الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




تاريخ الطبري - الطبري ج 1

تاريخ الطبري

الطبري ج 1


[ 1 ]

تاريخ الامم والملوك للامام أبى جعفر محمد بن جرير الطبري الجزء الاول [ قوبلت هذه الطبعة على النسخة المطبوعة ] [ بمطبعة " بريل " بمدينة ليدن في سنة 1879 م ] راجعه وصححه وضبطه تخبة من العلماء الاجلاء

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الاول قبل كل أول، والآخر بعد كل آخر، والقادر على كل شئ بغير انتقال، والخالق خلقه من غير شكل ولا مثال، وهو الفرد الواحد من غير عدد، وهو الباقي بعد كل أحد، إلى غير نهاية ولا أمد، له الكبرياء والعظمة، والبهاء والعزة، والسلطان والقدرة، تعالى عن أن يكون له شريك في سلطانه وفى وحدانيته نديد، أو في تدبيره معين أو ظهير، أو أن يكون له ولد، أو صاحبة أو كفؤا أحد، لا تحيط به الاوهام ولا تحويه الاقطار، ولا تدركه الابصار، وهو اللطيف الخبير. أحمده على آلائه، وأشكره على نعمائه. حمد من أفرده بالحمد وشكر من رجا بالشكر منه المزيد، وأستهديه من القول والعمل ما يقربني منه ويرضيه وأو من به إيمان مخلص له التوحيد، ومفرد له التمجيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده النجيب ورسوله الامين اصطفاه لرسالته، وابتعثه بوحيه، داعيا خلقه إلى عبادته، فصدع بأمره، وجاهد في سبيله ونصح لامته، وعبد ه حتى أتاه اليقين من عنده، غير مقصر في بلاغ ولا وان في جهاد صلى الله عليه أفضل صلاة وأزكاها وسلم (أما بعد) فإن الله جل جلاله وتقدست أسماؤه خلق خلقه من غير ضرورة كانت به إلى خلقهم، وأنشأهم من غير حاجة كانت به إلى إنشائهم، بل خلق من خصه منهم بأمره ونهيه وامتحنه لعبادته ليعبدوه وليحمدوه على نعمه فيزيدهم من فضله ومننه ويسبغ عليهم فضله وطوله كما قال عزوجل (وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون ما اريد منهم من رزق وما أريد أن يطممون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين) فلم يزده خلقه إياهم إذ خلقهم في سلطانه على ما لم يزل قبل خلقه إياهم مثقال ذرة ولا هو إن أفناهم وأعدمهم ينقصه إفناؤه إياهم مثقال ذرة لانه لا تغيره الاحوال،

[ 3 ]

ولا يدخله الملال، ولا ينقص سلطانه الايام والليال لانه خالق الدهر والازمان، فعم جميعهم في العاجل فضله وجوده وشملهم كرمه وطوله فجعل لهم أسماعا وأبصارا وأفئدة وخصهم بعقول يعقلون بها التمييز بين الحق والباطل ويعرفون بها المنافع والمضار وجعل لهم الارض بساطا ليسلكوا منها سبلا فجاجا والسماء سقفا محفوظا كما قال وأنزل لهم منها الغيث بالادرار والارزاق بالمقدار وأجرى لهم قمر الليل وشمس النهار يتعاقبان بمصالحهم دائبين فجعل لهم الليل لباسا والنهار معاشا وخالف منا منه عليهم وتطولا بين قمر الليل وشمس النهار فمحا آية الليل وجعل آية النهار مبصرة كما قال جل جلاله وتقدست أسماؤه (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شئ فصلناه تفصيلا) ليصلوا بذلك إلى العلم بأوقات فروضهم التى فرضها عليهم في ساعات الليل والنهار والشهور والسنين من الصلوات والزكوات والحج والصيام وغير ذلك من فروضهم وحين حد ديونهم وحقوقهم كما قال عزوجل (يسألونك عن الاهلة قل هي مواقيت للناس والحج) وقال (هو الذى جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون * إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السموات والارض لآيات لقوم يتقون) إنعاما منه بكل ذلك على خلقه وتفضلا منه به عليهم وتطولا فشكره على نعمه التى أنعمها عليهم من خلقه خلق عظيم فزاد كثيرا منهم من آلائه وأياديه على ما ابتدأهم به من فضله وطوله كما وعدهم جل جلاله بقوله (وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لازيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد) وجمع لهم بين الزيادة التى زادهم في عاجل دنياهم والفوز بالنعيم المقيم والخلود في جنات النعيم في آجل آخرتهم وأخر لكثير منهم الزيادة التى وعدهم فمدهم إلى حين مصيرهم ووقت قدومهم عليه توفيرا منه كرامته عليهم يوم تبلى السرائر ; وكفر نعمه خلق منهم عظيم فجحدوا آلاءه

[ 4 ]

وعبدوا سواء فسلبهم ما ابتدأهم به من الفضل والاحسان وأحل بهم النقمة المهلكة في العاجل، وذخر لهم العقوبة المخزية في الآجل. ومتع كثيرا منهم بنعمه أيام حياتهم استدراجا منه لهم وتوفيرا منه عليهم أوزارهم ليستحقوا من عقوبته في الآجل ما قد أعد لهم، نعوذ بالله من عمل يقرب من سخطه ونسأله التوفيق لما يدنى من رضاه ومحبته (قال أبو جعفر) وأنا ذاكر في كتابي هذا من ملوك كل زمان من ابتداء ربنا جل جلاله خلق خلقه إلى حال قيامهم من انتهى إلينا خبره ممن ابتدأه الله تعالى بآلائه ونعمه فشكر نعمه من رسول له مرسل أو ملك مسلط أو خليفة مستخلف فزاده إلى ما ابتدأه به من نعمه في العاجل نعما وإلى ما تفضل به عليه فضلا ومن أخر ذلك له منهم وجعله له عنده ذخرا. ومن كفر منهم نعمه فسلبه ما ابتدأه به من نعمه وعجل له نقمه، ومن كفر منهم نعمه فمتعه بما أنعم به عليه إلى حين وفاته وهلاكه مقرونا ذكر كل من أنا ذاكره منهم في كتابي هذا بذكر نعمائه وجمل ما كان من حوادث الامور في عصره وأيامه إذ كان الاستقصاء في ذلك يقصر عنه العمر وتطول به الكتب مع ذكرى مع ذلك مبلغ مدة أكله وحين أجله بعد تقديمي أمام ذلك ما تقديمه بنا أولى والابتداء به قبله أحجى من البيان عن الزمان ما هو وكم قدر جميعه وابتداء أوله وانتهاء آخره، وهل كان قبل خلق الله تعالى إياه شئ غيره وهل هو فان وهل بعد فنائه شئ غير وجه المسبح الخلاق تعالى ذكره وما الذى كان قبل خلق الله إياه وما هو كائن بعد فنائه وانقضائه وكيف كان ابتداء خلق الله تعالى إياه وكيف يكون فناؤه والدلالة على أن لا قديم إلا الله الواحد القهار الذى له ملك السموات والارض وما بينهما وما تحت الثرى بوجيز من الدلالة غير طويل إذ لم نقصد بكتابنا هذا قصد الاحتجاج لذلك بل لما ذكرنا من تاريخ الملوك الماضين وجمل من أخبارهم وأزمان الرسل والانبياء ومقادير أعمارهم وأيام الخلفاء والسالفين وبعض سيرهم ومبالغ ولاياتهم والكائن الذى كان من الاحداث في

[ 5 ]

أعصارهم ثم أنا متبع آخر ذلك كله إن شاء الله وأيد منه بعون وقوة ذكر صحابة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأسمائهم وكناهم ومبالغ أنسابهم ومبالغ أعمارهم ووقت وفاة كل إنسان منهم والموضع الذى كانت به وفاته ثم متبعهم ذكر من كان بعدهم من التابعين لهم بإحسان على نحو ما شرطنا من ذكرهم ثم ملحق بهم ذكر من كان بعدهم من الخلف لهم كذلك وزائد في أمورهم للابانة عمن حمدت منهم روايته ونقلت أخباره ومن رفضت منهم روايته ونبذت أخباره ومن وهن منهم نقله وضعف خبره والسبب الذى من أجله نبذ من نبذ منهم خبره والعلة التى من أجلها وهن من وهن منهم نقل وإلى الله عزوجل أنا راغب في العون على ما أقصده وأنويه والتوفيق لما ألتمسه وأبغيه فإنه ولى الحول والقوة وصلى الله على محمد نبيه وآله وسلم تسليما (وليعلم الناظر) في كتابنا هذا أن اعتمادي في كل ما أحضرت ذكره فيه مما شرطت أنى راسمه فيه إنما هو على ما رويت من الاخبار التى أنا ذاكرها فيه والآثار التى أنا مسندها إلى رواتها فيه دون ما أدرك بحجج العقول وأستنبط بفكر النفوس إلا اليسير القليل منه إذ كان العلم بما كان من أخبار الماضين وما هو كائن من أنباء الحادثين غير واصل إلى من لم يشاهدهم ولم يدرك زمانهم إلا بإخبار المخبرين ونقل الناقلين دون الاستخراج بالعقول والاستنباط بفكر النفوس فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه أو يستشنعه سامعه من أجل أنه لم يعرف له وجها في الصحة ولا معنى في الحقيقة فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا وإنما أتى من قبل بعض ناقليه إلينا وإنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أدى إلينا القول في الزمان ما هو ؟ قال فالزمان هو ساعات الليل والنهار وقد يقال ذلك للطويل من المدة والقصير منها والعرب تقول أتيتك زمان الحجاج أمير وزمن الحجاج أمير تعنى

[ 6 ]

به إذا الحجاج أمير وتقول أتيتك زمان الصرام تعنى به وقت الصرام ويقولون أيضا أتيتك أزمان الحجاج أمير فيجمعون الزمان يريدون بذلك أن يجعلوا كل وقت من أوقات إمارته زمانا من الازمنة كما قال الراجز. جاء الشتاء وقميصي أخلاق * شراذم يضحك منه التواق فجعل القميص أخلاقا يريد بذلك وصف كل قطعة منه بالاخلاق كما يقولون أرض سباسب ونحو ذلك * ومن قولهم للزمان زمن قول أعشى بنى قيس ابن ثعلبة. وكنت امرأ زمنا بالعراق * عفيف المناخ طويل الثفن يريد بقوله زمنا زمانا فالزمان اسم لما ذكرت من ساعات الليل والنهار على ما بينت ووصفت. القول في كم قدر جميع الزمان من ابتدائه إلى انتهائه وأوله إلى آخره اختلف السلف قبلنا من أهل العلم في ذلك فقال بعضهم قدر جميع ذلك سبعة آلاف سنة. ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حميد قال حدثنا يحيى بن واضح قال حدثنا يحيى بن يعقوب عن حماد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال الدنيا جمعة من جمع الآخرة سبعة آلاف سنة فقد مضى ستة آلاف سنة ومئو سنة وليأتين عليها مئون سنين ليس لها موحد. وقال آخرون قدر جميع ذلك ستة آلاف سنة. ذكر من قال ذلك حدثنا أبو هشام قال حدثنا معاوية بن هشام عن سفيان عن الاعمش عن أبى صالح قال قال كعب الدنيا ستة آلاف سنة، حدثنا محمد بن سهل بن عسكر قال حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال

[ 7 ]

حدثنى عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهبا يقول وقد خلا من الدنيا خمسة آلاف سنة وستمائة سنة إنى لا عرف كل زمان منها ما كان فيه من الملوك والانبياء قلنا لوهب بن منبه كم الدنيا قال ستة آلاف سنة * قال أبو جعفر والصواب من القول في ذلك ما دل على صحته الخبر الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك ما حدثنا به محمد بن بشار وعلى بن سهل قالا حدثنا مؤمل قال حدثنا سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أجلكم في أجل من كان قبلكم من صلاة العصر إلى مغرب الشمس. حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ألا إنما أجلكم في أجل من خلا من الامم كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس. حدثنا الحسن بن عرفة قال حدثني عمار بن محمد بن أخت سفيان الثوري أبو اليقظان عن ليث بن أبى سليم عن مغيرة بن حكيم عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بقى لامتي من الدنيا إلا كمقدار الشمس إذا صليت العصر. حدثنى محمد بن عوف قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا شريك قال سمعت سلمة ابن كهيل عن مجاهد عن ابن عمر قال كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم والشمس مرتفعة على قعيقعان بعد العصر فقال ما أعماركم في أعمار. من مضى إلا كما بقى من هذا النهار فيما مضى منه. حدثنا ابن بشار ومحمد بن المثنى قال ابن بشار حدثنى خلف بن موسى وقال ابن المثنى حدثنا خلف بن موسى قال حدثنى أبى عن قتادة عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب أصحابه يوما وقد كادت الشمس أن تغيب ولم يبق منها إلا شق يسير قال والذى نفس محمد بيده ما بقى من دنياكم فيما مضى منها إلا كما بقى من يومكم هذا فيما مضى منه وما ترون من الشمس إلا اليسير. حدثنا ابن وكيع قال حدثنا ابن عيينة عن علي بن زيد عن أبى نضرة عن

[ 8 ]

أبى سعيد قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم عند غروب الشمس إنما مثل ما بقى من الدنيا فيما مضى منها كبقية يومكم هذا فيما مضى منه * حدثنا هناد بن السرى وأبو هشام الرفاعي قالا حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبى حصين عن أبى صالح عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثت والساعة كهاتين وأشار بالسبابة والوسطى * حدثنا أبو كريب قال حدثنا يحيى بن آدم عن أبى بكر عن أبى حصين عن أبى صالح عن أبى هريرة عن النبي بنحوه * حدثنا هناد قال حدثنا أبو الاحوص وأبو معاوية عن الاعمش عن أبى خالد الوالبى عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثت أنا والساعة كهاتين * حدثنا أبو كبير قال حدثنا عثام بن على عن الاعمش عن أبى خالد الوالبى عن جابر بن سمرة قال كأنى أنظر إلى أصبعي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشار بالمسبحة التى تليها وهو يقول بعثت أنا والساعة كهذه من هذه * حدثنا ابن حميد قال حدثنى يحيى بن واضح قال حدثنا قطن عن أبى خالد الوالبى عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثت من الساعة كهاتين وجمع بين أصبعيه السبابة والوسطى * حدثنا ابن المثنى قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة قال سمعت قتادة يحدث قال حدثنا أنس ابن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثت أنا والساعة كهاتين قال شعبة سمعت قتادة يقول في قصصه كفضل إحداهما على الاخرى قال لا أدرى أذكره عن أنس أو قاله قتادة * حدثنا خلاد بن أسلم قال حدثنا النضر بن شميل قال حدثنا شعبة عن قتادة قال حدثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثت أنا والساعة كهاتين * حدثنا مجاهد بن موسى قال حدثنا يزيد قال حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله وزاد في حديثه وأشار بالوسطى والسبابة * حدثنا محمد بن عبد الله ابن عبد الحكم قال حدثنا أيوب بن سويد عن الاوزاعي قال حدثنا إسمعيل بن عبيد الله قال قدم أنس بن مالك على الوليد بن عبد الملك فقال له الوليد ماذا

[ 9 ]

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر به الساعة ؟ قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أنتم والساعة كهاتين وأشار بأصبعية * حدثنى العباس بن الوليد قال أخبرني أبى قال حدثنا الاوزاعي قال حدثنى إسمعيل بن عبيد الله قال قدم أنس بن مالك على الوليد بن عبد الملك فقال له الوليد ماذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر به الساعة ؟ قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أنتم والساعة كتين * حدثنى ابن عبد الرحيم البرقى قال حدثنا عمرو بن أبى سلمة عن الاوزاعي حدثنى إسمعيل بن عبيد الله قال قدم أنس بن مالك على الوليد بن عبد الملك فذكر مثله * حدثنى محمد بن عبد الاعلى قال حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه قال حدثنى معبد حدث أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال بعثت أنا والساعة كهاتين وقال بأصبعيه هكذا * حدثنا ابن المثنى قال حدثنا وهب بن جرير قال حدثنا شعبة عن أبى التياح عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثت أنا والساعة كهاتين السبابة والوسطى قال أبو موسى وأشار وهب بالسبابة والوسطى * حدثنى عبد الله بن أبى زياد قال حدثنا وهب بن جرير قال حدثنا شعبة عن أبى التياح وقتادة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثت أنا والساعة كهاتين وقرن بين أصبعيه * حدثنى محمد بن عبد الله بن بزيع قال حدثنا الفضيل بن سليمان حدثنا أبو حازم قال حدثنا سهل بن سعد قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بأصبعيه هكذا الوسطى والتى تلى الابهام بعثت أنا الساعة كهاتين * حدثنا محمد بن يزيد الادمى قال حدثنا أبو ضمرة عن أبى حازم عن سهل بن سعد الساعدي ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بعثت والساعة كهاتين وضم بين أصبعيه الوسطى والتى تلى الابهام وقال ما مثلى ومثل الساعة إلا كفرسي رهان ثم قال ما مثلى ومثل الساعة إلا كمثل رجل بعثه قوم طليعة فلما خشى أن يسبق ألاح بثوبه أتيتم أتيتم. أنا ذاك أنا ذاك * حدثنا أبو كريب قال حدثنا خالد عن محمد بن جعفر عن

[ 10 ]

أبى حازم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثت أنا والساعة كهاتين وجمع بين أصبعيه * حدثنا أبو كريب قال حدثنا خالد قال حدثنا سليمان بن بلال قال حدثنى أبو سالم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثت أنا والساعة هكذا وقرن بين أصبعيه الوسطى والتى تلى الابهام * حدثنى ابن عبد الرحيم البرقى قال حدثنا ابن أبى مريم قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنى أبو حازم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثت أنا والساعة كهاتين وجمع بين أصبعيه * حدثنا أبو كريب قال حدثنا أبو نعيم عن بشير بن المهاجر قال حدثنى عبد الله ابن بريدة عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بعثت أنا والساعة جميعا إن كادت لتسبقني * حدثنى محمد بن عمر بن هياج قال حدثنا يحيى بن عبد الرحمن قال حدثنى عبيدة بن الاسود عن مجالد عن قيس بن أبى حازم عن المستورد بن شداد الفهرى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال بعثت في نفس الساعة سبقتها كما سبقت هذه هذه لاصبعيه السبابة والوسطى ووصف لنا أبو عبد الله جمعهما * حدثنى أحمد بن محمد بن حبيب قال حدثنا أبو نصر قال حدثنا المسعودي عن اسماعيل بن أبى خالد عن الشعبى عن أبى حبيرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثت مع الساعة كهاتين وأشار بأصبعيه الوسطى والسبابة كفضل هذه على هذه * حدثنا تميم بن المنتصر قال أخبرنا يزيد قال أخبرنا إسماعيل عن شبيل بن عوف عن أبى جبيرة عن أشياخ من الانصار قالوا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول جئت أنا والساعة هكذا قال الطبراني وأرانا تميم وضم السبابة والوسطى وقال لنا أشار يزيد بأصبعيه السبابة والوسطى وضمهما وقال سبقتها كما سبقت هذه هذه في نفس الساعة أو نفس الساعة فمعلوم إذ كان اليوم أوله طلوع الفجر وآخره غروب الشمس وكان صحيحا عن نبينا صلى الله عليه وسلم ما رويناه عنه قيل إنه قال بعد ما صلى العصر ما بقى من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقى من يومكم هذا فيما مضى

[ 11 ]

منه وأنه قال لاصحابه بعثت أنا والساعة كهاتين وجمع بين السبابة والوسطى سبقتها بقدر هذه من هذه يعنى الوسطى من السبابة وكان قدر ما بين أوسط أوقات صلاة العصر وذلك إذا صار ظل كل شئ مثليه على التحرى إنما يكون قدر نصف سبع اليوم يزيد قليلا أو ينقص قليلا وكذلك فصل ما بين الوسطى والسبابة إنما يكون نحوا من ذلك وقريبا منه وكان صحيحا مع ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حدثنى أحمد بن عبد الرحمن بن وهب قال حدثنى عمى عبد الله بن وهب قال حدثنى معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه جبير بن نفير أنه سمع أبا ثعلبة الخشنى صاحب النبي صلى الله عليه وسلم يقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لن يعجز الله هذه الامة من نصف يوم وكان معنى قول النبي ذلك أن لن يعجز الله هذه الامة من نصف يوم الذى مقداره ألف سنة كان بينا أن أولى القولين اللذين ذكرت في مبلغ قدر مدة جميع الزمان اللذين أحدهما عن ابن عباس والآخر منهما عن كعب بالصواب وأشبههما بما دلت عليه الاخبار الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قول ابن عباس الذى روينا عنه أنه قال الدنيا جمعة من جمع الآخرة سبعة آلاف سنة وإذ كان ذلك كذلك وكان الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيحا أنه أخبر عن الباقي من ذلك في حياته أنه نصف يوم وذلك خمسمائة عام إذا كان ذلك نصف يوم من الايام الذى قدر اليوم الواحد منها ألف عام كان معلوما أن الماضي من الدنيا إلى وقت قول النبي صلى الله عليه وسلم ما رويناه عن أبى ثعلبة الخشنى عنه وكان قدر ستة آلاف سنة وخمسمائة سنة أو نحوا من ذلك وقريبا منه والله أعلم فهذا الذى قلنا في قدر مدة أزمان الدنيا من مبدإ أولها إلى منتهى آخرها من أثبت ما قيل في ذلك عندنا من القول للشواهد الدالة التى بيناها على صحة ذلك وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر يدل على صحة قول من قال إن الدنيا كلها ستة آلاف سنة لو كان صحيحا عنده لم نعد القول به إلى غيره

[ 12 ]

وذلك ما حدثنى به محمد بن سنان القزاز قال حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث حدثنا زبان عن عاصم عن أبى صالح عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الحقب ثمانون عاما اليوم منها سدس الدنيا فبين في هذا الخبر أن الدنيا كلها ستة آلاف سنة وذلك أن اليوم الذى هو من أيام الآخرة إذا كان مقداره ألف سنة من سنى الدنيا وكان اليوم الواحد من ذلك سدس الدنيا كان معلوما بذلك أن جميعها ستة أيام من أيام الآخرة وذلك ستة آلاف سنة. وقد تزعم اليهود أن جميع ما ثبت عندهم على ما في التوراة مما بين فيها من لدن خلق الله آدم إلى وقت الهجرة وذلك التوراة التى هي في أيديهم اليوم أربعة آلاف سنة وستمائة سنة واثنتان وأربعون سنة وقد ذكروا تفصيل ذلك بولادة رجل رجل ونبى نبى وموته من عهد آدم إلى هجرة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسأذكر تفصيلهم ذلك إن شاء الله وتفصيل غيرهم ممن فصله من علماء أهل الكتاب وغيرهم من أهل العلم بالسير وأخبار الناس إذا انتهيت إليه إن شاء الله وأما اليونانية من النصارى فإنها تزعم أن الذى ادعته اليهود من ذلك باطل وأن الصحيح من القول في قدر مدة أيام الدنيا من لدن خلق الله آدم إلى وقت هجرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على سياق ما عندهم في التوراة التى هي في أيديهم خمسة آلاف سنة وتسعمائة سنة واثنتان وتسعون سنة وأشهر وذكروا تفصيل ما ادعوه من ذلك بولادة نبى نبى وملك ملك ووفاته من عهد آدم إلى هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وزعموا أن اليهود إنما نقصوا ما نقصوا من عدد سنى ما بين تاريخهم وتاريخ النصارى دفعا منهم لنبوة عيسى بن مريم عليه السلام إذ كانت صفته ووقت مبعثه مثبتة في التوراة وقالوا لم يأت الوقت الذى وقت لنا في التوراة أن الذى صفته صفة عيسى يكون فيه وهم ينتظرون بزعمهم خروجه ووقته فأحسب أن الذى ينتظرونه ويدعون أن صفته في التوراة مثبتة هو الدجال الذى وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم لامته وذكر لهم أن عامة أتباعه اليهود فإن كان ذلك هو عبد الله بن صياد فهو من نسل اليهود. وأما المجوس

[ 13 ]

فإنهم يزعمون أن قدر مدة الزمان من لدن ملك جيومرت إلى وقت هجرة نبينا صلى الله عليه وسلم ثلاثة آلاف سنة ومائة سنة وتسع وثلاثون سنة وهم لا يذكرون مع ذلك نسبا يعرف فوق جيومرت ويزعمون أنه آدم أبو البشر صلى الله عليه وسلم وعلى جميع أنبياء الله ورسله. ثم أهل الاخبار بعد في أمره مختلفون فمن قائل منهم فيه مثل قول المجوس ومن قائل منهم إنه تسمى بآدم بعد أن ملك الاقاليم السبعة وأنه إنما هو جامر بن يافث بن نوح كان بنوح عليه السلام برا ولخدمته ملازما وعليه حدبا شفيقا فدعا الله له ولذريته لذلك من بره به ولخدمته له بطول العمر والتمكين في البلاد والنصر على من ناوأه وإياهم واتصال الملك له ولذريته ودوامه له ولهم فاستجيب له فيه فأعطى جيومرت ذلك وولده فهو أبو الفرس ولم يزل الملك فيه وفى ولده إلى أن زال عنهم بدخول المسلمين مدائن كسرى وغلبة أهل الاسلام إياهم على ملكهم، ومن قائل غير ذلك، وسنذكر إن شاء الله ما انتهى إلينا من القول فيه إذا انتهينا إلى ذكرنا تاريخ الملوك ومبالغ أعمارهم وأنسابهم وأسباب ملكهم القول في الدلالة على حدوث الاوقات والازمان والليل والنهار قد قلنا قبل إن الزمان إنما هو اسم لساعات الليل والنهار وساعات الليل والنهار إنما هي مقادير من جرى الشمس والقمر في الفلك كما قال الله عزو جل (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون. والشمس تجرى لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم. والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم. لا الشمس ينبغى لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون) فإذا كان الزمان ما ذكرنا من ساعات الليل والنهار وكانت ساعات الليل والنهار إنما هي قطع الشمس والقمر درجات الفلك كان بيقين معلوما أن الزمان محدث والليل والنهار محدثان وأن محدث ذلك الله عزوجل الذى تفرد بإحداث

[ 14 ]

جميع خلقه كما قال جل جلاله (وهو الذى خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون) ومن جهل حدوث ذلك من خلق الله فإنه لن يجهل اختلاف أحوال الليل والنهار بأن أحدهما يرد على الخلق وهو الليل بسواد وظلمة وأن الآخر منهما يرد عليهم بنور وضياء نسخ لسواد الليل وظلمته وهو النهار فإذا كان ذلك كذلك وكان من المحال اجتماعهما مع اختلاف أحوالهما في وقت واحد في جزء واحد كان معلوما يقينا أنه لا بد أن يكون أحدهما كان قبل الآخر منهما، وأيهما كان منهما قبل صاحبه فإن الآخر منهما كان لا شك بعده وذلك إبانة ودليل على حدوثهما وأنهما خلقان لخالقهما أو من الدلالة أيضا على حدوث الايام والليالي أنه لا يوم إلا وهو بعد يوم كان قبله وقبل يوم كائن بعده فمعلوم أن ما لم يكن ثم كان أنه محدث مخلوق وأن له خالقا ومحدثا والاخرى أن الايام والليالي معدودة وما عد من الاشياء فغير خارج من أحد العددين شفع أو وتر فإن لم يكن شفعا فإن أولها اثنان وذلك تصحيح القول بأن لها ابتداء وأولا وإن كان وترا فإن أولها واحد وذلك دليل على أن لها ابتداء وأولا وما كان له ابتداء فإن لابد له من مبتدئ وهو خالقه القول في: هل كان الله عزوجل خلق قبل خلقه الزمان والليل والنهار شيئا غير ذلك من الخلق ؟ قد قلنا إن الزمان إنما هو ساعات الليل والنهار وإن الساعات إنما هي قطع الشمس والقمر درجات الفلك فإذا كان ذلك كذلك وكان صحيحا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حدثنا هناد بن السرى قال حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبى سعد البقال عن عكرمة عن ابن عباس قال هناد وقرأت في سائر الحديث أن اليهود أتت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته عن خلق السموات والارض فقال خلق الله الارض يوم الاحد والاثنين وخلق الجبال يوم الثلاثاء وما فيهن من منافع وخلق يوم الاربعاء الشجر والماء والمدائن

[ 15 ]

والعمران والخراب فهذه أربعة قال (أئنكم لتكفرون بالذى خلق الارض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين) لمن سأل، قال وخلق يوم الخميس السماء وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة إلى ثلاث ساعات بقيت منه فخلق في أول ساعة من هذه الثلاث الساعات الآجال من يحيا ومن يموت وفى الثانية ألقى الآفة على كل شئ مما ينتفع به الناس. في الثالثة آدم وأسكنه الجنة وأمر إبليس بالسجود له وأخرجه منها في آخر ساعة ثم قالت اليهود ثم ماذا يا محمد قال ثم استوى على العرش قالوا قد أصبت لو أتممت قالوا ثم استراح فغضب النبي صلى الله عليه وسلم غضبا شديدا فنزلت (ولقد خلقنا السموات والارض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب فاصبر على ما يقولون) * حدثنى القاسم ابن بشر بن معروف والحسين بن على الصدائى قال حدثنا حجاج قال ابن جريج أخبرني إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أبى هريرة قال أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدى فقال خلق الله التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الاحد وخلق الشجر يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الاربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة آخر خلق خلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل * حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيع قال حدثنا الفضل بن سليمان قال حدثنى محمد بن زيد قال حدثنى أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال أخبرني ابن سلام وأبو هريرة فذكرا عن النبي صلى الله عليه وسلم الساعة التى في يوم الجمعة وذكرا أنه قالها فقال عبد الله بن سلام أنا أعلم أي ساعة هي: بدأ الله في خلق السموات والارض يوم الاحد وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة فهى آخر ساعة من يوم الجمعة * حدثنى المثنى قال حدثنا الحجاج حدثنا حماد عن عطاء بن السائب عن عكرمة أن اليهود قالوا للنبى

[ 16 ]

صلى الله عليه وسلم ما يوم الاحد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خلق الله فيه الارض وكبسها قالوا فالاثنين قال خلق الله فيه آدم قالوا فالثلاثاء قال خلق فيه الجبال والماء وكذا وكذا وما شاء الله قالوا فيوم الاربعاء قال الاقوات قالوا فيوم الخميس قال خلق السموات قالوا فيوم الجمعة قال خلق الله في ساعتين الليل والنهار ثم قالوا السبت وذكروا الراحة قال سبحان الله فأنزل الله تبارك وتعالى (ولقد خلقنا السموات والارض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب) فقد بين هذان الخبران اللذان رويناهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الشمس والقمر خلقا بعد خلق الله أشياء كثيرة من خلقه وذلك أن حديث ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورد بأن الله خلق الشمس والقمر يوم الجمعة فإن كان ذلك كذلك فقد كانت الارض والسماء وما فيهما سوى الملائكة وآدم مخلوقة قبل خلق الله الشمس والقمر وكان ذلك كله ولا ليل ولا نهار إذ كان الليل والنهار إنما هو اسم لساعات معلومة من قطع الشمس والقمر درج الفلك وإذا كان صحيحا أن الارض والسماء وما فيهما سوى ما ذكرنا قد كانت ولا شمس ولا قمر كان معلوما أن ذلك كله كان ولا ليل ولا نهار وكذلك حديث أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لانه أخبر عنه أنه قال خلق الله النور يوم الاربعاء يعنى بالنور الشمس إن شاء الله * فإن قال لنا قائل قد زعمت أن اليوم إنما هو اسم لميقات ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس ثم زعمت الآن أن الله خلق الشمس والقمر بعد أيام من أول ابتدائه خلق الاشياء التى خلقها فأثبت مواقيت وسميتها بالايام ولا شمس ولا قمر وهذا أن لم تأت ببرهان على صحته فهو كلام ينقض بعضه بعضا * قيل إن الله سمى ما ذكرته أياما فسميته بالاسم الذى سماه به وكان وجه تسمية ذلك أياما ولا شمس ولا قمر نظير قول عزوحل (ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا) ولا بكرة ولا عشى هنا لك إذا كان لا ليل في الآخرة ولا شمس ولا قمر كما قال جل وعز (ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو

[ 17 ]

يأتيهم عذاب يوم عقيم) فسمى تعالى ذكره يوم القيامة يوما عقيما إذ كان يوما لا ليل بعد مجيئه وإنما أريد بتسمية ما سمى أياما قبل خلق الشمس والقمر قدر مدة الف عام من أعوام الدنيا التى العام منها اثنا عشر شهرا من شهور أهل الدنيا التى تعد ساعاتها وأيامها بقطع الشمس والقمر درج الفلك كما سمى بكرة وعشيا لما يرزقه أهل الجنة في قدر المدة التى كانوا يعرفون ذلك من الزمان في الدنيا بالشمس ومجراها في الفلك ولا شمس عندهم ولا ليل وبنحو الذى قلنا في ذلك قال السلف من أهل العلم ذكر بعض من حضرنا ذكره ممن قال ذلك * حدثنى القاسم قال حدثنا حجاج عن ابن جريج عن مجاهد أنه قال يقضى الله عزوجل أمر كل شئ ألف سنة إلى الملائكة ثم كذلك حتى يمضى ألف سنة ثم يقضى أمر كل شئ ألفا ثم كذلك أبدا قال (يوم كان مقداره ألف سنة) قال اليوم أن يقول لما يقضى إلى الملائكة ألف سنة كن فيكون ولكن سماه يوما سماه كما شاء كل ذلك عن مجاهد قال وقوله تعالى (وإن يوما عند ربك كالف سنة مما تعدون) قال هو هو سواء وبنحو الذى ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخبر بأن الله جل جلاله خلق الشمس والقمر بعد خلقه السموات والارض وأشياء غير ذلك ورد الخبر عن جماعة من السلف أنهم قالوه ذكر الخبر عمن قال ذلك منهم * حدثنا أبو هشام الرفاعي حدثنا ابن يمان حدثنا سفيان عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن مجاهد عن ابن عباس (فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين) قال قال الله عزوجل للسموات أطلعي شمسي وقمري ونجومى وقال اللارض شققي أنهارك وأخرجي ثمارك فقالتا أتينا طائعين * حدثنا بشر بن معاذ حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة (وأوحى في كل سماء أمرها) خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها وصلاحها فقد بينت هذه

[ 18 ]

الاخبار التى ذكرناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمن ذكرناها عنه أن الله عزوجل خلق السموات والارض قبل خلقه الزمان والايام والليالي وقبل الشمس والقمر والله أعلم القول في الابانة عن فناء الزمان والليل والنهار وأن لا شئ يبقى غير الله تعالى ذكره والدلالة على صحة ذلك قول الله تعالى ذكره (كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام) وقوله تعالى (لا إله إلا هو كل شئ هالك إلا وجهه) فان كان كل شئ هالك غير وجهه كما قال عزوجل وكان الليل والنهار ظلمة أو نورا خلقهما لمصالح خلقه فلا شك أنهما فانيان هالكان كما أخبر جل ثناؤه وكما قال عزوجل (إذ الشمس كورت) يعنى بذلك أنها عميت فذهب ضرؤها وذلك عند قيام الساعة وهذا ما لا يحتاج إلى الاكثار فيه إذ كان مما يدين بالاقرار به جميع أهل التوحيد من أهل الاسلام وأهل التوراة والانجيل والمجوس وإنما ينكره قوم من غير أهل التوحيد لم نقصد بهذا الكتاب قصد الابانة عن خطا قولهم وكل الذى ذكرنا عنهم أنهم مقرون بفناء جميع العالم حتى لا يبقى غير القديم الواحد مقرون بأن الله عزوجل محييهم بعد فنائهم وباعثهم بعد هلاكهم خلا قوم من عبد ة الاوثان فانهم يقرون بالفناء وينكرون البعث. القول في الدلالة على أن الله عزوجل القديم الاول قبل كل شئ وأنه هو المحدث كل شئ بقدرته تعالى ذكره فمن الدلالة على ذلك أن لا شئ في العالم مشاهد إلا جسم أو قائم بجسم وأنه لا جسم الا مفترق أو مجتمع وأنه لا مفترق منه إلا وهو موهوم فيه الائتلاف إلى غيره من اشكاله ولا مجتمع منه الا وهو موهوم فيه الافتراق وأنه متى عدم أحدهما عدم الآخر معه وأنه إذا اجتمع الجزآن منه بعد الافتراق فمعلوم أن اجتماعهما حادث فيهما بعد أن لم يكن وأن الافتراق إذا حدث فيهما بعد الاجتماع

[ 19 ]

فمعلوم أن الافتراق فيهما حادث بعد أن لم يكن وإذا كان الامر فيما في العالم من شئ كذلك وكان حكم ما لم يشاهد وما هو من جنس ما شاهدنا في معنى جسم أو قائم بجسم وكان ما لم يخل من الحدث لا شك أنه محدث بتأليف مؤلف له إن كان مجتمعا وتفريق مفرق له إن كان مفترقا وكان معلوما بذلك أن جامع ذلك إن كان مجتمعا ومفرقه إن كان مفترقا من لا يشبهه ومن لا يجوز عليه الاجتماع والافتراق وهو الواحد القادر الجامع بين المختلفات الذى لا يشبهه شئ وهو على كل شئ قدير فبين بما وصفنا أن بارئ الاشياء ومحدثها كان قبل كل شئ وأن الليل والنهار والزمان والساعات محدثات وأن محدثها الذى يدبرها ويصرفها قبلها إذ كان من المحال أن يكون شئ يحدث شيئا الا ومحدثه قبله وأن في قوله تعالى ذكره (أفلا ينظرون إلى الابل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الارض كيف سطحت) لا بلغ الحجج وأدل الدلائل لمن فكر بعقل واعتبر بفهم على قدم بارئها وحدوث كل ما جانسها وأن لها خالقا لا يشبهها وذلك أن كلما ذكر ربنا تبارك وتعالى في هذه الآية من الجبال والارض والابل فان ابن آدم يعالجه ويدبره بتحويل وتصريف وحفر ونحت وهدم غير ممتنع عليه شئ من ذلك ثم ان ابن آدم مع ذلك غير قادر على إيجاد شئ من ذلك من غير أصل فمعلوم أن العاجز عن إيجاد ذلك لم يحدث نفسه وأن الذى هو غير ممتنع ممن أراد تصريفه وتقليبه لم يوجده من هو مثله ولا هو أوجد نفسه وأن الذى أنشأه وأوجد عينه هو الذى لا يعجزه شئ أراده ولا يمتنع على إحداث شئ شاء إحداثه وهو الله الواحد القهار * فان قال قائل فما ينكر أن تكون الاشياء التى ذكرت من فعل قديمين قيل أنكرنا ذلك لوجودنا اتصال التدبير وتمام الخلق * فقلنا لو كان المدبر اثنين لم يخلو من اتفاق أو اختلاف فان كانا متفقين فمعناهما واحد وإنما جعل الواحد اثنين من قال بالاثنين وإن كانا مختلفين كان محالا وجود الخلق على التمام والتدبير على الاتصال لان المختلفين فعل كل واحد منهما خلاف فعل صاحبه بأن أحدهما إذا أحيا أمات الآخر وإذا أوجد أحدهما أفنى الآخر

[ 20 ]

فكان محالا وجود شئ من الخلق على ما وجد عليه من التمام والاتصال وفى قول الله عزوجل ذكره (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون) وقوله عزوجل (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون. عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون) أبلغ حجة وأوجز بيان وأدل دليل على بطول ما قاله المبطلون من أهل الشرك بالله وذلك أن السموات والارض لو كان فيهما إله غير الله لم يخل أمرهما مما وصفت من اتفاق واختلاف وفى القول باتفاقهما فساد القول بالتثنية وإقرار بالتوحيد وإحالة في الكلام بأن قائله سمى الواحد اثنين وفى القول باختلافهما القول بفساد السموات والارض كما قال ربنا عزوجل " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا " لان أحدهما كان إذا أحدث شيئا وخلقه كان من شأن الآخر إعدامه وإبطاله وذلك أن كل مختلفين فأفعالهما مختلفة كالنار التى تسخن والثلج الذى يبرد ما أسخنته النار وأخرى أن ذلك لو كان كما قاله المشركون بالله لم يخل كل واحد من الاثنين اللذين أثبتوهما قديمين من أن يكونا قويين أو عاجزين فإن كانا عاجزين فالعاجز مقهور وغير كائن إلها وإن كانا قويين فإن كل واحد منهما يعجزه عن صاحبه عاجز والعاجز لا يكون إلها فان كان كل واحد منهما قويا على صاحبه فهو بقوة صاحبه عليه عاجز، تعالى ذكره عما يشرك المشركون * فتبين إذا أن القديم بارئ الاشياء وصانعها هو الواحد الذى كان قبل كل شئ * وهو الكائن بعد كل شئ والاول قبل كل شئ والآخر بعد كل شئ وأنه كان ولا وقت ولا زمان * ولا ليل ولا نهار ولاظلمة ولا نور إلا نور وجهه الكريم ولا سماء ولا أرض ولا شمس ولا قمر ولا نجوم وأن كل شئ سواه محدث مدبر مصنوع انفرد بخلق جميعه بغير شريك ولا معين ولا ظهير سبحانه من قادر قاهر * وقد حدثنى على بن سهل الرملي قال حدثنا زيد بن أبى الزرقاء عن جعفر عن يزيد بن الاصم عن أبى هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: انكم تسألون بعدى عن كل شئ حتى يقول القائل هذا

[ 21 ]

الله خلق كل شئ فمن ذا خلقه * حدثنى على حدثنا زيد عن جعفر قال قال يزيد ابن الاصم حدثنى نجية بن صبيغ قال كنت عند أبى هريرة فسألوه عن هذا فكبر وقال ما حدثنى خليل بشئ، إلا قد رأيته وأنا أنتظره قال جعفر فبلغني أنه قال إذا سألكم الناس عن هذا فقولوا: الله خالق كل شئ الله كان قبل كل شئ والله كائن بعد كل شئ فإذا كان معلوما أن خالق الاشياء وبارئها كان ولا شئ غيره وأنه أحدث الاشياء فدبرها وأنه قد خلق صنوفا من خلقه قبل خلق الازمنة والاوقات وقبل خلق الشمس والقمر اللذين يجريهما في أفلاكهما وبهما عرفت الاوقات والساعات وأرخت التاريخات وفصل بين الليل والنهار فلنقل في ما ذلك الخلق الذى خلق قبل ذلك وما كان أوله: القول في ابتداء الخلق ما كان أوله صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما حدثنى به يونس بن عبد الاعلى قال أخبرنا ابن وهب قال حدثنى معاوية بن صالح وحدثني عبيد بن آدم بن أبى إياس العسقلاني قال حدثنا أبى قال حدثنا الليث بن سعد عن معاوية بن صالح عن أيوب ابن زياد قال حدثنى عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال أخبرني أبى قال قال أبى عبادة بن الصامت يا بنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب فجرى في تلك الساعة بما هو كائن * حدثنى أحمد ابن محمد بن حبيب قال حدثنا على بن الحسن بن شقيق قال أخبرنا عبد الله بن المبارك قال أخبرنا رياح بن يزيد عن عمر بن حبيب عن القاسم بن أبى بزة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن أول شئ خلق الله القلم وأمره أن يكتب كل شئ * حدثنى موسى بن سهل الرملي حدثنا نعيم بن حماد حدثنا ابن المبارك قال أخبرنا رياح بن يزيد عن عمر بن حبيب عن القاسم بن أبى بزة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه * حدثنى محمد بن معاوية الانماطى حدثنا عباد بن العوام حدثنا

[ 22 ]

عبد الواحد بن سليم قال سمعت عطاء قال سألت الوليد بن عبادة بن الصامت كيف كانت وصية أبيك حين حضره الموت ؟ قال دعاني فقال أي بنى اتق الله واعلم أنك لن تتقى الله ولن تبلغ العلم حتى تؤمن بالله وحده والقدر خيره وشره انى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أول ما خلق الله عزوجل خلق القلم فقال له اكتب قال يا رب وما أكتب قال اكتب القدر قال فجرى القلم في تلك الساعة بما كان وبما هو كائن إلى الابد * وقد اختلف السلف قبلنا في ذلك فنذكر أقوالهم ثم نتبع البيان عن ذلك إن شاء الله تعالى. فقال بعضهم في ذلك بنحو الذى روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ذكر من قال ذلك * حدثنى واصل بن عبد الاعلى الاسدي قال حدثنا محمد بن فضيل عن الاعمش عن أبى ظبيان عن ابن عباس قال أول ما خلق الله من شئ القلم فقال له اكتب فقال وما أكتب يا رب قال اكتب القدر قال فجرى القلم بما هو كائن من ذلك إلى قيام الساعة ثم رفع بخار الماء ففتق منه السموات * حدثنا واصل ابن عبد الاعلى قال حدثنا وكيع عن الاعمش عن أبى ظبيان عن ابن عباس نحوه * حدثنا محمد بن المثنى قال حدثنا ابن أبى عدى عن شعبة عن سليمان عن أبى ظبيان عن ابن عباس قال أول ما خلق الله من شئ القلم فجرى بما هو كائن * حدثنا تميم ابن المنتصر أخبرنا اسحاق عن شريك عن الاعمش عن أبى ظبيان أو مجاهد عن ابن عباس بنحوه * حدثنا محمد بن عبد الاعلى قال حدثنا ابن ثور قال حدثنا معمر حدثنا الاعمش أن ابن عباس قال إن أول شئ خلق القلم * حدثنا ابن حميد حدثنا جرير عن عطاء عن أبى الضحى مسلم بن صبيح عن ابن عباس قال إن أول شئ خلق ربى عزوجل القلم فقال له اكتب فكتب ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة. وقال آخرون بل أول شئ خلق الله عزوجل من خلقه: النور والظلمة ذكر من قال ذلك * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل قال ابن اسحاق كان أول ما خلق

[ 23 ]

خلق السموات والارض فلما فرغ من السماء قبل أن يخلق أقوات الارض بث أقوات الارض فيها بعد خلق السماء وأرسى الجبال يعنى بذلك دحاها ولم تكن تصلح أقوات الارض ونباتها إلا بالليل والنهار فذلك قوله عز وجل " والارض بعد ذلك دحاها " ألم تسمع أنه قال " أخرج منها ماءها ومرعاها " قال أبو جعفر والصواب من القول في ذلك عندنا ما قاله الذين قالوا إن الله خلق الارض يوم الاحد وخلق السماء يوم الخميس وخلق النجوم والشمس والقمر يوم الجمعة لصحة الخبر الذى ذكرنا قبل عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وغير مستحيل ما روينا في ذلك عن ابن عباس من القول وهو أن يكون الله تعالى ذكره خلق الارض ولم يدحها ثم خلق السموات فسواهن ثم دحا الارض بعد ذلك فأخرج منها ماءها ومرعاها والجبال أرساها بل ذلك عندي هو الصواب من القول في ذلك وذلك أن معنى الدحو غير معنى الخلق وقال الله عزوجل (أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها. رفع سمكها فسواها. وأغطش ليلها وأخرج ضحاها، والارض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها. والجبال أرساها) * فان قال قائل فانك قد علمت أن جماعة من أهل التأويل قد وجهت قول الله " والارض بعد ذلك دحاها " إلى معنى مع ذلك دحاها فما برهانك على صحة ما قلت من أن ذلك بمعنى بعد التى هي خلاف قبل ؟ * قيل والمعروف من معنى بعد في كلام العرب هو الذى قلنا من أنها بخلاف معنى قبل لا بمعنى مع وإنما توجه معاني الكلام إلى الاغلب عليه من معانيه المعروفة في أهله لا إلى غير ذلك * وقد قيل إن الله خلق البيت العتيق على الماء على أربعة أركان قبل أن يخلق الدنيا بألفى عام ثم دحيت الارض من تحته ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حميد قال حدثنا يعقوب القمى عن جعفر عن عكرمة عن ابن عباس قال وضع البيت على الماء على أربعة أركان قبل أن يخلق الدنيا بألفى عام ثم

[ 24 ]

قد فرغ منه، وكذلك قول ابن اسحاق الذى ذكرناه عنه معناه أن الله خلق النور والظلمة بعد خلقه عرشه والماء الذى عليه عرشه وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى رويناه عنه أولى قول في ذلك بالصواب لانه كان أعلم قائل في ذلك قولا يحقيقته وصحته وقد روينا عنه عليه السلام أنه قال: أول شى خلقه الله عز وجل القلم من غير استثناء منه شيئا من الاشياء انه تقدم خلق الله اياه خلق القلم بل عم بقوله صلى الله عليه وسلم أن أول شئ خلقه الله القلم قبل كل شئ إن القلم مخلوق قبله من غير استثنائه من ذلك عرشا ولا ماء ولا شيئا غير ذلك * فالرواية التى رويناها عن أبى ظبيان وأبى الضحى عن ابن ابن عباس أولى بالصحة عن ابن عباس من خبر مجاهد عنه الذى رواه عنه أبو هاشم إذ كان أبو هاشم قد اختلف في رواية ذلك عنه شعبة وسفيان على ما قد ذكرت من اختلافهما فيها وأما ابن إسحاق فإنه لم يسند قوله الذى قاله في ذلك إلى أحد وذلك من الامور التى لا يدرك علمها إلا بخبر من الله عزوجل أو خبر من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ذكرت الرواية فيه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم القول في الذى ثنى خلق القلم ثم إن الله جل جلاله خلق بعد القلم وبعد أن أمره فكتب ما هو كائن إلى قيام الساعة سحابا رقيقا وهو الغمام الذى ذكره عزوجل ذكره في محكم كتابه فقال (هل ينظرون إلا أن ياتيهم الله في ظلل من الغمام) وذلك قبل أن يخلق عرشه وبذلك ورد الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم * حدثنا ابن وكيع ومحمد بن هارون القطان قال حدثنا يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة عن يعلى ابن عطاء عن وكيع بن حدس عن عمه أبى رزين قال قلت يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه ؟ قال كان في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء ثم خلق عرشه على الماء * حدثنى المثنى بن ابراهيم قال حدثنا الحجاج قال حدثنا حماد

[ 25 ]

عن يعلى بن عطاء عن وكيع بن حدس عن عمه أبى رزين العقيلى قال قلت يا رسول الله أين كان ربنا عزوجل قبل أن يخلق السموات والارض ؟ قال في عماء فوقه هواء وتحته هواء ثم خلق عرشه على الماء * حدثنا خلاد بن أسلم حدثنا النضر ابن شميل قال حدثنا المسعودي أخبرنا جامع بن شداد عن صفوان بن محرز عن ابن حصين وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أتى قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخلوا عليه فجعل يبشرهم ويقولون اعطنا حتى ساء ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرجوا من عنده وجاء قوم آخرون فدخلوا عليه فقالوا جئنا نسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ونتفقه في الدين ونسأله عن بدء هذا الامر قال فاقبلوا البشرى إذ لم يقبلها أولئك الذين خرجوا قالوا قبلنا فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: كان الله عزوجل لا شئ غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر قبل كل شئ ثم خلق سبع سموات ثم أتانى آت فقال تلك ناقتك قد ذهبت فخرجت ينقطع دونها السراب ولو ددت أنى تركتها * حدثنى أبو كريب حدثنا أبو معاوية عن الاعمش عن جامع بن شداد عن صفوان بن محرز عن عمران بن الحصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقبلوا البشرى يا بنى تميم فقالوا قد بشرتنا فأعطنا فقال اقبلوا البشرى يا أهل اليمن فقالوا قد قبلنا فأخبرنا عن هذا الامر كيف كان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كان الله عزوجل على العرش وكان قبل كل شئ وكتب في اللوح كل شئ يكون قال فأتاني آت فقال يا عمران هذه ناقتك قد حلت عقالها فقمت فإذا السراب ينقطع بينى وبينها فلا أدرى ما كان بعد ذلك. ثم اختلف في الذى خلق تعالى ذكره بعد العماء * فقال بعضهم خلق بعد ذلك عرشه ذكر من قال ذلك * حدثنى محمد بن سنان حدثنا أبو سلمة قال حدثنا حيان عن عبيدالله عن الضحاك ابن مزاحم قال: قال ابن عباس إن الله عزوجل خلق العرش أول ما خلق فاستوى

[ 26 ]

عليه وقال آخرون خلق الله عزوجل الماء قبل العرش ثم خلق عرشه فوضعه على الماء. ذكر من قال ذلك * حدثنا موسى بن هارون الهمذانى قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط بن نصر عن السدى في خبر ذكره عن أبى مالك وعن أبى صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمذانى عن عبد الله بن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا إن الله عزوجل كان عرشه على الماء ولم يخلق شيئا غير ما خلق قبل الماء * حدثنى محمد بن سهل بن عسكر قال حدثنا اسماعيل ابن عبد الكريم قال حدثنى عبد الصمد بن معقل قال سمعت وهب بن منبه يقول: إن العرش كان قبل أن يخلق السموات والارض على الماء فلما أراد أن يخلق السموات والارض قبض من صفاة الماء قبضة ثم فتح القبضة فارتفعت دخانا ثم قضاهن سبع سموات في يومين ودحا الارض في يومين وفرغ من الخلق اليوم السابع * وقد قيل إن الذى خلق ربنا عزوجل بعد القلم الكرسي ثم خلق بعد الكرسي العرش ثم بعد ذلك خلق الهواء والظلمات ثم خلق الماء فوضع عرشه عليه * قال أبو جعفر وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال إن الله تبارك وتعالى خلق الماء قبل العرش لصحة الخبر الذى ذكرت قبل عن أبى رزين العقيلى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال حين سئل أين كان ربنا عزوجل قبل أن يخلق خلقه قال كان في عماء ما تحته وهواء وما فوقه هواء ثم خلق عرشه على الماء. فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الله خلق عرشه على الماء ومحال إذا كان خلقه على الماء أن يكون خلقه عليه والذى خلقه عليه غير موجود إما قبله أو معه فإذا كان ذلك كذلك فالعرش لا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون خلق بعد خلق الله الماء وإما أن يكون خلق هو والماء معا وإما أن يكون خلقه قبل خلق الماء فذلك غير جائز صحته على ما روى عن أبى رزين عن النبي صلى الله عليه وسلم * وقد قيل إن الماء كان على متن الريح حين خلق عرشه عليه فإن

[ 27 ]

كان ذلك كذلك فقد كان الماء والريح خلقا قبل العرش ذكر من قال كان الماء على متن الريح * حدثنى ابن وكيع قال حدثنا أبى عن سفيان عن الاعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير قال سئل ابن عباس عن قوله عزوجل (وكان عرشه على الماء) على أي شئ كان الماء ؟ قال على متن الريح * حدثنا محمد بن عبد الاعلى حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن الاعمش عن سعيد بن جبير قال سئل ابن عباس عن قوله عزوجل (وكان عرشه على الماء) على أي شئ كان الماء قال على متن الريح * حدثنا القاسم بن الحسن قال حدثنا الحسين بن داود حدثنى حجاج عن ابن جريج عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مثله * قال والسموات والارض وكل ما فيهن من شئ يحيط بها البحار ويحيط بذلك كله الهيكل ويحيط بالهيكل - فيما قيل - الكرسي ذكر من قال ذلك * حدثنى محمد بن سهل بن عسكر حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال حدثنى عبد الصمد أنه سمع وهبا يقول وذكر من عظمته فقال إن السموات والارض والبحار لفى الهيكل وإن الهيكل لفى الكرسي وإن قدميه عزوجل لعلى الكرسي وهو يحمل الكرسي وعاد الكرسي كالنعل في قدميه، وسئل وهب ما الهيكل ؟ قال شئ من أطراف السموات محدق بالارضين والبحار كأطناب الفسطاط. وسئل وهب عن الارضين كيف هي قال هي سبع أرضين ممهدة جزائر بين كل أرضين بحر والبحر محيط بذلك كله والهيكل من وراء البحر وقد قيل إنه كان بين خلقه القلم وخلقه سائر خلقه ألف عام ذكر من قال ذلك * حدثنا القاسم بن الحسن قال حدثنا الحسين بن داود قال حدثنا مبشر الحلبي عن أرطاة بن المنذر قال سمعت ضمرة يقول: إن الله خلق القلم فكتب به ما هو

[ 28 ]

خالق وما هو كائن من خلقه ثم إن ذلك الكتاب سبح الله ومجده ألف عام قبل أن يخلق شيئا من الخلق فلما أراد جل جلاله خلق السموات والارض خلق فيما ذكر أياما ستة فسمى كل يوم منهن باسم غير الذى سمى به الآخر * وقيل إن اسم أحد تلك الايام الستة أبجد واسم الآخر منهن هوز واسم الثالث منهن حطى واسم الرابع كلمن واسم الخامس سعفص واسم السادس منهن قرشت ذكر من قال ذلك * حدثنى الحضرمي قال حدثنا مصرف بن عمرو الايامى حدثنا حفص بن غياث عن العلاء بن المسيب عن رجل من كندة قال سمعت الضحاك بن مزاحم يقول خلق الله السموات والارض في ستة أيام ليس منها يوم إلا له اسم أبجد هوزحطى كلمن سعفص قرشت * وقد حدث به عن حفص غير مصرف وقال عنه عن العلاء بن المسيب قال حدثنى شيخ من كندة قال لقيت الضحاك بن مزاحم فحدثني قال سمعت زيد بن أرقم قال إن الله تعالى خلق السموات والارض في ستة أيام لكل يوم منها اسم أبجد هوز حطى كلمن سعفص قرشت * وقال آخرون بل خلق الله واحدا فسماه الاحد وخلق ثانيا فسماه الاثنين وخلق ثالثا فسماه الثلاثاء ورابعا فسماء الاربعاء وخامسا فسماه الخميس ذكر من قال ذلك * حدثنا تميم بن المنتصر قال أخبرنا إسحاق عن شريك عن غالب بن غلاب عن عطاء بن أبى رباح عن ابن عباس قال: إن الله خلق يوما واحدا فسماه الاحد ثم خلق ثانيا فسماه الاثنين ثم خلق ثالثا فسماه الثلاثاء ثم خلق رابعا فسماه الاربعاء ثم خلق خامسا فسماه الخميس وهذان القولان غير مختلفين إذ كان ذلك جائزا أن يكون أسماء ذلك بلسان العرب على ما قاله عطاء وبلسان آخرين على ما قاله الضحاك بن مزاحم * وقد قيل إن الايام سبعة لا ستة ذكر من قال ذلك * حدثنى محمد بن سهل بن عسكر حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم حدثنى

[ 29 ]

عبد الصمد بن معقل قال سمعت وهب بن منبة يقول الايام سبعة * وكلا القولين اللذين روينا أحدهما عن الضحاك وعطاء من أن الله خلق الايام الستة والآخر منهما عن وهب بن منبه من أن الايام سبعة صحيح مؤتلف غير مختلف وذلك أن معنى قول عطاء والضحاك في ذلك كان أن الايام التى خلق الله فيهن الخلق من حين ابتدائه في خلق السماء والارض وما فيهن إلى أن فرغ من جميعه ستة أيام كما قال جل ثناؤه (وهو الذي خلق السموات والارض في ستة أيام) وأن معنى قول وهب بن منبه في ذلك كان أن عدد الايام التى هي أيام الجمعة سبعة أيام لا ستة * واختلف السلف في اليوم الذى ابتدأ الله عزوجل فيه في خلق السموات والارض فقال بعضهم ابتدأ في ذلك يوم الاحد ذكر من قال ذلك * حدثنا إسحاق بن شاهين حدثنا خالد بن عبد الله عن الشيباني عن عون بن عبد الله بن عتبة عن أخيه عبيدالله بن عبد الله بن عتبة قال قال عبد الله بن سلام إن الله تبارك وتعالى ابتدأ الخلق فخلق الارض يوم الاحد ويوم الاثنين * حدثنى المثنى بن إبراهيم حدثنى عبد الله بن صالح حدثنى أبو معشر عن سعيد ابن أبى سعيد عن عبد الله بن سلام أنه قال إن الله عزوجل بدأ الخلق يوم الاحد فخلق الارضين في الاحد والاثنين * حدثنا ابن حميد قال حدثنا جرير عن الاعمش عن أبى صالح عن كعب قال بدأ الله بخلق السموات والارض يوم الاحد والاثنين * حدثنى محمد بن أبى منصور الآملي حدثنا على بن الهيثم عن المسيب ابن أبى شريك عن أبى روق عن الضحاك في قوله تعالى " وهو الذى خلق السموات والارض في ستة أيام " قال من أيام الآخرة كل يوم مقداره ألف سنة ابتدأ الخلق يوم الاحد * حدثنى المثنى حدثنا الحجاج حدثنا أبو عوانة عن أبى بشر عن مجاهد قال بدأ الخلق يوم الاحد * وقال آخرون اليوم الذى ابتدأ الله فيه في ذلك يوم السبت

[ 30 ]

ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل قال حدثنى محمد بن اسحاق قال يقول أهل التوراة ابتدأ الله الخلق يوم الاحد وقال أهل الانجيل ابتدأ الله الخلق يوم الاثنين ونقول نحن المسلمون فيما انتهى الينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدأ الله الخلق يوم السبت * وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى قال كل فريق من هذين الفريقين اللذين قال أحدهما ابتدأ الله الخلق في يوم الاحد وقال الآخر منهما ابتدأ في يوم السبت وقد مضى ذكرنا الخبرين غير أنا نعيد من ذلك في هذا الموضع بعض ما فيه من الدلالة على صحة قول كل فريق منهما * فأما الخبر عنه بتحقيق ما قال القائلون كان ابتداء الخلق يوم الاحد فما حدثنا به هناد بن السرى قال حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبى سعد البقال عن عكرمة عن ابن عباس قال هناد وقرأت سائر الحديث أن اليهود أتت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته عن خلق السموات والارض فقال خلق الله الارض يوم الاحد والاثنين * وأما الخبر عنه بتحقيق ما قاله القائلون من أن ابتداء الخلق كان يوم السبت فما حدثنى القاسم بن بشر بن معروف والحسين بن على الصدائى قالا حدثنا حجاج قال ابن جريج أخبرنا إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أبى هريرة قال أخذ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بيدى فقال خلق الله التربة يوم السبت وخلق الجبال يوم الاحد وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال اليوم الذى ابتدأ الله تعالى ذكره فيه خلق السموات والارض يوم الاحد لاجماع السلف من أهل العلم على ذلك فأما ما قال ابن اسحاق في ذلك فانه إنما استدل بزعمه على أن ذلك كذلك لان الله عز ذكره فرغ من خلق جميع خلقه يوم الجمعة وذلك اليوم السابع وفيه استوى على العرش وجعل ذلك اليوم عيدا للمسلمين ودليله على ما زعم أنه استدل به على صحة قوله فيما حكينا عنه من ذلك هو الدليل على خطإه فيه وذلك أن الله تعالى أخبر عباده في غير موضع من تنزيله أنه خلق

[ 31 ]

السموات والارض وما بينهما في ستة أيام فقال (الله الذئى خلق السموات والارض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولى ولا شفيع أفلا تتذكرون) وقال تعالى ذكره (قل أئنكم لتكفرون بالدى خلق الارض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين. ثم استوى إلى السماء وهى دخان فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين. فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى) الآية ولا خلاف عند جميع أهل العلم أن اليومين اللذين ذكرهما الله تبارك وتعالى في قوله " فقضاهن سبع سموات في يومين " داخلان في الايام الستة اللاتى ذكرهن قبل ذلك فمعلوم إذ كان الله عزوجل إنما خلق السموات والارضين وما فيهن من ستة أيام وكانت الاخبار مع ذلك متظاهرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن آخر ما خلق الله من خلقه آدم وأن خلقه إياه كان في يوم الجمعة * إن يوم الجمعة الذى فرغ فيه من خلق خلقه داخل في الايام الستة التى أخبر الله تعالى ذكره أنه خلق خلقه فيهن لان ذلك لو لم يكن داخلا في الايام الستة كان إنما خلق خلقه في سبعة أيام لا في ستة وذلك خلاف ما جاء به التنزل، فتبين إذا إذ كان الامر كالذى وصفنا في ذلك أن أول الايام التى ابتدأ الله فيها خلق السموات والارض وما فيهن من خلقه يوم الاحد إذ كان الآخر يوم الجمعة وذلك ستة أيام كما قال ربنا جل حلاله * فأما الاخبار الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه بأن الفراغ من الخلق كان يوم الجمعة فسنذكرها في مواضعها إن شاء الله تعالى القول فيما خلق الله في كل يوم من الايام الستة التى ذكر الله عزوجل في كتابه أنه خلق فيهن المسوات والارض وما بينهما اختلف السلف من أهل العلم في ذلك فقال بعضهم ما حدثنى به المثنى بن إبراهيم

[ 32 ]

قال حدثنا عبد الله بن صالح حدثنى أبو معشر عن سعيد بن أبى سعيد عن عبد الله ابن سلام أنه قال إن الله بدأ بالخلق يوم الاحد فخلق الارضين في الاحد والاثنين وخلق الاقوات والرواسي في الثلاثاء والاربعاء وخلق السموات في الخميس والجمعة وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة فخلق فيها آدم على عجل فتلك الساعة التى تقوم فيها الساعة * حدثنى موسى بن هارون حدثنا عمرو بن حماد حدثنا أسباط عن السدى في خبر ذكره عن أبى مالك وعن أبى صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا جعل يعنون ربنا تبارك وتعالى سبع أرضين في يومين الاحد والاثنين وجعل فيها رواسي أن تميد بكم وخلق الجبال فيها وأقوات أهلها وشجرها وما ينبغى لها في يومين في الثلاثاء والاربعاء ثم استوى إلى السماء وهى دخان فجعلها سماء واحدة ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين الخميس والجمعة * حدثنا تميم ابن المنتصر قال أخبرنا اسحاق عن شريك عن غالب عن عطاء بن أبى رباح عن ابن عباس قال خلق الله الارض في يومين الاحد والاثنين * ففى قول هؤلاء خلقت الارض قبل السماء لانها خلقت عندهم في الاحد والاثنين * وقال آخرون خلق الله عزوجل الارض قبل السماء بأقواتها من غير أن يدحوها ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات ثم دحا الارض بعد ذلك ذكر من قال ذلك حدثنى على بن داود قال حدثنا أبو صالح قال حدثنى معاوية عن على بن أبى طلحة عن ابن عباس قوله عزوجل حيث ذكر خلق الارض قبل السماء ثم ذكر السماء قبل الارض وذلك أن الله خلق الارض بأقواتها من غير أن يدحوها قبل السماء ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات ثم دحا الارض بعد ذلك فذلك قوله (والارض بعد ذلك دحاها) * حدثنى محمد بن سعد قال حدثنى أبى قال حدثنى عمى قال حدثنى أبى عن أبيه عن ابن عباس (والارض بعد ذلك دحاها. أخرج منها ماءها ومرعاها. والجبال أرساها) يعنى أنه

[ 33 ]

الله عزوجل النور والظلمة ثم ميز بينهما فجعل الظلمة ليلا أسود مظلما وجعل النور نهارا مضيئا مبصرا * قال أبو جعفر وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول ابن عباس للخبر الذى ذكرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: أول شئ خلق الله القلم * فإن قال لنا قائل فإنك قلت أولى القولين اللذين أحدهما أن أول شئ خلق الله من خلقه القلم والآخر أنه النور والظلمة قول من قال إن أول شئ خلق الله من خلقه القلم فما وجه الرواية عن ابن عباس التى حدثكموها ابن بشار قال حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن أبى هاشم عن مجاهد قال قلت لابن عباس إن ناسا يكذبون بالقدر فقال إنهم يكذبون بكتاب الله لآخذن بشعر أحدهم فلانفضن به إن الله تعالى ذكره كان على عرشه قبل أن يخلق شيئا فكان أول ما خلق الله القلم فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة وإنما يجرى الناس على أمر قد فرغ منه وعن ابن اسحاق التى حدثكموها ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال يقول الله عزوجل (وهو الذى خلق السموات والارض في ستة أيام وكان عرشه على الماء) فكان كما وصف نفسه عزوجل إذ ليس الا الماء عليه العرش وعلى العرش ذو الجلال والاكرام فكان أول ما خلق الله النور والظلمة * قيل أما قول ابن عباس إن الله تبارك وتعالى كان عرشه على الماء قبل أن يخلق شيئا فكان أول ما خلق الله القلم ان كان صحيحا عنه أنه قاله فهو خبر منه أن الله خلق القلم بعد خلقه عرشه وقد روى عن أبى هاشم هذا الخبر شعبة ولم يقل فيه ما قال سفيان من أن الله عزوجل كان على عرشه فكان أول ما خلق القلم بل روى ذلك كالذى رواه سائر من ذكرنا من الرواة عن ابن عباس أنه قال أول ما خلق الله عزوجل القلم ذكر من قال ذلك حدثنا ابن المثنى قال حدثنى عبد الصمد قال حدثنا شعبة قال حدثنا أبو هاشم سمع مجاهدا قال سمعت عبد الله لا يدرى ابن عمر أو ابن عباس قال إن أول ما خلق الله القلم فقال له اجر فجرى القلم بما هو كائن وانما يعمل الناس اليوم فيما

[ 34 ]

دحيت الارض من تحت البيت * حدثنا ابن حميد قال حدثنا مهران عن سفيان عن الاعمش عن بكير بن الاخنس عن مجاهد عن عبد الله بن عمر قال خلق الله البيت قبل الارض بألفى سنة ومنه دحيت الارض * وإذا كان الامر كذلك كان خلق الارض قبل خلق السموات ودحو الارض وهو بسطها بأقواتها ومراعيها ونباتها بعد خلق السموات كما ذكرنا عن ابن عباس وقد حدثنا ابن حميد قال حدثنى مهران عن أبى سنان عن أبى بكر قال جاء اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد أخبرنا ما خلق الله من الخلق في هذه الايام الستة ؟ فقال خلق الارض يوم الاحد والاثنين وخلق الجبال يوم الثلاثاء وخلق المدائن والاقوات والانهار وعمرانها وخرابها يوم الاربعاء وخلق السموات والملائكة يوم الخميس إلى ثلاث ساعات بقين من يوم الجمعة وخلق في أول الثلاث ساعات الآجال وفى الثانية الآفة وفى الثالثة آدم قالوا صدقت إن أتممت، فعرف النبي صلى الله عليه وسلم ما يريدون فغضب فأنزل الله تعالى (وما مسنا من لغوب فاصبر على ما يقولون) * فان قال قائل فان كان الامر كما وصفت من أن الله تعالى خلق الارض قبل السماء فما معنى قول ابن عباس الذى حدثكموه واصل بن عبد الاعلى الاسدي قال حدثنا محمد بن فضيل عن الاعمش عن أبى ظبيان عن ابن عباس قال أول ما خلق الله تعالى من شئ القلم فقال له اكتب فقال وما أكتب يا رب قال اكتب القدر قال فجرى القلم بما هو كائن من ذلك إلى قيام الساعة ثم رفع بخار الماء ففتق منه السموات ثم خلق النون فدحيت الارض على ظهره فاضطرب النون فمادت الارض فأثبتت بالجبال فانها لتفخر على الارض * حدثنى واصل قال حدثنا وكيع عن الاعمش عن أبى ظبيان عن ابن عباس نحوه * حدثنا ابن المثنى قال حدثنا ابن أبى عدى عن شعبة عن سليمان عن أبى ظبيان عن ابن عباس قال أول ما خلق الله تعالى القلم فجرى بما هو كائن ثم رفع بخار الماء فخلقت منه السموات ثم خلق النون فبسطت الارض على ظهر النون فتحرك النون فمادت الارض

[ 35 ]

فأثبتت بالجبال فان الجبال لتفخر على الارض قال وقرأ " ن والقلم وما يسطرون " * حدثنى تميم بن المنتصر قال أخبرنا إسحاق عن شريك عن الاعمش عن أبى ظبيان عن مجاهد عن ابن عباس بنحوه إلا أنه قال ففتقت منه السموات * حدثنا ابن بشار قال حدثنا يحيى قال حدثنا سفيان قال حدثنى سليمان عن أبى ظبيان عن ابن عباس قال أول ما خلق الله تعالى القلم فقال اكتب فقال ما أكتب قال اكتب القدر قال فجرى بما هو كائن من ذلك اليوم إلى قيام الساعة ثم خلق النون ورفع بخار الماء ففتقت منه السماء وبسطت الارض على ظهر النون فاضطرب النون فمادت الارض فأثبتت بالجبال قال فانها لتفخر على الارض * حدثنا ابن حميد قال حدثنا جرير عن عطاء بن السائب عن أبى الضحى مسلم بن صبيح عن ابن عباس قال أول شئ خلق الله تعالى القلم فقال له اكتب فكتب ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة ثم خلق النون فوق الماء ثم كبس الارض عليه * قيل ذلك صحيح على ما روى عنه وعن غيره من معنى ذلك مشروحا مفسرا غير مخالف شيئا مما روينا عنه في ذلك * فان قال وما الذى روى عنه وعن غيره من شرح ذلك الدال على صحة كل ما رويت لنا في هذا المعنى عنه * قيل له حدثنى موسى بن هارون الهمداني وغيره قالوا حدثنا عمرو بن حماد حدثنا أسباط بن نصر عن السدى عن أبى مالك وعن أبى صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن عبد الله بن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم (هو الذى خلق لكم ما في الارض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات) قال إن الله تعالى كان عرشه على الماء ولم يخلق شيئا غير ما خلق قبل الماء فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانا فارتفع فوق الماء فسما عليه فسماه سماء ثم يبس الماء فجعله أرضا واحدة ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في يومين في الاحد والاثنين فخلق الارض على حوت والحوت هو النون الذى ذكر الله عزوجل في القرآن (ن والقلم) والحوت في الماء والماء على ظهر صفاة والصفاة على ظهر ملك والملك على صخرة والصخرة في الريح وهى الصخرة التى ذكر لقمان ليست في السماء ولا في الارض فتحرك

[ 36 ]

الحوت فاضطرب فتزلزلت الارض فأرسى عليها الجبال فقرت فالجبال تفخر على الارض فذلك قوله تعالى " ألقى في الارض رواسي أن تميد بكم " * قال أبو جعفر فقد أنبأ قول هؤلاء الذين ذكرت أن الله تعالى أخرج من الماء دخانا حين أراد أن يخلق السموات والارض فسما عليه يعنون بقولهم فسما عليه علا على الماء وكل شئ كان فوق شئ عاليا فهو له سماء ثم أيبس بعد ذلك الماء فجعله أرضا واحدة أن الله خلق السماء غير مسواة قبل الارض ثم خلق الارض وإن كان الامر كما قال هؤلاء فغير محال أن يكون الله تعالى أثار من الماء دخانا فعلاه على الماء فكان له سماء ثم يبس الماء فصار للدخان الذى سما عليه أرضا ولم يدحها ولم يقدر فيها أقواتها ولم يخرج منها ماءها ومرعاها حتى استوى إلى السماء التى هي الدخان الثائر من الماء العالي عليه فسواهن سبع سموات ثم دحا الارض التى كانت ماء فيبسه ففتقه فجعلها سبع أرضين وقدر فيها أقواتها وأخرج منها ماءها ومرعاها والجبال أرساها كما قال عزوجل فيكون كل الذى روى عن ابن عباس في ذلك على ما رويناه صحيحا معناه * وأما يوم الاثنين فقد ذكرنا اختلاف العلماء فيما خلق فيه وما روى في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل * وأما ما خلق في يوم الثلاثاء والاربعاء فقد ذكرنا أيضا بعض ما روى فيه ونذكر في هذا الموضع بعض ما لم نذكر منه قبل فالذي صح عندنا أنه خلق فيهما ما حدثنى به موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد حدثنا أسباط عن السدى في خبر ذكره عن أبى مالك وعن أبى صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن عبد الله بن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلق الجبال فيها يعنى في الارض وأقوات أهلها وشجرها وما ينبغى لها في يومين في الثلاثاء والاربعاء وذلك حين يقول الله عزوجل (أئنكم لتكفرون بالذى خلق الارض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين، وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين) يقول من سأل فهكذا الامر ثم استوى إلى السماء وهى دخان وكان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس

[ 37 ]

فجعلها سماء واحدة ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين في الخميس والجمعة * حدثنى المثنى قال حدثنا أبو صالح قال حدثنى أبو معشر عن سعيد بن أبى سعيد عن عبد الله بن سلام قال إن الله تعالى خلق الاقوات والرواسي في الثلاثاء والاربعاء * حدثنى تميم بن المنتصر قال أخبرنا اسحاق عن شريك عن غالب بن غلاب عن عطاء ابن أبى رباح عن ابن عباس قال إن الله تعالى خلق الجبال يوم الثلاثاء فذلك قول الناس هو يوم ثقيل * قال أبو جعفر والصواب من القول في ذلك عندنا ما رويناه عن النبي صلى الله عليه وسلم * قال إن الله تعالى خلق يوم الثلاثاء الجبال وما فيهن من المنافع وخلق يوم الاربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران والخراب * حدثنا بذلك هناد قال حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبى سعيد البقال عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله * وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله خلق الجبال يوم الاحد والشجر يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء والنور يوم الاربعاء * حدثنى به القاسم بن بشر بن معروف والحسين ابن على الصدائى قالا حدثنا حجاج قال ابن جريج أخبرني إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم * والخبر الاول أصح مخرجا وأولى بالحق لانه قول أكثر السلف وأما يوم الخميس فإنه خلق فيه السموات ففتقت بعد أن كانت رتقا كما حدثنى موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدى في خبر ذكره عن أبى مالك وعن أبى صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن عبد الله ابن معسود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثم استوى إلى السماء وهى دخان وكان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس وجعلها سماء واحدة ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين في الخميس والجمعة وإنما سمى يوم الجمعة لانه جمع فيه خلق السموات والارض وأوحى في كل سماء أمرها قال خلق في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذى فيها من البحار وجبال البرد وما لم يعلم ثم زين السماء الدنيا بالكواكب فجعلها زينة وحفظا تحفظ من الشياطين فلما فرغ من خلق ما أحب استوى على العرش

[ 38 ]

فذلك حين يقول (خلق السموات والارض في ستة أيام) ويقول (كانتا رتقا ففتقناهما) * حدثنى المثنى حدثنا أبو صالح قال حدثنى أبو معشر عن سعيد بن أبى سعيد عن عبد الله بن سلام قال إن الله تعالى خلق السموات في الخميس والجمعة وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة فخلق فيها آدم على عجل فتلك الساعة التى تقوم فيها الساعة * حدثنى تميم قال أخبرنا إسحاق عن شريك عن غالب بن غلاب عن عطاء بن أبى رباح عن ابن عباس قال إن الله تعالى خلق مواضع الانهار والشجر يوم الاربعاء وخلق الطير والوحش والهوام والسباع يوم الخميس وخلق الانسان يوم الجمعة ففرغ من خلق كل شئ يوم الجمعة وهذا الذى قاله من ذكرنا قوله من أن الله عزوجل خلق السموات والملائكة وآدم في يوم الخميس والجمعة وهو الصحيح عندنا للخبر الذى حدثنا به هناد قال حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبى سعيد البقال عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال هناد وقرأت سائر الحديث قال وخلق يوم الخميس السماء وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة إلى ثلاث ساعات بقيت منه فخلق في أول ساعة من هذه الثلاث ساعات الآجال من يحيا ومن يموت وفى الثانية ألقى الآفة على كل شئ مما ينتفع به الناس وفى الثالثة آدم وأسكنه الجنة وأمر إبليس بالسجود وأخرجه منها في آخر ساعة * حدثنى القاسم بن بشر والحسين بن على الصدائى قالا حدثنا حجاج قال ابن جريج أخبرني إسماعيل بن أمية عن أيوب ابن خالد عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أبى هريرة قال أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدى فقال وبث فيها يعنى في الارض الدواب يوم الخميس وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة آخر خلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل * فإذ كان الله تعالى خلق الخلق من لدن ابتداء خلق السموات والارض إلى حين فراغه من خلق جميعهم في ستة أيام وكان كل يوم من الايام الستة التى خلقهم فيهن مقداره ألف سنة من أيام الدنيا وكان بين ابتدائه في خلق ذلك وخلق القلم الذى أمره بكتابة ما هو كائن إلى قيام الساعة ألف عام

[ 39 ]

وذلك يوم من أيام الآخرة التى قدر اليوم الواحد منها ألف عام من أيام الدنيا كان معلوما أن قدر مدة ما بين أول ابتداء ربنا عزوجل في خلق ما خلق من خلقه إلى الفراغ من آخرهم سبعة آلاف عام يزيد إن شاء الله شيئا أو ينقص شيئا على ما قد روينا من الآثار والاخبار التى ذكرناها وتركنا ذكر كثير منها كراهة إطالة الكتاب بذكرها * وإذا كان ذلك كذلك وكان صحيحا أن مدة ما بين فراغ ربنا تعالى ذكره من خلق جميع خلقه إلى وقت فناء جميعهم بما قد دللنا قبل واستشهدنا من الشواهد وبما سنشرح فيما بعد سبعة آلاف سنة تزيد قليلا أو تنقص قليلا كان معلوما بذلك أن مدة ما بين أول خلق خلقه الله تعالى إلى قيام الساعة وفناء جميع العالم أربعة عشر ألف عام من أعوام الدنيا * وذلك أربعة عشر يوما من أيام الآخرة سبعة أيام من ذلك وهى سبعة آلاف عام من أعوام الدنيا مدة ما بين أول ابتداء الله جل وتقدس في خلق أول خلقه إلى فراغه من خلق آخرهم وهو آدم أبو البشر صلوات الله عليه وسبعة أيام أخر وهى سبعة آلاف عام من أعوام الدنيا من ذلك مدة ما بين فراغه جل ثناؤه من خلق آخر خلقه وهو آدم إلى فناء آخرهم وقيام الساعة وعود الامر إلى ما كان عليه قبل أن يكون شئ غير القديم البارئ الذى له الخلق والامر الذى كان قبل كل شئ فلا شئ كان قبله والكائن بعد كل شئ فلا شئ يبقى غير وجهه الكريم * فإن قال قائل وما دليلك على أن الايام الستة التى خلق الله فيهن خلقه كان قدر كل يوم منهن قدر ألف عام من أعوام الدنيا دون أن يكون ذلك كأيام أهل الدنيا التى يتعارفونها بينهم وإنما قال الله عزوجل في كتابه " الذى خلق السموات والارض وما بينهما في ستة أيام " فلم يعلمنا أن ذلك كما ذكرت بل أخبرنا أنه خلق ذلك في ستة أيام * والايام المعروفة عند المخاطبين بهذه المخاطبة هي أيامهم التى أول اليوم منها طلوع الفجر إلى غروب الشمس ومن قولك إن خطاب الله عباده بما خاطبهم به في تنزيله إنما هو موجه إلى الاشهر الاغلب عليه من معانيه وقد وجهت خبر الله في كتابه عن خلقه السموات والارض وما بينهما

[ 40 ]

في ستة أيام إلى غير المعروف من معاني الايام وأمر الله عزوجل إذا أراد شيئا أن يكونه أنفذ وأمضى من أن يوصف بأنه خلق السموات والارض وما بينهما في ستة أيام مقدارهن ستة آلاف عام من أعوام الدنيا وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون وذلك كما قال ربنا تبارك وتعالى (وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر) * قيل له قد قلنا فيما تقدم من كتابنا هذا أنا إنما نعتمد في معظم ما نرسمه في كتابنا هذا على الآثار والاخبار عن نبينا صلى الله عليه وسلم وعن السلف الصالحين قبلنا دون الاستخراج بالعقول والفكر إذ أكثره خبر عما مضى من الامور عما هو كائن من الاحداث وذلك غير مدرك علمه بالاستنباط والاستخراج بالعقول * فإن قال فهل من حجة على صحة ذلك من جهة الخبر * قيل ذلك مالا نعلم قائلا من أئمة الدين قال خلافه * فان قال فهل من رواية عن أحد منهم بذلك قبل علم ذلك عند أهل العلم من السلف كان أشهر من أن يحتاج فيه إلى رواية منسوبة إلى شخص منهم بعينه وقد روى ذلك عن جماعة منهم مسمين بأعيانهم * فإن قال فاذكر هم لنا * قيل * حدثنا ابن حميد قال حدثنا حكام عن عيينة عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال خلق الله السموات والارض في ستة أيام فكل يوم من هذه الايام كألف سنة مما تعدون أنتم * حدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبى عن إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس (في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون) قال الستة الايام التى خلق الله فيها السموات والارض * حدثنا عبد ة حدثنى الحسين بن الفرج قال سمعت أبا معاذ يقول أخبرنا عبيد قال سمعت الضحاك يقول في قوله " في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون " يعنى هذا اليوم من الايام الستة التى خلق الله فيهن السموات والارض وما بينهما * حدثنى المثنى حدثنا على عن المسيب بن شريك عن أبى روق عن الضحاك وهو الذى خلق السموات والارض في ستة أيام قال من أيام الآخرة كل يوم مقداره ألف سنة ابتدأ في الخلق يوم الاحد واجتمع الخلق يوم الجمعة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا جرير عن الاعمش عن أبى صالح عن كعب قال

[ 41 ]

بدأ الله خلق السموات والارض يوم الاحد والاثنين والثلاثاء والاربعاء والخميس وفرغ منها يوم الجمعة قال فجعل مكان كل يوم ألف سنة * حدثنى المثنى قال حدثنا الحجاج حدثنا أبو عوانة عن أبى بشر عن مجاهد قال يوم من الستة الايام كألف سنة مما تعدون * فهذا هذا وبعد فلا وجه لقول قائل وكيف يوصف الله تعالى ذكره بأنه خلق السموات والارض وما بينهما في ستة أيام قدر مدتها من أيام الدنيا ستة آلاف سنة وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون لانه لا شئ يتوهمه متوهم في قول قائل ذلك إلا وهو موجود في قول قائل خلق ذلك كله في ستة أيام مدتها مدة ستة أيام من أيام الدنيا لان أمره جل جلاله إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون القول في الليل والنهار أيهما خلق قبل صاحبه وفى بدء خلق الشمس والقمر وصفتهما إذ كانت الازمنة بهما تعرف قد قلنا في خلق الله عز ذكره ما خلق من الاشياء قبل خلقه الاوقات والازمنة وبيان أن الاوقات والازمنة إنما هي ساعات الليل والنهار وأن ذلك إنما هو قطع الشمس والقمر درجات الفلك فلنقل الآن بأى ذلك كان الابتداء بالليل أم بالنهار إذ كان الاختلاف في دلك موجودا بين ذوى النظر فيه بأن بعضهم يقول فيه خلق الله الليل قبل النهار ويستشهد على حقيقة قوله ذلك بأن الشمس إذا غابت وذهب ضوؤها الذى هو نهار هجم الليل بظلامه فكان معلوما بذلك أن الضياء هو المتورد على الليل وأن الليل إن لم يبطله النهار المتورد عليه هو الثابت فكان بذلك من أمرهما دلالة على أن الليل هو الاول خلقا وأن الشمس هو الآخر منهما خلقا وهذا قول يروى عن ابن عباس * حدثنا ابن بشار حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس قال سئل هل الليل كان قبل النهار ؟ قال أرأيتم حين كانت السموات والارض رتقا هل كان بينهما إلا ظلمة ؟ ذلك لتعلموا أن الليل كان قبل النهار * حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق

[ 42 ]

أخبرنا الثوري عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس قال إن الليل قبل النهار ثم قال كانتا رتقا ففتقناهما * حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا وهب بن جرير حدثنا أبى قال سمعت يحيى بن أيوب يحدث عن يزيد بن أبى حبيب عن مرثد بن عبد الله اليزنى قال لم يكن عقبة بن عامر إذا رأى الهلال هلال رمضان يقوم تلك الليلة حتى يصوم يومها ثم يقوم بعد ذلك فذكرت ذلك لابن حجيرة فقال الليل قبل النهار أم النهار قبل الليل * وقال آخرون كان النهار قبل الليل واستشهدوا لصحة قولهم هذا بأن الله عز ذكره كان ولا ليل ولا نهار ولا شئ غيره وأن نوره كان يضئ به كل شئ خلقه بعد ما خلقه حتى خلق الليل ذكر من قال ذلك * حدثنا على بن سهل حدثنا الحسن بن بلال قال حدثنا حماد بن سلمة عن الزبير بن عبد السلام عن أيوب بن عبد الله الفهرى أن ابن مسعود قال إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار نور السموات من نور وجهه وإن مقدار كل يوم من أيامكم هذه عنده اثنتا عشرة ساعة قال أبو جعفر وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال كان الليل قبل النهار لان النهار هوما ذكرت من ضوء الشمس وإنما خلق الله الشمس وأجراها في الفلك بعد ما دحا الارض فبسطها كما قال عزوجل (أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها. رفع سمكها فسواها. وأغطش ليلها وأخرج ضحاها). فإذا كانت الشمس خلقت بعد ما سمكت السماء وأغطش ليلها فمعلوم أنها كانت قبل أن تخلق الشمس وقبل أن يخرج الله من السماء ضحاها مظلمة لا مضيئة وبعد فان في مشاهدتنا من أمر الليل والنهار ما نشاهده دليلا بينا على أن النهار هو الهاجم على الليل لان الشمس متى غابت فذهب ضوؤها ليلا أظلم الجو فكان معلوما بذلك أن النهار هو الهاجم على الليل بضوئه ونوره والله أعلم * فأما القول في بدء خلقهما فإن الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بوقت خلق الله الشمس والقمر مختلف * فأما ابن عباس فروى عنه أنه قال خلق الله يوم الجمعة الشمس والقمر والنجوم والملائكة إلى ثلاث ساعات بقيت منه * حدثنا بذلك هناد بن السرى قال حدثنا

[ 43 ]

أبو بكر بن عياش عن أبى سعد البقال عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم * وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال خلق الله النور يوم الاربعاء حدثنى بذلك القاسم بن بشر والحسين بن على قالا حدثنا حجاج بن محمد عن ابن جريج عن اسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد عن عبد الله ابن رافع عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال خلق الله عزوجل النور يوم الاربعاء * وأى ذلك كان فقد خلق الله قبل خلقه إياهما خلقا كثيرا غيرهما ثم خلقهما عزوجل لما هو أعلم به من مصلحة خلقه فجعلهما دائبى الجرى ثم فصل بينهما فجعل أحدهما آية الليل والآخر آية النهار فمحا آية الليل وجعل آية النهار مبصرة وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبب اختلاف حالتى آية الليل وآية النهار أخبار أنا ذاكر منها بعض ما حضرني ذكره وعن جماعة من السلف أيضا نحو ذلك، فمما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ما حدثنى محمد بن أبى منصور الآملي حدثنا خلف بن واصل قال حدثنا عمر ابن صبيح أبى نعيم البلخى عن مقاتل بن حيان عبد الرحمن بن أبزى عن أبى ذر الغفاري قال كنت آخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نتماشى جميعا نحو المغرب وقد طفلت الشمس فما زلنا ننظر إليها حتى غابت قال قلت يا رسول الله أين تغرب قال تغرب في السماء ثم ترفع من سماء إلى سماء حتى ترفع إلى السماء السابعة العليا حتى تكون تحت العرش فتخر ساجدة فتسجد معها الملائكة الموكلون بها ثم تقول يا رب من أين تأمرني أن أطلع أمن مغربي أم من مطلعى ؟ قال فذلك قوله عزوجل (والشمس تجرى لمستقر لها) حيث تحبس تحت العرش (ذلك تقدير العزيز العليم) قال يعنى ذلك صنع الرب العزيز في ملكه العليم بخلقه * قال فيأتيها جبرائيل عليه السلام بحلة ضوء من نور العرش على مقادير ساعات النهار في طوله في الصيف أو قصره في الشتاء أو ما بين ذلك في الخريف والربيع قال فتلبس تلك الحلة كما يلبس أحدكم ثيابه ثم ينطلق بها في جو السماء حتى تطلع من مطالعها قال النبي صلى الله عليه وسلم فكأنها قد حبست

[ 44 ]

مقدار ثلاث ليال ثم لا تكسى ضوءا وتؤمر أن تطلع من مغربها فذلك قوله عزوجل (إذ الشمس كورت) قال والقمر كذلك في مطلعه ومجراه في أفق السماء ومغربه وارتفاعه إلى السماء السابعة العليا ومحبسه تحت العرش وسجوده واستئذانه ولكن جبرائيل عليه السلام يأتيه بالحلة من نور الكرسي قال فذلك قوله عزوجل (جعل الشمس ضياء والقمر نورا) قال أبو ذر ثم عدلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلينا المغرب، فهذا الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينبئ أن سبب اختلاف حالة الشمس والقمر إنما هو أن ضوء الشمس من كسوة كسيتها من ضوء العرش وأن نور القمر من كسوة كسيها من نور الكرسي * فاما الخبر الآخر الذى يدل على غير هذا المعنى فما حدثنى محمد بن أبى منصور قال حدثنا خلف بن واصل قال حدثنا أبو نعيم عن مقاتل بن حيان عن عكرمة قال بينا ابن عباس ذات يوم جالس إذ جاءه رجل فقال يا ابن عباس سمعت العجب من كعب الحبر يذكر في الشمس و القمر قال وكان متكئا فاحتفز ثم قال وما ذاك ؟ قال زعم أنه يجاء بالشمس و القمر يوم القيامة كأنهما ثوران عقيران فيقذفان في جهنم قال عكرمة فطارت من ابن عباس شفة ووقعت أخرى غضبا ثم قال كذب كعب كذب كعب كذب كعب ثلاث مرات بل هذه يهودية يريد ادخالها في الاسلام، الله أجل وأكرم من أن يعذب على طاعته، ألم تسمع قول الله تبارك وتعالى (وسخر لكم الشمس والقمر دائبين) إنما يعنى دؤوبهما في الطاعة فكيف يعذب عبد ين يثنى عليهما إنهما دائبان في طاعته قاتل الله هذا الحبر وقبح حبريته، ما أجرأه على الله وأعظم فريته على هذين العبدين المطيعين لله، قال ثم استرجع مرارا وأخذ عويدا من الارض فجعل ينكته في الارض فظل كذلك ما شاء الله ثم إنه رفع رأسه ورمى بالعويد فقال ألا أحدثكم بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الشمس والقمر وبدء خلقهما ومصير أمرهما ؟ فقلنا بلى رحمك الله فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك فقال إن الله تبارك وتعالى لما أبرم خلق إحكاما فلم يبق

[ 45 ]

من خلقه غير آدم خلق شمسين من نور عرشه فاما ما كان في سابق علمه أنه يدعها شمسا فإنه خلقها مثل الدنيا ما بين مشارقها ومغاربها وأما ما كان في سابق علمه أنه يطمسها ويحولها قمرا فإنه دون الشمس في العظم ولكن إنما يرى صغرهما من شدة ارتفاع السماء وبعدها من الارض قال فلو ترك الله الشمسين كما كان خلقهما في بدء الامر لم يكن يعرف الليل من النهار ولا النهار من الليل وكان لا يدرى الاجير إلى متى يعمل ومتى يأخذ أجره ولا يدرى الصائم إلى متى يصوم ولا تدرى المرأة كيف تعتد ولا يدرى المسلمون متى وقت الحج ولا يدرى الديان متى تحل ديونهم ولا يدرى الناس متى ينصرفون لمعايشهم ومتى يسكنون لراحة أجسادهم وكان الرب عزوجل أنظر لعباده وأرحم بهم فأرسل جبرائيل عليه السلام فأمر جناحه على وجه القمر وهو يومئذ شمس ثلاث مرات فطمس عنه الضوء وبقى فيه النور فذلك قوله عزوجل (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة) قال فالسواد الذى ترونه في القمر شبه الخطوط فيه فهو أثر المحو ثم خلق الله للشمس عجلة من ضوء نور العرش لها ثلثمائة وستون عروة ووكل بالشمس وعجلتها ثلثمائة وستين ملكا من الملائكة من أهل السماء الدنيا قد تعلق كل ملك منهم بعروة من تلك العرى ووكل بالقمر وعجلته ثلثمائة وستين ملكا من الملائكة من أهل السماء قد تعلق بكل عروة من تلك العرى ملك منهم ثم قال وخلق الله لهما مشارق ومغارب في قطرى الارض وكنفي السماء ثمانين ومائة عين في المغرب طينة سوداء فذلك قوله عز وجل (وجدها تغرب في عين حمئة) إنما هي حمئة سوداء من طين وثمانين ومائة عين في المشرق مثل ذلك طينة سوداء تفور غليا كغلى القدر إذا ما اشتد غليها قال فكل يوم وليلة لها مطلع جديد ومغرب جديد ما بين أولها مطلعا وآخرها مغربا أطول ما يكون النهار في الصيف إلى آخرها مطلعا وأولها مغربا أقصر ما يكون النهار في الشتاء فذلك قوله تعالى (رب المشرقين ورب المغربين) يعنى آخرها ههنا وآخرها ثم وترك ما بين ذلك من المشارق والمغارب ثم جمعهما فقال (رب

[ 46 ]

المشارق والمغارب) فذكر عدة تلك العيون كلها قال وخلق الله بحرا دون السماء مقدار ثلاث فراسخ وهو موج مكفوف قائم في الهواء بأمر الله عزوجل لا يقطر منه قطرة والبحار كلها ساكنة، وذلك البحر جار في سرعة السهم ثم انطلاقه في الهواء مستويا كأنه حبل ممدود ما بين المشرق والمغرب فتجرى الشمس والقمر والخنس في لجة غمر ذلك البحر فذلك قوله تعالى (كل في فلك يسبحون) والفلك دوران العجلة في لجة غمر ذلك البحر والذى نفس محمد بيده لو بدت الشمس من ذلك البحر لا حرقت كل شئ في الارض حتى الصخور والحجارة ولو بدا القمر من ذلك لا فتتن أهل الارض حتى يعبدوه من دون الله إلا من شاء الله أن يعصم من أوليائه قال ابن عباس فقال على بن أبى طالب رضى الله عنه بأبى أنت وأمى يا رسول الله ذكرت مجرى الخنس مع الشمس والقمر وقد أقسم الله بالخنس في القرآن إلى ما كان من ذكرك فما الخنس ؟ قال يا على هن خمسة كواكب البرجيس وزحل وعطارد وبهرام والزهرة فهذه الكواكب الخمس الطالعات الجاريات مثل الشمس والقمر العاديات معهما فاما سائر الكواكب فمعلقات من السماء كتعليق القناديل من المساجد وهى تحوم مع السماء دورانا بالتسبيح والتقديس والصلاة لله ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم فان أحببتم أن تستبينوا ذلك فانظروا إلى دوران الفلك مرة ههنا ومرة ههنا فذلك دوران السماء ودوران الكواكب معها كلها سوى هذه الخمس ودورانها اليوم كما ترون وتلك صلاتها ودورانها إلى يوم القيامة في سرعة دوران الرحا من أهوال يوم القيامة وزلازله فذلك قوله عزوجل (يوم تمور السماء مورا، وتسير الجبال سيرا، فويل يومئذ للمكذبين) قال فإذا طلعت الشمس فانها تطلع من بعض تلك العيون على عجلتها ومعها ثلثمائة وستون ملكا ناشرى أجنحتهم يجرونها في الفلك بالتسبيح والتقديس والصلاة لله على قدر ساعات الليل وساعات النهار ليلا كان أو نهارا فإذا أحب الله أن يبتلى الشمس والقمر فيرى العباد آية من الآيات فيستعتبهم رجوعا عن معصيته واقبالا على طاعته خرت الشمس من العجلة فتقع في غمر ذلك البحر

[ 47 ]

وهو الفلك فإذا أحب الله أن يعظم الآية ويشدد تخويف العباد وقعت الشمس كلها فلا يبقى منها على العجلة شئ فذلك حين يظلم النهار وتبدوا النجوم وهو المنتهى من كسوفها فإذا أراد أن يجعل آية دون آية وقع منها النصف أو الثلث أو الثلثان في الماء ويبقى سائر ذلك على العجلة فهو كسوف دون كسوف وبلاء للشمس أو للقمر وتخويف للعباد واستعتاب من الرب عزوجل فأى ذلك كان صارت الملائكة الموكلون بعجلتها فرقتين فرقة منها يقبلون على الشمس فيجرونها نحو العجلة والفرقة الاخرى يقبلون على العجلة فيجرونها نحو الشمس وهم في ذلك يجرونها في الفلك بالتسبيح والتقديس والصلاة لله على قدر ساعات النهار أو ساعات الليل ليلا كان أو نهارا في الصيف كان ذلك أو في الشتاء أو ما بين ذلك في الخريف والربيع لكيلا يزيد في طولهما شئ ولكن قد ألهمهم الله علم ذلك وجعل لهم تلك القوة والذى ترون من خروج الشمس أو القمر بعد الكسوف قليلا قليلا من غمر ذلك البحر الذى يعلوهما فإذا أخرجوها كلها اجتمت الملائكة كلهم فاحتملوها حتى يضعوها على العجلة فيحمدون الله على ما قواهم لذلك ويتعلقون بعرى العجلة ويجرونها في الفلك بالتسبيح والتقديس والصلاة لله حتى يبلغوا بها المغرب فإذا بلغوا بها المغرب أدخلوها تلك العين فتسقط من أفق السماء في العين ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم وعجب من خلق الله وللعجب من القدرة فيما لم يخلق أعجب من ذلك وذلك قول جبرائيل عليه السلام لسارة (أتعجبين من أمر الله) وذلك أن الله عزوجل خلق مدينتين إحداهما بالمشرق والاخرى بالمغرب أهل المدينة التى بالمشرق من بقايا عاد من نسل مؤمنيهم وأهل التى بالمغرب من بقايا ثمود من نسل الذين آمنوا بصالح، اسم التى بالمشرق بالسريانية مرقيسيا وبالعربية جابلق واسم التى بالمغرب بالسريانية برجيسيا وبالعربية جابرس ولكل مدينة منهما عشرة آلاف باب ما بين كل بابين فرسخ ينوب كل يوم على كل باب من أبو اب هاتين المدينتين عشرة آلاف ألف رجل من الحراسة عليهم السلاح ولما يلحقهم نوبة الحراسة بعد ذلك إلى يوم ينفح في الصور فو الذى نفس محمد بيده لولا كثرة هؤلاء القوم

[ 48 ]

وضجيج أصواتهم لسمع الناس من جميع أهل الدنيا هدة وقعة الشمس حين تطلع وحين تغرب * ومن ورائهم ثلاث أمم منسك وتافيل وتاريس ومن دونهم يأجوج ومأجوج وإن جبرائيل عليه السلام انطلق بى إليهم ليلة أسرى بى من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى فدعوت يأجوج ومأجوج إلى عبادة الله عزوجل فأبوا أن يجيبوني ثم انطلق بى إلى أهل المدينتين فدعوتهم إلى دين الله عزوجل وإلى عبادته فأجابوا وأنابوا فهم في الدين من أحسن منهم فهو مع محسنكم ومن أساء منهم فأولئك مع المسيئين منكم ثم انطلق بى إلى الامم الثلاث فدعوتهم إلى دين الله إلى عبادته فأنكروا ما دعوتهم إليه فكفروا بالله عزوجل وكذبوا رسله فهم مع يأجوج ومأجوج وسائر من عصى الله في النار فإذا ما غربت الشمس رفع بها من سماء إلى سماء في سرعة طيران الملائكة حتى يبلغ بها إلى السماء السابعة العليا حتى تكون تحت العرش فتخر ساجدة ويسجد معها الملائكة الموكلون بها فتحدر بها من سماء إلى سماء فإذا وصلت إلى هذه السماء فذلك حين ينفجر الصبح فإذا انحدرت من بعض تلك العيون فذاك حين يضئ الصبح فإذا وصلت إلى هذا الوجه من السماء فذاك حين يضئ النهار قال وجعل الله عند المشرق حجابا من الظلمة على البحر السابع مقدار عدة الليالى منذ يوم خلق الله الدنيا إلى يوم تصرم فإذا كان عند الغروب أقبل ملك قد وكل بالليل فيقبض قبضة من ظلمة ذلك الحجاب ثم يستقبل المغرب فلا يزال يرسل من الظلمة من خلل أصابعه قليلا قليلا وهو يراعى الشفق فإذا غاب الشفق أرسل الظلمة كلها ثم ينشر جناحيه فيبلغان قطرى الارض وكنفي السماء ويجاوزان ما شاء الله عزوجل خارجا في الهواء فيسوق ظلمة الليل بجناحيه بالتسبيح والتقديس والصلاة لله حتى يبلغ المغرب فإذا بلغ المغرب انفجر الصبح من المشرق فضم جناحيه ثم يضم الظلمة بعضها إلى بعض بكفيه ثم يقبض عليها بكف واحدة نحو قبضته إذا تناولها من الحجاب بالمشرق فيضعها عند المغرب على البحر السابع من هناك ظلمة الليل فإذا ما نقل ذلك الحجاب من المشرق إلى المغرب نفخ في الصور وانقضت الدنيا فضوء النهار من قبل المشرق وظلمة

[ 49 ]

الليل من قبل ذلك الحجاب فلا تزال الشمس والقمر كذلك من مطالعهما إلى مغاربهما إلى ارتفاعهما إلى السماء السابعة العليا إلى مجلسهما تحت العرش حتى يأتي الوقت الذى ضرب الله لتوبة العباد فتكثر المعاصي في الارض ويذهب المعروف فلا يأمر به أحد ويفشو المنكر فلا ينهى عنه أحد فإذا كان ذلك حبست الشمس مقدار ليلة تحت العرش فكلما سجدت واستأذنت من أين تطلع لم يحر إليها جواب حتى يوافيها القمر ويسجد معها ويستأذن من أين يطلع فلا يحار إليه جواب حتى يحبسهما مقدار ثلاث ليال للشمس وليلتين للقمر فلا يعرف طول تلك الليلة إلا المتهجدون في الارض وهم حينئذ عصابة قليلة في كل بلدة من بلاد المسلمين في هو ان من الناس وذلة من أنفسهم فينام أحدهم تلك الليلة قدر ما كان ينام قبلها من الليالى ثم يقوم فيتوضأ ويدخل مصلاه فيصلى ورده كما كان يصلى قبل ذلك ثم يخرج فلا يرى الصبح فينكر ذلك ويظن فيه الظنون من الشر ثم يقول فلعلي خففت قراءتى أو قصرت صلاتي أو قمت قبل حينى قال ثم يعود أيضا فيصلى ورده كمثل ورده الليلة الثانية ثم يخرج فلا يرى الصبح فيزيده ذلك إنكارا ويخالطه الخوف ويظن في ذلك الظنون من الشر ثم يقول فلعلي خففت قراءتى أو قصرت صلاتي أو قمت من أول الليل ثم يعود أيضا الثالثة وهو وجل مشفق لما يتوقع من هول تلك الليلة فيصلى أيضا مثل ورده الليلة الثالثة ثم يخرج فإذا هو بالليل مكانه والنجوم قد استدارت وصارت إلى مكانها من أول الليل فيشفق عند ذلك شفقة الخائف العارف بما كان يتوقع من هول تلك الليلة فيستلحمه الخوف ويستخفه البكاء ثم ينادى بعضهم بعضا وقبل ذلك كانوا يتعارفون ويتواصلون فيجتمع المتهجدون من أهل كل بلدة إلى مسجد من مساجدها ويجأرون إلى الله عزوجل بالبكاء والصراخ بقية تلك الليلة والغافلون في غفلتهم حتى إذا ماتم لهما مقدار ثلاث ليال للشمس وللقمر ليلتين أتاهما جبرائيل فيقول إن الرب عزوجل يأمركما أن ترجعا إلى مغاربكما فتطلعا منها لانه لا ضوء لكما عندنا ولا نور قال فيبكيان عند ذلك بكاء يسمعه أهل سبع سموات من

[ 50 ]

دونهما وأهل سرادقات العرش وحملة العرش من فوقهما فيبكون لبكائهما مع ما يخالطهم من خوف الموت وخوف يوم القيامة قال فبينا الناس ينتظرون طلوعهما من المشرق إذا هما قد طلعا خلف أقفيتهم من الغرب أسودين مكورين كالغرابين ولا ضوء للشمس ولا نور للقمر مثلهما في كسوفهما قبل ذلك فيتصايح أهل الدنيا وتذهل الامهات عن أولادها والاحبة عن ثمرة قلوبها فتشتغل كل نفس بما أتاها قال فأما الصالحون والابرار فإنه ينفعهم بكاؤهم يومئذ ويكتب ذلك لهم عبادة وأما الفاسقون والفجار فإنه لا ينفعهم بكاؤهم يومئذ ويكتب ذلك عليهم خسارة قال فيرتفعان مثل البعيرين القرينين ينازع كل واحد منهما صاحبه استباقا حتى إذا بلغا سرة السماء وهو منصفها أتاها جبرائيل فأخذ بقرونهما ثم ردهما إلى المغرب فلا يغربهما في مغاربهما من تلك العيون ولكن يغربهما في باب التوبة فقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنا وأهلي فداؤك يا رسول الله فما باب التوبة قال يا عمر خلق الله عزوجل بابا للتوبة خلف المغرب له مصراعين من ذهب مكللا بالدر والجوهر ما بين المصراع إلى المصراع الآخر مسيرة أربعين عاما للراكب المسرع فذلك الباب مفتوح منذ خلق الله خلقه إلى صبيحة تلك الليلة عند طلوع الشمس والقمر من مغاربهما ولم يتب عبد من عباد الله توبة نصوحا من لدن آدم إلى صبيحة تلك الليلة إلا ولجت تلك التوبة في ذلك البا ثم ترفع إلى الله عزوجل قال معاذ بن جبل بأبى أنت وأمى يا رسول الله وما التوبة النصوح قال أن يندم المذنب على الذنب الذى أصابه فيعتذر إلى الله ثم لا يعود إليه كما لا يعود اللبن إلى الضرع قال فيرد جبرائيل المصراعين فيلام بينهما ويصيرهما كأنه لم يكن فيما بينهما صدع قط فإذا غلق باب التوبة لم يقبل بعد ذلك توبة ولم ينفع بعد ذلك حسنة يعملها في الاسلام إلا من كان قبل ذلك محسنا فإنه يجرى لهم وعليهم بعد ذلك ما كان يجرى قبل ذلك قال فذلك قوله عزوجل (يوم ياتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا) قال أبى بن كعب بأبى أنت وأمى يا رسول الله فكيف بالشمس

[ 51 ]

والقمر بعد ذلك وكيف بالناس والدنيا فقال يا أبى إن الشمس والقمر بعد ذلك يكسيان النور والضوء ويطلعان على الناس ويغربان كما كان قبل ذلك وأما الناس فإنهم نظروا إلى ما نظروا إليه من فظاعة الآية فيلحون على الدنيا حتى يجروا فيها الانهار ويغرسوا فيها الشجر ويبنوا فيها البنيان وأما الدنيا فإنه لو أنتج رجل مهرا لم يركبه من لدن طلوع الشمس من مغربها إلى يوم ينفخ في الصور فقال حذيفة بن اليمان أنا وأهلي فداؤك يا رسول الله فكيف هم عند النفخ في الصور فقال يا حذيفة والذى نفس محمد بيده لتقو من الساعة ولينفخن في الصور والرجل قد لط حوضه فلا يسقى منه ولتقو من الساعة والثوب بين الرجلين فلا يطويانه ولا يتبايعانه ولتقو من الساعة والرجل قد رفع لقمته إلى فيه فلا يطعمها ولتقو من الساعة والرجل قد انصرف بلبن لقحته من تحتها فلا يشربه ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية (و لياتينهم بغتة وهم لا يشعرون) فإذا نفخ في الصور وقامت الساعة وميز الله بين أهل الجنة وأهل النار ولما يدخلوها بعد إذ يدعو الله عزوجل بالشمس والقمر فيجاء بهما أسودين مكورين قد وقعا في زلزال وبلبال ترعد فرائصهما من هول ذلك اليوم ومخافة الرحمن حتى إذا كانا حيال العرش خرا لله ساجدين فيقولان إلهنا قد علمت طاعتنا ودؤوبنا في عبادتك وسرعتنا للمضي في أمرك أيام الدنيا فلا تعذبنا بعبادة المشركين إيانا فإنا لم ندع إلى عبادتنا ولم نذهل عن عبادتك قال فيقول الرب تبارك وتعالى صدقتما وإنى قضيت على نفسي أن أبدئ وأعيد وإنى معيدكما فيما بدأتكما منه فارجعا إلى ما خلقتما منه قالا إلهنا ومم خلقتنا قال خلقتكما من نور عرشى فارجعا إليه قال فيلتمع من كل واحد منهما برقة تكاد تخطف الابصار نورا فتختلط بنور العرش فذلك قوله عزوجل (يبدئ ويعيد) قال عكرمة فقمت مع النفر الذين حدثوا به حتى أتينا كعبا فاخبرناه بما كان من وجد ابن عباس من حديثه وما حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام كعب معنا حتى أتينا ابن عباس فقال قد بلغني ما كان من وجدك من حديثى وأستغفر الله وأتوب إليه وإنى إنما حدثت عن كتاب دارس قد تداولته

[ 52 ]

الايدى ولا أدرى ما كان فيه من تبديل اليهود وأنك حدثت عن كتاب جديد حديث العهد بالرحمن عزوجل وعن سيد الانبياء وخير النبيين فأنا أحب أن تحدثني الحديث فأحفظه عنك فإذا حدثت به كان مكان حديثى الاول قال عكرمة فأعاد عليه ابن عباس الحديث وأنا أستقريه في قلبى بابا بابا فما زاد شيئا ولا نقص ولا قدم شيئا ولا أخر فزادني ذلك في ابن عباس رغبة وللحديث حفظا ومما روى عن السلف في ذلك ما حدثناه ابن حميد قال جرير عن عبد العزيز ابن رفيع عن أبى الطفيل قال: قال ابن الكواء لعلى عليه السلام يا أمير المؤمنين ما هذه اللطخة التى في القمر فقال ويحك أما تقرأ القرآن (فمحونا آية الليل) فهذه محوه * حدثنا ابن كريب قال حدثنا طلق عن زائدة عن عاصم عن على بن ربيعة قال سأل ابن الكواء عليا عليه السلام فقال ما هذا السواد في القمر فقال على " فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة " هو المحو حدثنا ابن بشار قال حدثنا عبد الرحمن قال حدثنا اسرائيل عن أبى اسحاق عن عبيد ابن عمير قال كنت عند على عليه السلام فسأله ابن الكواء عن السواد الذى في القمر فقال ذاك آية الليل محيت * حدثنا ابن أبى الشوارب قال حدثنا يزيد ابن زريع قال حدثنا عمران بن حدير عن رفيع بن أبى كثيرة قال قال على بن أبى طالب رضى الله عنه سلوا عما شئتم فقام ابن الكواء فقال ما السواد الذى في القمر فقال قاتلك الله هلا سألت عن أمر دينك وآخرتك ثم قال ذاك محو الليل * حدثنا زكريا بن يحيى بن أبان المصرى قال حدثنا ابن عفير حدثنا ابن لهيعة عن حيى بن عبد الله عن أبى عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رجلا قال لعلى رضى الله عنه ما السواد الذى في القمر قال إن الله يقول " وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة " * حدثنى محمد بن سعد قال حدثنى أبى قال حدثنى عمى قال حدثنى أبى عن أبيه عن ابن عباس قوله " وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل " قال هو السواد بالليل * حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثنا حجاج عن ابن جريج قال

[ 53 ]

قال ابن عباس كان القمر يضئ كما تضئ الشمس والقمر آية الليل والشمس آية النهار فمحونا آية الليل السواد الذى في القمر * حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن أبى زائدة قال ذكر ابن جريج عن مجاهد في قوله تعالى وجعلنا الليل والنهار آيتين قال الشمس آية النهار والقمر آية الليل فمحونا آية الليل قال السواد الذى في القمر كذلك خلقه الله * حدثنا القاسم قال حدثنى الحسين قال حدثنى حجاج عن ابن جريج عن مجاهد وجعلنا الليل والنهار آيتين قال ليلا ونهارا كذلك خلقهما الله عزوجل * قال ابن جريج وأخبرنا عبد الله بن كثير قال فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة قال ظلمة الليل وسدف النهار حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا سعيد عن قتادة قوله عزوجل وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل كنا نحدث أن محو آية الليل سواد القمر الذى فيه وجعلنا آية النهار مبصرة منيرة وخلق الشمس أنور من القمر وأعظم * حدثنا محمد بن عمرو قال حدثنا أبو عاصم قال حدثنا عيسى وحدثني الحارث قال حدثنا الحسن قال حدثنا ورقاء جميعا عن ابن أبى نجيح عن مجاهد وجعلنا الليل والنهار آيتين قال ليلا ونهارا كذلك جعلهما الله عزوجل * قال أبو جعفر والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال إن الله تعالى ذكره خلق شمس النهار وقمر الليل آيتين فجعل آية النهار التى هي الشمس مبصرة يبصر بها ومحا آية الليل التى هي القمر بالسواد الذى فيه وجائز أن يكون الله تعالى ذكره خلقهما شمسين من نور عرشه ثم محا نور القمر بالليل على نحو ما قاله من ذكرنا قوله فكان ذلك سبب اختلاف حالتيهما وجائز أن يكون إضاءة الشمس للكسوة التى تكساها من ضوء العرش ونور القمر من السكوة التى يكساها من نور الكرسي ولو صح سند أحد الخبرين اللذين ذكرتهما لقلنا به ولكن في أسانيدهما نظرا فلم نستجز قطع القول بتصحيح ما فيهما من الخبر عن سبب اختلاف حال الشمس والقمر غير أنا بيقين نعلم أن الله عز وجل خالف بين صفتيهما في الاضاءة لما كان أعلم به من صلاح خلقه باختلاف

[ 54 ]

أمريهما فخالف بينهما فجعل أحدهما مضيئا مبصرا به والآخر ممحو الضوء * وإنما ذكرنا قدر ما ذكرنا من أمر الشمس والقمر في كتابنا هذا وإن كنا قد أعرضنا عن ذكر كثير من أمرهما وأخبارهما مع إعراضنا عن ذكر بدء خلق الله السموات والارض وصفة ذلك وسائر ما تركنا ذكره من جميع خلق الله في هذا الكتاب لان قصدنا في كتابنا هذا ذكر ما قدمنا الخبر عنه أنا ذاكروه فيه من ذكر الازمنة وتاريخ الملوك والانبياء والرسل على ما قد شرطنا في أول هذا الكتاب وكانت التأريخات والازمنة إنما توقت بالليالى والايام التى إنما هي مقادير ساعات جرى الشمس والقمر في أفلاكهما على ما قد ذكرنا في الاخبار التى رويناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ما كان قبل خلق الله عز ذكره إياهما من خلقه في غير أوقات ولا ساعات ولا ليل ولا نهار * وإذ كنا قد بينا مقدار مدة ما بين أول ابتداء الله عزوجل في إنشاء ما أراد إنشاءه من خلقه إلى حين فراغه من إنشاء جميعهم من سنى الدنيا ومدة زمانها بالشواهد التى استشهدناها من الآثار والاخبار وأتينا على القول في مدة ما بعد أن فرغ من خلق جميعه إلى فناء الجميع بالادلة التى دللنا بها على صحة ذلك من الاخبار الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة وغيرهم من علماء الامة وكان الغرض في كتابنا هذا ذكر ما قد بينا أنا ذاكروه من تاريخ الملوك الجبابرة العاصية ربها عزوجل والمطيعة ربها منهم وأزمان الرسل والانبياء وكنا قد أتينا على ذكر ما به تصح التأريخات وتعرف به الاوقات والساعات وذلك الشمس والقمر اللذان بإحداهما يدرك معرفة ساعات الليل وأوقاته وبالآخر يدرك علم ساعات النهار وأوقاته فلنقل الآن في أول من أعطاه الله ملكا وأنعم عليه فكفر نعمته وجحدر بوبيته وعتا على ربه واستكبر فسلبه الله نعمته وأخزاه وأذله ثم نتبعه ذكر من استن في ذلك سنته واقتفى فيه أثره فأحل الله به نقمته وجعله من شيعته وألحقه به في الخزى والذل ونذكر من كان بإزائه أو بعده من الملوك المطيعة ربها المحمودة آثارها أو من الرسل والانبياء إن شاء الله عزوجل.

[ 55 ]

فأولهم وإمامهم في ذلك ورئيسهم وقائدهم فيه إبليس لعنه الله وكان الله عزوجل قد حسن خلقه وشرفه وكرمه وملكه على السماء الدنيا والارض فيما ذكر وجعله مع ذلك من خزان الجنة فاستكبر على ربه وادعى الربوبية ودعا من كان تحت يده فيما ذكر إلى عبادته فمسخه الله تعالى شيطانا رجيما وشوه خلقه وسلبه ما كان خوله ولعنه وطرده عن سمواته في العاجل ثم جعل مسكنه ومسكن تباعه وشيعته في الآخرة نار جهنم نعوذ بالله من غضبه ومن عمل يقرب من غضبه ومن الحور بعد الكور * ونبدأ بذكر جمل من الاخبار الواردة عن السلف بما كان الله عزوجل أعطاه من الكرامة قبل استكباره عليه وادعائه ما لم يكن له ادعاؤه ثم نتبع ذلك ما كان من الاحداث في أيام سلطانه وملكه إلى حين زوال ذلك عنه والسبب الذى به زال عنه ما كان فيه من نعمة الله عليه وجميل آلائه وغير ذلك من أمره إن شاء الله مختصرا. ذكر الاخبار الواردة بأن إبليس كان له ملك السماء الدنيا والارض وما بين ذلك * حدثنا القاسم بن الحسن قال حدثنا الحسين بن داود قال حدثنى حجاج عن ابن جريج قال قال ابن عباس كان إبليس من أشراف الملائكة وأكرمهم قبيلة وكان خازنا على الجنان وكان له سلطان سماء الدنيا وكان له سلطان الارض * حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثنى حجاج عن ابن جريج عن صالح مولى التوأمة وشريك بن أبى نمر أحدهما أو كلاهما عن ابن عباس قال إن من الملائكة قبيلة من الجن وكان إبليس منها وكان يسوس ما بين السماء والارض * حدثنا موسى بن هرون الهمداني قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدى في خبر ذكره عن أبى مالك وعن أبى صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جعل إبليس على ملك السماء الدنيا وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم الجن وإنما سموا الجن لانهم خزان الجنة وكان إبليس مع ملكه خازنا * حدثنى عبد ان

[ 56 ]

المروزى حدثنى الحسين بن الفرج قال سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال أخبرنا عبيد بن سليمان قال سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في قوله عزوجل (فسجدوا إلا إبليس كان من الجن) قال كان ابن عباس يقول إن إبليس كان من أشراف الملائكة وأكرمهم قبيلة وكان خازنا على الجنان وكان له سلطان سماء الدنيا وكان له سلطان الارض * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا المبارك بن مجاهد أبو الازهر عن شريك بن عبد الله بن أبى نمر عن صالح مولى التوأمة عن ابن عباس قال إن من الملائكة قبيلا يقال لهم الجن فكان إبليس منهم وكان يسوس ما بين السماء والارض فعصى فمسخه الله شيطانا رجيما. ذكر الخبر عن غمط عدو الله نعمة ربه واستكباره عليه وادعائه الربوبية * حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثنى حجاج عن ابن جريج (ومن يقل منهم إنى إله من دونه) قال قال ابن جريج من يقل من الملائكة إنى إله من دونه فلم يقله إلا إبليس دعا إلى عبادة نفسه فنزلت هذه الآية في إبليس * حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة (ومن يقل منهم إنى إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزى الظالمين) وإنما كانت هذه الآية خاصة لعدو الله إبليس لما قال ما قال لعنه الله وجعله رجيما فقال فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزى الظالمين * حدثنا محمد بن عبد الاعلى قال حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن قتادة " ومن يقل منهم إنى إله من دونه فذلك نجزيه جهنم " قال هي خاصة لابليس. القول في الاحداث التى كانت في أيام ملك إبليس - لعنة الله - وسلطانه. والسبب الذى به هلك وادعى الربوبية. فمن الاحداث التى كانت في ملك عدو الله - إذ كان لله مطيعا - ما ذكر لنا عن ابن عباس في الخبر الذى حدثناه أبو كريب قال حدثنا عثمان بن سعيد قال حدثنا بشر بن عمارة عن أبى روق عن الضحاك عن ابن عباس قال كان إبليس من حى من أحياء الملائكة يقال لهم الجن خلقوا من نار السموم من بين الملائكة قال

[ 57 ]

وكان اسمه الحارث قال وكان خازنا من خزان الجنة قال وخلقت الملائكة كلهم من نور غير هذا الحى قال وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار وهو لسان النار الذى يكون في طرفها إذا لهبت قال وخلق الانسان من طين فأول من سكن الارض الجن فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء وقتل بعضهم بعضا قال فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة فهم هذا الحى الذى يقال لهم الجن فقاتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال فلما فعل إبليس ذلك اغتر في نفسه وقال قد صنعت شيئا لم يصنعه أحد قال فاطلع الله على ذلك من قلبه ولم تطلع عليه الملائكة الذين كانوا معه * حدثنا المثنى قال حدثنا اسحاق بن الحجاج قال حدثنا عبد الله بن أبى جعفر عن أبيه عن الربيع بن أنس قال إن الله خلق الملائكة يوم الاربعاء وخلق الجن يوم الخميس وخلق آدم يوم الجمعة قال فكفر قوم من الجن فكانت الملائكة تهبط إليهم في الارض فتقاتلهم فكانت الدماء وكان الفساد في الارض ذكر السبب الذى به هلك عدو الله وسولت له نفسه من أجله الاستكبار على ربه عزوجل اختلف السلف من الصحابة والتابعين في ذلك فقد ذكرنا أحد الاقوال التى روى في ذلك عن ابن عباس وذلك ما ذكر الضحاك عنه أنه لما قاتل الجن الذين عصوا الله وأفسدوا في الارض وشردهم: أعجبته نفسه ورأى في نفسه أن له بذلك من الفضيلة ما ليس لغيره (والقول الثاني) من الاقوال المروية في ذلك عن ابن عباس أنه كان ملك سماء الدنيا وسائسها وسائس ما بينها وبين الاض وخازن الجنة مع اجتهاده في العبادة فأعجب بنفسه ورأى أن له بذلك الفضل فاستكبر على ربه عزوجل ذكر الرواية عنه بذلك * حدثنا موسى بن هارون الهمداني قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدى في خبر ذكره عن أبى مالك وعن أبى صالح عن ابن عباس وعن

[ 58 ]

مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لما فرغ الله عزوجل من خلق ما أحب استوى على العرش فجعل ابليس على ملك سماء الدنيا وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم الجن وإنما سموا الجن لانهم خزان الجنة وكان ابليس مع ملكه خازنا فوقع في صدره كبر وقال ما أعطاني الله هذا إلا لمزية، هكذا حدثنى موسى بن هارون * وحدثني به أحمد بن أبى خيثمة عن عمرو بن حماد قال لمزية لى على الملائكة فلما وقع ذلك الكبر في نفسه اطلع الله عزوجل على ذلك منه فقال الله للملائكة " إنى جاعل في الارض خليفة " * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل عن ابن اسحاق عن خلاد بن عطاء عن طاووس عن ابن عباس قال كان ابليس قبل أن يركب المعصية من الملائكة اسمه عزازيل وكان من سكان الارض وكان من أشد الملائكة اجتهادا وأكثرهم علما فذلك الذى دعاه إلى الكبر وكان من حى يسمون جنا * وحدثنا به ابن حميد مرة أخرى قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن خالد بن عطاء عن طاوس أو مجاهد أبى الحجاج عن ابن عباس وغيره بنحوه إلا أنه قال كان ملكا من الملائكة اسمه عزازيل وكان من سكان الارض وعمارها وكان سكان الارض فيهم يسمون الجن من بين الملائكة * حدثنا ابن المثنى قال حدثنا شيبان قال حدثنا سلام ابن مسكين عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال كان ابليس رئيس ملائكة سماء الدنيا (والقول الثالث) من الاقوال المروية عنه أنه كان يقول السبب في ذلك أنه كان من بقايا خلق خلقهم الله عزوجل فأمرهم بأمر فأبوا طاعته ذكر الرواية عنه بذلك * حدثنى محمد بن سنان القزاز قال حدثنا أبو عاصم عن شبيب عن عكرمة عن ابن عباس قال إن الله خلق خلقا فقال اسجدوا لآدم فقالوا لا نفعل قال فبعث الله عليهم نارا تحرقهم ثم خلق خلقا آخر فقال إنى خالق بشرا من طين فاسجدوا لآدم فأبوا فبعث الله عليهم نارا فأحرقتهم ثم خلق هؤلاء فقال ألا تسجدوا لآدم قالوا نعم وكان إبليس من أولئك الذين أبو ا أن يسجدوا لآدم * وقال آخرون بل

[ 59 ]

السبب في ذلك أنه كان من بقايا الجن الذين كانوا في الارض فسفكوا فيها الدماء وأفسدوا فيها وعصوا ربهم فقاتلتهم الملائكة. ذكر من قال ذلك * حدثنا ابن حميد قال حدثنا يحيى بن واضح قال حدثنا أبو سعيد اليحمدى اسماعيل بن ابراهيم قال حدثنى سوار بن الجعد اليحمدى عن شهر بن حوشب قوله (كان من الجن) قال كان إبليس من الجن الذين طردتهم الملائكة فأسره بعض الملائكة فذهب به إلى السماء * حدثنى على بن الحسن قال حدثنى أبو نصر أحمد بن محمد الخلال قال حدثنى سنيد بن داود قال حدثنا هشيم قال أخبرنا عبد الرحمن بن يحيى عن موسى بن نمير وعثمان بن سعيد بن كامل عن سعد بن مسعود قال كانت الملائكة تقاتل الجن فسبى إبليس وكان صغيرا وكان مع الملائكة يتعبد معهم فلما أمروا أن يسجدوا لآدم سجدوا وأبى إبليس فلذلك قال الله عزوجل (إلا إبليس كان من الجن) قال وأولى الاقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال كما قال الله عزوجل (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لادم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه) وجائز أن يكون فسوقه عن أمر ربه كان من أجل أنه كان من الجن وجائز أن يكون من أجل إعجابه بنفسه لشدة اجتهاده كان في عبادة ربه وكثرة علمه وما كان أوتى من ملك السماء الدنيا والارض وخزن الجنان وجائز أن يكون كان لغير ذلك من الامور ولا يدرك علم ذلك إلا بخبر تقوم به الحجة ولا خبر في ذلك عندنا كذلك والاختلاف في أمره على ما حكينا وروينا * وقد قيل إن سبب هلاكه كان من أجل أن الارض كان فيها قبل آدم الجن فبعث الله إبليس قاضيا يقضى بينهم فلم يزل يقضى بينهم بالحق ألف سنة حتى سمى حكما وسماه الله به وأوحى إليه اسمه فعند ذلك دخله الكبر فتعظم وتكبر وألقى بين الذين كان الله بعثه إليهم حكما البأس والعداوة والبغضاء فاقتتلوا عند ذلك في الارض ألفى سنة فيما زعموا حتى أن خيولهم تخوض في دمائهم قالوا وذلك قول الله تبارك وتعالى (أفعيينا بالخلق الاول بل هم في لبس من خلق جديد) وقول الملائكة

[ 60 ]

(أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) فبعث الله تعالى عند ذلك نارا فأحرقتهم قالوا فلما رأى ابليس ما نزل بقومه من العذاب عرج إلى السماء فأقام عند الملائكة يعبد الله في السماء مجتهدا لم يعبده شئ من خلقه مثل عبادته فلم يزل مجتهدا في العبادة حتى خلق الله آدم فكان من أمره ومعصيته ربه ما كان وكان مما حدث في أيام سلطانه وملكه خلق الله تعالى ذكره أبانا آدم أبا البشر وذلك لما أراد جل جلاله أن يطلع ملائكته على ما قد علم من انطواء ابليس على الكبر ولم يعلمه الملائكة وأراد إظهار أمره لهم حين دنا أمره للبوار وملكه وسلطانه للزوال فقال عز ذكره لما أراد ذلك للملائكة " إنى جاعل في الارض خليفة " فأجابوه بأن قالوا " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " فروى عن ابن عباس أن الملائكة قالت ذلك كذلك للذى قد كانوا عهدوا من أمر الجن الذين كانوا سكان الارض قبل ذلك فقالوا لربهم جل ثناؤه لما قال لهم " انى جاعل في الارض خليفة ": أتجعل فيها من يكون فيها مثل الجن الذين كانوا فيها فكانوا يسفكون فيها الدماء ويفسدون فيها ويعصونك ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك فقال الرب تعالى ذكره لهم " إنى أعلم ما لا تعلمون " يقول أعلم ما لا تعلمون من انطواء ابليس على التكبر وعزمه على خلافه أمرى وتسويل نفسه له الباطل واغتراره وأنا مبد ذلك لكم منه لتروا ذلك منه عيانا * وقيل أقوال كثيرة في ذلك قد حكينا منها جملا في كتابنا المسمى " جامع البيان عن تأويل آى القرآن " فكرهنا إطالة الكتاب بذكر ذلك في هذا الموضع. فلما أراد الله عزوجل أن يخلق آدم عليه السلام أمر بتربته أن تؤخذ من الارض كما حدثنا أبو كريب قال حدثنا عثمان بن سعيد قال حدثنا بشر بن عمارة عن أبى روق عن الضحاك عن ابن عباس قال ثم أمر - يعنى الرب تبارك وتعالى - بتربة آدم فرفعت فخلق الله آدم من طين لازب واللازب اللزج الطيب من حمإ مسنون منتن قال وإنما كان حمئا مسنونا بعد التراب قال فخلق منه آدم بيده * حدثنى موسى بن هارون

[ 61 ]

قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدى في خبر ذكره عن أبى مالك وعن أبى صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالت الملائكة " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال انى أعلم ما لا تعلمون " يعنى من شأن ابليس فبعث الله جبرائيل عليه السلام إلى الارض ليأتيه بطين منها فقالت الارض انى أعوذ بالله منك أن تنقص منى شيئا وتشينني فرجع ولم يأخذ وقال يا رب إنها عاذت بك فأعذتها فبعث ميكائيل فعاذت منه فأعاذها فرجع فقال كما قال جبرائيل فبعث ملك الموت فعاذت منه فقال وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره فأخذ من وجه الارص وخلط فلم يأخذ من مكان واحد وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء فلذلك خرج بنو آدم مختلفين فصعد به فبل التراب حتى عاد طينا لازبا واللازب هو الذى يلتزق بعضه ببعض ثم ترك حتى تغير وأنتن وذلك حين يقول (من حمإ مسنون) قال منتن * حدثنا ابن حميد قال حدثنا يعقوب القمى عن جعفر بن أبى المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال بعث رب العزة عزوجل ابليس فأخذ من أديم الارص من عذبها وملحها فخلق منه آدم ومن ثم سمى آدم لانه خلق من أديم الارص ومن ثم قال ابليس (أأسجد لمن خلقت طينا) أي هذه الطينة أنا جئت بها * حدثنا ابن المثنى قال حدثنا أبو داود قال حدثنا شعبة عن أبى حصين عن سعيد بن جبير قال انما سمى آدم لانه خلق من أديم الارص * حدثنى أحمد بن اسحاق الاهوازي قال حدثنا أبو أحمد قال حدثنا مسعر عن أبى حصين عن سعيد بن جبير قال خلق آدم من أديم الارص فسمى آدم * حدثنى أحمد بن اسحاق قال حدثنا أبو أحمد قال حدثنا عمرو بن ثابت عن أبيه عن جده عن على رضى الله عنه قال إن آدم خلق من أديم الارض فيه الطيب والصالح والردئ فكل ذلك أنت راء في ولده الصالح والردئ * حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا ابن علية عن عوف * وحدثنا محمد بن بشار وعمر بن شبة قالا حدثنا يحيى بن سعيد قال حدثنا عوف * وحدثنا

[ 62 ]

ابن بشار قال حدثنا ابن أبى عدى ومحمد بن جعفر وعبد الوهاب الثقفى قالوا حدثنا عوف * وحدثني محمد بن عمارة الاسدي قال حدثنا اسماعيل بن أبان قال حدثنا عنبسة عن عوف الاعرابي عن قسامة بن زهير عن أبى موسى الاشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الارص فجاء بنو آدم على قدر الارض جاء منهم الاحمر والاسود والابيض وبين ذلك والسهل والحزن والخبيث والطيب ثم بلت طينته حتى صارت طينا لازبا ثم تركت حتى صارت حمئا مسنونا ثم تركت حتى صارت صلصالا كما قال الله تعالى (ولقد خلقنا الانسان من صلصال من حمإ مسنون) وحدثنا ابن بشار قال حدثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدى قالا حدثنا سفيان عن الاعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال خلق آدم من ثلاثة من صلصال ومن حمإ ومن طين لازب فأما اللازب فالجيد وأما الحمأ فالحمئة وأما الصلصال فالتراب المدقق ويعنى تعالى ذكره بقوله (من صلصال) من طين يابس له صلصلة والصلصلة الصوت * وذكر أن الله تعالى ذكره لما خمر طينة آدم تركها أربعين ليلة وقيل أربعين عاما جسدا ملقى ذكر من قال ذلك حدثنا أبو كريب قال حدثنا عثمان بن سعيد قال حدثنا بشر بن عمارة عن أبى روق عن الضحاك عن ابن عباس قال أمر الله تبارك وتعالى بتربة آدم فرفعت فحلق آدم من طين لازب من حمإ مسنون قال وإنما كان حما مسنونا بعد التزاب قال فخلق منه آدم بيده قال فمكث أربعين ليلة جسدا ملقى فكان إبليس يأتيه فيضربه برجله فيصلصل فيصوت قال فهو قول الله تبارك وتعالى (من صلصال كالفخار) يقول كالشئ المنفرج الذى ليس بمصمت قال ثم يدخل في فيه ويخرج من دبره ويدخل في دبره ويخرج من فيه ثم يقول لست شيئا للصلصلة ولشئ ما خلقت ولئن سلطت عليك لاهلكنك ولئن سلطت على لا عصينك حدثنى موسى بن هرون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدى في خبر

[ 63 ]

ذكره عن أبى مالك وعن أبى صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله للملائكة (إنى خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) فخلقه الله عزوجل بيديه كيلا يتكبر إبليس عنه ليقول حين يتكبر: تكبر عما عملت بيدى ولم أتكبر أنا عنه ؟ فخلقه بشرا فكان جسدا من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة فمرت به الملائكة ففزعوا منه لما رأوه وكان أشدهم فزعا إبليس فكان يمر به فيضربه فيصوت الجسد كما يصوت الفخار يكون له صلصلة وذلك حين يقول من صلصال كالفخار ويقول لامر ما خلقت ودخل من فيه وخرج من دبره فقال للملائكة لا ترهبوا من هذا فإن ربكم صمد وهذا أجوف لئن سلطت عليه لاهلكنه وحدثنا عن الحسن بن بلال حدثنا حماد ابن سلمة عن سليمان التيمى عن أبى عثمان النهدي عن سلمان الفارسى قال خمر الله تعالى طينة آدم عليه السلام أربعين يوما ثم جمعه بيده فخرج طيبه بيمينه وخبيثه بشماله ثم مسح يديه إحداهما على الاخرى فخلط بعضه ببعض فمن ثم يخرج الطيب من الخبيث والخبيث من الطيب حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال يقال والله أعلم خلق الله آدم ثم وضعه ينظر إلى أربعين يوما قبل أن ينفخ فيه الروح حتى عاد صلصالا كالفخار، ولم تمسه نار قال فلما مضى له من المدة ما مضى وهو طين صلصال كالفخار وأراد عزوجل أن ينفخ فيه الروح تقدم إلى الملائكة فقال لهم إذا نفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فلما نفخ فيه الروح أتته الروح من قبل رأسه فيما ذكر عن السلف قبلنا أنهم قالوه ذكر من قال ذلك حدثنى موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدى في خير ذكره عن أبى مالك وعن أبى صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فلما بلغ الحين الذى أراد الله عزوجل أن ينفخ فيه الروح قال للملائكة إذا نفخت فيه من

[ 64 ]

روحي فاسجدوا له فلما نفخ فيه الروح فدخل الروح في رأسه عطس فقالت الملائكة قل الحمد لله فقال الحمد لله فقال الله عزوجل رحمك ربك فلما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام فوثب قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة فذلك حين يقول (خلق الانسان من عجل) " فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين " أبى واستكبر وكان من الكافرين، فقال الله له ما منعك أن تسجد إذ أمرتك لما خلقت بيدى ؟ قال أنا خير منه لم أكن لا سجد لبشر خلقته من طين قال الله له (اخرج منها فما يكون لك - يعنى ما ينبغى لك - أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين) والصغار الذل * حدثنا أبو كريب قال حدثنا عثمان بن سعيد قال حدثنا بسر بن عمارة عن أبى روق عن الضحاك عن ابن عباس قال فلما نفخ الله عزوجل فيه يعنى في آدم من روحه أتت النفخة من قبل رأسه فجعل لا يجرى شئ منها في جسده إلا صار لحما ودما، فلما انتهت النفخة إلى سرته نظر إلى جسده فأعجبه ما رأى من حسنه، فذهب لينهض فلم يقدر فهو قول الله عزوجل " خلق الانسان من عجل " قال ضجرا لا صبر له على سراء ولا ضراء فلما تمت النفخة في جسده عطس فقال الحمد لله رب العالمين بإلهام الله فقال يرحمك الله يا آدم ثم قال للملائكة الذين كانوا مع إبليس خاصة دون الملائكة الذين في السموات اسجدوا لآدم فسجدوا كلهم أجمعون إلا إبليس أبى واستكبر لما كان حدث به نفسه من كبره واغتراره فقال لا أسجد وأنا خير منه وأكبر سنا وأقوى خلقا (خلقتني من نار وخلقته من طين). يقول إن النار أقوى من الطين قال فلما أبى إبليس أن يسجد أبلسه الله تعالى أيئسه من الخير كله وجعله شيطانا رجيما عقوبة لمعصيته * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحق قال فيقال والله أعلم إنه لما انتهى الروح إلى رأسه عطس فقال الحمد لله قال فقال له ربه يرحمك ربك ووقعت الملائكة حين استوى سجودا له حفظا لعهد الله الذى عهد إليهم وطاعة لامره الذى أمرهم به وقام عدو الله إبليس من بينهم فلم يسجد متكبرا متعظما بغيا وحسدا فقال له (يا إبليس ما منعك

[ 65 ]

أن تسجد لما خلقت بيدى - إلى قوله - لاملان جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين) قال فلما فرغ الله تعالى من إبليس ومعاتبته وأبى إلا المعصية أوقع الله تعالى عليه اللعنة وأخرجه من الجنة * حدثنى محمد بن خلف قال حدثنا آدم بن أبى إياس قال حدثنا أبو خالد سليمان بن حيان قال حدثنى محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم * قال أبو خالد وحدثني داود بن أبى هند عن الشعبى عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو خالد وحدثني ابن أبى ذئاب الدوسى قال حدثنى سعيد المقبرى ويزيد بن هرمز عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال خلق الله عزوجل آدم بيده ونفخ فيه من روحه وأمر الملا من الملائكة فسجدوا له فجلس فعطس فقال الحمد لله فقال له ربه يرحمك ربك ائت أولئك الملا من الملائكة فقل لهم السلام عليكم فأتاهم فقال السلام عليكم فقالوا له وعليك السلام ورحمة الله ثم رجع إلى ربه عزوجل فقال له هذه تحيتك وتحية ذريتك بينهم فلما أظهر إبليس من نفسه ما كان له مخيفا فيها من الكبر والمعصية لربه وكانت الملائكه قد قالت لربها عزوجل حين قال لهم إنى جاعل في الارض خليفة أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك فقال لهم ربهم إنى أعلم ما لا تعلمون تبين لهم ما كان عنهم مستترا وعلوا أن فيهم من منه المعصية لله عزوجل والخلاف لامره * ثم علم الله عزوجل آدم الاسماء كلها واختلف السلف من أهل العلم قبلنا في الاسماء التى علمها آدم أخاصا من الاسماء علم أم عاما ؟ فقال بعضهم علم اسم كل شئ ذكر من قال ذلك حدثنا أبو كريب قال حدثنا عثمان بن سعيد قال حدثنا بشر بن عمارة عن أبى روق عن الضحاك عن ابن عباس قال علم الله تعالى آدم الاسماء كلها وهى هذه الاسماء التى يتعارف بها الناس إنسان ودابة وأرض وسهل وبحر وجبل وحمار وأشباه ذلك من الامم وغيرها * حدثنى أحمد بن إسحاق الاهوازي قال حدثنا أبو أحمد حدثنا شريك عن عاصم بن كليب عن الحسن بن سعد عن ابن عباس في

[ 66 ]

قوله " وعلم آدم الاسماء كلها " قال علمه اسم كل شئ حتى الفسوة والفسية * حدثنى على بن الحسن وحدثنا مسلم الجرمى قال حدثنا محمد بن مصعب عن قيس ابن الربيع عن عاصم بن كليب عن سعيد بن معبد عن ابن عباس في قول الله عزوجل " وعلم آدم الاسماء كلها " قال علمه اسم كل شئ حتى الهنة والهنية والفسوة والضرطة * حدثنا محمد بن عمرو قال حدثنا أبو عاصم قال حدثنا عيسى بن ميمون عن ابن أبى نجيح عن مجاهد في قول الله عزوجل " وعلم آدم الاسماء كلها " قال ما خلق الله تعالى كله * حدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبى عن سفيان عن خصيف عن مجاهد وعلم آدم الاسماء كلها قال علمه اسم كل شئ * حدثنا سفيان قال حدثنا أبى عن شريك عن سالم الافطس عن سعيد بن جبير قال علمه اسم كل شئ حتى البعير والبقرة والشاة * حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة في قوله عزوجل وعلم آدم الاسماء كلها قال علمه اسم كل شئ هذا جبل وهذا بحر وهذا كذا وهذا كذا لكل شئ ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين * حدثنا بشر بن معاذ حدثنا يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة قوله عزوجل (وعلم آدم الاسماء كلها - حتى بلغ - إنك أنت العليم الحكيم) قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فأنبأ كل صنف من الخلق باسمه وألجأه إلى جنسه * حدثنا القاسم بن الحسن قال حدثنا الحسين قال حدثنا حجاج عن جرير بن حازم ومبارك عن الحسن وأبى بكر عن الحسن وقتادة قالا علمه اسم كل شئ هذه الخيل وهذه البغال والابل والجن والوحش وجعل يسمى كل شئ باسمه * وقال آخرون بل إنما اسما خاصا من الاسماء قالوا والذى علمه أسماء الملائكة ذكر من قال ذلك حدثنى عبد ة المروزى قال حدثنا عمار بن الحسن قال حدثنا عبد الله بن أبى جعفر عن أبيه عن الربيع قوله تعالى " وعلم آدم الاسماء كلها " قال أسماء الملائكة وقال آخرون مثل قول هؤلاء في أن الذى علم آدم الاسماء خاصا من الاشياء غير أنهم قالوا الذى علم من ذلك أسماء ذريته

[ 67 ]

ذكر من قال ذلك حدثنى يونس قال حدثنا ابن وهب قال قال ابن زيد في قوله عزوجل " وعلم آدم الاسماء كلها " قال أسماء ذريته * فلما علم الله آدم الاسماء كلها عرض الله عزو جل أهل الاسماء على الملائكة فقال لهم " أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين " وإنما قال ذلك عزو جل للملائكة فيما ذكر لقولهم - إذ قال لهم إنى جاعل في الارض خليفة - أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك فعرض بعد أن خلق آدم عليه السلام ونفخ فيه الروح وعلمه أسماء كل شئ ما خلق من الخلق عليهم فقال لهم أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين أنى إن جعلت منكم خليفتي في الارض أطعتموني وسبحتمونى وقد ستمونى ولم تعصوني وإن جعلته من غيركم أفسد فيها وسفك فإنكم إن لم تعلموا ما أسماؤهم وأنتم مشاهدوهم ومعاينوهم فأنتم بأن لا تعلموا ما يكون من أمركم إن جعلت خليفتي في الارض منكم أو من غيركم إن جعلته من غيركم فهم عن أبصاركم غيب لا ترونهم ولا تعاينونهم ولم تخبروا بما هو كائن منكم ومنهم أحرى * وهذا قول روى عن جماعة من السلف ذكر بعض من روى ذلك عنه حدثنى موسى بن هارون قال حدثنى عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدى في خبر ذكره عن أبى مالك وعن أبى صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن عبد الله بن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم (إن كنتم صادقين) أن بنى آدم يفسدون في الارض ويسفكون الدماء حدثنا أبو كريب قال حدثنا عثمان بن سعيد قال حدثنا بشر بن عمارة عن أبى روق عن الضحاك عن ابن عباس إن كنتم صادقين إن كنتم تعلمون لم أجعل في الارض خليفة * وقد قيل إن الله جل جلاله قال ذلك للملائكة لانه جل جلاله لما ابتدأ في خلق آدم قالوا فيما بينهم ليخلق ربنا ما شاء أن يخلق فلن يخلق خلقا إلا كنا أعلم منه وأكرم عليه منه فلما خلق آدم عليه السلام وعلمه أسماء كل

[ 68 ]

شئ عرض الاشياء التى علم آدم أسماءها عليهم فقال لهم أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين في قيلكم أن الله لم يخلق خلقا إلا كنتم أعلم منه وأكرم عليه منه ذكر من قال ذلك حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا سعيد عن قتادة قوله وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل في الارض خليفة فاستشار الملائكة في خلق آدم عليه السلام فقالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء وقد علمت الملائكة من علم الله أنه لا شئ أكره إلى الله عزوجل من سفك الدماء والفساد في الارض ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إنى أعلم ما لا تعلمون وكان في علم الله عزوجل أنه سيكون من ذلك الخليفة أنبياء ورسل وقوم صالحون وساكنوا الجنة * قال وذكر لنا أن ابن عباس كان يقول إن الله تعالى لما أخذ في خلق آدم قالت الملائكة ما الله تعالى بخالق خلقا أكرم عليه منا ولا أعلم منا فابتلوا بخلق آدم عليه السلام وكل خلق مبتلى كما ابتليت السموات والارض بالطاعة فقال الله تعالى (ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين) حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين بن داود قال حدثنى حجاج عن جرير بن حازم ومبارك عن الحسن وأبى بكر عن الحسن وقتادة قالا قال الله عزوجل للملائكة إنى جاعل في الارض خليفة قال لهم إنى فاعل فعرضوا برأيهم فعلمهم علما وطوى منهم علما علمه لا يعلمونه فقالوا بالعلم الذى علمهم (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) وقد كانت الملائكة علمت من علم الله تعالى أنه لا ذنب عند الله تعالى أعظم من سفك الدماء (ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إنى أعلم ما لا تعلمون) فلما أخذ تعالى في خلق آدم عليه السلام همست الملائكة فيما بينهم، فقالوا ليخلق ربنا عزوجل ما شاء أن يخلق فلن يخلق خلقا إلا كنا أعلم منه وأكرم عليه منه فلما خلقه ونفخ فيه من روحه أمرهم أن يسجدوا له لما قالوا ففضله عليهم فعلموا أنهم ليسوا بخير منه فقالوا إن لم نكن خيرا منه فنحن أعلم منه لانا كنا قبله وخلقت الامم قبله فلما أعجبوا

[ 69 ]

بعلمهم ابتلوا فعلم آدم الاسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين أنى لم أخلق خلقا إلا كنتم أعلم منه فأخبروني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قال ففزع القوم إلى التوبة واليها يفزع كل مؤمن فقالوا (سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إنى أعلم غيب السموات والارض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون) لقولهم ليخلق ربنا ما شاء فلن يخلق خلقا أكرم عليه منا ولا أعلم منا قال علمه اسم كل شئ هذه الخيل وهذه البغال والابل والجن والوحش وجعل يسمى كل شئ باسمه وعرضت عليه أمة أمة قال ألم أقل لكم إنى أعلم غيب السموات والارض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون قال أما ما أبدوا فقولهم أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء وأما ما كتموا فقولهم بعضهم لبعض نحن خير منه وأعلم * حدثنا عمار بن الحسن قال حدثنا عبد الله بن أبى جعفر عن أبيه عن الربيع بن أنس " ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين - إلى قوله - إنك أنت العليم الحكيم " قال وذلك حين قالوا (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء - إلى قوله - ونقدس لك) قال فلما عرفوا أنه جاعل في الارض خليفة قالوا بينهم لن يخلق الله تعالى خلقا إلا كنا نحن أعلم منه وأكرم عليه فأراد الله تعالى أن يخبرهم أنه قد فضل عليهم آدم وعلمه الاسماء كلها وقال للملائكة " أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين - إلى - أعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون " فكان الذى أبدوا حين قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء وكان الذى كتموا بينهم لن يخلق ربنا خلقا إلا كنا نحن أعلم منه وأكرم فعرفوا أن الله عزوجل فضل عليهم آدم في العلم والكرم * فلما ظهر للملائكة من استكبار إبليس ما ظهر ومن خلافه أمر ربه ما كان مستترا عنهم من ذلك وعاتبه ربه على ما أظهر من معصيته إياه بتركه السجود لآدم فأصر على معصيته وأقام على غيه وطغيانه - لعنه الله - فأخرجه من الجنة وطرده منها وسلبه ما كان

[ 70 ]

أتاه من ملك السماء الدنيا والارض وعزله عن خزن الجنة فقال جل جلاله (اخرج منها) يعنى من الجنة (فانك رجيم. وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين) وهو بعد في السماء لم يهبط إلى الارض فأسكن الله عزوجل حينئذ آدم جنته كما حدثنى موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا اسباط عن السدى في خبر ذكره عن أبى مالك وعن أبى صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخرج إبليس من الجنة حين لعن وأسكن آدم الجنة فكان يمشى فيها وحشا ليس له زوج يسكن إليها فنام نومة فاستيقظ فإذا عند رأسه امرأة قاعدة خلقها الله من ضلعه فسألها ما أنت ؟ قالت امرأة قال ولم خلقت ؟ قالت لتسكن إلى قالت له الملائكة ينظرون ما بلغ علمه ما اسمها يا آدم ؟ قال حواء قالوا لم سميت حواء ؟ قال لانها خلقت من سئ حى فقال الله تعالى (يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما) حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال لما فرغ الله تعالى من معاتبة إبليس أقبل على آدم عليه السلام وقد علمه الاسماء كلها فقال " يا آدم أنبئهم بأسماثهم - إلى - إنك أنت العليم الحكيم " قال ثم ألقى السنة على آدم فيما بلغنا عن أهل الكتاب من أهل التوراة وغيرهم من أهل العلم عن عبد الله بن العباس وغيره ثم أخذ ضلعا من أضلاعه من شقه الايسر ولام مكانها لحما وآدم عليه السلام نائم لم يهب من نومته حتى خلق الله تعالى من ضلعه تلك زوجته حواء فسواها امرأة يسكن إليها فلما كشف عنه السنة وهب من نومته رآها إلى جنبه فقال فيما يزعمون والله أعلم لحمى ودمى وزوجتي فسكن إليها فلما زوجه الله عزوجل وجعل له سكنا من نفسه قال له قيلا " يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين " حدثنا محمد بن عمرو قال حدثنا أبو عاصم قال حدثنا عيسى عن ابن أبى نجيح عن مجاهد في قوله عزوجل (وخلق منها زوجها) قال حواء من فصيرى آدم وهو نائم فاستيقظ فقال (أثا) بالنبطية

[ 71 ]

امرأة * حدثنا المثنى قال حدثنا أبو حذيفة قال حدثنا شبل عن ابن أبى نجيح عن مجاهد مثله * حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا سعيد عن قتادة " وخلق منها زوجها " يعنى حواء خلقت من آدم من ضلع من أضلاعه القول في ذكر امتحان الله تعالى أبانا آدم عليه السلام وابتلائه إياه بما امتحه به من طاعته وذكر ركوب آدم معصية ربه بعد الذى كان أعطاه من كرامته وشريف المنزلة عنده ومكنه في جنته من رغد العيش وهنيئه وما أزال ذلك عنه فصار من نعيم الجنة ولذيذ رغد العيش إلى نكد عيش أهل الارض وعلاج الحراثة والعمل بالمساحى والزراعة فيها * فلما أسكن الله عزوجل آدم عليه السلام وزوجته جنته أطلق لهما أن يأكلا كلما شاءا أكله من كل ما فيها من ثمارها غير ثمر شجرة واحدة ابتلاء منه لهما بذلك وليمضى قضاء الله فيهما وفى ذريتهما كما قال عزوجل " ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فوسوس لهما الشيطان حتى زين لهما أكل مانها هما ربهما عن أكله من ثمر تلك الشجرة وحسن لهما معصية الله في ذلك حتى أكلا منها فبدالهما من سوآتهما ما كان موارى عنهما منها فكان وصول عدو الله إبليس إلى تزيين ذلك لهما ما ذكر في الخبر الذى حدثنى موسى بن هارون الهمداني قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدى في خبر ذكره عن أبى مالك وعن أبى صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال لما قال الله عزوجل لآدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين أراد إبليس أن يدخل عليهما الجنة فمنعته الخزنة فأتى الحية وهى دابة لها أربع قوائم كأنها البعير وهى كأحسن الدواب فكلمها أن تدخله في فمها حتى تدخل به إلى آدم فأدخلته في فمها فمرت الحية على الخزنة وهم لا يعلمون لما أراد الله عزوجل من الامر فكلمه من فمها ولم يبال كلامه فخرج إليه فقال

[ 72 ]

(يا آدم هل أدلك على الشجرة الخلد وملك لا يبلى) يقول هل أدلك على شجرة إن أكلت منها كنت ملكا مثل الله تبارك وتعالى أو تكونا من الخالدين فلا تموتان أبدا وحلف لهما بالله إنى لكما لمن الناصحين وإنما أراد بذلك أن يبدى لهما ما توارى عنهما من سوآتهما بهتك لباسهما وكان قد علم أن لهما سوءة لما كان يقرأ من كتب الملائكة ولم يكن آدم يعلم ذلك وكان لباسهما الظفر فأبى آدم أن يأكل منها فتقدمت حواء فأكلت ئم قالت يا آدم كل فإنى قد أكلت فلم يضرنى فلما أكل بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن ليث بن أبى سليم عن طاووس اليماني عن ابن عباس قال إن عدو الله إبليس عرض نفسه على دواب الارض أيها تحمله حتى يدخل به الجنة حتى يكلم آدم وزوجته فكل الدواب أبى ذلك عليه حتى كلم الحية فقال لها أمنعك من بنى آدم فأنت في ذمتي إن أنت أدخلتني الجنة فجعلته بين نابين من أنيابها ثم دخلت به فكلمهما من فمها وكانت كاسية تمشى على أربع قوائم فأعراها الله تعالى وجعلها تمشى على بطنها قال يقول ابن عباس اقتلوها حيث وجدتموها واخفروا ذمة عدو الله فيها * حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن عبد الرحمن بن مهران قال سمعت وهب بن منبه يقول لما أسكن الله تعالى آدم وزوجته الجنة ونهاه عن الشجرة وكانت شجرة غصونها متشعب بعضها في بعض وكان لها ثمر تأكله الملائكة يخلدهم وهى الثمرة التى نهى الله عنها آدم وزوجته فلما أراد إبليس أن يستزلهما دخل في جوف الحية وكان للحية أربع قوائم كأنها بختية من أحسن دابة خلقها الله تعالى فلما دخلت الجنة خرج من جوفها إبليس فاخذ من الشجرة التى نهى الله عبها آدم وزوجته فجاء بها إلى حواء فقال انظري إلى هذه الشجرة ما أطيب ريحها وأطيب طعمها وأحسن لونها فاخذت حواء فأكلت منها ثم ذهبت بها إلى آدم فقالت انظر إلى هذه الشجرة ما أطيب ريحها وأطيب طعمها وأحسن لونها فأكل منها آدم فبدت لهما سوآتهما فدخل آدم في جوف الشجرة فناداه ربه يا آدم أين أنت قال أنا هذا يا رب

[ 73 ]

قال ألا تخرج قال أستحى منك يا رب قال ملعونة الارض التى خلقت منها لعنة حتى تتحول ثمارها شوكا قال ولم يكن في الجنة ولا في الارض شجرة كانت أفضل من الطلح والسدر ثم قال يا حواء أنت التى غررت عبد ى فإنك لا تحملين حملا إلا حملته كرها فإذا أردت أن تضعى ما في بطنك أشرفت على الموت مرارا وقال للحية أنت التى دخل الملعون في بطنك حتى غر عبد ى ملعونة أنت لعنة حتى تتحول قوائمك في بطنك ولا يكن لك رزق الا التراب أنت عدوة بنى آدم وهم أعداؤك حيث لقيت أحدا منهم أخذت بعقبه وحيث لقيك شدخ رأسك * قيل لوهب وما كانت الملائكة تأكل قال يفعل الله ما يشاء * حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين ابن داود قال حدثنى حجاج عن أبى معشر عن محمد بن قيس قال نهى الله تعالى آدم وحواء أن يأكلا من شجرة واحدة في الجنة ويأكلا منها رغدا حيث شاءا فجاء الشيطان فدخل في جوف الحية فكلم حواء ووسوس إلى آدم فقال مانها كما ربكما عن هذه الشجره إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين و قاسمهما إنى لكما لمن الناصحين قال فقطعت حواء الشجرة فدميت الشجرة وسقط عنهما رياشهما الذى كان عليهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين لم أكلتها وقد نهيتك عنها قال يا رب أطعمتني حواء قال لحواء لم أطعمته ؟ قالت أمرتنى الحية قال للحية لم أمرتها قالت أمرنى إبليس قال ملعون مدحور أما أنت يا حواء فكما أدميت الشجرة تدمين في كل هلال وأما أنت يا حية فأقطع قوائمك فتمشين جريا على وجهك وسيشدخ رأسك من لقيك بالحجر اهبطوا بعضكم لبعض عدو. حدثت عن عمار بن الحسن قال حدثنا عبد الله بن أبى جعفر عن أبيه عن الربيع، قال حدثنى محدث أن الشيطان دخل الجنة في صورة دابة ذات قوائم وكان يرى أنه البعير قال فلعن فسقطت فوائمه فصار حية * حدثت عن عمار قال حدثنا عبد الله بن أبى جعفر عن أبيه عن الربيع قال وحدثني أبو العالية قال إن من الابل ما كان أولها من الجن قال فأبيحت له الجنة كلها - يعنى آدم - إلا

[ 74 ]

الشجرة وقيل لهما لا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين قال فأتى الشيطان حواء فبدأ بها فقال نهيتما عن شئ قالت نعم عن هذه الشجرة فقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين قال فبدت حواء فأكلت منها ثم أمرت آدم فأكل منها قال وكانت شجرة من أكل منها أحدث قال ولا ينبغى أن يكون في الجنة حدث قال: (فأزلهما الشيطان عنها فاخرجهما مما كانا فيه) قال فأخرج آدم من الجنة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم أن آدم عليه السلام حين دخل الجنة ورأى ما فيها من الكرامة وما أعطاه الله منها قال لو أنا خلدنا فاغتمز فيها منه الشيطان لما سمعها منه فأتاه من قبل الخلد * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال حدثت أن أول ما ابتدأهما به من كيده إياهما أنه ناح عليهما نياحة أحزنتهما حين سمعاها فقالا له ما يبكيك قال أبكى عليكما تموتان فتفارقان ما أنتما فيه من النعمة والكرامة فوقع ذلك في أنفسهما ثم أتاهما فوسوس إليهما فقال يا آدم هل أدلك عن شجرة الخلد وملك لا يبلى وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما إنى لكما لمن الناصحين أي تكونان ملكين أو تخلدان أي إن لم تكونا ملكين في نعمة الجنة فلا تموتان يقول الله عزوجل (فدلاهما بغرور) * حدثنى يونس قال أخبرنا ابن وهب قال قال ابن زيد في قوله سبحانه وتعالى (فوسوس) وسوس الشيطان إلى حواء في الشجرة حتى أتى بها إليها ثم حسنها في عين آدم قال فدعاها آدم لحاجته قالت لا، إلا أن تأتى هاهنا فلما أتى قالت لا إلا أن تأكل من هذه الشجرة قال فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما قال وذهب آدم هاربا في الجنة فناداه ربه يا آدم أمنى تفر ؟ قال لا يا رب ولكن حياء منك قال يا آدم أنى أوتيت قال من قبل حواء يا رب قال الله عزوجل فإن لها على أن أدميها في كل شهر مرة كما أدمت هذه الشجرة وأن أجعلها سفيهة وقد كنت خلقتها حليمة وأن أجعلها تحمل كرها وتضع كرها وقد كنت جعلتها تحمل يسرا وتضع يسرا * قال ابن زيد ولو لا البلية التى أصابت

[ 75 ]

حواء لكان نساء أهل الدنيا لا يحضن ولكن حليمات ولكن يحملن يسرا ويضعن يسرا * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبد الله ابن قسيط عن سعيد بن المسيب قال سمعته يحلف بالله ما يستثنى ما أكل آدم من الشجرة وهو يعقل ولكن حواء سقته الخمر حتى إذا سكرقادته إليها فأكل منها فلما واقع آدم وحواء الخطيئة أخرجهما الله تعالى من الجنة وسلبهما ما كانا فيه من النعمة والكرامة وأهبطهما وعدويهما إبليس والحية إلى الارض فقال لهم ربهم اهبطوا بعضكم لبعض عدو وكالذى قلنا في ذلك قال السلف من أهل العلم * حدثنى يونس قال أخبرنا ابن وهب قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدى عن إسرائيل عن اسماعيل السدى، قال حدثنى من سمع ابن عباس يقول اهبطوا بعضكم لبعض عدو قال آدم وحواء وإبليس والحية * حدثنا سفيان بن وكيع وموسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد عن اسباط عن السدى في خبر ذكره عن أبى مالك وعن أبى صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اهبطوا بعضكم لبعض عدو فلعن الحية فقطع قوائمها وتركها تمشى على بطنها وجعل رزقها من التراب وأهبط إلى الارض آدم وحواء وإبليس والحية * حدثنى محمد بن عمرو قال حدثنا أبو عاصم قال حدثنا عيسى بن ميمون عن ابن أبى نجيح عن مجاهد في قول الله عزوجل اهبطوا بعضكم لبعض عدو قال آدم وحواء وإبليس والحية القول في قدر مدة مكث آدم في الجنة ووقت خلق الله عزوجل إياه ووقت إهباطه إياه من السماء إلى الارض قد تظاهرت الاخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الله عزوجل خلق آدم عليه السلام يوم الجمعة وأنه أخرجه فيه من الجنة وأهبطه إلى الارض فيه وأنه فيه تاب عليه وفيه قبضه

[ 76 ]

ذكر الاخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك حدثنى عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم قال حدثنا على بن معبد قال حدثنا عبيدالله بن عمرو عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن عمرو بن شرحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة عن سعد بن عبادة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن في الجمعة خمس خلال فيه خلق آدم وفيه أهبط إلى الارض وفيه توفى الله آدم وفيه ساعة لا يسأل العبد فيها ربه شيئا إلا أعطاه الله إياه ما لم يسأل إثما أو قطيعة وفيه تقوم الساعة وما من ملك مقرب ولا سماء ولا جبل ولا أرض ولا ريح إلا مشفق من يوم الجمعة * حدثنى محمد بن بشار ومحمد بن معمر قالا حدثنا أبو عامر حدثنا زهير بن محمد عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن عبد الرحمن بن يزيد الانصاري عن أبى لبابة بن عبد المنذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال سيد الايام يوم الجمعة وأعظمها وأعظم عند الله من يوم الفطر ويوم النحر وفيه خمس خلال خلق الله تعالى فيه آدم وأهبطه فيه إلى الارض وفيه توفى الله تعالى آدم وفيه ساعة لا يسأل الله العبد شيئا إلا أعطاه إياه ما لم يكن حراما وفيه تقوم الساعة ما من ملك مقرب ولا سماء ولا أرض ولا جبال ولا رياح ولا بحر إلا وهو مشفق من يوم الجمعة أن تقوم فيه الساعة واللفظ لحديث ابن بشار * حدثنا مححمد بن معمر قال حدثنا أبو عامر قال حدثنا زهير بن محمد عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن عمرو بن شرحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة عن أبيه عن جده عن سعد بن عبادة أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أخبرنا عن يوم الجمعة ماذا فيه من الخير ؟ فقال فيه خلق آدم وفيه أهبط آدم وفيه توفى آدم وفيه ساعة لا يسأل العبد فيها شيئا إلا أعطاه الله إياه ما لم يسأل مأثما أو قطيعة وفيه تقوم الساعة ما من ملك مقرب ولا سماء ولا أرض ولا جبال ولا ريح إلا هن يشفقن من يوم الجمع * حدثنى عبد الرحمن ابن عبد الله بن عبد الحكم قال حدثنا أبو زرعة قال أخبرني يونس عن ابن شهاب عن عبد الرحمن الاعرج أنه سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى

[ 77 ]

الله عليه وسلم خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه ادخل الجنة وأخرج منها * حدثنى بحر بن نصر قال أخبرنا ابن وهب قال أخبرني ابن أبى الزناد عن أبيه عن موسى بن أبى عثمان عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد الايام يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها ولا تقوم الساعة إلا يوم الجمعة * حدثنا الربيع بن سليمان قال حدثنا شعيب بن الليث قال حدثنا الليث بن سعد عن جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز أنه قال سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تطلع الشمس على يوم مثل يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أخرج من الجنة وفيه أعيد فيها * حدثنا ابن حميد قال حدثنا جرير عن منصور ومغيرة عن زياد بن كليب أبى معشر عن ابراهيم عن القرثع الضبى وكان القرثع من القراء الاولين قال قال سلمان قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم يا سلمان أتدرى ما يوم الجمعة قلت الله ورسوله أعلم يقولها ثلاثا يا سلمان أتدرى ما يوم الجمعة ؟ فيه جمع أبو ك أو أبو كم * حدثنى محمد بن عمارة الاسدي قال حدثنا عبيدالله بن موسى قال أخبرنا شبيان عن يحيى عن أبى سلمة أنه سمع أبا هريرة يحدث أنه سمع كعبا يقول خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم عليه السلام وفيه دخل الجنة وفيه أخرج منها وفيه تقوم الساعة * حدثنى الحسين بن يزيد الآدمى قال حدثنا روح بن عبادة قال حدثنا زكرياء ابن اسحاق عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير قال إن أول يوم طلعت فيه شمسه يوم الجمعة وهو أفضل الايام فيه خلق الله تعالى ذكره آدم خلقه على مثل صورته فلما فرغ عطس آدم فألقى الله تعالى عليه الحمد فقال الله يرحمك ربك * حدثنا أبو كريب قال حدثنا اسحاق بن منصور عن أبى كدينة عن مغيرة عن زياد عن ابراهيم عن علقمة عن القرثع عن سلمان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم * أتدرى ما يوم الجمعة هو يوم جمع فيه أبو ك أو أبو كم آدم عليه السلام * حدثنا أبو كريب قال حدثنا عثمان بن سعيد عن أبى الاحوص

[ 78 ]

عن مغيرة عن ابراهيم عن علقمة قال قال سلمان قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم يا سلمان أتدرى ما يوم الجمعة مرتين أو ثلاثا قال هو اليوم الذى جمع فيه أبو كم آدم أو جمع فيه أبو كم * حدثنا أبو كريب قال حدثنا حسن بن عطية قال حدثنا قيس عن الاعمش عن ابراهيم عن القرثع عن سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتدرى ما يوم الجمعة أو قال كذا فيها جمع أبو كم آدم حدثنا محمد بن على بن الحسن بن شقيق قال سمعت أبى يقول أخبرنا أبو حمزة عن منصور عن ابراهيم عن القرثع عن سلمان قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أتدرى ما يوم الجمعة قلت لا قال فيه جمع أبوك ذكر الوقت الذى فيه خلق آدم عليه السلام من يوم الجمعة والوقت الذى فيه أهبط إلى الارض اختلف في ذلك فروى عن عبد الله بن سلام وغيره في ذلك ما حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن إدريس قال أخبرنا محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أسكن الجنة وفيه أهبط وفيه نقوم الساعة وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله تعالى فيها خيرا إلا آتاه إياه فقال عبد الله ابن سلام قد علمت أي ساعة هي، هي آخر ساعات النهار من يوم الجمعة قال الله عزوجل (خلق الانسان من عجل ساريكم آياتى فلا تستعجلون) حدثنا أبو كريب قال حدثنا المحاربي وعبد ة بن سليمان وأسد بن عمرو عن محمد بن عمرو قال حدثنا أبو سلمة عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه وذكر فيه كلام عبد الله بن سلام بنحوه * حدثنا محمد بن عمرو قال حدثنا أبو عاصم قال حدثنا عيسى عن ابن أبى نجيح عن مجاهد في قوله عزوجل " خلق الانسان من عجل " قال قول آدم حين خلق بعد كل شئ آخر النهار من يوم خلق الخلق فلما أحيا الروح عينيه ولسانه ورأسه ولم يبلغ أسفله قال يا رب استعجل بخلقي

[ 79 ]

قبل غروب الشمس * حدثنى الحارث قال حدثنا الحسن قال حدثنا ورقاء عن ابن أبى نجيح عن مجاهد مثله * حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثنا حجاج عن ابن جريج قال قال مجاهد خلق الانسان من عجل قال آدم حين خلق بعد كل شئ ثم ذكره نحوه غيره أنه قال في حديثه استعجل بخلقي قد غربت الشمس * حدثنى يونس قال أخبرنا ابن وهب قال قال ابن زيد في قوله خلق الانسان من عجل قال على عجل خلق آدم آخر ذلك اليوم من ذينك اليومين يريد يوم الجمعة وخلقه على عجلة وجعله عجولا * وقد زعم بعضهم أن الله عزوجل أسكن آدم وزوجته الفردوس لساعتين مضتا من نهار يوم الجمعة وقيل لثلاث ساعات مضين منه، وأهبطه إلى الارض لسبع ساعات مضين من ذلك اليوم فكان مقدار مكثهما في الجنة خمس ساعات وقيل كان ذلك ثلاث ساعات وقال بعضهم أخرج آدم عليه السلام من الجنة للساعة التاسعة أو العاشرة ذكر من قال ذلك قال أبو جعفر قرأت على عبد ان بن محمد المروزى قال حدثنا عمار بن الحسن قال حدثنا عبد الله بن أبى جعفر عن أبيه عن الربيع عن أنس عن أبى العالية قال أخرج آدم من الجنة للساعة التاسعة أو العاشرة فقال لى نعم لخمسة أيام مضين من نيسان * فإن كان قائل هذا القول أراد أن الله تبارك وتعالى أسكن آدم وزوجته الفردوس لساعتين مضتا من نهار يوم الجمعة من أيام أهل الدنيا التى هي على ما به اليوم فلم يبعد قوله من الصواب في ذلك لان الاخبار إذا كانت واردة عن السلف من أهل العلم بأن آدم خلق في آخر ساعة من اليوم السادس من الايام التى مقدار اليوم الواحد منها ألف سنة من سنيننا فمعلوم أن الساعة الواحدة من ساعات ذلك اليوم ثلاثة وثمانون عاما من أعوامنا وقد ذكرنا أن آدم بعد أن خمر ربنا عزوجل طينته بقى قبل أن ينفخ فيه الروح أربعين عاما وذلك لا شك أنه عنى به من أعوامنا وسنيننا ثم بعد أن نفخ فيه الروح إلى أن تناهى أمره وأسكن الفردوس وأهبط إلى الارض غير مستنكر أن يكون كان مقداره من سنيننا

[ 80 ]

قدر خمس وثلاثين سنة فإن كان أراد أنه أسكن الفردوس لساعتين مضتا من نهار يوم الجمعة من الايام التى مقدار اليوم الواحد منها ألف سنة من سنيننا فقد قال غير الحق وذلك أن جميع من حفظ له قول في ذلك من أهل العلم فإنه كان يقول إن آدم نفخ فيه الروح في آخر النهار من يوم الجمعة قبل غروب الشمس من ذلك اليوم ثم الاخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم متظاهرة بأن الله تبارك وتعالى أسكنه الجنة فيه وفيه أهبطه إلى الارض فإن كان ذلك صحيحا فمعلوم أن آخر ساعة من نهار يوم من أيام الآخرة ومن الايام التى اليوم الواحد منها مقداره ألف سنة من سنيننا إنما هي ساعة بعد مضى إحدى عشرة ساعة وذلك ساعة من اثنتى عشرة ساعة وهى ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر من سنيننا فآدم صلوات الله عليه إذ كان الامر كذلك إنما خلق لمضى إحدى عشرة ساعة من نهار يوم الجمعة من الايام التى اليوم الواحد منها ألف سنة من سنيننا فمكثت جسدا ملقى لم ينفخ فيه الروح أربعين عاما من أعوامنا ثم نفخ فيه الروح فكان مكثه في السماء بعد ذلك ومقامه في الجنة إلى أن أصاب الخطيئة وأهبط إلى الارض ثلاثا وأربعين سنة من سنيننا وأربعة أشهر وذلك ساعة من ساعات يوم من الايام الستة التى خلق الله تعالى فيها الخلق، وقد حدثنى الحارث بن محمد قال حدثنا محمد بن سعد قال حدثنا هشام بن محمد قال أخبرني أبى عن أبى صالح عن ابن عباس قال خرج آدم من الجنة بين الصلاتين صلاة الظهر وصلاة العصر فأنزل إلى الارض وكان مكثه في الجنة نصف يوم يوم من أيام الآخرة وهو خمسمائة سنة من يوم كان مقداره اثنتى عشرة ساعة واليوم ألف سنة مما يعد أهل الدنيا وهذا أيضا قول خلاف ما وردت به الاخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن السلف من علمائنا القول في الموضع الذى أهبط آدم وحواء إليه من الارض حين أهبطا إليها ثم إن الله عزوجل أهبط آدم قبل غروب الشمس من اليوم الذى خلقه فيه

[ 81 ]

وذلك يوم الجمعة من السماء مع زوجته وأنزل آدم فيما قال علماء سلف أمة نبينا صلى الله عليه وسلم بالهند ذكر من حضرنا ذكره ممن قال ذلك منهم حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة قال أهبط الله عزوجل آدم إلى الارض وكان مهبطه بأرض الهند * حدثنا عمرو ابن على قال حدثنا عمران بن بن عيينة قال أخبرنا عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال إن أول ما أهبط الله تعالى آدم أهبطه بدهناء أرض الهند حدثت عن عمار قال حدثنا عبد الله بن أبى جعفر عن أبيه عن الربيع ابن أنس عن أبى العالية قال أهبط آدم إلى الهند * حدثنى ابن سنان قال حدثنا الحجاج قال حدثنا حماد بن سلمة عن على بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال قال على بن ابى طالب عليه السلام * أطيب أرض في الارض ريحا أرض الهند أهبط بها آدم فعلق شجرها من ريح الجنة * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال حدثنا هشام بن محمد عن أبيه عن أبى صالح عن ابن عباس قال أهبط آدم بالهند وحواء بجدة فجاء في طلبها حتى اجتمعا فازدلفت إليه حواء فلذلك سميت المزدلفة وتعارفا بعرفات فلذلك سميت عرفات واجتمعا بجمع فلذلك سميت جمعا قال وأهبط آدم على جبل بالهند يقال له بوذ * حدثنا أبو همام قال حدثنى أبى قال حدثنا زياد بن خيثمة عن أبى يحيى بائع القت قال قال لى مجاهد لقد حدثنا عبد الله بن عباس أن آدم نزل حين نزل بالهند * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال وأما أهل التوراة فإنهم قالوا أهبط آدم بالهند على جبل يقال له واسم عند واد يقال له بهيل بين الدهنج والمندل بلدين بأرض الهند قالوا وأهبطت حواء بجدة من أرض مكة * وقال آخرون بل أهبط آدم بسرنديب على جبل يدعى بوذو حواء بجدة من أرض مكة وإبليس بميسان والحية بأصبهان وقد قيل أهبطت الحية بالبرية وإبليس بساحل بحر الابلة * وهذا مما لا يوصل إلا علم صحته لا بخبر يجئ مجئ الحجة ولا يعلم خبر في ذلك ورد كذلك غير ما ورد

[ 82 ]

من خبر هبوط آدم بأرض الهند فإن ذلك مما لا يدفع صحته علماء الاسلام وأهل التوراة والانجيل والحجة قد ثبتت بأخبار بعض هؤلاء * وذكر أن الجبل الذى أهبط عليه آدم عليه السلام ذروته من أقرب ذرى جبال الارض إلى السماء وأن آدم حين أهبط عليه كانت رجلاه عليه ورأسه في السماء يسمع دعاء الملائكة وتسبيحهم فكان آدم يأنس بذلك وكانت الملائكة تهابه فنقص من طول آدم لذلك ذكر من قال ذلك حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا هشام بن حسان عن سوار ختن عطاء عن عطاء بن أبى رباح قال لما أهبط الله عزوجل آدم من الجنة كان رجلاه في الارض ورأسه في السماء يسمع كلام أهل السماء ودعاءهم يأنس إليهم فهابته الملائكة حتى شكت إلى الله تعالى في دعائها وفى صلاتها فخفضه إلى الارض فلما فقد ما كان يسمع منهم استوحش حتى شكا ذلك إلى الله عزوجل في دعائه وفى صلاته فوجه إلى مكة فصار موضع قدمه قرية وخطوته مفازة حتى انتهى إلى مكة وأنزل الله تعالى ياقوتة من ياقوت الجنة فكانت على موضع البيت الآن فلم يزل يطوف به حتى أنزل الله تعالى الطوفان فرفعت تلك الياقوتة حتى بعث الله تعالى ابراهيم الخليل عليه السلام فبناه فذلك قوله تعالى (وإذ بوأنا لابراهيم مكان البيت) * حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الراق قال أخبرنا معمر عن قتادة قال وضع الله تعالى البيت مع آدم فكان رأسه في السماء ورجلاه في الارض فكانت الملائكة تهابه فنقص إلى ستين ذراعا فحزن آدم إذ فقد أصوات الملائكة وتسبيحهم فشكا ذلك إلى الله فقال الله يا آدم إنى أهبطت لك بيتا تطوف به كما يطاف حول عرشى وتصلى عنده كما يصلى عند عرش فانطلق إليه آدم عليه السلام فخرج فمد له في خطوه فكان بين كل خطوة مفازة فلم تزل تلك المفاوز بعد ذلك فأتى آدم عليه السلام البيت فطاف به ومن بعده الانبياء * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال حدثنا هشام بن محمد قال أخبرني أبى عن أبى صالح عن ابن عباس قال لما حط من طول آدم عليه السلام

[ 83 ]

إلى ستين ذراعا أنشأ يقول رب كنت جارك في دارك ليس لى رب غيرك ولا رقيب دونك آكل فيها رغدا وأسكن حيث أحببت فأهبطتني إلى هذا الجبل المقدس فكنت أسمع أصوات الملائكة وأراهم كيف يحفون بعرشك وأجد ريح الجنة وطيبها ثم اهبطتني إلى الارض وحططتنى إلى ستين ذراعا فقد انقطع عنى الصوت والنظر وذهب عنى ريح الجنة فأجابه الله عزوجل لمعصيتك يا آدم فعلت ذلك بك فلما رأى الله تعالى عرى آدم وحواء أمره أن يذبح كبشا من الضأن من الثمانية الازواج التى أنزل من الجنة فأخذ كبشا فذبحه ثم أخذ صوفه فغزلته حواء ونسجه هو وحواء فنسج آدم جبة لنفسه وجعل لحواء درعا وخمارا فلبسا ذلك فأوحى الله تعالى إلى آدم إن لى حرما بحيال عرشى فانطلق فابن لى فيه بيتا ثم حف به كما رأيت ملائكتي يحفون بعرشي فهنالك أستجيب لك ولولدك من كان منهم في طاعتي فقال آدم أي رب فكيف لى بذلك لست أقوى عليه ولا اهتدى له فقيض الله له ملكا فانطلق به نحو مكة فكان آدم إذا مر بروضة ومكان يعجبه قال للملك انزل بنا ههنا فيقول له الملك مكانك حتى قدم مكة فكان كل مكان نزل به صار عمرانا وكل مكان تعداه صار مفاوز وقفارا فبنى البيت من خمسة أجبل من طور سيناء وطور زيتون ولبنان والجودى وبنى قواعده من حراء فلما فرغ من بنائه خرج به الملك إلى عرفات فأراه المناسك كلها التى تفعلها الناس اليوم ثم قدم به مكة فطاف بالبيت أسبوعا ثم رجع إلى أرض الهند فمات على بوذ * حدثنا أبو همام قال حدثنى أبى قال حدثنى زياد بن خيثمة عن أبى يحيى بائع القت قال قال لى مجاهد لقد حدثنى عبد الله بن عباس أن آدم عليه السلام نزل حين نزل بالهند ولقد حج منها أربعين حجة على رجليه فقلت له يا أبا الحجاج ألا كان يركب قال فأى شئ كان يحمله فو الله إن خطوه مسيرة ثلاثة أيام وإن كان رأسه ليبلغ السماء فاشتكت الملائكة نفسه فهمزه الرحمن همزة فتطأطأ مقدار أربعين سنة * حدثنى صالح بن حرب أبو معمر مولى بنى هاشم قال حدثنا ثمامة ابن عبيدة السلمى قال أخبرنا أبو الزبير قال قال نافع سمعت ابن عمر يقول إن

[ 84 ]

الله تعالى أوحى إلى آدم عليه السلام وهو ببلاد الهند أن حج هذا البيت فحج آدم من بلاد الهند فكان كل ما وضع قدمه صار قرية وما بين خطوتيه مفازة حتى انتهى إلى البيت فطاف به وقضى المناسك كلها ثم أراد الرجوع إلى بلاد الهند فمضى حتى إذا كان بمأزمى عرفات تلقته الملائكة فقالوا برحجك يا آدم فدخله من ذلك عجب فلما رأت الملائكة ذلك منه قالوا يا آدم إنا قد حججنا هذا البيت قبل أن تخلق بألفى سنة قال فتقاصرت إلى آدم نفسه * وذكر أن آدم عليه السلام أهبط إلى الارص وعلى رأسه إكليل من شجر الجنة فلما صار إلى الارض ويبس الاكليل تحات ورقه فنبت منه أنواع الطيب * وقال بعضهم بل كان ذلك ما أخبر الله عنهما أنهما جعلا يخصفان عليهما من ورق الجنة فلما يبس ذلك الورق الذى خصفاه عليهما تحات فنبت من ذلك الورق أنواع الطيب والله أعلم * وقال آخرون لما علم آدم أن الله عزوجل مهبطه إلى الارض جعل لا يمر بشجرة من شجر الجنة إلا أخذ غصنا من أغصانها فهبط إلى الارض وتلك الاغصان معه فلما يبس ورقها تحات فكان ذلك أصل الطيب ذكر من قال ذلك حدثنا أبو همام قال حدثنا أبى قال حدثنا زياد بن خيثمة عن أبى يحيى بائع القت قال قال مجاهد لقد حدثنى عبد الله بن عباس أن آدم حين خرج من الجنة كان لا يمر بشئ إلا عبث به فقيل للملائكة دعوه فليتزود منها ما شاء فنزل حين نزل بالهند وإن هذا الطيب الذى يجاء به من الهند مما خرج به آدم من الجنة ذكر من قال كان على رأس آدم عليه السلام حين أهبط من الجنة إكليل من شجر الجنة * حدثت عن عمار بن الحسن قال حدثنا عبد الله بن أبى جعفر عن أبيه عن الربيع ابن أنس عن أبى العالية قال خرج آدم من الجنة فخرج منها ومعه عصا من شجر الجنة وعلى رأسه تاج أو إكليل من شجر الجنة قال فأهبط إلى الهند ومنه كل طيب بالهند

[ 85 ]

* حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال هبط آدم عليه يعنى على الجبل الذى هبط عليه ومعه ورق من ورق الجنة فبثه في ذلك الجبل فمنه كان أصل الطيب كله وكل فاكهة لا توجد إلا بأرض الهند * وقال آخرون بل زوده الله من ثمار الجنة فثمارنا هذه من تلك الثمار ذكر من قال ذلك حدثنا ابن بشار قال حدثنا ابن أبى عدى وعبد الوهاب ومحمد بن جعفر عن عوف عن قسامة بن زهير عن الاشعري قال إن الله تبارك وتعالى لما أخرج آدم من الجنة زوده من ثمار الجنة وعلمه صنعة كل شئ فثماركم هذه من ثمار الجنة غير أن هذه تتغير وتلك لا تتغير * وقال آخرون إنما علق بأشجار الهند طيب ريح آدم عليه السلام ذكر من قال انما صار الطيب بالهند لان آدم حين أهبط إليها علق بأشجارها طيب ريحه حدثنى الحارث بن محمد قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا هشام بن محمد قال أخبرني أبى عن أبى صالح عن ابن عباس قال نزل آدم عليه السلام معه ريح الجنة فعلق بشجرها وأوديتها وامتلا ما هنا لك طيبا فمن ثم يؤتى بالطيب من ريح الجنة وقالوا أنزل معه من طيب الجنة وقال أنزل معه الحجر الاسود وكان أشد بياضا من الثلج وعصا موسى وكانت من آس الجنة طولها عشرة أذرع على طول موسى ومر ولبان ثم أنزل عليه بعد ذلك العلاة والمطرقة والكلبتان فنظر آدم حين أهبط على الجبل إلى قضيب من حديد نابت على الجبل فقال هذا من هذا فجعل يكسر أشجارا قد عتقت ويبست بالمطرقة ثم أو قد على ذلك الغصن حتى ذاب فكان أول شئ ضربه مدية فكان يعمل بها ثم ضرب التنور وهو الذى ورثه نوح وهو الذى فار بالعذاب بالهند وكان آدم حين هبط يمسح رأسه السماء فمن ثم صلع وأورث ولده الصلع ونفرت من طوله دواب البر فصارت وحشا من يومئذ وكان آدم عليه السلام

[ 86 ]

وهو على ذلك الجبل قائم يسمع أصوات الملائكة ويجد ريح الجنة فحط من طوله ذلك إلى ستين ذراعا فكان ذلك طوله إلى أن مات ولم يجمع حسن آدم عليه السلام لاحد من ولده إلا ليوسف عليه السلام * وقيل إن من الثمار التى زود الله عز وجل آدم عليه السلام حين أهبط إلى الارض ثلاثين نوعا عشرة منها في القشور وعشرة لها نوى وعشرة لا قشور لها ولا نوى فأما التى في القشور منه فالجوز واللوز والفستق والبندق والخشخاش والبلوط والشاهبلوط والرانج والرمان والموز وأما التى لها نوى منها فالخوخ والمشمش والاجاص والرطب والغبيراء والنبق والزعرور والعناب والمقل والشاهلوج وأما التى لا قشور لها ولا نوى فالتفاح والسفرجل والكمثرى والعنب والتوت والتين والاترج والخزنوب والخيار والبطيخ وقيل كان مما أخرج آدم معه من الجنة صرة من حنطة وقيل أن الحنطة إنما جاء بها جبرائيل عليه السلام بعد أن جاع آدم واستطعم ربه فبعث الله إليه مع جبرائيل عليه السلام بسبع حبات من حنطة فوضعها في يد آدم عليه السلام فقال آدم لجبرائيل ما هذا فقال له جبرائيل هذا الذى أخرجك من الجنة وكان وزن الحبة منها مائة ألف درهم وثمانمائة درهم فقال آدم ما أصنع بهذا قال انثره في الارض ففعل فأنبته الله عزوجل من ساعته فجرت سنة في ولده البذر في الارض ثم أمره فحصده ثم أمره فجمعه وفركه بيده ثم أمره أن يذريه ثم أتاه بحجرين فوضع أحدهما على الآخر فطحنه ثم أمره أن يعجنه ثم أمره أن يخبزه ملة وجمع له جبرائيل عليه السلام الحجر والحديد فقد حه فخرجت منه النار فهو أول من خبز الملة * وهذا الذى حكيناه عن قائل هذا القول خلاف ما جاءت به الروايات عن سلف أمة نبينا صلى الله عليه وسلم وذلك أن المثنى بن ابراهيم حدثنى أن إسحاق حدثه قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا سفيان بن عيينة وابن المبارك عن الحسن بن عمارة عن المنهال بن عمرو وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كانت الشجرة التى نهى الله عنها آدم وزوجته السنبلة فلما أكلا منها بدت لهما سو آتهما وكان الذى وارى عنهما من سو آتهما أظفارهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ورق التين يلصقان

[ 87 ]

بعضها إلى بعض فانطلق آدم موليا في الجنة فأخذت برأسه شجرة من الجنة فناداه يا آدم أمنى تفر قال لا ولكني استحيتك يا رب * قال أما كان لك فيما منحتك من الجنة وأبحتك منها مندوحة عما حرمت عليك قال بلى يا رب ولكن وعزتك ما حسبت أن أحدا يحلف بك كاذبا قال وهو قول الله تبارك وتعالى (وقاسمهما إنى لكما لمن الناصحين) قال فبعزتي لاهبطنك إلى الارض فلا تنال العيش إلا كدا قال اهبط من الجنة وكانا يأكلان فيها رغدا فأهبط إلى غير رغد من طعام وشراب فعلم صنعة الحديد وأمر بالحرث فحرث وزرع ثم سقى حتى إذا بلغ حصده ثم داسه ثم ذراه ثم طحنه ثم عجنه ثم خبزه ثم أكله فلم يبلعه حتى بلغ منه ما شاء الله أن يبلغ * حدثنا ابن حميد قال حدثنا يعقوب عن جعفر عن سعيد قال أهبط إلى آدم ثور أحمر فكان يحرث عليه ويمسح العرق عن جبينه فهو الذى قال الله عزوجل (فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى) فكان ذلك شقاه * فهذا الذى قاله هؤلاء هو أولى بالصواب وأشبه بما دل عليه كتاب ربنا عزوجل وذلك أن الله عز ذكره لما تقدم إلى آدم وزوجته حواء بالنهي عن طاعة عدوهما قال لآدم (يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى. إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى. وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى) فكان معلوما أن الشقاء الذى أعلمه أنه يكون إن أطاع عدوه إبليس هو مشقة الوصول إلى ما يزيل الجوع والعرى عنه وذلك هي الاسباب التى بها تصل أولاده إلى الغذاء من حراثة وبذر وعلاج وسقى وغير ذلك من الاسباب الشاقة المؤلمة ولو كان جبرائيل أتاه بالغذاء الذى يصل إليه ببذره دون سائر المؤن غيره لم يكن هناك من الشقاء الذى تو عده به ربه على طاعة الشيطان ومعصية الرحمن كبير خطب ولكن الامر كان والله أعلم على ما روينا عن ابن عباس وغيره * وقد قيل إن آدم عليه السلام نزل معه السندان والكلبتان والميقعة والمطرقة ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حميد قال حدثنا يحيى بن واضح قال حدثنا الحسين عن علباء بن

[ 88 ]

أحمر عن عكرمة عن ابن عباس قال ثلاثة أشياء نزلت مع آدم عليه السلام السندان والكلبتان والميقعة والمطرقة * ثم إن الله عز ذكره فيما ذكر أنزل آدم من الجبل الذى أهبطه عليه إلى سفحه وملكه الارض كلها وجميع ما عليها من الجن والبهائم والدواب والوحش والطير وغير ذلك وأن آدم عليه السلام لما نزل من رأس ذلك الجبل وفقد كلام أهل السماء وغابت عنه أصوات الملائكة ونظر إلى سعة الارض وبسطتها ولم ير فيها أحدا غيره استوحش فقال يا رب أما لارضك هذه عامر يسبجك غيرى فأجيب بما حدثنى المثنى بن إبراهيم قال أخبرنا إسحاق بن الحجاج قال حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال حدثنى عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهبا يقول إن آدم لما أهبط إلى الارض فرأى سعتها ولم ير فيها أحدا غيره قال يا رب أما لارضك هذه عامر يسبح بحمدك ويقدس لك غيرى قال الله إنى سأجعل فيها من ولدك من يسبح بحمدى ويقدسني وسأجعل فيها بيوتا ترفع لذكرى ويسبح فيها خلقي ويذكر فيها اسمى وسأجعل من تلك البيوت بيتا أخصه بكرامتي وأوثره باسمى وأسميه بيت أنطقه بعظمتي وعليه وضعت جلالى ثم أنا مع ذلك في كل شئ ومع كل شئ أجعل ذلك البيت حرما آمنا يحرم بحرمته من حوله ومن تحته ومن فوقه فمن حرمه بحرمتي استوجب بذلك كرامتي ومن أخاف أهله فيه فقد أخفر ذمتي وأباح حرمتي أجعله أول بيت وضع للناس ببطن مكة مباركا يأتونه شعثا غبرا على كل ضامر من كل فج عميق يرجون بالتلبية رجيجا ويثجون بالبكاء ثجيجا ويعجون بالتكبير عجيجا فمن اعتمره ولا يريد غيره فقد وفد إلى وزارنى وضافنى وحق على الكريم أن يكرم وفده وأضيافه وأن يسعف كلا بحاجته تعمره يا آدم ما كنت حيا ثم تعمره الامم والقرون والانبياء من ولدك أمة بعد أمة وقرنا بعد قرن ثم أمر آدم عليه السلام فيما ذكر أن يأتي البيت الحرام الذى أهبط له إلى الارض فيطوف به كما كان يرى الملائكة تطوف حول عرش الله وكان ذلك ياقوتة واحدة أو درة واحدة كما حدثنى الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق

[ 89 ]

قال أخبرنا معمر عن أبان أن البيت أهبط ياقوتة واحدة أو درة واحدة حتى إذا أغرق الله قوم نوح رفعه وبقى أساسه فبوأه الله عزوجل لابراهيم فبناه وقد ذكرت الاخبار الواردة بذلك فيما مضى قبل * فذكر أن آدم عليه السلام بكى واشتد بكاؤه على خطيئته وندم عليها وسأل الله عزوجل قبول توبته وغفران خطيئته فقال في مسألته إياه ما سأل من ذلك كما حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن عطية عن قيس عن ابن أبى ليلى عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه) قال أي رب ألم تخلقني بيدك قال بلى قال أي رب ألم تنفخ في من روحك قال بلى قال أي رب ألم تسكني جنتك قال بلى قال أي رب ألم تسبق رحمتك غضبك قال بلى قال أرأيت أن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة قال بلى قال فهو قوله تعالى (فتلقى آدم من ربه كلمات) حدثنى بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة قوله تعالى فتلقى آدم من ربه كلمات ذكر لنا أنه قال يا رب أرأيت إن أنا تبت وأصلحت قال إذا أرجعك إلى الجنة قال وقال الحسن إنهما قالا (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) * حدثنا أحمد بن إسحاق الاهوازي قال حدثنا أبو أحمد قال حدثنا سفيان وقيس عن خصيف عن مجاهد في قوله عزوجل " فتلقى آدم من ربه كلمات " قال قوله " ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين " * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا هشام بن محمد قال أخبرنا أبى عن أبى صالح عن ابن عباس قال أنزل آدم معه حين اهبط من الجنة الحجر الاسود وكان أشد بياضا من الثلج وبكى آدم وحواء على ما فاتهما يعنى من نعيم الجنة مائتي سنة ولم يأكلا ولم يشربا أربعين يوما ثم أكلا وشربا وهما يومئذ على بوذ الجبل الذى أهبط على آدم ولم يقرب حواء مائة سنة * حدثنا أبو همام قال حدثنى أبى قال حدثنى زياد بن خيثمة عن أبى يحيى بائع القت قال قال لى مجاهد ونحن جلوس في المسجد هل ترى هذا قلت يا أبا الحجاج الحجر قال كذلك تقول قلت أو ليس حجرا قال فوالله لحدثني عبد الله بن عباس أنها ياقوتة

[ 90 ]

بيضاء خرج بها آدم من الجنة كان يمسح بها دموعه أن آدم لم ترقأ دموعه منذ خرج من الجنة حتى رجع إليها ألفى سنة وما قدر منه إبليس على شئ فقلت له يا أبا الحجاج فمن أي شئ اسود قال كان الحيض يلمسنه في الجاهلية فخرج آدم عليه السلام من الهند يؤم البيت الذى أمره الله عزوجل بالمصير إليه حتى أتاه فطاف به ونسك المناسك فذكر أنه التقى هو وحواء بعرفات فتعارفا بها ثم ازدلف إليها بالمزدلفة ثم رجع إلى الهند مع حواء فاتخذا مغارة يأويان إليها في ليلهما ونهارهما وأرسل الله اليهما ملكا يعلهما ما يلبسانه ويستتران به فزعموا أن ذلك كان من جلود الضأن والانعام والسباع وقال بعضهم إنما كان ذلك لباس أولادهما فأما آدم وحواء فإن لباسهما كان ما كانا خصفا على أنفسهما من ورق الجنة ثم إن الله عز ذكره مسح ظهر ادم عليه السلام بنعمان من عرفة وأخرج ذريته فنثرهم بين يديه كالذر فأخذ مواثيقهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى كما قال عزوجل (وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى) * وقد حدثنى أحمد بن محمد الطوسى قال حدثنا الحسين بن محمد قال حدثنا جرير بن حازم عن كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان يعنى عرفة فاخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرهم بين يديه كالذر ثم كلمهم قبلا وقال (ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة - إلى قوله - بما فعل المبطلون) * حدثنى عمران بن موسى القزاز حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال حدثنا كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله " وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى " قال مسح ربنا ظهر آدم فخرجت كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة بنعمان هذه وأشار بيده فأخذ مواثيقهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى * حدثنا ابن وكيع ويعقوب بن إبراهيم قالا حدثنا ابن علية عن كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله عزوجل " وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم

[ 91 ]

قالوا بلى " قال مسح ظهر آدم فخرج كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة بنعمان هذا الذى وراء عرفة وأخذ ميثاقهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا واللفظ لحديث يعقوب * حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمران بن عيينة عن عطاء عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس قال أهبط آدم حين أهبط فمسح الله ظهره فأخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة ثم قالت ألست بربكم قالوا بلى ثم تلى " وإذا أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم " فجف القلم من يومئذ بما هو كائن إلى يوم القيامة * حدثنا أبو كريب قال حدثنا يحيى بن عيسى عن الاعمش عن حبيب ابن أبى ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم قال لما خلق الله عزوجل آدم عليه السلام أخذ ذريته من ظهره مثل الذر فقبض قبضتين فقال لاصحاب اليمين ادخلوا الجنة بسلام وقال للآخرين ادخلوا النار ولا أبالى * حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهرى قال حدثنا روح ابن عبادة وسعد بن عبد الحميد بن جعفر عن مالك بن أنس عن زيد بن أبى أنيسة عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن مسلم بن يسار الجهنى أن عمر ابن الخطاب رضى الله عنه سئل عن هذه الآية " وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم " فقال عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله خلق آدم ثم مسح على ظهره بيمينه واستخرح منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح على ظهره بشماله فاستخرج من ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون فقال رجل يا رسول الله ففيم العمل قال إن الله تبارك وتعالى إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من عمل أهل النار فيدخله النار وقيل إنه أخذ ذرية آدم عليه السلام من ظهره بدحنى ذكر من قال ذلك * حدثنا ابن حميد قال حدثنا حكام قال حدثنا عمرو بن أبى قيس عن عطاء عن سعيد عن ابن عباس " وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم " قال لما خلق

[ 92 ]

الله عزوجل آدم مسح ظهره بدحنى فاخرج من ظهره كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة فقال ألصست بربكم قالوا بلى قال فيرون يومئذ جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة * وقال بعضهم أخرج الله ذرية آدم من صلبه في السماء قبل أن يهبطه إلى الارض وبعد أن أخرجه من الجنة. ذكر من قال ذلك * حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو بن حماد عن أسباط عن السدى وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى قال أخرج الله آدم من الجنة ولم يهبطه من السماء ثم إنه مسح من آدم صفحة ظهره اليمنى فاخرج منه ذرية كهيئة الذر بيضاء مثل اللؤلؤ فقال لهم ادخلوا الجنة برحمتي ومسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج منه كهيئة الذر سودا فقال ادخلوا النار ولا أبالى فذلك حين يقول أصحاب اليمين وأصحاب الشمال ثم أخذ الميثاق فقال ألست بربكم قالوا بلى فاعطاه طائفة طائعين وطائفة على وجه التقية. ذكر الاحداث التى كانت في عهد آدم عليه السلام بعد أن أهبط إلى الارض فكان أول ذلك قتل قابيل بن آدم أخاه هابيل وأهل العلم يختلفون في اسم قابيل فيقول بعضهم هو قين بن آدم ويقول بعضهم هو قابين بن آدم ويقول بعضهم قاين ويقول بعضهم هو قابيل واختلفوا أيضا في السبب الذى من أجله قتله فقال بعضهم في ذلك ما حدثنى به موسى بن هارون الهمداني قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدى في خبر ذكره عن أبى مالك وعن أبى صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كان لا يولد لآدم مولود إلا ولد معه جارية فكان يزوج غلام هذا البطن جارية هذا البطن الآخر حتى ولد له ابنان يقال لهما قابيل وهابيل وكان قابيل صاحب زرع وكان هابيل صاحب ضرع وكان قابيل أكبرهما وكانت له أخت أحسن من أخت هابيل وإن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل فأبى عليه وقال هي أختى

[ 93 ]

ولدت معى وهى أحسن من أختك وأنا أحق أن أتزوجها فأمره أبو ه أن يزوجها هابيل فأبى وإنهما قربا قربانا إلى الله أيهما أحق بالجارية وكان آدم يومئذ قد غاب عنهما وأتى مكة ينظر إليها قال الله لآدم يا آدم هل تعلم أن لى بيتا في الارض قال اللهم لا قال فإن لى بيتا بمكة فأته فقال آدم للسماء احفظي ولدى بالامانة فأبت وقال للارض فأبت وقال للجبال فأبت فقال لقابيل قال نعم تذهب وترجع وتجد أهلك كما يسرك فلما انطلق آدم قربا قربانا وكان قابيل يفخر عليه فيقول أنا أحق بها منك هي أختى أنا أكبر منك وأنا وصى والدى فلما قربا قرب هابيل جذعة سمينة وقرب قابيل حزمة سنبل فوجد فيها سنبلة عظيمة ففركها فأكلها فنزلت النار فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل فغضب وقال لا قتلنك حتى لا تنكح أختى فقال هابيل (إنما يتقبل الله من المتقين، لئن بسطت إلى يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدى إليك لا قتلك - إلى قوله - فطوعت له نفسه قتل أخيه) فطلبه ليقتله فراغ الغلام منه في رؤس الجبال فأتاه يوما من الايام وهو يرعى غنمه في جبل وهو نائم فرفع صخرة فشدخ بها رأسه فمات وتركه بالعراء لا يعلم كيف يدفن فبعث الله غرابين أخوين فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه فحفر له ثم حثا عليه فلما رآه قال (يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغمراب فأوارى سوأة أخى) فهو قوله عزوجل (فبعث الله غرابا يبحث في الارض ليريه كيف يوارى سوأة أخيه) فرجع آدم فوجد ابنه قد قتل أخاه فذلك حين يقول الله عزوجل (إنا عرضنا الامانة على السموات والارض والجبال - إلى آخر الآية - إنه كان ظلوما جهولا) يعنى قابيل حين حمل أمانة آدم ثم لم يحفظ له أهله * وقال آخرون كان السبب في ذلك أن آدم كان يولد له من حواء في كل بطن ذكر وأنثى فإذا بلغ الذكر منهما زوج منه الانثى التى ولدت مع أخيه الذى ولد في البطن الآخر قبله أو بعده فرغب قابيل بتو أمته عن هابيل كما حدثنى القاسم بن الحسن قال حدثنا الحسين قال حدثنى حجاج عن ابن جريج قال أخبرني عبد الله بن عثمان بن خثيم قال أقبلت مع سعيد بن جبير أرمى الجمرة وهو متقنع

[ 94 ]

متوكئ على يدى حتى إذا وازينا بمنزل سمرة الصواف وقف يحدثنى عن ابن عباس قال نهى أن تنكح المرأة أخاها توأمها ينكحها غيره من إخوتها وكان يولد في كل بطن رجل وامرأة فولدت امرأة وسيمة وولدت امرأة قبيحة فقال أخو الدميمة أنكحني أختك وأنكحك أختى قال لا أنا أحق بأختى فقربا قربانا فتقبل من صاحب الكبش ولم يتقبل من صاحب الزرع فقتله فلم يزل ذلك الكبش محبوسا عند الله عزوجل حتى أخرجه في فداء إسحق فذبحه على هذا الصفا في ثبير عند منزل سمرة الصواف وهو على يمينك حين ترمى الجمار * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن إسحق عن بعض أهل العلم من أهل الكتاب الاول أن آدم عليه السلام كان يغشى حواء في الجنة قبل أن يصيب الخطيئة فحملت له بقين بن آدم وتوأمته فلم تجد عليهما وحما ولا وصبا ولم تجد عليهما طلقا حين ولدتهما ولم تر معهما دما لطهر الجنة فلما أكلا من الشجره وأصابا المعصية وهبطا إلى الارض واطمأنا بها تغشاها فحملت بهابيل وتوأمته فوجدت عليهما الوحم والوصب ووجدت حين ولدتهما الطلق ورأت معهما الدم وكانت حواء فيما يذكرون لا تحمل إلا توأما ذكرا وأنثى فولدت حواء لآدم أربعين ولدا لصلبه من ذكر وأنثى في عشرين بطنا وكان الرجل منهم أي أخواته شاء يتزوج إلا توأمته التى ولدت معه فإنها لا تحل له وذلك أنه لم يكن نساء يومئذ إلا أخواتهم وأمهم حواء * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحق عن بعض أهل العلم من أهل الكتاب الاول أن آدم أمر ابنه قينا أن ينكح توأمته هابيل وأمر هابيل أن ينكح أخته توأمته قينا فسلم لذلك هابيل ورضى وأبى ذلك قين وكره تكرما عن أخت هابيل ورغب بأخته عن هابيل وقال نحن ولادة الجنة وهما من ولادة الارض وأنا أحق بأختى ويقول بعض أهل العلم من أهل الكتاب الاول بل كانت أخت قين من أحسن الناس فضن بها عن أخيه وأرادها لنفسه والله أعلم أي ذلك كان * فقال له أبو ه يا بنى إنها لا تحل لك فأبى قين أن يقبل ذلك من قول إليه فقال له أبو ه يا بنى فقرب قربانا ويقرب أخوك

[ 95 ]

هابيل قربانا فأيكما قبل الله قربانه فهو أحق بها وكان قين على بذر الارض وكان هابيل على رعاية الماشية فقرب قين قمحا وقرب هابيل أبكارا من أبكار غنمه وبعضهم يقول قرب بقرة فأرسل الله عزوجل نارا بيضاء فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قين وبذلك كان يقبل القربان إذا قبله الله عزو جل فلما قبل الله قربان هابيل وكان في ذلك القضاء له بأخت قين غضب قين وغلب عليه الكبر واستحوذ عليه الشيطان فاتبع أخاه هابيل وهو في ماشيته فقتله فهما اللذان قص الله خبرهما في القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم فقال (واتل عليهم) يعنى أهل الكتاب (نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما) إلى آخر القصة قال فلما قتله سقط في يديه ولم يدر كف يواريه وذلك أنه كان فيما يزعمون أول قتيل من بنى آدم (فبعث الله غرابا يبحث في الارض ليريه كيف يوارى سوأة أخيه قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأوارى سوأة أخى) إلى قوله (ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الارض لمسرفون) قال ويزعم أهل التوراة أن قينا حين قتل أخاه هابيل قال الله له أين أخوك هابيل قال ما أدرى ما كنت عليه رقيبا فقال الله له إن صوت دم أخيك ليناديني من الارض الآن أنت ملعون من الارض التى فتحت فاها فتلقت دم أخيك من يدك فإذا أنت عملت في الارض فإنها لا تعود تعطيك حرثها حتى تكون فرعا تائها في الارض فقال قين عظمت خطيئتي من أن تغفرها قد أخرجتني اليوم عن وجه الارض من قدامك وأكون فزعا تائها في الارض وكل من لقيني قتلني فقال الله عزوجل ليس ذلك كذلك فلا يكون كل من قتل قتيلا يجزى بواحد سبعة ولكن من قتل قينا يجزى سبعة وجعل الله في قين آية لئلا يقتله كل من وجده وخرج قين من قدام الله عزوجل من شرقي عدن الجنة * وقال آخرون في ذلك إنما كان قتل القاتل منهما أخاه أن الله عزوجل أمرهما بتقريب قربان فتقبل قربان أحدهما ولم يتقبل من الآخر فبغاه الذى لم يتقبل قربانه فقتله

[ 96 ]

ذكر من قال ذلك * حدثنا ابن بشار قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا عوف عن أبى المغيرة عن عبد الله بن عمرو قال إن ابني آدم اللذين قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر كان أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم وأنهما أمرا أن يقربا قربانا وأن صاحب الغنم قرب أكرم غنمه وأسمنها وأحسنها طيبة بها نفسه وأن صاحب الحرث قرب شر حرثه الكوذر والزوان غير طيبة بها نفسه وأن الله عزوجل تقبل قربان صاحب الغنم ولم يتقبل قربان صاحب الحرث وكان من قصتهما ما قص الله في كتابه وقال ايم الله إن كان المقتول لاشد الرجلين ولكن منعه التحرج أن يبسط إلى أخيه * وقال آخرون بما حدثنى به محمد بن سعد قال حدثنى أبى قال حدثنى عمى قال حدثنى أبى عن أبيه عن ابن عباس قال كان من شأنهما أنه لم يكن مسكين يتصدق على وإنما كان القربان يقربه الرجل فبينا ابنا آدم قاعدان إذ قالا لو قربنا قربانا وكان الرجل إذا قرب قربانا فرضيه الله عزوجل أرسل إليه نارا فأكلته وإن لم يكن رضيه الله خبت النار فقربا قربانا وكان أحدهما راعيا والآخر حراثا وإن صاحب الغنم قرب خير غنم وأسمنها وقرب الآخر بعض زرعه فجاءت النار فنزلت فأكلت الشاة وتركت الزرع وإن ابن آدم قال لاخيه أتمشى في الناس وقد علموا أنك قربت قربانا فتقبل منك ورد على قربانى فلا والله لا ينظر الناس إلى وإليك وأنت خير منى فقال لا قتلنك فقال له أخوه ما ذنبي إنما يتقبل الله من المتقين * وقال آخرون لم يكن قصة هذين الرجلين في عهد آدم ولا كان القربان في عصره وقالوا إنما كان هذان رجلين من بنى إسرائيل وقالوا إن أول ميت مات في الارض آدم عليه السلام لم يمت قبله أحد ذكر من قال ذلك * حدثنا سفيان بن وكيع قال حدثنا سهل بن يوسف عن عمرو عن الحسن قال كان الرجلان اللذان في القرآن قال الله عزوجل فيهما (واتل عليهم نبا ابني آدم بالحق) من بنى اسرائيل ولم يكونا ابني آدم لصلبه وإنما كان القربان

[ 97 ]

في بنى اسرائيل وكان آدم أول من مات * وقال بعضهم إن آدم غشى حواء بعد مهبطهما إلى الارض بمائة سنة فولدت له قابيل وتوأمته قليما في بطن واحد ثم هابيل وتوأمته في بطن واحد فلما شبوا أراد آدم عليه السلام أن يزوج أخت قابيل التى ولدت معه في بطن واحد من هابيل فامتنع من ذلك قابيل وقربا بهذا السبب قربانا فتقبل قربان هابيل ولم يتقبل قربان قابيل فحسده قابيل فقتله عند عقبة حراء ثم نزل قابيل من الجبل آخذا بيد أخته قليما فهرب بها إلى عدن من أرض اليمن * حدثنى بذلك الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرني هشام قال أخبرني أبى عن أبى صالح عن ابن عباس قال لما قتل قابيل أخاه هابيل أخذ بيد أخته ثم هبط بها من جبل بوذ إلى الحضيض فقال آدم لقابيل اذهب فلا تزال مرعوبا لا تأمن من تراه فكان لا يمر به أحد من ولده إلا رماه فأقبل ابن لقابيل أعمى ومعه ابن له فقال للاعمى ابنه هذا أبو ك قابيل فرمى الاعمى أباه قابيل فقتله فقال ابن الاعمى قتلت يا أبتاه أباك فرفع الاعمى يده فلطم ابنه فمات ابنه فقال الاعمى ويل لى قتلت أبى برميتى وقتلت ابني بلطمتي * وذكر في التوراة أن هابيل قتل وله عشرون سنة وأن قابيل كان له يوم قتله خمس وعشرون سنة * والصحيح من القول عندنا أن الذى ذكر الله في كتابه أنه قتل أخاه من ابني آدم هو ابن آدم لصلبه لنقل الحجة أن ذلك كذلك * وأن هناد بن السرى حدثنا قال حدثنا أبو معاوية ووكيع جميعا عن الاعمش * وحدثنا ابن حميد قال حدثنا جرير وحدثنا ابن وكيع قال حدثنا جرير وأبو معاوية عن الاعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله قال قال النبي صلى الله عليه وسلم ما من نفس تقتل ظلما إلا كان عن ابن آدم الاول كفل منها وذلك لانه أول من سن القتل * حدثنى ابن بشار قال حدثنا عبد الرحمن ابن مهدى وحدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبى جميعا عن سفيان عن الاعمش عن عبد الله ابن مرة عن مسروق عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه * فقد بين هذا الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحة قول من قال إن اللذين قص الله في كتابه قصتهما من ابني آدم كانا ابنيه لصلبه لانه لا شك أنهما لو كانا من بنى

[ 98 ]

اسرائيل كما روى عن الحسن لم يكن الذى وصف منهما بأنه قتل أخاه أول من سن القتل إذ كان القتل في بنى آدم قد كان قبل إسرائيل وولده * فإن قال قابل فما برهانك على أنهما ولدا آدم لصلبه وإن لم يكونا من بنى إسرائيل * قيل لا خلاف بين سلف علماء أمتنا في ذلك إذا فسد قول من قال كانا من بنى إسرائيل * وذكر أن قابيل لما قتل أخاه هابيل بكاه آدم عليه السلام فقال فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنه سلمة عن غياث بن إبراهيم عن أبى إسحاق الهمداني قال قال على بن أبى طالب كرم الله وجهه لما قتل ابن آدم أخاه بكاه آدم فقال تغيرت البلاد ومن عليها * فلون الارض مغبر قبيح تغير كل ذى طعم ولون * وقل بشاشة الوجه المليح قال فأجيب آدم عليه السلام أبا هابيل قد قتلا جميعا * وصار الحى كالميت الذبيح وجاء بشرة قد كان منها * على خوف فجاء بها يصيح وذكر أن حواء ولدت لآدم عليه السلام عشرين ومائة بطن أولهم قابيل وتوأمته قليما وآخرهم عبد المغيث وتوأمته أمة المغيث وأما ابن اسحاق فذكر عنه ما قد ذكرت قبل وهو أن جميع ما ولدته حواء لآدم لصلبه أربعون من ذكر وأنثى في عشرين بطنا وقال قد بلغنا أسماء بعضهم ولم يبلغنا بعض * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال فكان من بلغنا اسمه خمسة عشر رجلا وأربع نسوة منهم قين وتوأمته وهابيل وليوذا وأشوث بنت آدم وتوأمها وشيث وتوأمته * وحزورة وتوأمها على ثلاثين ومائة سنة من عمره ثم إياد بن آدم وتوأمته ثم بالغ بن آدم وتوأمته * ثم أثاثي بن آدم وتوأمته ثم توبة بن آدم وتوأمته ثم بنان بن آدم وتوأمته ثم شبوبة بن آدم وتوأمته ثم حيان بن آدم وتوأمته ثم ضرابيس بن آدم وتوأمته ثم هدز بن آدم وتوأمته ثم يحود بن آدم وتوأمته ثم سندل بن آدم وتوأمته ثم بارق بن آدم وتوأمته كل رجل منهم تولد معه امرأة في بطنه الذى يحمل به فيه * وقد زعم أكثر علماء الفرس أن جيومرت هو آدم وزعم بعضهم أنه ابن آدم

[ 99 ]

لصلبه من حواء وقال فيه غيرهم أقوالا كثيرة يطول بذكر أقوالهم الكتاب وتركنا ذكر ذلك إذ كان قصدنا في كتابنا هذا ذكر الملوك وأيامهم وما قد شرطنا في كتابنا هذا أنا ذاكروه فيه ولم يكن ذكر اختلاف المختلفين في نسب ملك من جنس ما أنشأ ناله صنعة الكتاب فإن ذكرنا من ذلك شيئا فلتعريف من ذكرنا ليعرفه من لم يكن به عارفا فأما ذكر الاختلاف في نسبه فإنه غير المقصود به في كتابنا هذا * وقد خالف علماء الفرس فيما قالوا من ذلك آخرون من غيرهم ممن زعم أنه آدم ووافق علماء الفرس على اسمه وخالفه في عينه وصفته فزعم أن جيومرت الذى زعمت الفرس أنه آدم عليه السلام إنما هو جامر بن يافث بن نوح وأنه كان معمرا سيدا نزل جبل دنباوند من جبال طبرستان من أرض المشرق وتملك بها وبفارس ثم عظم أمره وأمر ولده حتى ملكوا بابل وملكوا في بعض الاوقات الاقاليم كلها وأن جيومرت منع من البلاد ما صار إليه وابتنى المدن والحصون وعمرها وأعد السلاح واتخذ الخيل وأنه تجبر في آخر عمره وتسمى بآدم وقال من سمانى بغير هذا الاسم ضربت عنقه وأنه تزوج ثلاثين امرأة فكثر منهن نسله وأن مارى ابنه وما ريانة أخته ممن كان ولد له في آخر عمره فأعجب بهما وقدمهما فصار الملوك بذلك السبب من نسلهما وأن ملكه اتسع وعظم وإنما ذكرت من أمر جيومرت في هذا الموضع ما ذكرت لانه لا تدافع بين علماء الامم أن جيومرت هو أبو الفرس من العجم وإنما اختلفوا فيه هل هو آدم أبو البشر على ما قاله الذين ذكرنا قولهم أم هو غيره ثم مع ذلك فلان ملكه وملك أولاده لم يزل منتظما على سياق متسقا بأرض المشرق وجبالها إلى أن قتل يزدجرد بن شهريار من ولد ولده بمرو أبعده الله أيام عثمان بن عفان فتأريخ ما مضى من سنى العالم على أعمار ملوكهم أسهل بيانا وأوضح منارا منه على أعمار ملوك غيرهم من الامم إذ لا تعلم أمة من الامم الذين ينتسبون إلى آدم عليه السلام دامت لها المملكة واتصل لهم الملك وكانت لهم ملوك تجمعهم ورؤس تحامى عنهم من ناوأهم وتغالب بهم من عازهم وتدفع ظالمهم عن مظلومهم وتحملهم من الامور على ما فيه حظهم على

[ 100 ]

اتصال ودوام ونظام يأخذ ذلك آخرهم عن أولهم وغابرهم عن سالفهم سواهم فالتأريخ على أعمار ملوكهم أصح مخرجا وأحسن وضوحا وأنا ذاكر ما انتهى إلينا من القول في عمر آدم عليه السلام وأعمار من كان بعده من ولده الذين خلفوه في النبوة والملك على قول من خالف قول الفرس الذين زعموا أنه جيومرت وعلى قول من قال إنه هو جيومرت أبو الفرس وذاكر ما اختلفوا فيه من أمرهم إلى الحال التى اجتمعوا عليها فاتفقوا على من ملك منهم في زمان بعينه أنه كان هو الملك في ذلك الزمان إن شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله ثم سائق ذلك كذلك إلى زماننا هذا ونرجع الآن إلى الزيادة في الابانة عن خطإ قول من قال إن أول ميت كان في أول الارض آدم وانكاره الذين قص الله نبأهما في قوله (واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا) أن يكونا من صلب آدم من أجل ذلك * فحدثنا محمد بن بشار قال حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال حدثنا عمر بن إبراهيم عن قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كانت حواء لا يعيش لها ولد فنذرت لئن عاش لها ولد لتسمينه عبد الحارث فعاش لها ولد فسمته عبد الحارث وإنما كان ذلك عن وحى الشيطان * وحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال كانت حواء تلد لآدم فتعبده الله عزوجل وتسميهم عبد الله وعبيد الله ونحو ذلك فيصيبهم الموت فأتاها إبليس وآدم عليه السلام فقال انكما لو تسميانه بغير الذى تسميانه به لعاش فولدت له ذكرا فسمياه عبد الحارث ففيه أنزل الله عز ذكره يقول الله عزوجل (هو الذى خلقكم من نفس واحدة) إلى قوله (جعلا له شركاء فيما آتاهما) إلى آخر الآية * حدثنا ابن وكيع قال حدثنا ابن فضيل عن سالم ابن أبى حفصة عن سعيد بن جبير (فلما أتقلت دعوا الله ربهما - إلى قوله - فتعالى الله عما يشركون) قال لما حملت حواء في أول ولد ولدته حين أثقلت أتاها إبليس قبل أن تلد فقال يا حواء ما هذا في بطنك فقالت ما أدرى من فقال أين يخرج من أنفك أو من عينك أو من أذنك قالت لا أدرى قال أرأيت إن خرج سليما

[ 101 ]

أمطيعتى أنت فيما آمرك به قالت نعم قال سميه عبد الحارث وقد كان يسمى إبليس لعنه الله الحارث فقالت نعم ثم قالت بعد ذلك لآدم أتانى آت في النوم فقال لى كذا وكذا فقال إن ذلك الشيطان فاحذريه فانه عدونا الذى أخرجنا من الجنة ثم أتاها ابليس لعنه الله فأعاد عليها فقالت نعم فلما وضعته أخرجه الله سليما فسمته عبد الحارث فهو قوله (جعلا له شركاء فيما آتاهما - إلى قوله - فتعالى الله عما يشركون) * حدثنا ابن وكيع قال حدثنا جرير وابن فضيل عن عبد الملك عن سعيد بن جبير قال قيل له أشرك آدم قال أعوذ بالله أن أزعم أن آدم عليه السلام أشرك ولكن حواء لما أثقلت أتاها إبليس فقال لها من أين يخرج هذا من أنفك أو من عينك أو من فيك فقنطها ثم قال أرأيت إن خرج سويا قال ابن وكيع زاد ابن فضيل لم يضرك ولم يقتلك أتطيعينني قالت نعم قال فسميه عبد الحارث ففعلت زاد جرير فإنما كان شركه في الاسم * حدثنا موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدى فولدت يعنى حواء غلاما فأتاها إبليس فقال سموه عبد ى وإلا قتلته قال له آدم قد أطعتك وأخرجتني من الجنة فأبى أن يطيعه فسماه عبد الرحمن فسلط عليه إبليس لعنه الله فقتله فحملت بآخر فلما ولدته قال سميه عبد ى وإلا قتلته قال له آدم عليه السلام قد أطعتك وأخرجتني من الجنة فأبى فسماه صالحا فقتله فلما كان الثالث قال لهما فإذا غلبتموني فسموه عبد الحارث وكان اسم إبليس الحارث وإنما سمى إبليس حين أبلس تحيرا فذلك حين يقول الله عزوجل (جعلا له شركاء فيما آتاهما) يعنى في الاسماء فهؤلاء الذين ذكرت الرواية عنهم بما ذكرت من أنه مات لآدم وحواء أولاد قبلهما ومن لم نذكر أقوالهم ممن عددهم أكثر من عدد من ذكرت قوله والرواية عنه قالوا خلاف قول الحسن الذى روى عنه أنه قال أول من مات آدم عليه السلام وكان آدم مع ما كان الله عزوجل قد أعطاه من ملك الارض والسلطان فيها قد نبأه وجعله رسولا إلى ولده وأنزل عليه إحدى وعشرين صحيفة كتبها آدم عليه السلام بخطه علمه إياها جبرائيل عليه السلام * وقد حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب قال حدثنا عمى قال

[ 102 ]

حدثنى الماضي بن محمد عن أبى سليمان عن القاسم بن محمد عن أبى إدريس الخولانى عن أبى ذر الغفاري قال دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وحده فجلست إليه فقال يا أبا ذر إن للمسجد تحية وإن تحيته ركعتان فقم فاركعهما فلما ركعتهما جلست إليه فقلت يا رسول الله إنك أمرتنى بالصلاة فما الصلاة قال خير موضوع استكثر أو استقل ثم ذكر قصة طويلة قال فيها قلت يا رسول الله كم الانبياء قال مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا قال قلت يا رسول الله كم المرسل من ذلك قال ثلثمائة وثلاثة عشر جما غفيرا يعنى كثيرا طيبا قال قلت يا رسول الله من كان أولهم قال آدم قال قلت يا رسول الله وآدم نبى مرسل قال نعم خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه ثم سواه قبلا * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحاق عن جعفر بن الزبير عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبى أمامة عن أبى ذر قال قلت يا نبى الله أنبيا كان آدم قال نعم كان نبيا كلمه الله قبلا * وقيل إنه كان مما أنزل الله تعالى على آدم تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وحروف المعجم في إحدى وعشرين ورقة ذكر ولادة حواء شيثا ولما مضى لآدم صلى الله عليه وسلم من عمره مائة وثلاثون سنة وذلك بعد قتل قابيل هابيل بخمس سنين ولدت له حواء ابنه شيثا فذكر أهل التوراة أن شيثا ولد فردا بغير توأم وتفسير شيث عندهم هبة الله ومعناه أنه خلف من هابيل * حدثنى الحارث بن محمد قال حدثنى ابن سعد قال أخبرنا هشام قال أخبرني أبى عن أبى صالح عن ابن عباس قال ولدت حواء لآدم شيثا وأخته حزورا فسمى هبة الله اشتق له من هابيل قال لها جبرائيل حين ولدته هذا هبة الله بدل هابيل وهو بالعربية شث وبالسريانية شاث وبالعبرانية شيث وإليه أوصى آدم وكان آدم يوم ولد له شيث ابن ثلاثين ومائة سنة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال لما حضرت آدم الوفاة فيما يذكرون والله

[ 103 ]

أعلم دعا ابنه شيثا فعهد إليه عهده وعلمه ساعات الليل والنهار وأعلمه عبادة الخلق في كل ساعة منهن فأخبره أن لكل ساعة صنفا من الخلق فيها عبادته وقال له يا بنى إن الطوفان سيكون في الارض يلبث فيها سبع سنين وكتب وصيته فكان شيث فيما ذكر وصى أبيه آدم عليه السلام وصارت الرياسة من بعد وفاة آدم لشيث فأنزل الله عليه فيما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسين صحيفة * حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب قال حدثنا عمى قال حدثنا الماضي بن محمد عن أبى سليمان عن القاسم بن محمد عن أبى إدريس الخولانى عن أبى ذر الغفاري قال قلت يا رسول الله كم كتاب أنزله الله عزوجل قال مائة كتاب وأربعة كتب أنزل الله على شيث خمسين صحيفة وإلى شيث أنساب بنى آدم كلهم اليوم وذلك أن نسل سائر ولد آدم غير نسل شيث انقرضوا وبادوا فلم يبق منهم أحد فأنساب الناس كلهم اليوم إلى شيث عليه السلام * وأما الفرس الذين قالوا إن جيومرت هو آدم فإنهم قالوا ولد لجيومرت ابنه مشا وتزوج مشا أخته ميشان فولدت له سيامك بن مشا وسيامى ابنة مشا فولد لسيامك بن مشا بن جيومرت افرواك وديس وبراسب واجرب وأوراش بنو سيامك وافرى ودذى وبرى وأوراشى بنات سيامك أمهم جميعا سيامى بنت مشا وهى أخت أبيهم وذكروا أن الارض كلها سبعة أقاليم فأرض بابل وما يوصل إليه مما يأتيه الناس برا أو بحرا فهو إقليم واحد وسكانه نسل ولد افرواك بن سيامك وأعقابهم وأما الاقاليم الستة الباقية التى لا يوصل إليها اليوم برا أو بحرا فنسل سائر ولد سيامك من بنيه وبناته فولد لا فرواك بن سيامك من افرى بنت سيامك هو شتك بيشداذ الملك وهو الذى خلف جده جيومرت في الملك وأول من جمع له ملك الاقاليم السبعة وسنذكر أخباره إن شاء الله إذا انتهينا إليه وكان بعضهم يزعم أن أوشهنج هذا هو ابن آدم لصلبه من حواء وأما هشام الكلبى فإنه فيما حدثت عنه قال بلغنا والله أعلم أن أول ملك ملك الارض أو شهنق بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح قال والفرس تدعيه وتزعم أنه كان بعد وفاة آدم

[ 104 ]

بمائتي سنة قال وإنما كان هذا الملك فيما بلغنا بعد نوح بمائتي سنة فصيره أهل فارس بعد آدم بمائتي سنة ولم يعرفوا ما كان قبل نوح وهذا الذى قاله هشام قول لا وجه له لان هو شهنك الملك في أهل المعرفة بأنساب الفرس أشهر من الحجاج بن يوسف في أهل الاسلام وكل قوم فهم بآبائهم وأنسابهم ومآثرهم أعلم من غيرهم وإنما يرجع في كل أمر التبس إلى أهله * وقد زعم بعض نسابة الفرس أن أو شهنج بيشد إذ الملك هذا هو مهلائيل وأن اباه فرواك هو قينان أبو مهلائيل وأن سيامك هو أنوش أبو قينان وأن مشا هو شيث أبو أنوش وأن جيومرت هو آدم صلى الله عليه وسلم فان كان الامر كما قال فلا شك أن أو شهنج كان في زمان آدم رجلا وذلك أن مهلائيل فيما ذكر في الكتب الاول كانت ولادة أمه دينه ابنة براكيل بن محويل بن خنوخ بن قين ابن آدم إياه بعد ما مضى من عمر آدم صلى الله عليه وسلم ثلثمائة سنة وخمس وتسعون سنة فقد كان له حين وفاة آدم ستمائة سنة وخمس سنين على حساب ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمر آدم أنه كان عمره ألف سنة وقد زعمت علماء الفرس أن ملك أو شهنج هذا كان أربعين سنة فان كان الامر في هذا الملك كالذى قاله النسابة الذى ذكرت عنه ما ذكرت فلم يبعد من قال إن ملكه كان بعد وفاة آدم صلى الله عليه وسلم بمائتي سنة ذكر وفاة آدم عليه السلام اختلف في مدة عمره وابن كم كان يوم قبضه الله عزوجل إليه * فاما الاخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فانها واردة بما حدثنى محمد بن خلف العسقلاني قال حدثنا آدم بن إياس قال حدثنا أبو خالد سليمان بن حيان قال حدثنى محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو خالد وحدثني الاعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم * قال أبو خالد وحدثني أبو داود عن أبى هند عن الشعبى عن

[ 105 ]

أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو خالد وحدثني ابن أبى ذباب الدوسى قال حدثنا سعيد المقبرى ويزيد بن هرمز عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال خلق الله آدم بيده ونفخ فيه من روحه وأمر الملائكة فسجدوا له فجلس فعطس فقال الحمدلله فقال له ربه يرحمك ربك ائت أولئك الملا من الملائكة فقل لهم السلام عليكم فأتاهم فقال السلام عليكم قالوا له وعليك السلام ورحمة الله ثم رجع إلى ربه فقال له هذه تحيتك وتحية ذريتك بينهم ثم قبض له يديه فقال خذ واختر قال اخترت يمين ربى وكلتا يديه يمين ففتحها له فإذا فيها صورة آدم وذريته كلهم فإذا كل رجل مكتوب عنده أجله وإذا آدم قد كتب له عمر ألف سنة وإذا قوم عليهم النور فقال يا رب من هؤلاء الذين عليهم النور فقال هؤلاء الانبياء والرسل الذين ارسل إلى عبادي وإذا فيهم رجل هو أضوأهم نورا ولم يكتب له من العمر إلا أربعون سنة فقال ذاك ما كتب له فقال يا رب انقص له من عمرى ستين سنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أسكنه الله الجنة ثم أهبط إلى الارض كان يعد أيامه فلما أتاه ملك الموت ليقبضه قال له آدم عجلت على يا ملك الموت فقال ما فعلت فقال قد بقى من عمرى ستون سنة فقال له ملك الموت ما بقى من عمرك شئ قد سألت ربك أن يكتبه لابنك داود فقال ما فعلت فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فنسى آدم فنسيت ذريته وجحد آدم فجحدت ذريته فيومئذ وضع الله الكتاب وأمر بالشهود * حدثنى ابن سنان قال حدثنا موسى بن اسماعيل قال حدثنا حماد بن سلمة عن على بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال لما نزلت آية الدين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أول من جحد آدم عليه السلام ثلاث مرات وإن الله تبارك وتعالى لما خلقه مسح ظهره فأخرج منه ما هو ذار إلى يوم القيامة فجعل يعرضهم على آدم فرأى فيهم رجل يزهر فقال أي رب أي نبى هذا قال هذا ابنك داود قال أي رب كم عمره قال ستون سنة قال أي رب زده في عمره قال لا إلا أن تزيده

[ 106 ]

أنت من عمرك وكان عمر آدم ألف سنة فوهب له من عمره أربعين عاما فكتب الله عليه بذلك كتابا وأشهد عليه الملائكة فلما احتضر آدم أتته الملائكة لتقبض روحه قال إنه قد بقى من عمرى أربعون سنة قالوا إنك قد وهبتها لابنك داود قال ما فعلت ولا وهبت له شيئا فأنزل الله عليه الكتاب وأقام عليه الملائكة شهودا فأكمل لآدم ألف سنة وأكمل لداود مائة سنة * حدثنى محمد بن سعد قال حدثنا هشام قال حدثنى أبى قال حدثنى عمى قال حدثنى أبى عن أبيه عن ابن عباس قوله عزوجل (وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم - إلى قوله - قالوا بلى شهدنا) قال ابن عباس إن الله عزوجل لما خلق آدم مسح ظهره وأخرج ذريته كلهم كهيئة الذر فأنطقهم فتكلموا وأشهدهم على أنفسهم وجعل مع بعضهم النور * وأنه قال لآدم هؤلاء ذريتك أخذ عليهم الميثاق أنى أنا ربهم لئلا يشركوا بى شيئا وعلى رزقهم قال آدم فمن هذا الذى معه النور قال هو داود قال يا رب كم كتبت له من الاجل ؟ قال ستين سنة، قال كم كتبت لى ؟ قال ألف سنة، وقد كتبت لكل إنسان منهم كم يعمر وكم يلبث قال يا رب زده قال هذا الكتاب موضوع فاعطه إن شئت من عمرك قال نعم وقد جف القلم عن سائر بنى آدم فكتب له من أجل آدم أربعين سنة فصار أجله مائة سنة فلما عمر تسعمائة سنة وستين سنة جاءه ملك الموت فلما أن رآه آدم قال مالك ؟ قال له قد استوفيت أجلك قال له آدم إنما عمرت تسعمائة سنة وستين سنة وبقى أربعون سنة فلما قال ذلك للملك قال الملك قد أخبرني بها ربى قال فارجع إلى ربك فسله فرجع الملك إلى ربه قال مالك قال يا رب رجعت اليك لما كنت أعلم من تكرمتك إياه قال الله عزوجل ارجع فاخبره أنه قد أعطى ابنه داود أربعين سنة * حدثنا ابن بشار قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة عن أبى بشر عن سعيد بن جبير في هذه الآية (وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم) قال أخرجهم من ظهر آدم وجعل لآدم عمر ألف سنة قال فعرضوا على آدم فرأى رجلا من ذريته له نور

[ 107 ]

فأعجبه فسأله عنه فقال هو داود قد جعل عمره ستين سنة فجعل له من عمره أربعين سنة فلما احتضر آدم عليه السلام جعل يخاصمهم في الاربعين سنة فقيل له إنك قد أعطيتها داود قال فجعل يخاصمهم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا يعقوب عن جعفر عن سعيد في قوله عزوجل وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم قال أخرج ذريته من ظهره في صورة كهيئة الذر فعرضهم على آدم بأسمائهم وأسماء آبائهم وآجالهم قال فعرض عليه روح داود في نور ساطع فقال من هذا قال هذا من ذريتك نبى خلقته قال كم عمره قال ستون سنة قال زيدوه من عمرى أربعين سنة قال فالاقلام رطبة تجرى وأثبتت لداود عليه السلام الاربعون وكان عمر آدم ألف سنة فلما استكملها إلا الاربعين سنة بعث إليه ملك الموت قال يا آدم أمرت أن أقبضك قال ألم يبق من عمرى أربعون سنة قال فرجع ملك الموت إلى ربه عزوجل فقال إن آدم يدعى من عمره أربعين سنة قال أخبر آدم أنه جعلها لابنه داود والاقلام رطبة وأثبتت لداود عليه السلام * حدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبو داود عن يعقوب عن جعفر عن سعيد بنحوه * وذكر أن آدم عليه السلام مرض قبل موته أحد عشر يوما وأوصى إلى ابنه شيث عليه السلام وكتب وصيته ثم دفع كتاب وصيته إلى شيث وأمره أن يخفيه من قابيل وولده لان قابيل قد كان قتل هابيل حسدا منه حين خصه آدم بالعلم فاستخفى شيث وولده بما عندهم من العلم ولم يكن عند قابيل وولده علم ينتفعون به * ويزعم أهل التوراة أن عمر آدم عليه السلام كله كان تسعمائة سنة وثلاثين سنة * حدثنا الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرني هشام بن محمد قال أخبرني أبى عن أبى صالح عن ابن عباس قال كان عمر آدم تسعمائة سنة وستا وثلاثين سنة والله أعلم * والاخبار الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والعلماء من سلفنا ما قد ذكرت ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان أعلم الخلق بذلك * وقد ذكرت الاخبار الواردة عنه أنه قال كان عمره ألف سنة وأنه بعد ما جعل لابنه داود من ذلك ما جعل له أكمل الله له عدة ما كان أعطاه من العمر قبل أن يهب لداود ما وهب له من ذلك ولعل ما كان جعل

[ 108 ]

من ذلك آدم عليه السلام لداود عليه السلام لم يحسب في عمر آدم في التوارة فقيل كان عمرة تسعمائة وثلاثين سنة * فان قال قائل فان الامر وإن كان كذلك فان آدم إنما كان جعل لابنه داود من عمره أربعين سنة فكان ينبغى أن يكون في التوراة تسعمائة سنة وستون ليوافق ذلك ما جاءت به الاخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل قد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك أن الذى كان جعل آدم لابنه داود من عمره ستون سنة وذلك في رواية أبى هريرة عنه وقد ذكرناها قبل فإن يكن ذلك كذلك فالذي زعموا أنه في التوراة من الخبر عن مدة حياة آدم عليه السلام وافق لما روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق أنه قال لما كتب آدم الوصية مات صلوات الله عليه واجتمعت عليه الملائكة من أجل أنه كان صفى الرحمن فقبرته الملائكة وشيث وإخوته في مشارق الفردوس عند قرية هي أول قرية كانت في الارض وكسفت عليه الشمس والقمر سبعة أيام ولياليهن فلما اجتمعت عليه الملائكة وجمع الوصية جعلها في معراج ومعها القرن الذى أخرج أبو نا آدم من الفردوس لكيلا يغفل عن ذكر الله عزوجل * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن يحيى بن عباد عن أبيه قال سمعته يقول بلغني أن آدم عليه السلام حين مات بعث الله إليه بكفنه وحنوطه من الجنة ثم وليت الملائكة قبره ودفنه حتى غيبوه * حدثنا على بن حرب قال حدثنا روح بن أسلم قال حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت البنانى عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما توفى آدم غسلته الملائكة بالماء وترا وألحدوا له وقالت هذه سنة آدم في ولده * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن الحسن بن ذكوان عن الحسن بن أبى الحسن عن أبى بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أباكم آدم صلى الله عليه وسلم كان طوالا كالنخلة السحوق ستين ذراعا كثير الشعر موارى العورة وانه لما أصاب الخطيئة بدت له سوأته فخرج هاربا في الجنة فتلقاه شجرة وأخذت بناصيته وناداه ربه أفرارا منى يا آدم قال لا والله يا رب

[ 109 ]

ولكن حياء منك مما جنيت فأهبطه الله إلى الارض فلما حضرته الوفاة بعث الله إليه بحنوطه وكفنه من الجنة فلما رأت حواء الملائكة ذهبت لتدخل دونهم إليه فقال خلى عنى وعن رسل ربى فإنى ما لقيت ما لقيت إلا منك ولا أصابني ما أصابني إلا فيك فلما قبض غسلوه بالسدر والماء وترا وكفنوه في وتر من الثياب ثم لحدوا له فدفنوه ثم قالوا هذه سنة ولد آدم من بعده * حدثنى أحمد بن المقدام قال حدثنا المعتمر بن سليمان قال: قال أبى وزعم قتادة عن صاحب له حدث عن أبى بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كان آدم رجلا طوالا كأنه نخلة سحوق حدثنا الحارث بن محمد قال حدثنا ابن سعد قال أخبرني هشام قال أخبرني أبى عن أبى صالح عن ابن عباس قال لما مات آدم عليه السلام قال شيث لجبرائيل صلى الله عليهما صل على آدم قال تقدم أنت فصل على أبيك وكبر عليه ثلاثين تكبيرة فأما خمس فهى الصلاة وأما خمس وعشرون فتفضيلا لآدم صلى الله عليه وسلم وقد اختلف في موضع قبر آدم عليه السلام فقال ابن اسحاق ما قد مضى ذكره وأما غيره فإنه قال دفن بمكة في غار أبى قبيس وهو غار يقال له غار الكنز وروى عن ابن عباس في ذلك ما حدثنى به الحارث قال حدثنا ابن سعد قال حدثنا هشام قال أخبرنا أبى عن أبى صالح عن ابن عباس قال لما خرج نوح من السفينة دفن آدم عليه السلام ببيت المقدس * وكانت وفاته يوم الجمعة وقد مضى ذكرنا الرواية بذلك فكرهنا إعادته وروى عن ابن عباس في ذلك ما حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرني هشام بن محمد قال أخبرني أبى عن أبى صالح عن ابن عباس قال مات آدم عليه السلام على بوذ، قال أبو جعفر يعنى الجبل الذى أهبط عليه وذكر أن حواء عاشت بعده سنة ثم ماتت رحمهما الله فدفنت مع زوجها في الغار الذى ذكرت وأنهما لم يزالا مدفونين في ذلك المكان حتى كان الطوفان فاستخرجهما نوح وجعلهما في تابوت ثم حملهما معه في السفينة فلما غاضت الارض الماء ردهما إلى مكانهما الذى كانا فيه قبل الطوفان وكانت حواء قد غزلت فيما ذكر ونسجت وعجنت وخبزت وعملت أعمال النساء كلها * ونرجع الآن إلى قصة قابيل وخبره

[ 110 ]

وأخبار ولده وأخبار شيث وخبر ولده إذ كنا قد آتينا من ذكر آدم وعدوه ابليس وذكر أخبارهما وما صنع الله بإبليس إذ تجبر وتعظم وطغى على ربه عز وجل فأشر وبطر نعمته التى أنعمها الله عليه وتمادى في جهله وغيه وسأل ربه النظرة فأنظره إلى يوم الوقت المعلوم وما صنع بآدم صلوات الله عليه إذ خطئ ونسى عهد الله من تعجيل عقوبته له على خطيئته ثم تغمده إياه بفضله ورحمته إذ تاب إليه من زلته فتاب عليه وهداه وأنقذه من الضلالة والردى حتى نأتى على ذكر من سلك سبيل كل واحد منهما من تباع آدم عليه السلام على منهاجه وشيعة إبليس والمقتدين به في ضلالته إن شاء الله وما كان من صنع الله تبارك وتعالى بكل فريق منهم * فأما شيث عليه السلام فقد ذكرنا بعض أمره وأنه كان وصى أبيه آدم عليه السلام في مختلفيه بعد مضيه لسبيله وما أنزل الله عليه من الصحف * وقيل إنه لم يزل مقيما بمكة يحج ويعتمر إلى أن مات وأنه كان جمع ما أنزل الله عزوجل عليه من الصحف إلى صحف أبيه آدم عليه السلام وعمل بما فيها وأنه بنى الكعبة بالحجارة والطين * وأما السلف من علمائنا فإنهم قالوا لم تزل القبة التى جعل الله لآدم في مكان البيت إلى أيام الطوفان وإنما رفعها الله عزوجل حين أرسل الطوفان وقيل إن شيث لما مرض أوصى ابنه أنوش ومات فدفن مع أبو يه في غار أبى قبيس وكان مولده لمضى مائتي سنة وخمس وثلاثين سنة من عمر آدم عليه السلام وكانت وفاته وقد أتت له تسعمائة سنة واثنتا عشرة سنة وولد لشيث أنوش بعد أن مضى من عمره ستمائة سنة وخمس سنين فيما يزعم أهل التوراة * وأما ابن اسحاق فإنه قال فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل عنه نكح شيث بن آدم أخته حزورة ابنة آدم فولدت له يانش بن شيث ونعمة ابنه شيث وشيث يومئذ ابن مائة سنة وخمس سنين فعاش بعد ما ولد له يانش ثمانمائة سنة وسبع سنين * وقام أنوش بعد مضى أبيه شيث لسبيله بسياسة الملك وتدبير من تحت يديه من رعيته مقام أبيه شيث ولم يزل فيما ذكر على منهاج أبيه لا يوقف منه على تغيير ولا تبديل وكان جميع عمر أنوش فيما ذكر أهل التوراة تسعمائة

[ 111 ]

سنة وخمس سنين * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال حدثنى هشام قال أخبرني أبى عن أبى صالح عن ابن عباس قال ولد شيث أنوش ونفرا كثيرا وإليه أوصى شيث ثم ولد لانوش بن شيث بن آدم ابنه قينان من أخته نعمة ابنة شيث بعد مضى تسعين سنة من عمر أنوش ومن عمر آدم ثلثمائة سنة وخمس وعشرين سنة * وأما ابن اسحاق فإنه قال فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق نكح يانش بن شيث أخته نعمة ابنة شيث فولدت له قينان ويانش يومئذ ابن تسعين سنة فعاش يانش بعد ما ولد له قينان ثمانمائة سنة وخمس عشرة سنة وولد له بنون وبنات فكان كل ما عاش يانش تسعمائة سنة وخمس سنين ثم نكح قينان بن يانش وهو ابن سبعين سنة دينة ابنة براكيل بن محويل بن خنوخ بن قين بن آدم فولدت له مهلائيل بن قينان فعاش قينان بعد ما ولد له مهلائيل ثمانمائة سنة وأربعين سنة فكان كل ما عاش قينان تسعمائة سنة وعشرة سنين * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرني هشام قال أخبرني أبى عن أبى صالح عن ابن عباس قال ولد أنوش قينان ونفرا كثيرا وإليه الوصية فولد قينان مهلائيل ونفرا معه وإليه الوصية فولد مهلائيل يرد وهو اليارد ونفرا معه وإليه الوصية فولد يرد خنوخ وهو ادريس النبي صلى الله عليه وسلم ونفرا معه فولد خنوخ متوشلخ ونفرا معه وإليه الوصية * وأما التوراة فما ذكره أهل الكتاب أنه فيها أن مولد مهلائيل بعد أن مضت من عمر آدم ثلثمائة سنة وخمس وتسعون سنة ومن عمر قينان سبعون سنة ونكح مهلائيل بن قينان وهو ابن خمس وستين سنة فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق خالته سمعن ابنة براكيل بن محويل بن خنوخ بن قين ابن آدم فولدت له يرد بن مهلائيل فعاش مهلائيل بعد ما ولدت له يرد ثمانمائة سنة وثلاثين سنة فولد له بنون وبنات فكان كل ما عاش مهلائيل ثمانمائة سنة وخمسا وتسعين سنة ثم مات * وأما في التوراة فإنه ذكر أن فيها أن يرد ولد لمهلائيل بعد ما مضى من عمر آدم أربعمائة سنة وستون سنة وأنه كان على منهاح أبيه قينان غير أن الاحداث بدت في زمانه

[ 112 ]

ذكر الاحداث التى كانت في أيام بنى آدم من لدن ملك شيث بن آدم إلى أيام يرد ذكر أن قابيل لما قتل هابيل وهرب من أبيه آدم إلى اليمن أتاه إبليس فقال له إن هابيل إنما قبل قربانه وأكلته النار لانه كان يخدم النار ويعبدها فانصب أنت أيضا نارا تكون لك ولعقبك فبنى بيت نار فهو أول من نصب النار وعبد ها * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن اسحاق قال إن قينا نكح أخته أشوث بنت آدم فودلت له رجلا وامرأة خنوخ بن قين وعدن بنت قين فنكح خنوخ بن قين أخته عدن بنت قين فولدت له ثلاثة نفر وامرأة عيرد بن خنوخ ومحويل بن خنوخ وأبو شيل بن خنوخ وموليث بنت خنوخ فنكح أبو شيل بن خنوخ موليث ابنة خنوخ فولدت لابو شيل رجلا اسمه لامك فنكح لامك امرأتين اسم إحداهما عدا واسم الاخرى صلا فولدت له عدا تولين ابن لامك فكان أول من سكن القباب واقتنى المال وتوبيش وكان أول من ضرب بالونج والصنج وولدت رجلا اسمه تو بلقين فكان أول من عمل النحاس والحديد وكان أولادهم جبابرة وفراعنة وكانوا قد أعطوا بسطة في الخلق كان الرجل فيما يزعمون يكون ثلاثين ذراعا قال ثم انقرض ولد قين ولم يتركوا عقبا إلا قليلا وذرية آدم كلهم فجهلت أنسابهم وانقطع نسلهم إلا ما كان من شيث بن آدم فمنه كان النسل وأنساب الناس اليوم كلهم إليه دون أبيه آدم فهو أبو البشر إلا ما كان من أبيه وإخوته ممن لم يترك عقبا * قال ويقول أهل التوراة بل نكح قين أشوث فولدت له خنوخ فولد لخنوخ عيرد فولد عيرد محويل فولد محويل أبو شيل فولد أبو شيل لا مك فنكح لا مك عدا وصلا فولدتا له من سميت والله أعلم فلم يذكر ابن إسحاق من أمر قابيل وعقبه إلا ما حكيت وأما غيره من أهل العلم بالتوراة فانه ذكر أن الذى اتخذ الملاهي من ولد قايين رجل يقال له توبال اتخذ في زمان مهلائيل بن قينان آلات اللهو من المزامير والطبول والعيدان

[ 113 ]

والطنابير والمعازف فانهمك ولد قايين في اللهو وتناهى خبرهم إلى من بالجبل من نسل شيث فهم منهم مائة رجل بالنزول إليهم وبمخالفة ما أوصاهم به آباؤهم وبلغ ذلك يارد فوعظهم ونهاهم فأبوا إلا تماديا ونزلوا إلى ولد قايين فأعجبوا بما رأوا منهم فلما أرادوا الرجوع حيل بينهم وبين ذلك لدعوة سبقت من آبائهم فلما أبطؤا بمواضعهم ظن من كان في نفسه زيغ ممن كان بالجبل أنهم أقاموا اعتباطا فتسايلوا ينزلون عن الجبل ورأوا اللهو فأعجبهم ووافقوا نساء من ولد قايين متسرعات إليهم وصرن معهم وانهمكوا في الطغيان وفشت الفاحشة وشرب الخمر * قال أبو جعفر وهذا القول غير بعيد من الحق وذلك أنه قول قد روى عن جماعة من سلف علماء أمة نبينا صلى الله عليه وسلم نحو منه وإن لم يكونوا بينوا زمان من حدث ذلك في ملكه سوى ذكرهم أن ذلك كان فيما بين آدم ونوح صلى الله عليهما وسلم ذكر من روى ذلك عنه حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا موسى بن اسماعيل قال حدثنا داود يعنى ابن أبى الفرات قال حدثنا علباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس أنه تلا هذه الآية (ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى) قال كانت فيما بين نوح وإدريس وكانت ألف سنة وأن بطنين من ولد آدم كان أحدهما يسكن السهل والآخر يسكن الجبل وكان رجال الجبل صباحا وفى النساء دمامة وكان نساء السهل صباحا وفى الرجال دمامة وأن إبليس أتى رجلا من أهل السهل في صورة غلام فأجر نفسه منه وكان يخدمه واتخذ إبليس شيئا مثل الذى يزمر فيه الرعاء فجاء فيه بصوت لم يسمع الناس مثله فبلغ ذلك من حولهم فانتابوهم يسمعون إليه واتخذوا عيدا يجتمعون إليه في السنة فتتبرج النساء للرجال قال وينزل الرجال لهن وأن رجلا من أهل الجبل هجم عليهم وهم في عيدهم ذلك فرأى النساء وصباحتهن فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك فتحولوا إليهن فنزلوا علهين فظهرت الفاحشة فيهن فهو قول الله عزوجل (ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى) * حدثنا ابن وكيع قال حدثنا ابن أبى غنية عن

[ 114 ]

أبيه عن الحكم ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى قال كان بين آدم ونوح ثمانمائة سنة وكان نساؤهم أقبخ ما يكون من النساء ورجالهم حسان فكانت المرأة تريد الرجل على نفسها فأنزلت هذه الآية ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرني هشام قال أخبرني أبى عن أبى صالح عن ابن عباس قال لم يمت آدم حتى بلغ ولده وولد ولده أربعين ألفا ببوذ ورأى آدم فيهم الزنا وشرب الخمر والفساد فأوصى أن لا يناكح بنو شيث بنى قابيل فجعل بنو شيث آدم في مغارة وجعلوا عليه حافظا لا يقربه أحد من بنى آدم وكان الذين يأتونه ويستغفر لهم من بنى شيث فقال مائة من بنى شيث صباح لو نظرنا إلى ما فعل بنو عمنا يعنون بنى قابيل فهبطت المائة إلى نساء صباح من بنى قابيل فاحتبس النساء الرجال ثم مكثوا ما شاء الله ثم قال مائة آخرون لو نظرنا ما فعل إخوتنا فهبطوا من الجبل فاحتبسهم النساء ثم هبط بنو شيث كلهم فجاءت المعصية وتناكحوا فاختلطوا وكثر بنو قابيل حتى ملكوا الارض وهم الذين غرقوا أيام نوح. وأما نسابو الفرس فقد ذكرت ما قالوا في مهلائيل بن قينان وأنه هو أو شهنج الذى ملك الاقاليم السبعة وبينت قول من خالفهم في ذلك من نسابى العرب فإن كان الامر فيه كالذى قاله نسابو الفرس فإنى حدثت عن هشام بن محمد بن السائب أنه هو أول من قطع الشجر وبنى البناء وأول من استخرج المعادن وفطن الناس لها وأمر أهل زمانه باتخاذ المساجد وبنى مدينتين كانتا أول ما بنى على ظهر الارض من المدائن وهما مدينة بابل بسواد الكوفة ومدينة السوس فكان ملكه أربعين سنة وأما غيره فإنه قال هو أول من استنبط الحديد في ملكه فاتخذ منه الادوات للصناعات وقدر المياه في مواضع المنافع وحض الناس على الحراثة والزراعة والحصاد واعتمال الاعمال وأمر بقتل السباع الضارية واتخاذ الملابس من جلودها والمفارش وبذبح البقر والغنم والوحش والاكل من لحومها وأن ملكه كان أربعين سنة وأنه بنى مدينة الرى قالوا وهى أول مدينة بنيت بعد مدينة جيومرت التى كان يسكنها بدنباوند من طبرستان * وقالت الفرس إن أو شهنج هذا

[ 115 ]

ولد ملكا وكان فاضلا محمودا في سيرته وسياسته رعيته وذكروا أنه أول من وضع الاحكام والحدود وكان ملقبا بذلك يدعى فيشداذ ومعناه بالفارسية أول من حكم بالعدل وذلك أن فاش معناه أول وأن داذ عدل وقضاء وذكروا أنه نزل الهند وتنقل في البلاد فلما استقام أمره واستوثق له الملك عقد على رأسه تاجا وخطب خطبة فقال في خبطته إنه ورث الملك عن جده جيومرت وإنه عذاب ونقمة على مردة الانس والشياطين وذكروا أنه قهر إبليس وجنوده ومنعهم الاختلاط بالناس وكتب عليهم كتابا في طرس أبيض أخذ عليهم فيه المواثيق أن لا يعرضوا لاحد من الانس وتوعدهم على ذلك وقتل مردتهم وجماعة من الغيلان فهربوا من خوفه إلى المفاوز والجبال والاودية وأنه ملك الاقاليم كلها وأنه كان بين موت جيومرت إلى مولد أو شهنج وملكه مائتا سنة وثلاث وعشرون سنة وذكروا أن ابليس وجنوده فرحوا بموت أو شهنج وذلك أنهم دخلوا بموته مساكن بنى آدم ونزلوا إليهم من الجبال والاودية * ونرجع الآن إلى ذكر يرد وبعضهم يقول هو يارد فولد يرد لمهلائيل من خالته سمعن ابنة براكيل بن محويل بن خنوخ بن قين بعدما مضى من عمر آدم أربعمائة وستون سنة فكان وصى أبيه وخليفته فيما كان والد مهلائيل أوصى إلى مهلائيل واستخلفه عليه بعد وفاته وكانت ولادة أمه إياه بعد ما مضى من عمر أبيه مهلائيل فيما ذكروا خمس وستون سنة فقام من بعد مهلك أبيه من وصية أجداده وآبائه بما كانوا يقومون به أيام حياتهم ثم نكح يرد فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق وهو ابن مائة سنة واثنتين وستين سنة بركنا ابنة الدرمسيل بن محويل بن خنوخ بن قين بن آدم فولدت له اخنوخ بن يرد وأخنوخ ادريس النبي وكان أول بنى آدم أعطى النبوة فيما زعم ابن اسحاق وخط بالقلم فعاش يرد بعد ما ولد له اخنوخ ثمانمائه سنة وولد له بنون وبنات فكان كل ما عاش يرد تسعمائة سنة وستين سنة ثم مات. وقال غيره من أهل التوراة ولد ليرد اخنوخ وهو ادريس فنبأه الله عزوجل وقد مضى من عمر آدم ستمائة سنة واثنتان وعشرون

[ 116 ]

سنة وأنزل عليه ثلاثون صحيفة وأول من خط بعد آدم وجاهد في سبيل الله وقطع الثياب وخاطها وأول من سبى من ولد قابيل فاسترق منهم وكان وصى والده يرد فيما كان آباؤه أوصوا به إليه وفيما أوصى به بعضهم بعضا وذلك كله من فعله في حياة آدم قال وتوفى آدم عليه السلام بعد أن مضى من عمر خنوخ ثلثمائة سنة وثماني سنين تتمة تسعمائة وثلاثين سنة التى ذكرنا أنها عمر آدم قال ودعا خنوخ قومه ووعظهم وأمرهم بطاعة الله عزوجل ومعصية الشيطان وألا يلا بسوا ولد قابيل فلم يقبلوا منه وكانت العصابة بعد العصابة من ولد شيث تنزل إلى ولد قابيل قال وفى التوراة إن الله تبارك وتعالى رفع ادريس بعد ثلثمائة سنة وخمس وستين سنة مضت من عمره وبعد خمسمائة سنة وسبع وعشرين سنة مضت من عمر أبيه فعاش أبو ه بعد ارتفاعه أربعمائة وخمسا وثلاثين سنة تمام تسعمائة واثنتين وستين سنة وكان عمر يا رد تسعمائة واثنتين وستين سنة وولد خنوخ وقد مضت من عمر يارد مائة واثنتان وستون سنة * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال اخبرني هشام قال اخبرني أبى عن أبى صالح عن ابن عباس قال في زمان يرد عملت الاصنام ورجع من رجع عن الاسلام * وقد حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب قال حدثنى عمى قال حدثنى الماضي بن محمد عن أبى سليمان عن القاسم بن محمد عن أبى إدريس الخولانى عن أبى ذر الغفاري قال قال لى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يا أبا ذر أربعة يعنى من الرسل سريانيون آدم وشيث ونوح وخنوخ وهو أول من خط بالقلم وأنزل الله تعالى على خنوخ ثلاثين صحيفة * وقد زعم بعضهم أن الله بعث إدريس إلى جميع أهل الارض في زمانه وجمع له علم الماضين وإن الله عز وجل زاده مع ذلك ثلاثين صحيفة قال فذلك قول الله عزوجل (إن هذا لفى الصحف الاولى صحف إبراهيم وموسى) وقال يعنى بالصحف الاولى التى أنزلت على ابن آدم هبة الله وادريس عليهما السلام وقال بعضهم ملك بيو راسب في عهد ادريس وقد كان وقع إليه كلام من كلام آدم صلوات الله عليه فاتخذه في ذلك الزمان سحرا وكان بيور اسب يعمل به وكان إذا أراد شيئا من جميع مملكته أو أعجبته دابة

[ 117 ]

أو امرأة نفخ بقصبة كانت له من ذهب وكان يجئ إليه كل شئ يريده فمن ثم تنفخ اليهود * وأما الفرس فإنهم قالوا ملك بعد الموت أو شهنج طهمورت بن ويونجهان ابن حنانداذ بن حنادار بن أو شهنج وقد اختلف في نسب طهمورت إلى أو شهنج فنسبه بعضهم النسبة التى ذكرت وقال بعض نسابة الفرس هو طهمورت بن ايونكهان بن انكهد بن اسكهد بن أو شهنج * وقال هشام بن محمد الكلبى فيما حدثت عنه ذكر أهل العلم أن أول ملوك بابل طهمورت قال وبلغنا والله أعلم أن الله أعطاه من القوة ما خضع له ابليس وشياطينه وأنه كان مطيعا لله وكان ملكه أربعين سنة وأما الفرس فانها تزعم أن طهمورت ملك الاقاليم كلها وعقد على رأسه تاجا وقال يوم ملك نحن دافعون بعون الله عن خليقته المردة الفسدة وكان محمودا في ملكه حدبا على رعيته وأنه ابتنى سابور من فارس ونزلها وتنقل في البلدان وأنه وثب بإبليس حتى ركبه فطاف عليه في أداني الارض وأقاصيها وأفزعه ومردة أصحابه حتى تطايروا وتفرقوا وأنه أول من اتخذ الصوف والشعر للباس والفرش وأول من اتخذ زينة الملوك من الخيل والبغال والحمير وأمر باتخاذ الكلاب لحفظ المواشى وحراستها من السباع والجوارح للصيد وكتب بالفارسية وأن بوداسب ظهر في أول سنة من ملكه ودعا إلى ملة الصابئين ثم رجعنا إلى ذكر أخنوخ وهو إدريس عليه السلام ثم نكح فيا حدثنا به ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق أخنوخ بن يرد هدانة ويقال أدانة ابنة باويل بن محويل بن خنوخ بن قين بن آدم وهو ابن خمس وستين سنة فولدت له متوشلخ بن أخنوخ فعاش بعد ما ولد له متوشلخ ثلثمائة سنة وولد له بنون وبنات فكان كل ما عاش اخنوخ ثلثمائة سنة وخمسا وستين سنة ثم مات وأما غيره من أهل التوراة فإنه قال فيما ذكر أهل التوراة ولد لخنوخ بعد ستمائة سنة وسبع وثمانين سنة خلت من عمر آدم متوشلخ فاستخلفه خنوخ على أمر الله وأوصاه وأهل بيته قبل أن يرفع وأعلمهم أن الله عزوجل سيعذب ولد قايين ومن خالطهم ومال إليهم ونهاهم عن

[ 118 ]

مخالطتهم وذكر أنه كان أول من ركب الخيل لانه اقتفى رسم أبيه في الجهاد وسلك في أيامه العمل بطاعة الله طريق آبائه وكان عمر أخنوخ إلى أن رفع ثلثمائة سنة وخمسا وستين سنة وولد له متوشلخ بعد ما مضى من عمره خمس وستون سنة ثم نكح فيما حدثنى ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحق متوشلخ بن أخنوخ عربا ابنة عزرائيل بن أبو شيل بن خنوخ بن قين بن آدم وهو ابن مائة سنة وسبع وثلاثين سنة فولدت له لمك بن متوشلخ فعاش بعد ما ولد له لمك سبعمائة سنة فولد له بنون وبنات وكان كل ما عاش متوشلخ تسعمائة سنة وتسع عشرة سنة ثم مات ونكح لمك بن متوشلخ بن أخنوخ قينوش ابنة براكيل بن محويل بن أخنوخ ابن قين بن آدم عليه السلام وهو ابن مائة سنة وسبع وثمانين سنة فولدت له نوحا النبي صلى الله عليه وسلم فعاش لملك بعد ما ولد له نوح خمسمائة سنة وخمسا وتسعين سنة فكان كل ما عاش سبعمائة سنة وثمانين سنة ثم مات ونكح نوح بن لمك عمرورة ابنة براكيل بن محويل بن أخنوخ بن قين بن آدم وهو ابن خمسمائة سنة فولدت له بنيه سام وحام ويافث بنى نوح * وقال أهل التوراة ولد لمتوشلخ بعد ثمانمائة سنة وأربع وسبعين سنة من عمر آدم لمك فأقام على ما كان عليه آباؤه من طاعة الله وحفظ عهوده قالوا فلما حضرت متوشلخ الوفاة استخلف لمك على أمره وأوصاه بمثل ما كان آباؤه يوصون به قالوا وكان لمك يعظ قومه وينهاهم عن النزول إلى ولد قايين فلا يتعظون حتى نزل جميع من كان في الجبل إلى ولد قايين وقيل إنه كان لمتوشلخ ابن آخر غير لمك يقال له صابئ وقيل إن الصابئين به سموا صابئين وكان عمر متوشلخ تسعمائة وستين سنة وكان مولد لمك بعد أن مضى من عمر متوشلخ مائة وسبع وثمانون سنة ثم ولد لمك نوحا بعد وفاة آدم بمائة سنة وست وعشرين سنة وذلك لالف سنة وست وخمسين سنة مضت من يوم أهبط الله عزوجل آدم إلى مولد نوح عليه السلام فلما أدرك نوح قال له لمك قد علمت أنه لم يبق في هذا الموضوع غيرنا فلا تستوحش ولا تتبع الامة الخاطئة فكان نوح يدعو إلى ربه ويعظ قومه فيستخفون به

[ 119 ]

فأوحى الله عزوجل إليه أنى قد أمهلتهم فانظرهم ليراجعوا ويتوبوا مدة فانقضت المدة قبل أن يتوبوا وينيبوا * وقال آخرون غير من ذكرت قوله كان نوح في عهد بيوراسب وكان قومه يعبدون الاصنام فدعاهم إلى الله عزوجل تسعمائة سنة وخمسين سنة كل ما مضى قرن تبعهم قرن على ملة واحدة من الكفر حتى أنزل الله عليهم العذاب فأفناهم * حدثنا الحارث قال حدثنا ابن سعد قال حدثنا هشام قال أخبرني أبى عن أبى صالح عن ابن عباس قال ولد متوشلخ لمك ونفرا معه وإليه الوصية فولد لمك نوحا وكان للمك يوم ولد نوح اثنتان وثمانون سنة ولم يكن أحد في ذلك الزمان ينهى عن منكر فبعث الله إليهم نوحا وهو ابن أربعمائة سنة وثمانين سنة ثم دعاهم في نبوته مائة وعشرين سنة ثم أمره بصنعة السفينة فصنعها وركبها وهو ابن ستمائة سنة وغرق من غرق ثم مكث بعد السفينة ثلاثمائة سنة وخمسين سنة * وأما علماء الفرس فإنهم قالوا ملك بعد طهمورت جم الشيذ والشيذ معناه عندهم الشعاع لقبوه بذلك فيما زعموا لجماله وهو جم بن ويونجهان وهو أخو طهمورت وقيل إنه ملك الاقاليم السبعة كلها وسخر له ما فيها من الجن والانس وعقد على رأسه التاج وقال حين قعد في ملكه إن الله تبارك وتعالى قد أكمل بهاءنا وأحسن تأييدنا وسنوسع رعيتنا خيرا وأنه ابتدع صنعة السيوف والسلاح ودل على صنعة الابريسم والقز وغيره مما يغزل فأمر بنسج الثياب وصبغها ونحت السروج والاكف وتذليل الدواب بها وذكر بعضهم أنه توارى بعد ما مضى من ملكه ستمائة سنة وست عشرة سنة وستة أشهر فخلت البلاد منه سنة وأنه أمر لمضى سنة من ملكه إلى سنة خمس منه بصنعة السيوف والدروع والبيض وسائر صنوف الاسلحة وآلة الصناع من الحديد ومن سنة خمسين من ملكه إلى سنة مائة بغزل الابريسم والقز والقطن والكتان وكل ما يستطاع غزله وحياكة ذلك وصبغته ألوانا وتقطيعه أنواعا ولبسه ومن سنة مائة إلى سنة خمسين ومائة صنف الناس أربع طبقات طبقة مقاتلة وطبقة فقهاء وطبقة كتابا وصناعا حراثين واتخذ طبقة منهم خدما وأمر كل طبقة من تلك الطبقات بلزوم العمل

[ 120 ]

الذى ألزمه إياه ومن سنة مائة وخمسين إلى سنة خمسين ومائتين حارب الشياطين والجن وأثخنهم وأذلهم وسخروا له وانقادوا لامره ومن سنة خمسين ومائتين إلى سنة ست عشرة وثلثمائة وكل الشياطين بقطع الحجارة والصخور من الجبال وعمل الرخام والجص والكلس والبناء بذلك وبالطين البنيان والحمامات وصنعة النورة والنقل من البحار والجبال والمعادن والفلوت كل ما ينتفع به الناس والذهب والفضة وسائر ما يذاب من الجواهر وأنواع الطيب والادوية فنفذوا في كل ذلك لامره ثم أمر فصنعت له عجلة من زجاج فصعد فيها الشياطين وركبها وأقبل عليها في الهواء من بلده من دنباوند إلى بابل في يوم واحد وذلك يوم هرمز وزفروردين ماه فاتخذ الناس للاعجوبة التى رأوا من إجرائه ما أجرى على تلك الحال نوروذ وأمرهم باتخاذ ذلك اليوم وخمسة أيام بعده عيدا والتنعم والتلذذ فيها وكتب إلى الناس اليوم السادس وهو خرداذروز يخبرهم أنه قد سار فيهم بسيرة ارتضاها الله فكان من جزائه إياه عليها أن جنبهم الحر والبرد والاسقام والهرم والحسد فمكث الناس ثلثمائة سنة بعد الثلثمائة والست عشرة سنة التى خلت من ملكه لا يصيبهم شئ مما ذكر أن الله عزوجل جنبهم إياه ثم إن جما بطر بعد ذلك نعمة الله عنده وجمع الانس والجن فأخبرهم أنه وليهم ومالكهم والدافع بقوته عنهم الاسقام والهرم والموت وجحد إحسان الله عزوجل إليه وتمادى في غيه فلم يحر أحد ممن حضره له جوابا وفقد مكانه بهاءه وغره وتخلت عنه الملائكة الذين كان الله أمرهم بسياسة أمره فأحس بذلك بيوراسب الذى يسمى الضحاك فابتدر إلى جم لينهشه فهرب منه ثم ظفر به بيوراسب بعد ذلك فامتلخ أمعاءه واشترطها ونشره بمنشار وقال بعض علماء الفرس إن جما لم يزل محمود السيرة إلى أن بقى من ملكه مائة سنة فخلط حينئذ وادعى الربوبية فلما فعل ذلك اضطرب عليه أمره ووثب عليه أخوه اسفتوز وطلبه ليقتله فتوارى عنه وكان في تواريه ملكا ينتقل من موضع إلى موضع ثم خرج عليه بيوراسب فغلبه على ملكه ونشره بالمنشار وزعم بعضهم أن ملك جم كان سبعمائة سنة وست

[ 121 ]

عشرة سنة وأربعة أشهر وعشرين يوما وقد ذكرت عن وهب بن منبه عن ملك من ملوك الماضين قصة شبيهة بقصة جم شاذ الملك لولا أن تاريخه خلاف تاريخ جم لقلت إنها قصة جم وذلك ما حدثنى محمد بن سهل بن عسكر قال حدثنا إسماعيل ابن عبد الكريم قال حدثنى عبد الصمد بن معقل عن وهب بن منبه أنه قال إن رجلا ملك وهو فتى شاب فقال إنى لا أجد للملك لذة وطعما فلا أدرى أكذلك كل الناس أم أنا وجدته من بينهم فقيل له بل الملك كذلك فقال ما الذى يقيمه لى فقيل له يقيمه لك أن تطيع الله فلا تعصيه فدعا ناسا من خيار من كان في ملكه فقال لهم كونوا بحضرتي في مجلسي فما رأيتم أنه طاعة لله عزوجل فأمروني أن أعمل به وما رأيتم أنه معصية لله فازجرونى عنه أنزجر ففعل ذلك هو وهم واستقام له ملكه بذلك أربعمائة سنة مطيعا لله عزوجل ثم إن إبليس انتبه لذلك فقال تركت رجلا يعبد الله ملكا أربعمائة سنة فجاء فدخل عليه فتمثل له برجل ففزع منه الملك فقال من أنت قال إبليس لا ترع ولكن أخبرني من أنت قال الملك أنا رجل من بنى آدم فقال له إبليس لو كنت من بنى آدم لقد مت كما يموت بنو آدم ألم تركم قد مات من الناس وذهب من القرون لو كنت منهم لقد مت كما ماتوا ولكنك إله فادع الناس إلى عبادتك فدخل ذلك في قلبه ثم صعد المنبر فخطب الناس فقال أيها الناس إنى قد كنت أخفيت عنكم أمرا بان لى إظهاره لكم تعلمون أنى ملكتكم منذ أربعائة سنة ولو كنت من بنى آدم لقد مت كما ماتوا ولكني إله فاعبد ونى فأرعش مكانه فأوحى الله إلى بعض من كان معه فقال أخبره أنى قد استقمت له ما استقام لى فإذا تحول عن طاعتي إلى معصيتى فلم يستقم لى فبعزتي حلفت لا سلطن عليه بخت ناصر فليضر بن عنقه وليأخذن ما في خزائنه وكان في ذلك الزمان لا يسخط الله على أحد إلا سلط عليه بخت ناصر فلم يتحول الملك عن قوله حتى سلط الله عليه بخت ناصر فضرب عنقه وأوقر من خزائنه سبعين سفينة ذهبا * قال أبو جعفر ولكن بين بخت ناصر وجم دهر طويل إلا أن يكون الضحاك كان يدعى في ذلك الزمان بخت ناصر * وأما هشام بن الكلبى فإنى حدثت عنه أنه قال

[ 122 ]

ملك بعد طهمورت جم وكان أصبح أهل زمانه وجها وأعظمهم جسما قال فذ كروا أنه غبر ستمائة سنة وتسع عشرة سنة مطيعا لله مستعليا أمره مستوثقة له البلاد ثم إنه طغى وبغى فسلط الله عليه الضحاك فسار إليه في مائتي ألف فهرب جم منه مائة سنة ثم إن الضحاك ظفر به فنشره بمنشار قال فكان جميع ملك جم منذ ملك إلى أن قتل سبعمائة وتسع عشرة سنة * وقد روى عن جماعة من السلف أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على ملة الحق وأن الكفر بالله إنما حدث في القرن الذين بعث إليهم نوح عليه السلام وقالوا إن أول نبى أرسله الله إلى قوم بالانذار والدعاء إلى توحيده نوح عليه السلام ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا أبو داود قال حدثنا همام عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال كان بين نوح وآدم عليهما السلام عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين قال وكذلك هي في قراءة عبد الله (كان الناس أمة واحدة فاختلفوا) * حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة قوله عزوجل " كان الناس أمة واحدة " قال كانوا على الهدى جميعا فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين فكان أول نبى بعث نوحا عليه السلام ذكر الاحداث التى كانت في عهد نوح عليه السلام قد ذكرنا اختلاف المختلفين في ديانة القوم الذين أرسل إليهم نوح عليه السلام وأن منهم من يقول كانوا قد أجمعوا على العمل بما يكرهه الله من ركوب الفواحش وشرب الخمور والاشتغال بالملاهى عن طاعة الله عزوجل وأن منهم من يقول كانوا أهل طاعة بيوراسب وكان بيوراسب أول من أظهر القول بقول الصابئين وتبعه على ذلك الذين أرسل إليهم نوح عليه السلام وسأذكر إن شاء الله خبر بيوراسب فيما بعد * فأما كتاب الله فإنه ينبئ عنهم أنهم كانوا أهل أوثان

[ 123 ]

وذلك أن الله عزوجل يقول مخبرا عن نوح (قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا، ومكروا مكرا كبارا، وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا، ولا يغوث ويعوق ونسرا، وقد أضلوا كثيرا) فبعث الله إليهم نوحا مخوفهم بأسه ومحذرهم سطوته وداعيا لهم إلى التوبة والمراجعة إلى الحق والعمل بما أمر الله به رسله وأنزله في صحف آدم وشيث وخنوخ ونوح يوم ابتعثه الله نبيا إليهم فيما ذكر ابن خمسين سنة وقيل أيضا ما حدثنا به نصر بن على الجهضمى قال حدثنا نوح بن قيس قال حدثنا عون بن أبى شداد قال إن الله تبارك وتعالى أرسل نوحا إلى قومه وهو ابن خمسين وثلثمائة سنة فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما ثم عاش بعد ذلك خمسين وثلثمائة سنة * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال حدثنا هشام قال أخبرني أبى عن أبى صالح عن ابن عباس قال بعث الله نوحا إليهم وهو ابن أربعمائة سنة وثمانين سنة ثم دعاهم في نبوته مائة وعشرين سنة وركب السفينة وهو ابن ستمائة سنة ثم مكث بعد ذلك ثلثمائة وخمسين سنة * قال أبو جعفر فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما كما قال الله عزوجل يدعوهم إلى الله سرا وجهرا يمضى قرن بعد قرن فلا يستجيبون له حتى مضى قرون ثلاثة على ذلك من حاله وحالهم فلما أراد الله عزوجل اهلاكهم دعا عليهم نوح عليه السلام فقال " رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا " فأمره الله تعالى ذكره أن يغرس شجرة فغرسها فعظمت وذهبت كل مذهب ثم أمره بقطعها من بعد ما غرسها بأربعين سنة فيتخذ منها سفينة كما قال الله له (واصنع الفلك بأعيننا ووحينا) فقطعها وجعل يعملها * وحدثنا صالح بن مسمار المروزى والمثنى بن إبراهيم قالا حدثنا ابن أبى مريم قال حدثنا موسى بن يعقوب قال حدثنى فائد مولى عبيدالله ابن على بن أبى رافع أن إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبى ربعية أخبره أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لو رحم الله أحدا من قوم نوح لرحم أم الصبى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كان نوح مكث

[ 124 ]

في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله عزوجل حتى كان آخر زمانه غرس شجرة فعظمت وذهبت كل مذهب ثم قطعا ثم جعل يعمل سفينة فيمرون فيسألونه فيقول أعملها سفينة فيسخرون منه ويقولون تعمل سفينة في البر فكيف تجرى فيقول سوف تعلمون فلما فرغ منها وفار التنور وكثر الماء في السكك خشيت أم الصبى عليه وكانت تحبه حبا شديدا فخرجت إلى الجبل حتى بلغت ثلثه فلما بلغها الماء خرجت حتى بلغت ثلثى الجبل فلما بلغها الماء خرجت حتى استوت على الجبل فلما بلغ الماء رقبتها رفعته بيدها حتى ذهب به الماء فلو رحم الله منهم أحدا لرحم أم الصبى * حدثنى ابن أبى منصور قال حدثنا على بن الهيثم عن المسيب بن شريك عن أبى روق عن الضحاك قال قال سلمان الفارسى عمل نوح السفينة أربعمائة سنة وأنبت الساج أربعين سنة حتى كان طوله ثلثمائة ذراع والذراع إلى المنكب فعمل نوح السفينة بوحى الله إليه وتعليمه إياه عملها فكانت إن شاء الله كما حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة قال ذكر لنا أن طول السفينة ثلثمائة ذراع وعرضها خمسون ذراعا وطولها في السماء ثلاثون ذراعا وبابها في عرضها * حدثنى الحارث قال حدثنا عبد العزيز قال حدثنا مبارك عن الحسن قال كان طول سفينة نوح ألف ذراع ومائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع * حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثنى حجاج عن مفضل ابن فضالة عن على بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال قال الحواريون لعيسى ابن مريم لو بعثت لنا رجلا شهد السفينة فحدثنا عنها فانطلق بهم حتى انتهى إلى كثيب من تراب فأخذ كفا من ذلك التراب بكفه فقال أتدرون ما هذا قالوا الله ورسوله أعلم قال هذا قبر حام بن نوح قال فضرب الكثيب بعصاه وقال قم بإذن الله فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه وقد شاب فقال له عيسى عليه السلام هكذا هلكت قال لا ولكني مت وأنا شاب ولكني ظننت أنها الساعة فمن ثم شبت قال حدثنا عن سفينة نوح قال كان طولها ألف زراع ومائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع وكانت ثلاث طبقات فطبقة فيها الدواب والوحش وطبقة

[ 125 ]

فيها الانس وطبقة فيها الطير فلما كثر أرواث الدواب أوحى الله إلى نوح أن اغمز ذنب الفيل فغمز فوقع منه خنزير وخنزيرة فأقبلا على الروث فلما وقع الفأر بخرز السفينة يقرضه أوحى الله إلى نوح أن اضرب بين عينى الاسد فخرج من منخره سنور وسنورة فاقبلا على الفأر فقال له عيسى كيف علم نوح أن البلاد قد غرقت قال بعث الغراب يأتيه بالخبر فوجد جيفة فوقع عليها فدعا عليه بالخوف فلذلك لا يألف البيوت قال ثم بعث الحمامة فجاءت بورق زيتون بمنقارها وطين برجليها فعلم أن البلاد قد غرقت قال فطوقها الخضرة التى في عنقها ودعا لها أن تكون في أنس وأمان فمن ثم تألف البيوت قال فقالت الحواريون يا رسول الله ألا ننطلق به إلى أهلنا فيجلس معنا ويحدثنا ؟ قال كيف يتبعكم من لا رزق له قال فقال له عد بإذن الله فعاد ترابا * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرني هشام قال أخبرني أبى عن أبى صالح عن ابن عباس قال نجر نوح السفينة بجبل بوذ ومن ثم تبدأ الطوفان وقال كان طول السفينة ثلثمائة ذراع بذراع جد أبي نوح وعرضها خمسين ذراعا وطولها في السماء ثلاثين ذراعا وخرج منها من الماء سته أذرع وكانت مطبقة وجعل لها ثلاثة أبو اب بعضها أسفل من بعض حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق عمن لا يتهم عن عبيد ابن عمير الليثى أنه كان يحدث أنه بلغه أنهم كانوا يبطشون به يعنى قوم نوح بنوح فيخنقونه حتى يغشى عليه فإذا أفاق قال اللهم اغفر لقومي فانهم لا يعلمون قال ابن إسحاق حتى إذا تمادوا في المعصية وعظمت في الارض منهم الخطيئة وتطاول عليه وعليهم الشأن واشتد عليه منهم البلاء وانتظر النجل بعد النجل فلا يأتي قرن إلا كان أخبث من الذى قبله حتى إن كان الآخر منهم ليقول قد كان هذا مع آبائنا ومع أجدادنا هكذا مجنونا لا يقبلون منه شيئا حتى شكا ذلك من أمرهم نوح إلى الله عزوجل فقال كما قص الله عزوجل علينا في كتابه (رب إنى دعوت قومي ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا) إلى آخر القصة حتى قال (لا تذر على الارض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا

[ 126 ]

فاجرا كفارا) إلى آخر القصة فلما شكا ذلك منهم نوح إلى الله عزوجل واستنصره عليهم أوحى الله إليه (أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون) قأقبل نوح على عمل الفلك ولهى عن قومه وجعل يقطع الخشب ويضرب الحديد ويهيئ عدة الفلك من القار وغيره مما لا يصلحه إلا هو وجعل قومه يمرون به وهو في ذلك من عمله فيسخرون منه ويستهزئون به فيقول (إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمون من ياتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم) قال ويقولون فيما بلغني يا نوح قد صرت نجارا بعد النبوة قال وأعقم الله أرحام النساء فلا يولد لهم * قال ويزعم أهل التوراة أن الله عزوجل أمره أن يصنع الفلك من خشب الساج وأن يصنعه أزور وأن يطليه بالقار من داخله وخارجه وأن يجعل طول ثمانين ذراعا وعرضه خمسين ذراعا وطوله في السماء ثلاثين ذراعا وأن يجعله ثلاثة أطباق سفلا ووسطا وعلوا وأن يجعل فيه كوا ففعل نوح كما أمره الله عزوجل حتى إذا فرغ منه وقد عهد الله إليه (إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل) وقد جعل التنور آية فيما بينه وبينه فقال إذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين واركب فلما فار التنور حمل نوح في الفلك من أمره الله تعالى به وكانوا قليلا كما قال وحمل فيها من كل زوجين اثنين مما فيه الروح والشجر ذكرا أو أنثى فحمل فيه بنيه الثلاثة سام وحام ويافث ونساءهم وستة أناس ممن كان آمن به فكانوا عشرة نفر نوح وبنوه وأزواجهم ثم أدخل ما أمره الله به من الدواب وتخلف عنه ابنه يام وكان كافرا * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن الحسن بن دينار عن على بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال سمعته يقول كان أول ما حمل نوح في الفلك من الدواب الذرة وآخر ما حمل الحمار فلما أدخل الحمار ودخل صدره تعلق ابليس لعنه الله بذنبه فلم تستقل رجلاه فجعل نوح يقول ويحك أدخل فينهض فلا يستطيع حتى قال نوح

[ 127 ]

ويحك ادخل وان كان الشيطان معك قال كلمة زلت عن لسانه فلما قالها نوح خلى الشيطان سبيله فدخل ودخل الشيطان معه فقال له نوح ما أدخلك على يا عدو الله قال ألم تقل أدخل وإن كان الشيطان معك، قال اخرج عنى يا عدو الله فقال مالك بد من أن تحملني فكان فيما يزعمون في ظهر الفلك فلما اطمأن نوح في الفلك وأدخل فيه كل من آمن به وكان ذلك في الشهر من السنة التى دخل فيها نوح بعد ستمائة سنة من عمره لسبع عشرة ليلة مضت من الشهر فلما دخل وحمل معه من حمل تحرك ينابيع الغوط الاكبر وفتحت أبو اب السماء كما قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم (ففتحنا أبو اب السماء بماء منهمر، وفجرنا الارض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر) فدخل نوح ومن معه الفلك وغطاه عليه وعلى من معه بطبقة فكان بين أن أرسل الله الماء وبين أن احتمل الماء الفلك أربعون يوما وأربعون ليلة ثم احتمل الماء كما يزعم أهل التوراة وكثر واشتد وارتفع يقول الله عزوجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم (وحملناه على ذات ألواح ودسر تجرى بأعيننا جزاء لمن كان كفر) والدسر، المسامير مسامير الحديد فجعلت الفلك تجرى به وبمن معه في موج كالجبال ونادى نوح ابنه الذى هلك فيمن هلك وكان في معزل حين رأى نوح من صدق موعود ربه ما رأى فقال يا بنى اركب معنا ولا تكن مع الكافرين وكان شقيا قد أضمر كفرا قال سآوى إلى جبل يعصمني من الماء وكان عهد الجبال وهى حرز من الامطار إذا كانت فظن أن ذلك كما كان يكون قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين وكثر الماء وطغى وارتغع فوق الجبال كما يزعم أهل التوراة خمسة عشر ذراعا فباد ما على وجه الارض من الخلق كل شئ فيه الروح أو شجر فلم يبق شئ من الخلائق إلا نوح ومن معه في الفلك وإلا عوج بن أعنق فيما يزعم أهل الكتاب فكان بين أن أرسل الله الطوفان وبين أن غاض الماء ستة أشهر وعشر ليال * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرني هشام قال أخبرني أبى عن أبى صالح عن ابن عباس قال أرسل الله المطر أربعين يوما وأربعين ليلة فأقلت

[ 128 ]

الوحوش حين أصابها المطر والدواب والطير كلها إلى نوح وسخرت له فحمل منها كما أمره الله عزوجل من كل زوجين اثنين وحمل معه جسد آدم فجعله حاجزا بين النساء والرجال فركبوا فيها لعشر ليال مضين من رجب وخرجوا منها يوم عاشوراء من المحرم فلذلك صام من صام يوم عاشوراء وأخرج الماء نصفين فذلك قوله عزوجل " ففتحنا أبو اب السماء بماء منهمر - يقول منصب - وفجرنا الارض عيونا - يقول شققنا الارض - فالتقى الماء على أمر قد قدر " فصار الماء نصفين نصف من السماء ونصف من الارض وارتفع الماء على أطول جبل في الارض خمسة عشر ذراعا فسارت بهم السفينة فطافت بهم الارض كلها في ستة أشهر لا تستقر على شئ حتى أتت الحرم فلم تدخله ودارت بالحرم أسبوعا ورفع البيت الذى بناه آدم عليه السلام رفع من الغرق وهو البيت المعمور والحجر الاسود على أبى قبيس فلما دارت بالحرم ذهبت في الارض تسير بهم حتى انتهت إلى الجودى وهو جبل بالحضيض من أرض الموصل فاستقرت بعد ستة أشهر لتمام السبع فقيل بعد الستة الاشهر (بعدا للقوم الظالمين) فلما استقرت على الجودى (قيل يا أرض ابلعى ماءك) يقول انشفى ماءك الذى خرج منك (ويا سماء أقلعى) يقول احبسي ماءك (وغيض الماء) نشفته الارض فصار ما نزل من السماء هذه البحور التى ترون في الارض فآخر ما بقى من الطوفان في الارض ماء بحسمى بقى في الارض أربعين سنة بعد الطوفان ثم ذهب وكان التنور الذى جعل الله تعالى ذكره آية ما بينه وبين نوح فوران الماء منه تنورا كان لحواء من حجارة وصار إلى نوح حدثنى يعقوب بن ابراهيم قال حدثنا هشيم عن أبى محمد عن الحسن قال كان تنورا من حجارة كان لحواء حتى صار إلى نوح قال فقيل له إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت وأصحابك * وقد اختلف في المكان الذى كان به التنور الذى جعل الله فوران مائه آية ما بينه وبين نوح فقال بعضهم كان بالهند ذكر من قال ذلك حدثنا أبو كريب قال حدثنا عبد الحميد الحمانى عن النضر أبى عمر الخزاز عن

[ 129 ]

عكرمة عن ابن عباس في وفار التنور قال فار بالهند * وقال آخرون كان ذلك بناحية الكوفة ذكر من قال ذلك * حدثنى الحارث قال حدثنا الحسن قال حدثنا خلف بن خليفة عن ليث عن مجاهد قال نبع الماء في التنور فعلت به امرأته فأخبرته قال وكان ذلك في ناحية الكوفة * حدثنى الحارث قال حدثنا القاسم قال حدثنا على بن ثابت عن السرى ابن اسماعيل عن الشعبى أنه كان يحلف بالله ما فار التنور ألا من ثاحية الكوفة * واختلف في عدد من ركب الفلك من بنى آدم فقال بعضهم كانوا ثمانين نفسا ذكر من قال ذلك * حدثنى موسى بن عبد الرحمن المسروقى قال حدثنا زيد بن الحباب قال حدثنى حسين بن واقد الخراساني قال حدثنا أبو نهيك قال سمعت ابن عباس يقول كان في سفينة نوح ثمانون رجلا أحدم جرهم * حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثنى حجاج قال: قال ابن جريج قال ابن عباس حمل نوح معه في السفينة ثمانين إنسانا * حدثنى الحارث قال حدثنا عبد العزيز قال: قال سفيان كان بعضهم يقول كانوا ثمانين يعنى القليل الذين قال الله عزوجل " وما آمن معه إلا قليل " * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرني هشام قال أخبرني أبى عن أبى صالح عن ابن عباس قال حمل نوح في السفينة بنيه سام وحام ويافث وكنائنه نساء بنيه هؤلاء وثلاثة وسبعين من بنى شيث ممن آمن به فكانوا ثمانين في السفينة وقال بعضهم بل كانوا ثمانية أنفس ذكر من قال ذلك حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا سعيد عن قتادة قال ذكر لنا أنه لم يتم في السفينة إلا نوح وامرأته وثلاثة بنيه ونساؤهم فجميعهم ثمانية حدثنا ابن وكيع والحسن بن عرفة قالا حدثنا يحيى بن عبد الملك بن أبى غنية عن أبيه عن الحكم وما آمن معه إلا قليل قال نوح وثلاثة بنيه وأربع كنائنه * حدثنا القاسم

[ 130 ]

قال حدثنا الحسين قال حدثنى حجاج قال قال ابن جريج حدثت أن نوحا حمل معه بنيه الثلاثة وثلاث نسوة لبنيه وامرأة نوح فهم ثمانية بأزواجهم وأسماء بنيه يافث وحام وسام فأصاب حام امرأته في السفينة فدعا نوح أن تغير نطفته فجاء بالسودان وقال آخرون بل كانوا سبعة أنفس ذكر من قال ذلك حدثنى الحارث قال حدثنى عبد العزيز قال حدثنا سفيان عن الاعمش " وما آمن معه إلا قليل " قال كانوا سبعة نوح وثلاث كنائن وثلاثة بنين له * وقال آخرون كانوا عشرة سوى نسائهم ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال حمل بنيه الثلاثة سام وحام ويافث ونساءهم وستة أناسى ممن كان آمن به فكانوا عشرة نفر بنوح وبنيه وأزواجهم، فأرسل الله تبارك وتعالى الطوفان لمضى ستمائة سنة من عمر نوح فيما ذكره أهل العلم من أهل الكتاب وغيرهم ولتتمة ألفى سنة ومائتي سنة وست وخمسين سنة من لدن أهبط آدم إلى الارض وقيل أن الله عزوجل أرسل الطوفان لثلاث عشرة خلت من آب وإن نوحا أقام في الفلك إلى أن غاض الماء واستوت الفلك على جبل الجودى بقردى في اليوم السابع عشر من الشهر السادس فلما خرج نوح منها اتخذ بناحية قردى من أرض الجزيرة موضعا وابتنى هناك قرية سماها ثمانين لانه كان بنى فيها بيتا لكل إنسان ممن آمن معه وهم ثمانون فهى إلى اليوم تسمى سوق ثمانين * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال حدثنى هشام ابن محمد قال أخبرني أبى عن أبى صالح عن ابن عباس قال هبط نوح عليه السلام إلى قرية فبنى كل رجل منهم بيتا فسميت سوق ثمانين فغرق بنو قابيل كلهم وما بين نوح إلى آدم من الآباء كانوا على الاسلام * قال أبو جعفر فصار هو وأهله فيه فأوحى الله إليه أنه لا يعيد الطوفان إلى الارض أبدا * وقد حدثنى عباد بن يعقوب الاسدي قال حدثنا المحاربي عن عثمان بن مطر عن عبد العزيز بن عبد الغفور

[ 131 ]

عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول يوم من رجب ركب نوح السفينة فصام هو وجميع من معه وجرت بهم السفينة ستة أشهر فانتهى ذلك إلى المحرم فأرست السفينة على الجودى يوم عاشوراء فصام نوح وأمر جميع من معه من الوحش والدواب فصاموا شكر الله عزوجل * حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثنى حجاج عن ابن جريج قال كانت السفينة أعلاها الطير ووسطها الناس وأسفلها السباع وكان طولها في السماء ثلاثين ذراعا ورفعت من عين وردة يوم الجمعة لعشر ليال مضين من رجب وأرست على الجودى يوم عاشوراء ومرت بالبيت فطافت به سبعا وقد رفعه الله من الغرق ثم جاءت اليمن ثم رجعت حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثنا حجاج عن أبى جعفر الرازي عن قتادة قال هبط نوح من السفينة يوم العاشر من المحرم فقال لمن معه من كان منكم صائما فليتم صومه ومن كان منكم مفطر فليصم * حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة قال ذكر لنا أنها يعنى الفلك ستقلت بهم في عشر خلون من رجب فكانت في الماء خمسين ومائة يوم ستقرت على الجودى شهرا وأهبط بهم في عشر خلون من المحرم يوم عاشوراء * حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثنى حجاج عن أبى معشر عن محمد ابن قيس قال ما كان زمان نوح شبر من الارض إلا إنسان يدعيه * ثم عاش نوح بعد الطوفان فيما حدثنى نصر بن على الجهضمى قال أخبرنا نوح بن قيس قال حدثنا عون ابن أبى شداد قال عاش يعنى نوحا بعد ذلك يعنى بعد الالف سنة إلا خمسين عاما التى لبثها في قومه ثلاثمائة وخمسين سنة وأما ابن اسحاق فإن ابن حميد حدثنا قال حدثنا سلمة عنه قال وعمر نوح فيما يزعم أهل التوراة بعد أن أهبط من الفلك ثلثمائة سنة وثمانيا وأربعين سنة قال فكان جميع عمر نوح ألف سنة إلا خمسين عاما ثم قبضه الله عزوجل إليه وقيل إن سام ولد لنوح قبل الطوفان بثمان وتسعين سنة وقال بعض أهل التوراة لم يكن التناسل ولا ولد لنوح ولد إلا بعد الطوفان وبعد خروج نوح من الفلك قالوا وإنما الذين كانوا معه في

[ 132 ]

الفلك قوم كانوا آمنوا به واتبعوه غير أنهم بادوا وهلكوا فلم يبق لهم عقب وإنما الذين هم اليوم في الدنيا من بنى آدم ولد نوح وذريته دون سائر ولد آدم كما قال الله عزوجل (وجعلنا ذريته هم الباقين) وقيل إنه كان لنوح قبل الطوفان ابنان هلكا جميعا كان أحدهما يقال له كنعان قال وهو الذى غرق في الطوفان والآخر منهما يقال له عابر مات قبل الطوفان * حدثنا الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرني هشام قال أخبرني أبى عن أبى صالح عن ابن عباس قال ولد لنوح سام وفى ولده بياض وأدم وحام وفى ولده سواد وبياض قليل ويافث وفيهم الشقرة والحمرة وكنعان وهو الذى غرق والعرب تسميه يام وذلك قول العرب إنما هام عمنا يام وأم هؤلاء واحدة * فأما المجوس فإنهم لا يعرفون الطوفان ويقولون لم يزل الملك فينا من عهد جيومرت وقالوا جيومرت هو آدم يتوارثه آخر عن أول إلى عهد فيروز بن يزدجرد بن شهريار قالوا ولو كان لذلك صحة كان نسب القوم قد انقطع وملك القوم قد اضمحل وكان بعضهم يقر بالطوفان ويزعم أنه كان في اقليم بابل وما قرب منه وأن مساكن ولد جيومرت كان المشرق فلم يصل ذلك إليهم * قال أبو جعفر وقد أخبر الله تعالى ذكره من الخبر عن الطوفان بخلاف ما قالوا فقال وقوله الحق (ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون. ونجيناه وأهله من الكرب العظيم. وجعلنا ذريته هم الباقين) فأخبر عز ذكره أن ذرية نوح هم الباقون دون غيرهم وقد ذكرت اختلاف الناس في جيومرت ومن يخالف الفرس في عينه ومن هو ومن نسبه إلى نوح عليه السلام * حدثنا ابن بشار قال حدثنا ابن عثمة قال حدثنا سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله وجعلنا ذريته هم الباقين قال سام وحام ويافث * حدثنا بشر قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة في قوله وجعلنا ذريته هم الباقين قال فالناس كلهم من ذرية نوح * حدثنى على ابن داود قال حدثنا أبو صالح قال حدثنى معاوية عن على عن ابن عباس في قوله تعالى وجعلنا ذريته هم الباقين يقول لم يبق إلا ذرية نوح وروى عن على بن مجاهد

[ 133 ]

عن ابن اسحاق عن الزهري وعن محمد بن صالح عن الشعبى قالا لما هبط آدم من الجنة وانتشر ولده أرخ بنوه من هبوط آدم فكان ذلك التأريخ حتى بعث الله نوحا فأرخوا بمبعث نوح حتى كان الغرق فهلك من هلك ممن كان على وجه الارض فلما هبط نوح وذريته وكل من كان في السفينة إلى الارض قسم الارض بين ولده أثلاثا فجعل لسام وسطا من الارض ففيها بيت المقدس والنيل والفرات ودجلة وسيحان وجيحان وفيشون وذلك ما بين فيشون إلى شرقي النيل وما بين منخر ريح الجنوب إلى منخر الشمال وجعل لحام قسمه غربي النيل فما وراءه إلى منخر ريح الدبور وجعل قسم يافث في فيشون فلما وراءه إلى منخر ريح الصبا فكان التأريخ من الطوفان إلى نار إبراهيم ومن نار إبراهيم إلى مبعث يوسف ومن مبعث يوسف إلى مبعث موسى ومن مبعث موسى إلى ملك سليمان ومن ملك سليمان إلى مبعث عيسى بن مرين ومن مبعث عيسى بن مرين إلى أن بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا الذى ذكر عن الشعبى من التأريخ ينبغى أن يكون على تأريخ اليهود فأما أهل الاسلام فإنهم لم يؤرخوا إلا من الهجرة ولم يكونوا يؤرخون بشئ قبل ذلك غير أن قريشا كانوا فيما ذكر يؤرخون قبل الاسلام بعام الفيل وكان ساثر العرب يؤرخون بأيامهم المذكورة كتأريخهم بيوم جبلة وبالكلاب الاول والكلاب الثاني وكانت النصارى تؤرخ بعهد الاسكندر ذى القرنين وأحسبهم على ذلك من التأريخ إلى اليوم وأما الفرس فإنهم كانوا يؤرخون بملوكهم وهم اليوم فيما أعلم يؤرخون بعهد يزدجرد بن شهريار لانه كان آخر من كان من ملوكهم له ملك بابل والمشرق ذكر بيوراسب وهو الازدهاق والعرب تسميه الضحاك فتجعل الحرف الذى بين السين والزاى في الفارسية ضادا والهاء حاء والقاف كافا وإياه عنى حبيب بن أوس بقوله ما نال ما قد نال فرعون ولا هامان في الدنيا ولا قارون بل كان كالضحاك في سطواته بالعالمين

[ 134 ]

وانت أفريذون وهو الذى افتخر بادعائه أنه منهم الحسن بن هانئ وكان منا الضحاك يعبده الخابل والجن في مساربها قال واليمن تدعيه حدثت عن هشام ابن محمد بن السانب فيما ذكر من أمر الضحاك هذا قال والعجم تدعى الضحاك وتزعم أن جما كان زوج أخته من بعض أشراف أهل بيته وملكه على اليمن فولدت له الضحاك قال واليمن تدعيه وتزعم أنه من أنفسها وأنه الضحاك بن علوان ابن عبيد بن عويج وأنه ملك على مصر أخاه سنان بن علوان بن عبيد بن عويج وهو أولى الفراعنة وأنه كان ملك مصر حين قدمها ابراهيم خليل الرحمن عليه السلام * وأما الفرس فإنها تنسب الازدهاق هذا غير النسبة التى ذكر هشام عن أهل اليمن وتذكر أنه بيوراسب بن أروند اسب بن زينكا بن ويروشك بن تاز بن فرواك ابن سيامك بن مشا بن جيومرت ومنهم من ينسبه هذه النسبة غير أنه يخالف النطق بأسماء آبائه فيقول هو الضحاك بن أندر ماسب بن رنحدار بن وندر يسنح ابن تاج بن فرياك بن ساهمك بن ماذى بن جيومرت والمجوس تزعم أن تاج هذا هو أبو العرب فيزعمون أن أم الضحاك كانت ودك بنت ويونجهان وأنه قتل أباه تقربا بقتله إلى الشياطين وأنه كان كثير المقام ببابل وكان له ابنان يقال لاحدهما سرنفوار وللآخر نفورا * وقد ذكر عن الشعبى أنه كان يقول هو قرشت مسخه الله ازدهاق ذكر الرواية عنه بذلك حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل عن يحيى بن العلاء عن القاسم بن سلمان عن الشعبى قال أبجد وهوز وحطى وكلمن وسعفص وقرشت كانوا ملوكا جبابرة فتفكر قرشت يوما فقال تبارك الله أحسن الخالقين فمسخه الله فجعله أجدهاق وله سبعة أرؤس فهو هذا الذى بدنباوند وجميع أهل الاخبار من العرب والعجم تزعم أنه ملك الاقاليم كلها وأنه كان ساحرا فاجرا وحدثت عن هشام بن محمد قال ملك الضحاك بعد جم فيما يزعمون والله أعلم ألف سنة ونزل السواد في قرية يقال لها نرس في ناحية طريق الكوفة وملك الارض

[ 135 ]

كلها وسار بالجور والعسف وبسط يده في القتل وكان أول من سن الصلب والقطع وأول من وضع العشور وضرب الدراهم وأول من تغنى وغنى له قال ويقال إنه خرج في منكبه سلعتان فكانتا تضربان عليه فيشتد عليه الوجع حتى يطلبهما بدماغ إنسان فكان يقتل لذلك في كل يوم رجلين ويطلى سلعتيه بدماغيهما فإذا فعل ذلك سكن ما يجد فخرج عليه رجل من أهل بابل فاعتقد لواء واجتمع إليه بشر كثير فلما بلغ الضحاك خبره راعه فبعث إليه ما أمرك وما تريد قال ألست تزعم أنك ملك الدنيا وأن الدنيا لك قال بلى قال فليكن كلبك على الدنيا ولا يكونن علينا خاصة فانك إنما تقتلنا دون الناس فأجابه الضحاك إلى ذلك وأمر بالرجلين اللذين كان يقتلهما في كل يوم أن يقسما على الناس جميعا ولا يخص بهما مكان دون مكان قال فبلغنا أن أهل أصبهان من ولد ذلك الرجل الذى رفع اللواء وأن ذلك اللواء لم يزل محفوظا عند ملوك فارس في خزائنهم وكان فيما بلغنا جلد أسد فألبسه ملوك فارس الذهب والديباج تيمنا به * قال وبلغنا أن الضحاك هو نمروذ وأن إبراهيم خليل الرحمن صلى الله عليه ولد في زمانه وأنه صاحبه الذى أراد إحراقه قال وبلغنا أن أفريذون وهو من نسل جم الملك الذى كان قبل الضحاك ويزعمون أنه التاسع من ولده وكان مولده بدنباوند خرج حتى ورد منزل الضحاك وهو عنه غائب بالهند فحوى على منزله وما فيه فبلغ الضحاك ذلك فأقبل وقد سلبه الله قوته وذهبت دولته فوثب به أفريذون فأوثقه وصيره بجبال دنباوند فالعجم تزعم أنه إلى اليوم موثق في الحديد يعذب هناك وذكر غير هشام أن الضحاك لم يكن غائبا عن مسكنه ولكن أفريذون بن أثفيان جاء إلى مسكن له في حصن يدعى زرنج ما مهر روز مهر فنكح امرأتين له تسمى إحداهما اروناز والاخرى سنوار فوهل بيوراسب لما عاين ذلك وخر مدلها لا يعقل فضرب افريذون هامته بجرز له ملتوى الرأس فزاد ذلك وهلا وعزوب عقل ثم توجه به افريذون إلى جبل دنباوند وشده هنا لك وثاقا وأمر الناس باتخاذ مهر ماه مهر روز وهو المهرجان اليوم الذى أوثق في بيوراسب عيدا وعلا افريذون

[ 136 ]

سرير الملك وذكر عن الضحاك أنه قال يوم ملك وعقد عليه التاج نحن ملوك الدنيا المالكون لما فيها والفرس تزعم أن الملك لم يكن إلا للبطن الذى منه أو شهنج وجم وطهمورت وأن الضحاك كان عاصيا وأنه غصب أهل الارض بسحره وخبثه وهول عليهم بالحيتين اللتين كانتا على منكبيه وأنه بنى بأرض بابل مدينة سماها حوب وجعل النبط أصحابه وبطانته فلقى الناس منه كل جهد وذبح الصبيان ويقول كثير من أهل الكتب إن الذى كان على منكبيه كان لحمتين طويلتين ناتئتين على منكبيه كل واحدة منهما كرأس الثعبان وأنه كان بخبثه ومكره يسترهما بالثياب ويذكر على طريق التهويل أنهما حيتان يقتضيانه الطعام وكانتا تتحركان تحت ثوبه إذا جاع كما يتحرك العضو من الانسان عند التهابه بالجوع والغضب ومن الناس من يقول كان ذلك حيتين وقد ذكرت ما روى عن الشعبى في ذلك والله أعلم بحقيقته وصحته وذكر بعض أهل العلم بأنساب الفرس وأمورهم أن الناس لم يزالوا من بيوراسب هذا في جهد شديد حتى إذا أراد الله هلاكه وثب به رجل من العامة من أهل أصبهان يقال له كابى بسبب ابنين كانا له أخذهما رسل بيوراسب بسبب الحيتين اللتين كانتا على منكبيه وقيل إنه لما بلغ الجزع من كابى هذا على ولده أخذ عصا كانت بيده فعلق بأطرافها جرابا كان معه ثم نصب ذلك العلم ودعا الناس إلى مجاهدة بيوراسب ومحاربته فأسرع إلى إجابته خلق كثير لما كانوا فيه معه من البلاء وفنون الجور فلما غلب كابى تفاءل الناس بذلك العلم فعظموا أمره وزادوا فيه حتى صار عند ملوك العجم علمهم الاكبر الذى يتبركون به وسموه درفش كابيان فكانوا لا يسيرونه إلا في الامور العظام. ولا يرفع إلى لاولاد الملوك إذا وجهوا في الامور العظام وكان من خبر كابى أنه شخص عن أصبهان بمن تبعه والتف إليه في طريقه فلما قرب من الضحاك وأشرف عليه قذف في قلب الضحاك منه الرعب فهرب عن منازله وخلى مكانه وانفتح للاعاجم منه ما أرادوا فاجتمعوا إلى كابى وتناظروا فأعلمهم كابى أنه لا يتعرض للملك لانه ليس من أهله وأمرهم أن يملكوا بعض

[ 137 ]

ولد جم لانه ابن الملك الاكبر أو شهنق بن فرواك الذى رسم الملك وسبق إلى القيام به وكان أفريذون بن اثفيان مستخفيا في بعض النواحى من الضحاك فوافى كابى ومن كان معه فاستبشر القوم بموافاته وذلك أنه كان مرشحا للملك برواية كانت لهم في ذلك فملكوه وصار كابى والوجوه لا فريذون أعوانا على أمره فلما ملك وأحكم ما احتاج إليه من أمر الملك واحتوى على منازل الضحاك اتبعه فأسره بدنباوند في جبالها وبعض المجوس تزعم أنه جعله أسيرا حبيسا في تلك الجبال موكلا به قوم من الجن ومنهم من يقول إنه قتله وزعموا أنه لم يسمع من أمور الضحاك شئ يستحسن غير شئ واحد وهو أن بليته لما اشتدت ودام جوره وطالت أيامه عظم على الناس ما لقوا منه فتراسل الوجوه في أمره فأجمعوا على المصير إلى بابه فوافى بابه الوجوه والعظماء من الكور والنواحى فتناظروا في الدخول عليه والتظلم إليه والتأتى لاستعطافه فاتفقوا على أن يقدموا للخطاب عنهم كابى الاصبهاني فلما صاروا إلى بابه أعلم بمكانهم فأذن لهم فدخلوا وكابى متقدم لهم فمثل بين يديه وأمسك عن السلام ثم قال أيها الملك أي السلام اسلم عليك أسلام من يملك هذه الاقاليم كلها أم سلام من يملك هذا الاقليم الواحد يعنى بابل فقال له الضحاك بل سلام من يملك هذه الاقاليم كلها لانى ملك الارض فقال له الاصبهاني فإذا كنت تملك الاقاليم كلها وكانت يدك تنالها أجمع فما بالنا قد خصصنا بمؤنتك وتحاملك واساءتك من بين أهل الاقاليم وكيف لم تقسم أمر كذا وكذا بيننا وبين الاقاليم وعدد عليه أشياء كان يمكنه تخفيفها عنهم وجرد له الصدق والقول في ذلك فقدح في قلب الضحاك قوله وعمل فيه حتى انخزل وأقر بالاساءة وتألف القوم ووعدهم ما يحبون وأمرهم بالانصراف لينزلوا ويتدعوا ثم يعودوا ليقضى حوائجهم ثم ينصروفوا إلى بلادهم وزعموا أن أمه ودك كانت شرا منه وأردى وأنها كانت في وقت معاتبة القوم إياه بالقرب منه تتعرف ما يقولونه فتغتاظ وتنكره فلما خرج القوم دخلت مستشيطة منكرة عن الضحاك احتماله القوم وقالت له قد بلغني كل ما كان وجرءة هؤلاء القوم عليك

[ 138 ]

حتى فزعوك بكذا وأسمعوك كذا أفلا دمرت عليهم ودمدمتهم أو قطعت أيديهم فلما أكثرت على الضحاك قال لها مع عتوه يا هذه إنك لم تفكري في شئ إلا وقد سبقت إليه إلا أن القوم بدهونى بالحق وفزعونى به فلما هممت بالسطوة بهم والوثوب عليهم تخيل الحق فمثل بينى وبينهم بمنزلة الجبل فما أمكننى فيهم شئ ثم سكتها وأخرجها ثم جلس لاهل النواحى بعد أيام فوفى لهم بما وعدهم وردهم وقد لان لهم وقضى أكثر حوائجهم ولا يعرف للضحاك فيما ذكر فعلة استحسنت غير هذه وقد ذكر أن عمر الاجد هاق هذا كان ألف سنة وأن ملكه منها كان ستمائة سنة وأنه كان في باقى عمره شبيها بالملك لقدرته ونفوذ أمره وقال بعضهم إنه ملك ألف سنة وكان عمره ألف سنة ومائة سنة إلى أن خرج عليه أفريذون فقهره وقتله وقال بعض علماء الفرس لا نعلم أحدا كان أطول عمرا ممن لم يذكر عمره في التوراة من الضحاك هذا ومن جامر بن يافث ابن نوح أبى الفرس فإنه ذكر أن عمره كان ألف سنة * وإنما ذكرنا خبر بيوراسب في هذا الموضع لان بعضهم يزعم أن نوحا عليه السلام كان في زمانه وأنه إنما كان أرسل إليه وإلى من كان في مملكته ممن دان بطاعته واتبعه على ما كان عليه من العتو والتمرد على الله فذكرنا إحسان الله وأياديه عند نوح عليه السلام بطاعته ربه وصبره على ما لقى فيه من الاذى والمكروه في عاجل الدنيا بأن نجاه ومن آمن معه واتبعه من قومه وجعل ذريته هم الباقين في الدنيا وأبقى له ذكره بالثناء الجميل مع ما ذخر له عنده في الآجل من النعيم المقيم والعيش الهنئ وإهلاكه الآخرين بمعصيتهم إياه وتمردهم عليه وخلافهم أمره فسلبهم ما كانوا فيه من النعيم وجعلهم عبرة وعظة للغابرين مع ما ذخر لهم عنده في الآجل من العذاب الاليم * ونرجع الآن إلى ذكر نوح عليه السلام والخبر عنه وعن ذريته إذ كانوا هم الباقين اليوم كما أخبر الله عنهم وكان الآخرون الذين بعث نوح إليهم خلا ولده ونسله قد بادوا وذريتهم فلم يبق منهم ولا من أعقابهم أحد قد ذكرنا قبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في قول الله عزوجل " وجعلنا

[ 139 ]

ذريته هم الباقين " أنهم سام وحام ويافث * حدثنى محمد بن سهل ابن عسكر قال حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال حدثنا عبد الصمد بن معقل قال سمعت وهب بن منبه يقول إن سام بن نوح أبو العرب وفارس والروم وإن حام أبو السودان وإن يافث أبو الترك وأبو يأجوج ومأجوج وهو بنو عم الترك وقيل كانت زوجة يافث أربسيسة بنت مرازيل بن الدرمسيل بن محويل بن خنوخ ابن قين بن آدم عليه السلام فولدت له سبعة نفر وامرأة فممن ولدت له من الذكور جومر بن يافث وهو فيما حدثنا ابن حميد حدثنا سلمة عن ابن إسحاق أبو يأجوج ومأجوج ومارح بن يافث ووائل بن يافث وحوان بن يافث وتوبيل بن يافث وهوشل ابن يافث وترسل بن يافث وشبكة بنت يافث قال فمن بنى يافث كانت يأجوج ومأجوج والصقالبة والترك فيما يزعمون وكانت امرأة حام بن نوح نحلب بنت مارب بن الدرمسيل بن محويل بن خنوخ بن قين بن آدم فولدت له ثلاثة نفر كوش بن حام بن نوح وقوط بن حام وكنعان بن حام فنكح كوش بن حام ابن نوح قرنبيل ابنة بتأويل بن ترس بن يافث فولدت له الحبشة والسند والهند فيما يزعمون ونكح قوط بن حام بن نوح بخت ابنة بتأويل ابن ترس بن يافث بن نوح فولدت له القبط قبط مصر فيما يزعمون ونكح كنعان بن حام بن نوح أرسل ابنة بتأويل بن ترس بن يافث بن نوح فولدت له الاساود نوبة وفزان والزنج والزغاوة وأجناس السودان كلها * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق في الحديث قال ويزعم أهل التوراة أن ذلك لم يكن إلا عن دعوة دعاها نوح على ابنه حام وذلك أن نوحا نام فانكشف عن عورته فرآها حام فلم يغطها ورآها سام ويافث فألقيا عليها ثوبا فواريا عورته فلما هب من نومته علم ما صنع حام وسام ويافث فقال ملعون كنعان بن حام عبيدا يكونون لاخوته وقال يبارك الله ربى في سام ويكون حام عبد أخويه ويقرض الله يافث ويحل في مساكن سام ويكون حام عبد ا لهم قال وكانت امرأة بن نوح صليب ابنة بتأويل بن محويل بن خنوخ بن قين بن آدم فولدت له نفرا أفخشد بن سام واشوذ بن سام بن

[ 140 ]

ولاوذ بن سام وعويلم بن سام وكان لسام أرم بن سام قال ولا أدرى أرم لام أرفخشد وإخوته أم لا * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرني هشام بن محمد قال أخبرني أبى عن أبى صالح عن ابن عباس قال لما ضاقت ولد نوح سوق ثمانين تحولوا إلى بابل فبنوها وهى بين الفرات والصراة وكانت اثنى عشر فرسخا في اثنى عشر فرسخا وكان بابها موضع دوران اليوم فوق جسر الكوفة يسرة إذا عبرت فكثروا بها حتى بلغوا مائة ألف وهم على الاسلام * ورجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق فنكح لاوذ بن سام بن نوح شبكة ابنة يافث بن نوح فولدت له فارس وجرجان واجناس فارس وولد للاوذ مع الفرس طسم وعمليق ولا أدرى أهو لام الفرس أم لا فعمليق أبو العماليق كلهم أمم تفرقت في البلاد وكان أهل المشرق وأهل عمان وأهل الحجاز وأهل الشأم وأهل مصر منهم ومنهم كانت الجبابرة بالشأم الذين يقال لهم الكنعانيون ومنهم كانت الفراعنة بمصر وكان أهل البحرين وأهل عمان منهم أمة يسمون جاسم وكانوا ساكنو المدينة منهم بنو هف وسعد بن هزان وبنو مطر وبنو الازرق واهل نجد منهم بديل وراحل وغفار وأهل تيماء منهم وكان ملك الحجاز منهم بتيماء اسمه الارقم وكانوا ساكنى نجد مع ذلك وكان ساكنى الطائف بنو عبد بن ضخم حى من عبس الاول قال وكان بنو أميم بن لاوذ بن سام بن نوح أهل وبار بأرض الرمل رمل عالج وكانوا قد كثروا بها وربلوا فأصابتهم من الله عزوجل نقمة من معصية أصابوها فهلكوا وبقيت منهم بقية وهم الذين يقال لهم النسناس قال وكان طسم بن لاوذ ساكن اليمامة وما حولها قد كثروا بها وربلوا إلى البحرين فكانت طسم والعماليق واميم وجاسم قوما عربا لسانهم الذى جبلوا عليه لسان عربي وكانت فارس من أهل المشرق ببلاد فارس يتكلمون بهذا اللسان الفارسى قال وولد إرم بن سام بن نوح عوص بن إرم وغاثر بن ارم وحويل ابن ارم فولد عوص بن ارم غاثر بن عوص وعاد بن عوص وعبيل بن عوص وولد غاثر بن ارم ثمود بن غاثر وجديس بن غاثر وكانوا قوما عربا يتكلمون

[ 141 ]

بهذا اللسان المضرى فكانت العرب تقول لهذه الامم العرب العاربة لانه لسانهم الذى جبلوا عليه ويقولون لبنى اسماعيل بن ابراهيم العرب المتعربة لانهم إنما تكلموا بلسان هذه الامم حين سكنوا بين أظهرهم فعاد وثمود والعماليق واميم وجاسم وجديس وطسم هم العرب فكانت عاد بهذه الرمل إلى حضرموت واليمن كله وكانت ثمود بالحجر بين الحجاز والشأم إلى وادى القرى وما حوله ولحقت جديس بطسم فكانوا معهم باليمامة وما حولها إلى البحرين واسم اليمامة إذ ذاك جو وسكنت جاسم عمان فكانوا بها * وقال غير ابن اسحاق أن نوحا دعا لسام بأن يكون الانبياء والرسل من ولده ودعا ليافث بأن يكون الملوك من ولده وبدأ بالدعاء ليافث وقدمه في ذلك على سام ودعا على حام بأن يتغير لونه ويكون ولده عبيدا لولد سام ويافث قال وذكر في الكتب أنه رق على حام بعد ذلك فدعا له بان يرزق الرأفة من إخوته ودعا من ولد ولده لكوش بن حام ولجامر بن يافث بن نوح وذلك أن عدة من ولد الولد لحقوا نوحا فخدموه كما خدمه ولده لصلبه فدعا لعدة منهم قال فولد لسام عابر وعليم وأشوذ وأرفخشد ولاوذ وارم وكان مقامه بمكة قال فمن ولد ارفخشد الانبياء والرسل وخيار الناس والعرب كلها والفراعنة بمصر ومن ولد يافث بن نوح ملوك الاعاجم كلها من الترك والخزر وغيرهم والفرس الذين آخر من ملك منهم يزدجرد بن شهريار بن أبرويز ونسبه ينتهى إلى جيومرت بن يافث بن نوح قال ويقال إن قوما من ولد لاوذ بن سام بن نوح وغيره من اخوته نزعوا إلى جامر هذا فأدخلهم جامر في نعمته ملكه وان منهم ماذى بن يافث وهو الذى تنسب السيوف الماذية إليه قال وهو الذى يقال إن كيرش الماوذى قال بلشصر ابن أو لمرودخ بن بختنصر من ولده قال ومن ولد حام بن نوح النوبة والحبشة وفزان والهند والسند وأهل السواحل في المشرق والمغرب قال ومنهم نمرود وهو نمرود بن كوش بن حام قال وولد لارفخشد بن سام ابنه قينان ولا ذكر له في التوراة وهو الذى قيل إنه لم يستحق أن يذكر في الكتب المنزلة لانه كان

[ 142 ]

ساحرا وسمى نفسه إلها فسيقت المواليد في التوراة على أرفخشد بن سام ثم على شالخ ابن قينان بن أرفخشد من غير أن يذكر قينان في النسب لما ذكر من ذلك قال وقيل في شالخ إنه شالخ بن أرفخشد من ولد لقينان وولد لشالخ عابر وولد لعابر ابنان أحدهما فالغ ومعناه بالعربية قاسم وإنما سمى بذلك لان الارض قسمت والالسن تبلبلت في أيامه وسمى الآخر قحطان فولد لقحطان يعرب ويقطان ابنا قحطان بن عابر بن شالخ فنزلا أرض اليمن وكان قحطان أول من ملك اليمن وأول من سلم عليه بأبيت اللعن كما كان يقال للملوك وولد لفالغ بن عابر أرغوا وولد لارغوا ساروغ وولد لسارغ ناحورا وولد لناحورا تارخ واسمه بالعربية آزر وولد لتارخ إبراهيم صلوات الله عليه وولد لارفخشد أيضا نمرود بن أرفخشد وكان منزله بناحية الحجر وولد للاوذ بن سام طسم وجديس وكان منزلهما اليمامة وولد للاوذ أيضا عمليق بن لاوذ وكان منزله الحرم واكناف مكة ولحق بعض ولده بالشام فمنهم كانت العماليق ومن العماليق الفراعنة بمصر وولد للاوذ أيضا أميم بن لاوذ بن سام وكان كثير الولد فنزع بعضهم إلى جامر بن يافث بالمشرق وولد لارم بن سام عوض ابن أرم وكان منزله الاحقاف وولد لعوص عاد بن عوص وأما حام بن نوح فولد له كوش ومصرايم وقوط وكنعان فمن ولد كوش نمرود المتجبر الذى كان ببابل وهو نمرود بن كوش بن حام وصارت بقية ولد حام بالسواحل من المشرق والمغرب والنوبة والحبشة وفزان قال ويقال إن مصرايم ولد القبط والبربر وإن قوطا صار إلى أرض السند والهند فنزلها وإن أهلها من ولده وأما يافث بن نوح فولد له جامر وموعع وموداى ويوان وثوبال وما شج وتيرش ومن ولد جامر ملوك فارس ومن ولد تيرش الترك والخزر ومن ولد ما شج الاشبان ومن ولد موعع يأجوج ومأجوج وهم في شرقي أرض الترك والخزر ومن ولديوان الصقالبة وبرجان والاشبان كانوا في القديم بأرض الروم قبل أن يقع بها من وقع من ولد العيص وغيرهم وقصد كل فريق من هؤلاء الثلاثة سام وحام ويافث أرضا فسكنوها ودفعوا غيرهم عنها * حدثنى الحارث بن

[ 143 ]

محمد قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا هشام بن محمد بن السائب عن أبيه عن أبى صالح عن ابن عباس قال أوحى الله إلى موسى عليه السلام إنك يا موسى وقومك وأهل الجزيرة وأهل العال من ولد سام بن نوح وقال ابن عباس والعرب والفرس والنبط والهند والسند من ولد سام بن نوح * حدثنى الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا هشام بن محمد عن أبيه قال الهند والسند بنو نوقين بن يقطن بن عابر ابن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح ومكران بن البند وجرهم اسمه هذرم بن عابر ابن سباء بن يقطن بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح وحضرموت بن يقطن ابن عابر ابن شالخ ويقطن هو قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن سام بن نوح في قول من نسبه إلى غير إسماعيل والفرس بنو فارس ابن نبرس بن ناسور بن نوح والنبط بنو نبيط بن ماش بن إرم بن سام بن نوح وأهل الجزيرة والعال من ولد ماش بن إرم بن سام بن نوح وعمليق وهو عريب وطسم وأميم بنولوذ بن سام بن نوح وعمليق هو أبو العمالقة ومنهم البربر وهو بنو ثميلا بن مارب بن فاران بن عمرو بن عمليق بن لوذ بن سام بن نوح ما خلا صنهاجة وكتامة فإنهما بنو فريقيش بن قيس ابن صيفي بن سبإ ويقال إن عمليق أول من تكلم بالعربية حين ظعنوا من بابل فكان يقال لهم ولجرهم العرب العاربة وثمود وجديس ابنا عابر بن إرم بن سام ابن نوح وعاد وعبيل ابنا عوص بن إرم بن سام بن نوح والروم بنو لنطى بن يونان ابن يافث بن نوح ونمرود بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح وهو صاحب بابل وهو صاحب إبراهيم خليل الرحمن صلى الله عليه وسلم قال وكان يقال لعاد في دهرهم عاد إرم فلما هلكت عاد قيل لثمود إرم فلما هلكت ثمود قيل لسائر بنى إرم إرمان فهم النبط فكل هؤلاء كان على الاسلام وهم ببابل حتى ملكهم نمرود بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح فدعاهم إلى عبادة الاوثان ففعلوا فأمسوا وكلامهم السريانية ثم أصبحوا وقد بلبل الله ألسنتهم فجعل لا يعرف بعضهم كلام بعص فصار لبنى سام ثمانية عشر لسانا ولبنى حام ثمانية عشر لسانا ولبنى يافث ستة وثلاثون لسانا ففهم الله العربية عادا وعبيل وثمود وجديس وعمليق

[ 144 ]

وطسم وأميم وبنى يقطن بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح * وكان الذى عقد لهم الالوية ببابل بو ناظر بن نوح وكان نوح فيما حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرني هشام قال أخبرني أبى عن أبى صالح عن ابن عباس تزوج امرأة من بنى قابيل فولدت له غلاما فسماه بوناظر فولده بمدينة بالمشرق يقال لها معلون شمسا فنزل بنو سام المجدل سرة الارض وهو ما بين ساتيدما إلى البحر وما بين اليمن إلى الشأم وجعل الله النبوة والكتاب والجمال والادمة والبياض فيهم ونزل بنو حام مجرى الجنوب والدبور ويقال لتلك الناحية الداروم وجعل الله فيهم أدمة وبياضا قليلا وأعمر بلادهم وسماءهم ورفع عنهم الطاعون وجعل في أرضهم الاثل والاراك والعشر والغاف والنخل وجرت الشمس والقمر في سمائهم ونزل بنو يافث الصفون مجرى الشمال والصبا وفيهم الحمرة والشقرة وأخلى الله أرضهم وأشد بردها وأخلى سماءم فليس يجرى فوقهم شئ من النجوم السبعة الجارية لانهم صار واتحت بنات نعش والجدى والفرقدين فابتلوا بالطاعون ثم لحقت عاد بالشحر فعليه هلكوا بواد يقال له مغيث فلحقهم بعد مهرة بالشحر ولحقت عبيل بموضع يثرب ولحقت العماليق بصنعاء قبل أن تسمى صنعاء ثم انحدر بعضهم إلى يثرب فأخرجوا منها عبيلا فنزلوا موضع الجحفة فأقبل السيل فاجتحفهم فذهب بهم فسميت الجحفة ولحقت ثمود بالحجر وما يليه فهلكوا ثم ولحقت طسم وجديس باليمامة فهلكوا ولحقت أميم بأرض أبار فهلكوا بها وهى بين اليمامة والشحر ولا يصل إليها اليوم أحد غلبت عليها الجن وإنما سميت أبار بأبار ابن أميم ولحقت بنو يقطن بن عابر باليمن فسميت اليمن حيث تيامنوا إليها ولحق قوم من بنى كنعان بالشأم فسميت الشأم حيث تشاءموا إليها وكانت الشأم يقال لها أرض بنى كنعان ثم جاءت بنو إسرائيل فقتلوهم بها ونفوهم عنها فكانت الشأم لبنى إسرائيل ثم وثبت الروم على بنى إسرائيل فقتلوهم وأجلوهم إلى العراق إلا قليلا منهم ثم جاءت العرب فغلبوا على الشأم وكان فالغ وهو فالغ بن عابر بن أرفخشد ابن سام بن نوح هو الذى قسم الارض بين بنى نوح كما سمينا * وأما الاخبار عن

[ 145 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن علماء سلفنا في أنساب الامم التى هي في الارض اليوم فعلى ما حدثنى أحمد بن بشير بن أبى عبد الله الوراق قال حدثنا يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة عن الحسن عن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سام أبو العرب ويافث أبو الروم وحام أبو الحبش * حدثنى القاسم بن بشر بن معروف قال حدثنا روح قال حدثنا سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ولد نوح ثلاثة سام وحام ويافث فسام أبو العرب وحام أبو الزنج ويافث أبو الروم * حدثنا أبو كريب قال حدثنا عثمان بن سعيد قال حدثنا عباد بن العوام عن سعيد عن قتادة عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سام أبو العرب ويافث أبو الروم وحام أبو الحبش * حدثنى عبد الله بن أبى زياد قال حدثنى روح قال حدثنى سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ولد نوح سام وحام ويافث قال عبد الله قال روح احفظ يافث وسمعت مرة يافث وقد روى هذا الحديث عن عبد الاعلى بن عبد الاعلى عن سعيد عن قتادة عن الحسن عن سمرة وعمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم * حدثنى عمران بن بكار الكلاعى قال حدثنا أبو اليمان قال حدثنا إسماعيل بن عياش عن يحيى بن سعيد قال سمعت سعيد بن المسيب يقول ولد نوح ثلاثة وولد كل واحد ثلاثة سام وحام ويافث فولد سام العرب وفارس والروم وفى كل هؤلاء خير وولد يافث الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج وليس في واحد من هؤلاء خير وولد حام القبط والسودان والبربر وروى عن ضمرة بن ربيعة عن ابن عطاء عن أبيه قال ولد حام كل أسود جعد الشعر وولد يافث كل عظيم الوجه صغير العينين وولد سام كل حسن الوجه حسن الشعر قال ودعا نوح على حام ألا يعدو شعر ولده آذانهم وحيث ما لقى ولده ولد سام استعبدوهم وزعم أهل التوراة أن سام ولد لنوح بعد أن مضى من عمره خمسمائة سنة ثم ولد لسام أرفخشد بعد أن مضى من عمر سام مائة سنة وسنتان فكان جميع عمر سام فيما زعموا ستمائة سنة ثم ولد

[ 146 ]

لا رفخشد قينان وكان عمر أرفخشد أربعمائة سنة وثمانيا وثلاثين سنة وولد قينان لارفخشد بعد أن مضى من عمره خمس وثلاثون سنة ثم ولد لقينان شالخ بعد أن مضى من عمره تسع وثلاثون سنة ولم يذكر مدة عمر قينان في الكتب فيما ذكر لما ذكرنا من أمره قبل ثم ولد لشالخ عابر بعد أن مضى من عمرة ثلاثون سنة كان عمر شالخ كله أربعمائة سنة وثلاثا وثلاثين سنة ثم ولد لعابر فالغ وأخوه قحطان وكان مولد فالغ بعد الطوفان بمائة وأربعين سنة فلما كثر الناس بعد ذلك مع قرب عهدهم بالطوفان هموا ببناء مدينة تجمعهم فلا يتفرقون أو صرح عال يحرزهم من الطوفان إن كان مرة أخرى فلا يغرقون فأراد الله عزوجل أن يوهن أمرهم ويخلف ظنهم ويعلمهم أن الحول والقوة له وبددهم وشتت جمعهم وفرق ألسنتهم وكان عمر عابر أربعمائة سنة وأربعا وسبعين سنة ثم ولد لفالغ أرغوا وكان عمر فالغ مائتين وتسعا وثلاثين سنة وولد أرغوا لفالغ وقد مضى من عمره ثلاثون سنة ثم ولد لارغوا ساروغ وكان عمر أرغوا مائتين وتسعا وثلاثين سنة وولد له ساروغ بعد ما مضى من عمره اثنتان وثلاثون سنة ثم ولد لساروغ ناحور وكان عمر ساروغ مائتين وثلاثين سنة وولد له ناحور وقد مضى من عمره ثلاثون سنة ثم ولد لناحور تارخ أبو ابراهيم صلوات الله عليه وكان هذا الاسم اسمه الذى سماه أبو ه فلما صار مع نمرود قيما على خزانة آلهته سماه آزر وقد قيل إن آزر ليس باسم أبيه وإنما هو اسم صنم فهذا قول يروى عن مجاهد وقد قيل إنه عيب عابه به بمعنى معوج بعد ما مضى من عمر ناحور سبع وعشرون سنة وكان عمر ناحور كله مائتين وثمانيا وأربعين سنة وولد لتارخ ابراهيم وكان بين الطوفان ومولد إبراهيم ألف سنة وتسع وسبعون سنة وكان بعض أهل الكتاب يقول كان بين الطوفان ومولد ابراهيم ألف سنة ومائتا سنة وثلاث وستون سنة وذلك بعد خلق آدم بثلاثة وثلثمائة سنة وسبع وثلاثين سنة وولد لقحطان بن عابر يعرب فولد يعرب يشجب بن يعرب فولد يشجب سبابن يشجب فولد سبأ حمير بن سبإ وكهلان بن سبإ وعمرو بن سبإ والاشعر

[ 147 ]

ابن سبإ وأنما بن سبإ ومر بن سبإ وعاملة بن سبإ فولد عمرو بن سبإ عدى ابن عمرو فولد عدى لحم بن عدى وجذام بن عدى * وقد زعم بعض نسابى الفرس أن نوحا هو افريذون الذى قهر الازدهاق وسلبه ملكه وزعم بعضهم أن أفريذون هو ذو القرنين صاحب ابراهيم عليه السلام الذى قضى له ببئر السبع الذى ذكر الله في كتابه وقال بعضهم هو سليمان بن داود وإنما ذكرته في هذا الموضع لما ذكرت فيه من قول من قال إنه نوح وأن قصته شبيهة بقصة نوح في أولاد له ثلاثة وعدله وحسن سيرته وهلاك الضحاك على يده وأنه قيل إن هلاك الضحاك كان على يد نوح حين أرسل في قول من ذكرت وأن نوحا إنما كان أرسل إلى قومه وهم كانوا قوم الضحاك * فأما الفرس فإنهم ينسبونه النسبة التى أنا ذاكرها وذلك أنهم يزعمون أن افريذون من ولد جم شاذ الملك الذى قتله الازدهاق على ما قد بينا من أمره قبل وأن بينه وبين جم عشرة آباء * وقد حدثت عن هشام بن محمد بن السائب قال بلغنا أن أفريذون وهو من نسل جم الملك الذى كان من قبل الضحاك قال ويزعمون أنه التاسع من ولده وكان مولده بدنباوند خرج حتى ورد منزل الضحاك فأخذه فأوثقه وملك مائتي سنة ورد المظام وأمر الناس بعبادة الله والانصاف والاحسان ونظر إلى ما كان الضحاك غصب الناس من الارضين وغيرها فرد ذلك كله على أهله إلا ما لم يجد له أهلا فإنه وقفه على المساكين والعامة قال ويقال إنه أول من سمى الصوافى وأول من نظر في الطب والنجوم وأنه كان له ثلاثة بنين اسم الاكبر سرم والثانى طوج والثالث ايرج وأن افريذون تخوف أن لا يتفق بنوه وأن يبغى بعضهم على بعض فقسم ملكه بينهم ثلاثا وجعل ذلك في سهام كتب أسماءهم عليها وأمر كل واحد منهم فأخذ سهما فصارت الروم وناحية المغرب لسرم وصارت الترك والصين لطوج وصارت للثالث وهو ايراج العراق والهند فدفع التاج والسرير إليه ومات افريذون فوثب بايرج أخواه فقتلاه وملكان الارض بينهما ثلثمائة سنه قال والفرس تزعم أن لافريذون عشرة آباء كلهم يمسى اثفيان باسم واحد

[ 148 ]

قالوا وإنما فعلوا ذلك خوفا من الضحاك على أولادهم لرواية كانت عندهم بأن بعضهم يغلب الضحاك على ملكه ويدرك منه ثأر جم وكانوا يعربون ويميزون بألقاب لقبوها فكان يقال للواحد منهم اثفيان صاحب البقر الحمر واثفيان صاحب البقر البلق واثفيان صاحب البقر الكذا وهو أفريذون بن اثفيان بر كاو وتفسيره صاحب البقر الكثير ابن اثفيان نيككاو وتفسيره صاحب البقر الجيال ابن اثفيان سير كاو وتفسيره صاحب البقر السمان العظام ابن اثفيان بور كاو وتفسيره صاحب البقر التى بلون حمير الوحش ابن اثفيان أخشين كاو وتفسيره صاحب البقر الصفر ابن اثفيان سياه كاو وتفسيره صاحب البقر السود ابن ائفيان اسبيذ كاو وتفسيره صاحب البقر البيض ابن اثفيان كبر كاو وتفسيره صاحب البقر الرمادية ابن اثفيان رمين وتفسيره كل ضرب من الالوان والقطعان ابن اثفيان بنفر وسن بن جم الشاذ وقيل أن افريذون أول من سمى بالكيية فقيل له كى افريذون وتفسير الكيية أنها بمعنى التنزيه كما يقال روحاني يعنون به أن أمره أمر مخلص منزه يتصل بالروحانية وقيل إن معنى كى أي طالب الدخل ويزعم بعضهم أن كى من البهاء وأن البهاء تغشى افريذون حين قتل الضحاك وتذكر العجم من الفرس أنه كان رجلا جسيما وسيما بهيا مجربا وأن أكثر قتاله كان بالجرز وأن جرزه كان رأسه كرأس الثور وأنه ملك ابنه ايرج العراق ونواحيها كان في حياته وان أيام ايرج داخلة في ملك افريدون وأنه ملك الاقاليم كلها وتنقل في البلدان وأنه لما جلس على سريره يوم الملك قال نحن القاهرون بعون الله وتأييده للضحاك القامعون للشيطان وأحزابه ثم وعظ الناس فأمرهم بالتناصف وتعاطى الحق وبذل الخير بينهم وحثهم على الشكر والتمسك به ورتب سبعة من القوهياريين وتفسير ذلك محو لو الجبال سبع مراتب وصير إلى كل واحد منهم ناحية من دنباوند وغيرها على شبيه بالتمليك قالوا فلما ظفر بالضحاك قال له الضحاك لا تقتلني بجدك جم فقال له افريذون منكرا لقوله لقد سمت بك همتك وعظمت في نفسك حين قدرتها لهذا وطمعت لها فيه وأعلمه أن جده كان أعظم قدرا من

[ 149 ]

أن يكون مثله كفؤا له في القود وأعلمه أنه يقتله بثور كان في دار جده وقيل إن أفريذون أول من ذلل الفيلة وامتطاها ونتج البغال واتخذ الاوز والحمام وعالج الدرياق وقاتل الاعداء فقتلهم ونفاهم وأنه قسم الارض بين أولاده الثلاثة طوج وسلم وايرج فملك طوجا ناحية الترك والخزر والصين فكانوا يسمونها صين بغاو وجمع إليها النواحى التى اتصلت بها وملك سلما ابنه الثاني الروم والصقالبة والبرجان وما في حدود ذلك وجعل وسط الارض وعامرها وهو أقليم بابل وكانوا يسمونها خنارث بعد أن جمع إلى ذلك ما اتصل به من السند والهند والحجاز وغيرها لا يرج وهو الاصغر من بنيه الثلاثة وكان أحبهم إليه وبهذا السبب سمى إقليم بابل إيرانشهر وبه أيضا نشبت العداوة بين ولد افريذون وأولادهم بعد وصار ملوك خنارث والترك والروم إلى المحاربة ومطالبة بعضهم بعضا بالدماء والترات وقيل أن طوجا وسلما لما علما أن أباهما قد خص ايرج وقدمه عليهما أظهرا له البغضاء ولم يزل التحاسد ينمى بينهم إلى أن وثب طوج وسلم على أخيهما ايرج فقتلاه متعاونين عليه وأن طوجا رماه بوهق فخنقه فمن أجل ذلك استعملت الترك الوهق وكان لا يرج اثنان يقال لهما وندان واسطوانة وابنة يقال لها خوزك ويقال خوشك فقتل سلم طوج الاثنين مع أيهما وبقيت الابنة وقيل أن اليوم الذى غلب فيه افريذون الضحاك وكان روز مهر من مهرماه فاتخذ الناس ذلك اليوم عيدا لارتفاع بلية الضحاك عن الناس وسماه المهرجان فقيل أن افريذون كان جبارا عادلا في ملكه وكان طوله تسعة أرماح كل رمح ثلاثة أبو اع وعرض حجزته ثلاثة أرماح وعرض صدر أربعة أرماح وأنه كان يتبع من كان بقى بالسواد من آل نمرود والنبط وقصدهم حتى أتى على وجوههم ومحا أعلامهم وآثارهم وكان ملكه خمسمائة سنة

[ 150 ]

ذكر الاحداث التى كانت بين نوح وإبراهيم خليل الرحمن عليهما السلام قد ذكرنا قبل ما كان من أمر نوح عليه السلام وأمر ولده واقتسامهم الارض بعده ومساكن كل فريق منهم وأى ناحية سكن من البلاد كان ممن طغا وعتا على الله عزوجل بعد نوح فأرسل الله إليهم رسولا فكذبوه وتمادوا في غيهم فأهلكهم الله هذان الحيان من ارم بن سام بن نوح أحدهما عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح وهى عاد الاولى والثانى ثمود بن جاثر بن ارم بن سام بن نوح وهم كانوا العرب العاربة (فأما عاد) فإن الله عزوجل أرسل إليهم هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح ومن أهل الانساب من يزعم أن هودا هو عابر بن شالخ ابن ارفخشد بن سام بن نوح وكانوا أهل أوثان ثلاثة يعبدونها يقال لاحدهما صدا وللآخر صمود وللثالث الهباء فدعاهم إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة دون غيره وترك ظلم الناس فكذبوه وقالوا من أشد منا قوة فلم يؤمن بهود منهم إلا قليل فوعظهم هود إذ تمادوا في طغيانهم فقال لهم (أتبنون بكل ريع آية تعبثون: وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين. فاتقوا الله وأطيعون واتقوا الذى أمدكم بما تعلمون. أمدكم بأنعام وبنين. وجنات وعيون. إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم) فكان جوابهم له أن قالوا (سواء عليا أو عظت أم لم تكن من الواعظين) وقالوا له (يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء) فحبس الله عنهم فيما ذكر القطر سنين ثلاثا حتى جهدوا فأوفدوا وفد اليستسقوا لهم فكان من قصتهم ما حدثنا أبو كريب قال حدثنا أبو بكر بن عياش قال حدثنا عاصم عن أبى وائل عن الحارث بن حسان البكري قال قدمت على رسول الله

[ 151 ]

صلى الله عليه وسلم فمررت بامرأة بالربذة فقالت هل أنت حاملي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت نعم فحملتها حتى قدمت المدينة فدخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وإذا بلال متقلد السيف فإذا رايات سود قال قلت ما هذا قالوا عمرو بن العاص قدم من غزوته فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن منبره أتيته فاستأذنته فأذن لى فقلت يا رسول الله إن بالباب امرأة من بنى تميم قد سألتنى أن أحملها إليك قال يا بلال إئذن لها قال فدخلت فلما جلست قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم هل كان بينكم وبين تميم شئ قلت نعم وكانت الدبرة عليهم فان رأيت أن تجعل الدهناء بيننا وبينهم فعلت قال تقول المرأة فأين تضطر مضرك يا رسول الله قال قلت مثلى مثل معزى حملت حيفا قال قلت أو حملتك تكونين على خصما أعوذ بالله أن أكون كوفد عاد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما وفد عاد قال قلت على الخبير سقطت إن عاد اقحطت فبعثت من يستسقى لها فمروا على بكر بن معاوية بمكة يسقيهم الخمر وتغنيهم الجرادتان شهرا ثم بعثوا رجلا من عنده حتى أتى جبال مهرة فدعا فجاءت سحابات قال وكلما جاءت قال اذهبي إلى كذا حتى جاءت سحابة فنودى خذها رمادا رمددا لا تدع من عاد أحدا قال فسمعه وكتمهم حتى جاءهم العذاب قال أبو كريب قال أبو بكر بعد ذاك في حديث عاد قال فأقبل الذى أتاهم فأتى جبال مهرة فصعد فقال اللهم إنى لم أجئك لاسير فأفاديه ولا لمريض أشفيه فأسق عادا ما كنت مسقيه قال فرفعت له سحابا قال فنودى منها اختر فجعل يقول اذهبي إلى بنى فلان قال فمرت آخرها سحابة سوداء قال اذهبي إلى عاد قال فنودى منها خذها رمادا رمددا لا تدع من عاد أحدا قال وكتمهم والقوم عند بكر بن معاوية يشربون قال وكره بكر ابن معاوية أن يقول لهم من أجل أنهم عنده وأنهم في طعامه قال فأخذ في الغناء وذكرهم * حدثنا أبو كريب قال حدثنا زيد بن حباب قال حدثنا سلام أبو المنذر النحوي قال حدثنا عاصم عن أبى وائل عن الحارث بن يزيد البكري قال خرجت لا شكوا العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمررت بالربذة

[ 152 ]

فإذا عجوز منقطع بها من بنى تميم فقالت يا عبد الله إن لى إلى رسول الله حاجة فهل أنت مبلغي إليه قال فحملتها فقدمت المدينة قال أبو جعفر أظنه أنا قال فإذا رايات سود قال قلت ما شأن الناس قالوا يريدون أن يبعث بعمرو بن العاص وجها قال فجلست حتى فرغ قال فدخل منزله أو قال رحله فاستأذنت عليه فأذن لى قال فدخلت فقعدت فقال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم هل كان بينكم وبين تميم شئ قال قلت نعم وكانت الدبرة عليهم وقد مررت بالربذة فإذا عجوز منهم منقطع بها فسألتني أن أحملها إليك وها هي بالباب فأذن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخلت فقلت يا رسول الله اجعل بيننا وبين تميم الدهناء حاجزا فحميت العجوز واستوفزت وقالت فأين تضطر مضرك يا رسول الله قال قلت أنا كما قالوا معزى حملت حيفا حملت هذه ولا أشعر أنها كائنة لى خصما أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد قال وما وافد عاد قلت على الخبير سقطت قال وهو يستطعمنى الحديث قلت إن عادا قحطوا فبعثوا قيلا وافدا فنزل على بكر فسقاه الخمر شهرا وتغنيه جاريتان يقال لهما الجرادتان فخرج إلى جبال مهرة فنادى إنى لم أجئ لمريض فأداويه ولا لاسير فأفاديه اللهم أسق عادا ما كنت تسقيه فمرت به سحابات سود فنودى منها خذها رمادا رمددا لا تبقى من عاد أحدا قال فكانت المرأة تقول لا تكن كوافد عاد فما بلغني أنه أرسل عليهم من الريح يا رسول الله إلا قدر ما يجرى في خاتمي قال أبو وائل وكذلك بلغني * وأما ابن إسحق فإن قال كما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه أن عادا لما أصابهم من القحط ما أصابهم قالوا جهزوا منكم وفدا إلى مكة فيستسقوا لكم فبعثوا قيل بن عثر ولقيم بن هزال بن هزيل بن عتيل ابن ضد بن عاد الاكبر ومرثد بن سعد بن عفير وكان مسلما يكتم إسلامه وجلهمة ابن الخيبرى خال معاوية بن بكر أخا أمه ثم بعثوا لقمان بن عاد بن فلان بن فلان ابن ضد عاد الاكبر فانطلق كل رجل من هؤلاء القوم معه رهط من قومه حتى بلغ عدة وفدهم سبعين رجلا فلما قدموا مكة نزلوا على معاوية بن بكر وهم بظاهر مكة خارجا من الحرم فأنزلهم وأكرمهم وكانوا أخواله وصهره وكانت هزيلة

[ 153 ]

ابنة بكر أخت معاوية بن بكر لابيه وأمه كلهدة ابنة الخيبرى عند لقيم ولدت له عبيد بن لقيم بن هزال وعمرو بن لقيم بن هزال وعامر بن لقيم بن هزال وعمير ابن لقيم بن هزال فكانوا في أحوالهم بمكة عند آل معاوية بن بكر وهم عاد الاخيرة التى بقيت من عاد الاولى فلما نزل وفد عاد على معاية بن بكر أقاموا عنده شهرا يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان قينتان لمعاوية بن بكر وكان مسيرهم شهرا ومقامهم شهرا فلما رأى معاوية بن بكر طول مقامهم وقد بعثهم قومهم يتغوثون بهم من البلاء الذى أصابهم شق ذلك عليه فقال هلك أخوالى وأصهاري وهؤلاء مقيمون عندي وهم ضيفي نازلون على والله ما أدرى كيف أصنع بهم أستحى أن آمرهم بالخروج إلى ما بعثوا إليه فيظنوا أنه ضيق منى بمقامهم عندي وقد هلك من وراءهم من قومهم جهدا وعطشا أو كما قال فشكا ذلك من أمرهم إلى قينتيه الجرادتين فقالتا قل شعرا نغنيهم به لا يدرون من قاله لعل ذلك أن يحركهم فقال معاوية بن بكر حين أشارتا عليه بذلك ألا يا قيل ويحك قم فهينم * لعل الله يسقينا غماما فيسقى أرض عاد إن عادا * قد امسوا لا يبينون الكلاما من العطش الشديد فليس يرجى * به الشيخ الكبير ولا الغلاما وقد كانت نساؤهم بخير * فقد أمست نساؤهم عياما وإن الوحش تأتيهم جهارا * ولا تخشى لعادي سهاما وأنتم ههنا فيما اشتهيتم * نهاركم وليلكم التماما فقبح وفدكم من وفد قوم * ولا لقوا التحية والسلاما فلما قال معاوية ذلك الشعر غنتهم به الجرادتان فلما سمع القوم ما غنتا به قال بعضهم لبعض يا قوم إنما بعثكم قومكم يتغوثون بكم من هذا البلاء الذى نزل بهم وقد أبطأتم عليهم فادخلوا هذا الحرم فاستسقوا لقومكم فقال مرثد بن سعد ابن عفير إنكم والله لا تسقون بدعائكم ولكن إن أطعتم نبيكم وأنبتم إليه سقيتم نمأظهر إسلامه عند ذلك فقال لهم جلهمة بن الخيبرى خال معاوية بن بكير حين

[ 154 ]

سمع قوله وعرف أنه قد تبع دين هود وآمن به أبا سعد فإنك من قبيل * ذوى كرم وأمك من ثمود فإنا لن نطيعك ما بقينا * ولسنا فاعلين لما تريد أتأمرنا لنترك دين رفد * ورمل وآل ضد والعبود ونترك دين آباء كرام * ذوى رأى ونتبع دين هود ورفد ورمل ضد قبائل من عاد والعبود منهم ثم قال لمعاوية بن بكرو أبيه بكر احبسا عنا مرثد بن سعد فلا يقد من معنا مكة فإنه قداتبع دين هود وترك ديننا ثم خرجوا إلى مكة يستسقون بها لعاد فلما ولوا إلى مكة خرج مرثد بن سعد من منزل معاوية حتى أدركهم بها قبل أن يدعوا الله بشئ مما خرجوا له فلما انتهى إليهم قام يدعوا الله وبها وفد عاد قد اجتمعوا يدعون فقال اللهم أعطني سؤلى وحدي ولا تدخلني في شئ مما يدعوك به وفد عاد وكان قيل بن عنز رأس وفد عاد وقال وفد عاد اللهم أعط قيلا ما سألك واجعل سؤلنا مع سؤله وقد كان تخلف عن وفد عاد لقمان بن عاد وكان سيد عاد حتى إذا فرغوا من دعوتهم قال اللهم انى جئتك وحدي في حاجتى فاعطني سؤلى وقال قيل بن عنز حين دعايا إلهنا إن كان هود صادقا فاسقنا فانا قد هلكنا فأنشأ الله سحائب ثلاثا بيضاء وحمراء وسوداء ثم ناداه مناد من السحاب يا قيل اختر لنفسك وقومك من هذا السحاب فقال قد اخترت السحاب السوداء فانها أكثر السحاب ماء فناداه مناد اخترت رمادا ارمددا، لا تبقى من عاد احدا، لا والدا تترك ولا ولدا، إلا جعلته همدا، إلا بنى اللوذية المهدى وبنو اللوذية بنو لقيم بن هزال ابن هزيل بن هزيلة ابنة بكر كانوا سكانا بمكة مع اخوالهم لم يكونوا مع عاد بارضهم فهم عاد الآخرة ومن كان من نسلهم الذين بقوا من عاد وساق الله السحابة السوداء فيما يذكرون التى اختار قيل بن عنز بما فيها من النقمة إلى عاد حتى خرجت عليهم من واد لم يقال له المغيث ولما رأوها استبشروا بها وقالوا هذا عارض ممطرنا يقول الله عزوجل (بل هو ما استعجلتم به ريح فيها

[ 155 ]

عذاب أليم. تدمر كل شئ بأمر ربها) أي كل شئ أمرت به فكان أول من أبصر ما فيها عرف أنها ريح فيما يذكرون امرأة من عاد يقال لها مهدد لما تبينت ما فيها صاحت ثم صعقت فلما أفاقت قالوا ماذا رأيت يا مهدد قالت رأيت ريحا فيها كشهب النار أمامها رجال يقودونها فسخرها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما كما قال الله والحسوم الدائمة فلم تدع من عاد أحدا الا هلك فاعتزل هود فيما ذكر ومن معه من المؤمنين في حظيرة ما يصيبه ومن معه منها الا ما تلين عليه الجلود وتلتذ الانفس وانها لتمر من عاد بالطعن ما بين السماء والارض وتدمغهم بالحجارة وخرج وفد عاد من مكة حتى مروا بمعاوية بن بكر وأبيه فنزلوا عليه فبيناهم عنده إذ أقبل رجل على ناقة له في ليلة مقمرة مساء ثالثة من مصاب عاد فأخبرهم الخبر فقالوا فأين فارقت هودا واصحابه قال فارقتهم بساحل البحر فكأنم شكوا فيما حدثهم فقالت هزيلة ابنة بكر صدق ورب مكة * ومثوب بن يغفر بن أخى معاوية بن بكر معهم وقد كان قيل فيما يزعمون والله أعلم لمرثد بن سعد ولقمان بن عاد وقيل بن عنز حين دعوا بمكة قد أعطيتم مناكم فاختاروا لانفسكم الا انه لا سبيل إلى الخلد فانه لابد من الموت فقال مرثد بن سعد يا رب أعطني برا وصدقا فأعطى ذلك * وقال لقمان بن عاد اعطني عمرا فقيل له اختر لنفسك الا انه لا سبيل إلى الخلد * بقاء ابعار ضأن عفر في جبل وعر لا يلقى به الا القطرام سبعة انسر إذا مضى نسر خلوت إلى نسر فاختار لقمان لنفسه النسور فعمر فيما يزعمون عمر سبعة انسر يأخذ الفرخ حين يخرج من بيضته فيأخذ الذكر منها لقوته حتى إذا مات اخذ غيره فلم نزل يفعل ذلك حتى اتى على السابع وكان كل نسر فيما زعموا يعيش ثمانين سنة فلما لم يبق غير السابع قال بن أخ للقمان أي عم ما بقى من عمرك إلا عمر هذا النسر فقال له لقمان أي ابن أخى هذا لبد ولبد بلسانهم الدهر فلما أدرك نسر لقمان وانقضى عمره طارت النسور غداة من رأس الجبل ولم ينهض فيها لبد وكانت نسور لقمان تلك لا تغيب عنه انما هي تتعينه فلما لم ير لقمان لبدا نهض مع النسور نهض إلى الجبل لينظر ما فعل

[ 156 ]

لبد فوجد لقمان في نفسه وهنا لم يكن يجده قبل ذلك فلما انتهى إلى الجبل رأى نسره واقعا من بين النسور فناداه انهض لبد فذهب لبد لينهض فلم يستطع عريت قوادمه وقد سقطت فماتا جميعا وقيل لقيل بن عنز حين سمع ما قيل له في السحاب اختر لنفسك كما اختار صاحباك فقال أختار ان يصيبني ما أصاب قومي فقيل انه الهلاك قال لا أبالى لا حاجة لى في البقاء بعدهم فأصابه ما أصاب عادا من العذاب فهلك فقال مرثد بن سعد بن عفير حين سمع من قول الراكب الذى أخبر عن عاد بما أخبر من الهلاك عصت عاد رسولهم فأمسوا * عطاشا ما تبلهم السماء وسير وفدهم شهرا ليسقوا * فاردفهم مع العطش العماء بكفرهم بربهم جهارا * على آثار عادهم العفاء ألا نزع الاله حلوم عاد * فإن قلوبهم قفر هواء من الخبر المبين أن يعوه * وما تغنى النصيحة والشقاء فنفسي وابنتاي وأم ولدى * لنفس نبينا هود فداء أتانا والقلوب مصمدات * على ظلم وقد ذهب الضياء لنا صنم يقال له صمود * يقابله صداء والهباء فابصره الذين له أنابوا * وأدرك من يكذبه الشقاء فإنى سوف ألحق آل هود * وإخوته إذا جن المساء وقيل إن رئيسهم وكبيرهم في ذلك الزمان الخلجان * حدثنى العباس بن الوليد قال حدثنا ابى عن اسماعيل بن عياش عن محمد بن اسحاق قال لما خرجت الريح على عاد من الوادي قال سبعة رهط منهم احدهم الخلجان تعالوا حتى نقوم على شفير الوادي فنردها فجعلت الريح تدخل تحت الواحد منهم فتحمله ثم ترمى به فتندق عنقه فتتركهم كما قال الله عزوجل (صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية) حتى لم يبق منهم الا الخلجان فمال إلى الجبل فأخذ بجانب منه فهزه فاهتز في يده ثم انشأ يقول

[ 157 ]

لم يبق إلا الخلجان نفسه * يالك من يوم دهانى أمسه بثابت الوطئ شديد وطسه * لو لم يجئني جئته أجسه فقال له هود ويحك يا خلجان أسلم تسلم فقال له ومالى عند ربك أن أسلمت قال الجنة قال فما هؤلاء الذين أراهم في هذا السحاب كأنهم البخت قال هود تلك ملائكة ربى قال فإن أسلمت أيعيذني ربك منهم قال ويلك هل رأيت ملكا يعيذ من جنده قال لو فعل ما رضيت قال ثم جاءت الريح فألحقته بأصحابه أو كلاما هذا معناه * قال أبو جعفر فأهلك الله الخلجان وأفنى عادا خلا من بقى منهم ثم بادوا بعد ونجى الله هودا ومن آمن به وقيل كان عمر هود مائة سنة وخمسين سنة * حدثنا محمد ابن الحسين قال حدثنا أحمد بن المفضل قال حدثنا أسباط عن السدى قال (وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبد وا الله ما لكم من إله غيره) أن عادا أتاهم هود فوعظهم وذكرهم بما قص الله في القرآن فكذبوه وكفروا وسألوه أن يأتيهم العذاب فقال لهم (إنما العلم عند الله وأبلغكم ما ارسلت به) وإن عادا أصابهم حين كفروا قحط من المطر حتى جهدوا لذلك حهدا شديدا وذلك أن هودا دعا عليهم فبعث الله عليهم الريح العقيم وهى الريح التى لا تلقح الشجر فلما نظروا إليها قالوا هذا عارض ممطرنا فلما دنت منهم نظروا إلى الابل والرجال تطير بهم الريح بين السماء والارض فلما رأوها تبادروا إلى البيوت فلما دخلوا البيوت دخلت عليهم فأهلكتهم فيها ثم أخرجتهم من البيوت فاصابتهم في يوم نحس والنحس هو المشؤم مستمر استمر عليهم بالعذاب سبع ليال وثمانية أيام حسوما حسمت كل شئ مرت به فلما أخرجتهم من البيوت قال الله تبارك وتعالى (تنزع الناس) عن البيوت (كأنهم أعجاز نخل منقعر) انقعر من أصوله خاوية خوت فسقطت فلما أهلكهم الله أرسل عليهم طيرا سودا فنقلتهم إلى البحر فألقتهم فيه فذلك قوله عزوجل (فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم) ولم تخرج الريح قط الا بمكيال الا يومئذ فإنها عتت على الخزنة فغلبتهم فلم يعلموا كم كان مكيالها فذلك قوله (فاهلكوا بريح صرصر عاتية) والصرصر ذات الصوت الشديد * حدثنى محمد بن سهل

[ 158 ]

ابن عسكر قال حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال حدثنى عبد الصمد أنه سمع وهبا يقول إن عادا لما عذبهم الله بالريح التى عذبوا بها كانت تقلع الشجرة العظيمة بعروقها وتهدم عليهم بيوتهم فمن لم يكن في بيت هبت به الريح حتى تقطعه بالجبال فهلكوا بذلك كلهم. (وأما ثمود) فانهم عتوا على ربهم وكفروا به وأفسدوا في الارض فبعث الله إليهم صالح بن عبيد بن أسف بن ماسخ بن عبيد بن خادر بن ثمود بن جائر بن إرم ابن سام بن نوح رسولا يدعوهم إلى توحيد الله وافراده بالعبادة * وقيل صالح هو صالح بن أسف بن كماشج بن إرم بن ثمود بن جاثر بن إرم بن سام بن نوح فكان من جوابهم له أن قالوا (يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفى شك مما تدعونا إليه مريب) وكان الله عزوجل قد مدلهم في الاعمار وكانوا يسكنون الحجر إلى وادى القرى بين الحجاز والشام ولم يزل صالح يدعوهم إلى الله على تمردهم وطغيانهم فلا يزيدهم دعاؤه إياهم إلى الله إلا مباعدة من الاجابة فلما طال ذلك من أمرهم وأمر صالح قالوا له إن كنت صادقا فأتنا بآية فكان من أمرهم وأمره ما حدثنا الحسن بن يحيى قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا إسرائيل عن عبد العزيز بن رفيع عن أبى الطفيل قال قالت ثمود لصالح ائتنا بآية إن كنت من الصادقين قال فقال لهم صالح اخرجوا إلى هضبة من الارض فإذا هي تتمخض كما تتمخض الحامل ثم تفرجت فخرجت من وسطها الناقة فقال صالح عليه السلام (هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم) (لها شرب ولكم شرب يوم معلوم) فلما ملوها عقروها فقال لهم (تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب) قال عبد العزيز وحدثني رجل آخر أن صالحا قال لهم إن آية العذاب أن تصبحوا غدا حمرا واليوم الثاني صفرا واليوم الثالث سودا فصبحهم العذاب فلما رأوا ذلك تحنطوا واستعدوا * حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثنى حجاج عن أبى بكر بن عبد الرحمن عن ابن حوشب عن عمرو بن خارجة قال قلنا له

[ 159 ]

حدثنا حديث ثمود قال أحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمود كانت ثمود قوم صالح عمرهم الله عزوجل في الدنيا فاطال أعمارهم حتى جعل أحدهم يبنى المسكن من المدر فيتهدم والرجل منهم حى فلما رأوا ذلك اتخذوا من الجبال بيوتا فرهين فنحتوها وجابوها وجوفوها وكانوا في سعة من معايشهم فقالوا يا صالح ادع لنا ربك يخرج لنا آية نعلم أنك رسول الله فدعا صالح ربه فأخرج لهم الناقة فكان شربها يوما وشربهم يوما معلوما فإذا كان يوم شربها خلوا عنها وعن الماء وحلبوها لبنا ملاوا كل إناء ووعاء وسقاء فإذا كان يوم شربهم صرفوها عن الماء ولم تشرب منه شيئا فملا واكل إناء ووعاء وسقاء فأوحى الله عزوجل إلى صالح أن قومك سيعقرون ناقتك فقال لهم فقالوا ما كنا لنفعل قال ألا تعقروها أنتم أو شك أن يولد فيكم مولود يعقرها قالوا ما علامة ذلك المولود فوالله لا نجده الا قتلناه قال فإنه غلام أشقر أزرق أصهب أحمر قال فكان في المدينة شيخان عزيزان منيعان لاحدهما ابن يرغب له عن المناكح وللآخر ابنة لا يجد لها كفؤا فجمع بينهما مجلس فقال أحدهما لصاحبه ما يمنعك أن تزوج ابنك قال لا أجد له كفؤا قال فان ابنتى كفؤ له وإنما أزوجك فزوجه فولد منهما ذلك المولود وكان في المدينة ثمانية رهط يفسدون في الارض ولا يصلحون فلما قال لهم صالح انما يعقرها مولود فيكم اختاروا ثمانى نسوة قوابل من القرية وجعلوا معهن شرطا كانوا يطوفون في القرية فإذا وجدوا المرأة تمخض نظروا ما ولدها فإن كان غلاما قتلنه وإن كانت جارية أعرضن عنها فلما وجدوا ذلك المولود صرخن النسوة وقلن هذا الذى يريد رسول الله صالح فأراد الشرط أن يأخذوها فحال جداه بينه وبينهم وقالوا إن أراد صالح هذا قتلناه وكان شر مولود وكان يشب في اليوم شباب غيره في الجمعة ويشب في الجمعة شباب غيره في الشهر ويشب في الشهر شباب غيره في السنة فاجتمع الثمانية الذين يفسدون في الارض ولا يصلحون وفيهم الشيخان فقالوا استعمل علينا هذا الغلام لمنزلته وشرف جديه فصاروا تسعة وكان صالح عليه السلام لا ينام معهم في القرية بل كان في مسجد يقال له مسجد صالح فيه يبيت

[ 160 ]

بالليل فإذا أصبح أتاهم فوعظهم وذكرهم فإذا أمسى خرج إلى مسجده فبات فيه * قال حجاج قال ابن جريج لما قال لهم صالح عليه السلام إنه سيولد غلام يكون هلاكهم على يديه قالوا كيف تأمرنا قال آمركم بقتلهم فقتلوهم إلا واحدا قال فلما بلغ ذلك المولود قالوا لو كنا لم نقتل أولادنا لكان لكل واحد منا مثل هذا هذا عمل صالح فائتمروا بينهم بقتله وقالوا نخرج مسافرين والناس يروننا علانية ثم نرجع من ليلة كذا وكذا من شهر كذا وكذا فنرصده عند مصلاه فنقتله فلا يحسب الناس إلا أنا مسافرون كما نحن فأقبلوا حتى دخلوا تحت صخرة يرصدونه فأنزل الله عزوجل عليهم الصخرة فرضختهم فأصبحوا رضخا فانطلق رجال ممن قد اطلع على ذلك منهم فإذا هم رضخ فرجعوا يصيحون في القرية أي عباد الله أما رضى صالح أن أمرهم أن يقتلوا أولادهم حتى قتلهم فاجتمع أهل القرية على عقر الناقة أجمعون فأحجموا عنها إلا ذلك ابن العاشر * قال أبو جعفر ثم رجع الحديث إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم * قال فأرادوا أن يمكروا بصالح فمشوا حتى أتوا على سرب على طريق صالح فاختبأ فيه ثمانية فقالوا إذا خرج علينا قتلناه وأتينا أهله فبيتناهم فأمر الله عزوجل الارض فاستوت عليهم قال فاجتمعوا ومشوا إلى الناقة وهى على حوضها قائمة فقال الشقى لاحدهم ائتها فاعقرها فأتاها فتعاظمه ذلك فاضرب عن ذلك فبعث آخر فأعظم ذلك فجعل لا يبعث أحدا إلا تعاظمه أمرها حتى مشى إليها وتطاول وضرب عرقوبيها فوقعت تركض فأتى رجل منهم صالحا فقال أدرك الناقة فقد عقرت فأقبل فخرجوا يتلقونه ويعتذرون إليه يا نبى الله إنما عقرها فلان إنه لا ذنب لنا قال انظروا هل تدركون فصيلها فان أدركتموه فعسى الله أن يرفع عنكم العذاب فخرجوا يطلبونه فلما رأى الفصيل أمه تضطرب أتى جبلا يقال له القارة قصيرا فصعده وذهبوا ليأخذوه فأوحى الله عزوجل إلى الجبل فطال في السماء حتى ما تناله الطير قال ودخل صالح القرية فلما رآه الفصيل بكى حتى سالت دموعه ثم استقبل صالحا فرغا رغوة ثم رغا أخرى ثم رغا أخرى فقال صالح لكل رغوة أجل يوم تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد

[ 161 ]

غير مكذوب إلا أن آية العذاب أن اليوم تصبح وجوهكم مصفرة واليوم الثاني محمرة واليوم الثالث مسودة فلما أصبحوا إذا وجوههم كأنما طليت بالخلوق صغيرهم وكبيرهم ذكرهم وأنثاهم فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم ألا قد مضى يوم من الاجل وحضركم العذاب فلما أصبحوا اليوم الثاني إذا وجوههم محمرة كأنما خضبت بالدماء فصاحوا وضجوا وبكوا وعرفوا أنه العذاب * فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم ألا قد مضى يومان من الاجل وحضركم العذاب فلما أصبحوا اليوم الثالث فإذا وجوههم مسودة كأنما طليت بالقار فصاحوا جميعا ألا قد حضركم العذاب فتكفنوا وتحنطوا وكان حنوطهم الصبر والمقر وكانت أكفانهم الانطاع ثم ألقوا أنفسهم إلى الارض فجعلوا يقلبون أبصارهم إلى السماء مرة وإلى الارض مرة لا يدرون من حيث يأتيهم العذاب من فوقهم من السماء أو من تحت أرجلهم من الارض خشعا وفرقا فلما أصبحوا اليوم الرابع أتتهم صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة وصوت كل شئ له صوت في الارض فتقطعت قلوبهم في صدورهم فأصبحوا في ديارهم جاثمين * حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثنا حجاج عن ابن جريج قال حدثت أنه لما أخذتهم الصيحة أهلك الله من بين المشارق والمغارب منهم إلا رجلا واحدا كان في حرم الله منعه حرم الله من عذاب الله قيل ومن هو يا رسول الله قال أبو رغال وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتى على قرية ثمود لاصحابه لا يدخلن أحد منكم القرية ولا تشربوا من مائهم وأراهم مر تقى الفصيل حين ارتقى في القارة * قال ابن جريج وأخبرني موسى ابن عقبة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمران أن النبي صلى الله عليه وسلم حين أتى على قرية ثمود قال لا تدخلن على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم ما أصابهم قال ابن جريج قال جابر بن عبد الله إن النبي صلى الله عليه وسلم لما أتى على الحجر حمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فلا تسألوا رسولكم الآيات هؤلاء قوم صالح سألوا رسولهم الآية فبعث الله لهم الناقة فكانت ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج فتشرب ماءهم يوم وردها

[ 162 ]

* حدثنى اسماعيل بن المتوكل الاشجعى قال حدثنا محمد بن كثير قال حدثنا عبد الله ابن واقد عن عبد الله بن عثمان بن خثيم قال حدثنا أبو الطفيل لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزاة تبوك نزل الحجر فقال أيها الناس لا تسألوا نبيكم الآيات هؤلاء قوم صالح سألوا نبيهم أن يبعث لهم آية فبعث الله تعالى ذكره لهم الناقة آية فكانت تلج عليهم يوم وردها من هذا الفج فتشرب ماءهم ويوم وردهم كانوا يتزودون منه ثم يحلبونها مثل ما كانوا يتزودون من مائهم قبل ذلك لبنآ ثم تخرج من ذلك الفج فعتوا عن أمر ربهم وعقروها فوعدهم الله العذاب بعد ثلاثة أيام وكان وعدا من الله غير مكذوب فأهلك الله من كان منهم في مشارق الارض ومغاربها إلا رجلا واحدا كان في حرم الله فمنعه حرم الله من عذاب الله قالوا ومن ذلك الرجل يا رسول الله قال أبو رغال * فأما أهل التوراة فإنهم يزعمون أنه لا ذكر لعاد وثمود ولا لهود وصالح في التوراة وأمرهم عند العرب في الشهرة في الجاهلية والاسلام كشهرة ابراهيم وقومه * قال ولو لا كراهة إطالة الكتاب بما ليس من جنسه لذكرت من شعر شعراء الجاهلية الذى قيل في عاد وثمود وأمورهم بعض ما قيل ما يعلم به من ظن خلاف ما قلنا في شهرة أمرهم في العرب صحة ذلك ومن أهل العلم من يزعم أن صالحا عليه السلام توفى بمكة وهو ابن ثمان وخمسين سنة وأنه أقام في قومه عشرين سنة * قال أبو جعفر نرجع الآن إلى ذكر ابراهيم خليل الرحمن عليه السلام وذكر من كان في عصره من ملوك العجم إذ كنا قد ذكرنا من بينه وبين نوح من الآباء وتأريخ السنين التى مضت قبل ذلك وهو ابراهيم بن تارخ بن ناحور ابن ساروغ بن ارغوا بن فالغ بن عابر بن شالخ بن قينان بن أرفخشد بن سام بن نوح واختلف في الموضع الذى كان منه والموضع الذى ولد فيه فقال بعهضم كان مولده بالسوس من أرض الاهواز وقال بعضهم كان مولده ببابل من أرض السواد وقال بعضهم كان بالسواد بناحية كوثى وقال بعضهم كان مولده بالوركاء بناحية

[ 163 ]

الزوابى وحدود كسكر ثم نقله أبو ه إلى الموضع الذى كان به نمرود من ناحية كوثى وقال بعضهم كان مولده بحران ولكن أباه تارخ نقله إلى أرض بابل وقال عامة السلف من أهل العلم كان مولد إبراهيم عليه السلام في عهد نمرود ابن كوش ويقول عامة أهل الاخبار كان نمرود عاملا للازدهاق الذى زعم بعض من زعم أن نوحا عليه السلام كان مبعوثا إليه على أرض بابل وما حولها وأما جماعة من سلف العلماء فإنهم يقولون كان ملكا برأسه واسمه الذى هو اسمه فيما قيل زرهى بن طهماسفان * وقد حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق فيما ذكر لنا والله أعلم أن آزر كان رجلا من أهل كوثى من قرية بالسواد سواد الكوفة وكان إذ ذاك ملك المشرق لنمرود الخاطئ وكان يقال له الهاصر وكان ملكه فيما يزعمون قد أحاط بمشارق الارض ومغاربها وكان ببابل قال وكان ملكه وملك قومه بالمشرق قبل ملك فارس قال ويقال لم يجتمع ملك الارض ولم يجتمع الناس على ملك واحد إلا على ثلاثة ملوك نمرود ابن ارغو وذى القرنين وسليمان بن داود * وقال بعضهم نمرود هو الضحاك نفسه * حدثت عن هشام بن محمد قال بلغنا والله أعلم أن الضحاك هو نمرود وأن إبراهيم خليل الرحمن ولد في زمانه وأنه صاحبه الذى أراد إحراقه * حدثنى موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدى في خبر ذكره عن أبى صالح وعن أبى مالك عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إن أول ملك ملك في الارض شرقها وغربها نمرود بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح وكانت الملوك الذين ملكوا الارض كلها أربعة نمرود سليمان بن داود وذو القرنين وبخت نصر مؤمنان وكافران * وقال ابن اسحاق فيما حدثنى ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق فلما أراد الله عزوجل أن يبعث إبراهيم عليه السلام خليل الرحمن حجة على قومه ورسولا إلى عباده ولم يكن فيما بين نوح وابراهيم عليهما السلام من نبى قبله إلا هود وصالح فلما تقارب زمان ابراهيم الذى أراد الله تعالى

[ 164 ]

ذكره ما أراد أتى أصحاب النجوم نمرود فقالوا له تعلم أنا نجد في علمنا أن غلاما يولد في قريتك هذه يقال له ابراهيم يفارق دينكم ويكسر أو ثانكم في شهر كذا وكذا من سنة كذا وكذا فلما دخلت السنة التى وصف أصحاب النجوم لنمرود بعث نمرود إلى كل امرأة حبلى بقريته فحبسها عنده إلا ما كان من أم إبراهيم عليه السلام امرآة آزر فإنه لم يعلم بحبلها وذلك أنها كانت جاريه حدثة فيما يذكر لم يعرف الحبل في بطنها فجعل لا تلد امرأة غلاما في ذلك الشهر من تلك السنة إلا أمر به فذبح فلما وجدت أم إبراهيم الطلق خرجت ليلا إلى مغارة كانت قريبا منها فولدت فيها إبراهيم عليه السلام وأصلحت من شأنه ما يصنع بالمولود ثم سدت عليه المغارة ثم رجعت إلى بيتها ثم كانت تطالعه في المغارة لتنظر ما فعل فتجده حيا يمص إبهامه يزعمون والله أعلم أن الله جعل رزق إبراهيم عليه السلام فيها ما يجيئه من مصه وكان آزر فيما يزعمون قد سأل أم ابراهيم عن حملها ما فعل فقالت ولدت غلاما فمات فصدقها فسكت عنها وكان اليوم فيما يذكرون على إبراهيم في الشباب كالشهر والشهر كالسنة ولم يمكث إبراهيم عليه السلام في المغارة إلا خمسة عشر شهرا حتى قال لامه أخرجيني أنظر فأخرجته عشاء فنظر وتفكر في خلق السموات والارض وقال إن الذى خلقني ورزقني وأطعمني وسقاني لربى مالى إله غيره ثم نظر في السماء ورأى كوكبا فقال هذا ربى ثم اتبعه ينظر إليه ببصره حتى غاب فلما أفل قال لا أحب الآفلين ثم أطلع القمر فرآه بازغا قال هذا ربى ثم اتبعه ببصره حتى غاب فلما افل قال لئن لم يهدنى ربى لا كونن من القوم الضالين فلما دخل عليه النهار وطلعت الشمس رأى عظم الشمس ورأى شيئا هو أعظم نورا من كل شئ رآه قبل ذلك فقال هذا ربى هذا أكبر فلما أفلت قال (يا قوم إنى برئ مما تشركون. إنى وجهت وجهى للذى فطر السموات والارض حنيفا وما أنا من المشركين) ثم رجع إبراهيم إلى أبيه آزر وقد استقامت وجهته وعرف ربه وبرئ من دين قومه إلا أنه لم يبادهم بذلك * فأخبره أنه ابنه فأخبرته أم إبراهيم عليه السلام أنه ابنه فأخبرته بما كانت صنعت في شأنه

[ 165 ]

فسر بذلك آزر وفرح فرحا شديدا وكان آزر يصنع أصنام وقومه التى يعبدون ثم يعطيها إبراهيم يبيعها فذهب بها إبراهيم عليه السلام فيما يذكرون فيقول من يشترى ما يضره ولا ينفعه فلا يشتريها منه أحد فإذا بارت عليه ذهب بها إلى نهر فصوب فيه رؤوسها وقال اشربي استهزاء بقومه وما هم عليه من الضلالة حتى فشاعيبه إياها واستهزاؤه بها في قومه وأهل قريته من غير أن يكون ذلك بلغ نمرود الملك ثم إنه لما بدا لابراهيم أن يبادى قومه بخلاف ما هم عليه وبأمر الله والدعاء إليه نظر نظرة في النجوم فقال إنى سقيم يقول الله عزوجل (فتولوا عنه مدبرين) وقوله إنى سقيم أي طعين بالسقم كانوا يهربون منه إذ سمعوا به وإنما يريد إبراهيم أن يخرجوا عنه ليبلغ من أصنامهم الذى يريد فلما خرجوا عنه خالف إلى أصنامهم التى كانوا يعبدون من دون الله فقرب لها طعاما ثم قال ألا تأكلون ؟ ما لكم لا تنطقون ؟ تعييرا في شأنها واستهزاء بها * وقال في ذلك غير ابن إسحاق ما حدثنى موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدى في خبر ذكره عن أبى صالح وعن أبى مالك عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان من شأن إبراهيم عليه السلام أنه طلع كوكب على نمرود فذهب بضوء الشمس والقمر ففزع من ذلك فزعا شديدا فدعا السحرة والكهنة والقافة والحازة فسألهم عنه فقالوا يخرج من ملكك رجل يكون على وجهه هلاكك وهلاك ملكك وكان مسكنه ببابل الكوفة فخرج من قريته إلى قرية أخرى فاخرج الرجال وترك النساء وأمر أن لا يولد مولود ذكر إلا ذبحه فذبح أولادهم ثم إنه بدت له حاجة في المدينة لم يأمن عليها إلا آزر أبا إبراهيم فدعاه * فأرسله وقال له انظر لا تواقع أهلك فقال له آزر أنا أضن بدينى من ذلك فلما دخل القرية نظر إلى أهله فلم يملك نفسه أن وقع عليها ففر بها إلى قرية بين الكوفة والبصرة يقال لها أور فجعلها في سرب فكان يتعاهدها بالطعام والشراب وما يصلحها وإن الملك لما طال عليه الامر قال قول سحرة كذا بين ارجعوا إلى بلدكم فرجعوا وولد إبراهيم فكان في كل يوم يمر كأنه

[ 166 ]

جمعة والجمعة كالشهر والشهر كالسنة من سرعة شبابه ونسى الملك ذلك وكبر إبراهيم لا يرى أن أحدا من الخلق غيره وغير أبيه وأمه فقال أبو إبراهيم لاصحابه إن لى ابنا قد خبأته أفتخافون عليه الملك إن أنا جئت به قالوا لا فأت به فانطلق فأخرجه فلما خرج الغلام من السرب نظر إلى الدواب والبهائم والخلق فجعل يسأل أباه ما هذا فيخبره عن البعير أنه بعير وعن البقرة أنها بقرة وعن الفرس أنه فرس وعن الشاة أنها شاة فقال ما لهؤلاء الخلق بد من أن يكون لهم رب وكان خروجه حين خرج من السرب بعد غروب الشمس فرفع رأسه إلى السماء فإذا هو بالكوكب وهو المشترى فقال هذا ربى فلم يلبث أن غاب فقال لا أحب الآفلين أي لا أحب ربا يغيب قال ابن عباس وخرج في آخر الشهر فلذلك لم ير القمر قبل الكواكب فلما كان آخر الليل رأى القمر بازغا قد طلع فقال هذا ربى فلما أفل يقول غاب قال لئن لم يهدنى ربى لا كونن من القوم الضالين فلما أصبح ورأى الشمس بازغة قال هذا ربى هذا أكبر فلما غابت قال الله له أسلم قال قد أسلمت لرب العالمين فأتى قومه فدعاهم فقال يا قوم إنى برئ مما تشركون أنى وجهت وجهى للذى فطر السموات والارض حنيفا يقول مخلصا فجعل يدعو قومه وينذرهم وكان أبو ه يصنع الاصنام فيعطيها ولده فيبيعونها وكان يعطيه فينادى من يشترى ما يضره ولا ينفعه فيرجع إخوته وقد باعوا أصنامهم ويرجع إبراهيم بأصنامه كما هي ثم دعا أباه فقال يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا قال (أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لارجمنك واهجرني مليا) قال أبدا قال له أبو ه يا إبراهيم إن لنا عيدا لو قد خرجت معنا إليه لاعجبك ديننا فلما كان يوم العيد فخرجوا إليه خرج معهم إبراهيم فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه وقال إنى سقيم يقول أشتكى رجلى فتوطؤا رجليه وهو صريع فلما مضوا نادى في آخرهم وقد بقوا ضعفى الناس (تالله لاكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين) فسمعوها منه ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة فإذا هو في بهو عظيم مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه بعضها إلى جنب بعض كل صنم يليه أصغر منه حتى بلغوا باب البهو

[ 167 ]

وإذا هم قد صنعوا طعاما فوضعوه بين يدى الآلهة قالوا إذا كان حين نرجع رجعنا وقد باركت الآلهة في طعامنا فأكلنا فلما نظر إليهم إبراهيم عليه السلام وإلى ما بين أيديهم من الطعام قال ألا تأكلون ؟ فلما لم تجبه قال ما لكم لا تنطقون ؟ فراغ عليهم ضربا باليمين فأخذ حديدة فبقر كل صنم في حافتيه ثم علق الفأس في عنق الصنم الاكبر ثم خرج فلا جاء القوم إلى طعامهم ونظروا إلى آلهتهم قالوا (من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين، قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم) قال أبو جعفر رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق ثم أقبل عليهم كما قال الله عزوجل ضربا باليمين ثم جعل يكسرهن بفأس في يده حتى إذا بقى أعظم صنم منها ربط الفأس بيده ثم تركهن فلما رجع قومه رأوا ما صنع باصنامهم فراعهم ذلك فأعظموه وقالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين ثم ذكروا فقالوا قد سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم يعنون فتى يسبها ويعيبها ويستهزئ بها لم نسمع أحدا يقول ذلك غيره وهو الذى نظن صنع هذا بها وبلغ ذلك نمرود وأشراف قومه فقالوا (فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون) أي ما نصنع به فكان جماعة من أهل التأويل منهم قتادة والسدى يقولون في ذلك لعلهم يشهدون عليه أنه هو الذى فعل ذلك وقالوا كرهوا أن يأخذوه بغير بينة * رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق قال فلما أتى به فاجتمع له قومه عند ملكهم نمرود قالوا (أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم ؟ قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون) غضب من أن تعبدوا معه هذه الصغار وهو أكبر منها فكسرهن فارعووا ورجعوا عنه فيما ادعوا عليه من كسرهن إلى أنفسهم فيما بينهم فقالوا لقد ظلمناه وما نراه إلا كما قال ثم قالوا وعرفوا أنها لا تضر ولا تنفع ولا تبطش (لقد علمت ما هؤلاء ينطقون) أي لا يتكلمون فتخبرنا من صنع هذا بها وما تبطش بالايدي فنصدقك يقول الله عزوجل (ثم نكسوا على رؤسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون) أي تكسوا على رؤسهم في الجحة عليهم لابراهيم حين جادلهم فقال عند ذلك إبراهيم حين ظهرت الحجة عليهم بقولهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون قال (أفتعبدون من دون الله

[ 168 ]

مالا ينفعكم شيئا ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون) قال وحاجه قومه عند ذلك في الله جل ثناؤه يستوصفونه إياه ويخبرونه أن آلهتهم خير مما يعبد فقال (أتحاجوني في الله وقد هدان) إلى قوله (فأى الفريقين أحق بالامن إن كنتم تعلمون) يضرب لهم الامثال ويصرف لهم العبر ليعلموا أن الله هو أحق أن يخاف ويعبد مما بعبدون من دونه * قال أبو جعفر ثم إن نمرود فيما يذكرون قال لابراهيم أرأيت إلهك هذا الذى تعبد وتدعوا لى عبادته وتذكر من قدرته التى تعظمه بها على غيره ما هو ؟ قال له ابراهيم ربى الذى يحيى ويميت فقال نمرود فأنا أحيى وأميت فقال له ابراهيم كيف تحيى وتميت قال آخذ الرجلين قد استوجبا القتل في حكمي فأقتل أحدهما فأكون قد أمته وأعفو عن الآخر فأتركه فأكون قد أحييته فقال له ابراهيم عند ذلك (فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب) اعرف أنه كما تقول فبهت عند ذلك نمرود ولم يرجع إليه شيئا وعرف انه لا يطيق ذلك يقول الله عزوجل (فبهت الذى كفر) يعنى وقعت عليه الحجة قال ثم إن نمرود وقومه أجمعوا في ابراهيم فقالوا (حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن الحسن بن دينار عن ليث بن أبى سليم عن مجاهد قال تلوت هذه الآية على عبد الله بن عمر فقال أتدرى يا مجاهد من الذى أشار بتحريق ابراهيم عليه السلام بالنار ؟ قال قلت لا قال رجل من أعراب فارس قال قلت يا أبا عبد الرحمن وهل للفرس أعراب قال نعم الكردهم أعراب فارس فرجل منهم هو الذى أشار بتحريق ابراهيم بالنار * حدثنى يعقوب قال حدثنا ابن علية عن ليث عن مجاهد في قوله حرقوه وانصروا آلهتكم، قال قالها رجل من أعراب فارس يعنى الاكراد * وحدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثنا حجاج عن ابن جريج قال أخبرني وهب بن سليمان عن شعيب الجبائى قال إن اسم الذى قال حرقوه " هيزن " فخسف الله به الارض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة * ثم رجع الحديث إلى حديث ابن اسحاق قال فأمر نمرود فجمع له الحطب فجمعوا له صلاب

[ 169 ]

الحطب من أصناف الخشب حتى أن كانت المرأة من قرية ابراهيم فيما يذكر لتنذر في بعض ما تطلب مما تحب أن تدرك لئن أصابته لتحطبن في نار ابراهيم التى يحرق بها احتسابا في دينها حتى إذا أرادوا أن يلقوه فيها قدموه وأشعلوا في كل ناحية من الحطب الذى جمعوا له حتى إذا اشتعلت النار وأجمعوا القذفه فيها صاحت السماء والارض وما فيها من الخلق إلا الثقلين فيما يذكرون إلى الله عزوجل صبحة واحدة أي ربنا ابراهيم ليس في أرضك أحد يعبدك غيره يحرق بالنار فيك فأذن لنا في نصرته فيذكرون والله أعلم أن الله عزوجل حين قالوا ذلك قال إن استغاث بشئ منكم أو دعاه فلينصره فقد أذن له في ذلك فان لم يدع غيرى فأنا وليه فخلوا بينى وبينه فأنا أمنعه فلما ألقوه فيها قال (يا نار كونى بردا وسلاما على إبراهيم) فكانت كما قال الله عزوجل * وحدثني موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا اسباط عن السدى قال قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم قال فحبسوه في بيت وجمعوا له حطبا حتى أن كانت المرأة لتمرض فتقول لئن عافاني الله لا جمعن حطبا لابراهيم فلما جمعوا له وأكثروا من الحطب حتى أن كان الطير ليمر بها فيحترق من شدة وهجها وحرها عمدوا إليه فرفعوه على رأس البنيان فرفع ابراهيم رأسه إلى السماء فقالت السماء والارض والجبال والملائكة ربنا ابراهيم يحرق فيك فقال أنا أعلم به فإن دعاكم فأغيثوه وقال ابراهيم حين رفع رأسه إلى السماء اللهم أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الارض ليس في الارض أحد يعبدك غيرى حسبى الله ونعم الوكيل فقذفوه في النار فناداها فقال يا نار كونى بردا وسلاما على ابراهيم وكان جبرائيل هو الذى ناداها وقال ابن عباس لو لم يتبع بردها سلاما لمات ابراهيم من بردها فلم تبق يومئذ نار في الارض إلا طفئت ظنت أنها تعنى فلما طفئت النار نظروا إلى ابراهيم فإذا هو ورجل آخر معه وإذا رأس ابراهيم في حجره يمسح عن وجهه العرق وذكر أن ذلك الرجل هو ملك الظل وأنزل الله نارا وانتفع بها بنو آدم فأخرجوا ابراهيم فأدخلوه على الملك ولم يكن قبل ذلك دخل عليه * ثم رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق

[ 170 ]

قال وبعث الله عزو وجل ملك الظل في صورة ابراهيم فقعد فيها إلى جنبه يؤنسه فمكث نمرود أياما لا يشك إلا أن النار قد أكلت ابراهيم وفرغت منه ثم ركب فمر بها وهى تحرق ما جمعوا لها من الحطب فنظر إليها فرأى ابراهيم جالسا فيها إلى جنبه رجل مثله فرجع من مركبه ذلك فقال لقومه لقد رأيت ابراهيم حيا في النار ولقد شبه على ابنوا لى صرحا يشرف بى على النار حتى أستثبت فبنوا له صرحا فأشرف عليه فاطلع من إلى النار فرأى ابراهيم جالسا فيها ورأى الملك قاعدا إلى جنبه في مثل صورته فناداه نمرود يا إبراهيم كبير إلهك الذى بلغت قدرته وعزته أن حال بين ما أرى وبينك حتى لم تضرك يا إبراهيم هل تستطيع أن تخرج منها قال نعم قال هل تخشى إن أقمت فيها أن تضرك قال لا قال فقم واخرج منها فقام ابراهيم يمشى فيها حتى خرج منها فلما خرج إليه قال يا إبراهيم من الرجل الذى رأيت معك في مثل صورتك قاعدا إلى جنبك قال ذلك ملك الظل أرسله إلى ربى ليكون معى فيها ليؤنسني وجعلها على بردا وسلاما فقال نمرود فيما حدثت يا إبراهيم إنى مقرب إلى إلهك قربانا لما رأيت من عزته وقدرته ولما صنع بك حين أبيت إلا عبادته وتوحيده إنى ذابح له أربعة آلاف بقرة فقال له ابرهيم إذا لا يقبل الله منك ما كنت على شئ من دينك هذا حتى تفارقه إلى دينى فقال يا إبراهيم لا أستطيع ترك ملكى ولكني سوف أذبحها له فذبحها نمرود ثم كف عن ابراهيم ومنعه الله عزوجل منه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا جرير عن مغيرة عن الحارث عن أبى زرعة عن أبى هريرة قال إن أحسن شئ قاله لابراهيم لما رفع عنه الطبق وهو في النار وحده يرشح جبينه فقال عند ذلك نعم الرب ربك يا ابراهيم * حدثنا القاسم قل حدثنا الحسين قال حدثنا معتمر بن سليمان التيمى عن بعض أصحابه قال جاء جبرائيل إلى ابراهيم عليه السلام وهو يوثق ويقمط ليلقى في النار قال يا إبراهيم ألك حاجة قال أما إليك فلا * حدثنى أحمد بن المقدام * قال حدثنى المعتمر قال سمعت أبى قال حدثنا قتادة عن أبى سليمان قال ما أحرقت النار من إبراهيم إلا وثاقة * قال أبو جعفر رجع الحديث إلى حديث ابن اسحاق

[ 171 ]

قال واستجاب لابراهيم عليه السلام رجال من قومه حين رأوا ما صنع الله به على خوف من نمرود وملاهم فآمن له لوط وكان ابن أخيه وهو لوط بن هاران ابن تارخ وهاران هو أخو أبراهيم وكان لهما أخ ثالث يقال له ناحور بن تارخ فهاران أبو لوط وناحور أبو بتويل وبتويل أبو لابان وربقا ابنة بتويل امرأة اسحاق بن ابراهيم أم يعقوب وليا وراحيل زوجتا يعقوب ابنتا لا بان وآمنت به سارة وهى ابنة عمه وهى سارة بنت هاران الاكبر عم إبراهيم وكانت لها أخت يقال لها ملكا امرأه ناحور * وقد قيل ان سارة كانت ابنة ملك حران ذكر من قال ذلك حدثنى موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا اسباط عن السدى قال انطلق إبراهيم ولوط قبل الشأم فلقى ابراهيم سارة وهى ابنة ملك حران وقد طعنت على قومها في دينهم فتزوجها على أن لا يغيرها ودعا إبراهيم أباه آزر إلى دينه فقال له يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا فأبى أبو ه الاجابة إلى ما دعاه إليه ثم إن إبراهيم ومن كان معه من أصحابه الذين اتبعوا أمره أجمعوا لفراق قومهم فقالوا إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم أيها المعبودون من دون الله وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا أيها العابدون حتى تؤمنوا بالله وحده ثم خرج إبراهيم مهاجرا إلى ربه وخرج معه لوط مهاجرا وتزوج سارة ابنة عمه فخرج بها معه يلتمس الفرار بدينه والامان على عبادة ربه حتى نزل حران فمكث بها ما شاء الله أن يمكث ثم خرج منها مهاجرا حتى قدم مصر وبها فرعون من الفراعنة الاولى وكانت سارة من أحسن الناس فيما يقال فكانت لا تعصى إبراهيم شيئا وبذلك أكرمها الله عزو جل فلما وصفت لفرعون ووصف له حسنها وجمالها أرسل إلى إبراهيم فقال ما هذه المرأة التى معك قال هي أختى وتخوف إبراهيم إن قال هي امرأتي أن يقتله عنها فقال لابراهيم زينها ثم أرسلها إلى حتى أنظر إليها فرجع إبراهيم إلى سارة وأمرها فتهيأت ثم أرسلها إليه فأقبلت حتى دخلت عليه فلما قعدت إليه تناولها بيده فيبست

[ 172 ]

إلى صدره فلما رأى ذلك فرعون أعظم أمرها وقال ادعى الله أن يطلق عنى فو الله لا أريبك ولا حسنن إليك فقالت اللهم إن كان صادقا فأطلق يده فأطلق الله يده فردها إلى إبراهيم ووهب لها هاجر جارية كانت له قبطية * حدثنا أبو كريب قال حدثنا أبو أسامة قال حدثنى هشام عن محمد عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لم يكذب إبراهيم عليه السلام غير ثلاث ثنتين في ذات الله قوله إنى سقيم وقوله بل فعله كبيرهم هذا وبينا هو يسير في أرض جبار من الجبابرة إذ نزل منزلا فأتى الجبار رجل فقال إن في أرضك أو قال ههنا رجلا معه امرأة من أحسن الناس فأرسل إليه فجاء فقال ما هذه المرأة منك قال هي أختى قال اذهب فأرسل بها إلى فانطلق إلى سارة فقال إن هذا الجبار قد سألني عنك فاخبرته أنك أختى فلا تكذبينى عنده فإنك اختى في الله فإنه ليس في الارض مسلم غيرى وغيرك قال فانطلق بها وقام ابراهيم عليه السلام يصلى قال فلما دخلت عليه فرآها أهوى إليها يتناولها فاخذ أخذا شديدا فقال ادعى الله ولا أضرك فدعت له فأرسل * فذهب إليها يتناولها فاخذ أخذ شديدا فقال ادعى الله فلا اضرك فدعت له فارسل ثم فعل ذلك الثالثة فأخذ فذكر مثل المرتين فارسل فدعا أدنى حجابه فقال إنك لم تأتني بإنسان ولكنك اتيتني بشيطان أخرجها وأعطاها هاجر فاخرجت وأعطيت هاجر فاقبلت بها فلما أحس إبراهيم بمجيئها انفتل من صلاته فقال مهيم فقالت كفى الله كيد الفاجر الكافر وأخدم هاجر قال محمد بن سيرين فكان أبو هريرة إذا حدث هذا الحديث يقول فتلك أمكم يا بنى ماء السماء * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن اسحاق عن عبد الرحمن ابن أبى الزناد عن أبيه عن عبد الرحمن الاعرج عن أبى هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لم يقل إبراهيم شيئا قط " لم يكن " إلا ثلاثا قوله إنى سقيم ولم يكن به سقم وقوله بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون وقوله لفرعون حين سأله عن سارة فقال من هذه المرأة معك قال أختى قال فما قال إبراهيم عليه السلام شيئا قط " لم يكن " إلا ذلك * حدثنى سعيد بن يحيى

[ 173 ]

الاموى * قال حدثنى أبى قال حدثنا محمد بن اسحاق قال حدثنا أبو الزناد عن عبد الرحمن الاعرج عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكذب إبراهيم في شئ قط إلا في ثلاث ثم ذكر نحوه * حدثنا أبو كريب قال حدثنا أبو أسامة قال حدثنى هشام عن محمد عن أبى هريرة أن رسول اله صلى الله عليه وسلم قال لم يكذب إبراهيم غير ثلاث ثنتين في ذات الله قوله إنى سقيم وقوله بل فعله كبيرهم هذا وقوله في سارة هي أختى * حدثنى ابن حميد قال حدثنا جرير عن مغيرة عن المسيب بن رافع عن أبى هريرة قال ما كذب إبراهيم عليه السلام غير ثلاث كذبات قوله إنى سقيم وقوله بل فعله كبيرهم هذا وإنما قاله موعظة وقوله حين سأله الملك فقال اختى لسارة وكانت امرأته * وحدثني يعقوب قال حدثنى ابن علية عن أيوب عن محمد قال إن ابراهيم لم يكذب إلا ثلاث كذبات ثنتان في الله وواحدة في ذات نفسه وأما الثنتان فقوله انى سقيم وقوله بل فعله كبيرهم هذا وقصته في سارة وذكر قصتها وقصة الملك * قال أبو جعفر رجع الحديث إلى حديث ابن اسحاق وكانت هاجر جارية ذات هيئة فوهبتها سارة لابراهيم وقالت انى أراها امرأة وضيئة فخذها لعل الله يرزقك منها ولدا وكانت سارة قد منعت الولد فلا تلد لابراهيم حتى أسنت وكان ابراهيم قد دعا الله ان يهب له من الصالحين وأخرت الدعوة حتى كبر ابراهيم وعقمت سارة ثم ان ابراهيم وقع على هاجر فولدت له اسماعيل عليهما السلام * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى ابن اسحاق عن الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك الانصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فتحتم مصر فاستوصوا بأهلها خيرا فان لهم ذمة ورحما * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى ابن اسحاق قال سألت الزهري ما الرحم التى ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم قال كانت هاجر أم اسماعيل منهم فيزعمون والله أعلم ان سارة حزنت عند ذلك على ما فاتها من الولد حزنا شديدا وقد كان ابراهيم خرج من مصر إلى الشأم وهاب ذلك الملك الذى كان بها وأشفق من شره حتى قدمها فنزل السبع من أرض فلسطين وهى برية الشأم ونزل لوط

[ 174 ]

بالمؤتفكة وهى من السبع على مسيرة يوم وليلة وأقرب من ذلك فبعثه الله عزو جل نبيا وأقام ابراهيم فيما ذكر لى بالسبع فاحتفر به بئرا واتخذ به مسجدا فكان ماء تلك البئر معينا ظاهرا فكانت غنمه تردها ثم ان أهلها آذوه فيها ببعض الاذى فخرج منها حتى نزل بناحية من أرض فلسطن بين الرملة وايليا ببلد يقال له قط أو قط فلما خرج من بين أظهرهم نضب الماء فذهب واتبعه أهل السبع حتى أدركوه وندموا على ما صنعوا وقالوا أخرجنا من بين أظهرنا رجلا صالحا فسألوه أن يرجع إليهم فقال ما أنا براجع إلى بلد أخرجت منه قالوا له فان الماء الذى كنت تشرب منه ونشرب معك منه قد نضب فذهب فأعطاهم سبع أعنز من غنمه فقال اذهبوا بها معكم فانكم لو قد أوردتموها البئر قد ظهر الماء حتى يكون معينا ظاهرا كما كان فاشربوا منها فلا تغترفن منها امرأة حائض فخرجوا بالاعنز فلما وقفت على البئر ظهر إليها الماء فكانوا يشربون منها وهى على ذلك حتى أتت امرأة طامث فاغترفت منها فنكص ماؤها إلى الذى هو عليه اليوم ثم ثبت * قال وكان ابراهيم يضيف من نزل به وكان الله عزوجل قد أوسع عليه وبسط له في الرزق والمال والخدم فلما أراد الله عزوجل هلاك قوم لوط بعث إليه رسله يأمرونه بالخروج من بين أظهرهم وكانوا قد عملوا من الفاحشة ما لم يسبقهم به أحد من العالمين مع تكذيبهم نبيهم وردهم عليه ما جاءهم به من النصيحة من ربهم وأمرت الرسل ان ينزلوا على ابراهيم وان يبشروه وسارة باسحاق ومن وراء اسحاق يعقوب فلما نزلوا على ابراهيم وكان الضيف قد حبس عنه خمس عشرة ليلة حتى شق ذلك عليه فيما يذكرون لا يضيفه أحد ولا يأتيه فلما رآهم سر هم رأى ضيفا لم يضفه مثلهم حسنا وجمالا فقال لا يخدم هؤلاء القوم أحد الا أنا بيدى فخرج إلى أهله فجاء كما قال الله عزوجل بعجل سمين قد حنذه والتحناذ الانضاج يقول الله جل ثناؤه (فجاء بعجل حنيذ) فقربه إليهم فأمسكوا أيديهم عنه فلما رأ ى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة حين لم يأكلوا من طعامه قالوا لا تخف انا قد أرسلنا إلى قوم لوط وامرأته سارة قائمة فضحكت لما

[ 175 ]

عرفت من أمر الله عزوجل ولما تعلم من قوم لوط فبشروها باسحاق ومن وراء اسحاق يعقوب بابن وابن ابن فقالت وصكت وجهها قال ضربت على جبينها (يا ويلتى أألدو أنا عجوز) (عقيم - إلى قوله - إنه حميد مجيد) وكانت سارة يومئذ فيما ذكر لى بعض أهل العلم ابنة تسعين سنة وابراهيم ابن عشرين ومائة سنة فلما ذهب عن ابراهيم الروع وجاءته البشرى باسحاق ويعقوب ولد من صلب اسحاق وأمن ما كان يخاف قال الحمد لله الذى وهب لى على الكبر اسماعيل واسحاق ان ربى لسميع الدعاء * حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثنى حجاج عن ابن جريح قال أخبرني وهب بن سليمان عن شعيب الجبائى قال ألقى ابراهيم في النار وهو ابن ست عشرة سنة وذبح اسحاق وهو ابن سبع سنين وولدته سارة وهى ابنة تسعين سنة وكان مذبحه من بيت ايليا على ميلين فلما علمت سارة بما أراد باسحاق مرضت يومين وماتت اليوم الثالث وقيل ماتت سارة وهى ابنة مائة وسبع وعشرين سنة * حدثنى موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدى قال بعث الله الملائكة لتهلك قوم لوط فأقبلت تمشى في صورة رجال شباب حتى نزلوا على ابراهيم فتضيفوه فلما رآهم ابراهيم أجلهم فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فذبحه ثم شواه في الرضف وهو الحنيذ حين شواه وأتاهم فقعد معهم وقامت سارة تخدمهم فذلك حين يقول جل ثناؤه (وامرأته قائمة وهو جالس) في قراءة ابن مسعود فلما قربه إليهم قال ألا تأكلون قالوا يا إبراهيم انا لا نأكل طعاما لا بثمن قال فان لهذا ثمنا قالوا وما ثمنه قال تذكرون اسم الله على أوله وتحمدونه على آخره فنظر جبرائيل إلى ميكائيل فقال حق لهذا أن يتخذه ربه خليلا فلما رأى أيديهم لا تصل إليه يقول لا ياكلون فزع منهم وأوجس منهم خيفة فلما نظرت إليه سارة انه قد أكرمهم وقامت هي تخدمهم ضحكت وقالت عجبا لا ضيافنا هؤلاء انا نخدمهم بانفسنا تكرمة لهم وهم لا يأكلون طعامنا

[ 176 ]

ذكر أمر بناء البيت قال ثم إن الله عزوجل أمر ابراهيم بعد ما ولد له اسماعيل واسحاق فيما ذكر ببناء بيت له يعبد فيه ويذكر فلم يدر ابراهيم في أي موضع يبنى إذ لم يكن بين له ذلك فضاق بذلك ذرعا فقال بعض أهل العلم بعث الله إليه السكينة لتدله على موضع البيت فمضت به السكينة ومع ابراهيم هاجر زوجته وابنه اسماعيل وهو طفل صغير * وقال بعضهم بل بعث الله إليه جبرائيل عليه السلام حتى دله على موضعه وبين له ما ينبغى ان يعمل ذكر من قال الذى بعثه الله إليه لذلك السكينة حدثنا هناد بن السرى قال حدثنا أبو الاحوص عن سماك بن حرب عن خالد بن عرعرة ان رجلا قام إلى على بن أبى طالب فقال ألا تخبرني عن البيت أهو أول بيت وضع في الارض فقال لا ولكنه أول بيت وضع في البركة مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا وإن شئت أنبأتك كيف بنى إن الله عزوجل أوحى إلى إبراهيم أن ابن لى بيتا في الارض فضاق إبراهيم بذلك ذرعا فأرسل عزوجل السكينة وهى ريح خجوج ولها رأسان فاتبع أحدهما صاحبه حتى انتهت إلى مكة فتطوت على موضع البيت كتطوى الحية وأمر إبراهيم أن يبنى حيث تستقر السكينة فبنى إبراهيم وبقى حجر فذهب الغلام يبنى شيئا فقال ابراهيم لا أبغى حجرا كما آمرك فانطلق الغلام يلتمس له حجرا فاتاه به فوجده قد ركب الحجر الاسود في مكانه فقال يا أبت من أتاك بهذا الحجر فقال أتانى به من لم يتكل على بنائك أتانى به جبرائيل من السماء فاتماه * حدثنا ابن بشار وابن المثنى قالا حدثنا مؤمل قال حدثنا سفيان عن أبى اسحاق عن حارثة بن مضرب عن على عليه السلام قال لما أمر إبراهيم ببناء البيت خرج معه إسماعيل وهاجر فلما قدم مكة رأى على رأسه في موضع البيت مثل الغمامة فيه مثل الرأس فكلمه قال يا إبراهيم ابن على ظلى أو على قدري ولا تزد ولا تنقص فلما بنى خرج وخلف إسماعيل وهاجر فقالت هاجر يا إبراهيم إلى من تكلنا قال إلى الله قالت انطلق فانه لا يضيعنا قال فعطش اسماعيل عطشا شديدا فصعدت

[ 177 ]

هاجر الصفا فنظرت فلم تر شيئا ثم أتت المروة فنظرت فلم تر شيئا ثم رجعت إلى الصفا فنظرت فلم تر شيئا حتى فعلت ذلك سبع مرات فقالت يا اسماعيل مت حيث لا أراك فأتته وهو يفحص برجله من العطش فناداها جبرائيل فقال من أنت قالت أنا هاجر أم ولد إبراهيم قال إلى من وكلكما قالت وكلنا إلى الله قال وكلكما إلى كاف قال ففحص الغلام الارض بأصبعه فنبعت زمزم فجعلت تحبس الماء فقال دعيه فإنها رواء * حدثنى موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدى قال لما عهد الله إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتى للطائفين انطلق إبراهيم حتى أتى مكة فقام هو وإسماعيل وأخذ المعاول لا يدريان أين البيت فبعث الله عزوجل ريحا يقال لها ريح الخجوج لها جناحان ورأس في صورة حية فكنست لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الاول واتبعاها بالمعاول يحفران حتى وضعا الاساس فذلك حين يقول عزوجل (وإذ بوأنا لابراهيم مكان البيت) * وحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن الحسن بن عمارة عن سماك بن حرب عن خالد بن عرعرة عن على بن أبى طالب عليه السلام أنه كان يقول لما أمر الله إبراهيم بعمارة البيت والاذان بالحج في الناس خرج من الشأم ومع ابنه اسماعيل وأم اسماعيل هاجر وبعث الله معه السكينة ريح لها لسان تكلم به يغدو معها إبراهيم إذا غدت ويروح معها إذا راحت حتى انتهت به إلى مكة فلما أتت موضع البيت استدارت به ثم قالت لابراهيم ابن على ابن على ابن على فوضع إبراهيم الاساس ورفع البيت هو وإسماعيل حتى انتهيا إلى موضع الركن قال إبراهيم لاسماعيل يا بنى ابغ لى حجرا أجعله علما للناس فجاءه بحجر فلم يرضه وقال ابغنى غير هذا فذهب إسماعيل ليلتمس له حجرا فجاءه فقد أتى بالركن فوضعه في موضعه فقال يا أبت من جاءك بهذا الحجر قال من لم يكلنى إليك يا بنى * وقال آخرون إن الذى خرج مع إبراهيم من الشام لدلالته على موضع البيت جبرائيل عليه السلام وقالوا كان إخراجه هاجر واسماعيل إلى مكة لما كان من غيرة سارة بسبب ولادة هاجر منه اسماعيل.

[ 178 ]

ذكر من قال ذلك * حدثنى موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدى بالاسناد الذى قد ذكرناه أن سارة قالت لابراهيم تسر بهاجر فقد أذنت لك فوطئها فحملت بإسماعيل ثم إنه وقع على سارة فحملت بإسحاق فلما ولدته وكبر افتتل هو واسماعيل فغضبت سارة على أم اسماعيل وغارت عليها فأخرجتها ثم إنها دعتها فأدخلتها * ثم غضبت أيضا فاخرجتها ثم أدخلتها وحلفت لتقطعن منها بضعة فقالت أقطع أنفها أقطع أذنها فيشينها ذلك ثم قالت لابل أخفضها فقطعت ذلك منها فاتخذت هاجر عند ذلك ذيلا تعفى به عن الدم فلذلك خفضت النساء واتخذت ذيولا ثم قالت لا تساكنى في بلد وأوحى الله إلى ابراهيم أن يأتي مكة وليس يومئذ بمكة بيت فذهب بها إلى مكة وابنها فوضعهما وقالت له هاجر إلى من تركتنا ههنا ثم ذكر خبرها وخبر ابنها * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال حدثنا عبد الله بن أبى نجيح عن مجاهد وغيره من أهل العلم أن الله عزوجل لما بوأ لابراهيم مكان البيت ومعالم الحرم فخرج وخرج معه جبرائيل يقال كان لا يمر بقرية إلا قال بهذه أمرت يا جبرائيل فيقول جبرائيل أمضه حتى قدم به مكة وهى إذ ذاك عضاه سلم وسمر وبها أناس يقال لهم العماليق خارج مكة وما حولها والبيت يومئذ ربوة حمراء مدرة فقال إبراهيم لجبرائيل أههنا أمرت أن أضعهما قال نعم فعمد بهما إلى موضع الحجر فأنزلهما فيه وأمر هاجر أم اسماعيل أن تتخذ فيه عريشا فقال (رب إنى أسكنت من ذريتي بواد غير ذى زرع عند بيتك المحرم - إلى - لعلهم يشكرون) ثم انصرف إلى أهله بالشأم وتركهما عند البيت قال فظمئ إسماعيل ظمئا شديدا فالتمست له أمه ماء فلم تجده فاستمعت هل تسع صوتا لتلتمس له شرابا فسمعت كالصوت عند الصفا فأقبلت حتى قامت عليه فلم تر شيئا ثم سمعت صوتا نحو المروة فأقبلت حتى قامت عليه فلم تر شيئا ويقال بل قامت على الصفا وتدعو الله وتستغيثه لاسماعيل * ثم عمدت إلى المروة ففعلت ذلك ثم أنها سمعت أصوات سباع الوادي نحو إسماعيل حيث تركته فأقبلت إليه تشتد

[ 179 ]

فوجدته يفحص الماء بيده من عين قد انفجرت من تحت يده فشرب منها وجاءتها أم اسماعيل فجعلتها حسيا ثم استقت منها في قربتها تذخره لاسماعيل فلولا الذى فعلت ما زالت زمزم معينا ظاهرا ماؤها أبدا قال مجاهد ولم نزل نسمع أن زمزم هزمه جبرائيل بعقبه لاسماعيل حين ظمئ * حدثنى يعقوب بن ابراهيم والحسن بن محمد قالا حدثنا اسماعيل بن ابراهيم عن أيوب قال نبئت عن سعيد بن جبير أنه حدث عن ابن عباس أن أول من سعى بين الصفا والمروة لام اسماعيل وأن أول من أحدث من نساء العرب جر لذيول لام اسماعيل قال لما فرت من سارة أرخت ذيلها لتعفى أثرها فجاء بها ابراهيم ومعها اسماعيل حتى انتهى بهما إلى موضع البيت فوضعهما ثم رجع فاتبعته فقالت إلى أي شئ تكلنا إلى طعام إلى شراب تكلنا فجعل لا يرد عليها شيئا فقالت آلله أمرك بهذا قام نعم قالت إذا لا يضيعنا قال فرجعت ومضى حتى إذا استوى على ثنية كداء أفبل على الوادي فقال (ربنا إنى أسكنت من ذريتي بواد غير ذى زرع عند بيتك المحرم) الآية قال ومع الانسانة شنة فيها ماء فنفد الماء فعطشت فانقطع لبنها فعطش الصبى فنظرت أي الجبال أدنى إلى الارض فصعدت الصفا فتسمعت هل تسمع صوتا أو ترى أنيسا فلم تسمع شيئا فانحدرت فلما أتت على الوادي سعت وما تريد السعي كالانسان المجهود الذى يسعى وما يريد السعي فنظرت أي الجبال أدنى إلى الارض فصعدت المروة فتسمعت هل تسمع صوتا أو ترى أنيسا فسمعت صوتا فقالت كالانسان الذى يكذب سمعه صه حتى استيقنت فقالت قد أسمعتني صوتك فأغثنى فقد هلكت وهلك من معى فجاء الملك بها حتى انتهى بها إلى موضع زمزم فضرب بقدمه ففارت عينا فعجلت الانسانة تفرغ في شنتها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " رحم الله أم اسماعيل لولا أنها عجلت لكانت زمزم عينا معينا " وقال لها الملك لا تخافى الظمأ على أهل هذا البلد فانها عين لشرب ضيفان الله وقال إن أبا هذا الغلام سيجئ فيبنيان لله بيتا هذا موضعه قال ومرت رفقة من جرهم تريد الشأم فرأوا الطير على الجبل فقالوا إن هذا الطير لعائف على ماء فهل علمتم بهذا الوادي من ماء فقالوا لا فأشرفوا فاذاهم

[ 180 ]

بالانسانة فأتوها فطلبوا إليها أن ينزلوا معها فأذنت لهم قال وأتى عليها ما يأتي على هؤلاء الناس من الموت فماتت وتزوج اسماعيل امرأة منهم فجاء ابراهيم فسأل عن منزل اسماعيل حتى دل عليه فلم يجده ووجد امرأة له فظة غليظة فقال لها إذا جاء زوجك فقولي له جاء ههنا شيخ من صفته كذا وكذا وأنه يقول لك إنى لا أرضى لك عتبة بابك فحولها فانطلق فلما جاء اسماعيل أخبرته فقال ذلك أبى وأنت عتبة بابى فطلقها وتزوج امرأة أخرى منهم فجاء ابراهيم حتى انتهى إلى منزل اسماعيل فلم يجده ووجد امرأة له سهلة طلقة فقال لها أين انطلق زوجك فقالت انطلق إلى الصيد قال فما طعامكم قالت اللحم والماء قال اللهم بارك لهم في لحمهم ومائهم ثلاثا وقال لها إذا جاء زوجك فأخبريه فقولي له جاء ههنا شيخ من صفته كذا وكذا وإنه يقول لك قد رضيت لك عتبة بابك فاثبتها فلما جاء اسماعيل أخبرته قال ثم جاء الثالثة فرفعا القواعد من البيت * حدثنا الحسن بن محمد قال حدثنى يحيى بن عباد قال حدثنا حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال جاء ابراهيم نبى الله باسماعيل وهاجر فوضعهما بمكة في موضع زمزم فلما مضى نادته هاجر يا ابراهيم أنا أسألك ثلاث مرات من أمرك أن تضعنى بأرض ليس فيها زرع ولا ضرع ولا أنيس ولا ماء ولا زاد قال ربى أمرنى قالت فانه لن يضيعنا قال فلما قفا ابراهيم قال (ربنا إنك تعلم ما نخفى وما نعلن) يعنى من الحزن (وما يخفى على الله من شئ في الارض ولا في السماء) فلما ظمئ اسماعيل جعل يدحص الارض بعقبه فذهبت هاجر حتى علت الصفا والوادى يومئذ لاخ يعنى عميق فصعدت الصفا فأشرفت لتنظر هلى ترى شيئا فلم تر شيئا فانحدرت فبلغت الوادي فسعت فيه حتى خرجت منه فأتت المروة فصعدت فاستشرفت هل ترى شيئا فلم تر شيئا ففعلت ذلك سبع مرات ثم جاءت من المروة إلى اسماعيل وهو يدحص الارض بعقبه وقد نبعت العين وهى زمزم فجعلت تفحص الارض بيدها عن الماء فكلما اجتمع ماء أخذته بقدحها فأفرغته في سقائها قال فقال النبي صلى الله عليه وسلم يرحمها الله لو تركتها لكانت عينا سائحة تجرى إلى يوم القيامة قال وكانت

[ 181 ]

جرهم يومئذ بواد قريب من مكة قال ولزمت الطير الوادي حين رأت الماء فلما رأت جرهم الطير لزمت الوادي قالوا ما لزمته إلا وفيه ماء فجاءوا إلى هاجر فقالوا لو شئت كنا معك وآنسناك والماء ماؤك قالت نعم فكانوا معها حتى شب اسماعيل وماتت هاجر فتزوج اسماعيل امرأة من جرهم قال فاستأذن ابراهيم سارة أن يأتي هاجر فأذنت له وشرطت عليه أن لا ينزل وقدم ابراهيم وقد ماتت هاجر إلى بيت اسماعيل فقال لامرأته أين صاحبك قالت ليس ههنا ذهب يتصيد وكان اسماعيل يخرج من الحرم فيتصيد ثم يرجع فقال ابراهيم هل عندك ضيافة هل عندك طعام أو شراب قالت ليس عندي وما عندي أحد قال ابراهيم إذا جاء زوجك فاقرئيه السلام وقولى له فليغير عتبة بابه وذهب ابراهيم وجاء اسماعيل فوجد ريح أبيه فقال لامرأته هل جاءك أحد قالت جاءني شيخ صفته كذا وكذا كالمستخفة بشأنه قال فما قال لك قالت قال لى اقرئي زوجك السلام وقولى له فليغير عتبة بابه فطلقها وتزوج أخرى فلبث ابراهيم ما شاء الله أن يلبث ثم استأذن سارة أن يزور اسماعيل فأذنت له واشترطت عليه أن لا ينزل فجاء ابراهيم حتى انتهى إلى باب اسماعيل فقال لامرأته أين صاحبك قالت ذهب يتصيد وهو يجئ الآن إن شاء الله فانزل يرحمك الله قال لها هل عندك ضيافة قالت نعم قال هل عندك خبز أو بر أو شعير أو تمر قال فجاءت باللبن واللحم فدعا لهما بالبركة فلو جاءت يومئذ بخبز أو بر أو تمر أو شعير لكان أكثر أرض الله برا أو شعيرا أو تمرا فقالت انزل حتى أغسل رأسك فلم ينزل فجاءته بالمقام فوضعته عن شقه الايمن فوضع قدمه عليه فبقى أثر قدمه عليه فغسلت شق رأسه الايمن ثم حولت المقام إلى شقة الايسر فغسلت شقه الايسر فقال لها إذا حاء زوجك فاقرئيه السلام وقولى له قد استقامت عتبة بابك فلما جاء اسماعيل وجد ريح أبيه فقال لامرأته هل جاءك أحد قالت نعم شيخ أحسن الناس وجها وأطيبهم ريحا فقال لى كذا وكذا وقلت له كذا وكذا وغسلت رأسه وهذا موضع قدميه على المقام قال وما قال لك قالت قال لى إذا جاء زوجك فاقرئيه السلام وقولى له قد استقامت عتبة بابك قال ذلك إبرهيم فلبث ما شاء الله أن يلبث فأمره الله عزوجل ببناء

[ 182 ]

البيت فبناه هو وإسماعيل فلما بنياه قيل (أذن في الناس بالحج) فجعل لا يمر بقوم إلا قال يا أيها الناس إنه قد بنى لكم بيت فحجوه فجعل لا يسمعه أحد لا صخرة ولا شجرة ولا شئ إلا قال لبيك اللهم لبيك وكان بين قوله ربنا إنى أسكنت من ذريتي بواد غير ذى زرع عند بيتك المحرم وبين قوله الحمد لله الذى وهب لى على الكبر إسماعيل وإسحاق كذا وكذا عاما لم يحفظ عطاء * حدثنى محمد بن سنان قال حدثنا عبيد الله بن عبد المجيد أبو على الحنفي قال أخبرنا إبراهيم بن نافع قال سمعت كثير بن كثير يحدث عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال جاء يعنى ابراهيم فوجد اسماعيل يصلح نبلا له من وراء زمزم فقال ابراهيم يا إسماعيل إن ربك قد أمرنى أن أبنى له بيتا فقال له اسماعيل فأطع ربك فيما امرك فقال ابراهيم قد أمرك أن تعينني عليه قال إذا أفعل قال فقام معه فجعل إبراهيم يبنيه وإسماعيل يناوله الحجارة ويقولان (ربنا تقبل من إنك أنت السميع العليم) فلما ارتفع البنيان وضعف الشيخ عن رفع الحجارة قام على حجر وهو مقام إبراهيم فجعل يناوله ويقولان تقبل منا إنك أنت السميع العليم فلما فرغ إبراهيم من بناء البيت الذى أمره الله عزوجل ببنائه أمره الله أن يؤذن في الناس بالحج فقال له (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق) فقال إبراهيم فيما ذكر لنا ما حدثنا به ابن حميد قال حدثنا جرير عن قابوس ابن أبى ظبيان عن أبيه عن ابن عباس قال لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قيل له أذن في الناس بالحج قال يا رب وما يبلغ صوتي قال أذن وعلى البلاغ فنادى إبراهيم يا أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق قال فسمعه ما بين السماء والارض أفلا ترى الناس يجيئون من أقصى الارض يلبون * حدثنا الحسن بن عرفة قال حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان الضبى عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما بنى إبراهيم البيت أوحى الله عزوجل إليه أن أذن في الناس بالحج قال فقال ابراهيم ألا إن ربكم قد اتخذ بيتا وأمركم أن تحجوه فاستجاب له ما سمعه من شئ من حجر أو شجر أو أكمة أو تراب أو شئ لبيك اللهم لبيك

[ 183 ]

* حدثنا ابن حميد قال حدثنا يحيى بن واضح قال حدثنا الحسين بن واقد عن أبى الزبير عن مجاهد عن ابن عباس قوله وأذن في الناس بالحج قال قام ابراهيم عليه السلام خليل الله على الحجر فنادى يا أيها الناس كتب عليكم الحج فأسمع من في أصلاب الرجال وأرحام النساء فأجابه من آمن ممن سبق في علم الله أن يحج إلى يوم القيامة لبيك اللهم لبيك * حدثنا ابن بشار قال حدثنا عبد الرحمن قال حدثنا سفيان عن سلمة عن مجاهد قال قيل لابراهيم أذن في الناس بالحج فقال يا رب كيف أقول قال قل لبيك اللهم لبيك قال فكانت أول التلبية * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق عن عمر بن عبد الله بن عروة أن عبد الله بن الزبير قال لعبيد بن عمير الليثى كيف بلغك أن إبراهيم دعا إلى الحج قال بلغني أنه لما رفع هو اسماعيل قواعد البيت وانتهى إلى ما أراد الله من ذلك وحضر الحج استقبل اليمن فدعا إلى الله وإلى حج بيته فاجيب أن لبيك اللهم لبيك ثم استقبل المشرق فدعا إلى الله وإلى حج بيته فأجيب أن لبيك اللهم لبيك ثم إلى المغرب فدعا إلى الله وإلى حج بيته فأجيب أن لبيك اللهم لبيك ثم إلى الشأم فدعا إلى الله عز وجل وإلى حج بيته فأجيب أن لبيك اللهم لبيك ثم خرج بإسماعيل وهو معه يوم التروية فنزل به منى ومن معه من المسلمين فصلى بهم الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة ثم بات بهم حتى أصبح فصلى بهم صلاة الفجر ثم غدا بهم إلى عرفة فقال بهم هنالك حتى إذا مالت الشمس جمع بين الصلاتين الظهر والعصر ثم راح بهم إلى الموقف من عرفة فوقف بهم على الاراك وهو الموقف من عرفة الذى يقف عليه الامام يريه ويعلمه فلما غربت الشمس دفع به وبمن معه حتى أتى المزدلفة فجمع فيها بين الصلاتين المغرب والعشاء الآخرة ثم بات به وبمن معه حتى إذا طلع الفجر صلى بهم صلاة الغداة ثم وقف به على قزاح من المزدلفة فيمن معه وهو الموقف الذى يقف به الامام حتى إذا أسفر دفع به وبمن معه يريه ويعلمه كيف يصنع حتى رمى الجمرة الكبرى وأراه المنحر من منى ثم نحر وحلق ثم أفاض به من منى ليريه كيف يطوف ثم عاد به إلى منى ليريه كيف يرمى الجمار حتى فرغ

[ 184 ]

له من الحج وأذن به في الناس * قال أبو جعفر وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن بعض أصحابه أن جبرائيل هو الذى كان يرى ابراهيم المناسك إذا حج ذكر الرواية بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم * حدثنا أبو كريب قال حدثنا عبيدالله بن موسى * وحدثنا محمد بن اسماعيل الاحمسي قال حدثنا عبيدالله بن موسى قال أخبرنا ابن أبى ليلى عن ابن أبى مليكة عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أتى جبرائيل ابرهيم يوم التروية فراح به إلى منى فصلى به الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والفجر بمنى ثم غدا به إلى عرفات فأنزله الاراك أو حيث ينزل الناس فصلى به الصلاتين جميعا الظهر والعصر ثم وقف به حتى إذا كان كأعجل ما يصلى أحد من الناس المغرب أفاض حتى أتى به جمعا فصلى به الصلاتين جميعا المغرب والعشاء ثم أقام حتى إذا كان كأعجل ما يصلى أحد من الناس الفجر صلى به ثم وقف حتى إذا كان كأبطأ ما يصلى أحد من المسلمين الفجر أفاض به إلى منى فرمى الجمرة ثم ذبح وحلق ثم أفاض إلى البيت ثم أوحى الله عزوجل إلى محمد صلى الله عليه وسلم (أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين) * حدثنا أبو كريب قال حدثنا عمران بن محمد بن أبى ليلى قال حدثنى أبى عن عبد الله بن أبى مليكة عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوه * ثم إن الله تعالى ذكره ابتلى خليله ابراهيم عليه السلام بذبح ابنه واختلف السلف من علماء أمة نبينا صلى الله عليه وسلم في الذى أمر ابراهيم بذبحه من ابنيه فقال بعضهم هو إسحاق بن ابراهيم وقال بعضهم هو اسماعيل بن ابراهيم وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كلا القولين لو كان فيهما صحيح لم نعده إلى غيره غير أن الدليل من القرآن على صحة الرواية التى رويت عنه صلى الله عليه وسلم انه قال هو اسحاق أوضح وأبين منه على صحة الاخرى والرواية التى رويت عنه انه قال هو اسحاق حدثنا بها أبو كريب قال حدثنا زيد بن الحباب عن الحسن

[ 185 ]

ابن دينار عن على بن زيد بن جدعان عن الحسن عن الاحنف بن قيس عن العباس ابن عبد المطلب عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ذكر فيه (وفديناه بذبح عظيم) قال هو إسحاق * وقد روى هذا الخبر عن غيره من وجه أصلح من هذا الوجه غير أنه موقوف على العباس غير مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر من قال ذلك * حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن يمان عن مبارك عن الحسن عن الاحنف ابن قيس عن العباس بن عبد المطلب وفديناه بذبح عظيم قال هو اسحاق * وأما الرواية التى رويت عنه إنه هو اسماعيل فما حدثنا محمد بن عمار الرازي قال حدثنا اسماعيل بن عبيد بن أبى كريمة قال حدثنا عمر بن عبد الرحيم الخطابى عن عبد الله ابن محمد العتبى من ولد عتبة بن أبى سفيان عن أبيه قال حدثنى عبد الله بن سعيد عن الصنابحى قال كنا عند معاوية بن أبى سفيان فذكروا الذبيح اسماعيل أو إسحاق فقال على الخبير سقطتم كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه رجل فقال يا رسول الله عد على مما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له وما الذبيحان يا رسول الله فقال إن عبد المطلب لما أمر بحفر زمزم نذر لله لئن سهل الله له أمرها ليذبحن أحد ولده قال فخرج السهم على عبد الله فمنعه أخواله وقالوا افد ابنك بمائة من الابل ففداه بمائة من الابل واسماعيل الثاني * ونذكر الآن من قال من السلف إنه إسحاق ومن قال انه اسماعيل ذكر من قال هو اسحاق * حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن يمان عن مبارك عن الحسن عن الاحنف ابن قيس عن العباس بن عبد المطلب وفديناه بذبح عظيم قال هو اسحاق * حدثنا الحسين بن يزيد الطحان قال حدثنا ابن إدريس عن داود بن أبى هند عن عكرمة عن ابن عباس قال الذى أمر بذبحه ابراهيم هو اسحاق * حدثنى يعقوب قال حدثنا ابن علية عن داود عن عكرمة قال قال ابن عباس الذبيح هو اسحاق

[ 186 ]

* حدثنا ابن المثنى قال حدثنا ابن أبى عدى عن داود عن عكرمة عن ابن عباس وفديناه بذبح عظيم قال هو اسحاق * حدثنا ابن المثنى قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة عن أبى اسحاق عن أبى الاحوص قال افتخر رجل عند ابن مسعود فقال أنا فلان ابن فلان ابن الاشياخ الكرام فقال عبد الله ذاك يوسف بن يعقوب بن اسحاق ذبيح الله ابن ابراهيم خليل الله * حدثنا ابن حميد قال حدثنا ابراهيم بن المختار قال حدثنا محمد بن اسحاق عن عبد الرحمن بن أبى بكر عن الزهري عن العلاء بن جارية الثقفى عن أبى هريرة عن كعب في قوله وفديناه بذبح عظيم قال من ابنه اسحاق * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن عبد الله بن أبى بكر عن محمد بن مسلم الزهري عن أبى سفيان ابن العلاء بن جارية الثقفى حليف بنى زهرة عن أبى هريرة عن كعب الاحبار أن الذى أمر ابراهيم بذبحه من ابنيه اسحاق * حدثنى يونس قال أخبرنا ابن وهب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب أن عمرو ابن أبى سفيان بن أسيد بن جارية الثقفى أخبره أن كعبا قال لابي هريرة ألا أخبرك عن اسحاق بن ابراهيم النبي قال أبو هريرة بلى قال كعب لما أرى ابراهيم ذبح اسحاق قال الشيطان والله لئن لم أفتن عند هذا آل ابراهيم لا أفتن أحدا منهم أبدا فتمثل الشيطان لهم رجلا يعرفونه فأقبل حتى خرج ابراهيم باسحاق ليذبحه دخل على سارة امرأة ابراهيم فقال لها أين أصبح ابراهيم غاديا باسحاق قلت غدا لبعض حاجته قال الشيطان لا والله ما لذلك غدا به قالت سارة فلم غدا به ؟ قال غدا به ليذبحه قالت سارة ليس من ذلك شئ لم يكن ليذبح ابنه قال الشيطان بلى والله قالت سارة فلم يذبحه ؟ قال زعم أن ربه أمره بذلك قالت سارة فهذا أحسن بأن يطيع ربه ان كان أمره بذلك فخرج الشيطان من عند سارة حتى أدرك اسحاق وهو يمشى على أثر أبيه فقال له أين أصبح أبو ك غاديا بك قال غدا بى لبعض حاجته قال الشيطان لا والله ما غدا بك لبعض حاجته ولكنه غدا بك ليذبحك قال اسحاق ما كان أبى ليذبحني قال بلى قال لم ؟ قال زعم أن ربه أمره بذلك قال اسحاق فوالله لئن أمره بذلك ليطيعنه فتركه الشيطان وأسرع إلى ابراهيم فقال أين أصبحت غاديا

[ 187 ]

بابنك قال غدوت به لبعض حاجتى قال أما والله ما غدوت به إلا لتذبحه قال لم أذبحه قال زعمت أن ربك أمرك بذلك قال فوالله لئن كان أمرنى ربى لا فعلن قال فلما أخذ إبراهيم اسحاق ليذبحه وسلم اسحق أعفاه الله وفداه بذبح عظيم قال ابراهيم لاسحق قم أي بنى فان الله قد أعفاك فأوحى الله إلى اسحق انى أعطيك دعوة أستجيب لك فيها قال اسحق اللهم فإنى أدعوك أن تستجيب لى أيما عبد لقيك من الاولين والآخرين لا يشرك بك شيئا فأدخله الجنة * حدثنى عمرو بن على قال حدثنا أبو عاصم قال حدثنا سفيان عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن أبيه قال قال موسى يا رب يقولون يا إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب فبم قالوا ذلك قال إن إبراهيم لم يعدل بى شيئا قط إلا اختارني عليه وإن إسحق جاد لى بالذبح وهو بغير ذلك أجود وإن يعقوب كلما زدته بلاء زادني حسن ظن * حدثنا ابن بشار قال حدثنا مؤمل قال حدثنا سفيان عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن أبيه قال قال موسى أي رب بم أعطيت إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما أعطيتهم فذكر نحوه * حدثنا أبو كريب قال حدثنا بن يمان عن إسرائيل عن جابر عن ابن سابط قال هو إسحاق * حدثنا أبو كريب قال حدثنا بن يمان عن سفيان عن أبى سنان الشيباني عن ابن أبى الهذيل قال الذبيح هو إسحاق * حدثنا أبو كريب قال حدثنا سفيان بن عقبة عن حمزة الزيات عن أبى إسحاق عن أبى ميسرة قال قال يوسف للملك في وجهه ترغب أن تأكل معى وأنا والله يوسف ابن يعقوب نبى الله ابن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله * حدثنا أبو كريب قال حدثنا وكيع عن سفيان عن ابى سنان عن ابن ابى الهذيل قال قال يوسف للملك فذكر نحوه * حدثنى موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدى في خبر ذكره عن أبى مالك وعن أبى صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ان إبراهيم عليه السلام ارى في المنام فقيل له أوف نذرك الذى نذرت إن رزقك الله غلاما من سارة أن تذبحه * حدثنى يعقوب قال حدثنا هشيم قال

[ 188 ]

حدثنا زكرياء وشعبة عن أبى إسحاق عن مسروق في قوله وفديناه بذبح عظيم قال هو إسحاق ذكر من قال هو إسماعيل * حدثنا أبو كريب وإسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد قال حدثنا يحيى بن يمان عن إسرائيل عن ثوير عن مجاهد عن ابن عمر قال الذبيح إسماعيل * حدثنا ابن بشار قال حدثنا يحيى قال حدثنا سفيان قال حدثنا بيان عن الشعبى عن ابن عباس وفديناه بذبح عظيم قال إسماعيل * حدثنا ابن حميد قال حدثنا يحيى ابن واضح قال حدثنا أبو حمزة محمد بن ميمون السكرى عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن عباس قال إن الذى أمر بذبحه إبراهيم اسماعيل * حدثنى يعقوب قال حدثنا هشيم عن على بن زيد عن عمار مولى بنى هاشم وعن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال هو اسماعيل يعنى وفديناه بذبح عظيم * حدثنى يعقوب قال حدثنا بن علية قال حدثنا داود عن الشعبى قال قال ابن عباس هو إسماعيل * وحدثني به يعقوب مرة أخرى قال حدثنا ابن علية قال سئل داود بن ابى هند أي ابني إبراهيم أمر بذبحه فزعم أن الشعبى قال قال ابن عباس هو إسماعيل * حدثنا ابن المثنى قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة عن بيان عن الشعبى عن ابن عباس أنه قال في الذى فداه الله بذبح عظيم قال هو إسماعيل * حدثنا يعقوب قال حدثنا ابن علية قال حدثنا ليث عن مجاهد عن ابن عباس قوله وفديناه بذبح عظيم قال هو إسماعيل * وحدثني يونس بن عبد الاعلى قال حدثنا بن وهب قال أخبرني عمر بن قيس عن عطاء بن أبى رباح عن عبد الله بن عباس أنه قال المفدى اسماعيل وزعمت اليهود أنه اسحاق وكذبت اليهود * وحدثني محمد بن سنان القزاز قال حدثنا أبو عاصم عن مبارك عن على بن زيد عن يوسف بن مهران عن عباس الذى فداه الله عزوجل قال هو اسماعيل * حدثنى محمد بن سنان قال حدثنا حجاج عن حماد عن أبى عاصم الغنوى عن أبى الطفيل عن ابن عباس مثله * حدثنى اسحاق بن شاهين قال حدثنى خالد بن عبد الله عن داود عن عامر قال الذى أراد ابراهيم

[ 189 ]

ذبحه اسماعيل * حدثنا ابن المثنى قال حدثنى عبد الاعلى قال حدثنا داود عن عامر أنه قال في هذه الآية وفديناه بذبح عظيم قال هو اسماعيل قال وكان قرنا الكبش منوطين بالكعبة * حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن يمان عن اسرائيل عن جابر عن الشعبى قال الذبيح اسماعيل * حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن يمان عن اسرائيل عن جابر عن الشعبى قال رأيت قرنى الكبش في الكعبة * حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن يمان عن مبارك بن فضالة عن على بن زيد بن جدعان عن يوسف ابن مهران قال هو اسماعيل * حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن يمان قال حدثنا سفيان عن ابن أبى نجيح عن مجاهد قال هو اسماعيل * حدثنى يعقوب قال حدثنا هشيم قال أخبرنا عوف عن الحسن وفديناه بذبح عظيم قال هو اسماعيل * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال سمعت محمد بن كعب القرظى وهو يقول ان الذى أمر الله عزوجل ابراهيم بذبحه من ابنيه اسماعيل وانا لنجد ذلك في كتاب الله عزوجل في قصة الخبر عن إبراهيم وما أمر به من ذبح ابنه أنه إسماعيل وذلك أن الله عزوجل يقول حين فرغ من قصة المذبوح من بنى إبراهيم قال (وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين) ويقول (فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب) يقول بابن وابن ابن فلم يكن يأمره بذبح إسحق وله فيه من الله من الموعود ما وعده وما الذى أمر بذبحه إلا إسماعيل * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن إسحق عن بريدة بن سفيان بن فروة الاسلمي عن محمد بن كعب القرظى أنه حدثهم أنه ذكر ذلك لعمر بن عبد العزيز وهو خليفة إذ كان معه بالشام فقال له عمران هذا لشئ ما كنت أنظر فيه وإنى لا أراه كما قلت ثم أرسل إلى رجل كان عنده بالشام كان يهوديا فأسلم فحسن إسلامه وكان يرى أنه من علماء اليهود فسأله عمر بن عبد العزيز عن ذلك قال محمد بن كعب القرظى وأنا عند عمر بن عبد العزيز فقال له عمر أي ابني إبراهيم أمر بذبحه فقال اسماعيل والله يا أمير المؤمنين إن يهود لتعلم بذلك ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أباكم الذى كان من أمر الله فيه والفضل الذى ذكره الله

[ 190 ]

منه لصبره على ما أمر به فهم يجحدون ذلك ويزعمون أنه إسحاق لان إسحاق أبو هم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن الحسن بن دينار وعمرو بن عبيد عن الحسن بن أبى الحسن البصري أنه كان لا يشك في ذلك أن الذى أمر بذبحه من ابني إبراهيم اسماعيل * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن اسحاق سمعت محمد بن كعب القرظى يقول ذلك كثيرا * وأما الدلالة من القرآن التى قلنا إنها على أن ذلك إسحاق أصح فقوله تعالى مخبرا عن دعاء خليله إبراهيم حين فارق قومه مهاجرا إلى ربه إلى الشأم مع زوجته سارة قال (إنى ذاهب إلى ربى سيهدين ; رب هب لى من الصالحين) وذلك قبل أن يعرف هاجر وقبل أن تصير له أم اسماعيل ثم أتبع ذلك ربنا عزوجل الخبر عن إجابته دعاءه وتبشيره إياه بغلام حليم ثم عن رؤيا إبراهيم أنه يذبح ذلك الغلام حين بلغ معه السعي ولا يعلم في كتاب الله عزوجل تبشير لابراهيم بولد ذكر إلا باسحاق وذلك قوله " وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب " وقوله " قأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم " ثم ذلك كذلك في كل موضع ذكر فيه تبشير إبراهيم بغلام فإنما ذكر تبشير الله إياه به من زوجته سارة فالواجب أن يكون ذلك في قوله فبشرناه بغلام حليم نظير ما في سائر سور القرآن من تبشيره إياه به من زوجته سارة * وأما اعتلال من اعتل بأن الله لم يكن يأمر إبراهيم يذبح اسحاق وقد أتته البشارة من الله قبل ولادته بولادته وولادة يعقوب منه من بعده فإنها علة غير موجبة صحة ما قال وذلك أن الله تعالى انما أمر ابراهيم يذبح اسحاق بعد إدراك اسحاق السعي وجائز أن يكون يعقوب ولد له قبل أن يؤمر أبو ه بذبحه وكذلك لا وجه لاعتلال من اعتل في ذلك بقرن الكبش أنه رآه معلقا في الكعبة وذلك أنه غير مستحيل أن يكون حمل من الشأم إلى الكعبة فعلق هنالك

[ 191 ]

ذكر الخبر عن صفه فعل إبراهيم خليل الرحمان وابنه الذى أمر بذبحه فيما كان أمر به من ذلك والسبب الذى من أجله أمر إبراهيم عليه السلام بذبحه والسبب في أمر الله عزوجل إبراهيم بذبح ابنه الذى أمره بذبحه فيما ذكر أنه إذ فارق قومه هاربا بدينه مهاجرا إلى ربه متوجها إلى الشأم من أرض العراق دعا الله أن يهب له ولدا ذكرا صالحا من سارة فقال رب هب لى من الصالحين كما أخبر الله تعالى عنه فقال (وقال إنى ذاهب إلى ربى سيهدين، رب هب لى من الصالحين) فلما نزل به أضيافه من الملائكة الذين كانوا أرسلوا إلى المؤتفكة قوم لوط بشروه بغلام حليم عن أمر الله تعالى إياهم بتبشيره فقال إبراهيم إذ بشر به هو إذا لله ذبيح فلما ولد الغلام وبلغ السعي قيل له أوف بنذرك الذى نذرت لله ذكر من قال ذلك * حدثنى موسى بن هارون قال حدثنى عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدى في خبر ذكره عن أبى مالك وعن أبى صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن عبد الله وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قال جبرائيل عليه السلام لسارة ابشرى بولد اسمه إسحاق ومن وراء اسحاق يعقوب فضربت جبهتها عجبا فذلك قوله فصكت وجهها وقالت (أألد وأنا عجوز وهذا بعلى شيخا إن هذا لشئ عجيب. قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد) قالت سارة لجبرائيل ما آية ذلك فأخذ بيده عودا يابسا فلواه بين أصابعه فاهتز أخضر فقال إبراهيم هو إذا لله ذبيح فلما كبر اسحاق أرى إبراهيم في النوم فقيل له أوف بنذرك الذى نذرت إن رزقك الله غلاما من سارة أن تذبحه فقال لاسحاق انطلق نقرب قربانا إلى الله وأخذ سكينا وحبلا ثم انطلق معه حتى إذا ذهب به بين الجبال قال له الغلام يا أبت أين قربانك قال يا بنى إنى أرى في المنام إنى أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل

[ 192 ]

ما تؤمر ستجدني ان شاء الله من الصابرين قال له إسحاق اشد درباطى حتى لا اضطرب واكفف عن ثيابك حتى لا ينتضح عليها من دمى شئ فتراه سارة فتحزن وأسرع مر السكين على حلقى ليكون أهون للموت على وإذا أتيت سارة فاقرأ عليها السلام فأقبل عليه إبراهيم عليه السلام يقبله وقد ربطه وهو يبكى وإسحاق يبكى حتى استنقع الدموع تحت خد اسحاق ثم إنه جر السكين على حلقه فلم يحك السكين وضرب الله عزوجل صفيحة من نحاس على حلق إسحاق فلما رأى ذلك ضرب به على جبينه وحز في قفاه فذلك قوله عزوجل (فلما أسلما وتله للجبين) يقول سلما لله الامر فنودى يا إبراهيم قد صدقت الرويا بالحق التفت فإذا بكبش فأخذه وخلى عن ابنه فأكب على ابنه يقبله وبقول يا بنى اليوم وهبت لى فذلك قوله عزوجل (وفديناه بذبح عظيم) فرجع إلى سارة فاخبرها الخبر فجزعت سارة وقالت يا إبراهيم أردت أن تذبح ابني ولا تعلمني * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد ابن إسحق قال كان إبراهيم فيما يقال إذا زارها يعنى هاجر حمل على البراق يغدو من الشأم فيقيل بمكة ويروح من مكة فيبيت عند أهله بالشأم حتى إذا بلغ معه السعي وأخذ بنفسه ورجاه لما كان يأمل فيه من عبادة ربه وتعظيم حرماته أرى في المنام أن يذبحه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن بعض أهل العلم أن إبراهيم حين أمر بذبح ابنه قال له بابنى خذ الحبل والمدية ثم انطلق بنا إلى هذا الشعب لنحطب أهلك منه قبل أن يذكر له شيئا مما أمر به فلما وجه إلى الشعب اعترضه عدو الله إبليس ليصده عن أمر الله في صورة رجل فقال اين تريد ايها الشيخ قال اريد هذا الشعب لحاجة لى فيه فقال والله انى لارى الشيطان قد جاءك في منامك فامرك بذبح بنيك هذا فانت تريد ذبحه فعرفه ابراهيم فقال اليك عنى أي عدو الله فوالله لا مضين لامر ربى فيه فلما يئس عدو الله ابليس من ابراهيم اعترض اسماعيل وهو وراء ابراهيم يحمل الحبل والشفرة فقال له يا غلام هل تدرى أين يذهب بك ابوك قال يحطب أهلنا من هذا الشعب قال والله ما يريد الا ان يذبحك قال لم قال زعم ان ربه أمره بذلك قال فليفعل

[ 193 ]

ما أمره به ربه فسمعا وطاعة فلما امتنع منه الغلام ذهب إلى هاجر أم اسماعيل وهى في منزلها فقال لها يا أم اسماعيل هل تدرين أين ذهب ابراهيم باسماعيل قالت ذهب به يحطبنا من هذا الشعب قال ما ذهب به الا ليذبحه قالت كلا هو أرحم به وأشد حبا له من ذلك قال انه يزعم أن الله امره بذلك قالت ان كان ربه أمره بذلك فتسليما لامر الله فرجع عدو الله بغيظه لم يصب من آل ابراهيم شيئا ما أراد قد امتنع منه ابراهيم وآل ابراهيم بعون الله وأجمعوا لامر الله بالسمع والطاعة فلما خلا ابراهيم بابنه في الشعب وهو فيما يزعمون شعب ثبير قال له يا بنى انى أرى في المنام أنى اذبحك فانظر ماذا ترى قال يا ابت افعل ما تؤمر ستجدني ان شاء الله من الصابرين * قال ابن حميد قال سلمة قال محمد بن اسحاق عن بعض أهل العلم ان اسماعيل قال له عند ذلك يا أبت ان اردت ذبحى فاشدد رباطي لا يصبك منى شئ فينقص اجرى فان الموت شديد وانى لا آمن أن اضطرب عنده إذا وجدت مسه واشحذ شفرتك حتى تجهز على فتريحني وإذا انت اضجعتنى لتذبحني فكبني لوجهي على جبيني ولا تضجعني لشقي فانى اخشى إن انت نظرت في وجهى أن تدركك رقة تحول بينك وبين امر الله في وان رأيت ان ترد قميصي على امى فانه عسى ان يكون هذا أسلى لها عنى فافعل قال يقول له ابراهيم نعم العون انت يا بنى على أمر الله قال فربطه كما أمره اسماعيل فأوثقه ثم شحذ شفرته ثم تله للجبين واتقى النظر في وجهه ثم أدخل الشفرة لحلقه فقلبها الله لفقاها في يده ثم اجتذبها إليه ليفرغ منه فنودى أن يا ابراهيم قد صدقت الرؤيا هذه ذبيحتك فداء لابنك فاذبحها دونه يقول الله عزوجل فلما أسلما وتله للجبين وانما تتل الذبائح على خدودها فكان مما صدق عندنا هذا الحديث عن اسماعيل في اشارته على ابيه بما أشار إذ قال كبنى على وجهى قوله (وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزى المحسنين، إن هذا لهو البلاء المبين، وفديناه بذبح عظيم) * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن الحسن بن دينار عن قتادة بن دعامة عن جعفر بن اياس عن عبد الله بن عباس قال

[ 194 ]

خرج عليه كبش من الجنة قد رعاها قبل ذلك أربعين خريفا فارسل ابراهيم ابنه فاتبع الكبش فاحرجه إلى الجمرة الاولى فرماه بسبع حصيات فأفلته عنده فجاء الجمرة الوسطى فاحرجه عندها فرماه بسبع حصيات ثم افلته فادركه عند الجمرة الكبرى فرماه بسبع حصيات فاحرجه عندها ثم أخذه فاتى به المنحر من منى فذبحه فوالذي نفس ابن عباس بيده لقد كان أول الاسلام وإن رأس الكبش لمعلق بقرنيه في ميزاب الكعبة وقد وخش يعنى قد يبس * حدثنى محمد بن سنان القزاز قال حدثنى حجاج عن حماد عن ابى عاصم الغنوى عن ابى الطفيل قال قال ابن عباس ان ابراهيم لما أمر بالمناسك عرض له الشيطان عند المسعى فسابقه فسبقه ابراهيم ثم ذهب به جبرائيل عليه السلام إلى جمرة العقبة فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات حتى ذهب ثم عرض له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب ثم تله للجبين وعلى اسماعيل قميص أبيض فقال له يا أبت انه ليس لى ثوب تكفننى فيه غير هذا فاخلعه عنى فاكفني فيه فالتفت ابراهيم عليه السلام فإذا هو بكبش اعين ابيض أقرن فذبحه فقال ابن عباس لقد رأيتنا نتبع هذا الضرب من الكباش * حدثنى محمد بن عمرو قال حدثنى أبو عاصم قال حدثنا عيسى * وحدثني الحارث قال حدثنا الحسن قال حدثنا ورقاء جميعا عن ابن أبى نجيح عن مجاهد قوله وتله للجبين قال وضع وجهه للارض قال لا نذبحنى وأنت تنظر إلى وجهى عسى أن ترحمني فلا تجهز على اربط يدى إلى رقبتي ثم ضع وجهى للارض * حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن يمان عن سفيان عن جابر عن أبى الطفيل عن على عليه السام وفديناه بذبح عظيم قال كبش أبيض أقرن أعين مربوط بسمر في ثبير * حدثنى يونس قال أخبرنا ابن وهب قال أخبرني ابن جريج عن عطاء بن أبى رباح عن ابن عباس وفديناه بذبح عظيم قال كبش قال عبيد بن عمير ذبح بالمقام وقال مجاهد ذبح بمنى في المنحر * حدثنا ابن بشار قال حدثنا عبد الرحمن قال حدثنا سفيان عن ابن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال الكبش الذى ذبحه ابراهيم عليه السلام هو الكبش الذى قربه ابن آدم فتقبل منه * حدثنا ابن حميد

[ 195 ]

قال حدثنا يعقوب عن جعفر عن سعيد بن جبير وفديناه بذبح عظيم قال كان الكبش الذى ذبحه ابراهيم رعى في الجنة أربعين سنة وكان كبشا أملح صوفه مثل العهن الاحمر * حدثنا أبو كريب قال حدثنا معاوية بن هشام عن سفيان عن رجل عن أبى صالح عن ابن عباس وفديناه بذبح عظيم قال كان وعلا * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن عمرو بن عبيد عن الحسن انه كان يقول ما فدى اسماعيل إلا بتيس كان من الا روى أهبط عليه من ثبير وما يقول الله عزوجل وفديناه بذبح عظيم لذبيحته فقط ولكنه الذبح على دينه فتلك السنة إلى يوم القيامة فاعلموا ان الذبيحة تدفع ميتة السوء فضحوا عباد الله وقد قال أمية بن أبى الصلت في السبب الذى من أجله أمر ابراهيم بذبح ابنه شعرا ويحقق بقيله ما قال في ذلك الرواية التى رويناها عن السدى وان ذلك كان من ابراهيم عن نذر كان منه فأمره الله بالوفاء به فقال ولابراهيم الموفى بالنذ * ر احتسابا وحامل الاحدال بكره لم يكن ليصبر عنه * أو يراه في معشر أقتال أبنى إنى قد نذرتك * لله شحيطا فاصبر فدى لك حالى واشدد الصفد لا أحيد عن * السكين حيدا لاسير ذى الاغلال وله مدية تخايل في اللحم * هذام حنية كالهلال بينما يخلع السرابيل عنه * فكه ربه بكبش جلال خذ لهذا فأرسل ابنك إنى * للذى قد فعلتما غير قال والد يتقى وآخر مولو * د فطارا منه بسمع فعال ربما تجزع النفوس من الامر * له فرجة كحل العقال * حدثنا ابن حميد قال حدثنا يحيى بن واضح قال حدثنا الحسين يعنى ابن واقد عن زيد عن عكرمة قوله عزوجل " فلما أسلما " قال أسلما جميعا لامر الله رضى الغلام بالذبح ورضى الاب بأن يذبحه قال يا أبت اقذفني للوجه كيلا تنظر إلى

[ 196 ]

فترحمني وأنظر أنا إلى الشفرة فأجزع ولكن أدخل الشفرة من تحتي وامض لامر الله فذلك قوله تعالى " فلما أسلما وتله للجبين " فلما فعل ذلك ناديناه أن يا ابراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزى المحسنين * وكان ممن امتحن الله به ابراهيم عليه السلام وابتلاه به بعد ابتلائه إياه بما كان من أمره وأمر نمرود بن كوش ومحاولته احراقه بالنار وابتلائه بما كان من أمره إياه بذبح ابنه بعد أن بلغ معه السعي ورجا نفعه ومعونته على ما يقربه من ربه عزوجل ورفعه القواعد من البيت ونسكه المناسك ابتلاؤه جل جلاله بالكلمات التى أخبر الله عنه أنه ابتلاه بهن فقال (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن) وقد اختلف السلف من علماء الامة في هذه الكلمات التى ابتلاه الله بهن فأتمهن فقال بعضهم ذلك ثلاثون سهما وهى شرائع الاسلام ذكر من قال ذلك * حدثنا محمد بن المثنى قال حدثنا عبد الاعلى قال حدثنا داود عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى " وإذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات " قال قال ابن عباس لم يبتل أحد بهذا الدين فأقامه إلا ابراهيم عليه السلام ابتلاه الله تعالى بكلمات فأتمهن قال فكتب الله تعالى له البراءة فقال (وإبراهيم الذى وفى) عشر منها في الاحزاب وعشر منها في براءة وعشر منها في المؤمنين وسأل سائل وقال إن هذا الاسلام ثلاثون سهما * حدثنا اسحاق بن شاهين الواسطي قال حدثنا خالد الطحان عن داود عن عكرمة عن ابن عباس قال ما ابتلى أحد بهذا الدين فقام به كله غير ابراهيم عليه السلام ابتلى بالاسلام فأتمه فكتب الله له البراءة فقال " وابراهيم الذى وفى " فذكر عشرا في براءة (التائبون العابدون الحامدون) وعشرا في الا حزب (إن المسلمين والمسلمات) وعشرا في سورة المؤمنين إلى قوله تعالى (والذين هم على صلواتهم يحافظون) وعشرا في سأل سائل (والذين هم على صلواتهم يحافظون) * وحدثني عبد الله بن أحمد المروزى قال حدثنا على بن الحسن قال حدثنا خارجة بن مصعب عن داود بن أبى هند عن عكرمة عن ابن عباس قال الاسلام

[ 197 ]

ثلاثون سهما وما ابتلى أحد بهذا الدين فأقامه إلا ابراهيم قال الله تعالى " وابراهيم الذى وفى " فكتب الله له براءة من النار * وقال آخرون ذلك عشر خصال من سنن الاسلام خمس منهن في الرأس وخمس في الجسد ذكر من قال ذلك * حدثنى الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس " وإذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات " قال ابتلاه الله عزوجل بالطهارة خمس في الرأس وخمس في الجسد. في الرأس قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس وفى الجسد تقليم الاظفار وحلق العانة والختان ونتف الابط وغسل أثر الغائط والبول بالماء * حدثنى المثنى قال حدثنا اسحاق قال حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الحكم بن أبان عن القاسم بن أبى بزة عن ابن عباس بمثله غير أنه لم يذكر أثر البول * حدثنا ابن بشار قال حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا أبو هلال قال حدثنا قتادة في قوله تعالى " وإذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات " قال ابتلاه بالختان وحلق العانة وغسل القبل والدبر والسواك وقص الشارب وتقليم الاظفار ونتف الابط قال أبو هلال ونسيت خصلة * حدثنى عبد ان المروزى قال حدثنا عمار بن الحسن قال حدثنا عبد الله بن أبى جعفر عن أبيه عن مطر عن أبى خالد قال ابتلى ابراهيم عليه السلام بعشرة أشياء هن في الاسلام سنة المضمضة والاستنشاق وقص الشارب والسواك ونتف الابط وتقليم الاظفار وغسل البراجم والختان وحلق العانة وغسل الدبر والفرج * وقال آخرون نحو قول هؤلاء غير أنهم قالوا ست من العشر في جسد الانسان وأربع منهن في الشاعر ذكر من قال ذلك * حدثنا المثنى قال حدثنا اسحاق قال حدثنا محمد بن حرب قال حدثنا ابن لهيعة عن ابن هبيرة عن حنش عن ابن عباس في قوله عزوجل " وإذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فأتمهن " قال ست في الانسان وأربع في المشاعر فالتى في الانسان حلق العانة والختان ونتف الابط وتقليم الاظفار وقص الشارب والغسل يوم الجمعة وأربع

[ 198 ]

في المشاعر الطواف والسعى بين الصفا والمروة ورمى الجمار والافاضة * وقال آخرون ذلك قوله (إنى جاعلك للناس إماما) ومناسك الحج ذكر من قال ذلك * حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن إدريس قال سمعت اسماعيل بن أبى خالد عن أبى صالح قوله " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فاتمهن " منهن إنى جاعلك للناس إماما وآيات النسك * حدثنى أبو السائب قال حدثنا ابن إدريس قال سمعت ابن أبى خالد عن أبى صالح مولى أم هانئ في قوله تعالى " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات " قال منهن " إنى جاعلك للناس إماما " ومنهن آيات النسك (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت) * حدثنى محمد بن عمرو قال أخبرنا أبو عاصم قال حدثنى عيسى بن أبى نجيح عن مجاهد في قوله " وإذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فأتمهن " قال قال الله لابراهيم إنى مبتليك بأمر فما هو قال تجعلني للناس إماما قال نعم قال ومن ذريتي " قال لا ينال عهدي الظالمين " قال تجعل البيت مثابة للناس قال نعم قال وتجعل هذا البلد أمنا قال نعم وتجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك قال نعم وترينا منا سكنا وتتوب علينا قال نعم وترزق أهله من الثمرات من آمن قال نعم * حدثنى القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثنى حجاج عن ابن جريج عن مجاهد بنحوه قال ابن جريج فاجتمع على هذا القول مجاهد وعكرمة * حدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبى عن سفيان عن ابن أبى نجيح عن مجاهد " وإذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فاتمهن " قال ابتلى بالآيات التى بعدها إنى جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين * حدثنى المثنى بن إبراهيم قال حدثنا أبو حذيفة قال حدثنا شبل عن ابن أبى نجيح قال أخبرني به عكرمة قال فعرضته على مجاهد فلم ينكره * حدثنى موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدى الكلمات التى ابتلى بهن إبراهيم (ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، ربنا وابعث فيهم

[ 199 ]

رسولا منهم) * حدثت عن عمار بن الحسن قال حدثنا عبد الله بن أبى جعفر عن أبيه عن الربيع في قوله " وإذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات " قال الكلمات " إنى جاعلك للناس إماما " وقوله " وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا " وقوله " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " وقوله " وعهدنا إلى ابراهيم واسماعيل " الآية وقوله " واذ يرفع ابراهيم القواعد من البيت " الآية قال فذلك كله من الكلمات التى ابتلى بهن ابراهيم * حدثنى محمد بن سعد قال حدثنى أبى قال حدثنى عمى قال حدثنى أبى عن أبيه عن ابن عباس في قوله تعالى " واذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات " قال منهن " إنى جاعلك للناس إماما " ومنهن " وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت " ومنهن الآيات في شأن المنسك والمقام الذى جعل لابراهيم والرزق الذى رزق ساكن البيت ومحمد صلى الله عليه وسلم بعث في ذريتهما * وقال آخرون بل ذلك مناسك الحج خاصة ذكر من قال ذلك * حدثنا ابن بشار قال حدثنا سلم بن قتيبة قال حدثنا عمر بن نبهان عن قتادة عن ابن عباس في قوله " واذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات " قال مناسك الحج * حدثنا بشر ابن معاذ قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة قال كان ابن عباس يقول في قوله " واذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات " قال هي المناسك * حدثت عن عمار بن الحسن قال حدثنا ابن أبى جعفر عن أبيه قال بلغنا عن ابن عباس أنه قال إن الكلمات التى ابتلى بهن ابراهيم هي المناسك * حدثنا أحمد بن اسحاق الاهوازي قال حدثنا أبو أحمد الزبيري قال حدثنا اسرائيل عن أبى اسحاق عن التميمي عن ابن عباس قوله " واذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فاتمهن " قال مناسك الحج * حدثنى ابن المثنى قال حدثنى الحمانى قال حدثنا شريك عن أبى اسحاق عن التميمي عن ابن عباس مثله * حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة قال قال ابن عباس ابتلاه بالمناسك * وقال آخرون بل ابتلاه بأمور منهن الختان

[ 200 ]

ذكر من قال ذلك * حدثنا ابن بشار قال حدثنا سلم بن قتيبة عن يونس بن أبى اسحاق عن الشعبى واذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات " قال منهن الختان * حدثنا ابن حميد قال حدثنا يحيى بن واضح قال حدثنا يونس بن أبى اسحاق قال سمعت الشعبى يقول فذكر مثله * حدثنى أحمد بن اسحاق قال حدثنا أبو أحمد قال سمعت الشعبى وسأله أبو اسحاق عن قوله عزوجل " واذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات " قال منهن الختان يا أبا اسحاق وقال آخرون ذلك الخلال الست الكوكب والقمر والشمس والنار والهجرة والختان التى ابتلى بهن أجمع فصبر عليهن ذكر من قال ذلك * حدثنى يعقوب بن ابراهيم قال حدثنا ابن علية عن أبى رجاء قال قلت للحسن واذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فاتمهن " قال ابتلاه بالكوكب فرضى عنه وابتلاه بالقمر فرضى عنه وابتلاه بالشمس فرضى عنه وابتلاه بالنار فرضى عنه وابتلاه بالهجرة وابتلاه بالختان * حدثنا بشر قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا سعيد عن قتادة قال كان الحسن يقول إن الله ابتلاه بأمر فصبر عليه: ابتلاه بالكوكب والشمس والقمر فأحسن في ذلك وعرف أن ربه دائم لا يزول فوجه وجهه للذى فطر السموات والارض حنيفا وما كان من المشركين وابتلاه بالهجرة فخرج من بلاده وقومه حتى لحق بالشام مهاجرا إلى الله تعالى ثم ابتلاه بالنار قبل الهجرة فصبر على ذلك وابتلاه بذبح ابنه والختان فصبر على ذلك * حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عمن سمع الحسن يقول في قوله " وإذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات " قال ابتلاه بالكوكب وبالشمس وبالقمر * حدثنا ابن بشار قال حدثنا سلم بن قتيبة قال حدثنا أبو هلال عن الحسن " وإذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات " قال ابتلاه بالكوكب وبالشمس وبالقمر فوجده صابرا * حدثنا أحمد بن إسحاق بن المختار قال حدثنى غسان بن الربيع قال حدثنا عبد الرحمن وهو ابن ثوبان عن عبد الله بن الفضل عن عبد الرحمن الاعرج عن أبى هريرة قال قال رسول الله

[ 201 ]

صلى الله عليه وسلم " اختتن ابراهيم بعد ثمانين سنة بالقدوم " وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في الكلمات التى ابتلى بهن ابراهيم خبران أحدهما ما حدثنا أبو كريب قال حدثنا الحسن بن عطية قال حدثنا اسرائيل عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبى أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " وابراهيم الذى وفى " قال أتدرون ما وفى قالوا الله ورسوله أعلم قال وفى عمل يومه أربع ركعات في النهار والآخر منهما ما حدثنا به أبو كريب قال حدثنا رشدين بن سعد قال حدثنا زبان بن فائد عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول " ألا أخبركم لم سمى الله ابراهيم خليله الذى وفى لانه كان يقول كل ما أصبح وكل ما أمسى (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون) حتى ختم الآية " * فلما عرف الله تعالى من ابراهيم الصبر على كل ما ابتلاه به والقيام بكل ما ألزمه من فرائضه وإيثاره طاعته على كل شئ سواها اتخذه خليلا وجعله لمن بعده من خلقه اماما واصطفاه إلى خلقه رسولا وجعل في ذريته النبوة والكتاب والرسالة وخصهم بالكتب المنزلة والحكم البالغة وجعل منهم الاعلام والقادة والرؤساء والسادة كل ما مضى منهم نجيب خلفه سيد رفيع وأبقى لهم ذكرا في الآخرين فالامم كلها تتولاه وتثنى عليه وتقول بفضله إكراما من الله له بذلك في الدنيا وما ادخر له في الآخرة من الكرامة أجل وأعظم من أن يحيط به وصف واصف * ونرجع الآن إلى الخبر عن عدو الله وعدو ابراهيم الذى كذب بما جاء به من عند الله ورد عليه النصحية التى نصحها له جهلا منه واغترارا بحلم الله تعالى عليه نمرود بن كوش ابن كنعان بن حام بن نوح وما آل إليه أمره في عاجل دنياه حين تمرد على ربه مع املاء الله إياه وتركه تعجيل العذاب له على كفره به ومحاولته احراق خليله بالنار حين دعاه إلى توحيد الله والبراءة من الآلهة والاوثان وأن نمرود لما تطاول عتوه وتمرده على ربه مع املاء الله تعالى له فيما ذكر أربعمائة عام لا تزيده حجج الله التى يحتج بها عليه وعبره التى يريها إياه إلا تماديا في غيه عذبه الله فيما ذكر في عاجل دنياه

[ 202 ]

قدر إملائه إياه من المدة بأضعف خلقه وذلك بعوضة سلطها عليه ذكر الاخبار الواردة عنه بما ذكرت من جهله وما أحل الله عزوجل به من نقمته * حدثنى الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن زيد بن أسلم ان أول جبار كان في الارض نمرود وكان الناس يخرجون فيمتارون من عنده الطعام فخرج ابراهيم يمتار مع من يمتار فإذا مر به ناس قال من ربكم قالوا أنت حتى مر به ابراهيم قال من ربك قال " ربى الذى يحيى ويميت " قال أنا أحيى وأميت قال ابراهيم " فان الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذى كفر " قال فرده بغير طعام قال فرجع ابراهيم إلى أهله فمر على كثيب أعفر فقال هلا آخذ من هذا فأتي به أهلى فتطيب أنفسهم حين أدخل عليهم فأخذ منه فأتى أهله قال فوضع متاعه ثم نام فقامت امرأته إلى متاعه ففتحته فإذا هي بأجود طعام رآه أحد فصنعت له منه فقربته إليه وكان عهد أهله ليس عندهم طعام فقال من أين هذا قالت من الطعام الذى جئت به فعلم أن الله قد رزقه فحمد الله ثم بعث الله إلى الجبار ملكا أن آمن بى وأتركك على ملكك قال فهل رب غيرى فجاءه الثانية فقال له ذلك فأبى عليه ثم أتاه الثالثة فأبى عليه فقال له الملك اجمع جموعك إلى ثلاثة أيام فجمع الجبار جموعه فأمر الله الملك ففتح عليهم بابا من البعوض فطلعت الشمس فلم يروها من كثرتها فبعثها الله عليهم فأكلت لحومهم وشربت دماءهم فلم يبق إلا العظام والملك كما هو لم يصبه من ذلك شئ فبعث الله عليه بعوضة فدخلت في منخره فمكث أربعمائة سنة يضرب رأسه بالمطارق وأرحم الناس به من جمع يديه ثم ضرب بهما رأسه وكان جبارا أربعمائة عاما فعذبه الله أربعمائة سنة كملكه وأماته الله وهو الذى بنى صرحا إلى السماء فأتى الله بنيانه من القواعد وهو الذى قال الله فيه (فأتى الله بنيانهم من القواعد * حدثنا موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدى في خبر ذكره عن أبى مالك وعن أبى صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال

[ 203 ]

أمر الذى حاج ابراهيم في ربه بابراهيم فأخرج يعنى من مدينته قال فأخرج فلقى لو طاعلى باب المدينة وهو ابن أخيه فدعاه فآمن به وقال إنى مهاجر إلى ربى وحلف نمرود يطلب إله ابراهيم فأخذ أربعة أفرخ من فراخ النسور فرباهن باللحم والخمر حتى إذا كبرن وغلظن واستعلجن قرنهن بتابوت وقعد في ذلك التابوت ثم رفع رجلا من لحم لهن فطرن به حتى إذا ذهبن في السماء أشرف ينظر إلى الارض فرأى الجبال تدب كدبيب النمل ثم رفع لهن اللحم ثم نظر فرأى الارض محيطا بها بحر كأنها فلكة من ماء ثم رفع طويلا فوقع في ظلمة فلم ير ما فوقه ولم ير ما تحته ففزع فألقى اللحم فاتبعته منقضات فلما نظر الجبار اليهن وقد أقبلن منقضات وسمعن حفيفهن فزعت الجبال وكادت أن تزول من أمكنتها ولم يفعلن وذلك قوله عزوجل (وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال) وهى في قراءة ابن مسعود وإن كاد مكرهم فكان طيرانهن به من بيت المقدس ووقوعهن في جبل الدخان فلما رأى أنه لا يطيق شيئا أخذ في بناء الصرح فبنى حتى إذا أسنده إلى السماء ارتقى فوقه ينظر بزعمه إلى إله ابراهيم فأحدث ولم يكن يحدث وأخذ الله بنيانه من القواعد (فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون) يقول من مأمنهم وأخذهم من أساس الصرح فتنقض ثم سقطت فتبلبلت ألسن الناس من يومئذ من الفزع فتلكموا بثلاثة وسبعين لسانا فلذلك سميت بابل وإنما كان لسان الناس قبل ذلك السريانة * حدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبو داود الحفرى عن يعقوب عن حفص بن حميد أو جعفر عن سعيد بن جبير " وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال " قال نمرود صاحب النسور أمر بتابوت فجعل وجعل معه رجلا ثم أمر بالنسور فاحتملته لما صعد قال لصاحبه أي شئ ترى قال أرى الماء والجزيرة يعنى الدنيا ثم صعد وقال لصاحبه أي شئ ترى قال ما نزداد من السماء إلا بعدا قال اهبط وقال غيره نودى أيها الطاغية أين تريد فسمعت الجبال حفيف النسور وكانت ترى انه أمر عن السماء فكادت تزول فهو قوله تعالى " وان كان مكرهم لتزول منه الجبال * حدثنا الحسن بن محمد قال حدثنا محمد بن أبى عدى عن شعبة عن

[ 204 ]

أبى اسحق قال حدثنا عبد الرحمن بن دانيل أن عليا عليه السلام قال في هذه الآية " وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال " قال أخذ ذلك الذى حاج ابراهيم في ربه نسرين صغيرين فرباهما حتى استغلظا واستعلجا فشبا قال فأوثق رجل كل واحد منهما بوتر إلى تابوت وجوعها وقعد وهو ورجل آخر في التابوت قال ورفع في التابوت عصا على رأسه اللحم فطارا وجعل يقول لصاحبه انظر ماذا ترى قال أرى كذا وكذا حتى قال أرى الدنيا كأنها ذباب فقال صوب فصوبها فهبطا قال فهو قوله إعزوجل وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال قال أبو اسحق ولذلك هي في قراءة عبد الله وإن كاد مكرهم فهذا ما ذكر من خبر نمرود بن كوش بن كنعان * وقد قال جماعة إن نمرود بن كوش بن كنعان هذا ملك مشرق الارض ومغربها وهذا قول يدفعه أهل العلم بسير الملوك وأخبار الماضين وذلك انهم لا يدفعون ولا ينكرون أن مولد ابراهيم كان في عهد الضحاك بن اندر ماسب الذى قد ذكرنا بعض أخباره فيما مضى وأن من ملك شرق الارض وغربها يومئذ كان الضحاك وقد قال بعض من أشكل عليه أمر نمرود ممن عرف زمان الضحاك وأسبابه فلم يدر كيف الامر في ذلك مع سماعه ما انتهى إليه من الاخبار عمن روى عنه أنه قال ملك الارض كافران ومؤمنان فأما الكافران فنمرود وبختنصر وأما المؤمنان فسليمان بن داود وذو القرنين وقول القائلين من أهل الاخبار إن الضحاك كان هو ملك شرق الارض وغربها في عهد ابراهيم نمرود هو الضحاك وليس الامر في ذلك عند أهل العلم بالاخبار الاوائل والمعرفة بالامور السوالف كالذى ظن لان نسب نمرود في النبط معروف ونسب الضحاك في عجم الفرس مشهور ولكن ذوى العلم بأخبار الماضين وأهل المعرفة بأمور السالفين من الامم ذكروا أن الضحاك كان ضم إلى نمرود السواد وما اتصل به يمنة ويسرة وجعله وولده عماله على ذلك وكان هو ينتقل في البلاد وكان وطنه الذى هو وطنه ووطن أجداده دنباوند من جبال طبرستان وهنالك رمى به افريذون حين ظفر به وقهره موثوقا بالحديد وكذلك بختنصر كان في اصبهبذ ما بين الاهواز إلى أرض

[ 205 ]

الروم من غربي دجلة من قيل لهراسب وذلك أن لهراسب كان مشتغلا بقتال الترك مقيما بازائهم ببلخ وهو الذى بناها فيما قبل لما تطاول مكثه هنالك لحرب الترك فظن من لم يكن عالما بامور القوم بتطاول مدة ولايتهم أمر الناحية لمن ولوا له أنهم كانوا هم الملوك ولم يدع أحد من أهل العلم بامور الاوائل وأخبار الملوك الماضية وأيام الناس فيما نعلمه أن أحدا من النبط كان ملكا برأسه على شبر من الارض فكيف بملك شرق الارض وغربها ولكن العلماء من أهل الكتاب وأهل المعرفة باخبار الماضين ومن قد عانى النظر في كتب التأريخات يزعمون أن ولاية نمرود اقليم بابل من قبل الازدهاق بيوراسب دامت أربعمائة سنة ثم لرجل من نسله من بعد هلاك نمرود يقال له نبط بن قعود مائة سنة ثم لداوص بن نبط من بعد نبط ثمانين سنة ثم من بعد داوص بن نبط لبالش بن داوص مائة وعشرين سنة ثم لنمرود بن بالش من بعد بالش سنة وأشهرا فذلك سبعمائة سنة وسنة وأشهر وذلك كله في أيام الضحاك فلما ملك افريذون وقهر الازدهاق قتل نمرود بن بالش وشرد النبط وطردهم وقتل منهم مقتلة عظيمة لما كان منهم من معاونتهم بيوراسب على أموره وعمل نمرود وولد له وقد زعم بعض أهل العلم أن بيوراسب قد كان قبل هلاكه تنكرلهم وتغير عما كان لهم عليه (ونعود الآن) إلى ذكر الخبر عن بقية الاحداث التى كانت في أيام ابراهيم صلى الله عليه وسلم وكان من الكائن أيام حياته من ذلك ما كان من أمر لوط بن هاران ابن تارخ ابن أخى إبراهيم عليهما السلام وأمر قومه من سدوم وكان من أمره فيما ذكر أنه شخص من أرض بابل مع عمه ابراهيم خليل الرحمن مؤمنا به متبعا له على دينه مهاجرا إلى الشام ومعهما سارة بنت ناحور * وبضعهم يقول هي سارة بنت هنال بن ناحور وشخص معهم فيما قيل تارخ أبو ابراهيم مخالفا لابراهيم في دينه مقيما على كفره حتى صاروا إلى حران فمات تارخ وهو أبو براهيم

[ 206 ]

بحران على كفره وشخص ابراهيم لوط وسارة إلى الشام ثم مضوا إلى مصر فوجدوا بها فرعونا من فراعنتها ذكر أنه كان سنان بن علوان بن عبيد بن عويج ابن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح وقد قيل إن فرعون مصر يومئذ كان أخا للضحاك كان الضحاك وجهه إليها عاملا عليها من قبله وقد ذكرت بعض قصته مع إبراهيم فيما مضى قبل ثم رجعوا عودا على بدئهم إلى الشأم وذكر أن إبراهيم نزل فلسطين وأنزل ابن أخيه لوطا الاردن وأن الله تعالى أرسل لوطا إلى أهل سدوم وكانوا أهل كفر بالله وركوب فاحشة كما أخبر الله عن قوم لوط (إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين أئنكم لتاتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر) * وكان قطعهم السبيل فيما ذكر إتيانهم الفاحشة إلى من ورد بلدهم. ذكر من قال ذلك * حدثنى يونس بن عبد الاعلى قال أخبرنا ابن وهب قال قال ابن زيد في وله تعالى " وتقطعون السبيل " قال السبيل طريق المسافر إذا مر بهم وهو ابن السبيل قطعوا به وعملوا به ذلك العمل الخبيث * وأما اتيانهم ما كانوا يأتونه من المنكر في ناديهم فان أهل العلم اختلفوا فيه فقال بعضهم كانوا يحذفون من مر بهم وقال بعضهم كانوا يتضارطون في مجالسهم وقال بعضهم كان بعضهم ينكح بعضا فيها * ذكر من قال كانوا يحذفون من مر بهم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا يحيى بن واضح قال حدثنا عمر بن أبى زائدة قال سمعت عكرمة يقول في قوله " وتأتون في ناديكم المنكر " قال كانوا يؤذون أهل الطريق يحذفون من مر بهم * حدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبى عن عمران بن زيد قال سمعت عكرمة قال الحذف * حدثنا موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدى في خبر ذكره عن أبى مالك وعن أبى صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم " وتأتون في ناديكم المنكر " قال كانوا كل من مر بهم

[ 207 ]

حذفوه وهو المنكر ذكر من قال كانوا يتضارطون في مجالسهم حدثنى عبد الرحمن بن الاسود الظفارى قال حدثنا محمد بن ربيعة قال حدثنا روح ابن غطيف الثقفى عن عمرو بن مصعب عن عروة بن الزبير عن عائشة في قوله تعالى " وتأتون في ناديكم المنكر " قالت الضراط ذكر من قال كان يأتي بعضهم بعضا في مجالسهم حدثنا ابن وكيع وابن حميد قالا حدثنا جرير عن مصنور عن مجاهد في قوله " وتأتون في ناديكم المنكر " قال كان بعضهم يأتي بعضا في مجالسهم * حدثنا سليمان بن عبد الجبار قال حدثنا ثابت بن محمد الليثى قال حدثنا فضيل بن عياض عن منصور بن المعتمر عن مجاهد في قوله " وتأتون في ناديكم المنكر " قال كان يجامع بعضهم بعضا في المجالس * حدثنا ابن حميد قال حدثنا حكام عن عمرو عن منصور عن مجاهد مثله * حدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبى عن سفيان عن منصور عن مجاهد قال كانوا يجامعون الرجال في مجالسهم * حدثنى محمد بن عمرو قال حدثنا أبو عاصم قال حدثنا عيسى وحدثني الحارث قال حدثنا الحسن قال حدثنا ورقاء جميعا عن ابن أبى نجيح عن مجاهد " وتأتون في ناديكم المنكر " قال المجالس والمنكر إتيانهم الرجال * حدثنا بشر قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة قوله " وتأتون في ناديكم المنكر " قال كانوا يأتون الفاحشة في ناديهم * حدثنى يونس قال أخبرنا ابن وهب قال قال ابن زيد في قوله " وتأتون في ناديكم المنكر " قال ناديهم المجالس والمنكر عملهم الخبيث الذى كانوا يعملونه كانوا يعترضون الراكب فيأخذونه فيركبونه وقرأ " أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون " وقرأ " ما سبقكم بها من أحد من العالمين " وقد حدثنا ابن وكيع قال حدثنا اسماعيل بن علية عن ابن أبى نجيح عن عمرو بن دينار قوله ما سبقكم بها من أحد من العالمين قال ما نزا ذكر حتى كان قوم لوط * قال أبو جعفر الصواب من القول في ذلك عندي قول من قال عنى بالمنكر الذى كانوا يأتونه في ناديهم في هذا الموضع حذفهم من مر بهم وسخريتهم منه للخبر

[ 208 ]

الوارد بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى حدثناه أبو كريب وابن وكيع قالا حدثنا أبو أسامة عن حاتم بن أبى صغيرة عن سماك بن حرب عن أبى صالح مولى أم هانئ عن أم هانئ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى وتأتون في ناديكم المنكر قال كانوا يحذفون أهل الطريق ويسخرون منهم وهو المنكر الذى كانوا يأتونه * حدثنا أحمد بن عبد ة الضبى قال حدثنا سليمان ابن حيان قال أخبرنا أبو يونس القشيرى عن سماك بن حرب عن أبى صالح عن أم هانئ قالت سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله وتأتون في ناديكم المنكر قال كانوا يحذفون أهل الطريق ويسخرون منهم * حدثنا الربيع بن سليمان قال حدثنا أسد بن موسى قال حدثنا سعيد بن زيد قال حدثنا حاتم بن أبى صغيرة قال حدثنا سماك بن حرب عن باذ أم أبى صالح مولى أم هانئ عن أم هانئ قالت سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية وتأتون في ناديكم المنكر فقال كانوا يجلسون بالطريق فيحذفون أبناء السبيل ويسخرون منهم * فكان لوط عليه السلام يدعوهم إلى عبادة الله وينهاهم بأمر الله إياه عن الامور التى كرهها الله تعالى لهم من قطع السبيل وركوب الفواحش وإتيان الذكور في الادبار ويتوعدهم على إصرارهم على ما كانوا عليه مقيمين من ذلك وتركهم التوبة منه العذاب الاليم فلا يزجرهم عن ذلك وعيده ولا يزيدهم وعظه إلا تماديا وعتوا واستعجالا بعذاب الله تعالى إنكارا منهم وعيده ويقولون له (ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين) حتى سأل لوط ربه عزوجل النصرة عليهم لما تطاول عليه أمره وأمرهم وتماديهم في غيهم فبعث الله عزوجل - لما أراد خزيهم وهلاكهم ونصرة رسوله لوط - عليهم جبرائيل عليه السلام وملكين آخرين معه وقد قيل إن الملكين الآخرين كان أحدهما ميكائيل والآخر اسرافيل فأقبلوا فيما ذكر مشاة في صورة رجال شباب * ذكر بعض من قال ذلك * حدثنا موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن

[ 209 ]

المدى في خبر ذكره عن أبى مالك وعن أبى صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعث الله الملائكة لتهتك قوم لوط فأقبلت تمشى في صورة رجال شباب حتى نزلوا على إبراهيم فتضيفوه فكان من أمرهم وأمر إبراهيم ما قد مضى ذكرنا إياه في خبر إبراهيم وسارة فلما ذهب عن ابراهيم الروع وجاءته البشرى فأطلعته الرسل على ما جاءوا له وأن الله أرسلهم لهلاك قوم لوط ناظرهم ابراهيم وحاجهم في ذلك كما أخبر الله تعالى عنه (فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط) وكان جداله إياهم في ذلك فيما بلغنا ما حدثنا به ابن حميد قال حدثنا يعقوب القمى قال حدثنا جعفر عن سعيد يجادلنا في قوم لوط قال لما جاءه جبرائيل ومن معه قالوا لابراهيم (إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين) قال لهم ابراهيم أتهلكون قرية فيها أربعمائة مؤمن قالوا لا قال أفتهلكون قرية فيها ثلثمائة مؤمن قالوا لا قال أفتهلكون قرية فيها مائتا مؤمن قالوا لا قال أفتهلكون قرية فيها مائة مؤمن قالوا لا قال أفتهلكون قرية فيها أربعون مؤمنا قالوا لا قال أفتهلكون قرية فيها أربعة عشر مؤمنا قالوا لا وكان ابراهيم يعدهم أربعة عشر بامرأة لوط فسكت عنهم واطمأنت نفسه * حدثنا أبو كريب قال حدثنا الحمانى عن الاعمش عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قال الملك لابراهيم ان كان فيها خمسة يصلون رفع عنهم العذاب * حدثنا محمد بن عبد الاعلى قال حدثنا محمد بن نور عن معمر عن قتادة (يجادلنا في قوم لوط) قال بلغنا أنه قال لهم يومئذ أرأيتم إن كان فيهم خمسون من المسلمين قالوا وان كان فيهم خمسون لن نعذبهم قال وأربعون قالوا وأربعون قال ثلاثون قالوا وثلاثون حتى بلغ عشرة قالوا وإن كانوا عشرة قال ما من قوم لا يكون فيهم عشرة فيهم خير فلما علم ابراهيم حال قوم لوط بخبر الرسل قال للرسل (إن فيها لوطا) إشفاقا منه عليه فقالت الرسل نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين) ثم مضت رسل الله نحو أهل سدوم قرية قوم

[ 210 ]

لوط فلما انتهوا إليها ذكر أنهم لقوا لوطا في أرض له يعمل فيها وقيل إنهم لقوا عند نهرها ابنة لوط تستقى الماء ذكر من قال لقوا لوطا * حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة عن حذيفة أنه لما جاءت الرسل لوطا أتوه وهو في أرض له يعمل فيها وقد قيل لهم والله أعلم لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط قال فأتوه فقالوا إنا متضيفوك الليلة فانطلق بهم فلما مشى ساعة التفت فقال ما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية والله ما أعلم على ظهر الارض أناسا أخبث منهم قال فمضى معهم ثم قال الثانية مثل ما قال فانطلق بهم فلما بصرت بهم عجوز السوء امرأته انطلقت فأنذرتهم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا الحكم بن بشير قال حدثنا عمرو بن قبيس الملائى * عن سعيد بن بشير عن قتادة قال أتت الملائكة لوطا وهو في مزرعة له وقال الله تعالى للملائكة إن شهد لوط عليهم أربع شهادات فقد أذنت لكم في مهلكتهم فقالوا يا لوط إنا نريد أن نضيفك الليلة قال وما بلغكم أمرهم قالوا وما أمرهم فقال أشهد بالله انها لشر قرية في الارض عملا يقول ذلك أربع مرات فشهد عليهم لوط أربع شهادات فدخلوا معه منزله ذكر من قال إنما لقيت الرسل أول ما لقيت حين دنت من سدوم ابنة لوط دون لوط * حدثنى موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدى في خبر ذكره عن أبى مالك وعن أبى صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله قال لما خرجت الملائكة من عند ابراهيم نحو قرية لوط فاتوها نصف النهار فلما بلغوا نهر سدوم لقوا ابنة لوط تستقى من الماء لاهلها وكانت له ابنتان اسم الكبرى ريا واسم الصغرى رعزيا فقالوا لها يا جارية هل من منزل قالت نعم فمكانكم لا تدخلوا حتى آتيكم فرقت عليهم من قومها فاتت أباها فقالت يا أبتاه أرادك فتيان على باب المدينة

[ 211 ]

ما رأيت وجوه قوم هي أحسن منهم لا يأخذهم قومك فيفضحوهم وقد كان قومه نهوه أن يضيف رجلا فقالوا له خل عنا فلنضف الرجال فجاء بهم فلم يعلم أحد إلا أهل بيت لوط فخرجت امرأته فاخبرت قومها فقالت إن في بيت لوط رجالا ما رأيت مثلهم ومثل وجوههم حسنا قط فجاءه قومه يهرعون إليه قال فلما أتوه قال لهم لوط يا قوم اتقوا الله فلا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد هؤلاء بناتى هن أطهر لكم مما تريدون فقالوا له أو لم ننهك أن تضيف الرجال لقد علمت مالنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد فلما لم يقبلوا منه شيئا مما عرضه عليهم قال (لو أن لى بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد) يقول عليه السلام لو أن لى أنصارا ينصرونني عليكم أو عشيرة تمنعني منكم لحلت بينكم وبين ما جئتم تريدونه من أضيافي * حدثنى المثنى قال حدثنا إسحق بن الحجاج قال حدثنا اسماعيل بن عبد الكريم قال حدثنى عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهبا يقول قال لوط لهم لو أن لى بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد فوجد عليه الرسل وقالوا ان ركنك لشديد فلما يئس لوط من إجابتهم اياه إلى شئ مما دعاهم إليه وضاق بهم ذرعا قالت الرسل له حينئذ (يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم) فذكر أن لوطا لما علم أن أضيافه رسل الله وانها أرسلت بهلاك قومه قال لهم أهلكوهم الساعة ذكر من روى ذلك عنه أنه قاله من أهل العلم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا يعقوب عن جعفر عن سعيد قال مضت الرسل من عند إبراهيم إلى لوط فلما أتوا لوطا وكان من أمرهم ما ذكر الله قال جبرائيل للوط يا لوط أنا مهلكو أهل هذه القرية ان أهلها كانوا ظالمين فقال لهم لوط أهلكوهم الساعة فقال جبرائيل عليه السلام (إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب) فانزلت على لوط أليس الصبح بقريب قال وأمره أن يسرى بأهله بقطع من الليل ولا يلتفت منهم أحد إلا امرأته قال فسار فلما كانت الساعة التى أهلكوا فيها أدخل

[ 212 ]

جبرائيل جناحه في أرضهم فقلعها ورفعها حتى سمع أهل السماء صياح الديكة ونباح الكلاب فجعل عاليها سافلها وأمطر عليهم حجارة من سجيل قال وسمعت امرأة لوط الهدة فقالت واقوماه فادركها حجر فقتلها * حدثنا ابن حميد قال حدثنا يعقوب عن حفص بن حميد عن شمر بن عطية قال كان لوط أخذ على امرأته أن لا تذيع شيئا من سر أضيافه قال فلما دخل جبرائيل عليه ومن معه ورأتهم في صورة لم تر مثلها قط انطلقت تسعى إلى قومها فاتت النادى فقالت بيدها هكذا فأقبلوا يهرعون مشيابين الهرولة والجمز فلما انتهوا إلى لوط قال لهم لوط ما قال الله تعالى في كتابه قال جبرائيل يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا اليك قال فقال بيده فطمس أعينهم قال فجعلوا يطلبون يلتمسون الحيطان وهم لا يبصرون * حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة عن حذيفة قال لما بصرت بهم يعنى بالرسل عجوز السوء امرأته انطلقت فأنذرتهم فقالت قد تضيف لوطا قوم ما رأيت قوما أحسن منهم وجوها قال ولا أعلمه الا قالت وأشد بياضا وأطيب ريحا منهم قال فأتوه يهرعون إليه كما قال الله عزوجل فاصفق لوط الباب قال فجعلوا يعالجونه قال فاستأذن جبرائيل ربه عزوجل في عقوبتهم فاذن له فصفقهم بجناحه فتركهم عميانا يترددون في أخبث ليلة أتت عليهم قط فاخبروه إنا رسل ربك فأسر بأهلك بقطع من الليل قال ولقد ذكر لنا انه كانت مع لوط حين خرج من القرية امرأته ثم سمعت الصوت فالتفتت فارسل الله تعالى حجرا فاهلكها * حدثنا ابن حميد قال حدثنا الحكم بن بشير قال حدثنا عمرو بن قيس الملائى عن سعيد بن بشير عن قتادة قال انطلقت امرأته يعنى امرأة لوط حين رأتهم يعنى حين رأت الرسل إلى قومها فقالت إنه قد ضافه الليلة قوم ما رأيت مثلهم قط أحسن وجوها ولا أطيب ريحا فجاؤا يهرعون إليه فبادرهم لوط إلى أن يزحمهم على الباب فقال (هؤلاء بناتى إن كنتم فاعلين) قالوا (أو لم ننهك عن العالمين) فدخلوا على الملائكة فتناولتهم الملائكة فطمست أعينهم فقالوا يا لوط جئتنا بقوم سحرة سحرونا كما أنت حتى تصبح قال فاحتمل جبرائيل قريات لوط الاربع في

[ 213 ]

كل قرية مائة ألف فرفعهم على جناحه بين السماء والارض حتى سمع أهل السماء الدنيا اصوات ديكتهم ثم قلبهم فجعل الله عاليها سافلها * حدثنا محمد بن عبد الاعلى قال حدثنا محمد بن ثور وحدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق جميعا عن معمر عن قتادة قال قال حذيفة لما دخلوا عليه ذهبت عجوزه عجوز السوء فأتت قومها فقالت قد تضيف لوطا قوم ما رأيت قوما قط أحسن وجوها منهم قال فجاؤا يهرعون إليه فقام ملك فلز الباب يقول فسده فاستأذن جبرائيل في عقوبتهم فأذن له فصفقهم فضربهم جبرائيل بجناحه فتركهم عميانا فباتوا بشر ليلة ثم قالوا انا رسل ربك لن يصلوا اليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم احد الا امرأتك قال فبلغنا انها سمعت صوتا فالتفتت فأصابها حجر وهى شاذة من القوم معلوم مكانها * حدثنى موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدى في خبر ذكره عن ابى مالك وعن ابى صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لما قال لوط لو أن لى بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد بسط حينئذ جبرائيل جناحه ففقأ اعينهم وخرجوا يدوس بعضهم في آثار بعض عميانا يقولون النجاء النجاء فان في بيت لوط اسحر قوم في الارض فذلك قوله تعالى (ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم) وقالوا للوط (إنا رسل ربك لن يصلوا اليك فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد) يقول سربهم فامضوا حيث تؤمرون فأخرجهم الله تعالى إلى الشأم وقال لوط أهلكوهم الساعة فقالوا إنا لم نؤمر إلا بالصبح أليس الصبح بقريب فلما أن كان السحر خرج لوط وأهله معه الا امرأته وذلك قوله تعالى (إلا آل لوط نجيناهم بسحر) * حدثنا المثنى قال أخبرنا اسحاق قال حدثنا اسماعيل بن عبد الكريم قال حدثنى عبد الصمد أنه سمع وهب بن منبه يقول كانوا اهل سدوم الذين فيهم لوط قوم سوء قد استغنوا عن النساء بالرجال فلما رأى الله ذلك منهم بعث الملائكة ليعذبوهم فأتوا ابراهيم فكان من أمره وامرهم ما ذكره الله تعالى في كتابه فلما

[ 214 ]

بشروا سارة بالولد قاموا وقام معهم إبراهيم يمشى فقال اخبروني لم بعثتم وما خطبكم قالوا انا أرسلنا إلى قوم سدوم لندمرها فانهم قوم سوء قد استغنوا بالرجال عن النساء قال ابراهيم أرأيتم إن كان فيهم خمسون رجلا صالحا قالوا إذا لا نعذبهم فلم يزل حتى قال اهل بيت قالوا فان كان فيهم بيت صالح قال لوط وأهل بيته قالوا ان امرأته هواها معهم فلما يئس ابراهيم انصرف ومضوا إلى أهل سدوم فدخلوا على لوط فلما رأتهم امرأته أعجبها حسنهم وجمالهم فأرسلت إلى أهل القرية أنه قد نزل بنا قوم لم نر قوما قط أحسن منهم ولا أجمل فتسامعوا بذلك فغشوا دار لوط من كل ناحية وتسوروا عليهم الجدارات فلقيهم لوط فقال يا قوم لا تفضحون في ضيفي وأنا أزوجكم بناتى فهن أطهر لكم فقالوا لو كنا نريد بناتك لقد عرفنا مكانهن فقال لو أن لى بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد فوجد عليه الرسل فقالوا إن ركنك لشديد وإنهم آتيهم عذاب غير مردود فمسح أحدهم أعينهم بجناحيه فطمس أبصارهم فقالوا سحرنا انصرفوا بنا حتى نرجع إليه فكان من أمرهم ما قد قص الله تعالى في القرآن فأدخل ميكائيل وهو صاحب العذاب جناحه حتى بلغ أسفل الارضين فقلبها فنزلت حجارة من السماء فتتبعت من لم يكن منهم في القرية حيث كانوا فأهلكهم الله ونجى لوطا وأهله إلا امرأته * حدثنا أبو كريب قال حدثنا جابر بن نوح قال حدثنا الاعمش عن مجاهد قال أخذ جبرائيل قوم لوط من سرحهم ودورهم حملهم بمواشيهم وأمتعتهم حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم ثم كفأها * وحدثنا أبو كريب مرة أخرى عن مجاهد قال أدخل جبرائيل جناحه تحت الارض السفلى من قوم لوط ثم أخذهم بالجناح الايمن وأخذهم من سرحهم ومواشيهم ثم رفعها * حدثنى المثنى قال حدثنا أبو حذيفة قال حدثنا شبل عن ابن أبى نجيح عن مجاهد قال كان يقول (فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها) قال لما أصبحوا غدا جبرائيل على قريتهم ففتقها من أركانها ثم أدخل جناحه ثم حملها على خوافى جناحه * حدثنى المثنى قال حدثنا أبو حذيفة قال حدثنا شبل قال وحدثني هذا ابن أبى نجيح عن إبراهيم

[ 215 ]

ابن أبى بكر قال ولم يسمعه ابن أبى نجيح من مجاهد قال فحملها على خوافى جناحه بما فيها ثم صعد بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم ثم قلبها فكان أول ما سقط منها شرافها فذلك قوله تعالى (فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل) * حدثنا محمد بن عبد الاعلى قال حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن قتادة قال بلغنا أن جبرائيل عليه السلام أخذ بعروة القرية الوسطى ثم ألوى بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء ضواغى كلابهم ثم دمر بعضها على بعض فجعل عاليها سافلها ثم اتبعتهم الحجارة قال قتادة وبلغنا أنهم كانوا اربعة آلاف ألف * حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة قال وذكر لنا أن جبرائيل أخذ بعروتها الوسطى ثم ألوى بها إلى جو السماء حتى سمعت الملائكة ضواغى كلابهم ثم دمر بعضها على بعض ثم أتبع شذان القوم صخرا قال وهى ثلاث قرى يقال لها سدوم وهى بين المدينة والشأم قال وذكر لنا أنه كان فيها أربعة آلاف ألف قال وذكر لنا أن إبراهيم كان يشرف ثم يقول سدوم يوما هالك * حدثنى موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدى بالاسناد الذى قد ذكرناه لما أصبحوا يعنى قوم لوط نزل جبرائيل عليه السلام واقتلع الارض من سبع أرضين فحملها حتى بلغ بها السماء الدنيا حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم وأصوات ديوكهم ثم قلبها فقتلهم فذلك حين يقول (والمؤتفكة أهوى) المنقلبة حين أهوى بها جبرائيل عليه السلام الارض فاقتلعها بجناحه فمن لم يمت حين سقط الارض أمطر الله تعالى عليه وهو تحت الارض الحجارة ومن كان منهم شاذا في الارض وهو قول الله تعالى فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل ثم تتبعهم في القرى فكان الرجل يتحدث فيأتيه الحجر فيقتله فذلك قوله تعالى " وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل " * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى ابن اسحاق قال حدثنى محمد بن كعب القرظى قال حدثت أن الله تعالى بعث جبرائيل إلى المؤتفكة قرية قوم لوط التى كان لوط فيهم فاحتملها بجناحه ثم صعد بها حتى أن

[ 216 ]

أهل السماء الدنيا يسمعون نانحة كلابها وأصوات دجاجها ثم كفأهها على وجهها ثم اتبعها الله عزوجل بالحجارة يقول الله تعالى " فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل فاهلكها الله تعالى وما حولها من المؤتفكات وكن خمس قريات صبعة وصعرة وعمرة ودوما وسدوم هي القرية العظمى ونجى الله تعالى لوطا ومن معه من أهله إلا امرأته كانت فيمن هلك ذكر وفاة سارة بنت هاران وهاجر أم إسماعيل ذكر أزواج إبراهيم عليه السلام وولده قد ذكرنا فيما مضى قبل ما قيل في مقدار عمر سارة أم اسحاق فأما موضع وفاتها فإنه لا يدفع أهل العلم من العرب والعجم أنها كانت بالشأم وقيل إنها ماتت بقرية الجبابرة من أرض كنعان في حبرون فدفنت في مزرعة اشتراها إبراهيم وقيل إن هاجر عاشت بعد سارة مدة فأما الخبر فبغير ذلك ورد * حدثنى موسى ابن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدى بالاسناد الذى قد ذكرناه قبل ثم إن إبراهيم اشتاق إلى إسماعيل فقال لسارة ائذنى لى أنطلق إلى ابني فأنظر إليه فاخذت عليه عهدا أن لا ينزل حتى ياتيها فركب البراق ثم أقبل وقد ماتت أم اسماعيل وتزوج اسماعيل امرأة من جرهم وأن ابراهيم عليه السلام كثر ماله ومواشيه وكان سبب ذلك فيما حدثنا به موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا اسباط عن السدى بالاسناد الذى قد ذكرناه قبل أن إبراهيم عليه السلام احتاج وقد كان له صديق يعطيه ويأتيه فقالت له سارة لو أتيت خليلك فأصبت لنا منه طعاما فركب حمارا له ثم أتاه فلما أتاه تغيب منه واستحيى ابراهيم أن يرجع إلى أهله خائبا فمر على بطحاء فملا منها خرجه ثم أرسل الحمار إلى أهله فاقبل الحمار وعليه حنطة جيدة ونام إبراهيم عليه السلام فاستيقظ وجاء إلى أهله فوجد سارة قد جعلت له طعاما فقالت ألا تأكل فقال وهل من شئ قالت نعم من الحنطة التى جئت بها من عند خليلك فقال صدقت من عند خليلي جئت

[ 217 ]

بها فزرعها فنبتت له وزكا زرعه وهلكت زروع الناس فكان أصل ماله منها فكان الناس يأتونه فيسألونه فيقول من قال لا إله إلا الله فليدخل فليأخذ فمنهم من قال وأخذ ومنهم من أبى فرجع وذلك قوله تعالى (فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا) فلما كثر مال إبراهيم ومواشيه احتاج إلى السعة في المسكن والمرعى وكان مسكنه ما بين برية مدين فيما قيل والحجاز إلى أرض الشأم وكان ابن أخيه لوط نازلا معه فقاسم ماله لوطا فأعطى لوطا شطره فيما قيل وخيره مسكنا يسكنه ومنزلا ينزله غير المنزل الذى هو به نازل فاختار لوط ناحية الاردن فصار إليها وأقام إبراهيم عليه السلام بمكانه فصار ذلك فيما قيل سببا لايثاره بمكة وإسكانه إياها إسماعيل وكان ربما دخل أمصار الشأم * ولما ماتت سارة بنت هاران زوجة إبراهيم تزوج إبراهيم بعدها فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قطورا بنت يقطن امرأة من الكنعانيين فولدت له ستة نفريقسان بن إبراهيم وزمران بن ابراهيم ومديان بن ابراهيم ويسبق بن ابراهيم وسوح بن ابراهيم وبسر بن ابراهيم فكان جميع بنى ابراهيم ثمانية باسماعيل وإسحاق وكان إسماعيل بكره أكبر ولده قال فنكح يقسان بن ابراهيم رعوة بنت زمر بن يقطن بن لوذان بن جرهم بن يقطن بن عابر فولدت له البربر ولفها وولد زمران بن ابراهيم المزامير الذين لا يعلمون وولد لمديان أهل مدين قوم شعييب بن ميكائيل النبي فهو وقومه من ولده بعثه الله عزوجل إليهم نبيا * وحدثني الحارث بن محمد قال حدثنا محمد بن سعد قال حدثنا هشام بن محمد بن السائب عن أبيه قال كان أبو ابراهيم من أهل حران فاصابته سنة من السنين فأتى هرمز جرد بالاهواز ومعه امرأته أم ابراهيم واسمها نونا بنت كرينا بن كوثى من بنى أرفخشد بن سام بن نوح * حدثنى الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال حدثنا محمد بن عمر الاسلمي عن غير واحد من أهل العلم قال اسمها أنموتا من ولد افراهم ابن أرغوا بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح وكان بعضهم يقول اسمها انمتلى بنت يكفور * حدثنى الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا

[ 218 ]

هشام بن محمد عن أبيه قال نهر كوثى كراه كرينا جد ابراهيم من قبل أمه وكان أبو ه على أصنام الملك نمرود فولد ابراهيم بهرمزجرد ثم انتقل إلى كوثى من أرض بابل فلما بلغ ابراهيم وخالف قومه ودعاهم إلى عبادة الله بلغ ذلك الملك نمرود فحبسه في السجن سبع سنين ثم بنى له الحفر بجص وأوقد له الحطب الجزل وألقى ابراهيم فيه فقال حسبى الله ونعم الوكيل فخرج منها سليما لم يكلم * حدثنى الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال حدثنا هشام بن محمد عن أبيه عن أبى صالح عن ابن عباس قال لما هرب إبراهيم من كوثى وخرج من النار ولسانه يومئذ سرياني فلما عبر الفرات من حران غير الله لسانه فقيل عبرانى أي حيث عبر الفرات وبعث نمرود في أثره وقال لا تدعوا أحدا يتكلم بالسريانية إلا جئتموني به فلقوا ابراهيم عليه السلام فتكلم بالعبرانية فتركوه ولم يعرفوا لغته * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا هشام عن أبيه قال هاجر ابراهيم من بابل إلى الشأم فجاءته سارة فوهبت له نفسها فتزوجها وخرجت معه وهو يومئذ ابن سبع وثلاثين سنة فأتى حران فاقام بها زمانا ثم أتى الاردن فاقام بها زمانا ثم خرج إلى مصر فاقام بها زمانا ثم رجع إلى الشأم فنزل السبع أرض بين ايليا وفلسطين واحتفر بئرا وبنى مسجدا ثم إن بعض أهل البلد آذاه فتحول من عندهم فنزل منزلا بين الرملة وايليا فاحتفر به بئرا فأقام به وكان قد وسع عليه في المال والخدم وهو أول من أضاف الضيف وأول من ثرد الثريد وأول من رأى الشيب قال وولد لابراهيم عليه السلام اسماعيل وهو أكبر ولده وأمه هاجر وهى قبطية وإسحاق وهو ضرير البصر وأمه سارة بنت بتويل بن ناخور بن ساروع بن أرغوا بن فالغ ابن عابر بن شالح بن أرفخشد بن سام بن نوح ومدن ومدين ويقسان وزمران ويسبق وسوح وأمهم قنطورا بنت مفطور من العرب العاربة فأما يقسان فلحق بنوه بمكة وأقام مدن ومدين بأرض مدين فسميت به ومضى سائرهم في البلاد وقالوا لابراهيم يا أبانا أنزلت اسماعيل وإسحاق معك وأمرتنا أن ننزل أرض الغربة والوحشة فقال بذلك أمرت قال فعلمهم اسما من أسماء الله تبارك وتعالى

[ 219 ]

فكانوا يستسقون به ويستنصرون فمنهم من نزل خراسان فجاءتهم الخزر فقالوا ينبغى للذى علمكم هذا أن يكون خير أهل الارض أو ملك الارض قال فسموا ملوكهم خاقان * قال أبو جعفر ويقال في يسبق يسباق وفى سوح ساح وقال بعضهم تزوج ابراهيم بعد سارة امرأتين من العرب إحداهما قنطورا بنت يقطان فولدت له ستة بنين وهم الذين ذكرنا والاخرى منهما حجور بنت ارهير فولدت له خمسة بنين كيسان وشورخ واميم ولوطان ونافس. ذكر وفاة ابراهيم خليل الله صلى الله عليه وسلم فلما أراد الله تبارك وتعالى قبض روح إبراهيم صلى الله عليه وسلم أرسل إليه ملك الموت في صورة شيخ هرم * فحدثني موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدى بالاسناد الذى قد ذكرته قبل كان ابراهيم كثير الطعام يطعم الناس ويضيفهم فبينا هو يطعم الناس إذا هو بشيخ بمشى في الحر فبعث إليه بحمار فركبه حتى إذا أتاه أطعمه فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها فاه فيدخلها عينه وأذنه ثم يدخلها فاه فإذا دخلت جوفه خرجت من دبره وكان ابراهيم قد سأل ربه عزوجل أن لا يقبض روحه حتى يكون هو الذى يسأله الموت فقال للشيخ حين رأى من حاله ما رأى ما بالك يا شيخ تصنع هذا قال يا ابراهيم الكبر قال ابن كم أنت فزاد على عمر ابراهيم سنتين فقال ابراهيم إنما بينى وبينك سنتان فإذا بلغت ذلك صرت مثلك قال نعم قال ابراهيم اللهم اقبضني إليك قبل ذلك فقام الشيخ فقبض روحه وكان ملك الموت ولما مات ابراهيم عليه السلام وكان موته وهو ابن مائتي سنة وقيل ابن مائة وخمس وسبعين سنة دفن عند قبر سارة في مزرعة جيرون وكان مما أنزل الله تعالى على ابراهيم عليه السلام من الصحف فيما قيل عشر صحائف كذلك حدثنى أحمد بن عبد الرحمن بن وهب قال أخبرني عمى عبد الله بن وهب قال حدثنى الماضي بن محمد عن أبى سليمان عن القاسم بن محمد عن أبى ادريس الخولانى عن أبى ذر الغفاري قال قلت يا رسول الله كم كتاب أنزله الله قال مائة كتاب وأربع كتب أنزل الله عزوجل على آدم عليه السلام عشر صحائف وعلى شيث خمسين صحيفة وأنزل على

[ 220 ]

خنوخ ثلاثين صحيفة وأنزل على ابراهيم عشر صحائف وأنزل عزوجل التوراة والانجيل والزبور والفرقان قلت يا رسول الله فما كانت صحف ابراهيم قال كانت أمثالا كلها * أيها الملك المسلط المبتلى المغرور إنى لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها إلى بعض ولكن بعثتك لترد عنى دعوة المظلوم فإنى لا أردها وإن كانت من كافر وكانت فيها أمثال وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبا على عقله وأن يكون له ساعات ساعة يناجى فيها ربه وساعة يفكر فيها في صنع الله عزوجل وساعة يحاسب فيها نفسه فيما قدم وأخر وساعة يخلو فيها لحاجته من الحلال في المطعم والمشرب وعلى العاقل أن لا يكون ظاعنا إلا في ثلاث تزود لمعاده ومرمة لمعاشه ولذة في غير محرم وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه مقبلا على شأنه حافظا للسانه ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه وكان لابراهيم فيما ذكر أخوان يقال لاحدهما هاران وهو أبو لوط وقيل إن هاران هو الذى بنى مدينة حران واليه تنسب والآخر منهما ناحورا وهو أبو بتويل وبتويل هو أبو لايان ورفقا ابنة بتويل ورفقا امرأة اسحق بن ابراهيم أم يعقوب ابنة بتويل وليا وراحيل امرأتا يعقوب ابنتا لايان ذكر خبر ولد اسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام قد مضى ذكرنا سبب مصير ابراهيم بابنه اسماعيل وأمه هاجر إلى مكة وإسكانه إياهما بها ولما كبر اسماعيل تزوج امرأة من جرهم فكان من أمرها ما قد تقدم ذكره ثم طلقها بأمر أبيه ابراهيم بذلك ثم تزوج أخرى يقال لها السيدة بنت مضاض بن عمرو الجرهمى وهى التى قال لها ابراهيم إذ قدم مكة وهى زوجة اسماعيل قولى لزوحك إذا جاء قد رضيت لك عتبة بابك * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحق قال ولد لاسماعيل بن ابراهيم اثنا عشر رجلا وأمهم السيدة بنت مضاض بن عمرو الجرهمى: نابت بن اسماعيل وقيدر بن اسماعيل وادبيل بن اسماعيل ومشيا بن اسماعيل ومسمع بن اسماعيل ودما بن اسماعيل

[ 221 ]

وماس بن اسماعيل وادد بن اسماعيل ووطور بن اسماعيل ونفيس بن اسماعيل وطما بن اسماعيل وقيدمان بن اسماعيل قال وكان عمر اسماعيل فيما يزعمون ثلاثين ومائة سنة ومن نابت وقيدر نشر الله العرب ونبأ الله عزوجل اسماعيل فبعثه إلى العماليق فيما قيل وقبائل اليمن * وقد ينطق أسماء أولاد اسماعيل بغير الالفاظ التى ذكرت عن ابن اسحق فيقول بعضهم في قيدر قيدار وفى ادبيل ادبال وفى ميشا ميشام وفى دماذ وما ومسا وحداد وتيم ويطور ونافس وقادمن وقيل إن اسماعيل لما حضرته الوفاة أوصى إلى أخيه اسحاق وزوج ابنته من العيص بن اسحاق وعاش اسماعيل فيما ذكر مائة وسبعا وثلاثين سنة ودفن في الحجر عند قبر أمه هاجر * حدثنى عبد ة بن عبد الله الصفار قال حدثنا خالد بن عبد الرحمن المخزومى عن مبارك بن حسان صاحب الانماط عن عمر بن عبد العزيز قال شكا اسماعيل إلى ربه تبارك وتعالى حر مكة فأوحى الله تعالى إليه إنى فاتح لك بابا من الجنة يجرى عليك روحها إلى يوم القيامة وفى ذلك المكان تدفن ونرجع الآن إلى ذكر إسحاق بن ابراهيم عليهما السلام وذكر نسائه وأولاده إذ كان التأريخ غير متصل على سياق معروف لامة بعد الفرس غيرهم وذلك أن الفرس كان ملكهم متصلا دائما من عهد جيومرت الذى قد وصفت شأنه وخبره إلى أن زال عنهم بخير أمة أخرجت للناس أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وكانت النبوة والملك متصلين بالشأم ونواحيها لولد اسرائيل بن اسحق إلى أن زال ذلك عنهم بالفرس والروم بعد يحيى بن زكرياء وبعد عيسى بن مريم عليهما السلام وسنذكر إذا نحن انتهينا إلى الخبر عن يحيى وعيسى عليهما السلام سبب زوال ذلك عنهم ان شاء الله فأما سائر الامم غير الفرس فإنه غير ممكن الوصول إلى علم التأريخ بهم إذ لم يكن لهم ملك متصل في قديم الايام وحديثه إلا ما لا يمكن معه سياق التأريخ عليه وعلى أعمار ملوكهم إلا ما ذكرنا من ولد يعقوب إلى الوقت الذى ذكرت فإن ذلك وإن كانت مدته انقطعت بزواله عنهم فإن قدر مدة زواله عنهم إلى غايتنا هذه معلوم مبلغه وقد

[ 222 ]

كان لليمن ملوك لهم ملك غير أنه كان غير متصل وإنما كان يكون منهم الواحد بعد الواحد وبين الاول والآخر فترات طويلة لا يقف على مبلغها العلماء لقلة عنايتهم كانت بها وبمبلغ عمر الاول منهم والآخر إذ لم يكن من الامر الدائم فإن دام منه شئ فإنما يدوم لمن دام له منهم بأنه عامل لغيره في الموضع الذى هو به لا يملك بنفسه وذلك كدوامه لآل نصر بن ربيعة بن الحارث بن مالك بن عمم بن نمارة بن لخم فإنهم كانوا على فرج ثغر العرب للفرس من الحيرة إلى حد اليمن طولا وإلى حد الشأم وما اتصل به عرضا فلم يزل ذلك دائما لهم من عهد اردشير بابكان إلى أن قتل كسرى وابرويز بن هرمز بن أنو شروان النعمان بن المنذر فنقل عنهم ما كان إليهم من العمل على ثغر العرب إلى إياس بن قبيصة الطائى * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحق قال نكح اسحق بن ابراهيم رفقا بنت بتويل بن الياس فولدت له عيص بن اسحق ويعقوب بن اسحق يزعمون أنهما كانا توأمين وأن عيصا كان أكبرهما ثم نكح عيص بن اسحق ابنة عمه بسمة بنت اسماعيل بن ابراهيم فولدت له الروم بن عيص فكل بنى الاصفر من ولده قال وبعض الناس يزعم أن الاشبان من ولده ولا أدرى أمن ابنة اسماعيل أم لا ونكح يعقوب بن اسحاق وهو اسرائيل ابنة خاله ليا ابنة ليان بن بتويل بن الياس فولدت له روبيل بن يعقوب وكان أكبر ولده وشمعون بن يعقوب ولاوى بن يعقوب ويهوذا بن يعقوب وزبالون ابن يعقوب ويسحر بن يعقوب ودينة ابنة يعقوب وقد قيل في يسحر إن اسمه يشحر ثم توفيت ليا بنت ليان فخلف يعقوب على أختها راحيل بنت ليان بن بتويل ابن الياس فولدت له يوسف بن يعقوب وبنيامين بن يعقوب وهو بالعربية شداد وولد له من سريتين اسم أحدهما زلفة واسم الاخرى بلهة أربعة نفردان بن يعقوب ونفثالى بن يعقوب وحادر بن يعقوب وأشر بن يعقوب فكان بنو يعقوب اثنى عشر رجلا * وقد قال بعض أهل التوراة إن رفقا زوجة اسحاق هي ابنة ناهر بن آزر عم اسحاق وإنها ولدت له ابنيه عيصا ويعقوب في بطن واحد وإن اسحاق أمر ابنه يعقوب أن لا ينكح امرأة من الكنعانيين وأمره أن ينكح امرأة من بنات

[ 223 ]

خاله لبان بن ناهر وأن يعقوب لما أراد النكاح مضى إلى خاله ليان بن ناهر خاطبا فأدركه الليل في بعض الطريق فبات متوسدا حجرا فرأى فيما يرى النائم أن سلما منصوبا إلى باب من أبو اب السماء عند رأسه والملائكة تنزل وتعرج فيه وأن يعقوب صار إلى خاله فحطب إليه ابنته راحيل وكانت له ابنتان ليا وهى الكبرى وراحيل وهى الصغرى فقال له هل من مال أزوجك عليه فقال يعقوب لا إلا أنى أخدمك أجيرا حتى تستوفى صداق ابنتك قال فان صداقها أن تخدمني سبع حجج قال يعقوب فزوجني راحيل وهى شرطى ولها أخدمك فقال له خاله ذلك بينى وبينك فرعى له يعقوب سبع سنين فلما وفى له شرطه دفع إليه ابنته الكبرى ليا وأدخلها عليه ليلا فلما أصبح وجد غير ما شرط فجاءه يعقوب وهو في نادى قومه فقال له غررتني وخدعتني واستحللت عملي سبع سنين ودلست على غير امرأتي فقال له خاله يا ابن أختى أردت أن تدخل على خالك العار والسبة وهو خالك ووالدك ومتى رأيت الناس يزوجون الصغرى قبل الكبرى فهلم فاخدمنى سبع حجج أخرى فأزوجك أختها وكان الناس يومئذ يجمعون بين الاختين إلى أن بعث موسى عليه السلام وأنزل عليه التوراة فرعى له سبعا فدفع إليه راحيل فولدت له ليا أربعة أسباط روبيل ويهوذا وشمعان ولاوى وولدت له راحيل يوسف وأخاه بنيامين وأخوات لهما وكان لا بان دفع إلى ابنتيه حين جهزهما إلى يعقوب أمتين فوهبتا الامتين ليعقوب فولدت كل واحدة منهما له ثلاثة رهط من الاسباط وفارق يعقوب خاله وعاد حتى نازل أخاه عيصا وقال بعضهم ولد ليعقوب دان ونفثالى من زلفة جارية راحيل وذلك انها وهبتها له وسألته أن يطلب منها الولد حين تأخر الولد عنها وأن ليا وهبت جاريتها بلها ليعقوب منافسة لراحيل في جاريتها وسألته أن يطلب منها الولد فولدت له جاد وأشير ثم ولد له من راحيل بعد اليأس يوسف وبنيامين فانصرف يعقوب ولده هؤلاء وامرأتيه المذكورتين إلى منزل أبيه من فلسطين على خوف شدييد من أخيه العيص فلم ير منه إلا خيرا وكان العيص فيما ذكر لحق بعمه اسماعيل فتزوج إليه ابنته بسمة

[ 224 ]

وحملها إلى الشام فولدت له عدة أولاد فكثروا حتى غلبوا الكنعانيين بالشأم وصاروا إلى البحر وناحية الاسكندرية ثم إلى الروم وكان العيص فيما ذكر يسمى آدم لادمته قال ولذلك سمى ولده ولد الاصفر فكانت ولادة رفقا بنت بتويل لاسحاق بن ابراهيم ابنيه العيص ويعقوب بعد أن خلا من عمر اسحاق ستون سنة توأمين في بطن واحد والعيص المتقدم منهما خروجا من بطن أمه فكان اسحاق فيما ذكر يختص العيص فكانت رفقا أمهما تميل إلى يعقوب فزعموا أن يعقوب ختل العيص في قربان قرباه بأمر أبيهما اسحاق بعد ما كبرت سن اسحاق وضعف بصره فصار أكثر دعاء اسحاق ليعقوب وتوجهت البركة نحوه بدعاء أبيه اسحاق له فغاظ ذلك العيص وتوعده بالقتل فخرج يعقوب هاربا منه إلى خاله لابان ببابل فوصله لابان وزوجه ابنتيه ليا وراحيل وانصرف بهما وبجاريتيهما وأولاده الاسباط الاثنى عشر وأختهم دينا إلى الشأم إلى منزل آبائه وتألف أخاه العيص حتى ترك له البلاد وتنقل في الشأم حتى صار إلى السواحل ثم عبر إلى الروم فأوطنها وصار الملوك من ولده وهم اليونانية فيما زعم هذا القائل * حدثنا الحسين ابن محمد بن عمرو العبقري قال حدثنا أبى قال أخبرنا أسباط عن السدى قال تزوج اسحاق امرأه فحملت بغلامين في بطن فلما أرادت أن تضعهما افتتل الغلامان في بطنها فأراد يعقوب أن يخرج قبل عيص فقال عيص والله لئن خرجت قبلى لاعترضن في بطن أمي ولاقتلنها فتأخر يعقوب فخرج عيص قبله وأخذ يعقوب بعقب عيص فخرج فسمى عيصا لانه عصى فخرج قبل يعقوب وسمى يعقوب لانه خرج آخذا بعقب عيص وكان يعقوب أكبرهما في البطن ولكن عيصا خرج قبله وكبر الغلامان فكان عيص أحبهما إلى أبيه وكان يعقوب أحبهما إلى أمه وكان عيص صاحب صيد فلما كبر اسحاق وعمى قال لعيص يا بنى أطعمني لحم صيد واقترب منى أدع لك بدعاء دعالى به أبى وكان عيص رجلا أشعر وكان يعقوب رجلا أجرد فخرج عيص يطلب الصيد وسمعت أمه الكلام فقالت ليعقوب يا بنى اذهب إلى الغنم فاذبح منها شاة ثم اشوه والبس جلده وقدمه إلى أبيك وقل له أنا

[ 225 ]

ابنك عيص ففعل ذلك يعقوب فلما جاء قال يا أبتاه كل قال من أنت قال أنا ابنك عيص قال فمسه فقال المس مس عيص والريح ريح يعقوب قالت أمه هو ابنك عيص فادع له قال قدم طعامك فقدمه فأكل منه ثم قال أدن متى فدنا منه فدعا له أن يجعل في ذريته الانبياء والملوك وقام يعقوب وجاء عيص فقال قد جئتك بالصيد الذى أمرتنى به فقال يا بنى قد سبقك أخوك يعقوب فغضب عيص وقال والله لاقتلنه قال يا بنى قد بقيت لك دعوة فهلم أدع لك بها فدعا له فقال تكون ذريتك عددا كثيرا كالتراب ولا تملكهم أحد غيرهم وقالت أم يعقوب ليعقوب الحق بخالك فكن عنده خشية أن يقتله عيص فانطلق إلى خاله فكان يسرى بالليل ويكمن بالنهار ولذلك سمى إسرائيل وهو سرى الله فأتى خاله وقال عيص أما إذا غلبتني على الدعوى فلا تغلبني على القبر أن أدفن عند آبائى إبراهيم وإسحاق فقال لئن فعلت لتدفنن معه ثم إن يعقوب عليه السلام هوى ابنة خاله وكانت له ابنتان فحطب إلى أبيهما الصغرى منهما فأنكحها إياه على أن يرعى غنمه إلى أجل مسمى فلما لقضى الاجل زف إليه أختها ليا قال يعقوب إنما أردت راحيل فقال له خاله إنا لا ينكح فينا الصغير قبل الكبير ولكن ارع لنا أيضا وانكحها ففعل فلما انقضى الاجل زوجه راحيل أيضا فجمع يعقوب بينهما فذلك قوله تعالى (وأن تجمعوا بين الاختين إلا ما قد سلف) يقول جمع يعقوب بين ليا وراحيل فحملت ليا فولدت يهوذا وروبيل وشمعون وولدت راحيل يوسف وبنيامين وماتت راحيل في نفاسها ببنيامين يقول من وجع النفاس وقطع خال يعقوب ليعقوب قطيعا من الغنم فأراد الرجوع إلى بيت المقدس فلما ارتحلوا لم يكن له نفقة فقالت امرأة يعقوب ليوسف خذ من أصنام أبى لعلنا نستنفق منه فأخذ وكان الغلامان في حجر يعقوب فأحبهما وعطف عليهما ليتمهما من أمهما وكان أحب الخلق إليه يوسف عليه السلام فلما قدموا أرض الشأم قال يعقوب لراع من الرعاة إن أتاكم أحد يسألكم من أنتم فقولوا نحن ليعقوب عبد عيص فلقيهم عيص قال من أنتم قالوا نحن ليعقوب عبد عيص فكف عيص عن يعقوب ونزل يعقوب بالشام فكان همه

[ 226 ]

يوسف وأخوه فحسده إخوته لما رأوا من حب أبيه له ورأى يوسف في المنام كأن أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رآهم ساجدين له فحدث أباه بها فقال يا بنى لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للانسان عدو مبين ومن ولده فيما قيل أيوب نبى الله صلى الله عليه وسلم وهو فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحق عن من لايتهم عن وهب بن منبه أن أيوب كان رجلا من الروم وهو أيوب بن موص بن رازح ابن عيص بن إسحاق بن إبراهيم وأما غيرا بن إسحاق فإنه يقول هو أيوب بن موص ابن رغويل بن عيص بن إسحاق وكان بعضهم يقول هو أيوب بن موص بن رغويل ويقول كان أبو ه ممن آمن بإبراهيم عليه السلام يوم إحراقه نمرود وكانت زوجته التى أمر بضربها بالضغث ابنة ليعقوب بن إسحاق يقال لها ليا كان يعقوب زوجها منه * وحدثني الحسين بن عمرو بن محمد قال وحدثنا أبى قال أخبرنا غياث بن إبراهيم قال ذكر والله أعلم أن عدو الله إبليس لقى امرأة أيوب وذكر أنها كانت ليا بنت يعقوب فقال ياليا ابنة الصديق وأخت الصديق وكانت أم أيوب ابنة للوط بن هاران * وقيل إن زوجته التى أمر بضربها بالضغث هي رحمة بنت افرائيم بن يوسف بن يعقوب وكانت لها البثنية من الشام كلها بما فيها وكان فيما ذكر عن وهب بن منبه في الخبر الذى حدثنيه محمد بن سهل بن عسكر البخاري قال حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم أبو هشام قال حدثنى عبد الصمد بن معقل قال سمعت وهب بن منبه يقول إن إبليس لعنه الله سمع تجاوب الملائكة بالصلاة على أيوب وذلك حين ذكره الله تعالى وأثنى عليه فأدركه البغى والحسد فسأل الله أن يسلطه عليه ليفتنه عن دينه فسلطه الله على ماله دون جسده وعقله وجمع إبليس عفاريت الشياطين وعظماءهم وكان لايوب البثنية من الشام كلها بما فيها بين شرقها وغربها وكان له بها ألف شاة برعاتها وخمسمائة فدان يتبعها

[ 227 ]

خمسمائة عبد لكل عبد امرأة وولد ومال ويحمل آلة كل فدان أتان لكل أتان ولد بين اثنين وثلاثة وأربعة وخمسة وفوق ذلك فلما جمعهم إبليس قال ماذا عندكم من القوة والمعرفة فإنى قد سلطت على مال أيوب فهى المصيبة الفادحة والفتنة التى لا يصبر عليها الرجال فقال كل من عنده قوة على اهلاك شئ ما عنده فارسلهم فاهلكوا ماله كله وأيوب في كل ذلك يحمد الله ولا يثنيه شئ أصيب به من ماله عن الجد في عبادة الله تعالى والشكر له على ما أعطاه والصبر على ما ابتلاه به فلما رأى ذلك من أمره ابليس لعنه الله سال الله تعالى أن يسلطه على ولده فسلطه عليهم ولم يجعل له سلطانا على جسده وقلبه وعقله فاهلك ولده كلهم ثم جاء متمثلا بمعلمهم الذى كان يعلمهم الحكمة جريحا مشدوخا يرققه حتى رق أيوب فبكى فقبض قبضة من تراب فوضعها على رأسه فسر بذلك ابليس واغتنمه من أيوب عليه السلام ثم ان أيوب تاب واستغفر فصعدت قرناؤه من الملائكة بتوبته فبدروا ابليس إلى الله عزوجل فلما لم يثن أيوب عليه السلام ما حل به من المصيبة في ماله وولده عن عبادة ربه والجد في طاعته والصبر على ما ناله سأل الله عزوجل إبليس أن يسلطه على جسده فسلطه على جسده خلا لسانه وقلبه وعقله فإنه لم يجعل له على ذلك منه سلطانا فجاء وهو ساجد فنفخ في منخره نفخة اشتعل منها جسده فسار من جملة أمره إلى أن أنتن جسده فأخرجه أهل القرية من القرية إلى كناسة خارج القرية لا يقربه أحد إلا زوجته وقد ذكرت اختلاف الناس في اسمها ونسبها قبل * ثم رجع الحديث إلى حديث وهب بن منبه وكانت زوجته تختلف إليه بما يصلحه وتلزمه وكان قد اتبعه ثلاثة نفر على دينه فلما رأوا ما نزل به من البلاء رفضوه واتهموه من غير أن يتركوا دينه يقال لاحدهم بلدد وللآخر اليفز وللثالث صافر فانطلقوا إليه وهو في بلائه فبكتوه فلما سمع أيوب عليه السلام كلامهم أقبل على ربه يستغيثه ويتضرع إليه فرحمه ربه ورفع عنه البلاء ورد عليه أهله وماله ومثلهم معهم وقال له (اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب) فاغتسل به فعاد كهيئته قبل البلاء في الحسن والجمال * فحدثني يحيى بن طلحة اليربوعي قال

[ 228 ]

حدثنا فضيل بن عياض عن هشام عن الحسن قال لقد مكث أيوب عليه السلام مطروحا على كناسة لبنى إسرائيل سبع سنين وأشهرا ما يسأل الله عزوجل أن يكشف ما به قال فما على وجه الارض أكرم على الله من أيوب فيزعمون أن بعض الناس قال لو كان لرب هذا فيه حاجة ما صنع به هذا فعند ذلك دعا * حدثنى يعقوب ابن إبراهيم قال حدثنا ابن علية عن يونس عن الحسن قال بقى أيوب عليه السلام على كناسة لبنى إسرائيل سبع سنين وأشهرا اختلف فيها الرواة * فهذه جملة من خبر أيوب صلى الله عليه وسلم وإنما قدمنا ذكر خبره وقصته قبل خبر يوسف وقصته لما ذكر من أمره وأنه كان نبيا في عهد يعقوب أبى يوسف عليهم السلام ذكر أن عمر أيوب كان ثلاثا وتسعين سنة وانه أوصى عند موته إلى ابنه حومل وأن الله عزوجل بعث بعده ابنه بشر بن أيوب نبيا وسماه ذا الكفل وأمره بالدعاء إلى توحيده وأنه كان مقيما بالشأم عمره حتى مات وكان عمره خمسا وسبعين سنة وأن بشرا أوصى إلى ابنه عبد ان وأن الله عزوجل بعث بعده شعيب بن صيفون بن عنقا بن ثابت بن مدين بن إبراهيم إلى أهل مدين وقد اختلف في نسب شعيب فنسبة أهل التوراة النسب الذى ذكرت وكان ابن إسحاق يقول هو شعيب بن ميكائيل من ولد مدين حدثنى بذلك ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق وقال بعضهم لم يكن شعيب من ولد إبراهيم وإنما هو من ولد بعض من كان آمن بإبراهيم واتبعه على دينه وهاجر معه إلى الشأم ولكنه ابن بنت لوط فجدة شعيب ابنة لوط ذكر خبر شعيب صلى الله عليه وسلم وقيل إن اسم شعيب يترون وقد ذكرت نسبه واختلاف أهل الانساب في نسبه وكان فيما ذكر ضرير البصر * حدثنى عبد الاعلى بن واصل الاسدي قال حدثنا أسيد بن زيد الجصاص قال أخبرنا شريك عن سالم عن سعيد بن جبير في قوله (وإنا لنراك فينا ضعيفا) قال كان أعمى * حدثنا أحمد بن الوليد الرملي قال حدثنا إبراهيم بن زياد وإسحاق بن المنذر وعبد الملك بن يزيد قالوا

[ 229 ]

حدثنا شريك عن سالم عن سعيد مثله * حدثنى أحمد بن الوليد قال حدثنا عمرو بن عون ومحمد بن الصباح قالا سمعنا شريكا يقول في قوله " وإنا لنراك فينا ضعيفا " قال أعمى * حدثنى أحمد بن الوليد قال حدثنا سعدويه قال حدثنا عباد عن شريك عن سالم عن سعيد بن جبير مثله * حدثنى المثنى قال حدثنا الحمانى قال حدثنا عباد عن شريك عن سالم عن سعيد " وإنا لنراك فينا ضعيفا " قال كان ضرير البصر * حدثنى العباس بن أبى طالب قال حدثنا إبراهيم بن مهدى المصيصى قال حدثنا خلف بن خليفة عن سفيان عن سالم عن سعيد بن جبير " وإنا لنراك فينا ضعيفا " قال كان ضعيف البصر * حدثنى المثنى قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا سفيان قوله تعالى " وإنا لنراك فينا ضعيفا " قال كان ضعيف البصر قال سفيان وكان يقال له خطيب الانبياء وإن الله تبارك وتعالى بعثه نبيا إلى أهل مدين وهم أصحاب الايكة والايكة الشجر الملتف وكانوا أهل كفر بالله وبخس للناس في المكاييل والموازين وإفساد لاموالهم وكان الله عزوجل وسع عليهم في الرزق وبسط لهم في العيش استدراجا منه لهم مع كفرهم به فقال لهم شعيب عليه السلام (يا قوم اعبد وا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إنى أراكم بخير وإنى أخاف عليكم عذاب يوم محيط) فكان من قول شعيب لقومه وجواب قومه له ذكره الله عزوجل في كتابه * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال ابن اسحاق فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر لى يعقوب ابن أبى سلمة إذا ذكره قال ذاك خطيب الانبياء لحسن مراجعته قومه فيما يرادهم به فلما طال تماديهم في غيهم وضلالهم ولم يردهم تذكير شعيب إياهم وتحذيرهم عذاب الله وأراد الله تبارك وتعالى هلاكهم: سلط عليهم فيما حدثنى الحارث قال حدثنا الحسن بن موسى الاشيب قال حدثنى سعيد بن زيد أخو حماد بن زيد قال حدثنا حاتم بن أبى صغيرة قال حدثنى يزيد الباهلى قال سألت عبد الله بن عباس عن هذه الاية (فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم) فقال عبد الله بن عباس بعث الله وبدة وحرا شديدا فأخذ بأنفاسهم فدخلوا

[ 230 ]

أجراف البيوت فدخل أجواف البيوت فأخذ بأنفاسهم فخرجوا من البيوت هرابا إلى البرية فبعث الله عزوجل سحابة فأظلتهم من الشمس فوجدوا لها بردا ولذة فنادى بعضهم بعضا حتى إذا اجتمعوا تحتها أرسل الله عليهم نارا قال عبد الله بن عباس فذاك عذاب يوم الظلة " إنه كان عذاب يوم عظيم " * حدثنى يونس بن عبد الاعلى قال حدثنا ابن وهب قال حدثنى جرير بن حازم أنه سمع قتادة يقول بعث شعيب إلى أمتين: إلى قومه أهل مدين وإلى أصحاب الايكة وكانت الايكة من شجر ملتف فلما أراد الله عزوجل أن يعذبهم بعث عليهم حرا شديدا ورفع لهم العذاب كأنه سحابة فلما دنت منهم خرجوا إليها رجاء بردها فلما كانوا تحتها مطرت عليهم نارا قال فذلك قوله تعالى " فأخذهم عذاب يوم الظلة " * حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثنى أبو سفيان عن معمر بن راشد قال حدثنى رجل من أصحابنا عن بعض العلماء قال كانوا يعنى قوم شعيب عطلوا حدا فوسع الله عليهم في الرزق ثم عطلوا حدا فوسع الله عليهم في الرزق فجعلوا كلما عطلوا حدا وسع الله عليهم في الرزق حتى إذا أراد الله هلاكهم سلط عليهم حرا لا يستطيعون أن يتقاروا ولا ينفعهم ظل ولا ماء حتى ذهب ذاهب منهم فاستظل تحت ظلة فوجود روحا فنادى أصحابه هلموا إلى الروح فذهبوا إليه سراعا حتى إذا اجتمعوا ألهبها الله عليهم نارا فذلك عذاب يوم الظلة * حدثنا ابن بشار قال حدثنا عبد الرحمن قال حدثنا سفيان عن أبى اسحاق عن زيد بن معاوية في قولة تعالى " فاخذهم عذاب يوم الظلة " قال أصابهم حر قلقلهم في بيوتهم فنشأت سحابة كهيئة الظلة فابتدروها فلما ناموا تحتها أخذتهم الرجفة * حدثنى محمد ابن عمر وقال حدثنا أبو عاصم قال حدثنا عيسى، وحدثني الحارث قال حدثنا الحسن قال حدثنا ورقاء جميعا عن ابن أبى نجيح عن مجاهد في قوله " عذاب يوم الظلة " قال ظلال العذاب * حدثنى القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثنى حجاج عن ابن جريج عن مجاهد في قوله " فأخذهم عذاب يوم الظلة " قال أظل العذاب قوم شعيب قال ابن جريج لما أنزل الله تعالى عليهم أول العذاب أخذهم منه حر شديد فرفع

[ 231 ]

الله لهم غمامة فخرج إليها طائفة منهم ليستظلوا بها فأصابهم منها برد وروح وريح طيبة فصب الله عليهم من فوقهم من تلك الغمامة عذابا فذلك قوله عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم * حدثنى يونس قال أخبرنا ابن وهب قال قال ابن زيد في قوله " فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم " قال بعث الله عزوجل إليهم ظلة من سحاب وبعث الله إلى الشمس فأحرقت ما على وجه الارض فخرجوا كلهم إلى تلك الظلة حتى إذا اجتمعوا كلهم كشف الله عنهم الظلة وأحمى عليهم الشمس فاحترقوا كما يحترق الجراد في المقلى * حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثنا أبو نميلة عن أبى حمزة عن جابر عن عامر عن ابن عباس قال من حدثك من العلماء ما عذاب يوم الظلة فكذبه * حدثنى محمود بن خداش قال حدثنا حماد بن خالد الخياط قال حدثنا داود بن قيس عن زيد بن أسلم في قوله عزوجل (أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء) قال كان مما ينهاهم عنه حذف الدراهم أو قال قطع الدراهم الشك من حماد * حدثنا سهل بن موسى الرازي قال حدثنا ابن أبى فديك عن أبى مودود قال سمعت محمد بن كعب القرظى يقول بلغني أن قوم شعيب عذبوا في قطع الدراهم ثم وجدت ذلك في القرآن أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء * حدثنا ابن وكيع قال حدثنا زيد بن حباب عن موسى ابن عبيدة عن محمد بن كعب القرظى قال عذب قوم شعيب في قطعهم الدراهم فقالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء ونرجع الآن إلى ذكر يعقوب وأولاده ذكروا والله أعلم أن إسحق بن ابراهيم صلى الله عليهما وسلم عاش بعد ما ولد له العيص ويعقوب مائة سنة ثم توفى وله مائة وستون سنة فقبره ابناه العيص ويعقوب عند قبر أبيه ابراهيم صلى الله عليه وسلم في مزرعة جيرون وكان عمر يعقوب

[ 232 ]

ابن اسحق كله مائة سنة وسبعا وأربعين سنة وكان ابنه يوسف صلى الله عليه وسلم قد قسم له ولامه من الحسن ما لم يقسم لكثير أحد من الناس * وقد حدثنى عبد الله بن محمد وأحمد بن ثابت الرازيان قالا حدثنا عفان بن مسلم قال أخبرنا حماد بن سلمة قال أخبرنا ثابت عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال أعطى يوسف وأمه شطر الحسن وأن أمه راحيل لما ولدته دفعه زوجها يعقوب إلى أخته تحضنه فكان من شأنه وشأن عمته التى كانت تحضنه ما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحق عن عبد الله بن أبى نجيح عن مجاهد قال كان أول ما دخل على يوسف من البلاء ما بلغني أن عمته ابنة اسحق * وكانت أكبر ولد اسحق وكانت إليها صارت منطقة اسحق وكانوا يتوارثونها بالكبر فكان من اختانها ممن وليها كان له سلما لا ينازع فيه يصنع فيه ما شاء وكان يعقوب حين ولدله يوسف قد كان حضنه عمته فكان معها واليها فلم يحب أحد شيئا من الاشياء حبها إياه حتى إذا ترعرع وبلغ سنوات ووقعت نفس يعقوب عليه أتاها فقال يا أخية سلمى إلى يوسف فو الله ما أقدر على أن يغيب عنى ساعة * قالت فو الله ما أنا بتاركته قال فوالله ما أنا بتاركه قالت فدعه عندي أياما انظر إليه وأسكن عنه لعل ذلك يسلينى عنه أو كما قالت فلما خرج من عندها يعقوب عمدت إلى منطقة اسحق فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه ثم قالت لقد فقدت منطقة اسحق فانظروا من أخذها ومن أصابها فالتمست ثم قالت اكشفوا أهل البيت فكشفوهم فوجدوها مع يوسف فقالت والله انه لى لسلم أصنع فيه ما شئت قال وأتاها يعقوب فأخبرته الخبر فقال لها أنت وذاك ان كان فعل ذلك فهو سلم لك ما أستطيع غير ذلك فأمسكته فما قدر عليه يعقوب حتى ماتت قال فهو الذى يقول إخوة يوسف حين صنع بأخيه ما صنع حين أخذه (إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل) قال أبو جعفر فلما رأت اخوة يوسف شدة حب والدهم يعقوب إياه في صباه وطفولته وقلة صبره عنه حسدوه على مكانه منه وقال بعضهم لبعض (ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة) يعنون بالعصبة الجماعة وكانوا عشرة (إن أبانا لفى

[ 233 ]

ضلال مبين) ثم كان من أمره وأمر يعقوب ما قد قص الله تبارك وتعالى في كتابه من مسألتهم إياه إرساله إلى الصحراء معهم ليعى وينشط ويلعب وضمانهم له حفظه وإعلام يعقوب إياهم حزنه بمغيبه عنه وخوفه عليه من الذئب وخداعهم والدهم بالكذب من القول والزور عن يوسف ثم ارساله معهم وخروجهم به وعزمهم حين برزوا به إلى الصحراء على إلقائه في غيابة الجب فكان من أمره * حينئذ فيما ذكر ما حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو بن محمد العنقزى عن اسباط عن السدى قال أرسله يعنى يعقوب يوسف معهم فأخرجوه وبه عليهم كرامة فلما برزوا إلى البرية أظهروا له العداوة وجعل أخوه يضربه فيستغيث بالآخر فيضربه فجعل لا يرى منهم رحيما فضربوه حتى كادوا يقتلونه فجعل يصيح ويقول يا أبتاه يا يعقوب لم تعلم ما يصنع بابنك بنو الاماء فلما كادوا يقتلونه فجعل يصيح قال يهوذا أليس قد أعطيتموني موثقا أن لا تقتلوه فانطلقوا به إلى الجب ليطرحوه فجعلوا يدلونه في البئر فيتعلق بشفيرها فربطوا يديه ونزعوا قميصه فقال يا اخوتاه ردوا على قميصي أتوارى به في الجب فقالوا ادع الشمس والقمر والاحد عشر كوكبا تؤنسك قال إنى لم أر شيئا فدلوه في البئر حتى إذا بلغ نصفها القوة إرادة أن يموت فكان في البئر ماء فسقط فيه ثم أوى إلى صخرة فيها فقام عليها فلما ألقوه في الجب جعل يبكى فنادوه فظن أنها رحمة أدركتهم فأجابهم فارادوا أن يرضخوه بصخرة فيقتلوه فقام يهوذا فمنعهم وقال قد أعطيتموني موثقا أن لا تقتلوه وكان يهوذا يأتيه بالطعام ثم أخبر تبارك وتعالى عن وحيه إلى يوسف عليه الصلاة والسلام وهو في الجب لينبئن اخوته الذين فعلوا به ما فعلوا بفعلهم ذلك وهم لا يشعرون بالوحى الذى أوحى إلى يوسف كذلك روى ذلك عن قتادة * حدثنا محمد بن عبد الاعلى الصنعانى قال حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن قتادة وأوحينا إليه لتنبئنهم بامرهم هذا قال أوحى إلى يوسف وهو في الجب أن ينبئهم بما صنعوا به وهم لا يشعرون بذلك الوحى * حدثنى المثنى قال حدثنا سويد قال أخبرنا ابن المبارك عن معمر عن قتادة بنحوه إلا أنه قال أن سينبئهم * وقيل معنى ذلك وهم لا يشعرون أنه يوسف وذلك قول يروى عن

[ 234 ]

ابن عباس * حدثنى بذلك الحارث قال حدثنا عبد العزيز قال حدثنا صدقة بن عبادة الاسدي عن أبيه قال سمعت ابن عباس يقول ذاك وهو قول ابن جريج ثم خبره تعالى عن اخوة يوسف ومجيئهم إلى أبيه عشاء يبكون يذكرون له أن يوسف أكله الذئب وقول والدهم (بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل) ثم خبره جل جلاله عن مجئ السيارة وإرسالهم واردهم وإخراج الوارد يوسف وإعلامه أصحابه به بقوله (يا بشراى هذا غلام) يبشرهم * حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة قال يا بشراى هذا غلام تباشروا به حين أخرجوه وهى بئر بأرض بيت المقدس معلوم مكانها * وقد قيل إنما نادى الذى أخرج يوسف من البئر صاحبا له يسمى بشرى فناداه * باسمه الذى هو اسمه كذلك ذكر عن السدى * حدثنا الحسن بن محمد قال حدثنا خلف بن هشام قال حدثنا يحيى بن آدم عن قيس بن الربيع عن السدى في قوله يا بشراى قال كان اسم صاحبه يشرى * حدثنى المثنى قال حدثنا عبد الرحمن بن أبى حماد قال حدثنا الحكم ابن ظهير عن السدى في قوله يا بشراى هذا غلام قال اسم الغلام بشرى كما تقول يا زيد * ثم خبره عزوجل عن السيارة وواردهم الذى استخرج يوسف من الجب إذ اشتروه من اخوته (بثمن بخس دراهم معدودة) على زهد فيه واسرارهم إياه بضاعة خيفة ممن معهم من التجار مسئلتهم الشركة فيه إن هم علموا أنهم اشتروه كذلك قال في ذلك أهل التأويل * حدثنى محمد بن عمرو قال حدثنى أبو عاصم قال حدثنا عيسى بن أبى نجيح عن مجاهد (وأسروه بضاعة) قال صاحب الدلو ومن معه قالوا لاصحابهم إنا استبضعناه خيفة أن يستشركوهم فيه إن علموا بثمنه وتبعهم اخوته يقولون للمدلى وأصحابه استوثقوا منه لا يأبق حتى وقفوه بمصر فقال من يبتاعني وببشر فاشتراه الملك والملك مسلم * حدثنا الحسن بن محمد قال جدثنا شبابة قال حدثنا ورقاء عن ابن أبى نجيح عن مجاهد بنحوه غير أنه قال خيفة أن يستشركوهم إن علموا به واتبعهم اخوته يقولون للمدلى وأصحابه استوثقوا منه لا يأبق حتى وقفوه بمصر * حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو بن حماد عن

[ 235 ]

أسباط عن السدى وأسروه بضاعة قال لما اشتراه الرجلان فرقوا من الرفقة أن يقولوا اشتريناه فيسئلوهم الشركة فيه فقالوأ إن سألونا ما هذا قلنا بضاعة اسبضعناها أهل الماء فذلك قوله وأسروه بضاعة * فكان بيعهم إياه ممن باعوه منه بثمن بخس وذلك الناقص القليل من الثمن الحرام وقيل أنهم باعوه بعشرين درهما ثم اقتسموها وهم عشرة درهمين درهمين وأخذوا العشرين معدودة بغير وزن لان الدراهم حينئذ فيما قيل إذا كانت أقل من أوقية وزنها أربعون درهما لم تكن توزن لان أقل أوزانهم يومئذ كانت أوقية وقد قيل إنهم باعوه بأربعين درهما وقيل باعوه باثنين وعشرين درهما وذكر أن بائعه الذى باعه بمصر كان مالك بن دعر ابن بويب بن عفقان بن مديان بن ابراهبم الخليل عليه السلام حدثنا بذلك ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن محمد بن السائب عن أبى صالح عن ابن عباس * وأما الذى اشتراه بها وقال لامرأته أكرمي مثواه فإن اسمه فيما ذكر عن ابن عباس قطين * حدثنى محمد بن سعد قال حدثنى أبى قال حدثنى عمى قال حدثنى أبى عن أبيه عن ابن عباس قال كان اسم الذى اشتراه قطفير وقيل إن اسمه أطفير ابن روحيب وهو العزيز وكان على خزائن مصر والملك يومئذ الريان بن الوليد رجل من العماليق كذلك حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق فاما غيره فإنه قال كان يومئذ الملك بمصر وفرعونها الريان بن الوليد بن ثروان بن أراشة ابن قاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح وقد قال بعضهم إن هذا الملك لم يمت حتى آمن واتبع يوسف على دينه * ثم مات ويوسف بعد حى ثم ملك بعده قابوس بن مصعب بن معاوية بن نمير بن السلواس بن قاران بن عمرو بن عملاق ابن لاوذ بن سام بن نوح عليه السلام * وكان كافرا فدعاه يوسف إلى الاسلام فأبى أن يقبل وذكر بعض أهل التوراة أن في التوراة أن الذى كان من أمر يوسف واخوته والمصير به إلى مصر وهو ابن سبع عشرة سنة يومئذ وأنه أقام في منزل العزيز الذى اشتراه ثلاث عشرة سنة وأنه لما تمت له ثلاثون سنة استوزره فرعون مصر الوليد بن الريان وأنه مات يوم مات وهو ابن مائة سنة وعشر سنين

[ 236 ]

وأوصى إلى أخيه يهوذا وأنه كان بين فراقه يعقوب واجتماعه معه بمصر اثنتان وعشرون سنة وان مقام يعقوب معه بمصر بعد موافاته بأهله سبع عشرة سنة وأن يعقوب صلى الله عليه وسلم أوصى إلى يوسف عليه السلام وكان دخول يعقوب مصر في سبعين انسانا من أهله فلما اشترى أطفير يوسف وأتى به منزله قال لاهله واسمها فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق راعيل (أكرمي مثوا، عسى أن ينفعنا) فيكفينا إذا هو بلغ وفهم الامور بعض ما نحن بسبيله من أمورنا (أو نتخذه ولدا) وذلك أنه كان فيما حدثنا به ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق رجلا لا يأتي النساء وكانت امرأنه راعيل حسناء ناعمة في ملك ودنيا فلما خلا من عمر يوسف عليه السلام ثلاث وثلاثون سنة أعطاه الله عزوجل الحكم والعلم * حدثنى المثنى قال حدثنا أبو حذيفة قال حدثنا شبل عن ابن أبى نجيح عن مجاهد (آتيناه حكما وعلما) قال العقل والعلم قبل النبوة (وراودته) حين بلغ من السن أشده (التى هو في بيتها عن نفسه) وهى راعيل امرأة العزيز أطفير (وغلقت الابواب) عليه وعليها الذى أرادت منه وجعلت فيما ذكر تذكر ليوسف محاسنه تشوقه بذلك إلى نفسها ذكر من قال ذلك * حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو عمرو بن محمد عن أسباط عن السدى (ولقد همت به وهم بها) قال قالت له يا يوسف ما أحسن شعرك قال هو أول ما ينتثر من جسدي قالت يا يوسف ما أحسن عينيك قال هي أول ما يسيل إلى إلى الارض من جسدي قالت يا يوسف ما أحسن وجهك قال هو للتراب يأكله فلم تزل حتى أطمعته فهمت به وهم بها فدخلا البيت وغلقت الابواب وذهب ليحل سراويله فإذا هو بصورة يعقوب قائما في البيت قد عض على أصبعه يقول يا يوسف لا تواقعها فإنما مثلك ما لم تواقعها مثل الطير في جو السماء لا يطاق ومثلك إن واقعتها مثله إذا مات وقع في الارض لا يستطيع أن يدفع عن نفسه ومثلك ما لم يواقعها مثل الثور الصعب الذى لا يعمل عليه ومثلك إن واقعتها مثل الثور حين يموت فيدخل النمل في أصل قرنيه لا يستطيع أن يدفع عن نفسه فربط

[ 237 ]

سراويله وذهب ليخرج يشتد فأدركته فأخذت بمؤخر قميصه من خلفه فخرقته حتى أخرجته منه وسقط وطرحه يوسف واشتد نحو الباب * وقد حدثنا أبو كريب وابن وكيع وسهل بن موسى قالوا حدثنا ابن عيينة عن عثمان بن أبى سليمان عن ابن أبى مليكة عن ابن عباس سئل عن هم يوسف ما بلغ قال حل الهميان وجلس منها مجلس الحائز * حدثنا الحسن بن محمد قال حدثنا حجاج بن محمد عن ابن جريج قال أخبرنا عبد الله بن أبى مليكة قال قلت لا بن عباس ما بلغ من هم يوسف قال استلقت له وجلس بين رجليها ينزع ثيابه فصرف الله تعالى عنه ما كان هم به من السوء بما رأى من البرهان الذى أراه الله فذلك فيما قال بعضهم صورة يعقوب عاضا على أصبعه وقال بعضهم بل نودى من جانب البيت أتزني فتكون كالطير وقع ريشه فذهب يطير ولا ريش له وقال بعضهم رأى في الحائط مكتوبا (ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا) فقام حين رأى برهان ربه هاربا يريد باب البيت فرارا مما أرادته منه وأتبعته راعيل فأدركته قبل خروجه من الباب فجذبته بقميصه من قبل ظهره فقدت قميصه وألفى يوسف وراعيل سيدها وهو زوجها أطفير جالسا عند الباب مع ابن عم لراعيل * كذلك حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو بن محمد عن أسباط عن السدى وألفيا سيدها لدا الباب قال كان جالسا عند الباب وابن عمها معه فلما رأته قالت (ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم) إنه راودني عن نفسي فدفعته عن نفسي فأبيت فشققت قميصه قال يوسف بل هي راودتني عن نفسي فأبيت وفررت منها فأدركتني فشقت قميصي فقال ابن عمها تبيان هذا في القميص فإن كان القميص قدمن قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان القميص قدمن دبر فكذبت وهو من الصادقين فأتى بالقميص فوجده قدمن دبر قال (إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم يوسف أعرض عن هذا واستغفرى لذنبك إنك كنت من الخاطئين) * حدثنى محمد بن عمارة قال حدثنا عبيدالله بن موسى قال أخبرنا شيبان عن أبى إسحق عن نوف الشأمى قال ما كان يوسف يريد أن يذكره حتى

[ 238 ]

قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم قال فغضب وقال هي راودتني عن نفسي * وقد اختلف في الشاهد الذى شهد من أهلها إن كان قميصه قدمن قبل فصدقت وهو من الكاذبين فقال بعضهم ما ذكرت عن السدى وقال بعضهم كان صبيا في المهد وقد روى في ذلك عن رسول الله ما حدثنا الحسن بن محمد قال حدثنا عفان بن مسلم قال حدثنا حماد قال أخبرنا عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال تكلم أربعة وهم صغار فذكر فيهم شاهد يوسف * حدثنا ابن وكيع قال حدثنا العلاء ابن عبد الجبار عن حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال تكلم أربعة وهم صغار ابن ماشطة ابنة فرعون وشاهد يوسف وصاحب جريج وعيسى ابن مريم * وقد قيل إن الشاهد كان هو القميص وقده من دبره ذكر بعض من قال ذلك * حدثنى محمد بن عمرو قال حدثنا أبو عاصم قال حدثنى عيسى عن ابن أبى نجيح عن مجاهد في قول الله عزوجل (وشهد شاهد من أهلها) قال قميصه مشقوق من دبره فتلك الشهادة فلما رأى زوج المرأة قميص يوسف قد من دبر قال لراعيل زوجته إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم ثم قال ليوسف أعرض عن ذكر ما كان منها من مراودتها إياك عن نفسها فلا تذكره لاحد ثم قال لزوجته استغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين وتحدث النساء بأمر يوسف وأمر امرأة العزيز بمصر ومراودتها إياه على نفسها فلم ينكتم وقلن (امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا) قد وصل حب يوسف إلى شغف قلبها فدخل تحته حتى غلب على قلبها وشغاف القلب غلافه وحجابه * حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو بن محمد عن أسباط عن السدى (قد شغفها حبا) قال فالشغاف جلدة على القلب يقال لها لسان القلب يقول دخل الحب الجلد حتى أصاب القلب فلما سمعت امرأة العزيز بمكرهن وتحدثهن بينهن بشأنها وشأن يوسف وبلغها ذلك أرسلت اليهن واعتدت لهن متكأ يتكئن عليه إذا حضرنها من

[ 239 ]

وسائد وحضرنها فقدمت اليهن طعاما وشرابا وأترجا وأعطت كل واحدة منهن سكينا تقطع به الاترج * حدثنى سليمان بن عبد الجبار قال حدثنا محمد بن الصلت قال حدثنا أبو كدينة عن حصين عن مجاهد عن ابن عباس (وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا) قال اعطتهن أترجا واعطت كل واحدة منهن سكينا فلما فعلت امرأة العزيز ذلك بهن وقد أجلست يوسف في بيت ومجلس غير المجلس الذى هن فيه جلوس قالت ليوسف (أخرج عليهن) فخرج يوسف عليهن فلما رأينه أجللنه وأكبرنه وأعظمنه وقطعن أيديهن بالسكاكين التى في أيديهن وهن يحسبن أنهن يقطعن بها الاترج وقلن معاذ الله ما هذا إنس (إن هذا إلا ملك كريم) فلما حل بهن ما حل من قطع أيديهن من أجل نظرة نظرنها إلى يوسف وذهاب عقولهن وعرفتهن خطأ قيلهن امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه وانكارهن ما أنكرن من أمرها أقرت عند ذلك لهن بما كان من مراودتها اياه على نفسها فقالت (فذلكن الذى لمتننى فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم) بعد ما حل سراويله * حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو بن محمد عن اسباط عن السدى قالت فذلكن الذى لمتننى فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم * تقول بعد ما حل السراويل استعصم لا أدرى ما بدا له ثم قالت لهن (ولئن لم يفعل ما آمره) من إتيانها (ليسجنن وليكونا من الصاغرين) فاختار صلى الله عليه وسلم السجن على الزنا ومعصية ربه فقال (رب السجن أحب إلى مما يدعونني إليه) * حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو بن محمد عن اسباط عن السدى قال رب السجن أحب إلى مما يدعونني إليه من الزنا واستغاث بربه عزوجل فقال (وإلا تصرف عنى كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين) فاخبر الله عزوجل انه استجاب له دعاءه فصرف عنه كيدهن ونجاه من ركوب الفاحشة ثم بدا للعزيز من بعد ما رأى من الآيات ما رأى من قد القميص من الدبر وخمش في الوجه وقطع النسوة ايديهن وعلمه ببراءة يوسف مما قرف به في ترك يوسف مطلقا وقد قيل ان السبب الذى من أجله بدا له في

[ 240 ]

ذلك ما حدثنا به ابن وكيع قال حدثنا عمرو بن محمد عن أسباط السدى (ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين قال قالت المرأة لزوجها ان هذا العبد العبراني قد فضحني في الناس يعتذر إليهم ويخبرهم انى راودته عن نفسه ولست أطيق ان أعتذر بعذري فاما ان تأذن لى فاخرج فاعتذر وإما ان تحبسه كما حبستنى فذلك قول الله عزوجل " ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين " فذكر أنهم حبسوه سبع سنين ذكر من قال ذلك * حدثنا ابن وكيع قال حدثنا المحاربي عن داود عن عكرمة ليسجننه حتى حين قال سبع سنين فلما حبس يوسف في السجن صاحبه العزيز أدخل معه السجن الذى حبس فيه فتيان من فتيان الملك صاحب مصر الاكبر وهو الوليد بن الريان أحدهما كان صاحب طعامه والآخر كان صاحب شرابه * حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن أسباط عن السدى قال حبسه الملك وغضب على خبازه بلغه انه يريد أن يسمه فحبسه وحبس صاحب شرابه ظن انه مالاه على ذلك فحبسهما جميعا فذلك قول الله عزوجل ودخل معه السجن فتيان فلما دخل يوسف قال فيما حدثنى به ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن أسباط عن السدى قال لما دخل يوسف السجن قال انى اعبر الاحلام فقال احد الفتيين لصاحبه هلم فلنجرب هذا العبد العبراني فتراءيا له فسألاه من غير أن يكونا رأيا شيئا فقال الخباز (إنى أرانى أحمل فوق رأسي خبزا ياكل الطير منه) (وقال الآخر إنى أرانى أعصر خمرا) (نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين) فقيل كان إحسانه ما حدثنا به اسحاق بن أبى اسرائيل قال حدثنا خلف بن خليفة عن سلمة بن نبيط عن الضحاك قال سأل رجل الضحاك عن قوله " انا نراك من المحسنين " ما كان احسانه قال كان إذا مرض انسان في السجن قام عليه وإذا احتاج جمع له وإذا ضاق عليه المكان وسع له فقال لهما يوسف (لا يأتيكما طعام ترزقانه - في يومكما هذا - إلا نبأتكما بتأويله) في اليقظة وكره صلى الله عليه وسلم ان يعبر لهما

[ 241 ]

ما سألاه عنه وأخذ في غير الذى سألا عنه لما في عبارة ما سألا عنه من المكروه على أحدهما فقال (يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار) فكان اسم أحد الفتيين اللذين أدخلا السجن محلب وهو الذى ذكر أنه رأى فوق رأسه خبزا واسم الآخر نبو وهو الذى ذكر أنه رأى كأنه يعصر خمرا فلم يدعاه والعدول عن الجواب عما سألاه عنه حتى أخبرهما بتأويل ما سألا عنه فقال (أما أحدكما فيسقى ربه خمرا) وهو الذى ذكر انه رأى كأنه يعصر خمرا (وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه) فلما عبر لهما سألاه تعبيره قالا ما رأينا شيئا * حدثنا ابن وكيع قال حدثنا ابن فضل عن عمارة يعنى ابن القعقاع عن ابراهيم عن علقمة عن عبد الله في الفتيين اللذين أتيا يوسف في الرؤيا إنما كانا تحالما ليختبراه فلما أول رؤياهما قالا انما كنا نلعب قال قضى الامر الذى فيه تستفتيان ثم قال لنبو وهو الذى ظن يوسف أنه ناج منهما اذكرني عند ربك يعنى عند الملك فأخبره أنى محبوس ظلما فأنساه الشيطان ذكر ربه غفلة عرضت ليوسف من قبل الشيطان * فحدثني الحارث قال حدثنا عبد العزيز قال حدثنا جعفر بن سليمان الضبعى عن بسطام بن مسلم عن مالك بن دينار قال قال يوسف للساقي اذكرني عند ربك قال قيل يا يوسف اتخذت من دوني وكيلا لا طيلن حبسك قال فبكى يوسف وقال يا رب أنسى قلبى كثرة البلوى فقلت كلمة فويل لاخوتي * حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو بن محمد عن ابراهيم بن يزيد عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال قال النبي صلى الله عليه وسلم لو لم يقل يوسف يعنى الكلمة التى قال ما لبث في السجن طول ما لبث حيث يبتغى الفرج من عند غير الله عزوجل فلبث في السجن فيما حدثنى الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا عمران أبو الهذيل الصنعانى قال سمعت وهبا يقول أصاب أيوب البلاء سبع سنين وترك يوسف في السجن سبع سنين وعذب بختنصر فحول في السباع سبع سنين. ثم إن ملك مصر رأى رؤيا هالته * فحدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو بن محمد عن أسباط عن السدى قال إن الله عزوجل أرى الملك في منامه رؤيا هالته فرأى سبع بقرات

[ 242 ]

سمان ياكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات فجمع السحرة والكهنة والحازة والقافة فقصها عليهم فقالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الا حلا بعالمين فقال الذى نجا من الفتيين وهو نبو ادكر حاجة يوسف بعد أمة يعنى بعد نسيان أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون يقول فأطلقون فأرسلوه فأتى يوسف فقال أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خصر وأخر يابسات فان الملك رأى ذلك في نومه * فحدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن أسباط عن السدى قال قال ابن عباس لم يكن السجن في المدينة فانطلق الساقى إلى يوسف فقال أفتنا في سبع بقرات سمان الآيات * فحدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة أفتنا في سبع بقرات سمان فالسمان المخاصيب والبقرات العجاف هن السنون المحول الجدوب قوله (وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات) أما الخضر فهن السنون المخاصيب وأما اليابسات فهن الجدوب المحول فلما أخبر يوسف نبو بتأويل ذلك أتى نبو الملك فأخبره بما قال له يوسف فعلم الملك أن الذى قال يوسف من ذلك حق قال ائتونى به * فحدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن أسباط عن السدى قال لما أتى الملك رسوله فأخبره قال ائتونى به فلما أتاه الرسول ودعاه إلى الملك أبى يوسف الخروج معه وقال (ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتى قطعن أيديهن إن ربى بكيدهن عليم) قال السدى قال ابن عباس لو خرج يوسف يومئذ قبل أن يعلم الملك بشأنه ما زالت في نفس العزيز منه حاجة يقول هذا الذى راود امرأتي فلما رجع الرسول إلى الملك من عند يوسف جمع الملك أولئك النسوة فقال لهن ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن فيما حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن أسباط عن السدى قال لما قال الملك لهن ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء ولكن امرأة العزيز أخبرتنا أنها راودته عن نفسه ودخل معها البيت فقالت امرأة العزيز حينئذ الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين فقال يوسف ذلك هذا الفعل الذى فعلت من ترديدي رسول

[ 243 ]

الملك بالرسالات التى أرسلت في شأن النسوة ليعلم اطفير سيدى أنى لم أخنه بالغيب في زوجته راعيل وأن الله لا يهدى كيد الخائنين فلما قال ذلك يوسف قال له جبرائيل ما حدثنا أبو كريب قال حدثنا وكيع عن إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال لما جمع الملك النسوة فسألهن هل راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين قال يوسف ذلك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدى كيد الخائنين قال فقال له حبرائيل ولا يوم هممت بها فقال وما أبرئ نفسي إن النفس لامارة بالسوء فلما تبين للملك عذر يوسف وأمانته قال ائتونى به أستخلصه لنفسي فلما أتى به وكلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين فقال يوسف للملك اجعلني على خزائن الارض * فحدثني يونس قال حدثنا ابن وهب قال قال ابن زيد في قوله اجعلني على خزائن الارض قال كان لفرعون خزائن كثيرة غير الطعام فسلم سلطانه كله إليه وجعل القضاء إليه أمره وقضاؤه نافذ * حدثنا ابن حميد قال حدثنا ابراهيم بن المختار عن شيبة الضبى في قوله اجعلني على خزائن الارض قال على حفظ الطعام إنى حفيظ عليم يقول إنى حفيظ لما استودعتني عليم بسنى المجاعة فولاه الملك ذلك * وقد حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال لما قال يوسف للملك اجعلني على خزائن الارض إنى حفيظ عليم قال الملك قد فعلت فولاه فيما يذكرون عمل اطفير وعزل اطفير عما كان عليه يقول الله تبارك وتعالى (وكذلك مكنا ليوسف في الارض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحنسين) قال فذكر لى والله أعلم ان اطفير هلك في تلك الليالى وأن الملك الريان بن الوليد زوج يوسف امرأة اطفير راعيل وأنها حين دخلت عليه قال أليس هذا خيرا مما كنت تريدين قال فيزعمون أنها قالت أيها الصديق لا تلمني فانى كنت امرأة كما ترى حسناء جميلة ناعمة في ملك ودنيا وكان صاحبي لا يأتي النساء وكنت كما جعلك الله في حسنك وهيئتك فغلبتني نفسي على ما رأيت فيزعمون أنه وجدها عذراء وأصابها فولدت له رجلين افرابيم بن

[ 244 ]

يوسف وميشا بن يوسف * حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن أسباط عن السدى " وكذلك مكنا ليوسف في الارض يتبوأ منها حيث يشاء " قال استعمله الملك على مصر وكان صاحب أمرها وكان يلى البيع والتجارة وأمرها كله فذلك قوله " وكذلك مكنا ليوسف في الارض يتبوأ منها حيث يشاء " فلما ولى يوسف للملك خزائن أرضه فاستقر به القرار في عمله ومضت السنون السبع المخصبة التى كان يوسف أمر بترك ما في سنبل ما حصدوا من الزرع فيها فيه ودخلت السنون المجذبة وقحط الناس أجدبت بلاد فلسطين فيما أجدب من البلاد ولحق مكروه ذلك آل يعقوب في موضعهم الذى كانوا فيه فوجه يعقوب بنيه * فحدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن أسباط عن السدى قال أصاب الناس الجوع حتى أصاب بلاد يعقوب التى هو بها فبعث بنيه إلى مصر وأمسك أخا يوسف بنيامين فلما دخلوا على يوسف عرفهم وهم له منكرون فلما نظر إليهم قال اخبروني ما أمركم فإنى أنكر شأنكم قالوا نحن قوم من أرض الشأم قال فما جاء بكم قالوا جئنا نمتار طعاما قال كذبتم أنتم عيون كم أنتم قالوا عشرة قال أنتم عشرة آلاف كل رجل منكم ألف فأخبروني خبركم قالوا إنا إخوة بنو رجل صديق وإنا كنا اثنى عشر وكان أبو نا يحب أخا لنا وإنه ذهب معنا البرية فهلك فيها وكان أحبنا إلى أبينا قال فإلى من سكن أبو كم بعده قالوا إلى أخ لنا أصغر منه قال فكيف تخبرونني أن أباكم صديق وهو يحب الصغير منكم دون الكبير ائتونى بأخيكم هذا حتى أنظر إليه فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون، قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون * قال فضعوا بعضكم رهينة حتى ترجعوا فوضعوا شمعون * وحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحق قال كان يوسف حين رأى ما أصاب الناس من الجهد قد آسى بينهم فكان لا يحمل للرجل إلا بعيرا واحدا ولا يحمل للرجل الواحد بعيرين تقسيطا بين الناس وتوسيعا عليهم فقدم عليه إخوته فيمن قدم عليه من الناس يلتمسون الميرة من مصر فعرفهم وهم له منكرون لما أراد الله تعالى أن يبلغ بيوسف مما أراد ثم أمر يوسف بأن يوقر لكل رجل من إخوته بعيره

[ 245 ]

فقال لهم ائتونى بأخيكم من أبيكم لا حمل لكم بعيرا آخر فتزدادوا به حمل بعير ألا ترون أنى أوف الكيل فلا أبخسسه أحدا وأنا خير المنزلين وأنا خير من أنزل ضيفا على نفسه من الناس بهذه البلدة فأنا أضيفكم فإن لم تأتوني بأخيكم من أبيكم فلا طعام لكم عندي أكيله ولا تقربوا بلادي وقال لفتيانه الذين يكيلون الطعام لهم اجعلوا بضاعتهم وهى ثمن الطعام الذى اشتروه به في رحالهم * حدثنا بشر قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا سعيد عن قتادة اجعلوا بضاعتهم في رحالهم أي ورقهم فجعلوا ذلك في رحالهم وهم لا يعلمون فلما رجع بنو يعقوب إلى أبيهم قالوا ما حدثنا به ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن اسباط عن السدى فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا إن ملك مصر أكرمنا كرامة لو كان رجلا من ولد يعقوب ما أكرمنا كرامته وإنه ارتهن شمعون وقال ائتونى بأخيكم هذا الذى عطف عليه أبو كم بعد أخيكم الذى هلك فإن لم تأتوني به فلاكيل لكم عندي ولا تقربوني أبدا قال يعقوب هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حفظا وهو أرحم الراحمين قال فقال لهم يعقوب إذا أتيتم ملك مصر فأقرؤه منى السلام وقولوا له إن أبانا يصلى عليك ويدعو لك بما أوليتنا * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحق قال خرجوا حتى إذا قدموا على أبيهم وكان منزلهم فيما ذكرني بعض أهل العلم بالعربات من أرض فلسطين بغور الشأم وبعضهم يقول بالاولاج من ناحية الشغب أسفل من حسمى فلسطين وكان صاحب بادبة له ابل وشاء فلما رجع إخوة يوسف إلى والدهم يعقوب قالوا له يا أبانا منع منا الكيل فوق حمل أباعرنا ولم يكل لكل واحد منا إلاكيل بعير فأرسل معنا أخانا بنيامين يكتل لنفسه وإنا له لحافظون فقال لهم يعقوب هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حفظا وهو أرحم الراحمين ولما فتح ولد يعقوب الذين كانوا خرجوا إلى مصر للميرة متاعهم الذى قدموا به من مصر وجدوا ثمن طعامهم الذى اشتروه به رد إليهم فقالوا الوالدهم (يا أبانا ما نبغى هذه بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل

[ 246 ]

بعير) آخر على أحمال إبلنا * وقد حدثنى الحارث قال حدثنا القاسم قال حدثنا حجاج عن ابن جريج ونزداد كيل بعير قال كان لكل رجل منهم حمل بعير فقالوا أرسل معنا أخانا نزدد حمل بعير قال ابن جريج قال مجاهد كيل بعير حمل حمار قال وهى لغة قال الحارث قال القاسم يعنى مجاهد إن الحمار يقال له في بعض اللغات بعير * فقال يعقوب (لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم) يقول إلا أن تهلكوا جميعا فيكون حينئذ ذلك لكم عذرا عندي فلما وثقوا له بالايمان قال يعقوب (الله على ما نقول وكيل) ثم أوصاهم بعد ما أذن لاخيهم من أبيهم بالرحيل معهم أن لا تدخلوا من باب واحد من أبو اب المدينة خوفا عليهم من العين وكانوا ذوى صورة حسنة وجمال وهيئة وأمرهم أن يدخلوا من أبو اب متفرقة كما حدثنا محمد بن عبد الاعلى قال حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن قتادة (وادخلوا من أبو اب متفرقة) قال كانوا قد أوتوا صورة وجمالا فخشى عليهم أنفس الناس فقال الله تعالى (ولما دخلوا من حيث أمرهم أبو هم ما كان يغنى عنهم من الله من شئ إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها) ما تخوف على أولاده اعين الناس لهيئتهم وجمالهم * ولما دخل إخوة يوسف على يوسف ضم إليه أخاه لابيه وأمه فحدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن أسباط عن السدى (ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه) قال عرف أخاه وأنزلهم منزلا وأجرى عليهم الطعام والشراب فلما كان الليل جاءهم بمثل فقال لينم كل أخوين منكم على مثال فلما بقى الغلام وحده قال يوسف هذا ينام معى على فراشي فبات معه فجعل يوسف يشم ريحه ويضمه إليه حتى أصبح وجعل روبيل يقول ما رأينا مثل هذا إن نجونا منه * واما ابن اسحق فانه قال ما حدثنا به ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحق قال لما دخلوا يعنى ولد يعقوب على يوسف قالوا هذا أخونا الذى أمرتنا أن نأتيك به قد جئناك فذكر لى أنه قال لهم قد أحسنتم وأصبتم وستجدون جزاء ذلك عندي أو كما قال ثم قال إنى أراكم رجالا وقد أردت أن أكرمكم فدعا صاحب ضيافته فقال أنزل كل رجلين على حدة ثم أكرمهما وأحسن ضيافتهما

[ 247 ]

ثم قال إنى أرى هذا الرجل الذى جئتم به ليس معه ثان فسأضمه إلى فيكون منزله معى فأنزلهم رجلين رجلين في منازل شتى وأنزل أخاه معه فآواه إليه فلما خلا به قال إنى أنا أخوك أنا يوسف لا تبتئس بشئ فعلوه بنا فيما مضى فإن الله قد أحسن الينا فلا تعلمهم شيئا مما أعلمتك قول الله عزوجل (ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إنى أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون) يقول له فلا تبتئس فلا تحزن فلما حمل يوسف ابن اخوته ما حملها من الميرة وقضى حاجتهم ووفاهم كيلهم جعل الاناء الذى كان يكيل به الطعام وهو الصواع في رحل أخيه بنيامين * حدثنا الحسن بن محمد قال حدثنا عفان قال حدثنا عبد الواحد عن يونس عن الحسن أنه كان يقول الصواع والسقاية سواءهما الاناء الذى يشرب فيه وجعل ذلك في رحل أخيه والاخ لا يشعر فيما ذكر * حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن أسباط عن السدى (فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أحيه) والاخ لا يشعر فلما ارتحلوا أذن مؤذن قبل أن ترتحل العير إنكم لسارقون * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال حمل لهم بعيرا بعيرا وحمل لاخيه بنيامين بعيرا باسمه كما حمل لهم ثم أمر بسقاية الملك وهو الصواع وزعموا أنها كانت من فضة فجعلت في رحل أخيه بنيامين ثم أمهلهم حتى إذا انطلقوا فأمعنوا من القرية أمر بهم فأدركوا واحتبسوا ثم نادى مناد أيتها العير إنكم لسارقون وانتهى إليهم رسوله فقال لهم فيما يذكرون ألم نكرم ضيافتكم ونوفكم كيلكم ونحسن منزلكم ونفعل بكم ما لم نفعل بغيركم وأدخلناكم علينا في بيوتنا وصار لنا علكيم حرمة أو كما قال لهم قالوا بلى وما ذاك قال سقاية الملك فقدناها ولايتهم عليها غيركم قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الارض وما كنا سارقين وكان مجاهد يقول كانت العير حميرا * حدثنى بذلك الحارث قال حدثنا عبد العزيز قال حدثنا سفيان قال أخبرني رجل عن مجاهد * وكان فيما نادى به منادى يوسف من جاء بصواع الملك فله حمل بعير من الطعام وأنا بإيفائه ذلك زعيم يعنى كفيل وإنما قال القوم لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الارض

[ 248 ]

وما كنا سارقين لانهم ردوا ثمن الطعام الذى كان كيل لهم المرة الاولى في رحالهم فردوه إلى يوسف فقالوا لو كنا سارقين لم نردد ذلك اليكم وقيل إنهم كانوا معروفين بأنهم لا يتناولون ما ليس لهم فلذلك قالوا ذلك * فقيل لهم فما جزاء من كان سرق ذلك فقالوا جزاؤه في حكمنا بأن يسلم لفعله ذلك إلى من سرقه حتى يسترقه * حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن اسباط عن السدى قال قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه تأخذونه فهو لكم فبدأ يوسف بأوعية القوم قبل وعاء أخيه بنيامين ففتشها ثم استخرجها من وعاء أخيه لانه أخر تفتيشه * حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا سعيد عن قتادة قال ذكر لنا أنه كان لا ينظر في وعاء إلا استغفر الله تأثما مما قرفهم به حتى بقى أخوه وكان أصغر القوم قال ما أرى هذا أخذ شيئا قالوا بلى فاستبرئه إلا وقد علموا حيث وضعوا سقايتهم ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك يعنى في حكم الملك ملك مصر وقضائه لانه لم يكن من حكم ذلك الملك وقضائه أن يسترق السارق بما سرق ولكنه أخذه بكيد الله له حتى اسلمه رفقاؤه وإخوته بحكمهم عليه وطيب أنفسهم بالتسليم * حدثنا الحسن بن محمد قال حدثنا شبابة قال حدثنا ورقاء عن ابن أبى نجيح عن مجاهد قوله ما كان ليأخذ أخاه في دين إلا بعلة كادها الله له فاعتل بها يوسف فقال أخوة يوسف حينئذ إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل يعنون بذلك يوسف * وقد قيل إن يوسف كان سرق صنما لجده أبى أمه فكسره فعيروه بذلك ذكر من قال ذلك * حدثنى أحمد بن عمرو البصري قال حدثنا الفيض بن الفضل قال حدثنا مسعر عن أبى حصين عن سعيد بن جبير إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل قال سرق يوسف صنما لجده أبى أمه فكسره وألقاه في الطريق فكان اخوته يعيبونه بذلك * وقد حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن إدريس قال سمعت أبى قال كان

[ 249 ]

بنو يعقوب على طعامه إذ نظر يوسف إلى عرق فحبأه فعيروه بذلك إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسر في نفسه يوسف حين سمع ذلك منه فقال (أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون) به أخا بنيامين من الكذب ولم يبد ذلك لهم قولا * فحدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن اسباط عن السدى قال لما استخرجت السرقة من رحل الغلام انقطعت ظهورهم وقالوا يا بنى راحيل ما يزال لنا منكم بلاء متى اخذت هذا الصواع فقال بنيامين بل بنو راحيل الذين لا يزال لهم منكم بلاء ذهبتم بأخى فأهلكتموه في البرية وضع هذا الصواع في رحلى الذى وضع الدراهم في رحالهم فقالوا لا تذكر الدراهم فنؤخذ بها فلما دخلوا على يوسف دعا بالصواع فنقر فيه ثم أدناه من أذنه ثم قال إن صواعي هذا ليخبرني أنكم كنتم اثنى عشر رجلا وأنكم انطلقتم بأخ لكم فبعتموه فلما سمعها بنيامين قال فسجد ليوسف ثم قال ايها الملك سل صواعك هذا عن اخى اين هو فنقره ثم قال هو حى وسوف تراه قال فاصنع بى ما شئت فإنه ان علم بى فسوف يستنقذنى قال فدخل يوسف فبكى ثم توضأ ثم خرج فقال بنيامين ايها الملك إنى اريد ان تضرب صواعك هذا فيخبرك بالحق من الذى سرقه فجعله في رحلى ؟ فنقره فقال ان صواعي هذا غضبان وهو يقول كيف تسألني من صاحبي فقد رأيت مع من كنت قالوا وكان بنو يعقوب إذا غضبوا لم يطاقوا فغضب روبيل وقال أيها الملك والله لتتركنا أو لاصيحن صيحة لا تبقى بمصر حامل إلا ألقت ما في بطنها وقامت كل شعرة في جسد روبيل فخرجت من ثيابه فقال يوسف لابنه ثم إلى جنب روبيل فمسه وكان بنو يعقوب إذا غضب أحدهم فمسه الآخر ذهب غضبه فقال روبيل من هذا إن في هذا البلد لبزرا من بزر يعقوب فقال يوسف من يعقوب ؟ فغضب روبيل وقال أيها الملك لا تذكر يعقوب فإنه إسرائيل الله بن ذببح الله بن خليل الله قال يوسف أنت إذن إن كنت صادقا قال ولما احتبس يوسف أخاه بنيامين فصار بحكم إخوته أولى به منهم ورأوا أنه لا سبيل لهم إلى تخليصه صاروا إلى مسئلته تخليته ببذل منهم يعطونه إياه فقالوا (يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين)

[ 250 ]

في أفعالك فقال لهم يوسف (معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا الظالمون) أن نأخذ بريئا بسقيم فلما يئس إخوة يوسف من إجابة يوسف إياهم إلى ما سألوا من إطلاق أخيه بنيامين وأخذ بعضهم مكانه خلصوا نجيا لا يفترق منهم أحد ولا يختلط بهم غيرهم فقال كبيرهم وهو روبيل وقد قيل إنه شمعون ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله أن نأتيه بأخينا بنيامين الا أن يحاط بنا أجمعين ومن قبل هذه المرة ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الارض التى أنابها حتى ياذن لى أبى في الخروج منها وترك أخى بنيامين بها أو يحكم الله لى بذلك وهو خير الحاكمين وقد قيل معنى ذلك أو يحكم الله لى بحرب من منعنى من الانصراف بأخى (ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق) فأسلمناه بجريرته (وما شهدنا إلا بما علمنا) لان صواع الملك لم يوجد إلا في رحله (وما كنا للغيب حافظين) يعنون بذلك أنا انما ضمنا لك أن نحفظه مما لنا إلى حفظه سبيل ولم نكن نعلم أنه يسرق فيسترق بسرقته واسأل أهل القرية التى كنا فيها فسرق ابنك فيها والقافلة التى كنا فيها مقبلة من مصر معنا عن خبر ابنك فانك تخبر بحقيقة ذلك فلما رجعوا إلى أبيهم فأخبروه خبر بنيامين وتخلف روبيل قال لهم بل سولت لكم أنفسكم أمرا أردتموه فصبر جميل لا جزع فيه على ما نالنى من فقد ولدى عسى الله أن يأتيني بهم جميعا بيوسف وأخيه وروبيل ثم أعرض عنهم يعقوب وقال يا أسفا على يوسف * يقول الله عزوجل " وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم " مملوء من الحزن والغيظ فقال له بنوه الذين انصرفوا إليه من مصر حين سمعوا قول ذلك تالله لا تزال تذكر يوسف فلا تفتؤ من حبه وذكره حتى تكون دنف الجسم مخبول العقل من حبه وذكره هرما باليا أو تموت فأجابهم يعقوب فقال إنما أشكو بثى وحزني إلى الله لا اليكم وأعلم من الله ما لا تعلمون من صدق رؤيا يوسف أن تأويلها كائن وأنى وأنتم سنسجد له * وقد حدثنا ابن حميد قال حدثنا حكام عن عيسى بن يزيد عن الحسن قال قيل ما بلغ وجد يعقوب على ابنه قال وجد سبعين ثكلى قال فما كان له من الاجر قال أجر مائة شهيد قال وما ساء

[ 251 ]

ظنه بالله ساعة قط من ليل ولانهار * وحدثنا ابن حميد مرة أخرى قال حدثنا حكام عن أبى معاذ عن يونس عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن المبارك بن مجاهد عن رجل من الازد عن طلحة بن مصرف اليامى قال أنبئت أن يعقوب بن إسحاق دخل عليه جار له فقال يا يعقوب مالى أراك قد انهشمت وفنيت ولم تبلغ من السن ما بلغ أبو ك قال هشمني وأفناني ما ابتلاني الله به من هم يوسف وذكره فأوحى الله عزوجل إليه يا يعقوب اتشكوني إلى خلقي قال يا رب خطيئة اخطأتها فاغفرها لى قال فانى قد غفرت لك فكان بعد ذلك إذا سئل قال إنما أشكو بثى وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون * حدثنا عمرو بن عبد الحميد الآملي قال حدثنا أبو أسامة عن هشام عن الحسن قال كان منذ خرج يوسف من عند يعقوب إلى أن رجع ثمانون سنة لم يفارق الحزن قلبه ولم يزل يبكى حتى ذهب بصره قال الحسن والله ما على الارض خليفة أكرم على الله من يعقوب * ثم أمر يعقوب بنيه الذين قدموا عليه من مصر بالرجوع إليها وتحسس الخبر عن يوسف وأخيه فقال لهم اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيئسوا من روح الله يفرج به عنا وعنكم الغم الذى نحن فيه فرجعوا إلى مصر فدخلوا على يوسف فقالوا له حين دخلوا عليه أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزى المتصدقين وكانت بضاعتهم المزجاة التى جاؤا بها معهم فيما ذكر دراهم ردية زيوفا لا تؤخذ إلا بوضيعة وكان بعضهم يقول كانت حلق الغرائر والحبال ونحو ذلك وقال بعضهم كانت سمنا وصوفا وقال بعضهم كانت صنوبرا وحبة الخضراء وقال بعضهم كانت قليلة دون ما كانوا يشترون به قبل فسألوا يوسف أن يتجاوز لهم ويوفيهم بذلك من كيل الطعام مثل الذى كان يعطيهم في المرتين قبل ذلك ولا ينقصهم فقالوا له فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزى المتصدقين * حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن أسباط عن السدى وتصدق علينا قال بفضل ما بين الجياد والردية وقد قيل إن معنى ذلك وتصدق

[ 252 ]

علينا برد أخينا إلينا إن الله يجزى المتصدقين * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال ذكر أنهم لما كلموه بهذا الكلام غلبته نفسه فارفض دمعه باكيا ثم باح لهم بالذى كان يكتم منهم فقال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون) ولم يعن بذكر أخيه ما صنعه هو فيه حين أخذه ولكن التفريق بينه وبين أخيه إذ صنعوا بيوسف ما صنعوا فلما قال لهم يوسف ذلك قالوا له ها أنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخى قد من الله علينا بأن جميع بيننا بعد تفريقكم بيننا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين * حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن أسباط عن السدى قال لما قال لهم يوسف أنا يوسف وهذا أخى اعتذروا وقالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين قال لهم يوسف لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين فلما عرفهم يوسف نفسه سألهم عن أبيه * حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن أسباط عن السدى قال قال يوسف ما فعل أبى بعدى قالوا لما فاته بنيامين عمى من الحزن فقال اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبى يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين ولما فصلت العير عير بنى يعقوب قال يعقوب إنى لاجد ريح يوسف * فحدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال حدثنى ابن شريح عن أبى أيوب الهوزنى حدثه قال استأذنت الريح بأن تأتى يعقوب بريح يوسف حين بعث بالقميص إلى أبيه قبل أن يأتيه البشير ففعلت فقال يعقوب إنى لاجد ريح يوسف لولا أن تفندون * حدثنا أبو كريب قال حدثنا وكيع عن اسرائيل عن ابن سنان عن ابن أبى الهذيل عن ابن عباس في " ولما فصلت العير قال أبو هم إنى لاجد ربح يوسف " قال هاجت ريح فجاءت بريح يوسف من مسيرة ثمان ليال فقال إنى لاجد ريح يوسف لو لا أن تفندونى * حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن قال ذكر لنا انه كان بينهما يومئذ ثمانون فرسخا يوسف بأرض مصر ويعقوب بأرض كنعان وقد أتى لذلك زمان طويل * حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثنا حجاج عن ابن جريج قوله إنى لاجد ريح يوسف قد

[ 253 ]

بلغنا أنه كان بينهم يومئذ ثمانون فرسخا وقال إنى لاجد ريح يوسف وقد كان فارقه قبل ذلك سبعا وسبعين سنة ويعنى بقوله لولا أن تفندونى لولا أن تسفهونى فتنبسونى إلى الهرم وذهاب العقل فقال له من حضره من ولده حينئذ تالله إنك من ذكر يوسف وحبه لفى ضلالك القديم يعنون في خطئك القديم * فلما أن جاء البشير يعنى البريد الذى أبرده يوسف إلى يعقوب يبشره بحياة يوسف وخبره وذكر أن البشير كان يهوذا بن يعقوب * حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن أسباط عن السدى قال قال يوسف اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبى يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين قال يهوذا أنا ذهبت بالقميص ملطخا بالدم إلى يعقوب فأخبرته أن يوسف أكله الذئب وأنا أذهب اليوم بالقميص فاخبره بانه حى فأقر عينه كما أحزنته فهو كان البشير فلما أن جاء البشير يعقوب بقميص يوسف ألقاه على وجهه فعاد بصيرا بعد العمى فقال لاولاده ألم أقل لكم إنى أعلم من الله ما لا تعلمون وذلك أنه كان قد علم من صدق تأويل رؤيا يوسف التى رآها أن الاحد عشر كوكبا والشمس والقمر ساجدون ما لم يكونوا يعلمون فقالوا ليعقوب يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين فقال لهم يعقوب سوف أستغفر لكم ربى قيل إنه أخر الدعاء لهم إلى السحر وقيل انه أخر ذلك إلى ليلة الجمعة * حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي قال حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي قال حدثنا الوليد بن مسلم قال حدثنا ابن جريج عن عطاء وعكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يعقوب سوف أستغفر لكم ربى يقول حتى تأتى ليلة الجمعة فلما دخل يعقوب وولده وأهاليهم على يوسف آوى إليه أبو يه وكان دخولهم عليه قبل دخولهم مصر فيما قيل لان يوسف تلقاهم * حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن أسباط عن السدى قال حملوا إليه أهليهم وعيالهم فلما بلغوا مصر كلم يوسف الملك الذى فوقه فخرج هو والملك يتلقونهم فلما بلغوا مصر قال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين. فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبو يه * حدثنى الحارث قال حدثنا عبد العزيز قال حدثنا جعفر

[ 254 ]

ابن سليمان عن فرقد السبخى قال لما ألقى القميص على وجهه ارتد بصيرا وقال ائتونى باهلكم أجمعين فحمل يعقوب وإخوة يوسف فلما دنا يعقوب أخبر يوسف انه قد دنا منه فخرج يتلقاه قال وركب معه أهل مصر وكانوا يعظمونه فلما دنا أحدهما من صاحبه وكان يعقوب يمشى وهو يتوكأ على رجل من ولده يقال له يهوذا قال فنظر يعقوب إلى الخيل والناس قال يا يهوذا هذا فرعون مصر فقال لا، هذا ابنك يوسف قال فلما دنا كل واحد منهما من صاحبه ذهب يوسف يبدأه بالسلام فمنع ذلك وكان يعقوب أحق بذلك منه وأفضل فقال السلام عليك يا مذهب الاحزان فلما أن دخلوا مصر رفع أبو يه على السرير وأجلسهما عليه وقد اختلف في اللذين رفعهما يوسف على العرش وأجلسهما عليه فقال بعضهم كان أحدهما أبو ه يعقوب والآخر أمه راحيل وآخرون بل كان الآخر خالته ليا وكانت أمه راحيل قد كانت ماتت قبل ذلك وخر له يعقوب وأمه وولد يعقوب سجدا * حدثنا محمد بن عبد الاعلى قال حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن قتادة وخروا له سجدا قال كانت تحية الناس أن يسجد بعضهم لبعض وقال يوسف لابيه يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربى حقا يعنى بذلك هذا السجود منكم يدل على تأويل رؤياي التى رأيتها من قبل صنع إخوتى بى ما صنعوا وتلك الكواكب الاحدى عشرة والشمس والقمر قد جعلها ربى حقا يقول قد حقق الرؤيا بمجئ تأويلها وقيل بين ان أرى يوسف رؤياه هذه ومجئ تأويلها أربعون سنة ذكر بعض من قال ذلك * حدثنا محمد بن عبد الاعلى قال حدثنا معتمر عن أبى قال حدثنا أبو عثمان عن سلمان الفارسى قال كان بين رؤيا يوسف إلى أن رأى تأويلها أربعون سنة * وقال بعضهم كان بين ذلك ثمانون سنة ذكر بعض من قال ذلك حدثنا عمرو بن على قال حدثنا عبد الوهاب الثقفى قال حدثنا هشام عن الحسن قال كان منذ فارق يوسف يعقوب إلى أن التقيا ثمانون سنة لم يفارق الحزن قلبه

[ 255 ]

ودموعه تجرى على خديه وما على الارض يومئذ احب إلى الله عزوجل من يعقوب * حدثنا الحسن بن محمد قال حدثنا داود بن مهران قال حدثنا عبد الواحد ابن زياد عن يونس عن الحسن قال ألقى يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة وكان بين ذلك وبين لقائه يعقوب ثمانون سنة وعاش بعد ذلك ثلاثا وعشرين سنة ومات وهو ابن عشرين ومائة سنة * حدثنى الحارث قال حدثنا عبد العزيز قال حدثنا مبارك بن فضالة عن الحسن قال ألقى يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنه فغاب عن أبيه ثمانين سنة ثم عاش بعد ما جمع الله شمله ورأى تأويل رؤياه ثلاثا وعشرين سنة فمات وهو ابن عشرين ومائة سنة * وقال بعض أهل الكتاب دخل يوسف مصر وله سبع عشر سنة فاقام في منزل العزيز ثلاث عشرة سنة فلما تمت له ثلاثون سنة استوزره فرعون ملك مصر واسمه الريان بن الوليد بن ثروان بن اراشة بن قاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح وان هذا الملك آمن ثم مات ثم ملك بعده قابوس بن مصعب بن معاوية بن نمير ابن السلواس بن قاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح وكان كافرا فدعاه يوسف إلى الايمان بالله فلم يستجب إليه وان يوسف أوصى إلى أخيه يهوذا ومات وقد اتت له مائة وعشرون سنة وان فراق يعقوب اياه كان اثنتين وعشرين سنة وان مقام يعقوب بمصر كان بعد موافاته بأهله سبع عشرة سنة وان يعقوب لما حضرته الوفاة أوصى إلى يوسف - وكان دخول يعقوب مصر في سبعين انسانا من أهله وتقدم إلى يوسف - عند وفاته ان يحمل جسده حتى يدفنه يجنب أبيه اسحاق ففعل يوسف ذلك به ومضى به حتى دفنه بالشأم ثم انصرف إلى مصر وأوصى يوسف ان يحمل جسده حتى يدفن إلى جنب آبائه فحمل موسى تابوت جسده عند خروجه من مصر معه * وحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال ذكر لى والله أعلم ان غيبة يوسف عن يعقوب كانت ثمانى عشرة سنة قال وأهل الكتاب يزعمون انها كانت أربعين سنة أو نحوها وان يعقوب بقى مع يوسف بعد أن قدم عليه مصر سبع عشرة سنة ثم قبضه الله إليه قال وقبر يوسف

[ 256 ]

كما ذكر لى في صندوق من مرمر في ناحية من النيل في جوف الماء وقال بعضهم عاش يوسف بعد موت أبيه ثلاثا وعشرين سنة ومات وهو ابن مائة وعشرين سنة قال وفى التوراة انه عاش مائة سنة وعشر سنين وولد ليوسف افراييم بن يوسف وميشا بن يوسف فولد لافراييم نون فولد لنون بن افراييم يوشع بن نون وهو فتى موسى * وولد لميشا موسى بن ميشا وقيل ان موسى بن ميشا نبى قبل موسى ابن عمران ويزعم أهل التوراة انه الذى طلب الخضر قصة الخضر وخبره وخبر موسى وفتاه يوشع عليهم السلام قال أبو جعفر كان الخضر ممن كان في أيام افريذون الملك بن اثفيان في قول عامة أهل الكتاب الاول وقيل موسى بن عمران صلى الله عليه وسلم وقيل انه كان على مقدمة ذى القرنين الاكبر الذى كان ايام ابراهيم خليل الرحمن صلى الله عليه وسلم وهو الذى قضى له ببئر السبع وهى بئر كان ابراهيم احتفرها لما شيته في صحراء الاردن وان قوما من أهل الاردن ادعوا الارض التى كان احتفر بها ابراهيم بئره فحاكمهم ابراهيم إلى ذى القرنين الذى ذكر أن الخضر كان على مقدمته أيام سيره في البلاد وانه بلغ مع ذى القرنين نهر الحياة فشرب من مائه وهو لا يعلم * ولا يعلم به ذو القرنين ومن معه فخلد فهو حى عندهم إلى الآن وزعم بعضهم انه من ولد من كان آمن بابراهيم خليل الرحمن واتبعه على دينه وهاجر معه من أرض بابل حين هاجر ابراهيم منها وقال اسمه بليا بن ملكان بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح قال وكان أبو ه ملكا عظيما وقال آخرون ذو القرنين الذى كان على عهد ابراهيم صلى الله عليه وسلم هو افريذون ابن اثفيان قال وعلى مقدمته كان الخضر * وقال عبد الله بن شوذب فيه ما حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن المصرى قال حدثنا محمد بن المتوكل قال حدثنا ضمرة بن ربيعة عن عبد الله بن عبد الحكم شوذب قال الخضر من ولد فارس

[ 257 ]

وإلياس من بنى اسرائيل يلتقيان في كل عام بالموسم * وقال ابن اسحاق فيه ما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى ابن اسحاق قال بلغني أنه استخلف الله عزوجل في بنى اسرائيل رجلا منهم يقال له ناشية بن أموص فبعث الله عزوجل لهم الخضر نبيا قال واسم الخضر فيما كان وهب بن منبه يزعم عن بنى اسرائيل اورميا بن خلقيا وكان من سبط هارون بن عمران وبين هذا الملك الذى ذكره ابن اسحاق وبين افريذون أكثر من ألف عام * وقول الذى قال إن الخضر كان في أيام افريذون وذى القرنين الاكبر قبل موسى بن عمران اشبه بالحق الا ان يكون الامر كما قاله من قال انه كان على مقدمة ذى القرنين صاحب ابراهيم فشرب ماء الحياة فلم يبعث في أيام ابراهيم صلى الله عليه وسلم نبيا وبعث أيام ناشية بن أموص وذلك ان ناشية ابن اموص الذى ذكره ابن اسحاق انه كان ملكا على بنى اسرائيل كان في عهد بشتاسب بن لهراسب - وبين بشتاسب وبين افريذون من الدهور والازمان ما لا يجهله ذو علم بأيام الناس وأخبارهم وسأذكر مبلغ ذلك إذا انتهينا إلى خبر بشتاسب ان شاء الله تعالى - وانما قلنا قول من قال كان الخضر قبل موسى بن عمران صلى الله عليه وسلم اشبه بالحق من القول الذى قاله ابن اسحاق وحكاه عن وهب بن منبه للخبر الذى روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبى بن كعب ان صاحب موسى بن عمران وهو العالم الذى أمره الله تبارك تعالى بطلبه إذ ظن انه لا أحد في الارض أعلم منه هو الخضر ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان أعلم خلق الله بالكائن من الامور الماضية والكائن منها الذى لم يكن بعد * والذى روى أبى بن كعب في ذلك عنه صلى الله عليه وسلم ما حدثنا أبو كريب قال حدثنا يحيى بن آدم قال حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن سعد قال قلت لابن عباس ان نوفا يزعم أن الخضر ليس بصاحب موسى فقال كذب عدو الله حدثنا أبى بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن موسى عليه السلام قام في بنى إسرائيل خطيبا فقيل أي الناس أعلم فقال أنا فعتب الله عليه حين لم يرد العلم إليه فقال بل عبد لى عند مجمع البحرين فقال يا رب كيف به فقال تأخذ حوتا فتجعله في مكتل

[ 258 ]

فحيث تفقده فهو هناك قال فأخذ حوتا فجعله في مكتل ثم قال لفتاه إذا فقدت هذا الحوت فأخبرني فانطلقا يمشيان على ساحل البحر حتى أتيا صخرة فرقد موسى فاضطرب الحوت في المكتل فخرج فوقع في البحر فأمسك الله عنه جرية الماء فصار مثل الطاق فصار للحوت سربا وكان لهما عجبا ثم انطلقا فلما كان حين الغداء قال موسى لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا قال ولم يجد موسى النصب حتى جاوز حيث أمره الله قال فقال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإنى نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا قال فقال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على أثارهما قصصا قال يقصان آثارهما قال فأتيا الصخرة فإذا رجل نائم مسجى بثوبه فسلم عليه موسى فقال وأنى بأرضنا السلام قال أنا موسى بنى اسرائيل قال نعم قال يا موسى إنى على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه قال فانى أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا قال فإن اتبعتنى فلا تسألني عن شئ حق احدث لك منه ذكرا فانطلقا يمشيان على الساحل فإذا بملاح في سفينة فعرف الخضر فحمله بغير نول فجاء عصفور فوقع على حرفها فنقر أو نقد في الماء فقال الخضر لموسى ما ينقص علمي وعلمك من علم الله إلا مقدار ما نقر أو نقد هذا العصفور من البحر * قال أبو جعفر أنا أشك وهو في كتابي هذا نقر قال فبيماهم في السفينة لم يفجأ موسى إلا وهو يتدوتدا أو ينزع تختا منها فقال له موسى حملنا بغير نول وتخرقها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا قال ألم أقل إنك لن تستطيع معى صبرا قال لا تؤاخذني بما نسيب قال فكانت الاولى من موسى نسيانا قال ثم خرجا فانطلقا يمشيان فأبصرا غلاما يلعب مع الغلمان فأخذ برأسه فقتله فقال له موسى أقتلت نفسا زاكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معى صبرا قال إن سألتك عن شئ بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدنى عذرا فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فلم يجدا أحدا يطعمهم ولا يسقيهم فوجدا فيها

[ 259 ]

جدارا يريد أن ينقض فأقامه بيده قال مسحه بيده فقال له موسى لم يضيفونا ولم ينزلونا لو شئت لا تخذت عليه أجرا قال هذا فراق بينى وبينك قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لوددت أنه كان صبر حتى يقص علينا قصصهم * حدثنى العباس بن الوليد قال أخبرني أبى قال حدثنا الاوزاعي قال حدثنى الزهري عن عبيدالله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزارى في صاحب موسى فقال ابن عباس هو الخضر فمر بهما أبى بن كعب فدعاه ابن عباس فقال إنى تماريت أنا وصاحبى هذا في صاحب موسى عليه السلام الذى سأل السبيل إلى لقائه فهل سمعت رسول الله يذكر شأنه قال نعم إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بينا موسى عليه السلام في ملا من بنى إسرائيل إذ جاءه رجل فقال تعلم مكان أحد أعلم منك قال موسى لا فأوحى الله إلى موسى بل عبد نا الخضر فسأل موسى السبيل إلى لقائه فجعل الله الحوت آية وقال إذا افتقدت الحوت فارجع فانك ستلقاه فكان موسى يتبع أثر الحوت قال موسى ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثرهما قصصا فوجدا الخضر فكان من شأنهما ما قص الله في كتابه * حدثنى محمد بن مرزوق قال حدثنا حجاج بن المنهال قال حدثنا عبد الله بن عمر المنيرى عن يونس بن يزيد قال سمعت الزهري يحدث قال أخبرني عبيدالله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزارى في صاحب موسى فذكر نحو حديث العباس عن أبيه * حدثنا محمد بن سعد قال حدثنى أبى قال حدثنى عمى قال حدثنى أبى عن أبيه عن ابن عباس قوله (وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين) الآية قال لما ظهر موسى وقومه على مصر نزل قومه مصر فلما استقرت بهم الدار أنزل الله عزوجل عليه أن ذكرهم بأيام الله فخطب قومه فذكر ما آتاهم الله من الخير والنعمة وذكرهم إذا نجاهم الله من آل فرعون وذكرهم هلاك عدوهم وما استخلفهم في الارض فقال وكلم الله موسى نبيكم تكليما واصطفانى لنفسه وأنزل على محبة منه وآتاكم الله من كل ما سألتموه فنبيكم أفضل أهل الارض

[ 260 ]

وأنتم تقرؤن التوراة فلم يترك نعمة أنعمها الله عليهم إلا ذكرها وعرفها إياهم فقال له رجل من بنى اسرائيل هو كذلك يا نبى الله قد عرفنا الذى تقول فهل على الارض أحد أعلم منك يا نبى الله قال لا فبعث الله عزوجل جبرائيل عليه السلام إلى موسى عليه السلام فقال إن الله تعالى يقول وما يدريك أين أضع علمي بلى إن على شط البحر رجلا أعلم منك فقال ابن عباس هو الخضر فسأل موسى ربه أن يريه إياه فأوحى الله إليه أن ائت البحر فانك تجد على شط البحر حوتا فخذه فادفعه إلى فتاك ثم الزم شط البحر فإذا نسيت الحوت وهلك منك فثم تجد العبد الصالح الذى تطلب فلما طال سفر موسى نبى الله صلى الله عليه وسلم ونصب فيه سأل فتاه عن الحوت فقال له فتاه وهو غلامه أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فانى نسيت الحوت وما أنسانيه الا الشيطان أن أذكره لك قال الفتى لقد رأيت الحوت حين اتخذ سبيله في البحر سربا فأعجب ذلك موسى فرجع حتى أتى الصخرة فوجد الحوت فجعل الحوت يضرب في البحر ويتبعه موسى وجعل موسى يقدم عصاه يفرج بها عنه الماء يتبع الحوت وجعل الحوت لا يمس شيئا من البحر الا يبس حتى يكون صخرة فجعل نبى الله صلى الله عليه وسلم يعجب من ذلك حتى انتهى به الحوت إلى جزيرة من جزائر البحر فلقى الخضر بها فسلم عليه فقال الخضر وعليك السلام وأنى يكون هذا السلام بهذه الارض ومن أنت قال أنا موسى فقال له الخضر صاحب بنى إسرائيل قال نعم فرحب به وقال ما جاء بك قال جئت على أن تعلمني مما علمت رشدا قال إنك لن تستطيع معى صبرا يقول لا تطيق ذلك قال موسى ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصى لك أمرا قال فانطلق به وقال له لا تسألني عن شئ أصنعه حتى أبين لك شأنه فذلك قوله حتى أحدث لك منه ذكرا فركبا في السفينة يريدان أن يتعديا إلى البر فقام الخضر فخرق السفينة فقال له موسى أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا ثم ذكر بقية القصة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا يعقوب القمى عن هارون ابن عنترة عن أبيه عن ابن عباس قال سأل موسى عليه السلام ربه عزوجل فقال أي رب أي عبادك أحب اليك قال الذى يذكرنى ولا ينساني قال فأى

[ 261 ]

عبادك أقضى قال الذى يقضى بالحق ولا يتبع الهوى قال أي رب أي عبادك أعلم قال الذى يبتغى علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تهديه إلى هدى أو ترده عن ردى قال رب فهل في الارض أحد - قال أبو جعفر أظنه قال أعلم منى - قال نعم قال رب فمن هو قال الخضر قال وأين أطلبه قال على الساحل عند الصخرة التى ينفلت عندها الحوت قال فخرج موسى يطلبه حتى كان ما ذكره الله عزوجل وانتهى موسى إليه عند الصخرة فسلم كل واحد منهما على صاحبه فقال له موسى إنى أريد أن تستصحبنى قال لن تطيق صحبتي قال بلى قال فان صحبتني فلا تسئلنى عن شئ حتى أحدث لك منه ذكرا فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا قال ألم أقل إنك لن تستطيع معى صبرا قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمرى عسرا فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زاكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا إلى قوله لا تخذت عليه أجرا) قال فكان قول موسى في الجدار لنفسه ولطلب شئ من الدنيا وكان قوله في السفينة وفى الغلام لله عزوجل قال هذا فراق بينى وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا فأخبره أما السفينة الآية وأما الغلام الآية وأما الجدار الآية قال فسار به في البحر حتى انتهى به إلى مجمع البحرين وليس في الارض مكان أكثر ماء منه قال وبعث ربك الخطاف فجعل يستقى منه بمنقاره فقال لموسى كم ترى هذا الخطاف رزأ من هذا الماء قال ما أقل مارزأ قال يا موسى فإن علمي وعلمك في علم الله كقدر ما استقى هذا الخطاف من هذا الماء وكان موسى عليه السلام قد حدث نفسه أنه ليس أحد أعلم منه أو تكلم به فمن ثم أمر أن يأتي الخضر * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن الحسن ابن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن سعيد بن جبير قال جلست عند ابن عباس وعنده نفر من أهل الكتاب فقال بعضهم يا أبا العباس إن نوفا ابن امرأة كعب ذكر عن كعب أن موسى النبي عليه السلام الذى طلب العالم إنما هو موسى بن ميشا قال سعيد فقال ابن عباس أنوف يقول هذا قال سعيد فقلت له نعم أنا سمعت نوفا

[ 262 ]

يقول ذلك قال أنت سمعته يا سعيد قال قلت نعم قال كذب نوف نم قال ابن عباس حدثنى أبى بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن موسى بنى إسرائيل سأل ربه تبارك وتعالى فقال أي رب إن كان في عبادك أحد هو أعلم منى فادللني عليه فقال له نعم في عبادي من هو أعلم منك ثم نعت له مكانه وأذن له في لقائه فخرج موسى عليه السلام ومعه فتاه ومعه حوت مليح قد قيل له إذا حبى هذا الحوت في مكان فصاحبك هنا لك وقد أدركت حاجتك فخرج موسى ومعه فتاه ومعه ذلك الحوت يحملانه فسار حتى جهده السير وانتهى إلى الصخرة وإلا ذلك الماء وذلك الماء ماء الحياة من شرب منه خلد ولا يقاربه شئ ميت إلى أدركته الحياة وحيى فلما نزلا منزلا ومس الحوت الماء حيى فاتخذ سبيله في البحر سربا فانطلق فلما جاوزا بمنقلة قال موسى لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا قال الفتى وذكر أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فانى نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا قال ابن عباس وظهر موسى على الصخرة حتى انتهيا إليه فإذا رجل ملتف في كساء له فسلم عليه موسى فرد عليه السلام ثم قال له ومن أنت قال أنا موسى بن عمران قال صاحب بنى إسرائيل قال نعم أنا ذلك قال وما جاء بك إلى هذه الارض وإن لك في قومك لشغلا قال له موسى جئتك لتعلمني مما علمت رشدا قال إنك لن تستطيع معى صبرا وكان رجلا يعمل على الغيب قد علم ذلك فقال موسى بلى قال وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا أي إنما تعرف ظاهر ما ترى من العدل ولم تحط من علم الغيب بما أعلم قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصى لك أمرا وإن رأيت ما يخالفني قال فإن اتبعتنى فلا تسألني عن شئ حتى أحدث لك منه ذكرا أي فلا تسألني عن شئ وإن أنكرته حتى أحدث لك منه ذكرا أي خبرا فانطلقا يمشيان على ساحل البحر يتعرضان الناس يلتمسان من يحملهما حتى مرت بهما سفينة جديدة وثيقة لم يمر بهما شئ من السفن أحسن ولا أجمل ولا أوثق منها فسألا أهلها أن يحملوهما فحملوهما فلما اطمأنا فيها ولججت بهما مع أهلها أخرج منقارا له ومطرقة ثم عمد إلى ناحية منها

[ 263 ]

فضرب فيها بالمنقار حتى خرقها ثم أخذ لوحا فطبقه عليها ثم جلس عليها يرقعها قال له موسى فأى أمر أفظع من هذا أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا حملونا وآوونا إلى سفينتهم وليس في البحر سفينة مثلها فلم خرقتها قال ألم أقل إنك لن تستطيع معى صبرا قال لا تواخذنى بما نسيت أي بما تركت من عهدك ولا ترهقني من أمرى عسرا ثم خرجا من السفينة فانطلقا حتى أتيا أهل قرية فإذا غلمان يلعبون فيهم غلام ليس في الغلمان غلام أظرف ولا أترف ولا أوضأ منه فأخذ بيده وأخذ حجرا فضرب به رأسه حتى دمغه فقتله قال فرأى موسى أمرا فظيعا لا صبر عليه أخذ صبيا صغيرا بغير جناية ولا ذنب له فقال أقتلت نفسا زكية بغير نفس أي صغيرة بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معى صبرا قال إن سألتك عن شئ بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدنى عذرا أي قد أعذرت في شأني فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه فهدمه ثم قعد يبنيه فضجر موسى مما رآه يصنع من التكلف لما ليس عليه صبر فقال لو شئت لا تخذت عليه أجرا أي قد استطعمناهم فلم يطعمونا واستضفناهم فلم يضيفونا ثم قعدت تعمل في غير ضيعة ولو شئت لاعطيت عليه أجرا قال هذا فراق بينى وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك ياخذ كل سفينة) وفى قراءة أبى بن كعب (كل سفينة صالحة غصبا) وإنما عبتها لارده عنها فسلمت منه حين رأى العيب الذى صنعت بها (وأما الغلام فكان أبو اه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا، فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما، وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبو هما صالحا - إلى - ما لم تستطع عليه صبرا) فكان ابن عباس يقول ما كان الكنز إلا علما * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن الحسن بن عمارة عن أبيه عن عكرمة قال قيل

[ 264 ]

لابن عباس لم نسمع لفتى موسى بذكر من حديث وقد كان معه فقال ابن عباس فيما يذكر من حديث الفتى قال شرب الفتى من ماء الخلد فخلد فأخذه العالم فطابق به سفينة ثم أرسله في البحر فإنها لتموج به إلى يوم القيامة وذلك أنه لم يكن له أن يشرب منه فشرب * حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد عن شعبة عن قتادة قوله (فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما) ذكر لنا أن نبى الله موسى صلى الله عليه وسلم لما قطع البحر وأنجاه الله من آل فرعون جمع بنى إسرائيل فخطبهم فقال أنتم خير أهل الارض وأعلمهم قد أهلك الله عدوكم وأقطعكم البحر وأنزل عليكم التوراة قال فقيل له إن ههنا رجلا هو أعلم منكم قال فانطلق هو وفتاه يوشع بن نون يطلبانه فتزودا مملوحة في مكتل لهما وقيل لهما إذا نسيتما ما معكما لقيتما رجلا عالما يقال له الخضر فلما أتيا ذلك المكان رد الله إلى الحوت روحه فسرب له من الجد حتى أفضى إلى البحر ثم سلك فجعل لا يسلك فيه طريقا إلا صار ماء جامدا قال ومضى موسى وفتاه يقول الله عزوجل (فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لفينا من سفرنا هذا نصبا - إلى قوله - وعلمناه من لدنا علما) فلقيا رجلا عالما يقال له الخضر فذكر لنا أن نبى الله صلى الله عليه وسلم قال إنما سمى الخضر خضرا لانه قعد على فروة بيضاء فاهتزت به خضراء * فهذه الاخبار التى ذكرناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن السلف من أهل العلم تنبئ عن ان الخضر كان قبل موسى وفى أيامه ويدل على خطإ قول من قال إنه أو رميا ابن خلقيا لان أو رميا كان في أيام بختنصر وبين عهدي موسى وبختنصر من المدة ما لا يشكل قدرها على أهل العلم بأيام الناس وأخبارهم وإنما قدمنا ذكره وذكر خبره لانه كان في عهد افريذون فيما قيل وإن كان قد أدرك على هذه الاخبار التى ذكرت من أمره وأمر موسى وفتاه أيام منوشهر وملكه وذلك أن موسى نبئ في عهد منوشهر وكان ملك منوشهر بعد ما ملك جده افريذون فكل ما ذكرنا من أخبار من ذكرنا أخباره من عهد إبراهيم إلى الخبر عن الخضر عليهما السلام فإن ذلك كله فيما ذكر كان في ملك بيوراسب وافريذون وقد ذكرنا فيما مضى

[ 265 ]

قبل أخبار أعمارهما ومبلغهما ومدة كل واحد منهما ونرجع الآن إلى الخبر عن منوشهر وأسبابه والحوادث الكائنة في زمانه ثم ملك بعد افريذون بن اثفيان بركا ومنوشهر وهو من ولد ايرج بن افريذون وقد زعم بعضهم أن فارس سميت فارس بمنوشهر هذا وهو منوشهر كيازيه فيما يقول نسابة الفرس ان منشخورنر بن منشخواربغ بن ويرك بن سروشنك ابن ايرك بن بتك بن فرزشك بن زشك ابن فركوزك بن كوزك بن يرج بن افريذون بن اثفيان بن بركاو وقد ينطق بهذه الاسماء بخلاف هذه الالفاظ وقد يزعم بعض المجوس ان افريذون وطئ ابنة لابنه إيرج يقال لها كوشك فولدت له جارية يقال لها فركوشك ثم وطئ فركوشك هذه فولدت له جارية يقال لها زوشك ثم وطئ زوشك هذه فولدت له جارية يقال لها فرزوشك ثم وطئ فرزوشك هذه فولدت له جارية يقال لها بيتك ثم وطئ بيتك هذه فولدت له جارية يقال لها إيرك ثم وطئ ايرك فولدت له إيزك ثم وطئ إيزك فولدت له ويرك ثم وطئ ويرك فولدت له منشخر فاغ ويقول بعضهم منشخواربغ وجارية يقال لها منشجزك وان منشخرفاغ وطئ منشجزك فولدت له منشخرنر وجارية يقال لها منشراروك وان منشخرنر وطئ منشراروك فولدت له منوشهر فيقول بعضهم كان مولده بدنباوند ويقول بعض كان مولده بالرى وان منشخرنر ومنشراروك لما ولد لهما منوشهر أسرا أمره خوفا من طوج وسلم عليه وان منوشهر لما كبر صار إلى جده افريذون فلما دخل عليه توسم فيه الخير وجعل له ما كان جعل لجده ايرج من المملكة وتوجه بتاجه وقد زعم بعض أهل الاخبار أن منوشهر هذا هو منوشهر ابن منشخرنر بن افريقيس بن اسحاق بن ابراهيم وأنه انتقل إليه الملك بعد افريذون وبعد أن مضى ألف سنة وتسعمائة سنة واثنتان وعشرون سنة من عهد جيومرت واستشهد لحقيقة ذلك بأبيات لجرير بن عطية وهو قوله:

[ 266 ]

وأبناء إسحاق الليوث إذا ارتدوا * حمائل موت لابسين السنورا إذا انتسبوا عدوا الصبهبذ منهم * وكسرى وعدو الهرمزان وقيصرا وكان كتاب فيهم ونبوة * وكانوا بإصطخر الملوك وتسترا فيجمعنا والغر أبناء سارة * أب لا نبالي بعده من تأخرا أبو نا خليل الله والله ربنا * رضينا بما أعطى الاله وقدرا وأما الفرس فإنها تنكر هذا النسب ولا تعرف لها ملكا إلا في أولاد افريذون ولا تقر بالملك لغيرهم وترى أن داخلا إن كان دخل عليهم في ذلك من غيرهم في قديم الايام فإنه دخل فيه بغير حق * وحدثت عن هشام بن محمد قال ملك طوج وسلم الارض بينهما بعد قتلهما أخاهما ايرج ثلثمائة سنة ثم ملك منوشهر ابن ايرج بن افريذون مائة وعشرين سنة ثم إنه وثب به ابن لابن طوج التركي فنفاه عن بلاد العراق ثنتى عشرة سنة ثم أديل منه منوشهر فنفاه عن بلاده وعاد إلى ملكه وملك بعد ذلك ثمانيا وعشرين سنة قال وكان منوشهر يوصف بالعدل والاحسان وهو أول من خندق الخنادق وجمع آلة الحرب وأول من وضع الدهقنة فجعل لكل قرية دهقانا وجعل أهلها له خولا وعبيدا وألبسهم لباس المذلة وأمرهم بطاعته قال ويقال إن موسى النبي صلى الله عليه وسلم ظهر في سنة ستين من ملكه وذكر عن هشام أن منوشهر لما ملك توج بتاج الملك وقال يوم ملك نحن مقوون مقاتلينا ومعدوهم للانتقام لاسلافنا ودفع العدو عن بلادنا وأنه سار نحو بلاد الترك طالبا بدم جده ايرج بن افريذون فقتل طوج بن افريذون أخاه سلما وأدرك ثأره وانصرف وأن فراسيات بن فشنج بن رستم بن ترك الذى تنسب إليه الاتراك ابن شهراسب ويقال ابن ارشسب بن طوج بن افريذون الملك وقد يقال لفشك فشنج ابن زاشمين حارب منوشهر بعد أن مضى لقتله طوجا وسلما ستون سنة وحاصره بطبرستان ثم إن منوشهر وفراسيات اصطلحا على أن يجعلا حد ما بين مملكتيهما منتهى رمية سهم رجل من أصحاب منوشهر يدعى ارشسياطير وربما خفف اسمه بعضهم فيقول ايرش فحيث ما وقع سهمه من موضع رميته

[ 267 ]

تلك مما يلى بلاد الترك فهو الحد بينهما لا يجاوز ذلك واحد منهما إلى الناحية الاخرى وان ارشسياطير نزع بسهم في قوسه ثم أرسله وكان قد أعطى قوة وشدة فبلغت رميته من طبرستان إلى نهر بلخ ووقع السهم هنالك فصار نهر بلخ حد ما بين الترك وولد طوج وولد ايرج وعمل الفرس فانقطع بذلك من رمية ارشسياطير حروب ما بين فراسيات ومنوشهر * وذكروا أن منوشهر اشتق من الصراة ودجلة ونهر بلخ أنهارا عظاما وقيل إنه هو الذى كرا الفرات الاكبر وأمر الناس بحراثة الارض وعمارتها وزاد في مهنة المقاتلة الرمى وجعل الرياسة في ذلك لارشسياطير لرميته التى رماها وقالوا إن منوشهر لما مضى من ملكه خمس وثلاثون سنة تناولت الترك من أطراف رعيته فوبخ قومه وقال لهم أيها الناس إنكم لم تلدوا الناس كلهم وإنما الناس ناس ما عقلوا من أنفسهم ودفعوا العدو عنهم وقد نالت الترك من أطرافكم وليس ذلك إلا من ترككم جهاد عدوكم وقلة المبالاة وأن الله تبارك وتعالى أعطانا هذا الملك ليبلونا أنشكر فيزيدنا أم نكفر فيعاقبنا ونحن أهل بيت غزو معدون لملك الله فإذا كان غدا فأحضروا قالوا نعم واعتذروا فقال انصرفوا فلما كان من الغد أرسل إلى أهل المملكة وأشراف الاساورة فدعاهم وأدخل الرؤساء من الناس ودعا موبذ موبذان فأقعد على كرسى مقابل سريره ثم قال على سريره وقام أشراف أهل بيت المملكة وأشراف الاساورة على أرجلهم فقال اجلسوا فانى إنما قمت لاسمعكم كلامي فجلسوا فقال أيها الناس إنما الخلق للخالق والشكر للمنعم والتسليم للقادر ولابد مما هو كائن وإنه لا ضعف من مخلوق طالبا كان أو مطلوبا ولا أقوى من خالق ولا أقدر ممن طلبته في يده ولا أعجز ممن هو في يد طالبه وأن التفكر نور والغفلة ظلمة والجهالة ضلالة وقد ورد الاول ولابد للآخر من اللحاق بالاول وقد مضت قبلنا أصول نحن فروعها فما بقى فرع بعد ذهاب أصله وأن الله عزوجل أعطانا هذا الملك فله الحمد ونسأله إلهام الرشد والصدق واليقين وإن للملك على أهل مملكته حقا ولاهل مملكته عليه حقا فحق الملك على أهل المملكة أن يطيعوه ويناصحوه ويقاتلوا عدوه

[ 268 ]

وحقهم على الملك أن يعطيهم أرزاقهم في أوقاتها إذ لا معتمد لهم على غيرها وانها تجارتهم وحق الرعية على الملك أن ينظر لهم ويرفق بهم ولا يحملهم ما لا يطيقون وإن أصابتهم مصيبة تنقص من ثمارهم من آفة من السماء أو الارض أن يسقط عنهم خراج ما نقص وإن اجتاحتهم مصيبة أن يعوضهم ما يقويهم على عماراتهم ثم يأخذ منهم بعد ذلك على قدر ما يجحف به في سنة أو سنتين وأمر الجند للملك بمنزلة جناحى الطائر فهم أجنحة الملك متى قص من الجناح ريشه كان ذلك نقصا منه فكذلك الملك إنما هو بجناحه وريشه ألا وإن الملك ينبغى أن يكون فيه ثلاث خصال أو لها أن يكون صدو قالا يكذب وأن يكون سخيا لا يبخل وأن يملك نفسه عند الغضب فإنه مسلط ويده مبسوطة والخراج يأتيه فينبغي أن يستأثر عند جنده ورعيته بما هم أهل له وأن يكثر العفو فانه لا ملك أبقى من ملك فيه العفو ولا أهلك من ملك فيه العقوبة ألا وإن المرء إن يخطئ في العفو فيعفو خير من أن يخطئ في العقوبة فينبغي للملك أن يتثبت في الامر الذى فيه قتل النفس وبوارها وإذا رفع إليه من عامل من عماله ما يستوجب به العقوبة فلا ينبغى له أن يحابيه فليجمع بينه وبين المتظلم فان صح عليه للمظلوم حق خرج إليه منه فان عجز عنه أدى عنه الملك ورده إلى موضوعه وأخذه باصلاح ما أفسد فهذا لكم علينا ألا ومن سفك دما بغير حق أو قطع يدا بغير حق فانى لا أعفو عن ذلك حتى يعفو عنه صاحبه فخذوا هذا عنى وان الترك قد طمعت فيكم فاكفونا فانما تكفون أنفسكم وقد أمرت لكم بالسلاح والعدة وأنا شريككم في الرأى وانما لى من هذا الملك اسمه مع الطاعة منكم ألا وان الملك ملك إذا أطيع فإذا خولف فذلك مملوك ليس بملك ومهما بلغنا من الخلاف فانا لا نقبله من المبلغ له حتى نتيقنه فإذا صحت معرفة ذلك وإلا أنزلناه منزلة المخالف ألا وإن أكمل الاداة عند المصيبات الاخذ بالصبر والراحة إلى اليقين فمن قتل في مجاهدة العدو رجوت له الفوز برضوان الله وأفضل الامور التسليم لامر الله والراحة إلى اليقين والرضا بقضائه وأين المهرب مما هو كائن وإنما يتقلب في كف الطالب وإنما هذه الدنيا سفر لاهلها

[ 269 ]

لا يحلون عقد الرحال إلا في غيرها وإنما بلغتهم فيها بالعوارى فما احسن الشكر للمنعم والتسليم لمن القضاء له ومن أحق بالتسليم لمن فوقه ممن لا يجد مهربا الا إليه ولا معولا إلا عليه فثقوا بالغلبة إذا كانت نياتكم أن النصر من الله وكونوا على ثقة من درك الطلبة إذا صحت نياتكم واعلموا ان هذا الملك لا يقوم الا بالاستقامة وحسن الطاعة وقمع العدو وسد الثغور والعدل للرعية وإنصاف المظلوم فشفاؤكم عندكم والدواء الذى لاداء فيه الاستقامة والامر بالخير والنهى عن الشر ولا قوة الا بالله انظروا للرعية فانها مطعمكم ومشربكم ومتى عدلتم فيها رغبوا في العمارة فزاد ذلك في خراجكم وتبين في زيادة أرزاقكم وإذا خفتم على الرعية زهدوا في العمارة وعطلوا أكثر الارض فنقص ذلك من خراجكم وتبين في نقص أرزاقكم فتعاهدوا الرعية بالانصاف وما كان من الانهار والبثوق مما نفقة ذلك من السلطان فأسرعوا فيه قبل أن يكثر وما كان من ذلك على الرعية فعجزوا عنه فأقرضوهم من بيت مال الخراج فإذا حان أوقات خراجهم فخذوا من خراج غلاتهم على قدر ما لا يجحف ذلك بهم ربع في كل سنة أو ثلث أو نصف لكيلا يتبين ذلك عليهم هذا قولى وأمري يا موبذ موبذان الزم هذا القول وخذ في هذا الذى سمعت في يومك أسمعتم أيها الناس فقالوا نعم قد قلت فأحسنت ونحن فاعلون ان شاء الله ثم امر بالطعام فوضع فاكلوا وشربوا ثم خرجوا وهم له شاكرون وكان ملكه مائة وعشرين سنة * وقد زعم هشام بن الكلبى فيما حدثت عنه أن الرائش بن قيس بن صيفي بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قطحان كان من ملوك اليمن بعد يعرب بن قحطان بن غابر بن شالخ واخوته وان الرائش كان ملكه باليمن ايام منوشهر وأنه انما سمى الرائش واسمه الحارث بن ابى سدد لغنيمة غنمها من قوم غزاهم فأدخلها اليمن فسمى لذلك الرائش وانه غزا الهند فقتل بها وسبى وغنم الاموال ورجع إلى اليمن ثم سار منها فخرج على جبلى طيئ ثم على الانبار ثم على الموصل وانه وجه منها خيله وعليها رجل من أصحابه يقال له شمر بن العطاف فدخل على الترك أرض أذربيجان وهى في أيديهم يومئذ فقتل

[ 270 ]

المقاتلة وسبى الذرية وزبر ما كان من مسيره في حجرين فهما معروفان ببلاد أذربيجان قال وفى ذلك يقول امرؤ القيس ألم يخبرك أن الدهر غول * ختور العهد يلتقم الرجالا أزال عن المصانع ذارياش * وقد ملك السهولة والجبالا وأنشب في المخالب ذا منار * وللزراد قد نصب الحبالا قال وذو منار الذى ذكره الشاعر هو ذو منار بن رائش الملك بعد أبيه واسمه أبرهة بن الرائش قال وانما سمى ذا منار لانه غزا بلاد المغرب فوغل فيها برا وبحرا وخاف على جيشه الضلال عند قفوله فبنى المنار ليهتدوا بها قال ويزعم أهل اليمن أنه كان وجه ابنه العبد بن أبرهة في غزوته هذه إلى ناحية من أقاصى بلاد المغرب فغنم وأصاب مالا وقدم عليه بنسناس لهم خلق كثيرة وحشة منكرة فذعر الناس منهم فسموه ذا الاذعار قال فأبرهة أحد ملوكهم الذين توغلوا في الارض وإنما ذكرت من ذكرت من ملوك اليمن في هذا الموضع لما ذكرت من قول من زعم ان الرائش كان ملكا باليمن أيام منوشهر وان ملوك اليمن كانوا عمالا لملوك فارس بها ومن قبلهم كانت ولايتهم بها ذكر نسب موسى بن عمران صلى الله عليه وسلم وأخباره وما كان في عهده وعهد منوشهر بن منشخورنر الملك من الاحداث قد ذكرنا أولاد يعقوب اسرائيل الله وعددهم وموالدهم * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن اسحاق قال ثم إن لاوى بن يعقوب نكح نابتة ابنة مارى بن يشخر فولدت له غرشون بن لاوى ومررى بن لاوى وقاهث بن لاوى فنكح قاهث بن لاوى فاهى ابنة مسين بن بتويل بن الياس فولدت له يصهر بن قاهث ومردى فتزوج يصهر شميث ابنة بتاديد بن بركيا بن يقسان بن ابراهيم فولدت له عمران بن يصهر وقارون بن يصهر فنكح عمران يحيب ابنة شمويل بن بركيا ابن يقسان بن ابراهيم فولدت له هارون بن عمران وموسى بن عمران صلى الله

[ 271 ]

عليه وسلم وقال غير ابن اسحاق كان عمر يعقوب بن اسحاق مائة وسبعا وأربعين سنة وولد لاوى له وقد مضى من عمره تسع وثمانون سنة وولد للاوى قاهث بعد أن مضى من عمر لاوى ست وأربعون سنة ثم ولد لقاهث يصهر ثم ولد ليصهر عمرم وهو عمران وكان عمر يصهر مائة وسبعا وأربعين سنة وولد له عمران بعد ان مضى من عمره ستون سنة ثم ولد لعمران موسى وكانت أمه يوخابد وقيل كان اسمها اناحيد وامرأته صفورا ابنة يترون وهو شعيب النبي صلى الله عليه وسلم وولد موسى جرشون وايليعازر وخرج إلى مدين خائفا وله احدى وأربعون سنة وكان يدعو إلى دين ابراهيم وتراءى الله له بطور سينا وله ثمانون سنة وكان فرعون مصر في أيامه قابوس بن مصعب بن معاوية صاحب يوسف الثاني وكانت امرأته آسية ابنة مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد فرعون يوسف الاول فلما نودى موسى أعلم أن قابوس بن مصعب قد مات وقام أخوه الوليد ابن مصعب مكانه وكان أعتى من قابوس وأكفر وأفجر وامر بأن يأتيه هو وأخوه هارون بالرسالة قال ويقال إن الوليد تزوج آسية ابنة مزاحم بعد أخيه وكان عمر عمران مائة سنة وسبعا وثلاثين سنة وولد موسى وقد مضى من عمر عمران سبعون سنة ثم صار موسى إلى فرعون رسولا مع هارون وكان من مولد موسى إلى أن خرج ببنى إسرائيل عن مصر ثمانون سنة ثم صار إلى التيه بعد أن عبر البحر فكان مقامهم هنالك إلى أن خرجوا مع يوشع بن نون أربعين سنة فكان ما بين مولد موسى إلى وفاته في التيه مائة وعشرين سنة * وأما ابن إسحق فإن قال فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال قبض الله يوسف وهلك الملك الذى كان معه الريان بن الوليد وتوارثت الفراعنة من العماليق ملك مصر فنشر الله بها بنى إسرائيل وقبر يوسف حين قبض كما ذكر لى في صندوق من مرمر في ناحية من النيل في جوف الماء فلم يزل بنو إسرائيل تحت أيدى الفراعنة وهم على بقايا من دينهم مما كان يوسف ويعقوب وإسحاق وإبراهيم شرعوا فيهم من الاسلام متمسكين به حتى كان فرعون موسى الذى

[ 272 ]

بعثه الله إليه ولم يكن منهم فرعون أعتى منه على الله ولا أعظم قولا ولا أطول عمرا في ملكه منه وكان اسمه فيما ذكر والى الوليد بن مصعب ولم يكن من الفراعنة فرعون أشد غلظة ولا أقسى قلبا ولا أسو أملكة لبنى إسرائيل منه يعذبهم فيجعلهم خدما وخولا وصنفهم في أعماله فصنف يبنون وصنف يحرثون وصنف يزرعون له فهم في أعماله ومن لم يكن منهم في صنعة له من عمله فعليه الجزية فسامهم كما قال الله سوء العذاب وفيهم مع ذلك بقايا من أمر دينهم لا يريدون فراقه وقد استنكح منهم امرأة يقال لها آسية ابنة مزاحم من خيار النساء المعدودات فعمر فيهم وهم تحت يديه عمرا طويلا يسومهم سوء العذاب فلما أراد الله أن يفرج عنهم وبلغ موسى الاشدأ عطى الرسالة قال وذكر لى أنه لما تقارب زمان موسى أتى منجمو فرعون وحزاته إليه فقالوا تعلم أنا نجد في علمنا أن مولودا من بنى إسرائيل قد أظلك زمانه الذى يولد فيه يسلبك ملكك ويغلبك على سلطانك ويخرجك من أرضك ويبدل دينك فلما قالوا له ذلك أمر بقتل كل مولود يولد من بنى إسرائيل من الغلمان وأمر بالنساء يستحيين فجمع القوابل من نساء أهل مملكته فقال لهن لا يسقطن على أيديكن غلام من بنى إسرائيل إلا قتلتموه فكن يفعلن ذلك وكان يذبح من فوق ذلك من الغلمان ويأمر بالحبالى فيعذبن حتى يطرحن ما في بطونهن * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبى نجيح عن مجاهد قال لقد ذكر لى أنه كان يأمر بالقصب فيشق حتى يجعل أمثال الشفار ثم يصف بعضه إلى بعض ثم يأتي بالحبالى من بنى إسرائيل فيوقفهن عليه فيحز أقدامهن حتى إن المرأة منهن لتمصع بولدها فيقع بين رجليها فتظل تطؤه تتقى به حز القصب عن رجليها لما بلغ من جهدها حتى أسرف في ذلك وكاد يفنيهم فقيل له أفنيت الناس وقطعت النسل وأنهم خولك وعمالك فأمر أن يقتل الغلمان عاما ويستحيوا عاما فولد هارون في السنة التى يستحيا فيها الغلمان وولد موسى في السنة التى فيها يقتلون فكان هارون أكبر منه بسنة وأما السدى فانه قال ما حدثنا موسى بن هارون قال حدثنا اسباط عن السدى في

[ 273 ]

خبر ذكره عن أبى مالك وعن أبى صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان من شأن فرعون أنه رأى رؤيا في منامه أن نارا أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر فأحرقت القبط وتركت بنى اسرائيل وأخربت بيوت مصر فدعا السحرة والكهنة والقافة والحازة فسألهم عن رؤياه فقالوا له يخرج من هذا البلد الذى جاء بنو اسرائيل منه يعنون بيت المقدس رجل يكون على وجهه هلاك مصر فأمر ببنى اسرائيل أن لا يولد لهم غلام إلا ذبحوه ولا يولد لهم جارية إلا تركت وقال للقبط انظروا مماليككم الذين يعملون خارجا فادخلوهم واجعلوا بنى اسرائيل يلون تلك الاعمال القذرة فجعل بنى اسرائيل في أعمال غلمانهم وأدخلوا غلمانهم فذلك حين يقول الله (إن فرعون علا في الارض) يقول تجبر في الارض (وجعل أهلها شيعا) يعنى بنى اسرائيل حين جعلهم في الاعمال القذرة (يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم) فجعل لا يولد لبنى اسرائيل مولود إلا ذبح فلا يكبر الصغير وقذف الله في مشيخة بنى اسرائيل الموت فاسرع فيهم فدخل رؤس القبط على فرعون فكلموه فقالوا ان هؤلاء القوم قد وقع فيهم الموت فيوشك أن يقع العمل على غلماننا نذبح أبناءهم فلا يبلغ الصغار ونفنى الكبار فلو أنك تبقى من أولادهم فامر أن يذبحوا سنة ويتركوا سنة فلما كان في السنة التى لا يذبحون فيها ولد هارون فترك فلما كان في السنة التى يذبحون فيها حملت أم موسى بموسى فلما أرادت وضعه حزنت من شأنه فأوحى الله إليها (أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم) وهو النيل (ولا تخافى ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين) فلما وضعته أرضعته ثم دعت له نجارا فجعل له تابوتا وجعل مفتاح التابوت من داخل وجعلته فيه وألقته في اليم (وقالت لاخته قصيه) تعنى قصى أثره (فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون) أنها أخته فأقبل الموج بالتابوت يرفعه مرة ويخفضه أخرى حتى أدخله بين أشجار عند بيت فرعون فخرج جواري آسية امرأة فرعون يغتسلن فوجدن التابوت فادخلنه

[ 274 ]

إلى آسية وظنوا أن فيه مالا فلما نظرت إليه آسية وقعت عليه رحمتها وأحبته فلما أخبرت به فرعون أراد أن يذبحه فلم تزل آسية تكلمه حتى تركه لها قال إنى أخاف أن يكون هذا من بنى اسرائيل وأن يكون هذا الذى على يديه هلاكنا فذلك قول الله تعالى (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا) فأرادوا له المرضعات فلم يأخذ من أحد من النساء وجعل النساء يطلبن ذلك لينزلن عند فرعون في الرضاع فأبى أن يأخذ فذلك قول الله (وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت - أخته - هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون) فأخذوها وقالوا إنك قد عرفت هذا الغلام فدلينا على أهله فقالت ما أعرفه ولكني إنما قلت هم للملك ناصحون ولما جاءت أمه أخذ منها ثديها فكادت أن تقول هو ابني فعصمها الله فذلك قول الله (إن كادت لتبدى به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين) وإنما سمى موسى لانهم وجدوه في ماء وشجر والماء بالقبطية مو والشجر شا فذلك قول الله عزوجل (فرددناه إلى امه كى تقر عينها ولا تحزن) فاتخذه فرعون ولدا فدعى ابن فرعون فلما تحرك الغلام أرته أمه آسية صبيا فبينما هي ترقصه وتلعب به إذ ناولته فرعون وقالت خذه قرة عين لى ولك * قال فرعون هو قرة عين لك ولا لى * قال عبد الله بن عباس لو أنه قال وهو لى قرة عين إذا لآمن به ولكنه أبى فلما أخذه إليه أخذ موسى بلحيته فنتفها فقال فرعون على بالذباحين هذا هو قالت آسية - لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا) إنما هو صبى لا يعقل وإنما صنع هذا من صباه وقد علمت أنه ليس في أهل مصر امرأة أحلى منى أنا أضع له حليا من الياقوت وأضع له جمرا فإن أخذ الياقوت فهو يعقل فاذبحه وإن أخذ الجمر فإنما هو صبى فأخرجت له ياقتها فوضعت له طستا من جمر فجاء جبرائيل فطرح في يده جمرة فطرحها موسى في فيه فأحرق لسانه فهو الذى يقول الله عزوجل (واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولى) فزالت عن موسى من أجل ذلك فكبر موسى فكان يركب مراكب فرعون ويلبس ما يلبس وكان إنما يدعى موسى ابن فرعون ثم إن فرعون ركب مركبا

[ 275 ]

وليس عنده موسى فلما جاء موسى قيل له إن فرعون قد ركب فركب في أثره فأدركه المقيل بأرض يقال له منف فدخلها نصف النهار وقد تغلقت أسواقها وليس في طرقها أحد وهو قول الله عزوجل (ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته) يقول هذا من بنى إسرائيل (وهذا من عدوه) يقول من القبط (فاستغاثه الذى من شيعته على الذى من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين قال رب إنى ظلمت نفسي فاغفر لى فغفر له إنه هو الغفور الرحيم قال رب بما أنعمت على فلن أكون ظهيرا للمجرمين فأصبح في المدينة خائفا يترقب) خائفا أن يؤخذ (فإذا الذى استنصره بالامس يستصرخه) يقول يستغيثه (قال له موسى إنك لغوى مبين) ثم أقبل لينصره فلما نظر إلى موسى قد أقبل نحوه ليبطش بالرجل الذى يقاتل الاسرائيلي قال الاسرائيلي وفرق من موسى أن يبطش به من أجل أنه أغلظ الكلام يا موسى (أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالامس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الارض وما تريد أن تكون من المصلحين) فتركه وذهب القبطى فأفشى عليه أن موسى هو الذى قتل الرجل فطلبه فرعون وقال خذوه فإنه صاحبنا وقال للذين يطلبونه اطلبوه في بنيات الطريق فإن موسى غلام لا يهتدى إلى الطريق وأخذ موسى في بنيات الطريق وجاءه الرجل وأخبره (إن الملا يا تمرون بك ليقتلوك فاخرج) (فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجنى من القوم الظالمين) فلما أخذ موسى في بنيات الطريق فجاءه ملك على فرس بيده عنزة فلما رآه موسى سجد له من الفرق فقال لا تسجد لى ولكن اتبعنى فاتبعه فهداه نحو مدين وقال موسى وهو متوجه نحو مدين (عسى ربى أن يهدينى سواء السبيل) فانطلق به الملك حتى انتهى به إلى مدين * حدثنى العباس بن الوليد قال حدثنا يزيد بن هارون قال حدثنا أصبغ بن زيد الجهنى * قال حدثنا القاسم قال حدثنى سعيد بن جبير قال قال ابن عباس تذاكر فرعون وجلساؤه وما وعد الله إبراهيم من أن يجعل في ذريته

[ 276 ]

أنبياء وملوكا فقال بعضهم إن بنى إسرائيل لينتظرون ذلك ما يشكون ولقد كانوا يظنون أنه يوسف بن يعقوب فلما هلك قالوا ليس هكذا كان الله وعد إبراهيم قال فرعون فكيف ترون قال فائتمروا بينهم وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالا معهم الشفار يطوفون في بنى إسرائيل فلا يجدون مولودا ذكرا إلا ذبحوه فلما رأوا أن الكبار من بنى إسرائيل يموتون بآجالهم وأن الصغار يذبحون قالوا توشكون أن تفنوا بنى إسرائيل فتصيروا إلى أن تباشروا من الاعمال والخدمة التى كانوا يكفلونكم فاقتلوا عاما كل مولود ذكر فيقل أبناؤهم ودعوا عاما لا تقتلوا منهم أحدا فيشب الصغار مكان من يموت من الكبار فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون منهم فتخافوا مكاثرتهم إياكم ولن يقلوا بمن تقتلون فأجمعوا أمرهم على ذلك فحملت أم موسى بهارون في العام الذى لا يذبح فيه الغلمان فولدته علانية آمنة حتى إذا كان العام المقبل حملت بموسى فوقع في قلبها الهم والحزن وذلك من الفتون يا ابن جبير مما دخل عليه في بطن أمه مما يراد به فأوحى الله إليها أن لا تخافى ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين وأمرها إذا ولدته أن تجعله في تابوت ثم تلقيه في اليم فلما ولدته فعلت ما أمرت به حتى إذا توارى عنها ابنها أتاها إبليس فقالت في نفسها ما صنعت بابنى لو ذبح عندي فواريته وكفنته كان أحب إلى من أن ألقيه بيدى إلى حيتان البحر ودوابه فانطلق به الماء حتى أرفأ به عند فرضة مستقى جواري آل فرعون فرأينه فأخذنه فهممن أن يفتحن التابوت فقال بعضهن لبعض إن في هذا مالا وإنا ان فتحناه لم تصدقنا امرأة فرعون بما وجدنا فيه فحملنه كهيئته لم يحركن منه شيئا حتى دفعنه إليها فلما فتحته رأت فيه الغلام فألقى عليه منها محبة لم يلق مثلها منها على أحد من الناس وأصبح فؤاد أم موسى فارغا من ذكر كل شئ إلا من ذكر موسى فلما سمع الذباحون بأمره أقبلوا إلى امرأة فرعون بشفارهم يريدون أن يذبحوه وذلك من الفتون يا ابن جبير فقالت للذباحين انصرفوا فان هذا الواحد لا يزيد في بنى اسرائيل فأتي فرعون فأستوهبه إياه فان وهبه لى كنتم قد أحسنتم وأجملتم وإن أمر بذبحه لم ألمكم فلما أتت به فرعون قالت قرة

[ 277 ]

عين لى ولك لا تقتلوه قال فرعون يكون لك فأما أنا فلا حاجة لى فيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذى يحلف به لو أقر فرعون أن يكون له قرة عين كما أقرت به لهداه الله بن كما هدى به امرأته ولكن الله حرمه ذلك فأرسلت إلى من حولها من كل أنثى لها لبن لتختار له ظئرا فجعل كلما أخذته امرأة منهن لترضعه لم يقبل ثديها حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت فحزنها ذلك فأمرت به فأخرج إلى السوق مجمع الناس ترجو أن تصيب له ظئرا يأخذ منها فلم يقبل من أحد وأصبحت أم موسى فقالت لاخته قصيه واطلبيه هل تسمعين له ذكرا أحى ابني أم قد أكلته دواب البحر وحيتانه ونسيت الذى كان الله وعدها فبصرت به أخته عن جنب وهم لا يشعرون فقالت من الفرح حين أعياهم الظؤرات هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون فأخذوها فقالوا ما يدريك ما نصحهم له هل تعرفينه حتى شكوا في ذلك وذلك من الفتون يا ابن جبير فقالت نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في ظؤورة الملك ورجاء منفعته فتركوها فانطلقت إلى أمها فأخبرتها الخبر فجاءت فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها حتى امتلا جنباه فانطلق البشير إلى امرأة فرعون يبشرونها أن قد وجدنا لابنك ظئرا فأرسلت إليها فأتيت بها وبه فلما رأت ما يصنع بها قالت امكثى عندي ترضعين ابني هذا فإنى لم أحب حبه شيئا قط قال فقالت لا أستطيع أن أدع بيتى وولدى فيضيع فان طابت نفسك أن تعطينيه فأذهب به إلى بيتى فيكون معى لا آلوه خيرا فعلت وإلا فانى غير تاركة بيتى وولدى وذكرت أم موسى ما كان الله وعدها فتعاسرت على امرأة فرعون وأيقنت أن الله عزوجل منجز وعده فرجعت بابنها إلى بيتها من يومها فأنبته الله نباتا حسنا وحفظه لما قضى فيه فلم تزل بنو اسرائيل وهم مجتمعون في ناحية المدينة يمتنعون به من الظلم والسخر التى كانت فيهم فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لام موسى أريد أن ترينى موسى فوعدتها يوما تريها إياه فيه فقالت لحواضنها وظؤورها وقهارمتها لا يبقين أحد منكم الا استقبل ابني بهدية وكرامة ليرى ذلك وأنا باعثة أمينة تحصى ما يصنع كل إنسان

[ 278 ]

منكم فلم تزل الهدية والكرامة والتحف تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون فلما دخل عليها بجلته وأكرمته وفرحت به وأعجبها ما رأت من حسن أثرها عليه وقالت انطلقن به إلى فرعون فليبجله فليكرمه فلما دخلن به على فرعون وضعنه في حجره فتناول موسى لحية فرعون حتى مدها فقال عدو من أعداء الله ألا ترى ما وعد الله ابراهيم إنه سيصرعك ويعلوك فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه وذلك من الفتون يا ابن جبير بعد كل بلاء ابتلى به وأريد به فجاءت امرأة فرعون تسعى إلى فرعون فقالت ما بدالك في هذا الصبى الذى وهبته لى قال ألا ترينه يزعم أنه سيصرعني ويعلوني فقالت اجعل بينى وبينك أمرا يعرف فيه الحق ائت بجمرتين ولؤلؤتين فقربهن إليه فان بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين علمت أنه يعقل وإن تناول الجمرتين ولم برد اللؤلؤتين فاعلم أن أحدا لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل فقرب ذلك إليه فتناول الجمرتين فنزعوهما منه مخافة أن تحرقا يده فقالت المرأة ألا ترى فصرفه الله عنه بعد ما كان قدهم به وكان الله بالغا فيه أمره فلما بلغ أشده فكان من الرجال لم يمكن أحدا من آل فرعون يخلص إلى أحد من بنى اسرائيل بظلم ولا سخرة حتى امتنعوا كل امتناع فبينما هو يمشى ذات يوم في ناحية المدينة إذا هو برجلين يقتتلان أحدهما من بنى اسرائيل والآخر من آل فرعون فاستغاثه الاسرائيلي على الفرعوني فغضب موسى واشتد غضبه لانه تناوله وهو يعلم منزلة موسى من بنى اسرائيل وحفظه لهم ولا يعلم الناس إلا انما ذلك من قبل الرضاعة غير أم موسى إلا أن يكون الله عزوجل أطلع موسى من ذلك على ما يطلع عليه غيره فوكز موسى الفرعوني فقتله وليس يراهما إلا الله عزوجل والاسرائيلي فقال موسى قتل الرجل هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين ثم قال رب إنى ظلمت نفسي فاغفر لى فغفر له إنه هو الغفور الرحيم فأصبح في المدينة خائفا يترقب الاخبار فأتى فرعون فقيل له ان بنى اسرائيل قد قتلوا رجلا من آل فرعون فخذلنا بحقنا ولا ترخص لهم في ذلك فقال ابغونى قاتله ولم يشهد عليه لانه لا يستقيم أن نقضى بغير بينة ولا ثبت فطلبوا له ذلك

[ 279 ]

فبينماهم يطوفون لا يجدون بينة إذ مر موسى من الغد فرأى ذلك الاسرائيلي يقاتل فرعونيا فاستغاثه الاسرائيلي على الفرعوني فصادف موسى وقد ندم على ما كان منه بالامس وكره الذى رأى فغضب موسى فمد يده وهو يريد أن يبطش بالفرعونى فقال للاسرائيلي لما فعل بالامس واليوم إنك لغوى مبين فنظر الاسرائيلي إلى موسى بعد ما قال فإذا هو غضبان كغضبه بالامس الذى قتل فيه الفرعوني فخاف أن يكون بعد ما قال له انك لغوى مبين أن يكون إياه أراد ولم يكن أراده إنما أراد الفرعوني فخاف الاسرائيلي فحاجز الفرعوني فقال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالامس وإنما قال ذلك مخافة أن يكون إياه أراد موسى ليقتله فتتاركا فانطلق الفرعوني إلى قومه فأخبرهم بما سمع من الاسرائيلي من الخبر حين يقول أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالامس فارسل فرعون الذباحين وسلك موسى الطريق الاعظم وطلبوه وهم لا يخافون أن يفوتهم وكان رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة فاختصر طريقا قريبا حتى سبقهم إلى موسى فاخبره الخبر وذلك من الفتون يا ابن جبير * ثم رجع الحديث إلى حديث السدى قال فلما ورد مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون يقول كثرة من الناس يسقون * وقد حدثنا أبو عمار المروزى قال حدثنا الفضل بن موسى عن الاعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير قال خرج موسى من مصر إلى مدين وبينهما مسيرة ثمان ليال قال وكان يقال نحو من الكوفة إلى البصرة ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر فخرج حافيا فما وصل إليها حتى وقع خف قدمه * حدثنا أبو كريب قال حدثنا عثام قال حدثنا الاعمش عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس بنحوه * رجع الحديث إلى حديث السدى (ووجد من دونهم امرأتين تذودان) قول تحبسان غنمهما فسألهما (ما خطبكما قالتا لا نسقى حتى يصدر الرعاء وأبو نا شيخ كبير) فرحمهما موسى فأتى البئر فاقتلع صخرة على البئر كان النفر من أهل مدين يجتمعون عليها حتى يرفعوها فسقى لهما موسى دلوا فأرويتا غنمهما فرجعتا سريعا وكانتا إنما يسقيان من فضول الحياض ثم تولى موسى إلى ظل شجرة من السمر

[ 280 ]

فقال (رب إنى لما أنزلت إلى من خير فقير) قال قال ابن عباس لقد قال موسى ولو شاء إنسان أن ينظر إلى خضرة امعائه من شدة الجوع ما يسأل الله إلا أكلة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا حكام بن سلم عن عنبسة عن أبى حصين عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس في قوله عزوجل (ولما ورد ماء مدين) قال ورد الماء وإنه ليتراءى خضرة البقل في بطنه من الهزال فقال رب إنى لما أنزلت إلى من خير فقير قال شبعة * رجع الحديث إلى حديث السدى فلما رجعت الجاريتان إلى أبيهما سريعا سألهما فأخبرتاه خبر موسى فأرسل إليه إحداهما فأتته (تمشى على استحياء قالت إن أبى يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا) فقام معها وقال لها امضى فمشيت بين يديه فضربتها الرياح فنظر إلى عجيزتها فقال لها موسى امشى خلفي ودليني على الطريق إن أخطأت فلما أتى الشيخ (وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوى الامين) وهى الجارية التى دعته قال الشيخ هذه القوة قد رأيت حين اقتلع الصخرة أرأيت أمانته ما يدريك ما هي * قالت إنى مشيت قدامه فلم يحب أن يخونني في نفسي وأمرني أن أمشى خلفه قال له الشيخ (إنى أريد أن أنكحك إحدى ابنتى هاتين على أن تاجرنى - إلى - أيما الاجلين قضيت) إما ثمانيا وإما عشرا والله على ما نقول وكيل * قال ابن عباس الجارية التى دعته هي التى تزوج بها فأمر إحدى ابنتيه أن تأتيه بعصا فاتته بعصا وكانت تلك العصا استودعها إياه ملك في صورة رجل فدفعها إليه فدخلت الجارية فأخذت العصا فأتته بها فلما رآها الشيخ قال لها لا ائتيه بغيرها فألقتها فأخذت تريد أن تأخذ غيرها فلا يقع في يدها إلا هي وجعل يرددها فكل ذلك لا يخرج في يدها غيرها فلما رأى ذلك عمد إليها فأخرجها معه فرعى بها ثم إن الشيخ ندم وقال كانت وديعة فخرج يتلقى موسى فلما لقيه قال أعطني العصا قال موسى هي عصاي فأبى أن يعطيه فاختصما بينهما ثم تراضيا أن يجعلا بينهما أول رجل يلقاهما فأتاهما ملك يمشى فقضى بينهما فقال ضعاها في الارض فمن حملها فهى له فعالجها

[ 281 ]

الشيخ فلم يطقها وأخذها موسى بيده فرفعها فتركها له الشيخ فرعى له عشر سنين * قال عبد الله بن عباس كان موسى أحق بالوفاء * حدثنى أحمد بن محمد الطوسى * قال حدثنا الحميدى بن عبد الله بن الزبير قال حدثنا سفيان قال حدثنى ابراهيم بن يحيى بن أبى يعقوب عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سألت جبرائيل أي الاجلين قضى موسى قال أتمهما وأكملهما * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى ابن اسحاق عن حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير قال قال لى يهودى بالكوفة وأنا أتجهز للحج إنى أراك رجلا يتبع العلم أخبرني أي الاجلين قضى موسى قلت لا أعلم وأنا الآن قادم على حبر العرب يعنى ابن عباس فسأسئله عن ذلك فلما قدمت مكة سألت ابن عباس عن ذلك وأخبرته بقول اليهودي فقال ابن عباس قضى أكثرهما وأطيبهما ان النبي إذا وعد لم يخلف قال سعيد فقدمت العراق فلقيت اليهودي فاخبرته فقال صدق وما أنزل الله على موسى هذا والله العالم * حدثنا ابن وكيع قال حدثنا يزيد قال أخبرنا الاصبغ بن زيد عن القاسم ابن أبى أيوب عن سعيد ابن جبير قال سألني رجل من أهل النصرانية أي الاجلين قضى موسى قلت لا أعلم وأنا يومئذ لا أعلم فلقيت ابن عباس فذكرت له الذى سألني عنه النصراني فقال أما كنت تعلم أن ثمانيا واجبة عليه لم يكن نبى لينقص منها شيئا وتعلم أن الله كان قاضيا عن موسى عدته التى وعده فإنه قضى عشر سنين * حدثنا القاسم بن الحسن قال حدثنا الحسين قال حدثنى حجاج عن ابن جريج قال أخبرني وهب بن سليمان الذمارى عن شعيب الجبائى قال اسم الجاريتين ليا وصفورة وامرأة موسى صفورة ابنة يترون كاهن مدين والكاهن حبر * حدثنى أبو السائب قال حدثنا أبو معاوية عن الاعمش عن عمرو بن مرة عن أبى عبيدة قال كان الذى استأجر موسى يترون بن أخى شعيب النبي * حدثنا ابن وكيع قال حدثنا العلاء بن عبد الجبار عن حماد بن سلمة عن أبى حمزة عن ابن عباس قال الذى استأجر موسى اسمه يثرى صاحب مدين * حدثنى اسماعيل بن الهيثم أبو العالية قال حدثنا أبو قتيبة

[ 282 ]

عن حماد بن سلمة عن أبى حمزة عن ابن عباس قال اسم أبى امرأة موسى يثرى * رجع الحديث إلى حديث السدى فلما قضى موسى الاجل وسار بأهله فضل الطريق قال عبد الله بن عباس كان في الشتاء ورفعت له نار فلما ظن أنها نارو كانت من نور الله قال لاهله امكثوا إنى آنست نارا لعلى آتيكم منها بخبر فان لم أجد خبرا آتيكم منها بشهاب قبس لعلكم تصطلون قال من البرد فلما أتاها نودى من جانب الوادي الايمن من الشجرة في البقعة المباركة أن بورك من في النار ومن حولها فلما سمع موس النداء فزع وقال الحمد لله رب العالمين فنودى (يا موسى إنى أنا الله رب العالمين وما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي أتوكا عليها وأهش بها على غنمي) يقول أضرب بها الورق فيقع للغنم من الشجر (ولى فيها مآرب أخرى) يقول حوائج أخرى أحمل عليها المزود والسقاء فقال له ألقها يا موسى فألقاها فإذا هي حية تسعى فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب) يقول لم ينتظر فنودى (يا موسى لا تخف إنى لا يخاف لدى المرسلون أقبل ولا تخف إنك من الآمنين واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهانان من ربك) العصا واليد آيتان فذلك حين يدعو موسى ربه فقال (رب إنى قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون وأخى هارون هو أفصح منى لسانا فأرسله معى ردءا يصدقني) يقول كيما يصدقني (إنى أخاف أن يكذبون) قال لهم على ذنب فأخاف أن يقتلون يعنى بالقتيل (قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا) والسلطان الحجة (فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون) فأتياه فقولا إنا رسولا رب العالمين * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة فلما قضى موسى الاجل خرج فيما ذكر لى ابن اسحاق عن وهب بن منبه اليماني فيما ذكر له عنه ومعه غنم له ومعه زند له وعصاه في يده يهش بها على غنمه نهاره فإذا أمسى اقتدح بزنده نارا فبات عليها هو وأهله وغنمه فإذا أصبح غدا باهله وبغنمه يتوكأ على عصاه وكانت كما وصف لى عن وهب ابن منبه ذات شعبتين في رأسها ومحجن في طرفها * حدثنا ابن حميد قال حدثنا

[ 283 ]

سلمة عن ابن اسحاق عمن لا يتهم من أصحابه أن كعب الاحبار قدم مكة وبها عبد الله بن عمرو بن العاص فقال كعب سلوه عن ثلاث فإن أخبركم فإنه عالم سلوه عن شئ من الجنة وضعه الله للناس في الارض وسلوه ما أول ما وضع في الارض وما أول شجرة غرست في الارض فسئل عبد الله عنها فقال أما الشئ الذى وضعه الله للناس في الارض من الجنة فهو هذا الركن الاسود وأما أول ما وضع في الارض فبرهوت باليمن يرده هام الكفار وأما أول شجرة غرسها الله في الارض فالعوسجة التى اقتطع منها موسى عصاه فلما بلغ ذلك كعبا قال صدق الرجل عالم والله * قال فلما كانت الليلة التى أراد الله بموسى كرامته وابتدأه فيها بنبوته وكلامه أخطأ فيها الطريق حتى لا يدرى أين يتوجه فاخرج زنده ليقدح نارا لاهله ليبيتوا عليها حتى يصبح ويعلم وجه سبيله فاصلد عليه زنده فلا يورى له نارا فقدح حتى اعياه لاحت النار فرآها فقال لاهله (امكثوا إنى آنست نارا لعلى آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى) بقبس تصطلون وهدى عن علم الطريق الذى أضللنا بنعت من خبير فخرج نحوها فإذا هي في شجرة من العليق وبعض أهل الكتاب يقول في عوسجة فلما دنا استأخرت عنه فلما رأى استئخارها رجع عنها وأوجس في نفسه منها خيفة فلما أراد الرجعة دنت منه ثم كلم من الشجرة فلما سمع الصوت استانس وقال الله يا موسى (اخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى) فالقاهما ثم قال ما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولى فيها مآرب أخرى أي منافع أخرى قال ألقها يا موسى فالقاها فإذا هي حية تسعى قد صار شعبتاها فمها وصار محجنها عرفا لها في ظهر تهتز لها أنياب فهى كما شاء الله أن تكون فرأى أمرا فظيعا فولى مدبرا ولم يعقب فناداه ربه أن يا موسى أقبل ولا تخف (سنعيدها سيرتها الاولى) أي سيرتها عصا كما كانت قال فلما أقبل قال (خذها ولا تخف) أدخل بدك في فمها وعلى موسى جبة من صوف فلف يده بكمه وهم لها هائب فنودى أن ألق كمك عن يدك فالقاه عنها ثم أدخل يده بين لحييها فلما ادخلها قبض عليها فإذا هي عصاه في يده ويده

[ 284 ]

بين شعبتيها حيث كان يضعها ومحجتها بموضعه الذى كان لا ينكر منها شيئا ثم قيل (أدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء) أي من غير برص وكان موسى عليه السلام رجلا آدم أقنى جعدا طوالا فادخل يده في جيبه ثم أخرجها بيضاء مثل الثلج ثم ردها في جيبه فخرجت كما كانت على لونه ثم قال هذان برهانان من ربك إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوما فاسقين قال رب إنى قتلت منهم نفسا فاخاف أن يقتلون وأخى هارون هو افصح منى لسانا فأرسله معى ردءا يصدقني أي يبين لهم عنى ما اكلمهم به فإنه يفهم عنى ما لا يفهمون قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون اليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون * رجع الحديث إلى حديث السدى فاقبل موسى إلى أهله فسار بهم نحو مصر حتى أتاها ليلا فتضيف على أمه وهو لا يعرفهم فأتاهم في ليلة كانوا ياكلون فيها الطفشيل فنزل في جانب الدار فجاء هارون فلما ابصر ضيفه سال عنه أمه فاخبرته أنه ضيف فدعاه فاكل معه فلما أن قعدا تحدثا فسأله هارون من أنت قال أنا موسى فقام كل واحد منهما إلى صاحبه فاعتنقه فلما أن تعارفا قال له موسى يا هارون انطلق معى إلى فرعون إن الله قد أرسلنا إليه فقال هارون سمع وطاعة فقامت أمهما فصاحت وقالت أنشد كما الله أن لا تذهبا إلى فرعون فيقتلكما فابيا فانطلقا إليه ليلا فاتيا الباب فضرباه ففزع فرعون وفزع البواب وقال فرعون من هذا الذى يضرب بابى في هذه الساعة فاشرف عليهما البواب فكلمهما فقال له موسى إنا رسول رب العالمين ففزع البواب فاتى فرعون فاخبره فقال إن ههنا إنسانا مجنونا يزعم أنه رسول رب العالمين قال أدخله فدخل فقال إنى رسول رب العالمين أن أرسل مع بنى إسرئيل فعرفه فرعون فقال (ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين وفعلت فعلتك التى فعلت وأنت من الكافرين) معنا على ديننا هذا الذى تعيب (قال فعلتها إذا وأنا من الضالين ففررت منكم لما خفتكم فوهب لى ربى حكما * والحكم النبوة وجعلني من المرسلين وتلك نعمة تمنها على أن عبد ت

[ 285 ]

بنى اسرائيل وربيتنى قبل وليدا قال فرعون وما رب العالمين من ربكما يا موسى قال ربنا الذى أعطى كل شئ خلقه ثم هدى يقول أعطى كل دابة زوجها ثم هدى للنكاح ثم قال له ان كنت جئت بآية فأت بها ان كنت من الصادقين وذلك بعد ما قال له من الكلام ما ذكر الله تعالى ذكره قال موسى أولو جئتك بشئ مبين قال فأت به ان كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين والثعبان الذكر من الحيات فاتحة فاها واضعة لحيها الاسفل في الارض والاعلى على سور القصر ثم توجهت نحو فرعون لتأخذه فلما رآها ذعر منها ووثب فاحدث ولم يكن يحدث قبل ذلك وصاح يا موسى خذها وأنا أو من بك وأرسل معك بنى اسرائيل فاخذها موسى فعادت عصائم نزع بده أخرجها من جيبه فإذا هي بيضاء للناظرين فخرج موسى من عنده على ذلك وأبى فرعون أن يؤمن به وأن يرسل معه بنى اسرائيل وقال لقومه يا أيها الملا ما علمت لكم من إله غيرى فاوقد لى يا هامان على الطين فاجعل لى صرحا لعلى أطلع إلى إله موسى فلما بنى له الصرح ارتقى فوقه فأمر بنشابة فرمى بها نحو السماء فردت إليه وهى ملطخة دما فقال قد قتلت إله موسى * حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا سعيد عن قتادة فاوقد لى يا هامان على الطين قال كان أول من طبخ الآجر يبنى به الصرح وأما ابن اسحاق فانه قال ما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال خرج موسى لما بعثه الله عزوجل حتى قدم مصر على فرعون هو وأخوه هارون حتى وقفا على باب فرعون يلتمسان الاذن عليه وهما يقولان إنا رسولا رب العالمين فآذنوا بنا هذا الرجل فمكثا فيما بلغنا سنتين يغدوان على بابه ويروحان لا يعلم بهما ولا يجترئ أحد على أن يخبره بشأنهما حتى دخل عليه بطال له يلعبه ويضحكه فقال له أيها الملك ان على الباب رجلا يقول قولا عجيبا يزعم ان له إلها غيرك قال أدخلوه فدخل ومعه هارون أخوه وبيده عصاه فلما وقف على فرعون قال له انى رسول رب العالمين فعرفه فرعون فقال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين وفعلت فعلتك التى فعلت وأنت من الكافرين قال فعلتها إذا وأنا من

[ 286 ]

الضالين أي خطأ لا أريد ذلك ثم أقبل عليه موسى ينكر عليه ما ذكر من يده عنده فقال وتلك نعمة تمنها على أن عبد ت بنى اسرائيل أي اتخذتهم عبيدا تنزع أبناءهم من أيديهم فتسترق من شئت وتقتل من شئت انى انما صيرني إلى بيتك واليك ذلك قال فرعون وما رب العالمين أي يستوصفه إلهه الذى أرسله إليه أي ما إلهك هذا قال رب السموات والارض وما بينهما ان كنتم موقنين. قال لمن حوله من ملئه ألا تستمعون أي انكارا لما قال ليس له إله غيرى قال ربكم ورب آبائكم الاولين الذى خلق آباءكم الاولين وخلقكم من آبائكم قال فرعون إن رسولكم الذى أرسل اليكم لمجنون أي ما هذا بكلام صحيح إذ يزعم ان لكم اله غيرى قال رب المشرق والمغرب وما بينهما ان كنتم تعقلون أي خالق المشرق والمغرب وما بينهما من الخلق ان كنتم تعقلون قال لئن اتخذت إلها غيرى لتعبد غيرى وتترك عبادتي لاجعلنك من المسجونين قال أو لو جئتك بشئ مبين أي بما تعرف بها صدقي وكذبك وحقى وباطلك قال فأت به ان كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين فملات ما بين سماطى فرعون فاتحة فاها قد صار محجنها عرفا على ظهرها فارفض عنها الناس وحال فرعون عن سريره ينشده بربه ثم أدخل يده في جيبه فاخرجها بيضاء مثل الثلج ثم ردها كهيئتها وأدخل موسى يده في فمها فصارت عصا في يده ويده بين شعبتيها ومحجنها في أسفلها كما كانت وأخذ فرعون بطنه وكان فيما يزعمون يمكث الخمس والست ما يلتمس المذهب يريد الخلاء كما يلتمسه الناس وكان ذلك مما زين له ان يقول ما قال انه ليس من الناس بشبه * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال حدثت عن وهب بن منبه اليماني قال فمشى بضعا وعشرين ليلة حتى كادت نفسه أن تخرج ثم استمسك فقال لملئه إن هذا لساحر عليم أي ما ساحر أسحر منه فماذا تأمرون أقتله فقال مؤمن من آل فرعون العبد الصالح كان اسمه فيما يزعمون حبرك أتقتلون رجلا ان يقول ربى الله وقد جاءكم بالبينات بعصاه ويده ثم خوفهم عقاب الله وحذرهم ما أصاب الامم قبلهم وقال يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الارض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا قال فرعون ما أريكم

[ 287 ]

الا ما أرى وما أهديكم الا سبيل الرشاد وقال الملا من قومه قد وهنهم من سلطان الله ما وهنهم أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحار عليم أي كاثره بالسحرة لعلك أن تجد في السحرة من جاء بمثل ما جاء به وقد كان موسى وهارون خرجا من عنده حين أراهم من سلطان الله ما أراهم وبعث فرعون مكانه في مملكته فلم يترك في سلطانه ساحرا الا أتى به فذكر لى والله أعلم انه جمع له خمسة عشر ألف ساحر فلما اجتمعوا إليه أمرهم أمر فقال لهم قد جاءنا ساحر ما رأينا مثله قط وانكم ان غلبتموه أكرمتكم وفضلتكم وقربتكم على أهل مملكتي قالوا ان لنا ذلك ان غلبناه قال نعم قالوا فعد لنا موعدا نجتمع نحن وهو فكانوا رؤس السحرة الذين جمع فرعون لموسى سابور وعادور وحطحط ومصفى أربعة وهم الذين آمنوا حين رأوا ما رأوا من سلطان الله فآمنت السحرة جميعا وقالوا لفرعون حين توعدهم القتل والصلب لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذى فطرنا فاقض ما أنت قاض فبعث فرعون إلى موسى أن اجعل بينى وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى قال موعدكم يوم الزينة يوم عيد كان فرعون يخرج إليه وأن يحشر الناس ضحى، حتى يحضروا أمرى وأمرك فجمع فرعون الناس لذلك الجمع ثم أمر السحرة فقال ائتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى: أي قد أفلح من استعلى اليوم على صاحبه فصف خمسة عشر ألف ساحر مع كل ساحر حباله وعصيه وخرج موسى صلى الله عليه وسلم ومعه أخوه يتكئ على عصاه حتى أتى الجمع وفرعون في مجلسه معه أشراف أهل مملكته وقد استكف له الناس فقال موسى للسحرة حين جاءهم ويلكم لا تفتروا على الله كذبا. فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى فتراد السحرة بينهم وقال بعضهم لبعض بتناج: إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى ثم قالوا يا موسى إما أن تلقى وإما أن نكون أول من ألقى قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى فكان أول ما اختطفوا بسحرهم بصر موسى وبصر فرعون ثم أبصار الناس بعد ثم ألقى كل

[ 288 ]

رجل منهم ما في يده من العصى والحبال فإذا هي حيات كأمثال الجبال قد ملات الوادي يركب بعضها بعضا (فأوجس في نفسه خيفة موسى) وقال والله ان كانت لعصيا في أيديهم ولقد عادت حيات وما تعدو عصاي هذه أو كما حدث نفسه فأوحى الله إليه (أن ألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى) وفرج عن موسى فألقى عصاه من يده فاستعرضت ما ألقوا من حبالهم وعصيهم وهى حيات في عين فرعون وأعين الناس تسعى فجعلت تتلقفها تبتلعها حية حية حتى ما يرى في الوادي قليل ولا كثير مما ألقوا ثم أخذها موسى فإذا هي عصاه في يده كما كانت ووقع السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى لو كان هذا سحرا ما غلبنا قال لهم فرعون وأسف ورأى الغلبة البينة آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذى علمكم السحر فلا قطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف - إلى قوله - فاقض ما أنت قاض أي فاصنع ما بدالك إنما تقضى هذه الحياة الدنيا التى ليس لك سلطان إلا فيها ثم لا سلطان لك بعدها (إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى) أي خير منك ثوابا وأبقى عقابا فرجع عدو الله مغلوبا ملعونا ثم أبى إلا الاقامة على الكفر والتمادى في الشر فتابع الله عليه بالآيات وأخذه بالسنين فارسل عليه الطوفان * رجع الحديث إلى حديث السدى وأما السدى فانه قال في خبره ذكر أن الآيات التى ابتلى الله بها قوم فرعون كانت قبل اجتماع موسى والسحرة وقال لما رجع إليه السهم ملطخا بالدم قال لقد قتلنا إله موسى ثم إن الله أرسل عليهم الطوفان وهو المطر فغرق كل شئ لهم فقالوا يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا ونحن نؤمن لك ونرسل مغك بنى اسرائيل فكشفه الله عنهم ونبتت زروعهم فقالوا ما يسرنا أنا لم نمطر فبعث الله عليهم الجراد فأكل حروثهم فسألوا موسى أن يدعو ربه فيكشفه ويؤمنوا به فدعا فكشفه وقد بقى من زروعهم بقية فقالوا لن نؤمن وقد بقى لنا من زروعنا بقية فبعث الله عليهم الدبا وهو القمل فلحس الارض كلها وكان يدخل بين ثوب أحدهم وبين جلده فيعضه وكان أحدهم يأكل الطعام فيمتلئ

[ 289 ]

دبا حتى إن أحدهم ليبنه الاسطوانة بالجص والآجر فيزلقه حتى لا يرتقى فوقها شئ يرفع فوقها الطعام فإذا صعد إليه ليأكله وجده ملآن دبا فلم يصبهم بلاء كان أشد عليهم من الدبا وهو الرجز الذى ذكره الله في القرآن إنه وقع عليهم فسألوا موسى أن يدعو ربه فيكشفه عنهم ويؤمنوا به فلما كشفه عنهم أبو ا أن يؤمنوا فأرسل الله عليهم الدم فكان الاسرائيلي يأتي هو والقبطي يستقيان من ماء واحد فيخرج ماء هذا القبطى دما ويخرج للاسرائيلي ماء فلما اشتد ذلك عليهم سألوا موسى أن يكشفه ويؤمنوا به فكشف ذلك عنهم فأبوا أن يؤمنوا فذلك حين يقول الله (فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون) ما أعطوا من العهود وهو حين يقول (ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين) وهو الجوع (ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون) ثم إن الله عزوجل أوحى اليهما أن (قولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى) فأتياه فقال له موسى هل لك يا فرعون في أن أعطيك شبابك ولا يهرم وملكك لا ينزع منك ويرد اليك لذة المناكح والمشارب والركوب فإذا مت دخلت الجنة تؤمن بى فوقعت في نفسه هذه الكلمات وهى اللينة فقال كما أنت حتى يأتي هامان فلما جاء هامان قال له إن ذلك الرجل أتانى قال من هو قال وكان قبل ذلك إنما يسميه الساجر فلما كان ذلك اليوم لم يسمه الساحر قال فرعون موسى قال وما قال لك قال قال لى كذا وكذا قال هامان وما رددت عليه قال قلت حتى يأتي هامان فأستشيره فعجزه هامان وقال قد كان ظنى بك خيرا من هذا تصير عبد ا يعبد بعد أن كنت ربا يعبد فذلك حين خرج عليهم فقال لقومه وجمعهم فقال أنا ربكم الاعلى وكان بين كلمته ما علمت لكم من إله غيرى وبين قوله أنا ربكم الاعلى أربعون سنة وقال لقومه إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحار عليم قال فرعون أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى يقول عدلا قال موسى موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى

[ 290 ]

وذلك يوم عيد لهم فتولى فرعون فجمع كيده ثم أنى وأرسل فرعون في المدائن حاشرين فحشروا عليه السحرة وحشروا الناس ينظرون يقول هل أنتم مجتمعون لعلنا نتبع السحرة - إلى - أئن لنا لاجرا إن كنا نحن الغالبين يقول عطية تعطينا قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين فقال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب يقول يهلككم بعذاب فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى من دون موسى وهارون وقالوا في نجواهم إن هذا لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى يقول يذهبا بأشراف قومكم فالتقى موسى وأمير السحرة فقال له موسى أرأيتك ان غلبتك أتؤمن بى وتشهد أن ما جئت به حق قال نعم قال الساحر لآتين غدا بسحر لا يغلبه سحر فوالله لئن غلبتني لاومنن بك ولاشهدن أنك على حق وفرعون ينظر إليهما وهو قول فرعون ان هذا لمكر مكرتموه في المدينة إذ التقيتما لتتظاهرا لتخرجوا منها أهلها فقالوا يا موسى اما أن تلقى واما أن نكون نحن أول من ألقى * قال لهم موسى ألقوا فألقوا حبالهم وعصيهم وكانوا بضعة وثلاثين الف رجل ليس منهم رجل إلا ومعه حبل وعصا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم يقول فرقوهم فأوجس في نفسه خيفة موسى فأوحى الله إليه لا تخف وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا فألقى موسى عصاه فأكلت كل حية لهم فلما رأوا ذلك سجدوا وقالوا آمنا برب العالمين رب هارون وموسى قال فرعون لاقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولاصلبنكم في جذوع النخل فقتلهم فقطعهم كما قال عبد الله بن عباس حين قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين وقالوا كانوا في أول النهار سحرة وفى آخر النهار شهداء ثم أقبل على بنى اسرائيل فقال له قومه أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الارض ويذرك وآلهتك وآلهته فيما زعم ابن عباس كانت البقر كانوا إذا رأوا بقرة حسناء أمرهم أن يعبدوها فلذلك أخرج لهم عجلا بقرة * ثم ان الله تعالى ذكره أمر موسى أن يخرج ببنى إسرائيل فقال أن أسر بعبادي ليلا إنكم متبعون فأمر موسى بنى اسرائيل أن يخرجوا وأمرهم أن يستعيروا الحلى من القبط وأمر ألا

[ 291 ]

ينادى انسان صاحبه وأن يسرجوا في بيوتهم حتى الصبح وأن من خرج إذا قال موسى قال عمرو وأمر من خرج يلطخ بابه بكف من دم حتى يعلم أنه قد خرج وإن الله أخرج كل ولد زنا في القبط من بنى اسرائيل إلى بنى اسرائيل وأخرج كل ولد زنا في بنى اسرائيل من القبط إلى القبط حتى أتوا آباءهم ثم خرج موسى ببنى إسرائيل ليلا والقبط لا يعلمون وقد دعوا قبل ذلك على القبط فقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملاه زينة وأموالا في الحياة الدنيا إلى قوله حتى يروا العذاب الاليم فقال الله تعالى (قد أجيبت دعوتكما) فزعم السدى أن موسى هو الذى دعا وأمن هارون فذلك حين يقول الله عزوجل قد أجيبت دعوتكما وقوله ربنا اطمس على أموالهم فذكر أن طمس الاموال أنه جعل دراهمهم ودنانيرهم حجارة ثم قال لهما استقيما فخرجا في قومهما وألقى على القبط الموت فمات كل بكر رجل فأصبحوا يدفنونهم فشغلوا عن طلبهم حتى طلعت الشمس فذلك حين يقول الله عزوجل (فأتبعوهم مشرقين) وكان موسى على ساقة بنى اسرائيل وكان هارون أمامهم يقدمهم فقال المؤمن لموسى يا نبى الله أين أمرت قال البحر فاراد أن يقتحم فمنعه موسى وخرج موسى في ستمائة ألف وعشرين ألف مقاتل لا يعدون ابن العشرين لصغره ولا ابن الستين لكبره وإنما عدوا ما بين ذلك سوى الذرية وتبعهم فرعون وعلى مقدمته هامان في الف الف وسبعمائة الف حصان ليس فيها ماذيانة وذلك حين يقول الله (فأرسل فرعون في المدائن حاشرين إن هؤلاء لشرذمة قليلون وإنهم لنا لغائظون) يعنى بنى اسرائيل (وإنا لجميع حاذرون) يقول قد حذرنا فأجمعنا أمرنا فلما تراء الجمعان فنظرت بنو اسرائيل إلى فرعون قد ردفهم قالوا إنا لمدركون قالوا يا موسى أوذينا من قبل أن تأتينا كانوا يذبحون أبناءنا ويستحيون نساءنا ومن بعد ما جئتنا اليوم يدركنا فرعون فيقتلنا إنا لمدركون البحر من بين أيدينا وفرعون من خلفنا قال موسى كلا إن معى ربى سيهدين يقول سيكفيني قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الارض فينظر كيف تعملون فتقدم هارون فضرب

[ 292 ]

البحر فأبى البحر ان ينفتح وقال من هذا الجبار الذى يضربني حتى أتاه موسى فكناه أبو خالد وضربه فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم يقول كالجبل العظيم فدخلت بنو إسرائيل وكان في البحر اثنى عشر طريقا في كل طريق سبط وكأن الطرق إذا انفلقت بجدران فقال كل سبط قد قتل أصحابنا فلما رأى ذلك موسى دعا الله فجعلها لهم قناطر كهيئة الطيقان فنظر آخرهم إلى أولهم حتى خرجوا جميعا ثم دعا فرعون وأصحابه فلما نظر فرعون إلى البحر منفلقا قال ألا ترون البحر فرق منى وقد تفتح لى حتى أدرك أعدائي فأقتلهم فذلك قول الله عزوجل (وأزلفنا ثم الآخرين) يقول قربنا ثم الآخرين هم آل فرعون فلما قام فرعون على أفواه الطرق أبت خيله أن تقتحم فنزل جبرائيل على ماذيانة فشمت الحصن ريح الماذيانة فاقتحمت في أثرها حتى إذا هم أولهم أن يخرج ودخل آخرهم أمر البحر أن يأخذهم فالتطم عليهم وتفرد جبرائيل بفرعون بمقلة من مقل البحر فجعل يدسها في فيه فقال حين أدركه الغرق آمنت أنه لا إله إلا الذى آمنت به بنو اسرائيل وأنا من المسلمين فبعث الله إليه ميكائيل يعيره فقال الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين فقال جبرائيل يا محمد ما أبغضت أحدا من الخلق ما أبغضت رجلين أما أحدهما فمن الجن وهو إبليس حين أبى ان يسجد لآدم وأما الآخر فهو فرعون حين قال انا ربكم الاعلى ولو رأيتنى يا محمد وأنا آخذ مقل البحر فأدخله في فم فرعون مخافة أن يقول كلمة يرحمه الله بها وقالت بنو اسرائيل لم يغرق فرعون الآن يدركنا فيقتلنا فدعا الله موسى فأخرج فرعون في ستمائة الف وعشرين ألفا عليهم الحديد فاخذته بنو اسرائيل بمثلون به وذلك قول الله لفرعون (فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية) يقول لبنى إسرائيل آية فلما أرادوا أن يسيروا ضرب عليهم تيه فلم يدروا أين يذهبون فدعا موسى مشيخة بنى اسرائيل فسألهم ما بالنا فقالوا له إن يوسف لما مات بمصر أخذ على اخوته عهدا أن لا تخرجوا من مصر حتى تخرجوني معكم فذلك هذا الامر فسألهم أين موضع قبره فلم يعلموا فقام موسى ينادى أنشد الله كل من كان يعلم أين موضع قبر يوسف إلا أخبرني به ومن لم يعلم

[ 293 ]

فصمت أذناه عن قولى وكان يمر بين الرجلين ينادى فلا يسمعان صوته حتى سمعته عجوز لهم فقالت أرأيتك إن دللتك على قبره أتعطيني كل ما سألتك فأبى عليها وقال حتى أسال ربى فأمره الله عزوجل أن يعطيها فأتاها فاعطاها فقالت إنى أريد ألا تنزل غرفة من الجنة إلا نزلتها معك قال نعم قالت إنى عجوز كبيرة لا أستطيع أن أمشى فاحملني فحملها فلما دنا من النيل قالت إنه في جوف الماء فادع الله أن يحسر عنه الماء فدعا الله فحسر الماء عن القبر فقالت احفره ففعل فحمل عظامه ففتح لهم الطريق فساروا فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون إن هؤلاء متبر ماهم فيه يقول مهلك ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون * فاما ابن إسحق فإنه قال فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه فتابع الله عليه بالآيات يعنى على فرعون وأخذه بالسنين إذ أبى أن يؤمن بعد ما كان من أمره وأمر السحرة ما كان فارسل عليه الطوفان ثم الجراد ثم القمل ثم الضفادع ثم الدم آيات مفصلات أي آية بعد آية يتبع بعضها بعضا فارسل الطوفان وهو الماء ففاض على وجه الارض ثم ركد لا يقدرون على أن يحرثوا ولا يعملوا شيئا حتى جهدوا جوعا فلما بلغهم ذلك قالوا يا موسى ادع لنا ربك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بنى اسرائيل فدعا موسى ربه فكشفه عنهم فلم يفوا له بشئ مما قالوا فارسل الله عليهم الجراد فاكل الشجر فيما بلغني حتى إنه كان ليأكل مسامير الابواب من الحديد حتى تقع دورهم ومساكنهم فقالوا مثل ما قالوا فدعا ربه فكشفه عنهم فلم يفوا له بشئ مما قالوا فارسل الله عليهم القمل فذكر لى أن موسى أمر أن يمشى إلى كثيب فيضربه بعصاه فمشى إلى كثيب أهيل عظيم فضربه بها فانثال عليهم قملا حتى غلب على البيوت والاطعمة ومنعهم النوم والقرار فلما جهدهم قالوا له مثل ما قالوا فدعا ربه فكشف عنهم فلم يفوا له بشئ مما قالوا فأرسل الله عليهم الضفادع فملات البيوت والاطعمة والآنية فلا يكشف أحد منهم ثوبا ولا طعاما ولا إناء إلا وجد فيه الضفادع قد غلبت عليه فلما جهدهم ذلك قالوا له مثل ما قالوا فدعا ربه فكشف عنهم فلم يفوا

[ 294 ]

له بشئ مما قالوا فارسل الله عليهم الدم فصارت مياه آل فرعون دما لا يستقون من بئر ولا نهر ولا يغترفون من إناء إلا عادت دما عبيطا * حدثنا محمد بن حميد قال حدثنا سلم قال فحدثني محمد بن اسحق عن محمد بن كعب القرظى أنه حدث أن المرأة من آل فرعون كانت تأتى المرأة من بنى اسرائيل حين جهدهم العطش فتقول اسقيني من مائك فتغرف لها من جرتها أو تصيب لها من قربتها فيعود في الاناء دما حتى ان كانت لتقول لها اجعليه في فيك ثم مجيه في في فتأخذ في فيها ماء فإذا مجته في فيها صار دما فمكثوا في ذلك سبعة ايام فقالوا ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بنى اسرائيل فلما كشف عنهم الرجز نكثوا ولم يفوا بشئ مما قالوا فأمر الله موسى أن يسير وأخبره أنه منجيه ومن معه ومهلك فرعون وجنوده وقد دعا موسى عليهم بالطمسة فقال ربنا انك آتيت فرعون وملاه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك - إلى - ولا تتبعان سبيل الذين لا يعملون فمسخ الله أموالهم حجارة النخل والرقيق والاطعمة فكانت احدى الآيات التى أراها الله فرعون * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن بريدة بن سفيان بن فروة الاسلمي عن محمد ابن كعب القرظى قال سألني عمر بن عبد العزيز عن التسع الآيات التى أراهن الله فرعون فقلت الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم وعصاه ويده والطمسة والبحر فقال عمر فأنى عرفت أن الطمسة احداهن قلت دعا عليهم موسى وأمن هارون فمسخ الله أموالهم حجارة فقال كيف يكون الفقه إلا هكذا ثم دعا بخريطة فيها أشياء مما كان أصيب لعبد العزيز بن مروان بمصر إذ كان عليها من بقايا أموال آل فرعون فأخرج البيضة مقشورة نصفين وانها لحجر والجوزة مقشورة وانها لحجر والحمصة والعدسة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد عن رجل من أهل الشأم كان بمصر قال قد رأيت النخلة مصروعة وانها لحجر وقد رأيت إنسانا ما شككت أنه إنسان وإنه لحجر من رقيقهم فيقول الله عزوجل (ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات) إلى قوله (مثبورا) يقول شقيا * حدثنا ابن حميد قال

[ 295 ]

حدثنا سلمة عن محمد بن اسحق عن يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه أن الله حين أمر موسى بالمسير ببنى اسرائيل أمره أن يحتمل يوسف معه حتى يضعه بالارض المقدسة فسأل موسى عمن يعرف موضع قبره فما وجد إلا عجوزا من بنى اسرائيل فقالت يا نبى الله أنا أعرف مكانه إن أنت أخرجتني معك ولم تخلفنى بأرض مصر دللتك عليه قال أفعل وقد كان موسى وعد بنى اسرائيل أن يسير بهم إذا طلع الفجر فدعا ربه أن يؤخر طلوعه حتى يفرغ من أمر يوسف ففعل فخرجت به العجوز حتى أرته إياه في ناحية من النيل في الماء فاستخرجه موسى صندوقا من مرمر فاحتمله معه قال عروة فمن ذلك تحمل اليهود موتاها من كل أرض إلى الارض المقدسة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحق قال كان فيما ذكر لى أن موسى قال لبنى اسرائيل فيما أمره الله به استعيروا منهم الامتعة والحلى والثياب فانى منفلكم أموالهم مع هلاكهم فلما أذن فرعون في الناس كان مما يحرض به على بنى اسرائيل أن قال حين ساروا لم يرضوا أن خرجوا بأنفسهم حتى ذهبوا بأموالكم معهم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن محمد بن كعب القرظى عن عبد الله بن شداد ابن الهاد قال لقد ذكر لى أنه خرج فرعون في طلب موسى على سبعين ألفا من دهم الخيل سوى ما في جنده من شهب الخيل وخرج موسى حتى إذا قابله البحر ولم يكن عنه منصرف طلع فرعون في جنده من خلفهم فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معى ربى سيهديني ; أي للنجاة وقد وعدني ذلك ولا خلف لموعوده * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن إسحاق قال فأوحى الله تبارك وتعالى فيما ذكر لى إلى البحر إذا ضربك موسى بعصاه فانفلق له فبات البحر يضرب بعضه بعضا فرقا من الله عزوجل وانتظارا لامره فأوحى الله عزوجل إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فضربه بها وفيها سلطان الله الذى أعطاه فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ; أي كالجبل على نشز من الارض يقول الله لموسى عليه السلام (أضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى) فلما استقر له البحر على طريق قائمة يبس سلك فيه

[ 296 ]

موسى ببنى إسرائيل وأتبعه فرعون بجنوده * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب القرظى عن عبد الله بن شداد بن الهاد الليثى قال حدثت أنه لما دخلت بنو إسرائيل فلم يبق منهم أحد أقبل فرعون وهو على حصان له من الخيل حتى وقف على شفير البحر وهو قائم على حاله فهاب الحصان أن يتقدم فعرض له جبرائيل على فرس أنثى وديق فقربها منه فشمها الفحل ولما شمها قدمها فتقدم معه الحصان عليه فرعون فلما رأى جند فرعون أن فرعون قد دخل دخلوا معه وجبرائيل أمامه فهم يتبعون فرعون وميكائيل على فرس خلف القوم يشحذهم يقول: الحقوا بصاحبكم حتى إذا فصل جبرائيل من البحر ليس أمامه أحد ووقف ميكائيل على الناحية الاخرى ليس خلفه أحد طبق عليهم البحر ونادى فرعون حين رأى من سلطان الله وقدرته ما رأى وعرفه ذله وخذلته نفسه نادى: أن لا إله إلا الذى آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين * حدثنا ابن حميد قال حدثنا أبو داود البصري عن حماد بن سلمة عن على ابن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال جاء جبرائيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد لو قد رأيتنى وأنا أدس من حمإ البحر في فم فرعون مخافة أن تدركه الرحمة يقول الله الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين فاليوم ننجيك ببدنك أي سويا لم يذهب منك شئ لتكون لمن خلفك آية أي عبرة وبينة فكان يقال لو لم يخرجه الله ببدنه حتى عرفوه لشك فيه بعض الناس ولما جاوز ببنى إسرائيل البحر أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فصلكم على العالمين ووعد الله موسى حين أهلك فرعون وقومه ونجاه وقومه ثلاثين ليلة * رجع الحديث إلى حديث السدى ثم إن جبرائيل أتى موسى يذهب به إلى الله عزوجل فأقبل على فرس فرآه السامري فأنكره ويقال إنه فرس الحياة فقال حين رآه ان لهذا لشأنا فأخذ من تربة الحافر حافر الفرس فانطلق موسى واستخلف هارون على بنى إسرائيل

[ 297 ]

وواعدهم ثلاثين ليلة وأتمها الله بعشر فقال لهم هارون يا بنى إسرائيل إن الغنيمة لا تحل لكم وإن حلى القبط إنما هو غنيمة فاجمعوها جميعا فاحفروا لها حفرة فادفنوها فيها فإن جاء موسى فأحلها أخذتموها وإلا كان شيئا لم تأكلوه فجمعوا ذلك الحلى في تلك الحفرة وجاء السامري بتلك القبضة فقذفها فأخرج الله من تلك الحلى عجلا جسدا له خوار وعدت بنو إسرائيل موعد موسى فعدوا الليلة يوما واليوم يوما فلما كان لعشرين خرج لهم العجل فلما رأوه قال لهم السامري: هذا إلهكم وإله موسى فنسى يقول ترك موسى إلهه ههنا وذهب يطلبه فعكفوا عليه يعبدونه وكان يخور ويمشى فقال لهم هارون يا بنى إسرائيل إنما فتنتم به يقول إنما ابتليتم به يقول بالعجل وإن ربكم الرحمن فأقام هارون ومن معه من بنى إسرائيل لا يقاتلونهم وانطلق موسى إلى إلهه يكلمه فلما كلمه قال له ما أعجلك عن قومك يا موسى قال هم أولاء على أثرى وعجلت إليك رب لترضى قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري فلما أخبره خبرهم قال موسى يا رب هذا السامري أمرهم أن يتخذوا العجل أرأيت الروح من نفخها فيه قال الرب أنا * قال رب أنت إذا أضللتهم * ثم إن موسى لما كلمه ربه عزوجل أحب أن ينظر إليه قال رب أرنى أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فحف حول الجبل الملائكة وحف حول الملائكة بناروحف حول النار بملائكة وحول الملائكة بنار ثم تجلى ربه للجبل * فحدثني موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط قال حدثنى السدى عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال تجلى منه مثل طرف الخنصر فجعل الجبل دكا وخر موسى صعقا فلم يزل صعقا ما شاء الله ثم إنه أفاق فقال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين يعنى أول المؤمنين من بنى إسرائيل فقال يا موسى إنى اصطفيتك على الناس برسالاتى وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين وكتبنا له في الالواح من كل شئ موعظة وتفصيلا لكل شئ من الحلال والحرام فخذها بقوة يعنى بجدو اجتهاد وأمر قومك يأخذوا بأحسنها أي بأحسن ما يجدون فيها فكان موسى بعد ذلك لا يستطيع

[ 298 ]

أحد أن ينظر في وجهه وكان يلبس وجهه بحريرة فأخذ الالواح ثم رجع إلى قومه غضبان أسفا يقول حزينا قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا - إلى - قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا يقولون بطاقتنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم يقول من حلى القبط فقذفناها فكذلك ألقى السامري ذلك حين قال لهم هارون احفروا لهذا الحلى حفرة واطرحوه فيها فطرحوه فقذف السامري تربته فالقى موسى الالواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إنى خشيت أن تقول قرقت بين بنى إسرائيل ولم ترقب قولى فترك موسى هارون ومال إلى السامري فقال ما خطبك يا سامرى قال السامري بصرت بما لم يبصروا به - إلى - في اليم نسفا ثم أخذه فذبحه ثم حرقه بالمبرد ثم ذراه في البحر فلم يبق بحر يجرى إلا وقع فيه شئ منه ثم قال لهم موسى اشربوا منه فشربوا فمن كان يحبه خرج على شاربه الذهب فذلك حين يقول وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم فلما سقط في أيدى بنى إسرائيل حين جاء موسى ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين فأبى الله أن يقبل توبة بنى إسرائيل إلا بالحال التى كرهوا أن يقاتلهم حين عبد وا العجل فقال لهم موسى يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم فاجتلد الذين عبد وه والذين لم يعبدوه بالسيوف فكان من قتل من الفريقين شهيدا حتى كثر القتل حتى كادوا أن يهلكوا حتى قتل بينهم سبعون ألفا حتى دعا موسى وهارون ربنا هلكت بنو إسرائيل ربنا البقية البقية فأمرهم أن يضعوا السلاح وتاب عليهم فكان من قتل كان شهيدا ومن بقى كان مكفرا عنه فذلك قوله (فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم) * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كان السامري رجلا من أهل باجرماو كان من قوم يعبدون البقر فكان حب عبادة البقر في نفسه وكان قد أظهر الاسلام في بنى إسرائيل * فلما فصل هارون في بنى إسرائيل وفصل موسى عنهم إلى ربه تبارك وتعالى قال لهم هارون إنكم قد حملتم أوزارا

[ 299 ]

من زينة القوم آل فرعون وأمتعة وحليا فتطهروا منها فانا نجس وأو قد لهم نارا وقال اقذفوا ما كان معكم من ذلك فيها قالوا نعم فجعلوا يأتون بما كان فيهم من تلك الحلى وتلك الامتعة فيقذفون به فيها حتى إذا انكسرت الحلى فيها رأى السامري أثر فرس جبرائيل فاخذ ترابا من أثر حافره ثم أقبل إلى الحفرة فقال لهارون يا نبى الله ألقى ما في يدى قال نعم ولا يظن هارون الا أنه كبعض ما جاء به غيره من تلك الامتعة والحلى فقذفه فيها وقال كن عجلا جسدا له خوار فكان للبلاء والفتنة فقال هذا إلهكم وإله موسى فعكفوا عليه وأحبوه حبالم يحبوا مثله شيئا قط فقال الله عزوجل فنسى أي ترك ماكان عليه من الاسلام يعنى السامري أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا قال وكان اسم السامري موسى بن ظفر وقع في أرض مصر فدخل في بنى إسرائيل فلما رأى هارون ما وقعوا فيه قال يا قوم إنما فتنتم به - إلى قوله - حتى يرجع إلينا موسى فاقام هارون فيمن معه من المسلمين ممن لم يفتتن وأقام من يعبد العجل على عبادة العجل وتخوف هارون إن سار بمن معه من المسلمين أن يقول له موسى فرقت بين بنى إسرائيل ولم ترقب قولى وكان له هائبا مطيعا ومضى موسى ببنى إسرائيل إلى الطور وكان الله عزوجل وعد بنى إسرائيل حين أنجاهم وأهلك عدوهم جانب الطور الايمن وكان موسى حين سار ببنى إسرائيل من البحر قد احتاجوا إلى الماء فاستسقى موسى لقومه فأمر أن يضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا لكل سبط عين يشربون منها قد عرفوها فلما كلم الله موسى طمع في رؤيته فسأل ربه أن ينظر إليه فقال له إنك لن تراني ولكن انظر إلى الجبل إلى قوله وأنا أول المؤمنين ثم قال الله لموسى إنى اصطفيتك على الناس برسالاتى وبكلامي فخذ ما آتيتك إلى قوله سأريكم دار الفاسقين وقال له ما أعجلك عن قومك يا موسى إلى قوله فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا ومعه عهد الله في ألواحه ولما انتهى موسى إلى قومه فرأى ماهم فيه من عبادة العجل ألقى الالواح من يده وكانت فيما يذكرون من زبرجد أخضر ثم أخذ برأس أخيه ولحيته ويقول ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعني إلى قوله ولم ترقب

[ 300 ]

قولى وقال يا ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بى الاعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين فارعوى موسى وقال رب اغفر لى ولاخى وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين وأقبل على قومه فقال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا إلى قوله عجلا جسدا له خوار فأقبل على السامري فقال ما خطبك يا سامرى قال بصرت بما لم يبصروا به إلى قوله وسع كل شئ علما ثم أخذ الالواح يقول الله (وأخذ الالواح وفى نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون) * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن صدقة بن يسار عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس قال كان الله تعالى قد كتب لموسى فيها موعظة وتفصيلا لكل شئ وهدى ورحمة فلما ألقاها رفع الله ستة أسباعها وأبقى سبعا يقول الله عزوجل وفى نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون ثم أمر موسى بالعجل فأحرق حتى رجع رمادا ثم أمر به فقذف في البحر * قال ابن اسحاق فسمعت بعض أهل العلم يقول إنما كان إحراقه سحله ثم ذراه في البحر والله أعلم ثم اختار موسى منهم سبعين رجلا الخير فالخير وقال انطلقوا إلى الله فتوبوا إليه مما صنعتم وسلوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم فخرج بهم إلى طور سينا لميقات وقته له ربه وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم فقال له السبعون فيما ذكر لى حين صنعوا ما أمرهم به وخرجوا معه للقاء ربه اطلب لنا نسمع كلام ربنا فقال أفعل فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام حتى تغشى الجبل كله ودنا موسى فدخل فيه وقال للقوم ادنوا وكان موسى إذا كلمه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بنى آدم أن ينظر إليه فضرب دونه بالحجاب ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودا فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه افعل ولا تفعل فلما فرغ إليه من أمره انكشف عن موسى الغمام فأقبل إليهم فقالوا لموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الرجفة وهى الصاعقة فانفلتت أرواحهم فماتوا جميعا * وقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه يقول رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياى قد سفهوا فيهلك من ورائي من بنى إسرائيل بما فعل السفهاء منا إن هذا لهم هلاك

[ 301 ]

اخترت منهم سبعين رجلا الخير فالخير أرجع إليهم وليس معى رجل واحد فما الذى يصدقونني به فلم يزل موسى يناشد ربه ويسأله ويطلب إليه حتى رد إليهم أرواحهم وطلب إليه التوبة لبنى إسرائيل من عبادة العجل فقال لا إلا أن يقتلوا أنفسهم وقال فبلغني أنهم قالوا لموسى نصبر لامر الله فأمر موسى من لم يكن عبد العجل أن يقتل من عبد ه فجلسوا بالافنية وأصلت عليهم القوم السيوف فجعلوا يقتلونهم وبكى موسى وبهش إليه الصبيان والنساء يطلبون العفو عنهم فتاب عليهم وعفا عنهم أمر موسى أن يرفع عنهم السيف * وأما السدى فإنه ذكر في خبره الذى ذكرت إسناده قبل أن مصير موسى إلى ربه بالسبعين الذين اختارهم من قومه بعد ما تاب الله على عبد ة العجل من قومه وذلك أنه ذكر بعد القصة التى قد ذكرتها عنه بعد قوله إنه هو التواب الرحيم قال ثم إن الله أمر موسى أن يأتيه في ناس من بنى إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل ووعدهم موعدا فاختار موسى قومه سبعين رجلا على عينه ثم ذهب بهم ليعتذروا فلما أتوا ذلك المكان قالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فإنك قد كلمته فأرناه فأخذتهم الصاعقة فماتوا فقام موسى يبكى ويدعو الله ويقول رب ماذا أقول لبنى إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياى أتهلكنا بما فعل السفهاء منا فأوحى الله عزوجل إلى موسى أن هؤلاء السبعين ممن اتخذ العجل فذلك حين يقول موسى إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدى من تشاء إلى قوله إنا هدنا إليك يقول تبنا إليك وذلك قوله تعالى (وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة) والصاعقة نار ثم إن الله أحياهم فقاموا وعاشوا رجلا رجلا ينظر بعضهم إلى بعض كيف يحيون فقالوا يا موسى أنت تدعو الله فلا تسأله شيئا إلا أعطاك فادعه يجعلنا أنبياء فدعا الله فجعلهم أنبياء فذلك قوله (ثم بعثنا كم من بعد موتكم) ولكنه قدم حرفا وأخر حرفا * ثم أمرهم بالسير إلى أريحا وهى أرض بيت المقدس فساروا حتى إذا كانوا قريبا منها بعث موسى اثنى عشر نقيبا من جميع أسباط بنى إسرائيل فساروا يريدون

[ 302 ]

أن يأتوه بخبر الجبارين فلقيهم رجل من الجبارين يقال له عاج فاخذ الاثنى عشر فجعلهم في حجزته وعلى رأسه حملة حطب فانطلق بهم إلى امرأته فقال انظري إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يريدون أن يقاتلونا فطرحهم بين يديها فقال ألا أطحنهم برجلي فقالت امرأته لابل خل عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا ففعل ذلك فلما خرج القوم قال بعضهم لبعض يا قوم إنكم إن أخبرتم بنى إسرائيل بخبر القوم ارتدوا عن نبى الله ولكن اكتموه وأخبروا نبيى الله فيكونان هما يريان رأيهما فاخذ بعضهم على بعض الميثاق بذلك ليكتموه ثم رجعوا فانطلق عشرة فنكثوا العهد فجعل الرجل منهم يخبر أخاه وأباه بما رأوا من أمر عاج وكتم رجلان منهم فاتوا موسى وهارون فاخبروهما الخبر فذلك حين يقول الله (ولقد أخذ الله ميثاق بنى إسرائيل وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبا) فقال لهم موسى يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا يملك الرجل منكم نفسه وأهله وماله يا قوم ادخلوا الارض المقدسة التى كتب الله لكم يقول التى أمركم الله بها ولا ترتدوا على أدباركم - إلى - خاسرين قالوا مما سمعوا من العشرة إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب وهما اللذان كتما وهما يوشع بن نون فتى موسى وكالوب بن يوفنة * وقيل كلاب ابن يوفنة ختن موسى فقال يا قوم ادخلوا عليهم الباب قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ماداموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون فغضب موسى فدعا عليهم فقال رب إنى لا أملك إلا نفسي وأخى فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين، وكانت عجلة من موسى عجلها فقال الله إنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الارض فلما ضرب عليهم التيه ندم موسى وأتاه قومه الذين كانوا معه يطيعونه فقالوا له ما صنعت بنا يا موسى فلما ندم أوحى الله عزوجل إليه " أن لا تأس " أي لا تحزن على القوم الذين سميتهم فاسقين فلم يحزن فقالوا يا موسى فكيف لنا بماء ههنا أين الطعام فانزل الله عليهم المن والسلوى فكان يسقط على الشجر الترنجبين والسلوى

[ 303 ]

وهو طير يشبه السمانى فكان يأتي أحدهم فينظر إلى الطير فإن كان سمينا ذبحه وإلا أرسله فإذا سمن أتاه فقالوا هذا الطعام فأين الشراب فامر موسى فضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا يشرب كل سبط من عين فقالوا هذا الطعام والشراب فأين الظل فظلل الله عليهم الغمام فقالوا هذا الظل فاين اللباس فكانت ثيابهم تطول معهم كما تطول الصبيان ولا يتخرق لهم ثوب فذلك قوله (وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى) وقوله (وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل اناس مشربهم) فاجمعوا ذلك فقالوا يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الارض من بقلها وقثائها وفومها وهو الحنطة وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذى هو أدنى بالذى هو خير اهبطوا مصرا من الامصار فإن لكم ما سألتم فلما خرجوا من التيه رفع المن والسلوى وأكلوا البقول والتقى موسى وعاج فنزا موسى في السماء عشرة أذرع وكانت عصاه عشرة أذرع وكان طوله عشرة أذرع وأصاب كعب عاج فقتله * حدثنا ابن بشار قال حدثنا مؤمل قال حدثنا سفيان عن أبى إسحاق عن نوف قال كان سرير عوج ثمانمائة ذراع وكان طول موسى عشرة أذرع وعصاه عشرة أذرع ثم وثب في السماء عشرة أذرع فضرب عوجا فأصاب كعبه فسقط ميتا فكان جسرا للناس يمرون عليه * حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن عطية قال أخبرنا قيس عن أبى اسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كانت عصا موسى عشرة أذرع ووثبته عشرة أذرع وطوله عشرة أذرع فأصاب كعب عوج فقتله فكان جسر الاهل النيل وقيل إن عوج عاش ثلاث آلاف سنة ذكر وفاة موسى وهارون بنى عمران عليهما السلام * حدثنا موسى بن هارون الهمداني قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدى في خبر ذكره عن أبى مالك وعن أبى صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن عبد الله بن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه

[ 304 ]

وسلم ثم إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى موسى إنى متوف هارون فأت به جبل كذا وكذا فانطلق موسى وهارون نحو ذلك الجبل فإذا هما بشجرة لم ير مثلها وإذا هما ببيت مبنى وإذا هما فبه بسرير عليه فرش وإذا فيه ريح طيبة فلما نظر هارون إلى ذلك الجبل والبيت وما فيه أعجبه فقال يا موسى إنى لاحب أن أنام على هذا السرير قال له موسى فنم عليه قال إنى أخاف أنى يأتي رب هذا البيت فيغضب على قال له موسى لا ترهب أنا أكفيك رب هذا البيت فنم قال يا موسى بل نم معى فإن جاء رب البيت غضب على وعليك جميعا فلما ناما أخذ هارون الموت فلما وجد حسه قال يا موسى خدعتني فلما قبض رفع ذلك البيت وذهبت تلك الشجرة ورفع السرير إلى السماء فلما رجع موسى إلى بنى إسرائيل وليس معه هارون قالوا إن موسى قتل هارون وحسده لحب بنى اسرائيل له وكان هارون أكف عنهم وألين لهم من موسى وكان في موسى بعض الغلظ عليهم فلما بلغه ذلك قال لهم ويحكم كان أخى أفتروني أقتله فلما أكثروا عليه قام فصلى ركعتين ثم دعا الله فنزل بالسرير حتى نظروا إليه بين السماء والارض فصدقوه ثم إن موسى بينما هو يمشى ويوشع فتاه إذ اقبلت ريح سوداء فلما نظر إليها يوشع ظن أنها الساعة والتزم موسى وقال تقوم الساعة وأنا ملتزم موسى نبى الله فاستل موسى من تحت القميص وترك القمص في يد يوشع فلما جاء يوشع بالقميص أخذته بنو إسرائيل وقالوا قتلت نبى الله قال لا والله ما قتلته ولكنه استل منى فلم يصدقوه وأرادوا قتله قال فإذا لم تصدقوني فأخروني ثلاثة أيام فدعا الله فأتى كل رجل ممن كان يحرسه في المنام فأخبر أن يوشع لم يقتل موسى وأنا قد رفعناه إلينا فتركوه ولم يبق أحد ممن أبى أن يدخل قرية الجبارين مع موسى إلا مات ولم يشهد الفتح * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال كان صفى الله قد كره الموت وأعظمه فلما كرهه أراد الله تعالى أن يحبب إليه الموت ويكره إليه الحياة فحولت النبوة إلى يوشع بن نون فكان يغدو عليه ويروح فيقول له موسى يا نبى الله ما أحدث الله اليك فيقول له يوشع بن نون يا نبى الله ألم

[ 305 ]

أصحبك كذا وكذا سنة فهل كنت أسألك عن شئ مما أحدث الله اليك حتى تكون أنت الذى تبتدئ به وتذكر فلا يذكر له شيئا فلما رأى موسى ذلك كره الحياة وأحب الموت * قال ابن حميد قال سلمة قال ابن اسحاق وكان صفى الله فيما ذكر لى وهب بن منبه إنما يستظل في عريش ويأكل ويشرب في نقير من حجر إذا أراد أن يشرب بعد أن أكل كرع كما تكرع الدابة في ذلك النقير تواضعا لله حين أكرمه الله بما أكرمه به من كلامه قال وهب فذكر لى أنه كان من أمر وفاته أن صفى الله خرج يوما من عريشه ذلك لبعض حاجاته لا يعلم به أحد من خلق الله فمر برهط من الملائكة يحفرون قبرا فعرفهم وأقبل إليهم حتى وقف عليهم فإذا هم يحفرون قبرا لم ير شيئا قط أحسن منه ولم ير مثل ما فيه من الخضرة والنضرة والبهجة فقال لهم يا ملائكة الله لمن تحفرون هذا القبر قالوا نحفره لعبد كريم على ربه قال أن هذا العبد من الله لبمنزل ما رأيت كاليوم مضجعا ولا مدخلا وذلك حين حضر من أمر الله ما حضر من قبضه فقالت له الملائكة يا صفى الله أتحب أن يكون لك قال وددت قالوا فانزل فاضطجع فيه وتوجه إلى ربك ثم تنفس أسهل تنفس تنفسته قط فنزل فاضطجع فيه وتوجه إلى ربه ثم تنفس فقبض الله تعالى روحه ثم سوت عليه الملائكة وكان صفى الله زاهد في الدنيا راغبا فيما عند الله * حدثنا أبو كريب قال حدثنا مصعب بن المقدام عن حماد ابن سلمة عن عمار بن أبى عمار مولى بنى هاشم عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ملك الموت كان يأتي الناس عيانا حتى أتى موسى فلطمه ففقأ عينه قال فرجع فقال يا رب إن عبد ك موسى فقأ عينى ولو لا كرامته عليك لشققت عليه فقال ائت عبد ى موسى فقل له فليضع كفه على متن ثور فله بكل شعرة وارت يده سنة خيره بين ذلك وبين ان يموت الآن قال فاتاه فخيره فقال له موسى فما بعد ذلك قال الموت قال فالآن إذا قال فشمه شمة قبض روحه قال فجاء بعد ذلك إلى الناس خفيا * حدثنا ابن حميد قال حدثنا أبو سنان الشيباني عن ابى اسحاق عن عمرو بن ميمون قال مات موسى وهارون جميعا في التيه مات

[ 306 ]

هارون قبل موسى وكانا خرجا جميعا في التيه إلى بعض الكهوف فمات هارون فدفنه موسى وانصرف موسى إلى بنى اسرائيل فقالوا ما فعل هارون قال مات قالوا كذبت ولكنك قتلته لحبنا اياه وكان محببا في بنى اسرائيل فتضرع موسى إلى ربه وشكا مالقى من بنى اسرائيل فأوحى الله إليه ان انطلق بهم إلى موضع قبره فإنى باعثه حتى يخبرهم انه مات موتا ولم تقتله قال فانطلق بهم إلى قبر هارون فنادى يا هارون فخرج من قبره ينفض رأسه فقال أنا قتلتك قال لا والله ولكني مت قال فعد إلى مضجعك وانصرفوا فكان جميع مدة عمر موسى عليه السلام كلها مائة وعشرين سنة عشرون من ذلك في ملك افريذون ومائة منها في ملك منوشهر وكان ابتداء أمره من لدن بعثه الله نبيا إلى ان قبضه إليه في ملك منوشهر * ثم ابتعث الله عزوجل بعد موسى عليه السلام يوشع بن نون بن افراييم بن يوسف ابن يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم نبيا وأمره بالمسير إلى اريحا لحرب من فيها من الجبارين فاختلف السلف من أهل العلم في ذلك وعلى يد من كان ذلك ومتى سار يوشع إليها في حياة موسى بن عمران كان مسيره إليها أم بعد وفاته فقال بعضهم لم يسر يوشع إلى اريحا ولا أمر بالمسير إليها الا بعد موت موسى وبعد هلاك جميع من كان أبى المسير إليها مع موسى بن عمران حين أمرهم الله تعالى بقتال من فيها من الجبارين وقالوا مات موسى وهارون جميعا في التيه قبل خروجهما منه ذكر من قال ذلك * حدثنى عبد الكريم بن الهيثم قال حدثنا ابراهيم بن بشار قال حدثنا سفيان قال قال أبو سعيد عن عكرمة عن ابن عباس قال قال الله تعالى لما دعا موسى يعنى بدعائه قوله رب انى لا أملك الا نفسي وأخى فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين قال فانها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الارض قال فدخلوا التيه فكل من دخل التيه ممن جاوز العشرين سنة مات في التيه قال فمات موسى في التيه ومات هارون قبله قال فلبثوا في تيههم أربعين سنة وناهض يوشع بمن بقى معه مدينة الجبارين فافتتح يوشع المدينة * حدثنا بشر قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا

[ 307 ]

سعيد عن قتادة قال قال الله تعالى (انها محرمة عليهم أربعين سنة) الآية حرمت عليهم القرى فكانوا لا يهبطون قرية ولا يقدرون على ذلك أربعين سنة وذكر لنا ان موسى مات في الاربعين سنة ولم يدخل بيت المقدس منهم الا ابناؤهم والرجلان اللذان قالا ما قالا * حدثنى موسى بن هارون الهمداني قال حدثنا عمرو قال حدثنا أسباط عن السدى في الخبر الذى ذكرت اسناده فيما مضى لم يبق أحد ممن أبى أن يدخل مدينة الجبارين مع موسى الا مات ولم يشهد الفتح ثم ان الله عزوجل لما انقضت الاربعون سنة بعث يوشع بن نون نبيا فاخبرهم انه نبى وان الله قد امره ان يقاتل الجبارين فبايعوه وصدقوه فهزم الجبارين واقتحموا عليهم فقتلوهم فكانت العصابة من بنى اسرائيل يجتمعون على عنق الرجل يضربونها لا يقطعونها * حدثنا ابن بشار قال حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا أبو هلال عن قتادة في قول الله تعالى فانها محرمة عليهم قال أبدا * حدثنى المثنى قال حدثنا مسلم بن ابراهيم قال حدثنا هارون النحوي قال حدثنا الزبير بن الخريت عن عكرمة في قوله فانها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الارض قال التحريم التيه * وقال آخرون انما فتح اريحا موسى ولكن يوشع كان على مقدمة موسى حين سار إليهم ذكر من قال ذلك * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال لما نشأت النواشى من ذراريهم يعنى من ذرارى الذين أبو ا قتال الجبارين مع موسى وهلك آباؤهم وانقضت الاربعون سنة التى تيهوا فيها سار بهم موسى ومعه يوشع بن نون وكلاب بن يوفنا فكان فيما يزعمون على مريم ابنة عمران أخت موسى وهارون فكان لهم صهرا فلما انتهوا إلى ارض كنعان وبها بلعم بن باعور المعروف وكان رجلا قد آتاه الله علما وكان فيما أوتى من العلم اسم الله الاعظم فيما يذكرون الذى إذا دعى الله به أجاب وإذا سئل به أعطى * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق عن سالم أبى النضر أنه حدث ان موسى لما نزل أرض بنى كنعان من أرض الشأم وكان بلعم ببالعة قرية من قرى البلقاء فلما نزل موسى ببنى اسرائيل

[ 308 ]

ذلك المنزل أتى قوم بلعم إلى بلعم فقالوا له يا بلعم هذا موسى بن عمران في بنى اسرائيل قد جاء يخرجنا من بلادنا ويقتلنا ويحلها بنى اسرائيل ويسكنها وانا قومك ليس لنا منزل وانت رجل مجاب الدعوة فاخرج فادع الله عليهم فقال ويلكم نبى الله معه الملائكة والمؤمنون كيف أذهب أدعو عليهم وأنا أعلم من الله ما أعلم قالوا مالنا من منزل فلم يزالوا به يرفقونه ويتضرعون إليه حتى فتنوه فافتتن فركب حمارة له متوجها إلى الجبل الذى يطلعه على عسكر بنى اسرائيل وهو جبل حسان فما سار عليها غير قليل حتى ربضت به فنزل عنها فضربها حتى إذا أذلقها قامت فركبها فلم تسر به كثيرا حتى ربضت به ففعل بها مثل ذلك فقامت فركبها فلم تسر به كثيرا حتى ربضت به فضربها حتى إذا اذلقها اذن الله لها فكلمته حجة عليه فقالت ويحك يا بلعم أين تذهب ألا ترى الملائكة أمامى تردني عن وجهى هذا أتذهب إلى نبى الله والمؤمنين تدعو عليهم فلم ينزع عنها يضربها فخلى الله سبيلها حين فعل بها ذلك فانطلقت حتى إذا اشرفت به على جبل حسبان على عسكر موسى وبنى اسرائيل جعل يدعو عليهم فلا يدعو عليهم بشئ الا صرف الله لسانه إلى قومه ولا يدعو لقومه بخير الا صرف لسانه إلى بنى اسرائيل فقال له قومه أتدرى يا بلعم ما تصنع انما تدعو لهم وتدعو علينا قال فهذا ما لا أملك هذا شئ قد غلب الله عليه واندلع لسانه فوقع على صدره فقال لهم قد ذهبت الآن منى الدنيا والآخرة فلم يبق الا المكر والحيلة فسأمكر لكم وأحتال جملوا النساء واعطوهن السلع ثم أرسلوهن إلى العسكر يبعنها فيه ومروهن فلا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها فانه ان زنى رجل واحد منهم كفيتموهم ففعلوا فلما دخل النساء العسكر مرت امرأة من الكنعانيين اسمها كسبى ابنة صور رأس امته وبنى ابيه من كان منهم في مدين هو كان كبيرهم برجل من عظماء بنى اسرائيل وهو زمرى بن شلوم رأس سبط شمعون بن يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم فقام إليها فأخذ بيدها حين أعجبه جمالها ثم أقبل حتى وقف بها على موسى فقال انى أظنك ستقول هذه حرام عليك قال أجل هي حرام عليك لا تقربها قال فوالله لانطيعك في هذا ثم

[ 309 ]

دخل بها قبته فوقع عليها فأرسل الله الطاعون في بنى اسرائيل وكان فنحاص بن العيزار بن هارون صاحب أمر موسى وكان رجلا قد أعطى بسطة في الخلق وقوة في البطش وكان غائبا حين صنع زمرى بن شلوم ما صنع فجاء والطاعون يحوس في بنى اسرائيل فأخبر الخبر فأخذ حربته وكانت من حديد كلها ثم دخل عليهما القبة وهما متضاجعان فانتظمهما بحربته ثم خرج بهما رافعا إلى السماء والحربة قد أخذها بذراعه واعتمد بمرفقه على خاصرته وأسند الحربة إلى لحيته وكان بكر العيزار فجعل يقول اللهم هكذا نفعل بمن يعصيك ورفع الطاعون فحسب من يهلك من بنى اسرائيل في الطاعون فيما بين أن أصاب زمرى المرأة إلى أن قتله فنحاص فوجدوا قد هلك منهم سبعون ألفا والمقلل لهم يقول عشرون ألفا في ساعة من النهار فمن هنالك تعطى بنو اسرائيل ولد فنحاص بن العيزار بن هارون من كل ذبيحة ذبحوها القبة والذراع واللحى لاعتماده بالحربة على خاصرته وأخذه إياها بذراعه وإسناده إياها إلى لحيته والبكر من كل أموالهم وأنفسهم لانه كان بكر العيزار ففي بلعم بن باعور أنزل الله تعالى على محمد صلى الله عليه وسلم (واتل عليهم نبأ الذى آتيناه آياتنا فانسلخ منها) يعنى بلعم بن باعور (فأتبعه الشيطان - إلى قوله - لعلهم يتفكرون) يعنى بنى اسرائيل إنى قد جئتهم بخبرهم ما كان فيهم مما يخفون عليك لعلهم يتفكرون فيعرفون أنه لم يأت بهذا الخبر عما مضى فيهم إلا نبى يأتيه خبر من السماء ثم ان موسى قدم يوشع بن نون إلى اريحا في بنى اسرائيل فدخلها بهم وقتل بها الجبابرة الذين كانوا فيها وأصاب من أصاب منهم وبقيت منهم بقية في اليوم الذى أصابهم فيه وجنح عليهم الليل وخشى إن لبسهم الليل أن يعجزوه فاستوقف الشمس ودعا الله أن يحبسها ففعل عزوجل حتى استأصلهم ثم دخلها موسى ببنى اسرائيل فقام فيها ما شاء الله أن يقيم ثم قبضه الله إليه لا يعلم بقبره أحد من الخلائق * فأما السدى في الخبر الذى ذكرت عنه إسناده فيما مضى فإنه ذكر في خبره ذلك ان الذى قاتل الجبارين يوشع بن نون بعد موت موسى وهارون وقص من أمره وأمرهم ما أنا ذاكره وهو أنه ذكر فيه ان

[ 310 ]

الله بعث يوشع نبيا بعد ان انقضت الاربعون سنة فدعا بنى اسرائيل فأخبرهم أنه نبى الله وان الله قد أمره أن يقاتل الجبارين فبايعوه وصدقوه وانطلق رجل من بنى اسرائيل يقال له بلعم وكان عالما يعلم الاسم الاعظم المكتوم فكفر وأتى الجبارين فقال لا ترهبوا بنى اسرائيل فانى إذا خرجتم تقاتلونهم أدعو عليهم دعوة فيهلكون فكان عندهم فيما شاء من الدنيا غير أنه ان لا يستطيع أن يأتي النساء من عظمهن فكان ينكح أتانا له وهو الذى يقول الله عزوجل واتل عليهم نبأ الذى آتيناه آياتنا * أي فبصر فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين إلى قوله ولكنه أخلد إلى الارض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث فكان بلعم يلهث كما يلهث الكلب فخرج يوشع يقاتل الجبارين في الناس وخرج بلعم مع الجبارين على أتانه وهو يريد أن يلعن بنى اسرائيل فكلما أراد أن يدعو على بنى اسرائيل جاء على الجبارين فقال الجبارون إنك انما تدعو علينا فيقول انما أردت بنى اسرائيل فلما بلغ باب المدينة أخذ ملك بذنب الاتان فامسكها وجعل يحركها فلا تتحرك فلما أكثر ضربها تكلمت فقالت أنت تنكحني بالليل وتركبني بالنهار ويلى منك ولو أنى أطقت الخروج لخرجت بك ولكن هذا الملك يحبسنى فقاتلهم يوشع يوم الجمعة قتالا شديدا حتى أمسوا وغربت الشمس ودخل السبت فدعا الله فقال للشمس انك في طاعة الله وأنا في طاعة الله اللهم اردد على الشمس فردت عليه الشمس فزيد له في النهار يومئذ ساعة فهزم الجبارين واقتحموا عليهم يقتلونهم فكانت العصابة من بنى اسرائيل يجتمعون على عنق الرجل يضربونها لا يقطعونها وجمعوا غنائمهم وأمرهم يوشع أن يقربوا الغنيمة فقربوها فلم تنزل النار تأكلها فقال يوشع يا بنى اسرائيل إن لله عزوجل عندكم طلبة هلموا فبايعوني فبايعه فلصقت يد رجل منهم بيده فقال هلم ما عندك فأتاه برأس ثور من ذهب مكلل بالياقوت والجوهر كان قد غله فجعله في القربان وجعل الرجل معه فجاءت النار فأكلت الرجل والقربان * وأما أهل التوراة فانهم يقولون هلك هارون وموسى في التيه وإن الله أوحى إلى يوشع بعد موسى وأمره أن يعبر

[ 311 ]

الاردن إلى الارض التى أعطاها بنى اسرائيل ووعدها إياهم وأن يوشع جد في ذلك ووجه إلى اريحا من تعرف خبرها ثم سار ومعه تابوت الميثاق حتى عبر الاردن وصار له ولاصحابه فيه طريق فأحاط بمدينة اريحا ستة أشهر فلما كان السابع نفخ في القرون وضج الشعب ضجة واحدة فسقط سور المدينة فاباحوها وأحرقوها وما كان فيها ما خلا الذهب الفضة وآنية النحاس والحديد فانهم أدخلوه بيت المال ثم ان رجلا من بنى اسرائيل غل شيئا فغضب الله عليهم وانهزموا فجزع يوشع جزعا شديدا فأوحى الله إلى يوشع أن يقرع بين الاسباط ففعل حتى انتهت القرعة إلى الرجل الذى غل فاستخرج غلوله من بيته فرجمه يوشع وأحرق كل ما كان له بالنار وسموا الموضع باسم صاحب الغلول وهو عاحر فالموضع إلى هذا اليوم غور عاحر ثم نهض بهم يوشع إلى ملك عايى وشعبه فارشدهم الله إلى حربه وأمر يوشع أن يكمن لهم كمينا ففعل وغلب على عايى وصلب ملكها على خشبة وأحرق المدينة وقتل من أهلها اثنى عشر الفا من الرجال والنساء واحتال اهل عماق جبعون ليوشع حتى جعل لهم امانا فلما ظهر على خديعتهم دعا الله عليهم ان يكونوا حطابين وسقائين فكانوا كذلك وان يكونون بازق ملك اورشلم يتصدق ثم ارسل ملوك الارمانيين وكانوا خمسة بعضهم إلى بعض وجمعوا كلهم على جبعون فاستنجد اهل جبعون يوشع فأنجدهم وهزموا أولئك الملوك حتى حذروهم إلى هبطة حوران ورماهم الله بأحجار البرد فكان من قتله البرد أكثر ممن قتله بنو إسرائيل بالسيف وسأل يوشع الشمس أن تقف والقمر ان يقوم حتى ينتقم من أعدائه قبل دخول السبت ففعلا ذلك وهرب الخمسة ملوك فاختفوا في غار فأمر يوشع بسد باب الغار حتى فرغ من الانتقام من أعدائه ثم أمر بهم فأخرجوا فقتلهم وصلبهم ثم أنزلهم من الخشب وطرحهم في الغار الذى كانوا فيه وتتبع سائر الملوك بالشام فاستباح منهم أحدا وثلاثين ملكا وفرق الارض التى غلب عليها ثم مات يوشع فلما مات دفن في جبل افراييم وقام بعده سبط يهوذا وسبط شمعون بحرب الكنعانيين فاستباحوا حريمهم وقتلوا منهم عشرة آلاف ببازق

[ 312 ]

وأخذوا ملك بازق فقطعوا إبهامى يديه ورجليه فقال عند ذلك ملك بازق قد كان يلقط الخبز من تحت مائدتي سبعون ملكا مقطعي الاباهيم فقسد جزاني الله بصنيعي وأدخلوا ملك بازق أورشلم فمات بها وحارب بنو يهوذا سائر الكنعانيين واستولوا على أرضهم وكان عمر يوشع مائة سنة وستا وعشرين سنة * وتدبيره أمر بنى إسرائيل منذ توفى موسى إلى أن توفى يوشع بن نون سبعا وعشرين سنة * وقد قيل إن أول من ملك من ملوك اليمن ملك كان لهم في عهد موسى بن عمران من حمير يقال له شمير بن الاملول وهو الذى بنى مدينة ظفار باليمن وأخرج من كان بها من العماليق وأن شمير بن الاملول الحميرى هذا ما كان من عمال ملك الفرس يومئذ على اليمن ونواحيها * وزعم هشام بن محمد الكلبى أن بقية بقيت من الكنعانيين بعد ما قتل يوشع من قتل منهم وأن افريقيس بن قيس بن صيفي ابن سبإ بن كعب بن زيد بن حمير بن سبإ بن يشجب بن يعرب بن قحطان مر بهم متوجها إل إفريقية فاحتملهم من سواحل الشام حتى أتى بهم إفريقية فافتتحها وقتل ملكها جرجيرا وأسكنها البقية التى كانت بقيت من الكنعانيين الذين كان احتملهم معه من سواحل الشام قال فهم البرابرة قال وإنما سموا بربرا لان افريقيس قال لهم ما أكثر بربرتكم فسموا لذلك بربرا وذكر أن افريقيس قال في ذلك من أمرهم شعرا وهو قوله بربرت كنعان لما سقتها * من أراضي الهلك للعيش العجب قال وأفام من حمير في البربر صنهاجة وكتامة فهم فيهم إلى اليوم ذكر أمر قارون بن يصهر بن قاهث وكان قارون ابن عم موسى عليه السلام * حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثنى حجاج عن ابن جريج قوله (إن قارون كان من قوم موسى) قال ابن عمه أخى أبيه قال قارون بن يصهر هكذا قال القاسم بن قاهث وموسى بن عرمر بن قاهث وعرمر بالعربية عمران هكذا قال القاسم وإنما هو عمرم * وأما

[ 313 ]

ابن إسحاق فانه قال ما حدثنا بن ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه تزوج يصهر بن قاهث شميث ابنة تباويب بن بركيا بن يقسان بن إبراهيم فولدت له عمران بن يصهر وقارون بن يصهر فقارون على ما قال ابن إسحاق عم موسى أخو أبيه لابيه وأمه وأما أهل العلم من سلف أمتنا ومن أهل الكتابين فعلى ما قال ابن جريج ذكر من حضرنا ذكره ممن قال ذلك من علمائنا الماضين * حدثنا أبو كريب قال حدثنا جابر بن نوح قال أخبرنا إسماعيل بن أبى خالد عن إبراهيم في قوله " إن قارون كان من قوم موسى " قال كان ابن عم موسى * حدثنا ابن بشار قال حدثنا عبد الرحمن قال حدثنا سفيان عن سماك بن حرب عن إبراهيم قال كان قارون ابن عم موسى * حدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبى عن سفيان عن سماك عن إبراهيم أن قارون كان من قوم موسى قال كان ابن عمه فبغى عليه * حدثنا ابن وكيع قال حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن سماك بن حرب عن إبراهيم قال كان قارون ابن عم موسى * حدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبو معاوية عن ابن أبى خالد عن إبراهيم قال إن قارون كان من قوم موسى قال كان ابن عمه * حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة قوله إن قارون كان من قوم موسى كنا نحدث أنه كان ابن عمه أخى أبيه وكان يسمى المنور من حسن صورته في التوراة ولكن عدو الله نافق كما نافق السامري فاهلكه البغى * حدثنى بشر بن هلال الصواف قال حدثنا جعفر بن سليمان الضبعى عن مالك ابن دينار قال بلغني أن موسى بن عمران كان ابن عم قارون وكان الله قد آتاه مالا كثيرا كما وصفه الله عزوجل فقال (وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولى القوة) يعنى بقوله تنوء تثقل وذكر أن مفاتيح خزائنه كانت كالذى حدثنا ابن حميد قال حدثنا جرير عن منصور عن خيثمة في قوله ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولى القوة قال نجد مكتبا في الانجيل مفاتيح قارون وقر ستين بغلا غرا محجلة ما يزيد مفتاح منها على أصبع لكل مفتاح منها كنز * حدثنى أبو كريب قال حدثنا هشام قال أخبرنا إسماعيل بن سالم عن أبى صالح

[ 314 ]

ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة قال كانت مفاتيح خزائنه تحمل على أربعين بغلا * حدثنا أبو كريب قال حدثنا جابر بن نوح قال أخبرنا الاعمش عن خيثمة قال كانت مفاتيح قارون تحمل على ستين بغلا كل مفتاح منها لباب كنز معلوم مثل الاصبع من جلود * حدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبى عن الاعمش عن خيثمة قال كانت مفاتيح قارون من جلود كل مفتاح مثل الاصبع كل مفتاح على خزانة على حدة فإذا ركب حملت المفاتيح على ستين بغلا أغر محجل فبغى عدو الله لما أراد الله به من الشقاء والبلاء على قومه بكثرة ماله وقيل إن بغيه عليهم كان بان زاد عليهم في الثياب شبرا كذلك * حدثنى على بن سعيد الكندى وأبو السائب وابن وكيع قالوا حدثنا حفص بن غياث عن ليث عن شهر بن حوشب فوعظه قومه على ما كان من بغيه ونهوه عنه وأمروه بإنفاق ما أعطاه الله في سبيله والعمل فيه بطاعته كما أخبر الله عزوجل عنهم أنهم قالوا له فقال (إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الارض إن الله لا يحب المفسدين) وعنى بقوله ولا تنس نصيبك من الدنيا لا تنس في دنياك أن تأخذ نصيبك فيها لاخرتك فكان جوابه إياهم جهلا منه واغترارا بحلم الله عنه ما ذكر الله تعالى في كتابه أن قال لهم إنما أوتيت ما أوتيت من هذه الدنيا على علم عندي فقيل معنى ذلك على خير عندي كذلك روى ذلك عن قتادة وقال غيره عنى بذلك لولا رضاء الله عنى ومعرفته بفضلي ما أعطاني هذا قال الله عزوجل مكذبا قيله (أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا) للاموال ولو كان الله إنما يعطى الاموال والدنيا من يعطيه إياها لرضاه عنه وفضله عنده لم يهلك من أهلك من أرباب الاموال الكثيرة قبله مع كثرة ما كان أعطاهم منها فلم يردعه عن جهله وبغيه على قومه بكثرة ماله عظة من وعظه وتذكير من ذكره بالله ونصيحته إياه ولكنه تمادى في غيه وخسارته حتى خرج على قومه في زينته راكبا برذونا أبيض مسرجا

[ 315 ]

بسرج الارجوان قد لبس ثيابا معصفرة قد حمل معه من الجوارى بمثل هيئته وزينته على مثل برذونه ثلثمائة جارية وأربعة آلاف من أصحابه وقال بعضهم كان الذين حملهم على مثل هيئته وزينته من أصحابه سبعين ألفا * حدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبو خالد الاحمر عن عثمان بن الاسود عن مجاهد فخرج على قومه في زينته قال على براذين بيض عليها سروج الارجوان وعليهم المعصفرة فتمنى أهل الخسار من الذين خرج عليهم في زينته مثل الذى أوتيه فقالوا يا ليت لنا مثل ما أوتى قارون إنه لذو حظ عظيم فأنكر ذلك من قولهم عليهم أهل العلم بالله فقالوا لهم ويلكم أيها المتمنون مثل ما أوتى قارون اتقوا الله واعملوا بما أمركم الله به وانتهوا عما نهاكم عنه فإن ثواب الله وجزاءه أهل طاعته خير لمن آمن به وبرسله وعمل بما أمره به من صالح الاعمال يقول الله ولا يلقاها إلا الصابرون يقول لا يلقى قيل هذه الكلمة إلا الذين صبروا عن طلب زينة الحياة الدنيا وآثروا جزيل ثواب الله على صالح الاعمال على لذات الدنيا وشهواتها فعملوا له بما يوجب لهم ذلك * فلما عتا الخبيث وتمادى في غيه وبطر نعمه ابتلاه الله عزوجل من الفريضة في ماله والحق الذى ألزمه فيه بما ساق إليه شحه به أليم عقابه وصار به عبرة للغابرين وعظة للباقين * فحدثنا أبو كريب قال حدثنا جابر بن نوح قال أخبرنا الاعمش عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث عن ابن عباس قال لما نزلت الزكاة أتى قارون موسى فصالحه على كل ألف دينار دينارا وعلى كل ألف درهم درهما وعلى كل ألف شئ شيئا أو قال وكل ألف شاة شاة * قال أبو جعفر الطبري أنا أشك قال ثم أتى بيته فحسبه فوجده كثيرا فجمع بنى إسرائيل فقال يا بنى إسرائيل إن موسى قد أمركم بكل شئ فأطعتموه وهو الآن يريد أن يأخذ أموالكم فقالوا له أنت كبيرنا وسيدنا فمرنا بما شئت فقال آمركم أن تجيئوا بفلانة البغى فتجعلوا لها جعلا فتقذفه بنفسها فدعوها فجعلوا لها جعلا على أن تقذفه بنفسها ثم أتى موسى فقال لموسى إن قومك قد اجتمعوا لتأمرهم وتنهاهم فخرج إليهم وهم في براح من الارض فقال يا بنى إسرائيل من سرق قطعنا يده ومن افترى جلدناه ثمانين ومن

[ 316 ]

زنا وليس له امرأة جلدناه مائة ومن زنا وله امرأة جلدناه حتى يموت أو رجمناه حتى يموت قال أبو جعفر أنا أشك فقال له قارون وإن كنت أنت قال وإن كنت أنا قال وإن بنى إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة فقال ادعوها فإن قالت فهو كما قالت فلما أن جاءت قال لها موسى يا فلانة قالت لبيك قال أنا فعلت بك ما يقول هؤلاء قالت لا كذبوا ولكن جعلوا إلى جعلا على أن أقذفك بنفسى فوثب فسجد وهو بينهم فأوحى الله إليه مر الارض بما شئت قال يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى أقدامهم ثم قال يا أرض خذيهم فاخذتهم إلى ركبهم ثم قال يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى أعناقهم قال فجعلوا يقولون يا موسى يا موسى ويتضرعون إليه قال يا أرض خذيهم فأطبقت عليهم فأوحى الله إليه يقول لك عبادي يا موسى يا موسى فلا ترحمهم أما لو إياى دعوا لوجدوني قريبا مجيبا قال فذلك قوله فخرج على قومه في زينته وكانت زينته أنه خرج على دواب شقر عليها سروج أرجوان عليهم ثياب مصبغة بالبهرمان قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتى قارون إلى قوله لا يفلح الكافرون يا محمد تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض ولا فسادا والعاقبة للمتقين * حدثنا أبو كريب قال حدثنا يحيى بن عيسى عن الاعمش عن المنهال عن رجل عن ابن عباس بنحوه وزادني فيه قال فأصاب بنى إسرائيل بعد ذلك شدة وجوع شديد فأتوا موسى فقالوا ادع لنا ربك قال فدعا لهم فأوحى الله إليه يا موسى أتكلمني في قوم قد أظلم ما بينى وبينهم من خطاياهم وقد دعوك فلم تجبهم أما لو إياى دعا لاجبتهم * حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثنا على بن هاشم بن البريد عن الاعمش عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله إن قارون كان من قوم موسى قال كان ابن عمه وكان موسى يقضى في ناحية بنى إسرائيل وقارون في ناحية قال فدعا بغية كانت في بنى إسرائيل فجعل لها جعلا عن أن ترمى موسى بنفسها فتركه حتى إذا كان يوم يجتمع فيه بنو إسرائيل إلى موسى أتاه قارون فقال يا موسى ما حد من سرق قال أن تقطع يده قال فإن كنت أنت قال نعم قال فما حد من زنا قال أن يرجم قال وإن كنت أنت قال نعم قال فإنك قد فعلت قال ويلك بمن

[ 317 ]

قال بفلانة فدعاها موسى فقال انشدك بالذى أنزل التوراة أصدق قارون قالت اللهم إذ نشدتني فانى أشهد أنك برئ وانك رسول الله وأن عدو الله قارون جعل لى جعلا على أن أرميك بنفسى قال فوثب موسى فخر ساجدا فأوحى الله إليه أن ارفع رأسك فقد أمرت الارض أن تطيعك فقال موسى خذيهم فأخذتهم حنى بلغوا الحقو قال يا موسى قال خذيهم فاخذتهم حتى بلغوا الصدور قال يا موسى قال خذيهم قال فذهبوا قال فأوحى الله إليه يا موسى استغاث بك فلم تغثه أمالو استغاث بى لاجبته ولاغثته * حدثنا بشر بن هلال الصواف قال حدثنا جعفر بن سليمان الضبعى قال حدثنا على بن زيد بن جدعان قال خرج عبد الله بن الحارث من الدار ودخل المقصورة فلما خرج منها جلس وتساند عليها وجلسنا إليه فذكر سليمان بن داود وقال يا أيها الملا أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين إلى قوله إن ربى غنى كريم قال ثم سكت عن حديث سليمان فقال إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وكان قد أوتى من الكنوز ما ذكره الله في كتابه ما ان مفاتحه لتنوء بالعصبة أولى القوة فقال إنما أوتيته على علم عندي قال وعاد موسى وكان مؤذيا له فكان موسى يصفح عنه ويعفو للقرابة حتى بنى دارا وجعل باب داره من ذهب وضرب على جدر داره صفائح الذهب وكان الملا من بنى اسرائيل يغدون عليه ويروحون فيطعمهم الطعام ويحدثونه ويضحكونه فلم يدعه شقوته والبلاء حتى أرسل إلى امرأة من بنى اسرائيل مشهورة بالخنا مشهورة بالسب فجاءت فقال لها هل لك أن أمولك وأعطيك وأخلطك بنسائي على أن تأتيني والملا من بنى اسرائيل عندي فتقولي يا قارون ألا تنهى عنى موسى قالت بلى فلما جلس قارون وجاءه الملا من بنى اسرائيل أرسل إليها فجاءت فقامت بين يديه فقلب الله قلبها وأحدث لها توبة فقالت في نفسها لا أجد اليوم توبة أفضل من أن لا أوذى رسول الله وأعذب عدو الله فقالت إن قارون قال لى هل لك أن أمولك وأعطيك أخلطك بنسائي على أن تأتيني والملا من بنى اسرائيل عندي فتقولي يا قارون ألا تنهى عنى موسى فلم أجد توبة أفضل من أن لا أوذى رسول الله وأعذب عدو الله فلما تكلمت

[ 318 ]

بهذا الكلام سقط في يدى قارون ونكس رأسه وسكت عن الملا وعرف أنه قد وقع في هلكة فشاع كلامها في الناس حتى بلغ موسى فلما بلغ موسى اشتد غضبه فتوضأ من الماء وصلى وبكى وقال يا رب عدوك لى مؤذ أراد فضيحتي وشينى يا رب سلطني عليه فأوحى الله إليه أن مر الارض بما شئت تطعك فجاء موسى إلى قارون فلما دخل عليه عرف الشر في وجه موسى له فقال له يا موسى ارحمنى قال يا أرض خذيهم قال فاضطربت داره وساخت بقارون وأصحابه إلى الكعبين وجعل يقول يا موسى ارحمنى قال يا أرض خذيهم فاضطربت داره وساخت وخسف بقارون وأصحابه إلى ركبهم وهو يتضرع إلى موسى يا موسى ارحمنى قال يا أرض خذيهم فاضطربت داره وساخت وخسف بقارون وأصحابه إلى سررهم وهو يتضرع إلى موسى يا موسى ارحمنى قال يا أرض خذيهم فخسف به وبداره وأصحابه قال وقيل لموسى يا موسى ما أفظك أما وعزتي لو إياى نادى لاجبته * حدثنا بشر بن هلال قال حدثنا جعفر بن سليمان عن أبى عمران الجونى قال بلغني انه قيل لموسى لا أعيد الارض لاحد بعدك أبدا * حدثنا بشر قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة فخسفنا به وبداره الارض ذكر لنا أنه يخسف به كل يوم قامة وأنه يتجلجل فيها لا يبلغ قعرها إلى يوم القيامة فلما نزلت نقمة الله بقارون حمد الله على ما أنعم به عليهم المؤمنون الذين وعظوه وأنذروه بأمر الله ونصحوا له من المعرفة بحقه والعمل بطاعته وندم الذين كانوا يتمنون ما هو فيه من كثرة المال والسعة في العيش على أمنيتهم وعرفوا خطأ أنفسهم في أمنيتها فقالوا ما أخبر الله عزوجل عنهم في كتابه (ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا) * فصرف عنا ما ابتلى به قارون وأصحابه مما كنا نتمناه بالامس لخسف بنا كما خسف به وبهم فنجى الله تعالى من كل هول وبلاء نبيه موسى والمؤمنين به المتمسكين بعهده من بنى اسرائيل وفتاه يوشع بن نون المتبعين له بطاعتهم ربهم وأهلك أعداءه وأعداءهم فرعون هامان وقارون والكنعانيين يكفرهم وتمردهم عليه وعتوهم بالغرق بعضا وبالخسف بعضا وبالسيف بعضا وجعلهم

[ 319 ]

عبرا لمن اعتبر بهم وعظة لمن اتعظ بهم مع كثرة أموالهم وكثرة عدد جنودهم وشدة بطشهم وعظم خلقهم وأجسامهم فلم تغن أموالهم ولا أجسامهم ولا قواهم ولا جنودهم وأنصارهم عنهم من الله شيئا إذ كانوا يجحدن بآيات الله ويسعون في الارض فسادا ويتخذون عباد الله لانفسهم خولا وحاق بهم ما كانوا منه آمنين نعوذ بالله من عمل يقرب من سخطه ونرغب إليه في التوفيق لما يدنى من محبته ويزلف إلى رحمته * وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم ما حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب قال حدثنا عمى قال حدثنى الماضي بن محمد عن أبى سليمان عن القاسم بن محمد عن أبى إدريس الخولانى عن أبى ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أول أنبياء بنى اسرائيل موسى وآخرهم عيسى قال قلت يا رسول الله ما كان في صحف موسى قال كانت عبرا كلها عجبت لمن أيقن بالنار ثم يضحك عجبت لمن أيقن بالموت ثم يفرح عجبت لمن أيقن بالحساب غدا ثم لم يعمل * وكان تدبير يوشع أمر بنى اسرائيل من لدن مات موسى إلى أن توفى يوشع كله في زمان منوشهر عشرين سنة وفى زمان افراسيات سبع سنين (ونرجع الآن) إلى ذكر القائم بالملك ببابل من الفرس بعد منوشهر ذكر القائم بالملك ببابل من الفرس بعد منوشهر إذ كان التاريخ إنما تدرك صحته على سياق مدة أعمار ملوكهم ولما هلك منوشهر الملك ابن منشخورنر بن منشخو أربغ قهر فراسيات بن فشنج بن رستم بن ترك على خنيارث ومملكة أهل فارس وصار فيما قيل إلى أرض بابل فكان يكثر المقام ببابل وبمهرجان قذق فاكثر الفساد في مملكة أهل فارس وقيل إنه قال حين غلب على مملكتهم نحن مسرعون في إهلاك البرية وأنه عظم جوره وظلمه وخرب ما كان عامرا من بلاد خنارث ودفن الانهار والقنى وقحط الناس في سنة خمس من ملكه إلى أن خرج عن مملكة أهل فارس ورد إلى بلاد الترك فغارت المياه في تلك السنين وحالت الاشجار المثمرة ولم يزل الناس منه في أعظم البلية إلى

[ 320 ]

أن ظهر زوبن طهماسب وقد يلفظ باسم زو بغير ذلك فيقول بعضهم * زاب بن طهماسفان ويقول بعضهم زاغ ويقول بعضهم راسب بن طهماسب بن كانجو بن زاب بن أرفس بن هراسف بن وندنج بن أرنج بن بوذجوش بن ميسو بن نوذر بن منوشهر وأم زو ما دول ابنة وامن بن واذرجا بن قود بن سلم بن أفريذون وقيل إن منوشهر كان وجد في أيام ملكه على طهماسب بسبب جناية جناها وهو مقيم في حدود الترك لحرب فراسيات فاراد منوشهر قتله بسبب ذلك فكلمه في الصفح عنه عظماء أهل مملكته وكان من عدل منوشهر فيما ذكر أنه قد كان يسوى بين الشريف والوضيع والقريب والبعيد في العقوبة إذا استوجبها بعض رعيته على ذنب أتاه فأبى إجابتهم إلى ما سألوه من ذلك وقال لهم هذا في الدين وهن ولكنكم إذ أبيتم على فإنه لا يسكن في شئ من مملكتي ولا يقيم به فنفاه عن مملكته فشخص إلى بلاد الترك فوقع إلى ناحية وامن فاحتال لابنته وهى محبوسة في قصر من أجل أن المنجمين كانوا ذكروا لو امن أبيها أنها تلد ولدا يقتله حتى أخرجها من القصر الذى كانت محبوسة فيه بعد أن حملت منه بن وثم إن منوشهر أذن لطهماسب بعد أن انقضت أيام عقوبته في العود إلى خنارث مملكة فارس فأخرج ما دول ابنة وامن بالحيلة منها ومنه في إخراجها من قصرها من بلاد الترك إلى مملكة أهل فارس فولدت له زوا بعد العود إلى بلاد إيرانكرد ثم إن زوا فيما ذكر قتل جده وأمن في بعض مغازيه الترك وطرد فراسيات عن مملكة أهل فارس حتى رده إلى الترك بعد حروب جرت بينه وبينه وقتال فكانت غلبة فراسيات أهل فارس على أقليم بابل اثنتى عشرة سنة من لدن توفى منوشهر إلى أن طرده عنه وأخرجه زوبن ظهماسب إلى تركستان وذكر أن طرد زوفراسيات عما كان عليه من مملكة أهل فارس كان في روز آبان من شهر آبانماه فاتخذ العجم هذا اليوم عيدا لما رفع عنهم فيه من شر فراسيات وعسفه وجعلوه الثالث من أعيادهم النوروز والمهرجان وكان زو محمودا في ملكه محسنا إلى رعيته فأمر بإصلاح ما كان فراسيات افسد من بلاد خنارث ومملكة بابل وبناء ما كان هدم من حصون

[ 321 ]

ذلك ونثل ما كان طم وغور من الانهار والقنى وكرى ماكان اندفن من المياه حتى أعاد كل ذلك فيما ذكر إلى أحسن ما كان ووضع عن الناس الخراج سبع سنين فرفعه عنهم فعمرت بلاد فارس في ملكه وكثرت المياه فيها ودرت معايش أهلها واستخرج بالسواد نهرا وسماه الزاب وأمر فبنيت على حافتيه مدينة وهى التى تسمى المدينة العتيقة وكورها كورة وسماها الزوابى وجعل لها ثلاثة طساسيج منها طسوج الزاب الاعلى ومنها طسوج الزاب الاوسط ومنها طسوج الراب الاسفل وأمر بحمل بزور الرياحين من الجبال إليها وأصول الاشجار وبذر ما يبذر من ذلك وغرس ما يغرس منه وكان أول من اتخذ له ألوان الطبيخ وأمر بها وبأصناف الاطعمة وأعطى جنوده مما غنم من الخيل والركاب مما أوجف عليه من أموال الترك وغيرهم وقال يوم ملك وعقد التاج على رأسه نحن متقدمون في عمارة ما أخر به الساحر فراسيات وكان له كرشاسب بن أثرط بن سهم بن نريمان بن طورك بن شيراسب بن اروشسب بن طوج بن افريذون الملك وقد نسبه بعض نسابى الفرس غير هذا النسب فيقول هو كرشاسف بن أساس بن طهموس بن أشك بن نرس بن رحر بن دورسرو بن منوشهر الملك موازرا له على ملكه ويقول بعضهم كان زوو كرشاسب مشتركين في الملك والمعروف من أمرهما أن الملك كان لزو بن طهماسب وأن كرشاسب كان له موازرا ومعينا وكان كرشاسب عظيم الشأن في أهل فارس غير أنه لم يملك فكان جميع ملك زو إلى أن انقضى ومات فيما قيل ثلاث سنين * ثم ملك بعد زو كيقباذ وهو كيقباذ بن زاغ بن نوحياه بن ميسو ابن نوذر بن منوشهر وكان متزوجا بقرتك ابنة تدرسيا التركي وكان تدرسيا من رؤس الاتراك وعظمائهم فولدت له كى افنه وكى كاوس وكى أرش وكيبه أرش وكيفا شين وكيبيه وهؤلاء هم الملوك الجبابرة وآباء الملوك الجبابرة وقيل إن كيقباذ قال يوم ملك وعقد التاج على رأسه نحن مدوخون بلاد الترك ومجتهدون في إصلاح بلادنا حدبون عليها وأنه قد رمياه الانهار والعيون لشرب الارضين وسمى البلاد بأسمائها حدها بحدودها وكور الكور وبين حين كل وكورة منها

[ 322 ]

وحريمها وأمر الناس باتخاذ الارض وأخذ العشر من غلاتها لارزاق الجند وكان فيما ذكر كيقباذ يشبه في حرصه على العمارة ومنعه البلاد من العدو وتكبره في نفسه بفرعون وقيل إن الملوك الكيبية وأولادهم من نسله وجرت بينه وبين الترك وغيرهم حروب كثيرة وكان مقيما في حد ما بين مملكة الفرس والترك بالقرب من نهر بلخ لمنع الترك من تطرق شئ من حدود فارس وكان ملكه مائة سنة والله أعلم * ونرجع الان إلى ذكر أمر بنى إسرائيل والقوام كانوا بامورهم بعد يوشع بن نون والاحداث التى كانت في عهد زوو كيقباذ ولا خلاف بين أهل العلم بأخبار الماضين وأمور الامم السالفين من أمتناو غيرهم أن القيم بأمور بنى اسرائيل بعد يوشع كان كالب بن يوفنا ثم حزقيل بن بوذى من بعده وهو الذى يقال له ابن العجوز * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحق قال انما سمى حزقيل بن بوذى بن العجوز أنها سألت الله الولد وقد كبرت وعقمت فوهبه الله لها فبذلك قيل له ابن العجوز وهو الذى دعا للقوم الذين ذكر الله في الكتاب لمحمد صلى الله عليه وسلم كما بلغنا (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم الوف حذر الموت) * حدثنى محمد بن سهل بن عسكر قال حدثنا اسماعيل بن عبد الكريم قال حدثنى عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه يقول أصاب ناسا من بنى اسرائيل بلاء وشدة من الزمان فشكوا ما أصابهم فقالوا يا ليتنا قدمتنا فاسترحنا مما نحن فيه فأوحى الله إلى حزقيل إن قومك صاحوا من البلاء وزعموا أنهم ودوا لو ماتوا فاستراحوا وأى راحة لهم في الموت أيظنون أنى لا أقدر على أن أبعثهم بعد الموت فانطلق إلى جبانة كذا وكذا فإن فيها أربعة آلاف * قال وهب وهم الذين قال الله تعالى (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت) فقم فيهم فنادهم وكانت عظامهم قد تفرقت فرقتها الطير والسباع فناداها حزقيل فقال يا أيتها العظام النخرة إن الله عزوجل يأمرك أن تجتمعي فاجتمع عظام كل إنسان منهم معا ثم نادى ثانية حزقيل فقال

[ 323 ]

أيتها العظام إن الله يأمرك أن تكتسي اللحم فاكتست اللحم وبعد اللحم جلدا فكانت أجسادا ثم نادى حزقيل الثالثة فقال أيتها الارواح إن الله يامرك أن تعودي في أجسادك فقاموا باذن الله وكبروا تكبيرة واحدة * حدثنى موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا اسباط عن السدى في خبر ذكره عن أبى مالك وعن أبى صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم كانت قرية يقال لها داوردان قبل واسط فوقع بها الطاعون فهرب عامة أهلها فنزلوا ناحية منها فهلك أكثر من بقى في القرية وسلم الآخرون فلم يمت منهم كثير فلما ارتفع الطاعون رجعوا سالمين فقال الذين بقوا أصحابنا هؤلاء كانوا أحزم منا لو صنعنا كما صنعوا بقينا ولئن وقع الطاعون ثانية لنخرجن معهم فوقع في قابل فهربوا وهم بضعة وثلاثون ألفا حتى نزلوا ذلك المكان وهو واد أفيح فناداهم ملك من أسفل الوادي وآخر من أعلاه أن موتوا فماتوا حتى هلكوا وبليت أجسادهم فمر بهم نبى يقال له حزقيل فلما رآهم وقف عليهم فجعل يتفكر فيهم ويلوى شدقه وأصابعه فأوحى الله إليه يا حزقيل تريد أن أريك كيف أحييهم قال نعم وإنما كان تفكره انه تعجب من قدرة الله عليهم فقال نعم فقيل له ناد فنادى يا أيتها العظام إن الله يأمرك أن تجتمعي فجعلت العظام يطير بعضها إلى بعض حتى كانت أجسادا من عظام ثم أوحى الله أن ناد يا أيتها العظام إن الله يأمرك أن تكتسي لحما فاكتست لحما ودما وثيابها التى ماتت فيها وهى عليها ثم قيل له ناد فنادى يا أيتها الاجساد إن الله يأمرك أن تقومي فقاموا * حدثنى موسى قال حدثنا عمرو قال حدثنا اسباط قال فزعم منصور بن المعتمر عن مجاهد انهم قالوا حين أحيوا سبحانك ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت فرجعوا إلى قومهم أحياء يعرفون انهم كانوا موتى سحنة الموت على وجوههم لا يلبسون ثوبا الاعاد دسما مثل الكفن حتى ماتوا لآجالهم التى كتبت لهم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا حكام عن عنبسة عن أشعث عن سالم النصرى قال بينما عمر بن الخطاب

[ 324 ]

يصلى ويهوديان خلفه وكان عمر إذا أراد أن يركع خوى فقال أحدهما لصاحبه أهو هو قال فلما انفتل عمر قال أرأيت قول أحدكما لصاحبه أهو هو فقالا انا نجد في كتابنا قرنا من حديد يعطى ما أعطى حزقيل الذى أحيا الموتى باذن الله فقال عمر ما نجد في كتابنا حزقيل ولا أحيا الموتى باذن الله إلا عيسى ابن مريم فقالا أما تجد في كتاب الله (ورسلا لم نقصصهم عليك) فقال عمر بلى قالا وأما إحياء الموتى فسنحدثك إن بنى اسرائيل وقع فيهم الوباء فخرج منهم قوم حتى إذا كانوا على رأس ميل أماتهم الله فبنوا عليهم حائطا حتى إذا بليت عظامهم بعث الله حزقيل فقام عليهم فقال ما شاء الله فبعثهم الله له فانزل الله في ذلك " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت " الآية * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن اسحق عن وهب بن منبه أن كالب بن يوفنا لما قبضه الله بعد يوشع خلف فيهم يعنى في بنى اسرائيل حزقيل بن بوذى وهو ابن العجوز وهو الذى دعا للقوم الذين ذكر الله في الكتاب لمحمد صلى الله عليه وسلم كما بلغنا ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم الآية * قال ابن حميد قال سلمة قال ابن اسحق فبلغني انه كان من حديثهم انهم خرجوا فرارا من بعض الاوباء من الطاعون أو من سقم كان يصيب الناس حذرا من الموت وهم ألوف حتى إذا نزلوا بصعيد من البلاد قال الله لهم موتوا فماتوا جميعا فعمد أهل تلك البلاد فحظروا عليهم حظيرة دون السباع ثم تركوهم فيها وذلك انهم كثروا عن أن يغيبوا فمرت بهم الازمان والدهور حتى صاروا عظاما نخرة فمر بهم حزقيل بن بوذى فوقف عليهم فتعجب لامرهم ودخلته رحمة لهم فقيل له أتحب أن يحييهم الله فقال نعم فقيل له فقل أيتها العظام الرميم التى قد رمت وبليت ليرجع كل عظم إلى صاحبه فناداهم بذلك فنظر إلى العظام تتواثب يأخذ بعضها بعضا ثم قيل له قل أيها اللحم والعصب والجلد اكس العظام بإذن ربك قال فنظر إليها والعصب يأخذ العظام ثم اللحم والجلد والاشعار حتى استووا خلقا ليست فيهم الارواح ثم دعا لهم بالحياة فتغشاه من السماء شئ كربه حتى غشى عليه منه ثم أفاق والقوم جلوس يقولون سبحان الله فقد أحياهم الله فلم يذكر لنا

[ 325 ]

مدة مكث حزقيل في بنى إسرائيل ولما قبض الله حزقيل كثرت الاحداث فيما ذكر في بنى إسرائيل وتركوا عهد الذى عهد إليهم في التوراة وعبد وا الاوثان فبعث الله إليهم فيما قيل إلياس ابن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق ثم إن الله عزوجل قبض حزقيل وعظمت في بنى إسرائيل الاحداث ونسوا ما كان من عهد الله إليهم حتى نصبوا الاوثان وعبد وها من دون الله فبعث الله إليهم إلياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار ابن هارون بن عمران نبيا وإنما كانت الانبياء من بنى إسرائيل بعد موسى يبعثون إليهم بتجديد ما نسوا من التوراة فكان إلياس مع ملك من ملوك بنى إسرائيل يقال له أحاب وكان اسم امرأته أزبل وكان يسمع منه ويصدقه وكان إلياس يقيم له أمره وكان سائر بنى إسرائيل قد اتخذوا صنما يعبدونه من دون الله يقال له بعل قال ابن اسحاق وقد سمعت بعض أهل العلم يقول ما كان بعل إلا امرأة يعبدونها من دون الله يقول الله لمحمد صلى الله عليه وسلم (وإن إلياس لمن المرسلين إذ قال لقومه ألا تتقون - إلى - ورب آبائكم الاولين) فجعل الياس يدعوهم إلى الله عزوجل وجعلوا لا يسمعون منه شيئا إلا ما كان من ذلك الملك والملوك متفرقة بالشأم كل ملك له ناحية منها يأكلها فقال ذلك الملك الذى كان الياس معه يقوم له بأمره ويراه على هدى من بين أصحابه يوما يا الياس والله ما أرى ما تدعو إليه الا باطلا والله ما أرى فلانا وفلانا يعد ملوكا من ملوك بنى اسرائيل قد عبد وا الاثان من دون الله إلا على مثل ما نحن عليه يأكلون ويشربون ويتنعمون مملكين ما ينقص دنياهم أمرهم الذى تزعم أنه باطل وما نرى لنا عليهم من فضل فيزعمون والله أعلم أن الياس استرجع وقام شعر رأسه وجلده ثم رفضه وخرج عنه ففعل ذلك الملك فعل أصحابه عبد الاوثان وصنع ما يصنعون

[ 326 ]

فقال الياس اللهم ان بنى اسرائيل قد أبو ا إلا الكفر بك والعبادة لغيرك فغير ما بهم من نعمتك أو كما قال * فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد ابن اسحاق قال ذكر لى أنه أوحى إليه انا قد جعلنا أمر أرزاقهم بيدك واليك حتى تكون أنت الذى تأمر في ذلك فقال الياس اللهم فامسك عنهم المطر فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت الماشية والدواب والهوام والشجر وجهد الناس جهدا شديداو كان الياس فيما يذكرون حين دعا بذلك على بنى اسرائيل قد استخفى شفقا على نفسه منهم وكان حيث ما كان وضع له رزق فكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في دار أو بيت قالوا لقد دخل الياس هذا المكان فطلبوه ولقى أهل ذلك المنزل منهم شرا ثم إنه أوى ليلة إلى امرأة من بنى اسرائيل لها ابن يقال له اليسع بن أخطوب به ضر فآوته وأخفت أمره فدعا الياس لانها فعوفى من الضر الذى كان به واتبع اليسع الياس فآمن به وصدقه ولزمه فكان يذهب معه حيثما ذهب وكان الياس قد أسن وكبر وكان اليسع غلاما شابا فيزعمون والله أعلم أن الله أوحى إلى الياس انك قد أهلكت كثيرا من الخلق ممن لم يعص سوى بنى اسرائيل ممن لم أكن أريد هلاكه بخطايا بنى اسرائيل من البهائم والدواب والطير والهوام والشجر بحبس المطر عن بنى اسرائيل فيزعمون والله أعلم أن الياس قال أي رب دعني أكن انا الذى ادعو لهم به واكن انا الذى آتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء الذى اصابهم لعلهم ان يرجعوا وينزعوا عماهم عليه من عبادة غيرك قيل له نعم فجاء الياس إلى بنى اسرائيل فقال لهم انكم قد هلكتم جهدا وهلكت البهائم والدواب والطير والهوام والشجر بخطاياكم وانكم على باطل وغرور أو كما قال لهم فإن كنتم تحبون ان تعلموا ذلك وتعلموا ان الله عليكم ساخط فيما انتم عليه وان الذى ادعوكم إليه الحق فاخرجوا باصنامكم هذه التى تعبدون وتزعمون انها خير مما ادعوكم إليه فان استجابت لكم فذلك كما تقولون وان هي لم تفعل علمتم انكم على باطل فنزعتم فدعوت الله ففرج عنكم ما انتم فيه من البلاء قالوا انصفت فخرجوا باوثانهم وما يتقربون به لى الله من احداثهم

[ 327 ]

التى لا يرضى فدعوها فلم يستجب لهم ولم يفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء حتى عرفوا ما هم عليه من الضلالة والباطل ثم قالوا لالياس يا الياس إنا قد هلكنا فادع الله لنا فدعا لهم الياس بالفرج مما هم فيه وان يسقوا فخرجت سحابة مثل الترس بإذن الله على ظهر البحر وهم ينظرون ثم ترامى إليه السحاب ثم ادجنت ثم ارسل الله المطر فاغاثهم فحييت بلادهم وفرج عنم ما كانوا فيه من البلاء فلم ينزعوا ولم يرجعوا وأقاموا على أخبث ما كانوا عليه فلما رأى ذلك الياس من كفرهم دعا ربه أن يقبضه إليه فيريحه منهم فقل له فيما يزعمون انظر يوم كذا وكذا فاخرج فيه إلى بلد كذا وكذا فما جاءك من شئ فاركبه ولا تهبه فخرج الياس وخرج معه اليسع بن أخطوب حتى إذا كان بالبلد الذى ذكر له في المكان الذى أمر به أقبل فرس من نار حتى وقف بين يديه فوثب عليه فانطلق به فناداه اليسع يا الياس يا الياس ما تأمرني فكان آخر عهدهم به فكساه الله الريش وألبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وطار في الملائكة فكان انسيا ملكيا أرضيا سمائيا * ثم قام بعد الياس بأمر بنى اسرائيل فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال كما ذكر لى عن وهب بن منبه قال ثم نبئ فيهم يعنى في بنى إسرائيل بعده يعنى الياس اليسع فكان فيهم ما شاء الله أن يكون ثم قبضه الله إليه وخلفت فيهم الخلوف وعظمت فيهم الخطايا وعندهم التابوت يتوارثونه كابرا عن كابر فيه السكينة وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون فكانوا لا يلقاهم عدو فيقدمون التابوت ويزحفون به معهم إلا هزم الله ذلك العدو والسكينة فيما ذكر ابن اسحاق عن وهب بن منبه عن بعض أهل العلم من بنى إسرائيل رأس هرة ميتة فإذا صرخت في التابوت بصراخ هر أيقنوا بالنصر وجاءهم الفتح ثم خلف فيهم ملك يقال له ايلاف وكان الله قد بارك لهم في جبلهم من ايليا لا يدخله عليهم عدو ولا يحتاجون معه إلى غيره فكان أحدهم فيما يذكرون يجمع التراب على الصخرة ثم ينبذ فيه الحب فيخرج الله له ما يأكل سنة هو وعياله ويكون لاحدهم الزيتونة فيعتصر منها ما يأكل هو وعياله سنة فلما عظمت احداثهم وتركوا عهد الله إليهم نزل بهم عدو فخرجوا إليه

[ 328 ]

وأخرجوا التابوت كما كانوا يخرجونه ثم زحفوا به فقوتلوا حتى استلب من أيديهم فأتى ملكهم إيلاف فأخبر أن التابوت قد أخذوا استلب فمالت عنقه فمات كمدا عليه فمرج أمرهم بينهم واختلف ووطئهم عدوهم حتى أصيب من أبنائهم ونسائهم فمكثوا على اضطراب من أمرهم واختلاف من أحوالهم يتمادون أحيانا في غيهم وضلالهم فسلط الله عليهم من ينتقم به منهم * ويراجعون التوبة أحيانا فيكفيهم الله شر من بغاهم سوءا حتى بعث الله فيهم طالوت ملكا ورد عليهم تابوت الميثاق وكانت مدة ما بين وفاة يوشع بن نون التى كان أمر بنى اسرائيل في بعضها إلى القضاة منهم والساسة وفى بعضا إلى غيرهم ممن يقهرهم فيتملك عليهم من غيرهم إلى أن ثبت الملك فيهم ورجعت النبوة إليهم بشمويل بن بالى أربعمائة سنة وستين سنة فكان أول من سلط عليهم فيما قيل رجل من نسل لوط يقال له كوشان فقهرهم وأذلهم ثمانى سنين ثم تنقذهم من يده أخ لكالب الاصغر يقال له عتنيل بن قيس فقام بأمرهم فيما قيل أربعين سنة ثم سلط عليهم ملك يقال له عجلون فملكهم ثمانى عشرة سنة ثم تنقذهم منه فيما قيل رجل من سبط بنيامين يقال له اهود بن جيرا الاشل اليمنى فقام بأمرهم ثمانين سنة ثم سلط عليهم ملك من الكنعانيين يقال له يافين فملكهم عشرين سنة ثم تنقذهم فيما قيل امرأة نبية من أنبيائهم يقال لها دبورا فدبر أمرهم فيما قيل رجل من قبلها يقال له باراق أربعين سنة ثم سلط عليهم قوم من نسل لوط كانت منازلهم في تخوم الحجاز فملكوهم سبع سنين ثم تنقذهم منهم رجل من ولد نفثالى بن يعقوب يقال له جد عون بن يواش فدبر أمرهم أربعين سنة ثم دبر أمرهم من بعد جد عون ابنه ابي ملك بن جد عون ثلاث سنين ثم دبرهم من بعد ابي ملك تولغ بن فوا بن خال ابي ملك وقيل إنه ابن عمه ثلاثا وعشرين سنة ثم دبر أمرهم بعد تولغ رجل من بنى اسرائيل يقال له يائير اثنتين وعشرين سنة ثم ملكهم بنو عمون وهم قوم من أهل فلسطين ثمانى عشرة سنة ثم قام بأمرهم رجل منهم يقال له يفتح ست سنين ثم دبرهم من بعده بجشون وهو رجل من بنى اسرائيل سبع سنين ثم

[ 329 ]

دبرهم بعده ألون عشر سنين ثم بعده كيرون ويسميه بعضهم عكرون ثمانى سنين ثم قهرهم أهل فلسطين وملوكهم أربعين سنة * ثم وليهم شمسون وهو من بنى اسرائيل عشرين سنة ثم بقوا بغير رئيس ولا مدبر لامرهم بعد شمسون فيما قيل عشر سنين ثم دبر أمرهم بعد ذلك عالى الكاهن وفى أيامه غلب أهل غزة وعسقلان على تابوت الميثاق فلما مضى من وقت قيامه بأمرهم أربعين سنة بعث شمويل نبيا فدبر شمويل أمرهم فيما ذكر عشر سنين ثم سألوا شمويل حين نالهم بالذل والهوان بمعصيتهم ربهم أعداؤهم أن يبعث لهم ملكا يجاهدون معه في سبيل الله فقال لهم شمويل ما قد قص الله في كتابه العزيز ذكر خبر شمويل بن بالى بن علقمة بن يرخام بن اليهو ابن تهو بن صوف وطالوت وجالوت كان من خبر شمويل بن بالى أن بنى اسرائيل لما طال عليهم البلاء وأذلتهم الملوك من غيرهم ووطئت بلادهم وقتلوا رجالهم وسبوا ذراريهم وغلبوهم على التابوت الذى فيه السكينة وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون وبه كانوا ينصرون إذا لقوا العدو رغبوا إلى الله عزوجل في أن يبعث لهم نبيا يقيم أمرهم فحدثني موسى بن هارون الهمداني قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا اسباط عن السدى في خبر ذكره عن أبى مالك وأبى صالح عن ابن عباس عن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت بنو اسرائيل يقاتلون العمالقة وكان ملك العمالقة جالوت وأنهم ظهروا على بنى اسرائيل فضربوا عليهم الجزية وأخذوا توراتهم فكانت بنو اسرائيل يسئلون الله أن يبعث لهم نبيا يقاتلون معه وكان سبط النبوة قد هلكوا فلم يبق منهم إلا امرأة حبلى فأخذوها فحبسوها في بيت رهبة أن تلد جارية فتبدله بغلام لما ترى من رغبة بنى اسرائيل في ولدها فجعلت المرأة تدعو الله أن يرزقها غلاما فولدت غلاما فسمته شمعون تقول الله سمع دعائي فكبر الغلام فأسلمته يتعلم التوراة في بيت المقدس وكفله شيخ من علمائهم وتبناه فلما بلغ الغلام أن يبعثه الله نبيا

[ 330 ]

أتاه جبرائيل والغلام نائم إلى جنب الشيخ وكان لا يأتمن عليه أحدا غيره فدعا بلحن الشيخ يا شمويل فقام الغلام فزعا إلى الشيخ فقال يا أبتاه دعوتني فكره الشيخ أن يقول لا فيفزع الغلام فقال يا بنى ارجع فنم فرجع الغلام فنام ثم دعاه الثانية فأتاه الغلام ايضا فقال دعوتني فقال ارجع فنم فإن دعوتك الثالثة فلا تجبني فلما كانت الثالثة ظهر له جبرائيل عليه السلام فقال اذهب إلى قومك فبلغهم رسالة ربك فان الله قد بعثك فيهم نبيا فلما أتاهم كذبوه وقالوا استعجلت بالنبوة ولم نبالك وقالوا إن كنت صادقا فابعث لنا ملكا يقاتل في سبيل الله آية من نبوتك قال لهم شمعون عسى إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا بأداء الجزية فدعا الله فأتى بعصا تكون مقدارا على طول الرجل الذى يبعث فيهم ملكا فقال إن صاحبكم يكون طوله طول هذه العصا فقاسوا أنفسهم بها فلم يكونوا مثلها وكان طالوت رجلا سقاء يستقى على حمار له فضل حماره فانطلق يطلبه في الطريق فلما رأوه دعوه فقاسوه بها فكان مثلها وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قال القوم ما كنت قط أكذب منك الساعة ونحن من سبط المملكة وليس هو من سبط المملكة ولم يؤت أيضا سعة من المال فنتبعه لذلك فقال النبي إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم فقالوا فان كنت صادقا فأتيا بآية ان هذا ملك قال إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون والسكينة طست من ذهب يغسل فيها قلوب الانبياء أعطاها الله موسى وفيها وضع الالواح وكانت الالواح فيما بلغنا من در وياقوت وزبر جد وأما البقية فإنها عصا موسى ورضاضة الالواح فأصبح التابوت وما فيه في دار طالوت فآمنوا بنبوة شمعون وسلموا الملك لطالوت * حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثنى حجاج عن ابن جريج قال قال ابن عباس جاءت الملائكة بالتابوت تحمله بين السماء والارض وهم ينظرون إليه حتى وضعته عند طالوت * حدثنى يونس قال أخبرنا ابن وهب قال قال

[ 331 ]

ابن زيد نزلت الملائكة بالتابوت نهارا ينظرون إليه عيانا حتى وضعوه بين أظهرهم قال فاقروا غير راضين وخرجوا ساخطين (رجع الحديث إلى حديث السدى) فخرجوا معه وهم ثمانون ألفا وكان جالوت من أعظم الناس وأشدهم بأسا فخرج يسير بين يدى الجند ولا يجتمع إليه أصحابه حتى يهزم هو من لقى فلما خرجوا قال لهم طالوت إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس منى ومن لم يطعمه فإنه منى وهو نهر فلسطين فشربوا منه هيبة من جالوت فعبر معه منهم أربعة آلاف ورجع ستة وسبعون ألفا فمن شرب منه عطش ومن لم يشرب منه إلا غرفة روى فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه فنظروا إلى جالوت رجعوا أيضا وقالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله الذين يستيقنون كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين فرجع عنه أيضا ثلاثة آلاف وستمائة وبضعة وثمانون وخلص في ثلثمائة وتسعة عشر عدة أهل بدر * حدثنى المثنى قال حدثنا اسحاق بن الحجاج قال حدثنا اسماعيل بن عبد الكريم قال حدثنى عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه يقول كال لعيلى الذى ربى شمويل ابنان شابان أحدثا في القربان شيئا لم يكن فيه كان مسوط القربان الذى كانوا يسوطونه به كلابين فما أخرجا كان للكاهن الذى بسوطه فجعله ابنه كلاليب وكانا إذا جاءت النساء يصلين في القدس بتشبثان بهن فبينما اشمويل نائم قبل البيت الذى كان ينام فيه عيلى إذ سمع صوتا يقول اشمويل فوثب إلى عيلى فقال لبيك فقال مالك دعوتني قال لا إرجع فنم ثم سمع صوتا آخر يقول اشمويل فوثب إلى عيلى أيضا فقال لبيك مالك دعوتني فقال لم أفعل ارجع فنم فان سمعت شيئا فقل لبيك مكانك مرنى فأفعل فرجع فنام فسمع صوتا أيضا يقول اشمويل فقال لبيك أنا هذا فمرنى أفعل قال انطلق إلى عيلى فقل له منعه حب الولد من أن يزجرا بنيه أن يحدثا في قدسي وقربانى وان يعصيانى فلانزعن منه الكهانة ومن ولده ولاهلكنه وإياهما فلما أصبح سأله عيلى فأخبره ففزع لذلك فزعا شديدا فسار إليهم عدو ممن حوله فأمر ابنيه أن يخرجا بالناس ويقاتلا ذلك العدو فخرجا وأخرجا معهم التابوت

[ 332 ]

الذى فيه الالواح وعصا موسى لينتصروا به فلما تهيؤا للقتال هم وعدوهم جعل عيلى يتوقع الخبر ماذا صنعوا فجاءه رجل يخبره وهو قاعد على كرسيه ان ابنيك قد قتلا وإن الناس قد انهزموا قال فما فعل التابوت قال ذهب به العدو قال فشهق ووقع على قفاه من كرسيه فمات وذهب الذين سبوا التابوت حتى وضعوه في بيت آلهتهم ولم صنم يعبدونه فوضعوه تحت الصنم والصم من فوقه فأصبح من الغد الصنم تحته وهو فوق الصنم ثم أخذوه فوضعوه فوقه وسمروا قدميه في التابوت فأصبح من الغد قد قطعت يد الصنم ورجلاه وأصبح ملقى تحت التابوت فقال بعضهم لبعض أليس قد علمتم أن إله بنى اسرائيل لا يقوم له شئ فأخرجوه من بيت آلهتكم فأخرجوا التابوت فوضعوه في ناحية من قريتهم فأخذ أهل تلك الناحية التى وضعوا فيها التابوت وجع في أعناقهم فقالوا ما هذا فقالت لهم جارية كانت عندهم من سبى بنى اسرائيل لا تزالون ترون ما تكرهون ما كان هذا التابوت فيكم فأخرجوه من قريتكم قالوا كذبت قالت ان آية ذلك أن تأتوا ببقرتين لهما أولاد لم يوضع عليهما نير قط ثم تضعوا وراءهما العجل ثم تضعوا التابوت على العجل وتسير وهما وتحبسوا أولادهما فإنهما ينطلقان به مذعنتين حتى إذا خرجتا من أرضكم ووقعتا في أدنى أرض بنى اسرائيل كسر تانيرهما وأقبلتا إلى أولادهما ففعلوا ذلك فلما خرجتا من أرضهم ووقعتا في أدنى أرض بنى اسرائيل كسرتا نيرهما وأقبلتا إلى أولادهما ووضعتا في حربة فيها حصاد من بنى اسرائيل ففزع إليه بنو اسرائيل وأقبلوا إليه فجعل لا يدنو منه أحد إلا مات فقال لهم نبيهم اشمويل أعرضوا فمن آنس من نفسه قوة فليدن منه فعرضوا عليه الناس فلم يقدر أحد على أن يدنو منه إلا رجلان من بنى اسرائيل اذن لهما بان يحملاه إلى بيت أمهما وهى أرملة فكان في بيت أمهما حتى ملك طالوت فصلح أمر بنى إسرائيل مع اشمويل فقالت بنو اسرائيل لا شمويل ابعث لنا ملكا يقاتل في سبيل الله قال قد كفاكم الله القتال قالوا إنا نتخوف من حولنا فيكون لنا ملك نفزع إليه فأوحى الله إلى اشمويل ان ابعث لهم طالوت ملكا وادهنه بدهن القدس * فضلت

[ 333 ]

حمر لابي طالوت فارسله وغلاما له يطلبانها فجاآ إلى اشمويل يسألانه عنها فقال ان الله قد بعثك ملكا على بنى اسرائيل قال أنا قال نعم قال أو ما علمت ان سبطى ادنى اسباط بنى اسرائيل قال بلى قال أفما علمت ان قبيلتي ادنى قباثل سبطى قال بلى قال اما علمت ان بيتى ادنى بيوت قبيلتي قال بلى قال فبأية آية قال باية انك ترجع وقدو جد ابوك حمره وإذا كنت في مكان كذا وكذا نزل عليك الوحى فدهنه بدهن القدس وقال لبنى اسرائيل ان الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال ان الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم (رجع الحديث إلى حديث السدى) ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا فعبر يومئذ أبو داود فيمن عبر في ثلاثة عشر ابنا له وكان داود أصغر بنيه وانه أتاه ذات يوم فقال يا أبتاه ما أرمى بقذافتى شيئا الا صرعته قال ابشر يا بنى ان الله قد جعل رزقك في قذافتك ثم أتاه مرة أخرى فقال يا أبتاه لقد دخلت بين الجبال فوجدت أسدا رابضا فركبت عليه وأخذت بأذنيه فلم يهجنى فقال ابشر يا بنى فان هذا خير يعطيكه الله ثم أتاه يوما آخر فقال يا أبتاه انى لامشى بين الجبال فأسبح فلا يبقى جبل الا سبح معى فقال ابشر يا بنى فان هذا خير أعطاكه الله وكان داود راعيا وكان أبو ه خلفه يأتي إلى أبيه والى اخوته بالطعام فأتى النبي عليه السلام بقرن فيه دهن وتنور من حديد فبعث به إلى طالوت فقال ان صاحبكم الذى يقتل جالوت يوضع هذا القرن على رأسه فيغلى حتى يدهن منه ولا يسيل على وجهه ويكون على رأسه كهيئة الاكليل ويدخل في هذا التنور فيملاه فدعا طالوت بنى اسرائيل فجربهم به فلم يوافقه منهم أحد فلما فرغوا قال طالوت لابي داود هل بقى لك ولد لم يشهدنا قال نعم بقى ابني داود وهو يأتينا بطعام فلما أتاه داود مر في الطريق بثلاثة أحجار فكلمنه وقلن له خذنا يا داود تقتل بنا جالوت فقال فاخذهن وجعلهن في مخلاته وكان طالوت قد قال من قتل جالوت زوجته ابنتى وأجريت خاتمه في ملكى فلما جاء داود وضعوا القرن على رأسه فغلى حتى ادهن منه

[ 334 ]

ولبس التنور فملاه وكان رجلا مسقاما مصفارا ولم يلبسه أحد الا تقلقل فيه فلما لبسه داود تضايق التنور عليه حتى تنفض ثم مشى إلى جالوت وكان جالوت من أجسم الناس وأشدهم فلما نظر إلى داود قذف في قلبه الرعب منه فقال له يا فتى ارجع فانى أرحمك أن أقتلك فقال داود لابل أنا أقتلك فأخرج الحجارة فوضعها في القدافة كلما رفع منها حجر اسماه فقال هذا باسم أبى ابراهيم والثانى باسم أبى اسحاق والثالث باسم أبى اسرائيل ثم أدار القذافة فعادت الاحجار حجرا واحدا ثم أرسله فصك به بين عينى جالوت فنقبت رأسه ثم قتلته فلم تزل تقتل كل انسان تصيبه تنفذ فيه حتى لم يكن بحيالها أحد فهزموهم عند ذلك وقتل داود جالوت ورجع طالوت فأنكح داود ابنته وأجرى خاتمه في ملكه فمال الناس إلى داود وأحبوه فلما رأى ذلك طالوت وجد في نفسه وحسده وأراد قتله فعلم داود أنه يريده بذلك فسجى له زق خمر في مضجعه فدخل طالوت إلى منام داود وقد هرب داود فضرب الزق ضربة فخرقه سالت الخمر منه فوقعت قطرة من الخمر في فيه فقال يرحم الله داود ما كان أكثر شرب للخمر ثم ان داود أتاه من القابلة في بيته وهو نائم فوضع سهمين عند رأسه وعند رجليه وعن يمينه وعن شماله سهمين سهمين ثم نزل لما استيقظ طالوت بصر بالسهام فعرفها فقال يرحم الله داود هو خير منى ظفرت به فقتلته وظفر بى فكف عنى ثم انه ركب يوما فوجده يمشى في البرية وطالوت على فرس فقال طالوت اليوم أقتل داود وكان داود إذا فزع لم يدرك فركض على أثره طالوت ففزع داود فاشتد فدخل غارا فأوحى الله إلى العنكبوت فضربت عليه بيتا فلما انتهى طالوت إلى الغار نظر إلى بناء العنكبوت فقال لو كان دخل ههنا لخرق بيت العنكبوت فخيل إليه فتركه وطعن العلماء على طالوت في شأن داود فجعل طالوت لا ينهاه أحد عن داود الا قتله واغراه الله بالعلماء يقتلهم فلم يكن يقدر في بنى اسرائيل على عالم يطيق قتله الا قتله حتى أتى بامرأة تعلم اسم الله الاعظم فأمر الجبار أن يقتلها فرحمها الجبار وقال لعلنا نحتاج إلى عالم فتركها فوقع في قلب طالوت التوبة وندم وأقبل على البكاء حتى رحمه الناس وكان كل

[ 335 ]

ليلة يخرج إلى القبور فيبكى وينادى أنشد الله عبد ا علم ان لى توبة الا أخبرني بها فلما أكثر عليهم ناداه مناد من القبور أن يا طالوت أما ترضى ان قتلتنا احياء حتى تؤذينا أمواتا فازداد بكاء وحزنا فرحمه الجبار فكلمه فقال مالك فقال هل تعلم لى في الارض عالما أسأله هل لى من توبة فقال له الجبار هل تدرى ما مثلك انما مثلك مثل ملك نزل قرية عشاء فصاح الديك فتطير منه فقال لا تتركوا في القرية ديكا الا ذبحتموه فلما أراد أن ينام قال إذا صاح الديك فايقظونا حتى ندلج فقالوا له وهل تركت ديكا يسمع صوته ولكن هل تركت عالما في الارض فازداد حزنا وبكاء فلما رأى الجبار منه الجد قال أرأيتك ان دللتك على عالم لعلك ان تقتله قال لا فتوثق عليه الجبار فأخبره ان المرأة العالمة عنده فقال انطلق بى إليها أسألها هل لى من توبة وكان إنما يعلم ذلك الاسم أهل بيت إذا فنيت رجالهم علمت النساء فقال انها ان رأتك غشى عليها وفزعت منك فلما بلغ الباب خلفه خلفه ثم دخل عليها الجبار فقال لها ألست أعظم الناس منة عليك أنجيتك من القتل وآويتك عندي قالت بلى قال فإن لى اليك حاجة هذا طالوت يسألك هل له من توبة فغشى عليها من الفرق فقال لها انه لا يريد قتلك ولكن يسألك هل له من توبة قالت لا والله ما أعلم لطالوت توبة ولكن هل تعلمون مكان قبر نبى قالوا نعم هذا قبر يوشع بن نون فانطلقت وهما معها إليه فدعت فخرج يوشع بن نون ينفض رأسه من التراب فلما نظر إليهم ثلاثتهم قال مالكم أقامت القيامة قالت لا ولكن طالوت يسألك هل له من توبة قال يوشع ما أعلم لطالوت من توبة الا أن يتخلى من ملكه ويخرج هو وولده فيقاتلوا بين يديه في سبيل الله حتى إذا قتلوا شد هو فقتل فعسى أن يكون ذلك له توبة ثم سقط ميتا في القبر ورجع طالوت أحزن ما كان رهبة ألا يتابعه ولده فبكى حتى سقطت أشفار عينيه ونحل جسمه فدخل عليه بنوه وهم ثلاثة عشر رجلا فكلموه وسألوه عن حاله فأخبرهم خبره وما قيل له في توبته فسألهم أن يغزوا معه فجهزهم فخرجوا معه فشدوا بين يديه حتى قتلوا ثم شد بعدهم هو

[ 336 ]

فقتل وملك داود بعد ذلك وجعله الله نبيا فذلك قوله عزوجل " وآتاه الله الملك والحكمة " قيل هي النبوة آتاه نبوة شمعون وملك طالوت واسم طالوت بالسريانية شاول بن قيس بن أبيال بن ضرار بن بحرت بن أفيح بن إيش بن بنيامين بن يعقوب ابن اسحاق بن ابراهيم * وقال ابن اسحاق كان النبي الذى بعث لطالوت من قبره حتى أخبره بتوبته اليسع بن اخطوب * حدثنا بذلك ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق * وزعم أهل التوراة ان مدة ملك طالوت من أولها إلى أن قتل في الحرب مع ولده كانت أربعين سنة (ذكر خبر داود بن ايشى) ابن عوبد بن باعز بن سلمون بن نحشون بن عمى نادب بن رام بن حصرون ابن فارص بن يهوذا بن يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم عليه السلام * وكان داود عليه السلام فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبه قصيرا أزرق قليل الشعر طاهر القلب نقيه * حدثنى يونس بن عبد الاعلى قال أخبرنا ابن وهب قال حدثنى ابن زيد في قول الله " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت - إلى قوله - والله عليم بالظالمين قال أوحى الله إلى نبيهم ان في ولد فلان رجلا يقتل الله به جالوت ومن علامته هذا القرن يضعه على رأسه فيفيض ماء فأتاه فقال إن الله عزوجل أوحى إلى إن في ولدك رجلا يقتل الله به جالوت فقال نعم يا نبى الله قال فأخرج له اثنى عشر رجلا أمثال السوارى وفيهم رجل بارع فجعل يعرضهم على القرن فلا يرى شيئا فيقول لذلك الجسيم ارجع فيردده عليه فأوحى الله إليه إنا لا نأخذ الرجال على صورهم ولكنا نأخذهم على صلاح قلوبهم قال يا رب قد زعم انه ليس له ولد غيره فقال كذب فقال إن ربى قد كذبك وقال إن لك ولدا غيرهم قال قد صدق يا نبى الله ان لى ولدا قصيرا اسحييت أن يراه الناس فجعلته في الغنم قال فأين هو قال في شعب كذا وكذا من جبل كذا وكذا فخرج إليه فوجد الوادي قد سال بينه وبين البقعة التى كان يريح إليها قال ووجده يحمل شاتين شاتين يجيز بهما السيل

[ 337 ]

ولا يخوض بهما السيل فلما رآه قال هذا هو لا شك فيه هذا يرحم البهائم فهو بالناس أرحم قال فوضع القرن على رأسه ففاض * حدثنى المثنى قال حدثنا اسحاق قال حدثنا اسماعيل بن عبد الكريم قال حدثنى عبد الصمد بن معقل عن وهب بن منبه قال لما سلمت بنو اسرائيل الملك لطالوت أوحى الله إلى نبى بنى اسرائيل أن قل لطالوت فليغز أهل مدين فلا يترك فيها حيا إلا قتله فانى سأظهره عليهم فخرج بالناس حتى أتى مدين فقتل من كان فيها إلا ملكهم فانه أسره وساق مواشيهم فأوحى الله إلى اشمويل ألا تعجب من طالوت إذ أمرته بأمرى فاختل فيه فجاء بملكهم أسيرا وساق مواشيهم فالقه فقل له لانزعن الملك من بيته ثم لا يعود فيه إلى يوم القيامة فانى انما أكرم من أطاعنى وأهين من هان عليه أمرى فلقيه فقال له ما صنعت لم جئت بملكهم أسيرا ولم سقت مواشيهم قال إنما سقت المواشى لاقربها قال له اشمويل إن الله قد نزع من بيتك الملك ثم لا يعود فيه إلى يوم القيامة فأوحى الله إلى اشمويل انطلق إلى إيشى فيعرض عليك بنيه فادهن الذى آمرك بدهن القدس يكن ملكا على بنى اسرائيل فانطلق حتى أتى ايشى فقال اعرض على بنيك فدعا ايشى أكبر ولده فاقبل رجل جسيم حسن المنظر فلما نظر إليه اشمويل أعجبه فقال الحمد لله إن الله بصير بالعباد فأوحى الله إليه إن عينيك تبصران ما ظهروانى أطلع على ما في القلوب ليس بهذا * فقال ليس بهذا اعرض على غيره فعرض عليه ستة في كل ذلك يقول ليس بهذا اعرض على غير فقال هل لك من ولد غيرهم فقال بلى لى غلام امغر وهو راع في الغنم قال ارسل إليه فلما أن جاء داود جاء غلام امغر فدهنه بدهن القدس وقال لابيه اكتم هذا فان طالوت لو يطلع عليه قتله فسار جالوت في قومه إلى بنى اسرائيل فعسكر وسار طالوت ببنى اسرائيل وعسكرو تهيؤا للقتال فارسل جالوت إلى طالوت لم يقتل قومي وقومك ابرزلى أو ابرزلى من شئت فان قتلتك كان الملك لى وان قتلتنى كان لك فأرسل طالوت في عسكره صائحا من يبرز لجالوت ثم ذكر قصة طالوت وجالوت وقتل داود إياه وما كان من طالوت إلى داود * قال أبو جعفر وفى هذا الخبر بيان ان داود قد كان الله حول الملك

[ 338 ]

له قبل قتله جالوت وقبل أن يكون من طالوت إليه ما كان من محاولته قتله وأما سائر من روينا عنه قولا في ذلك فانهم قالوا إنما ملك داود بعد ما قتل طالوت وولده * وقد حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق فيما ذكر لى بعض أهل العلم عن وهب بن منبه قال لما قتل داود جالوت وانهزم جنده قال الناس قتل داود جالوت وخلع طالوت وأقبل الناس على داود مكانه حتى لم يسمع لطالوت بذكر * قال ولما اجتمعت بنو اسرائيل على داود أنزل الله عليه الزبور وعلمه صنعة الحديد وألانه له وأمر الجبال والطير أن يسبحن معه إذا سبح ولم يعط الله فيما يذكرون أحدا من خلقه مثل صوته كان إذا قرأ الزبور فيما يذكرون ترنو له الوحوش حتى يؤخذ باعناقها وانها لمصيخة تسمع لصوته وما صنعت الشياطين المزامير والبرابط والصنوج إلا على أصناف صوته وكان شديد الاجتهاد دائب العبادة كثير البكاء وكان كما وصفه الله عزوجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم فقال (واذكر عبد نا داود ذا الايد إنه أواب إنا سخرنا الجبال معه) الآيتين يعنى بذلك ذا القوة * وقد حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة واذكر عبد نا داود ذا الايد إنه أواب قال أعطى قوة في العبادة وفقها في الاسلام * فذكر لنا أن داود عليه السلام كان يقوم الليل ويصوم نصف الدهر وكان يحرسه فيما ذكر في كل يوم وليلة أربعة آلاف * حدثنى محمد بن الحسين قال حدثنا أحمد بن المفضل قال حدثنا أسباط عن السدى في قوله (وشددنا ملكه) قال كان يحرسه كل يوم وليلة أربعة آلاف * وذكر أنه تمنى يوما من الايام على ربه منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب وسأله أن يمتحنه بنحو الذى كان امتحنهم ويعطيه من الفضل نحو الذى كان أعطاهم * فحدثني محمد بن الحسين قال حدثنا أحمد بن المفضل قال حدثنا أسباط قال قال السدى كان داود قد قسم الدهر ثلاثة أيام يوما يقضى فيه بين الناس ويوما يخلو فيه لعبادة ربه ويوما يخلو فيه لنسائه وكان له تسع وتسعون امرأة وكان فيما يقرأ من الكتب أنه كان يجد فيه فضل ابراهيم وإسحاق ويعقوب فلما وجد ذلك فيما يقرأ من الكتب قال يا رب أرى الخير كله قد ذهب

[ 339 ]

به آبائى الذين كانوا قبلى فاعطني مثل ما أعطيتهم وافعل بى مثل ما فعلت بهم قال فأوحى الله إليه أن آباءك ابتلوا ببلا يا لم تبتل بها ابتلى إبراهيم بذبح ابنه وابتلى إسحاق بذهاب بصره وابتلى يعقوب بحزنه على ابنه يوسف وإنك لم تبتل من ذلك بشئ قال يا رب ابتلنى بمثل ما ابتليتهم به وأعطني مثل ما أعطيتهم قال فأوحى إليه إنك مبتلى فاحترس قال فمكث بعد ذلك ما شاء الله أن يمكث إذ جاءه الشيطان قد تمثل في صورة حمامة من ذهب حتى وقع عند رجليه وهو قائم يصلى قال فمد يده ليأخذه فتنحى فتبعه فتباعد حتى وقع في كوة فذهب ليأخذه فطار من الكوة فنظر أين يقع فيبعث في أثره قال فابصر امرأة تغتسل على سطح لها فرأى امرأة من أجمل النساء خلقا فحانت منها التفاتة فابصرته فألقت شعرها فاستترت به قال فزاده ذلك فيها رغبة قال فسأل عنها فأخبر أن لها زوجا وأن زوجها غائب بمسلحة كذا وكذا قال فبعث إلى صاحب المسلحة يأمره أن يبعث أوريا إلى عدو كذا وكذا قال فبعثه ففتح له قال وكتب إليه بذلك فكتب إليه أيضا أن ابعثه إلى عدو كذا وكذا أشد منهم بأسا قال فبعثه ففتح له أيضا قال فكتب إلى داود بذلك قال فكتب إليه أن ابعثه إلى عدو كذا وكذا قال فبعثه قال فقتل المرة الثالثة قال وتزوج داود امرأته فلما دخلت عليه لم تلبث عنده الا يسيرا حتى بعث الله ملكين في صورة انسيين فطلبا أن يدخلا عليه فوجداه في يوم عبادته فمنعهما الحرس أن يدخلا عليه فتسورا عليه المحراب قال فما شعر وهو يصلى إذا هو بهما بين يديه جالسين قال ففزع منهما فقالا لا تخف إنما نحن خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط يقول لا تحف واهدنا إلى سواء الصراط إلى عدل القضاء قال قصا على قصتكما قال فقال أحدهما إن هذا أخى له تسع وتسعون نعجة ولى نعجة واحدة فهو يريد أن يأخذ نعجتي فيكمل بها نعاجه مائة قال فقال للآخر ما تقول فقال إن لى تسعا وتسعين نعجة ولاخى هذا نعجة واحدة فأنا أريد أن آخذها منه فاكمل بها نعاجي مائة قال وهو كاره ؟ قال وهو كاره قال إذا لا ندعك وذاك قال ما أنت على ذلك بقادر قال فان ذهبت تروم ذلك أو تريد

[ 340 ]

ذلك ضربنا منك هذا وهذا وفسر أسباط طرف الانف والجبهة فقال يا داود أنت أحق أن يضرب منك هذا وهذا حيث لك تسع وتسعون امرأة ولم يكن لاوريا إلا امرأة واحدة فلم تزل به تعرضه للقتل حتى قتل وتزوجت امرأته قال فنظر فلم ير شيئا قال فعرف ما قد وقع فيه وما ابتلى به قال فخر ساجدا فبكى قال فمكث يبكى ساجدا أربعين يوما لا يرفع رأسه الا لحاجة لابد منها ثم يقع ساجدا يبكى ثم يدعو حتى نبت العشب من دموع عينيه قال فأوحى الله عزوجل إليه بعد أربعين يوما يا داود ارفع رأسك فقد غفرت لك فقال يا رب كيف أعلم أنك قد غفرت لى وأنت حكم عدل لا تحيف في القضاء إذا جاء أوريا يوم القيامة آخذا رأسه بيمينه أو بشماله يشخب أوداجه دما في قبل عرشك يقول يا رب سل هذا فيم قتلني قال فأوحى الله إليه إذا كان ذلك دعوت أوريا فأستوهبك منه فيهبك لى فأثيبه بذلك الجنة قال رب الآن علمت أنك قد غفرت لى قال فما استطاع أن يملا عينيه من السماء حياء من ربه حتى قبض * حدثنى على بن سهل قال حدثنا الوليد بن مسلم عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال حدثنى عطاء الخراساني قال نقش داود خطيئته في كفه لكيلا ينساها فكان إذا رآها خفقت يده واضطربت * وقد قيل إن سبب المحنة بما امتحن به أن نفسه حدثته أنه يطيق قطع يوم من الايام بغير مقارفة سوء فكان اليوم الذى عرض له فيه ما عرض اليوم الذى ظن أنه يقطعه بغير اقتراف سوء ذكر من قال ذلك * حدثنا بشر قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن مطر عن الحسن أن داود جزأ الدهر أربعة أجزاء يوما لنسائه ويوما لعبادته ويوما لقضاء بنى إسرائيل ويوما لبنى إسرائيل يذاكرهم ويذاكرونه ويبكيهم ويبكونه فلما كان يوم بنى إسرائيل قال ذكروا فقالوا هل يأتي على الانسان يوم لا يصيب فيه ذنبا فأضمر داود في نفسه أنه سيطيق ذلك فلما كان يوم عبادته غلق أبو ابه وأمر ألا يدخل عليه أحد وأكب على التوراة فبينما هو يقرؤها إذا حمامة من ذهب فيها من كل

[ 341 ]

لون حسن قد وقعت بين يديه فأهوى إليها ليأخذها قال فطارت فوقعت غير بعيد من غير أن تؤيسه من نفسها قال فما زال يتبعها حتى أشرف على امرأة تغتسل فاعجبه خلقها وحسنها فلما رأت ظله في الارض جللت نفسها بشعرها فزاده ذلك أيضا إعجابا بها وكان قد بعث زوجها على بعض جيوشه فكتب إليه أن يسير إلى مكان كذا وكذا مكان إذا سار إليه لم يرجع قال ففعل فأصيب فخطبها فتزوجها قال وقال قتادة بلغنا أنها أم سليمان قال فبينما هو في المحراب إذ تسور الملكان عليه وكان الخصمان إذا أتوه يأتونه من باب المحراب ففزع منهم ين تسوروا المحراب فقالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض حتى بلغ ولا تشطط أي ولا تمل واهدنا إلى سواء الصراط أي أعدله وخيره إن هذا أخى له تسع وتسعون نعجة وكان لداود تسع وتسعون امرأة ولى نعجة واحدة قال وإنما كان للرجل امرأة واحدة فقال أكفلنيها وعزنى في الخطاب أي ظلمنى وقهرني قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه - إلى - وظن داود فعلم أنما أضمر له أي عنى بذلك فخر راكعا وأناب * حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا ابن إدريس قال سمعت ليثا يذكر عن مجاهد قال لما أصاب داود الخطيئة خر لله ساجدا أربعين يوما حتى نبت من دموع عينيه من البقل ما غطا رأسه ثم نادى يا رب قرح الجبين وجمدت العين وداود لم يرجع إليه في خطيئته شئ فنودى أجائع فتطعم أم مريض فتشفى أم مظلوم فينتصر لك قال فنحب نحبة هاج كل شئ كان نبت فعند ذلك غفر له وكانت خطيئته مكتوبة يقرؤها وكان يؤتى بالاناء ليشرب فلا يشرب إلا ثلثه أو نصفه وكان يذكر خطيئته فينتحب النحبة تكاد مفاصله تزول بعضها عن بعض ثم ما يتم شربه حتى يملا الاناء من دموعه وكان يقال إن دمعة داود تعدل دمعة الخلائق ودمعة آدم تعدل دمعة داود ودمعة الخلائق قال وهو يجئ يوم القيامة خطيئته مكتوبة بكفه فيقول رب ذنبي ذنبي قدمنى قال فيقدم فلا يأمن فيقول رب أخرني قال فيؤخر فلا يأمن * حدثنى يونس بن عبد الاعلى قال أخبرنا ابن وهب قال أخبرني ابن لهيعة عن ابن صخر عن يزيد الرقاشى عن أنس بن مالك

[ 342 ]

يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن داود النبي عليه السلام حين نظر إلى امرأة فاهم قطع على بنى إسرائيل بعثا فأوصى صاحب البعث فقال إذا حضر العدو فقرب فلانا بين يدى التابوت وكان التابوت في ذلك الزمان يستنصر به من قدم بين يدى التابوت لم يرجع حتى يقتل أو ينهزم عنه الجيش فقتل زوج المرأة ونزل الملكان على داود يقصان عليه قصته ففطن داود فسجد فمكث أربعين ليلة ساجدا حتى نبت الزرع من دموعه على رأسه وأكلت الارض من جبينه وهو يقول في سجوده فلم أحص من الرقاشى إلا هؤلاء الكلمات رب زل داود زلة أبعد مما بين المشرق والمغرب رب إن لم ترحم ضعف داود وتغفر ذنبه جعلت ذنبه حديثا في الخلوف من بعده فجاءه جبرائيل من بعد أربعين ليلة فقال يا داو إن الله قد غفر لك الهم الذى هممت به فقال داود قد علمت أن الله قادر على أن يغفر لى الهم الذى هممت به وقد عرفت أن الله عدل لا يميل فكيف بفلان إذا جاء يوم القيامة فقال يا رب دمى الذى عند داود فقال جبرائيل ما سألت ربك عن ذلك ولئن شئت لافعلن قال نعم قال فعرج جبرائيل وسجد داود فمكث ما شاء الله ثم نزل فقال قد سألت الله يا داود عن الذى أرسلتني فيه فقال قل له يا داود إن الله يجمعكما يوم القيامة فيقول هب لى دمك الذى عند داود فيقول هو لك يا رب فيقول فإن لك في الجنة ما شئت وما اشتهيت عوضا * ويزعم أهل الكتاب إن داود لم يزل قائما بالملك بعد طالوت إلى أن كان من أمره وأمر امرأة أوريا ما كان فلما واقع ما واقع من الخطيئة اشتغل بالتوبة منها فيما زعموا واستخف به بنو إسرائيل ووثب عليه ابن له يقال له إيشا فدعا إلى نفسه فاجتمع إليه أهل الزيغ من بنى إسرائيل قالوا فلما تاب الله على داود ثابت إليه ثائبة من الناس فحارب ابنه حتى هزمه ووجه في طلبه قائدا من قواده وتقدم إليه أن يتوقى حتفه ويتلطف لاسره فطلبه القائد وهو منهزم فاضطره إلى شجرة فركض فيها وكان ذا جمة فتعلق بعض أغصان الشجرة بشعره فحبسه ولحقه القائد فقتله مخالفا لامر داود فحزن داود عليه حزنا شديدا وتنكر للقائد وأصاب

[ 343 ]

بنى إسرائيل في زمانه طاعون جارف فخرج بهم إلى موضع بيت المقدس يدعون الله ويسألونه كشف ذلك البلاء عنهم فاستجيب لهم فاتخذوا ذلك الموضع مسجدا * وكان ذلك فيما قيل لاحد عشرة سنة مضت من ملكه وتوفى قبل أن يستتم بناءه فأوصى إلى سليمان باستتمامه وقتل القائد الذى قتل أخاه فلما دفنه سليمان نفذ لامره في القائد وقتله واستتم بناء المسجد وقيل في بناء داود ذلك المسجد ما حدثنا محمد بن سهل بن عسكر قال حدثنى إسماعيل بن عبد الكريم قال حدثنى عبد الصمد ابن معقل أنه سمع وهب بن منبه يقول إن داود أراد أن يعلم عدد بنى إسرائيل كم هم فبعث لذلك عرفاء و نقباء وأمرهم أن يرفعوا إليه ما بلغ عددهم فعتب الله عليه ذلك وقال قد علمت أنى وعدت إبراهيم أن أبارك فيه وفى ذريته حتى أجعلهم كعدد نجوم السماء وأجعلهم لا يحصى عددهم فأردت أن تعلم عدد ما قلت إنه لا يحصى عددهم فاختاروا بين أن أبتليكم بالجوع ثلاث سنين أو أسلط عليكم العدو ثلاثة أشهر أو الموت ثلاثة أيام فاستشار داود في ذلك بنى إسرائيل فقالوا ما لنا بالجوع ثلاث سنين صبر ولا بالعدو ثلاثة أشهر فليس لهم بقية فإن كان لابد فالموت بيده لا بيد غيره فذكر وهب بن منبه أنه مات منهم في ساعة من نهار ألوف كبيرة لا يدرى ما عددهم فلما رأى ذلك داود شق عليه ما بلغه من كثرة الموت فتبتل إلى الله ودعاه فقال يا رب أنا آكل الحماض وبنو إسرائيل يضرسون أنا طلبت ذلك فأمرت به بنى إسرائيل فما كان من شئ فبى واعف عن بنى إسرائيل فاستجاب الله له ورفع عنهم الموت فرأى داود الملائكة سالين سيوفهم يغمدونها يرتقون في سلم من ذهب من الصخره إلى السماء فقال داود هذا مكان ينبغى أن يبنى فيه مسجد فأراد داود أن يأخذ في بنائه فأوحى الله إليه أن هذا بيت مقدس وأنك قد صبغت يدك في الدماء فلست ببانيه ولكن ابن لك أملكه بعدك أسميه سليمان أسلمه من الدماء فلما ملك سليمان بناءه وشرفه وكان عمر داود فيما وردت به الاخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة سنة وأما بعض أهل الكتب فإنه زعم أن عمره كان سبعا وسبعين سنة وأن مدة ملكه كانت أربعين سنة

[ 344 ]

ذكر خبر سليمان بن داود عليه السلام ثم ملك سليمان بن داود بعد أبيه داد أمر بنى إسرائيل وسخر الله له الجن والانس والطير والريح وآتاه مع ذلك النبوة وسأل ربه أن يؤتيه ملكا لا ينبغى لاحد من بعده فاستجاب له فأعطاه ذلك وكان فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبه إذا خرج من بيته إلى مجلسه عكفت عليه الطير وقام له الانس والجن حتى يجلس على سريره وكان فيما يزعمون أبيض جسيما وضيئا كثير الشعر يلبس من الثياب البياض وكان أبو ه في أيام ملك بعد أن بلغ سليمان مبلغ الرجال يشاوره فيما ذكر في أموره وكان من شأنه وشأن أبيه داود الحكم في الغنم التى نفشت في حرث القوم الذين قص الله في كتابه خبرهم وخبرهما فقال (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين * ففهمناها سليمان وكلا آتيناه حكما وعلما) فحدثنا أبو كريب وهارون بن ادريس الاصم قالا حدثنا المحاربي عن أشعث عن أبى اسحاق عن مرة عن ابن مسعود في قوله " وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم " قال كرم قد أنبتت عناقيده فأفسدته قال فقضى داود بالغنم لصاحب الكرم فقال سليمان غير هذا يا نبى الله قال وما ذاك قال تدفع الكرم إلى صاحب الغنم فيقوم عليه حتى يعود كما كان وتدفع الغم إلى صاحب الكرم فيصيب منها حتى إذا كان الكرم كما كان دفعت الكرم إلى صاحبه ودفعت الغنم إلى صاحبها فذلك قوله ففهمناها سليمان وكان رجلا غزاء لا يكاد يقعد عن الغزو وكان لا يسمع بملك في ناحية من الارض إلا أتاه حتى يذله * وكان فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق فيما يزعمون إذا أراد الغزو أمر بعسكره فضرب له بخشب ثم نصب له على الخشب ثم حمل عليه الناس والدواب وآلة الحرب كلها حتى إذا حمل معه ما يريد أمر العاصف من الريح فدخلت تحت ذلك الخشب فاحتملته حتى إذا استقلت به أمر الرخاء فمر به شهرا في روحته وشهرا في غدوته إلى حيث أراد يقول الله عزوجل (فسخرنا له

[ 345 ]

الريح تجرى بأمره رخاء حيث أصاب) أي حيث أرادو قال الله (ولسليمان الريح غدها شهر ورواحها شهر) قال وذكر لى ان منزلا بناحية دجلة مكتوب فيه كتاب كتبه بعض أصحاب سليمان إما من الجن وإما من الانس نحن نزلناه وما بنيناه ومبنيا وجدناه غدونا من اصطخر فقلناه ونحن رائحون منه إن شاء الله فبائتون بالشأم قال وكان فيما بلغني لتمر بعسكره الريح والرخاء تهوى به إلى ما أراد وإنها لتمر بالمزرعة فما تحركها * وقد حدثنا القاسم بن الحسن قال حدثنى الحسين قال حدثنى حجاج عن أبى معشر عن محمد بن كعب القرظى قال بلغنا أن سليمان كان عسكره مائة فرسخ خمسة وعشرون منها للانس وخمسة وعشرون للجن وخمسة وعشرون للوحش وخمسة وعشرون للطير وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلثمائة صريحة وسبعمائة سرية فأمر الريح العاصف فترفعه وأمر الرخاء فتسير به فأوحى الله إليه وهو يسير بين السماء والارض إنى قد زدت في ملكك أنه لا يتكلم أحد من الخلائق بشئ إلا جاءت به الريح وأخبرتك * حدثنى أبو السائب قال حدثنا أبو معاوية عن الاعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كان سليمان بن داود يوضع له ستمائة كرسى ثم يجئ أشراف الانس فيجلسون مما يليه ثم يجئ أشراف الجن فيجلسون مما يلى الانس قال ثم يدعو الطير فتظلهم ثم يدعو الريح فتحملهم قال فتسير في الغداة الواحدة مسيرة شهر (ذكر ما انتهى الينا من مغازى سليمان عليه السلام) (فمن ذلك غزوته التى راسل فيها بلقيس) وهى فيما يقول أهل الانساب بلمقة ابنة اليشرح ويقول بعضهم ابنة ايلى شرح ويقول بعضهم ابنة ذى شرح بن ذى جدن بن ايلى شرح بن الحارث بن قيس بن صيفي بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ثم صارت إليه سلما بغير حرب ولا قتال وكان سبب مراسلته إياها فيما ذكر أنه فقد الهدهد يوما في مسير كان يسيره واحتاج إلى الماء فلم يعلم من حضره بعده وقيل له علم ذلك عند الهدد فسأل

[ 346 ]

عن الهدد فلم يجده وقال بعضهم بل إنما سأل سليمان عن الهدهد لا خلاله بالنبوة فكان من حديثه وحديث مسيره ذلك وحديث بلقيس ما حدثنى العباس بن الوليد الآملي قال حدثنا على بن عاصم قال حدثنا عطاء بن السائب قال حدثنى مجاهد عن ابن عباس قال كان سليمان بن داود إذا سافر أو أراد سفرا قعد على سريره ووضعت الكراسي يمينا وشمالا فيأذن للانس ثم يأذن للجن عليه بعد الانس فيكونون خلف الانس ثم يأذن للشياطين بعد الجن فيكونون خلف الجن ثم يرسل إلى الطير فتظلهم من فوقهم ثم يرسل إلى الريح فتحملهم وهو على سريره والناس على الكراسي فتسير بهم غدوها شهر ورواحها شهر رخاء حيث أصاب ليس بالعاصف ولا اللين وسطا بين ذلك فبينما سليمان يسير وكان سليمان اختار من كل طير طيرا فجعله رأس تلك الطير فإذا أراد أن يسائل شيئا من تلك الطير عن شئ سأل رأسها فبينما يسير إذ نزل مفازه فسأل عن بعد الماء ههنا فقال الانس لا ندرى فسأل الجن فقالوا لا ندرى فسأل الشياطين فقالوا لا ندرى فغضب سليمان فقال لا أبرح حتى أعلم كم بعد مسافة الماء ههنا قال فقالت له الشياطين يا رسول الله لا تغضب فان يك شيئا يعلم فالهدهد يعلمه قال سليمان على بالهدهد فلم يوجد فغضب سليمان فقال مالى لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين لا عذبنه عذابا شديدا أو لا ذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين يقول بعذر مبين غاب عن مسيرى هذا وكان عقابه للطير أن ينتف ريشه ويشمسه فلا يستطيع أن يطير ويكون من هوام الارض إن أراد ذلك أو يذبحه فكان ذلك عذابه قال ومر الهدهد على قصر بلقيس فرأى بستانا لها خلف قصرها فمال إلى الخضرة فوقع عليها فإذا هو بهدهد لها في البستان فقال هدهد سليمان أين أنت عن سليمان وما تصنع ههنا قال له هدهد بلقيس ومن سليمان فقال بعث الله رجلا يقال له سليمان رسولا وسخر له الريح والجن والانس والطير قال فقال له هدهد بلقيس أي شئ تقول قال أقول لك ما تسمع قال ان هذا لعجب وأعجب من ذاك ان كثرة هؤلاء القوم تملكهم امرأة أوتيت من كل شئ ولها عرش عظيم جعلوا الشكر لله أن يسجدوا للشمس من دون الله قال

[ 347 ]

وذكر الهدهد سليمان فنهض عنه فلما انتهى إلى العسكر تلقته الطير وقالوا توعدك رسول الله فأخبروه بما قال قال وكان عذاب سليمان للطير أن ينتف ريشه ويشمسه فلا يطير أبدا فيصير من هوام الارض أو يذبحه فلا يكون له نسل أبدا قال فقال الهدهد أو ما استثنى رسول الله قالوا بل قال أو ليأتيتى بعذر مبين قال فلما أتى سليمان قال ما غيبك عن مسيرى قال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سيإ بنبإ يقين حتى بلغ فانظر ماذا يرجعون قال فاعتل له بشئ وأخبره عن بلقيس وقومها ما أخبره الهدهد فقال له سليمان قد اعتللت سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين إذهب بكتابي هذا فألقه إليهم قال فوافقها وهى في قصرها فألقى إليها الكتاب فسقط في حجرها إنه كتاب كريم وأشفقت منه فأخذته وألقت عليه ثيابها وأمرت بسريرها فأخرج فخرجت فقعدت عليه ونادت في قومها فقالت لهم يا أيها الملا إنى ألقى إلى كتاب كريم إنه من سليمان وانه بسم الله الرحمن الرحيم، ألا تعلوا على وأتوني مسلمين، ولم أكن لا قطع أمرا حتى تشهدون قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والامر اليك فانظري ماذا تأمرين - إلى - وإنى مرسلة إليهم بهدية فان قبلها فهذا ملك من ملوك الدنيا وأنا أعز منه وأقوى وإن لم يقبلها فهذا شئ من الله فلما جاء سليمان الهدية قال لهم سليمان أتمدونني بمال فما آتانى الله خير مما آتاكم - إلى قوله - وهم صاغرون يقول وهم غير محمودين قال بعثت إليه بخرزة غير مثقوبة فقالت اثقب هذه قال فسأل سليمان الانس فلم يكن عنده علم ذلك ثم سأل الجن فلم يكن عندهم علم ذاك قال فسأل الشياطين فقالوا ترسل إلى الارضة فجاءت الارضة فأخذت شعرة في فيها فدخلت فيها فنقبتها بعد حين فلما رجع إليها رسلها خرجت فزعة في أول النهار من قومها وتبعها قومها قال ابن عباس وكان معها ألف قيل قال ابن عباس أهل اليمن يسمون القائد قيلا مع كل قيل عشرة آلاف قال العباس قال على عشرة آلاف ألف قال العباس قال على فأخبرنا حصين بن عبد الرحمن قال حدثنى عبد الله بن شداد بن الهاد قال فأقبلت بلقيس إلى سليمان ومعها ثلثمائة قيل واثنا عشر قيلا

[ 348 ]

مع كل قيل عشرة آلاف قال عطاء عن مجاهد عن ابن عباس فكان سليمان رجلا مهيبا لا يبتدأ بشئ حتى يكون هو الذى يسأل عنه فخرج يومئذ فجلس على سريره فرأى رهجا قريبا منه فقال ما هذا قالوا بلقيس يا رسول الله قال وقد نزلت منا بهذا المكان قال مجاهد فوصف لنا ذلك ابن عباس فحذرته ما بين الكوفة والحيرة قدر فرسخ قال فأقبل على جنوده فقال أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك الذى أنت فيه إلى الحين الذى تقوم إلى غدائك قال قال سليمان من يأتيني به قبل ذلك قال الذى عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد اليك طرفك فنظر إليه سليمان فلما وقع كلامه رد سليمان بصره على العرش فرأى سريرها قد خرج ونبع من تحت كرسيه فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربى ليبلوني أأشكر إذ أتانى به قبل أن يرتد إلى طرفي أم أكفر إذ جعل من تحت يدى أقدر على المجئ به منى قال فوضعوا لها عرشها قال فما جاءت قعدت إلى سليمان قيل لها أهكذا عرشك فنظرت إليه فقالت كأنه هو ثم قالت لقد تركته في حصوني وتركت الجنود محيطة به فكيف جئ بهذا يا سليمان إنى أريد أن أسألك عن شئ فأخبرنيه قال سلى قالت أخبرني عن ماء رواء لامن سماء ولا من أرض قال وكان إذا جاء سليمان شئ لا يعلمه بدأ فسأل الانس عنه فان كان عند الانس فيه علم وإلا سأل الجن فان لم يكن عند الجن علم به سأل الشياطين قال فقالت له الشياطين ما أهون هذا يا رسول الله مر الخيل فلتجر ثم تملا الآنية من عرقها فقال لها سليمان عرق الخيل قالت صدقت قالت أخبرني عن لون الرب قال قال ابن عباس فوثب سليمان عن سريره فخر ساجدا قال العباس قال على فأخبرني عمرو بن عبيد عن الحسن قال صعق فغشى عليه فخر عن سريره ثم رجع إلى حديثه قال فقامت عنه وتفرقت عنه جنوده وجاءه الرسول فقال يا سليمان يقول لك ربك ما شأنك قال سألتنى عن أمريكا برنى أو يكابدني أن أعيده قال فان الله يأمرك أن تعود إلى سريرك فتقعد عليه وترسل إليها والى من حضرها من جنودها وترسل إلى جميع جنودك

[ 349 ]

الذين حضروا فيدخلوا عليك فتسألها وتسألهم عما سألتك عنه قال ففعل فلما دخلوا عليه جميعا قال لها عم سألتنى قالت سألتك عن ماء رواء لا من سماء ولا من أرض قال قلت لك عرق الخيل قالت صدقت قال وعن أي شئ سألتنى قالت ما سألتك عن شئ غير هذا قال قال لها سليمان فلاى شئ خررت عن سريري قالت قد كان ذاك لشئ لا أدرى ما هو قال العباس قال على نسيته قال فسأل جنودها فقالوا مثل ما قالت قال فسأل جنوده من الانس والجن والطير وكل شئ كان حضره من جنوده فقالوا ما سألتك يا رسول لله إلا عن ماء رواء قال وقد كان قال له الرسول يقول الله لك عد إلى مكانك فانى قد كفيتكهم قال وقال سليمان للشياطين ابنوا لى صرحا تدخل على فيه بلقيس قال فرجع الشياطين بعضهم إلى بعض فقالوا سليمان رسول الله قد سخر الله له ماسخر وبلقيس ملكة سبا ينكحها فتلد له غلاما فلا ننفك من العبودية أبدا قال وكانت امرأة شعراء الساقين فقالت الشياطين ابنوا له بنيانا ليرى ذلك منها فلا يتزوجها فبنوا له صرحا من قوارير أخضر وجعلوا له طوابيق من قوارير كأنه الماء وجعلوا في باطن الطوابيق كل شئ يكون من الدواب في البحر من السمك وغيره ثم أطبقوه ثم قالوا لسليمان ادخل الصرح قال فألقى لسليمان كرسى في أقصى الصرح فلما دخله ورأى ما رأى أتى الكرسي فقعد عليه ثم قال أدخلوا على بلقيس فقيل لها ادخلي الصرح فلما ذهبت تدخله رأت صورة السمك وما يكون في الماء من الدواب فحسبته لجة حسبته ماء وكشفت عن ساقيها لتدخل وكان شعر ساقيها ملتويا على ساقيها فلما رآها سليمان ناداها وصرف بصره عنها إنه صرح ممرد من قوارير فألقت ثوبها قالت رب إنى ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين قال فدعا سليمان الانس فقال ما أقبح هذا ما يذهب هذا قالوا يا رسول الله المواسى قال المواسى تقطع ساقى المرأة قال ثم دعا الجن فسألهم فقالوا لا ندرى ثم دعا الشياطين فقال ما يذهب هذا قالوا مثل ذلك الموسى فقال إن المواسى تقطع ساقى المرأة قال فتلكؤا عليه ثم جعلوا له

[ 350 ]

النورة قال ابن عباس فانه لاول يوم رؤيت فيه النورة فاستنكحها سليمان * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب ابن منبه قال لما رجعت الرسل إلى بلقيس بما قال سليمان قالت قد والله عرفت ما هذا بملك وما لنا به من طاقة وما نصنع بمكاثرته شيئا وبعثت إليه إنى قادمة عليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك ثم أمرت بسرير ملكها الذى كانت تجلس عليه وكان من ذهب مفصص بالياقوت والزبرجد واللؤلؤ فجعل في سبعة أبيات بعضها في بعض ثم أقفلت على الابواب فكانت إنما تخدمها النساء معها ستمائة امرأة تخدمها ثم قالت لمن خلفت على سلطانها احتفظ بما قبلك وسرير ملكى فلا يخلص إليه أحد ولا يرينه حتى آتيك ثم شخصت إلى سليمان في اثنى عشر ألف قيل معها من ملوك اليمن تحت يدى كل قيل منهم ألوف كثيرة فجعل سليمان يبعث الجن فيأتونه بمسيرها ومنتهاها كل يوم وليلة حتى إذا دنت جمع من عنده من الجن والانس ممن تحت يديه فقال يا أيها الملا أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين قال وأسلمت فحسن إسلامها قال فزعم أن سليمان قال لها حين أسلمت وفرغ من أمرها اختاري رجلا من قومك أزوجكه قالت ومثلى يا نبى الله ينكح الرجال وقد كان لى في قومي من الملك والسلطان ما كان لى قال نعم إنه لا يكون في الاسلام إلا ذلك ولا ينبغى لك أن تحرمي ما أحل الله لك فقالت زوجنى إن كان لابد ذابتع ملك همدان فزوجه إياها ثم ردها إلى اليمن وسلط زوجها ذابتع على اليمن ودعا زوبعة أمير جن اليمن فقال اعمل الذى بتع ما استعملك لقوم قال فصنع لذى بتع الصنائع باليمن ثم لم يزل بها ملكا يعمل له فيها ما أراد حتى مات سليمان بن داود صلى الله عليه وسلم فلما حال الحول وتبينت الجن موت سليمان أقبل رجل منهم فسلك تهامة حتى إذا كان في جوف اليمن صرخ بأعلى صوته يا معشر الجن ان الملك سليمان قد مات فارفعوا أيديكم قال فعمدت الشياطين إلى حجرين عظيمين فكتبوا فيهما كتابا بالمسند نحن بنينا سلحين سبعة وسبعين خريفا دائبين وبنينا صرواح ومرواح وبينون وحاضة أيدين وهند

[ 351 ]

وهنيدة وسبعة أمجلة بقاعة وتلثوم بريدة ولو لا صارخ بتهامة لتركنا بالبون إمارة قال وسلحين وصرواح ومرواح وبينون وهند وهنيدة وتلثوم حصون كانت باليمن عملتها الشياطين لذى بتع ثم رفعوا أيديهم ثم انطلقوا وانقضى ملك ذى بتع وملك بلقيس مع ملك سليمان بن داود عليه السلام ذكر غزوته أبا زوجته جرادة وخبر الشبطان الذى أخذ خاتمه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن بعض العلماء قال قال وهب ابن منبه سمع سليمان بمدينة في جزيرة من جزائر البحر يقال لها صيدون بها ملك عظيم السلطان لم يكن للناس إليه سبيلا لمكانه في البحر وكان الله قد آتى سليمان في ملكه سلطانا لا يمتنع منه شئ في بر ولا بحر إنما يركب إليه إذا ركب على الريح فخرج إلى تلك المدينة تحمله الريح على ظهر الماء حتى نزل بها بجنوده من الجن والانس فقتل ملكها واستفاء ما فيها وأصاب فيما أصاب ابنة لذلك الملك لم ير مثلها حسنا وجمالا فاصطفاها لنفسه ودعاها إلى الاسلام فأسلمت على جفاء منها وقلة ثقة وأحبها حبا لم يحبه شيئا من نسائه ووقعت نفسه عليها فكانت على منزلتها عنده لا يذهب حزنها ولا يرقأد معها فقال لها لما رأى ما بها وهو يشق عليه ما يرى ويحك ما هذا الحزن الذى لا يذهب والدمع الذى لا يرقأ قالت إن أبى أذكره وأذكر ملكه وما كان فيه وما أصابه فيحزننى ذلك قال فقد أبدلك الله ملكا هو أعظم من ملكه وسلطانا هو أعظم من سلطانه وهداك للاسلام وهو خير من ذلك كله قالت إن ذلك كذلك ولكني إذا ذكرته أصابني ما ترى من الحزن فلو أنك أمرت الشياطين فصوروا صورة أبى في دارى التى أنا فيها أراها بكرة وعشيا لرجوت أن يذهب ذلك حزنى وأن يسلى عنى بعض ما أجد في نفسي فأمر سليمان الشياطين فقال مثلوا لها صورة أبيها في دارها حتى لا تنكر منه شيئا فمثلوه لها حتى نظرت إلى أبيها في نفسه إلا أنه لا روح فيه فعمدت إليه حين صنعوه لها فازرته وقمصته وعممته وردته بمثل ثيابه التى كان يلبس مثل ما كان يكون فيه من هيئته ثم كانت إذا خرج سليمان من دارها تغدو عليه في ولائدها حتى تسجد له ويسجدن

[ 352 ]

له كما كانت تصنع به في ملكه وتروح كل عشية بمثل ذلك لا يعلم سليمان بشئ من ذلك أربعين صباحا وبلغ ذلك آصف بن برخيا وكان صديقا وكان لا يرد عن أبو اب سليمان أي ساعة أراد دخول شئ من بيوته دخل حاضرا كان سليمان أو غائبا فأتاه فقال يا نبى الله كبرت سنى ودق عظمي ونفد عمرى وقد حان منى الذهاب وقد أحببت أن أقوم مقاما قبل الموت أذكر فيه من مضى من أنبياء الله وأثنى عليهم بعلمي فيهم وأعلم الناس بعض ما كانوا يجهلون من كثير من أمورهم فقال افعل فجمع له سليمان الناس فقام فيهم خطيبا فذكر من مضى من أنبياء الله فأثنى على كل نبى بما فيه وذكر ما فضله الله به حتى انتهى إلى سليمان وذكره فقال ما كان أحلمك في صغرك وأورعك في صغرك وأفضلك في صغرك وأحكم أمرك في صغرك وأبعدك من كل ما يكره في صغرك ثم انصرف فوجد سليمان في نفسه حتى ملاه غضبا فلما دخل سليمان داره أرسل إليه فقال يا آصف ذكرت من مضى من أنبياء الله فأثنيت عليهم خيرا في كل زمانهم وعلى كل حال من أمرهم فلما ذكرتني جعلت تثنى على بخير في صغرى وسكت عما سوى ذلك من أمرى في كبرى فما الذى أحدثت في آخر أمرى قال إن غير الله ليعبد في دارك منذ أربعين صباحا في هوى امرأة فقال في دارى فقال في دارك قال إنا لله وإنا إليه راجعون لقد عرفت أنك ما قلت إلا عن شئ بلغك ثم رجع سليمان إلى داره فكسر ذلك الصنم وعاقب تلك المرأة وولائدها ثم أمر بثياب الطهرة فأتى بها وهى ثياب لا يغزلها إلا الابكار ولا ينسجها إلا الابكار ولا يغسلها إلا الابكار ولا تمسها امرأة قد رأت الدم فلبسها ثم خرج إلى فلاة من الارض وحده فأمر برماد ففرش له ثم أقبل تائبا إلى الله حتى جلس على ذلك الرماد فتمعك فيه بثيابه تذللا لله وتضرعا إليه يبكى ويدعو ويستغفر مما كان في داره ويقول فيما يقول فيما ذكر لى والله أعلم رب ما ذا ببلائك عند آل داود أن يعبدوا غيرك وأن يقروا في دورهم وأهاليهم عبادة غيرك فلم يزل كذلك يومه حتى أمسى يبكى إلى الله ويتضرع إليه ويستغره ثم رجع إلى داره وكانت أم ولد له قال لها الامينة كان إذا دخل مذهبه أو أراد

[ 353 ]

إصابة امرأة من نسائه وضع خاتمه عندها حتى يتطهر وكان لا يمس خاتمه إلا وهو طاهر وكان ملكه في خاتمه فوضعه يوما من تلك الايام عندها كما كان يضعه ثم دخل مذهبه وأتاها الشيطان صاحب البحر وكان اسمه صخرا في صورة سليمان لا تنكر منه شيئا فقال خاتمي يا أمينة فناولته إياه فجعله في يده ثم خرج حتى جلس على سرير سليمان وعكفت عليه الطير والجن والانس وخرج سليمان فأتى الامينة وقد غيرت حالته وهيئته عند كل من رآه فقال يا أمينة خاتمي فقالت ومن أنت قال أنا سليمان بن داود فقالت كذبت لست بسليمان بن داود وقد جاء سليمان فأخذ خاتمه وهو ذاك جالس على سريره في ملكه فعرف سليمان أن خطيئته قد أدركته فخرج فجعل يقف على الدار من دور بنى اسرائيل فيقول أنا سليمان بن داود فيحثون عليه التراب ويسبونه ويقولون انظروا إلى هذا المجنون أي شئ يقول يزعم أنه سليمان بن داود فلما رأى سليمان ذلك عمد إلى البحر فكان ينقل الحيتان لاصحاب البحر إلى السوق فيعطونه كل يوم سمكتين فإذا أمسى باع إحدى سمكتيه بأرغفة وشوى الاخرى فأكلها فمكث بذلك أربعين صباحا عدة ما عبد ذلك الوثن في داره فأنكر آصف وعظماء بنى إسرائيل حكم عدو الله الشيطان في تلك الاربعين صباحا فقال آصف يا معشر بنى اسرائيل هل رأيتم من اختلاف حكم ابن داود ما رأيت قالوا نعم قال أمهلوني حتى أدخل على نسائه فاسألهن على أنكرن منه في خاصة أمره ما أنكرنا في عامة أمر الناس وعلانيته فدخل على نسائه فقال ويحكن هل أنكرتن من أمر ابن داود ما أنكرنا فقلن أشد ما يدع امرأة منا في دمها ولا يغتسل من جنابة فقال إنا لله وإنا إليه راجعون ان هذا لهو البلاء المبين ثم خرج إلى بنى اسرائيل فقال ما في الخاصة أعظم مما في العامة فلما مضى أربعون صباحا طار الشيطان عن مجلسه ثم مر بالبحر فقذف الخاتم فيه فبلعته سمكة وبصر بعض الصيادين فاخذها وقد عمل له سليمان صدر يومه ذلك حتى إذا كان العشى أعطاه سمكتيه فأعطى السمكة التى أخذت الخاتم ثم خرج سليمان بسمكتيه فباع التى ليس في بطنها الخاتم بالارغفة ثم عمد إلى السمكة الاخرى فبقرها ليشويها

[ 354 ]

فاستقبله خاتمه في جوفها فأخذه فجعله في يده ووقع ساجدا لله وعكف عليه الطير والجن وأقبل عليه الناس وعرف ان الذى دخل عليه لما كان أحدث في داره فرجع إلى ملكه وأظهر التوبة من ذنبه وأمر الشياطين قال أئتونى به فطلبته له الشياطين حتى أخذوه فأتى به فجاب له صخرة فادخله فيها ثم سد عليه بأخرى ثم أوثقها بالحديد والرصاص ثم أمر به فقذف في البحر * حدثنا محمد بن الحسين قال حدثنا أحمد بن المفضل قال حدثنا أسباط عن السدى في قوله (ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا) قال الشيطان حين جلس على كرسية أربعين يوما قال كان لسليمان مائة امرأة وكانت امرأة منهن يقال لها جرادة وهى آثر نسائه عنده وآمنهن عنده وكان إذا أجنب أو أتى حاجة نزع خاتمه ولا يأتمن عليه أحدا من الناس غيرها فجاءته يوما من الايام فقالت إن أخى بينه وبين فلان خصومة وأنا أحب أن تقضى له إذا جاءك فقال نعم ولم يفعل فابتلى فاعطاها خاتمه ودخل المذهب فخرج الشيطان في صورته فقال هاتى الخاتم فاعطته فجاء حتى جلس على مجلس سليمان وخرج سليمان بعد فسألها أن تعطيه خاتمه فقالت ألم تأخذه قبل قال لا وخرج من مكانه تائها قال ومكث الشيطان يحكم بين الناس أربعين يوما قال فانكر الناس أحكامه فاجتمع قراء بنى اسرائيل وعلماؤهم فجاؤا حتى دخلوا على نسائه فقالوا إنا قد أنكرنا هذا فان كان سليمان فقد ذهب عقله وأنكرنا أحكامه قال فبكى النساء عند ذلك قال فأقبلوا يمشون حتى أتوه فأحدقوا به ثم نشروا فقرؤا التوراة قال فطار من بين أيديهم حتى وقع على شرفة والخاتم معه ثم طار حتى ذهب إلى البحر فوقع الخاتم منه في البحر فابتلعه حوت من حيتان البحر قال وأقبل سليمان في حاله التى كان فيها حتى انتهى إلى صياد من صيادي البحر وهو جائع وقد اشتد جوعه فاستطعمه من صيدهم وقال إنى أنا سليمان فقام إليه بعضهم فضربه بعصا فشجه قال فجعل يغسل دمه وهو على شاطئ البحر فلام الصيادون صاحبهم الذى ضربه وقالوا بئس ما صنعت حيث ضربته قال إنه زعم أنه سليمان قال فاعطوه سمكتين مما قد ضرب عندهم

[ 355 ]

فلم يشغله ما كان به من الضرب حتى قام على شط البحر فشق بطونهما فجعل يغلسهما فوجد خاتمه في بطن احداهما فاخذه فلبسه فرد الله عليه بهاءه وملكه وجاءت الطير حتى جامت عليه فعرف القوم انه سليمان فقام القوم يعتذرون مما صنعوا فقال ما أحمدكم على عذركم ولا ألومكم على ما كان منكم كان هذا الامر لابد منه قال فجاء حتى أتى ملكه فأرسل إلى الشيطان فجئ به وسخرت له الريح والشياطين يومئذ ولم تكن سخرت له قبل ذلك وهو قوله (وهب لى ملكا لا ينبغى لاحد من بعدى أنك أنت الوهاب) * وبعث إلى الشيطان فأتى به فأمر به فجعل في صندوق من حديد ثم أطبق عليه وأقفل عليه بقفل وختم عليه بخاتمه ثم أمر به فألقى في البحر فهو فيه حتى تقوم الساعة وكان اسمه حبقيق (قال أبو جعفر) ثم لبث سليمان في ملكه بعد أن رده الله إليه تعمل له الجن ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات وغير ذلك من أعماله ويعذب من الشياطين ما شاء ويطلق من أحب منهم اطلاقه حتى إذا دنا أجله وأراد الله قبضة إليه كان من أمره فيما بلغني ما حدثنى به أحمد بن منصور قال حدثنا موسى بن مسعود أبو حذيفة قال حدثنا ابراهيم بن طهمان عن عطاء بن السائب عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كان سليمان نبى الله إذا صلى رأى شجرة نابتة بين يديه فيقول لها ما اسمك فتقول كذا وكذا فيقول لاى شئ أنت فإن كانت لغرس غرست وإن كانت لدواء كتبت فبينما هو يصلى ذات يوم إذ رأى شجرة بين يديه فقال لها ما اسمك قالت الخروب قال لاى شئ أنت قالت لخراب هذا البيت فقال سليمان اللهم عم على الجن موتى حتى يعلم الانس أن الجن لا يعلمون الغيب فنحتها عصا فتوكأ عليها حولا ميتا والجن تعمل فأكلتها الارضة فسقط فتبينب الانس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين قال وكان ابن عباس يقرأها حولا في العذاب المهين قال فشكرت الجن الارضة فكانت تأتيها بالماء * حدثنى موسى بن هارون قال حدثنا عمرو عن أسباط عن السدى في حديث ذكره عن أبى مالك وعن ابى صالح عن ابن عباس

[ 356 ]

وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال كان سليمان يتجرد في بيت المقدس السنة والسنتين والشهر والشهرين وأقل من ذلك وأكثر يدخل طعامه وشرابه فأدخله في المرة التى مات فيها فكان بدء ذلك أنه لم يكن يوم يصبح فيه إلا نبتت في بيت المقدس شجرة فيأتيها فيسئلها ما اسمك فتقول الشجرة اسمى كذا وكذا فيقول لها لاى شئ نبت فتقول نبت لكذا وكذا * فيأمر بها فتقطع فإن كانت نبتت لغرس غرسها وإن كانت نبتت دواء قالت نبت دواء لكذا وكذا فيجعلها لذلك حتى نبتت شجرة يقال لها الخروبة فسألها ما اسمك قالت أنا الخروبة قال لاى شئ نبت قالت نبت لخراب هذا المسجد قال سليمان ما كان الله ليخربه وأنا حى أنت التى على وجهك هلاكى وخراب بيت المقدس فنزعها وغرسها في حائط له ثم دخل المحراب فقام يصلى متكئا على عصاه فمات ولا تعلم به الشياطين وهم في ذلك يعملون له يخافون أن يخرج فيعاقبهم وكانت الشياطين تجتمع حول المحراب وكان المحراب له كوى بين يديه وخلفه فكان الشيطان الذى يريد أن يخلع يقول ألست جليدا إن دخلت فخرجت من ذلك الجانب فيدخل حتى يخرج من الجانب الآخر فدخل شيطان من أولئك فمر ولم يكن شيطان ينظر إلى سليمان في المحراب إلا احترق فمرو لم يسمع صوت سليمان ثم رجع فلم يسمع ثم رجع فوقف في البيت فلم يحترق ونظر إلى سليمان قد سقط ميتا فخرج فأخبر الناس أن سليمان قد مات ففتحوا عنه فأخرجوه ووجدوا منسأته وهى العصا بلسان الحبشة قد أكلتها الارضة ولم يعملوا منذكم مات فوضعوا الارضة على العصا فأكلت منها يوما وليلة ثم حسبوا على ذلك النحو فوجدوه قد مات منذ سنة وهى في قراءة ابن مسعود فمكثوا يدينون له من بعد موته حولا كاملا فأيقن الناس عند ذلك أن الجن كانوا يكذبونهم ولو أنهم علموا الغيب لعلموا موت سليمان ولم يلبثوا في العذاب سنة يعلمون له وذلك قول الله عزوجل ما دلهم على موته إلا دابة الارض - إلى قوله - في العذاب المهين يقول بين أمرهم للناس أنهم كانوا يكذبونهم ثم إن

[ 357 ]

الشياطين قالوا للارضة لو كنت تأكلين الطعام أتيناك بأطيب الطعام ولو كنت تشربين الشراب سقيناك أطيب الشراب ولكنا سننقل الماء والطين قال فهم ينقلون إليها ذاك حيث كانت قال ألم تر إلى الطين الذى يكون في جوف الخشب فهو ما يأتيها به الشياطين شكرا لها * وكان جميع عمر سليمان بن داود فيما ذكر نيفا وخمسين سنة وفى سنة أربع من ملكه ابتدأ ببناء بيت المقدس فيما ذكر * قال أبو جعفر ونرجع الآن إلى الخبر عمن ملك أقليم بابل والمشرق من ملوك الفرس بعد كيقباذ وملك بعد كيقباذ بن زاغ بن بