت احاديث مدرسة اهل البيت ظهريا. (2) شفاء الصدور، ص 27، وهي شجرة بيعة الرضوان في صلح الحديبية. (3) نهج البلاغة، شرح محمد عبده، الخطبة رقم 192. (4) صحيح البخاري: كتاب المناقب والمرضى والادب، وصحيح مسلم: كتاب الفضائل، وسنن أبي داود، كتاب اللباس، والترمذي: كتاب المناقب ومسند أحمد ج 2 / 223 و 3 / 434 و 442 و 4 / 195 و 5 / 35 و 77 و 82 و 83 و 90 و 95 و 98 و 104 و 340 و 341 و 354 و 438 و 442 و 443 و 6 / 329.

[44]

وتنقضها أيضا الروايات التي ذكرت دلائل النبوة التى صدرت منه وله قبل أن يبعث مثل ما تم له في سفرته الاولى إلى الشام مع عمه أبي طالب والثانية في تجارة خديجة وأخبار الرهبان بأمر بعثته وتضليل سحابة له مما علمه جميع من كان معه في السفرتين وانتشرت أخبارها في كتب الحديث والسير (1). واخبار أهل الكتاب بظهوره قبل أن يبعث وخبره في التوراة (2). وتسليم الشجر والحجر عليه قبل بعثته (3). كيف كان لا يعرف نفسه وقد بشر به عيسى بن مريم (ع) كما أخبر تعالى عنه بقوله " ومبشرا بنبي يأتي من بعدي اسمه أحمد " الصف / 6. كيف لا يعرف نفسه وأهل الكتاب كانوا " يعرفونه كما يعرفون أبنائهم " البقرة / 146، الانعام / 20. يعرفون " الرسول النبي الامي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل " الاعراف / 157.


(1) طبقات ابن سعد، ط. اوربا ج 1 / ق 1 / 76 و 98 و 99 و 109 و 83 و 101 و 73 و 100 منه، والجزء الثالث ق 1 / 153. وما رواه البخاري في آخر كتاب بدء الوحي من اخبار هرقل عن ظهوره. وسنن الترمذي كتاب المناقب باب ما جاء في بدء النبوة ج 13 / 106. وسيرة ابن هشام ج 1 / 194 و 203 وراجع أيضا: 231 و 239 و 251 منه. (2) صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب كراهية النحب في الاسواق، ج 2 / 10 وكتاب التفسير، باب تفسير سورة الفتح، وكتاب فضائل القرآن، الباب الاول. طبقات ابن سعد، ط. اوربا ج 1 / 123 وق 2 / 17 و 87 و 89 وسنن الترمذي كتاب المناقب، الباب الاول. سنن الدارمي، المقدمة، الباب الاول ومسند أحمد 2 / 174 و 3 / 467، طبقات ابن سعد ج 1 / ق 1 / 64 و 103 و 104 و 106 و 108 و 111. (3) صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب نسب النبي، الحديث: 2، ص 1782 ومسند أحمد 5 / 89 و 95 و 105. ومسند الطيالسي، الحديث 781. وطبقات ابن سعد، ج 8 / 179. وتسليم الشجر عليه في: سنن الدارمي، المقدمة، الباب رقم 3. وطبقات ابن سعد، ج 8 / 179.

[45]

سيأتي في بحوث مصادر الشريعة الاسلامية من هذا الكتاب محاولات السلطات الاسلامية برفع مقام الخلافة في أنظار المسلمين على مقام النبوة ونذكر هنا منها مثالا واحدا من سيرة الحجاج بن يوسف الثقفي والي الخليفة عبد الملك على العراق حيث خطب في الكوفة فذكر الذين يزورون قبر رسول الله (ص) بالمدينة، فقال: " تبا لهم ! انما يطوفون بأعواد ورمة بالية ! هلا طافوا بقصر أمير المؤمنين عبد الملك ! ألا يعلمون أن خليفة المرء خير من رسوله (1). وان الذي نجده من اتجاه بعض المسلمين في القرون المتأخرة من تهوين أمر الرسول (ص)، ان هو الا نتيجة لتلك المحاولات مدى القرون سواء في ما رووا من روايات تحط من قدر رسول الله (ص) أم ما أولوا من آيات القرآن وغير ذلك مما فعلوا في توجيه المسلمين إلى ما أرادوا. ومنها ما رأوا في الاحتفال بذكرى ميلاد الرسول (2) كما سنذكره في ما يأتي:


(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 15 / 242، وراجع الكامل للمبرد ط. النهضة بمصر، ص 222. (2) افتى الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الرئيس العام لادارات البحوث العلمية والافتاء والدعوة والارشاد في السعودية في صحيفة الشرق الاوسط بتاريخ 3 / 12 / 1984 تحت عنوان " حكم الاحتفال بالمولد النبوي وغيره من الموالد " وقال: " لا يجوز الاحتفال بمولد الرسول (ص) ولا غيره لان ذلك من البدع المحدثة في الدين... "

[46]

- 5 - الخلاف حول الاحتفال بذكرى الانبياء وذكرى عباد الله الصالحين يستدل من يرى استحباب الاحتفال بذكرهم بأن جل مناسك الحج احتفال بذكرى الانبياء والاولياء كما سنذكر أمثلة منها فيما يأتي: أ - مقام ابراهيم: قال سبحانه وتعالى: " واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى... " (البقرة / 125). وفي صحيح البخاري (1) ما ملخصه: ان ابراهيم واسماعيل عليهما السلام لما كانا يبنيان البيت: جعل اسماعيل يأتي بالحجارة وابراهيم يبنى حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه وهو يبني واسماعيل يناوله الحجارة. وفي رواية بعدها حتى ارتفع البناء وضعف الشيخ على نقل الحجارة فقام على حجر المقام فجعل يناوله الحجارة. ان الله سبحانه أمر الناس كما هو واضح أن يتبركوا بموطئ قدمي ابراهيم (ع)


(1) صحيح البخاري: كتاب الانبياء، باب يزفون النسلان في المشي، ج 2 / 158 و 159.

[47]

في بيته الحرام ويتخذوا منه مصلى احياء لذكرى ابراهيم وتخليدا وليس فيه شئ من أمر الشرك بالله جل اسمه. ب - الصفا والمروة: قال الله سبحانه: " ان الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما " (البقرة / 158). وروى البخاري ما ملخصه: ان هاجر لما تركها ابراهيم عليه السلام مع ابنها اسماعيل بمكة ونفد ماؤها وعطشت وعطش ابنها وجعل يتلوى فانطلقت إلى جبل صفا كراهية أن تنظر إليه فقامت عليه تنظر هل ترى أحدا، فلم تر أحدا، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي سعت سعي الانسان المجهود حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدا، فلم تر أحدا، فعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس، قال النبي (ص) فذلك سعي الناس بينهما... الحديث (1). جعل الله السعي بين الصفا والمروة من مناسك الحج احياء لذكرى سعي هاجر بينهما واحتفالا بعملها هاجر واستحباب الهرولة في محل الوادي الذي سعت فيه هاجر سعي الانسان المجهود احياء لذكرى هرولتها هناك. ج - رمي الجمار: روى أحمد والطيالسي في مسنديهما عن رسول الله (ص) أنه قال: " ان جبريل ذهب بابراهيم إلى جمرة العقبة فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات فساخ، ثم أتى الجمرة الوسطى فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات فساخ، ثم أتى الجمرة القصوى فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات فساخ... (2). هكذا جعل الله احياء ذكرى رمي ابراهيم الشيطان والاحتفال بذكره من


(1) صحيح البخاري: كتاب الانبياء، باب يزفون النسلان في المشي، ج 2 / 158، وراجع معجم البلدان، مادة زمزم، بذكر تاريخ اسماعيل من تاريخ الطبري وابن الاثير. (2) مسند أحمد 1 / 306، وقريب منه في 127 ومسند الطيالسي الحديث 2697، وراجع مادة الكعبة من معجم البلدان وتاريخ ابراهيم واسماعيل من تاريخ الطبري وابن الاثير.

[48]

مناسك الحج د - الفدية: قال الله سبحانه في قصة ابراهيم واسماعيل: " فبشرناه بغلام حليم "، " فلما بلغ مع السعي قال يا بني اني أرى في المنام اني أذبحك فانظر ماذا ترى، قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني ان شاء الله من الصابرين "، " فلما أسلما وتله للجبين "، " وناديناه أن يا ابراهيم قد صدقت الرؤيا انا كذلك نجزى المحسنين "، " ان هذا لهو البلاء المبين "، " وفديناه بذبح عظيم " (الصافات / الآيات 101 - 107). وكذلك جعل الله احياء ذكر فداء ابراهيم ابنه اسماعيل وارسال الله الكبش فدية له والاحتفال بها من مناسك الحج، وأمر الحجاج بالفدية في منى اقتداء بإبراهيم واحتفالا بذكر موقفه من طاعة الله. في مقام ابراهيم انتشرت البركة من قدمي ابراهيم عليه السلام إلى موطئ قدميه. وامر الله باتخاده مسجدا في بيته الحرام وجعله الله احياءا لذكره. وفي ما يأتي نذكر انتشار البركة من آدم (ع) أبي البشر. انتشار البركة من آدم عليه السلام والاحتفال بدكره وفي بعض الاخبار أن الله جل اسمه تاب على آدم عصر التاسع من ذي الحجة بعرفات ثم أفاض به جبرائيل عند المغيب إلى المشعر الحرام وبات فيه ليلة العاشر يدعو الله ويشكره على قبول توبته ثم أفاض منه صباحا إلى منى وحلق فيه رأسه يوم العاشر امارة لقبول توبته وعتقه من الذنوب فجعل الله ذلك اليوم عيدا له ولذريته وجعل كل ما فعله آدم أبد الدهر من مناسك الحج لذريته يقبل توبتهم عصر التاسع بعرفات ويذكرون الله ليلا بالمشعر الحرام ويحلقون رؤوسهم يوم العاشر بمنى، ثم أضيف إلى هذه المناسك ما فعله بعد ذلك ابراهيم واسماعيل وهاجر وتم بها مناسك الحج للناس، إذا فان أعمال الحج كلها تبرك بتلك الازمنة والامكنة التى حل بها عباد الله الصالحون أولئك وكلها احتفال بذكرهم أبد الدهر وفي ما يأتي نضرب مثالا لانتشار الشؤم إلى المكان من المكين.

[49]

انتشار الشؤم إلى المكان من المكين روى مسلم أن رسول الله (ص) عام تبوك نزل بالناس الحجر عند بيوت ثمود فاسستقى الناس من الابار التي كان يشرب منها ثمود فعجنوا منها ونصبوا القدور باللحم فأمرهم رسول الله (ص) فاهرقوا القدور وعلفوا العجين الابل ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا، قال أني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم فلا تدخلوا عليهم (1). وفي لفظ مسلم: ولا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم الا أن تكونوا باكين، حذرا أن يصيبكم مثل ما أصابهم ثم زجر وأسرع حتى خلفها. وفي لفظ البخاري: ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي. وفي رواية أخرى بمسند أحمد وتقنع بردائه وهو على الرحل (2). منشأ الشؤم والبركة في المكان. من اين نشأ شؤم بلاد ثمود وآبار ثمود وانتشر إليها عدا أنه نشأ من قوم ثمود ؟ وانتشر منهم إلى بلادهم وآبارهم وبقي فيها إلى عصر خاتم الانبياء والى ما شاء الله، و من أين نشأ فضل بئر ناقة صالح ؟ عدا ما كان من شرب ناقة صالح منها وانتشر الفضل منها إلى البئر وبقي فيها إلى عصر خاتم الانبياء والى ما شاء الله. وليست ناقة صالح وبئرها بأكرم على الله من اسماعيل وبئره زمزم بل كذلك جعل الله البركة في زمزم من بركة اسماعيل أبد الدهر. وكذلك شأن انتشار البركة مما يفيضه الله على عباده الصالحين في أزمنة خاصة مثل بركة يوم الجمعة. بركة يوم الجمعة. في صحيح مسلم: " أن الله خلق آدم يوم الجمعة وأدخله الجنة يوم الجمعة... " (3)


(1) أورده مسلم باختصار في صحيحة، كتاب الزهد والرقايق، باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم... الحديث: 40، واللفظ لمسند أحمد ج 2 / 117، صحيح البخاري، كتاب المغازي باب نزول النبي (ص) الحجر. (2) مسند أحمد ج 2 / 66. (3) صحيح مسلم: كتاب الجمعة، باب فضل الجمعة، الحديث: 17 و 18.

[50]

هذا وغيره مما أفاضه الله على عباده الصالحين في يوم الجمعة خلد البركة في يوم الجمعة أبد الدهر. البركة في شهر رمضان وكذلك الشأن في بركة شهر رمضان فقد قال سبحانه " شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان " (البقرة / 185). وقال سبحانه: " انا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر، ليلة القدر خير من ألف شهر... " (القدر). إذا فقد انتشرت البركة من ليلة القدر التي أنزل فيه القرآن على خاتم أنبياء الله إلى جميع أزمنة شهر رمضان وتخلدت البركة في ذلك الشهر من تلك الليلة إلى أبد الدهر. بعد انتهائنا من الاشارة إلى رجحان الاحتفال بذكرى أصفياء الله نؤكد أننا نقصد من الاحتفال بذكر أصفياء الله - مثلا - قراءة سيرة رسول الله (ص) الصحيحة غير المنحرفة في ليلة ميلاده وإطعام الطعام في سبيل الله وإهداء ثوابه لرسول الله (ص) مع الاجتناب من القيام بأعمال ابتدعها بعض المتصوفة. ونشير في ما يأتي اشارة عابرة إلى الخلاف حول مسألة البناء على القبور واتخاذها محلا للعبادة.

[51]

- 6 - الخلاف حول البناء على قبور الانبياء واتخاذها محلا للعبادة استدل قسم من المسلمين بتحريم البناء على القبور بروايات أهمها ما يأتي: أ - عن على قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة، فقال أيكم ينطلق إلى المدينة فلا يدع بها وثنا الا كسره ولا قبرا الا سواه ولا صورة الا لطخها ؟ فقال (رجل): أنا يا رسول، فانطلق فهاب أهل المدينة، فرجع، فقال علي: أنا أنطلق يا رسول الله، قال فانطلق، فانطلق ثم رجع، فقال يا رسول الله لم أدع بها وثنا الا كسرته ولا قبرا الا سويته، ولا صورة الا لطختها. وقد تكرر ورود هذا الحديث في كتب الحديث واكتفينا بايراد أتم لفظ منه (1) علة الحديث: اولا - مر علينا أن رسول الله (ص) زار قبر أمه وبكى وأبكى من حوله وكانت أمه قد توفيت في السنة السادسة من عمره الشريف بالمدينة المنورة وعلى هذا فقد زار الرسول قبر أمه بعد نيف وأربعين سنة حين هاجر إلى المدينة المنورة، وأن أثر قبر أمه عند ذاك كان ماثلا للعيان والا لما عرف قبرها، وإذا كان الحكم الاسلامي، هو تسوية القبور فلم لم يأمر النبي (ص) بهدم قبر أمه عند ذاك. ثانيا - أن أهل المدينة بعد أن أسلم بعضهم أرسل لهم الرسول (ص) بادئ ذي بدء مصعب بن عمير يعلم من أسلم منهم ما ورد من الاسلام يوم ذاك ولما وفدوا إلى


(1) مسند أحمد 1 / 87 و 89، 96، 110، 111، 128، 138، 139، 145، 150، ومسند الطيالسي، الحديث: 96، 155.

[52]

الحج حضر المسلمون منهم العقبة وبايعوا رسول الله سرا ولم ينتشر الاسلام بينهم حتى هاجر الرسول إليهم وتبعه بعد ثلاث أو اكثر الامام علي، وقصة وروده المدينة بعد ذلك مشهورة. وتدرج الرسول في بسط حكمه على المدينة بعد ان عاهد يهود قريضة والنظير وبني قينقاع ودخل أهل المدينة كلهم في الاسلام متدرجا. فمتى كان ارسال النبي الامام عليا من تشييع جنازة إلى المدينة ليهدم الاصنام ويسوى القبور ويلطخ الصور كالحاكم الذي لا راد لامره. اضف إليه ان محتوى الخبر: أن المرسل الاول ذهب وهم في تشييع الجنازة ورجع خائبا ثم ارسل النبي الامام عليا بعده وهم لا يزالون في تشييع الجنازة، فكيف يتم ذلك ؟. ثالثا - وفي بقية الحديث ان الامام عليا قال لابي الهياج الاسدي: ابعثك فيما بعثني رسول الله (ص) امرني أن أسوي كل قبر واطمس كل صنم (1). ولا يكون ارسال الامام أبي الهياج الاسدي في امر الا في عصر خلافته، وعليه يتجه هذا السؤال: ان في عصر خلافة الامام علي وبعد الفتوحات الاسلامية في زمن الخلفاء الثلاثة قبله، إلى أي بلد بعث الامام علي أبا الهياج لتهديم القبور وطمس الاصنام ؟ واخيرا في كلا الخبرين أمر من الرسول والامام علي ان صح الخبران بتهديم قبور المشركين في بلد الشرك، وكيف يدل ذلك على انتشار هذا الحكم إلى قبور المسلمين ووجوب تهديمها ؟. ب - رووا عن النبي (ص) أنه قال: اللهم لا تجعل قبري وثنا لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (2). وفي الرواية الثانية شخص الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وقال: قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (3).


(1) مسند أحمد 1 / 89 و 96. (2) مسند أحمد ج 1 / 246. (3) مسند أحمد ج 2 / 285.

[53]

علة الحديث: إن بني اسرائيل بعد أن ساروا من مصر وعبروا البحر وجازوا التيه وبلغوا فلسطين أصبح لهم بيت عبادة وهو " بيت المقدس " لم يكن لهم بيت عبادة غيرو. و في عصر سليمان أصبح لسليمان الملك النبي بلاطا يسمى هيكل سليمان، فأين كانت قبور أنبيائهم التي اتخذوها ؟ وإن بيت المقدس وبلده تحت أنظار المسلمين والعرب قبل عصر رسول الله (ص) وما بقي من قبور أنبيائهم قبر الخليل وموسى بن عمران لم نر ولم نسمع ولم يكتب أحد أن اليهود اتخذوهما وثنا وعلى فرض أن قبرا اتخذ وثنا فإنه لا يصدق على احترام القبر وزيارة القبر فإن اتخاذه وثنا يعني أن يستقبل القبر كما تستقبل الكعبة في الصلوات، فأين هذا من ذاك ؟ ليس مورد الشك في كل ما ذكرناه وما سنذكره بعد هذا أحاديث رسول الله (ص) معاذ الله، وانما البحث يجري حول رواة الاحاديث الذين لم يعصمهم الله من الخطأ والسهو والنسيان. أدلة من رأى جواز اتخاد مقابر الانبياء محلا للعبادة يستدل من يرى صحة اتخاذ مقابر الانبياء محلا للعبادة بان الطائفين حول الكعبة يطوفون حول حجر اسماعيل ويتمسحون بجداره وفيه قبر اسماعيل وامه هاجر فقد روى ابن سعد في طبقاته: ان اسماعيل لما بلغ عشرين سنة توفيت امه هاجر وهي ابنة تسعين سنة فدفنها اسماعيل في الحجر. وان اسماعيل توفي بعد ابيه فدفن في الحجر مما يلي الكعبة مع امه هاجر. وفي رواية بعدها: قبر اسماعيل تحت الميزاب بين الركن والبيت (1). وروى أبو بكر الفقيه عن النبي (ص) انه قال: ما من نبي هرب من قومه الا هرب إلى الكعبة يعبد الله فيها حتى يموت.


(1) لخصنا روايات ابن سعد الثلاثة من طبقاته ج 1 / 25 ط اروبا

[54]

وان قبر هود وشعيب وصالح في ما بين زمزم والمقام وان في الكعبة قبر ثلاثمائة نبي وما بين الركن اليماني إلى الركن الاسود قبر سبعين نبيا (1) ويستدلون على صحة البناء على القبر بالاضافة إلى ما سبق بان قبور رسول الله (ص) والخليفتين ابي بكر وعمر في بناء مسقف منذ ان توفوا إلى يومنا الحاضر. ويستدلون ايضا بقوله تعالى: " واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى " البقرة الآية 125. وقوله تعالى في ما أخبر عن قصة اصحاب الكهف " قال الذين غلبوا على امرهم لنتخذن عليهم مسجدا " الكهف 21. هكذا كان اختلاف الاحاديث في بناء القبور أو بالاحرى اختلاف فهم الاحاديث منشأ هذا الخلاف. وفي ما يأتي نذكر الخلاف حول البكاء على الميت ومنشؤه:


(1) مختصر كتاب البلدان تأليف أبو بكر أحمد بن الفقيه الهمداني (ت 340 ه‍) ط. بريل بليدن سنة 1302 ص 17.

[55]

- 7 - الاختلاف في البكاء على الميت ومنشؤه كان البكاء على الميت وخاصة الشهيد من سنة الرسول (ص) فقد روى البخاري في صحيحه: ان النبي نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم وقال: " أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذ جعفر فأصيب ثم أخذ ابن رواحة فأصيب، وعيناه تذرفان... " (1). وفي ترجمة جعفر من الاستيعاب واسد الغاية والاصابة وخبر غزوة مؤته من تاريخ الطبري وغيره ما ملخصه: لما اصيب جعفر واصحابه دخل رسول الله (ص) بيته وطلب بني جعفر فشمهم ودمعت عيناه فقالت زوجته اسماء بابي وامي ما يبكيك ابلغك عن جعفر واصحابه بشئ ؟ قال نعم اصيبوا هذا اليوم، قالت اسماء فقمت اصيح واجمع النساء ودخلت فاطمة وهي تبكي وتقول واعماه، فقال رسول الله (ص) على مثل جعفر فلتبك البواكي. بكاء الرسول على ابنه ابراهيم وفي صحيح البخاري: قال انس: دخلنا مع رسول الله (ص)... وابراهيم يجود بنفسه فجعلت عينا


(1) صحيح البخاري، كتاب فضائل اصحاب النبي باب مناقب خالد بن الوليد ج 4 / 204.

[56]

رسول الله تذرفان فقال له عبد الرحمن بن عوف (رض) وانت يا رسول الله ! فقال يا ابن عوف انها رحمة ثم اتبعها باخرى فقال ان العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول الا ما يرضي ربنا وانا بفراقك يا ابراهيم لمحزونون. وفي سنن ابن ماجة: " فانكب عليه وبكى " (1) بكاء الرسول (ص) على حفيده في صحيح البخاري ان ابنة النبي (ص) ارسلت إليه: ان ابنا لي قبض فاتنا، فقام ومعه سعد بن عبادة ورجال من اصحابه فرفع إلى رسول الله (ص) ونفسه تتقعقع ففاضت عيناه، فقال سعد يا رسول الله ما هذا ؟ فقال هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده وانما يرحم الله من عباده الرحماء (2). ندب الرسول (ص) إلى البكاء على عمه حمزة لما سمع رسول الله (ص) بعد غزوة أحد، البكاء من دور الانصار على قتلاهم ذرفت عينا رسول الله وبكى، وقال: لكن حمزة لا بواكي له. فسمع ذلك سعد بن معاذ واسيد بن حضير، فرجع إلى نساء بني عبد الاشهل فساقهن إلى باب رسول الله (ص) فبكين على حمزة، فسمع ذلك رسول الله (ص) فدعا لهن وردهن، فلم تبك امرأة من الانصار بعد ذلك إلى اليوم على ميت الا بدأت بالبكأ على حمزة ثم بكت على ميتها (3).


(1) صحيح البخاري كتاب الجنائز، باب قول النبي (ص): انا بك لمحزونون ج 1 / 158 واللفظ له. وصحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب رحمته بالصبيان والعيال، الحديث 62. وسنن ابن ماجة، كتاب الجنائز، باب ما جاء في النظر إلى الميت، الحديث 1475. وطبقات ابن سعد ط، أروپا، ج 1 / ق / 1 / 88. و مسند احمد ج 3 / 194 (2) تتقعقع: أي تضطرب روحه لها صوت وحشرجة كصوت الماء إذا ارتقى في القربة الخالية. صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبي (ص) " يعذب الميت ببعض بكاء اهله عليه واللفظ له، وكتاب المرضى، باب عيادة الصبيان، ج 4 / 3 وصحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب البكاء على الميت، الحديث 11، ص: 636 وسنن ابي داود، كتاب الجنائز، باب البكاء على الميت، الحديث 3125 و 3126. وسنن النسائي، كتاب الجنائز، باب الامر بالاحتساب والصبر. ومسند احمد، ج 2 / 306 وج 3 / 83 و 88 و 89. (3) اوردناه من ترجمة حمزة في طبقات ابن سعد ط. دار صادر بيروت 1377 وج 3 / 11، واكثر تفصيلا منه في مغازي الواقدي ج 1 / 315 - 317 وبعده امتاع الاسماع 1 / 163. ومسند احمد 2 / 40 وتاريخ الطبري. وأورده ابن عبد البر بايجاز بترجمة حمزة من الاستيعاب وباختصار ايضا ابن الاثير بترجمته من الاسد.

[57]

بكى الرسول على قبر أمه وأبكى من حوله زار رسول الله (ص) قبر امه فبكى وابكى من حوله أمر الرسول بإرسال الطعام لاهل المصاب لما جاء نعي جعفر قال النبي (ص) اصنعوا لاهل جعفر طعاما فانه قد جاءهم ما يشغلهم (2). عين الرسول أيام الحداد على الميت تواتر عن النبي انه عين حداد المرأة على غير زوجها ثلاثا وعلى زوجها فكما قال الله اربعة اشهر وعشرا (3) (البقرة / 224).


(1) سنن النسائي كتاب الجنائز باب زيارة قبر المشرك سنن ابي داود كتاب الجنائز باب زيارة القبور الحديث 3234. سنن ابن ماجة كتاب الجنائز باب ما جاء في زيارة قبور المشركين. (2) سنن ابن ماجة، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الطعام يبعث إلى اهل الميت، ص 511، الحديث 1610 و 1611. وفي سنن الترمذي، ج 4 / 219، ابواب الجنائز، باب ما جاء في الطعام يصنع لاهل الميت وقال هذا حديث حسن صحيح. سنن ابي داود، كتاب الجنائز، باب صنعة الطعام لاهل الميت الحديث: 3132. مسند احمد 1 / 205، 6 / 370. (3) البخاري كتاب الجنائز باب حداد المرأة على غير زوجها 1 / 154 وكتاب 23 الطلاق باب تحد المتوفي عنها زوجها اربعة اشهر وعشرا 3 / 189 وباب 68 الكحل للحادة وباب القسط للحادة عند الطهر وباب تلبس الحادة ثياب العصب وباب والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا 3 / 189 - 190 وصحيح مسلم كتاب الطلاق باب وجوب الاحداد في عدة الوفاة وتحريمه في غير ذلك الا ثلاثة ايام ج / 1486 و 1487، 1490، 1491 ص 1124 و 1125 و 1126 و 1127 و 1128. وسنن ابي داود كتاب الطلاق باب حداد المتوفى عنها زوجها ح / 2299 وباب فيما تجتنبه المعتدة في عدتها ح / 2302. وسنن الترمذي كتاب الطلاق واللعان باب ما جاء في عدة المتوفي. عنها زوجها 5 / 171 - 174 و سنن النسائي كتاب الطلاق باب عدة المتوفى عنها زوجها وباب الاحداد وباب سقوط الاحداد عن الكتابية المتوفي عنها زوجها. وباب ترك الزينة للحادة المسلمة دون اليهودية والنصرانية وباب ما تجتنب الحادة من الثياب المصبغة وباب الخضاب للحادة. وسنن ابن ماجة كتاب الطلاق باب هل تحد المرأة على غير زوجها (ح / 2085 - 2087) - >

[58]

منشأ الخلاف حول البكاء على الميت مر في ما سبق أن رسول الله (ص) بكى على المتوفي قبل أن يتوفى وبعده، خاصة الشهيد وانه امر بالبكاء على الشهيد وبكى على قبر امه وابكى من حوله، وامر بصنع الطعام لاهل الميت وعين حداد المرأة على غير الزوج ثلاثا. اذن فالبكاء على المتوفى والحداد عليه وصنع الطعام لاهله من سنة الرسول فما هو منشأ الخلاف والنهي عن البكاء على الميت ؟ نرجع ايضا إلى صحيحي البخاري ومسلم فنجد حديث المنع عن البكاء من الخليفة عمر (رض). الخليفة عمر يروي ان رسول الله (ص) نهى عن البكاء وأم المؤمنين عائشة تستدرك عليه. في صحيح البخاري ومسلم، عن ابن عباس: لما أن اصيب عمر دخل صهيب يبكي ويقول: وا أخاه ! وا صاحباه ! فقال عمر: يا صهيب اتبكي وقد قال رسول الله " ان الميت ليعذب ببكاء اهله عليه " فقال ابن عباس. فلما مات عمر ذكرت ذلك لعائشة. فقالت رحم الله عمر والله ما حدث رسول الله (ص) ان الله ليعذب المؤمن ببكاء اهله عليه ولكن رسول الله (ص) قال ان الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء اهله عليه وقالت حسبكم القرآن " ولا تزرر وازرة وزر اخرى " قال ابن عباس (رض) عند ذلك: " والله هو اضحك وابكى " (1). وفي صحيح مسلم: ذكر عند عائشة ان ابن عمر يرفع إلى النبي " ان الميت يعذب في قبره ببكاء اهله عليه " فقالت: انما قال رسول الله " انه ليعذب بخطيئته أو بذنبه وان اهله ليبكون عليه ".


< - وسنن الدارمي كتاب الطلاق باب 11 وموطأ مالك كتاب الطلاق ح / 101، 105 وطبقات ابن سعد 4 / ق 1 / 27، 28 و 8 / 70 ومسند احمد 5 / 8 و 6 / 37، 184، 249، 281، 286، 287، 324، 325، 326، 369، 408، 426. ومسند الطيالسي (ح / 1587، 1589، 1591). (1) صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبي (ص) يعذب الميت ببكاء اهله عليه ج 1 / 155 - 156، وصحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب الميت يعذب ببكاء اهله عليه، الحديث: 23، ص 642

[59]

وفي رواية قبله: ذكر عند عائشة قول ابن عمر: الميت يعذب ببكاء اهله عليه فقالت: رحم الله ابا عبد الرحمن سمع شيئا فلم يحفظه انما مرت جنازة يهودى على رسول الله وهم يبكون عليه فقال " انتم تبكون وانه ليعذب " (1). قال الامام النووي (ت 177 ه‍) في شرح صحيح مسلم عن روايات النهى عن البكاء المروية عن رسول الله (ص) " وهذه الروايات من رواية عمر بن الخطاب ؟ بنه عبد الله رضي الله عنهما وانكرت عائشة ونسبتها إلى النسيان والاشتباه عليهما وانكرت ان يكون النبي (ص) قال ذلك (2). ويظهر من الحديث الاتي أن منشأ الخلاف كان اجتهاد الخليفة عمر في النهي عن البكاء في مقابل سنة الرسول بالبكاء، فقد ورد في الحديث أنه: مات ميت من آل الرسول (ص) فاجتمع النساء يبكين عليه فقام عمر ينهاهن ويطردهن فقال رسول الله (ص) دعهن يا عمر فان العين دامعة والقلب مصاب والعهد قريب (3). وفي صحيح البخاري: كان عمر (رض) يضرب فيه بالعصا ويرمي بالحجارة ويحثي بالتراب (4). هكذا كان منشأ الخلاف في شأن البكاء على الميت، الاحاديث المتعارضة الواردة بشأنه في كتب الصحاح ولعل اجتهاد الخليفة عمر (رض) في المنع كان منشأ


(1) صحيح مسلم، كتاب الجنائز باب الميت يعذب ببكاء الله اهله عليه الحديث 25 والحديث 27 وقريب منه لفظ الترمذي في كتاب الجنائز، باب ما جاء في الرخصة في البكاء على الميت، وسنن ابي داود، كتاب الجنائز، الحديث 3129. (2) شرح النووي بهامش صحيح مسلم ط. المطبعة المصرية 1349 ه‍ ج 6 / 228 باب الميت يعذب ببكاء اهله عليه. (3) سنن النسائي كتاب الجنائز باب الرخصة في البكاء على الميت. ابن ماجه كتاب الجنائز باب ما جاء في البكاء على الميت الحديث 1587 ص: 505. مسند احمد 2 / 110، 273، 333، 408، 444. (4) صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب البكاء عند المريض، ج 1 / 158، وقوله " يضرب فيه " أي يضرب لاجل المنع من البكاء.

[60]

للاحاديث المروية في منع البكاء على الميت. فقد رووا غير ما ذكرنا بعض الحديث في تأييد اجتهاد الخليفة الصحابي عمر، ولا مجال في هذه العجالة لبيان علل تلك الاحاديث وفي ما ذكرنا الكفاية في معرفة منشأ الخلاف في شأن البكاء والذى نحن بصدده. إلى هنا استعرضنا امثلة من مسائل الخلاف التي كان منشؤها اختلاف الاحاديث في كل منها ونذكر في ما يأتي آيات من كتاب الله نشأ الخلاف حول تأويلها بحوله تعالى:

[61]

- 8 - آيات من كتاب الله نشأ الخلاف حول تأويلها من امثلة ما نشأ الخلاف حولها خلاف في تأويل بعض آيات من كتاب الله المجيد نذكر امثلة منها في ما يأتي: حكم غير الله ودعاء غير الله: قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب مؤسس المذهب الوهابي في كتابه (الاصول الثلاثة وادلتها) ص 4 منه: " اعلم رحمك الله انه يجب على كل مسلم ومسلمة تعلم هذه الثلاث مسائل والعمل بهن (1): الاولى: ان الله خلقنا... الثانية: ان الله لا يرضى ان يشرك معه في عبادته احد، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل والدليل قوله تعالى " وان المساجد لله فلا تدع مع الله احدا " (الجن آية 18 " (2). وقال في ص 5 منه: " ان الحنيفية ملة ابراهيم ان تعبد الله وحده مخلصا له الدين وبذلك امر جميع الناس وخلقهم لها كما قال تعالى " وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون " ومعنى يعبدون


(1) كذا ورد في الاصل. (2) رسالة الاصول الثلاثة ط. مطبعة المدنى 295 شارع رمسيس بالقاهرة سنه 1380 ه‍ ورسالة الدين وشروطها ايضا طبع فيها وكذلك استدلوا بقوله تعالى: " قل ادعوا الذين زعمتم من دونه، فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا " (الاسراء / 56) وآيات أخرى نظيرها.

[62]

يوحدوني واعظم ما امر الله به التوحيد وهو افراد الله بالعبادة واعظم ما نهى عنه الشرك وهو دعوة غيره معه... إلى قوله في ص 8 منه والدليل قوله تعالى " وان المساجد لله... " وقال في ص 46 منه " القاعدة الرابعة: ان مشركي زماننا اغلظ شركا من الاولين لان الاولين يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة ومشركوا زماننا شركهم دائما في الرخاء والشدة والدليل قوله تعالى: (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون " العنكبوت آية 65. وقال في ص 8 من رسالته (الدين وشروط الصلاة) (1) ما ملخصه: العبادة لها انواع كثيرة منها الدعاء الدليل قوله تعالى " وان المساجد لله... ". وورد في رسالة " شفاء الصدور " التي اصدرته دار الافتاء العامة في الرد على رسالة الجواب المشكور ص 3 (رفعوا إلى خليفة زعماء دعوة التوحيد والذين ازاحوا غيا هب الشرك عن هذه البلاد - أي عن مكة المكرمة والمدينة المنورة - وطهروها من ادرانه وقضوا على كل اثر له...) (2). يقصدون بدعاء غير الله أو مع الله ان يقول المسلم مثلا يا رسول الله. للتوسل به إلى الله أو يدعو غيره من اولياء الله كذلك وادلتهم كلها تدور حول قوله تعالى " لا تدعوا مع الله " ونظائرها مما نهى الله عن الدعاء مع الله أو غير الله. وقال مخالفوهم ما اشبه الليلة بالبارحة وما اشبه هذا الاستدلال باستدلال الخوارج في تكفير من رضي بالتحكيم في صفين بامثال قوله تعالى: " ان الحكم الا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون " (يوسف 67) (3) وقوله: " افغير الله ابتغي حكما وهو الذى نزل اليكم الكتاب " (الانعام 114) وكان بداية ذلك في معركة صفين عندما امر معاوية برفع القرائين على الرماح ودعوة جيش العراق إلى قبول حكم القرآن وانخداع اكثرية قراء جيش العراق بذلك واجبارهم الامام عليا بترك القتال وقبول دعوة معاوية بالتحكيم ثم تعيين معاوية من


(1) رسالة الاصول الثلاثة ط. مطبعة المدنى 295 شارع رمسيس بالقاهرة سنه. 1380 - ورسالة الدين وشروطها ايضا طبع فيها بلا تاريخ. (2) رسالة شفاء الصدور. ط. الاولى مؤسسه النور للطباعة والتجليد. (3) نكرر قولنا: باننا لسنا بصدد احصاء ادلة الطرفين في البحث وانما نأتي بامثلة منها.

[63]

قبله عمرو بن العاص حكما واجبار جيش العراق الامام عليا على تعيين ابي موسى الاشعري حكما من قبله فلما اجتمع الحكمان وخدع عمرو بن العاص ابا موسى وقال له نخلع عليا ومعاوية ونترك الامر للناس ليختاروا لهم اماما وسبق أبو موسى عمروا بالكلام وقال: انما اخلع عليا ومعاوية عن الامر ليختار المسلمون لهم اماما ثم خطب بعده ابن العاص وقال: انه خلع صاحبه كما رأيتم وانا انصب صاحبي للامامة فتنازعا وتسابا وافترقا، بعد هذا ادرك من قبل التحكيم من جيش العراق بخطأهم ونادوا بشعار: " لا حكم الا لله " وقالوا: انا كفرنا بقبولنا التحكيم وتبنا إلى الله ويجب على الباقي ان يعترفوا بالكفر ثم يتوبوا مثلنا ومن لم يفعل فاولئك هم الكافرون. وهكذا كفروا اولا من اشترك في تلك الحوادث من عائشة وعثمان وعلي وطلحة والزبير ومعاوية وعمرو بن العاص ومن تبعهم، ثم شمل حكمهم بالكفر عامة المسلمين وسموا انفسهم بالشراة ووضعوا سيوفهم قرونا طويلة على عواتقهم يقتلون بها المسلمين ويقتلون (1) وصدق رسول الله حيث اخبر عن الخوارج وقال: يقتلون اهل الاسلام ويدعون اهل الاوثان لئن ادركتهم لاقتلنهم قتل عاد (2) وفي احاديث اخرى لاقتلنهم قتل ثمود (3). جواب مخالفيهم في المسألتين يقول في جواب هؤلاء واولئك مخالفوهم بان القرآن يفسر بعضه بعضا وإذا كان قد ورد في القرآن قوله تعالى: " ان الحكم الا لله " فقد ورد فيه ايضا قوله تعالى: " فان جاؤوك فاحكم بينهم أو اعرض عنهم وان تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وان حكمت فاحكم بينهم بالقسط " المائدة 42.


(1) راجع اخبار يوم صفين في تاريخ الطبري وابن الاثير وابن كثير ثم اخبار الخوارج فيها وفي غيرها من كتب التاريخ. (2) كان ذلك عندما بعث ابن عم الرسول علي من اليمن بذهيبة إلى الرسول فقسمها بين اربعة من المؤلفة قلوبهم فتغضبت قريش والانصار فقالوا: يعطيه صناديد اهل نجد ويدعنا قال: انما أتألفهم فاقبل رجل... محلوق الرأس فقال: يا محمد اتق الله فقال النبي (ص): فمن يطع الله إذا عصيته أيامنني على اهل الارض ولا تأمنوني، فلما ولى قال النبي (ص) ان من ضئضئ هذا قوما يقرؤن القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الاسلام مروق السهم من الرمية يقتلون اهل الاسلام... الحديث صحيح البخاري كتاب التوحيد باب قول الله تعالى بعرج الملائكة... ج 4 / 188 وصحيح مسلم كتاب الزكاة باب ذكر الخوارج وصفاتهم الحديث 143 ص 741. (3) صحيح مسلم الحديث 144 و 145 و 146.

[64]

فقد خول نبيه في هذه الاية ان يحكم بين اهل الكتاب وفي آية اخرى امر بان يتخذوا حكما من الناس بقوله تعالى " وان خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من اهله وحكما من أهلها إن يريدا اصلاحا يوفق الله " النساء 35. ولا منافاة بين الآيتين فان الاية الاولى عندما اثبتت (الحكم) لله لم تثبت له حكما محدودا مثل ما للقضاة في المحاكم بان لهم أن يحكموا بين الناس بموجب القوانين المرعية وانه ليس لهم ان يعينوا حاكما من قبلهم وانما ذلك لذى سلطة أعلى، وعلى هذا فليس للقضاة (الحكم) مطلقا وانما لهم أن يحكموا بين الناس فحسب ولكن الله له ان يحكم بين الناس بموجب حكمه وله ان يأذن لغيره بالحكم أي له ان يعين حاكما على أي جهة في ملكه فله الحكم مطلقا وعلى هذا فان الانبياء بحكم الله يحكمون حين يحكمون وكذلك الاثنان اللذان يحكمان بين الزوجين - إذا فان حكم اولئك الحكام إذا حكموا بموجب ما امر الله ليس حكم ما سوى الله ولا حكم غير الله ولا حكم دون الله ولا حكم مع الله وانما هو حكم بامر الله وحكم باذن الله. وكذلك الشأن بالنسبة إلى بعض الايات الاخرى التي تثبت بعض الصفات لله فانها لا تثبتها لله محدودة بحد وانما تثبتها لله مطلقا. مثل اثبات صفة الملك لله تعالى. صفة الملك لله. لا منافاة في اثبات صفة الملك لله في قوله تعالى: " ولله ملك السموات والارض وما بينهما واليه المصير " (المائدة 18) وقوله تعالى " لم يتخذ ولد ولا شريك له في الملك " الاسراء 111 والفرقان 2، وامثالهما وبين قوله تعالى: وما ملكت ايمانكم " النساء 3 و 24 و 25 و 36 وآيات اخرى مثلها لانه سبحانه وتعالى يقول: " قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير انك على كل شئ قدير ". (آل عمران / 26). إذا فان الله تعالى حين يملك عبده لم يملك العبد عندئد مع الله، ولم يملك غير الله ولا سوى الله ولا دون الله، وانما العبد وما يملك لمولاه، وان تملك العبد باذن الله من أجلى مصاديق " الملك لله " أي ان ملك الله ليس محدودا كملك عبيده الذي يحد بحدود مشيئة الله واذن الله ولا حول للعبد ان يتصرف في ما خوله الله باكثر مما حدد الله له في التصرف من زمان ومكان وسيطرة وكذلك الشأن في صفة الخالقية.

[65]

الخالق والمحيي. كذلك شأن صفة " الخالق و " المحيي " فانه سبحانه وتعالى " خالق كل شئ " الانعام 102 و " هل من خالق غير الله " فاطر 38 وقال تعالى " الا له الخلق والامر " الاعراف 54 وقال تعالى " وهو الذي يحيي ويميت " المؤمنون 80 وقال " فالله هو الولي وهو يحيي الموتى " الشورى 9 ولا منافاة بين هذا وبين ان يأذن لعيسى بن مريم ان يخلق ويحيى كما قال سبحانه مخاطبا اياه " واذ تخلق من الطين كهيئة الطير باذني فتنفخ فيه فيكون طيرا باذني. وتبرئ الاكمه والابرص وتخرج الموتى باذني " المائدة 110. وقوله تعالى عن لسان عيسى " اني اخلق لكم من الطين كهيئة الطير فانفخ فيه فيكون طيرا باذن الله وابرئ الاكمه والابرص واحي الموتى باذن الله. " الانعام 49. فان الله سبحانه حين يخلق ليس كالالة الصانعة لا يحول عن عمله ولا يزول جل عن ذلك وليس كالبشر حين يعمل لا يستطيع ان يهب قدرة العمل لغيره. بل انه قادر ان يخلق الحياة انسانا كان أو حيوانا من طريق اللقاح بين الزوجين ويستطيع ان يخلقه بيديه دون اب ولا ام مثل آدم ويقدر كذلك أن يأذن لعيسى فيخلق بأذنه والخالق في كل ذلك هو الله تعالى. وكذلك شأن الاحياء فانه قادر على ان يحيى الموتى بلا واسطة يوم القيامة وقادر على ان يهب الاحياء لرسوله عيس بن مريم (ع) فيحيى الموتى باذنه. وقادر على ان يجعل الاحياء في ضرب بعض بقرة بني اسرائيل الصفراء بميتهم المقتول فيحيا المقتول ويخبرهم عن قاتله (1). وان عيسى بن مريم حين خلق الطير وأحيا الموتى كان الخلق والاحياء باذن الله وعلى هذا فان عيسى حين خلق الطير واحيا الموتى لم يخلق مع الله ولم يحيي مع الله ولم يخلق ولم يحيي غير الله ولا دون الله وانما خلق وأحيا باذن الله. الولي والشفيع. وكذلك شأن صفة الولي والشفيع فانه لا منافاة في شأن الشفاعة بين قوله تعالى: " ام اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون ولا يعقلون. قل لله الشفاعة جميعا له ملك السموات والارض ثم إليه ترجعون " الزمر: 43، 44 وقوله


(1) اشارة إلى الايات 67 - 73 من سورة البقرة.

[66]

" مالك من دونه من ولي ولا شفيع افلا تتذكرون " السجدة / 4 وقوله " ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع " الانعام / 51 وقوله " وذكر به ان تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع " الانعام / 70. وبين قوله تعالى: أ - " ما من شفيع الا من بعد اذنه " يونس / 3. ب - " من ذا الذي يشفع عنده الا باذنه " البقرة / 255. وقوله " يومئذ لا تنفع الشفاعة الا من اذن له الرحمن ورضي له قولا " طه / 109 وقوله " ولا تنفع الشفاعة عنده الا لمن اذن له... " سبأ / 23. وقوله " لا يملكون الشفاعة الا من اتخذ عند الرحمن عهدا " مريم / 87. وقوله " ولا يشفعون الا لمن ارتضى " الانبياء / 28 فانه تعالى حين يأذن لعباده الصالحين ان يشفعوا كانت الشفاعة لله فأذن لهم ان يشفعوا فالشفيع عندئذ ليس دون الله وكذلك شأن الولي فان قوله تعالى: - الولي - ان الله له ملك السموات والارض يحيى ويميت ومالكم من دون الله من ولي ولا نصير " التوبة / 116. الم تعلم ان الله له ملك السموات والارض ومالكم من دون الله من ولي ولا نصير البقرة / 107. وقوله: افحسب الذين كفروا ان يتخذوا عبادي من دوني اولياء، انا اعتدنا جهنم للكافرين نزلا. الكهف / 102. هذه الاقوال لا ينافي قوله تعالى " انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون " المائدة / 55. لا منافاة بينهما وليس شركا ان نقول: الله ولينا ورسوله ومن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة في الركوع من المؤمنين، لان الولاية لله وهو الذى اعطى هذه الولاية لهما كما اعطى للوالد الولاية على ولده. في كل الصفات المذكورة صح ان يقال: الله، هو الحاكم والمالك والشفيع والولي و... وصح - ايضا - ان يقال لمن منح من عبيده هذه الصفات: المالك والحاكم

[67]

والشفيع والولي وان اوضح مثال لما قلنا المورد الآتي: من يتوفي الانفس قال تعالى: الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي انفسهم النحل / 28 وقال: تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم النحل / 32 وقال: توفته رسلنا وهم لا يفرطون الانعام / 61 وقال: قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون السجدة / 11 وقال: الله يتوفى الانفس حين موتها - الزمر / 42 فمن قال ان الملائكة تتوفى الانفس حين موتها باذن الله لم يكذب ولم يشرك، ومن قال ملك الموت عزرائيل يتوفى الانفس حين موتها باذن الله لم يكذب ولم يشرك، ولا منافاة بين القولين وبين القول بان الله يتوفى الانفس حين موتها، وفي كل هذه الحالات لم يتوفى الانفس غير الله ولا مع الله بل ان الله هو الذي توفاها (1) وكذلك الشأن بالنسبة إلى الصفات الاخرى المذكورة سابقا. دعوة الرسول والتوسل به إلى الله بناء على ما بينا بان كلا من الحاكم والمالك والشفيع والخالق والمحيي والمميت والولي إذا كان باذن الله فليس ثمة غير الله ولا دون الله ولا مع الله. بناء على ذلك فان دعوة النبي (ص) في المتوسل به إلى الله - ايضا - إذا كان باذن الله فليس ثمة دعاء غير الله ولا دون الله ولا مع الله وليس من مصاديق ما نهى الله عنه في قوله تعالى: " ولا تدعوا مع الله احدا " وقد مر بنا في الحديث المروى بمسند احمد وسنن الترمذي وابن ماجة ورواية البيهقي والتي صححوها بان رسول الله (ص) علم الصحابي الضرير ان يدعو بعد الصلاة ويقول " اللهم اني اسألك وأتوجه بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد اني توجهت بك إلى ربي في حاجتي لتقضي لي اللهم فشفعه لي " (2)


(1) هذا الاستدلال مستفاد من قول الامام علي، برواية الصدوق عنه في باب الرد على الثنوية والزنادقة بكتاب التوحيد (2) راجع مصادره في باب الاستشفاع برسول الله في حياته من هذه المقدمة.

[68]

فقضى الله حاجته وشفع رسوله فيه وشافاة وان هذه النوع من التوسل من مصاديق قوله تعالى (وابتغوا إلى ربكم الوسيلة) المائدة - 35. إلى هنا استعرضنا بعض مسائل الخلاف وأشرنا إلى ما كان ظاهرا من منشأ مسائل الخلاف وفي ما يلي ندرس الباعث الحقيقي لما نشأ من خلاف بادئ ذى بدء. الباعث الحقيقي لما نشأ من خلاف بادئ ذى بدء لقد ذكرنا في ما سبق امثلة من منشأ الاختلاف في الاحاديث وفي تأويل آيات من الكتاب العزيز ونرى وراء كل ذلك باعثان حقيقيان نشأ منهما مسائل الخلاف بادئ ذى بدء ثم قلد الخلف السلف في ما ارتأوا بعد ذلك، أولهما ما حكى الله سبحانه عما جرى من ابليس حين لم يسجد لآدم بقوله: " قال يا ابليس ما منعك ان تسجد لما خلقت بيدي استكبرت ام كنت من العالين، قال: انا خير منه... سورة ص 75 - 76. و " قال لم اكن لاسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون الحجر 31 و 33. ان ابليس عبد الله وحده لا شريك له عمر الملائكة ثم لم يخضع لآدم صفي الله في عصره واستهان به فكان من أمره ما كان، اما الناس الذين استكبروا واستهانوا بانبياء الله واصفيائه بعد ذلك فاليكم امثلة من امرهم في ما يأتي. في عصر خاتم الانبياء: روى ابن حجر في ترجمة ذي الخويصرة رأس الخوارج من الاصابة عن انس، قال: كان في عهد رسول الله (ص) رجل يعجبنا تعبده واجتهاده وقد ذكرناه لرسول الله (ص) فلم يعرفه فوصفناه بصفته فلم يعرفه فبينا نحن نذكره إذ طلع الرجل علينا فقلنا هو هذا قال: انكم لتخبروني عن رجل ان في وجهه لسعفة من الشيطان فاقبل حتى وقف عليهم ولم يسلم فقال له رسول الله (ص) انشدك الله، هل قلت حين وقفت على المجلس ما في القوم احد افضل مني أو خير مني ؟ قال: اللهم نعم ! ثم دخل يصلي فقال

[69]

رسول الله (ص) من يقتل الرجل... الحديث وفي آخر الحديث قال (ص) لو قتل ما اختلف من امتي رجلان... (1). في الامم السابقة: قال قوم نوح لنبيهم نوح: " ما نراك الا بشرا مثلنا... وما نرى لكم علينا من فضل " هود 27. وقالوا " ما هذا الا بشر مثلكم يريد ان يتفضل عليكم " المؤمنون 24. وقال قوم نوح وعاد وثمود لرسلهم: " ان انتم الا بشر مثلنا... " ابراهيم - 9 وقالوا لنبيهم (" ما هذا الا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون " المؤمنون - 33 وكان جواب الانبياء لاممهم في هذا الاعتراض والاستهانة بهم ما اخبر الله عنه وقال: " قالت لهم رسلهم ان نحن الا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده " ابراهيم 11 - 12. ان ابليس لا يرى فضلا لصفي الله ونبيه آدم على نفسه فلا يخضع له ويقول عنه انه بشر. وقوم نوح وعاد وثمود لا يرون لانبيائهم من فضل عليهم ويقولون لانبيائهم ان انتم الا بشر مثلنا. وذو الخويصرة رأس الخوارج يقول لجمع فيهم رسول الله ما في القوم افضل مني أو خير مني.


(1) راجع ترجمة ذي الخويصرة من الاصابة. وذو الخويصرة التميمي حرقوص بن زهير اصل الخوارج قال لرسول الله عندما كان يقسم قسما يا رسول الله اعدل فقال له ويحك من يعدل إذا لم اعدل وقال فيه: ان له اصحابا يحقر احدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين كمروق السهم من الرمية - راجع ترجمة ابن الخويصرة في اسد الغابة وتفصيل قول رسول الله فيه وفي الخوارج وقتال الامام علي اياهم في صحيح مسلم باب ذكر الخوارج وباب التحريض على قتل الخوارج وباب الخوارج شر الخلق والخليقة. والسعفة: قروح تخرج في الوجه والرأس ويكون المعنى اثر ضربة الشيطان في وجهه.

[70]

ويقول الرجل ذو المعرفة من السعوديين: " محمد رجالا مثلي مات " إذا فان الباعث الاول للاستهانة باصفياء الله هو الاستكبار. والباعث الثاني: لاستهانة اصفياء الله وخاصة في الامة الاسلامية مدى القرون، حاجة السلطات الحاكمة على المسلمين إلى اراءة حياة القدوات الانسانية من الانبياء والاصفياء بما لا يناقض حياتهم الغارقة في الشهوات والمنهمكة في اتباع هوى النفس، وكان من اثر العاملين الاول والثاني أن أولت آيات من الذكر الحكيم إلى ما يبين صدور المعاصي من انبياء الله واصفيائه ووضعت روايات في انغماسهم في الملاهي والشهوات واحيانا استفادوا من الاخبار الاسرائيلية في ذلك مثل ما رووا عن داود وزوجة اوريا (1) إلى غيرها والكثير من امثالها التي رووها في سيرة الانبياء، وقد مر بنا امثلة مما رووا في سيرة افضل الانبياء وخاتمهم محمد (ص)، وفي هذا السبيل، سبيل تهوين امر انبياء الله واصفيائه وعدم وجود ميزة لهم عمن سواهم أولوا آيات من الكتاب العزيز المصرحة بمعجزات الانبياء مثل خلق عيسى (ع) من الطين طيرا باذن الله ونظائره، ووضعت روايات تتفق وما يروجونه من عدم وجود ميزة لاصفياء الله عمن سواهم من البشر. وفي مقابل تلكم الاحاديث وتأويلات ايات كتاب الله بدافع العاملين المذكورين آنفا نجد في كتب التفسير والحديث والسيرة احاديث اخرى تدل على ميزات اصفياء الله فآمن بها طائفة من المسلمين واولت آيات كتاب الله بما يوافق تلك الاحاديث وانتج ذلك لكل طائفة منهما رؤية خاصة لصفات الله وصفات انبيائه وعن العرش والكرسي وسائر المعارف الاسلامية تناقض رؤية الطائفة الاخرى وكل طائفة آمنت بما لديها بما يبلغ به إلى تكفير من يخالفه في الرأى. وان ما وقع من التفرقة مدى القرون كان من اثر ما ذكرناه، اما العلاج فسنذكره بحوله تعالى في الخاتمة الآتية:


(1) راجع اخبار سيرة النبي داود (ع) في تاريخ الطبري وغيره.

[71]

- 9 - خلاصة وخاتمة شرع الله للانسان الاسلام نظاما مناسبا مع فطرته وهداه بواسطة انبيائه وكان كلما توفي نبي وغيرت امته شريعته جدد الله دينه بارسال نبي جديد واقتضت حكمته ختم الشرائع بشريعة خاتمهم فحفظ اصول الاسلام بحفظ القرآن من الزيادة والنقصان ابد الدهر، وجعل بيان الاحكام وشرحه في سنة رسوله (ص) ولم يحفظها مثل القرآن من الزيادة والنقصان، ولم يعصم رواته عن السهو والنسيان، ولم يعصم نساخ كتب الحديث من الخطأ والزلل، ومضى على رواية سنة الرسول (ص) اربعة عشر قرنا وتداول المسلمون من روايات سنة الرسول (ص) سيرة وحديثا ما تعارض بعضه مع بعض الشئ الكثير مع وجود المجمل والمبين والعام والخاص فيها والعوامل الخارجة المؤثرة في رواية الحديث والتي أشرنا إليها سابقا فاختلفت اجتهادات المجتهدين في ترجيح بعضها على بعض مضافا إلى اجتهاداتهم الخاصة في مختلف معارف الاسلام واحكامه، فتعصب كل لآرائه فتكونت لكل فرقة رؤية خاصة للاسلام أولت بموجبها آيات متشابهات في كتاب الله الكريم وحملت عليها آيات محكمات آخرى. وهكذا انقسم المسلمون إلى فرق ومذاهب، ومضت عليهم قرون طويلة كفر خلالها المسلمون بعضهم البعض الاخر، وقتلت من خالفها في الرأي أحيانا وهدمت ديارهم ! فكيف يمكن توحيد كلمة المسلمين مع وجود هذه المفارقات ؟ ووجود مسائل الخلاف بينهم مما أوردنا أمثلة منها في ما سبق. لا، لن يتم التقارب بين المسلمين هكذا

[72]

ومع بقائهم على تقليد اجتهادات السلف ولابد للمسلمين من أن تبدي كل طائفة منهم ما لديها من رؤى للاسلام وتأويل القرآن وحديث مروي واجتهادات للسلف نشأ منها الخلاف على شرط أن يتم ذلك باسلوب الدعوة إلى الحق والبحث العلمي الرصين ودون الركون إلى السباب والشتائم والافتراء انتصارا لرأيها وطائفتها أعاذنا الله من ذلك ثم الاستماع بتجرد إلى ما لدى الطوائف الاخرى كذلك، والحقيقة بنت البحث. والسبيل الصحيح للوصول إلى ذلك أن يتبادر علماء المسلمين إلى تلك الدراسات بتجرد علمي بحث ثم تعرض نتائج تلك الدراسات على الاندية العلمية الاسلامية الكبرى مثل الجامع الازهر الشريف في القاهرة والجامعة الاسلامية في المدينة المنورة ورابطة العالم الاسلامي في مكة المكرمة والجوامع الاسلامية الكبرى في النجف الاشرف وقم وخراسان والقيروان والزيتونة لبحثها وتمحيصها، ثم لتنشر بعد ذلك حكومات البلاد الاسلامية ما تتمخض عنه دراسات تلك الجامعات على المسلمين كافة ليتسنى لجميع المسلمين لمن اراد منهم ان يفهم رأي البعض الآخر تفهما واعيا لا لبس فيه ولا غموض ولا نبز وله بعد ذلك أن يتقبل رأى غيره بقبول حسن أو يعذر اخاه المسلم في ما اتخذ له من رأي وهكذا يتيسر للمسلمين ان يتفهم بعضهم البعض الآخر ويتقاربوا ويوحدوا جهودهم في ما يصلح لهم (1). ومن الضروري في هذا السبيل أن يبدأ بالبحث عن مصادر الشريعة الاسلامية


(1) لقد شرحت ضرورة القيام بدراسات مقارنة لسنة الرسول بتجرد علمي بحت لعلماء المسلمين وكتابهم ومفكريهم بمصر والحجاز والشام ولنبان والهند وپاكستان والعراق وغيرها سواء في الجامعات الاسلامية والاندية العلمية بها أو في اجتماعي مع العلماء على الفراد واستعنت الله وقمت منذ نيف وخمسين سنة بهذه الدراسات ولما كانت ام المؤمنين عائشة اكثر من تحدثت عن سيرة الرسول الاكرم (ص) بين امهات المؤمنين واهل البيت وجميع الصحابة وكان اكثر الباحثين مسلمين وغير مسلمين من المستشرقين وتلاميذهم يتعرفون على سيرة السول (ص) من خلال الاحاديث المروية عنها ولن تتسير دراسة سيرة الرسول دون الدراسة العلمية لمجموعة الاحاديث المروية عنها بتجرد علمي بحث، لهذا اضطررت إلى دراسة احاديثها دراسة مقارنة وطبعت الجزء الاول منها ولما يطبع الجزء الثاني منها ورأيت خلال دراساتي من الاختلاف في اخبار السيرة واخبار العصر الاسلامي الاول ما اكرهني على نشر بعض دراساتي باسم (خمسون ومائة صحابي مختلق) وقصدي من هذه التسمية ان انبه العلماء إلى ما في أخبار العصر الاسلامي الاول من عظيم الاختلاق وطبع منها فملان ترجم فيها ثلاثة وتسعون صحابيا مختلقا ونيفد سبعون راويا للحديث مختلقون - أيضا - اسندت إليهم روايات في الفتوح والردة وغير ذلك مختلقة جمعيها وكتبت مقدمة لهذه الدراسة مجلدي عبد الله بن سيأ وبقي نشر المجلد الثالث من (خمسون ومائة صحابي مختلق) والثالث من عبد الله بن سبأ والى الله أشكو ما لاقيت من الارجاف في هذا السبيل.

[73]

وكيفية أخذ المسلمين منها وسبل الوصول إلى السنة النبوية وللوصول إلى هذا الهدف الجليل قمت مستعينا بالله تعالى إلى تأليف هذا الكتاب على المنهج التالي: منهج البحث في الكتاب: اوردنا في ما سبق امثلة من مسائل الخلاف ومنشأ الاختلاف والباعثان اليهما وبقى لنا درس جذور الخلاف والاختلاف وسندرسها في ابواب القسم الاول من هذا الكتاب ليدرسها المصلحون الغيارى على الاسلام والمسلمين وينسقوا جهودهم في ضوء معرفتها في تقريب ابناء الامة الاسلامية وتوحيد كلمتهم ضد أعداء الاسلام ان شاء الله تعالى. وفي هذا الصدد لما كان جميع طوائف المسلمن ينتهون إلى مدرستين (1) مدرسة الامامة ومدرسة الخلافة بحثت في الكتاب: اولا: عن رأي المدرستين في الصحابة وعدالتهم، لانهم من سبل الوصول إلى سنة الرسول (ص). وترى مدرسة الخلافة أنهم جميعا عدول لا يتطرق الشك في عدالة أي واحد منهم ويؤخذ الحديث من جميعهم، وترى المدرسة الاخرى أن في الصحابة البر التقي الذي يؤخذ منه الحديث وفيهم من وصمه الله في كتابه بالنفاق وقال: " من أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم " التوبة 101. وهكذا درست أدلة الطرفين في هذا الباب بتجرد علمي ثم بحثت عن رأي المدرستين في الامامة والخلافة وأدلتهما في ما ارتأيا لان الخلفاء الاربعة الاوائل لدى احداهما من سبل الوصول إلى الشريعة الاسلامية وتروي في حقهم عن الرسول أنه قال: " خذوا بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي وعضوا عليها بالنواجذ "، ثم أنها تتخذ من اجتهاداتهم مصدرا للشريعة الاسلامية (2). وكذلك الائمة الاثنا عشر لدى (مدرسة أهل البيت) فانهم يرونهم من سبل الوصول الي الشريعة الاسلامية ويأخذون منهم كل ما يروون عن الرسول (ص) من أحكام بلا تردد فلابد مع هذا من تمحيص أدلة الطرفين في هذا السبيل. ثانيا: درست بحوث المدرستين في مصادر الشريعة الاسلامية بكل أمانة علمية، وختمت البحوث بذكر بعض أنواع نشاط المدرستين الثقافي والسياسي


(1) سيأتي بيانه في بدايه البحوث ان شاء الله تعالى. (2) يأتي بحثها مفصلا في باب (بحوث المدرستين في مصادر الشريعة الاسلامية) ان شاء الله تعالى.

[74]

والاجتماعي وآثارها على المجتمع الاسلامي. ثالثا: أوردت في الاخير بعض ما افتري به على مدرسة أهل البيت (ع) وحاولت القيام بتمحيصه، وها هي البحوث أعرضها على الملا الاسلامي الكريم راجيا أن ينظروا فيها بتجرد علمي وينبهوني إلى أخطائي في سبيل نشر المعرفة الاسلامية وتيسير التقارب والتفاهم بين المسلمين ان شاء الله تعالى. " قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين ".

[75]

القسم الاول بحوث المدرستين في مصادر الشريعة الاسلامية

[77]

توطئة في تاريخ الفكر الاسلامي نجد انقساما بينا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله بين مدرستين متعارضتين، مدرسة السلطة الحاكمة بعد الرسول حتى آخر الخلفاء العثمانيين (1) ومدرسة أئمة اهل البيت حتى الامام الثاني عشر، ولم يزل الخلاف قائما بين خريجي المدرستين وأتباعهما من المسلمين ولا يزال كذلك حتى عصرنا الحاضر والى ما شاء الله. وفي ما يلي من هذا البحث نسمي المدرسة الاولى بمدرسة الخلفاء، والاخرى بمدرسة اهل البيت ونبدأ بذكر منشأ الخلاف بينهما ثم نورد أمثلة من وجوه الخلاف إن شاء الله تعالى. منشأ الخلاف: تتفق المدرستان في القرآن الكريم، وتلتزمان بما أحله وحرمه وفرضه وندب إليه، وتختلفان في تأويله وخاصة متشابه آياته أشد الاختلاف، ثم تختلفان في الامور الثلاثة التالية: أ) في الصحابة.


(1) انما حددنا مدرسة السلطة الحاكمة بآخر الخلفاء العثمانيين ومدرسة اهل البيت بالامام الثاني عشر من أئمة أهل البيت، لان مدرسة الخلفاء تلتزم بشرعية حكومة الخلفاء بعد النبي وتسميهم بخلفاء النبي، وتلتزم مدرسة اهل البيت بأحقية الائمة الاثني عشر في الحكم وتسميهم اوصياء النبي، ولهذا سمينا الاولى بمدرسة الخلفاء والثانية بمدرسة اهل البيت.

[78]

ب) في الامامة والخلافة وهما من سبل الوصول إلى مصادر الشريعة الاسلامية ج) في مصادر الشريعة الاسلامية بعد القرآن. وسندرس بحوث المدرستين في كل منها بعد دراسة المصطلحات الواردة في بابه في أول الباب ونبدأ هنا بدراسة المصطلحات المشتركة في جميع أبواب الكتاب أولا، ثم بدراسة كيفية تدوين معاجم اللغة العربية ثانيا

[79]

اللغة العربية والمصطلحات الاسلامية أولا: تعريف المصطلحات وهي: أ) لغة العرب. ب) المصطلح الشرعي أو المصطلح الاسلامي. ج) مصطلح المتشرعة أو مصطلح المسلمين. ونسمي الاول أحيانا ب‍ " تسمية العرب "، والثاني ب‍ " تسمية الشارع " والثالث ب‍ " تسمية المسلمين " ونقول: أ) لغة العرب ان جل الالفاظ العربية التي نستعملها اليوم، كانت شائعة في معانيها قبل الاسلام وبعد الاسلام حتى اليوم، مثل: الاكل والنوم والليل والنهار. ومن تلكم الالفاظ ما ورد في لغة العرب في معان متعددة، مثل لفظ: غنم، الذي كان في البدء بمعنى كسب الغنم، ثم استعمل أيضا في لغة العرب بمعنى الفوز بالشئ بلا مشقة ثم استعمل في الاسلام في الفوز بالشئ مطلقا، سواء أكان الفوز بمشقة أم من دون مشقة. وقد يرد لفظ عند قبيلة بمعنى وعند أخرى بمعنى آخر مثل: " الاثلب " فانه في لغة أهل الحجاز: الحجر، وفي لغة تميم: التراب (1). وفي عصرنا يستعمل لفظ: " المبسوط " ويراد به عند العراقيين المضروب، ولدى الشاميين واللبنانيين: المسرور، وفي مثل هذه الحالة يجب ان نقول مثلا:


(1) تهذيب اللغة للازهري، ط / القاهرة، سنة: 1384 ه‍، ج 15 / 91.

[80]

" الاثلب " في لغة تميم بمعنى كذا، وفي لغة الحجازيين بمعنى كذا، وكذلك الامر في " المبسوط ". ب) المصطلح الشرعي أو المصطلح الاسلامي. عندما بعث الله خاتم أنبيائه صلى الله عليه وآله، استعمل بعض الالفاظ العربية في غير معانيها الشائعة لدى العرب، مثل: " الصلاة " التي كانت تستعمل في مطلق " الدعاء "، واستعملها رسول الله صلى الله عليه وآله، في عبادة خاصة لها قراءات خاصة مقارنة بأفعال خاصة من قيام وركوع وسجود، مما لم تكن معروفة لدى العرب، وهذا ما نسميه ب‍ " المصطلح الشرعي أو الاسلامي " سواء في ذلك أغير المعنى اللغوي للفظ مثل " الصلاة "، أم جاء الشارع الاسلامي بلفظ جديد في معنى جديد، مثل: " الرحمن " صفة لله تعالى. ويعرف " المصطلح الشرعي " بورود اللفظ في معناه في القرآن الكريم أو الحديث النبوي الشريف، وبدون ذلك لا يوجد المصطلح الشرعي. إذا فالمصطلح الشرعي: ما استعمله الشارع في معنى خاص وبلغ الرسول صلى الله عليه وآله ذلك. ج) مصطلح المتشرعة أو " تسمية المسلمين " من الالفاظ ما هي شائعة في معان خاصة بها لدى المسلمين عامة مثل: " الاجتهاد " و " المجتهد " الشائعين لدى عامة المسلمين في الفقه والفقيه، وكان اللفظان في لغة العرب بمعنى بذل الجهد في طلب الامر (1)، وباذل الجهد، واستعملا بنفس المعنى اللغوي في حديث الرسول صلى الله عليه وآله كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: " فضل العالم على المجتهد مائة درجة "، أي على المجتهد في العبادة (2). وفي ما روي عن سيرته صلى الله عليه وآله، وقيل: " كان رسول الله يجتهد في العشر الاواخر مالا يجتهد في غيره. " (3)


(1) مادة: جهد، من نهاية اللغة، لابن الاثير. (2) مقدمة سنن الدارمي، باب فضل العلم والعالم، ح - 32، ج 1 / 100. (3) صحيح مسلم، كتاب الاعتكاف، باب الاجتهاد في العشر الاواخر من شهر رمضان، ح - 1175.

[81]

ولم يرد " الاجتهاد " و " المجتهد " بمعنى: الفقه والفقيه، في القرآن الكريم ولا الحديث النبوي الشريف، ونسمي هذا النوع من التسمية ب‍ " عرف المتشرعة " و " تسمية المسلمين ". ومن هذا النوع من التسمية مالا يكون شائعا لدى عامة المسلمين بل يكون شائعا لدى بعضهم، مثل كلمة: " صوم زكريا " المستعمل لدى بعض المسلمين في الصوم مع الالتزام بالصمت والامتناع عن التكلم، وهذا النوع من المصطلح ينبغي أن نسميه باسم البلد الشائع فيه، فنقول: هذا اصطلاح المسلمين من اهل بغداد، أو اصطلاح المسلمين في القاهرة مثلا، ولا يصح أن نسميه ب‍ " اصطلاح المسلمين " أو " عرف المتشرعة " أو " تسمية المسلمين " مطلقا وبدون تقييد. وكذلك الامر بالنسبة إلى التسمية الشائعة لدى أهل مذهب من المذاهب الاسلامية أو لدى فرقة تنتمي إلى الاسلام. مثل: " الشاري " والمشرك " لدى الخوارج، ف‍ " الشاري " عندهم بمثابة المجاهد عند كافة المسلمين، و " المشرك " عندهم: جميع المسلمين وكل من لا ينتمي إلى الخوارج. ومثل: " الرافضي " الذي ينبز به بعض أتباع مدرسة الخلفاء بعض أتباع مدرسة اهل البيت عليهم السلام. و " الناصبي " عند أتباع مدرسة اهل البيت عليهم السلام، الذي يسمون به: كل من يبغض الائمة من اهل البيت عليهم السلام. وفي مثل هذه الحالة، نسمي الاول: ب‍ " اصطلاح الخوارج " والثاني: ب‍ " اصطلاح مدرسة الخلفاء " والثالث: ب‍ " اصطلاح مدرسة اهل البيت عليهم السلام ". وبناء على ما ذكرنا، فإذا ورد لفظ " الناصبي " لدى أتباع مدرسة الخلفاء لا ينبغي أن نفهم منه أعداء اهل البيت عليهم السلام، وكذلك إذا ورد لفظ " الشاري " عند غير الخوارج لا نفهم منه ما اصطلح عليه الخوارج. د: الحقيقة والمجاز إذا شاع استعمال اللفظ في معناه بحيث لم يتبادر إلى ذهن السامع عند استماع

[82]

الكلمة غير ذلك المعنى، مثل لفظ: " الاسد " الذي يفهم منه: الحيوان المفترس، لا غيره. ومثل لفظ: " الصلاة " التي لا يفهم منها لدى المسلمين غير: القيام بالاعمال الخاصة المقرونة بأذكار خاصة. في مثل هذه الحالة، يوصف " الاسد " بانه حقيقة في الحيوان المفترس، و " الصلاة " بانها حقيقة في الاعمال المخصوصة ويسمى الاول: ب‍ " الحقيقة اللغوية " والثاني ب‍ " الحقيقة الشرعية ". وقد يستعمل لفظ " الاسد " ويقصد به: الرجل الشجاع، ويقال: رأيت أسدا يتكلم في المسجد. وهذا الاستعمال يسمى استعمالا مجازيا ويقال: استعمل " الاسد " مجازا في الرجل الشجاع، ولابد عند ذلك من وجود قرينة في الكلام أو في المقام يدل على انه لم يقصد من " الاسد " المعنى الحقيقي، مثل قولك هنا: " يتكلم في المسجد " فان الاسد لا يتكلم، وهذه قرينة على أن القائل لم يقصد الحيوان المفترس وانما قصد رجلا شجاعا. ثانيا: كيفية تأليف مجاميع اللغة العربية عندما قام علماء اللغة العربية بتدوين اللغة العربية في القرنين الثاني والثالث الهجريين، سجلوا أمام كل لفظ ما وجدوا له من معنى، منذ العصر الجاهلي إلى زمانهم سواء أكان ذلك المعنى شائعا عند أهل اللغة أم في الشرع الاسلامي، أو لدى المسلمين غير ان فقهاء المسلمين، بذلوا جهدا مشكورا مدى القرون في تحديد المصطلحات الاسلامية الفقهية وتعريفها، مثل مصطلح الصلاة والصوم والحج وغيرها، فأصبحت المصطلحات الاسلامية الفقهية معروفة لدى جميع المسلمين، ولما لم يبذل نظير ذلك الجهد في تعريف المصطلحات الاسلامية غير الفقهية، أصبح بعض المصطلحات غير معروف لدى المسلمين، أهي من نوع الاصطلاح الشرعي أم من نوع تسمية المسلمين واصطلاح المتشرعة ؟ وأدى ذلك إلى اللبس والغموض في ادراك المفاهيم الاسلامية وأحيانا في معرفة بعض الاحكام الشرعية نظير ما وقع في لفظ الصحابي، والصحابة، كما سندرسهما في ما يلي.

[83]

معالم المدرستين القسم الاول البحث الاول بحوث المدرستين في الصحبة والصحابة - الفصل الاول: تعريف الصحابي لدى المدرستين الفصل الثاني: عدالة الصحابة لدى المدرستين الفصل الثالث: خلاصة بحث الصحابة لدى المدرستين

[85]

معالم المدرستين - القسم الاول البحث الاول الفصل الاول تعريف الصحابي لدى المدرستين

[87]

تعريف الصحابي لدى المدرستين تعريف الصحابي في مدرسة الخلفاء: قال ابن حجر في مقدمة الاصابة، الفصل الاول في تعريف الصحابي: " الصحابي من لقي النبي صلى الله عليه وآله مؤمنا به ومات على الاسلام، فيدخل في من لقيه من طالت مجالسته له أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يرو، ومن غزا معه أو لم يغز ومن رآه رؤية ولو لم يجالسه ومن لم يره لعارض كالعمى (1) ". وذكر في " ضابط يستفاد من معرفته صحبة جمع كثير " قال: " انهم كانوا في الفتوح لا يؤمرون إلا الصحابة ". " وانه لم يبق بمكة ولا الطائف أحد في سنة عشر إلا أسلم وشهد مع النبي حجة الوداع " و " انه لم يبق في الاوس والخزرج أحد في آخر عهد النبي صلى الله عليه وآله إلا دخل في الاسلام " و " ما مات النبي صلى الله عليه وآله وأحد منهم يظهر الكفر " (2). وإذا راجع باحث أجزاء كتابنا " خمسون ومائة صحابي مختلق " يرى مدى تسامحهم في ذلك ومبلغ ضرره على الحديث.


(1) الاصابة 1 / 10. (2) المصدر السابق ص 16 وقبله ص 13.

[88]

تعريف الصحابي بمدرسة أهل البيت الصاحب وجمعه: صحب، وأصحاب، وصحاب، وصحابة (1) و " الصاحب: المعاشر (2) والملازم (3) " " ولا يقال الا لمن كثرت ملازمته " (4)، وان المصاحبة تقتضي طول لبثه " (5). وبما أن الصحبة تكون بين اثنين، يتضح لنا أنه لابد أن يضاف لفظ " الصاحب " وجمعه " الصحب و... " إلى اسم ما في الكلام، وكذلك ورد في القرآن في قوله تعالى " يا صاحبي السجن " و " أصحاب موسى "، وكان يقال في عصر الرسول صلى الله عليه وآله " صاحب رسول الله " و " أصحاب رسول الله " مضافا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله كما كان يقال: " أصحاب بيعة الشجرة " و " أصحاب الصفة " مضافا إلى غيره، ولم يكن لفظ الصاحب والاصحاب يوم ذلك أسماءا لاصحاب الرسول (ص)، ولكن المسلمين من أصحاب مدرسة الخلافة تدرجوا بعد ذلك على تسمية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله بالصحابي والاصحاب، وعلى هذا فان هذه التسمية من نوع تسمية المسلمين ومصطلح المتشرعة. كان هذا رأي المدرستين في تعريف الصحابي. ضابطتهم لمعرفة الصحابي ومناقشتها. بالاضافة إلى ما ذكرنا عرف مترجمو الصحابة بمدرسة الخلفاء ضابطة لمعرفة الصحابي كما نقلها ابن حجر في الاصابة وقال: " ومما جاء عن الائمة من الاقوال المجملة في الصفة التي يعرف بها كون الرجل صحابيان وان لم يرد التنصيص على ذلك، ما أورده ابن أبي شيبة في مصنفه من طريق لا بأس به: أنهم كانوا في الفتوح لا يؤمرون الا الصحابة " (6). والرواية التي جاءت من طريق لا بأس به بهذا الصدد هي التي رواها الطبري وابن عساكر بسندهما عن سيف عن أبي عثمان عن خالد وعبادة قال فيها: " وكانت الرؤساء تكون من الصحابة حتى لا يجدوا من يحتمل ذلك " (7).


(1 و 2) راجع لسان العرب، مادة " صحب ". (3 و 4 و 5) مفردات الراغب، مادة " صحب ". (6) الاصابة 1 / 13. (7) الطبري ط. اوربا 1 / 2151.

[89]

وفي رواية اخرى عند الطبري عن سيف قال: " ان الخليفة عمر كان لا يعدل أن يؤمر الصحابة إذا وجد من يجزي عنه في حربه فان لم يجد ففي التابعين باحسان، ولا يطمع من إنبعث في الرواة في الرئاسة... " (1). مناقشة ضابطة معرفة الصحابي ان مصدر الروايتين هو سيف المتهم بالوضع والزندقة (2). وسيف يروي الضابطة عن أبي عثمان، وأبو عثمان الذي يروي عن خالد وعبادة في روايات سيف، تخيله سيف يزيد بن أسيد الغساني وهذا الاسم من مختلقات سيف من الرواة (3). ومهما تكن حال الرواة الذين رووا هذه الروايات وكائنا من كان، فان الواقع التاريخي يناقض ما ذكروا. فقد روى صاحب الاغاني وقال: " أسلم امرؤ القيس على يد عمر وولاه قبل أن يصلي لله ركعة واحدة " (4). وتفصيل الخبر في رواية بعدها عن عوف بن خارجة المري قال: والله اني لعند عمر بن الخطاب (رض) في خلافته إذ أقبل رجل أفحج أجلح أمعر يتخطى رقاب الناس حتى قام بين يدي عمر فحياه بتحية الخلافة. فقال له عمر: فمن أنت ؟ قال أنا امرؤ نصراني، أنا امرؤ القيس بن عدي الكلبي، فعرفه عمر، فقال له: فما تريد ؟ قال: الاسلام. فعرضه عليه عمر، فقبله ثم دعا له برمح فعقد له على من أسلم بالشام من


(1) الطبري ط. اوربا 1 / 2457 - 2458. (2) راجع ترجمة سيف في أول الجزء الاول من كتاب عبد الله بن سبأ. (3) راجع مخطوطة " رواة مختلقون " وكتاب عبد الله بن سبأ ط. بيروت سنة 1403 ه‍ ج 1 / 117. (4) الاغاني ط. ساسي 14 / 158. (5) الافحج: من تدانت صدور قدميه وتباعد عقباه، والاجلح: الذي انحسر شعره عن جانبي رأسه. والامعر: القليل الشعر.

[90]

قضاعة (1) فأدبر الشيخ واللواء يهتز على رأسه... " الحديث (2). ويخالفه - أيضا - ما في قصة تأمير علقمة بن علاثة الكلبي بعد ارتداده، وقصته كما في الاغاني والاصابة (3) بترجمته ما يلي: أسلم علقمة على عهد رسول الله وأدرك صحبته ثم ارتد على عهد أبي بكر فبعث أبو بكر إليه خالد ففر منه. قالوا ثم رجع فأسلم. وفي الاصابة: شرب الخمر على عهد عمر فحده فارتد ولحق بالروم فأكرمه ملك الروم، قال له: أنت ابن عم عامر بن الطفيل، فغضب وقال: لا أراني أعرف إلا بعامر (4) فرجع وأسلم. وفي الاغاني والاصابة واللفظ للاول: لما قدم علقمة بن علاثة المدينة وكان قد ارتد عن الاسلام، وكان لخالد ابن الوليد صديقا فلقيه عمربن الخطاب (رض) في المسجد في جوف الليل وكان عمر (رض) يشبه بخالد فسلم عليه وظن أنه خالد. فقال له: عزلك ؟ قال: كان ذلك.


(1) قضاعة قبائل كبيرة، منهم قبائل حيدان وبهراء وبلى وجهينة، ترجمتهم في جمهرة أنساب ابن حزم 440 - 460 وكانت ديارهم في الشحر ثم في نجران ثم في الشام فكان لهم ملك ما بين الشام والحجاز إلى العراق، راجع مادة قضاعة، معجم قبائل العرب 3 / 957. (2) الاغاني ط. ساسي 14 / 157، وأوجزه ابن حزم في جمهرة أنساب العرب ص 284. (3) ترجمته في الاصابة 2 / 496 - 498 والاغاني ط. ساسي 15 / 56 وقصة تنافر علقمة وعامر في الاغاني 15 / 50 - 55، وفي جمهرة ابن حزم ص 284. (4) وقعت منافرة بين علقمة وعامر ذكرها الاخباريون، قال في الاغاني ط / ساسي 15 / 50: ان علقمة كان قاعدا ذات يوم يبول، فبصر به عامر فقال لم أر كاليوم عورة رجل أقبح.. فقال علقمة: أما والله ما وثبت على جاراتها ولا تنازل كناتها، يعرض بعامر... فقال عامر: والله لانا أكرم منك حسبا وأثبت منك نسبا... فقال علقمة: لانا خير منك ليلا ونهارا. فقال عامر: لانا أحب إلى نسائك... إلى آخر القصة في الاغاني. وترجمة علقمة في الاصابة ولذلك أنف علقمة من ان يكرم لانه ابن عم عامر ويشتهر ذلك عنه.

[91]

قال: والله ما هو إلا نفاسة عليك وحسدا لك. فقال له عمر: فما عندك معونة على ذلك ؟ قال: معاذ الله، ان لعمر علينا سمعا وطاعة وما نخرج إلى خلافه. فلما أصبح عمر (رض) أذن للناس فدخل خالد وعلقمة. فجلس علقمة إلى جنب خالد، فالتفت عمر إلى علقمة فقال له: ايه يا علقمة أنت القائل لخالد ما قلت ؟ فالتفت علقمة إلى خالد، فقال: يا أبا سليمان أفعلتها ؟ قال: ويحك ! والله ما لقيتك قبل ما ترى، واني أراك لقيت الرجل. قال: أراه والله. ثم التفت إلى عمر (رض) فقال: يا أمير المؤمنين ! ما سمعت إلا خيرا. قال: أجل، فهل لك أن أوليك حوران (1). قال: نعم. فولاه إياها فمات بها، فقال الحطيئة يرثيه... الحديث. وزاد في الاصابة: فقال عمر: لان يكون من ورائي على مثل رأيك أحب إلي من كذا وكذا. كان ما نقلناه هو الواقع التاريخي غير أن علماء مدرسة الخلفاء استندوا إلى ما رووا واكتشفوا مما رووا ضابطة لمعرفة صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وأدخلوا في عداد الصحابة مختلقات سيف بن عمر المتهم بالزندقة مما درسناه في كتابنا " خمسون ومائة صحابي مختلق ". بعد دراسة رأي المدرستين في تعريف الصحابي، ندرس في ما يلي أمر عدالة الصحابة لدى المدرستين.


(1) حوران: كورة واسعة من أعمال دمشق ذات قرى كثيرة ومزارع - معجم البلدان 2 / 358.

[93]

معالم المدرستين - القسم الاول البحث الاول الفصل الثاني عدالة الصحابة لدى المدرستين

[95]

عدالة الصحابة لدى المدرستين رأي مدرسة الخلفاء في عدالة الصحابة ترى مدرسة الخلفاء أن الصحابة كلهم عدول وترجع إلى جميعهم في أخذ معالم دينها. قال إمام اهل الجرح والتعديل الحافظ أبو حاتم الرازي (1) في تقدمة كتابه: " فأما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فهم الذين شهدوا الوحي والتنزيل، وعرفوا التفسير والتأويل، وهم الذين اختارهم الله عزول لصحبة نبيه صلى الله عليه وآله ونصرته، وإقامة دينه، وإظهار حقه، فرضيهم له صحابة، وجعلهم لنا أعلاما وقدوة، فحفظوا عنه صلى الله عليه وآله ما بلغهم عن الله عزوجل، وما سن وشرع، وحكم وقضى وندب وأمر ونهى وحظر وأدب، ووعوه وأتقنوه ففقهوا في الدين وعلموا أمر الله ونهيه ومراده بمعاينة رسول الله صلى الله عليه وآله ومشاهدتهم منه تفسير الكتاب وتأويله، وتلقفهم منه واستنباطهم عنه، فشرفهم الله عزوجل بما من عليهم وأكرمهم به من وضعه إياهم موضع القدوة، فنفى عنهم الشك والكذب والغلط والريبة والفخر واللمز وسماهم عدول الامة فقال عز ذكره في محكم كتابه: " وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس "، ففسر النبي صلى الله عليه وآله عن الله عز ذكره قوله " وسطا " قال: " عدلا ". فكانوا عدول الامة، وائمة الهدى،


(1) هو أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي المتوفى سنة 327 ه‍ وكتابه هذا " تقدمة المعرفة لكتاب الجرح والتعديل " ط / حيدر آباد سنة 1371 ه‍ نقلنا ما اوردناه من ص 7 - 9 منه.

[96]

وحجج الدين، ونقلة الكتاب والسنة. وندب الله عزوجل إلى التمسك بهديهم والجري على منهاجهم والسلوك لسبيلهم والاقتداء بهم فقال: " ومن يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى " الاية (1). ووجدنا النبي صلى الله عليه وآله قد حض على التبليغ عنه في أخبار كثيرة ووجدناه يخاطب أصحابه فيها، منها أن دعا لهم فقال: " نضر الله إمرءا سمع مقالتي فحفظها ووعاها حتى يبلغها غيره ". وقال صلى الله عليه وآله في خطبته: " فليبلغ الشاهد منكم الغائب "، وقال: " بلغوا عني ولو آية وحدثوا عني ولا حرج ". ثم تفرقت الصحابة رضي الله عنهم في النواحي والامصار والثغور، وفي فتوح البلدان والمغازي والامارة والقضاء والاحكام، فبث كل واحد منهم في ناحيته والبلد الذي هو به ما وعاه وحفظه عن رسول الله صلى الله عليه وآله (2) وأفتوا في ما سئلوا عنه مما حضرهم من جواب رسول الله صلى الله عليه وآله عن نظائرها من المسائل، وجردوا أنفسهم مع تقدمة حسن النية والقربة إلى الله تقدس اسمه لتعليم الناس الفرائض والاحكام والسنن الحلال والحرام، حتى قبضهم الله عزوجل رضوان الله ومغفرته ورحمته عليهم أجميعن ". وقال ابن عبد البر في مقدمة كتابه الاستيعاب (3): " ثبتت عدالة جميعهم " ثم أخذ بايراد آيات واحاديث وردت في حق المؤمنين منهم نظير ما أوردناه من الرازي. وقال ابن الاثير في مقدمة اسد الغابة: (4) "... إن السنن التي عليها مدار تفصيل الاحكام ومعرفة الحلال والحرام إلى غير ذلك من امور الدين إنما ثبتت بعد معرفة رجال أسانيدها ورواتها، وأولهم والمقدم


(1) ترى مدرسة اهل البيت ان المقصود من كل ذلك المؤمنون منهم كما نضت الاية عليه وسيأتي مزيد بيانه ان شاء الله تعالى. (2) سترى في ما يأتي ان شاء الله ان مدرسة الخلافة منعت نشر حديث الرسول وخاصة كتابته إلى رأس المائة من الهجرة ! (3) الاستيعاب في اسماء الاصحاب للحافظ المحدث ابي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي المالكي 363 - 463 ه‍ وقد نقلنا من نسخة هامش الاصابة ص 2. (4) اسد الغابة في معرفة الصحابة لابي الحسن عز الدين علي بن محمد بن عبد الكريم الجزري المعروف بابن الاثير (ت 630 ه‍) ج 1 / 3.

[97]

عليهم اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فإذا جهلهم الانسان كان بغيرهم أشد جهلا وأعظم إنكارا، فينبغي أن يعرفوا بأنسابهم وأحوالهم... والصحابة يشاركون سائر الرواة في جميع ذلك إلا في الجرح والتعديل فانهم كلهم عدول لا يتطرق إليهم الجرح... ". وقال الحافظ ابن حجر في الفصل الثالث: في بيان حال الصحابة من العدالة من مقدمة الاصابة (1): " اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة... " وروى عن ابي زرعة انه قال: " إذا رأيت الرجل ينتقص احدا من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فاعلم أنه زنديق وذلك أن الرسول حق، والقرآن حق، وما جاء به حق، وإنما أدى ذلك إلينا كله الصحابة، وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم اولى وهم زنادقة " (2). كان هذا رأي مدرسة الخلفاء في عدالة الصحابة، وفي ما يلي رأي مدرسة أهل البيت في ذلك: رأي مدرسة أهل البيت في عدالة الصحابة ترى مدرسة أهل البيت تبعا للقرآن الكريم: أن في الصحابة مؤمنين أثنى عليهم الله في القرآن الكريم وقال في بيعة الشجرة مثلا: " لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا " الفتح / 18. فقد خص الله الثناء بالمؤمنين ممن حضروا بيعة الشجرة ولم يشمل المنافقين الذين


(1) الاصابة في تمييز الصحابة للحافظ شهاب الدين احمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني الشافعي المعروف بابن حجر (773 - 852 ه‍) وقد رجعنا إلى ط المكتبة التجارية سنة 1358 ه‍ بمصر ج 1 / 17 - 22. (2) الاصابة ج 1 / 18 وابو زرعة هو عبيدالله بن عبد الكريم بن يزيد قال ابن حجر في تقريب التهذيب ج 2 / 536 الترجمة 1479: امام حافظ ثقة مشهور من الطبقة الحادية عشرة من الرواة مات سنة اربع وستين ومأتين وروى عنه من اصحاب الصحاح مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة اقول: لست أدري ماذا يقول الامام أبو زرعة في حق المنافقين من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله.

[98]

حضروها مثل عبد الله بن أبي وأوس بن خولى (1). وكذلك تبعا للقرآن ترى فيهم منافقين ذمهم الله في آيات كثيرة مثل قوله تعالى " وممن حولكم من الاعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم " التوبة / 101. وفيهم من أخبر الله عنهم بالافك، أي من رموا فراش رسول الله صلى الله عليه وآله بالافك (2) - نعوذ بالله من هذا القول - وفيهم من أخبر الله عنهم بقوله " وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما " - الجمعة / 11 - وكان ذلك عندما كان رسول الله قائما في مسجده يخطب خطبة الجمعة. وفيهم من قصد اغتيال رسول الله في عقبة هرشى عند رجوعه من غزوة تبوك أو من حجة الوداع (4). وان التشرف بصحبة النبي صلى الله عليه وآله ليس أكثر امتيازا من التشرف بالزواج بالنبي صلى الله عليه وآله، فان مصاحبتهن له كانت من أعلى درجات الصحبة، وقد قال الله تعالى في شأنهن: " يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا، ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين واعتدنا لها رزقا كريما يا نساء النبي لستن كأحد من النساء... " الاحزاب / 30 - 32. وقال في اثنتين منهما: " ان تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وان تظاهرا عليه فان الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير " إلى قوله تعالى " ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلن يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين، وضرب


(1) راجع خبر بيعة الشجرة = بيعة الرضوان في مغازي الواقدي وخطط المقريزي. (2) اشارة إلى قصة الافك التي نزلت في شأنها الايات (11 - 17) من سورة النور في براءة ام المؤمنين عائشة عما رميت به كما روتها هي، أو في براءة مارية عما رميت به على قول غيرها كما في ج 2 من احاديث ام المؤمنين عائشة. (3) مسند أحمد 5 / 390 و 453 وراجع صحيح مسلم 8 / 122 - 123 باب صفات المنافقين ومجمع الزوائد ج 1 / 110 وج 6 / 195 ومغازي الواقدي ج 3 / 1042 وامتاع الاسماع للمقريزي ص 477 وفي تفسير " هموا بما لم ينالوا به " الاية 74 من سورة التوبة بتفسير الدر المنثور للسيوطي ج 3 / 258 - 259. (4) ورد في احاديث الشيعة ان ذلك كان عند مرجعه من حجة الوداع وبمناسبة واقعة غدير خم بأرض الجحفة، راجع البحار، ط المكتبة الاسلامية بطهران سنة 1392 ج 28 / 97.

[99]

الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة... ومريم ابنة عمران... " التحريم من أول السورة إلى آخرها. ومنهم من أخبر عنهم الرسول صلى الله عليه وآله في قوله عن يوم القيامة: " وانه يجاء برجال من امتي، فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول يا رب أصيحابي، فيقال انك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: " وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم " فيقال ان هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم (1). " وفي رواية: " ليردون علي ناس من أصحابي الحوض حتى عرفتهم اختلجوا دوني فأقول: أصحابي فيقول لا تدري ما أحدثوا بعدك " (2). وفي صحيح مسلم: " ليردن علي الحوض رجال ممن صاحبني حتى إذا رأيتهم رفعوا الي اختلجوا دوني فلاقولن أي رب أصيحابي، فليقالن لي انك لا تدري ما أحدثوا بعدك " (3). ضابطة لمعرفة المؤمن والمنافق لما كان في الصحابة منافقون لا يعلمهم إلا الله، وقد أخبر نبيه بأن عليا لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق كما رواه الامام علي (ع) (4) وأم المؤمنين


(1) البخاري تفسير سورة المائدة (باب) أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك، وتفسير سورة الانبياء، والترمذي أبواب صفة القيامة، باب ما جاء في شأن الحشر وتفسير سورة طه. (2) البخاري، كتاب الدعوات، باب في الحوض وابن ماجة، كتاب المناسك، باب الخطبة يوم النحر، الحديث 5830 وراجع مسند أحمد ج 1 / 453 وج 3 / 28 وج 5 / 48. (3) صحيح مسلم كتاب الفضائل، باب اثبات حوض نبينا الحديث 40. (4) الامام علي ابن عم الرسول أبي طالب بن عبد المطلب ولد في جوف الكعبة كما رواه الحاكم في المستدرك ج 3 / 483 والمالكي في الفصول المهمة والمغازلي الشافعي في المناقب والشبلنجي في نور الابصار ص 69 وكانت ولادته في 13 رجب سنة ثلاثين من عام الفيل وبايعه المهاجرون والانصار سنة 35 وضربه ابن ملجم المرادي ليلة التاسعة عشرة من شهر رمضان سنة 40 للهجرة في محراب مسجد الكوفة وتوفي في يوم 21 منه، روى عنه اصحاب الصحاح 536 حديثا، راجع ترجمته في الاستيعاب واسد الغابة والاصابة وص 276 من جوامع السيرة، وروايته في المنافقين في صحيح مسلم ج 1 / 61 " باب الدليل على ان حب الانصار وعلي من الايمان وبغضهم من علامات النفاق " وصحيح الترمذي ج 13 / 177، باب مناقب علي، وسنن ابن ماجه الباب الحادي عشر من مقدمته، وسنن النسائي ج 2 / 271، باب علامة المؤمن وباب علامة المنافق من كتاب - > (*)

[100]

ام سلمة (1)، و عبد الله بن عباس (2)، وأبو ذر الغفاري (3) وانس بن مالك (4) وعمران بن حصين (5)، وكان ذلك شائعا ومشهورا في عصر رسول الله صلى الله عليه وآله، قال أبو ذر: ما كنا نعرف المنافقين إلا بتكذيبهم الله ورسوله والتخلف عن الصلوات والبغض لعلي بن ابي طالب (6). وقال أبو سعيد الخدري: انا كنا لنعرف المنافقين - نحن معاشر الانصار - ببغضهم على بن ابي طالب (7).


< - الايمان وشرائعه وخصائص النسائي ص 38، ومسند احمد ج 1 / 84 و 95 و 128 وتاريخ بغداد ج 2 / 255 و ج 8 / 417 وج 16 / 426، وحلية الاولياء لابي نعيم ج 4 / 185 وقال حديث صحيح متفق عليه، وتاريخ الاسلام للذهبي ج 2 / 198، وتاريخ ابن كثير ج 7 / 354، وبترجمته في كل من الاستيعاب ج 2 / 461 واسد الغابة ج 4 / 292 وكنز العمال ج 15 / 105 والرياض النضرة ج 2 / 284. (1) ام سلمة هند ابنة ابي أمية بن المغيرة القرشي المخزومي كانت قبل رسول الله عند ابي سلمة بن عبد الاسد المخزومي اسلما قديما وهاجرا إلى الحبشة ثم إلى المدينة ولما جرح أبو سلمة بأحد وتوفي سنة ثلاث من الهجرة تزوجها رسول الله وكانت مصبية، وتوفيت بعد قتل الحسين سنة ستين. روى عنها اصحاب الصحاح 378 حديثا. راجع ترجمتها وترجمة زوجها بأسد الغابة وجوامع السيرة ص 276 وتقريب التهذيب 2 / 617. وحديثها في شأن المنافقين في صحيح الترمذي ج 13 / 168، ومسند احمد ج 6 / 292، والاستيعاب ج 2 / 460، بطرق متعددة وتاريخ ابن كثير ج 7 / 354، وكنز العمال ط الاولى 6 / 158. (2) عبد الله ابن عم النبي عباس بن عبد المطلب: ولد قبل الهجرة بثلاث سنين وتوفي سنة ثمان وستين بالطائف وروى عنه اصحاب الصحاح 1660 حديثا، ترجمته باسد الغابة والاصابة وجوامع السيرة ص 276. (3) أبو ذر جندب أو بريد بن جنادة أو عبد الله أو السكن أو غير ذلك: تقدم اسلامه وتأخرت هجرته فشهد ما بعد بدر من غزوات رسول الله توفي منفيا بالربذة سنة اثنتين وثلاثين من الهجرة روى عنه اصحاب الصحاح 281 حديثا ترجمته في التقريب ج 2 / 420 وجوامع السيرة ص 277 والجزء الثاني من عبد الله بن سبا. (4) انس بن مالك بن النضر الانصاري الخزرجي: روى هو أنه خدم النبي عشر سنين، كان يخلق ذراعيه بخلوق للمعة بياض كانت به، وكان ذلك من دعاء الامام علي عليه لكتمانه الشهادة بحديث الغدير ان يضربه الله بيضاء لا تواريها العمامة، اشار إليه في الاعلاق النفيسة ص 122 وتفصيله بشرح نهج البلاغة 4 / 388 وتوفي في البصرة بعد التسعين، روى عنه اصحاب الصحاح 2286 حديثا، ترجمته باسد الغابة والتقريب وجوامع السيرة ص 276، وروايته في شأن المنافقين بكنز العمال ط الاولى ج 7 / 140. (5) أبو نجيد عمران بن حصين الخزاعي الكعبي: اسلم عام خيبر وصحب الرسول وقضى بالكوفة، وتوفي بالبصرة سنة 52، روى عنه اصحاب الصحاح 180 حديثا، وروايته بشأن المنافقين بكنز العمال ط الاولى ج 7 / 140، ترجمته في التقريب ج 2 / 72 وجوامع السيرة ص 277. (6) مستدرك الصحيحين ج 3 / 129 وكنز العمال ج 15 / 91. (7) أبو سعيد سعد بن مالك بن سنان الخزرجي الخدري: شهد الخندق وما بعدها مات بالمدينة سنة - >

[101]

وقال عبد الله بن عباس: إنا كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله ببغضهم علي بن أبي طالب (1). وقال جابر بن عبد الله الانصاري: ما كنا نعرف المنافقين إلا ببغض علي بن أبي طالب (2). لهذا كله ولقول رسول الله صلى الله عليه وآله في حق الامام علي: " اللهم وال من والاه وعاد من عاداه " (3). فهم يحتاطون في أخذ معالم دينهم من صحابي عادى عليا ولم يواله، حذرا من أن يكون الصحابي من المنافقين الذين لا يعلمهم إلا الله.


< - ثلاث أو اربع أو خمس وستين وقيل سنة اربع وسبعين وروى عنه اصحاب الصحاح 1170 حديثا ترجمته باسد الغابة ج 2 / 289 والتقريب 1 / 289 وجوامع السيرة ص 276 وحديثه في شأن المنافقين في صحيح الترمذي ج 13 / 167 وحلية ابي نعيم ج 6 / 284. (1) في تاريخ بغداد ج 3 / 153 قال كانوا عند ابن مسعود فتلى ابن عباس " يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار " قال علي بن ابي طالب ثم قال انا كنا نعرف... الحديث. (2) جابر بن عبد الله بن عمرو الانصاري السلمي: صحابي ابن صحابي شهد بيعة العقبة مع ابيه وشهد 17 غزوة مع النبي وصفين مع الامام علي ومات بالمدينة بعد السبعين وروى عنه اصحاب الصحاح 1540 حديثا ترجمته باسد الغابة ج 1 / 256 - 257 والتقريب ج 1 / 122 وجوامع السيرة ص 276 وروايته في شأن المنافقين في الاستيعاب ج 2 / 464 والرياض النضرة ج 2 / 284 وفي تاريخ الذهبي ج 2 / 198 ولفظه " ما كنا نعرف منافقي هذه الامة " وفي مجمع الزوائد ج 9 / 133 ولفظه " ما كنا نعرف منافقينا معشر الانصار... " (3) صحيح الترمذي ج 13 / 165 باب مناقب علي، وسنن ابن ماجة باب فضل علي الحديث المرقم 116. وخصائص النسائي ص 4 و 30 ومسند أحمد ج 1 / 84 و 88 و 118 و 119 و 152 و 330 و ج 4 / 281 و 368 و 370 و 372 ج 5 / 307 و 347 و 350 و 358 و 361 و 366 و 419 و 568 ومستدرك الصحيحين ج 2 / 129 و 3 / 9 والرياض النضرة 2 / 222 - 225 وتاريخ بغداد ج 7 / 377 وج 8 / 290 و ج 12 / 343 ومصادر اخرى كثيرة.

[103]

معالم المدرستين - القسم الاول البحث الاول الفصل الثالث خلاصة بحث الصحابة لدى المدرستين

[105]

خلاصة بحث الصحابة لدى المدرستين الصحابي وعدالته في مدرسة الخلافة ترى مدرسة الخلفاء أن الصحابي من لقي النبي صلى الله عليه وآله مؤمنا به ولو ساعة من نهار ومات على الاسلام. وأنه لم يبق بمكة والطائف أحد سنة عشر الا من أسلم وشهد مع النبي صلى الله عليه وآله حجة الوداع. وأنه لم يبق في الاوس والخزرج أحد في آخر عهد النبي صلى الله عليه وآله الا دخل في الاسلام. وأنهم " كانوا في الفتوح لا يؤمرون الا الصحابة " وبهذه القاعدة عدوا جمعا في عداد الصحابة ممن برهنا في كتابنا " خمسون ومائة صحابي مختلق " أنهم مختلقون لم يكن لهم وجود في التاريخ. وترى أن جميع الصحابة عدول لا يتطرق إليهم الجرح ومن انتقص احدا منهم فهو من الزنادقة، ثم يلتزمون بصحة كل ما رواه من سمي في اصطلاحهم بالصحابي، ويأخذون من جميعهم معالم دينهم. الصحابي في مدرسة أهل البيت ترى مدرسة أهل البيت أن لفظ الصحابي ليس مصطلحا شرعيا، وانما شأنه شأن سائر مفردات اللغة العربية، و " الصاحب " في لغة العرب بمعنى الملازم والمعاشر

[106]

ولا يقال الا لمن كثرت ملازمته، والصحبة نسبة بين اثنين ولذلك لا يستعمل الصاحب وجمعه الاصحاب والصحابة في الكلام الا مضافا كما ورد في القرآن الكريم " يا صاحبي السجن " و " أصحاب موسى " وكذلك كان يستعمل في عصر الرسول صلى الله عليه وآله ويقال: صاحب رسول الله، وأصحاب رسول الله مضافا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، أو مضافا إلى غيره مثل قولهم " أصحاب الصفة "، لمن كانوا يسكنون صفة مسجد الرسول صلى الله عليه وآله، ثم استعمل الصحابي بعد رسول الله صلى الله عليه وآله بلا مضاف إليه وقصد به اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وصار اسما لهم، وعلى هذا فان " الصحابي " و " الصحابة " من اصطلاح المتشرعة وتسمية المسلمين وليس اصطلاحا شرعيا. اما عدالتهم: فان مدرسة اهل البيت ترى تبعا للقرآن الكريم ان في الصحابة منافقين مردوا على النفاق، ورموا فراش رسول الله صلى الله عليه وآله بالافك، وحاولوا اغتيال رسول الله صلى الله عليه وآله، واخبر عنهم الرسول انهم يوم القيامة يختلجون دون رسول الله صلى الله عليه وآله، فينادي اصحابي اصحابي، فيقال له انك لا تدري ما احدثوا بعدك، لم يزالوا مرتدين على اعقابهم منذ فارقتهم. وان منهم مؤمنين اثنى الله عليهم والرسول صلى الله عليه وآله في احاديثه، وانهم المقصودون في ما ورد من الثناء في القرآن والحديث، وقد عين النبي صلى الله عليه وآله العلامة الفارقة بين المؤمن والمنافق حب الامام علي وبغضه، ومن ثم فانهم ينظرون في حال الراوي فان كان ممن قاتل الامام عليا أو الائمة من اهل البيت وعاداهم فانهم لا يلتزمون باخذ ما يروي امثال هؤلاء صحابيا كان أو غير صحابي. كان هذا رأي المدرستين في تعريف الصحابي وعدالته، وفي ما يلي بحوثهما في الامامة والخلافة.

[107]

معالم المدرستين القسم الاول البحث الثاني بحوث المدرستين في الامامة - الفصل الاول: الواقع التاريخي للخلافة في صدر الاسلام الفصل الثاني: بحوث مدرسة الخلفاء في الامامة الفصل الثالث: بحوث مدرسة أهل البيت (ع) في الامامة الفصل الرابع: خلاص بحث الامامة لدى المدرستين

[109]

معالم المدرستين - القسم الاول البحث الثاني الفصل الاول الواقع التاريخي للخلافة في صدر الاسلام

[111]

ينبغي لنا قبل الشروع في دراسة رأي المدرستين في الامامة والخلافة أن ندرس الواقع التاريخي لاقامة الخلافة في صدر الاسلام، فنقول: الواقع التاريخي للخلافة في صدر الاسلام بدئ الخلاف في أمر الحكم في الاسلام يوم وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله عقد لواءا بيده لمولاه وابن مولاه أسامة ابن زيد لحرب الروم، وأمره على جيش لم يبق أحد من وجوه المهاجرين الاولين والانصار إلا انتدب فيه، فيهم أبو بكر، وعمر بن الخطاب، وأبو عبيدة، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد... فعسكر بالجرف - موضع على ثلاثة أميال من المدينة -، فتكلم قوم وقالوا يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الاولين، فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله غضبا شديدا، وخرج معصبا، عليه قطيفة، فصعد المنبر وقال: " ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة، ولقد طعنتم في امارة أبيه قبله. وأيم الله ان كان للامارة خليقا، وان ابنه من بعده لخليق للامارة " ثم نزل، وجاءه الذين يخرجون مع أسامة يودعونه ويمضون إلى المعسكر. وثقل رسول الله صلى الله عليه وآله وجعل يقول: " انفذوا بعث أسامة " فلما كان يوم الاحد اشتد برسول الله صلى الله عليه وآله وجعه. وفي يوم الاثنين أمر أسامة الجيش بالرحيل، فجاءهم الخبر أن رسول الله صلى

[112]

الله عليه وآله يموت، فأقبل أسامة وعمر وأبو عبيدة إلى المدينة (1). أمر كتابة وصية رسول الله صلى الله عليه وآله روى ابن عباس وقال: لما حضر النبي صلى الله عليه وسلم وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال: " هلم أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده "، قال عمر: ان النبي غلبه الوجع وعندكم كتاب الله، فحسبنا كتاب الله، واختلف أهل البيت فمنهم من يقول ما قال عمر، فلما أكثروا اللغط والاختلاف قال: " قوموا عني، لا ينبغي عندي التنازع " (2). وفي رواية: بكى ابن عباس حتى خضب دمعه الحصباء فقال: اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه، فقال: " آتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا "، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي التنازع فقالوا هجر رسول الله صلى الله عليه وسلم.. (3). وفي رواية فكان ابن عباس يقول، أن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم (4). موقف الخليفة عمر في وفاة الرسول صلى الله عليه وآله توفي رسول الله صلى الله عليه وآله نصف النهار يوم الاثنين وأبو بكر غائب بالسنح، وعمر حاضر، فاستأذن عمر ودخل عليه مع المغيرة بن شعبة، وكشف الثوب عن وجهه، وقال عمر: واغشياه ما أشد غشي رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال


(1) أوردتها ملخصة من طبقات ابن سعد ط. بيروت ج 2 / 190 - 192 وراجع بقية مصادره في باب بعث أسامة من عبد الله بن سبأ ج 1. (2) البخاري، كتاب العلم، باب كتابة العلم. (3) البخاري، باب جوائز الوفد من كتاب الجهاد، وباب اخراج اليهود من جزيرة العرب، وفي صحيح مسلم، كتاب الوصية، باب ترك الوصية، وراجع سائر مصادر الخبر ونصوصه في أول خبر السقيفة في حديث غير سيف من كتاب عبد الله بن سبأ ط. 5 بيروت، سنة 1403 ه‍، ج 1 / 98 - 102. (4) صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب كراهية الخلاف، وباب قول المريض قوموا عني من كتاب المرضى، وفي باب مرض النبي من كتاب المغازي، وبآخر باب ترك الوصية من كتاب الوصية من صحيح مسلم وسائر مصادره في كتاب عبد الله بن سبأ 1 / 101.

[113]

المغيرة: مات والله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر: كذبت ما مات رسول الله صلى الله عليه وآله، ولكنك رجل تحوسك فتنة، ولن يموت رسول الله حتى يفني المنافقين (1). أخذ عمر يقول: ان رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله توفي، ان رسول الله ما مات ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى عن قومه وغاب أربعين ليلة، والله ليرجعن رسول الله فليقطعن أيدي رجال وأرجل من يزعمون أنه مات (2)، من قال انه مات علوت رأسه بسيفي، وانما ارتفع إلى السماء (3). فتلي عليه في المسجد " وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم " (4). وقال العباس بن عبد المطلب: ان رسول الله قد مات واني رأيت في وجهه ما لم أزل أعرفه في وجوه بني عبد المطلب عند الموت، وقال: هل عند أحدكم عهد من رسول الله صلى الله عليه وآله في وفاته فليحدثنا، قالوا: لا، فقال: اشهدوا أيها الناس ان أحدا لا يشهد على رسول الله بعهد عهد إليه في وفاته... (5). فما زال عمر يتكلم حتى ازبد شدقاه (6)، حتى جاء الخليفة أبو بكر من السنح وتلا: " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل - الاية " فقال عمر: هذا في كتاب الله ؟ قال: نعم، فسكت عمر (7).


(1) مسند أحمد 6 / 219 وسائر مصادره في عبد الله بن سبأ ج 1 / 102 - 103. (2) تاريخ الطبري ط. اروبا 1 / 1818. (3) تاريخ أبي الفداء 1 / 164. (4) رواه ابن سعد في طبقاته ج 2 ق 2 / 57، وفي كنز العمال ج 4 / 53 رقم الحديث 1092، وابن كثير في ج 5 / 243 من تاريخه. ورواه الاميني في غديره عن شرح المواهب للزرقاني ج 8 / 281. وراجع ابن ماجة الحديث: 627، والاية: 144 من سورة آل عمران. (5) رواه ابن سعد في طبقاته ج 2 / ق / 2 / 57. وابن كثير في تاريخه ج 5 / 243، وفي السيرة الحلبية ج 3 / 390 - 391، وكنز العمال ج 4 / 53، الحديث: 1092، والتمهيد للباقلاني ص 192 - 193. (6) أنساب الاشراف ج 1 / 567، وابن سعد ج 2 / ق 2 / 53، وكنز العمال ج 4 / 53، تاريخ الخميس ج 2 / 185، والسيرة الحلبية ج 3 / 392. (7) الطبقات لابن سعد ج 2 ق 2 / 54، والطبري 1 / 1817 - 1818، وابن كثير ج 5 / 243، والسيرة الحلبية ج 3 / 392، وابن ماجة، الحديث: 1627، وان هذه الاية التي قرأها على عمر هي التي كان ابن ام مكتوم قد قرأها عليه قبل ذلك. وكان التشكيك في موت الرسول يوم وفاته من خصائص الخليفة عمر بن الخطاب، فان أصحاب السير والمؤرخين لم يذكروا هذا التشكيك عن غيره.

[114]

السقيفة وبيعة أبي بكر اجتمعت الانصار في سقيفة بني ساعدة، وتبعهم جماعة من المهاجرين، ولم يبق حول رسول الله الا أقاربه، وهم تولوا غسله وتكفينه وهم: علي والعباس، وابناه الفضل وقثم، واسامة بن زيد، وصالح مولى رسول الله، وأوس بن خولى الانصاري (1). السقيفة برواية الخليفة عمر قال: انه كان من خبرنا حين توفى الله نبيه، ان الانصار اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة وخالف عنا علي والزبير ومن معهما فقلت لابي بكر: انطلق بنا إلى اخواننا الانصار، فانطلقنا حتى أتيناهم، فإذا رجل مزمل، فقالوا هذا سعد بن عبادة يوعك، فلما جلسنا قليلا، تشهد خطيبهم فأثنى على الله ثم قال: أما بعد فنحن أنصار الله، وكتيبة الاسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهط... فأردت ان أتكلم، فقال أبو بكر على رسلك، فتكلم هو، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري الا قال مثلها أو أفضل قال: ما ذكرتم فيه من خير له أهل، ولن يعرف هذا الامر الا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارا، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم، فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة فلم أكره مما قال غيرها، فقال قائل من الانصار: إنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش، فكثر اللغط، وارتفعت الاصوات، حتى فرقت من الاختلاف، فقلت: أبسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعته الانصار ونزونا على سعد بن عبادة إلى قوله: فمن بايع رجلا على غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا (2). روى الطبري (3) في ذكر خبر السقيفة وبيعة أبي بكر وقال:


(1) راجع النص لابن سعد في الطبقات: ج 2 / ق 2 / 70، وفي البدء والتاريخ قريب منه. وكنز العمال ج 4 / 54 و 60، وهذه عبارته: " ولي دفنه وأجنانه أربعة من الناس " ثم ذكر ما أوردناه، والعقد الفريد 3 / 61 وقريب منه نص الذهبي في تاريخه: 1 / 321 و 324 و 326. (2) صحيح البخاري، كتاب الحدود، باب رجم الحبلى من الزنا (4 / 120) (3) نقلنا هذا الخبر ملخصا من تاريخ الطبري في ذكره حوادث بعد وفاة الرسول، وما كان من غير الطبري أشرنا إليه في الهامش، وقد اوردنا تفصيل الخبر في كتاب " عبد الله بن سبأ " الجزء الاول.

[115]

اجتمعت الانصار في سقيفة بني ساعدة، وتركوا جنازة الرسول يغسله أهله، فقالوا: " نولي هذا الامر بعد محمد، سعد بن عبادة، وأخرجوا سعدا إليهم وهو مريض.. ". فحمد الله وأثنى عليه، وذكر سابقة الانصار في الدين وفضيلتهم في الاسلام، واعزازهم للنبي وأصحابه وجهادهم لاعدائه، حتى استقامت العرب، وتوفي الرسول وهو عنهم راض، وقال: استبدوا بهذا الامر دون الناس فأجابوه بأجمعهم: أن قد وفقت في الرأي، وأصبت في القول ولن نعدوا ما رأيت نوليك هذا الامر، ثم انهم ترادوا الكلام بينهم، فقالوا: فإن أبت مهاجرة قريش ؟ فقالوا نحن المهاجرون، وصحابة رسول الله الاولون، ونحن عشيرته، وأولياؤه، فعلام تنازعوننا هذا الامر بعده ؟ فقالت طائفة منهم: فإنا نقول إذا: منا أمير ومنكم أمير، فقال سعد بن عبادة: هذا أول الوهن (1). سمع أبو بكر وعمر بذلك، فأسرعا إلى السقيفة مع أبي عبيدة بن الجراح وانحاز معهم أسيد بن حضير (2) وعويم بن ساعدة (3) وعاصم بن عدي (4) من بني العجلان (5).


(1) الطبري في ذكره لحوادث سنة 11 ه‍، ج 2 / 456 ط. اوربا ج 1 / 1838 عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عمرة الانصاري، وابن الاثير 2 / 125 وتاريخ الخلفاء لابن قتيبة ج 1 / 5 قريب منه وأبو بكر الجوهري في كتابه السقيفة ج 2 من ابن أبي الحديد في خطبة " ومن كلام له في معنى الانصار ". (2) ورد اسمه في سيرة ابن هشام 4 / 335، وأسيد بن حضير بن سماك بن عتيك بن رافع بن امرئ القيس ابن زيد بن عبد الاشهل بن الحرث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الاوس الانصاري الاشهلي، شهد العقبة الثانية وكان ممن ثبت في أحد، وشهد جميع مشاهد النبي وكان أبو بكر لا يقدم أحدا من الانصار عليه. توفي سنة 20 أو 21 ه‍ فحمل عمر نعشه بنفسه، الاستيعاب ج 1 / 31 - 33 والاصابة ج 1 / 64. (3) عويم بن ساعدة بن عائش بن قيس بن النعمان بن زيد بن أمية بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الاوس الانصاري الاوسي، شهد العقبة وبدر وما بعدها، وتوفي في خلافة عمر وبترجمته في النبلاء انه كان أخا الخليفة عمر. وقال عمر على قبره: " لا يستطيع أحد من أهل الارض أن يقول: أنا خير من صاحب هذا القبر. ". الاستيعاب ج 3 / 170 والاصابة ج 3 / 45 وأسد الغابة ج 4 ص 158. (4) عاصم بن عدي بن الجد بن العجلان بن حارثة بن ضبيعة بن حرام البلوي العجلاني، حليف الانصار وكان سيد بني عجلان، شهد أحدا وما بعدها، توفي سنة 45 هجرية، الاستيعاب ج 3 / 133، والاصابة ج 2 / 237 وأسد الغابة ج 3 / ص 75. (5) ابن هشام 4: 339.

[116]

تكلم أبو بكر - بعد أن منع عمر عن الكلام - وحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر سابقة المهاجرين في التصديق بالرسول دون جميع العرب، وقال: " فهم أول من عبد الله في الارض وآمن بالرسول وهم أولياؤه، وعشيرته، وأحق الناس بهذا الامر من بعده، ولا ينازعهم ذلك إلا ظالم "، ثم ذكر فضيلة الانصار، وقال: " فليس بعد المهاجرين الاولين عندنا بمنزلتكم، فنحن الامراء. وأنتم الوزراء ". فقام الحباب بن المنذر، وقال: " يا معشر الانصار أملكوا عليكم أمركم فإن الناس في فيئكم، وفي ظلكم، ولن يجترئ مجترئ على خلافكم ولا تختلفوا، فيفسد عليكم رأيكم، وينتقض عليكم أمركم. فان أبى هؤلاء إلا ما سمعتم، فمنا أمير ومنهم أمير ". فقال عمر: هيهات ! لا يجتمع اثنان في قرن... والله لا ترضى العرب أن يؤمروكم ونبيها من غيركم. ولكن العرب لا تمتنع أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم، وولي أمورهم منهم. ولنا بذلك على من أبى الحجة الظاهرة، والسلطان المبين من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته، ونحن أولياؤه وعشيرته (1) إلا مدل بباطل أو متجانف لاثم أو متورط في هلكة. فقام الحباب بن المنذر (2) وقال: يا معشر الانصار املكوا على أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الامر، فإن أبوا عليكم ما سألتموهم، فاجلوهم عن هذه البلاد، وتولوا عليهم هذه الامور، فأنتم والله أحق بهذا الامر منهم، فإنه بأسيافكم دان لهذا الدين من لم يكن يدين به. انا جذيلها المحكك (3)


(1) لما سمع علي بن أبي طالب هذا الاحتجاج من المهاجرين قال: احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة، النهج وشرحه ج 2 في الصفحة الثانية منه. (2) الحباب بن المنذر بن الجموح بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة الانصاري شهد بدرا وما بعدها، وتوفي في خلافة عمر، الاستيعاب ج 1 / 353 والاصابة ج 1 / 302 وأسد الغابة 1 / 364 ونسبه في جمهرة ابن حزم ص 359. (3) جذيلها، تصغير الجذل: أصل الشجرة والمحكك عود ينصب في مبارك الابل لتتمرس به الابل الجربى.

[117]

وعذيقها المرجب (1) أما والله لو شئتم لنعيدنها جذعة (2). قال عمر: إذا يقتلك الله. قال: بل إياك يقتل. فقال أبو عبيدة: " يا معشر الانصار إنكم كنتم أول من نصر وآزر، فلا تكونوا أول من بدل وغير ". فقام بشير بن سعد الخزرجي أبو نعمان بن بشير، فقال: " يا معشر الانصار إنا والله لئن كنا أولي فضيلة في جهاد المشركين، وسابقة في هذا الدين ما أردنا به إلا رضا ربنا، وطاعة نبينا، والكدح لانفسنا، فما ينبغي لنا أن نستطيل على الناس بذلك، ولا نبتغي به من الدنيا عرضا، فإن الله ولي النعمة علينا بذلك، الا ان محمدا صلى الله عليه وسلم من قريش، وقومه أحق به، وأولى، وأيم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الامر أبدا، فاتقوا الله، ولا تخالفوهم، ولا تنازعوهم. " فقال أبو بكر: هذا عمرو هذا أبو عبيدة فأيهما شئتم فبايعوا، فقالا: " والله لا نتولى هذا الامر عليك " (3) - الخ. " وقام عبد الرحمن بن عوف، وتكلم فقال: " يا معشر الانصار إنكم وإن كنتم على فضل، فليس فيكم مثل أبي بكر وعمر وعلي ". وقام المنذر بن الارقم فقال: ما ندفع فضل من ذكرت، وإن فيهم لرجلا لو طلب هذا الامر لم ينازعه فيه أحد - يعني علي بن أبي طالب " (4). " فقالت الانصار أو بعض الانصار: لا نبايع إلا عليا " (5). " قال عمر: فكثر اللغط وارتفعت الاصوات حتى تخوفت الاختلاف فقلت ابسط (6) يدك لابايعك " (7) فلما ذهبا ليبايعاه سبقهما إليه بشير بن سعد فبايعه فناداه


(1) وعذيق تصغير العذق وهي النخلة، والمرجب ما جعل له رجبة وهي دعامة تبتنى من الحجارة حول النخلة الكريمة إذا طالت وتخوفوا عليها أن تنعقر في الرياح العواصف. (2) أعدت الامر جذعا أي جديدا كما بدأ، وإذا طفئت حرب بين قوم فقال بعضهم إن شئتم أعدناها جذعة أي: أول ما يبتدأ فيها. (3) لم نسجل هنا بقية الحوار وتعليقنا عليه طلبا للاختصار. (4) رواه اليعقوبي بعد ذكر ما تقدم في ص 103 ج 2 من تاريخه والموفقيات للزبير بن بكار، ص 579. (5) في رواية الطبري ج 3 ص 208 (وط - اروبا ج 1 / 1818) عن ابراهيم، وابن الاثير 2 / 123 " أن الانصار قالت ذلك بعد أن بايع عمر أبا بكر ". (6) قد قال عمر لابي بكر أبسط يدك لابايعك. (7) عن سيرة ابن هشام 4 / 336 وجميع من روى حديث الفلتة، راجع بعده حديث الفلتة في ذكر رأي - >

[118]

الحباب بن المنذر: يا بشير بن سعد عققت عقاق ! أنفست على ابن عمك الامارة، فقال: لا والله ولكني كرهت أن أنازع قوما حقا جعله الله لهم. ولما رأت الاوس ما صنع بشير بن سعد وما تدعو إليه قريش وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة، قال بعضهم لبعض، وفيهم أسيد ابن حضير وكان أحد النقباء: والله لئن وليتها الخزرج عليكم مرة لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيبا أبدا فقوموا فبايعوا أبا بكر. (1) فقاموا إليه فبايعوه فانكسر على سعد بن عبادة وعلى الخزرج ما كانوا أجمعوا له من أمرهم... فأقبل الناس من كل جانب يبايعون أبا بكر وكادوا يطؤون سعد بن عبادة. فقال أناس من أصحاب سعد: اتقوا سعدا لا تطؤوه. فقال عمر: اقتلوه قتله الله. ثم قام على رأسه فقال: لقد هممت أن أطأك حتى تندر عضوك. فأخذ قيس بن سعد بلحية عمر فقال: والله لو حصصت منه شعرة ما رجعت وفي فيك واضحة. فقال أبو بكر: مهلا يا عمر الرفق ها هنا أبلغ. فأعرض عنه عمر (2). وقال سعد: أما والله لو أن بي قوة ما أقوى على النهوض لسمعت مني في أقطارها وسككها زئيرا يجحرك وأصحابك: أما والله إذا لالحقنك بقوم كنت فيهم تابعا غير متبوع، احملوني من هذا المكان. فحملوه فأدخلوه داره (3). وروى أبو بكر الجوهري: " أن عمر كان يومئذ - يعنى يوم بويع أبو بكر - محتجزا يهرول بين يدي أبي بكر ويقول: ألا إن الناس قد بايعوا أبا بكر (4) " الخ.


< - عمر في بيعة أبي بكر. (1) وفي رواية أبي بكر في سقيفته: لما رأت الاوس أن رئيسا من رؤساء الخزرج قد بايع قام أسيد بن حضير وهو رئيس الاوس فبايع حسدا لسعد ومنافسة له أن يلي الامر. راجع شرح النهج ج 2 / 2 في شرحه " ومن كلام له في معنى الانصار ". (2) إن هذا الموقف يوضح بجلاء جماع سياسة الخليفتين من شدة ولين. (3) الطبري: ص 455 - 459، وط، اوروبا 1 / 1843 " وتندر عضوك " كذا ورد ويعني تسقط اعضاؤك. (4) في كتابه السقيفة، راجع ابن أبي الحديد: 1 / 133. وفي 74 منه بلفظ آخر.

[119]

" بايع الناس أبا بكر وأتوا به المسجد يبايعونه فسمع العباس وعلي التكبير في المسجد ولم يفرغوا من غسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ". فقال علي: ما هذا ؟ قال العباس: ما روي مثل هذا قط ! ! ما قلت لك (1) ؟ !. النذير وجاء البراء بن عازب فضرب الباب على بني هاشم وقال. يا معشر بني هاشم ! بويع أبو بكر. فقال بعضهم لبعض: ما كان المسلمون يحدثون حدثا نغيب عنه ونحن أولى بمحمد ! !. فقال العباس: فعلوها ورب الكعبة ! وكان عامة المهاجرين وجل الانصار لا يشكون أن عليا هو صاحب الامر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله (2). وكان المهاجرون والانصار " لا يشكون في علي ". روى الطبري: " أن أسلم أقبلت بجماعتها حتى تضايق بهم السكك فبايعوا أبا بكر فكان عمر يقول: ما هو إلا أن رأيت أسلم فأيقنت بالنصر " (3). فلما بويع أبو بكر أقبلت الجماعة التي بايعته تزفه زفا إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصعد على المنبر - منبر رسول الله (ص) - فبايعه الناس حتى أمسى، وشغلوا عن دفن رسول الله حتى كانت ليلة الثلاثاء (4).


(1) ابن عبد ربه في العقد الفريد 3: 63، وأبو بكر الجوهري في كتابه السقيفة برواية ابن أبي الحديد عنه في ج 1 / 132 ويروى تفصيله في 74 منه والزبير بن بكار في الموفقيات كما يروي عنه ابن أبي الحديد في شرح النهج ج 2 في شرحه " ومن كلام له في معنى الانصار ". (2) الموفقيات للزبير بن بكار، ص 580. (3) الطبري ج 2 / 458. وط. أوروبا 1 / 1843 وفي رواية ابن الاثير 2 / 224 " وجاءت أسلم فبايعت " وقال الزبير بن بكار في الموفقيات برواية النهج ج 6 / 287 " فقوي بهم أبو بكر " ولم يعينا متى جاءت أسلم ويقوى الظن أن يكون ذلك يوم الثلاثاء. وقال المفيد في كتابه " الجمل " ان القبيلة كانت قد جاءت لتمتار من المدينة (الجمل ص 43). (4) الموفقيات، ص 578، والرياض النضرة 1 / 164، وتاريخ الخميس ج 1 / 188.

[120]

البيعة العامة " ولما بويع أبو بكر في السقيفة وكان في الغد جلس أبو بكر على المنبر، فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر فحمد الله وأثنى عليه.. وذكر أن قوله بالامس لم يكن من كتاب الله ولا عهدا من رسوله ولكنه كان يرى أن الرسول سيدبر أمرهم ويكون آخرهم " ثم قال: " وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى رسوله، فان اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه له وإن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثاني اثنين إذ هما في الغار فقوموا فبايعوه ". فبايع الناس أبا بكر بيعته العامة بعد بيعة السقيفة. وفي البخاري: " وكان طائفة منهم قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة، وكانت بيعة أبي بكر العامة على المنبر ". قال أنس بن مالك: " سمعت عمر يقول لابي بكر يومئذ إصعد المنبر، فلم يزل به حتى صعد المنبر فبايعه الناس عامة ". ثم تكلم أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " أما بعد أيها الناس فاني قد وليت عليكم ولست بخيركم فان أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني.. - إلى قوله: - أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم رحمكم الله (1) ". بعد بيعة أبي بكر العامة " توفي رسول الله يوم الاثنين حين زاغت الشمس فشغل الناس عن دفنه (2) ". شغل الناس عن رسول الله بقية يوم الاثنين حتى عصر الثلاثاء، شغل الناس


(1) ابن هشام، 4 / 340. والطبري، 3 / 203 (وط. اوروبا 1 / 1829) عيون الاخبار لابن قتيبة، 2 / 234. والرياض النضرة، 1 / 167. وابن كثير، 5 / 248. والسيوطي في تاريخ الخلفاء: 47. وكنز العمال، 3 / 129، الحديث: 2253، والحلبية 3 / 397، وذكر البخاري في صحيحه ص 165 من ج 4 كتاب البيعة عن أنس، خطبة عمر باختلاف يسير. وممن ذكر خطبة أبي بكر فقط، أبو بكر الجوهري في كتابه السقيفة حسب رواية ابن أبي الحديد عنه، 1 / 134، وصفوة الصفوة، 1 / 98 (2) طبقات ابن سعد ج 2. ق 2 ص 78 ط ليدن.

[121]

بخطب السقيفة. ثم ببيعة أبي بكر الاولى ثم ببيعته العامة وخطبته وخطبة عمر حتى صلى بهم. قالوا: " فلما بويع أبو بكر أقبل الناس على جهاز رسول الله يوم الثلاثاء " (1) " ثم دخل الناس يصلون عليه " (2) " وصلي على رسول الله بغير إمام. يدخل عليه المسلمون زمرا زمرا يصلون عليه " (3). دفن رسول الله ومن حضر دفنه " ولي وضع رسول الله في قبره هؤلاء الرهط الذين غسلوه: العباس وعلي والفضل وصالح مولاه. وخلى أصحاب رسول الله بين رسول الله وأهله فولوا إجنانه (4) ". " ودخل القبر علي، والفضل وقثم ابنا العباس، وشقران مولاه. ويقال: أسامة بن زيد وهم تولوا غسله وتكفينه وأمره كله (5) ". " وإن أبا بكر وعمر لم يشهدا دفن النبي (6) ". وقالت عائشة: " ما علمنا بدفن الرسول حتى سمعنا صوت المساحي من جوف الليل ليلة الاربعاء (7) ". " ولم يله إلا أقاربه ولقد سمعت بنو غنم صريف المساحي حين حضر وإنهم


(1) سيرة ابن هشام: 4 / 343 والطبري: 2 / 450 (وط. اروبا ج 1 / 1830). وابن الاثير: 2 / 126. وابن كثير: 5 / 248. والحلبية: 3 / 392 و 394. وهذا الاخير لم يعين اليوم الذي انتهوا فيه من بيعة أبي بكر وأقبلوا على جهاز رسول الله. (2) ابن هشام 4 / 343. (3) طبقات ابن سعد 2 ق 2 ص 70 والكامل لابن الاثير ج 2 في ذكر حوادث سنة 11 ه‍. (4) النص لابن سعد في الطبقات: 2 / ق 2 / 70 وفي البدء والتاريخ قريب منه. وكنز العمال 4 / 54 و 60 وهذه عبارته: " ولي دفنه واجنانه أربعة من الناس " ثم ذكر ما أوردناه. (5) العقد الفريد: 3 / 61. وقريب منه نص الذهبي في تاريخه: 1 / 321 و 324 و 326. (6) كنز العمال: 3 / 140. (7) ابن هشام: 4 / 344 والطبري: 2 / 452 و 455 (وط. اروبا ج 1 / 1833 و 1837) وابن كثير: 5 / 270 وابن الاثير في أسد الغابة: 1 / 34، في ترجمة الرسول وقد ورد في روايات أخرى أن سماعهم صريف المساحي كان ليلة الثلاثاء كما في طبقات ابن سعد: 2 / ق 2 / 78 وتاريخ الخميس 1 / 191. والذهبي في تاريخه 1 / 327 والاصح أن ذلك كان ليلة الاربعاء. وفي مسند أحمد 6 / 62: في آخر ليلة الاربعاء وفي ص 242 منه و ص 274: " ما علمنا أين يدفن حتى سمعنا... ".

[122]

لفي بيوتهم (1) ". وقال شيوخ الانصار من بني غنم: " سمعنا صوت المساحي آخر الليل (2) ". بعد دفن الرسول اندحر سعد ومرشحوه، وبقي علي وجماعته - بعد أن أصبحوا أقلية - يتناحرون وحزب أبي بكر الظافر وكل يجتهد في جلب الانصار لحوزته. قال الزبير بن بكار في الموفقيات: لما بويع أبو بكر واستقر أمره، ندم قوم كثير من الانصار على بيعته ولام بعضهم بعضا، وذكروا علي بن أبي طالب وهتفوا باسمه (3). قال اليعقوبي (4): " وتخلف عن بيعة أبي بكر قوم من المهاجرين والانصار ومالوا مع علي بن أبي طالب منهم العباس بن عبد المطلب والفضل بن العباس، والزبير بن العوام، وخالد بن سعيد، والمقداد بن عمرو، وسلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري، وعمار بن ياسر، والبراء بن عازب (6)، وأبي بن كعب (7) فأرسل أبو بكر إلى


(1 و 2) ابن سعد 2 / ق 2 / 78. (3) الموفقيات: ص 583. (4) في تاريخه ج 2 / 103، والسقيفة لابي بكر الجوهري حسب رواية ابن أبي الحديد 2 / 13، والتفصيل ج 1، ص 74 منه. وبلفظ قريب منه في الامامة والسياسة ج 1 / 14. (5) المقداد بن الاسود الكندي هو ابن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة بن عامر بن مطرود البهراني. أصاب دما في قومه فلحق بحضرموت فحالف كندة وتزوج امرأة فولدت له المقداد فلما كبر المقداد وقع بينه وبين أبي شمر بن حجر الكندي فضرب رجله بالسيف وهرب إلى مكة فحالف الاسود بن عبد يغوث الزهري فتبناه الاسود فصار يقال له: المقداد بن الاسود الكندي. فلما نزلت " ادعوهم لآبائهم " قيل له: المقداد بن عمرو. وقال الرسول: " إن الله عزوجل أمرني بحب أربعة من أصحابي وأخبرني أنه يحبهم ". فقيل: من هم ؟ فقال: " علي والمقداد وسلمان وأبو ذر ". توفي سنة 33 ه‍. الاستيعاب ج 3 / 451 والاصابة ج 3 ص 433 - 434. (6) أبو عمر والبراء بن عازب بن الحارث بن عدي بن جشم بن مجدعة بن الحارث بن عمرو بن مالك بن الاوس الانصاري الاوسي، كان ممن استصغره الرسول يوم بدر ورده. وغزا مع الرسول 14 غزوة وشهد مع علي الجمل وصفين والنهروان. سكن الكوفة وابتنى بها دارا وتوفي بها في إمارة مصعب بن الزبير. الاستيعاب ج 1 / 144، والاصابة ج 1 ص 147. (7) أبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار وهو تيم اللات بن - >

[123]

عمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن الجراح، والمغيرة بن شعبة فقال: ما الرأي ؟ قالوا: (1) الرأي أن تلقى العباس بن عبد المطلب فتجعل له في هذا الامر نصيبا يكون له ولعقبه من بعده فتقطعون به ناحية علي بن أبي طالب " وتكون لكما حجة (2) " على علي إذا مال معكم. فانطلق أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة بن الجراح، والمغيرة، حتى دخلوا على العباس ليلا (3) فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه، ثم قال: " إن الله بعث محمدا نبيا، وللمؤمنين وليا، فمن عليهم بكونه بين أظهرهم حتى اختار له ما عنده فخلى على الناس أمورهم (4) ليختاروا لانفسهم في مصلحتهم مشفقين (5) فاختاروني عليهم واليا ولامورهم راعيا، فوليت ذلك وما أخاف بعون الله وتسديده وهنا، ولا حيرة، ولا جبنا، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، وما أنفك يبلغني عن طاعن بقول الخلاف على عامة المسلمين يتخذكم لجأ فتكونوا حصنه المنيع، وخطبه البديع، فإما دخلتم مع الناس فيما اجتمعوا عليه، وإما صرفتموهم عما مالوا إليه، ولقد جئناك ونحن نريد أن نجعل لك في هذا الامر نصيبا يكون لك ويكون لمن بعدك من عقبك، إذ كنت عم رسول الله، وإن كان الناس قد رأوا مكانك ومكان صاحبك " فعدلوا الامر عنكم (6) " على رسلكم بني هاشم فإن رسول الله منا ومنكم. فقال عمر بن الخطاب: وأخرى إنا لم نأتكم لحاجة إليكم، ولكن كرها أن يكون الطعن في ما اجتمع عليه المسلمون منكم فيتفاقم الخطب بكم وبهم، فانظروا لانفسكم !


< - ثعلبة بن عمرو بن الخزرج الاكبر، شهد العقبة الثانية وبايع النبي فيها وشهد بدرا وما بعدها، وكان من كتاب النبي، مات في آخر خلافة عمر أو صدر خلافة عثمان. الاستيعاب ج 1 ص 27 - 30، والاصابة ج 1 ص 31 - 32. (1) في نص الجوهري أن قائل هذا الرأي هو المغيرة بن شعبة وهذا هو الاقرب إلى الصواب. (2) هذه الزيادة في نسخة الامامة والسياسة ج 1 / 14. (3) في رواية ابن أبي الحديد أن ذلك كان في الليلة الثانية بعد وفاة النبي. (4) إن ضمير " هم " موجود في رواية ابن أبي الحديد. (5) في نسخة الامامة والسياسة وابن أبي الحديد ج 1 ص 74 " متفقين " وهو الاشبه بالصواب (6) الزيادة في نسخة ابن أبي الحديد والامامة والسياسة.

[124]

فحمد العباس الله وأنثى عليه وقال: إن الله بعث محمدا كما وصفت نبيا، وللمؤمنين وليا، فمن على أمته به حتى قبضه الله إليه واختار له ما عنده، فخلى على المسلمين أمورهم ليختاروا لانفسهم مصيبين الحق لا مائلين بزيغ الهوى، فإن كنت برسول الله طلبت فحقنا أخذت، وإن كنت بالمؤمنين أخذت فنحن منهم فما تقدمنا في أمرك فرطا، ولا حللنا وسطا، ولا برحنا سخطا، وإن كان هذا الامر وجب لك بالمؤمنين فما وجب إذا كنا كارهين. ما أبعد قولك من أنهم طعنوا عليك من قولك أنهم اختاروك ومالوا إليك، وما أبعد تسميتك خليفة رسول الله من قولك خلى على الناس أمورهم ليختاروا فاختاروك. فأما ما قلت: إنك تجعله لي، فإن كان حقا للمؤمنين فليس لك أن تحكم (1) فيه، وإن كان لنا فلم نرض ببعضه دون بعض وعلى رسلك فإن رسول الله من شجرة نحن أغصانها وأنتم جيرانها. فخرجوا من عنده. التحصن بدار فاطمة قال عمر بن الخطاب: " وإنه كان من خبرنا حين توفى الله نبيه أن عليا والزبير ومن معهما تخلفوا عنا في بيت فاطمة " (2). وذكر المؤرخون في عداد من تخلف عن بيعة أبي بكر وتحصن بدار فاطمة مع علي والزبير كلا من: 1) العباس بن عبد المطلب. 2) عتبة بن أبي لهب. 3) سلمان الفارسي. 4) أبو ذر الغفاري. 5) عمار بن ياسر. 6) المقداد بن الاسود. 7) البراء بن عازب. 8) أبي بن كعب. 9) سعد بن أبي وقاس (3). 10) طلحة بن عبيدالله.


(1) في نسخة الجوهري والامامة والسياسة: فإن يكن حقا لك فلا حاجة لنا فيه. (2) مسند أحمد 1 / 55 والطبري 2 / 466 (ط. اروبا 1 / 1822)، وابن الاثير 2 / 124، وابن كثير 5 / 246 وصفوة الصفوة 1 / 97، وابن أبي الحديد ج 1 / 123، وتاريخ السيوطي في مبايعة أبي بكر ص 45، وابن هشام ج 4 ص 338، وتيسير الوصول 2 / 41. (3) أبو إسحق سعد بن أبي وقاص واسم أبي وقاص مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشي، وكان سابع سبعة سبقوا إلى الاسلام شهد بدرا وما بعدها وهو أول من رمى بسهم في الاسلام، وكان رأس من فتح العراق وكوف الكوفة ووليها لعمر وعينه في الستة أصحاب الشوري واعتزل الناس بعد - >

[125]

وجماعة من بني هاشم وجمع من المهاجرين والانصار (1). وقد تواتر حديث تخلف علي ومن معه عن بيعة أبي بكر وتحصنهم بدار فاطمة في كتب السير، والتواريخ، والصحاح والمسانيد، والادب، والكلام، والتراجم، غير أنهم لما كرهوا ما جرى بين المتحصنين والحزب الظافر لم يفصحوا ببيان حوادثها إلا ما ورد ذكره عفوا. ومن ذلك ما رواه البلاذري وقال: بعث أبو بكر عمر بن الخطاب إلى علي رضي الله عنهم حين قعد عن بيعته وقال: " ائتني به بأعنف العنف فلما أتاه جرى بينهما كلام، فقال: احلب حلبا لك شطره والله ما حرصك على امارته اليوم إلا ليؤثرك غدا... " الحديث (2). قال أبو بكر في مرض موته: " أما اني لا آسي على شئ في الدنيا إلا على ثلاث فعلتهن وددت أني لم أفعلهن - إلى قوله - فأما الثلاث التي فعلتها فوددت أني لم أكشف عن بيت فاطمة وتركته ولو أغلق على حرب (3) ". وفي اليعقوبي: " وليتني لم أفتش بيت فاطمة بنت رسول الله وأدخله الرجال ولو كان أغلق على حرب (4) "، وقد عد المؤرخون في الرجال الذين أدخلوا بيت فاطمة بنت رسول الله كلا من:


< - مقتل عثمان ومات بمسكنه في العقيق في خلافة معاوية وحمل إلى المدينة ودفن بالبقيع. الاستيعاب ج 2 ص 18 - 25، والاصابة ج 2 / 30 - 32. (1) صرحت المصادر الآتية بالاضافة إلى المصادر المذكورة آنفا أن هؤلاء كانوا قد تخلفوا عن بيعة أبي بكر واجتمعوا بدار فاطمة. ومن هذه المصادر ما ذكرت اسم بعضهم وانهم إنما اجتمعوا ليبايعوا عليا، الرياض النضرة 1 / 167 وتاريخ الخميس 1 / 188، وابن عبد ربه 3 / 64، وتاريخ أبي الفداء 1 / 156 وابن شحنة بهامش الكامل 112، والجوهري حسب رواية ابن أبي الحديد ج 1 ص 130 - 134 والحلبية 3 / 394 و 397. (2) أنساب الاشراف ج 1 ص 587. (3) الطبري 2 / 619 (وط. اروبا 1 / 2140) عند ذكره وفاة أبي بكر، ومروج الذهب 1 / 414 ؟ وابن عبد ربه 3 / 69 عند ذكره استخلاف أبي بكر لعمر، والكنز 3 / 135 ومنتخب الكنز ج 2 / 171، والامامة والسياسة 1 / 18، والكامل للمبرد حسب رواية ابن أبي الحديد 1 / 130 - 131 وقد ذكر أبو عبيد في الاموال ص 131 قول أبي بكر هكذا: " أما الثلاث التي فعلتها فوددت أني لم أكن فعلت كذا وكذا - لخلة ذكرها - قال أبو عبيد: لا أريد ذكرها " انتهي وأبو بكر الجوهري برواية النهج ج 9 ص 130. ولسان الميزان 4 ص 189 وراجع ترجمة أبي بكر في ابن عساكر ومرآة الزمان لسبط ابن الجوزي، وتاريخ الذهبي 1 / 388. (4) ج 2: ص 115.

[126]

1) عمر بن الخطاب. 2) خالد (1) بن الوليد. 3) عبد الرحمن بن عوف. 4) ثابت بن قيس (2) بن شماس 5) زياد (3) بن لبيد. 6) محمد (4) بن مسلمة. 7) زيد بن ثابت (5). 8) سلمة (6) بن سالم بن وقش. 9) سلمة (7) بن أسلم. 10) أسيد بن حضير (8). وقد ذكروا في كيفية كشف بيت فاطمة وما جرى للمتحصنين وهؤلاء الرجال:


(1) أبو سليمان خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي، وأمه لبابة بنت الحارث بن الحزن الهلالية أخت ميمونة زوجة النبي، وكانت إليه أعنة الخيل في الجاهلية، هاجر بعد الحديبية وشهد فتح مكة وأمره أبو بكر على الجيوش، وكال يقال له سيف الله، وتوفي بحمص أو بالمدينة سنة 21 أو 22 ه‍. الاستيعاب ج 1 / 405 - 408. (2) ثابت بن قيس بن شماس بن زهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج الانصاري. شهد أحدا وما بعدها وقتل مع خالد في اليمامة. الاستيعاب ج 1: 193 والاصابة ج 1: 197. (3) زياد بن لبيد بن ثعلبة بن سنان بن عامر بن عدي بن امية بن بياضة الانصاري من بني بياضة بن عامر بن زريق مهاجري أنصاري. خرج إلى رسول الله بمكة وأقام معه حتى هاجر معه إلى المدينة، شهد العقبة وبدرا وما بعدها، مات في أول خلافة معاوية. الاستيعاب ج 1 / 545 والاصابة 1 / 540. في نسبه بجمهرة ابن حزم ص 356 سقط بياضة. (4) محمد بن مسلمة بن سلمة بن خالد بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الاوس، شهد بدرا وما بعدها. وكان ممن لم يبايع علي بن أبي طالب ولم يشهد معه حروبه وتوفي سنة 43 أو 46 أو 47 ه‍. الاستيعاب ج 3 / 315 والاصابة ج 3 / 363 - 364. ونسبه في جمهرة ابن حزم ص 341. (5) راجع أنساب الاشراف ج 1 / 585. (6) أبو عوف سلمة بن سلامة بن وقش بن زغبة بن زعوراء بن عبد الاشهل الانصاري، وأمه سلمى بنت سلمة بن خالد بن عدي الانصارية، شهد العقبة الاولى والآخرة ثم شهد بدرا وما بعدها، توفي بالمدينة سنة 45 ه‍. الاستيعاب ج 2 / 84 والاصابة ج 2 / 63. (7) أبو سعيد بن سلمة بن أسلم بن حريش بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج ابن عمرو بن مالك الاوس الانصاري، شهد بدرا وما بعدها وقتل يوم جسر أبي عبيد سنة 14 ه‍. الاستيعاب ج 2 / 83 والاصابة ج 2 / 61. (8) الطبري: 2 / 443 و 444 وأبو بكر الجوهري حسب رواية ابن أبي الحديد ج 1: 130 - 134 و ج 2 ص 19.

[127]

إنه " غضب رجال من المهاجرين في بيعة أبي بكر منهم علي بن أبي طالب والزبير فدخلا بيت فاطمة ومعهما السلاح (1) " " فبلغ أبا بكر وعمر أن جماعة من المهاجرين والانصار قد اجتمعوا مع علي بن أبي طالب في منزل فاطمة بنت رسول الله (2) " " وإنهم إنما اجتمعوا ليبايعوا عليا (3) " " فبعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليخرجهم من بيت فاطمة، وقال له: إن أبوا فقاتلهم. فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار، فلقيتهم فاطمة فقالت: يا بن الخطاب أجئت لتحرق دارنا ؟ قال: نعم أو تدخلوا في ما دخلت فيه الامة (4) ". وفي أنساب الاشراف: فتلقته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: يا بن الخطاب أتراك محرقا على بابي ؟ قال: نعم... (5). والى هذا أشار عروة بن الزبير حين كان يعتذر عن أخيه عبد الله بن الزبير فيما جرى له مع " بني هاشم وحصره إياهم في الشعب وجمعه الحطب لاحراقهم... ليدخلوا في طاعته كما أرهب بنو هاشم وجمع لهم الحطب لتحريقهم إذ هم أبوا البيعة في ما سلف (6) " يعني ما سلف لبني هاشم من قضية الحطب والنار عند امتناعهم عن بيعة أبي بكر، وفي هذا يقول شاعر النيل حافظ إبراهيم: وقولة لعلي قالها عمر * أكرم بسامعها أعظم بملقيها حرقت دارك لا أبقي عليك بها * إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها ما كان غير أبي حفص يفوه بها * أمام فارس عدنان وحاميها وقال اليعقوبي: " فأتوا في جماعة حتى هجموا على الدار (إلى قوله) وكسر سيفه - أي سيف علي - ودخلوا الدار (7) ! ".


(1) الرياض النضرة: 1 / 167، وأبو بكر الجوهري برواية ابن أبي الحديد 1 / 132 و 6 ص 293 والخميس ج 1 ص 188. (2) اليعقوبي، ج 2، ص 105. (3) ابن شحنة، ص 113، بهامش الكامل ج 11، وابن أبي الحديد، ج 1، ص 134. (4) ابن عبد ربه، ج 3، ص 64، وأبو الفداء، ج 1، ص 156. (5) أنساب الاشراف، ج 1، ص 586. وراجع كنز العمال 3 / 140 والرياض النضرة، ج 1، ص 167 وأبو بكر الجوهري برواية ابن أبي الحديد، ج 1 / 132 وج 6 في الصفحة الثانية منه، والخميس ج 1 / 178، وأبو بكر الجوهري برواية ابن أبي الحديد ج 1 / 134. وتاريخ ابن أبي شحنة، ص 113 بهامش الكامل، ج 11. (6) مروج الذهب 2 ص 100 وأورده ابن أبي الحديد في ج 20 ص 481 ط إيران عند شرحه قول الامير: " ما زال الزبير منا حتى نشأ ابنه ". (7) اليعقوبي 2 / 105.

[128]

وقال الطبري: " أتى عمر بن الخطاب منزل علي وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين فخرج عليه الزبير مصلتا بالسيف فعثر فسقط السيف من يده فوثبوا عليه فأخذوه (1) ". وعلي يقول: أنا عبد الله وأخو رسول الله، حتى انتهوا به إلي أبي بكر فقيل له بايع، فقال: أنا أحق بهذا الامر منكم لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الامر من الانصار واحتججتم عليهم بالقرابة من رسول الله فأعطوكم المقادة وسلموا إليكم الامارة، وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الانصار، فانصفونا إن كنتم تخافون الله من أنفسكم واعرفوا لنا من الامر مثل ما عرفت الانصار لكم وإلا فبوءوا بالظلم وأنتم تعلمون. فقال عمر: إنك لست متروكا حتى تبايع، فقال له علي: احلب يا عمر حلبا لك شطره اشدد له اليوم أمره ليرد عليك غدا. لا والله، لا أقبل قولك ولا أتابعه، فقال له أبو بكر: فإن لم تبايعني لم أكرهك. فقال له أبو عبيدة. يا أبا الحسن انك حدث السن وهؤلاء مشيخة قريش قومك ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالامور، ولا أرى أبا بكر إلا أقوى على هذا الامر منك وأشد احتمالا له واضطلاعا به، فسلم له هذا الامر وارض به فإنك إن تعش ويطل عمرك فأنت لهذا الامر لخليق وعليه حقيق في فضلك وقرابتك وسابقتك وجهادك. فقال علي: يا معشر المهاجرين الله الله، لا تخرجوا سلطان محمد عن داره وبيته إلى بيوتكم ودوركم ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقه، فوالله يا معشر المهاجرين لنحن أهل البيت أحق بهذا الامر منكم ما كان منا القارئ لكتاب الله الفقيه لدين الله العالم بالسنة المضطلع بأمر الرعية. والله إنه لفينا فلا تتبعوا الهوى فتزدادوا من الحق بعدا. فقال بشير بن سعد: " لو كان هذا الكلام سمعته منك الانصار يا علي قبل بيعتهم لابي بكر ما اختلف عليك اثنان، ولكنهم قد بايعوا " وانصرف علي إلى منزله ولم يبايع. رواه أبو بكر الجوهري كما في شرح النهج 6 / 285. وروى أبو بكر الجوهري أيضا وقال: " ورأت فاطمة ما صنع بهما - أي بعلي والزبير - فقامت على باب الحجرة


(1) الطبري 2 / 443 و 444 و 446 (وط. اوروبا 1 / 1818 و 1820 و 1822) وقد أورده العقاد في عبقرية عمر ص 173، وذكر كسر سيف الزبير المحب الطبري في الرياض النضرة 167، والخميس، 1 / 188، وابن أبي الحديد ج 1 / 122 و 132 و 134 و 58 وج 6 في الصفحة الثانية، وكنز العمال ج 3 ص 128.

[129]

وقالت: يا أبا بكر ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول الله، والله لا أكلم عمر حتى ألقى الله (1) ". وفي رواية أخرى: " وخرجت فاطمة تبكي وتصيح فنهنهت من الناس (2) ". وقال اليعقوبي: " فخرجت فاطمة، فقالت: والله لتخرجن أو لاكشفن شعري ولاعجن إلى الله فخرجوا وخرج من كان في الدار " (3). وقال المسعودي: " لما بويع أبو بكر في السقيفة وجددت له البيعة يوم الثلاثاء خرج علي فقال: أفسدت علينا أمورنا ولم تستشر ولم ترع لنا حقا ! " فقال أبو بكر: " بلى ولكني خشيت الفتنة " (4). وقال اليعقوبي: " واجتمع جماعة إلى علي بن أبي طالب يدعونه إلي البيعة فقال لهم: اغدوا علي محلقين الرؤوس، فلم يغد عليه إلا ثلاثة نفر " (5). ثم إن عليا حمل فاطمة على حمار وسار بها ليلا إلى بيوت الانصار يسألهم النصرة وتسألهم فاطمة الانتصار له فكانوا يقولون: يا بنت رسول الله قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، ولو كان ابن عمك سبق إلينا أبا بكر ما عدلنا به، فقال علي: أفكنت أترك رسول الله صلى الله عليه وآله ميتا في بيته لم اجهزه وأخرج إلى الناس أنازعهم في سلطانه ؟ فقالت فاطمة: " ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له ولقد صنعوا ما الله حسيبهم عليه ! ! " (6). ولقد أشار معاوية إلى هذا وإلى ما نقلناه عن اليعقوبي قبله في كتابه إلى علي: وأعهدك أمس تحمل قعيدة بيتك ليلا على حمار ويداك في يدي ابنيك الحسن والحسين يوم بديع أبو بكر الصديق، فلم تدع أحدا من أهل بدر والسوابق إلا دعوتهم إلى نفسك، ومشيت إليهم بامرأتك، وأدللت إليهم بابنيك، واستنصرتهم على صاحب رسول الله، فلم يجبك منهم إلا أربعة أو خمسة، ولعمري لو كنت محقا لاجابوك ولكنك ادعيت باطلا، وقلت ما لا يعرف ورمت ما لا يدرك، ومهما نسيت


(1) برواية ابن أبي الحديد ج 1 / 134 و 6 / 286. (2) السقيفة لابي بكر الجوهري برواية ابن أبي الحديد ج 1 / 134. (3) تاريخ اليعقوبي 2 / 105. (4) مروج الذهب ج 1 / 414، والامامة والسياسة ج 1 / 12 - 14 مع اختلاف. (5) تاريخ اليعقوبي ج 2 / 105، وفي شرح النهج ج 2 / 4. (6) أبو بكر الجوهري في كتابه السقيفة برواية ابن أبي الحديد ج 6 ص 28، وابن قتيبة ج 1 / 12.

[130]

فلا أنسى قولك لابي سفيان لما حركك وهيجك لو وجدت أربعين ذوي عزم منهم لناهضت القوم (1). وروى معمر عن الزهري عن أم المؤمنين عائشة في حديثها عما جرى بين فاطمة وأبي بكر حول ميراث النبي صلى الله عليه وآله قالت: " فهجرته فاطمة فلم تكلمه حتى توفيت وعاشت بعد النبي صلى الله عليه وسلم ستة اشهر فلما توفيت دفنها زوجها، ولم يؤذن بها أبا بكر وصلى عليها. وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة فلما توفيت فاطمة انصرفت وجوه الناس عن علي. ومكثت فاطمة ستة أشهر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم توفيت ". قال معمر: فقال رجل للزهري: فلم يبايعه علي ستة أشهر ؟ قال: لا (2) ولا احد من بني هاشم حتى بايعه علي. فلما رأى علي انصراف وجوه الناس عنه ضرع إلى مصالحة أبي بكر... الحديث (3). وقال البلاذري: لما ارتدت العرب، مشى عثمان إلى علي. فقال: يا ابن عم، انه لا يخرج أحد إلى قتال هذا العدو، وأنت لم تبايع فلم يزل به حتى مشى إلى أبي بكر، فبايعه فسر المسلمون، وجد الناس في القتال وقطعت البعوث (4). ضرع علي إلى مصالحة أبي بكر بعد وفاة فاطمة وانصراف وجوه الناس عنه، غير أنه بقي يشكو مما جرى عليه بعد وفاة النبي حتى في أيام خلافته. وذكر شكواه في خطبته المشهورة بالشقشقية التي سنوردها في آخر هذا الباب.


(1) ابن أبي الحديد ج 2 ص 67 وصفين لنصر بن مزاحم ص 182. (2) في تيسير الوصول 2 ص 46 " قال لا والله ولا أحدا من بني هاشم ". (3) قد أوردت هذا الحديث مختصرا من كل من الطبري ج 2 / 448 (وط. اوربا ج 1 / 1825) وصحيح البخاري كتاب المغازي باب غزوة خيبر ج 3 / 38، وصحيح مسلم ج 1 / 72 وج 5 / 153. باب قول رسول الله " نحن لا نورث: ما تركناه صدقة "، وابن كثير ج 5 / 285 - 286 وابن عبدربه 3 / 64، وقد أورده ابن الاثير 2 / 126 مختصرا، والكنجي في كفاية الطالب 225 - 226. وابن أبي الحديد ج 1 / 122، والمسعودي ج 2 / 414 من مروج الذهب، وفي التنبيه والاشراف له ص 250 " ولم يبايع علي حتى توفيت فاطمة " والصواعق ج 1 / 12، وتاريخ الخميس 1 / 193، وفي الامامة والسياسة (1 / 14) أن بيعة علي كانت بعد وفاة فاطمة وأنها قد بقيت بعد أبيها 75 يوما، وفي الاستيعاب أن عليا لم يبايعه إلا بعد موت فاطمة ج 2 ص 244، وأبو الفداء ج 1 / 156، والبدء والتاريخ ج 5 / 66 وأنساب الاشراف ج 1 / 586، وفي أسد الغابة ج 3 / 222 بترجمة أبي بكر " كانت بيعتهم بعد ستة أشهر على الاصح " وقال اليعقوبي ج 2 / 105 " لم يبايع علي إلا بعد ستة أشهر " وفي الغدير ج 3 / 102 عن الفصل لابن حزم ص 96 - 97. (4) أنساب الاشراف، ج 1 / 587.

[131]

من تخلف عن بيعة الخليفة أبي بكر أ) فروة بن عمرو قال الزبير بن بكار في الموفقيات: " كان فروة بن عمر ممن تخلف عن بيعة أبي بكر، وكان ممن جاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقاد فرسين في سبيل الله، وكان يتصدق من نخله بألف وسق في كل عام، وكان سيدا، وهو من أصحاب علي وممن شهد معه يوم الجمل ". وذكر الزبير بن بكار بعد ذلك عتاب فروة لبعض الانصار الذين ساعدوا أبا بكر في بيعته (1). ب) خالد بن سعيد الاموي كان عاملا لرسول الله على صنعاء اليمن " فلما مات رسول الله رجع هو وأخواه أبان وعمر عن عمالتهم، فقال أبو بكر: مالكم رجعتم عن عمالتكم ؟ ما أحد أحق بالعمل من عمال رسول الله صلى الله عليه وآله، ارجعوا إلى أعمالكم. فقالوا: نحن بنو أحيحة لا نعمل لاحد بعد رسول الله " (2). وتأخر خالد وأخوه أبان عن بيعة أبي بكر، فقال لبني هاشم: إنكم لطوال الشجر طيبو الثمر نحن تبع لكم (3). و " تربص ببيعته شهرين يقول: قد أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لم يعزلني حتى قبضه الله، ولقي علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان، فقال يا بني عبد


(1) الموفقيات، ص 590. وفروة بن عمرو الانصاري البياضي شهد العقبة وبدر وما بعدهما مع رسول الله صلى الله عليه وآله، أسد الغابة، ج 4 / 178. (2) خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس. أسلم قديما فكان ثالثا أو رابعا وقيل كان خامسا، وقال ابن قتيبة في المعارف ص 128: " أسلم قبل إسلام أبي بكر ". وابن أبي الحديد، ج 2 ص 13. وكان ممن هاجر إلى الحبشة واستعمله رسول الله مع أخويه على صدقات مذحج واستعمله على صنعاء اليمن، ثم رجعوا بعد وفاة النبي ثم مضوا جميعا إلى الشام فقتلوا هناك واستشهد خالد باجنادين يوم السبت لليلتين بقيتا من جمادي الاولى سنة 13 ه‍. الاستيعاب ج 1 ص 398 - 400 والاصابة ج 1 ص 406، وأسد الغابة ج 2 ص 82، وراجع ابن أبي الحديد ج 6 ص 13 و 16. (3) أسد الغابة ج 2 ص 82 وابن أبي الحديد ج 2 ص 135. ط المصرية الاولى.

[132]

مناف لقد طبتم نفسا عن أمركم يليه غيركم، فأما أبو بكر فلم يحفل بها عليه، وأما عمر فأضغنها عليه " (1). " وأتى عليا، فقال: هلم ابايعك فوالله ما في الناس أحد أولى بمقام محمد منك " (2)، " فلما بايع بنو هاشم أبا بكر بايعه خالد " (3). " ثم بعث أبو بكر الجنود إلى الشام وكان أول من استعمل على ربع منها خالد بن سعيد، فأخذ عمر يقول: أتؤمره وقد صنع ما صنع وقال ما قال، فلم يزل بأبي بكر حتى عزله، وأمر يزيد بن أبي سفيان " (4). ذكروا (6) " إن سعدا ترك أياما ثم بعث إليه أن أقبل فبايع، فقد بايع الناس وبايع قومك، فقال: أما والله حتى أرميكم بما في كنانتي من نبل وأخضب سنان رمحي، وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي، وأقاتلكم بأهل بيتي ومن أطاعني من قومي فلا أفعل، وأيم الله لو أن الجن اجتمعت لكم مع الانس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي واعلم ما حسابي ". فلما أتي أبو بكر بذلك، قال عمر: لا تدعه حتى يبايع. فقال له بشير بن سعد: إنه قد لج وأبى، وليس بمبايعكم حتى يقتل، وليس


(1) الطبري. أوروبا 1 / 2079 ج 2 ص 586 وتهذيب تاريخ ابن عساكر ج 5 ص 48. وفي أنساب الاشراف 1 / 588 ذكر أن خالد بن سعيد تأخر عن البيعة. (2) اليعقوبي ج 2 ص 105. (3) أسد الغابة ج 2 ص 82، وراجع تفصيل ذلك في ابن أبي الحديد ج 1 ص 135 نقلا عن سقيفة أبي بكر الجوهري. (4) الطبري ج 2 ص 586 وفي ط أوروبا 1 / 2079 وتهذيب تاريخ ابن عساكر ج 5 ج 48. وفي أنساب الاشراف 1 / 588 ذكر أن خالد بن سعيد تأخر عن البيعة. (5) سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبي خزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الانصاري، شهد العقبة ومغازي رسول الله عدا بدر، فإنه اختلف في أنه هل شهدها أم لم يشهدها، كان جوادا سخيا وكانت راية الانصار بيده يوم الفتح، ولما نادى: " اليوم يوم الملحمة اليوم تسبى الحرمة " نزع رسول الله اللواء منه وأعطاه لابنه قيس، ولم يبايع أبا بكر حتى قتل بسهمين في الشام سنة 15 ه‍ ودفن بحوارين نسبه في جمهرة ابن حزم ص 65 الاستيعاب ج 2 ص 23 - 37 والاصابة ج 2 ص 27 - 28. (6) الطبري ج 3 ص 459، وابن الاثير ج 2 ص 126 أورد الرواية إلى: فأتركوه. وكنز العمال ج 3 ص 134، الحديث المرقم 2296، الامامة والسياسة ج 1 ص 10، والسيرة الحلبية ج 4 ص 397. بعده " لا يسلم على من لقي منهم ". والطبري ط / أوروبا 1 / 1844.

[133]

بمقتول حتى يقتل معه ولده وأهل بيته وطائفة من عشيرته، فاتركوه فليس تركه بضاركم إنما هو رجل واحد. فتركوه وقبلوا مشورة بشير بن سعد، واستنصحوه لما بدا لهم منه، فكان سعد لا يصلي بصلاتهم ولا يجتمع معهم ولا يحج ولا يفيض معهم بإفاضتهم.. الخ " فلم يزل كذلك حتى توفي أبو بكر وولي عمر " (1). و " لما ولي عمر الخلافة لقيه في بعض طرق المدينة. فقال له: إيه يا سعد ؟ فقال له: إيه يا عمر ؟ فقال له عمر: أنت صاحب المقالة ؟ قال سعد: نعم أنا ذلك، وقد افضى إليك هذا الامر كان والله صاحبك أحب إلينا منك وقد أصبحت والله كارها لجوارك. فقال عمر: من كره جوار جار تحول عنه. فقال سعد: ما أنا غير مستسر بذلك وأنا متحول إلى جوار من هو خير منك، فلم يلبث إلا قليلا حتى خرج إلى الشام في أول خلافة عمر... إلخ " (2). وفي رواية البلاذري: " أن سعد بن عبادة لم يبايع أبا بكر وخرج إلى الشام فبعث عمر رجلا، وقال: ادعه إلى البيعة واحتل له فإن أبى فاستعن الله عليه، فقدم الرجل الشام فوجد سعدا في حائط بحوارين (3) فدعاه إلى البيعة ". فقال: لا أبايع قرشيا أبدا. قال: فإني أقاتلك. قال: وإن قاتلتني. قال: أفخارج أنت مما دخلت فيه الامة ؟ قال: أما من البيعة فإني خارج فرماه بسهم فقتله (4). وفي تبصرة العوام: أنهم أرسلوا محمد بن مسلمة الانصاري فرماه بسهم.


(1) الرياض النضرة ج 1 ص 168 مضافا إلى المصادر. (2) طبقات ابن سعد ج 3 ق 2 ص 145، وابن عساكر ج 6 ص 90 بترجمة سعد من تهذيبه وكنز العمال ج 3 ص 134، برقم 2296، والحلبية ج 3 ص 397. (3) من قرى حلب معروفة، معجم البلدان. (4) أنساب الاشراف ج 1 / 589، العقد الفريد ج 3 ص 64 - 65 باختلاف يسير.

[134]

وقيل إن خالدا كان في الشام يومذاك فأعانه على ذلك (1). قال المسعودي: " وخرج سعد بن عبادة ولم يبايع فصار إلى الشام فقتل هناك " سنة 15 ه‍ 2. وفي رواية ابن عبد ربه " رمي سعد بن عبادة بسهم فوجد دفينا في جسده فمات، فبكته الجن فقالت: وقتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة * ورميناه بسهمين فلم يخط فؤاده " (3) وروى ابن سعد (4) " أنه جلس يبول في نفق فاقتتل فمات من ساعته ووجدوه قد اخضر جلده ". وفي أسد الغابة (5): " لم يبايع سعد أبا بكر ولا عمر، وسار إلى الشام فأقام بحوارين إلى أن مات سنة 15 ه‍، ولم يختلفوا في أنه وجد ميتا على مغتسله وقد اخضر جسده ولم يشعروا بموته حتى سمعوا قائلا يقول من بئر ولا يرون أحدا " إلخ. هكذا انتهت حياة سعد بن عبادة، ولما كان قتل سعد بن عبادة من الحوادث التي كره المؤرخون وقوعها أغفل جمع منهم ذكرها (6) وأهمل قسم منهم بيان كيفيتها ونسبوها إلى الجن (7) غير أنهم لم يكشفوا عن منشأ العداء بين الجن وسعد بن عبادة، ولماذا فوقت سهمها إلى فؤاد سعد دون سائر الصحابة، فلو أنهم أكملوا الاسطورة وقالوا: إن صلحاء الجن كرهت امتناع سعد عن البيعة فرمته بسهمين فما أخطأ فؤاده لكانت أسطورتهم تامة. من روى أن سعدا لم يبايع: (1) ابن سعد في الطبقات. (2) ابن جرير في تاريخه. (3) البلاذري في ج 1 من أنسابه. (4) ابن عبد البر في الاستيعاب. (5) ابن عبد ربه في العقد الفريد. (6)


(1) تبصرة العوام ط المجلس بطهران ص 32. (2) في مروج الذهب ج 1 ص 414 وج 2 ص 194. (3) العقد الفريد ج 4 ص 259 - 260. (4) في الطبقات ج 3 ق 2 ص 145 وأبو حنيفة الدينوري في المعارف ص 113. (5) في ترجمة سعد والاستيعاب ج 2 ص 37. (6) كابن جرير وابن كثير وابن الاثير في تواريخهم. (7) كمحب الدين الطبري في الرياض النضرة، وابن عبد البر في الاستيعاب.

[135]

ابن قتبيبة في الامامة والسياسة في ج 1 ص 9 (7) المسعودي في مروج الدهب. (8) ابن حجر العسقلاني في الاصابة ج 2 ص 28. (9) محب الدين الطبري في الرياض النضرة ج 1 ص 168. (10) أسد الغابة ج 3 / 222. (11) تاريخ الخميس. (12) علي بن برهان الدين في السيرة الحلبية ج 3 ص 396، 397. (13) أبو بكر الجوهري، برواية أبن أبي الحديد عنه. كان ما ذكرناه خلاصة من خبر استخلاف أبي بكر وبيعته أوردناه ملخصة من كتاب عبد الله بن سبأ الجزء الاول. وفي ما يلي خبر استخلاف عمر وبيعته: استخلاف عمر وبيعته. دعا أبو بكر عثمان خاليا فقال: أكتب بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة إلى المسلمين، أما بعد. قال: ثم أغمي عليه فذهب عنه، فكتب عثمان: أما بعد فإني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ولم الكم خيرا، ثم أفاق أبو بكر فقال: أقرأ علي، فقرأ عليه، فكبر أبو بكر وقال: أراك خفت أن يختلف الناس ان اسلمت نفسي في غشيتي، قال: نعم، قال: جزاك الله خيرا عن الاسلام وأهله وأقرها أبو بكر (رض) من هذا الموضع. وذكر قبل ذلك عن عمر أنه كان جالسا والناس معه وبيده جريدة ومعه شديد مولى لابي بكر معه الصحيفة التي فيها استخلاف عمر وعمر يقول: " أيها الناس اسمعوا وأطيعوا قول خليفة رسول الله أنه يقول: أني لم الكم نصحا " (1). كم من الفرق بين موقف أبي حفص هذا وموقفه من كتابة وصية الرسول ؟ الشورى وبيعة عثمان قال ابن عبد ربه في العقد الفريد: لما طعن الخليفة عمر قيل له لو استخلفت، فقال: لو كان أبو عبيدة الجراح حيا لاستخلفته، فان سألني ربي قلت نبيك يقول: انه


(1) تاريخ الطبري ط. اروبا 1 / 2138.

[136]

آمين هذه الامة، ولو كان سالم مولى ابي حذيفة حيا لاستخلفته، فان سألني ربي قلت سمعت نبيك يقول: ان سالم ليحب الله حبا لو لم يخف الله ما عصاه (1). وانهم قالوا له: يا أمير المؤمنين لو عهدت، فقال: لقد كنت اجمعت بعد مقالتي لكم أن أولي رجلا أمركم أرجو أن يحملكم على الحق - وأشار إلى علي - ثم رأيت أن لا أتحملها حيا وميتا " الخ. وروى البلاذري في أنساب الاشراف (2) قال عمر: ادعوا لي عليا وعثمان وطلحة والزبير و عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص فلم يكلم أحدا منهم غير علي وعثمان، فقال: يا علي لعل هؤلاء سيعرفون لك قرابتك من النبي صلى الله عليه وسلم وصهرك وما أنالك الله من الفقه والعلم، فإن وليت هذا الامر فاتق الله فيه. ثم دعا عثمان وقال: يا عثمان لعل هؤلاء القوم يعرفون لك صهرك من رسول الله وسنك فان وليت هذا الامر فاتق الله ولا تحمل آل أبي معيط على رقاب الناس. ثم قال: ادعوا لي صهيبا فدعي، فقال: صل بالناس ثلاثا وليخل هؤلاء النفر في بيت فإذا اجتمعوا على رجل منهم فمن خالفهم فاضربوا رأسه، فلما خرجوا من عند عمر قال: إن ولوها الاجلح (3) سلك بهم الطريق وقريب منه ما في طبقات ابن سعد ج 3 ق 1 ص 247. وراجع ترجمة عمر من الاستيعاب ومنتخب الكنز ج 4 ص 429. وفي الرياض النضرة ج 2 ص 72 قال: أخرجه النسائي وفيه أيضا " لله درهم إن ولوها الاصيلع كيف يحملهم على الحق وإن كان السيف على عنقه. قال محمد بن كعب: فقلت: أتعلم ذلك منه ولا توليه ؟ فقال: إن تركتم فقد تركهم من هو خير مني ". روى البلاذري في أنساب الاشراف: 5 / 17 عن الواقدي بسنده. قال: " ذكر عمر من يستخلف فقيل: أين أنت عن عثمان ؟ قال لو فعلت لحمل بني أبي معيط على رقاب الناس، قيل الزبير ؟ قال: مؤمن الرضى كافر الغضب. قيل: طلحة ؟ قال: أنفه في السماء واسته في الماء، قيل: سعد ؟ قال صاحب مقنب (4)، قرية له كثير، قيل: عبد


(1) العقد الفريد ج 4 / 274 أوردناه ملخصا. (2) أنساب الاشراف، ج 5 / 16. (3) الاجلح، من ا ؟ ؟ سر شعره من جانبي رأسه. (4) المقنب: جماعة من الخيل تجتمع للغارة.

[137]

الرحمن قال بحسبه أن يجري على أهل بيته ". وروى البلاذري في ج 5: 18 من أنساب الاشراف: أن عمر بن الخطاب أمر صهيبا مولى عبد الله بن جدعان حين طعن أن يجمع إليه وجوه المهاجرين والانصار، فلما دخلوا عليه قال: اني جعلت أمركم شورى إلى ستة نفر من المهاجرين الاولين الذين قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض ليختاروا أحدهم لامامتكم وسماهم، ثم قال لابي طلحة زيد بن سهل الخزرجي: اختر خمسين رجلا من الانصار يكونوا معك، فإذا توفيت فاستحث هؤلاء النفر حتى يختاروا لانفسهم وللامة أحدهم ولا يتأخروا عن أمرهم فوق ثلاث، وأمر صهيبا أن يصلي بالناس إلى أن يتفقوا على إمام، وكان طلحة بن عبيدالله غائبا في ماله بالسراة (1)، فقال عمر: ان قدم طلحة في الثلاثة الايام وإلا فلا تنتظروه بعدها وأبرموا الامر واصرموه وبايعوا من تتفقون عليه، فمن خالف عليكم فاضربوا عنقه، قال، فبعثوا إلى طلحة رسولا يستحثونه ويستعجلونه بالقدوم فلم يرد المدينة إلا بعد وفاة عمر والبيعة لعثمان. فجلس في بيته وقال: أعلى مثلي يفتات ! فاتاه عثمان، فقال له طلحة: إن رددت اترده ؟ ! قال: نعم، قال: فاني امضيته فبايعه. وقريب منه ما في العقد الفريد ج 3 ص 73. وروى في ص 20 منه قال: فقال عبد الله بن سعد ابن أبي سحر: ما زلت خائفا لان ينتقض هذا الامر حتى كان من طلحة ما كان فوصلته رحم ولم يزل عثمان مكرما لطلحة حتى حصر فكان اشد الناس عليه. وروى البلاذري في ص 18 من كتابه انساب الاشراف بسند ابن سعد قال: " قال عمر: ليتبع الاقل الاكثر فمن خالفكم فاضربوا عنقه ". وروى في ص 19 منه عن أبي مخنف انه قال: " أمر عمر أصحاب الشورى أن يتشاوروا في أمرهم ثلاثا فإن اجتمع اثنان على رجل واثنان على رجل رجعوا في الشورى فإن اجتمع أربعة على واحد وأباه واحد كانوا مع الاربعة وان كانوا ثلاثة " وثلاثة " كانوا مع الثلاثة الذين فيهم ابن عوف إذ كان الثقة في دينه ورأيه المأمون للاختيار على المسلمين " وقريب منه ما في العقد الفريد ج 3 ص 74. وروى أيضا عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر قال: " إن


(1) السراة: الجبل الذي فيه طرف الطائف ويقال لاماكن اخرى (معجم البلدان).

[138]

اجتمع رأي ثلاثة وثلاثة فاتبعوا صنف عبد الرحمن بن عوف وأسمعوا وأطيعوا " وأخرجه ابن سعد في الطبقات ج 3 ق 1 ص 43. وفي تاريخ اليعقوبي 2 / 160: وروى البلاذري في أنساب الاشراف ج 5 / 15 أن عمر قال: " ان رجالا يقولون إن بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرها، وإن بيعة عمر كانت عن غير مشورة والامر بعدي شورى فإذا اجتمع رأي أربعة فليتبع الاثنان الاربعة، وإذا اجتمع رأي ثلاثة وثلاثة فاتبعوا رأي عبد الرحمن بن عوف فاسمعوا وأطيعوا وأن صفق عبد الرحمن باحدى يديه على الاخرى فاتبعوه ". وروى المتقي في كنز العمال ج 3 ص 160 عن محمد بن جبير عن أبيه أن عمر قال: " ان ضرب عبد الرحمن بن عوف احدى يديه على الاخرى فبايعوه " وعن أسلم أن عمر بن الخطاب قال: " بايعوا لمن بايع له عبد الرحمن بن عوف فمن أبى فاضربوا عنقه ". ومن كل هذا يظهر ان الخليفة كان قد جعل أمر الترشيح بيد عبد الرحمن بن عوف، وبيت معه ان يشترط في البيعة العمل بسيرة الشيخين وهم يعلمون ان الامام عليا يأبى ان يجعل العمل بسيرة الشيخين في عداد العمل بكتاب الله وسنة رسوله (ص) وان عثمان يوافق على ذلك فيبايع عثمان بالخلافة ويخالفهم الامام علي فيعرض على السيف، والدليل على ما قلنا بالاضافة إلى ما سبق، ما رواه ابن سعد في طبقاته عن سعيد بن العاص ما خلاصته: ان سعيد بن العاص اتى الخليفة عمر يستزيده في الارض ليوسع داره فوعده الخليفة بعد صلاة الغداة وذهب معه حينئذ إلى داره قال سعيد: " فزادني وخط لي برجليه فقلت يا أمير المؤمنين زدني فانه نبتت لي نابتة من ولد وأهل فقال حسبك واختبئ عندك انه سيلي الامر من بعدي من يصل رحمك ويقضي حاجتك قال فمكثت خلافة عمر بن الخطاب حتى استخلف عثمان وأخذها عن شورى ورضي فوصلني واحسن وقضى حاجتي وأشركني في امانته (1) " إذا فالخليفة عمر قد أنبأ سعيد بن العاص انه سيلى بعده ذو رحم سعيد وهو عثمان وطلب منه أن يخبئ الامر عنده، ويتضح من هذه المحاورة ان أمر استيلاء عثمان على الخلافة كان قد بت فيه في حياة الخليفة عمر، وتعيين الستة في الشورى كان من اجل تمرير هذا الامر بصورة مرضية لدى الجميع. اما تعريض الامام علي


(1) بترجمة سعيد بن العاص من الطبقات، ط / اروپا، (ج 5 / 30 - 31).

[139]

للقتل مما يدل عليه بالاضافة إلى ما مر ما رواه ابن سعد ايضا بترجمة سعيد بن العاص: ان عمر بن الخطاب قال لسعيد بن العاص: " مالي اراك معرضا كأنك ترى اني قتلت أباك ؟ ما أنا قتلته ولكنه قتله علي بن ابي طالب. (1) " وقال قد قتله ببدر. اليس في هذا القول تحريش على الامام علي وإثارة للضغائن عليه. الامام علي يعلم بأن الخلافة زويت عنه كان الامام علي يعلم بأن الخلافة زويت عنه وانما اشترك معهم في الشورى كي لا يقال: هو الذي زهد في الخلافة، ويدل على انه كان يعلم ما بيت له الحديث الاتي: روى البلاذري في ج 5 / 19 من كتابه أنساب الاشراف أيضا " ان عليا شكا إلى عمه العباس ما سمع من قول عمر: كانوا مع الذين فيهم عبد الرحمن ابن عوف ؟ وقال: والله لقد ذهب الامر منا، فقال العباس: وكيف قلت ذلك يا ابن أخي ؟ فقال: ان سعدا لا يخالف ابن عمه عبد الرحمن و عبد الرحمن نظير عثمان وصهره فأحدهما لا يخالف صاحبه لا محالة، وان كان الزبير وطلحة معي فلن انتفع بذلك إذ كان ابن عوف في الثلاثة الآخرين. وقال ابن الكلبي: عبد الرحمن بن عوف زوج أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وأمها أروى بنت كريز وأروى أم عثمان فلذلك قال صهره " وقريب منه ما في العقد الفريد ج 3 ص 74. وروى في ص 21 منه عن أبي مخنف قال: " لما دفن عمر أمسك أصحاب الشورى وأبو طلحة يؤمهم فلم يحدثوا شيئا، فلما أصبحوا جعل أبو طلحة يحوشهم للمناظرة في دار المال، وكان دفن عمر يوم الاحد وهو الرابع من يوم طعن. وصلى عليه صهيب بن سنان، قال: فلما رأى عبد الرحمن تناجي القوم وتناظرهم وأن كل واحد منهم يدفع صاحبه عنها، قال لهم: يا هؤلاء أنا أخرج نفسي وسعدا على أن أختار يا معشر الاربعة أحدكم، فقال طال التناجي، وتطلع الناس إلى معرفة خليفتهم


(1) وسعيد بن العاص بن سعيد بن أحيحة بن امية، توفي رسول الله (ص) وهو ابن تسع سنين أو نحوه طبقات ابن سعد (ج 5 / 30 - 32)

[140]

وإمامهم، واحتاج من أقام الانتظار ذلك من أهل البلدان الرجوع إلى أوطانهم، فأجابوا إلى ما عرض عليهم إلا عليا فإنه قال: أنظر. وأتاهم أبو طلحة فأخبره عبد الرحمن بما عرض وباجابة القوم اياه إلا عليا فأقبل أبو طلحة على علي. فقال يا أبا الحسن ان أبا محمد ثقة لك وللمسلمين فما بالك تخالف وقد عدل الامر عن نفسه فلن يتحمل المأثم لغيره فأحلف علي عبد الرحمن بن عوف أن لا يميل إلى هوى وأن يؤثر الحق وأن يجتهد للامة، وأن لا يحابي ذا قرابة فحلف له، فقال: اختر مسدددا، وكان ذلك في دار المال ويقال في دار المسور بن مخرمة. ثم إن عبد الرحمن احلف رجلا رجلا منهم بالايمان المغلظة، وأخذ عليهم المواثيق والعهود انهم لا يخالفونه إن بايع منهم رجلا وان يكونوا معه على من يناويه فحلفوا على ذلك، ثم أخذ بيد علي فقال له: " عليك عهد الله وميثاقه إن بايعتك أن لا تحمل بني عبد المطلب على رقاب الناس، ولتسيرن بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تحول عنها ولا تقتصر في شئ منها، فقال علي، لا أحمل عهد الله وميثاقه على مالا أدركه ولا يدركه أحد. من ذا يطيق سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكني أسير من سيرته بما يبلغه الاجتهاد مني، وبما يمكنني وبقدر علمي " فأرسل عبد الرحمن يده ثم أحلف عثمان وأخذ عليه العهود والمواثيق أن لا يحمل بني أمية على رقاب الناس وعلى أن يسير بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر ولا يخالف شيئا من ذلك، فحلف له. فقال علي: قد أعطاك أبو عبد الله الرضا فشأنك فبايعه، ثم إن عبد الرحمن عاد إلى علي فأخذ بيده وعرض عليه ان يحلف بمثل تلك اليمين أن لا يخالف سيرة رسول الله وأبي بكر وعمر، فقال علي: علي الاجتهاد، وعثمان يقول: نعم علي عهد الله وميثاقه واشد ما أخذ على أنبيائه ان لا اخالف سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر في شئ ولا اقصر عنها، فبايعه عبد الرحمن وصافحه وبايعه أصحاب الشورى، وكان علي قائما فقعد، فقال له عبد الرحمن: بايع وإلا ضربت عنقك، ولم يكن مع أحد يومئذ سيف، فيقال: إن عليا خرج مغضبا فلحقه أصحاب الشورى، فقالوا: بايع وإلا ما جاهدناك، فأقبل معهم يمشي حتى بايع عثمان " 1 ه‍. في هذا الخبر حذف من اول قول عبد الرحمن [وسيرة الشيخين] ونقل اول كلام الامام علي بتصرف وحذف آخره، وتمام الخبر في الرواية الاتية:

[141]

في تاريخ اليعقوبي ج 1 / 162، أن عبد الرحمن خلا بعلي بن أبي طالب، فقال: لنا الله عليك، إن وليت هذا الامر، أن تسير فينا بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة أبي بكر وعمر. فقال: أسير فيكم بكتاب الله وسنة نبيه ما استطعت. فخلا بعثمان فقال له: لنا الله عليك، إن وليت هذا الامر، أن تسير فينا بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة أبي بكر وعمر. فقال: لكم أن أسير فيكم بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة أبي بكر وعمر. ثم خلا بعلي فقال له مثل مقالته الاولى، فأجابه مثل الجواب الاول، ثم خلا بعثمان فقال له مثل المقالة الاولى، فأجابه مثل ما كان أجابه، ثم خلا بعلي فقال له مثل المقالة الاولى، فقال: إن كتاب الله وسنة نبيه لا يحتاج معهما إلى إجيرى (1) أحد أنت مجتهد أن تزوي هذا الامر عني. فخلا بعثمان فأعاد عليه القول، فأجابه بذلك الجواب، وصفق على يده. وفي ذكر حوادث سنة 23 من تاريخ الطبري 3 / 297، وكذلك ابن الاثير 3 / 37، قال الامام علي لعبد الرحمن لما بايع عثمان في اليوم الثالث: " حبوته حبوة دهر، ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا، فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون، والله ما وليت عثمان الا ليرد الامر اليك، والله كل يوم في شأن " وكذلك ورد في العقد الفريد 3 / 76، في العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم برقم: 5. بيعة الامام علي عليه السلام قتل عثمان وعاد إلى المسلمين أمرهم وانحلوا من كل بيعة سابقة توثقهم فتهافتوا على ابن أبي طالب يطلبون يده للبيعة قال الطبري (2) فأتاه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن هذا الرجل قد قتل ولابد للناس من إمام ولا نجد اليوم أحق بهذا الامر منك، لا أقدم سابقة، ولا أقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا تفعلوا فاني أكون وزيرا خير من أن اكون أميرا، فقالوا: لا والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك. قال: ففي المسجد فان بيعتي لا تكون خفيا ولا تكون إلا عن رضي المسلمين...


(1) الاجيري بالكسر والتشديد: العادة والطريقة. (2) الطبري 5 / 152 - 153، وراجع الكنز 3 / 161 الحديث 2471 فإنه يروي تفصيل بيعة علي ومحبئ طلحة والزبير إليه وامتناعه عن البيعة...، وكذلك حكاه ابن أعثم بالتفصيل في ص 160 - 161 من تأريخه.

[142]

وروى بسند آخر وقال: اجتمع المهاجرون والانصار فيهم طلحة والزبير فاتوا عليا. فقالوا: يا ابا الحسن، هلم نبايعك، فقال: لا حاجة لي في أمركم أنا معك فمن اخترتم فقد رضيت به، فاختاروا، فقالوا: والله ما نختار غيرك، قال: فأختلفوا إليه بعدما قتل عثمان (رض) مرارا ثم أتوه في آخر ذلك، فقالوا له: إنه لا يصلح الناس إلا بإمرة وقد طال الامر فقال لهم: انكم قد اختلفتم إلي وأتيتم وإني قائل لكم قولا إن قبلتموه قبلت أمركم وإلا فلا حاجة لي فيه. قالوا: ما قلت قبلناه إن شاء الله، فجاءه فصعد المنبر فاجتمع الناس إليه فقال إني قد كنت كارها لامركم فأبيتم إلا أن أكون عليكم. ألا وإنه ليس لي أمر دونكم، ألا إن مفاتيح ما لكم معي. ألا وانه ليس لي أن آخذ منه درهما دونكم، رضيتم ؟ قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد علهيم. ثم بايعهم على ذلك وروى البلاذري (1) وقال: وخرج علي فأتى منزله، وجاء الناس كلهم يهرعون إلى علي، أصحاب النبي وغيرهم، وهم يقولون: " إن أمير المؤمنين علي " حتى دخلوا داره، فقالوا له: نبايعك، فمد يدك فانه لابد من أمير، فقال علي: ليس ذلك إليكم إنما ذلك إلى أهل بدر فمن رضي به أهل بدر فهو خليفة، فلم يبق أحد من أهل بدر إلا أتى عليا، فقالوا: ما نرى أحدا أحق بهذا الامر منك... فلما رأى علي ذلك صعد المنبر وكان أول من صعد إليه فبايعه طلحة بيده، وكانت إصبع طلحة شلاء فتطير منها علي وقال: ما أخلقه أن ينكث. وروى الطبري (2): أن حبيب بن ذؤيب نظر إلى طلحة حين بايع فقال: أول من بدأ بالبيعة يد شلاء لا يتم هذا الامر...) إنتهى. بعد دراسة الواقع التاريخي في اقامة الحكم في صدر الاسلام، ندرس في ما يأتي رأي المدرستين في الخلافة والامامة ونبدأ بذكر أراء مدرسة الخلافة.


(1) الانساب 5 / 70 وقد روى الحاكم في المستدرك 3 / 114 تشاؤم علي من بيعة طلحة. (2) الطبري 5 / 153.

[143]

معالم المدرستين - القسم الاول البحث الثاني الفصل الثاني بحوث مدرسة الخلفاء في الامامة

[145]

رأي مدرسة الخلافة وما استدلوا به أولا: قال الخليفة أبو بكر. لن يعرف هذا الامر الا لهذا الحي من قريش هم أوسط العرب نسبا ودارا وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين: " عمر وأبي عبيدة " فبايعوا أيهما شئتم (1). ثانيا: قال الخليفة عمر بن الخطاب: فلا يغترن امرؤ أن يقول انما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، ألا وانها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرها، وليس منكم من تقطع الاعناق إليه مثل أبي بكر، من بايع رجلا عن غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا (2). ثالثا: آراء أتباع مدرسة الخلفاء: قال أقضى القضاة الماوردي " ت 450 ه‍ " في الاحكام السلطانية (3) والامام


(1 و 2) البخاري، كتاب الحدود، باب رجم الحبلى. و " التغرة ": مصدر غررته: إذا القيته في الغرر وهي من التغرير، كالتعلة من التعليل، والمقصود ان الذي يبايع آخر دون مشورة من المسلمين، فانهما قد غررا بالمسلمين وجزاء المبايع والمبايع له ان يقتلا. (راجع معاجم اللغة). (3) الاحكام السلطانية لابي الحسن علي بن محمد البصري البغدادي والماوردي نسبة إلى " بيع ماء الورد " كان من وجوه فقهاء الشافعية، له مصنفات كثيرة، توفي 450 ه‍، ط. الثانية سنة 1387 ه‍، ص 6 - 7.

[146]

علامة الزمان القاضي أبو يعلى " ت 458 ه‍ " في الاحكام السلطانية (1)، كلاهما، قالا في كتابيهما: " الامامة تنعقد من وجهين: أحدهما باختيار أهل العقد والحل، والثاني بعهد الامام من قبل. " فاما انعقادها باختيار أهل الحل والعقد فقد اختلف العلماء في عدد من تنعقد به الامامة منهم على مذاهب شتى، فقالت طائفة: لا تنعقد الا بجمهور أهل العقد والحل من كل بلد ليكون الرضا به عاما والتسليم لامامته اجماعا، وهذا مذهب مدفوع ببيعة أبي بكر (2) رضي الله عنه على الخلافة باختيار من حضرها ولم ينتظر ببيعته قدوم غائب عنها. وقالت طائفة أخرى أقل من تنعقد به الامامة خمسة يجتمعون على عقدها أو يعقدها أحدهم برضا الاربعة أستدلالا بأمرين: أحدهما بيعة أبي بكر (رض) انعقدت بخمسة اجتمعوا عليها ثم تابعهم الناس فيها وهم عمر بن الخطاب (3)، وابو عبيدة بن الجراح، واسيد بن حضير، وبشير بن سعد، وسالم مولي ابي حذيفة (رض)، والثاني ان


(1) الاحكام السلطانية للشيخ أبي يعلى محمد بن الحسن الفراء الحنبلي ط. الاولى بمصر سنة 1356 ه‍ ص 7 - 11. وانما اعتمدنا عليهما أكثر من غيرهما من كتب مدرسة الخلفاء لان هذا النوع من الكتب مثل كتاب الخراج لابي يوسف انما ألف لتدوين الاحكام التي تخص شؤون الحكم على رأي مدرسة الخلفاء ومن أجل العمل به، خلافا للكتب التي دونت في مقام المناظرة وليس للعمل بها وكل ما نورده في ما يلي من كلا الكتابين وما انفرد به أحدهما ذكرنا ذلك في الهامش. (2) أبو بكر عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر القرشي التيمي، وأمه أم الخير سلمى أو ليلى بنت صخر التيمي، ولد بعد الفيل بسنتين أو ثلاث، صاحب الرسول في هجرته إلى المدينة وسكن (سنح) خارج المدينة وكان يحلب للحي أغنامهم حتى ولي الخلافة، انتقل إلى المدينة بعد ستة أشهر من ذلك وتوفي سنة ثلاث عشرة وروى عنه أصحاب الصحاح 142 حديثا راجع ترجمته بأسد الغابة وفي تاريخ ابن الاثير ج 2 / 163 في ذكر بعض أخباره، وجوامع السيرة ص 278. (3) أبو حفص عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي وامه حنتمة بنت هاشم أو هشام ابن المغيرة المخزومي اسلم بعد نيف وخمسين بمكة وشهد بدرا وما بعده استخلفه أبو بكر في مرض موته وتوفي من طعنة ابي لؤلؤة اياه ودفن هلال محرم سنة 24 ه‍ إلى جنب ابي بكر روى عنه اصحاب الصحاح 537 حديثا - ترجمته في الاستيعاب واسد الغابة وجوامع السيرة ص 276. وابو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح كان حفارا للقبور بمكة شهد بدرا وما بعدها ومات بطاعون عمواس - كورة قرب بيت المقدس - سنة 18 ه‍ روى عنه أصحاب الصحاح 14 حديثا ترجمته باسد الغابة - >

[147]

عمر (رض) جعل الشورى في ستة ليعقد لاحدهم برضا الخمسة، وهذا قول أكثر الفقهاء والمتكلمين من أهل البصرة. قال آخرون من علماء الكوفة: تنعقد بثلاثة يتولاها أحدهم برضا الاثنين ليكونوا حاكما وشاهدين كما يصح عقد النكاح بولي وشاهدين وقالت طائفة اخرى: تنعقد بواحد، لان العباس (1) قال لعلي رضوان الله عليهما: امدد يدك ابايعك، فيقول الناس عم رسول الله صلى الله عليه وآله بايع ابن عمه فلا يختلف عليك اثنان، ولانه حكم وحكم واحد نافذ " (2). وأما إنعقاد الامامة بعهد من قبله فهو مما انعقد الاجماع على جوازه ووقع الاتفاق على صحته لامرين عمل المسلمين بهما ولم يتناكروهما، أحدهما: ان أبا بكر (رض) عهد بها إلى عمر (رض) فأثبت المسلمين إمامته بعهده. والثاني أن عمر (رض) عهد بها إلى أهل الشورى.. إلى قوله: لان بيعة عمر (رض) لم تتوقف على رضا الصحابة، ولان الامام أحق بها (3). ونقل اختلاف العلماء في لزوم معرفة الامام وان بعضهم قال:


< - وجوامع السيرة ص 284، وطبقات ابن سعد ط. اوروبا، ج 2 / 2 / 74. وأسيد بن حضير بن سماك الانصاري الاشهلي شهد بيعة العقبة الثانية وجميع مشاهد النبي كان أبو بكر لا يقدم احدا من الانصار عليه توفي سنة 20 أو 21 ه‍ فحمل عمر نعشه بنفسه روى عنه اصحاب الصحاح، 18 حديثا، ترجمته في الاستيعاب والاصابة وجوامع السيرة ص 283. وبشير بن سعد بن ثعلبة الخزرجي يقال اول من بايع ابا بكر - وكان حاسدا لسعد وقتل يوم عين التمر مع خالد اخرج حديثه النسائي في سننه - عبد الله بن سبأ ج 1 / 96، والتقريب 1 / 103 واسد الغابة. وابو عبد الله سالم مولى ابي حديفة بن عتبة ربيعة الاموي كان من اصطخر فارس اعتقته ثبيتة الانصارية زوج ابي حذيفة فتبناه أبو حذيفة ولذلك عد من المهاجرين هاجر إلى المدينة قبل رسول الله وكان يؤم المهاجرين فيها وفيهم عمر بن الخطاب لانه كان اقرأهم للقرآن، آخى الرسول بينه وبين معاذ من الانصار قتل يوم اليمامة ترجمته باسد الغابة. (1) أبو الفضل العباس بن عبد المطلب وامه نتيلة بنت خباب النمري شهد مع رسول الله بيعة العقبة وامر في بدر ففدى نفسه وابنى اخويه عقيل ونوفل، هاجر قبل فتح مكة وشهده استسقى به عمر بن الخطاب في عام الرمادة - عام الجدب والقحط - توفي سنة 32، روى عنه اصحاب الصحاح 35 حديثا ترجمته باسد الغابة وجوامع السيرة ص 281. (2) الاحكام السلطانية للماوردي ص 6 - 7. (3) المصدر السابق ص 10، ويظهر من اقوالهم بانهم يدينون بان الامر الواقع هو الدين ولا يختلفون في ذلك وانما الاختلاف في كيفية ما وقع.

[148]

" واجب على الناس كلهم معرفة الامام بعينه واسمه، كان عليهم معرفة الله ومعرفة رسوله. " ثم قال: " والذي عليه جمهور الناس، ان معرفة الامام تلزم الكافة بالجملة دون التفصيل " (1). وأضاف قاضي القضاة أبو يعلى " ت 458 ه‍ " في الاحكام السلطانية (2) على تلكم الاقوال قول بعضهم: " إنها تثبت بالقهر والغلبة، ولا تفتقر إلى العقد ". " ومن غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي امير المؤمنين، فلا يحل لاحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه اماما برا كان أو فاجرا، فهو أمير المؤمنين ". وقال في الامام يخرج عليه من يطلب الملك فيكون مع هذا قوم ومع هذا قوم: " تكون الجمعة مع من غلب " واحتج بأن ابن عمر صلى بأهل المدينة في زمن الحرة وقال: " نحن مع من غلب " (3). وقال امام الحرمين الجويني " ت 478 ه‍ " في باب الاختيار وصفته وذكر ما ينعقد به الامامة من كتاب الارشاد: " إعلموا أنه لا يشترط في عقد الامامة الاجماع، بل تنعقد الامامة وإن لم تجمع الامة على عقدها، والدليل عليه أن الامامة لما عقدت لابي بكر ابتدر لامضاء أحكام المسلمين، ولم يتأن لانتشار الاخبار إلى من نأى من الصحابة في الاقطار، ولم ينكر عليه منكر، ولم يحمله على التريث حامل، فإذا لم يشترط الاجماع في عقد الامامة، لم يثبت


(1) المصدر السابق ص 15. (2) الاحكام السلطانية ص 7 - 11. (3) المصدر السابق ص 7 - 8 في طبعة وفي اخرى ص 20 - 23. وابن عمر هو عبد الله بن عمر بن الخطاب، امه زينب بنت مظعون الجمحية، استصغره الرسول في احد وشهد ما بعدها، روي عنه في الثناء على نفسه وأبيه روايات متعددة، أفتى ستين سنة بعد رسول الله في الموسم، قالوا كان جيد الحديث، ولم يكن جيد الفقه، لم يشهد شيئا من الحروب مع علي، ثم ندم من ذلك لما حضرته الوفاة قال " ما اجد في نفسي من الدنيا الا اني لم اقاتل الفئة الباغية مع علي بن ابي طالب، وكان سبب وفاته ان الحجاج أمر رجلا فوضع زج رمح مسموم على قدمه في الزحام فمات سنة 73 ه‍، وروى عنه اصحاب الصحاح " 2630 حديثا " ترجتمه باسد الغابة وسير النبلاء وجوامع السيرة " ص 275 ".

[149]

عدد معدود، ولا حد محدود، فالوجه الحكم بأن الامامة تنعقد بعقد واحد من أهل الحل والعقد " (1). وقال الامام ابن العربي " ت 543 ه‍ ": " لا يلزم في عقد البيعة للامام أن تكون من جميع الانام بل يكفي لعقد ذلك اثنان أو واحد " (2). وقال الشيخ الفقيه الامام العلامة المحدث القرطبي " ت 671 ه‍ " في المسألة الثامنة من تفسير " انى جاعل في الارض خليفة " من تفسير سورة البقرة: " فان عقدها واحد من أهل الحل والعقد فذلك ثابت، ويلزم الغير فعله، خلافا لبعض الناس حيث قال: لا تنعقد الا بجماعة من أهل الحل والعقل، ودليلنا أن عمر (رض) عقد البيعة لابي بكر ولم ينكر أحد من الصحابة ذلك، فوجب ألا يفتقر إلى عدد يعقدونه كسائر العقود. قال الامام أبو المعالي: من انعقدت له الامامة بعقد واحد فقد لزمت، ولا يجوز خلعه من غير محدث وتغير أمر، قال: وهذا مجمع عليه. " وقال في المسألة الخامسة عشر من تفسير الاية: " إذا انعقدت الامامة باتفاق أهل الحل والعقد أو بواحد على ما تقدم وجب على الناس كافة مبايعته " (3). قال أقضى القضاة عضد الدين الا يجي " ت 756 ه‍ " في المواقف: المقصد الثالث فيما تثبت به الامامة ما ملخصه: إنها تثبت بالنص من الرسول، ومن الامام السابق بالاجماع، وتثبت ببيعة أهل الحل والعقد خلافا للشيعة دليلنا ثبوت إمامة أبي بكر (رض) بالبيعة. وقال: إذا ثبت حصول الامامة بالاختيار والبيعة، فاعلم أن ذلك لا يفتقر إلى الاجماع، إذ لم يقم عليه دليل من العقل أو السمع، بل الواحد والاثنان من أهل الحل والعقد كاف، لعلمنا أن الصحابة مع صلابتهم في الدين اكتفوا بذلك كعقد عمر لابي بكر، وعقد عبد الرحمن بن عوف لعثمان، ولم يشترطوا اجتماع من في المدينة فضلا


(1) الارشاد في الكلام لامام الحرمين عبد الملك بن عبد الله الجويني ط. القاهرة 1369 ه‍، ص 424. (2) الامام أبو بكر محمد بن عبد الله الاشبيلي المشهور بأبن العربي في شرحه سنن الترمذي 13 / 229. (3) القرطبي هو أبو عبد الله محمد بن أحمد أبي بكر بن فرح الانصاري الخزرجي الاندلسي في كتاب جامع أحكام القرآن ط. مصر سنة 1387 ه‍، ج 1 / 269، 272.

[150]

عن اجماع الامة. هذا ولم ينكر عليهم أحد، وعليه انطوت الاعصار إلى وقتنا هذا (1). ووافق القاضي الايجي شراح كتابه كتاب المواقف مثل السيد الشريف الجرجاني (ت 816 ه‍) (2). وجوب طاعة الامام وان خالف الرسول. روى مسلم في صحيحه عن حذيفة قال: قال رسول الله: " يكون بعدي ائمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان انس " قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك ؟ قال: " تسمع وتطع للامير وان ضرب ظهرك واخذ مالك فاسمع وأطع ". وروى عن ابن عباس ان رسول الله قال: " من رآى من إمامه شيئا يكرهه فليصبر، فأنه من فارق الجماعة شبرا فمات، مات ميتة جاهلية ". وفي اخرى: " ليس احد خرج من السلطان شبرا فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية ". وروي عن عبد الله بن عمر بن الخطاب انه حين كان من امر الحرة ما كان زمن يزيد بن معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية " (3). وقال النووي في شرحه بباب لزوم طاعة الامراء في غير معصية " وقال جماهير


(1) المواقف في علم الكلام، ط. مصر 1325 ه‍، ج 8 / 351 - 353 تأليف القاضي عبد الرحمن بن أحمد الايجي، توفي بالسجن عام 756 ه‍. (2) السيد الشريف الجرجاني في شرحه على المواقف والذي طبع مع الكتاب بمصر. (3) صحيح مسلم ج 6 / 20 - 22 باب الامر بلزوم الجماعة. وروى الحديث عن حذيفة، وهو ابن اليمان العبسي كان ابوه أصاب دما في الجاهلية، فهرب إلى المدينة، وتزوج بها وحالف بني عبد الاشهل، وسمي اليمان لمحالفته اليمانية واسمه حسل، شهد حذيفة الخندق وما بعدها، وولى لعمر المدائن ومات بها سنة ست وثلاثين، اربعين ليلة بعد بيعة الامام علي روى عنه اصحاب الصحاح 225 حديثا ترجمته في الاستيعاب واسد الغابة والاصابة وبجوامع السيرة ص 277.

[151]

أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين: لا ينعزل بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق، ولا يخلع ولا يجوز الخروج عليه بذلك، بل يجب وعظه وتخويفه للاحاديث الواردة في ذلك ". وقال قبله: " وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام باجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الاحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع اهل السنة انه لا ينعزل السلطان بالفسق (1) ". قال القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني في كتاب التمهيد (2) " ت 403 ه‍ " في باب ذكر ما يوجب خلع الامام وسقوط فرض طاعته ما ملخصه: قال الجمهور من أهل الاثبات وأصحاب الحديث: لا ينخلع الامام " بفسقه وظلمه بغصب الاموال، وضرب الابشار، وتناول النفوس المحرمة، وتضييع الحقوق، وتعطيل الحدود " ولا يجب الخروج عليه، بل يجب وعظه وتخويفه وترك طاعته في شئ مما يدعو إليه من معاصي الله، واحتجوا في ذلك بأخبار كثيرة متظافرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة في وجوب طاعة الائمة وإن جاروا واستأثروا بالاموال، وانه قال عليه السلام: إسمعوا وأطيعوا ولو لعبد أجدع، ولو لعبد حبشي، وصلوا وراء كل بر وفاجر. وروي انه قال: أطعهم وإن أكلوا مالك، وضربوا ظهرك. استدلال اتباع مدرسة الخلافة في القرون الاخيرة في القرون الاخيرة غالبا ما يستدل اتباع مدرسة الخلافة على صحة قيام حكم الخلافة في الماضي على انه كان قائما على اساس الشورى بين المسلمين للخليفة، وبعضهم يستنتج من ذلك أن الحكم الاسلامي أيضا يقام اليوم على أساس البيعة فمن بايعه المسلمون أصبح حاكما اسلاميا يجب على جميع المسلمين بذل الطاعة له. كان ذلكم رأي مدرسة الخلفاء في كيفية اقامة الحكم الاسلامي وأدلتهم على ما يرتأون، وقبل البدء بدراسة ما ارتأوا وما استدلوا عليه ينبغي أن ندرس المصطلحات التي يدور عليها البحث في ما يأتي:


(1) ج 12 / 229 في شرحه على مسلم وراجع سنن البيهقي ج 8 / 158 - 159. (2) التمهيد، ط. القاهرة. 1366 ه‍.

[152]

مصطلحات بحث الامامة والخلافة يدور بحث الامامة والخلافة على المصطلحات السبعة التالية: أ) الشورى ب) البيعة ج) الخليفة د) أمير المؤمنين ه‍) الامام و) الامر واولوا الامر ز) الوصي والوصية وفي ما يلي تعريف المصطلحات المذكورة آنفا: أولا: الشورى التشاور، والمشاورة، والمشورة في لغة العرب: استخراج الرأي بمراجعة البعض البعض الاخر. وشاوره: استخرج ما عنده من رأي. وأشار عليه بالرأي، يشير: إذا ما وجه الرأي. " وأمرهم شورى بينهم " من صار هذا الشئ شورى بين القوم إذا تشاوروا فيه (1).


(1) راجع مادة " شور " من: مفردات الراغب، ولسان العرب، ومعجم الفاظ القرآن الكريم.

[153]

لم يتغير معنى مشتقات هذه المادة في استعمال القرآن الكريم، والحديث الشريف، ولدى المسلمين عما كانت عليه في لغة العرب وانما الكلام في مورد الشورى والمشاورة في الشرع الاسلامي وحكمها. ثانيا: البيعة أ) البيعة في لغة العرب البيعة في لغة العرب: الصفقة على ايجاب البيع (1)، وصفق يده بالبيعة والبيع، وعلى يده صفقا: ضرب بيده على يده عند وجوب البيع، وتصافقوا: تبايعوا (2)، كان هذا معنى البيعة لدى العرب. أما العهد والحلف: فقد كانت العرب تعقد الحلف والعهد بأساليب مختلفة، مثل ما فعل بنو عبد مناف حين أرادوا أن يقاتلوا بني عبدالدار على من يقوم بحجابة البيت وسقاية الحج وغيرهما من أعمال السيادة بمكة. روى ابن اسحاق أن بني عبد مناف أخرجوا جفنة مملوءة طيبا فوضعوها في المسجد عند الكعبة، ثم غمسوا أيديهم فيها، وتعاقدوا وتعاهدوا هم وحلفاؤهم، ثم مسحوا الكعبة بأيديهم توكيدا على أنفسهم وسموا " المطيبين " (3). وروى ابن اسحاق في أمر تجديد الكعبة: أن البنيان عندما بلغ موضع الركن اختصموا فيه، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الاخرى، حتى تحاوروا وتحالفوا، وأعدوا للقتال، فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما، ثم تعاقدوا هم وبنو عدي بن كعب بن لؤي على الموت، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة، فسموا " لعقة الدم " (4). ب) البيعة في الاسلام كانت البيعة اي: صفق اليد على اليد، في لغة العرب علامة على وجوب البيع، واصبحت في الاسلام علامة على معاهدة المبايع المبايع له ان يبذل له الطاعة في


(1) لسان العرب، مادة: " بيع ". (2) لسان العرب، مادة: " صفق ". (3) سيرة ابن هشام 1 / 141 - 143. (4) سيرة ابن هشام 1 / 213.

[154]

ما تقرر بينهما، ويقال: بايعه عليه مبايعة: عاهده عليه. وورد في القرآن الكريم في قوله تعالى: " ان الذين يبايعونك انما يبايعون الله، يد الله فوق ايديهم، فمن نكث فانما ينكث على نفسه، ومن اوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه اجرا عظيما " (1). ونذكر من سنة الرسول صلى الله عليه وآله ثلاث مرات اخذ الرسول صلى الله عليه وآله فيها البيعة من المسلمين: 1) البيعة الاولى اول بيعة جرت في الاسلام بيعة العقبة الاولى، اخبر عنها عبادة بن الصامت وقال: وافى موسم الحج من الانصار اثنا عشر رجلا ممن اسلم منهم في المدينة وقال عبادة: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة النساء وذلك قبل أن يفترض علينا الحرب، على أن لا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل اولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين ايدينا وارجلنا، ولا نعصيه في معروف، فان وفيتم فلكم الجنة، وان غشيتم من ذلك شيئا فأخذتم بحده في الدنيا فهو كفارة له، وان سترتم عليه إلى يوم القيامة فأمركم إلى الله عزوجل: ان شاء عذب، وان شاء غفر (2)، وسميت هذه البيعة ببيعة العقبة الاولى. 2) البيعة الثانية الكبرى بالعقبة روى كعب بن مالك وقال: خرجنات من المدينة للحج وتواعدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة أواسط ايام التشريق، وخرجنا بعد مضي ثلث الليل متسللين مستخفين حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن ثلاث وسبعون رجلا وامرأتان، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه عمه العباس، فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغب في الاسلام ثم قال:


(1) سورة الفتح، الاية 10. (2) سيرة ابن هشام 2 / 40 - 42.

[155]

" ابايعكم على ان تمنعوني مما تمنعون نساءكم وابناءكم " فاخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع به أزرنا (1)، فبايعنا يا رسول الله فنحن والله اهل الحروب... ". فقال أبو الهيثم بن التيهان: يا رسول الله ان بيننا وبين الرجال حبالا، وانا قاطعوها " يعني اليهود " فهل عسيت ان نحن فعلنا ذلك ثم اظهرك الله ان ترجع إلى قومك وتدعنا فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: " بل الدم الدم والهدم الهدم... " اي: ذمتي ذمتكم وحرمتي حرمتكم. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " اخرجوا الي منكم اثني عشر نقيبا ليكونوا على قومهم بما فيهم " فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا، تسعة من الخزرج وثلاثة من الاوس، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " انتم على قومكم بما فيكم كفلاء ككفالة الحواريين لعيس بن مريم، وانا كفيل على قومي " يعني: المسلمين، قالوا: نعم. واختلفوا فيمن كان اول من ضرب على يده، اسعد بن زرارة أم أبو الهيثم بن التيهان ؟ (2). 3) بيعة الرضوان، أو بيعة الشجرة في سنة سبع من الهجرة، استنفر رسول الله صلى الله عليه وآله اصحابه للعمرة فخرج معه الف وثلاثمائة، أو الف وستمائة، ومعه سبعون بدنة، وقال لست احمل السلاح، انما خرجت معتمرا واحرموا من ذي الحليفة، وساروا حتى دنوا من الحديبية على تسعة اميال من مكة، فبلغ الخبر اهل مكة فراعهم، واستنفروا من أطاعهم من القبائل حولهم وقدموا مائتي فارس عليهم خالد بن الوليد أو عكرمة بن ابي جهل، فاستعد لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: ان الله امرني بالبيعة، فاقبل الناس يبايعونه على ألا يفروا، وقيل بايعهم على الموت، وأرسلت قريش وفدا للمفاوضة فلما رأوا ذلك تهيبوا وصالحوا رسول الله صلى الله عليه وآله... (3) هذه ثلاثة أنواع من البيعة على عهد الرسول صلى الله عليه وآله وهي: أ) البيعة على الاسلام


(1) " أزرنا ": نساءنا، والمرأة يكنى عنها بالازار. (2) سيرة ابن هشام 2 / 47 - 56. (3) امتاع الاسماع للمقريزي ص 274 - 291.

[156]

ب) البيعة على اقامة الدولة الاسلامية ج) البيعة على القتال. والبيعة الثالثة تجديد للبيعة الثانية، وذلك لان الرسول صلى الله عليه وآله كان قد استنفرهم للعمرة. وبعد تبدل الحالة من العمرة إلى القتال، كانت الحالة الحادثة مخالفة للعمل الذي استنفرهم له وخرجوا من اجله، فكأنه كان مخالفا لما عاهدهم عليه، فلذلك احتاج إلى اخذ البيعة للقيام بالعمل الجديد، وفعل ذلك وأعطى ثمره في ارعاب اهل مكة، وحصول النتيجة المطلوبة. ونختم البحث بست روايات وردت في البيعة وطاعة الامام: 1) روى ابن عمر قال: كنا نبايع رسول الله (ص) على السمع والطاعة ثم يقول لنا: " فيما استطعت " (1). 2) وفي رواية، وقال علي: " ما استطعتم " (2). 3) وفي رواية، وقال جرير، قال قل: " في ما استطعت " (3). 4) وروى الهرماس بن زياد قال: مددت يدي إلى النبي (ص) وانا غلام ليبايعني فلم يبايعني (4). وعن ابن عمر قال: قال رسول الله (ص): " على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، الا أن يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة " (5).


(1) صحيح البخاري، كتاب الاحكام، باب البيعة، ح: 5 وصحيح مسلم، كتاب الامارة، باب: البيعة على السمع والطاعة في ما استطاع ح: 90 وسنن النسائي، كتاب البيعة باب: البيعة في ما يستطيع الانسان. (2) سنن النسائي، كتاب البيعة، باب: البيعة في ما يستطيع الانسان. (3) صحيح البخاري، كتاب الاحكام، باب البيعة، ح: 5. (4) البخاري كتاب الاحكام، باب بيعة الصغير، وسنن النسائي، كتاب البيعة، باب بيعة الغلام، والهرماس بن زياد أبو حيدر البصري الباهلي من قيس عيلان مات باليمامة بعد المائة. راجع ترجمته بأسد الغابة، وتقريب التهذيب. (5) صحيح البخاري: كتاب الاحكام، باب السمع والطاعة للامام ما لم تكن معصية ح: 3. صحيح مسلم، كتاب الامارة، باب وجوب طاعة الامراء في غير معصية، ح: 1839. سنن ابن ماجة، كتاب الجهاد، باب لا طاعة في معصية الله، ح: 2863. سنن النسائي، كتاب البيعة، باب جزاء من أمر بمعصية. مسند أحمد، ج 2 / 17 و 142.

[157]

5) وعن ابن مسعود قال: قال: " سيلي أموركم بعدي رجال يطفئون السنة ويعملون بالبدعة، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها " فقلت: يا رسول الله ! ان ادركتهم كيف أفعل ؟ قال: " تسألني يا ابن أم عبد كيف تفعل ؟ لا طاعة لمن عصى الله " (1). 6) وعن عبادة بن الصامت في حديث طويل آخره: " فلا طاعة لمن عصى الله تبارك وتعالى فلا تعتلوا بربكم " (2). وفي رواية: " لا تضلوا بربكم " (3). يتضح لنا من دراسة البيعة في سنة الرسول صلى الله عليه وآله ان للبيعة ثلاثة اركان: أ) المبايع. ب) المبايع له. ج) المعاهدة على الطاعة للقيام بعمل ما. وتقوم البيعة اولا على تفهم ما يطلب الطاعة على القيام به، ثم تنعقد المعاهدة بضرب يد المبايع على يد المبايع له بالكيفية الواردة في السنة، والبيعة على هذا مصطلح شرعي، غير ان شروط تحقق البيعة المشروعة في الاسلام غير واضحة لكثير من المسلمين اليوم فنقول: تنعقد البيعة في الاسلام إذا توفر فيها الشروط الثلاثة التالية: أ) ان يكون المبايع ممن تصح منه البيعة، ويبايع اختياريا. ب) ان يكون المبايع له ممن تصح مبايعته. ج) ان تكون البيعة لامر يصح القيام به. وعلى ما بينا لا تصح البيعة من صبي أو مجنون، لانهما غير مكلفين بالاحكام في الاسلام، ولا تنعقد بيعة المكره، لان البيعة مثل البيع فكما لا ينعقد البيع بأخذ المال من صاحبه قهرا ودفع الثمن له، كذلك البيعة لا تنعقد بأخذها بالجبر وفي ظل السيف.


(1) سنن ابن ماجة، ج 2 / 956 الحديث: 2865 ومسند أحمد 1 / 400 وفي لفظ ليس طاعة لمن عصى الله. (2) مسند أحمد، 5 / 325 عن عباده بن الصامت وانه روى الحديث في دار عثمان عند ما شكاه معاوية إلى عثمان فجلبه عثمان إلى المدينة، ومختصر الحديث برواية عبادة في ص 329 منه. (3) تهذيب تاريخ ابن عساكر 7 / 215.

[158]

وكذلك لا تصح البيعة للمتجاهر بالمعصية، ولا تصح البيعة للقيام بمعصية الله. إذن فالبيعة مصطلح إسلامي، ولها أحكامها في الشرع الاسلامي. ثالثا: الخلافة والخليفة في لغة العرب الخلافة في لغة العرب: النيابة عن الغير (1)، والخليفة: من يقوم مقام الغير ويسد مسده (2). وفي تعريف أخر، الخليفة: من يخلف غيره، ويقوم مقامه وبهذا المعنى ورد في القرآن الكريم: " يا داود انا جعلناك خليفة في الارض " (3). وفي حديث الرسول صلى الله عليه وآله: " اللهم ارحم خلفائي، اللهم ارحم خلفائي، اللهم ارحم خلفائي، قيل له يا رسول الله صلى الله عليه وآله من خلفاؤك ؟ قال: " الذين يأتون بعدي يروون حديثي وسنتي ". وكذلك استعمل على عهد الخليفة الاول. قال ابن الاثير في نهاية اللغة: وفي حديث أبي بكر، جاءه أعرابي فقال له: أنت خليفة رسول الله ؟ فقال: لا، فقال: فما انت ؟ قال: انا الخالفة بعده. قال ابن الاثير: الخالفة: الذي لا غناء عنده ولا خير فيه، وانما قال ذلك تواضعا... (4) واستعمل في المعني اللغوي أيضا في عصر الخليفة الثاني فقد روى السيوطي " ت: 911 ه‍ " في تاريخه، قال: " فصل في نبذ من قضاياه " أخرج العسكري في " الاوائل " والطبراني في " الكبير " والحاكم في " المستدرك ": ان عمر بن عبد العزيز سأل أبا بكر بن سليمان بن أبي حثمة: لاي شئ كان يكتب " من خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم " في عهد أبي بكر ؟ ثم كان عمر كتب أولا " من خليفة أبي بكر "


(1) مفردات الراغب، مادة " خلف ". (2) نهاية اللغة لابن الاثير، ولسان العرب، مادة " خلف ". (3) سورة ص، الآية 26. (4) وعن ابن الاثير نقل ذلك في لسان العرب.

[159]

فمن أول من كتب " من أمير المؤمنين " ؟ فقال: حدثتني الشفاء - وكانت من المهاجرات - أن أبا بكر كان يكتب: من خليفة رسول الله، وكان عمر يكتب من خليفة خليفة رسول الله، حتى كتب عمر إلى عامل العراق ان يبعث إليه رجلين جلدين يسألهما عن العراق وأهله، فبعث إليه لبيد بن ربيعة، وعدي بن حاتم، فقدما المدينة، ودخلا المسجد، فوجدا عمرو بن العاص، فقالا: استأذن لنا على أمير المؤمنين، فقال عمرو: أنتما والله أصبتما اسمه، فدخل عليه عمرو، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال: ما بدا لك في هذا الاسم ؟ لتخرجن مما قلت فأخبره وقال: أنت الامير ونحن المؤمنون، فجرى الكتاب بذلك من يومئذ. وروى عن النووي في تهذيبه: وقال: قال عمر للناس: أنتم المؤمنون وأنا أميركم فسمي أمير المؤمنين. وكان قبل ذلك يقال له: خليفة خليفة رسول الله، فعدلوا عن تلك العبارة لطولها (1). جرت العادة على تسمية الخلفاء بأمير المؤمنين حتى عصر العباسيين، وأحيانا كانوا يصفونهم بالخليفة، ويقصدون انه خليفة الله. فقد قال الحجاج في خطبة صلاة الجمعة: فاسمعوا وأطيعوا لخليفة الله وصفيه عبد الملك بن مروان (2). ولما قيل في مجلس المهدي العباسي ان الخليفة الاموي الوليد كان زنديقا، قال المهدي: " خلافة الله عنده اجل من أن يجعلها في زنديق " (3). وفي عصر العثمانيين استعمل لفظ الخليفة واريد به خليفة رسول الله حتى صار لفظ الخليفة اسما لسلطان المسلمين الاعظم (4). الخلاصة استعمل لفظ الخليفة في القرآن ولم يقصد بها خليفة رسول الله، وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وقصد بها رواة احاديثه.


(1) تاريخ السيوطي، ط / مطبعة السعادة بمصر، 1371 ه‍، ص 137 - 138. (2) سنن ابي داود ج 2 / 210، ح 4645 باب في الخلفاء. (3) تاريخ ابن كثير 10 / 7 - 8. (4) راجع المعجم الوسيط مادة خلف.

[160]

وفي عصر الخليفتين استعملت في معناها اللغوي وقيل لعمر بن الخطاب (رض): خليفة خليفة رسول الله. واستعملت في عصر الامويين والعباسيين وقصد بها خليفة الله، وعلى عهد العثمانيين وقصد بها خليفة رسول الله، اذن فهذه التسمية من مصطلحات المتشرعة وتسمية المسلمين، وليست مصطلحا شرعيا. رابعا: أمير المؤمنين مما أوردنا سابقا عرفنا أن لفظ أمير المؤمنين استعمل منذ عصر الخليفة عمر بن الخطاب وأريد به الحاكم الاسلامي الاعلى، وبقي متداولا كذلك إلى عصر العثمانيين. خامسا: الامام الامام في اللغة: الانسان الذي يؤتم به ويقتدى بقوله أو فعله محقا كان أو مبطلا (1)، كما ورد في قوله تعالى: " يوم ندعو كل اناس بامامهم فمن اوتي كتابه بيمينه فاولئك يقرأون كتابهم ولا يظلمون فتيلا ومن كان في هذه اعمى فهو في الاخرة اعمى واضل سبيلا " (2). ومن الثاني ما ورد ذكره في قوله تعالى: " فقاتلوا أئمة الكفر انهم لا ايمان لهم لعلهم ينتهون " (3). والامام في الاسلام هو الهادي إلى سبيل الله بأمر من الله انسانا كان كما ورد ذكره في قوله تعالى: " واذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال اني جاعلك للناس اماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين " (4). وقوله تعالى: " وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا... " (5).


(1) راجع مادة " أم " من معاجم اللغة. (2) سورة الاسراء، الاية 71 - 72. (3) سورة التوبة، الاية 12. (4) سورة البقرة، الاية 124. (5) سورة الانبياء، الاية 73.

[161]

أو كان كتابا كما ورد ذكره في قوله تعالى: " ومن قبله كتاب موسى اماما ورحمة " (1). وندرك من فحوى الايتين المذكورتين اعلاه ان شرط الامام في الاسلام ان كان كتابا ان يكون منزلا من قبل الله على رسله لهداية الناس كما كان شأن كتاب محمد صلى الله عليه وآله: القرآن الكريم، ومن قبله كتاب موسى: التوراة، وكذلك شأن كتب سائر الانبياء (2). وان كان انسانا ان يكون معينا من قبل الله لقوله تعالى: " جاعلك للناس اماما " و " عهدي ". وان يكون غير ظالم لنفسه ولا لغيره اي غير عاص لله لقوله تعالى: " لا ينال عهدي الظالمين ". وفي ضوء ما سبق يصح القول بان الامام في الاصطلاح الاسلامي هو: أ) الكتاب المنزل من قبل الله على رسله لهداية الناس. ب) الانسان المعين من قبل الله لهداية الناس وشرطه ان يكون معصوما من الذنوب. سادسا: الامر وأولوا الامر لمعرفة معنى " الامر " و " اولي الامر " وهل هما مصطلحان شرعيان أم لا ؟ نستعرض في ما يلي موارد استعمالهما في لغة العرب وعرف المسلمين والنصوص الاسلامية كتابا وسنة، فنقول: أ) في لغة العرب ورد في سيرة ابن هشام، والطبري، وغيرهما، أن رسول الله كان يعرض نفسه في المواسم على قبائل العرب، يدعوهم إلى الاسلام، ويخبرهم أنه نبي مرسل من قبل الله، ويسألهم أن يصدقوه ويمنعوه حتى يبين عن الله ما بعثه به. " قال وأنه أتى بني عامر بن صعصعة ذات مرة فدعاهم إلى الله عزوجل،


(1) سورة هود، الاية 17. (2) راجع مادة " الكتاب " في المعجم المفهرس لالفاظ القرآن الكريم.

[162]

وعرض عليهم نفسه، فقال له رجل منهم يقال له بيحرة بن فراس (1): والله لو اني أخذت هذا الفتى من قريش لاكلت به العرب ثم قال له: أرأيت ان نحن تابعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الامر من بعدك ؟ قال: " الامر إلى الله يضعه حيث يشاء " قال: فقال له: أفنهدف نحورنا (2) للعرب دونك فإذا أظهرك الله كان الامر لغيرنا ؟ ! ! لا حاجة لنا بأمرك (3). ان هذا العربي كان يفهم (أمر رسول الله) على أنه سيادة وحكم على العرب، فأراد أن يعقد مع الرسول حلفا يكون لقبيلته الحكم والسيادة على العرب من بعد الرسول، لكن الرسول امتنع من اجابته رغم حاجته الشديدة يومذاك إلى المؤازرين، لان الامر ليس إليه وانما الامر إلى الله يضعه حيث يشاء. وكذلك كان شأن هوذة بن علي الحنفي في طلبه من الرسول حين دعاه الرسول إلى الاسلام كما في طبقات ابن سعد، ما ملخصه: كتب رسول الله صلى الله عليه وآله إلى هوذة بن علي الحنفي يدعوه إلى الاسلام، فكتب في جواب النبي صلى الله عليه وآله " ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله، وأنا شاعر قومي وخطيبهم والعرب تهاب مكاني، فاجعل لي بعض الامر أتبعك، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " لو سألني سيابة من الارض ما فعلت " (4). نرى أن الرسول صلى الله عليه وآله قصد من " سيابة ": الارض المهملة. اذن فقد طلب هوذة من الرسول أن يجعل له بعض الامر: امارة ما على أرض أو قبيلة وما شابههما فأجابه الرسول أنه لا يؤمره ولا على سيابة من الارض، وهذا القول من الرسول نظير قول أهل الكوفة أو البصرة عندما وظف واليهم على كل واحد منهم نقل كمية من


(1) قال ابن هشام: فراس: ابن عبد الله بن سلمة بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. سيرة ابن هشام 2 / 33. (2) " أفنهدف نحورنا " معناه نصيرها هدفا، والهدف: الغرض الذي يرمى بالسهام إليه. (3) سيرة ابن هشام ج 2 ص 31 - 34، والطبري. (4) طبقات ابن سعد، ط. اوربا ج 1 / ق 1 / 18. وقالوا في السيابة: واحدة السياب: البسر الاخضر، وعلى هذا لم يكن من المناسب أن يقول ولا سيابة أي لا بسر من الارض بل كان المناسب أن يقول ولا بسر من التمر. ونرى أن السيابة مشتقة من السيب وهو كل سيب وخلي ومنه السائبة: أي الدابة المهملة، ويكون المعنى: الارض الخالية والمتروكة.

[163]

الحصباء إلى مسجدهم الجامع ليفرشه بالحصباء، وأمر عليهم أحدهم وكان يتصعب في قبول الحصباء منهم، فقالوا: يا حبذا الامارة ولو على الحجارة ! وكذلك الامر في الخبر السابق، فان هوذة طلب من الرسول الامارة " ولو على الحجارة " فأجابه الرسول: لا، ولا على الحجارة. ب) في عرف المسلمين: كان أكثر استعمال " الامر " في عرف المسلمين يوم السقيفة وما بعدها، قال سعد بن عبادة للانصار يوم السقيفة: " استبدوا بهذا الامر دون الناس... ". واجابته الانصار بقولهم: " نوليك هذا الامر ". ثم ترادوا الكلام وقالوا: فان أبت مهاجرة قريش فقالوا... نحن عشيرته وأولياؤه فعلام تنازعوننا هذا الامر من بعده ؟ ". وقال أبو بكر في احتجاجه عليهم يومذاك: " ولن يعرف هذا الامر الا لهذا الحي من قريش... ". وقال - أيضا - في قريش: " هم أحق الناس بهذا الامر من بعده ولا ينازعهم ذلك الا ظالم ". وقال عمر - أيضا - يوم السقيفة: " من ذا ينازعنا سلطان محمد وامارته ونحن أهله وعشيرته ". وقال الحباب بن المنذر في جوابه " لا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الامر... فأنتم والله أحق بهذا الامر... ". وقال بشير بن سعد عندئذ في حق قريش: " لا يراني الله أنازعهم هذا الامر أبدا " (1). ج) النصوص الاسلامية: لقد ورد في حديث الرسول ذكر " الامر " كثيرا مما سندرسه في البحوث الاتية


(1) كل هذه المحاججات وردت في خبر السقيفة بتاريخ الطبري، ط. اوربا 4 / 1837 - 1851.

[164]

ان شاء الله تعالى ونقتصر هنا بتسجيل كلمة الرسول صلى الله عليه وآله في جواب العامري: " ان الامر إلى الله يضعه حيث يشاء ". وقد ورد في كتاب الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم... ". النساء / 59. في كل هذه الموارد سواء في لغة العرب، وعرف المسلمين، والنصوص الاسلامية سنة وكتابا، انما أريد من الامر أمر الامامة والحكم على المسلمين. وعلى هذا فان " الامر " استعمل في الشرع الاسلامي بنفس المعنى الذي استعمل فيه لدى العرب والمسلمين ولا مانع بعد ذلك أن نسمي " أولي الامر " مصطلحا شرعيا وتسمية اسلامية واريد به الامام بعد النبي صلى الله عليه وآله ولا خلاف في ذلك ولكن الخلاف بين المدرستين في من يصدق عليه تسمية أولي الامر، فان مدرسة أهل البيت ترى أنه لما كان المقصود من أولي الامر: الائمة، فلابد أن يكون منصوبا من قبل الله معصوما من الذنوب على التفصيل الذي سيأتي بيانه في بابه ان شاء الله. وترى مدرسة الخلافة أن " أولى الامر ": من بايعه المسلمون بالحكم. وبناء على ذلك يرون وجوب طاعة كل من بايعوه، وعلى هذا الاساس أطاعوا الخليفة يزيد بن معاوية فقتلوا وسبوا آل بيت رسول الله بكربلاء، وأباحوا مدينة الرسول ثلاثة أيام، ورموا الكعبة بالمنجنيق كما سيأتي بيانه في محله ان شاء الله تعالى. سابعا: الوصي والوصية ورد مصطلح الوصي والوصية ومشتقاتهما في كلام العرب بالمعاني الآتية: يقال لانسان حي يعهد لانسان آخر أن يقوم بأمر يهمه بعد وفاته: الموصي، وللاخر: الوصي، وللامر الموصى به: الوصية، وتجري الوصية بلفظ الوصية ومشتقاتها تارة مثل أن يقول الموصي لوصيه: أوصيك بعدي برعاية أهلي أو إدارة مدرستي، وأن تفعل كذا وكذا، وأخرى بلفظ يؤدي معنى الوصية، مثل أن يقول

[165]

الموصي لوصيه: أطلب منك أن تقوم بعدي برعاية أهلي ومدرستي وتفعل كذا وكذا... ويخبر الموصي الآخرين عن وصيته أحيانا بلفظ: أوصيت إلى فلان، ووصي فلان، وأخرى يقول: عهدت إلى فلان، أو أوكلت إليه أن يقوم بكذا، وكلا اللفظان يؤديان معنى واحدا وهكذا نظائرهما. كان هذا موجز معنى مصطلح الوصي والوصية ومشتقاتهما في لغة العرب، وبنفس المعنى وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة: قال الله سبحانه في سورة البقرة الآيات 180 - 183: " كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية - إلى قوله تعالى - فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم " وفي سورة المائدة الاية 106 " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم... " وكذلك وردت في سورة النساء الآية 11 - 12. ومما ورد في السنة النبوية ما رواه كل من البخاري في أول كتاب الوصايا من صحيحه ومسلم في كتاب الوصية من صحيحه: " أن رسول الله (ص) قال: ما حق امرئ مسلم له شئ يوصي فيه أن ييبت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده ". وللوصية أحكامها في الفقه الاسلامي وبناءا على ما ذكرنا إن لفظي الوصي والوصية من المصطلحات الاسلامية. والوصية من الانبياء والرسل كما سننقل أمثلة منها من التوراة والانجيل أن تعهد الرسل إلى أوصيائهم من بعدهم من حمل شريعتهم إلى الناس ورعاية أمتهم من بعدهم. وفي هذه الامة لقب الامام علي بلقب الوصي وأصبح علما له، ومعناه أنه وصي النبي (ص) وأن خاتم الانبياء فعل مثل من سبقه من الرسل وعهد إلى الامام علي (ع) تبليغ شريعته ورعاية أمته من بعده وبواسطته عهد ذلك إلى بنيه الائمة الاحد عشر من بعده وأخبر النبي المسلمين بكل ذلك تارة بلفظ الوصي والوصية ومشتقاتهما، وأخرى بألفاظ أخرى تؤدي نفس المعنى. كما سيأتي بيان كل ذلك في باب النصوص الواردة عن رسول الله (ص) في تعيين ولي الامر من بعده مع بيان قول من أنكر ذلك ورأى أن رسول الله (ص) لم يهتم بأمر المسلمين ولم يوص إلى أحد من بعده، إن شاء الله تعالى.

[166]

دراسة رأي مدرسة الخلفاء بعد دراسة المصطلحات السبعة الماضية تتيسر دراسة رأى المدرستين في الخلافة والامامة وما استدلوا به في هذا المقام، ونبدأ بدراسة آراء مدرسة الخلافة في ما يلي: رأي مدرسة الخلافة وما استدلوا به: اولا: قال الخليفة أبو بكر: لن يعرف هذا الامر الا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارا، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين " عمر وأبي عبيدة " فبايعوا أيهما شئتم (1). ثانيا: قال الخليفة عمر بن الخطاب: فلا يغترن امرؤ أن يقول انما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، ألا وأنها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرها، وليس منكم من تقطع الاعناق إليه مثل أبي بكر، من بايع رجلا عن غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا (2). مناقشة الاستدلالين. أشرنا هنا اولا إلى استدلال الخليفة ابي بكر في السقيفة، وثانيا إلى رفع الخليفة عمر شعار الشورى لولاية الامر من بعده. اما ما كان من احتجاج الخليفة ابي بكر في السقيفة، فان الحقيقة في امر احتجاجات جميعهم يوم ذاك، هي انها كانت تجري وفق


(1 و 2) البخاري، كتاب الحدود، باب رجم الحبلى.

[167]

المنطق القبلي، فان الانصار لما تركوا جنازة رسول الله صلى الله عليه وآله ملقى بين اهله، وبادروا إلى سقيفة بني ساعدة ليولوا سعدا ما قالوا ان سعدا افضل من غيره واولى بهذا الامر، بل قالوا: ان الناس في فيئكم ولا يجترئ مجترئ عليكم. وان مهاجرة قريش - ايضا - لما التحقوا بهم احتجوا بالمنطق القبلي حين قالوا: ان قريشا اوسط العرب دارا، وقالوا من ذا ينازعنا سلطان محمد ونحن اهله وعشيرته. وكذلك كان قول الانصاري حين قال: منا امير ومنكم امير، وقول المهاجري حين قال: نحن الامراء وأنتم الوزراء. وكذلك كان دافع اسيد بن حضير وسائر من حضر من افراد قبيلته الاوس قبليا حين خافوا سلطة الخزرج عليهم، وتذكروا حرب البعاث بينهم، والتي لم يكن قد مضى عليها عقدان من الزمن وقالوا: والله لئن وليتها عليكم الخزرج مرة، لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة، ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيبا ابدا، فقوموا فبايعوا ابا بكر. وتمت الغلبة اخيرا لمهاجرة قريش بمجئ قبيلة " اسلم " التي ملات سكك المدينة، وبايعت ابا بكر ونصرت مهاجرة قريش على الانصار، وحق للخليفة عمر بعد ذلك ان يعتبر بيعة ابي بكر فلتة ! كانت هذه حقيقة تلك الواقعة مهما كان نوع الاستدلال فيها. اما ما ذكر الخليفة عمر من امر الشورى فسندرسه بحوله تعالى ضمن دراسة آراء اتباع مدرسة الخلفاء في ما يلي. ثالثا: آراء اتباع مدرسة الخلفاء في امر الخلافة: تتلخص آراء مدرسة الخلفاء في شأن الخلافة واقامتها في الامرين التاليين: اولا: تقام الخلافة: أ) بالشورى ب) بالبيعة ج) باتباع ما عملته الصحابة في اقامتها د) بالقهر والغلبة

[168]

ثانيا: يجب طاعة الخليفة بعد ما بويع، وان عصى ربه. بعد دراسة المصطلحات المذكورة تتيسر لنا دراستها واحدة بعد الاخرى في ما يأتي: أولا: مناقشة الاستدلال بالشورى ان أول من ذكر الشورى وأمر بها لاقامة الخلافة هو الخليفة عمر بن الخطاب، غير أنه لم يأت بدليل على أن الامامة في الاسلام تقام بالشورى، واستدل المتأخرون من أتباع مدرسة الخلفاء على صحة اقامة الامامة بالشورى بآيتين من كتاب الله، وبما ورد عن رسول الله انه كان يستشير أصحابه في بعض الامور الهامة، وبكلمة عن الامام علي، ونحن نبدا هنا بدراسة ما استدلوا به في هذا الصدد ثم ندرس الشورى التي أمر بها الخليفة عمر. الاستدلال للشورى بكتاب الله وسنة رسوله أ) استدلوا بقوله تعالى للمؤمنين: " وأمرهم شورى بينهم " (1). ب) بقوله تعالى لرسوله: " وشاورهم في الامر " (2). ج) أن رسول الله كان يستشير أصحابه في الامور الهامة، فنقول: أولا: الاستدلال بآية " وأمرهم شورى ". ان هذه الجملة من آية 38 من سورة الشورى جاء بعدها " ومما رزقناهم ينفقون " كلتا الجملتين تدلان على رجحان الفعل فيهما، وليس على وجوب التشاور والانفاق. هذا اولا، وثانيا انما يصح التشاور في أمر لم يرد فيه من الله ورسوله حكم، فقد قال الله سبحانه: " ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا " الاحزاب - 35، وسيأتي بعيد هذا ما ورد عن الله ورسوله في أمر الامامة مالا يبقى معه مورد للتشاور.


(1) الشورى / 38. (2) آل عمران / 159.

[169]

ثانيا: الاستدلال بآية " وشاورهم في الامر " ان هذا الآية التاسعة والخمسين بعد المائة من سورة آل عمران وقد وردت ضمن سلسلة من آيات 139 - 166 منها وكلها في أمر غزوات الرسول وكيف نصرهم الله فيها، وفي بعضها يخاطب المسلمين وخاصة الغزاة منهم ويعظهم، وفي بعضها يخاطب الرسول خاصة ومن ضمنها هذه الآية: " فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك، فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر فإذا عزمت فتوكل على الله، ان الله يحب المتوكلين ". يظهر جليا أن الامر بالمشاورة في هذه الآية بقصد الملاينة معهم والرحمة بهم، وليس مأمورا بالعمل برأيهم، بل يقول له وإذا عزمت فتوكل واعمل برأيك، ومن المجموع أيضا أن مقام المشاورة الراجحة انما هي في الغزوات، وما ذكر من مشاورة الرسول مع أصحابه أيضا كانت في الغزوات كما سنذكرها في ما يلي: ثالثا: الاستدلال بمشاورة الرسول مع أصحابه: ان مشاورة الرسول مع أصحابه كانت في الغزوات، وأشهرها مشاورته معهم في غزوة بدر، وقصتها كما يلي: ندب رسول الله أصحابه للتعرض لقافلة قريش التجارية الراجعة من الشام بقيادة أبي سفيان وخرج معه 313 شخصا ممن استعد للاستيلاء على القافلة التجارية وليس للقتال، وبلغ الخبر أبا سفيان فانحرف في سيره عن الطريق، واستصرخ قريشا بمكة فخرجت مستعدة للقتال في جيش يقارب الالف محارب، وأفلت أبو سفيان والقافلة، فكان الرسول صلى الله عليه وآله أمام خيارين: التراجع إلى المدينة بسلام، أو مقاتلة جيش قريش المتأهب للقتال بجيشه غير المتكافئ عددا وعدة. تفصيل الخبر: روى ابن هشام في سيرته وقال: واتاه الخبر عن قريش ومسيرهم ليمنعوا عيرهم، فاستشار الناس واخبرهم عن قريش، فقام أبو بكر الصديق فقال واحسن، ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن، ثم قام المقداد... (1). ثم ذكر ما قاله المقداد وما قالته الانصار. بينا لم يذكر ما قاله أبو بكر ثم عمر !


(1) سيرة ابن هشام ج 2 / 253.

[170]

وفي صحيح مسلم: فتكلم أبو بكر فأعرض عنه، ثم تكلم عمر فأعرض عنه، فقام المقداد... (1). ان مسلما هكذا ذكر أيضا ولم يذكر ما تكلم به أبو بكر وكلاهما لم يتما ذكر الخبر، ونحن ننقل تمام الخبر من مغازي الواقدي وامتاع الاسماع للمقريزي واللفظ للاول قال، قال عمر: يا رسول الله، إنها والله قريش وعزها، والله ما ذلت منذ عزت، والله ما آمنت منذ كفرت، والله لا تسلم عزها أبدا، ولتقاتلنك، فاتهب لذلك أهبته وأعد لذلك عدته. ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله، امض لامر الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لنبيها: " فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون " (2)، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، والذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا معك - وبرك الغماد من وراء مكة بخمس ليال من وراء الساحل مما يلي البحر، وهو على ثمان ليال من مكة إلى اليمن. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا، ودعا له بخير. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أشيروا علي أيها الناس ! " وإنما يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم الانصار، وكان يظن أن الانصار لا تنصهر إلا في الدار، وذلك أنهم شرطوا له أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأولادهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أشيروا علي ! " فقام سعد بن معاذ فقال: أنا أجيب عن الانصار، كأنك يا رسول الله تريدنا ! قال: " أجل ". قال: إنك عسى أن تكون خرجت عن أمر قد أوحى إليك في غيره، وإنا قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن كل ما جئت به حق، وأعطيناك مواثيقنا وعهودنا على السمع والطاعة، فامض يا نبي الله، فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما بقي منا رجل، وصل من شئت، واقطع من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وما أخذت من أموالنا أحب إلينا مما تركت. والذي نفسي بيده، ما سلكت هذا الطريق قط، ومالي بها من علم، وما نكره أن يلقانا عدونا غدا، إنا لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقربه عينك. حدثنا محمد قال: حدثنا الواقدي قال: فحدثني محمد بن صالح، عن عاصم


(1) صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة بدر 3 / 1403. (2) سورة المائدة 24. (*)

[171]

بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد قال: قال سعد: يا رسول الله، إنا قد خلفنا من قومنا قوما ما نحن بأشد حبا لك منهم، ولا أطوع لك منهم، لهم رغبة في الجهاد ونية، ولو ظنوا يا رسول الله أنك ملاق عدوا ما تخلفوا، ولكن إنما ظنوا أنها العير. نبني لك عريشا فتكون فيه ونعد لك رواحلك، ثم نلقي عدونا، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، وإن تكن الاخرى جلست على رواحلك فلحقت من وراءنا. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم خيرا، وقال: " أو يقضي الله خيرا من ذلك يا سعد ! " قالوا: فلما فرغ سعد من المشورة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سيروا على بركة الله، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين. والله، لكأني أنظر إلى مصارع القوم. " قال: وأرانا رسول الله صلى الله عليه وسلم مصارعهم يومئذ، هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان، فمنا عدا كل رجل مصرعه. قال: فعلم القوم أنهم يلاقون القتال، وأن العير تفلت، ورجوا النصر لقول النبي صلى الله عليه وسلم (1). كانت هذه استشارة رسول الله في هذا المقام. ان رسول الله صلى الله عليه وآله يستشير أصحابه في ماذا يفعلون، وقد أخبره الله سبحانه وتعالى بأنهم سيقاتلون وينتصرون، وأخبره بمصارع القوم، والرسول صلى الله عليه وآله أيضا يخبر أصحابه بمصارع القوم بعد أن وافقوه على القتال، فهو إذ يستشيرهم لا يريد الاستفادة من رأيهم، وانما هو نوع من الملاينة واخبار بافلات عير قريش وتغيير الامر من الاستيلاء على مال التجارة إلى القتال فليستعدوا للقتال. كانت هذه مشاورة الرسول صلى الله عليه وآله أصحابه في هذا المقام، وفي ما يلي قصة مشورة أصحاب الرسول في غزوة أحد، وفي هذه المشاورة عمل رسول الله صلى الله عليه وآله برأي أصحابه كما ورد في مغازي الواقدي وامتاع الاسماع للمقريزي قالا: ان رسول الله صلى الله عليه وآله صعد على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " أيها الناس، إني رأيت في منامي رؤيا: رأيت كأني في درع حصينة، ورأيت كأن سيفي ذا الفقار انقصم (2) من عند ظبته (3)، ورأيت بقرا تذبح، ورأيت كأني مردف كبشا. " فقال الناس يا رسول الله، فما أولتها ؟ قال: " أما الدرع الحصينة


(1) مغازي الواقدي، ط. اكسفورد 1 / 48 - 49. وامتاع الاسماع للمقريزي، 74 - 75. (2) انقصم: تكسر وتثلم. (3) الظبة: حد السيف من قبل ذبابه وطرفه.

[172]

فالمدينة، فامكثوا فيها، وأما انقصام سيفي من عند ظبته فمصيبة في نفسي، وأما البقر المذبح فقتلي في أصحابي، وأما أني مردف كبشا فكبش الكتيبة نقتله إن شاء الله. " وفي رواية: " وأما انقصام سيفي فقتل رجل من أهل بيتي. " وقال: أشيروا علي. " ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يخرج من المدينة فواقفه عبد الله بن أبي والاكابر من الصحابة مهاجرهم وأنصارهم، وقال عليه السلام: " امكثوا في المدينة واجعلوا النساء والذراري في الآطام، فإن دخل علينا قاتلناهم في الازقة - فنحن أعلم بها منهم - ورموا من فوق الصياصي والآطام (1). " وكانوا قد شبكوا المدينة بالبنيان من كل ناحية فهي كالحصن، فقال فتيان أحداث لم يشهدوا بدرا وطلبوا الشهادة وأحبوا لقاء العدو: اخرج بنا إلى عدونا. وقال حمزة، وسعد بن عبادة، والنعمان بن مالك بن ثعلبة، في طائفة من الانصار: إنا نخشى يا رسول الله أن يظن عدونا أنا كرهنا الخروج إليهم جبنا عن لقائهم، فيكون هذا جرأة منهم علينا، وقد كنت يوم بدر في ثلاثمائة رجل فظفرك الله عليهم، ونحن اليوم بشر كثير، قد كنا نتمنى هذا اليوم وندعو الله به، فساقه الله إلينا في ساحتنا. ورسول الله صلى الله عليه وسلم لما يرى من إلحاحهم كاره، وقد لبسوا السلاح. وقال حمزة: والذي أنزل عليك الكتاب لا أطعم اليوم طعاما حتى أجالدهم (2) بسيفي خارجا من المدينة، وكان يوم الجمعة صائما ويوم السبت صائما. وتكلم مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري، والنعمان بن مالك بن ثعلبة، وإياس بن أوس بن عتيك، في معنى الخروج للقتال. فلما أبوا إلا ذلك صلى (3) رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة بالناس وقد وعظهم وأمرهم بالجد والجهاد، وأخبرهم أن لهم النصر ما صبروا، ففرح الناس بالشخوص (4) إلى عدوهم، وكره ذلك المخرج كثير. ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر بالناس وقد حشدوا، وحضر (5) أهل العوالي (6) ورفعوا النساء في الآطام: ودخل صلى الله عليه وسلم بيته ومعه


(1) الصياصي جمع صيصية: وهي الحصون، والآطام جمع أطم: وهي بيوت من حجارة كانت لاهل المدينة (2) جالد بالسيف، ضرب به كأنه يجلد بسوط لسرعة ضربه وتتابعه. (3) في الاصل: " صلى الله ". (4) الشخوص: الخروج. (5) في الاصل: " حضرو ". (6) العوالي: منية بينها وبين المدينة ثلاثة أميال.

[173]

أبو بكر وعمر (رض) فعمماه ولبساه. وقد صف الناس له ما بين حجرته إلى منبره، فجاء سعد بن معاذ وأسيد بن حضير فقالا للناس: قلتم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما قلتم واستكرهتموه على الخروج، والامر ينزل عليه من السماء، فردوا الامر إليه فما أمركم فافعلوه، وما رأيتم فيه له هوى أو رأي فأطيعوه. فبيناهم على ذلك إذ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قد لبس لامته (1)، ولبس الدرع فأظهرها وحزم وسطها بمنطقة (2) [من أدم] (3) من حمائل سيف، واعتم، وتقلد السيف. فقال الذين يلحون: يا رسول الله، ما كان لنا أن نخالفك، فاصنع ما بدالك، فقال: " قد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم، ولا ينبغي لنبي إذا لبس لامته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه، انظروا ما أمرتكم به فاتبعوه، امضوا على اسم الله فلكم النصر ما صبرتم ". لعل الحكمة في استجابة رسول الله صلى الله عليه وآله لالحاح أصحابه في الخروج أنه لو لم يستجب لهم الرسول أثر في نفوسهم تأثيرا سيئا، وأولد فيهم الضعف والاستكانة بدل الاقدام والشجاعة، أما عدم استحابته لهم بعد أن طابقوا رأيه فقد ذكر هو صلى الله عليه وآله حكمته. مثال آخر من عمل الرسول برأي أصحابه فيما أشاروا عليه: قصة جرت في غزوة الخندق نوردها في ما يلي: غزوة الخندق روى الواقدي والمقريزي وقالا عن غزوة الخندق: وأقام صلى الله عليه وسلم وأصحابه محصورين بضع عشرة ليلة حتى اشتد الكرب، وقال صلى الله عليه وسلم: " اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إنك إن تشأ لا تعبد. " وأرسل إلى عيينة بن حصن، والحارث بن عوف - وهما رئيسا غطفان - أن يجعل لهما ثلث ثمر المدينة ويرجعان بمن معهما، فطلبا نصف الثمر فأبى عليهم إلا الثلث، فرضيا. وجاءا في عشرة من قومهما حتى تقارب الامر، وأحضرت الصحيفة والدواة ليكتب عثمان بن عفان (رض) الصلح - وعباد بن بشر قائم


(1) اللامة: أداة الحرب ولباسها، كالرمح والبيضة والمغفر والسيف والنبل. المنطقة والنطاق، كل ما يشد به الواسط كالخرام. (3) الذي بين القوسين كان في الاصل بعد قوله " حمائل سيف "، وهذا حق موضعه.

[174]

على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم مقنع في الحديد -، فأقبل أسيد بن حضير، وعيينة ماد رجليه فقال له: يا عين الهجرس، اقبض رجليك. أتمد رجليك بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ والله لولا رسول الله لانفذت حضنيك بالرمح ! ثم قال: يا رسول الله صلى الله عليك، إن كان أمرا من السماء فامض له، وإن كان غير ذلك فو الله لا نعطيهم إلا السيف. متى طمعتم بهذا منا ؟ فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فاستشارهما خفية، فقالا: إن كان هذا أمرا من السماء فامض له، وإن كان أمرا لم تؤمر فيه ولك فيه هوى فسمع وطاعة، وإن كان إنما هو الرأي فما لهم عندنا إلا السيف. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني رأيت العرب رمتكم عن قوس واحدة فقلت أرضيهم ولا اقاتلهم. " فقالا: يا رسول الله، والله إن كانوا ليأكلون العلهز في الجاهلية من الجهد، ما طمعوا بهذا مناقط: أن يأخذوا ثمرة إلا بشراء أو قرى ! فحين أتانا الله بك وأكرمنا بك، وهدانا بك، نعطي الدنية ! لا نعطيهم أبدا إلا السيف. فقال صلى الله عليه وسلم: " شق الكتاب. " فشقه سعد، فقام عيينة والحارث. فقال صلى الله عليه وسلم: " ارجعوا بيننا السيف " رافعا صوته. كانت هذه قصة استشارة الرسول صلى الله عليه وآله مع أصحابه في هذه الغزوة، ويظهر من محاورة الرسول فيها أنه صلوات الله عليه أراد أن يوقع الخلاف بين القبائل المحاربة، وخاصة أن في آخره يرفع صوته ويقول: " ارجعوا بيننا السيف " فان هذا الخبر ينتشر ويبلغ قريشا ويقع بينهم الخلاف، وقد رويا بعد هذا: أن رسول الله صلى الله عليه وآله أمر نعيم بن مسعود بذلك ونجح، فالقى الشك والترديد والخلاف بين بني قريضة وقريش وكان ذلك من أسباب انكسارهم (1). في ضوء ما بيناه من مشاورات الرسول صلى الله عليه وآله، يتضح لنا جليا أنه لم تكن الغاية من تلك المشاورات ان يتعلم الرسول صلى الله عليه وآله من اصحابه الرأي الصائب ليعمل به، بل كانت الغاية احيانا ان يعلمهم الرسول صلى الله عليه وآله باسلوب المشورة الرأي الصائب الذي كان يعلمه الرسول صلى الله عليه وآله مسبقا ليعملوا به.


(1) مغازى الواقدي " ج 1 / 235 - 237 "، وامتاع الاسماع للمقريزي 235 - 236. والعلهز: كان اهل الجاهلية في سني القحط والجماعة يخلطون الوبر بالدم ويشوونه ويأكلونه، ويسمونه العلهس. الهجرس: ولد الثعلب، وقيل هو القرد أو دويبة اخرى.

[175]

كما كان شأن مشورته اياهم في غزوة بدر فان الله كان قد اعلم رسوله صلى الله عليه وآله النتيجة مسبقا من انهم سيقاتلون قريشا وينتصرون عليهم، وبعد المشاورة اعلمهم الرسول صلى الله عليه وآله نتيجة الامر، وأراهم مصارع قريش. إذا كانت الغاية من المشاورة توجيه المسلمين باسلوب المشاورة إلى ما ينبغي ان يعملوه خلافا لاسلوب الملوك الجبارين الذين يملون آراءهم على الناس بقولهم مثلا: نحن ملك... اصدرنا أمرنا الملكي بكذا... وان صدر الآية يدل بوضوح على ما ذكرنا، فانه تعالى قال: " فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك، فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر... " فالمشاورة هنا من مصاديق الليونة وكونه رحمة من الله، اللتين وردتا في صدر الاية. تارة تكون الغاية من المشاورة الملاينة كالمثال السابق، وتارة تكون الغاية تربية نفوس المسلمين، كما كان شأن المشاورة في غزوة احد فان رسول الله صلى الله عليه وآله بعد ان اخذ برأيهم ولبس لامة حربه بقصد السير إلى احد، ندموا على الحاحهم على الرسول صلى الله عليه وآله بالخروج، وقالوا يا رسول الله صلى الله عليه وآله ما كان لنا ان نخالفك فاصنع ما بدالك، فقال: " قد دعوتكم إلى هذا فأبيتم، ولا ينبغي لنبي إذا لبس لامته ان يضعها حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه ". يظهر من المحاورات التي دارت بين الرسول صلى الله عليه وآله وأصحابه في هذه الواقعة، ان عدم استجابة الرسول صلى الله عليه وآله لرغبتهم العارمة في الخروج كان يؤثر على نفوسهم تأثيرا سيئا، ويولد فيهم ضعف النفس والتردد وعدم الاقدام في الحروب. ثانيا: مناقشة الاستدلال بالبيعة عرفنا في ما سبق: ان البيعة كالبيع تنعقد بالرضا والاختيار وليس بحد السيف والجبر، وانه لا بيعة في معصية، ولا في خلاف ما امر الله به، وانه لا بيعة لمن يعصي الله.

[176]

وعرفنا ان اول بيعة اخذت بعد رسول الله هي البيعة للخليفة ابي بكر وعلى صحتها تتوقف صحة بيعة الخليفة عمر لانها اخذت بامر من الخليفة ابي بكر، وعلى صحة بيعة الخليفة عمر تتوقف صحة بيعة الخليفة عثمان، لانها اخذت بامر من الخليفة عمر حين امر ان يبايعوا من الستة القرشيين من بايعه عبد الرحمن بن عوف، وان يقتلوا من خالف. وعرفنا كيف اخذت البيعة للخليفة ابي بكر غلابا في سقيفة بني ساعدة ثم بمساعدة قبيلة بني اسلم في سكك المدينة، وكيف حمل النار إلى بيت فاطمة عليها السلام ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله، لانه قد تحصن فيه من ابى ان يبايع، وان بني هاشم لم يبايعوا مدة حياة ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله، وان الجن قتلت سعد بن عبادة بسهمين لانه لم يبايع، كان هذا شأن اخذ البيعة في المدينة. اما خارج المدينة، فكان شأن من امتنع عن بيعة الخليفة ابي بكر وأبى ان يدفع الزكاة لجباة الخليفة، قتل الرجال، وسبي النساء، وسلب الاموال. كما كان شأن مالك بن نويرة عامل رسول الله صلى الله عليه وآله (1) وأسرته من قبيلة تميم حين دهمهم جيش خالد بن الوليد ليلا، وأخذوا السلاح، فقال جيش خالد: انا المسلمون، فقال اسرة مالك: ونحن المسلمون، فقال لهم جيش خالد: فان كنتم كما تقولون، فضعوا السلاح فوضعوها ثم صلوا مع جيش خالد (2) ثم أخذوهم إلى خالد بن الوليد، فأمر بضرب عنق مالك فالتفت مالك إلى زوجته وقال لخالد: هذه التي قتلتني وكانت في غاية الجمال، فقال خالد: بل الله قتلك برجوعك عن الاسلام، فقال مالك: انا على الاسلام، وبعد قتله امر خالد برأسه فنصب اثفية للقدر وتزوج بامرأته في تلك الليلة ولما يدفن مالك (3). وكما كان شأن قبائل كندة فان زياد بن لبيد البياضي، عامل أبي بكر اخذ ناقة لفتى من كندة، فسأله الكندي اخذ غيرها فأبى ذلك، لانه وسمها بميسم الصدقة (4) فذهب الفتى إلى رجل من سادات كندة يقال له حارثة بن سراقة، وقال له: يا ابن عم


(1) راجع ترجمته في الاصابة 3 / 336، رقم الترجمة: 7698. (2) تاريخ الطبري ط. اوربا 1 / 1927 - 1928 وراجع تاريخ اليعقوبي ط. بيروت، 2 / 110. (3) راجع تاريخ ابي الفداء ص 158، ووفيات الاعيان، ترجمة وثيمة، وكذلك فوات الوفيات، وبقية المصادر مع تفصيل الخبر في كتاب عبد الله بن سبأ ط. بيروت سنة 1403 ه‍، ج 1 / 185 - 191. (4) فتوح البلدان، ردة بني وليعة والاشعث بن قيس.

[177]

ان زياد بن لبيد قد أخذ لي ناقة فوسمها وجعلها مع ابل الصدقة، وانا مشغوف بها، فان رأيت ان تكلمه فيها فلعله ان يطلقها ويأخذ غيرها من ابلي، فأقبل حارثة إلى زياد وقال له: ان رأيت ان ترد ناقة هذا الفتى عليه وتأخذ غيرها فعلت منعما، فقال زياد، قد وضع عليها ميسم الصدقة، فترادا الكلام، فأقبل حارثة إلى ابل الصدقة فأخرج الناقة، بعينها، وقال للفتى خذ ناقتك فان كلمك احد سأحطم انفه بالسيف وقال: نحن انما اطعنا رسول الله صلى الله عليه وآله إذ كان حيا ولو قام رجل من اهل بيته لاطعناه واما ابن ابي قحافة فلا والله ماله في رقابنا طاعة ولا بيعة وأنشأ أبياتا من جملتها: أطعنا رسول الله إذ كان بيننا * فيا عجبا ممن يطيع ابا بكر وقال له الحارث بن معاوية من سادة كندة: انك لتدعو إلى طاعة رجل لم يعهد الينا ولا اليكم فيه عهتد فقال له: زياد، صدقت ولكنا اخترناه لهذا الامر. فقال له الحارث: اخبرني لم نحيتم عنها اهل بيته، وهم احق الناس بها لان الله عزوجل يقول: " واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض في كتاب الله " فقال له زياد: ان المهاجرين والانصار انظر لانفسهم منك ! فقال له الحارث: لا والله ما ازلتموها عن اهلها الا حسدا منكم، وما يستقر في قلبي ان رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من الدنيا ولم ينصب للناس علما يتبعونه، فارحل عنا ايها الرجل فانك تدعو إلى غير رضا، ثم أنشأ الحارث يقول: كان الرسول هو المطاع فقد مضى * صلى عليه الله لم يستخلف فأرسل زياد ابل الصدقة امامه إلى المدينة ثم سار إلى المدينة وأخبر ابا بكر فجهزه في اربعة الاف مقاتل فسار زياد يريد حضرموت وفي طريقه كان يباغت قبائل كندة ويقتل منهم ويستأسر، مثل بني هند الذين هاجمهم وقتل منهم جماعة واحتوى على نسائهم وذراريهم. ووافى حي بني العاقل من كندة غافلين فلما اشرفت الخيل عليهم تصايحت النساء واقتتل الرجال ساعة ووقعت الهزيمة عليهم، واحتوى زياد نساءهم وأموالهم. وكبس بخيله في جوف الليل حي بني حجر من كندة فقتل منهم مائتي رجل وأسر خمسين وفر الباقون واحتوى على النساء والاولاد.

[178]

ثم قاتله الاشعث بن قيس وحاصره في مدينة " تيم " واسترجع منه الاموال والذراري وردها إلى اهلها فأرسل الخليفة إلى الاشعث كتابا يسترضيه فقال الاشعث للرسول: " ان صاحبك ابا بكر يلزمنا الكفر بمخالفتنا له، ولا يلزم صاحبه الكفر بقتله قومي وبني عمي ". " فقال له الرسول: نعم يا أشعث ! يلزمك الكفر لان الله تبارك وتعالى قد اوجب عليك الكفر بمخالفتك لجماعة المسلمين ". فضربه غلام من بني عم الاشعث بسيفه فقتله، واستحسن فعله الاشعث فغضب من ذلك عامة اصحاب الاشعث حتى بقي في قريب من الفي رجل، فكتب زياد إلى ابي بكر يخبره بقتل الرسول وانهم محاصرون، فاستشار الخليفة المسلمين في ما يصنع فأشار عليه أبو ايوب الانصاري وقال: ان القوم كثير عددهم وإذا هموا بالجمع جمعوا خلقا كثيرا فلو صرفت عنهم الخيل في عامك هذا رجوت ان يحملوا الزكاة اليك بعد هذا العام طائعين. فقال أبو بكر والله لو منعوني عقالا واحدا مما كان النبي وظفه عليهم لقاتلتهم عليه ابدا أو ينيبوا إلى الحق، ثم كتب إلى عكرمة بن أبي جهل ان يسير بمن أجابه من اهل مكة إلى زياد ويستنهض من مر عليه من احياء العرب، فخرج في الفي فارس من قريش ومواليهم وأحلافهم ثم سار إلى مأرب، وبلغ ذلك اهل دبا فغضبوا وقالوا نشغله عن محاربة بني عمنا من كندة، وأخرجوا عامل ابي بكر، فكتب أبو بكر إليه ان يسير إليهم، وان لا يقصر فيهم، وإذا فرغ منهم ان يبعث بهم اسراء، فسار إليهم عكرمة وقاتلهم وحاصرهم، فسألوا الصلح وان يؤدوا الزكاة، فأبى الا ان ينزلوا على حكمه فأجابوه، فدخل عكرمة حصنهم، وقتل اشرافهم صبرا، وسبى نساءهم واولادهم، وأخذ اموالهم ووجه بالباقين إلى ابي بكر، فهم ان يقتل الرجال ويقسم النساء والذرية، فقال له عمر: يا خليفة رسول الله، ان القوم على دين الاسلام يحلفون بالله مجتهدين ما كنا رجعنا عن دين الاسلام، فحبسهم أبو بكر إلى ان توفى وأطلق عمر سراحهم على عهده. فسار عكرمة إلى زياد فبلغ خبره الاشعث فانحاز إلى حصن النجير وجمع فيه نساءه ونساء قومه، فبلغ ذلك قبائل كندة ممن كان تفرق عن الاشعث لما قتل رسول ابي بكر فتلاوموا ان يتركوا بني عمهم محاصرين فسارت لقتال زياد فجزع لذلك فقال له عكرمة: ارى ان تقيم محاصرا لمن في الحصن وأمضي انا فالقى هؤلاء القوم، فقال له

[179]

زياد: نعم ما رأيت ولكن ان ظفر الله بهم فلا ترفع السيف حتى تبيدهم عن آخرهم. فقال عكرمة: لست آلو جهدا في ما اقدر عليه. فسار عكرمة حتى وافي القوم فتقاتلوا وكانت الحرب بينهم سجالا والاشعث لا يعلم عن ذلك شيئا، وطال عليهم الحصار واشتد بهم الجوع والعطش فطلب من زياد الامان له ولاهل بيته وعشرة من وجوه اصحابه وكتب بينهم، فبعث زياد الكتاب إلى عكرمة فأخبر عكرمة قبائل كندة بذلك وأراهم الكتاب فتركوا القتال وانصرفوا، ودخل زياد الحصن وأخذ يضرب اعناق المقاتلة صبرا، ووافاه كتاب أبي بكر ان يحمل من نزل على حكمه إلى المدينة، فصفد من بقي منهم بالحديد وأرسلهم إلى المدينة (1). هكذا تمت بيعة الخليفة ابي بكر والتي يصفها الخليفة عمر بأنها كانت فلتة، وعليها بنيت خلافة الخلفاء الثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان وبها يستدلون. ثالثا: مناقشة الاستدلال بعمل الصحابة إن الاستدلال بعمل الصحابة يتم لو كانت سيرتهم مصدرا للتشريع الاسلامي في عداد الكتاب والسنة ونزل فيهم ما نزل في رسول الله صلى الله عليه وآله مثل قوله تعالى: " لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة " (2). وقوله: " ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " (3). وبدون ذلك لا حجة علينا في عمل الصحابة، ثم لسنا ندري بمن نقتدي، وعمل بعضهم واقوالهم يخالف البعض الاخر، ومن ثم اختلفت آراء العلماء في كيفية اقامة الخلافة، أتقام ببيعة رجل لان العباس عم النبي صلى الله عليه وآله قال لعلي عليه السلام: امدد يدك ابايعك يبايعك الناس ام بقول الخليفة عمر حين قال: بيعة ابي بكر فلتة، ام نقتدي بمعاوية حين شهر السيف في وجه الخليفة الشرعي الامام علي عليه السلام ؟ ولا نرى حاجة إلى المناقشة أكثر مما بينا، اما ما استدل بعضهم بقول


(1) لقد لخصنا الخبر مما رواه البلاذري في الفتوح والحموي في مادة " حضرموت " من معجم البلدان وفتوح اعثم 1 / 57 - 85، وتمام الخبر في عبد الله بن سبا 1 / 393 - 410. (2) سورة الاحزاب، الاية 21. (3) سورة الحشر، الاية 7.

[180]

الامام علي عليه السلام في نهج البلاغة فسندرسها في ما يأتي: الاستدلال بما ورد في نهج البلاغة على صحة الاستدلال بالشورى والبيعة وعمل الاصحاب. استدل بعضهم على ما ارتأى في الشورى والبيعة والاقتداء بعمل الصحابة بما رواه الشريف الرضي عن الامام علي عليه السلام بباب الكتب من نهج البلاغة وهذا نصه: ومن كتاب له إلى معاوية: إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان، على ما بايعوهم عليه فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والانصار. فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماما كان ذلك [لله] رضا، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى... (1) فان الامام قد احتج في هذا الكتاب على معاوية بالبيعة والشورى واجماع المهاجرين والانصار، وبناء على هذا فان الامام يرى صحة اقامة الامامة بما ذكره، والجواب أن الشريف الرضي كان أحيانا يتخير نتفا من كتب الامام وخطبه مما يجده في أعلى درجات البلاغة ويترك سائره وكذلك فعل مع هذا الكتاب وقد أورد الكتاب بتمامه نصر بن مزاحم في كتاب صفين وهذا نصه: بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد فإن بيعتى بالمدينة لزمتك وأنت بالشام، لانه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بويعوا عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يرد. وإنما الشورى للمهاجرين والانصار، فإذا اجتمعوا على رجل فسموه إماما كان ذلك لله رضا، فإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو رغبة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى ويصليه جهنم وساءت مصيرا. وإن طلحة والزبير بايعاني ثم نقضا بيعتي، وكان نقضهما كردهما، فجاهدتهما على ذلك حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون. فادخل فيما دخل فيه المسلمون، فإن أحب


(1) نهج البلاغة، الكتاب السادس من باب المختار من كتب مولانا أمير المؤمنين.

[181]

الامور إلي فيك العافية، إلا أن تتعرض للبلاء. فإن تعرضت له قاتلتك واستعنت الله عليك. وقد أكثرت في قتلة عثمان فادخل فيما دخل فيه المسلمون، ثم حاكم القوم إلي أحملك وإياهم على كتاب الله. فأما تلك التي تريدها فخدعة الصبي عن اللبن. ولعمري لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ قريش من دم عثمان. واعلم أنك من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة، ولا تعرض فيهم الشورى. وقد أرسلت إليك والى من قبلك جرير بن عبد الله، وهو من أهل الايمان والهجرة، فبايع ولا قوة الا بالله " (2). اتضح لنا من هذا الكتاب أن الامام علي يحتج على معاوية بما التزم به هو ونظراؤه ويقول له: ان بيعتي بالمدينة لزمتك يا معاوية وأنت بالشام، كما التزمت ببيعة عثمان بالمدينة وأنت بالشام، وكذلك لزمت بيعتي نظراءك خارج المدينة كما لزمتهم بيعة عمر في المدينة وهم في أماكن أخرى. هكذا يلزمه الامام علي بكل ما التزم به هو ونظراؤه من مدرسة الخلافة يومذاك، وهذا وارد لدى العقلاء، فانهم يحتجون على الخصم بما التزم به هو، هذا أولا. وثانيا قوله: " فإذا اجتمعوا على رجل فسموه اماما، كان ذلك لله رضا " فانه قد ورد في بعض النسخ " كان ذلك رضا " (3)، أي كان لهم رضا، على أن يكون ذلك باختيار منهم ولم تؤخذ البيعة بالجبر وحد السيف. وعلى فرض أنه كان قد قال " كان لله رضا " نقول: نعم، ما أجمع عليه المهاجرون والانصار بما فيهم الامام علي والامام الحسن والامام الحسين كان ذلك لله رضا. وأخيرا لست أدري كيف استشهدوا بهذا القول من نهج البلاغة ونسوا أو تناسوا سائر أقوال الامام التي نقلها الشريف الرضي أيضا في نهج البلاغة مثل قوله في باب الحكم: لما انتهت إلى أمير المؤمنين عليه السلام انباء السقيفة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال عليه السلام: ما قالت الانصار ؟ قالوا: قالت: منا أمير ومنكم


(1) الطلقاء: جمع طليق، وهو الاسير الذي أطلق عنه إساره وخلى سبيله. ويراد بهم الذين خلى عنهم رسول الله يوم فتح مكة وأطلقهم ولم يسترقهم. (2) صفين لنصر بن مزاحم ط. القاهرة سنة 1832 ه‍، ص 29. (3) راجع نهج البلاغة ط. الاستقامة بالقاهرة تجد لفظ الجلالة " لله " بين علامتين اشارة إلى أنه لم يرد لفظ الجلالة بين النسخ. (*)

[182]

أمير، قال عليه السلام: فهلا احتججتم عليهم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصى بأن يحسن إلى محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم ؟ ! قالوا: وما في هذا من الحجة عليهم ؟ فقال عليه السلام: لو كانت الامارة فيهم لم تكن الوصية بهم ! ! ثم قال عليه السلام: فماذا قالت قريش ؟ قالوا: احتجت بأنها شجرة الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال عليه السلام: احتجوا بالشجرة، وأضاعوا الثمرة (1). وقوله - أيضا - في باب الحكم: وقال عليه السلام: واعجباه أتكون الخلافة في الصحابة والقرابة. قال الرضي: وله شعر بهذا المعنى: فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم * فكيف بهذا والمشيرون غيب وان كنت بالقربى حججت خصيمهم * فغيرك أولى بالنبي وأقرب وأجمع أقواله في هذا الباب ما وردت في الخطبة الشقشقية " خ: 190 " التي قال فيها عليه السلام: " أما والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة وهو يعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى ينحدر عنى السيل ولا يرقى إلي الطير، فسدلت دونها ثوبا، وطويت عنها كشحا. وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء (2) أو أصبر على طخية عمياء (3) يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه (4) فرأيت أن


(1) يريد من الثمرة آل بيت الرسول صلى الله عليه وآله. (2) وطفقت الخ: بيان لعلة الاغضاء. والجذاء: بمعنى المقطوعة: ويقولون: رحم جذاء، أي: لم توصل، وسن جذاء أي متهتمة. والمراد هنا ليس ما يؤيدها. كأنه قال: تفكرت في الامر فوجدت الصبر أولى فسدلت دونها ثوبا وطويت عنها كشحا. (3) طخية أي: ظلمة، ونسبة العمى إليها مجاز عقلي، وإنما يعمى القائمون فيها إذ لا يهتدون إلى الحق، وهو تأكيد لظلام الحال واسودادها. (4) يكدح: يسعى سعي المجهود.

[183]

الصبر على هاتا أحجى (1) فصبرت وفي العين قدى، وفي الحلق شجا (2) أرى تراثي نهبا، حتى مضى الاول لسبيله، فأدلى بها إلى فلان بعده (3) " ثم تمثل بقول الاعشى ". شتان ما يومي على كروها * ويوم حيان أخي جابر (4) فيا عجبا ! ! بينا هو يستقيلها في حياته (5) إذ عقدها لآخر بعد وفاته، لشد ما تشطرا ضرعيها (6) فصيرها في حوزة خشناء يغلظ كلامها (7)، ويخشن مسها، ويكثر العثار فيها، والاعتذار منها، فصاحبها كراكب الصعبة (8) إن أشنق لها خرم، وإن


(1) أحجى: ألزم، من حجى به كرضى: أولع به ولزمه. ومنه هو حجى بكذا أي: جدير، وما احجاه وأحج به، أي: أخلق به، وأصله من الحجا بمعنى العقل فهي أحجى أي أقرب إلى العقل، وهاتا بمعنى هذه، أي: رأى الصبر على هذه الحالة التي وصفها أولى بالعقل من الصولة بلا نصير. (2) الشجا: ما اعترض في الحلق من عظم ونحوه. والتراث: الميراث. (3) أدلى بها: ألقي بها إليه. (4) الكور بالضم: الرحل أو هو مع أداته، والضمير راجع إلى الناقة المذكورة في الابيات قبل. وحيان: كان سيدا في بني حنيفة مطاعا فيهم، وله نعمة واسعة ورفاهية وافرة، وكان الاعشى ينادمه، والاعشى هذا: هو الاعشى الكبير أعشى قيس، وهو أبو بصير ميمون بن قيس بن جندل. وجابر: أخو حيان أصغر منه، ومعنى البيت أن فرقا بعيدا بين يومه في سفره وهو على كور ناقته وبين يوم حيان في رفاهيته، فان الاول كثير العناء شديد الشقاء، والثاني وافر النعيم وافي الراحة. ووجه تمثل الامام بالبيت ظاهر بأدنى تأمل. (5) رووا أن أبا بكر قال بعد البيعة: " أقيلوني فلست بخيركم ". (6) لشد ما تشطرا ضرعيها: جملة شبه قسمية اعترضت بين المتعاطفين والشطر أيضا: أن تحلب شطرا وتترك شطرا، فتشطرا أي: أخذ كل منهما شطرا. وسمى شطري الضرع ضرعين مجازا: وهو ههنا من أبلغ أنواعه حيث إن من ولى الخلافة لا ينال الامر إلا تاما، ولا يجوز أن يترك منه لغيره سهما، فأطلق على تناول الامر واحدا بعد واحد اسم التشطر والاقتسام، كأن أحدهما ترك منه شيئا للآخر، وأطلق على كل شطر اسم الضرع نظرا لحقيقة ما نال كل منهما. (7) الكلام - بالضم - الارض الغليظة وفي نسخة كلمها. وإنما هو بمعنى الجرح كأنه يقول: خشونتها تجرح جرحا غليظا. (8) الصعبة من الابل: ما ليست بذلول، وأشنق البعير، وشنقه: كفه بزمامه حتى ألصق ذفراه " العظم الناتئ خلف الاذن " بقادمة الرحل، أو رفع رأسه وهو راكبه، واللام هنا زائدة للتحلية ولتشاكل أسلس. وأسلس: أرخى، وتقحم: رمى بنفسه في القحمة، أي: اهلكها. قال الرضى: " كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم وإن أسلس لها تقحم " يريد أنه إذا شدد عليها في جذب الزمام وهي تنازعه رأسها خرم أنفها، وإن أرخى لها شيئا مع صعوبتها تقحمت به فلم يملكها: يقال: - >

[184]

أسلس لها تقحم، فمني الناس لعمر الله - بخبط وشماس (1) وتلون واعتراض، فصبرت على طول المدة، وشدة المحنة، حتى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أني أحدهم، فيالله وللشورى (2) متى اعترض الريب في مع الاول منهم حتى


< - أشنق الناقة، إذا جذب رأسها بالزمام فرفعه، وشنقها أيضا، ذكر ذلك ابن السكيت في إصلاح المنطق: وإنما قال: " أشنق لها " ولم يقل " أشنقها " لانه جعله في مقابلة قوله " أسلس لها " فكأنه عليه السلام قال: إن رفع لها رأسها بمعنى أمسكه عليها ". الصعبة: اما ان يشنقها فيخرم انفها، وإما أن يسلس لها فترمي به في مهواة تكون فيها هلكته. (1) مني الناس: ابتلوا وأصيبوا، والشماس - بالكسر - إباء ظهر الفرس عن الركوب، والنفا ؟ والخبط: السير على غير جادة. والتلون: التبدل والاعتراض: السير على غير خط مستقيم، كأنه يسير عرضا في حال سيره طولا يقال: بعير عرضي، يعترض في سيره لانه لم يتم رياضته، وفي فلان عرضية، أي: عجرفة وصعوبة. (2) لقد اوردنا تفصيل القصة من أوثق المصادر في ما سبق، وقال الشيخ محمد عبده في شرحه لهذه الكلمة: كان سعد من بني عم عبد الرحمن كلاهما من بني زهرة، وكان في نفسه شئ من علي كرم الله وجهه من قبل أخواله لان أمه حمنة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس، ولعلي في قتل صناديدهم ما هو معروف مشهور. و عبد الرحمن كان صهرا لعثمان، لان زوجته أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط كانت أختا لعثمان من أمه، وكان طلحة ميالا لعثمان لصلات بينهما، على ما ذكره بعض رواة الاثر. وقد يكفي في ميله إلى عثمان انحرافه عن علي لانه تيمي وقد كان بين بني هاشم وبني تيم مواجد لمكان الخلافة في أبي بكر وبعد موت عمر بن الخطاب رضي الله عنه اجتمعوا وتشاوروا فاختلفوا، وانضم طلحة في الرأي إلى عثمان، والزبير إلى علي، وسعد إلى عبد الرحمن. وكان عمر قد أوصى بأن لا تطول مدة الشورى فوق ثلاثة أيام، وأن لا يأتي الرابع إلا ولهم أمير وقال: إذا كان خلاف فكونوا مع الفريق الذي فيه عبد الرحمن. فأقبل عبد الرحمن على علي وقال: عليك عهد الله وميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده. فقال علي: أرجو أن أفعل وأعمل على مبلغ علمي وطاقتي، ثم دعا عثمان وقال له مثل ذلك، فأجابه بنعم. فرفع عبد الرحمن رأسه إلى سقف المسجد حيث كانت المشورة وقال: اللهم اسمع واشهد. اللهم إني جعلت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان، وصفق بيده في يد عثمان. وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين وبايعه. قالوا: وخرج الامام علي واجدا، فقال المقداد بن الاسود لعبد الرحمن والله لقد تركت عليا وإنه من الذين يقضون بالحق وبه يعدلون. فقال: يا مقداد لقد تقصيت الجهد للمسلمين. فقال المقداد: والله إني لاعجب من قريش، إنهم تركوا رجلا ما أقول ولا أعلم أن رجلا أقضى بالحق ولا أعلم به منه. فقال عبد الرحمن: يا مقداد، إني أخشى عليك الفتنة فاتق الله. ثم لما حدث في عهد عثمان ما حدث من قيام الاحداث من أقاربه على ولاية الامصار ووجد عليه كبار الصحابة روي أنه قيل لعبد الرحمن: هذا عمل يديك، فقال: ما كنت أظن هذا به ! ولكن لله على أن لا أكلمه أبدا، ثم مات عبد الرحمن وهو مهاجر لعثمان، حتى قبل: إن عثمان دخل عليه في مرضه يعوده فتحول إلى الحائط لا يكلمه ! والله أعلم، والحكم لله يفعل ما يشاء.

[185]

صرت أقرن إلى هذه النظائر (1) ! ! لكني أسففت إذ أسفوا (2) وطرت إذ طاروا، فصغى رجل منهم لضغنه (3) ومال الآخر لصهره (4) مع هن وهن (5) إلى أن قام ثالث القوم نافجا حضنيه (6) بين نثيله ومعتلفه، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الابل نبتة الربيع (7) إلى أن انتكث فتله، وأجهز عليه عمله (8) وكبت به بطنته (9) فما راعني إلا والناس كعرف الضبع إلي (10) ينثالون علي من كل جانب، حتى لقد وطئ الحسنان، وشق عطفاي، مجتمعين حولي كربيضة الغنم (11) فلما نهضت بالامر نكثت طائفة، ومرقت أخرى، وقسط آخرون (12) كأنهم لم يسمعوا كلام الله حيث يقول: " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض ولا فسادا والعاقبة للمتقين " بلى ! والله لقد سمعوها ووعوها، ولكنهم حليت الدنيا في أعينهم (13) وراقهم زبرجها، أما


(1) المشابه بعضهم بعضا دونه. (2) أسف الطائر: دنا من الارض، يريد أنه لم يخالفهم في شئ. (3) صغى صغيا وصغا صغوا: مال، والضغن: الضغينة يشير إلى سعد. (4) يشير إلى عبد الرحمن. (5) يشير إلى أغراض أخرى يكره ذكرها، وقد أشرنا إلى بعضها في باب مناقشة الشورى. (6) يشير إلى عثمان وكان ثالثا بعد انضمام كل من طلحة والزبير وسعد إلى صاحبه كما تراه في خبر القضية. ونافجا حضنيه: رافعا لهما، والحضن: ما بين الابط والكشح. يقال للمتكبر: جاء نافجا حضنيه. ويقال مثله لمن امتلا بطنه طعاما والنثيل: الروث. والمعتلف: من مادة علف موضع العلف وهو معروف، أي: لا هم له إلا ما ذكر. (7) الخضم، على ما في القاموس: الاكل مطلقا، أو بأقصى الاضراس، أو مل. الفم بالمأكول، أو خاص بالشئ الرطب. والقضم: الاكل بأطراف الاسنان أخف من الخضم. والنبتة - بكسر النون - كالنبات في معناه. (8) انتكث فتله: انتقض. وأجهز عليه عمله: تمم قتله، تقول: أجهزت على الجريح، وذففت عليه. (9) البطنة - بالكسر - البطر والاشر والكظة " أي: التخمة والاسراف في الشبع "، وكبت به: من كبا الجواد إذ اسقط لوجهه. (10) عرف الضبع: ما كثر على عنقها من الشعر، وهو ثخين، يضرب به المثل في الكثرة والازدحام. وينثالون: يتتابعون مزدحمين، والحسنان: ولداه الحسن والحسين وشق عطفاه: خدش جانباه من الاصطكاك. وفي رواية " شق عطافي " والعطاف الرداء. وكان هذا الازدحام لاجل البيعة على الخلافة. (11) ؟ ربيضة الغنم: الطائفة الرابضة من الغنم، يصف ازدحامهم حوله وجثومهم بين يديه. (12) الناكثة: أصحاب الجمل، والمارقة: أصحاب النهروان. والقاسطون - أي الجائرون - أصحاب صفين. (13) حليت الدنيا: من حليت المرأة إذا تزينت بحليها. والزبرج: الزينة من وشي أو جوهر.

[186]

والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة (1) لولا حضور الحاضر (2) وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء أن لا يقاروا على كظة ظالم، ولا سغب مظلوم (3)، لالقيت حبلها على غاربها (4)، ولسقيت آخرها بكأس أولها، ولالفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز (5). قالوا: وقام إليه رجل من أهل السواد (6) عند بلوغه إلى هذا الموضع من خطبته فناوله كتابا، فأقبل ينظر فيه، قال له ابن عباس رضي الله عنهما: يا أمير المؤمنين، لو اطردت خطبتك من حيث أفضيت. فقال: هيهات يا بن عباس، تلك شقشقة (7) هدرت ثم قرت. قال ابن عباس: فو الله ما اسفت على كلام قط كأسفي على هذا الكلام أن لا يكون أمير المؤمنين عليه السلام بلغ منه حيث أراد. نسوا أو تناسوا كل هذه الاقوال من الامام علي وتمسكوا بقول احتج به الامام علي على معاوية لالتزام معاوية ونظرائه به. رابعا: مناقشة الاستدلال بان الخلافة تقام بالقهر والغلية من سبر التاريخ الاسلامي وجد ان حكم الخلافة إلى عهد الخلفاء العثمانيين


(1) النسمة - محركة - الروح، وبرأها: خلقها. (2) من حضر لبيعته، ولزوم البيعة لذمة الامام بحضوره. (3) والناصر: الجيش الذي يستعين به على إلزام الخارجين بالدخول في البيعة الصحيحة، والكظة: ما يعتري الآكل من امتلاء البطن بالطعام، والمراد استئثار الظالم بالحقوق. والسغب: شدة الجوع، والمراد منه هضم حقوقه. (4) الغارب: الكاهل، والكلام تمثيل للترك وإرسال الامر. (5) عفطة العنز: ما تنثره من أنفها، تقول: عفطت تعفط من باب ضرب، غير أن أكثر ما يستعمل ذلك في النعجة. والاشهر في العنز النفطة بالنون، يقال: ماله عافط ولا نافط، أي: نعجة ولا عنز، كما يقال: ماله ثاغية ولا راغية. والعفطة الحبقة أيضا، لكن الاليق بكلام أمير المؤمنين هو ما تقدم. (6) السواد: العراق، وسمي سوادا لخضرته بالزرع والاشجار، والعرب تسمى الاخضر أسود. قال الله تعالى " مدهامتان " يريد الخضرة، كما هو ظاهر. (7) الشقشقة - بكسر فسكون فكسر - شئ كالرئة يخرجه البعير من فيه إذا هاج، وصوت البعير بها عند إخراجها هدير، ونسبة الهدير إليها نسسبة إلى الآلة، قال في القاموس: والخطبة الشقشقية العلوية، وهي هذه. (*)

[187]

الاتراك كان يقوم على الساس القسر، وشذ قيامه خلاف ذلك مثل حكم الامام علي عليه السلام وهذا هو الصحيح في الامر ولا مناقشة لنا في ذلك. اما ما قالوا: " من غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين فلا يحل لاحد يؤمن بالله واليوم الاخر ان يبيت ولا يراه اماما برا كان أو فاجرا ". لست أدري عم يتكلم هؤلاء الاعلام: عن شريعة الله في اقامة الحكم في المجتمع الاسلامي، أم عن شريعة الغاب لمجتمع الاسود والفهود، ولكي لا يؤاخذنا البعض على ايراد أقوال السابقين باعتقاد أن أهل هذا العصر لا يوافقونهم في أرائهم ومعتقداتهم ويقول الاخرون: " فلنكن اليوم في حاضر الاسلام " (1). نثبت هنا صورة غلاف كتاب طبع لمدارس بلد فيه الكعبة البيت الحرام ومسجد الرسول وحرمه، والكتاب يثني على يزيد ويروي الحديث في مدحه، يزيد الذي رمى الكعبة بالمنجيق وأباح مسجد الرسول وحرمه لجيشه ثلاثة أيام يقتلون الناس ويقعون على النساء، كما سيأتي تفصيله في باب " جيش الخلافة يستبيح حرم الرسول " وباب " مسير جيش الخلافة إلى مكة " ينشر في الحرمين الشريفين للدفاع عن يزيد والثناء عليه هذا الكتاب:


(1) مجلة الازهر، مجلد 32، باب الكتب من جلد 10، سنة 1380 ص 1150 - 1151 في نقده لكتاب عبد الله بن سبأ.

[189]

المملكة العربية السعودية وزارة المعارف المكتبات المدرسية حقائق عن أمير المؤمنين يزيد بن معاوية

[190]

اطاعة الامام الجائر المخالف لسنة الرسول (ص) رأينا في بحث وجوب طاعة الامام بمدرسة الخلفاء كيف رووا عن رسول الله (ص) النهي عن الخروج على السلطان الجائر المخالف لسنة الرسول (ص) ووجوب طاعته، أما مدرسة اهل البيت (ع) فقد رووا عن رسول الله (ص) روايات تناقض تلك الروايات مثل رواية الامام الحسين (ع) سبط رسول الله (ع) عن جده قال: " من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله ناكثا عهده مخالفا لسنة رسول الله (ص) يعمل في عباد الله بالاثم والعدوان فلم يغير عليه بفعل ولا قول كان حقا على الله ان يدخله مدخله (1) " وبمقارنة نظير هذه الروايات برواية مدرسة الخلفاء ادركنا ان تلكم الروايات بمدرسة الخلفاء انما رويت عن رسول الله (ص) احتسابا للخير وتأييدا للسلطات الحاكمة على المسلمين وكان ذلك في اوائل العصر الاموي ثم دونوها في عصر تدوين الحديث أوائل القرن الثاني الهجري بكتب الحديث صحاحها ومسانيدها (2) وتسالموا جميعا على صحتها والعمل بها. شرحها وعلق عليها وأكدها علماء بلاط السلطات الحاكمة من محدثين وقضاة وخطباء وأئمة الجمعة والجماعة واشباههم مدى العصور في شتى البلاد منذ عصر الخلافة الاموية بالشام والاندلس ثم العباسية في بغداد والعثمانيين في تركيا وحكام المماليك في مصر والسلاجقة والغزنويين في ايران والاكراد في الشام واغدقت تلك السلطات عليهم الجاه والمال والحضوة في بلاطها وتابعهم على ذلك الملا من اتباعهم. وهكذا انقسم المسلمون إلى مدرستين، مدرسة الخلفاء التي اغدق حكامها: المال والجاه والمناصب والحضوة على مروجي افكار مدرستها، ومدرسة اهل البيت (ع) التي قاومت تلك الافكار والروايات المروية تأييدا للسلطات واجتهاداتها فبذلت لها السلطات الحاكمة القتل والسجن والتشريد وحملات الابادة وحرق الكتب والمكتبات مدى العصور (3) لابعاد افكارها المحافظة على سنة الرسول (ص) من المجتمع واخفائها عن انظار المسلمين (4) وبعد كل ما ذكرنا ماذا يصل الينا من الحقائق في هذا العصر ! ؟


(1) في خطبة الامام الحسين (ع) لجيش حر بن يزيد الرياحي، بتاريخ الطبري وابن الاثير ومقتل الخوارزمي. (2) تأتي الاشارة إليه في اوائل الجزء الثاني انشاء الله تعالى. (3) يأتي شرحها في بحث حملة المغول على البلاد الاسلامية من هذا الكتاب ان شاء الله تعالى. (4) ندرس تفصيل كل ما ذكرناه في البحوث الاتية ان شاء الله تعالى.

[191]

خلاصة البحث كان المنطق السائد يوم السقيفة في الافعال والاقوال هو المنطق القبلي سواءا أكان لدى المهاجرين أم الانصار، وكانت بيعة ابي بكر يومذاك فلتة حسب تقييم الخليفة عمر لها. ولم يستند الخليفة عمر إلى اي دليل من الكتاب والسنة في ما طرحه من اقامة الخلافة بالشورى وانما اعتمد اجتهاده الخاص. اجتهد فجعل تعيين ولي الامر من بعده بين ستة اشخاص لا أكثر من ذلك. واجتهد فجعلهم من المهاجرين دون الانصار. واجتهد فجعل الترشيح بيد عبد الرحمن بن عوف دون الاخرين وقال: إذا اتفق اثنان على واحد واثنان على واحد، كونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن. واجتهد وقال: إذا صفق عبد الرحمن باحدى يديه على الاخرى فاتبعوه، فمن اتخذ من اجتهاد الخليفة عمر في عداد كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله مصدرا للتشريع الاسلامي، قال: بان الامامة تقام بالشورى بين ستة، يبايع خمسة منهم الواحد منهم، واما ما استشهد به اتباع مدرسة الخلفاء بآية وأمرهم شورى بينهم فان الاية لا تدل على اكثر من رجحان الشورى في الامر، لان الله سبحانه كلما اراد الفرض في امر قال: كتب الله عليكم كذا، أو فرض كذا، أو جعل أو وصى، أو غيرها من الالفاظ الدالة على الوجوب، وأما آية: " وشاورهم في الامر " في الخطاب للرسول صلى الله عليه وآله فان القصد المشاورة في الغزوات، ومن اجل تربية نفوس المسلمين أو ايجاد الشك والخلاف بين المشركين، وكلها كانت من اجل تعيين اجراء الحكم الشرعي، وليس من اجل معرفة الحكم الشرعي، ثم انهم لم يعينوا كيف تكون الشورى من اجل تعيين الامام، وقد رأينا كيف تمت الشورى لاقامة خلافة عثمان، هذا من الشورى. وأما البيعة فانها لا تنعقد بالاجبار وحد السيف، ولا تنعقد للقيام بمعصية، ولا لمن يعصي الله. وأما سيرة الاصحاب، فان اتخذت في عداد الكتاب والسنة مصدرا للتشريع الاسلامي، صح الاستدلال بها، والا فلا. وما استشهد به في هذا المقام، من كلام الامام علي عليه السلام، فانه كان

[192]

لمحاججة الخصم بما التزم به، وهذا متعارف لدى العقلاء، ثم ان اجماع الصحابة بما فيهم الامام علي والامام الحسن والامام الحسين يدل على رضا الله كما عبر عنه الامام، اما قولهم من غلب بالسيف فهو أمير المؤمنين تجب طاعته برا كان أو فاجرا فهو الواقع الذي دأبوا عليه، كما يظهر ذلك لمن يدرس تاريخ الخلفاء في الاسلام. كانت هذه آراء مدرسة الخلفاء وأدلتهم عليها أما مدرسة اهل البيت فسندرس آراءهم وادلتهم في البحث الاتي بحوله تعالى.

[193]

معالم المدرستين - القسم الاول البحث الثاني الفصل الثالث بحوث مدرسة اهل البيت (ع) في الامامة

[195]

في البحث السابق ذكرنا آراء مدرسة الخلفاء في الامامة وادلتهم عليها، اما اتباع مدرسة اهل البيت فانهم يشترطون في الامام بعد النبي ان يكون معصوما من الذنوب، منصوبا من قبل الله عزوجل، منصوصا عليه من قبل نبيه صلى الله عليه وآله، لقوله تعالى لخليله ابراهيم (ع): " إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين " (1). إذا فالامامة عهد من الله يخبر نبيه عمن عهد الله إليه كما يخبر عن سائر اوامر الله وأحكامه، وانه لا ينال عهد الامامة من الله من كان ظالما، وان كل من لم يتصف بالظلم إلى نفسه ولا إلى غيره فهو معصوم، وعلى هذا فالامامة عهد وتعيين من الله، والرسول مبلغ اياها ويلزمها العصمة، وقد تحقق هذان الشرطان في ائمة اهل البيت (ع) كما يلي بيانهما.


(1) سورة البقرة 2 / 124.

[196]

عصمة أهل البيت عليهم السلام أخبر الله سبحانه وتعالى بأن اهل البيت وهم محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم معصومون من الذنوب في قوله تعالى: " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " (1). روى عبد الله بن جعفر بن ابي طالب (2) قال: " لما نظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الرحمة هابطة، قال: " ادعوا لي، ادعوا لي " فقالت صفية: من يا رسول الله ؟ قال: " أهل بيتي عليا وفاطمة


(1) الاحزاب - 33. (2) بمستدرك الصحيحين ج 3 / 147. و عبد الله بن جعفر ذى الجناحين: ابن عم النبي أبي طالب وامه أسماء بنت عميس الخثعمية، ولد بأرض الحبشة في هجرة ابويه إليها وهاجر أبوه به إلى المدينة، وكان حليما كريما يقال له بحر الجود، توفي بالمدينة سنة ثمانين عام الجحاف - عام جاء فيه سيل عظيم ببطن مكة جحف الحاج وذهب بالابل عليها أحمالها، وروى عنه أصحاب الصحاح 25 حديثا. ترجمته باسد الغابة وجوامع السيرة ص 282. وصفية بنت حى بن اخطب: من سبط هارون بن عمران من بني اسرائيل، وامها برة بنت السموأل من بنى قريظة، كانت زوجة كنانة بنت الربيع من يهود بنى النضير فقتل عنها يوم خيبر فاصطفاها النبي وقال لها: " ان اخترت الاسلام امسكتك لنفسي وأن اخترت اليهودية فعسى أن اعتقك فتلحقي بقومك "، فقالت يا رسول الله لقد هويت الاسلام وصدقت بك قبل ان تدعوني حيث صرت إلى رحلك، ومالى في اليهودية ارب ومالى فيها والد ولا أخ، وخيرتني الكفر والاسلام فالله ورسوله احب إلى من العتق وأن ارجع إلى قومي، فاعتدت ثم تزوجها ألنبى وتوفيت في سنة 53 ه‍ وروى عنها اصحاب الصحاح 10 أحاديث، ترجمتها بطبقات ابن سعد ج 8 / 120 - 129 وجوامع السيرة ص 285.

[197]

والحسن والحسين " (1) فجئ بهم فألقى عليهم النبي صلى الله عليه وآله كساءه ثم


(1) فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وامها ام المؤمنين خديجة سلام الله عليها. في ترجمتها باسد الغابة والاصابة: أن كنيتها ام أبيها وانه انقطع نسل رسول الله الا منها، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله لفاطمة " ان الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك " أخرجه - ايضا - الحاكم في مستدركه ج 3 / 153 وبميزان الاعتدال ج 2 / 77 وتهذيب التهذيب ج 12 / 441 وفي باب مناقب فاطمة بصحيح البخاري ج 4 / 200 و 201 و 205: قال رسول الله: " فاطمة بضعة مني، من أغضبها أغضبني ". وفي رواية اخرى فيه بباب ذب الرجل عن ابنته من كتاب النكاح ج 3 / 177، وباب فضائل فاطمة من صحيح مسلم، والترمذي، وبمسند احمد ج 4 / 41 و 328 ومستدرك الصحيحين، ج 3 / 153 " يؤذيني ما آذاها، أو يؤذيها ". وكان آخر الناس عهدا برسول الله إذا سافر فاطمة، وإذا قدم من سفر كان اول الناس عهدا به فاطمة، كما في مستدرك الصحيحين ج 3 / 156 و 155 وج 1 / 489، ومسند أحمد ج 5 / 275، وسنن البيهقى ج 1 / 26. وفي باب فرض الخمس من صحيح البخاري ج 2 / 124، عن عائشة ان فاطمة سألت أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله ان يقسم لها ميراثها ما ترك رسول الله مما أفاء الله عليه، فقال أبو بكر: ان رسول الله قال: " لا نورث ما تركنا صدقة "، فغضبت فاطمة بنت رسول الله فهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرته حتى توفيت، وعاشت بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ستة اشهر. وفي باب غزوة خيبر منه ج 3 / 38، فلما توفيت دفنها زوجها على ليلا، ولم يؤذن بها أبو بكر، وصلى عليها، وكان لعلى وجه حياة فاطمة فلما توفيت استنكر على وجوه الناس فالتمس مصالحة أبي بكر... ورواه مسلم كذلك في صحيحه بكتاب الجهاد ج 5 / 154، ومسند احمد ج 1 / 9، وسنن البيهقى ج 6 / 300. وبترجمتها في اسد الغابة وأوصت إلى أسماء أن تغسلها ولا تدخل عليها احد، فلما توفيت جاءت عائشة فمنعتها أسماء. قال العسكري: ولم يعرف موضع قبرها حتى اليوم. وروى عنها أصحاب الصحاح 18 حديثا، جوامع السيرة ص 283، والحسنان سبطا رسول الله وابنا علي وفاطمة. ولد الحسن في النصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة وولد الحسين لثلاث خلون من شعبان سنة اربع من الهجرة. قال رسول الله صلى الله عليه وآله الحسن والحسين سيدا شباب اهل الجنة وأبوهما خير منهما، في سنن ابن ماجة باب فضائل اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ومستدرك الصحيحين ج 3 / 167، ومصادر كثيرة غيرهما. بايع المسلمون الحسن بعد وفاة أبيه سنة أربعين وبقى اكثر من ستة اشهر في الخلافة، ثم اقتضت مصلحة الاسلام العليا ان يصالح معاوية، ولما أراد معاوية ان يأخذ البيعة لابنه يزيد دس إليه السم فقتله سنة خمسين - احاديث عائشة ج 1 ص 251 - 266. - >

[198]

رفع يديه ثم قال: " اللهم هؤلاء آلي فصل على محمد وآل محمد " وأنزل الله عزوجل " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ". وفي رواية ام المؤمنين عائشة ان الكساء كان مرطا مرحلا من شعر أسود (1). وفي رواية الصحابي واثلة بن الاسقع أن رسول الله أدنى عليا وفاطمة أجلسهما بين يديه وأجلس حسنا وحسينا كل واحد منهما على فخذه... الحديث (2). وفي رواية ام المؤمنين ام سلمة قالت: نزلت هذه الآية في بيتي: " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس... " وفي البيت سبعة جبريل وميكائيل (ع) وعلى وفاطمة والحسن والحسين (رض) وأنا على باب البيت، قلت: يا رسول الله ألست من أهل البيت ؟ قال: " إنك إلى خير، انك من أزواج النبي " (3).


< - وفي سنة ستين ابى الحسين ان يبايع يزيد وقال " وعلى الاسلام السلام إذا بليت الامة براع مثل يزيد " فقتله جيش يزيد بكربلاء عاشوراء سنة احدى وستين (اللهوف لابن طاووس). روى اصحاب الصحاح عن الحسن 13 حديثا، عدا البخاري ومسلم وعن الحسين 8 أحاديث، جوامع السيرة ص 284 و 286، وتقريب التهذيب ج 1 / 168. (1) المرط: كساء من صوف أو خز والمرحل من الثياب: ما اشبهت نقوشه رحال الابل. وعائشة بنت ابي بكر وامها ام رومان، ولدت في السنة الرابعة بعد البعثة، بنى بها الرسول بعد ثمانية عشر شهرا من هجرته إلى المدينة، وتوفيت سنة 57 أو 58 أو 59 وصلى عليها أبو هريرة وروى عنها اصحاب الصحاح 2210 احاديث، راجع كتابنا احاديث عائشة. وروايتها في شأن نزول آية التطهير في صحيح مسلم ج 7 / 13، باب فضائل اهل بيت النبي، ومستدرك الصحيحن ج 3 / 147، وبتفسير الاية في تفسير ابن جرير والدر المنثور للسيوطي وآية المباهلة في تفسير الزمخشري والرازي وسنن البيهقي ج 2 / 149. (2) واثلة به الاسقع الليثى: أسلم والنبى يتجهز إلى تبوك، وقيل انه خدم النبي ثلاث سنوات ومات سنة خمس وثمانين أو ثلاث وثمانين بدمشق أو ببيت المقدس، وروى عنه أصحاب الصحاح 56 حديثا، ترجمته باسد الغابة وجوامع السيرة ص 279 وروايته في شأن آية التطهير بسنن البيهقى 2 / 152، ورواية اخرى منه بمسند احمد ج 4 / 107، ومستدرك الصحيحين ج 2 / 416 وج 3 / 147، ومجمع الزوائد ج 9 / 167. وابن جرير والسيوطي في تفسير الاية من تفسيريهما واسد الغابة ج 2 / 20. (3) رواية ام سلمة في تفسير الاية بتفسير السيوطي ج 5 / 198 و 199. ورواية اخرى في صحيح الترمذي ج 13 / 248، ومسند أحمد ج 6 / 306، واسد الغابة ج 4 / 29، وج 2 / 297، وتهذيب التهذيب ج 2 / 297. واخرى بمستدرك الصحيحين ج 2 / 416 وج 3 / 147، وسنن البيهقي ج 2 / 150، واسد الغابة 5 / 521 و 589، وفي تاريخ بغداد ج 9 / 126. - >

[199]

وقد روى غير من ذكرنا شأن نزول آية التطهير كل من: أ) عبد الله بن عباس ب) عمر بن ابي سلمة ربيب النبي صلى الله عليه وآله ج) أبو سعيد الخدري د) سعد بن ابي وقاص ه‍) انس بن مالك وغيرهم (1). واستشهد بها الحسن السبط على المنبر (2) وعلي بن الحسين في الشام (3).


< - (1) واخرى: بمسند أحمد ج 6 / 292. أ - رواية ابن عباس بمسند أحمد ج 1 / 330، وخصائص النسائي ص 11، والرياض النضرة ج 2 / 269، ومجمع الزوائد ج 9 / 119 و 207، وتفسير الاية بالدر المنثور. ب - عمر بن أبي سلمة بن عبد الاسد أبو حفص المخزومى: ربيب رسول الله، امه ام سلمة ولد في الحبشة شهد مع على الجمل، واستعمله على البحرين وعلى فارس، توفى سنة 83 ه‍ روى عنه اصحاب الصحاح 12 حديثا، ترجمته باسد الغابة وجوامع السيرة 284، وحديثه بشأن آية التطهير بالرياض النضرة ج 2 / 269، ومجمع الزوائد ج 9 / 119 و 207، وتفسير الاية في الدر المنثور. ج - رواية ابي سعيد في تفسير الاية بتفسير ابن جرير والسيوطي وتاريخ بغداد ج 10 / 278، ومجمع الزوائد ج 9 / 167 و 169. د - سعد بن ابى وقاص مالك بن اهيب القرشى الزهري وامه حمنة بنت سفيان بن امية: اسلم قديما وشهد مع الرسول مشاهده، ولى فتح العراق حتى جلولاء، ومصر الكوفة وأبى أن يبايع عليا، وأبى على معاوية ان يسب عليا، ودس إليه معاوية السم لما اراد ان يبايع ليزيد، فمات، وروى عنه اصحاب الصحاح 271 حديثا، ترجمته باسد الغابة وصحيح مسلم ج 7 / 120، واحاديث عائشة ج 1 / 265، ورواية بشأن آية التطهير في خصائص النسائي ص 4 - 5، وصحيح الترمذي ج 13 / 171 - 172. ه‍ - رواية انس بن مالك في صحيح الترمذي ج 13 / 248، ومجمع الزوائد 9 / 206. (1) مثل قتادة في تفسير الاية عند ابن جرير والسيوطي وعطية بترجمته باسد الغابة ج 3 / 413، ومعقل بن يسار راجع صحيح الترمذي ج 13 / 248. (2) روى استشهاد السبط بمستدرك الصحيحين ج 3 / 172، ومجمع الزوائد 9 / 146 و 172. (3) على بن الحسين: امه بنت يزدجرد كما في الباب العاشر من ربيع الابرار للزمخشري راجع ج 2 ورقة 44، مصورة مكتبة أمير المؤمنين في النجف تسلسل 2059، أدب، وماتت في نفاسها به فكفله بعض امهات ولد أبيه وزوجها علي بن الحسين بعد أبيه (عيون اخبار الرضا ج 2 / 128) ويبدو انها كانت تسمى غزالة، توفى علي بن الحسين بالمدينة سنة خمس وتسعين وروى عنه اصحاب الصحاح بعض الاحاديث واستشهاده بآية التطهير ورد في تفسير الاية بتفسير الطبري. ترجمته بوفيات الاعيان ج 2 / 429 وتاريخ اليعقوبي ج 2 / 303.

[200]

كان رسول الله بعد نزول هذه الآية عدة اشهر يأتي إلى باب دار علي وفاطمة يسلم عليهم ويقرأ الآية. قال ابن عباس: " شهدت رسول الله صلى الله عليه وآله تسعة أشهر يأتي كل يوم باب علي بن ابي طالب عند وقت كل صلاة فيقول: " السلام عليكم ورحمة الله وبركاته اهل البيت، إنما يريد الله... الصلاة رحمكم الله " كل يوم خمس مرات (1). وعن أبي الحمراء، قال: حفظت رسول الله ثمانية أشهر بالمدينة ليس من مرة يخرج إلى صلاة الغداة إلا أتى باب على فوضع يده على جنبتى الباب ثم قال " الصلاة إنما يريد الله... " (2). وقال أبو برزة انه صلى مع رسول الله سبعة أشهر، فإذا خرج من بيته أتى باب فاطمة... (3). وعن انس بن مالك ستة اشهر (4) وروى - أيضا - غيرهم في ذلك في هذه الآية، أخبر الله عن المعصومين في عصر رسول الله خاصة، وعينهم الرسول بما فعل من نشر الكساء عليهم وقراءة الآية في ملا من أصحابه عدة شهور على باب بيتهم. ان هذه الاية، وما ورد عن رسول الله (ص) من قول وفعل في تفسيرها تكفي دليلا لاثبات عصمة اهل البيت (ع). ومن الناحية العملية، لم يسجل التاريخ عن ائمة اهل البيت (ع) ما ينافي عصمتهم، على ان التاريخ الاسلامي دون من قبل علماء مدرسة الخلفاء، وغالبا ما دونوا في كتب التاريخ الاسلامي ما يجلبون به رضا الخلفاء مدى العصور، وكان الخلفاء مدى العصور جادين لاطفاء نور ائمة اهل البيت (ع) خشية ميل المسلمين إليهم (ع) ومبايعتهم بالخلافة، ولهذا السبب قتلوا منهم من قتلوا، وسجنوا منهم من سجنوا،


(1) رواية ابن عباس في تفسير الاية وآية " وأمر اهلك " من الدر المنثور. (2) أبو الحمراء: مولى رسول الله، اسمه هلال بن الحارث أو ابن ظفر، والحديث بترجمته في الاستيعاب ج 2 / 598، واسد الغابة 5 / 174، ومجمع الزوائد 9 / 168. (3) أبو برزة الاسلمي اختلفوا في اسمه، توفى في البصرة سنة ستين أو اربع وستين، روى عنه اصحاب الصحاح 20 أو 46 حديثا، ترجمته باسد الغابة وجوامع السيرة ص 280 و 283 وحديثه المذكور في مجمع الزوائد 9 / 169، لفظه سبعة عشر شهرا ونراه من غلط النساخ. (4) رواية انس بمسند أحمد ج 3 / 252، والطيالسي ج 7 / 274، الحديث 2509 واسد الغابة 5 / 521، وتفسير الاية عند ابن حرير والسيوطي.

[201]

وشردوا منهم من شردوا، وخاصة بنو امية الذين امروا بلعن الامام علي (ع) في خطب صلاة الجمعة على منابر المسلمين، ولم ينج من عذابهم ومطاردتهم محبو ائمة اهل البيت وشيعتهم ومن اعتقد بامامتهم مع كل ذلك لا نجد في التاريخ المدون اية صغيرة أو هفوة نسبت إلى ائمة اهل البيت (ع)، وكفى بهذا دليلا على ان الله عصمهم من الرجس وطهرهم تطهيرا. كان هذا أهم أدلة مدرسة اهل البيت على عصمة اهل البيت (ع)، وفي ما يأتي بيان بعض النصوص الواردة عن رسول الله (ص) في أمامتهم، وقد قال الله تعالى في حق رسوله: " وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي بوحى " (1).


(1) سورة النجم، الاية 3 - 4.

[202]

اهتمام الرسول صلى الله عليه وآله بامر تعيين اولى الامر من بعده قبل ان ندرس النصوص الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وآله في تعيين اولي الامر من بعده، ندرس شيئا من اهتمام الرسول صلى الله عليه وآله بهذا الامر في ما يأتي: ان امر الامامة بعد الرسول صلى الله عليه وآله كان من الامور الهامة التي لم تغب عن بال الرسول صلى الله عليه وآله، ومن كان حوله، بل كانوا يفكرون فيه منذ البدء، فقد رأينا بيحرة من بني عامر بن صعصعة يشترط على رسول الله صلى الله عليه وآله لاسلامهم ان يكون لهم امر من بعد الرسول صلى الله عليه وآله، ورأينا هوذة الحنفي يطلب من الرسول صلى الله عليه وآله منحه شيئا من الامر. وكذلك - أيضا - كان الرسول صلى الله عليه وآله فانه كان يفكر في الامر من بعده ويدبر له منذ اول يوم دعا إلى الاسلام، واول يوم اخذ فيه البيعة لاقامة المجتمع الاسلامي. اما تدبيره في اول يوم اخذ فيه البيعة لاقامة المجتمع الاسلامي، فقد كان ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما، والنسائي وابن ماجة في سننهما ومالك في الموطأ واحمد في المسند، وغيرهم في غيرها، واللفظ للاول، قال: قال عبادة بن الصامت: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة والعسر واليسر والمنشط والمكره. وان لا ننازع الامر اهله... (1)


(1) صحيح البخاري، كتاب الاحكام، باب كيف يبايع الامام الناس، ح - 1، صحيح مسلم كتاب - >

[203]

وعبادة هذا كان احد النقباء الاثني عشر على الانصار يوم بيعة العقبة الكبرى (1) حين قال النبي صلى الله عليه وآله للنيف والسبعين من الانصار الذين بايعوه اخرجوا الي اثني عشر نقيبا يكونون على قومهم بما فيهم، فأخرجوا من بينهم اثني عشر نقيبا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للنقباء: انتم على قومكم بما فيهم، كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم عليه السلام... (2) ان عبادة بن الصامت احد اولئك النقباء الاثني عشر روى من بنود البيعة التي بايعوا الرسول عليها: " ان لا ينازعوا الامر أهله ". وانما اراد رسول الله صلى الله عليه وآله من " امر " الوارد في هذا الحديث الصحيح، والذي يذكر فيه اخذ البيعة من اثنين وسبعين رجلا وامرأتين من الانصار ان لا ينازعوا اهله، هو الامر الذي تنازعوا عليه في سقيفة بني ساعدة (3) وأهل الامر هم الذين ذكرهم الله تعالى في قوله " أطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم " (4). وان رسول الله صلى الله عليه وآله وان لم يشخص هنا ولي الامر من بعده، لانه لم يكن من الحكمة ان يعرف ولي الامر من بعده وهو من غير قبيلة الانصار، ولعل نفوس بعض المبايعين لم تكن تتحمل ذلك يومئذ، غير انه اخذ البيعة منهم ان لا ينازعوه حين يعينه لهم بعد ذلك. وقد عين الرسول صلى الله عليه وآله ولي الامر من بعده وشخص وصيه وخليفته في مجتمع اصغر من هذا المجتمع، وذلك في اول يوم دعا الاقربين إليه للاسلام،


< - الامارة، باب وجوب طاعة الامراء في غير معصية وتحريمها في المعصية، الحديث: 41 و 42، وسنن النسائي كتاب البيعة، باب البيعة على ان لا ننازع الامر اهله، وسنن ابن ماجة، كتاب الجهاد، باب البيعة، الحديث: 2866، وموطا مالك كتاب الجهاد، باب: الترغيب في الجهاد، الحديث: 5، ومسند احمد 5 / 314 و 316 و 319 و 321، وراجع 4 / 411 منه. وترجمة عبادة بسير اعلام النبلاء 2 / 3 وتهذيب ابن عساكر 7 / 207 - 219. (2) ترجمة عباة في الاستيعاب ج 2 / 412، واسد الغابة 3 / 106 - 107. (2) الطبري، ط. اوروبا 1 / 1221. (3) راجع نزاع الانصار القبلي مع المهاجرين في: فصل السقيفة وبيعة أبي بكر، بأول الكتاب. (4) النساء 59. ويأتي تفسيرها والاحاديث الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وآله حوله في بحوث الكتاب إن شاء الله تعالى.

[204]

كما رواه جمع من اهل الحديث والسير مثل: الطبري وابن عساكر، وابن الاثير، وابن كثير والمتقي، وغيرهم، واللفظ للاول (1)، قال: عن علي بن ابي طالب عليه السلام قال: لما نزلت هذه الاية على رسول الله صلى الله عليه وآله " وأنذر عشيرتك الاقربين " دعاني رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لي: يا علي ان الله أمرني أن أنذر عشيرتي الاقربين فضقت بذلك ذرعا، وعرفت أني متى بادءتهم بهذا الامر أرى ما أكره فصمت عليه حتى جاءني جبرئيل فقال يا محمد إن لا تفعل ما تؤمر به يعذبك ربك، فاصنع لنا صاعا من طعام، واجعل عليه رجل شاة، واملا لنا عسا من لبن، ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى أكلمهم وأبلغهم ما أمرت به، ففعلت ما أمرني به، ثم دعوتهم له وهم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه، فيهم أعمامه أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب، فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعت لهم، فجئت به، فلما وضعته تناول رسول الله صلى الله عليه وآله حذية (أي قطعة) من اللحم فشقها باسنانه، ثم القاها في نواحي الصحفة، ثم قال: خذوا بسم الله، فأكل القوم حتى ما لهم بشئ من حاجة، وما أرى الا موضع أيديهم، وأيم الله الذي نفس علي بيده ان كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدمت لجميعهم، ثم قال: اسق القوم فجئتهم بذاك العس فشربوا منه حتى رووا منه جميعا، وأيم الله ان كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله، فلما اراد رسول الله صلى الله عليه وآله ان يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال: لشد ما سحركم صاحبكم، فتفرق القوم ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: الغديا علي إن هذا الرجل سبقني إلى ما قد سمعت من القول، فتفرق القوم قبل أن اكلمهم، فعدلنا من الطعام بمثل ما صنعت ثم اجمعهم الي، قال: ففعلت ثم جمعتهم، ثم دعاني بالطعام فقربته لهم، ففعل كما فعل بالامس فاكلوا حتى مالهم بشئ حاجة، ثم قال: اسقهم فجئتهم بذاك العس فشربوا حتى رووا منه جميعا، ثم تكلم رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا بني عبد المطلب اني والله ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل مما قد جئتكم به، اني


(1) تاريخ الطبري ط. اروبا 1 / 1171 - 1172، وابن عساكر تحقيق المخمودي ج 1 من ترجمة الامام، وتاريخ ابن الاثير 2 / 222، وشرح ابن أبي الحديد 3 / 263، وفي تاريخ ابن كثير 3 / 39، وقد حذف الالفاظ، وقال: كذا وكذا، وكنز العمال للمتقي ج 15 / 100 ص 115 و 116 منه، وفي ص 130 يكون: أخي وصاحبي ووليكم بعدي. والسيرة الحلبية نشر المكتبة الاسلامية ببيروت، 1 / 285.

[205]

قد جئتكم بخير الدنيا والاخرة، وقد أمرني الله تعالى ان ادعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الامر على ان يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم ؟ قال: فأحجم القوم عنها جميعا وقلت - واني لاحدثهم سنا، وأرمصهم عينا، وأعظمهم بطنا، وأحمشهم ساقا - أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه، فأخذ برقبتي ثم قال: ان هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا، قال: فقام القوم يضحكون ويقولون لابي طالب قد أمرك ان تسمع لابنك وتطيع. كانت هذه الدعوة في السنة الثالثة من البعثة وهي اول مرة اظهر فيها الرسول صلى الله عليه وآله الدعوة إلى الاسلام، وشخص فيها الامام من بعده وعرفه للاقربين إليه، وانما فعل ذلك هنا ولم يفعله بعده بعشر سنوات ويوم اخذ البيعة من الانصار لاقامة المجتمع الاسلامي لان الامام كان من غير قبائل الانصار وكان بناء المجتمع عندهم على اساس قبلى ولم يكن من الحكمة ان يأخذ البيعة منهم لمن يلي الامر بعده وهو ليس من قبائل الانصار فاكتفى في ذلك المقام باخذ البيعة منهم ان لا ينازعوه في الامر. وهنا ايضا شخصه للاقربين إليه في محاورة شبيهة بمشاورة اصحابه في غزوة بدر، فانه مع علمه في غزوة بدر بعاقبة الامر كما اخبر بها اصحابه بعد الانتهاء من المشاورة وأراهم مصارع المشركين، مع ذلك استشارهم اول الامر في ما يفعل، وكذلك فعل هنا، فانه مع علمه بالعاقبة وان الذي يقبل مؤازرته هو الامام علي، مع ذلك علق تعيين الوزير والوصي والخليفة من بعده على قبول المؤازرة في التبليغ وليتقدم بالقبول ايهم شاء ولما ابى كلهم ذلك وبادر بالقبول ابن عمه علي اخذ برقبته وقال فيه ما مر وأمرهم بطاعته. رأينا في ما مر بنا إلى هنا اهتمام الرسول بامر الامامة من بعده، يشخصه في مكان ويأخذ البيعة ان لا ينازعوه في مكان آخر ويقابل طمع الطامعين بالرفض في غيرهما. ومن أجل أن ندرك مدى اهتمام الرسول صلى الله عليه وآله بأمر من يستخلفه من بعده ندرس في ما يأتي ما كان يعمله صلى الله عليه وآله وسلم عندما يغيب عن المدينة أياما معدودات في الغزوات وكيف كان يعين خليفة عليهم من بعده.

[206]

باب ذكر من استخلف الرسول صلى الله عليه وآله على المدينة في غزواته في السنة الثانية من الهجرة: اذن لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالقتال في صفر من السنة الثانية، فغزا بالمهاجرين يعترض عيرا لقريش فبلغ ودان والابواء (1). 1) استخلف سعد بن عبادة سيد الخزرج من الانصار خمس عشرة ليلة مدة غيبته عن المدينة. 2) استخلف في غزوة بواط (2) سعد بن معاذ من سادة الاوس من الانصار في ربيع الاول. 3) استخلف مولاه زيد بن حارثة في غزوته لطلب كرز بن جابر الفهري - وكان اغار على سرح المدينة - فبلغ صلى الله عليه وآله سفوان وفاته كرز والسرح (3). 4) استخلف ابا سلمة المخزومي في غزوة ذي العشيرة، حين ذهب في جمادى الاولى أو الثانية يعترض عيرا لقريش ذاهبة إلى الشام ففاتته وكان القتال ببدر في رجوعها من الشام (4). 5) استخلف ابن ام مكتوم الضرير في غزوة بدر الكبرى وغاب عن المدينة


(1) الابواء قرية من اعمال فراض على بعد 23 ميلا من المدينة، فيها قبر آمنة أم النبي صلى الله عليه وآله. وودان: قرية على مرحلة من الجحفة بينها وبين الابواء ستة أميال. معجم البلدان. (2) بواط: في معجم البلدان بمادة بواط " بواط من جبال جهينة من طريق الشام، وبين بواط والمدينة ثمانية برد، وبرد: جمع البريد ويبلغ البريد اثني عشر ميلا ". يبدو جليا مراعاة رسول الله صلى الله عليه وآله في الغزوتين الاوليين مشاعر الانصار القبلية حين استخلف في الاولى سيد الخزرج وفي الثانية سيدا من الاوس. (3) كانت هذه الغزوة ايضا في ربيع الاول وبعد بواط وسفوان: واد بناحية بدر. كرز بن جابر بن حسل الفهري قتل يوم الفتح مع رسول الله صلى الله عليه وآله راجع جمهرة انساب العرب لابن حزم في ذكر نسب بني محارب ابن فهر، وبترجمته من الاصابة. (4) ذو العشيرة كما في التنبيه، بناحية ينبع يبعد عن المدينة تسعة برد. وابو سلمة: عبد الله بن عبد الاسد امه برة عمة الرسول صلى الله عليه وآله وابنة عبد المطلب، هاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة، حضر بدرا وخرج في احد ومات منه في جمادى الاخرة سنة ثلاث من الهجرة راجع ترجمته في اسد الغابة.

[207]

تسعة عشر يوما (1). 6) استخلف ابا لبابة الانصاري الاوسي في غزوة بني قينقاع (2). 7) استخلف ايضا ابا لبابة في غزوة السويق، وكان خروجه (صلى الله عليه وآله وسلم) في طلب ابي سفيان حين اقبل في مائتي راكب ليبر بنذره ان لا يمس الطيب والنساء حتى يثأر لاهل بدر، وانتهوا إلى عريض، فبلغهم خروج النبي صلى الله عليه وآله، فجعلو يلقون جرب السويق تخففا فسميت غزوة السويق (3). في السنة الثالثة: 8) استخلف ابن ام مكتوم في غزوة قرقرة الكدر، وسار صلى الله عليه وآله وسلم للنصف من المحرم يريد سليم وغطفان - قبيلتين من قيس عيلان - فانجفلوا، وغنم من اموالهم، ورجع ولم يلق كيدا (4). 9) استخلف ابن ام مكتوم في غزوة بفران وغاب عن المدينة عشرة ايام من جمادى الاخرة، فتفرقوا ولم يلق كيدا (5). 10) استخلف عثمان بن عفان في غزوة ذي أمر بنجد، سار صلى الله عليه وآله يريد غطفان، فانجفلوا من بين يديه ولم يلق كيدا، وغاب فيها عن المدينة عشرة أيام. 11) استخلف ابن أم مكتوم في غزوة أحد، وقاتل المشركين في سفح جبل أحد - على بعد ميل من المدينة - غاب فيها عن المدينة يوما واحدا.


(1) خرج الرسول صلى الله عليه وآله من المدينة لثلاث خلون من شهر رمضان ووقع القتال يوم الجمعة السابع عشر منه. (2) قال اهل السيرة: لما قدم اليهود المدينة نزلوا السافلة منها، فاستوخموها فأتوا العالية فنزل بنو النضير بطحان ونزلت بنو قريظة مهزورا - وهما واديان يهبطان من حرة هناك - فاتخذ بنو النضير الحدائق والآطام وأقاموا فيها، وأقاموا بها إلى ان غزاهم النبي صلى الله عليه وآله وأخرجهم منها. راجع مادة (بطحان) و (مهزور) من (معجم البلدان). وابو لبابة: بشير أو رفاعة بن عبد المنذر، اشتهر بكنيته، احد النقباء في بيعة العقبة، راجع ترجمة بشير ورفاعة وأبي لبابة في اسد الغابة. (3) العريض: وادي المدينة، معجم البلدان، مادة " عريض ". (4) قرقرة الكدر: ناحية معدن بني سليم مما يلي حارة العراق إلى مكة وهي على بعد ثمانية آيام من المدينة. معجم البلدان، مادة " قرقرة " سار إليها النبي في النصف من المحرم. (5) بفران: معدن بني سليم بناحية الفرع من المجاز. معجم البلدان، مادة " بفران ".

[208]

12) استخلف ابن أم مكتوم في غزوة حمراء الاسد - على بعد عشرة آميال من المدينة - سار في طلب أبي سفيان حين بلغه أنه يريد الكر على المدينة، ففاته أبو سفيان ومن معه فأقام فيها ثلاثة أيام، ثم عاد إلى المدينة. في السنة الرابعة: 13) استخلف ابن أم مكتوم في غزوة بني النضير بناحية الغرس حصرهم خمسة عشر يوما، ثم أجلاهم عنها (1). 14) استخلف عبد الله بن رواحة الانصاري في غزوة بدر الثالثة ستة عشر يوما، وأقام فيها ثمانية أيام لموعد أبي سفيان اياهم في أحد أنه سيقاتلهم العام القادم في بدر، وخرج أبو سفيان من مكة إلى عسفان، ثم عاد منها إلى مكة (2). في السنة الخامسة: 15) استخلف في غزوة ذات الرقاع عثمان بن عفان خمس عشرة ليلة وخرج لعشر خلون من المحرم، فأجفلت العرب من بين يديه ولحقوا برؤوس الجبال وبطون الاودية (3). 16) استخلف ابن أم مكتوم في غزوة دومة الجندل حين سار إلى اكيدر بن عبد الملك النصراني - وكان يعترض سفر المدينة وتجارتهم - فهرب وتفرق أهلها، فلم يجد بها أحدا، فأقام أيام وعاد إلى المدينة وهي أول غزواته إلى الروم (4). 17) استخلف مولاه زيد بن حارثة في غزوة بني المصطلق على ماء المريسيع: ثمانية عشر يوما خرج فيها لليلتين خلتا من شعبان (5).


(1) كانت منازل بني النضير من اليهود ببئر غرس بقبا وما والاها، وقبا قرية على ميلين من المدينة، واصله اسم بئر هناك عرفت القرية به، معجم البلدان: مادة غرس وقبا. (2) عبد الله بن رواحة الانصاري الخررجي: كان نقيب بني الحارث في بيعة العقبة، شهد المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وكان أحد الامراء الثلاثة الذين استشهدوا في مؤتة. ترجمته في (الاستيعاب) و (أسد الغابة). (3) ذات الرقاع: جبل قريب من النخيل مما يلي السعد والشقرة مختلفة ألوانه فيه بقع حمر وسود وبيض. راجع ترجمة الغزوة من التنبيه والاشراف للمسعودي. (4) دومة الجندل كانت حصنا مبنيا بالجندل في متسع من الارض خمسة فراسخ، وهى على سبع مراحل من دمشق، بينها وبين مدينة الرسول صلى الله عليه وآله خمس عشرة ليلة. راجع مادة (دومة) بمعجم البلدان وترجمة الغزوة في (التنبيه والاشراف) للمسعودي. (5) ماء المريسيع: على طريق الفرع والفرع ثمانية برد من المدينة.

[209]

18) استخلف في غزوة الخندق ابن أم مكتوم، وهو يقاتل الاحزاب دون الخندق من داخل المدينة في شهر شوال أو ذي القعدة. 19) استخلف أبا رهم الغفاري في غزوة بني قريضة، وهم على بعض يوم من المدينة، حصرهم خمسة عشر يوما أو أكثر، بدأهم بسبع بقين من ذي القعدة (1). في السنة السادسة: 20) استخلف في غزوة بني لحيان من هذيل، بالقرب من عسفان، ابن أم مكتوم، أربع عشرة ليلة ورجع ولم يلق كيدا (2). 21) استخلف ابن أم مكتوم، خمس ليال في غزوة ذي قرد، على ليلتين من المدينة (3). 22) استخلف ابن أم مكتوم في غزوة الحديبية (4). في السنة السابعة: 23) استخلف سباع بن عرفطة في غزوة خيبر، وهي على بعد ثمانية برد من المدينة، وبعد فتح قلاعها عنوة وصلحا سار إلى وادي القرى فحصرهم أياما حتى افتتحها عنوة ثم صالح أهل تيماء وهي على ثمانية مراحل من الشام، ووادي القرى بينها وبين المدينة (5). 24) واستخلف أيضا سباع بن عرفطة في عمرة القضاء (6). في السنة الثامنة: 25) استخلف على المدينة أبا رهم الغفاري في غزوة مكة.


(1) أبورهم: كلثوم بن الحصين أسلم بعد قدوم النبي صلى الله عليه وآله المدينة، شهد أحدا فرمي بسهم في نحره فبصق عليه النبي فبرأ. انظر ترجمته في أسد الغابة. (2) بنو لحيان، نسبهم في جمهرة أنساب ابن حزم ط. مصر سنة 1382، ص 196 - 198. وعسفان بين مكة والمدينة، اختلفوا في تعيين موضعه. معجم البلدان مادة: عسفان. (3) ذي قرد: من طريق خيبر، وكان عيينة بن حصن الفزاري أغار على لقاحه وهو بالغابة وهي على بريد من المدينة أو أكثر. فخرج صلى الله عليه وآله يوم الاربعاء لثلاث أو لاربع خلون من شهر ربيع الاول فاستنقذ بعضها وعاد إلى المدينة. التنبيه والاشراف، ذكر السنة السادسة. (4) خرج الرسول صلى الله عليه وآله يوم الاثنين هلال ذي الحجة للعمرة فصده المشركون عن دخول مكة فأقام بالحديبية على تسعة أميال من مكة ثم وقع الصلح بين الرسول وقريش على أن يعتمر في السنة القادمة. (5) سباع بن عرفطة الغفاري استعمله النبي على المدينة لما سار إلى خيبر وتيماء. ترجمته بأسد الغابة. (6) سار النبي صلى الله عليه وآله لست ليال خلون من ذي القعدة. (*)

[210]

26) سار بعد غزوة مكة إلى هوازن لغزو حنين وحنين واد إلى جانب ذي المجاز يبعد ثلاث ليال عن مكة، وبقي - أيضا - أبورهم كذلك واليا على المدينة في هذه الغزوة. 27) واستخلف علي بن أبي طالب في غزوة تبوك - على بعد تسعين فرسخا من المدينة -. وهي آخر غزواته، وكانت غزواته ثماني وعشرين غزوة ان اعتبرنا خيبر ووادي القرى غزوتين، والا فهي سبع وعشرون غزوة. رجعنا في ذكر اسماء من استخلفهم رسول الله صلى الله عليه وآله على المدينة في غيابه عنها إلى التنبيه والاشراف للمسعودي في ذكره التأريخ من السنة الثانية إلى السنة الثامنة من الهجرة وقد يختلف في ذكر اسماء من ولاه رسول الله صلى الله عليه وآله على المدينة مع غيره احيانا اما ما ذكره في استخلاف الامام علي على المدينة في غزوة تبوك فقد قال ذلك ايضا امام الحنابلة في مسنده فيما رواه عن سعد بن ابي وقاص قال: ان رسول الله صلى الله عليه وآله حين خرج في غزوة تبوك استخلف عليها عليا رضي الله عنه على المدينة فقال علي: يا رسول الله ما كنت احب ان تخرج وجها الا وانا معك فقال أو ما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعدي (1). ويؤيد ذلك ايضا ما رواه البخاري في صحيحه في كتاب بدء الخلق باب غزوة تبوك حيث روى عن سعد بن ابي وقاص ايضا انه قال: ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج إلى تبوك واستخلف عليا فقال أتخلفني في الصبيان والنساء قال: ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى الا انه ليس نبي بعدي (2). وما رواه مسلم أيضا في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص انه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له وقد خلفه في بعض مغازيه فقال


(1) مسند احمد ج 1 / 177. (2) صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب غزوة تبوك ج 3 / 58.

[211]

له علي يا رسول الله خلفتني مع الصبيان والنساء ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبوة بعدى (1). هكذا لم يغب الرسول صلى الله عليه وآله في غزواته عن المدينة اياما معدودات دون ان يستخلف عليهم من يرجعون إليه مدة غيابه عن المدينة، بل انه لم يغب يوما عن المدينة أو بعض يوم دون ان يستخلف عليهم من يرجعون إليه، كما كان الشأن في غزوة احد، وكان جبل احد على بعد ميل من المدينة، فانه صلى الله عليه وآله قد عين خليفته عليهم مدة غيابه عنهم، بل وفي غزوة الخندق أيضا حيث كان يقاتل في المدينة واستقر دون الخندق، عين لاهل المدينة المرجع لانشغاله عنهم في الحرب، إذا كان هذا دأب الرسول صلى الله عليه وآله في غيابه عن المدينة بعض يوم، وكذلك في حال انشغاله عنهم بالحرب داخل المدينة، فماذا فعل لامته من بعده وهو يتركهم ابد الدهر ؟ هل تركهم هملا، ولم يعين لهم المرجع من بعده ؟ هذا ما سندرسه في ما يأتي من فصول هذا الكتاب ان شاء الله تعالى.


(1) صحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة، باب فضل علي بن ابي طالب، الحديث 32، وراجع ايضا مسند ابي داود الطيالسي ج 1 / 29، وحلية الاولياء لابي نعيم ج 7 / 195 و 196، ومسند احمد ج 1 / 173، 182، 184، 330 وج 4 / 153، وتاريخ بغداد للخطيب ج 11 / 432، وخصائص النسائي ص: 8، 16، وطبقات ابن سعد ج 3 / ق 1 / 15.

[212]

النصوص الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وآله في تعيين ولي الامر من بعده نبدأ هذا الباب بذكر ما فعله الانبياء في تعيين الوصي وولي الامر لاممهم من بعدهم الوصية في الامم السابقة قد سلسل المسعودي (1) اتصال الحجج وأوصياء الانبياء من لدن آدم حتى خاتم لنبيين صلوات الله عليهم أجمعين وأوصيائه فقد ذكر - مثلا -: أن وصي آدم كان هبة الله وهو شيث بالعبرانية. وأن وصي ابراهيم كان اسماعيل (ع). وأن وصي يعقوب كان يوسف (ع). وأن وصي موسى كان يوشع بن نون بن افرائيم بن يوسف (ع) وخرجت عليه صفورا زوجة موسى (ع). وأن وصي عيسى كان شمعون (ع). وأن وصي خاتم الانبياء محمد (ص) كان علي بن أبي طالب، ثم الاحد عشر من ولده (ع).


(1) إثبات الوصية، للمسعودي، مطبعة الحيدرية، النجف الاشرف، والمسعودي هو: أبو الحسن، علي بن الحسين المسعودي، ينتهي نسبه إلى الصحابي عبد الله بن مسعود، توفي سنة 346 ه‍ وفي ترجمته بطبقات الشافعية (ج 2 / 307): قيل كان معتزلي العقيدة، وأشار إلى هذا الكتاب الكتبي في فوات الوفيات (ج 2 / 45) وياقوت الحموي في معجم الادباء (ج 13 / 94) وقالا: له كتاب البيان في أسماء الائمة، وفي الميزان، لابن حجر (ج 4 / 224) له كتاب تعيين الخليفة وسماه في الذريعة وغيرها: (إثبات الوصية). (*)

[213]

ونحن نقتصر هنا بذكر خبر ثلاثة من الاوصياء المذكورين أعلاه أ - خبر وصية آدم لشيث قال اليعقوبي في خبر وصية آدم لشيث. " لما حضر آدم الوفاة... جعل وصيته إلى شيث ". وقال الطبري: " هبة الله، وبالعبرانية: شيث، واليه أوصى آدم... وكتب وصيته، وكان شيث في ما ذكر وصي أبيه آدم (ع). " وقال المسعودي في خبر وصية آدم لشيث ثم وفاته: " ثم ان آدم حين أدى الوصية إلى شيث، احتقبها واحتفظ بمكنونها، وأتت وفاة آدم...... " وقال ابن الاثير: " وتفسير شيث: هبة الله، وهو وصى آدم، ولما حضرت آدم الوفاة عهد إلى شيث. " وقال ابن كثير: ذكر وفاة آدم ووصيته إلى ابنه شيث عليه السلام: " ومعنى شيث: هبة الله... ولما حضرت آدم الوفاة عهد إلى ابنه شيث..... ". ب - خبر يوشع بن نون وصي موسى أولا: يوشع بن نون في التوراة: ورد في مادة يوشع من قاموس الكتاب المقدس نقلا عن التوراة: " أن يوشع بن نون كان مع موسى في جبل سينا ولم يتلوث بعبادة العجل على عهد هارون " وفي آخر الاصحاح السابع والعشرين من سفر العدد (1) ورد خبر تعيينه من قبل الله وصيا لموسى كالآتي نصه:


(1) التوراة من الكتاب المقدس، بيروت، المطبعة الامريكية سنة: 1907 م.

[214]

فكلم موسى الرب قائلا. 16 ليوكل الرب اله 17 - أرواح جميع البشر رجلا على الجماعة 17 يخرج أمامهم ويدخل أمامهم ويخرجهم 18 - ويدخلهم لكيلا تكون جماعة الرب كالغنم التي لا راعي لها. 18 فقال الرب لموسى 19 - خذ يشوع بن نون رجلا فيه روح وضع يدك عليه 19 وأوقفه قدام ألعازار الكاهن 20 - وقدام كل الجماعة وأوصه أمام أعينهم. 20 واجعل من هيبتك عليه لكي يسمع له كل 21 - جماعة بني إسرائيل. 21 فيقف أمام ألعازار الكاهن به فيسأل له بقضاء الاوريم أمام الرب. حسب قوله يخرجون وحسب قوله يدخلون هو وكل بني اسرائيل معه كل 22 - الجماعة. 22 ففعل موسى كما أمره الرب. أخذ يشوع وأوقفه قدام ألعازار الكاهن 23 - وقدام كل الجماعة 23 ووضع يديه عليه وأوصاه كما تكلم الرب عن يد موسى وورد خبر قيامه بأمر بني اسرائيل وحروبه في ثلاثة وعشرين اصحاحا من سفر يوشع بن نون. وجه الشبه بين وصي خاتم الانبياء ووصي موسى عليهم السلام أن يوشع بن نون كان مع موسى في جبل سينا ولم يعبد العجل. وأمر الله نبيه موسى أن يعينه وصيا من بعده لئلا تكون جماعة الرب كالغنم بلا راعي. وكان الامام علي مع النبي في غار حراء ولم يعبد صنما قط وأمر الله نبيه في رجوعه من حجة الوداع ان يعينه أمام الحجيج قائدا للامة من بعده، ولا يترك امته هملا، وقد صدع بذلك رسول الله (ص) في غدير خم وعينه وليا للعهد من بعده كما سنذكره في ما يأتي، وصدق رسول الله (ص) حيث قال: ليأتين على أمتي ما أتى على بني اسرائيل حذو النعل بالنعل... " وقد أوردنا مصادره في أول الجزء الثاني من " خمسون ومائة صحابي مختلق ". ثانيا: في القرآن الكريم ومصادر الدراسات الاسلامية: في القرآن الكريم، عرب يوشع ب‍ (اليسع) في سورة الانعام، الاية: 86 و سورة ص، الاية: 48. وفي تاريخ اليعقوبي: " وكان موسى لما حضرته وفاته امره الله عزوجل أن يدخل يوشع بن نون إلى قبة الزمان فيقدس عليه ويضع يده على جسده لتتحول فيه بركته ويوصيه أن يقوم بعده

[215]

في بني اسرائيل. ج - خبر شمعون وصي عيسى أولا: شمعون في الانجيل. ورد في قاموس الكتاب المقدس ذكره عشرة أشخاص بهذا الاسم، منهم: شمعون بطرس وشمعون اسمه في التوراة سمعون، وقد ورد خبره في انجيل متى الاصحاح العاشر كالآتي: " ثم دعا - يعني عيسى - تلاميذه الاثنى عشر وأعطاهم سلطانا على أرواح نجسة حتى يخرجوها، ويشفوا كل مرض وكل ضعف. وأما الاسماء الاثنى عشر رسولا فهي هذه: الأول سمعان الذي يقال له بطرس.... ". وفي انجيل يوحنا، الاصحاح 21 العدد: 15 - 18 أن عيسى أوصى إليه وقال له: " ارع غنمي " كناية عن رعاية من آمن به. وجاء في قاموس الكتاب المقدس أيضا: " عينه المسيح لهداية الكنيسة ". ثانيا: شمعون في مصادر الدراسات الاسلامية: ذكر خبره اليعقوبي وسماه سمعان الصفا. وقال المسعودي في 1 / 343 قتل برومية بطرس واسمه باليويانية شمعون والعرب تسميه سمعان. وفي مادة دير سمعان من معجم البلدان: " دير سمعان: بنواحي دمشق، وسمعان هذا الذي ينسب إليه الدير، أحد أكابر النصارى، ويقولون أنه شمعون الصفا. أوردنا نتفا من أخبار هؤلاء الاوصياء الثلاثة كمثال لاخبار بقية أوصياء الانبياء في الامم السابقة. ولم يكن خاتم الانبياء بدعا من الرسل ليترك أمته دون تعيين ولي الامر من بعده وهو الذي لم يغب عن المدينة، المجتمع الاسلامي الصغير، في غزواته ولا ساعة من نهار دون أن يستخلف عليها أحدا، لم يترك خاتم الانبياء والمرسلين المجتمعات الاسلامية للابد دون أن يعين أولي الامر من بعده، بل عينهم بألفاظ مختلفة وفي أماكن متعددة، منها ما خص بالذكر الامام من بعده ومنها ما ذكر فيها جميع الائمة ومما خص بالذكر الامام علي بن أبي طالب وحده الاحاديث الآتية:

[216]

وزير الرسول صلى الله عليه وآله ووصيه وولي عهده وخليفته من بعده الوصي في أحاديث الرسول (ص) اوردنا في اول الباب قصة انذار بني هاشم وفي ذلك اليوم وبمحضر من رجال بني هاشم قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي بن أبي طالب عليه السلام: " إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا " وبهذا القول عين الرسول صلى الله عليه وآله وصيه وخليفته فيهم وأمرهم بإطاعته " وما أتاكم الرسول فخذوه. وروى الطبراني عن سلمان قال قلت يا رسول الله: إن لكل نبي وصيا فمن وصيك ؟ فسكت عني فلما كان بعد رآني فقال يا سلمان فأسرعت إليه قلت لبيك قال: تعلم من وصي موسى قال نعم، يوشع بن نون قال لم ؟ قلت: لانه كان أعلمهم يومئذ قال: فإن وصيي وموضع سري وخير من أترك بعدي وينجز عدتي ويقضي ديني علي بن أبي طالب (1). وعن أبي أيوب أن رسول الله (ص) قال لابنته فاطمة: اما علمت أن الله عزوجل اطلع على أهل الارض فاختار منهم اباك فبعثه نبيا ثم اطلع الثانية فاختار بعلك فأوحى إلي فأنكحته واتخذته وصيا (2). وعن ابي سعيد أن رسول الله (ص) قال: إن وصيي وموضع سري وخير من اترك بعدي وينجز عدتي ويقضي ديني


(1) رواه الهيتمي عن الطبراني في مجمع الزوائد (ج 9 / 113)، ورواه سبط ابن الجوزي في كتاب تذكرة خواص الامة باب حديث النجوى عن كتاب الفضائل لاحمد بن حنبل وهذا لفظه: قال أنس قلنا لسمان: سل رسول الله (ص) من وصيك ؟ فسأل سلمان رسول الله (ص) فقال: من كان وصي موسى بن عمران ؟ فقال: يوشع بن نون. قال: ان وصيي ووارثي ومنجز وعدي علي بن أبي طالب. (2) مجمع الزوائد للهيتمي (ج 8 / 253) وفي (ج 9 / 165) منه عن علي بن علي الهلالي: ووصيي خير الاوصياء وأحبهم إلى الله وهو بعلك.... الحديث. ومنتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد (ج 5 / 31) وكنز العمال، كتاب الفضائل، الفصل الثاني، فضائل علي بن أبي طالب، الحديث رقم: (1163)، (ج 12 / 204) وأبو أيوب الانصاري اسمه خالد بن زيد الخزرجي، شهد بيعة العقبة وجميع مشاهد رسول الله (ص) وشهد مع الامام علي الجمل وصفين ونهروان، وتوفي عند مدينة القسطنطينية سنة خمسين أو احدى وخمسين، اسد الغابة (ج 5 / 143)

[217]

علي بن أبي طالب (1). وعن أنس بن مالك أن الرسول توضأ وصلى ركعتين وقال له: " أول من يدخل عليك من هذا الباب امام المتقين وسيد المسلمين ويعسوب الدين وخاتم الوصيين... فجاء علي (ع) فقال (ص) من جاء يا أنس ؟ فقلت: علي، فقام إليه مستبشرا فاعتنقه " (2) الحديث. وعن الصحابي بريدة قال: قال النبي: " لكل نبي وصي ووارث وإن عليا وصيي ووارثي " (3). وفي المحاسن والمساوئ للبيهقي، ما موجزه: " ان جبرائيل جاء بهدية من الله ليهديها الرسول (ص) إلى ابن عمه ووصيه علي بن أبي طالب " (4) الحديث. كان هذا ما وجدناه في الوصية في أحاديث الرسول (ص) الوصية في كتب الامم السابقة روى نصر بن مزاحم في كتابه وقعة صفين والخطيب في تاريخ بغداد واللفظ للاول: ان الامام علي في مسيره إلى صفين عطش جيشه في صحراء فانطلق بهم حتى أتى بهم على صخرة فأعانهم حتى اقتلعوها وشرب الجيش حتى ارتووا وكان بالقرب منهم دير فلما اطلع صاحب الدير على هذا الامر قال: ما بني هذا الدير الا بذلك


(1) كنز العمال، كتاب الفضائل، الفصل الثاني، فضائل علي بن أبي طالب، الحديث رقم: 1192، ط، الثانية (ج 12 / 209). وابو سعيد الخدري، سعد بن مالك الخزرجي، كان من الحفاظ لحديث رسول الله (ص) (ت: 54 ه‍) ، اسد الغابة (ج 5 / 211) (2) حلية الاولياء (ج 1 / 63)، وتاريخ ابن عساكر (ج 2 / 486)، وشرح نهج البلاغة، ط، مصر الاولى (ج 1 / 450). وانس بن مالك أبو ثمامة الخزرجي، روى عنه البخاري ومسلم 2286 حديثا. اختلف في سنة وفاته من (90 - 93 ه‍)، الاستيعاب، واسد الغابة، الاصابة. (3) تاريخ دمشق لابن عساكر (ج 3 / 5)، والرياض النضرة (ج 2 / 178) عن بريدة وهو: أبو عبد الله بريدة بن الحصيب بن عبد الله الاسلمي قدم المدينة بعد احد فشهد مع رسول الله (ص) مشاهده وتحول بعده إلى البصرة وابتنى بها دارا ثم خرج غازيا إلى خراسان فأقام بمرو وتوفي بها، اسد الغابة (ج 1 / 175) (4) المحاسن والمساوئ لمحمد بن ابراهيم البيهقي (كان حيا قبل: 320 ه‍)، تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم، ط، القاهرة سنة: 1380 ه‍، (ج 1 / 64 - 65).

[218]

الماء وما استخرجه الا نبي أو وصي نبي (1). خبر آخر يؤيد الخبر السابق في صفين لنصر بن مزاحم وتاريخ ابن كثير واللفظ للاول: قال: لما نزل علي الرقة بمكان يقال له بليخ على جانب الفرات، فنزل راهب هناك من صومعته فقال لعلي: ان عندنا كتابا توارثناه عن آبائنا، كتبه أصحاب عيسى بن مريم، أعرضه عليك قال علي: نعم، فما هو ؟ قال الراهب: بسم الله الرحمن الرحيم. [الذي قضى فيما قضى، وسطر فيما سطر، أنه باعث في الاميين رسولا منهم يعلمهم الكتاب والحكمة، ويدلهم على سبيل الله، لا فظ ولا غليظ، ولا صخاب في الاسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، أمته الحمادون الذين يحمدون الله على كل نشز، وفي كل صعود وهبوط، تذل السنتهم بالتهليل والتكبير والتسبيح، وينصره الله على كل من ناواه، فإذا توفاه الله اختلفت أمته ثم اجتمعت، فلبثت بذلك ما شاء الله ثم اختلفت، فيمر رجل من أمته بشاطئ هذا الفرات، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويقضي بالحق، ولا يرتشي في الحكم. الدنيا أهون عليه من الرماد في يوم عصفت به الريح، والموت أهون عليه من شرب الماء على الظماء، يخاف الله في السر، وينصح له في العلانية، ولا يخاف في الله لومة لائم. من أدرك ذلك النبي صلى الله عليه وسلم من أهل هذه البلاد فآمن به كان ثوابه رضواني والجنة، ومن أدرك ذلك العبد الصالح فلينصره، فإن القتل معه شهادة]. ثم قال له: فأنا مصاحبك غير مفارقك حتى يصيبني ما أصابك قال: فبكي علي ثم قال: الحمد لله الذي لم يجعلني عنده منسيا، الحمد لله الذي ذكرني في كتب الابرار. ومضى الراهب معه، وكان - فيما ذكروا - يتغدى مع علي ويتعشى حتى اصيب يوم صفين، فلما خرج الناس يدفنون قتلاهم قال علي: اطلبوه فلما وجدوه، صلى عليه ودفنه، وقال: هذا منا أهل البيت. واستغفر له مرارا (2).


(1) وقعة صفين، ط، المدني بمصر سنة 1382 ه‍: 145 وتاريخ الخطيب (ج 12 / 305) وقد أوردنا الخبر بإيجاز من الاول. وقد بني في مكان الدير منذ قرون مسجد براثا وتغير مجرى نهر دجلة فأصبح قريبا من المسجد المذكور (2) صفين، ص: 147 - 148. وابن كثير (ج 7 / 254). والبليخ: اسم نهر بالرقة، يجتمع فيه الماء من عيون. معجم البلدان.

[219]

الوصية في حديث الاشتر عندما بويع الامام علي (ع) قال مالك بن الحارث الاشتر لما بويع أمير المؤمنين (ع): (أيها الناس هذا وصي الاوصياء، ووارث علم الانبياء، العظيم البلاء الحسن العناء، الذي شهد له كتاب الله بالايمان، ورسوله بجنة الرضوان من كملت فيه الفضائل، ولم يشك في سابقته وعلمه وفضله الاواخر ولا الاوائل) (1). الوصية في كتاب محمد بن أبي بكر. كتب محمد بن أبي بكر إلى معاوية: بسم الله الرحمن الرحيم " من محمد بن أبي بكر إلى الغاوي بن صخر. سلام على أهل طاعة الله ممن هو مسلم لاهل ولاية الله. أما بعد فإن الله..... انتخب محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، فاختصه برسالته، واختاره لوحيه، وائتمنه على أمره، وبعثه رسولا مصدقا لمن بين يديه من الكتب، ودليلا على الشرائع، فدعا إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، فكان أول من أجاب وأناب، وصدق ووافق، وأسلم وسلم، أخوه وابن عمه علي بن أبي طالب عليه السلام، فصدقه بالغيب المكتوم، وآثره على كل حميم فوقاه كل هول، وواساه بنفسه في كل خوف، فحارب حربه، وسالم سلمه، فلم يبرح مبتذلا لنفسه في ساعات الازل، ومقامات الروع، حتى برز سابقا لا نظير له في جهاده، ولا مقارب له في فعله. وقد رأيتك تساميه وأنت أنت. وهو هو المبرز السابق في كل خير، أول الناس اسلاما، وأصدق الناس نية، وأطيب الناس ذرية، وأفضل الناس زوجة، وخير الناس ابن عم..... ثم لم تزل أنت وأبوك تبغيان الغوائل لدين الله، وتجهدان على اطفاء نور الله، وتجمعان على ذلك الجموع، وتبذلان فيه المال، وتخالفان فيه القبائل. على ذلك مات ابوك، وعلى ذلك خلفته، والشاهد عليك بذلك من يأوي ويلجأ إليك من بقية الاحزاب، ورؤس النفاق والشقاق لرسول الله صلى الله عليه وآله. والشاهد لعلي مع فضله المبين وسبقه القديم، انصاره الذين ذكروا بفضلهم في القرآن فأثنى الله عليهم، من المهاجرين والانصار، فهم معه عصائب وكتائب حوله، يجالدون بأسيافهم، ويهريقون دماءهم دونه، يرون الفضل في اتباعه، والشقاء في خلافه،


(1) تاريخ اليعقوبي (ج 2 / 178)

[220]

فكيف - يا لك الويل - تعدل نفسك بعلي، وهو وارث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ووصيه وأبو ولده وأول الناس له اتباعا، وآخرهم به عهدا، يخبره بسره ويشركه في أمره " وكتب معاوية في جوابه: " من معاوية بن أبي سفيان إلى الزاري على أبيه محمد بن أبي بكر. سلام على أهل طاعة الله. أما بعد فقد أتاني كتابك، تذكر فيه ما الله أهله في قدرته وسلطانه وما أصفى به نبيه، مع كلام ألفته ووضعته، لرأيك فيه تضعيف، ولابيك فيه تعنيف. ذكرت حق ابن ابي طالب، وقديم سوابقه وقرابته من نبي الله صلى الله عليه، ونصرته له ومواساته إياه في كل خوف وهول، واحتجاجك علي بفضل غيرك لا بفضلك. فأحمد الها صرف الفضل عنك وجعله لغيرك. وقد كنا وأبوك معنا في حياة من نبينا صلى الله عليه، نرى حق ابن أبي طالب لازما لنا، وفضله مبرزا علينا فلما اختار الله لنبيه صلى الله عليه وآله ما عنده، وأتم له ما وعده، وأظهر دعوته وأفلج حجته. قبضه الله إليه، فكان أبوك وفاروقه أول من ابتزه وخالفه. على ذلك اتفقا واتسقا، ثم دعواه إلى أنفسهم فأبطأ عنهما وتلكأ عليهما، فهما به الهموم، وأرادا به العظيم، فبايع وسلم لهما، لا يشركانه في امرهما، ولا يطلعانه على سرهما، حتى قبضا وانقضى أمرهما. ثم قام بعدهما ثالثهما عثمان بن عفان، يهتدي بهديهما... " إلى آخر الكتاب اوردنا جواب معاوية لما فيه الاعتراف بما ذكره محمد بن أبي بكر، وأورد تمام الكتابين نصر بن مزاحم في كتابه وقعة صفين والمسعودي في مروج الذهب. وأشار اليهما الطبري وابن الاثير في ذكرهما حوادث سنة ست وثلاثين هجرية. روى الطبري بسنده عن يزيد بن ظبيان: " ان محمد بن أبي بكر كتب إلى معاوية بن أبي سفيان لما ولي فذكر مكاتبات جرت بينهما كرهت ذكرها لما فيه مما لا يحتمل سماعه العامة... " إذا فإن الطبري لم يورد في موسوعته التاريخية الكبرى ما دار بين محمد بن أبي بكر ومعاوية من مكاتبات لانه لم ير من الحكمة ان يطلع عليها عامة الناس وليس من باب عدم اعتماده على صحة الخبر. وتبعه العلامة ابن الاثير ولم يورد تلك المكاتبات في موسوعته التاريخية الكامل وذكر نفس العلة وقال: كرهت ذكرها لما فيه مما لا يحتمل سماعه العامة (1).


(1) صفين لنصر بن مزاحم، ط، القاهرة سنة: 1382 ه‍، ص: 118 - 119 وتاريخ الطبري ط، أروپا (ج 1 / 3248) وتاريخ ابن الاثير، ط، أروپا (ج 3 / 108) ومروج الذهب للمسعودي، ط، بيروت سنة: 1385 ه‍ (ج 3 / 11)، وقال: ان محمد بن أبي بكر كتب الكتاب إلى معاوية من مصر لما ولاه الامام علي.

[221]

الوصية في كتاب عمرو بن العاص روى الخوارزمي كتابا لعمرو بن العاص إلى معاوية قال فيه: " فاما ما دعوتني إليه....، وإعانتي إياك على الباطل، واختراط السيف في وجه علي وهو أخو رسول الله (ص) ووصيه ووارثه، وقاضي دينه ومنجز وعده وزوج إبنته.... " (1) الوصية في كلام الامام علي (ع) واحتجاجه روى الخوارزمي من كلام الامام علي (ع): (2) " أنا أخو رسول الله (ص) ووصيه.... ". وروى ابن أبي الحديد، من كتاب للامام علي (ع) إلى أهل مصر: " واعلموا انه لا سوى امام الهدى وامام الردى ووصي النبي وعدو النبي " (3) وذكر اليعقوبي احتجاج الخوارج على الامام علي (ع) وجاء فيه: أنه ضيع الوصية، فكان من جوابه (ع): " أما قولكم اني كنت وصيا فضيعت الوصية فان الله عزوجل يقول: " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين " أفرأيتم هذا البيت لو لم يحج إليه احد كان البيت يكفر ؟ إن هذا البيت لو تركه من استطاع إليه سبيلا كفر، وأنتم كفرتم بترككم إياي لا أنا بتركي لكم... الخ " (4). الوصية في خطب الامام علي (ع). في الخطبة 182 من نهج البلاغة، قال الامام: " أيها الناس إني قد بثثت لكم المواعظ التي وعظ الانبياء بها أممهم وأديت إليكم ما أدت الاوصياء إلى من بعدهم.... " وفي الخطبة: 88 منه، قال: " ومالي لا أعجب من خطأ هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها


(1) مناقب الخوارزمي، ص: 125. (2) مناقب الخوارزمي، ص: 143. (3) شرح النهج لابن ابي الحديد (ج 2 / 28). (4) تاريخ اليعقوبي (ج / 192).

[222]

لا يقتصون أثر نبي ولا يقتدون بعمل وصي. " وفي الخطبة الثانية منه، قال: " لا يقاس بآل محمد صلى الله عليه وآله من هذه الامة أحد ولا يسوى بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا هم أساس الدين.... ولهم خصائص حق الولاية وفيهم الوصية والوراثة..... ". الوصية في خطبة الامام الحسن (ع) خطب الامام الحسن (ع) بعد مقتل أبيه وقال في خطبته: " أنا الحسن بن علي أنا ابن الوصي... " (1) الحديث. الوصية في خطبة الامام الحسين (ع) خطب الامام الحسين (ع) يوم العاشر من محرم على جيش الخليفة يزيد وقال في خطبته في مقام الاحتجاج عليهم: " أما بعد فانسبوني فانظروا من أنا ثم ارجعوا إلى انفسكم وعاتبوها هل يجوز لكم قتلي وانتهاك حرمتي. ألست ابن بنت نبيكم (ص) وابن وصيه وابن عمه واول القوم اسلاما وأول المؤمين بالله والمصدق لرسوله بما جاء من عند ربه. أو ليس حمزة سيد الشهداء عم أبي ؟ أو ليس جعفر الشهيد الطيار ذو الجناحين عمي ؟ " (2). إذا كان ما وصف به الامام الحسين أباه الامام عليا من أنه وصي رسول الله صلى الله عليه وآله مشهورا عندهم كشهرة نبوة جده وأن عم أبيه سيد الشهداء حمزة وأن عمه الطيار ذو الجناحين جعفر ولذلك ذكره في ذكر نسبه ولم يرد عليه احد منهم. عبد الله بن علي عم الخليفة العباسي السفاح يحتج بالوصية دعا العباسيون في بادئ أمرهم الناس إلى القيام ضد الامويين باسم آل محمد


(1) نقلنا الخبر من مستدرك الحاكم (ج 3 / 172) وراجع ذخائر العقبى، ص: 138، وفي مجمع الزوائد للهيتمي (ج 9 / 146) عن الطبراني وغيره. (2) في الخطبة التي رواها الطبري في، ط، أروپا (ج 2 / 329) وابن الاثير، ط، أروپا (ج 4 / 52) وأورد الخطبة ابن كثير في (ج 8 / 179) وحذف منها ما ذكره الامام الحسين في وصف أبيه وكتب بدلها " وعلي أبي " وأورد الباقي.

[223]

وكان يدعى أبو مسلم أمير آل محمد (1) وكانوا يحتجون على خصومهم بالنصوص التي وردت عن رسول الله (ص) في حق آله بالحكم، ولما تم لهم الاستيلاء على الحكم أداروا ظهرهم لآل محمد، وممن احتج بالوصية عم السفاح اول الخلفاء العباسيين، فقد روى الذهبي عن أبي عمرو الاوزاعي (2) ما ما موجزه: لما قدم عبد الله بن علي عم السفاح الشام وقتل بني أمية بعث إلي وقال في كلامه: " ويحك أو ليس الامر لنا ديانة ؟ قلت: كيف ذاك ؟ قال: أليس كان رسول الله صلى الله عليه وآله أوصى لعلي ؟ قلت لو اوصى إليه لما حكم الحكمين. فسكت وقد اجتمع غضبا فجعلت أتوقع رأسي يسقط في يدي، فقال بيده هكذا أومى أن أخرجوه فخرجت.... الحديث. إن الاوزاعي احتج في رد الوصية بما احتج به الخوارج على الامام علي وجوابه جواب الامام للخوارج.


(1) تاريخ اليعقوبي والتنبيه والاشراف للمسعودي ص: 293 وتاريخ ابن الاثير (ج 5 / 139] 142] 194 في ذكر حوادث سنة 129 و 130. (2) بترجمته في تذكرة الحفاظ (ج 1 / 181).

[224]

شهرة لقب وصي النبي (ص) للامام علي وانتشار ذكره في أشعار الصحابة والتابعين وكتب اللغة كان لقب الامام علي (ع) بالوصي مشهورا في الصدر الاسلامي الاول وانتشر ذلك في كتب اللغة، فقد ورد في مادة الوصي من تاج العروس: " والوصي كغني لقب علي رضي الله تعالى عنه ". وفي لسان العرب: " وقيل لعلي (ع) وصي "، وسيأتي قول المبرد في الكامل في اللغة بعيد هذا. وورد ذكره في شعر الشعراء منذ عصر الصحابة مثل قول حسان بن ثابت شاعر النبي (ص) في قصيدته بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله: جزى الله عنا والجزاء بكفه * أبا حسن عنا ومن كأبي حسن حفظت رسول الله فينا وعهده * اليك ومن أولى به منك من ومن ألست أخاه في الهدى ووصيه * وأعلم منهم بالكتاب والسنن (1) وروى الزبير بن بكار في الموفقيات عن بعض شعراء قريش في مدح عبد الله ابن عباس قوله: والله ما كلم الاقوام من بشر * بعد الوصي علي كابن عباس (2) وقال الوليد بن عقبة بن ابي معيط في مقتل عثمان. ألا ان خير الناس بعد ثلاثة * قتيل التجيبي الذي جاء من مصر فأجابه الفضل بن عباس بأبيات جاء فيه: ألا ان خير الناس بعد محمد * وصي النبي المصطفى عند ذي الذكر وأول من صلى وصنو نبيه * وأول من أردى الغواة لدى بدر (3)


(1) الموفقيات للزبير بن بكار، ط، بغداد، سنة: 1972 م، ص: 591 - 598 وورد شعر حسان في تاريخ اليعقوبي (ج 2 / 128) مع اختلاف في اللفظ، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ط، الاولى (ج 1 / 15). (2) الموفقيات ص: 575، وشرح نهج البلاغة، ط، مصر الاولى (ج 1 / 13). (3) تاريخ الطبري، ط، اروپا (ج 1 / 3064 و 3065) وتاريخ ابن الاثير، ط، اروپا (ج 3 / 152) في ذكرهما ما رثي به عثمان. والوليد بن عقبة بن أبي معيط ابن ذكوان وكان ذكوان عبدا لامية فتبناه وألحقه بنسبه، وأم الوليد اروى ام الخليفة - >

[225]

وقال النعمان بن عجلان شاعر الانصار في قصيدته - أيضا - بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله: وكان هوانا في علي وإنه * لاهل لها يا عمر ومن حيث لا تدري وصي النبي المصطفى وابن عمه * وقاتل فرسان الضلالة والكفر قال ذلك في جواب عمرو بن العاص حين أغاض الانصار في حوادث السقيفة وانتصار الامام علي للانصار من مهاجرة قريش (1) وقال ابن ابي الحديد: ومن الشعر المقول في صدر الاسلام المتضمن كونه عليه السلام وصي رسول الله (ص) قول عبد الله بن أبي سفيان بن الحرث بن عبد المطلب: ومنا علي ذاك صاحب خيبر * وصاحب بدر يوم سالت كتائبه وصي النبي المصطفى وابن عمه * فمن ذا يدانيه ومن ذا يقاربه ؟ وقال عبد الرحمن بن جعيل: لعمري لقد بايعتم ذا حفيظة * على الدين معروف العفاف موفقا عليا وصي المصطفى وابن عمه * وأول من صلى أخا الدين والتقى (2) الوصية في الاشعار التي قيلت في حرب الجمل (3) وقال ابن أبي الحديد أيضا:


- > عثمان، ارسله رسول الله (ص) مصدقا إلى بني المصطلق فخرجوا يتلقونه فهابهم فعاد إلى رسول الله (ص) وأخبر انهم ارتدوا ومنعوا الصدقة فنزلت فيه " ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا " الاية، فأرسل إليهم رسول الله (ص) غيره فأخبروه أنهم متمسكون بالاسلام. ولاه الخليفة عثمان الكوفة فشرب الخمر وصلى بهم صلاة الصبح اربعا وهو سكران فعزله عثمان وقد ذكرنا تفصيل خبره في أول ذكر أخبار عصر الصهرين من كتاب احاديث عائشة. أقام في الرقة بعد عثمان وتوفي بها. ترجمته في اسد الغابة والاصابة. والفضل بن العباس، بن عبد المطلب، أكبر ولد العباس، شهد مع النبي (ص) فتح مكة وحنينا وثبت معه حين انهزم الناس وشهد غسل رسول الله (ص) ودفنه واستشهد يوم مرج الصفراء أو اجنادين بالشام وكلاهما سنة ثمان عشرة هجرية وقيل استشهد يوم اليرموك. وترجمته في الاستيعاب واسد الغابة والاصابة. (1) النعمان بن عجلان الزرقي الانصاري لسان الانصار وشاعرهم استعمله علي على البحرين. ترجمته في الاستيعاب، ط، حيدر آباد (ج 1 / 298) رقم: 1323، واسد الغابة (ج 5 / 26) والاصابة (ج 3 / 532) ونسبه في الجمهرة ص: 327 - 338 والاشتقاق ص: 461 والابيات عن كتاب الموفقيات للزبير بن بكار ص: 592 - 594، ورواه ابن ابي الحديد في شرح نهج البلاغة، تحقيق محمد أبو الفضل، (ج 6 / 31). (2) شرح نهج البلاغة، (ج 1 / 47). (3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (ج 1 / 47 - 49).

[226]

وقال أبو الهيثم بن التيهان وكان بدريا: قل للزبير وقل لطلحة اننا * نحن الذين شعارنا الانصار نحن الذين رأت قريش فعلنا * يوم القليب أولئك الكفار كنا شعار نبينا ودثاره * يفديه منا الروح والابصار ان الوصي امامنا وولينا * برح الخفاء وباحت الاسرار وقال عمر بن حارثة الانصاري في محمد بن الحنفية من أبيات أنشأها يوم الجمل: سمي النبي وشبه الوصي * ورايته لونها العند م وقال رجل من الازد يوم الجمل: هذا علي وهو الوصي * آخاه يوم النجوة النبي وقال هذا بعدي الولي * وعا واع ونسي الشقي وخرج يوم الجمل غلام من ضبة شاب معلم من عسكر عائشة وهو يقول: نحن بنو ضبة أعداء علي * ذاك الذي يعرف قدما بالوصي وفارس الخيل على عهد النبي * ما أنا عن فضل علي بالعمي لكنني انعي ابن عفان التقي * ان الولي طالب ثار الولي وقال سعيد بن قيس الهمداني يوم الجمل، وكان في عسكر علي (ع): قل للوصي أقبلت قحطانها * فادع بها تكفيكها همدانها وقال حجر بن عدي الكندي في ذلك اليوم أيضا: يا ربنا سلم لنا عليا * سلم لنا المبارك المرضيا المؤمن الموحد التقيا * لا خطل الرأي ولا غويا بل هاديا موفقا مهديا * واحفظه ربي واحفظ النبيا فيه فقد كان له وليا * ثم ارتضاه بعده وصيا وقال خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، وكان بدريا يوم الجمل أيضا: يا وصي النبي قد أجلت الحر * ب الاعادي وسارت الاضعان واستقامت لك الامور من الش‍ * ام وفي الشام يظهر الاذعان حسبهم ما رأوا وحسبك منا * هكذا نحن حيث كنا وكانوا وقال خزيمة يوم الجمل أيضا في أبيات يخاطب بها أم المؤمنين عائشة: وصي رسول الله من دون أهله * وأنت على ما كان من ذاك شاهد وخطب ابن الزبير يوم الجمل، وخطب الحسن (ع) بعده فقال عمر بن احيحة في ذلك:

[227]

حسن الخير يا شبيه أبيه * قمت فينا مقام خير خطيب......... *........ لست كابن الزبير لجلج في القو * ل وطاطا عنان فسل مريب وأبى الله ان يقوم بما قا * م به ابن الوصي وابن النجيب إن شخصا بين النبي - لك ال‍ * خير - وبين الوصي غير مشوب وقال ابن أبي الحديد بعد ايراد الابيات التي أوردنا مختصرا منها: ذكره هذه الاشعار والاراجيز بأجمعها أبو مخنف لوط بن يحيى في كتاب وقعة الجمل، وأبو مخنف من المحدثين وممن يرى صحة الامامة بالاختيار وليس من الشيعة ولا معدودا من رجالها، ومما رويناه من أشعار صفين التي تتضمن تسميته عليه السلام بالوصي ما ذكره نصر بن مزاحم بن يسار المنقري في كتاب صفين وهو من رجال الحديث. الوصية في الاشعار التي قيلت بصفين لما كتب الامام علي إلى جرير بن عبد الله البجلي والاشعث بن قيس الكندي وكانا من ولاة عثمان في البلاد الايرانية فأجاب جرير بشعر جاء فيه: أتانا كتاب علي فلم * نرد الكتاب بأرض العجم........ *......... عليا عنيت وصي النبي * نجالد عنه غواة الامم (1) ومما قيل على لسان الاشعث في جواب كتاب الامام (2) أتانا الرسول رسول علي * فسر بمقدمه المسلمونا


(1) صفين ص: 15 - 18. (2) كان الامراء إذا لم يكونوا ممن ينظم الشعر يطلبون ممن معهم في موارد خاصة ان ينظموا في الجواب عنهم وكان هذا المقام من الاشعث من تلك الموارد. وجرير بن عبد الله البجلي اسلم قبل وفاة النبي (ص) بأربعين يوما، شهد حرب القادسية ارسله رسول الله (ص) لتهديم صنم لخثعم في ذي الخلصة فذهب إليها وأحرقها توفي سنة احدى أو اربع وخمسين هجرية، ترجمته في: الاستيعاب واسد الغابة والاصابة. والاشعث بن قيس الكندي اسلم مع وفد قومه إلى رسول الله (ص) في السنة العاشرة ولم يدفع الصدقة لجباة الخليفة ابي بكر فقاتلوه وأسروه فأطلقه الخليفة وزوجه أخته ام فروة، وشهد بعض فتوح الشام والعراق، واستعمله عثمان على اذربيجان، وشهد صفين مع علي وكان ممن الزم علينا بالتحكيم وشهد الحكمين بدومة الجندل، وتوفي بالكوفة بعد مقتل الامام علي بأربعين ليلة. ترجمته في: الاستيعاب واسد الغابة والاصابة.

[228]

رسول الوصي وصي النبي * له الفضل والسبق في المؤمنينا........ *........ وزير النبي وذو صهره * وسيف المنية في الظالمينا وقيل على لسانه ايضا: أتانا الرسول رسول الوصي * علي المهذب من هاشم رسول الوصي وصي النبي * وخير البرية من قائم وزير النبي وذو صهره * وخير البرية في العالم (1) وبعد أن أعطى معاوية مصر لعمرو طعمة ليعينه على قتال الامام علي، قال الامام في ذلك شعرا، جاء فيه: يا عجبا لقد سمعت منكرا * كذبا على الله يشيب الشعرا يسترق السمع ويغشي البصرا * ما كان يرضى أحمدا لو خبرا ان يقرنوا وصيه والابترا * شانى الرسول واللعين الا خزرا (2) ولما وقع خلاف بين جيش الامام علي في عزل الاشعث من قيادة قبيلته وتعيين غيره، قال النجاشي في ذلك: رضينا بما يرضى علي لنا به * وان كان في ما يأتي جدع المناخر وصي رسول الله دون أهله * ووارثه بعد العموم الاكابر (3) ومما ورد في الاشعار التي قيلت في يوم صفين ما ورد في شعر النضر بن عجلان الانصاري قوله: كيف التفرق والوصي امامنا * لا كيف الا حيرة وتخاذلا وذروا معاوية الغوي وتابعوا * دين الوصي تصادفوه عاجلا (4)


(1) صفين، ص: 20 - 24. (2) صفين، ص: 34 - 43. (3) صفين، ص: 137. والعموم جمع العم. والنجاشي قيس بن عمرو شاعر مخضرم اشتهر في الجاهلية والاسلام اصله من نجران اليمن، سكن الكوفة، توفي نحو 40 ه‍، الاعلام للزركلي. (4) صفين، ص: 365.

[229]

وقال حجر بن عدي الكندي: يا رب سلم لنا عليا * سلم لنا المهذب النقيا المؤمن المسترشد المرضيا * واجعله هادي أمة مهديا لا خطل الرأي ولا غبيا * واحفظه ربي حفظك النبيا فإنه كان له وليا * ثم ارتضاه بعده وصيا (1) وقال عبد الرحمن بن ذؤيب الاسلمي: ألا أبلغ معاوية بن حرب * أما لك لا تنيب إلى الصواب.......... *.......... فان تسلم وتبقى الدهر يوما * نزرك بجحفل شبه الهضاب يقودهم الوصي اليك حتى * يردك عن غواءك وارتياب (2) وقال المغيرة بن الحارث بن عبد المطلب: يا شرطة الموت صبرا لا يهولكم * دين ابن حرب فإن الحق قد ظهرا.......... *.......... فيكم وصي رسول الله قائدكم * وأهله وكتاب الله قد نشرا (3) وقال الفضل بن العباس أيضا: وصي رسول الله من دون اهله * وفارسه ان قيل هل من منازل (4) وقال المنذر بن أبي حميضة الوادعي في شعره: ليس منا من لم يكن لك في ال‍ * - له وليا يا ذا الولا والوصية (5)


(1) صفين، ص: 381. وحجر بن عدي الكندي المعروف بحجر الخير، وفد على النبي صلى الله عليه وآله وشهد القادسية وشهد مشاهد الامام علي وكان على كندة بصفين، وأرسله زياد مع جماعة إلى معاوية فقتلهم بمرج عذراء سنة احدى وخمسين هجرية، وقال حجر: إني لاول المسلمين كبر في نواحيها، أي عندما فتحها المسلمون. (2) صفين، ص: 382. (3) صفين، ص: 385. والمغيرة بن حارث بن عبد المطلب وهو أخو أبو سفيان بن الحارث الشاعر، وقال بعضهم انهما شخص واحد. ترجمتهما باسد الغابة في الاسماء والكنى. (4) صفين، ص: 416، وشرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد، ط، الاولى، (ج 1 / 284). (5) صفين، ص: 436، وكان فارس همدان وشاعرهم، ووداعة: بطن من همدان، الاشتقاق لابن دريد. وفي ترجمته في الاصابة: " له ادراك، وهو أول من جعل سهم البراذين دون سهم العراب فبلغ الخبر الخليفة عمر فأعجبه ذلك وقال: امضوها على ما قال: الاصابة، (ج 3 / 478).

[230]

الوصية في شعر المأمون قد دفعت سياسة التقرب إلى العلويين الخليفة العباسي المأمون، أن ينتخب الامام عليا الرضا وليا للعهد ويذكر الوصية في شعره فقد قال: ألام على حبي الوصي أبا الحسن * وذلك من أعاجيب الزمن (1) وقال المأمون أيضا: ومن غاو يغص علي غيضا * إذا أذنيت اولاد الوصي (2) وروى المبرد في الكامل وقال: قال الكميت: والوصي الذي أمال التجو * بى به عرش أمة لا انهدام.......... *.......... قال المبرد " قوله الوصي، فهذا شئ كانوا يقولونه ويكثرون " (3) إذا فالامام علي كان مشهورا بأنه وصي الرسول (ص) حتى اصبح الوصي لقبا له كما كان مشهورا بكنيته أبي تراب. واستشهد المبرد على قوله بأن الامام عليا كان مشهورا بلقب الوصي بما ورد في شعر أبي الاسود الدؤلي قوله " الوصي " مع اسم حمزة والعباس، بلا تعريف لاحدهم حيث قال: احب محمدا حبا شديدا * وعباسا وحمزة والوصيا (4) وقول الحميري:


(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (ج 2 / 22). (2) المحاسن والمساوئ للبيهقي، 1 / 105. (3) التجوبي، كذا ورد في الاصل. الكامل للمبرد، ط، مكتبة المعارف، بيروت، (ج 2 / 151). والمبرد هو، أبو العباس، محمد بن يزيد الازدي الثمالي البصري، قال الخطيب البغدادي بترجمته: شيخ أهل النحو وحافظ علوم العربية، من تأليفه: " الكامل في اللغة " توفي ببغداد سنة: 285 ه‍، ترجمته بتاريخ بغداد (ج 3 / 380)، وكشف الظنون، مادة، الكامل. والكميت: أبو المستهل ابن زيد الاسدي، من اهل الكوفة، كان عالما بآداب العرب ولغاتها وأخبارها وأنسابها، ثقة في علمه. ترجم شعره الهاشميات إلى الالمانية، (ت: 126 ه‍). الاعلاام للزركلي 6 / 92. (4) الكامل للمبرد (ج 2 / 152). وأورده أبو الفرج بترجمة الحميري في الاغاني، ط، ساسي، 7 / 10. وأبو الاسود، ظالم بن عمرو الدؤلي، من الفقهاء والاعيان والشعراء، واضع علم النحو، رسم له علي بن أبي طالب شيئا من اصول النحو فكتب فيه أبو الاسود، وأخذ عنه جماعة، وهو أول من نقط المصحف، شهد مع علي (ع) صفين، توفي بالبصرة سنة: 69 ه‍ الاعلام للزركلي 3 / 34.

[231]

اني أدين بما دان الوصي به * يوم النخيلة من قتال المحلينا (1) وقوله أيضا: والله من عليهم بمحمد * وهداهم وكسا الجنوب وأطعما ثم انبروا لوصيه ووليه * بالمنكرات فجرعوه العلقما (2) حديث عائشة يدل على أن عليا كان وصي الرسول ومما يدل على ان الامام عليا كان مشهورا بين الصحابة بأنه وصي رسول الله (ص) مضافا إلى ما أوردناه، رواية أم المؤمنين عائشة كما في صحيح مسلم، قال: ذكروا عند عائشة أن عليا كان وصيا فقالت متى اوصى إليه فقد كنت مسندته إلى صدري أو قالت حجري فدعا بالطست فلقد انخنث في حجري وما شعرت أنه قد مات فمتى اوصى إليه (3). كانت ام المؤمنين عائشة بحاجة إلى استنفار الناس للحرب ضد الامام علي والتي سميت في التاريخ باسم حرب الجمل ومن ثم نرى أن هذه المذاكرة لم تجر عفوا وانما كانت شبيهة بالاحتجاج عليها في ما اشتهر للامام بانه وصي النبي وكان هذا الموقف منها متناسبا مع هذا الواقع التاريخي وكذلك متناسبا مع مواقفها الاخرى مع الامام علي فقد روى ابن سعد عن عائشة في خبر مرض رسول الله (ص) انها قالت: " فخرج بين رجلين تخط رجلاه في الارض بين ابن عباس تعني الفضل، وبين رجل آخر، قال: عبيدالله: فأخبرت ابن عباس بما قالت قال: فهل تدري من الرجل الاخر الذي لم تسم عائشة، قال: قلت: لا ! قال ابن عباس: هو


(1) الكامل للمبرد (ج 2 / 175) وأورد البيت وتفصيل سبب انشاد السيد الحميري الشعر، في الاغاني، ط، ساسي (ج 7 / 21). والسيد الحميري، اسماعيل بن محمد، كان واحدا من ثلاثة أكثر الناس شعرا في الجاهلية والاسلام، كان مقدما عند الخليفتين المنصور والمهدي العباسيين، توفي سنة: 173 ه‍. الاعلام للزركلي 1 / 320. (2) في ترجمة السيد الحميري، من الاغاني (ج 9 / 6). (3) صحيح مسلم * شرح النووي، كتاب الوصية، (ج 11 / 89)، وصحيح البخاري، كتاب الوصية، باب الوصايا، فتح الباري (ج 6 / 291)

[232]

علي ! ان عائشة لا تطيب له نفسا بخير " (1) وفي مسند احمد، (ج 6 / 113): جاء رجل فوقع في علي وفي عمار عند عائشة فقالت: اما علي فلست قائلة لك فيه شيئا وأما عمار فإني سمعت رسول الله (ص) يقول فيه: " لا يخير بين أمرين الا اختار ارشدهما " هكذا كانت ام المؤمنين تدفع عن عمار الوقيعة وتسكت عمن ينال من الامام علي حديث ثالث في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما واللفظ لمسلم: عن عائشة ان رسول الله (ص) بعث رجلا على سرية وكان يقرأ لاصحابه في صلاتهم ب‍ (قل هو الله أحد) فلما رجعوا ذكر ذلك لرسول الله (ص) فقال سلوه لاي شئ يصنع ذلك، فسألوه، فقال: لانها صفة الرحمن، فأنا أحب أن أقرأ بها، فقال رسول الله (ص): اخبروه أن الله يحبه (2) يا ترى من يكون هذا الرجل الذي يحبه الله ولم تر عائشة ان تذكر اسمه، انه لو كان والدها الخليفة ابا بكر أو الخليفة عمر أو غيرهما من ذوي عصبتها مثل ابن عمها طلحة ونظرائهم لذكرت اسمه ومهما بحثنا في مصادر مدرسة الخلفاء لم نجد اسمه فاضطررنا إلى مراجعة مصادر مدرسة اهل البيت فوجدنا الخبر في تفسير سورة الاخلاص من تفسير مجمع البيان وتفسير البرهان، وباب معنى، قل هو الله احد، من كتاب التوحيد للشيخ ابي جعفر محمد بن علي الصدوق (ت: 381 ه‍) واللفظ للاخير: عن الصحابي عمران بن حصين ان النبي (ص) بعث سرية واستعمل عليها عليا (ع) فلما رجعوا سألهم، فقالوا كل خير، غير انه قرأ بنا في كل صلاة ب‍ " قل هو الله احد " فقال: لم فعلت هذا ؟ فقال: لحبي ل‍ " قل هو الله احد " فقال النبي (ص): ما احببتها حتى احببك


(1) طبقات ابن سعد، ط، بيروت، (ج 2 / 232) وقد أورد البخاري الحديث نفسه في صحيحه باب مرض النبي ووفاته (ج 3 / 63) وهذا لفظه: " فقال ابن عباس: هل تدري من الرجل الاخر الذي لم تسم عائشة ؟ قال: قلت: لا، قال ابن عباس: هو علي بن أبي طالب " حذف البخاري من الحديث قول ابن عباس " ان عائشة لا تطيب له نفسا بخير ". (2) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب: فضل قراءة قل هو الله احد، الحديث رقم: 263، ص: 557. صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي (ص) أمته في توحيد الله تبارك وتعالى، (ج 4 / 182).

[233]

الله عزوجل (1) ولصحة هذا الحديث شاهدان قويان: أ - في صحيح البخاري وغيره، ان ام المؤمنين عائشة عبرت في حديثها عن الامام علي بلفظ رجل وكذلك فعلت في هذا الحديث. ب - ورد في صحيح البخاري وغيره ان رسول الله (ص) قال لعلي: يحبه الله كما قال في هذا الحديث: أحبك الله. هكذا لا تذكر أم المؤمنين عائشة اسم علي في حديثها وتكني عنه بالرجل، ولم تقتصر بهذا المقدار من الجفوة بل زادت، كما سنذكر بعضها في ما يأتي. ام المؤمنين تظهر السرور بقتل الامام علي وأكثر من كل ما ذكرناه ما رواه أبو الفرج في مقتل الامام علي وقال: " لما أن جاء عائشة قتل الامام علي سجدت " (2) أي: سجدت شكرا لله مما بشروها به. وروى الطبري وأبو الفرج وابن سعد وابن الاثير وقالوا: لما أتى عائشة نعي علي قالت: فألقت عصاها واستقر بها النوى * كما قر عينا بالاياب المسافر ثم قالت: من قتله ؟ فقيل: رجل من مراد، فقالت: فان يكن نائيا فلقد نعاه * غلام ليس في فيه التراب فقالت زينب بنت ام سلمة: العلي تقولين هذا ؟ فقالت: إذا نسيت فذكروني (3) ثم تمثلت: ما زال إهداء القصائد بيننا * باسم الصديق وكثرة الالقاب حتى تركت كأن قولك فيهم * في كل مجتمع طنين ذباب (4)


(1) تفسير مجمع البيان للشيخ أبي علي أمين الدين، الفضل بن الحسن الطبرسي (ت: 548 ه‍)، تصحيح احمد عارف الزين، مطبعة العرفان، صيدا، سنة 1333 - 1356 ه‍، (ج 10 / 567)، وتفسير البرهان للسيد هاشم البحراني، (ت: 1107 أو 1109 ه‍) ط، الثالثة، قم، سنة، 1394 ه‍، (ج 4 / 521). توحيد الصدوق، ط، تهران، سنة 1387 ه‍، ص: 94، 11. وعمران بن حصين أبو نجيد الخزاعي اسلم عام خيبر بعثه عمر ليفقه اهل البصرة وكان من فضلاء الصحابة ومجاب الدعوة توفي بالبصرة سنة 52 ه‍. أسد الغابة (ج 4 / 137 - 138). (2) مقاتل الطالبيين، ط، القاهرة، سنة، 1368 ه‍، ص: 43. (3) تاريخ الطبري في ذكر سبب عن مقتل أمير المؤمنين من حوادث سنة 40 ه‍، وكذلك ابن الاثير وطبقات ابن سعد (ج 3 / 27)، ومقاتل الطالبيين ص: 42 وفي لفظه: (بغاه غلام) وفي لفظ غيره: (نعاه). (4) ورد تمثل أم المؤمنين بالبيتين في مقاتل الطالبيين، ص: 42.

[234]

مقارنة أحاديث أم المؤمنين عائشة بأحاديث غيرها كان ما ذكرناه بعض مواقف ام المؤمنين عائشة من الامام علي، أما قولها متى أوصى إليه وانخنث فمات في صدري أو حاقنتي وذاقنتي، فقد تفردت هي بروايتها ويعارضها الروايات الاتية: قال ابن سعد في طبقاته باب من قال توفي رسول الله (ص) في حجر علي بن أبي طالب، عن الامام علي: " قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في مرضه ادعوا لي أخي، قال: فدعي له علي فقال: ادن مني، فدنوت منه فاستند الي فلم يزل مستندا الي وإنه ليكلمني حتى ان بعض ريق النبي، صلى الله عليه وسلم، ليصيبني ثم نزل برسول الله، صلى الله عليه وسلم، وثقل في حجري.... " الحديث. وروى عن علي بن الحسين، قال: " قبض رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ورأسه في حجر علي. ". وعن الشعبي، قال: " توفي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ورأسه في حجر علي وغسله علي. ".... الحديث. وروى عن أبي غطفان، قال: " سألت ابن عباس أرأيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، توفي ورأسه في حجر أحد ؟ قال: توفي وهو لمستند إلى صدر علي، قلت: فإن عروة حدثني عن عائشة أنها قالت توفي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بين سحري ونحري ! فقال ابن عباس: أتعقل ؟ والله لتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنه لمستند إلى صدر علي، وهو الذي غسله... " الحديث. وروى عن جابر بن عبد الله الانصاري: " ان كعب الاحبار قام زمن عمر فقال ونحن جلوس عند عمر أمير المؤمنين: ما كان آخر ما تكلم به رسول الله، صلى الله عليه وسلم ؟ فقال عمر: سل عليا، قال: أين هو ؟ قال: هو هنا، فسأله فقال علي: أسندته إلى صدري فوضع رأسه على منكبي فقال: الصلاة الصلاة ! فقال كعب: كذلك آخر عهد الانبياء وبه أمروا وعليه يبعثون، قال فمن غسله يا امير المؤمنين ؟ قال سل عليا، قال فسأله فقال:

[235]

كنت أنا أغسله وكان عباس جالسا وكان أسامة وشقران يختلفان إلي بالماء. " (1) لو كان النبي انخنث وتوفي بين سحر عائشة ونحرها أو حاقنتها وذاقنتها كما قالت هي لقال الخليفة عمر لكعب الاحبار: سل أم المؤمنين عائشة عن آخر ما تكلم به رسول الله (ص) ولم يكن يحيله على الامام علي. وأقوى من كل الروايات السابقة رواية من شهدت ذلك من أمهات المؤمنين وهي أم سلمة قالت: " والذي أحلف به أن كان علي لاقرب الناس عهدا برسول الله (ص) عدناه غداة وهو يقول: جاء علي، جاء علي، مرارا فقالت فاطمة كأنك بعثته في حاجة، قالت: فجاء بعد، فظننت أن له إليه حاجة، فخرجنا من البيت فقعدنا عند الباب، قالت أم سلمة: وكنت من أدناهم إلى الباب، فأكب عليه رسول الله (ص) وجعل يساره ويناجيه، ثم قبض (ص) من يومه ذلك فكان أقرب الناس به عهدا " (2) وفي رواية عبد الله بن عمرو " أن رسول الله (ص) قال في مرضه ادعوا لي أخي - إلى قوله - فدعي له علي فستره بثوبه وأكب عليه..... " (3) الحديث. ومما قاله الامام علي (ع) عن وفاة رسول الله (ص) قوله: " فلقد وسدتك في ملحودة قبرك، وفاضت بين نحري وصدري نفسك فإنا لله وإنا إليه راجعون " (4). وقال أيضا: " ولقد قبض رسول الله - صلى الله عليه وآله - وان رأسه لعلى صدري. ولقد


(1) هذه الاحاديث الخمسة في طبقات ابن سعد، باب، من قال: توفي رسول الله (ص) في حجر علي بن أبي طالب. ط، أروپا، (ج 2 / ق 2 / 51). (2) أخرجه الحاكم في مستدركه (ج 3 / 139) وقال هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه، واعترف بصحته الذهبي في تلخيص المستدرك، واخرجه ابن عساكر في باب، انه كان أقرب الناس عهدا برسول الله (ص) من ترجمة الامام علي (ج 3 / 14 - 17) بطرق متعددة، وفي مصنف ابن أبي شيبة (ج 6 / 348) ومجمع الزوائد (ج 9 / 112) وكنز العمال، ط، الثانية، كتاب الفضائل، فضائل علي بن أبي طالب، الحديث: 374، (ج 15 / 128) وأخرجه سبط ابن الجوزي، في تذكرة خواص الامة، باب حديث النجوى والوصية عن كتاب الفضائل لاحمد بن حنبل. (3) كنز العمال، ط، الاولى، (ج 6 / 392)، وتاريخ ابن كثير (ج 7 / 359)، وترجمة الامام علي من تاريخ ابن عساكر، ط، بيروت، سنة 1395 ه‍ (ج 2 / 484). (4) نهج البلاغة، الخطبة: 202.

[236]

سالت نفسه في كفي، فأمررتها على وجهي. ولقد وليت غسله - صلى الله عليه وآله - والملائكة أعواني، فضجت الدار والافنية: ملا يهبط، وملا يعرج، وما فارقت سمعي هينمة منهم يصلون عليه حتى واريناه في ضريحه (1) " مناقشة أحاديث أم المؤمنين عائشة تفردت أم المؤمنين عائشة برواية، أن النبي (ص) توفي في حجرها في مقابل كل تلكم الاحاديث. وأغلب الظن كما قلنا سابقا أنها قالت ذلك في حرب البصرة، أي بعد زمان الخليفتين عمر وعثمان وكذلك يناسب هذا القول عصر معاوية حيث كان ينهى عن نقل فضائل الامام ويأمر بنقل ما يناقضها. وعلى فرض صحة قول عائشة أن النبي (ص) توفي على صدرها، هل كان ذلك مناقضا لما تواتر من أن الامام عليا كان وصي رسول الله (ص) ؟ وألم يكن ثمة زمان آخر ليدلي الرسول (ص) بوصاياه للامام علي ؟ كما تدل عليه روايات كثيرة مثل ما رواه أصحاب السنن والمسانيد عن الامام علي، قال: " كان لي من رسول الله (ص) مدخلان: مدخل بالليل، ومدخل بالنهار فكنت إذا اتيته وهو يصلي تنحنح. " (2) وفي رواية: " كانت لي من رسول الله (ص) منزلة لم تكن لاحد من الخلائق، اني كنت آتيه كل سحر فأسلم عليه حتى يتنحنح.... " (3) الحديث. ومن تاريخ ابن عساكر عن جابر: " لما كان يوم الطائف، ناجى رسول الله (ص) عليا، فأطال نجواه فقال بعض أصحابه: لقد أطال نجوى ابن عمه، فبلغه ذلك، فقال: ما أنا انتجيته، بل الله انتجاه. " وفي لفظ آخر للرواية:


(1) نهج البلاغة، الخطبة: 197. (2) سنن ابن ماجة، كتاب الادب، باب الاستئذان، الحديث: 3708 ومسند أحمد (ج 1 / 80). (3) مسند أحمد (ج 1 / 85 و 107) ويأتي تفصيله في باب مصادر الشريعة الاسلامية لدى مدرسة أهل البيت.

[237]

" فناجاه طويلا، وأبو بكر وعمر ينظران والناس، قال ثم انصرف الينا فقال الناس: قد طالت مناجاتك اليوم يا رسول الله، فقال: ما أنا انتجيته ولكن الله انتجاه " (1) أوردنا هذه الروايات من مصادر أخرى - أيضا - في باب ذكر حاملي علوم الرسول (ص) من هذا الكتاب، وفي باب مصادر الشريعة الاسلامية لدى مدرسة أهل البيت. مقارنة بين حديث أم المؤمنين عائشة وحديث الامام علي تفردت أم المؤمنين عائشة برواية ما أخبرت به عن خبر آخر ساعات حياة الرسول الاكرم (ص) أنه طلب طستا ليبول فانخنث ومات بين حاقنتها وذاقنتها، وأمثال هذه الالفاظ أضف إليه حديثها وحديث غيرها: أن رسول الله (ص) عندما تلقى أول وحي هبط به جبرائيل من الله بآيات سورة إقرأ شك في جبرائيل أنه شيطان يريد أن يتلعب به وشك في الايات الكريمة أنها من قبيل سجع الكهان حتى طمأنه الرجل النصراني ورقة بن نوفل أنه نبي أوحي إليه كموسى بن عمران فاطمأن وأدرك أنه نبي، إلى أحاديث أخرى لهذه المدرسة عن سيرة رسول الله (ص) ان تلكم الاحاديث كما ذكرنا في البحوث التمهيدية كونت رؤية خاصة عن رسول الله (ص) لمن يعتقد بها تنزل مقام أفضل الرسل عن مستوى الانسان العادي ولهذا حق للرجل ذي المعرفة السعودي ان يقول " محمد رجالا مثلي مات ". اما في حديث الامام علي عن بدء نزول الوحي وهو الشاهد الوحيد الذي كان عندئذ مع الرسول في غار حراء: أنه سمع رنة حينئذ وأن الرسول (ص) أخبره أن الرنة من الشيطان لانه أيس من عبادته. وفي حديثه أيضا: ان الله قرن برسول الله (ص) منذ أن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره. وفي حديثه عن وفاة رسول الله (ص) أنه أدناه إليه وأخذ يناجيه ويسر إليه


(1) أخرج الحديثان ابن عساكر بترجمة الامام علي (ج 2 / 310 و 311) وابن كثير في تاريخه (ج 7 / 356) وفي شرح نهج البلاغة ط، مصر الاولى (ج 2 / 78) ما ملخصه: دخلت عائشة وهما يتناجيان، فقالت: يا علي ليس لي الا يوم من تسعة أيام أفما تدعني يا ابن أبي طالب.

[238]

ويوصي حتى قبض (ص) (1) وسالت نفسه في كفه فأمرها على وجهه وأنه أخذ في تغسيله وتكفينه والملائكة أعوانه في ذلك وقد ضجت الدار والافنية ملا يهبط وملا يعرج وانه ما فارقت سمعه هينمة منهم يصلون عليه حتى واراه في ضريحه. إن أمثال هذه الاحاديث عن سيرة الرسول بمدرسة أهل البيت - أيضا - كونت رؤية خاصة لمن يعتقد بها ولن يتيسر تقارب بين المسلمين ما لم تدرس المجموعتان من الاحاديث معا دراسة مقارنة لنصل إلى الحقيقة المنشودة ثم يتفاهم الاخوة المسلمون في ضوء تلك الدراسات ان شاء الله تعالى. ونؤكد مرة أخرى أن في مقدمة ما ينبغي دراسته دراسة مقارنة، أخبار سيرة الرسول الاكرم (ص) وتاريخ عصر الرسول (ص) وعصر من تشرف بصحبته. حديثان متعارضان من أم المؤمنين عائشة وموقفان مختلفان روى ابن عساكر أن امرأتين سألتا عائشة، فقالتا: يا أم المؤمنين أخبرينا عن علي، قالت: أي شئ تسألن عن رجل وضع يده من رسول الله (ص) موضعا فسالت نفسه في يده فمسح بها وجهه، واختلفوا في دفنه، فقال: إن أحب البقاع إلى الله مكان قبض فيه نبيه. قالت: فلم خرجت عليه، قالت: أمر قضي لوددت أن أفديه بما في الارض (2) إن حديثها هذا يتفق مع حديث الامام علي الذي قال فيه: قبض رسول الله (ص) وان رأسه على صدري ولقد سالت نفسه في كفي وأمررتها علي وجهي، ويتعارض مع حديثها: انخنث بين حاقنتي وذاقنتي. وروى ابن عساكر - أيضا - عن عائشة أنها قالت: قال رسول الله (ص) وهو في بيتها لما حضره الموت أدعوا لي حبيبي...... فدعوا عليا فأتاه فلما رآه أفرد الثوب الذي كان عليه ثم أدخله فيه فلم يزل يحتضنه حتى قبض عليه (3) حديثها هذا يتفق مع حديث عبد الله بن عمر الذي قال فيه: ان رسول الله قال في مرضه: أدعوا لي عليا..... ويعارض أحاديثها، في أن الرسول (ص) توفي بين سحرها ونحرها. وأمثالها، ومنشأ صدور الحديثين


(1) وقد أيد حديثه، حديث أم سلمة، وغيرها في ذلك. (2) و (3) كلا الحديثين أخرجهما ابن عساكر في ترجمة الامام علي (ج 3 / 15). (*)

[239]

المتعارضين من أم المؤمنين عائشة، وسببه اختلاف موقفها من الامام علي، وبيانه: موقفان مختلفان تجاه الامام علي بعد وفاة أبي بكر بويع الخليفة أبو بكر وبقي علي ومعه جميع بني هاشم ستة أشهر حسب رواية أم المؤمنين عائشة لم يبايعوه حتى توفيت فاطمة (1) ثم بقي الامام علي بعيدا عن الساحة حتى أخريات خلافة عثمان حيث قادت أم المؤمنين عائشة (2) المعارضين من طلحة والزبير وغيرهما ضد الخليفة أملا منها بأن يلي بعد عثمان ابن عمها طلحة ولما قتل عثمان وبايع المسلمون عليا أقامت ضده حرب الجمل، وانكسرت فيها وأرجعها الامام علي إلى المدينة وبقيت حانقة عليه حتى استشهد، ومر بنا تظاهرها بالسرور من مقتله، ثم ولي الحكم معاوية وجمع بينهما الموقف الواحد من الامام ثم فترت العلاقة بينهما على أثر قتل معاوية لحجر بن عدي، ولما أراد معاوية أن يأخذ البيعة ليزيد، كان شقيقها عبد الرحمن بن أبي بكر من أشد المعارضين لبيعة يزيد، خطب مروان في مسجد الرسول (ص) وكان واليا على الحجاز من قبل معاوية، فقال: إن أمير المؤمنين قد اختار لكم، فلم يأل، وقد استخلف لابنه يزيد بعده، فقام عبد الرحمن بن أبي بكر، فقال كذبت والله يا مروان ! وكذب معاوية ما الخيار أردتما لامة محمد، ولكنكم تريدون أن تجعلوها هرقلية كلما مات هرقل قام هرقل، فقال مروان: هذا الذي أنزل الله فيه والذي قال لوالديه " أف لكما " الآية، فسمعت عائشة مقالته من وراء الحجاب، فقامت من وراء الحجاب، وقالت: يا مروان ! يا مروان ! فأنصت الناس، وأقبل مروان بوجهه، فقالت أنت القائل لعبد الرحمن أنه نزل فيه القرآن، كذبت والله ما هو به، ولكنه فلان بن فلان، ولكنك فضض من لعنة الله. وفي رواية، فقالت: كذب والله ما هو به، ولكن رسول الله (ص) لعن أبا


(1) مر مصادر الخبر في بحث السقيفة من هذا الكتاب. 2) أوردنا تفاصيل موقف عائشة من عثمان ومعاوية في كتابنا " أحاديث عائشة وأوردنا فهرستا من تلك الوقائع.

[240]

مروان ومروان في صلبه، فمروان فضض من لعنة الله عزوجل (1) وأخرج البخاري الحديث في صحيحه وقال: " كان مروان على الحجاز، استعمله معاوية، فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر شيئا فقال خذوه فدخل بيت عائشة فلم يقدروا عليه، فقال مروان ان هذا الذي أنزل الله فيه، والذي قال لوالديه أف لكم أتعدانني ؟ فقالت عائشة من وراء الحجاب ما أنزل الله فيه شيئا من القرآن الا ان الله أنزل عذري " (2). هكذا حذف البخاري قول عبد الرحمن " تريدون أن تجعلوها هرقلية... " وأبدله بقوله: " قال شيئا " وحذف رواية أم المؤمنين عائشة في حق مروان. بينا أوردها ابن حجر في شرحه لصحيح البخاري المسمى بفتح الباري مفصلا، وفي لفظ بعضها: ولكن رسول الله (ص) لعن أبا مروان ومروان في صلبه (3). وإنما فعل الشيخ البخاري ذلك لان معاوية ويزيد هما من خلفاء المسلمين، ولا يرى البخاري أن يسمع العامة قول عبد الرحمن في حقهما، أنهما جعلا الخلافة هرقلية كلما مات هرقل قام هرقل مقامه، وحذف رواية أم المؤمنين عائشة في مروان. - أيضا - لان مروان أصبح خليفة للمسلمين ولا ينبغي ذكر ما يشينه، وهكذا فعل الشيخ البخاري في صحيحه فإنه حذف أي شئ يشين الخلفاء والحكام في كل حديث ورد من ذلك شئ ومن ثم اعتبرت مدرسة الخلفاء كتابه أصح الكتب بعد كتاب الله، وعد هو امام أهل الحديث لديهم. لما لم يستطع مروان من أخذ البيعة في الحجاز ليزيد قدم معاوية الحجاز حاجا و دخل المدينة وكان من خبره ما رواه ابن عبد البر، حيث قال: " قعد معاوية على المنبر يدعو إلى بيعة يزيد، فكلمه الحسين بن علي، وابن الزبير، و عبد الرحمن بن أبي بكر، فكان كلام ابن أبي بكر،: أهرقلية ! ؟ إذا * (لهامش) * (1) تاريخ ابن الاثير (ج 3 / 199) في ذكره حوادث سنة 56 ه‍. والفضض: القطعة من الشئ. (2) صحيح البخاري (ج 3 / 126) باب، والذي قال لوالديه من تفسير سورة الاحقاف. (3) فتح الباري (ج 10 / 197 - 198) وأخرج القصة بتفصيلها أبو الفرج في الاغاني (ج 16 / 90 - 91) وراجع ترجمة الحكم بن أبي العاص من الاستيعاب وأسد الغابة والاصابة ومستدرك الحاكم (ج 4 / 481) وتاريخ ابن كثير (ج 8 / 89) والاجابة في ما استدركته عائشة على الصحابة، وترجمت عبد الرحمن بن أبي بكر في تاريخ دمشق لابن عساكر.

[241]

مات كسرى كان كسرى مكانه، لا نفعل والله أبدا، وبعث إليه معاوية بمائة ألف درهم بعد أن أبى البيعة ليزيد، فردها عليه عبد الرحمن، وأبى أن يأخذها، وقال: أبيع ديني بدنياي ! ؟ فخرج إلى مكة، فمات بها قبل أن تتم البيعة ليزيد بن معاوية (1). " وذكر ابن عبد البر بعده وقال: " إن عبد الرحمن مات فجأة بموضع يقال له: " الجشي " (2) على نحو عشرة أميال من مكة فدفن بها، ويقال أنه توفي في نومة نامها، ولما اتصل خبر موته بأخته عائشة أم المؤمنين (رض) ظعنت من المدينة حاجة حتى وقفت على قبره، وكانت شقيقته، فبكت عليه وتمثلت: وكنا كندماني جذيمة حقبة * من الدهر حتى قيل لن يتصدعا فلما تفرقنا كأني ومالكا * لطول اجتماع لم نبت معا (3) أما والله لو حضرتك لدفنتك حيث مكانك، ولو حضرت ما بكيت ". وفي مستدرك الحاكم: رقد في مقيل قاله فذهبوا يوقظونه فوجدوه قد مات، فدخل في نفس عائشة تهمة أن يكون صنع به شرا وعجل عليه فدفن وهو حي (4). لو بقي عبد الرحمن حيا لما تمت بيعة يزيد مع موقفه الصارم ضد بيعته ومعه أم المؤمنين عائشة فمات في طريق مكة، كما مات مالك الاشتر في طريق مصر مسموما بسم دس إليه معاوية (5). مات عبد الرحمن ليفسح الطريق لبيعة يزيد كما توفي قبله الامام الحسن بسم دس إليه معاوية، اغتيل عبد الرحمن في هذا السبيل كما اغتيل سعد بن أبي وقاص


(1) راجع ترجمة عبد الرحمن بن أبي بكر من الاستيعاب (ج 2 / 393) وأسد الغابة (ج 3 / 306) والاصابة (ج 2 / 400) وشذرات الذهب في ذكر حوادث سنة 53 ه‍ وقريب منه ما في مستدرك الحاكم (ج 3 / 476). (2) في معجم البلدان. الجشي: جبل بأسفل مكة، بينه وبين مكة ستة أميال، مات عنده عبد الرحمن بن أبي بكر فجأة، فحمل على رقاب الرجال إلى مكة، فقدمت عائشة من المدينة وأتت قبره وتمثلت: وكنا كندماني جذيمة....... البيتين. (3) راجع ترجمة عبد الرحمن بن أبي بكر من الاستيعاب. (4) مستدرك الحاكم (ج 3 / 476) وكذلك في تلخيص المستدرك للذهبي. (5) راجع فصل، مع معاوية من كتابنا " أحاديث أم المؤمنين عائشة ".

[242]

و عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ولم يخف ذلك على أم المؤمنين عائشة، فأقامت على بني أمية عامة حربا شعواء من الدعاية القوية ضدهم بدأتها بنشر ما سمعتها من النبي (ص) في شأن مروان وأبيه الحكم وقابلت سياسة معاوية خاصة والتي كانت ترمي إلى طمس فضائل بني هاشم عامة وبيت الامام خاصة، لمقام الحسنين عند المسلمين وهو يريد أن يورث الخلافة في عقبه وبلغ الامر به أن أمر بلعن الامام علي على منابر المسلمين، عندئذ قابلت أم المؤمنين عائشة هذه السياسة مقابلة قوية و أخذت في هذا الدور تنشر فضائل الامام علي وشبليه الحسن والحسين سبطي رسول الله (ص) وزوجته فاطمة ابنة رسول الله (ص) ومن ثم روي عنها في فضائلهم بعض ما كانت سمعته من رسول الله (ص) وما شاهدتها ومن جملتها الحديثين الانفين المتعارضين مع أحاديثها الاخرى في وفاة الرسول (ص).

[243]

دراسة عمل مدرسة الخلفاء بنصوص سنة الرسول (ص) التي تخالف اتجاهها. في هذه العجالة نضرب - مثلا - لما فعلته مدرسة الخلفاء بالنصوص التي تخالف اتجاهها بعملها مع النصوص التي فيها ذكر صفة الوصي للامام علي في سنة الرسول (ص) وأقوال الصحابة ونقول: روت الصحابة روايات متعددة موثوقة ومعتبرة أن رسول الله (ص) قال: علي وصيي ووزيري ووارثي، وفي بعضها، وخليفتي، واشتهر الامام علي بلقب الوصي من بين هذه الالقاب وأصبح علما له ولم يعرف غيره بهذا اللقب كما كناه رسول الله (ص) بأبي تراب فاختص به واشتهر وأصبح علما له ولم تعرف لغيره هذه الكنية، ثم أكثرت الصحابة والتابعون ومن جاء بعدهم من الشعراء ذكره بالوصي في أشعارهم كما ورد ذكره عند علماء أهل الكتاب وأخبروا الناس بذلك. انكار الوصية. ولما كانت شهرة لقب الوصي للامام علي تخالف سياسة مدرسة الخلفاء سعوا في مقابلة هذه الشهرة بانكارها وكتمان النصوص الدالة عليها. بدأت أم المؤمنين عائشة بحملة دعاية قوية ضد شهرة الامام علي بلقب الوصي وأنكرته ثم استمرت حملاتهم ضد هذه الشهرة بأشكال أخرى مدى القرون. ومن أهم ما فعلته مدرسة الخلفاء في هذا المقام كتمان النصوص الواردة في شأن الوصية، ويجد الباحث المتتبع من كتمان النصوص التي تخالف سياسة الخلفاء بمدرستهم سواء ما كان منها في شأن الوصية أو في غيرها، أمرا هائلا خطيرا. ومن أمثلة الكتمان لدى مدرسة الخلفاء، الاصناف العشرة الآتية نذكرها حسب

[244]

أهميتها في كتمان سنة الرسول (ص) بدء بالمهم ثم الاهم: أ - حذف بعض الحديث من سنة الرسول (ص) وتبديله بكلمة مبهمة. ب - حذف تمام الخبر من سيرة الصحابة مع الاشارة إلى الحذف. ج - تأويل معنى الحديث من سنة الرسول (ص). د - حذف بعض أقوال الصحابة مع عدم الاشارة إليه. ه‍ - حذف تمام الرواية من سنة الرسول (ص) مع عدم الاشارة إليه. و - النهي عن كتابة سنة الرسول (ص). ز - تضعيف الروايات ورواة سنة الرسول (ص) والكتب التي تنتقص السلطان. ح - حرق الكتب والمكتبات. ط - حذف بعض الخبر من سيرة الصحابة وتحريفه. ي - وضع الروايات المختلقة بدلا من روايات سنة الرسول (ص) الصحيحة وسيرة الصحابة الصحيحة. أ - حذف بعض الحديث من سنة الرسول (ص) وتبديلها بكلمة مبهمة. من أنواع الكتمان بمدرسة الخلفاء حذف بعض الحديث من سنة الرسول (ص) وتبديلها بكلمة مبهمة بدل ما حذف، مثل ما فعله الطبري وابن كثير بخبر دعوة بني هاشم في تفسير الاية: " وأنذر عشيرتك الاقربين " حيث حذفا قول رسول الله (ص): " ووصيي وخليفتي فيكم " وأبدلاه بقولهما: [وكذا وكذا]. ومن هذا النوع من الكتمان ما فعله البخاري في صحيحه مع سيرة الصحابة في خبر عبد الرحمن الذي مر بنا سابقا، حيث حذف كلام عبد الرحمن لمروان و قال: [فقال عبد الرحمن شيئا] بدل كلام عبد الرحمن بقول مبهم وأضاف إلى ذلك حذف ما روته أم المؤمنين عائشة عن رسول الله (ص) من الحديث في حق الحكم والد الخليفة مروان. ومن هذا النوع من الكتمان - أيضا - ما فعلوه مع خبر استشارة رسول الله (ص) أصحابه في شأن غزوة بدر وجواب أصحابه له. فقد روى ابن هشام والطبري وقالا:

[245]

(وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم فاستشار الناس وأخبرهم عن قريش فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امض لما أمرك الله فنحن معك، والله لا نقول لك ما قالت بنو اسرائيل لموسى: " فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون " ولكن، اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون) إلى قوله: (فقال رسول الله (ص) خيرا ودعا له به). وجاء في جواب سعد بن معاذ الانصاري قوله: (فامض يا رسول الله (ص) لما أردت فنحن معك فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك ما تخلف منا رجل... فسر رسول الله (ص) قول سعد ونشطه ذلك.) يا ترى ماذا كان جواب الصحابيين أبي بكر وعمر لرسول الله (ص) الذي حذف من هذه الرواية وأبدل بقول مبهم وهو [وأحسن] ولو كان القول حسنا فلم حذف القول ؟ ! بينا أثبت قول المقداد المهاجري وسعد بن معاذ الانصاري، نرجع إلى صحيح مسلم فنجد في روايته: ان رسول الله (ص) شاور أصحابه حين بلغه اقبال أبي سفيان قال: (فتكلم أبو بكر فأعرض عنه، ثم تكلم عمر فأعرض عنه...) الحديث. يا ترى لماذا أعرض الرسول (ص) عن الصحابيين لو كان قولهما حسنا ؟ و نبحث عن قولهما لدى الواقدي والمقريزي فنجدهما يقولان هكذا، واللفظ للاول: (قال عمر: يا رسول الله إنها والله قريش وعزها، والله ما ذلت منذ عزت والله ما امنت منذ كفرت والله لا تسلم عزها أبدا، ولتقاتلنك، فاتهب لذلك أهبته وأعد لذلك عدته...) (1). عرفنا من رواية ابن هشام والطبري ومسلم أن الصحابي عمر تكلم بعد الصحابي ابي بكر ووصف الطبري وابن هشام قول كل منهما ب‍ [فأحسن] وفي رواية مسلم أن الرسول (ص) أعرض عن أبي بكر ثم عن عمر ومن ثم نعرف أن قولهما كان أمرا واحدا، وعندما صرح الواقدي والمقريزي عن قول عمر وكتما قول أبي بكر، كشف لنا قول عمر - أيضا - عن قول أبي بكر. ولما كان قول الصحابيين يسوء ذكره بعض الناس حذف قولهما من رواية ابن هشام والطبري ومسلم، ومن أجل هذا النوع من الكتمان أصبحت هذه الكتب من


(1) مر بنا ذكر مصادر الخبر في بحث مناقشة الاستدلال بالشورى بهذا الكتاب.

[246]

أوثق الكتب بمدرسة الخلفاء. وأصبح صحيح البخاري الذي لم يذكر شيئا من هذا الخبر، مبهما وغير مبهم أكثر إشتهارا بالصحة والوثاقة من جميع الكتب. إن الطبري وابن كثير أبدلا من حديث الرسول (ص) " وصيي وخليفتي ". ب‍ [كذا وكذا] لان هذا الخبر ينبه العامة إلى حق الامام علي في الحكم ولا يحسن انتشاره. وأبدل البخاري قول عبد الرحمن ب‍ (شيئا) لان قول عبد الرحمن كان يسوء الخلفاء، معاوية ويزيد ومروان وينبه العامة إلى مالا ينبغي أن ينتبهوا إليه. وأبدل قول أبي بكر وعمر في جواب رسول الله (ص) بكل من سيرة ابن هشام وتاريخ الطبري وحذف من رواية صحيح مسلم لما فيه ما لا يزين الخليفتين أبي بكر وعمر، وكلهم حذف بعض الخبر مع الابهام في القول، وهذا النوع من الكتمان كثير عند علماء مدرسة الخلافة. ب - حذف تمام الخبر من سيرة الصحابة مع الاشارة إلى الحذف. ومن أنواع الكتمان عندهم ما فعلوه مع مكاتبات جرت بين محمد بن أبي بكر ومعاوية فقد وجدنا في كتاب صفين لنصر بن مزاحم (ت: 212 ه‍) ومروج الذهب للمسعودي (ت: 346 ه‍) تفصيل كتاب محمد بن أبي بكر لمعاوية وفيه ذكر فضائل الامام علي بما فيها أنه وصي النبي واعتراف معاوية في جوابه بها وفي الكتابين ذكر مالا يزين الخلفاء نشره فحذهما الطبري (ت: 310 ه‍) مع ذكره لسنده إلى الكتابين واعتذر عن ذلك بعدم احتمال العامة لسماع ما فيهما، أي أنه أخفى الحقائق عن الناس، وجاء بعده ابن الاثير (ت 630 ه‍) وفعل كذلك واعتذر بنفس العذر وجاء بعدهما ابن كثير وأشار إلى كتاب محمد بن أبي بكر في موسوعته التاريخية الكبرى (1) واقتصر بقوله: " وفيه غلظة ". يقصد الطبري وابن الاثير من قولهما: (عدم احتمال العامة لسماع ما فيهما): أن العامة لا تبقى على عقيدتها بالخلفاء بعد سماع الكتابين. وهذا الصنف من الكتمان، أي حذف تمام الخبر مع الاشارة إلى الخبر المحذوف نادر عند علماء مدرسة الخلفاء.


(1) البداية والنهاية (ج 7 / 314).

[247]

ج - تأويل معنى الحديث من سنة الرسول (ص) من أنواع الكتمان بمدرسة الخلفاء تأويل معنى الرواية كما فعل الذهبي (1) بترجمة النسائي صاحب السنن، فإنه قال: سئل النسائي أن يخرج فضائل معاوية، قال: أي شئ أخرج ؟ حديث اللهم لا تشبع بطنه، فقال الذهبي: (قلت لعل هذه منقبة لمعاوية لقول النبي صلى الله عليه وآله: اللهم من لعنته أو شتمته فاجعل ذلك له زكاة ورحمة). قال الذهبي (ت: 748 ه‍): [لعله]. وجاء بعده ابن كثير (ت: 774 ه‍) وقال: (وقد انتفع معاوية بهذه الدعوة في دنياه وأخراه) وهذا نص كلامه (2) في الرواية التي وردت في شأن معاوية، في صحيح مسلم، باب " من لعنه النبي أو سبه، جعله الله له زكاة وطهورا " من كتاب البر والصلة، عن ابن عباس قال: كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول الله (ص) فتواريت خلف باب، قال: فجاء فخطاني خطاة وقال: " اذهب وادع لي معاوية " قال: فجئت فقلت: هو يأكل، قال ثم قال لي: " اذهب فادع لي معاوية " قال فجئت فقلت: هو يأكل، فقال: " لا أشبع الله بطنه " (3) كان هذا لفظ مسلم. وأورد الحديث ابن كثير في تاريخه وزاد على كلام رسول الله (ص) بعد قوله: " اذهب وادع لي معاوية " جملة (وكان يكتب الوحي) وهذا لفظ ابن كثير: " عن ابن عباس. قال: كنت ألعب مع الغلمان فإذا رسول الله (ص) قد جاء، فقلت: ما جاء الا الي، فاختبأت على باب فجاءني فخطاني خطاة أو خطاتين، ثم قال: " اذهب فادع لي معاوية - وكان يكتب الوحي - قال: فذهبت فدعوته ". له، فقيل: انه يأكل، فأتيت رسول الله (ص) فقلت انه يأكل، فقال: اذهب فادعه، فأتيته الثانية فقيل: انه يأكل فأخبرته، فقال في الثالثة: لا أشبع الله بطنه قال: فما شبع بعدها، وقد انتفع معاوية بهذه الدعوة في دنياه وأخراه، أما في دنياه فانه لما صار إلى الشام أميرا كان يأكل في اليوم سبع مرات يجاء بقصعة فيها لحم كثير وبصل فيأكل منها، ويأكل في اليوم سبع أكلات بلحم، ومن الحلوى و


(1) تذكرة الحفاظ ص: 698 - 701. (2) البداية والنهاية، ج 8 / 119. (3) صحيح مسلم كتاب البر والصلة، الحديث: 96، وخطاني: ضربني باليد المبسوطة بين الكتفين، ص: 2010 أ) وهذه الاضافة إلى آخرها من كلام ابن كثير.

[248]

الفاكهة شيئا كثيرا ويقول والله ما أشبع وانما أعيا، وهذه نعمة ومعدة يرغب فيها كل الملوك. وأما في الآخرة فقد أتبع مسلم هذا الحديث بالحديث الذي رواه البخاري وغيرهما من غير وجه عن جماعة من الصحابة. أن رسول الله (ص) قال: اللهم انما أنا بشر فأيما عبد سببته أو جلدته أو دعوت عليه وليس لذلك أهلا فاجعل ذلك كفارة وقربة تقربه بها عندك يوم القيامة. فركب مسلم من الحديث الاول وهذا الحديث فضيلة لمعاوية، ولم يورد له غير ذلك " (1) انتهى كلام ابن كثير، وأراد بما قال أن دعاء الرسول على معاوية دعاء له في الدنيا والآخرة أما في الدنيا فبما ذكره من مزية كثرة الاكل للملوك وأما الآخرة فاعتمد الاحاديث التي نسبت إلى رسول الله (ص) أنه كان يلعن المؤمنين - معاذ الله - ودعا أن يكون لهم زكاة وطهورا. وأن مسلما حين أورد هذا الحديث في آخر هذا الباب أثبت لمعاوية رضوانا وتقربا إلى الله يوم القيامة، وهكذا يؤولون الاحاديث والاخبار التي فيها ذم لذوي السلطة من الخلفاء والولاة إلى ما فيه مدحهم والثناء عليهم. ولنا هنا نظرة تأمل في ما رووا أن النبي لعن المؤمنين - معاذ الله -. نظرة تأمل في ما رووا في باب من لعنه النبي. رووا واللفظ هنا لمسلم في صحيحه، باب من لعنه النبي أن رسول الله (ص) قال: " اللهم اني اتخذ عندك عهدا لن تخلفنيه فانما أنا بشر فأي المؤمنين آذيته شتمته لعنته جلدته فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها اليك يوم القيامة ". أشعر وأنا أكتب هذا بمثل وخز المدى في قلبي من عظم ما نسب إلى رسول الله (ص) ! ! يروون هذا الحديث في مقابل قول الله سبحانه وتعالى لرسوله " وانك لعلى خلق عظيم " وينبغي دراسة هذا الحديث في الصنف الثامن من أنواع الكتمان: (وضع الروايات المختلقة بدلا من الروايات الصحيحة) فانها نسبت إلى رسول الله (ص) في مقابل ما تواتر عند جميع المسلمين من سنة رسول الله الصحيحة في باب سمو أخلاقه الكريمة وانما رويت أمثال هذه الرواية عن رسول الله (ص) لكتمان ما مر بنا من رواية أم المؤمنين عائشة أن رسول الله (ص) لعن الحكم بن أبي العاص والد الخليفة الاموي مروان، وكتمان ما تواتر روايته عن رسول الله (ص) في حق الخليفة معاوية التي أولها ابن كثير إلى ما فيه مدح معاوية وبما إنا قد ناقشنا هذه الاحاديث في الجزء الثاني من كتاب " أحاديث أم المؤمنين عائشة " والثالث من نقش أئمة در احياء دين - أي عمل الائمة في إحياء الدين - لا نعيد تلك البحوث في هذا الكتاب.


(1) راجع الهامش رقم 4.

[249]

عود على بدء نعود إلى بحث تأويل معنى الرواية من أصناف الكتمان ونقول: ومن هذا الباب من التأويل كان ما مر بنا في خبر درأ سعد الوقاص حد شرب الخمر عن أبي محجن، وتمحل ابن فتحون وابن حجر في تأويل قول سعد لابي محجن " والله لا نجلدك على الخمر ". وسيأتي في بحث نص رسول الله (ص) على أن عدد الائمة الخلفاء بعده اثنا عشر، كيف ارتبكوا في تأويله عندما رأوا أنه لا يصدق على غير الائمة الاثنى عشر من آل رسول الله (ص) وأول كل واحد من العلماء الحديث على غير الائمة الاثني عشر من آل الرسول (ص) بما لم يرض به العالم الاخر ونقضه. ومن هذا الباب من الكتمان ما فعله الطبراني مع الحديث الآتي كما في مجمع الزوائد (1): (عن سلمان قال قلت: يا رسول الله ان لكل نبي وصيا، فمن وصيك ؟ فسكت عنى، فلما كان بعد رآني فقال " يا سلمان " فأسرعت إليه قلت: لبيك قال: " تعلم من وصي موسى ؟ " قال نعم: يوشع بن نون، قال " لم " قلت: لانه كان أعلمهم يومئذ، قال: " فان وصيي وموضع سري وخير من أترك بعدي وينجز عدتي ويقضي ديني علي بن أبي طالب " رواه الطبراني وقال وصيي: أنه أوصاه بأهله لا بالخلافة). انتهى ما نقله الهيتمي عن الطبراني في مجمع الزوائد. نظرة تأمل ودراسة للحديث النبوي الشريف وتأويل الطبراني اياه لمعرفة مدى صحة تأويل الطبراني للحديث الشريف ندرس ثلاثة جوانب من الحديث: السائل والسؤال وحكمة النبي في الجواب. السائل هو: سلمان الفارسي نسبا ولم يكن من بني عبد المطلب أو أقرباء أزواج الرسول أو أصهاره ليعنيه من يخلفه الرسول على أهله وانما كان ممن عاشر رهبان النصارى وعلماءهم قبل أن يسلم على يدي الرسول (ص)، وأخذ منهم علم الامم السابقة وأنبياءها وأوصياءها ومن ثم قال للرسول (ص) (ان لكل نبي وصيا فمن وصيك ؟) فهو إذن يسأل عن وصي النبي على شريعته وولي عهده في أمته، ولم يقل له أن رب كل عائلة يعين وصيا فمن وصيك من بعدك ؟ ليفهم منه أنه يسأل عن خليفته على أهله.


(1) ج 9 / 113 - 114.

[250]

أما جواب النبي (ص) وتأخره عن الاجابة فقد كان هذا شأن النبي (ص) في الامور الهامة ينتظر أمر السماء مثل انتظاره في المدينة أمر السماء في تحويل القبلة إلى الكعبة وهو يعلم أنها قبلته، حتى نزلت عليه " قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها " ولما كان رسول الله (ص) يعلم تنافس الانسان العربي على الامرة كما مر بنا ببعض أخباره فيما سبق وكان المجتمع الاسلامي الصغير في المدينة الذي بدأ النبي (ص) بتأسيسه لا يتحمل نشر خبر ولاية عهد الامام علي بعد النبي (ص)، تأخر النبي (ص) في جواب سلمان، ولعله أجاب سلمان حين أذن له بذلك وعندئذ فاتح سلمان وأعده لاستماع الجواب بالسؤال منه عن وصي موسى و هو يعلم أن سلمان يعلم ذلك بما عنده من علماء أهل الكتاب فلما أجابه بأن يوشع بن نون كان وصي موسى، سأله النبي (ص) وقال له: " لم " فلما قال سلمان في جوابه: " لانه كان أعلمهم يومئذ " قال النبي (ص): (فان وصيي و... علي بن أبي طالب). والحكمة في جواب النبي لسلمان بهذا الاسلوب ما يأتي: اولا: ضرب النبي (ص) المثل بيوشع بن نون لانه كان أشهر أوصياء الانبياء، ولان موسى بن عمران (ع) كان قد استخلفه على أمته من بعده، فقاد بني اسرائيل ومارس الحروب كما فعل الامام علي بعد النبي (ص) في مدة حكمه. ثانيا: سأل عن سبب كون يوشع وصيا لموسى وأجاب سلمان أنه كان أعلمهم، بهذه المحاورة بين الرسول (ص) أن عليا وصيه ليس لكونه ابن عم الرسول (ص) أو لانه دافع عن الاسلام في حروب النبي (ص) ببسالة فائقة بل لانه أعلمهم أي أنه كشف عن قابلية الامام علي للوصاية على الاسلام والمسلمين وأكد على ذلك بقوله صلى الله عليه وآله: " موضع سري وخير من أترك بعدي " وهذا الكلام أيضا أوله الطبراني وقال: (خير من أترك بعدي من أهل بيتي) كان هذا تأويل الطبراني في حديث لم يجد فيه مغمزا من ضعف وما شاكله من القول. حيرة عالم آخر في تأويل معنى الوصية قال ابن أبي الحديد الشافعي في شرح الوصية في كلام الامام علي: (لا يقاس بآل محمد (ص) من هذه الامة أحد... هم أساس الدين... ولهم خصائص حق الولاية وفيهم الوصية والوراثة). (أما الوصية فلا ريب عندنا أن عليا (ع) كان وصي رسول الله (ص) وان خالف في ذلك من هو منسوب عندنا إلى العناد ولسنا نعني بالوصية النص على

[251]

الخلافة ولكن امورا أخرى لعلها إذا لمحت أشرف وأجل). انتهى كلام ابن أبي الحديد ونقول في جوابه: أن الامام علي (ع) لم يقل لي حق الولاية والوصية والوراثة كي يمكن تأويل قوله أن له حق الولاية والوصية على أهل رسول الله (ص)، بل قال: " آل محمد هم أساس الدين... وفيهم الوصية ". أثبت الامام الصفات المذكورة لآل رسول الله (ص) بما فيها الوصية ولا معنى للقول بأن آل رسول الله (ص) لهم حق الوصية على آل رسول الله (ص)، أثبتها الامام لآل رسول الله (ص) وهو أحدهم وسائرهم الائمة الاحد عشر من بنيه. ومن ثم حار العلامة الشافعي في تأويل الوصية هنا ولم يستطع أن يردد تأويل الطبراني وانما قال: " لسنا نعني بالوصية النص على الخلافة ولكن أمورا أخرى " فما هي الامور الاخرى التي لم تذكرها ايها العالم المحتار في تأويل الحديث ؟ وخلاصة القول أن العلماء في هذا الصنف من الكتمان يؤولون من سنة رسول الله (ص) حديثه وسيرته وسيرة أهل بيته وأصحابه ما يخالف مصلحة السلطة الحاكمة على المسلمين من خلفاء وولاة وما فيه نقدهم إلى ما فيه مصلحتهم ومدحهم والثناء عليهم. د - حذف بعض من أقوال الصحابة مع عدم الاشارة إليه. من أنواع الكتمان بمدرسة الخلفاء حذف بعض الخبر الذي ينقلونه دونما اشارة إلى المحذوف مثل ما فعلوه مع قصيدة الصحابي الانصاري النعمان بن عجلان التي استشهدنا ببيتين منها في باب الاشعار التي قيلت في الوصية، وقد رواها الزبير بن بكار بتمامها ضمن ايراده أخبار السقيفة وما وقع بين المهاجرين والانصار من خصومة ومحاججات منها أقوال عمرو بن العاص ضدهم فأجابه النعمان بقصيدة ذكر فيها مواقف الانصار في حروب رسول الله صلى الله عليه وآله مع قريش ثم إيواءهم مهاجرة قريش وكيف قاسموهم الاموال ثم ذكر حوادث السقيفة وقال: وقلتم: حرام نصب سعد ونصبكم * عتيق بن عثمان حلال ابا بكر وأهل أبو بكر لها خير قائم * وان عليا كان أخلق بالامر وكان هوانا في علي وانه * لاهل لها يا عمرو من حيث لا تدري فذاك بعون الله يدعو إلى الهدى * وينهى عن الفحشاء والبغي والنكر وصي النبي المصطفى وابن عمه * وقاتل فرسان الضلالة والكفر وهذا بحمد الله يهدي من العمى * ويفتح آذانا ثقلن من الوقر

[252]

نجي رسول الله في الغار وحده * وصاحبه الصديق في سالف الدهر الابيات (1). وأورد ابن عبد البر تمام القصيدة بترجمة النعمان بن عجلان من الاستيعاب غير أنه حذف منها البيتين الآتيين: فذاك بعون الله يدعو إلى الهدى * وينهى عن الفحشاء والبغي والنكر وصي النبي المصطفى وابن عمه * وقاتل فرسان الضلالة والكفر حذف هذين البيتين لما في ثنائه على ابن عم الرسول (ص) أنه وصي الرسول (ص) وأبقى البيتين الذين فيهما مدح أبي بكر، وجاء بعده ابن الاثير وقال بترجمة النعمان من أسد الغابة: " ومن شعره يذكر أيام الانصار ويذكر الخلافة بعد النبي (ص) " ثم ذكر من أول القصيدة أبياته في أيام الانصار فحسب وحذف من القصيدة الابيات التي يشير فيها إلى الخلاف الذي وقع يوم ذاك في أمر الخلافة و البيتين الذين مدح فيهما الامام عليا وخاصة أنه كان وصي النبي. وجاء ابن حجر بعده فقال في ترجمته: " وهو القائل يفخر بقومه من أبيات " ثم أورد أبياته في المفاخرة بأيام الانصار ولم يذكر أن من أبيات هذه القصيدة ما فيه ذكر الخلافة. وهكذا كلما تأخر الزمن حذف العلماء من الروايات ما لم يرق لهم ذكره، فابتعدنا عن فهم الواقع التاريخي. إذا نرى أن الزبير بن بكار (ت 256 ه‍) غفل وذكر في كتابه الموفقيات ما وقع من الاختلاف في أمر الخلافة بعد رسول الله (ص) وما تقاولوا فيه من خطب وشعر ومن ضمنها قصيدة النعمان بن عجلان التي فيها بيتان ذكر فيها فضائل الامام علي وخاصة انه وصي النبي وانتبه لها ابن عبد البر (ت 463 ه‍) فحذف البيتين وجاء بعده ابن الاثير (ت 630 ه‍) وانتبه إلى ذكر ما وقع من الخلاف في الخلافة - أيضا - لا يصلح وحذف من القصيدة ما فيه ذكر الاختلاف في أمر الخلافة وقال: " ويذكر الخلافة " بالاضافة إلى حذفه ما فيه وصف الامام علي. وجاء بعدهما ابن حجر (ت 852 ه‍) فحذفها كذلك ولم يقل أن في القصيدة ذكر للخلافة، وهكذا كلما تأخر الزمن زاد العلماء من حذف الحقائق ما لا يصلح ذكره لمدرسة الخلفاء. إذا راجعنا ما سبق ايراده في بحث الوصية وما يأتي في بحث أصناف الكتمان،


(1) راجع مصادر ترجمته وشعره في الهامش رقم 21 في باب: شهرة لقب وصي النبي (ص) للامام علي و انتشار ذكره في أشعار الصحابة والتابعين من هذا الكتاب.

[253]

ما كتموه من خبر الوصية، يتضح جليا، ان انتشار تعيين الرسول عليا وصيا له كان يسوء مدرسة الخلفاء، فحذفوا من القصيدة والخبر هذا القسم دون أن يشيروا إلى انهم حذفوا منهما شيئا وهذا النوع من الكتمان من أكثر أصناف الكتمان بمدرسة الخلفاء سواء في حديث الرسول (ص) أو سيرته أو سيرة صحابته ويطول بنا المقام لو أردنا أن نأتي بأمثلة منها في غير شأن الوصية من سنة الرسول (ص) في هذا المقام. ه‍ - حذف تمام الرواية من سنة الرسول (ص) مع عدم الاشارة إليه. إن ابن هشام (1) أخذ من سيرة ابن اسحاق برواية البكائي ما أورد في سيرته من روايات سيرة الرسول (ص) وقال في ذكر منهجه بأول الكتاب: " وتارك بعض ما ذكره ابن اسحاق في هذا الكتاب.... وأشياء يشنع الحديث به وبعض يسوء الناس ذكره... ". وكان مما حذفه ابن هشام من سيرة ابن اسحاق (مما يسوء الناس ذكره) خبر دعوة الرسول بني عبد المطلب عندما أوحى الله إليه " وأنذر عشيرتك الاقربين " فقد روى الطبري في تاريخه عن ابن اسحاق بسنده ان رسول الله (ص) قال في دعوته لبني عبد المطلب: " فأيكم يؤازرني على هذا الامر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فأحجم القوم عنها جميعا ". وقال علي بن أبي طالب: " أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه فأخذ برقبتي - رقبة علي بن أبي طالب - ثم قال: ان هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا، قال فقام القوم يضحكون ويقولون لابي طالب قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع " (2) حذف ابن هشام هذا الخبر وأخبارا كثيرة أخرى كان يرى أنها يسوء الناس ذكرها


(1) ابن هشام أبو محمد عبد الملك بن هشام الحميري، قال ابن خلكان: (جمع سيرة رسول الله (ص) من المغازي والسير لابن اسحاق وهذبها...). وقال السيوطي في بغية الوعاة (ص: 315): مهذب السيرة النبوية، سمعها من زياد البكائي صاحب ابن اسحاق ونقحها...) قصدوا من هذبها ونقحها، أنه حذف من سيرة ابن اسحاق ما كان مخالفا لمصلحة السلطة الحاكمة. توفي بمصر سنة 218 أو 213 ه‍. والبكائي هو زياد بن عبد الله بن طفيل البكائي العامري (ت: 183 ه‍). وابن اسحاق هو أبو عبد الله أو أبو بكر محمد بن اسحاق بن يسار المطلبي ولاء كتب السيرة بأمر الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور لابنه الخليفة المهدي توفي سنة 151 أو 152 أو 154 ه‍. أوردنا هذه التراجم من مقدمة محمد حسين هيكل على سيرة ابن هشام، ط، القاهرة سنة 1356 ه‍، و رجعنا إلى هذه الطبعة في ما أوردناه في المتن. (2) أوردتها ملخصة من تاريخ الطبري، ط، مصر الاولى، (ج 2 / 216 - 217).

[254]

وهم عصبة الخلافة (1)، ومن ثم أهملت سيرة ابن اسحاق لان فيها أخبارا لا يرغبون نشرها حتى فقدت نسخها (2). واشتهرت سيرة ابن هشام وأصبحت أوثق سيرة عند الناس. وقد أدرك الطبري أهمية هذا النص في حق الامام علي بعد أن أثبته في تاريخه فتدارك في تفسيره ما غفل عنه في تاريخه، فإنه لما أورد الخبر بنفس السند في تفسيره آية " وأنذر عشيرتك الاقربين " قال: فأيكم يؤازرني على هذا الامر على أن يكون أخي وكذا وكذا.... ثم قال: إن هذا أخي وكذا وكذا فاسمعوا له وأطيعوا، قال فقام القوم يضحكون ويقولون لابي طالب... الحديث (3). وكذلك فعل - أيضا - ابن كثير في تاريخه (4) وبتفسير الآية من تفسيره. وأكثر من هذا ما فعله محمد حسين هيكل حيث أورد الخبر في ص 104 من الطبعة الاولى من كتابه (حياة محمد) ولفظه: " فأيكم يؤازرني هذا الامر وأن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم " وحذفها في الطبعة الثانية سنة 1354 ص: 139 من كتابه (5) وهذا ما نسميه بحذف بعض الخبر مع الابهام في القول. وهذا الصنف من الكتمان أي كتمان تمام الخبر دونما اشارة إليه كثير عند علماء مدرسة الخلفاء و - النهي عن كتابة سنة الرسول (ص) من أهم أصناف كتمان سنة الرسول (ص) بمدرسة الخلفاء نهي الخلفاء عن كتابة سنة الرسول (ص) وكان بدء النهي في عصر رسول الله (ص) حيث نهت قريش عبد الله بن عمرو بن العاص عن كتابة حديث الرسول (ص) وقالوا له تكتب كل ما سمعته من رسول الله (ص) ورسول الله (ص) بشر يتكلم في الرضا والغضب وقريش هنا هم المهاجرون من أصحاب رسول الله (ص) وهم الذين منعوا الرسول عن كتابة وصيته في آخر ساعة من حياته، ثم لما ولوا الحكم بعد رسول الله (ص) نهوا عن كتابة حديث الرسول (ص) وبقي منع كتابة الحديث ساريا


(1) ذكرنا بعضها في كتابنا المخطوط " من تاريخ الحديث ". (2) طبع أخيرا قسم من سيرة ابن اسحاق في الرباط المغرب سنة 1396 ه‍. (3) تفسير الطبري، ط، الاولى، بولاق، سنة: 1323 - 1330 ه‍ (ج 19 / 72 - 75). (4) البداية والنهاية (ج 3 / 40). (5) نقلناه من كتاب الغدير للحبر الحجة الاميني، ط، طهران، سنة 1372 ه‍ (ج 2 / 288 - 289).

[255]

حتى عصر الخليفة الاموي عمر بن عبد العزيز حيث رفع الحضر وأمر بتدوين حديث الرسول وسيأتي تفصيل أخبار النهي عن كتابة حديث رسول الله (ص) في الجزء الثاني من الكتاب في بحث مصادر الشريعة الاسلامية لدى المدرستين ومضى ذكر خير منع الرسول (ص) من كتابة وصيته في خير السقيفة. والله أعلم كم من حديث لرسول الله (ص) في أمر الوصية نسي مع ما نسيت من سنة الرسول (ص) بسبب عدم كتابتها في كل هذه القرون. نهى الخلفاء عن نشر سنة الرسول (ص) وكان مصير من يخالفهم ويروي أو يكتب ما يخالف اتجاههم مدى القرون القتل المعنوي أو الجسدي كما سنشير إلى أمثلة منها في ما يأتي إن شاء الله. ز - تضعيف الروايات ورواة سنة الرسول (ص) والكتب التي تنتقص السلطان وقتل المخالفين أحيانا لا يستطيع الباحث أن يحصي عمل العلماء في تضعيف الراوي والكتاب الذين ينتقصان السلطان وكذلك تضعيفهم للروايات التي فيها انتقاص لمقام السلطة من خليفة ووال وأمير وأحيانا تقتل العامة العالم المخالف لهذا الاتجاه، وكي لا يطول البحث عن هذا الصنف من الكتمان نقتصر بذكر أربعة أمثلة منها في ما يأتي: 1 - قال ابن كثير ما موجزه: " وأما ما يغتر به كثير من جهلة الشيعة والقصاص الاغبياء، من أنه أوصى إلى علي بالخلافة، فكذب وبهت وافتراء، يلزم منه خطأ كبير من تخوين الصحابة و ممالاتهم بعده على ترك انفاذ وصيته - إلى قوله - أما ما يقصه القصاص من العوام من الوصية لعلي في الآداب والاخلاق... كل ذلك من الهذيانات فلا أصل لشئ منه بل هو اختلاق بعض السفلة الجهلة ولا يعول على ذلك ولا يغتر به الا غبي غبي. ". هكذا تكلم ابن كثير بتوتر عصبي شديد من عناء هذه المشكلة، ولنرى من هم الذين اغتر بهم جهلة الشيعة والقصاص الاغبياء، هم كل من الصحابة الآتية أسماؤهم. أ - الامام علي بن أبي طالب المهاجري. ب - سلمان المحمدي (الفارسي) ج - أبو أيوب الانصاري. د - أبو سعيد الخدري الانصاري.


(1) البداية والنهاية (ج 7 / 224).

[256]

ه‍ - أنس بن مالك الانصاري. و - بريدة بن الحصيب الاسلمي المهاجري. ز - عمرو بن العاص القرشي. ح - أبو ذر الغفاري. ط - الامام الحسن سبط الرسول الاكبر. ي - الامام الحسين السبط الحسين. ك - حسان بن ثابت الانصاري. ل - الفضل بن العباس بن عبد المطلب. م - النعمان بن عجلان الانصاري. ن - عبد الله بن أبي سفيان الحرث بن عبد المطلب. س - أبو الهيثم التيهان الانصاري. ع - سعيد بن قيس الانصاري. ف - حجر بن عدى الكندي. ص - خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين. ومن التابعين: ق - جرير بن عبد الله البجلي. ر - النجاشي الشاعر قيس بن عمرو. ش - محمد بن أبي بكر الخليفة الاول. ت - مالك الاشتر. ث - عمر بن حارثة الانصاري. ومن حكام مدرسة الخلفاء: خ - الامير علي بن عبد الله عم الخليفة العباسي السفاح ذ - المأمون الخليفة العباسي. والمخالفون الذين أخرجوا أحاديث الوصية عن رسول الله (ص) هم كل من: أ - امام الحنابلة أحمد بن حنبل (ت 241 ه‍) في مناقب علي. ب - امام المؤرخين الطبري (ت 310 ه‍) في تاريخه. ج - مسند الدنيا الطبراني امام المحدثين في عصره (ت 360 ه‍) في معاجمه. د - أبو نعيم الاصبهاني (ت 430 ه‍) في حلية الاولياء. ه‍ - الحافظ ابن عساكر الشافعي (ت 571 ه‍) في تاريخ مدينة دمشق. هؤلاء، هم جهلة الشيعة والقصاص الاغبياء حسب تعبير ابن كثير الذين اغتروا

[257]

بروايات الوصية ورووها وأخرجوها في كتبهم إلى نظرائهم من الصحابة والتابعين الذين اغتروا بها واحتجوا بها في أشعارهم وخطبهم ورواها عنهم أمثال: الزبير بن بكار في الموفقيات والطبري وابن الاثير في تاريخيهما والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد والمسعودي الشافعي في مروج الذهب والامام المقدم في الحديث الحاكم في المستدرك والذهبي في تذكرة الحفاظ وأمثالهم. كتم ابن كثير كل ما ذكرناه آنفا وكتم أكثر مما أشرنا إليه مما كان بمتناول يد علماء ذلك العصر، وذهبت عنا لتكتمهم الشديد عليها وإخفائها عن الناس، كتمها جميعا ولم يخرج منها شيئا في موسوعته التاريخية. وكتمها - أيضا - بتضعيف الرواة والروايات والكتب التي خرجتها، و تسخيف المحتجين بها كي لا يصدق من يصل إليه شئ مما كتمها من كتاب آخر و قال: " ما يغتر به جهلة الشيعة والقصاص الاغبياء ". وهذا النوع من الكتمان كثير عند علماء مدرسة الخلفاء. 2 - نقل ابن عبد البر عن الشعبي أنه قال في الحارث الهمداني: " حدثني الحارث وكان أحد الكذابين. " قال ابن عبد البر: " ولم يبن من الحارث كذب، وانما نقم عليه إفراطه في حب علي وتفضيله له على غيره ومن هاهنا والله أعلم كذبه الشعبي لان الشعبي يذهب إلى تفضيل أبي بكر وإلى أنه أول من أسلم " (1) انتهى قول ابن عبد البر. 3 - الطعن بأئمة الحديث يطعنون بأئمة الحديث في مدرسة الخلفاء أحيانا الذين يروون حديثا يخالف اتجاهها، مثل ما جرى للحاكم الشافعي كما رواه الذهبي بترجمته (2) وفي ما يلي ما أورده بإيجاز: (الحافظ الكبير امام المحدثين، أبو عبد الله، محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه النيسابوري المعروف بابن البيع، ولد سنة 312 ه‍ وتوفي سنة 405 ه‍، طلب الحديث من الصغر ورحل إلى العراق وحج وجال في خراسان وما وراء النهر وسمع من ألفي شيخ أو نحو ذلك، بلغت تصانيفه قريبا من خمسمائة جزء و من تآليفه فضائل الشافعي، ونقل أن مشايخ الحديث كانوا يذكرون أيامه وأن الائمة من مقدمي عصره كانوا يقدمونه على أنفسهم ويراعون حق فضله ويعرفون له الحرمة الاكيدة.


(1) جامع بيان العلم، باب حكم العلماء بعضهم في بعض، (ج 2 / 189). (2) تذكرة الحفاظ، ص: 1039 - 1045.

[258]

قال الذهبي: وسئل الحاكم عن حديث الطير فقال: " لا يصح ولو صح لما كان أحد أفضل من علي (رض) بعد النبي (ص) ". وقال: ثم تغير رأي الحاكم وأخرج حديث الطير في مستدركه. ونقل الذهبي عن العلماء أنهم قالوا عن مستدركه: أنه جمع فيه أحاديث وزعم أنها على شرط البخاري ومسلم منها حديث الطير، ومن كنت مولاه فعلي مولاه، فأنكرها عليه أصحاب الحديث فلم يلتفتوا إلى قوله. وقال الذهبي: أما حديث الطير فله طرق كثيرة جدا قد أفردتها بمصنف و مجموعها هو يوجب أن يكون الحديث له أصل وأما حديث من كنت مولاه فعلي مولاه. فله طرق جيدة وقد أفردت ذلك أيضا. يعني الذهبي أنه ألف في حديث من كنت مولاه فعلي مولاه، كتابا خاصا. قال المؤلف: أما حديث من كنت مولاه فسيأتي بحثه في ذكر النصوص الواردة عن الرسول (ص) في حق الامام علي ان شاء الله تعالى. وحديث الطير برواية الصحابي أنس وغيره من الصحابة، أنه أهدي إلى رسول الله طير مشوي فدعا أن يأتيه الله بأحب الخلق إليه - أي بعد الرسول (ص) - فيأكل معه، فجاء علي وأكل معه وبما أن الحديث يدل على أن الامام عليا أفضل الناس بعد رسول الله (ص) أنكروا على الحاكم وغيره رواية هذا الحديث، ولم نخرجها نحن في باب النصوص لاننا لسنا بصدد إيراد فضائل الامام علي وانما نورد النصوص الصريحة في حق آل الرسول في الحكم. نقل الذهبي فضل الحاكم الشافعي في علم الحديث بمدرسة الخلفاء وبما أنه خرج في مستدركه أحاديث في فضل الامام علي وما فيه انتقاص لمعاوية، طعنوا فيه و قالوا ما نقله الذهبي: (ثقة في الحديث، رافضي خبيث). (كان يظهر التسنن في التقديم والخلافة وكان منحرفا عن معاوية وآله - يعني يزيد - متظاهرا بذلك ولا يعتذر منه). قال الذهبي: قلت أما انحرافه عن خصوم علي فظاهر وأما أمر الشيخين فمعظم لهما بكل حال فهو شيعي ولا رافضي، وليته لم يصنف المستدرك فانه غض من فضائله بسوء تصرفه). انتهت أقوال الذهبي. ولامام المحدثين بمدرسة الخلفاء أسوة بإمام المذهب الشافعي محمد بن ادريس

[259]

(ت 204 ه‍) حيث رمي بالرفض كما رواه البيهقي فقال الشافعي في ذلك: قالوا ترفضت، قلت كلا * ما الرفض ديني ولا اعتقادي لكنني توليت غير شك * خير امام وخير هادي ان كان حب الولي (1) رفضا * فانني أرفض العباد ومما قال أيضا: ان كان رفضا حب آل محمد * فليعلم الثقلان اني رافضي ويظهر أنه كان يضطر إلى الكتمان أحيانا فقد قال: ما زال كتما منك حتى كأنني * لرد جواب السائلين لاعجم وأكتم ودي مع صفاء مودتي * لتسلم من قول الوشاة وأسلم (2) غير أنه لم ينفعه الكتمان ورمي بالرفض كغيره من العلماء الذين لا يكتمون رأيهم في ما ورد عن سنة الرسول (ص) وسيرة الصحابة، وإن أغلب علماء المذهب الشافعي بمدرسة الخلفاء لا يكتمون الحديث كما يفعله علماء المذاهب الآخرى في تلك المدرسة ولذلك يرمون بالرفض. في هذا الباب لاحظنا أنواعا من الانكار بدأ بتضعيف الراوي والرواة إلى طعنهم بالتشيع والرفض والذي كان يؤدي الي إسقاط الحديث عن الاعتبار. وكل أنواع الانكار من أسهل الامور في باب الاحتجاج للمنكر ومن أصعب الامور عندئذ إثبات الحق فإن المنكر يسهل عليه أن يقول: الحديث ضعيف، باطل، كذب و على صاحب الحق أن يأتي بالدليل تلو الدليل وليس للمنكر في مقابله أكثر من الانكار وعدم القبول وهو في حقيقته قتل معنوي للرواة وأحيانا يقتل جسديا الراوي الذي يروي ما يخالف مصلحة مدرسة الخلفاء، كما نذكر مثالا منه في ما يأتي لما جرى لاحد أصحاب الصحاح الست بمدرسة الخلفاء. 4 - النسائي أحد مؤلفي الصحاح الست وقصة قتله. ننقل خبره وقصة قتله من كتابي الذهبي وابن خلكان بترجمته (3) قالا ما موجزه: الحافظ الامام شيخ الاسلام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي كان إمام أهل عصره في الحديث وله كتاب السنن تفرد بالمعرفة وعلو الاسناد واستوطن


(1) ورد في النصائح الكافية لمن تولى معاوية: (الوصي) بدلا من (الولي) في الصواعق. (2) هذا موجز ما أورده الهيتمي (ت 974 ه‍) في الصواعق، ط، مصر الثانية، سنة 1385 ه‍، ص 33، مع قول البيهقي أورد جميعها مفصلا والبيت: ان كان رفضا مع بيتين آخرين رواها أيضا ابن الصباغ المالكي المكي (ت 855 ه‍) في كتابه الفصول حسب نقل صاحب الكنى والالقاب بترجمة الشافعي. (3) تذكرة الحفاظ (ج 1 / 198)، ووفيات الاعيان (ج 1 / 59).

[260]

مصر وكان يصوم يوما ويفطر يوما ويجتهد في العبادة ليلا وخرج مع أمير مصر و إلى الغزو وكان يحترز عن مجالسه والانبساط في المأكل، وخرج في اخر عمره حاجا وبلغ دمشق، وصنف في دمشق كتاب الخصائص في فضل علي بن أبي طالب (رض) وأهل البيت، وأكثر رواياته فيه عن أحمد بن حنبل فأنكروا عليه ذلك، فقال دخلت دمشق والمنحرف عن علي بها كثير فصنفت كتاب الخصائص رجوت أن يهديهم الله بهذا الكتاب، فقيل له ألا تخرج فضائل معاوية، فقال أي شئ أخرج ؟ حديث اللهم لا تشبع بطنه، فسكت السائل وسئل - أيضا - عن معاوية وما جاء من فضائله، فقال: ألا يرضى رأسا برأس حتى يفضل، فما زالوا يدفعون في خصييه وداسوه حتى أخرج من المسجد وحمل إلى الرملة. قال الحافظ أبو نعيم: مات بسبب ذلك الدوس وهو منقول، وقال الدار قطني امتحن بدمشق وأدرك الشهادة. وكان ذلك سنة 303 ه‍. ولا ينحصر من أوذي وقتل في سبيل نشر سنة الرسول (ص) بالنسائي وحده فقد لاقى الصحابي أبو ذر أيضا ما سيأتي ذكره بعيد هذا في بقية بحوث كتمان سنة الرسول (ص) وقتل عدد غير قليل من العلماء، ترجم بعضهم العلامة الحبر الاميني في كتابه شهداء الفضيلة. ومن يجرء مع هذه الحالة أن يروي النصوص الواردة عن رسول الله (ص) في فضائل آله فضلا عن ذكر النصوص الواردة في حق آله في الحكم. وألا يحق لابن كثير إذا كان يريد أن يداري من يطالب العلماء بإيراد فضائل معاوية أن يؤول ما فيه إنتقاص لمعاوية إلى ما فيه له فضيلة في الدنيا والاخرة ! ! ! وكيف يتيسر نشر سنة الرسول مع هذه الحالة. ذكرنا شيئا من مصير من يخالف مدرسة الخلفاء ويروي أن يكتب من سنة الرسول (ص) ما يخالف مصلحة الخلفاء وفي ما يأتي نشير إلى مصير الكتب التي حوت من سنة الرسول (ص) ما يخالف سياسة مدرسة الخلفاء. ح - حرق الكتب والمكتبات من أصناف الكتمان بمدرسة الخلفاء حرق الكتب التي فيها سنة الرسول (ص) سيرة وحديثا مما لا ترغب نشرها مدرسة الخلفاء. وقد بدأ ذلك الخليفة عمر بن الخطاب كما سيأتي ذكره في باب بحوث مدرسة الخلفاء من مصادر الشريعة الاسلامية عن طبقات ابن سعد قال: أن الاحاديث كثرت على عهد عمر فأنشد الناس أن

[261]

يأتوه بها، فلما أتوه بها، أمر بتحريقها. وروى الزبير بن بكار (1) أن سليمان بن عبد الملك في زمان ولايته للعهد مر بالمدينة حاجا، وأمر أبان بن عثمان أن يكتب له سير النبي (ص) ومغازيه فقال أبان هي عندي أخذتها مصححة ممن أثق به فأمر عشرة من الكتاب بنسخها فكتبوها في رق فلما صارت إليه نظر فإذا فيها ذكر الانصار في العقبتين - يقصد بيعة الانصار في العقبتين الاولى والثانية وذكر الانصار في بدر، فقال سليمان: ما كنت أرى لهؤلاء القوم هذا الفضل فأما أن يكون أهل بيتي - أي الخلفاء الامويين - غمصوا عليهم، وأما أن يكونوا ليس هكذا، فقال أبان بن عثمان: أيها الامير ! لا يمنعنا ما صنعوا بالشهيد المظلوم - يقصد الخليفة عثمان - من خذلانه، أن نقول الحق. هم على ما وصفنا لك في كتابنا هذا. قال سليمان: ما حاجتي إلى أن أنسخ ذاك حتى أذكره لامير المؤمنين - يقصد والده عبد الملك - لعله يخالفه، فأمر بذلك الكتاب فحرق، ولما رجع أخبر أباه بما كان فقال عبد الملك وما حاجتك أن تقدم بكتاب ليس لنا فيه فضل تعرف أهل الشام أمورا لا نريد أن يعرفوها، قال سليمان فلذلك أمرت بتحريق ما نسخته حتى أستطلع رأي أمير المؤمنين فصوب رأيه. هكذا يأمر خلفاء المسلمين وأولياء عهدهم بحرق كتب سنة الرسول لئلا يعرف المسلمون ما يخالف مصالحهم وقد فعلت السلطة أكثر من ذلك حين حرقت مكتبات فيها من كتب سنة الرسول (ص) ما يخالف اتجاههم نظير ما يأتي بيانه: حرق مكتبة اسلامية ببغداد قال ابن كثير (2) في ذكر حوادث سنة 416 ه‍ بترجمة سابور بن أردشير: كان كثير الخير سليم الخاطر إذا سمع المؤذن لا يشغله شئ عن الصلاة وقد وقف دارا للعلم في سنة 381 ه‍ وجعل فيها كتبا كثيرة جدا ووقف عليها غلة كبيرة فبقيت سبعين سنة ثم أحرقت عند مجئ طغرل في سنة 450 ه‍ وكانت في محلة بين السورين. وقال الحموي بترجمة بين السورين في معجم البلدان: بين السورين، اسم لمحلة كبيرة كانت بالكرخ وبها كانت خزانة الكتب التي وقفها وزير بهاء الدولة ولم تكن في الدنيا أحسن كتبا منها كانت كلها بخطوط الائمة المعتبرة وأصولهم المحررة و


(1) الموفقيات ص: 332 - 333. (2) البداية والنهاية (ج 12 / 19). (*)

[262]

حترقت في ما أحرق من محال الكرخ عند ورود طغرل بك أول ملوك السلجوقية ؟ بغداد. وقال ابن كثير (1) - أيضا - بترجمة الشيخ أبي جعفر الطوسي من حوادث سنة 460 ه‍ أحرقت داره بالكرخ وكتبه سنة 448 ه‍. وفعل أكثر من ذلك مع مخازن كتب الخلفاء الفاطميين بمصر كما ذكره لمقريزي (2) (ت: 848 ه‍) في ذكر الخزانات التي كانت في قصر الفاطميين عن خزانة الكتب، وكانت من عجائب الدنيا ويقال أنه لم يكن في جميع بلاد الاسلام دار كتب أعظم من التي كانت بالقاهرة في القصر ويقال: أنها كانت تشمل الف وستمائة ألف كتاب، وقال قبلها [أخذ جلودها عبيدهم وإماؤهم برسم عمل ما يلبسونه في أرجلها وأحرق ورقها تأولا منهم أنها خرجت من قصر السلطان وأن فيها كلام المشارقة الذي يخالف مذهبهم سوى ما غرق وتلف وحمل إلى سائر الاقطار وبقي منها ما لم يحرق وسفت عليه الرياح التراب فصارت تلالا باقية إلى اليوم في نواحي آثار تعرف بتلال الكتب]. أسس مكتبة الكرخ وزير البويهيين من أتباع مدرسة أهل البيت فلما استولى السلجوقيين من أتباع مدرسة الخلفاء أحرقوها وأحرقوا مكتبة الشيخ الطوسي بالكرخ، وفعل أكثر من ذلك مع خزائن كتب الخلفاء الفاطميين بمصر عند استيلاء صلاح الدين على الحكم. يا ترى كم كتم عنا من سنة الرسول بسبب تحريق الكتب والمكتبات التي كان اصحابها من مخالفي مدرسة الخلفاء، وكم كان فيها أحاديث صحيحة مسلسلة عن رسول الله (ص) في حق آل الرسول بما في ضمنها أحاديثه في الوصية، ذهبت عنا بسبب هذا النوع من الكتمان والله أعلم بذلك. وأهم من كل ما ذكرنا من أصناف كتمان سنة الرسول (ص) تحريف سنة الرسول وسيرة الصحابة الآتي ذكره في البحثين التاليين: ط - حذف بعض الخبر من سيرة الصحابة وتحريفه من أنواع الكتمان بمدرسة الخلفاء حذف بعض الخبر وتحريفه كما فعل ذلك ابن كثير في خطبة الامام الحسين بتاريخه، فقد أورد الخطبة الطبري وابن الاثير في تاريخيهما وفي لفظهما:


(1) نفس المصدر، (ج 12 / 97). (2) خطط المقريزي (ج 2 / 255).

[263]

" أما بعد فانسبوني فانظروا من أنا ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها، هل يجوز لكم قتلي وانتهاك حرمتي ؟ ألست ابن بنت نبيكم (ص) وابن وصيه وابن عمه و أول القوم اسلاما وأول المؤمنين بالله والمصدق لرسوله بما جاء من عند ربه ؟ أو ليس حمزة سيد الشهداء عم أبي ؟ أو ليس جعفر الطيار ذو الجناحين عمي... ". حرف ابن كثير هذا الخبر في تاريخه ونقل أن الامام الحسين قال: " راجعوا أنفسكم وحاسبوها هل يصلح لكم قتال مثلي، وأنا ابن بنت نبيكم، وليس على وجه الارض ابن بنت نبي غيري وعلي أبي، وجعفر ذو الجناحين عمي وحمزة سيد الشهداء عم أبي " (1). ان ابن كثير حذف من خطبة الامام الحسين ذكر الوصية لان ذكره كما قلنا ينبه العامة إلى حق الامام علي وسبطي الرسول (ص) في الحكم وهو ما يسوء السلطة نشر خبره، ثم حرف الخطبة. وهذا نوع من أنواع الكتمان بمدرسة الخلفاء، و يوجد نظير هذا الحذف في سيرة الرسول (ص) وسنشير إلى شئ منه في الصنف العاشر من أصناف الكتمان الآتي بحثه بعد هذا. ي - وضع الروايات والاخبار المختلقة بدلا من الروايات الصحيحة من أنواع الكتمان بمدرسة الخلفاء وضع الاخبار ونشر الروايات المختلقة بدلا من الروايات الصحيحة، ونذكر في ما يأتي مثالا واحدا منها: روى الطبري في تاريخه خبر ابي ذر وقال: " وفي هذه السنة أعني سنة ثلاثين كان ما ذكر من أمر أبي ذر ومعاوية وإشخاص معاوية إياه من الشام إلى المدينة وقد ذكر في سبب ذلك أمور كثيرة كرهت ذكر أكثرها فأما العاذرون معاوية في ذلك فانهم ذكروا في ذلك قصة كتب إلي بها السري يذكر أن شعيبا حدثه سيف.... " الحديث. وكذلك تبعه ابن الاثير وقال: " وفي هذه السنة كان ما ذكر من أمر أبي ذر و إشخاص معاوية إياه من الشام إلى المدينة وقد ذكر في سبب ذلك امور كثيرة من سب معاوية إياه وتهديده بالقتل وحمله إلى المدينة من الشام بغير وطاء ونفيه من المدينة على الوجه الشنيع لا يصلح النقل به... ". فمن هو سيف هذا الذي أورد الطبري القصة التي رواها في خبر أبي ذر و تمسك بها العاذرون معاوية وما هو نوع أخباره ورواياته: هو سيف بن عمر التميمي (توفي حدود سنة 170 ه‍) روى أخبارا عن عصر


(1) ابن كثير 7 / 179.

[264]

الرسول (ص) والسقيفة وبيعة أبي بكر وحروف الردة والفتوح وحرب الجمل. وصفه علماء الرجال وقالوا في نعته: ضعيف، متروك الحديث، ليس بشئ، كذاب، كان يضع الاحاديث، اتهم بالزندقة (1) نوع أخباره ورواياته: اختلق في رواياته أكثر من خمسين ومائة صحابي لرسول الله (ص) نشرنا دراسات مفصلة عن ثلاث وتسعين منهم في المجلد الاول والثاني من كتاب " خمسون ومائة صحابي مختلق " جعل تسع وعشرون منهم من قبيلته تميم، اختلق سيف لهم أخبارا في الفتوح وكثيرا من المعجزات والشعر ورواية الحديث، غير ان الله سبحانه وتعالى لم يخلق أشخاصهم ولا شيئا من أخبارهم بل اختلق جميعها سيف كما اختلق عشرات الرواة وروى عنهم أخباره وقد نشرنا في جزئي عبد الله ابن سبأ وخمسون ومائة صحابي مختلق دراسات عن نيف وسبعين راويا منهم، تتبعنا في حدود قدرتنا روايات سيف عنهم فوجدنا لراو واحد منهم والذي سماه محمد بن سواد بن نويرة 216 رواية ومنهم من روى عنه أقل من ذلك إلى رواية واحدة. وكذلك خلق شعراء للعرب وقادة للفرس والرومان وأراض في البلاد الاسلامية و غيرها وحرف سني الحوادث التأريخية كما حرف أسماء أشخاص ذكروا في التاريخ الاسلامي ونشر الخرافات بين المسلمين في ما اختلق منها في أحاديثه، واختلق حروبا في الردة والفتوح لم تقع، وذكر مئات الالوف ممن قتلهم المسلون قتلا فظيعا في تلك الحروب مما لم يكن شئ منها، وأشاع في ما وضع واختلق أن الاسلام انتشر بحد السيف، وقد بينا زيفها في أول الجزء الثاني من عبد الله بن سبأ. انتشرت رواياته الموضوعة في أكثر من سبعين مصدرا (2) من كتب الحديث والتاريخ والادب وغيرها من مصادر الدراسات الاسلامية بمدرسة الخلفاء انتشر فيها ما روى سيف واختلق عن عصر الرسول (ص) حتى عصر معاوية وكان أكثر من أخذ عنه الطبري في تاريخه وروى عنه أمثال الاخبار (3) الآتية:


(1) كان ما ذكرناه بعض ما ذكره في وصفه علماء أمثال: يحيى بن معين (ت: 233 ه‍)، النسائي صاحب الصحيح (ت: 303 ه‍)، أبو داود (ت: 316 ه‍)، ابن أبي حاتم الرازي (ت: 327 ه‍)، ابن حبان (ت: 354 ه‍)، الحاكم (ت: 405 ه‍). وتفصيل ما ذكروا في حق سيف ومصادر ترجمة سيف بكتاب عبد الله بن سبأ الجزء الاول. (2) ذكرنا أسماء أكثرها في أول الجزء الاول من كتاب خمسون ومائة صحابي مختلق. (3) راجع أخبارها في ذكر فتح دارين والقادسية والسوس وبهرسير ودراسة مقارنة لاخبار سيف هذه بروايات صحيحة لغيره في كتاب " خمسون ومائة صحابي مختلق " الجزء الاول بتراجم عفيف بن المنذر وعاصم بن عمرو والاسود بن قطبة من الصحابة الذين اختلقهم سيف بن عمر التميمي من قبيلته تميم.

[265]

أ - مسير الجيش على ماء البحر من الساحل إلى دارين مسيرة يوم وليلة لسفن البحر، يمشون على مثل رملة ميثاء فوقها ماء يغمر أخفاف الابل. ب - تكلم الابقار لعاصم بن عمرو التميمي الصحابي المختلق في حرب القادسية بلسان عربي فصيح. وإن بكيرا قال لفرسه أطلال عند نهر أراد أن يعبره يومئذ: " ثبي أطلال " فنطقت وقالت: " وثبا وسورة البقرة " أي أنها أقسمت بسورة البقرة، ثم وثبت ! ! !. ج - انشاد الاجنة الشعر في فتح القادسية وثناءهم لموقف تميم في الحرب. د - فتح السوس بضرب الدجال باب السوس برجله وقوله: " انفتح بظار ". ه‍ - تكلم الملائكة على لسان الاسود بن قطبة التميمي في فتح بهرسير. ومن تاريخ الطبري انتشرت أكاذيب سيف في كتب التاريخ الاسلامي التي ألفت بعده إلى عصرنا الحاضر كما سنشير إلى بعض ذلك فيما يأتي: انتشار أحاديث سيف من تاريخ الطبري إلى كتب التاريخ وسببه قال ابن الاثير في مقدمة تاريخه الكامل: إني قد جمعت في كتابي هذا ما لم يجتمع في كتاب واحد، فابتدأت بالتاريخ الكبير الذي صنفه الامام أبو جعفر الطبري إذ هو الكتاب المعول عند الكافة عليه و المرجوع عند الاختلاف إليه.... فلما فرغت منه أخذت غيره من التواريخ المشهورة فطالعته وأضفت إلى ما نقلته من تاريخ الطبري ما ليس فيه،.... الا ما يتعلق بما جرى بين أصحاب رسول الله (ص) فإني لم أضف إلى ما نقله أبو جعفر شيئا الا ما فيه زيادة بيان أو اسم انسان، أو ما لا يطعن على أحد منهم في نقله، على أني لم أنقل إلا من التواريخ المذكورة والكتب المشهورة ممن يعلم صدقهم في ما نقلوه و صحة ما دونوه...... (1) وقال ابن كثير بعد انتهائه من ذكر أخبار الصحابة في الردة والفتوح والفتن: هذا ملخص ما ذكره ابن جرير الطبري رحمه الله عن أئمة هذا الشأن، و ليس في ما ذكره أهل الاهواء من الشيعة وغيرهم من الاحاديث المختلقة على الصحابة والاخبار الموضوعة التي ينقلونها بما فيها (2) وقال ابن خلدون: هذا آخر الكلام في الخلافة الاسلامية وما كان فيها من الردة والفتوحات و الحروب ثم الاتفاق والجماعة أوردتها ملخصة عيونها ومجامعها من كتب محمد بن


(1) تاريخ ابن الاثير طبعة، مصر سنة 1348 ه‍ (ج 1 / 5). (2) تاريخ ابن كثير (ج 7 / 246).

[266]

جرير الطبري وهو تاريخه الكبير فإنه أوثق ما رأيناه في ذلك وأبعد عن المطاعن و الشبه في كبار الامة من خيار الامة وعدو لهم من الصحابة والتابعين (1) نظرة تأمل في سبب اختيار كبار العلماء الافذاذ روايات سيف في أخباز صدر الاسلام قال الطبري في خبر أبي ذر الصحابي الفقير - مثلا - مع معاوية الامير " كرهت ذكر أكثرها، فأما العاذرون معاوية في ذلك فإنهم ذكروا في ذلك قصة.... عن سيف ". وقال ابن الاثير: " من سب معاوية إياه وتهديده بالقتل وحمله إلى المدينة من الشام بغير وطاء ونفيه من المدينة عل الوجه الشنيع لا يصلح النقل به ". ثم أورد قصة سيف و وصفهم كذلك بالعاذرين. إن العالمين الكبيرين لم يتركا روايات غير سيف لعدم اعتمادهما عليها بل لانهما لم يجدا فيها العذر للسلطة الحاكمة ووجدا العذر عند العاذرين معاوية الامير وعثمان الخليفة وهم سيف الزنديق وسلسلة رواته المختلقين، فحشى الطبري تاريخه الكبير بروايات سيف، و ؟ نفس السبب أخذ ابن الاثير روايات سيف من تاريخ الطبري وكذلك فعل ابن كثير حيث قال في آخر ذكره خبر واقعة الجمل من أخبار سنة ست وثلاثين هجرية عما نقله من أخبار سيف في حوادث بعد وفاة رسول الله (ص) إلى واقعة الجمل: " هذا ملخص ما ذكره ابن جرير الطبري رحمه الله عن أئمة هذا الشأن " و قصد من أئمة هذا الشأن الذين ذكر ابن جرير الطبري الاخبار عنهم سيف الزنديق ورواته المختلقين. وقد أفصح العلامة ابن خلدون أكثر منهم في سبب اختيارهم روايات سيف المنتشرة في تاريخ الطبري عن أخبار الخلافة أي بيعة الخلفاء والردة والفتوح والجماعة أي الاجتماع على بيعة معاوية وقال: " انه أوثق ما رأيناه في ذلك وأبعد عن المطاعن والشبهة في كبار الامة ". إذا فإن روايات سيف في تاريخ الطبري عن تلك الاخبار أوثق عندهم لانها أبعد عن المطاعن والشبهة في كبار الامة من الصحابة والتابعين وهم الخلفاء والولاة وذويهم، وإليكم دليل آخر على أنه من المعيب أن يذكر ما يورد النقد على الكبراء


(1) تاريخ ابن خلدون (ج 2 / 457).

[267]

وينبغي البحث عن العذر لهم في ما يوجه النقد إليهم كيف ما كان، في خبر درء سعد بن أبي وقاص الحد عن أبي محجن والبحث عن العذر لسعد الامير، كان أبو محجن الثقفي كما بترجمته من الاستيعاب وأسد الغابة والاصابة، مدمنا للخمر وحده الخليفة عمر سبع مرات لذلك وأخيرا نفاه من المدينة، والتحق بسعد بن أبي وقاص في حرب القادسية فقيده لشربه الخمر وأطلقت زوجة سعد سراحه وكانت له مواقف مشهورة في الحرب فدرأ سعد الحد عنه لموقفه وقال: والله لا نجلدك على الخمر أبدا، قال أبو محجن: وإذن لا أشربها أبدا. كان هذا خبر درأ سعد الحد عن أبي محجن، وفي هذا الشأن نقل ابن حجر بترجمة أبي محجن في كتابه الاصابة عن كتاب ابن فتحون (ت: 519 ه‍)، " التذييل على استيعاب أبي عمر بن عبد البر " وقال: " وقد عاب ابن فتحون أبا عمر على ما ذكره في قصة أبي محجن، أنه كان منهمكا في الشراب - إلى قوله - وأنكر ابن فتحون من روى أن سعدا أبطل عنه الحد وقال: [لا يظن هذا بسعد] ثم قال: [لكن له وجه حسن] ولم يذكره وكأنه أراد بقوله لا يجلده في الخمر بشرط أضمره وهو: إن ثبت عليه أنه يشربها فوفقه الله أن تاب توبة نصوحا فلم يعد إليها.... " (1) هكذا يبحث أتباع مدرسة الخلفاء عما يرفع النقد عن الكبراء وهم الخلفاء و الولاة وذووهم من الخلفاء الاوائل حتى معاوية ومروان بن الحكم ويزيد بن معاوية وولاتهم الذين يسمونهم الكبراء أو كبراء الصحابة والتابعين. وبما أن سيف بن عمر الزنديق عرف من أين تؤكل الكتف ووضع روايات موافقة لرغبات جميع الطبقات بمدرسة الخلفاء مدى العصور وطلا رواياته بطلاء الدفاع عن الخلفاء و ذويهم في ما انتقدوا عليه ونشر فضائلهم وتحت هذا الغطاء السميك استطاع أن يخفي أهدافه في الطعن بالاسلام والاضرار به ونشر الخرافات الضارة بالعقائد الاسلامية بين المسلمين وكذلك استطاع أن ينشر ويذيع بين الناس أن الاسلام انتشر بحد السيف، استطاع سيف أن يصل إلى كل أهدافه في ما اختلق بدافع زندقته، وسنورد أمثلة مما ذكرنا في ما يأتي، ومن أمثلة نشره الخرافات الضارة بالعقيدة الاسلامية ما رواه في خبر الاسود العنسي المتنبئ وخبر مناجاة كسرى مع الرسول (ص) عند الله كالآتي:


(1) الاصابة (ج 4 / 173 - 175).

[268]

أولا - قصة الاسود العنسي في روايات سيف روى الطبري في قصة الاسود العنسي (1) عدة روايات عن سيف تتلخص في ما يلي: أن الاسود لما ادعى النبوة وتغلب على اليمن وقتل ملكها شهر ابن باذان و تزوج امرأته وأسند أمر الجيش إلى قيس بن عبد يغوث وأسند أمر الابناء - وهم أبناء الفرس باليمن - إلى فيروز وداذويه، كتب النبي (ص) إلى هؤلاء بقتال الاسود أما مصادمة أو غيلة، فاتفقوا على اغتياله فأخبره شيطانه فأرسل إلى قيس وقال: يا قيس ! ما يقول الملك، قال قيس: " وما يقول ؟ " قال: يقول: " عمدت إلى قيس فأكرمته حتى إذا دخل منك كل مدخل، وصار في العز مثلك، مال ميل عدوك، وحاول ملكك، وأضمر على الغدر ! انه يقول: يا أسود، يا أسود يا سوءة ! يا سوءة ! اقطف قنته (2) وخذ من قيس أعلاه والا سلبك أو أخذ قنتك ! " فقال قيس وحلف به و كذب " وذي الخمار (3) لانت أعظم في نفسي وأجل عندي من أن أحدث بك نفسي ". قال الاسود: " ما أجفاك ! أتكذب الملك ؟ ! وعرفت الآن انك تائب مما اطلع عليه منك " يعني ما اطلع عليه شيطانه الذي يسميه الملك. وقال سيف: ثم خرج قيس وأخبر جماعته بما جرى له مع الاسود وتواطؤوا على إنفاذ ما اتفقوا عليه من قتله، فدعا الاسود قيسا ثانية، وقال له: " ألم أخبرك الحق وتخبرني الكذابة انه يقول - يعني شيطانه الذي يسميه الملك -: يا سوءة ! يا سوءة ! الا تقطع من قيس يده يقطع قنتك العليا " فقال له قيس: " ليس من الحق أن أقتلك وأنت رسول الله فمر بي بما أحببت، فإما الخوف والفزع فأنا فيهما مخافة ! اقتلني ! فموتة أهون علي من موتات أموتها كل يوم "، قال سيف: فرق له فأخرجه ! وقال دعا الاسود بمائة جزور بين بقرة وبعير، وخط خطا فأقيمت من وراء الخط، وقام من دونها، فنحرها غير محبسة ولا معقلة، ما يقتحم الخط منها شئ، ثم خلاها فجالت إلى أن زهقت، ونقل سيف عن الراوي أنه قال: " ما رأيت أمرا كان أفظع منه، ولا يوما أوحش منه ". قال سيف: وتواطؤوا مع زوجته على اغتياله - ليلا - فلما دخلوا عليه ليقتلوه بادره فيروز، فأنذره شيطانه بمكان فيروز وأيقظه فلما أبطأ تكلم الشيطان على لسانه وهو يغط في نومه وينظر إلى فيروز قال له: " مالي ولك يا فيروز " فدق فيروز رقبته وقتله.


(1) نسبة إلى عنس بن مذحج وهم حي من زيد بن كهلان بن سبأ ترجمتهم في أنساب ابن حزم، ص: 381. (2) اقطف قنته أي اقطع رأسه، وقنة كل شئ أعلاه مثل القلة. (3) كان الاسود يلقب ذا الخمار أو ذا الحمار.

[269]

قال: ثم دخل الباقون ليحتزوا رأسه فحركه شيطانه فاضطرب فلم يضبطوا أمره حتى جلس اثنان على ظهره وأخذت المرأة شعره، فجعل يبربر بلسانه فاحتز الآخر رقبته فخار كأشد خوار ثور سمع قط، فابتدر الحرس الباب، وقالوا: ما هذا ؟ فقالت المرأة: النبي يوحى إليه فخمد... " الحديث. روى هذا الخبر عن سيف كل من الطبري والذهبي في تاريخيهما وأخذها من الطبري كل من ابن الاثير وابن كثير وابن خلدون غير أن الاخير أوردها بإيجاز. دراسة خبر الاسود العنسي أ - رواة الخبر: روى سيف هذا الخبر في احدى عشرة رواية رواها عن أربعة رواة اختلقهم وهم كل من: 1 - سهل بن يوسف الخزرجي السلمي. 2 - عبيد بن صخر الخزرجي السلمي. 3 - المستنير بن يزيد النخعي. 4 - عروة بن غزية الدثيني. هكذا تخيلهم سيف الزنديق غير أن الله لم يخلق رواة بهذه الاسماء وإنما خلقهم سيف لرواياته. ب - دراسة متن الخبر: قد قارنا روايات سيف المختلقة في خبر الاسود العنسي بالروايات الصحيحة و بينا اختلاقه الروايات والرواة في هذا الخبر في الجزء الثاني من عبد الله ابن سبأ. ثانيا - خبر مناجاة كسرى مع الرسول عند الله في رواية سيف روى سيف في قصة مسير يزدجرد إلى خراسان بعد واقعة جلولاء وقال: " كان يزدجرد بن شهريار بن كسرى وهو يومئذ ملك فارس، لما انهزم أهل جلولاء خرج يريد الري وكان ينام في محمله والبعير يسير به ولا يعرسون، فانتهوا به إلى مخاضة وهو نائم في محمله فأنبهوه ليعلم ولئلا يفزع إذا خاض البعير، فعنف وقال: بئسما صنعتم، والله لو تركتموني لعلمت ما مدة هذه الامة، إني رأيت: أني ومحمدا تناجينا عند الله، فقال له: - أملكهم مائة سنة.

[270]

فقال: - زدني. فقال: - عشرا ومائة سنة. فقال: - زدني. فقال: - عشرين ومائة سنة. فقال: - لك. وأنبهتموني، فلو تركتموني لعلمت ما مدة هذه الامة... " (1). دراسة خبر مناجاة كسرى والرسول (ص) أ - دراسة رواة الخبر: روى سيف اسطورة مناجاة كسرى والرسول (ص) عند الله عن مختلقاته من الرواة الآتية أسماؤهم: 1 - محمد وقد تخيله محمد بن عبد الله بن سواد بن نويرة. 2 - المهلب وهو عنده المهلب بن عقبة الاسدي. 3 - عمرو وقد اختلق سيف راويين باسم عمرو، تخيل أحدهما عمرو بن ريان والآخر عمرو بن رفيل، وبينا اختلاقه هذه الاسماء في الجزء الاول من " عبد الله بن سبأ " و " خمسون ومائة صحابي مختلق ". ب - دراسة متن الخبر: درسنا متن الخبر في أول الجزء الاول من " خمسون ومائة صحابي مختلق " و بينا زيفه ولا حاجة لاعادة البحث في هذه العجالة. ماذا استهدف الزنديق من وضع هذين الخبرين: إن الاسود الذي ادعى النبوة كان يخبر قيسا بكل ما ينويه مرة بعد أخرى ويقول " قال الملك ! " وكان الملك الذي يخبره هو الشيطان ! وظهرت من الاسود مدعي النبوة معجزة باهرة حين خط خطا أوقف وراءه مائة جزور بين بقرة وبعير وقام من دونها ونحرها جميعا غير محبسة ولا معقلة ما يقتحم الخط منها شئ، ثم خلاها فجالت إلى أن زهقت، وإن الراوي استعظم هذا الامر ! وقال في الخبر الثاني إن كسرى رأى في المنام أنه اجتمع مع الله ورسوله في مؤتمر ثلاثي... الحديث.


(1) راجع مصادره في البحث الاول من البحوث التمهدية في الجزء الاول من " خمسون ومائة صحابي مختلق ".

[271]

أليس مغزى الاسطورة الاولى إن نبي المسلمين ادعى النبوة وكان من يسميه (الملك) يخبره بالغيب وتصدر منه المعجزات. والاسود العنسي أيضا ادعى النبوة وكان من يسميه (الملك) يخبره بالغيب و تظهر منه المعجزات، هل نشر الزنديق هذه الاسطورة دون أن يقصد إلقاء الشبهات في أذهان المسلمين ؟ وفي الاسطورة الثانية ألم يقصد الزنديق الاستهزاء برب المسلمين ونبيهم حين جمعهم في مؤتمر واحد مع عدوهما يزدجرد ملك الفرس في ما رآه ! ! ؟ هكذا نقل كبار العلماء عن سيف أساطير الخرافة وحشوا بها كتب التاريخ الاسلامي وأصبحت تلك الاساطير جزءا من مصادر الدراسات الاسلامية، وكذلك نشروا في كتب التاريخ الاسلامي ما أشاعه سيف الزنديق بأن الاسلام انتشر بحد السيف، نظير الاخبار الآتية: إشاعة الزنديق أن الاسلام انتشر بالسيف وإراقة الدماء أشاع سيف في ما اختلق من أخبار حروب الردة والفتوح بأن الاسلام انتشر على وجه الارض بحد السيف وإراقة الدماء ومما اختلق باسم حروب الردة الاكاذيب والتهويلات الآتية: تهويلات وأكاذيب في ما رواها سيف عن أخبار حروب الردة: مهد سيف لما أراد أن يذكر في حروب الردة من تهويلات بما روى في روايات قصيرة له أوردها الطبري في أول أخبار الردة، قال سيف فيها: كفرت الارض وتضرمت نارا، وارتدت العرب من كل قبيلة خاصتها أو عامتها إلا قريشا وثقيفا، ثم ذكر إرتدادا في غطفان، وامتناع هوازن من دفع الصدقة، واجتماع عوام طي وأسد على طليحة، وإرتداد خواص بني سليم، وقال: " وكذلك سائر الناس بكل مكان " وقال: وقدمت كتب - أمراء النبي من كل مكان بانتقاض القبائل خاصتها، أو عامتها. ". ونقل الخبر كذلك ابن الاثير وابن خلدون بتاريخيهما ونقله ابن كثير بالمعنى حيث قال في تاريخه (1): " ارتدت العرب عند وفاة رسول الله (ص) ما خلا أهل المسجدين مكة والمدينة ثم ذكر سيف في ما اختلقه من حروب الردة كيف أرجع المرتدين إلى الاسلام

[272]

بحد السيف كما زعمه الزنديق في رواياته. ومن أمثلة ما روى في حروب الردة ما سماها بحرب الاخابث كالآتي: ردة عك والاشعرون وخبر طاهر ربيب رسول الله في روايات سيف وقال سيف في خبر الاخابث من عك: كان أول من انتفض بتهامة العك والاشعرون لما بلغهم نبأ وفاة النبي تجمعوا وأقاموا على الاعلاب: طريق الساحل، فكتب بذلك طاهر إلى أبي بكر، ثم سار إليهم مع مسروق العكي حتى إلتقى بهم، فاقتتلوا، فهزمهم الله وقتلوهم كل قتلة، وأنتنت السبل لقتلهم، وكان مقتلهم فتحا عظيما. وأجاب أبو بكر الطاهر - من قبل أن يأتيه كتابه بالفتح -: " بلغني كتابك تخبرني فيه مسيرك واستنفارك مسروقا وقومه إلى الاخابث بالاعلاب، فقد أصبت، فعاجلوا هذا الضرب ولا ترفهوا عنهم، وأقيموا بالاعلاب حتى يأتيكم أمري " فسميت تلك الجموع ومن تأشب إليهم إلى اليوم الاخابث، وسمي ذلك الطريق طريق الاخابث، وقال في ذلك طاهر بن أبي هالة: ووالله لولا الله لا شئ غيره * لما فض بالاجراع جمع العثاعث فلم ترعيني مثل يوم رأيته * بجنب صحار في جموع الاخابث قتلناهم ما بين قنة خامر * إلى القيعة الحمراء ذات النبائث وفئنا بأموال الاخابث عنوة * جهارا ولم نحفل بتلك الهثاهث قال: وعسكر طاهر على طريق الاخابث، ومعه مسروق في عك ينتظر أمر أبي بكر. أدار سيف خبر ردة عك والاشعريين على من تخيله طاهر بن أبي هالة، فمن هو طاهر في أحاديث سيف ؟ طاهر في أحاديث سيف تخيل سيف طاهر ابن أبي هالة التميمي من أم المؤمنين خديجة وربيب رسول الله (ص) وعامله في حياته، وذكر من أخباره في عصر أبي بكر إبادته للمرتدين من عك والاشعريين، ومن أحاديث سيف استخرجوا ترجمته وذكروه في عداد الصحابة في كل من الاستيعاب ومعجم الصحابة وأسد الغابة وتجريد أسماء الصحابة

[273]

والاصابة وغيرها، وكذلك ترجم في معجم الشعراء وسير النبلاء. وذكر خبره في تواريخ الطبري وابن الاثير وابن كثير وابن خلدون ومير خواند. واعتمد (شرف الدين) على هذه المصادر وذكر اسم طاهر في عداد أسماء الشيعة من أصحاب علي في كتابه (الفصول المهمة). واعتمادا على أخبار سيف ترجم البلدانيون الاعلاب والاخابث في عداد الاماكن مثل الحموي في معجم البلدان و عبد المؤمن في مراصد الاطلاع. مناقشة الخبر روى سيف أخبار طاهر في خمس رواياته في أسنادها خمس رواة اختلقهم باسم سهل عن أبيه يوسف السلمي وعبيد بن صخر بن لوذان وجرير بن يزيد الجعفي وأبي عمرو مولى طلحة. ولم يكن وجود لردة عك والاشعريين. ولم يخلق الله أرضا باسم الاعلاب والاخابث ولا صحابيا شيعيا ربيبا لرسول الله (ص) من أم المؤمنين خديجة اسمه طاهر بن أبي هالة. ولم تقع حرب الابادة لعك والاشعريين المرتدين كما تخيله سيف ولا الرواة الذين روى عنهم أخبار طاهر وردة عك والاشعريين والاخابث. اختلق سيف الردة وحربها والاراضي والشعر وكتاب أبي بكر والصحابي والرواة ووصل من خلالها إلى هدفه أن الناس ارتدوا بعد رسول الله (ص) عامة عدا قريش وثقيف وهكذا حاربهم المسلمون حرب إبادة، وقد ناقشنا كل هذه الاخبار وأسنادها في ترجمة من سماه بطاهر بن أبي هالة في الجزء الاول من كتاب (خمسون ومائة صحابي مختلق). كانت هذه إحدى حروب الردة التي اختلقها سيف ومما اختلق من حروب الردة واختلق أخبارها، ما سماها بردة طي وردة أم زمل وردة أهل عمان والمهرة وردة اليمن الاولى وردة اليمن الثانية. اختلق ارتداد تلك القبائل والبلاد وحروبها وحروب ردة أخرى زعم أنها وقعت في عصر أبي بكر، كذب فيها جميعا. وكذب وافترى في ذكر عدد من قتل في تلك المعارك وذكر تهاويل سود بزعمه وجه التاريخ الاسلامي الناصع، وكذلك فعل في أخبار الفتوح حيث ذكر معارك لم تقع، وقتل وإبادة من قبل جيوش المسلمين لم يكن له وجود في التاريخ بتاتا كالآتي ذكرها.

[274]

فتح أليس وتخريب مدينة أمغيشيا في أحاديث سيف روى الطبري عن سيف في خبر فتح أليس وأمغيشيا من فتوح سواد العراق وقال في خبر أليس: فاقتتلوا قتالا شديدا والمشركون يزيدهم كلبا وشدة ما يتوقعون من قدوم بهمن جاذويه فصابروا المسلمين للذي كان في علم الله أن يصيرهم إليه وحرب المسلمون عليهم وقال خالد اللهم إن لك علي إن منحتنا أكتافهم ألا أستبقي منهم أحدا قدرنا عليه حتى أجري نهرهم بدمائهم، ثم أن الله عزوجل كشفهم للمسلمين ومنحهم أكتافهم فأمر خالد مناديه فنادى في الناس الاسر الاسر لا تقتلوا إلا من امنتع، فأقبلت الخيول بهم أفواجا مستأسرين يساقون سوقا وقد وكل بهم رجالا يضربون أعناقهم في النهر ففعل ذلك بهم يوما وليلة وطلبوهم الغد وبعد الغد حتى انتهوا إلى النهرين ومقدار ذلك من كل جوانب أليس فضرب أعناقهم وقال له القعقاع وأشباه له لو أنك قتلت أهل الارض لم تجر دماؤهم إن الدماء لا تزيد على أن ترقرق منذ نهيت عن السيلان ونهيت الارض عن نشف الدماء فأرسل عليها الماء، تبر بيمينك وقد كان صد الماء عن النهر فأعاده فجرى دما عبيطا فسمي نهر الدم لذلك الشأن إلى اليوم، وقال آخرون منهم بشير بن الخصاصية قال وبلغنا أن الارض لما نشفت دم ابن آدم نهيت عن نشف الدماء ونهي الدم عن السيلان الا مقدار برده. وقال: كانت على النهر أرحاء فطحنت بالماء وهو أحمر قوت العسكر ثمانية عشر ألفا أو يزيدون ثلاثة أيام... وقال بعده في خبر هدم مدينة أمغيشيا: لما فرغ خالد من وقعة أليس نهض فأتى أمغيشيا وقد أعجلهم عما فيها وقد جلا أهلها وتفرقوا في السواد فأمر خالد بهدم أمغيشيا وكل شئ كان في حيزها وكانت مصرا كالحيرة وكانت أليس من مسالحها فأصابوا فيها ما لم يصيبوا مثله قط. اختلق سيف جميع هذه الاخبار بتفاصيلها مع رواتها ولنتأمل في ما وضع واختلق في الخبرين. نظرة تأمل في رواية سيف عن أليس ومدينة أمغيشيا قال سيف: في وقعة أليس آلى خالد أن يجري نهرهم بدمائهم فلما غلب غير مجرى الماء من نهرهم واستأسر فلول الجيش الفارسي والمدنيين من أهل الارياف من كل جوانب

[275]

أليس مسافة يومين وأقبلت الخيول بهم أفواجا مستأسرين ووكل بهم رجالا يضربون أعناقهم على النهر يوما وليلة والدم يتشف فقال له القعقاع - الصحابي الذي اختلقه سيف - وأشباه له لو قتلت أهل الارض لم تجر دماءهم، أرسل عليها الماء تبر يمينك فأرسل عليها الماء فأعاده فجرى النهر دما عبيطا فسمي نهر الدم لذلك إلى اليوم. ثم قال ذهب خالد إلى أمغيشيا وكانت مصرا كالحيرة فأمر بهدم أمغيشيا وكل شئ كان في حيزها وبلغ عدد قتلاهم سبعين ألفا. أما هدم مدينة أمغيشيا التي اختلق سيف المدينة وحيزها وخبر هدمها، فقد كان له نظير في التاريخ من قبل طغاة مثل هولاكو وجنكيز وكذلك قتل الاسرى غير أن سيفا نسب إلى خالد ما لم يجر له نظير في تاريخ الحروب وهو أنه أجرى نهرهم بدمائهم وأنه سمي نهر الدم إلى اليوم. اختلق سيف كل هذه الاخبار واختلق أخبار معارك الثني والمذار والمقر وفم فرات بادقلى وحرب المصيخ وقتلهم الكفار يومذاك حتى امتلا الفضاء من قتلاهم، فما شبهوهم الا بغنم مصرعة وكذلك معركة الثني والزميل والفراض وقتل مائة ألف من الروم فيها. اختلق سيف جميع أخبار هذه الحروب ونظائرها وانتشرت في تواريخ الطبري وابن الاثير وابن كثير وابن خلدون وغيرهم ولا حقيقة لواحدة منها وقد ناقشنا أخبارها وأسنادها في بحث (انتشار الاسلام بالسيف والدم في حديث سيف) من كتاب عبد الله بن سبأ الجزء الثاني. ألا يحق لخصوم الاسلام مع هذا التاريخ المزيف أن يقولوا: " ان الاسلام انتشر بحد السيف ". وهل يشك أحد بعد هذا من هدف سيف في وضع هذا التاريخ وما نواه من سوء للاسلام ؟ ! وما الدافع لسيف إلى كل هذا الدس والوضع إن لم تكن الزندقة التي وصفه العلماء بها ؟ ! وأخيرا هل خفي كل هذا الكذب والافتراء على إمام المؤرخين الطبري ؟ و علامتهم ابن الاثير ؟ ومكثرهم ابن كثير ؟ وفيلسوفهم ابن خلدون ؟ وعلى عشرات من أمثالهم ؟ كابن عبد البر وابن عساكر والذهبي وابن حجر ؟ كلا فإنهم هم الذين وصفوه بالكذب ورموه بالزندقة ! وقد ذكر الطبري وابن الاثير وابن خلدون في تواريخهم في وقعة ذات السلاسل:

[276]

أن ما ذكره سيف فيها خلاف ما يعرفه إهل السير ! إذا فما الذي دعاهم إلى اعتماد روايات سيف دون غيرها مع علمهم بكذبه وزندقته، إن هو إلا أن سيفا حلى مفترياته بإطار من نشر مناقب ذوي السلطة من الصحابة فبذل العلماء وسعهم في نشرها وترويجها. مع علمهم بكذبها، ففي فتوح العراق - مثلا - أورد مفترياته تحت شعار مناقب خالد بن الوليد، فقد وضع على لسان أبي بكر أنه قال: بعد معركة أليس وهدم مدينة أمغيشيا: " يا معشر قريش عدا أسدكم على الاسد فغلبه على خراذيله، أعجزت النساء أن ينشئن مثل خالد ". كما زين ما اختلق في معارك الردة بإطار من مناقب الخليفة أبي بكر، وكذلك فعل في ما روى واختلق عن فتوح الشام وإيران على عهد عمر، والفتن في عصر عثمان، وواقعة الجمل في عصر علي، فإنه زين جميعها بإطار من مناقب ذوي السلطة والدفاع عنهم في ما انتقدوا عليها وبذلك راجت روايات سيف وشاعت أكاذيبه و نسيت الروايات الصحيحة وأهملت على أنه ليس في ما وضعه سيف واختلق - على الاغلب - فضيلة للصحابة بل فيه مذمة لهم، ولست أدري كيف خفي على هؤلاء أن جلب خالد عشرات الالوف من البشر وذبحهم على النهر ليجري نهرهم بدمائهم ليست فضيلة له، ولا هدمه مدينة أمغيشيا ولا نظائرها إلا على رأي الزنادقة في الحياة من أنها سجن للنور وأنه ينبغي السعي في إنهاء الحياة لانقاذ النور من سجنه (1) ومهما يكن من أمر فإن بضاعة سيف المزجاة انما راجت لانه طلاها بطلاء من مناقب الكبراء وإن حرص هؤلاء على نشر فضائل ذوي السلطة والدفاع عنهم أدى بهم إلى نشر ما في ظاهره فضيلة لهم وإن لم تكن لهم في واقعه فضيلة ! والانكى من ذلك أن سيفا لم يكتف باختلاق روايات في ظاهرها مناقب للصحابة من ذوي السلطة ويدس فيها ما شاء لهدم الاسلام بل اختلق صحابة للرسول لم يخلقهم الله ! ووضع لهم ما شاء من كرامة وفتوح وشعر ومناقب كما شاء ! وذلك معرفة منه بأن هؤلاء يتمسكون بكل ما فيه مناقب لاصحاب الحكم كيف ما كان، فوضع واختلق ما شاء لهدم الاسلام ! اعتمادا منه على هذا الخلق عند هؤلاء ! وضحكا منه على ذقون المسلمين ! ولم يخيب هؤلاء ظن سيف، وانما روجوا مفترياته زهاء ثلاثة عشر قرنا !. أوردنا إلى هنا أمثلة مما اختلقها سيف للطعن بالاسلام وأطرها بإطار مناقب كبراء الصحابة والتابعين أي ذوي السلطة منهم، وفي ما يأتي ندرس أمثلة أخرى منها مما أطرها بإطار حل معضلة مدرسة الخلافة مدى القرون، كما سيأتي بيانها.


(1) راجع بحث الزندقة والزنادقة من البحوث التمهدية من كتابنا خمسون ومائة صحابي مختلق.

[277]

كانت شهرة الامام علي بالوصي معضلة مدرسة الخلافة مدى القرون رأينا في ما مر بنا كيف دارت المعركة الكلامية بين المدرستين حول نص الوصية مدى سبعمائة سنة منذ عهد أم المؤمنين عائشة حتى عصر ابن كثير، لان نص الوصية كان يشخص قصد الرسول (ص) في سائر النصوص التي نص بها على حق آله في الحكم بدء من الامام علي إلى الامام المهدي، مثل حديث الغدير وحديث ان عليا ولي الامر بعد الرسول (ص) ووارثه إلى غيرها، بينما كانت مدرسة الخلفاء تؤول تلك النصوص إلى مدلول الفضيلة لآل الرسول (ص) ومما يوضح ذلك أن علماء أهل الكتاب - مثلا - عندما كانوا يتكلمون عن وصي خاتم الانبياء ما كانوا يعنون غير ولي عهده من بعده وإن أنصار الامام علي عندما كانوا يذكرون الوصية في خطبهم وأشعارهم يحتجون بها على حق الامام علي في الحكم مثل أبي ذر على عهد عثمان ومالك الاشتر يوم بيعة الامام علي ومحمد بن أبي بكر في كتابه لمعاوية والمهاجرين والانصار في أشعارهم في الجمل وصفين والامام الحسن عندما خطب ليبايع له والامام الحسين عندما خطب على جيش الخلافة بكربلاء، كلهم كانوا يحتجون بالوصية لانها كانت تشير إلى جميع النصوص التي وردت بحقهم وتشملها فكأنهم في احتجاجهم بالوصية يدلون بجميع تلك النصوص وإن قيام العلويين المطالبين بالحكم لم تنته باستشهاد الامام الحسين وإنما استمرت ثوراتهم على الخلفاء حتى عصر العباسيين وكان في مقدمة ما يضايق مدرسة الخلفاء في كل تلكم القرون في المعركة السياسية شهرة الامام علي بأنه وصي النبي لما كان يحتج بها المطالبون بالحكم من العلويين باعتبار أنها تدل كما ذكرنا آنفا على نص النبي (ص) بحق الامام علي و ولده في الحكم، ومن ثم لما أراد المأمون تهدئة ثورات العلويين تظاهر بالاستدلال بالوصية وولى الامام الرضا للعهد من بعده وبذلك هدأ العلويون في كل مكان و جلب رؤوسهم إلى عاصمته وقضى على جلهم بالسم وانتصر عليهم. إذا فإن شهرة الامام علي بالوصية كانت معضلة مدرسة الخلفاء مدى القرون فكيف حل سيف هذه المعضلة. سيف يضع حلا لمعضلة مدرسة الخلفاء مر بنا كيف كانت مدرسة الخلفاء تعمد إلى كتمان كل ما فيه ذكر للوصية حذفا وتحريفا وطعنا برواة الحديث والمحتجين بها وتأويل للنصوص الصريحة للوصية ولم يبلغ أحدهم شأو سيف في ما وضع من حل لهذه المشكلة العويصة بتحريفه الحقائق إلى ما يناقضها في ما اختلقها من روايات نذكرها في ما يأتي.

[278]

أ - روى الطبري في أول أخبار سنة خمس وثلاثين للهجرة الرواية الاتية: عن سيف عن عطية عن يزيد الفقعسي قال: كان عبد الله بن سبأ يهوديا من أهل صنعاء، أمه سوداء فأسلم زمان عثمان ثم تنقل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم فبدأ بالحجاز ثم البصرة ثم الكوفة ثم الشام فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام فأخرجوه حتى أتى مصر فاعتمر فيهم فقال لهم في ما يقول: لعجب ممن يزعم أن عيسى يرجع ويكذب بأن محمدا يرجع وقد قال الله عزوجل: إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد، فمحمد أحق بالرجوع من عيسى، قال: فقبل ذلك عنه فوضع لهم الرجعة فتكلموا فيها ثم قال لهم بعد ذلك إنه كان ألف نبي ولكل نبي وصي وكان علي وصي محمد، ثم قال محمد خاتم الانبياء وعلي خاتم الاوصياء ثم قال بعد ذلك من أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله (ص) ووثب على وصي رسول الله (ص) وتناول أمر الامة ثم قال لهم بعد ذلك إن عثمان أخذها بغير حق وهذا وصي رسول الله (ص) فانهضوا في هذا الامر فحركوه وابدؤا بالطعن على أمرائكم وأظهروا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا الناس وادعوهم إلى هذا الامر، فبث دعاته وكاتب من كان استفسد في الامصار وكاتبوه ودعوا في السر إلى ما عليه رأيهم وأظهروا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وجعلوا يكتبون إلى الامصار بكتب يضعونها في عيوب ولاتهم ويكاتبوهم إخوانهم بمثل ذلك ويكتب أهل كل مصر منهم إلى مصر آخر بما يصنعون فيقرأه أولئك في أمصارهم وهؤلاء في أمصارهم حتى تناولوا بذلك المدينة وأوسعوا الارض إذاعة وهم يريدون غير ما يظهرون ويسرون غير ما يبدون فيقول أهل كل مصر إنا لفي عافية مما ابتلى به هؤلاء، إلا أهل المدينة فإنهم جاءهم ذلك عن جميع الامصار فقالوا إنا لفي عافية مما فيه الناس وجامعه محمد وطلحة من هذا المكان، قالوا فأتوا عثمان فقالوا: يا أمير المؤمنين أيأتيك عن الناس الذي يأتينا، قال لا والله ما جاءني إلا السلامة، قالوا فإنا قد أتانا وأخبروه بالذي أسقطوا إليهم، قال فأنتم شركائي وشهود المؤمنين، فأشيروا علي، قالوا نشير عليك أن تبعث رجالا ممن تثق بهم إلى الامصار حتى يرجعوا اليك بأخبارهم، فدعا محمد بن مسلمة فأرسله إلى الكوفة وأرسل أسامة بن زيد إلى البصرة وأرسل عمار بن ياسر إلى مصر وأرسل عبد الله بن عمر إلى الشام وفرق رجالا سواهم، فرجعوا جميعا قبل عمار فقالوا أيها الناس ما أنكرنا شيئا ولا أنكره أعلام المسلمين ولا عوامهم وقالوا جميعا الامر أمر المسلمين إلا أن أمراءهم يقسطون بينهم ويقومون عليهم واستبطأ الناس عمارا حتى ظنوا أنه قد اغتيل فلم يفجأهم إلا كتاب من عبد الله بن سعد بن أبي سرح يخبرهم أن عمارا قد استماله قوم بمصر وقد انقطعوا

[279]

إليه، منهم عبد الله بن السوداء وخالد بن ملجم وسودان بن حمران وكنانة بن بشر. ب - روى الذهبي في أوائل ذكره أخبار سنة خمس وثلاثين هجرية الحديثين الآتيين. أولا - " قال سيف بن عمر عن عطية عن يزيد الفقعسي قال لما خرج ابن السوداء إلى مصر نزل على كنانة بن بشر مرة وعلى سودان بن حمران مرة، وانقطع إلى الغافقي فشجه الغافقي فكلمه، وأطاف به خالد بن ملجم و عبد الله بن رزين وأشباه لهم فصرف لهم القول فلم يجدهم يجيبون إلى الوصية... " إلى آخر الحديث الطويل. ثانيا - روى بعد هذا الحديث خبر عمار في مصر كالآتي: " قال سيف عن مبشر وسهل بن يوسف عن محمد بن سعد بن أبي وقاص، قال قدم عمار بن ياسر من مصر وأبى يسأل، فبلغه فبعثني إليه أدعوه فقام معي وعليه عمامة وسخة وجبة فراء فلما دخل على سعد قال له ويحك يا أبا اليقظان إن كنت فينا لمن أهل الخير فما الذي بلغني عنك من سعيك في فساد بين المسلمين والتألب على أمير المؤمنين أمعك عقلك أم لا، فأهوى عمار إلى عمامته وغضب فنزعها وقال خلعت عثمان كما خلعت عمامتي هذه، فقال سعد إنا لله وإنا إليه راجعون، ويحك حين كبرت سنك ورق عظمك ونفد عمرك خلعت ربقة الاسلام من عنقك وخرجت من الدين عريانا، فقام عمار مغضبا موليا وهو يقول أعوذ بربي من فتنة سعد، فقال سعد ألا في الفتنة سقطوا، اللهم زد عثمان بعفوه وحلمه عندك درجات، حتى خرج عمار من الباب فأقبل علي سعد يبكي حتى أخضل لحيته وقال من يأمن الفتنة، يا بني لا يخرجن منك ما سمعت منه فإنه من الامانة وإني أكره أن يتعلق به الناس عليه يتناولونه وقد قال رسول الله (ص) الحق مع عمار ما لم تغلب عليه ولهة الكبر، فقد وله وخرف. وممن قام على عثمان، محمد بن أبي بكر الصديق، فسأل سالم بن عبد الله في ما قيل عن سبب خروج محمد، قال الغضب والطمع وكان من الاسلام بمكان وغره أقوام فطمع وكانت له دالة ولزمه حق فأخذه عثمان من ظهره. " ج - روى الطبري في أخبار سنة ثلاثين أمر أبي ذر كالآتي: عن سيف عن عطية عن يزيد الفقعسي، قال لما ورد ابن السوداء الشام لقى أبا ذر فقال يا أبا ذر ألا تعجب إلى معاوية يقول المال مال الله، ألا أن كل شئ لله كأنه يريد أن يحتجنه دون المسلمين ويمحو اسم المسلمين فأتاه أبو ذر فقال ما يدعوك إلى أن تسمي مال المسلمين مال الله ؟ قال يرحمك الله يا أبا ذر ألسنا عباد الله والمال ماله والخلق خلقه والامر أمره، قال فلا تقله، قال فإني لا أقول إنه ليس لله ولكن

[280]

سأقول مال المسلمين، قال وأتى ابن السوداء أبا الدرداء فقال له من أنت أظنك والله يهوديا فأتى عبادة بن الصامت فتعلق به فأتى به معاوية فقال هذا والله الذي بعث عليك أبا ذر، وقام أبو ذر بالشام وجعل يقول يا معشر الاغنياء واسوا الفقراء، بشر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بمكاو من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم فما زال حتى ولع الفقراء بمثل ذلك وأوجبوه على الاغنياء وحتى شكا الاغنياء ما يلقون من الناس، فكتب معاوية إلى عثمان: إن أبا ذر قد أعضل بي وقد كان من أمره كيت وكيت فكتب إليه عثمان إن الفتنة قد أخرجت خطمها وعينها فلم يبق إلا أن تثب فلا تنكأ القرح وجهز أبا ذر إلي وابعث معه دليلا وزوده وارفق به وكفكف الناس ونفسك ما استطعت فإنما تمسك ما استمسكت، فبعث بأبي ذر ومعه دليل فلما قدم المدينة ورأى المجالس في أصل سلع قال بشر أهل المدينة بغارة شعواء وحرب مذكار، ودخل على عثمان فقال يا أبا ذر ما لاهل الشام يشكون ذربك فأخبره أنه لا ينبغي أن يقال مال الله ولا ينبغي للاغنياء أن يقتنوا مالا، فقال يا أبا ذر علي أن أقضي ما علي وآخذ ما على الرعية ولا أجبرهم على الزهد وأن أدعوهم إلى الاجتهاد والاقتصاد، قال فتأذن لي في الخروج فإن المدينة ليست لي بدار، فقال أو تستبدل بها إلا شرا منها، قال أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أخرج منها إذا بلغ البناء سلعا قال فانفذ بما أمرك به، قال فخرج حتى نزل الربذه فخط بها مسجدا وأقطعه عثمان صرمة من الابل وأعطاه مملوكين وأرسل إليه أن تعاهد المدينة حتى لا ترتد اعرابيا ففعل. دراسة روايات سيف في أخبار الفتن اختلق سيف هذه الاخبار ونظائرها في الدفاع عن الخلفاء الامويين عثمان ومعاوية ومروان والولاة: الوليد وسعد بن أبي سرح وغيرهم من كبراء بني أمية فراجعت قصصه المختلقة في أخبار تلك الفتن وانتشرت في مصادر الدراسات الاسلامية انتشار النار في الهشيم كما برهنا على ذلك في أول الجزء الاول من عبد الله بن سبأ، وأثبتنا الصحيح من أخبار تلك الفتن في فصل " في عصر الصهرين " وفصل " مع معاوية " من كتابنا أحاديث أم المؤمني عائشة، ج 1، ونشير في ما يأتي إلى أمثلة من أنواع الاختلاق والتحريف في روايات سيف السابقة. الاختلاق والتحريف في روايات سيف الآنفة الذكر في أحاديث سيف السابقة أمثلة من أنواع التحريف والاختلاق عند سيف كالاتي:

[281]

أولا - أمثلة من الاختلاق في الروايات السابقة: أ - اختلق سيف رواة الحديث: عطية ومبشر وسهل بن يوسف ويزيد الفقعسي وهذا بيانه: أما عطية، فقد تخيله سيف ابن بلال بن أبي بلال، هلال الضبي واختلق له ابنا سماه الصعب وأسند إليهم رواية بعض مختلقاته من الروايات، تارة يروي الابن منهم عن أبيه، وتارة يروي عن غيره. درسناهم وأحصينا الروايات التي أسندها سيف إليهم في كتابنا " رواة مختلقون " وقارنا بين بعض ما أسند إليهم سيف من روايات في ترجمة القعقاع الصحابي المختلق بكتابنا " خمسون ومائة صحابي مختلق وفي خبر العلاء بن الحضرمي بكتاب عبد الله بن سبأ ج (1). وسهل بن يوسف تخيله سيف نسبهم هكذا: سهل بن يوسف بن سهل بن مالك الانصاري، وقد ترجمناهم وأحصينا روايات سيف عنهم في كتاب (رواة مختلقون) ودرسنا روايات سيف عنهم في ترجمة القعقاع بكتاب خمسون ومائة صحابي مختلق. ومبشر تخيله مبشر بن فضيل درسناه ودرسنا رواية سيف عنه في خبر السقيفة بكتابنا عبد الله بن سبأ، ج (1). ويزيد الفقعسي لم نجد له ذكرا في ما بحثنا من كتب الحديث والسير والتاريخ والادب والانساب والطبقات وتراجم الرجال عدا خمس روايات لسيف في تاريخ الطبري ورواية واحدة له في تاريخ الاسلام للذهبي وكأن الله لم يخلقه الا ليروي سيف عنه ولذلك اعتبرناه من مختلقات سيف من الرواة. ب - اختلق سيف، الغافقي وغيره، في متون الاحاديث السابقة ونترك إحصاء ما اختلق فيها والبرهنة عليها، لئلا يطول بنا الكلام. واختلق في متون الاحاديث السابقة أيضا الاخبار الآتية: أ - قصة عبد الله بن سبأ في تلك الفتن ويكفي لمعرفة ما اختلقه مقارنتها بالاخبار الصحيحة التي أوردناها في فصلي (في عصر الصهرين) و (مع معاوية) من كتاب أحاديث عائشة، ج (1). ب - من ضمن هذه الاخبار المختلقة متابعة الصحابيين عمار وأبي ذر لعبدالله بن سبأ الذي تخيله يهوديا من أهل اليمن... وألحق بهما في متابعته عبد الله بن سبأ، صحابة وتابعين آخرين وسمى جميعهم بالسبأية. ج - اختلق خبر إرسال الخليفة عثمان رجالا إلى الامصار لتحقيق ما تصل إليه من الشكاوى، وتخيلهم هكذا: محمد بن مسلمة إلى الكوفة وأسامة بن زيد إلى

[282]

البصرة وعمار بن ياسر إلى مصر و عبد الله بن عمر إلى الشام، وإن جميعهم رجعوا بخبرون عن رضا الناس عن ولاتهم ما عدا عمار بن ياسر الذي تبع عبد الله بن سبأ اليهودي وبقي في أرض مصر يفسد فيها. اختلق جميع تلك الاخبار بتفاصيلها سيف ولم يرد ذكر منها عند أي واحد من المؤرخين غيره والخبر الصحيح في ذلك ما ذكرناه في أحاديث عائشة عن أنساب الاشراف للبلاذري وغيره. د - اختلق خبر أبي ذر مع معاوية وحرفه والروايات الصحيحة في خبره - أيضا - ما أوردناه في كتاب أحاديث عائشة. ه‍ اختلق غيرها مثل المكاتبات التي تخيل أنها جرت بين الخليفة عثمان وعماله وغير ذلك. أما التحريف في تلكم الروايات، فكالآتي: ثانيا - أمثلة من التحريف في الروايات السابقة: أ - تحريف في الاسماء: حرف اسم عبد الرحمن بن ملجم قاتل الامام علي و عبد الله بن وهب السبائي من رؤساء الخوارج في حرب النهروان وسماهما خالد بن ملجم و عبد الله بن سبأ كما برهنا على ذلك في فصل تصحيف وتحريف من كتاب عبد الله بن سبأ ج 2. ب - تحريف في الاخبار مثل: تحريفه خبر عبادة بن الصامت ومعاوية والصحيح منه ما أوردناه في فصل (مع معاوية) من كتاب أحاديث عائشة. وتحريفه خبر القول بالرجعة وقوله: إن ابن سبأ اخترعه، ويطول بنا البحث عن أدلته في الكتاب والسنة، ونقتصر على ايراد خبر واحد كالآتي: لما توفي رسول الله (ص) كان الصحابي أبو بكر بمنزلة في السنح، وأخذ الصحابي عمر يقول: إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله توفي. وإن رسول الله ما مات ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران فغاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع بعد أن قيل مات، والله ليرجعن رسول الله (1). وتحريفه خبر القول بالوصية ونسبته إلى ابن سبأ اليهودي وقد مر بنا البحوث عنها في ما سبق. وتحريفه رواية رسول الله (ص) في حق عمار بقوله: " الحق مع عمار ما لم


(1) راجع تفصيل الخبر في فصل وفاة الرسول (ص) من كتاب عبد الله بن سبأ، ج 1.

[283]

تغلب عليه ولهة الكبر " وإن سعدا قال إن عمارا وله وخرف، بينا قال رسول الله (ص) في حقه الحديث الآتي: عن عبد الله بن مسعود، قال قال رسول الله " إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق " (1). وفي طبقات ابن سعد (2): قال الامام علي في رثاء عمار: " إن عمارا مع الحق والحق معه، يدور عمار مع الحق أينما دار ". إن سيف بن عمر حرف هذه الاحاديث في حق عمار وزاد فيه: " ما لم تغلب عليه ولهة الكبر ". ومن حديث رسول الله في عمار ما رواه ابن هشام في خبر بناء مسجد الرسول (ص) أن رجلا تعرض لعمار، فقال رسول الله " ما لهم ولعمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، إن عمارا جلدة ما بين عيني وأنفي، فإذا بلغ ذلك من الرجل فلم يستبق فاجتنبوه "، روى الحديث ابن هشام ولم يذكر اسم الرجل الذي تعرض لعمار. وذكر أبو ذر في شرح سيرة ابن هشام أن هذا الرجل هو عثمان بن عفمان، وتفصيل الخبر بكتاب أحاديث عائشة، فصل (في عصر الصهرين). أما أبو ذر فقد قال رسول الله (ص) فيه: " ما أظلت الخضراء وما أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر " (3). مقارنة خبر سيف في الفتن بأخبار غيره قال الذهبي في تاريخه (4) في خبر الفتن على عهد عثمان: " عن الزهري قال ولي عثمان فعمل ست سنين لا ينقم عليه الناس شيئا وإنه لاحب إليهم من عمر لان عمر كان شديدا عليهم فلما وليهم عثمان لان لهم و وصلهم، ثم إنه تواني في أمرهم واستعمل أقرباءه وأهل بيته في الست الاواخر وكتب لمروان بخمس مصر أو بخمس أفريقية وآثر أقرباءه بالمال وتأول في ذلك الصلة التي أمر الله بها واتخذ الاموال واستسلف من بيت المال، وقال إن أبا بكر وعمر تركا من ذلك ما هو لهما وإني أخذته فقسمته في أقربائي، فأنكر الناس عليه ذلك. قلت ومما


(1) راجع تاريخ الذهبي، ج 2 / 179 وتاريخ ابن كثير ج 7 / 270. (2) ط. بيروت، ج 3 / 262. (3) ابن ماجة، المقدمة، الباب 21. وسنن الترمذي، كتاب المناقب. ومسند أحمد 2 / 163 و 175 و 223 و 5 / 351 و 356 و 6 / 442. وطبقات ابن سعد، ط. أروبا، ج 4 / ق 1 / 168. (4) ج 2 / 122.

[284]

نقموا عليه أنه عزل عمير بن سعد عن حمص وكان صالحا زاهدا، وجمع الشام لمعاوية، ونزع عمرو بن العاص عن مصر، وأمر ابن أبي سرح عليها، ونزع أبا موسى الاشعري عن البصرة وأمر عليها عبد الله بن عامر، ونزع المغيرة بن شعبة (1) عن الكوفة وأمر عليها سعيد بن العاص " وقال: " دعا عثمان ناسا من الصحابة فيهم عمار فقال إني سائلكم وأحب أن تصدقوني: نشدتكم الله أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤثر قريشا على سائر الناس ويؤثر بني هاشم على سائر قريش ؟ فسكتوا، فقال: لو أن بيدي مفاتيح الجنة لاعطيتها بني أمية حتى يدخلوها " (2) لا يسع المجال لذكر ما فعله الولاة والامراء من بني أمية في السنوات الست التي ذكروها في مصر والشام والكوفة والبصرة والمدينة وما جرى بينه وبين أبرار الصحابة والتابعين، وإنما نقتصر على ذكر بعض ما كان من أمر أبي ذر خاصة معهم: أبو ذر في موسم الحج بمنى عن أبي كثير عن أبيه، " قال: أتيت أبا ذر وهو جالس عند الجمرة الوسطى وقد اجتمع الناس عليه يستفتونه، فأتاه رجل فوقف عليه ثم قال: أولم تنه عن الفتيا، فرقع رأسه إليه فقال: أرقيب أنت علي، لو وضعتم الصمصامة على هذه - وأشار إلى قفاه - ثم ظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من رسول الله (ص) قبل أن تجيزوا علي لانفذتها " (3). اختزل هذا الخبر البخاري في صحيحه وقال: " قال أبو ذر لو وضعتم الصمصامة على هذه - وأشار إلى قفاه - ثم ظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من النبي (ص) قبل أن تجيزوا علي لانفذتها " (4). وفي شرحه من فتح الباري قال ابن حجر: " إن الذي خاطبه رجل من قريش والذي نهاه عثمان (رض) " (5) وقال: (ونكر " كلمة ": ليشمل القليل والكثير، والمراد به يبلغ ما تحمله في كل حال، ولا ينتهي عن ذلك ولو أشرف على القتل). انتهى كلام شارح البخاري وفسر في ما قال كلام أبي ذر بأنه أراد أنه سيبلغ ما سمعه عن رسول الله (ص) وإن كانت


(1) في النسخة: المغيرة بن شعبة خطأ وإنما نزع سعد بن أبي وقاص. (2) قال المؤلف: ولكن مفاتيح بيوت أموال المسلمين كانت بيده. (3) سنن الدارمي ج 1 / 137، وطبقات ابن سعد، ج 2 / 354. (4) كتاب العلم، باب العلم قبل القول والعمل، ج 1 / 16. (5) ج 1 / 170 - 171.

[285]

كلمة واحدة ولا ينتهي عن ذلك ولو أشرف على القتل. وفي تذكرة الحفاظ للذهبي: " وعلى رأسه فتى من قريش، فقال: أما نهاك أمير المؤمنين عن الفتيا... " (1) الحديث. أبو ذر في بيت الله الحرام في مستدرك الحاكم (2) بسنده عن حنش الكناني، قال سمعت أبا ذر يقول وهو آخذ بباب الكعبة: أيها الناس من عرفني فأنا من عرفتم ومن أنكرني فأنا أبو ذر، سمعت رسول الله يقول: " مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق ". قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم (3). أبو ذر في مسجد الرسول (ص) وغيره وأورد اليعقوبي تفصيل خبر أبي ذر مع السلطة في تاريخه (4) وقال: " وبلغ عثمان أن أبا ذر يقعد في مسجد رسول الله، ويجتمع إليه الناس، (5) فيحدث بما فيه الطعن عليه. وأنه وقف بباب المسجد فقال: أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أبو ذر الغفاري، أنا جندب بن جنادة الربذي، إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض، والله سميع عليم، محمد الصفوة من نوح، فالآل (6) من إبراهيم، والسلالة من اسماعيل، والعترة الهادية من محمد.... ومحمد وارث علم آدم وما فضل به النبيون، وعلي بن أبي طالب وصي محمد، ووارث علمه. أيتها الامة المتحيرة بعد نبيها ! أما لو قدمتم من قدم الله، وأخرتم من أخر الله، وأقررتم الولاية والوراثة في أهل بيت نبيكم لاكلتم من فوق رؤوسكم ومن تحت أقدامكم، ولما عال ولي الله، ولا طاش سهم من فرائض الله، ولا اختلف اثنان في حكم الله، إلا وجدتم علم ذلك عندهم، من كتاب الله وسنة نبيه، فأما إذ فعلتم ما فعلتم، فذوقوا وبال أمركم، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.


(1) ج 1 / 18. (2) ج 2 / 343. (3) حنش في الاصابة، رجل من غفار. (4) ج 2 / 171. (5) يظهر من سياق الخبر أن أبا ذر كان يفعل ذلك في مسجد الرسول في موسم الحج كفعله في منى وبباب الكعبة، فإنه لو كان في غير موسم الحج لم يكن بحاجة إلى أن يعرف نفسه لاخوته الذين كانوا يعاشرونه في المدينة. (6) في النسخة المطبوعة: (فالاول)، خطأ مطبعي.

[286]

وقال اليعقوبي بعده: " وبلغ عثمان أيضا أن أبا ذر يقع فيه، ويذكر ما غير وبدل من سنن رسول الله وسنن أبي بكر وعمر، فسيره إلى الشام إلى معاوية، وكان يجلس في المسجد، فيقول كما كان يقول ويجتمع إليه الناس حتى كثر من يجتمع إليه ويسمع منه... الحديث وقال اليعقوبي بعد ذلك ما موجزه: " إن معاوية كتب إلى عثمان أنك قد أفسدت الشام على نفسك بأبي ذر فكتب إليه أن احمله على قتب بغير وطاء، فقدم به المدينة وقد ذهب لحم فخذيه وجرى له مع عثمان ما أدى بعثمان أن ينفيه إلى الربذة، وجرى للوليد والي الكوفة مع ابن مسعود نظير ذلك فجلبه الخليفة إلى المدينة وأمر به فضرب به الارض وتوفي على أثر ذلك، وفعل نظير ذلك بعمار " (1) خلاصة خبر الفتن في أخريات عهد عثمان. أطلق الخليفة عثمان يد الولاة من بني أمية على المسلمين وفي بيوت أموالهم وكلما اشتكى المسلمون إلى الخليفة من ظلم ولاته لم يبال بهم فثاروا عليه وأصبحت بني تيم عندئذ تعارض عثمان وتطمح بالخلافة لطلحة وآل الزبير للزبير، وكان ما عداهم وما عدا بني أمية جل الانصار وسائر أصحاب رسول الله (ص) يدعون للامام علي وأخيرا قتل الثائرون عثمان ولم ينصره الانصار وغيرهم ثم تجمهر المهاجرون والانصار على الامام علي فبايعوه وخضع طلحة والزبير للرأي العام وبايعا عليا في مقدمة من بايعه من صحابة رسول الله (ص) ولما قسم الامام علي بيوت الاموال بالسوية ثارت ثائرة الطبقة المتميزة وعلى رأسهم طلحة والزبير فاجتمعوا مع أم المؤمنين عائشة بمكة وجمعوا حولهم بني أمية وأظهروا الطلب بدم عثمان وساروا إلى البصرة وتغلبوا عليها وجهزوا جيشا لقتال الامام علي، فخرج الامام من المدينة والتقى بهم خارج البصرة وركبت أم المؤمنين عائشة جملا وقادت العسكر وقاتلوا جيش الامام علي فقتل في المعركة منهم من قتل واستسلم الباقون، فعفا عنهم الامام علي. هذه خلاصة خبر الفتن في عصر عثمان وبيعة الامام علي وحرب الجمل بالبصرة، ذكرنا أخبارها ومصادر الاخبار في كتاب أحاديث عائشة.


(1) راجع تفصيل أخبارهما بكتاب أحاديث عائشة.

[287]

نتيجة البحث المقارن بين روايات سيف المختلقة في الفتن والروايات الصحيحة روى سيف أن يهوديا من صنعاء اليمن اسمه عبد الله بن سبأ ابن الامة السوداء تظاهر على عهد عثمان بالاسلام وسار في عواصم البلاد الاسلامية ومدنها: المدينة والشام والكوفة ومصر يدعو إلى القول برجعة الرسول بعد وفاته وأن عليا وصيه وأن عثمان غاصب حق هذا الوصي، فيجب الوثوب عليه لارجاع الحق إلى أهله فآمن به أبرار صحابة رسول الله (ص) نظراء أبي ذر وعمار وحجر بن عدي إلى عشرات أمثالهم ممن سماهم بالسبأية وان ابن سبأ اليهودي علم هؤلاء أن يدعو الناس إلى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن يكتبوا في عيب ولاتهم ويثيروا الناس عليهم ففعلوا وأن عمار كان قد خرف كما أخبر عنه الرسول وكذلك أبو ذر فامتثل السبأيون الصحابة والتابعون تعليمات ابن سبأ وجلبوا الناس إلى المدينة وقتلوا عثمان في داره وبايعوا عليا وسار طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة للطلب بدم عثمان وسار خلفهم الامام علي والتقوا خارج البصرة وتذكروا في الصلح وقر رأيهم على الصلح فتخوف السبأيون (1) من سوء عاقبتهم واندسوا في الجيشين ليلا وتراموا بالسهام من الجانبين وأثاروا الحرب بين الجيشين فقامت الحرب بين الطرفين دون أن ينتبه إلى مكيدتهم من الجيشين أحد، لم ينتبهوا هم وقادتهم إلى من يرمي السهام مع أن رماة السهام كانوا مندسين بين صفوفهم. قال سيف: هكذا وقعت الحرب وانتهت بنصرة جيش الامام علي. روى سيف هذه الاخبار في مئات من رواياته المختلقة ورواها عمن اختلقهم من الرواة من ضمنهم من ذكر اسمهم في الروايات السابقة، وقد أشرنا إلى الصحيح من أخبارها في ما مضى، ولم يخف على فطاحل العلم أمثال الطبري وابن الاثير وابن عساكر وابن كثير وبن خلدون وغيرهم. إن سيف بن عمر متهم بالزندقة وإن علماء الرجال أجمعوا على نعته بالكذب ولم يوثقه أحد منهم، بل رأيناهم بأنفسهم يضعفون حديثه كما نقلنا عنهم في كتابنا عبد الله بن سبأ، وكذلك لم يخف عليهم الروايات الصحيحة في تلك الاخبار وإنما كرهوا ذكرها كما نصوا على ذلك، فكتموا الاخبار الصحيحة لما قالوا إن العامة لا


(1) السبأيون في روايات سيف هم عمار وحجر بن عدي وصعصعة بن صوحان ومحمد بن أبي بكر ومالك الاشتر ونظرائهم.

[288]

تحتمل سماعها، وليتهم اكتفوا بكتمان الاخبار الصحيحة في هذا الشأن كما فعلوا مع كثير من الاخبار الاخرى ولم ينقلوا الاخبار المكذوبة بدلا من الاخبار الصحيحة ولم ينشروا الاخبار المختلقة بين الناس مع علمهم بكذبها، فإنهم كانوا يعلمون بكذب ما نسبه سيف إلى عمار وأبي ذر وابن مسعود وحجر بن عدي إلى عشرات غيرهم من الصحابة والتابعين في ما فتراه عليهم من أنهم اتبعوا يهوديا أمرهم بالافساد بين المسلمين وإيقاع الفتنة والفساد بينهم حتى قتل بعضهم البعض الآخر وهم لا يدركون ما يعملون ! على عقول من صدق هذه الخرافات. العفا، كيف يصدقون أن الخليفة عثمان لم ينتبه إلى هذا اليهودي على حد زعم سيف في إثارته الفتن ؟ وكيف لم يسأل عمار وأبو ذر الامام عليا عما يدعو له هذا اليهودي من أنه وصي رسول الله (ص) ؟ وكيف لم يسأله ربيبه محمد بن أبي بكر عن صدق مزعمة هذا اليهودي ؟ لست أدري كيف يصدقون هذه الاكاذيب ؟ ولست أزعم أن العلماء صدقوا بحديث سيف، كلا، فإنهم يعلمون كذب ما اختلقه وافتراه وإنما عجبي من عامة الناس كيف يصدقون هذه الاساطير الخرافية، فإن العلماء الذين نشروا أكاذيب سيف كانوا يعلمون كذبه وإنما تقبلوها لان الزنديق طلاها بطلاء الدفاع عن ذوي السلطة في ما انتقدوا عليه، مثل ما فعل في ما انتقد عليه خالد على قتله مالك بن نويرة ونكاحه زوجته في ليلته وفي ما رمي به المغيرة بن شعبة زمان إمارته على البصرة وفي خبر درء سعد بن أبي وقاص حد شرب الخمر عن أبي محجن وفي خبر الوليد وحده على شرب الخمر. إن سيف بن عمر عالج جميع ما انتقد عليه هؤلاء وغيرهم من الخلفاء والولاة وذويهم، فلم يهتم كبار العلماء عندئذ أن ينشروا ما افتراه هذا الزنديق على أبرار الصحابة الفقراء، أمثال ابن مسعود وأبي ذر وعمار تحت غطاء الدفاع عن أولئك لان المهم عندهم كتمان ما يعاب عليه الخلفاء والولاة وذووهم عن عامة الناس، وبنشر أكاذيب سيف بلغوا غايتهم وبلغ سيف - أيضا - غايته من تسخيف صحابة النبي الابرار ونشر الاراجيف السخيفة في التاريخ الاسلامي بدافع الزندقة. ويظهر من قول الطبري في ذكر سبب قتل عثمان: " فأعرضنا عن ذكر كثير منها لعلل دعت إلى الاعراض عنها ". إن العلل التي دعته إلى كتمان الاخبار الصحيحة، هي كتمان الاخبار التي يعاب به سلطة الخلافة عن عامة الناس، كما سبق لنا أن نقلنا منه أنه قال: " مما لا يتحمله عامة الناس ". وخلاصة القول إن في هذا الصنف من الكتمان يحرفون حديث الرسول وسيرته وسيرة أهل بيته وأصحابه وأخبارهم الصحيحة ويبدلونها بأخبار مختلقة، كما فعل

[289]

سيف ذلك بدافع زندقتة وإن العلماء يروجون هذه الروايات المختلقة بدلا من الروايات الصحيحة مع علمهم بأنها غير صحيحة بدافع الدفاع عن السلطة الحاكمة وذويهم من خلفاء وولاة وأمراء ! ! ! وهذا النوع من الكتمان غير قليل عند علماء مدرسة الخلفاء. خلاصة بحث أنواع الكتمان بمدرسة الخلفاء قد رأينا العلماء بمدرسة الخلفاء مجمعين على كتمان كل رواية أو خبر يسبب توجيه النقد إلى ذوي السلطة في صدر الاسلام، وولاتهم وذويهم محتجين في ذلك بأن أؤلئك كانوا من صحابة الرسول ولا يصح ذكر ما يسبب انتقادهم، بينا هم نشروا من الروايات المكذوبة ما فيه طعن على أبرار صحابة رسول الله الفقراء أمثال عمار وأبي ذر وابن مسعود. وفي سبيل الدفاع عن ذوي السلطة، تارة يكتمون كل الرواية والخبر وأحيانا يحذفون من الخبر والرواية بعضها الذي يوجه النقد إلى ذوي السلطة بسببها ويأتون بباقي الرواية مما لا يوجب النقد عليهم، وتارة أخرى يبدلون من الرواية والخبر ما يسبب النقد على الولاة بكلمة مبهمة لا يفهم منها شئ من المراد، وأخرى يحرف بعضهم الخبر والرواية بأنواع التحريف حتى يبلغ الامر إلى أن يجعل الحليم البار ظالما سفيها، والظالم المتعنت بارا حليما، أي يبدل الشئ إلى نقيضه تماما ثم يتسابق الآخرون إلى نشر ذلك الخبر المحرف والرواية المختلقة وتوثيقها واشاعتها في المجتمعات الاسلامية بدل الخبر الصحيح والرواية الصحيحة، التي تسبب النقد على الحكام والامراء ويتسابقون كذلك ويتعاونون في تضعيف الرواية التي تسبب النقد على ذوي السلطة والطعن براويها وبمؤلف الكتاب الذي أورد الرواية فيه بأنواع الطعون والتضعيف والتسخيف، وإن لم يستطيعوا كل ذلك أولوا الرواية والخبر إلى ما فيه مصلحة ذوي السلطة ويبدل النقد الموجه إليهم إلى مدحهم والثناء عليهم. ويحترمون من التزم بهذا الاتجاه ويجلونه على قدر التزامه بالاسلوب المذكور، يوثقون الراوي الملتزم بذلك ويصفون خبره بالصحيح ويصفون تأليف المؤلف الملتزم بهذا النهج بالوثاقة والصحة على قدر التزامهما بالمسلك المتفق عليه ويشهرونهما ويذكرونهما بكل تجلة واحترام. ومن ثم اشتهرت سيرة ابن هشام في مدرسة الخلفاء ومن تابعهم بالوثاقة لالتزامهم بما اتفقوا عليه وأهملت سيرة ابن اسحاق لعدم التزامه بالاسلوب المقبول عندهم وتركوا تدارسها واستنساخها حتى أدى ذلك إلى فقدان سيرة ابن اسحاق في حين أن ابن هشام أخذ جميع ما حوته سيرته من سيرة ابن اسحاق

[290]

مع اسقاط (ما يسوء الناس ذكره) من سيرة ابن اسحاق حسب تعبيره. ومن ثم - أيضا - 0 أصبح تاريخ الطبري أوثق مصادر التاريخ الاسلامي وأكثرها شهرة واعتبارا وأصبح مؤلفه الطبري إمام المؤرخين بمدرسة الخلفاء لانه باتباعه المنهج المذكور بث روايات سيف التي كان يعلم كذبها ومخالفتها للحق والواقع التاريخي في أخبار عصر الصحابة أو بالاحرى الخلفاء الاوائل ثم تهافت العلماء على أخذ ما ورد منها في تاريخ الطبري ونشرها في مصادر الدراسات الاسلامية وأهملوا الاخبار الصحيحة في مقابلها حتى نسيت وفقدت من المجتمعات الاسلامية. ومن ثم - أيضا - أصبح البخاري إمام المحدثين بمدرسة الخلفاء وأصبح صحيحه أصح كتاب بعد كتاب الله عندهم وأصبحت الاحاديث الصحيحة في غير صحيحه وصحيح مسلم غير معتبرة. منشأ الاختلاف في روايات مصادر الدراسات الاسلامية. إذا أمعنا النظر في بحوثنا السابقة وما يأتي في بحوث اجتهادات الخلفاء من الجزء الثاني عرفنا منشأ الاختلاف في روايات مصادر الدراسات الاسلامية فقد وجدنا في الموردين أحاديث وضعت موافقة لسياسة السلطات الحاكمة ومصلحتها، مقابل الروايات الصحيحة التي كانت تخالف سياستهم ومصلحتهم ومن ثم انكشف لنا ميزان ثابت لتمييز الحديث القوي من الضعيف فإن الضعيف من الاحاديث المتعارضة في صحيح البخاري في شأن البكاء على الميت - مثلا - ما وافق سياسة السلطة الحاكمة التي تنهى عن البكاء على الميت وتنسب النهي إلى الرسول، والحديث القوي ما خالفها مثل حديث أم المؤمنين عائشة وحديث غيرها التي أخبرت عن جواز البكاء على الميت وأنها من سنة الرسول (ص) وكذلك الضعيف في حديثي أم المؤمنين عائشة المتعارضين في بيان من كان إلى جنب رسول الله (ص) في آخر ساعات حياته ما فيه " متى أوصى إليه وقد انخنث ومات في صدري "، والقوي منهما حديثها الآخر الذي ورد فيه أن الامام علي كان إلى جنب الرسول في آخر ساعات حياته لموافقة الاول منهما لرغبات الحكام ومخالفة الثاني لسياستهم. وهذا هو الميزان الثابت لمعرفة القوي من الضعيف في أحاديث سنة الرسول وسيرة الصحابة والتابعين وسيرة الانبياء السابقين والاحكام التي اجتهد فيها الخلفاء وفقا لرأيهم وأمثالها.

[291]

نتيجة البحوث وحقيقة الامر إن الباحث المتتبع يرى أن الميزان الثابت لمعرفة الحق من الباطل بمدرسة الخلفاء إنما هو مصلحة ذوي السلطة وأن كل رواية أو خبر يوجه النقد لهم أو يشينهم فهو ضعيف وغير صحيح وباطل، وكل كتاب وكل راو أو مؤلف يروي شيئا من ذلك فهو ضعيف وغير ثقة، ويرمى بأنواع الطعون وإذا ورد الحديث أو الخبر من راو لا يستطيعون الطعن عليه وعلى مؤلف الكتاب فإنهم حينئذ يؤولون الحديث إلى ما يرغبون فيه، ومن جهة أخرى كل مؤلف أو راو يذكر مناقب ذوي السلطة ويترك ما يوجه النقد إليهم فهو ثقة وصدوق، فإذا استطاع أن يدافع عنهم في ما يروي ويؤلف فهو الثقة المأمون المصدق وتنتشر رواياته في الكتب وتذاع، ومن هذا الباب الواسع أدخل سيف الزنديق في سنة رسول الله (ص) سيرته وحديثه بمقتضى زندقته ما شاء ولذلك - أيضا - انتشرت رواياته في أكثر من سبعين مصدرا من مصادر الدراسات الاسلامية زهاء ثلاثة عشر قرنا. إن سيف بن عمر أدخل في سنة رسول الله (ص) حديثا وسيرة ما اختلقه ودرسناه في أبواب (رسل النبي (ص) و (عمال رسول الله (ص) و (الوافدون على رسول الله (ص) و (ربيب رسول الله (ص)) من كتاب خمسون ومائة صحابي مختلق وكتابنا (رواة مختلقون) وقد مر بنا في ما سبق كيف حرف سيف حديث رسول الله (ص) في حق عمار. كان هذا رأينا في سيف ونظائره مثل أبي الحسن البكري مؤلف كتاب الانوار الذي أدخل أحاديث خرافة في كتاب: سيرة النبي المختار وغيره من كتبه مثل كعب الاحبار الذي أدخل الاسرائيليات في مصادر الدراسات الاسلامية، وقد درسنا أخبارهم وآثارها في سلسلة (نقش أئمة). كان هذا شأن هؤلاء عندنا. أما البخاري وصحيحه وابن هشام وسيرته والطبري وتاريخه وأمثالهم من العلماء الذين ناقشنا اسلوبهم فلهم عندنا شأن آخر فإنهم وإن كانوا ينتقدون في شئ من اسلوبهم فإنهم مع ذلك قد أوردوا في كتبهم الكثير من سنة رسول الله (ص) الصحيحة سيرة وحديثا مما نعتمدها ونرويها عنهم، وكذلك دأب علماء مدرسة أهل البيت مع من يرون خطأ في عملهم العلمي فإنهم عندئذ ينتقدون أسلوبه أشد الانتقاد رغم أنهم يجلونه ويحترمونه ويأخذون منه غير الذي انتقدوه فيه، وهذا معنى عدم تقليدهم لمن تقدمهم من العلماء لا في الاحكام الفقهية ولا في دراية الحديث، إن علماء مدرسة أهل البيت يضعفون الحديث الضعيف في أصول الكافي وصحيح

[292]

البخاري معا ويأخذون - أيضا - الحديث الصحيح من كليهما وإن المجلسي الكبير (ت 1111 ه‍) عندما شرح كتاب الكافي في كتابه مرآة العقول نبه فيه على آلاف الاحاديث الضعيفة الواردة في أبواب كتاب الكافي وهو أشهر كتاب حديث في مدرسة أهل البيت وهذا الامر بمدرسة اهل البيت مخالف لما عليه أتباع مدرسة الخلفاء الذين يرون لصحيح البخاري ما يرونه لكتاب الله ويعتقدون أنه ليس فيه حديث غير صحيح، بل يرون أكثر من ذلك حيث يرون صحة ما ورد في صحيحي البخاري ومسلم من سنة الرسول (ص) مما لم يرد في كتاب الله، ويصعب عليهم أن يتقبلوا صحة سنة الرسول (ص) التي وردت في غير صحيحي مسلم والبخاري، والكتب الاربعة الاخرى التي سميت جميعها بالصحاح الستة. على أن الكثير من حفظة الحديث بمدرسة الخلفاء غير أولئك الذين ألفوا في الحديث الصحاح والمسانيد والسنن والمصنفات والزوائد وغيرها أمثال: صحيح ابن حبان (ت 354 ه‍). الصحاح المأثورة عن رسول الله (ص) للحافظ أبي علي ابن السكن (ت 353 ه‍). مسند الطيالسي (ت 204 ه‍). مسند أحمد (ت 241 ه‍). سنن البيهقي (ت 458 ه‍). السنن لابي بكر الشافعي (ت 347 ه‍). المعاجم الثلاثة للطبراني (ت 360 ه‍). مصنف بن أبي شيبة (ت 235 ه‍). مجمع الزوائد للهيثمي (ت 807 ه‍). المستدرك للحاكم (ت 405 ه‍). وعشرات الموسوعات الحديثية الاخرى لمحدثين آخرين. وفي سيرة النبي والصحابة والفتوح ألف أمثال: خليفة ابن خياط (ت 240 ه‍) الطبقات والتاريخ. البلاذري (ت 279 ه‍) فتوح البلدان وأنساب الاشراف. المسعودي (ت 345 ه‍) التنبيه والاشراف ومروج الذهب (هذا ما في أيدينا من مؤلفاته). الواقدي (ت 207 ه‍) المغازي. ابن سعد (ت 230 ه) الطبقات.

[293]

وعشرات المؤلفات المعتبرة الاخرى لمؤلفين آخرين. لماذا اختص بالاهتمام الصحاح الست في الحديث إلى حد إهمال غيرها، وفي السير والمغازي: سيرة ابن هشام، وفي التاريخ: تاريخ الطبري، مع عدم العناية بغيرهما. وخلاصة القول: أن علماء مدرسة الخلفاء يوجه إليهم النقد في عملهم العلمي لامرين: أولا - لانهم يكتمون من سنة رسول الله (ص) سيرة وحديثا ومن سائر الاخبار ما يخالف سياسة السلطات الحاكمة مدى القرون سواء أكان ذلك مما يخص سيرة الانبياء السلف أو سيرة خاتم الانبياء وأهل بيته وصحابته، أو في العقائد الاسلامية أو تفسير القرآن كما شاهدنا ذلك من الطبري وابن كثير في تفسير آية " وأنذر عشيرتك الاقربين " في كتمانهم لفظ (ووصيي وخليفتي) في حق الامام علي وتبديلها ب (كذا وكذا)، وكذلك فعلوا مع النصوص التي تبين سنة رسول الله (ص) في الاحكام الاسلامية التي تخالف اجتهادات الخلفاء كما سيأتي بيانه في بحث مصادر الشريعة الاسلامية لدى مدرسة الخلفاء في الجزء الثاني من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. ثانيا - لا ينبغي للمسلمين في هذا اليوم وهم على أبواب نهضة اسلامية شاملة أن يبقوا على تقليد أئمة المذاهب الاربعة في الفقه ولا على تقليد أصحاب الصحاح الست في تصحيح الحديث وتضعيفه وخاصة البخاري ومسلم وكذلك في الاحكام الاسلامية التي اجتهد الخلفاء فيها في مقابل نصوص سنة رسول الله (ص) حسب ما رأوه من المصلحة في عصرهم، بل ينبغي أن يبحثوا عن سنة رسول الله (ص) الصحيحة ويظهروا ما أخفي منها حسب سياسة الخلفاء مدى القرون ثم يجاهدوا في سبيل الدعوة لتوحيد كلمة المسلمين والعمل بكتاب الله وسنة رسوله الصحيحة، وبذلك يتيسر توحيد كلمة المسلمين حول كتاب الله وسنة رسوله المجمع عليها وما ذلك من لطف الله على المسلمين ببعيد.

[294]

عود على بدء في بحث الوصية لما كانت النصوص الدالة على حق الامام علي في الحكم بعد النبي (ص) وحق الائمة من ولده، فيه من أهم ما يوجه النقد لمن ولي الحكم دونهم، لم يأل العلماء بمدرسة الخلفاء جهدا في كتمان تلكم النصوص وكان من أهمها بحث علماء أهل الكتاب بعد وفاة رسول الله (ص) عن وصيه وأقوالهم فيه، مثل خبر الراهبين الذين مر عليهما الامام علي في طريق صفين. بينما حفظ نظير تلك الاخبار علماء مدرسة أهل البيت في كتبهم (1)، مثل خبر مجئ يهوديين في عصر أبي بكر وسؤالهما عن وصي النبي وبعد أن أشار الناس إلى أبي بكر، ولم يجدا أجوبة أسئلتهما عنده أرسلوا إلى الامام علي، فحضر وأجاب على أسئلتهما، فقالا: أنت وصي خاتم الانبياء وأسلما. وخبر آخرين من أهل الكتاب جاؤا على عهد عمر وجرى لهم مع عمر وعلي مثل ما سبق ذكره على عهد أبي بكر، وقد مر بنا في ما سبق سؤال كعب الاحبار من الخليفة عمر عن أشياء من أحوال رسول الله (ص) وإحالة عمر إياه إلى علي بن أبي طالب، واستمرت أمثال هذه المراجعات من أهل الكتاب وإسلامهم إلى عصور متأخرة، فقد قال ابن كثير في تاريخه (2) بعدما نقل من التوراة أن الله بشر إبراهيم باسماعيل وأنه ينميه ويجعل من ذريته اثنا عشر عظيما، ونقل عن ابن تيمية أنه قال: " وهؤلاء المبشر بهم في حديث جابر بن سمرة، ولا تقوم الساعة حتى يوجدوا. قال: وغلط كثير ممن تشرف بالاسلام من اليهود فظنوا أنهم الذين تدعوا إليهم فرقة الرافضة فاتبعوهم ". يا ترى ما هي أخبار الكثير من اليهود الذين تشرفوا بالاسلام واتبعوا الرافضة ؟ إن العلماء إرتأوا ما قاله الطبري: " لا يحتمل سماعها العامة " فأسقطوا أخبار أهل الكتاب الذين أسلموا واتبعوا الرافضة جملة وتفصيلا. كمية الاخبار والروايات والنصوص التي أسقطوها إذا قارنا ما رواه ابن كثير في تاريخه من الحديث عن رسول الله (ص) في أمر الخوارج الذين قاتلهم الامام علي (ع) في نهروان والذي بلغ سبع عشرة صفحة من كتابه مع النزر اليسير من روايات رسول الله (ص) التي بقيت في الكتب في أمر


(1) راجع أخبارهم في البحار. ط، طهران، الثانية، ج 10 / 10 - 50. (2) ج 6 / 250.

[295]

الجمل وصفين أو غيرهما مما فيه فضيلة للامام علي يمكننا أن نقدر عظم الخسارة في ما أخفي عن الناس من حديث رسول الله (ص) وإنما أبقوا الروايات التي وردت في شأن الخوارج الذين خرجوا على الامام علي، لان الخوارج استمر خروجهم على السلطة بعد الامام علي أيضا وكان في نشر تلكم الاحاديث مصلحة للسلطة، فرووها في جميع كتب الاحاديث وبقيت سالمة إلى يومنا هذا. ومن أحاديث الرسول التي كانت تخالف سياسة مدرسة الخلفاء وسعوا في كتمانها، أحاديث الرسول في حق الامام علي بأنه وصيه وكذلك فعلوا بما ورد في شأنه في شعر الصحابة أو نثرهم - مثلا - رأينا أم المؤمنين عائشة أنكرت الوصية وناقشنا الخبر الذي روي عنها في ذلك. أ - ورأينا بعضهم يحذف من الكلام ما فيه ذكر الوصية دون أن يشير إلى ذلك كما فعلوه مع قصيدة النعمان بن عجلان الانصاري. ب - وبعضهم يحذف بعض الخبر مع الابهام في القول، كما فعله الطبري وابن كثير في تفسيريهما بلفظ (وصيي وخليفتي) في حديث رسول الله (ص). ج - وبعضهم يحذف من الخبر لفظ الوصية ويحرف الخبر كما فعله ابن كثير مع خطبة الامام الحسين (ع). د - وبعضهم يحذف تمام الخبر الذي فيه ذكر الوصية مع الاشارة إليه كما فعل ذلك الطبري وابن الاثير وابن كثير مع كتاب محمد بن أبي بكر. ه‍ - وبعضهم يحذف تمام الخبر الذي فيه ذكر الوصية مع عدم الاشارة إليه كما فعل ذلك ابن هشام في خبر دعوة الرسول (ص) لبني هاشم لما فيه قوله في علي " و وصيي وخليفتي فيكم ". و - وبعضهم يؤول معنى الوصية كما فعل ذلك الطبراني في حديث الرسول وابن أبي الحديد في كلام الامام على. ز - وبعضهم غفل عنها وأثبتها في كتاب له وحذفها وأبدلها بقول مبهم في كتاب آخر له، كما فعله الطبري في تاريخه وتفسيره. ح - وبعضهم أثبتها في الطبعة الاولى من كتابه وحذفها في الطبعة الثانية منها كما فعله محمد حسين هيكل في كتابه حياة محمد. ما بقي من النصوص الواردة عن الرسول في حق آله في الحكم كنا في صدد إيراد النصوص الواردة عن رسول الله (ص) في حق الائمة من آل الرسول (ص) وكان لابد لنا في هذا السبيل من تقديم البحوث السابقة ليعرف أن

[296]

النصوص الواردة عن الرسول في حقهم منيت بأنواع من الكتمان الذي ذكرناه لانها كانت مخالفة لسياسة الخلفاء مدى القرون ولم يبق منها في كتب مدرسة الخلفاء سوى النزر اليسير الذي غفل العلماء عنها وأوردوها في كتبهم ووفقنا الله تعالى إلى العثور عليها، نوردها في ما يأتي بحوله تعالى مضافا إلى ما سبق ايرادها من النصوص. وزير النبي أ - في القرآن الكريم مع بيانه من سنة الرسول سيأتي ان شاء الله قول الرسول (ص) للامام علي (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) وقد ذكر الله منزلة هارون من موسى في ما حكاه من أمرهما، قال سبحانه في ما حكاه من طلب موسى من ربه: " واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي أشدد به أزري " طه / 29 - 31. وقال سبحانه في استجابة طلبه " ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه وزيرا " الفرقان / 35. ب - متى اتخذ الرسول (ص) عليا وزيرا. يوم دعا رسول الله (ص) بني عبد المطلب وقال لهم: " أيكم يؤازرني على هذا الامر... " وأجابه من بينهم الامام علي وحده. اتخذه رسول الله (ص) يومئذ وزيرا في أمره. وروت أسماء بنت عميس قالت: سمعت رسول الله يقول: " اللهم اجعل لي وزيرا من أهلي "، دعا رسول الله (ص) ربه وقال: " اللهم إني أقول كما قال أخي موسى اللهم اجعل لي وزيرا من أهلي أخي عليا، أشدد به أزري " (1). وبتفسير آية " واجعل لي وزيرا من أهلي " من تفسير السيوطي لما نزلت هذه الآية دعا رسول الله ربه وقال: اللهم أشدد أزري بأخي علي فأجابه إلى ذلك. وروى ابن عمر عن رسول الله (ص) أنه قال للامام علي: " أنت أخي ووزيري تقضي ديني وتنجز موعدي... إلى آخر الحديث في فضل الامام علي (2). وأثبت رسول الله (ص) للامام علي (ع) بقوله له: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي " جميع ما كان لهارون من موسى عدا النبوة وفي مقدمة ما كان لهارون أنه كان وزير موسى، وسيأتي ذكر مصادره.


(1) الرياض النضرة، ج 2 / 163، عن مناقب أحمد بن حنبل. (2) معجم الزوائد، ج 9 / 121، وكنز العمال، ط. الاولى ج 6 / 155، عن الطبراني.

[297]

وفي نهج البلاغة (1): أن رسول الله قال للامام علي لكنك وزير. وجاء في ما نظم على لسان الاشعث في جوابه لكتاب الامام علي إليه: " وزير النبي وذو صهره... ". خليفة النبي: ذكرنا في باب من استخلف النبي (ص) على المدينة في غزواته عن صحيح البخاري، باب غزوة تبوك: أن رسول الله لما خرج إلى تبوك واستخلف عليا فقال أتخلفني في الصبيان والنساء ؟ قال: ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس نبي بعدي. وقد حكى الله عن هارون في ذلك وقال: " وقال موسى لاخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح... " الاعراف / 142. وفي لفظ إحدي روايتي أحمد بن حنبل بمسنده (2) عن خبر دعوة الرسول بني عبد المطلب ورد قول الرسول في حق علي " وخليفتي ". هذا ما أمكننا ايراده في الوصي والوزير والخليفة في هذه العجالة. وفي ما يأتي ما تبقى من النصوص بعد الكتمان بمدرسة الخلفاء. ولي المسلمين بعد الرسول صلى الله عليه وآله: نص رسول الله صلى الله عليه وآله على ان الامام عليا ولي امر المسلمين في أماكن متعددة منها ما في الاحاديث الاتية: اولا: حديث الشكوى في مسند احمد وخصائص النسائي، ومستدرك الحاكم، وغيرها، واللفظ للاول: " عن بريدة قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثين إلى اليمن، على احدهما علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وعلى الاخر خالد بن الوليد، فقال: إذا التقيتم فعلي على الناس، وان افترقتما فكل واحد منكما على جنده، قال: فلقينا بني زيد من اهل اليمن، فاقتتلنا، فظهر المسلمون على المشركين، فقتلنا المقاتلة وسبينا الذرية، فاصطفى علي عليه السلام امرأة من السبي لنفسه، قال بريدة: فكتب معي خالد بن الوليد إلى


(1) الخطبة: 90. (2) ج 1 / 111.

[298]

رسول الله صلى الله عليه وآله يخبره بذلك، فلما اتيت النبي صلى الله عليه وآله رفعت الكتاب فقرئ عليه، فرأيت الغضب في وجه رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت: يا رسول الله هذا مكان العائذ، بعثتني مع رجل وأمرتني أن اطيعه، ففعلت ما ارسلت به، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لا تقع في علي فانه مني وأنا منه وهو وليكم بعدي، وانه مني وانا منه وهو وليكم بعدي. وفي رواية " فقلت: يا رسول الله، بالصحبة الا بسطت يدك فبايعتني على الاسلام جديدا، قال: فما فارقته حتى بايعته على الاسلام ". وفي صحيح الترمذي، ومسندي احمد والطيالسي، وغيرها، واللفظ للاول، عن عمران بن حصين: " أن اربعة من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تعاقدوا - في هذه الغزوة - أن يشكو عليا إذا لقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قدموا عليه، قام احدهم فقال: يا رسول الله: الم تر إلى علي بن ابي طالب صنع كذا وكذا فاعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفعل الثاني منهم والثالث والرابع مثل اولهم، وفي كل مرة يعرض الرسول عن الشاكي. قال: فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله والغضب يعرف في وجهه، فقال: " ما تريدون من علي ؟ ! ما تريدون من علي ؟ ! ما تريدون من علي ؟ ! ان عليا مني وانا منه، ان عليا مني وانا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي ".


(1) مسند احمد 5 / 356، وخصائص النسائي ص 24، باختلاف يسير ومستدرك الصحيحين 3 / 111 مع اختلاف في اللفظ، ومجمع الزوائد 9 / 127، وفي كنز العمال 12 / 207 مختصرا عن إبن أبي شيبة، وفي 12 / 210 منه عن الديلمي، وراجع كنوز الحقائق للمناوي ص 186. (2) مسند احمد 5 / 350 و 358 و 361، ومجمع الزوائد 9 / 128، عن الطبراني في الاوسط عن بريدة ولفظه: " من كنت وليه فعلي وليه ": (3) صحيح الترمذي 13 / 165 باب مناقب علي بن ابي طالب ومسند احمد 4 / 437 ومسند الطيالسي 3 / 111 ح 829، ومستدرك الحاكم 3 / 110، وخصائص النسائي ص 1 و 16، وحلية ابي نعيم 6 / 294، والرياض النضرة 2 / 171، وكنز العمال 12 / 207 و 15 / 125.

[299]

شكوى ثانية في أسد الغابة، ومجمع الزوائد، وغيرهما، واللفظ للاول: " عن وهب بن حمزة، صحبت عليا (عليه السلام) من المدينة إلى مكة فرأيت منه بعض ما اكره فقلت: لئن رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله لاشكونك إليه فلما قدمت لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: رأيت من علي كذا وكذا: فقال: لا تقل هذا فهو اولى الناس بكم بعدي. " (1) زمان الشكوى ذكر المؤرخون وكتاب السير خرجتين للامام علي إلى اليمن، ونراها ثلاث خرجات كما يأتي بيانها ان شاء الله تعالى في باب الاجتهاد، وعلى كلا التقريرين، فان آخرها كانت في السنة العاشرة للهجرة، حيث التحق الامام برسول الله صلى الله عليه وآله في حجة الوداع قبل يوم التروية، والشكوى المذكورة في خرجاته لليمن ان كانت قدمت لرسول الله صلى الله عليه وآله مرتين فان اولاهما وقعت في المدينة وقبل العام العاشر، والثانية في مكة وبعد وصول صحب الامام إلى النبي صلى الله عليه وآله قبل يوم التروية، حيث انهم وصلوا مكة قبل ايام الحج، وعلى هذا فقد توهم من العلماء من قال: ان قصة الغدير وقعت من أجل هذه الشكوى وذلك لان قصة الغدير وقعت بعد الحج وفي الجحفة وبمحضر من جماهير المسلمين، وحديث الرسول الله صلى الله عليه وآله هنا كان مع الشاكين خاصة وفي نفس المجلس وبعد اظهارهم الشكوى مباشرة. اما الشكوى الثانية، فصريح الحديث انها كانت بعد رجوعهما إلى المدينة. ثانيا: نصوص اخرى لم يعين زمانها عن ابن عباس: " ان النبي قال لعلي انت ولي كل مؤمن بعدي " (2). وعن علي: ان النبي قال له: ؟ انك ولي المؤمنين بعدي " (3).


(1) اسد الغاببة 5 / 94، ومجمع الزوائد 9 / 109. (2) مسند الطيالسي 11 / 360 ح 2752، والرياض النضرة 2 / 203. (3) تاريخ بغداد للخطيب 4 / 239، وكنز العمال 15 / 114 و 12 / 221.

[300]

من النصوص على امامته ما وردت في يوم الغدير كما روى الحاكم الحسكاني: " عن ابن عباس وجابر قالا: أمر الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - أن ينصب عليا للناس ليخبرهم بولايته، فتخوف رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يقولوا حابا ابن عمه وأن يطعنوا في ذلك عليه، فأوحى الله إليه (يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) المائدة - 67 فقال رسول الله صلى الله عليه وآله بولايته يوم غدير خم " (1). وروى عن زياد بن المنذر انه كان يقول: " كنت عند ابي جعفر محمد بن علي (عليه السلام) وهو يحدث الناس إذ قام إليه رجل من أهل البصرة يقال له عثمان الاعشى - كان يروي عن الحسن البصري - فقال له يا ابن رسول الله جعلني الله فداك ان الحسن يخبرنا ان هذه الاية نزلت بسبب رجل، ولا يخبرنا من الرجل " يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك... " فقال: لو اراد أن يخبر به لاخبر به، ولكنه يخاف، ان جبرئيل هبط إلى النبي صلى الله عليه وآله إلى قوله - فقال: ان الله يامرك أن تدل امتك على وليهم على مثل ما دللتهم عليه من صلاتهم وزكاتهم وصيامهم وحجهم، ليلزمهم الحجة من جميع ذلك، فقال رسول الله: يا رب ان قومي قريبوا عهد بالجاهلية، وفيهم تنافس وفخر، وما منهم رجل الا وقد وتره وليهم، واني أخاف - أي من تكذيبهم - فانزل الله تعالى " يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته - يريد فما بلغتها تامة - والله يعصمك من الناس " فلما ضمن الله له بالعصمة وخوفه اخذ بيد علي... " (2). وروى الحاكم الحسكاني: " عن ابن عباس في حديث المعراج، ان الله عز اسمه قال لنبيه في ما قال: واني لم ابعث نبيا الا وجعلت له وزيرا، وانك رسول الله صلى الله عليه وآله وان عليا وزيرك ". قال ابن عباس: [فهبط] (3) رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكره أن يحدث


(1) الحافظ عبيدالله بن عبد الله بن احمد المعروف بالحاكم الحسكاني، الحذاء الحنفي النيسابوري، من اعلام القرن الخامس الهجري، ترجمته في تذكرة الحفاظ ط. الهند 4 / 390، وط. مصر 3 / 1200، بآخر الطبقة 14 وقد رجعنا إلى كتابه شواهد التنزيل لقواعد التفصيل في الايات النازلة في أهل البيت، تحقيق محمد باقر المحمودي ط. بيروت عام 1393 ه‍ والحديث في ج 1 / 192 ورقم الحديث 249. (2) شواهد التنزيل 1 / 191. (3) كذا وردت.

[301]

الناس بشئ منها إذ كانوا حديثوا العهد بالجاهلية إلى قوله: فاحتمل رسول الله حتى إذا كان اليوم الثامن عشر أنزل الله عليه " يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك... " إلى قوله: فقال: يا ايها الناس، ان الله أرسلني اليكم برسالة، واني ضقت بها ذرعا، مخافة أن تتهموني وتكذبوني، حتى عاتبني ربي فيها بوعيد انزله علي... (1). وروى الحسكاني وابن عساكر: عن ابي هريرة: أنزل الله عزوجل " يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك - في علي بن ابي طالب - وان لم تفعل فما بلغت رسالته... " (2). قصد أبو هريرة أن المقصود ان يبلغ ما نزل في علي. روى الحسكاني: " عن عبد الله بن أبي أوفى، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم غدير خم وتلا هذه الاية (يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك...) ثم رفع يديه حتى يرى بياض ابطيه ثم قال: ألا من كنت مولاه... " (3). وروى الواحدي في اسباب النزول والسيوطي في الدر المنثور عن ابي سعيد الخدري قال: نزلت هذه الاية في علي بن ابي طالب: " يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك... " (4).


(1) شواهد التنزيل للحسكاني 1 / 192 - 193 وفي ص 189 منه نزول الاية فقط. (2) شواهد التنزيل للحسكاني 1 / 187، ورواها ابن عساكر بترجمة الامام على من تاريخ دمشق بطرق كثيرة في الحديث 452. (3) الحسكاني 1 / 190، و عبد الله بن أبي اوفى: علقمة بن خالد الحارث الاسلمي، صحابي شهد الحديبية، وعمر بعد النبي صلى الله عليه وآله، مات سنة ست أو سبع وثمانين وهو آخر من مات بالكوفة من الصحابة، واخرج حديثه جميع اصحاب الصحاح، ترجمته بتقريب التهذيب 1 / 402، واسد الغابة 3 / 121. (4) اسباب النزول ص 135 والدر المنثور 2 / 298، وأراه هو الحديث المرقم 244 من شواهد التنزيل، وراجع فتح القدير 2 / 57، وتفسير النيسابوري 6 / 194. الواحدي، هو أبو الحسن علي بن احمد الواحدي النيسابوري (ت 468 ه‍)، ورجعنا إلى كتابه اسباب النزول ط. بيروت سنة 1395 ه‍.

[302]

وفي تفسير السيوطي: " عن ابن مسعود قال كنا نقرأ على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله يا ايها الرسول بلغ ما نزل اليك من ربك - ان عليا مولى المؤمنين - وان لم تفعل فما بلغت رسالته... " (1). قصد ابن مسعود انهم كانوا على عهد رسول الله يقرؤن في تفسير الاية هكذا. وكان نزول هذه الآية في غدير خم وفي ما يلي تفصيل الخبر. خبر يوم الغدير. لما صدر رسول الله من حجة الوداع (2) نزلت عليه في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة (3) آية " يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك... " (4). فنزل غدير خم من الجحفة (5) وكان يتشسعب منها طريق المدينة ومصر والشام (6) ووقف هناك حتى لحقه من بعده ورد من كان تقدم (7) ونهى اصحابه عن سمرات متفرقات بالبطحاء أن ينزلوا تحتهن، ثم بعث اليهن فضم ما تحتهن من الشوك (8) ونادى بالصلاة جامعة (9) وعمد اليهن (10) وظل بثوب على شجرة سمرة من الشمس (11)، فصلى الظهر بهجير (12) ثم قام خطيبا فحمد الله واثنى عليه، وذكر ووعظ وقال ما شاء الله ان يقول، ثم قال اني أوشك ان ادعى فاجيب، واني مسؤول وانتم مسؤولون، فماذا أنتم قائلون ؟ قالوا نشهد انك بلغت ونصحت فجزاك الله خيرا، قال: أليس تشهدون ان لا اله الا الله وان محمدا عبده


(1) الدر المنثور 2 / 298، ويقصد من " كنا نقرأ " انهم كانوا يقرؤن تفسيرها كذا. (2) مجمع الزوائد 9 / 163 - 165، وانقل عن هذه الصفحات في ما يلي. (3) رواه الحاكم الحسكاني في ج 1 / 192 - 193. (4) سبق ذكر مصادره. (5) مجمع الزوائد 9 / 163 - 165، وابن كثير 5 / 209 - 213. (6) مادة الجحفة من معجم البلدان. (7) بتاريخ ابن كثير 5 / 213. (8) مجمع الزوائد، والسمر: نوع من الشجر، وقريب منه لفظ ابن كثير 5 / 209. (9) مسند احمد 4 / 281، وسنن ابن ماجة باب فضل علي وتاريخ ابن كثير 5 / 209، و 5 / 210. (10) مجمع الزوائد 9 / 163 - 165. (11) مسند احمد 4 / 372، وابن كثير 5 / 212. (12) مسند احمد 4 / 281، سنن ابن ماجة باب فضل علي، وابن كثير 5 / 212.

[303]

ورسوله وان الجنة حق وان النار حق قالوا: بلى نشهد ذلك قال: اللهم اشهد ثم قال الا تسمعون ؟ قالوا: نعم، قال: يا ايها الناس اني فرط وانتم واردون علي الحوض وان عرضه ما بين بصرى إلى صنعاء (1) فيه عدد النجوم قدحان من فضة، وأني سائلكم عن الثقلين فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فنادى مناد وما الثقلان يا رسول الله ؟ قال: كتاب الله طرف بيد الله وطرف بايديكم فاستمسكوا به لا تضلوا ولا تبدلوا، وعترتي أهل بيتى وقد نبأني اللطيف الخبير انهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض سألت ذلك لهما ربي، فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلموهما فهم أعلم منكم (2). ثم قال: ألستم تعلمون اني اولى بالمؤمنين من انفسهم قالوا: بلى يا رسول الله ! (3) قال: الستم تعلمون أو تشهدون اني اولى بكل مؤمن من نفسه قالوا بلى يا رسول الله (4). ثم أخذ بيد علي بن ابي طالب بضبعيه فرفعها حتى نظر الناس إلى بياض ابطيهما (5)، ثم قال: ايها الناس ! الله مولاي وانا مولاكم (6)، فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه (7) اللهم


(1) كانت بصرى اسم لقرية بالقرب من دمشق، واخرى بالقرب من بغداد. (2) مجمع الزوائد وبعض الفاظه في روايات الحاكم 3 / 109 - 110، وابن كثير 5 / 209. (3) مسند احمد 1 / 118 و 119، و 4 / 281، وسنن ابن ماجة 1 / 43 ح 116، وورد " نعم " في مسند احمد 4 / 281 و 368 و 370 و 372، وابن كثير 5 / 209، ولدى ابن كثير 5 / 210: " ألست اولى بكل امرئ من نفسه ". (4) مسند احمد 4 / 281 و 368 و 370 و 372، وابن كثير 5 / 209 و 212. (5) في رواية الحاكم الحسكاني 1 / 190، فرفع يديه حتى يرى بياض ابطيه وفي ص 193 منه: حتى بان بياض ابطيهما. (6) الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل 1 / 191، وعند ابن كثير 5 / 209: وانا مولى كل مؤمن. (7) في جميع المصادر التي ذكرناها إلى هنا في جميع روايات الباب.

[304]

وال من والاه، وعاد من عاداه (1) وانصر من نصره واخذل من خذله (2)، واحب من احبه وابغض ومن ابغضه (3). ثم قال: اللهم اشهد (4). ثم لم يتفرقا - رسول الله وعلي - حتى نزلت هذه الاية " اليوم أكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا ". فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله اكبر على اكمال الدين واتمام النعمة، ورضا الب برسالتي والولاية لعلي (5). وفي باب ما نزل من القرآن بالمدينة من تاريخ اليعقوبي: " ان اخر ما نزل عليه " اليوم اكملت... " وهي الرواية الصحيحة الثابتة، وكان نزولها يوم النص على امير المؤمنين علي بن ابي طالب صلوات الله عليه بغدير خم " (6). فلقيه عمر بن الخطاب بعد ذلك فقال له: هنيئا لك يا ابن ابي طالب، اصبحت وامسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة (7). وفي رواية قال له: بخ بخ لك يا ابن ابي طالب. (8) وفي رواية اخرى، هنيئا لك يا ابن ابي طالب اصبحت وامسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة (9).


(1) مسند احمد 1 / 118 و 119 و 4 / 281 و 370 و 372 و 373 و 5 / 347 و 370، ومستدرك الحاكم 3 / 109، وسنن ابن ماجة والحاكم الحسكاني 1 / 190 و 191، وتاريخ ابن كثير 5 / 209 و 210 - 213، وقال ابن كثير في 5 / 209: فقلت لزيد هل سمعته من رسول الله ؟ فقال: ما كان في الدوحات احد الا رآه بعينه وسمعه باذنيه. ثم قال ابن كثير: قال شيخنا أبو عبد الله الذهبي: وهذا حديث صحيح. (2) مسند احمد 1 / 118 و 119، ومجمع الزوائد 9 / 104 و 105 و 107، شواهد التنزيل 1 / 193، وتاريخ ابن كثير 5 / 210 و 211. (3) شواهد التنزيل للحسكاني 1 / 191، وتاريخ ابن كثير 5 / 210. (4) شواهد التنزيل 1 / 190. (5) رواه الحاكم الحسكاني عن ابي سعيد الخدري 1 / 157 - 158 ح 211 و 212، وعن ابي هريرة ص 158 ح 213، وفي تاريخ ابن كثير 5 / 214 بايجاز. (6) اليعقوبي 2 / 43. (7 و 8) شواهد التنزيل 1 / 157. (9) مسند احمد 4 / 281، وسنن ابن ماجة باب فضائل علي والرياض النضرة 2 / 169، ولفظ " بعد ذلك " في تاريخ ابن كثير 5 / 210.

[305]

تتويج الامام وكانت لرسول الله عمامة، وتسمى السحاب كساها عليا، (1) وكانت سوداء اللون، (2) وكان الرسول يلبسها في ايام خاصة، (3) مثل يوم فتح مكة، (4) ورووا في كيفية تتويج الامام بها يوم الغدير كما يلي: عن عبد الاعلى بن عدي البهراني قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وآله عليا يوم غدير خم فعممه وارخى عذبة العمامة من خلفه (5). وعن علي عليه السلام قال: عممني رسول الله صلى الله عليه وآله يوم غدير خم بعمامة سوداء طرفها على منكبي (6). وفي مسند الطيالسي وسنن البيهقي قال: عممني رسول الله صلى الله عليه وآله يوم غدير خم بعمامة سدلها خلفي ثم قال: ان الله عزوجل أمدني يوم بدر وحنين بملائكة يعتمون هذه العمة... وقال: ان العمامة حاجزة بين المسلمين والمشركين... (7). وعن علي عليه السلام: ان النبي صلى الله عليه وآله عممه بيده، فذنب العمامة من ورائه ومن بين يديه، ثم قال له النبي صلى الله عليه وآله: ادبر فادبر، ثم قال له: اقبل فاقبل، واقبل على اصحابه فقال النبي صلى الله عليه وآله: هكذا تكون تيجان الملائكة (8).


(1) في زاد المعاد لابن القيم (فصل في ملابسه) أي الرسول بهامش شرح الزرقاني على المواهب اللدنية ج 1 / 121. (2) ورد ذكر لون العمامة التي توج بها الامام في رواية عبد الله بن بشر الاتية والامام نفسه. (3) اشير إلى ذلك في كتب الحديث. (4) صحيح مسلم كتاب الحج ح 451 - 452، وسنن ابي داود 4 / 54 باب في العمائم، وشرح المواهب 5 / 10، عن معرفة الصحابة لابي نعيم. (5) الرياض النضرة 2 / 289 في ذكر تعميمه اياه (ص) بيده، واسد الغابة 3 / 114. (6) في ترجمة عبد الله بن بشر من الاصابة 2 / 274 قال: اخرجه البغوي. (7) كنز العمال 20 / 45، ومسند الطيالسي 1 / 23، والبيهقي 10 / 14. (8) كنز العمال 20 / 45 عن مشيخة ابن باذان.

[306]

وعن ابن عباس قال: لما عمم رسول الله صلى الله عليه وآله عليا بالسحاب قال له: يا علي العمائم تيجان العرب... (1). وعن عبد الله بن بشر قال. بعث رسول الله صلى الله عليه وآله (يوم غدير خم) إلى علي فعممه واسدل العمامة بين كتفيه وقال وهكذا امدني ربي يوم حنين بالملائكة معممين وقد اسدلوا العمائم وذلك حجز بين المسلمين والمشركين (2). المناشدة جمع علي الناس في رحبة مسجد الكوفة (3)، ثم قال لهم: " أنشد الله كل امرئ مسلم سمع رسول الله يقول يوم غدير خم ما سمع الاقام (4) ولا يقوم الا من قد رآه (5)، فقام ثلاثون من الناس - وفي رواية - فقام ناس كثير (6) وقال عبد الرحمن: فقام اثنا عشر بدريا، كأني انظر إلى أحدهم (7) فشهدوا حين أخذ بيده فقال للناس: " اتعلمون اني أولى بالمؤمنين من انفسهم " قالوا: نعم يا رسول الله (8) قال:


(1) كنز العمال عن الديلمي. (2) هكذا رواه ابن طاووس في امان الاخطار، غير أنها في ترجمة عبد الله بن بشر بالاصابة 2 / 274، رقم الترجمة 4566، ليس فيها لفظ " يوم غدير خم ". (3) تاريخ ابن كثير 5 / 211. (4) رواه ابو الطفيل، عامر أو عمرو بن واثلة الليثي، ولد عام أحد، ورأى النبي وعمر إلى أن مات سنة عشر ومائة، وهو آخر من مات من الصحابة، روى عنه جميع اصحاب الصحاح، التهذيب 1 / 389. وروايته بمسند احمد 4 / 370، وفي ج 1 / 118 منه بثلاث اسانيد: أ) عن ابي الطفيل، عن زيد بن ارقم. ب) عن سعيد بن وهب الهمداني الجنواني، وهو كوفي ثقة مخضرم مات سنة خمس أو ست وسبعين، ترجمته في تهذيب التهذيب وقد رواها احمد عنه مختصرا في ج 5 / 366. ج) عن زيد بن يثيع الهمداني الكوفي، ثقة مخضرم من الطبقة الثانية من الرواة، ترجمته بتهذيب التهذيب 1 / 277. 5) في رواية عبد الرحمن بن ابي ليلى الانصاري المدني الكوفي، ثقة من الثانية روى عنه جميع اصحاب الصحاح، ومات سنة نيف وثمانين ترجمته بتقريب التهذيب 1 / 496 والرواية في مسند احمد 1 / 119 الحديث رقم 964. (6) مسند احمد 4 / 370 في حديث ابي الطفيل وابن كثير 5 / 212. (7) حديث عبد الرحمن بمسند احمد ج 1 / 961، وفي 5 / 370، وابن كثير 5 / 211. (8) في مسند احمد 1 / 118 و 4 / 370 وابن كثير 5 / 211 ومجمع الزوائد 9 / 105.

[307]

" من كنت مولاه فهذا مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه " (1)، " وانصر من نصره واخذل من خذله " (2). قال عبد الرحمن: فقام الا ثلاثة لم يقوموا فاصابتهم دعوته (3). قال ابو الطفيل: فخرجت وكأن في نفسي شيئا فلقيت زيد بن ارقم فقلت له: اني سمعت عليا (رض) يقول كذا وكذا، قال: فما تنكره قد سمعت رسول الله يقول ذلك له (4). وفي رواية فقام ثلاثون من الناس (5). وفي رواية جاء رهط من الانصار إلى علي في الرحبة فقالوا: السلام عليك يا مولانا قال: كيف اكون مولاكم وأنتم قوم عرب، قالوا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خم يقول من كنت مولاه فان هذا مولاه قال الراوي فلما مضوا اتبعتهم فسألت من هؤلاء ؟ قالوا: نفر من الانصار منهم ابو أيوب. وفي رواية فقال: من القوم. قالوا: مواليك يا أمير المؤمنين (6).


(1) في مسند احمد 1 / 118 و 119 و 4 / 370 و 5 / 370، وابن كثير 5 / 211. (2) مسند احمد 1 / 118، وتاريخ ابن كثير 5 / 210. (3) مسند احمد 1 / 119 الحديث 964. (4) مسند احمد 4 / 370. (5) مسند احمد 4 / 270 والرياض النضرة 2 / 162 وابن كثير 5 / 212. (6) مسند احمد 5 / 419 وابن كثير 5 / 212.

[308]

الولاية واولو الامر في القرآن الكريم أ) ولاية علي في القرآن الكريم نصت الاحاديث السابقة على ولاية الامام علي على المؤمنين بعد رسول الله وهذا بعينه ما عنته الاية الكريمة " انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون " الاية 55 من سورة المائدة. ويؤيد ذلك الروايات الاتية: في تفسير الطبري، واسباب النزول للواحدي وشواهد التنزيل للحاكم الحسكاني وانساب الاشراف للبلاذري وغيرها (1). عن ابن عباس وابي ذر وانس بن مالك والامام علي وغيرهم ما خلاصته: " ان فقيرا من فقراء المسلمين دخل مسجد الرسول وسأل وكان علي راكعا في صلاة غير فريضة (2)، فاوجع قلب علي كلام السائل، فأوما بيده اليمنى إلى خلف ظهره، وكان في اصبعه خاتم عقيق يماني أحمر يلبسه في الصلاة، وأشار إلى السائل بنزعه


(1) تفسير الطبري 6 / 186، واسباب النزول للواحدي ص 133 - 134، وفي شواهد التنزيل 1 / 161 - 164 خمس روايات عن ابن عباس وفي ص 165 - 166 روايتان عن انس بن مالك، وست روايات اخرى في ص 167 - 169، وانساب الاشراف للبلاذري ح 151 من ترجمة الامام 1 / الورقة 225، وغرائب القرآن للنيسابوري بهامش الطبري 6 / 167 - 168، واخرج السيوطي كثيرا من رواياتها في تفسيره 2 / 293 - 294، وقال في لباب النقول في اسباب النزول ص 90 - 91 بعد ايراد الروايات: " فهذه شواهد يقوي بعضها بعضا ". (2) يستفاد ذلك من رواية انس حيث قال: خرج النبي إلى صلاة الظهر فإذا هو بعلي يركع، ونظيرها رواية ابن عباس، وكلتاهما في شواهد التنزيل 1 / 163 - 164.

[309]

فنز ؟ ه ودعا له، ومضى فما خرج احد من المسجد حتى نزل جبرئيل عليه السلام بقول عزوجل " انما وليكم الله... " الاية (1)، فأنشأ حسان بن ثابت يقول ابياتا منها قوله: ابا حسن تفديك نفسي ومهجتي * وكل بطئ في الهدى ومسارع فانت الذي اعطيت إذ انت راكع * فدتك نفوس القوم يا خير راكع فانزل فيك الله خير ولاية * فاثبتها في محكمات الشرائع (2) ايراد على دلالة الاية اورد بعضهم على مفاد الروايات السابقة ان لفظ الاية " والذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون " جمع فكيف يعبر بلفظ الجمع ويراد به الواحد وهو الامام علي ؟ قال المؤلف: توهم من قال ذلك فان الذي لا يجوز انما هو استعمال اللفظ المفرد وارادة الجمع منه، اما العكس فجايز وشايع في المحاورات وقد ورد نظائرها في موارد متعددة في القرآن الكريم مثل التعابير التي وردت في سورة المنافقين: " بسم الله الرحمن الرحيم، إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد انك لرسول الله والله يعلم انك لرسوله والله يشهد ان المنافقين لكاذبون " إلى قوله تعالى " وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون " إلى قوله: " هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السموات والارض ولكن المنافقين لا يفقهون، يقولون لئن رجعنا إلى المدينة لنخرجن الاعز منها الاذل، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون. الايات 1 - 8. قال الطبري في تفسير السورة: انما عني بهذه الايات كلها عبد الله بن ابي سلول... وأنزل الله فيه هذه السورة من اولها إلى اخرها وبالنحو الذي قلنا، قال اهل التأويل وجاءت الاخبار (3). وروى السيوطي بتفسير الايات عن ابن عباس انه قال: وكل شئ أنزله في المنافقين - في هذه السورة - فانما أراد عبد الله بن أبي (4).


(1) إلى هنا اوردنا ملخصة من شواهد التنزيل. (2) نقلا عن كفاية الطالب الباب 61 ص 228، وبقية مصادر الحديث في تاريخ ابن كثير 7 / 357. (3) تفسير الطبري 28 / 270. (4) تفسير السيوطي 6 / 223.

[310]

وموجز القصة كما نقلها اهل السير وورد في التفاسير: " ان اجير عمر بن الخطاب، جهجاه الغفاري، ازدحم بعد غزوة بني المصطلق مع سنان الجهني حليف بني الخزرج على الماء فاقتتلا فصرخ الجهني: يا معشر الانصار !، وصرخ الجهجاه يا معشر المهاجرين ! فغضب عبد الله بن أبي ومعه رهط من قومه وفيهم زيد بن أرقم، غلام حديث السن فقال: أقد فعلوها ؟ قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما اعدنا وجلابيب قريش هذه الا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك ! أما والله لئن رجعنا إلى المدينة لنخرجن الاعز منها الاذل، ثم أقبل على من حضره من قومه، فقال: هذا ما فعلتم بانفسكم احللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم اموالكم، اما والله لو أمسكتم عنهم ما بايديكم لتحولوا إلى غير بلادكم، فسمع ذلك زيد بن ارقم ومشى به إلى رسول الله وأخبره وعنده عمر بن الخطاب " (1). فقال عمر بن الخطاب: دعني اضرب عنقه يا رسول الله فقال إذا ترعد له آنف كثيرة بيثرب قال عمر فان كرهت يا رسول الله ان يقتله رجل من المهاجرين، فمر به سعد بن معاذ ومحمد بن مسلمة فيقتلانه فقال: اني اكره ان يتحدث الناس ان محمدا يقتل اصحابه (2). فذهب عبد الله إلى رسول الله، وحلف انه لم يكن شئ من ذلك فلام الانصار زيدا على قوله، وقالوا لعبدالله: لو رأيت رسول الله يستغفر لك فلوى رأسه وقال: أمرتموني ان اومن فامنت وامرتموني ان اعطي زكاة مالى فاعطيت فما بقي لي الا ان اسجد لمحمد، فنزلت السورة فيه وهو المقصود بقوله تعالى: " هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا " (2). وهو المقصود من قوله تعالى " وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم... " (3). في هذه السورة عبر الله عن عبد الله بن أبي القائل الواحد، بقوله تعالى: " هم


(1) تفسير الطبري 28 / 75. (2) تفسير الطبري 28 / 74. (3) لخصنا روايات متعددة وردت في تفسير الطبري 28 / 71 فما بعدها وتفسير السيوطي 6 / 222 فما بعدها إلى غير ذلك مما ورد في التفاسير والسير.

[311]

الذين يقولون " وبقوله عز اسمه " وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم " القائل والفاعل واحد كما اجمع على ذلك المفسرون وأطبقت الروايات على ذلك وانما اوردنا هذا على سبيل المثال والا فنظائرها متعددة في القرآن الكريم مثل قوله تعالى: " ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو اذن " التوبة: 61. " الذين قال لهم الناس ان الناس قد جمعوا لكم... " آل عمران: 173. " يقولون هل لنا من الامر شئ... " آل عمران: 154. هذه إلى غيرها مما عبر فيها بلفظ الجمع وأريد بها الواحد تعدد نظائرها في القرآن الكريم. ب) أولو الامر: علي والائمة من ولده أثبتت الروايات المتظافرة المتواترة السابقة أن عليا هو مولى المؤمنين وولي أمرهم بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، كما انها تفسر المراد من أولي الامر في الاية الكريمة: " يا ايها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الامر منكم " (1). ودلت على ذلك أيضا الاحاديث الآتية: أ) في شواهد التنزيل عن علي أنه سأل رسول الله عن الاية وقال: يا نبي الله من هم ؟ قال: انت اولهم. ب) وعن مجاهد: " وأولي الامر منكم " قال: علي بن ابي طالب ولاه الله الامر بعد محمد في حياته حين خلفه رسول الله بالمدينة فأمر الله العباد بطاعته وترك الخلاف عليه. " ج) وعن أبي بصير، عن ابي جعفر: " أنه سأله عن قول الله " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم قال: نزلت في علي بن أبي طالب قلت: ان الناس يقولون: فما منعه أن يسمي عليا وأهل بيته في كتابه فقال أبو جعفر: قولوا لهم إن الله أنزل على رسوله الصلاة ولم يسم ثلاثا ولا اربعا حتى كان رسول الله هو الذي يفسر ذلك، وأنزل الحج فلم ينزل طوفوا أسبوعا


(1) سورة النساء: الاية 59.

[312]

حتى فسر لهم ذلك رسول الله، وأنزل " وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولي الامر منكم " فنزلت في علي والحسن والحسين وقال رسول الله صلى الله عليه وآله أوصيكم بكتاب الله وأهل بيتي اني سألت الله ان لا يفرق بينهما حتى يردا علي الحوض فأعطاني ذلك. " (1) قول النبي (ص) مثل أهل بيتي كسفينة نوح (ع) ومثل باب حطة في بني اسرائيل روى من الصحابة وأهل البيت كل من الامام علي وأبو ذر وأبو سعيد الخدرى وابن عباس وأنس بن مالك. ان رسول الله (ص) قال: " مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق ". وفي ألفاظ بعضهم: " ومثل باب حطة في بني اسرائيل ". المصادر: ذخائر العقبى للمحب الطبري ص: 20. مستدرك الحاكم (ج 2 / 343 وج 3 / 150. حلية الاولياء لابي نعيم (ج 4 / 306). تاريخ بغداد للخطيب (ج 12 / 19). مجمع الزوائد للهيتمي (ج 9 / 168). الدر المنثور للسيوطي بتفسير الاية: " وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم ". كنز العمال، ط، الاولى، (ج 6 / 153 و 216). الصواعق لابن حجر، ص: 75، رواها عن الدارقطني والطبراني وابن جرير وأحمد بن حنبل وغيرهم.


(1) الاحاديث: أ، ب، ج وردت متواليات في شواهد التنزيل 1 / 148 - 150.

[313]

الائمة علي وبنوه عليهم السلام مبلغون عن رسول الله صلى الله عليه وآله حصر القرآن الكريم في عدة آيات وظيفة الرسل في التبليغ مثل قوله تعالى: " ما على الرسول الا البلاغ " (1). وقوله " وما على الرسول الا البلاغ المبين " (2) وقوله: " انما على رسولنا البلاغ المبين " (3)، وقوله " فهل على الرسل الا البلاغ المبين " (4). وحصر كذلك وظيفة خاتم الرسل خاصة في التبليغ بقوله تعالى " فانما عليك البلاغ " (5)، وقوله " إن عليك الا البلاغ " (6). وينقسم التبليغ إلى تبليغ مباشر وتبليغ بواسطة، والى تبليغ ما حان وقت عمله وما لم يحن، مثل حكم الطائفتين المتقاتلتين من المؤمنين وواجب المسلمين تجاه الحاكم الجائز وينقسم ما يبلغه الرسول إلى قسمين: أ) ما اوحي إلى الرسول لفظه ومعناه وهو كتاب الله ويسمى في هذه الامة بالقرآن الكريم قال سبحانه " وأوحي الي هذا القران لانذركم به ومن بلغ " (7).


(1) سورة المائدة: الاية 99. (2) سورة النور: الاية 54 وسورة العنكبوت: الاية 18. (3) سورة المائدة: الاية 92، وسورة التغابن: الاية 12. (4) سورة النحل: الاية 35. (5) سورة آل عمران: الاية 20، وسورة النحل: الاية 35، وسورة الرعد: الاية 13. (6) سورة الشورى: الاية 48. (7) سورة الانعام: الاية 19.

[314]

ب) ما أوحي إلى الرسول معناه دون لفظه وبلغه الرسول بلفظه الشريف مثل تبليغه تفصيل احكام الشرع، قال الله سبحانه " شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي اوحينا اليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه " (1). ان الرسول عندما يعين عدد ركعات الصلاة واذكارها ويبين سائر احكامها وسائر احكام الشرع الاسلامي، أو يبلغ أنباء الامم السابقة والغيوب الاتية في هذه الدنيا أو العالم الاخر، انما يبلغ ما اوحى إليه في غير القرآن الكريم وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى ويسمى هذا النوع من التبليغ في هذه الامة بالحديث النبوي الشريف. حصرت الايات السابقة وظيفة الرسول بالتبليغ، وعلى هذا فان الصفة المميزة للرسول هي التبليغ، وإذا قال الرسول عن شخص (إنه مني) يعني انه منه في أمر التبليغ ولا نقول هذا اعتباطا، بل قد وجدنا الرسول يصرح بذلك في قسم من تلك الاحاديث مثل ما ورد في قصة تبليغ آيات البراءة التالية: قصة تبليغ آيات البراءة وردت قصة تبليغ سورة البراءة في صحيح الترمذي وتفسير الطبري وخصائص النسائي ومستدرك الصحيحين وغيرها، عن انس وابن عباس وسعد بن أبي وقاص و عبد الله بن عمر وأبي سعيد الخدري وعمر بن ميمون وعلي بن أبي طالب (2)، وأبي بكر، ونختار هنا ذكر رواية ابي بكر الواردة في مسند احمد، إلى قوله: قال أبو بكر: " ان النبي بعثه ببراءة لاهل مكة، لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ولا يدخل الجنة الا نفس مسلمة، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة فأجله إلى مدة، والله برئ من المشركين ورسوله، قال فسار بها ثلاثا ثم قال لعلي " الحقه فرد علي أبا بكر وبلغها انت " قال: ففعل، فلما قدم على النبي صلى الله


(1) سورة الشورى: الاية 13. (2) صحيح الترمذي 13 / 164 - 165، ومسند احمد 1 / 151 و 330 و 3 / 283 وراجع ج 1 / 150، وخصائص النسائي ص 28 - 29، وتفسير الطبري 10 / 46، ومستدرك الصحيحين 3 / 51، ومجمع الزوائد 7 / 29 و 9 / 119.

[315]

عليه وسلم أبو بكر بكى وقال: يا رسول الله حدث في شئ ؟ قال: " ما حدث فيك الا خير، ولكني أمرت ان لا يبلغه الا أنا أو رجل مني " (1). وفي رواية عبد الله بن عمر: " ولكن قيل لي: أنه لا يبلغ عنك الا انت أو رجل منك " (2). وفي رواية أبي سعيد الخدري: " لا يبلغ عني غيري أو رجل مني " (3). تدلنا القرائن الحالية والمقالية في المقام، ان القصد من التبليغ في هذه الروايات وما شابهها تبليغ ما اوحى الله إلى رسوله من احكام إلى المكلفين بها في بادئ الامر، وهذا ما لا يقوم به الا الرسول أو رجل من الرسول. ويقابل هذا التبليغ التبليغ الذي يقوم به المكلفون بتلك الاحكام بعدما بلغوا بها بواسطة الرسول أو رجل من الرسول فان لهم عند ذاك ان يقوموا بتبليغها إلى غيرهم، ويطرد جواز هذا التبليغ ورجحانه ويتسلسل مع كل من بلغه الحكم إلى ابد الدهر. وواضح أن الرسول عنى بقوله " لا يبلغ عني غيري أو رجل مني التبليغ من النوع الاول ". ويفسر ايضا لفظ " مني " في احاديث الرسول صلى الله عليه وآله حديث المنزلة الاتي: علي من النبي بمنزلة هارون من موسى في صحيح البخاري، ومسلم، ومسند الطيالسي، واحمد، وسنن الترمذي، وابن ماجة وغيرها (4) واللفظ للاول، ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال لعلي:


(1) مسند احمد 1 / 3 الحديث 4 من مسند ابي بكر وقال احمد شاكر: " اسناده صحيح " وراجع كنز العمال وذخائر العقبي. (2) في مستدرك الصحيحين 3 / 51. (3) في الدر المنثور بتفسير " براءة من الله ". (4) صحيح البخاري 2 / 200 باب مناقب علي بن ابي طالب وصحيح مسلم ج 7 / 120 باب من فضائل علي بن ابي طالب والترمذي ج 13 / 171 باب مناقب علي والطيالسي ج 1 / 28 و 29 وح 205 و 209 و 213 وابن ماجة باب فضل علي بن ابي طالب ح 115، ومسند احمد ج 1 / 170 و 173 - 175 و 177 - >

[316]

" انت مني بمنزلة هارون من موسى الا انه ليس نبي بعدي " ولفظ مسلم وغيره: " الا انه لا نبي بعدي ". وفي رواية ابن سعد في الطبقات عن البراء بن عازب وزيد بن ارقم قالا: لما كان عند غزوة جيش العسرة وهي تبوك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن ابي طالب: انه لابد من ان اقيم أو تقيم، فخلفه، فلما فصل رسول الله صلى الله عليه وسلم، غازيا قال ناس: ما خلف عليا الا لشئ كرهه منه فبلغ ذلك عليا فاتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إليه فقال له: ما جاء بك يا علي ؟ قال: لا يا رسول الله الا اني سمعت ناسا يزعمون انك انما خلفتني لشئ كرهته مني، فتضاحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: يا علي اما ترضى ان تكون مني كهارون من موسى غير انك لست بنبي ؟ قال: بلى يا رسول الله، قال فانه كذلك (1) وقد مر بعض الفاظ الحديث في باب من استخلفه النبي صلى الله عليه وآله على المدينة في غزواته. المراد من لفظ " مني " في أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله: إن لفظ " مني " في حديث " أنت مني بمنزلة هارون من موسى " يوضح المراد من هذه اللفظ في احاديث الرسول الاخرى، وذلك أن هارون لما كان شريك موسى في النبوة ووزيره في التبليغ وكان علي من خاتم الانبياء بمنزلة هارون من موسى باستثناء النبوة يبقى لعلي الوزارة في التبليغ، وعلى هذا فان الرسول فسر لفظ " مني " في هذه الاحاديث بكل وضوح وجلاء ان القصد منه انه منه في مقام التبليغ عن الله إلى المكلفين بلا واسطة، ومن ثم يتضح معنى " مني " في احاديث اخرى للرسول صلى الله عليه وآله في حق الامام علي والذي ورد فيها غير مفسرة.


< - و 179 و 182 و 184 و 185 و 330 وج 3 / 32 و 338 وج 6 / 369 و 438، ومستدرك الحاكم ج 2 / 337، وطبقات ابن سعد 3 / 1 / 14 و 15، ومجمع الزوائد ج 9 / 109 - 111، ومصادر اخرى كثيرة. (1) طبقات ابن سعد ج 3 / ق 1 / 15، ومجمع الزوائد للهيتمي ج 9 / 111 باختلاف يسير. (*)

[317]

مثل ما ورد في رواية بريدة في خبر الشكوى ان الرسول صلى الله عليه وآله قال له: " لا تقع في علي فأنه مني و... " (1). ورواية عمران بن حصين: " ان عليا مني... " (2). في كل هذه الروايات قصد الرسول (ص) أن عليا والائمة (ع) من ولده، من رسول الله صلى الله عليه وآله في حمل أعباء التبليغ إلى المكلفين مباشرة وظيفتهم من نوع وظيفته، وعلى هذا فهم منه وهو منهم، يشتركون في التبليغ ويختلفون في أنه يأخذ الاحكام التي يبلغها من الله عن طريق الوحي، وهم يأخذونها عن طريق رسول الله صلى الله عليه وآله فهم مبلغون عن رسول الله إلى الامة وقد أعدهم الله ورسوله لحمل أعباء التبليغ وذلك بما عصمهم الله من الرجس وطهرهم تطهيرا كما أخبر سبحانه عن ذلك في آية التطهير، وبما أفاض الرسول على الامام علي خاصة مما أوحى الله إليه ثم ورث الائمة من أبيهم الامام علي ذلك واحدا بعد الاخر كما نصت على ذلك الروايات الاتية. حامل علوم الرسول صلى الله عليه وآله في تفسير الرازي وكنز العمال قال علي: " علمني رسول الله صلى الله عليه وآله الف باب من العلم وتشعب لي من كل باب الف باب " (3). وفي تفسير الطبري وطبقات ابن سعد وتهذيب التهذيب وكنز العمال وفتح الباري واللفظ للاخير: عن ابي الطفيل قال: شهدت عليا وهو يخطب وهو يقول: سلوني فوالله لا تسألوني عن شئ يكون إلى يوم القيامة الا حدثتكم به، وسلوني عن كتاب الله فو الله ما من آية الا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار أم في سهل أم في جبل... " (4). ومن هنا قال في حقه رسول الله صلى الله عليه وآله كما رواه جابر بن عبد الله


(1 و 2) مضى ذكر سندهما في باب: ولي امر المسلمين. (3) بتفسير الاية " ان الله أصطفى آدم... " وكنز العمال ج 6 / 392 و 405. (4) تفسير ابن جرير ج 26 / 116، وطبقات ابن سعد ج 2 / ق: 2 / 101، وتهذيب التهذيب ج 7 / 337، وفتح الباري ج 10 / 221، وحلية الاولياء ج 1 / 67، وكنز العمال ج 1 / 228.

[318]

" أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأت الباب " قال الحاكم هذا حديث صحيح الاسناد (1). وفي رواية: فمن أراد العلم فليأت الباب (2). وفي رواية: " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية وهو آخذ بيد علي (عليه السلام) يقول: هذا أمير البررة وقاتل الفجرة، منصور من نصره، مخذول من خذله، - يمد بها صوته - أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد البيت فليأت الباب " (3). ولفظه في رواية ابن عباس: " آنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأتها من بابها " (4). وفي رواية الامام علي، قال رسول الله (ص): " أنا دار العلم وعلي بابها " (5). وقال في حقه ايضا كما رواه ابن عباس: " أنا مدينة الحكمة وعلي بابها فمن اراد الحكمة فليأت الباب " (6). وفي رواية الامام علي، قال رسول الله (ص): " أنا دار الحكمة وعلي بابها " (7). وقال في حقه كما في رواية ابي ذر: " على باب علمي ومبين لامتي ما أرسلت به بعدي... " (8).


(1) مستدرك الصحيحين ج 3 / 126. وفي ص: 127 منه بطريق اخر، وفي تاريخ بغداد ج 4 / 348 و ج 7 / 172 وج 11 / 48 وفي ص 49 منه عن يحيى بن معين أنه صحيح وفي أسد الغابة 4 / 22 ومجمع الزوائد ج 9 / 114 وتهذيب التهذيب 6 / 320 و 7 / 427، وفي متن فيض القدير 3 / 46، وكنز العمال ط 2، ج 12 / 201 ح 1130، والصواعق المحرقة / 73. (2) مستدرك الصحيحين 3 / 127. (3) تاريخ بغداد للخطيب ج 2 / 377. (4) كنز العمال ط 2، ج 12 / 212، ح 1219، وراجع كنوز الحقائق للمناوي. (5) الرياض النضرة ج 2 / 193. (6) تاريخ بغداد للخطيب ج 11 / 204، وصحيح الترمذي. (7) صحيح الترمذي ج 13 / 171 باب مناقب علي بن ابي طالب، قال وفي الباب عن ابن عباس، وحلية الاولياء لابي نعيم ج 1 / 64، كنز الغمال ط. 1، ج 6 / 156. (8) كنز العمال ط. 1 ج 6 / 156.

[319]

وقال كما في رواية انس بن مالك: ان النبي (ص) قال لعلي (ع): " أنت تبين لامتي ما اختلفوا فيه بعدي " قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين: وفي رواية قال له: " أنت تؤدي عني وتسمعهم صوتي وتبين لهم ما اختلفوا فيه بعدي " (2). وقد يسر الله لخاتم انبيائه أن يزق ابن عمه العلم فيما هيأ لهما من الاجتماع في بيت واحد منذ أن كان الامام علي طفلا كما رواه الحاكم: " كان من نعم الله على علي بن ابي طالب (ع) ما صنع الله واراده به من الخير، أن قريشا اصابتهم أزمة شديدة، وكان ابو طالب في عيال كثير فقال رسول الله (ص): لعمه العباس - وكان من ايسر بني هاشم - يا ابا الفضل ان أخاك ابا طالب كثير العيال وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الامة فانطلق بنا إليه نخفف عنه من عياله آخذ أنا من بنيه رجلا وتأخذ أنت رجلا فنكفلهما عنه، فقال العباس: نعم، فانطلقا حتى أتيا ابا طالب، فقالا: انا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى تنكشف عن الناس ما هم فيه، فقال لهما ابو طالب: إذا تركتما لي عقيلا فاصنعا ما شئتما. فأخذ رسول الله (ص) عليا فضمه إليه وأخذ العباس جعفرا فضمه إليه فلم يزل علي (ع) مع رسول الله (ص) حتى بعثه الله نبيا فاتبعه وصدقه وأخذ العباس جعفرا وضمه إليه ولم يزل جعفر مع العباس حتى أسلم واستغنى عنه " (3). وروى عن زيد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جده (ع) قال: " أشرف رسول الله (ص) من بيت ومعه عماه العباس وحمزة. وعلي وجعفر وعقيل في أرض يعملوون فيها، فقال رسول الله (ص) لعميه: اختارا من هؤلاء، فقال أحدهما: اخترت جعفرا، وقال الاخر: اخترت عقيلا، فقال: خيرتكما فاخترتما فاختار الله لي عليا " (4).


(1) مستدرك الصحيحين ج 3 / 122 وكنز العمال ط. 1، ج 6 / 156، وراجع المناوي في كنوز الحقائق ص 188. (2) حلية الاولياء ج 1 / 63 (3) مستدرك الصحيحين ج 3 / 576. (4) مستدرك الصحيحين ج 3 / 576 - 577.

[320]

وقد أخبر الامام بنفسه عن ذلك وقال: " وقد علمتم موضعي من رسول الله - صلى الله عليه وآله - بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره، ويضمني إلى صدره، ويكنفني في فراشه ويمسني جسده ويشمني عرفه، وكان يمضغ الشئ ثم يلقمنيه، وما وجد لي كذبة في قول، ولا خطلة في فعل، ولقد قرن الله به، صلى الله عليه وآله، من لدن أن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم، ومحاسن اخلاق العالم، ليله ونهاره، ولقد كنت اتبعه اتباع الفصيل اثر أمه يرفع لي في كل يوم من اخلاقه علما، ويأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء، فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الاسلام غير رسول الله صلى الله عليه وآله، وخديجة، وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة وأشم ريح النبوة. ولقد سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحي عليه، صلى الله عليه وآله، فقلت يا رسول الله، ما هذه الرنة ؟ (1) فقال: " هذا الشيطان أيس من عبادته، انك تسمع ما اسمع، وترى ما أرى، الا إنك لست بنبي، ولكنك وزير، وإنك لعلى خير ". ولقد كنت معه، صلى الله عليه وآله، لما أتاه الملا من قريش، فقالوا له: يا محمد، انك قد ادعيت عظيما لم يدعه آباؤك ولا أحد من بيتك، ونحن نسألك أمرا ان (انت) أجبتنا إليه وأريتناه علمنا أنك نبي ورسول، وان لم تفعل علمنا أنك ساحر كذاب. فقال صلى الله عليه وآله: وما تسألون ؟ قالوا: تدعوا لنا هذه الشجرة حتى تنقلع بعروقها وتقف بين يديك، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ان الله على كل شئ قدير، فان فعل الله لكم ذلك أتومنون وتشهدون بالحق ؟ قالوا: نعم، قال: فإني سأريكم ما تطلبون، وأني لاعلم أنكم لا تفيئون إلى خير (2)، وان فيكم من يطرح في القليب (3)، ومن يحزب الاحزاب، ثم قال صلى الله عليه وآله: يا أيتها الشجرة ان كنت تؤمنين بالله واليوم الاخر وتعلمين أني رسول الله فانقلعي بعروقك حتى تقفي بين يدي بأذن الله. والذي بعثه بالحق لانقلعت بعروقها وجاءت ولها دوي شديد وقصف كقصف أجنحة


(1) الرنة: الصيحة الحزينة. (2) لا تفيئون: لا ترجعون. (3) القليب - كأمير - البئر، والمراد منه قليب بدر طرح فيه نيف وعشرون من أكابر قريش، والاحزاب: طوائف متفرقة من القبائل اجتمعوا على حربه صلى الله عليه وآله في وقعة الخندق.

[321]

الطير (1)، حتى وقفت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله مرفرفة، والقت بغصنها الاعلى على رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، وببعض أغصانها على منكبي، وكنت عن يمينه صلى الله عليه وآله، فلما نظر القوم إلى ذلك قالوا علوا واستكبارا: فمرها فليأتك نصفها ويبقى نصفها، فأمرها بذلك فأقبل إليه نصفها كأعجب اقبال وأشده دويا، فكانت تلتف برسول الله صلى الله عليه وآله، فقالوا كفرا وعتوا: فمر هذا النصف فليرجع إلى نصفه كما كان، فأمره، صلى الله عليه وآله وسلم، فرجع فقلت أنا: لا اله الا الله، فأني اول مؤمن بك يا رسول الله، واول من أقر بأن الشجرة فعلت ما فعلت بأمر الله تعالى تصديقا بنبوتك واجلالا لكلمتك، فقال القوم كلهم: بل ساحر كذاب عجيب السحر خفيف فيه، وهل يصدقك في أمرك الا مثل هذا ؟ (يعنوني) (2). هكذا كان رسول الله (ص) يرفع للامام في صغره كل يوم من أخلاقه علما ويأمره بالاقتداء به، ويزقه العلم زقا في كبره ويخصه بمناجاته. وقد ورد في صحيح الترمذي وغيره واللفظ للترمذي عن جابر قال: " دعا رسول الله (ص) عليا (ع) يوم الطائف فانتجاه، فقال الناس: لقد طال نجواه مع ابن عمه فقال رسول الله (ص): ما انتجيته ولكن الله انتجاه " (3). وفي رواية: " لما كان يوم الطائف دعا رسول الله (ص) عليا فناجاه طويلا فقال بعض اصحابه... " الحديث (4). وفي رواية جندب بن ناجية أو ناجية بن جندب: " لما كان يوم غزوة الطائف قام النبي (ص) مع علي (ع) مليا ثم مر، فقال له أبو بكر: يا رسول لله لقد طالت مناجاتك عليا منذ اليوم، فقال: ما انا انتجيته ولكن الله انتجاه " (5).


(1) القصف: الصوت الشديد. و " ريح قاصف " أي: شديدة. و " رعد قاصف " أي: شديد الصوت. (2) الخطبة 190 من نهج البلاغة، ج 2 ص 182 - 184. (3) صحيح الترمذي، كتاب المناقب، باب مناقب علي بن ابي طالب ج 13 / 173 وتاريخ بغداد للخطيب ج 7 / 402. (4) أسد الغابة ج 4 / 27. (5) كنز العمال ط 2 ج 12 / 200، ح 1122، والرياض النضرة 2 / 265.

[322]

وكان الامام علي حريصا على أن يتلقى من رسول الله (ص) ولما نزلت " يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة " (1). قال الطبري: " نهوا عن مناجات النبي (ص) حتى يتصدقوا فلم يناجه أحد الا علي بن ابي طالب " (2). وفي اسباب النزول للواحدي وغيره عن الامام علي: " كان لي دينار فبعته وكنت إذا ناجيت الرسول (ص) تصدقت بدرهم حتى نفد " (3). وفي رواية: " كان عندي دينار فصرفته بعشرة دراهم فكنت إذا جئت إلى النبي (ص) " (4). وروى الزمخشري في تفسير الاية: " أنه تصدق في عشر كلمات سألهن رسول الله (ص) ". وفي رواية عن الامام: ان في كتاب الله لاية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي: آية النجوى " يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم... " الاية (1)، كان عندي دينار... إلى قوله: ثم نسخت فلم يعمل بها أحد فنزلت " أأشفقتم ان تقدموا بين يدي نجواكم صدقات... " (5). هكذا كان مع رسول الله (ص) ولم يفارقه حتى آخر لحظة من حياته. قالت عائشة: قال رسول الله (ص): لما حضرته الوفاة: " ادعوا لي حبيبي، فدعوا له ابا بكر، فنظر إليه ثم وضع رأسه ثم قال: ادعوا لي حبيبي، فدعوا له عمر فلما نظر إليه، وضع رأسه، ثم قال ادعوا لي حبيبي، فدعوا له عليا (ع) فلما رآه ادخله في الثوب الذي كان


(1) سورة المجادلة: الاية 12، تفسير السيوطي 6 / 185. (2) تفسير الطبري ج 28 / 14، والدر المنثور 6 / 185. (3) اسباب النزول للواحدي ص 308، الطبري في تفسير الاية. (4) تفسير الاية في الدر المنثور 6 / 185، والرياض النضرة 2 / 265. (5) سورة المجادلة: الاية 13. وتفسير السيوطي 6 / 185، والرياض النضرة 2 / 265.

[323]

عليه فلم يزل يحتضنه حتى قبض ويده عليه " (1). وعن ابن عباس: " ان النبي ثقل وعنده عائشة وحفصة إذ دخل علي (ع) فلما رأه النبي (ص) رفع رأسه ثم قال: ادن مني، ادن مني فاسنده فلم يزل عنده حتى توفي " (2). وعن ام سلمة قالت: " والذي أحلف به ان كان علي (ع) لاقرب الناس عهدا برسوله الله (ص) عدنا رسول الله (ص) غداة وهو يقول: جاء علي ؟ جاء علي ؟ مرارا فقالت فاطمة: كأنك بعثته في حاجة، قالت فجاء بعد، قالت أم سلمة فظننت أن له إليه حاجة فخرجنا من البيت فقعدنا عند الباب وكنت من ادناهم إلى الباب، فأكب عليه رسول الله (ص) وجعل يساره ويناجيه ثم قبض رسول الله من يومه ذلك، فكان علي أقرب الناس عهدا. (قال الحاكم: هذا حديث صحيح الاسناد) " (3). عن ابن عباس، قال: قال رسول الله (ص): " من سره أن يحيى حياتي ويموت مماتي ويسكن جنة عدن غرسها ربي، فليوال عليا من بعدي، وليوال وليه، وليقتد بالائمة من بعدي فانهم عترتي خلقوا من طينتي، رزقوا فهما وعلما، وويل للمكذبين بفضلهم من امتي، القاطعين فيهم صلتي لا أنالهم الله شفاعتي " (4).


(1) الرياض النضرة 2 / 180، وذخائر العقبى ص 72. (2) مجمع الزوائد ج 9 / 36. (3) مسند احمد ج 6 / 300، وخصائص النسائي ص 40 ومستدرك الصحيحين ج 3 / 138 - 139. (4) حلية ابي نعيم 1 / 86.

[324]

ما ورد في حق سبطي رسول الله صلى الله عليه وآله ذكرنا في ما سبق شيئا مما ورد في حق الامام الاول علي بن ابي طالب وفي ما ياتي نذكر ما ورد في حق سبطى رسول الله منها قوله هذا مني وقد عرفنا معنى مني في البحث السابق. الحسن والحسين من رسول الله وسبطاه. في مسند احمد عن المقدام بن معدي كرب: ان رسول الله وضع الحسن في حجره وقال: " هذا مني... ". وعن البراء بن عازب قال: قال النبي (ص) للحسن أو الحسين " هذا مني " (2). وروى البخاري والترمذي وابن ماجة واحمد والحاكم عن يعلى بن مرة ان رسول الله (ص) قال: " حسين مني وانا من حسين، أحب الله من أحب حسينا، حسين سبط من الاسباط " (3).


(1) كنز العمال ج 16 / 270. (2) مسند احمد ج 4 / 132 وكنز العمال ج 13 / 99 و 100 وج 16 / 262 ومنتخب الكنز ج 5 / 106 والجامع الصغير بشرح فيض القدير ج 3 / 145. (3) البخاري في الادب المفرد باب معانقة الصبي ح - 364، والترمذي ج 13 / 195 في باب مناقب الحسن والحسين وابن ماجة المقدمة باب 11، ح - 144، ومسند احمد ج 4 / 172، ومستدرك الحاكم ج 3 / 177، ووصف هو والذهبي الحديث بانه صحيح، وأسد الغابة ج 2 / 19 وج 5 / 130.

[325]

وفي رواية: " الحسن والحسين سبطان من الاسباط " (1). وعن ابي رمثة قال رسول الله (ص): " حسين مني وأنا منه هو سبط من الاسباط " (2). وفي رواية: " الحسن والحسين سبطان من الاسباط " (3). وعن البراء بن عازب قال: قال رسول الله (ص): " حسين مني وأنا منه أحب الله من أحبه، الحسن والحسين سبطان من لاسباط " (4). ان قول رسول الله (ص): " مني " في هذه الروايات بحق الحسنين نظير قوله بحق أبيهما الامام علي، أراد في جميعها، انهم منه في مقام تبليغ احكام الاسلام. وكذلك نرى ان قوله في حقهما انهما سبطان من الاسباط، لا يعني أنهما حفيدان كما ان جميع البشر ما عداهما حفدة، فهذا هذر من القول حاشا رسول الله (ص) منه، بل ان الالف واللام في الاسباط للعهد الذهني من القرآن الكريم، أي انهما من الاسباط المذكورين في كتاب الله في قوله تعالى: " قولوا آمنا بالله وما أنزل الينا وما انزل إلى ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والاسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين احد منهم ونحن له مسلمون " (5). وقوله تعالى: " ام تقولون ان ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والاسباط كانوا هودا أو نصارى... " (6) وقوله تعالى:


(1) كنز العمال ج 16 / 270. (2) كنز العمال ج 13 / 106. (3) كنز العمال ج 13 / 101 و 105. (4) كنز العمال ج 16 / 270. (5) سورة البقرة: الاية 136. (6) سورة البقرة: الاية 14. (*)

[326]

" قل آمنا بالله وما انزل علينا وما أنزل على ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والاسباط... " (1). وقوله تعالى: " انا أوحينا اليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده واوحينا إلى ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والاسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان... " (2). وعليه فأن الالف واللام في " الاسباط " في حديث رسول الله (ص) بحق الحسنين للعهد الذهني عند المسلمين من هذه الايات، وأن قول رسول الله (ص) في حقهما نظير قوله في حق ا ؟ ؟ هما: أنه منه بمنزلة هارون من موسى وقد شرح الله سبحانه تلك المنزلة فيما حكى عن موسى أنه قال: " واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري واشركه في أمري كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا انك كنت بنا بصيرا قال: قد أوتيت سؤلك يا موسى... " (3). وقوله تعالى: " وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني اخاف أن يكذبون، قال سنشد عضدك بأخيك... " (4). وقوله تعالى: " وقال موسى لاخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين... " (5). وفيما أخبر سبحانه عنهما وقال: " ولقد آتنيا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا... " (6). وقال:


(1) سورة آل عمران 84. (2) سورة النساء 163. (3) سورة طه: الايات 29 - 36. (4) سورة القصص: الاية 33. (5) سورة الاعراف: الاية 142. (6) سورة الفرقان: الاية 35.

[327]

" ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين... " (1). في هذه الايات جعل الله هارون ردءا لموسى ووزيرا وشريكا في النبوة استخلفه موسى في قومه، فلما نص خاتم الانبياء أن عليا منه بمنزلة هارون من موسى واستثنى من كل ذلك النبوة وأنه لا نبي بعده، بقي منها للامام علي ردء ووزراة ومشاركة في التبليغ على عهد الرسول (ص)، ومن بعده الخلافة في قومه وحمل أعباء التبليغ، وكذلك الامر مع ولديه الحسنين ونستثني النبوة مما كان للاسباط لانه لا نبي بعد خاتم الانبياء،، ويبقى لهما حمل مسؤلية تبليغ الاحكام الاسلامية عن الله.


(1) سورة المؤمنون: الاية 45.

[328]

بشارات النبي صلى الله عليه وآله بظهور المهدي عليه السلام في آخر الزمان المهدي عليه السلام يواطئ اسمه اسم النبي صلى الله عليه وآله صحيح الترمذي في باب ما جاء في المهدي عليه السلام وابو داود في كتاب المهدي وغيرهما قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: " لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من اهل بيتي يواطئ اسمه اسمي " (1). في مستدرك الصحيحين ومسند احمد وغيرهما عن ابي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه و (آله) وسلم: " لا تقوم الساعة حتى تملا الارض ظلما وجورا وعدوانا ثم يخرج من اهل بيتي من يملاها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وعدوانا " (2). ان المهدي عليه السلام من اهل بيت النبي صلى الله عليه وآله في صحيح ابن ماجة في ابواب الجهاد عن ابي هريرة قال: رسول الله صلى


(1) صحيح الترمذي ج 9 ص 74، ورواه ابو داود في صحيحه في كتاب المهدي ج 2 ص 7، وطبعة دار إحياء السنة النبوة (د - ت) ج 4 / 106 - 107، ح 4282، وابو نعيم في حليته 5 / 75، واحمد بن حنبل في مسنده ج 1 ص 376، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ج 4 ص 388 وكنز العمال (ط. الاولى) ج 7 / 188 بزيادة " وخلقه خلقي ". والسيوطي في تفسير سورة محمد صلى الله عليه وآله في تفسير الآية " فهل ينظرون الا الساعة... " الدر المنثور ج 6 / 58. (2) مستدرك الصحيحين ج 4 / 557، ورواه ابو نعيم في حليته ج 3 ص 101 باختلاف يسير في اللفظ وأحمد بن حنبل في مسنده ج 3 ص 36 وغيرهم، والسيوطي في تفسير الآية " فهل ينظرون الا الساعة... " من سورة محمد صلى الله عليه وآله ج 6 / 58.

[329]

الله عليه (وآله) وسلم: " لو لم يبق من الدنيا الا يوم لطوله الله عزوجل حتى يملك رجل من اهل بيتي، يملك جبل الديلم والقسطنطينية ". وفي صحيح ابن ماجة - ايضا - في ابواب الفتن في باب خروج المهدي ومسند احمد وغيرهما، عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: " المهدي منا اهل البيت يصلحه الله في ليلة " ورواه آخرون ايضا (1). وفي مستدرك الصحيحين قال: عن ابي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم انه قال: " المهدي منا اهل البيت، اشم الانف اقنى اجلى يملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما يعيش هكذا - وبسط يساره واصبعين يمينة المسبحة والابهام وعقد ثلاثة " - قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه ورواه ابو داود ايضا (2). المهدي من ولد فاطمة وفي صحيح ابي داود عن ام سلمة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يقول: " المهدي من عترتي من ولد فاطمة " (3). وفي كنز العمال قال: عن علي عليه السلام قال: " المهدي رجل منا من ولد فاطمة " (4).


(1) رواه ابو نعيم في حليته ج 3 ص 177 وزاد فقال: في يومين، ورواه احمد بن حنبل ايضا ج 1 ص 84، وذكر السيوطي في الدر المنثور ج 6 / 58 في تفسير سورة محمد (ص) الآية " فهل ينظرون الا الساعة " وقال اخرجه ابن ابي شيبة واحمد وابن ماجة عن علي عليه السلام. كتاب الفتن، باب خروج المهدي ج 4085. (2) مستدرك الصحيحين ج 4 ص 557، وراه ابو داود في صحيحه ج 6 ص 136، كتاب المهدى من سنن ابى داود ج 4285 ج 4 / 107. (3) كتاب المهدي، ح 4284 ج 4 / 7 باب خروج المهدى من كتاب الفتن ج 2 / 1368، صحيح ابي داود ج 7 ص 134، ورواه ابن ماجه في صحيحه في ابواب الفتن في باب خروج المهدي وقال: المهدي من ولد فاطمة، ورواه الحاكم ايضا في مستدرك الصحيحين ج 4 ص 557 وقال: هو حق - يعني المهدي عليه السلام - وهو من بني فاطمة وذكره الذهبي في ميزان الاعتدال ج 2 ص 24 وقال: المهدي من ولد فاطمة، وذكره السيوطي في الدر المنثور في تفسير سورة محمد (ص) من تفسير الآية فهل ينظرون الا الساعة، ج 6 / 58 وقال: اخرجه ابو داود وابن ماجه والطبراني والحاكم عن ام سلمة. (4) كنز العمال ط. الاولى ج 7 ص 261. (*)

[330]

المهدي من ولد الحسين وفي ذخائر العقبى عن ابي ايوب الانصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: " يولد منهما - يعني الحسن والحسين عليهما السلام - مهدي هذه الامة " (1). وفي ذخائر العقبى - ايضا - قال: عن حذيفة ان النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم قال: " لو لم يبق من الدنيا الا يوم واحد لطول ذلك اليوم حتى يبعث الله رجلا من ولدي اسمه كاسمى، فقال سلمان من اي ولدك يا رسول الله ؟ قال من ولدي هذا وضرب بيده على الحسين عليه السلام ". اكد رسول الله صلى الله عليه وآله في رواياته على امامة الامام الاول علي بن أبي طالب (ع) اكثر من سائر الائمة وعلى البشارة بآخرهم المهدي وعلى أن عددهم اثنا عشر لانه إذا ثبت الاول والآخر والعدد لا يبقى مجال للتشكيك من هم الائمة الذين عددهم اثنا عشر واولهم الامام علي وآخرهم المهدي سلام الله عليهم أجمعين.


(1) ذخائر العقبى ص 136.

[331]

نصوص على امامة أئمة اهل البيت النصوص الواردة عن رسول الله (ص) على امامة اهل البيت على الامة من بعده كثيرة، منها ما ورد في حق جميع ائمة اهل البيت، واخرى تخص بعضهم، ومما ورد في عامتهم حديث الثقلين. حديث الثقلين أ) في حجة الوداع روى الترمذي عن جابر قال: رأيت رسول الله في حجته يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب فسمعته يقول: " يا ايها الناس اني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي اهل بيتي ". قال الترمذي وفي الباب عن ابي سعيد وزيد بن ارقم وحذيفة بن اسيد (1). ب) في غدير خم في صحيح مسلم ومسند احمد وسنن الدارمي والبيهقي وغيرها واللفظ للاول عن زيد بن ارقم قال: " إن رسول الله قام خطيبا بماء يدعى خما بين مكة والمدينة... ثم قال:


(1) الترمذي 13 / 199 باب مناقب اهل بيت النبي وراجع كنز العمال 1 / 48.

[332]

" الا يا ايها الناس فانما انا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، واني تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به... وأهل بيتي... " (1). وفي صحيح الترمذي ومسند احمد واللفظ للاول: " اني تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي، احدهما اعظم من الاخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الارض، وعترتي أهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما " (2). وفي مستدرك الصحيحين: " كأني قد دعيت فأجبت، اني تركت فيكم الثقلين احدهما اكبر من الاخر كتاب الله وعترتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض... " (3). وفي رواية: ايها الناس اني تارك فيكم أمرين لن تضلوا إن اتبعتموهما، وهما كتاب الله وأهل بيتي عترتي.... قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين (4). وقد ورد هذا الحديث بألفاظ أخرى في مسند أحمد وحلية الاولياء وغيرهما (5) عن زيد بن ثابت. في الحديث السابق اخبر الرسول في آخر سنة من حياته: أنه بشر، أوشك أن


(1) صحيح مسلم باب فضائل علي بن ابي طالب ومسند احمد 4 / 366، وسنن الدارمي 2 / 431 باختصار، وسنن البيهقي 2 / 148 و 7 / 30 منه باختلاف يسير في اللفظ. وراجع الطحاوي في مشكل الاثار 4 / 368. (2) الترمذي 13 / 201، واسد الغابة 2 / 12 في ترجمة الامام الحسن، والدر المنثور في تفسير آية المودة من سورة الشورى. (3) مستدرك الصحيحين وتلخيصه 3 / 109، وخصائص النسائي ص 30، وفي مسند احمد 3 / 17: " اني اوشك ان ادعى فأجيب وفي ص 14 و 26 و 59 منه اكثر تفصيلا، وطبقات ابن سعد 2 ق 2 / 2 وكنز العمال 1 / 47 و 48 وفي 97 موجزا. (4) مستدرك الصحيحين 3 / 109 بطريقين وقريب منه ما في 3 / 148. (5) مسند احمد 4 / 367 و 371 وفي 5 / 181، وتاريخ بغداد للخطيب 8 / 442، وحلية الاولياء 1 / 355 و 9 / 64، وأسد الغابة 3 / 147، ومجمع الزوائد للهيثمي 9 / 163 و 164.

[333]

يأتيه رسول ربه، ويدعى فيجيب ويلتحق بربه، وقال: " اني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الاخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الارض وعترتي أهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما. " قاله مرة في عرفة واخرى في غدير خم، وهذا النص من رسول الله في تعيين مرجع الامة من بعده عم جميع الائمة من عترته، وفي الروايات التالية: نص الرسول (ص) على عددهم: حديث عدد الائمة: أخبر الرسول أن عدد الائمة الذين يلون من بعده اثنا عشر كما روى عنه ذلك اصحاب الصحاح والمسانيد الاتية: أ) روى مسلم عن جابر بن سمرة أنه سمع النبي يقول: " لا يزال الدين قائما حتى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش ". وفي رواية: " لا يزال أمر الناس ماضيا... ". وفي حديثين منهما: " إلى اثني عشر خليفة... ". وفي سنن ابي داود " حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة ". وفي حديث: " إلى اثني عشر " (1). وفي البخاري، قال: " سمعت النبي (ص) يقول: يكون اثنا عشر اميرا فقال كلمة لم اسمعها. فقال أبي، قال: كلهم من قريش ". وفي رواية: " ثم تكلم النبي (ص) بكلمة خفيت علي فسألت أبي ماذا قال


(1) صحيح مسلم ج 6 / 3 - 4 بباب (الناس تبع لقريش من كتاب الامارة) واخترنا هذا اللفظ من الرواية لان جابر كان قد كتبها، وفي صحيح البخاري ج 4 / 165، كتاب الاحكام، وصحيح الترمذي باب ما جاء في الخلفاء من ابواب الفتن، وسنن أبي داود ج 3 / 106، كتاب المهدي، ومسند الطيالسي الحديث 767 و 1278، ومسند احمد ج 5 / 86 - 90 و 92 - 101 و 106 - 108، وكنز العمال 13 / 26 - 27، وحلية أبي نعيم 4 / 333 وجابر بن سمرة بن جنادة العامري ثم السوائي، ابن اخت سعد بن أبي وقاص، وحليفهم مات بالكوفة بعد السبعين، وروى عنه اصحاب الصحاح 146 حديثا، ترجمته بأسد الغابة وتقريب التهذيب وجوامع السيرة، ص 277.

[334]

رسول الله (ص) ؟ فقال: كلهم من قريش. " (1). وفي رواية: " لا تضرهم عداوة من عاداهم " (2). ب) وفي رواية: " لا تزال هذه الامة مستقيما أمرها، ظاهرة على عدوها، حتى يمضي منهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش، ثم يكون المرج أو الهرج " (3). ج) وفي رواية: " يكون لهذه الامة اثنا عشر قيما لا يضرهم من خذلهم كلهم من قريش " (4). د) " لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا " (5). ه‍) وعن أنس: " لن يزال هذا الدين قائما إلى اثني عشر من قريش فإذا هلكوا ماجت الارض باهلها " (6). و) وفي رواية: " لا يزال أمر هذه الامة ظاهرا حتى يقوم اثنا عشر كلهم من قريش " (7). ز) وروى احمد والحاكم وغيرهم واللفظ للاول عن مسروق قال: " كنا جلوسا ليلة عند عبد الله (ابن مسعود) يقرئنا القرآن، فسأله رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن هل سألتم رسول الله (ص) كم يملك هذه الامة من خليفة ؟ فقال عبد الله: ما سألني عن هذا أحد منذ قدمت العراق قبلك، قال: سألناه فقال: اثنا عشر عدة نقباء بني اسرائيل. " (8)


(1) فتح الباري 16 / 338، ومستدرك الصحيحين 3 / 617. (2) فتح الباري 16 / 338. (3) منتخب الكنز 5 / 312، تاريخ ابن كثير 6 / 249، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص 10، كنز العمال 13 / 26، الصواعق المحرقة ص 28. (4) كنز العمال 13 / 27، ومنتخبه 5 / 312. (5) صحيح مسلم بشرح النووي 12 / 202، الصواعق المحرقة ص 18، وتاريخ الاسلام للسيوطي ص 10. (6) كنز العمال 13 / 27. (7) كنز العمال 13 / 27 عن ابن النجار. (8) مسند احمد 1 / 398 و 406 قال احمد شاكر في هامش الاول اسناده صحيح ومستدرك الحاكم وتلخيصه للذهبي 4 / 501 وفتح الباري 16 / 339 مختصرا، ومجمع الزوائد 5 / 190، والصواعق المحرقة لابن حجر ص 12، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص 10، والجامع الصغير له 1 / 75، وكنز العمال للمتقي ج 13 / 27، وقال اخرجه الطبراني ونعيم بن حماد في الفتن، وفيض القدير في شرح الجامع الصغير للمناوي 2 / 458، واورد الخبرين ابن كثير في تاريخه عن ابن مسعود باب ذكر الائمة الاثني عشر الذين كلهم من قريش 6 / 248 - 250.

[335]

ح) وفي رواية قال ابن مسعود قال رسول الله: " يكون بعدى من الخلفاء عدة اصحاب موسى " (1). قال ابن كثير: " وقد روى مثل هذا عن عبد الله بن عمر وحذيفة وابن عباس " (2). ولست أدرى هل قصد من رواية ابن عباس ما رواه الحاكم الحسكاني عن ابن عباس أو غيره. نصت الروايات الآنفة أن عدد الولاة اثنا عشر وأنهم من قريش، وقد بين الامام علي في كلامه المقصود من قريش وقال: " ان الائمة من قريش في هذا البطن من هاشم لا تصلح على سواهم ولا يصلح الولاة من غيرهم " (3). وقال: " اللهم بلى لا تخلو الارض من قائم لله بحجة اما ظاهرا مشهورا أو خائفا مغمورا لئلا تبطل حجج الله وبيناته... " (4). وقال ابن كثير: " وفي التوراة التي بأيدى أهل الكتاب ما معناه: أن الله تعالى بشر ابراهيم باسماعيل وأنه ينميه ويكثره ويجعل من ذريته اثني عشر عظيما ". وقال: " قال ابن تيمية: وهؤلاء المبشر بهم في حديث جابر بن سمرة وقرر أنهم يكونون مفرقين في الامة ولا تقوم الساعة حتى يوجدوا ". وغلط كثير ممن تشرف بالاسلام من اليهود فظنوا أنهم الذين تدعو إليهم فرقة الرافضة فأتبعوهم (5). قال المؤلف: والبشارة المذكورة، أعلاه في سفر التكوين الاصحاح (17 / الرقم: 18 - 20).


(1) ابن كثير 6 / 248، وكنز العمال 13 / 27، وراجع شواهد التنزيل للحسكاني ج 1 / 455، ح 626. (2) ابن كثير 6 / 248. (3) نهج البلاغة الخطبة 142. (4) ينابيع المودة للشيخ سليمان الحنفي في الباب المائة ص 523، وراجع احياء العلوم للغزالي ج 1 / 54، وفي حلية الاولياء 1 / 80 بايجاز. (5) تاريخ ابن كثير 6 / 249 - 250.

[336]

في خلاصة الاحاديث الآنفة نستخلص مما سبق ونستنتج: أن عدد الائمة في هذه الامة اثنا عشر على التوالي، وان بعد الثاني عشر منهم ينتهي عمر هذه الدنيا. فقد ورد في الحديث الاول: " لا يزال هذا الذين قائما حتى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة... ". فان هذا الحديث يعين مدة قيام الدين ويحددها بقيام الساعة ويعين عدد الائمة في هذه الامة باثني عشر شخصا. وفي الحديث الخامس: " لن يزال هذا الدين قائما إلى اثني عشر من قريش فإذا هلكوا ماجت الارض بأهلها ". ويدل هذا الحديث على تأبيد وجود الدين بامتداد الاثني عشر وأن بعدهم تموج الارض ". وفي الحديث الثامن: حصر عددهم باثني عشر بقوله. " يكون بعدي من الخلفاء عدة اصحاب موسى ". ويدل هذا الحديث على أنه لا خليفة بعد الرسول عدا الاثني عشر. وأن الفاظ هذه الروايات المصرحة بحصر عدد الخلفاء بالاثني عشر وأن بعدهم يكون الهرج وتموج الارض وقيام الساعة تبين الفاظ الاحاديث الاخرى التي قد لا يفهم من الفاظها هذا التصريح. وبناءا على هذا لابد ان يكون عمر احدهم طويلا خارقا للعادة في اعمار البشر كما وقع فعلا في مدة عمر الثاني عشر من الائمة أوصياء النبي (ص). حيرتهم في تفسير الحديث لقد حار علماء مدرسة الخلفاء في بيان المقصود من الاثني عشر في الروايات المذكورة وتضاربت اقوالهم. فقد قال ابن العربي في شرح سنن الترمذي:

[337]

" فعددنا بعد رسول الله (ص) اثني عشر اميرا فوجدنا ابا بكر. عمر. عثمان. علي. الحسن. معاوية. يزيد. معاوية بن يزيد. مروان. عبد الملك بن مروان. الوليد. سليمان. عمر بن بعد العزيز. يزيد بن عبد الملك. مروان بن محمد بن مروان. السفاح... ". ثم عد بعده سبعا وعشرين خليفة من العباسين إلى عصره، ثم قال: " وإذا عددنا منهم اثني عشر انتهى العدد بالصورة إلى سليمان وإذا عددناهم بالمعني كان معنا منهم خمسة، الخلفاء الاربعة وعمر بن عبد العزيز ولم أعلم للحديث معنى. " (1). وقال القاضي عياض في جواب القول: أنه ولي اكثر من هذا العدد: " هذا اعتراض باطل، لانه (ص) لم يقل: لا يلي الا اثنا عشر، وقد ولي هذا العدد، ولا يمنع ذلك من الزيادة عليهم " (2). ونقل السيوطي في الجواب: " أن المراد: وجود اثني عشر خليفة في جميع مدة الاسلام إلى القيامة يعملون بالحق وان لم يتوالوا. " (3). وفي فتح الباري: " وقد مضى منهم الخلفاء الاربعة ولابد من تمام العدد قبل قيام الساعة " (4). وقال ابن الجوزي: " وعلى هذا فالمراد من (ثم يكون الهرج): الفتن المؤذنة بقيام الساعة من خروج الدجال وما بعده " (5). قال السيوطي: " وقد وجد من الاثني عشر الخلفاء الاربعة والحسن ومعاوية وابن الزبير وعمر بن عبد العزيز، هؤلاء ثمانية، ويحتمل ان يضم إليهم المهدى العباسي لانه في العباسيين كعمر بن عبد العزيز في الامويين، والطاهر العباسي ايضا لما أوتيه من العدل ويبقى


(1) شرح ابن العربي على صحيح الترمذي 9 / 68 - 69. (2) شرح النووي على مسلم 12 / 201 - 202 وفتح الباري 16 / 339 واللفظ منه وكرره في ص 341. (3) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 12. (4 و 5) فتح الباري 16 / 341، وتاريخ السيوطي ص 12.

[338]

الاثنان المنتظران احدهما المهدي لانه من أهل البيت " (1). وقيل: " المراد: ان يكون الاثنا عشر في مدة عزة الخلافة وقوة الاسلام واستقامة اموره، ممن يعز الاسلام في زمنه، ويجتمع المسلمون عليه " (2). وقال البيهقي: " وقد وجد هذا العدد بالصفة المذكورة إلى وقت الوليد بن يزيد بن عبد الملك ثم وقع الهرج والفتنة العظيمة ثم ظهر ملك العباسية، وانما يزيدون على العدد المذكور في الخبر، إذا تركت الصفة المذكورة فيه، أو عد منهم من كان بعد الهرج المذكور " (3). وقالوا: والذين اجتمعوا عليه: الخلفاء الثلاثة ثم علي إلى ان وقع امر الحكمين في صفين فتسمى معاوية يومئذ بالخلافة، ثم اجتمعوا على معاوية عند صلح الحسن، ثم اجتمعوا على ولده يزيد ولم ينتظم للحسين أمر بل قتل قبل ذلك، ثم لما مات يزيد اختلفوا إلى أن اجتمعوا على عبد الملك بن مروان بعد قتل ابن الزبير، ثم اجتمعوا على اولاده الاربعة: الوليد ثم سليمان ثم يزيد، ثم هشام، وتخلل بين سليمان ويزيد عمر بن عبد العزيز، والثاني عشر هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك اجتمع الناس عليه بعد هشام تولى اربع سنين (4). بناء على هذا فان خلافة هؤلاء الاثني عشر كانت صحيحة لاجماع المسلمين عليهم وكان الرسول قد بشر المسلمين بخلافتهم له في حمل الاسلام إلى الناس. قال ابن حجر عن هذا الوجه: " أنه أرجح الوجوه ". وقال ابن كثير: " ان الذي سلكه البيهقي ووافقه عليه جماعة من أن المراد هم الخلفاء المتتابعون إلى زمن الوليد بن يزيد بن عبد الملك الفاسق الذي قدمنا الحديث فيه بالذم والوعيد فانه


(1) الصواعق المحرقة ص 19، وتاريخ السيوطي ص 12. وعلى هذا يكون لاتباع مدرسة الخلفاء، امامان منتظران أحدهما المهدي في مقابل منتظر واحد لاتباع مدرسة أهل البيت. (2) اشار إليه النووي في شرح مسلم 12 / 202 - 203، وذكره ابن حجر في فتح الباري 16 / 338 - 341 والسيوطي في تاريخه ص 12. (3) نقله ابن كثير في تاريخه 6 / 249 عن البيهقي. (4) تاريخ الخلفاء ص 11، والصواعق ص 19، وفتح الباري 16 / 341.

[339]

مسلك فيه نظر، وبيان ذلك أن الخلفاء إلى زمن الوليد بن يزيد هذا اكثر من اثني عشر على كل تقدير، وبرهانه ان الخلفاء الاربعة، أبو بكر وعمر وعثمان وعلى خلافتهم محققة... ثم بعدهم الحسن بن على كما وقع لان عليا أوصى إليه، وبايعه أهل العراق... حتى اصطلح هو ومعاوية... ثم ابنه يزيد بن معاوية ثم ابنه معاوية بن يزيد، ثم مروان بن الحكم ثم ابنه عبد الملك بن مروان ثم ابنه الوليد بن عبد الملك، ثم سليمان بن عبد الملك، ثم عمر بن عبد العزيز، ثم يزيد بن عبد الملك، ثم هشام بن عبد الملك، فهؤلاء خمسة عشر، ثم الوليد بن يزيد بن عبد الملك، فان اعتبرنا ولاية ابن الزبير قبل عبد الملك صاروا ستة عشر، وعلى كل تقدير فهم اثنا عشر قبل عمر بن عبد العزيز، وعلى هذا التقدير يدخل في الاثني عشر يزيد بن معاوية ويخرج عمر بن عبد العزيز، الذي اطبق الائمة على شكره وعلى مدحه وعدوه من الخلفاء الراشدين، واجمع الناس قاطبة على عدله، وان ايامه كانت من أعدل الايام حتى الرافضة يعترفون بذلك، فان قال: أنا لا اعتبر الا من اجتمعت الامة عليه لزمه على هذا القول ان لا يعد علي بن ابي طالب ولا ابنه، لان الناس لم يجتمعوا عليهما وذلك ان أهل الشام بكمالهم لم يبايعوهما. وذكر: أن بعضهم عد معاوية وابنه يزيد وابن ابنه معاوية بن يزيد، ولم يقيد بأيام مروان ولا ابن الزبير، لان الامة لم تجتمع على واحد منهما، فعلى هذا نقول في مسلكه هذا عاد للخلفاء الثلاثة، ثم معاوية، ثم يزيد، ثم عبد الملك، ثم الوليد بن سليمان، ثم عمر بن عبد العزيز، ثم يزيد، ثم هشام، فهؤلاء عشرة، ثم من بعدهم الوليد بن يزيد بن عبد الملك الفاسق، ويلزمه منه اخراج علي وابنه الحسن وهو خلاف ما نص عليه أئمة السنة بل الشيعة (1). ونقل ابن الجوزي في " كشف المشكل " وجهين في الجواب: اولا: " انه (ص) اشار في حديثه إلى ما يكون بعده وبعد اصحابه، وان حكم اصحابه مرتبط بحكمه، فأخبر عن الولايات الواقعة بعدهم فكأنه اشار بذلك إلى عدد الخلفاء من بني امية، وكأن قوله: " لا يزال الدين " أي الولاية إلى أن يلي اثنا عشر


(1) تاريخ ابن كثير 6 / 249 - 250.

[340]

خليفة، ثم ينتقل إلى صفة أخرى أشد من الاولى، واول بني أمية يزيد بن معاوية واخرهم مروان الحمار، وعدتهم ثلاثة عشر، ولا يعد عثمان ومعاوية ولا ابن الزبير لكونهم صحابة، فإذا أسقطنا منهم مروان بن الحكم للاختلاف في صحبته، أو لانه كان متغلبا بعد ان اجتمع الناس على عبد الله بن الزبير صحت العدة، وعند خروج الخلافة من بني أمية وقعت الفتن العظيمة والملاحم الكثيرة حتى استقرت دولة بني العباس، فتغيرت الاحوال عما كانت عليه تغييرا بينا " (1). وقد رد ابن حجر في " فتح الباري " على هذا الاستدلال. ونقل ابن الجوزي الوجه الثاني عن الجزء الذي جمعه ابو الحسين بن المنادى في المهدي، وأنه قال: " يحتمل أن يكون هذا بعد المهدي الذي يخرج في آخر الزمان، فقد وجدت في كتاب دانيال: إذا مات المهدي ملك بعده خمسة رجال من ولد السبط الاكبر، ثم خمسة من ولد السبط الاصغر، ثم يوصي آخرهم بالخلافة لرجل من ولد السبط الاكبر، ثم يملك بعده ولده فيتم بذلك اثنا عشر ملكا كل واحد منهم امام مهدي، قال: وفي رواية... ثم يلي الامر بعده اثنا عشر رجلا: ستة من ولد الحسن وخمسة من ولد الحسين، وآخر من غيرهم، ثم يموت فيفسد الزمان. " علق ابن حجر على الحديث الاخير في صواعقه وقال: " ان هذه الرواية واهية جدا فلا يعول عليها. " (2) وقال قوم: " يغلب على الظن انه عليه الصلاة والسلام اخبر - في هذا الحديث - باعاجيب تكون بعده من الفتن حتى يفترق الناس في وقت واحد على اثني عشر أميرا، ولو اراد غير هذا لقال: يكون اثنا عشر أميرا يفعلون كذا فلما أعراهم عن الخبر عرفنا أنه أراد انهم يكونون في زمن واحد... " (3). قالوا: " وقد وقع في المائة الخامسة، فانه كان في الاندلس وحدها ستة أنفس كلهم


(1) فتح الباري 16 / 340. (2) فتح الباري 16 / 341، والصواعق المحرقة لابن حجر ص 19. (3) فتح الباري 16 / 338.

[341]

يتسمى بالخلافة ومعهم صاحب مصر والعباسية ببغداد إلى من كان يدعى الخلافة في اقطار الارض من العلوية والخوارج " (1). قال ابن حجر: " وهو كلام من لم يقف على شئ من طرق الحديث غير الرواية التي وقعت في البخاري هكذا مختصرة... " (2). وقال: " ان وجودهم في عصر واحد يوجد عين الافتراق فلا يصح ان يكون المراد " (3). في الاحاديث السابقة ونظائرها نص رسول الله على مرجع الامة من بعده وانهم عترته أهل بيته وأن عددهم اثنا عشر. هكذا لم يتفقوا على رأي في تفسير الحديث ولست ادري لم لم يقل واحد منهم ان مدرسة اهل البيت (ع) ترى مصداق هذا الحديث واكمال العدد في الائمة الاثنى عشر من ال بيت رسول الله (ص)، ولا يتحقق هذا العدد في غيرهم كما رأينا ذلك انفا.


(1) شرح النووي 12 / 202، وفتح الباري 16 / 339، واللفظ للاخير. (2) فتح الباري 16 / 338. (3) فتح الباري 16 / 339.

[343]

معالم المدرستين - القسم الاول البحث الثاني الفصل الرابع خلاصة بحث الامامة لدى المدرستين

[345]

الواقع التاريخي لاقامة الخلافة في صدر الاسلام ينبغي أن ندرس الواقع التاريخي لاقامة الخلافة قبل البدء بعرض آراء المدرستين في الخلافة والامامة. بداية الامر: عقد رسول الله في مرض وفاته لواء بيده لمولاه أسامة بن زيد وأمره على جيش فيه المهاجرون والانصار، مثل أبي بكر وعمر وأبي عبيدة وسعد بن أبي وقاص، فعسكر بالجرف وغضب عليهم لما تكلموا في تأميره أسامة عليهم وقال: انه لخليق بالامارة، فذهبوا إلى معسكرهم وثقل رسول الله فجاء أسامة وودعه، وقال الرسول انفذوا بعث أسامة، وفي ما هموا بالرحيل يوم الاثنين جاءهم الخبر أن الرسول قد حضر (1)، فأقبلوا إلى المدينة، وحضروا في بيت الرسول فقال هلموا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا. فقال عمر ان النبي غلبه الوجع وعندكم كتاب الله، فحسبنا كتاب الله، فلما أكثروا اللغط والاختلاف قال: قوموا عني، لا ينبغي عند نبي التنازع. قال ابن عباس: فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي التنازع، فقالوا هجر رسول الله، وبكى ابن عباس حتى خضب دمعه الحصباء. موقف الخليفة عمر: توفي الرسول وأبو بكر غائب بالسنح فأخذ عمر يقول: ما مات رسول الله


(1) حضر: حضره الموت.

[346]

ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى وغاب عن قومه أربعين ليلة، والله ليرجعن رسول الله فليقطعن أيدي رجال يزعمون انه مات. وقال: من قال انه مات علوت رأسه بسيفي، فتلوا عليه الاية " وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ". وقال له العباس: ان رسول الله قد مات، هل عند أحدكم عهد من رسول الله في وفاته فليحدثنا. لم ينته عمر من كلامه وتهديده حتى ازبد شدقاه، ولما أقبل الخليفة أبو بكر وتلا الاية سكت عمر. سقيفة بني ساعدة وبيعة أبي بكر اجتمعت الانصار في سقيفة بني ساعدة وجثمان رسول الله (ص) بين أهله يغسلونه، وأخرجوا سعد بن عبادة - وكان مريضا - فذكر سابقة الانصار وقال: استبدوا بهذا الامر، فأجابوا قد وفقت في الرأي ولن نعدو ما رأيت، نوليك هذا الامر، فسمع بذلك أبو بكر وعمر فأسرعا مع جماعتهم إلى السقيفة، وذكر أبو بكر سابقة المهاجرين وقال: هم أولياؤه وعشيرته وأحق الناس بهذا الامر من بعده ولا ينازعهم ذلك الا ظالم. فقال الحباب بن المنذر: يا معشر الانصار أملكوا عليكم أمركم، فان الناس في فيئكم ولن يجترئ مجترئ على خلافكم فان أبى هؤلاء الا ما سمعتم، فمنا أمير ومنهم أمير. فقال عمر: هيهات لا يجتمع اثنان في قرن... لا ترضى العرب أن يؤمروكم ونبيها من غيركم. وهدد أحدهما الاخر بالقتل. فقالت الانصار أو بعض الانصار: لا نبايع الا عليا، فتخوف عمر من الاختلاف وقال لابي بكر ابسط يدك أبايعك وسبقه بشير بن سعد وبايع فناداه الحباب بن المنذر: عققت عقاق أنفست على ابن عمك الامارة ؟ وبايع عمر وأبو عبيدة، وقالت الاوس لئن وليتها الخزرج مرة لا زالت لهم الفضيلة عليكم وما جعلوا لكم فيها نصيبا، فبايعوا أبا بكر، فانكسر على سعد بن عبادة

[347]

والخزرج وكادوا يطؤون سعد بن عبادة، فقال أصحابه اتقوا سعدا لا تطؤوه. فقال عمر: اقتلوه قتله الله. ثم قام على رأسه فقال لقد هممت أن أطأك حتى تندر (1) عضوك فأخذ قيس بن سعد بلحية عمر فقال والله لو حصصت منه شعرة ما رجعت وفي فيك واضحة. فقال أبو بكر: مهلا يا عمر الرفق هاهنا أبلغ، فأعرض عنه عمر. فحمل سعد إلى بيته. وأخرج أبو بكر من السقيفة، وجاءت قبيلة أسلم فبايعت فانتصر بهم أبو بكر، وأقبلت الجماعة تزفه إلى مسجد رسول الله فصعد المنبر، وشغلوا عن دفن رسول الله حتى كان يوم الثلاثاء، فجاؤوا إلى المسجد ثانية فجلس أبو بكر على منبر رسول الله ووقف عمر وقال: ان قوله بالامس لم يكن من كتاب الله ولا عهدا من رسوله ولكنه كان يرى أن الرسول صلى الله عليه وآله سيدبر أمرهم ويكون آخرهم، وان الله أبقى فيهم القرآن يهتدون به وقد جمع أمركم على صاحب رسول الله، قوموا فبايعوه، فبايعه الناس عندئذ بعد بيعة السقيفة ثم خطب أبو بكر فقال قد وليت عليكم ولست بخيركم فان أحسنت فأعينوني... شغلوا عن رسول الله بقية الاثنين وليلة الثلاثاء ويوم الثلاثاء، وصلى المسلمون على رسول الله زمرا زمرا، وخلى أصحاب رسول الله بين جثمانه وبين أهله، فولوا أجنانه (2) ولم يشهد أبو بكر وعمر غسل الرسول صلى الله عليه وآله وتكفينه ودفنه. قالت عائشة: ما علمنا بدفن الرسول حتى سمعنا صوت المساحي من جوف الليل. وتخلف عن بيعة أبي بكر قوم من المهاجرين والانصار وبني هاشم ومالوا مع علي بن أبي طالب. فذهبوا إلى العباس ليستميلوه فجابههم بالرد. وتحصن في دار فاطمة جماعة من بني هاشم وجمع من المهاجرين والانصار، فبعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليخرجهم من بيت فاطمة وقال له: ان أبوا فقاتلهم. فأقبل بقبس نار على أن يضرم عليهم الدار، فلقيتهم فاطمة فقالت يا بن


(1) تندر عضوك: حتى تسقط اعضاؤك. (2) تولوا دفنه.

[348]

الخطاب أجئت لتحرق دارنا ؟ قال: نعم أو تدخلوا في ما دخلت فيه الامة. واليه أشار أبو بكر في مرض موته حين قال: " أما اني لا آسي على شئ في الدنيا الا على ثلاث فعلتهن وددت اني لم أفعلهن... فوددت أني لم أكشف عن بيت فاطمة ولو أغلق على حرب... ". ثم ان عليا حمل فاطمة ليلا إلى بيوت الانصار يسألهم النصرة وتسألهم فاطمة الانتصار له، فكانوا يقولون: يا بنت رسول الله مضت بيعتنا لهذا الرجل ولو كان ابن عمك سبق الينا أبا بكر ما عدلنا به، فيقول علي: أفكنت أترك رسول الله (ص) في بيته لم أجهزه وأخرج إلى الناس أنازعهم في سلطانه ؟ وتقول فاطمة ما صنع أبو الحسن الا ما كان ينبغي له، ولقد صنعوا ما الله حسبهم. وكان معاوية يعير أمير المؤمنين عليا بهذا الموقف ويقول: " وأعهدك أمس. تحمل قعيدة بيتك ليلا على حمار ويداك في يدي ابنيك الحسن والحسين يوم بويع أبو بكر الصديق، فلم تدع أحدا من أهل بدر والسوابق الا دعوتهم إلى نفسك ومشيت إليهم بامرأتك وأدللت إليهم بابنيك واستنصرتهم على صاحب رسول الله... فلم يجبك منهم الا أربعة أو خمسة... ومهما نسيت فلا أنسى قولك لابي سفيان لما حركك وهيجك: لو وجدت أربعين ذوي عزم لناهضتهم. وروى البخاري ما دار بين ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله وأبي بكر وقال: فهجرته فاطمة فلم تكلمه حتى توفيت بعد ستة أشهر، ودفنها زوجها ولم يؤذن بها أبا بكر، وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة فلما توفيت انصرفت وجوه الناس عن علي فلم يبايع علي ستة أشهر ولا أحد من بني هاشم حتى بايعه علي، فلما رأى علي انصراف وجوه الناس عنه ضرع إلى مصالحة أبي بكر. وقال البلاذري ولم يخرج أحد إلى قتال العدو قبل أن يبايع علي. وممن تخلف عن بيعة أبي بكر: فروة بن عمرو، وخالد وأبان وعمر بنو سعيد الاموي، فلما بايع بنو هاشم بايعوا. وسعد بن عبادة لم يبايع، وأشار الانصار أن يتركوه فانه لا يبايع حتى يقتل وليس بمقتول حتى يقتل معه ولده وأهل بيته وطائفة من عشيرته فتركوه، فقال له عمر في أول خلافته من كره جوار جار تحول عنه، فذهب إلى الشام، فبعث عمر رجلا، فقال: ادعه إلى البيعة واحتل له فان أبى فاستعن الله عليه، فذهب الرجل إلى الشام

[349]

ووجد سعدا بحوارين من قرى حلب فدعاه إلى البيعة فأبي فرماه بسهم فقتله. بيعة عمر لما حضر (1) أبو بكر دعا عثمان خاليا فقال: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد به أبو بكر بن أبي قحافة إلى المسلمين، أما بعد - فأغمي عليه - فكتب عثمان: فاني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ولم الكم خيرا، ثم أفاق أبو بكر فقرأها عليه فأقرها أبو بكر. ثم جاء عمر مع الكتاب إلى مسجد الرسول (ص) وقال للناس: اسمعوا وأطيعوا قول خليفة رسول الله (ص) انه يقول: اني لم الكم نصحا. وهكذا بايع الناس عمر. الشورى وبيعة عثمان لما طعن عمر قيل له: لو استخلفت، قال: لو كان سالم حيا لاستخلفته، ولو كان أبو عبيدة حيا لاستخلفته، ثم قال: لاجعلنها شورى بين ستة، وعينهم من قريش، وولى أبو طلحة زيد بن سهل الخزرجي على خمسين من الانصار، وأمر صهيبا أن يصلي بالناس ثلاثة أيام، فإذا انتهت الايام الثلاثة واتفقوا على واحد فليضرب أبو طلحة عنق الذي يخالف، وان اجتمع ثلاثة على رجل وثلاثة على رجل كانوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، وان صفق عبد الرحمن باحدى يديه على الاخرى، عليهم أن يتبعوه ومن أبى ضربوا عنقه، فلما توفي الخليفة قال عبد الرحمن: اني أخرج نفسي منها وسعدا على أن أختار أحدكم فأجابوا الا عليا وأحلف عبد الرحمن أن لا يميل إلى هوى وأن يؤثر الحق وأن لا يجابي ذا قرابة، فحلف له فقال: اختر مسددا. ثم اجتمعوا في مسجد الرسول فمد يده إلى علي وقال: امدد يدك أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله وسيرة الشيخين، فقال: أسير فيكم بكتاب الله وسنة نبيه ما استطعت. ثم مد يده إلى عثمان فوافق على ذلك. ثم مد يده إلى علي فقال مثل مقالته الاولي فأجابه مثل الجواب الاول. ثم قال لعثمان مثل المقالة الاولى فأجابه مثل ما كان أجابه، ثم اتجه إلى علي


(1) حضر: حضرته الوفاة.

[350]

فقال له مثل المقالة الاولى. فقال الامام على ان كتاب الله وسنة نبيه لا يحتاج معهما إلى طريقة أحد، أنت مجتهد أن تزوي هذا الامر عني. فاتجه عبد الرحمن إلى عثمان وأعاد عليه القول فأجابه به مثل بذلك الجواب، فصفق على يده وبايعه، فقال الامام علي لعبد الرحمن حبوته حبوة دهر، ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا، فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون، والله ما وليت عثمان الا ليرد الامر اليك، والله كل يوم في شأن. وبايع أصحاب الشورى عثمان، وكان علي قائما فخرج مغضبا فقال له عبد الرحمن بايع والا ضربت عنقك، ولم يكن يومئذ سيف مع أحد، ولحقه أصحاب الشورى فقالوا: بايع والا جاهدناك، فأقبل معهم حتى بايع عثمان. بيعة الامام علي لما قتل عثمان ورجع إلى المسلمين أمرهم وانحلوا من كل بيعة سابقة تهافتوا على الامام علي، اجتمع المهاجرون والانصار فيهم طلحة والزبير فاتوا عليا فقالوا: هلم نبايعك فقال: لا حاجة لي في امركم انا معكم، إن اخترتم فقد رضيت به فقالوا: والله ما نختار غيرك فاختلفوا إليه مرارا ثم أتوه في آخر ذلك فقالوا: انه لا يصلح الناس الا بامرة وقد طال الامر " لا والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك، قال ففي المسجد فان بيعتى لا تكون خفيا ولا تكون الا عن رضى المسلمين، فاجتمعوا في المسجد يهرعون إليه، واول من صعد إليه فبايعه طلحة ثم تتابع المهاجرون والانصار ثم سائر الناس فبايعوا عليا. بعد هذا العرض ندرس في ما يأتي اراء المدرستين في امر الامامة والخلافة.

[351]

أقوال مدرسة الخلفاء في أمر الخلافة اولا - الخليفة أبو بكر، قال يوم السقيفة: لن يعرف هذا الامر الا لهذا الحي من قريش هم اوسط العرب نسبا ودارا وقال: رضيت لكم عمر وأبا عبيدة فبايعوا ايهما شئتم (1). وفي رواية قال: هم اولياؤه وعشيرته واحق الناس بهذا الامر من بعده ولا ينازعهم ذلك الا ظالم (2). ثانيا - قال عمر في السقيفة مخاطبا للانصار: " والله لا ترضى العرب ان يؤمروكم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا تمتنع ان تولي امرها من كانت النبوة فيهم وولي امورهم منهم، ولنا بذلك على من ابى الحجة الظاهرة والسلطان المبين، من دا ينازعنا سلطان محمد وامارته ونحن اولياؤه وعشيرته الا مدل بباطل أو متجانف لاثم أو متورط في هلكة ؟ (3) وقال في آخر شهر من عمره عندما بلغه أن احدهم يقول: لو قد مات امير المؤمنين بايعت فلانا.


(1) البخاري، كتاب الحدود، باب: رجم الحبلى، 4 / 120. (2) تاريخ الطبري، ط / اوروبا، ج 1 / 1840. (3) تاريخ الطبري، ط / اوروبا، ج 1 / 1841.

[352]

فقال عمر: " من بايع رجلا من المسلمين على غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا " (1). وقال عند ما طعن وعين الستة للشورى: لو أدركني أحد رجلين فجعلت هذا الامر إليه لوثقت به، سالم مولى أبي حذيفة، وأبي عبيدة الجراح (2). وقال: لو كان سالم حيا ما جعلتها شورى (3). ثالثا - أتباع مدرسة الخلفاء قالوا: تنعقد الامامة بعهد الامام من قبل لان أبا بكر عهد بها لعمر ولم تتوقف على رضا الصحابة، وتنعقد أيضا باختيار أهل الحل والعقد واختلفوا في عددهم، فمن قائل تنعقد ببيعة خمسة لان الذين بايعوا أبا بكر ايضا كانوا خمسة، ولان عمر جعلها في ستة ليبايع خمسة منهم السادس. وقال الاكثر منهم تنعقد بواحد، لان العباس قال لعلي امدد يدك أبايع ولانه حكم، وحكم حاكم واحد نافذ. وقالوا: " ومن غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين فلا يحل لاحد يؤمن بالله واليوم الاخر ان يبيت ولا يراه اماما برا كان أو فاجرا فهو أمير المؤمنين. ورووا أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: تسمع وتطيع للامير وان ضرب ظهرك وأخذ مالك. وان الخليفة لا ينعزل بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق ولا يخلع ولا يجوز الخروج عليه بذلك بل يجب وعظه وتخويفه للاحاديث الواردة بذلك. كانت هذه آراء أتباع مدرسة الخلافة وينبغي لنا أن ندرس المصطلحات التي


(1) البخاري، باب رجم الحبلى، 4 / 120. (2) طبقات ابن سعد 3 / 343. (3) بترجمة سالم من الاستيعاب واسد الغابة 2 / 246.

[353]

تدور في هذا البحث أولا ثم نناقش الاراء المذكورة. تعريف المصطلحات اولا: الشورى التشاور والمشاورة في لغة العرب: استخراج الرأي بمراجعة البعض البعض الاخر وبهذا المعنى ورد في قوله تعالى " وأمرهم شورى بينهم " أي يتشاورون في أمورهم فالكلمة ليست مصطلحا شرعيا. ثانيا: البيعة أ) البيعة في لغة العرب: الصفقة على ايجاب البيع، وصفق يده وعلى يده بالبيعة والبيع: ضرب بيده على يده عند وجوب البيع، وتصافقوا: تبايعوا. وكانت العرب تعقد الحلف والعهد بأساليب مختلفة، مثل انهم كانوا يضعون أيديهم في جفنة مملوءة طيبا ويتعاهدون على أمر، أو في جفنة مملوءة دما. ب) البيعة في الاسلام علامة على معاهدة المبايع المبايع له أن يبذل له الطاعة في ما تقرر بينهما ويقال بايعه عليه مبايعة أي عاهده عليه، قال الله تعالى " ان الذين يبايعونك انما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم... " وأول بيعة أخذها رسول الله من المسلمين في العقبة الاولى كانت على الاسلام. والثانية: البيعة الثانية الكبرى أيضا بالعقبة بايعهم على الحرب لاقامة المجتمع الاسلامي، وسميت البيعة الاولى بيعة النساء لان البيعة كانت على الاسلام دونما قتال. والبيعة الثالثة: أخذها تحت الشجرة في الحديبية عندما ندب الناس إلى العمرة، فخرجوا محرمين للعمرة، ولما صدتهم قريش عن البيت وتهيأت للقتال، تبدلت السفرة من العمرة إلى القتال وكانت الحالة الثانية مخالفة لما انتدبهم إليها فاقتضت الحالة أن يأخذ منهم البيعة على العمل الجديد وغير المعهود، وفعل ذلك وأعطت البيعة ثمرها في ارعاب أهل مكة، وعلى ما ذكرنا قامت البيعة الاولى على الاسلام دونما قتال، والثانية على اقامة الدولة الاسلامية والقتال من أجلها، والثالثة البيعة على

[354]

القتال في تلك السفرة، هذا ما كان في سيرة رسول الله من أمر البيعة. وورد في حديثه (ص) أنه كان يأخذ البيعة على الطاعة في ما يستطيعون ولم يكن يبايع الغلام غير البالغ شرعا. ويتضح لنا من دراسة سيرة الرسول صلى الله عليه وآله أن للبيعة ثلاثة ركان: أ) المبايع. ب) المبايع له. ج) المعاهدة على الطاعة. وتقوم البيعة على تفهم ما يطلب الطاعة بالقيام به ثم تنعقد المعاهدة بضرب المبايع على يد المبايع له والبيعة على هذا مصطلح شرعى وشروط تحقق البيعة وفق الشرع الاسلامي غير واضحة للكثير من المسلمين وهي: أ) أن يكون المبايع ممن تصح منه البيعة فلا تصح من صبي أو من مجنون لانهما غير مكلفين شرعا، وأن يكون مختارا لان البيعة كالبيع لا ينعقد بأخذ المال من صاحبه قهرا ودفع الثمن له، ولا تنعقد البيعة بأخذها بالجبر وبحد السيف. ب) أن لا يكون المبايع له من المتجاهرين بالمعصية لان الرسول (ص) قال " لا طاعة لمن عصى الله تبارك وتعالى " (1). ج) لا تصح البيعة للقيام بما نهى الله عنه وخلافا لاوامره وأوامر الرسول لان الرسول قال " فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة " (2). ثالثا ورابعا: الخليفة وأمير المؤمنين أ) الخلافة في لغة العرب: النيابة عن الغير، والخليفة: من يقوم مقام الغير ويسد مسده. وبهذا المعنى ورد في القرآن الكريم مثل: " يا داود إنا جعلناك خليفة في الارض " وفي حديث الرسول: " اللهم ارحم خلفائي " وقال في تعريف الخلفاء: " الذين يأتون بعدي يروون حديثي وسنتي ". إذا فالخليفة في القرآن والحديث ليست اسما للذي يحكم باسم النيابة عن


(1 و 2) راجع فصل المصطلحات، خامسا: البيعة.

[355]

رسول الله (ص)، وكذلك كان الامر إلى زمان الخليفة عمر حيث كان يقال له: خليفة خليفة رسول الله، ثم قيل له: أمير المؤمنين، وبقي الامر كذلك إلى عصر العباسيين وعلى عهدهم كانوا يصفونهم بخليفة الله إلى جنب تسميتهم بأمير المؤمنين وفي عصر العثمانين سموا الحاكم الاسلامي الاعلى بالخليفة وبقيت هذه التسمية متداولة بين المسلمين حتى اليوم. إذا فان لفظ الخليفة من مصطلحات المسلمين وليست مصطلحا شرعيا وكذلك أمير المؤمنين. خامسا: الامام الامام في اللغة: من يأتم به الناس، وبهذا المعنى ورد في القرآن الكريم غير أنه قيد الامامة بشروط ذكرها في قوله تعالى لابراهيم: " انا جعلناك للناس اماما " وقوله " لا ينال عهدي الظالمين ". إذا فالامامة جعل من الله وعهد لا يناله من اتصف بالظلم سواء أكان ظالما لنفسه أو لغيره وبذلك أصبح " الامام " مصطلحا شرعيا وتسمية اسلامية. سادسا: الامر واولوا الامر ان الامر استعمل في لغة العرب وعرف المسلمين والنصوص الاسلامية بمعنى الولاية على الناس والحكم. اما أولوا الامر فيصح اعتباره مصطلحا اسلاميا لوروده في القرآن بمعنى الولاية على الناس في قوله تعالى: " اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولى الامر منكم " (1) وتختلف المدرستان في تشخيص اولى الامر وولي الامر بعد رسول الله صلى الله وعليه وآله، فان مدرسة أهل البيت ترى أن تعيين الامام وولي الامر بعد الرسول إلى الله، يعين من يشاء ويبلغ الرسول امته بذلك وترى مدرسة الخلافة انه يتعين بالبيعة وبالاستيلاء على الحكم بالقهر والغلبة، وبعد استيلائه على الحكم كيف ما كان يجب طاعته. ومن ثم أطاعوا الخليفة يزيد وقتلوا وسبوا ذرية الرسول وأباحوا مدينة الرسول وقتلوا البقية من أصحابه والتابعين ورموا الكعبة بالمنجنيق، وبعد كل تلكم الافعال لا يزالون يسمونه بأمير المؤمنين إلى عصرنا الحاضر.


(1) النساء / 59.

[356]

مناقشة آراء مدرسة الخلفاء في امر الخلافة والامامة اولا: الشورى ان اول من ذكر الشورى لاقامة الخلافة هو الخليفة عمر بن الخطاب، ولم يستند في ذلك إلى دليل من الكتاب والسنة بل اعتمد اجتهاده الخاص فمن اتخذ سيرة الصحابة واقوالهم في عداد كتاب الله وسنة رسوله من مصادر الشريعة الاسلامية فله ان يتخذ من السنة العمرية هذه سندا لهذا الحكم في اقامة الخلافة. على ان سنته هذه مخالفة لسنته وسنة الخليفة الاول ابي بكر في اقامة حكم الخليفة الاول ابي بكر فانها كانت فلتة حسب تعبير الخليفة عمر وتقييمه لها وكذلك مخالفة - ايضا - لسنتهما في اقامة حكم الخليفة الثاني عمر بن الخطاب فان الخليفة الاولى ولى الخليفة عمر على المسلمين من بعده وكلاهما لم يستشيرا المسلمين في كلا المقامين، ومخالفة - ايضا - لقول الخليفة عمر: لو كان ابو عبيدة حيا لاستخلفته ولو كان سالم مولى ابي حذيفة حيا لاستخلفته، فان هذا القول يخالف الالتزام بالشورى ! وعلى فرض صحة اقامة الخلافة على اساس الشورى العمرية، فكيف ينبغى ان تكون الشورى، وكم ينبغى ان يكون عدد المتشاورين في الاغلب قالوا ينحصر عدد المتشاورين في ستة، يبايع خمسة منهم السادس، أضف إلى ما سبق السؤال عن المبرر لاعطاء عبد الرحمن بن عوف خاصة حق اتخاذ القرار النهائي من دون الآخرين في تلك الشورى ثم ما المبرر لقتل من خالف قرار عبد الرحمن ورأيه ! ثم من الذي كان يخشى منه المخالفة لرأي عبد الرحمن من دون الآخرين واخيرا هل اتبعت مدرسة الخلافة الشورى

[357]

العمرية مرة واحدة واقامت الخلافة كذلك لواحد من الخلفاء طوال القرون. هذه اسئلة تتوارد على الشورى العمرية. اما ما استدل بها اتباع مدرسة الخلفاء في هذا الصدد فما كان من استدلالهم بالآية الكريمة: " وأمرهم شورى بينهم " فانه لا يستفاد منها اكثر من رجحان التشاور بين المؤمنين في امورهم، فان سبحانه وتعالى لو أراد الوجوب في هذا الآمر لقال: كتب الله على المؤمنين أو قال: فرض عليهم إلى ما شابههما من الالفاظ الدالة على وجوب الفعل على المؤمنين. وما كان من استدلالهم بآية " وشاورهم في الامر " فقد اوضحنا في ما سبق بان الآية في مقام توجيه الرسول ان يدعو المسلمين إلى القتال باسلوب المشاورة، وليس باسلوب الملوك الجبابرة الذين يلقون اوامرهم إلى الناس بقولهم مثلا: اصدرنا امرنا الملكى بكذا. وقد صرح الجليل سبحانه بعد هذه الجملة بأن رأى المسلمين ليس ملزما لرسول الله صلى الله عليه وآله حيث قال: " وإذا عزمت فتوكل " إذا فالقيام بالعمل يكون على اساس عزم الرسول وليس على ما يرتأيه المؤمنون ويوضح ذلك بحلاء الامثلة التى ذكرناها من مشاورة الرسول مع المسلمين في موارد كانت عاقبة الامر معلومة لرسول الله مسبقا مثل مشاورته اياهم للقتال في غزوة بدر. ثم ان مشاوراته (ص وآله) كانت في مقام استجلاء رأى المسلمين في كيفية تنفيذ الاحكام الاسلامية وليست في مقام استنباط الحكم الشرعي بالتشاور، أضف إلى كل ذلك ان الله تعالى قال: " وما كان لمؤمن ولا لمؤمنة إذا قضى الله ورسوله امرا ان يكون لهم الخيرة من امرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا " إذا فان رجحان المشاورة ينحصر بمورد لم يقض الله ورسوله فيه أمرا وفي ما قضى الله ورسوله فيه امرا تكون المشاورة معصية لله ورسوله وضلالا مبينا. ثانيا: البيعة عرفنا مما سبق: ان البيعة لا تنعقد للقيام بمعصية الخالق ولا لمتجاهر بمعصية الخالق ولا بالاكراه وحد السيف. اما اصحاب مدرسة الخلافة فانهم قالوا: تنعقد الخلافة ببيعة خمسة وقال بعضهم: تنعقد ببيعة واحد وحضور شاهدين، واستدلوا بعمل الصحابة.

[358]

ثالثا: عمل الصحابة يصح الاستدلال بعمل الصحابة في ما إذا اعتقدنا ان سيرة الصحابة مثل كتاب الله وسنة رسوله مصدر للتشريع الاسلامي، ثم ان عمل الصحابة يخالف بعضه البعض الآخر كما رأينا في ما سبق ومن ثم وقع الخلاف في آراء اتباع مدرسة الخلافة كما شاهدنا في ما سبق وعلى هذا بعمل اي من الصحابة نقتدى وقول من منهم ومن الاتباع نأخذ ! ؟ الاستدلال بكلام الامام علي: اما ما استدلوا به من كلام للامام علي فانه كان في مقام الاحتجاج على معاوية وجماعته بما التزموا به. على ان اجماع الصحابة بما فيهم الامام علي وسبطا الرسول الحسن والحسين حجة. وهذا هو مفهوم كلام الامام المذكور. وجوب طاعة الحاكم وعدم عزله بالفسق واعلان المعصية: قالوا: لا ينعزل الحاكم الذي سموه بالامام بالفسق والفجور واعلان المعصية. وقالوا: على المسلم السمع والطاعة للامام الفاسق وان ضرب ظهره واخذ ماله، ولا يجوز الخروج عليه. وقالوا: ان يزيد بن معاوية المتجاهر بالفسق والفجور بالبيعة أصبح أمير المؤمنين، ونتيجة لاعتقادهم بصحة بيعته استطاع ان يجهز جيشا من المعتقدين بصحة بيعته ويقتل بهم ذرية الرسول بكربلاء ويسبيهم ويسير بهم اسرى من كربلاء إلى عاصمة ملكه الشام. وبنتيجة تلك البيعة استطاع ان يجهز جيشا آخر من المعتقدين بصحة بيعته ويغزو بهم مدينة الرسول ويبيحها لجيشه ثلاثة ايام فقتلوا جمعا من اصحاب الرسول وتابعيهم وأخذوا البيعة من الآخرين على انهم عبيد أقنان ليزيد وهتكوا أعراضهم وفعلوا ما شاءوا من جرائم لم يشهد المسلمون نظيرها في تاريخهم الطويل ثم غزا بهم مكة فضربوا بيت الله الحرام والكعبة بالمنجنيق. وبعد كل تلك الجرائم يلقبونه بامير المؤمنين حتى اليوم ويكتبون في مدحه الكتب وينشرون وانا الله وانا إليه راجعون.

[359]

الامامة لدى مدرسة اهل البيت (ع) كانت تلكم اراء مدرسة الخلفاء في الامامة والخلافة وادلتهم، اما مدرسة اهل البيت فانها تستدل بخطاب الله لابراهيم وقوله له: " انا جعلناك للناس اماما " وجواب الله لطلب ابراهيم حين قال " ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين " على ان الامامة عهد من الله لا يناله الظالم لنفسه أو لغيره وتستدل بقوله تعالى في حق اهل البيت " انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا " على عصمة اهل البيت محمد واهل بيته صلوات الله عليهم اجمعين من الذنوب، وكذلك تستشهد بسيرة اهل البيت التى لم يسجل منهم في التاريخ امر مخالف للعصمة. اما الادلة على امامتهم فاننا إذا درسنا سيرة الرسول في أمر تعيين ولي الامر من بعده نجد انه لم يغب عن بال الرسول ومن حوله امر الامامة من بعده فان بعضهم طلب من الرسول ان يكون لهم الامر من بعده فاجابه الرسول: الامر إلى الله يضعه حيث يشاء واخذ منهم البيعة في اقامة المجتمع الاسلامي " ان لا ينازعوا الامر أهله " وعين الامام عليا في اول يوم دعا إلى الاسلام وزيرا له وخليفة من بعده وشاهدناه - ايضا - يستخلف على المدينة كلما غاب عنها لامر ما وان كانت المسافة ميلا أو اقل من ذلك. وكذلك لم يترك امته هملا ابد الدهر بل عين ولي الامر من بعده في اماكن مختلفة وازمنة متعددة باقوال تواترت عنه مثل قوله صلى الله عليه وآله: علي ولي كل مؤمن بعدى. علي وليكم من بعدي.

[360]

علي مني بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعدي. وفي غدير خم لما امره الله ان يعين ولي الامر من بعده ونزلت آية " يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس " صعد منبرا من احداج الابل ورفع عليا وقال: الله مولاي وانا مولاكم فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وتوج عليا بعمامته السحاب فنزلت آية " اليوم اكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا ". ونزلت فيه " انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ". وقال في حق الحسنين: هذان مني. وقال: الحسن والحسين سبطان من الاسباط. وفي حق الائمة من بعده: الامام علي والاحد عشر بنيه: اخبر الرسول انهم اولو الامر في اية " يا ايها الذين آمنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولى الامر منكم ". وفيهم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: مثل اهل بيتى كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق. وجعلهم اعدال القران وقال: " اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي اهل بيتي ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا من بعدي وقد انبأني اللطيف الخبير انهما لا يفترقان حتى يردا علي الحوض ". ويظهر من قول الرسول هذا: أن احد الائمة لابد ان يطول عمره ويبقى مع القرآن إلى يوم القيامة. وعين عددهم في قوله: لا يزال هذا الدين قائما حتى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر. وفي رواية: لا يزال امر الناس ماضيا إلى اثني عشر. وفي رواية بعدها: " ثم يكون المرج والهرج ".

[361]

وفي رواية: فإذا هلكوا ماجت الارض بأهلها. وفي رواية قال عن عددهم انهم اثنا عشر عدة نقباء بني اسرائيل. ولا تصدق هذه الروايات على غير الائمة الاثني عشر من اهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله الذي طال عمر آخرهم وبعدهم يكون فناء الدنيا وبما ان علماء مدرسة الخلافة لم يرتضوا ائمة اهل البيت حاروا في تفسير هذه الروايات الصحيحة ولم يستطيعوا تأويلها بما يرضون به انفسهم. اتجاه السلطة الحاكمة زهاء ثلاثة عشر قرنا اقتصرنا في ما أوردنا من الادلة على امامة ائمة اهل البيت الاثني عشر عليهم السلام في ما سبق بما ورد في اوثق مصادر الدراسات الاسلامية بمدرسة الخلفاء وبالاضافة إلى ذلك قد ورد في مصادر الدراسات الاسلامية بمدرسة اهل البيت النصوص الكثيرة المتواترة الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وآله في النص على امامة الائمة الاثني عشر عليهم السلام بأسمائهم وصفاتهم ومشخصاتهم. ويقول اتباع مدرسة اهل البيت (ع) ينبغي ان لا يغرب عن بالنا ان صحة خلافة الخلفاء امويين وعباسيين وعثمانيين وغيرهم من الخلفاء ومن تبعهم من الامراء والولاة والقضاة وائمة الجمعة والجماعة في البلاد الاسلامية زهاء ثلاثة عشر قرنا كانت متوقفة على كتمان ما ورد في امامة الامام علي بن ابي طالب والائمة من ولده عليهم السلام. فانه مثلا في زمن الخلفية هارون الرشيد اصبح ابو يوسف قاضي قضاة المسلمين بتعيين الخليفة هارون الرشيد ومشروعية منصبه متوقفة على صحة خلافة هارون الرشيد وصحة خلافة الرشيد متوقفة على عدم وجود نص على امامة الائمة الاثنى عشر وكذلك الامر بالنسبة إلى وزارة البرامكة فانهم اصبحوا وزراء لخليفة المسلمين بسبب صحة خلافة هارون وكذلك جميع امراء جيوش المسلمين في عصره اصبحوا امراء لجيوش المسلمين بتعيين خليفة المسلمين هارون الرشيد وكذلك شأن ولاة هارون الرشيد وصحة خلافة الرشيد متوقفة على عدم وجود نص على امامة الائمة الاثنى عشر وكذلك الامر بالنسبة إلى وزارة البرامكة فانهم اصبحوا وزراء لخليفة المسلمين بسبب صحة خلافة هارون وكذلك جميع امراء جيوش المسلمين في عصره اصبحوا امراء لجيوش المسلمين بتعيين خليفة المسلمين هارون الرشيد وكذلك شأن ولاة الخليفة على البلاد فان امير صنعاء وامير مكة وامير المدينة والكوفة والشام والاسكندرية والري وخراسان وسائر البلاد الاسلامية في جميع الاقاليم وكذلك ائمة

[362]

الجمعة والجماعة في جميع البلاد الاسلامية من اقصى بلاد افريقيا إلى ما وراء خراسان وبلاد الحجاز واليمن والشام والعراق إلى غيرها من البلاد الاسلامية. كل اولئك اصبحوا في مناصبهم يعيشون معيشة المترفين بشرعية خلافة هارون الرشيد وشرعية خلافة هارون الرشيد متوقفة على عدم وجود امامة معينة منصوبة من قبل الله ومنصوصة عليها من قبل رسول الله صلى الله عليه وآله في ذلك العصر وهو الامام موسى بن جعفر (ع) ولا في امامة سائر الائمة عليهم السلام قبله. وهذا الامر كان جاريا وساريا في زمن يزيد ومعاوية وعثمان وغيرهم إلى آخر خلفاء العثمانيين فان كل اولئك المنتفعين بخلافة الخلفاء جل العصور انما انتفعوا بمناصبهم ومعايشهم لعدم وجود نص على امامة أي امام غير الخلفاء ومع كل ذلك بقيت النصوص السابقة في امامة الائمة من اهل البيت (ع) منتشرة في مصادر الدراسات الاسلامية بمدرسة الخلفاء إلى اليوم وذلك لان الله شاء ان يتم الحجة على الناس مدى العصور وما شاء الله كان. بعد الانتهاء من دراسة رأى المدرستين في الصحابة والامامة نستعين الله وندرس في ما يأتي رأي المدرستين في مصادر الشريعة الاسلامية وكيفية استفادة كل منهما منها، إن شاء الله تعالى.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية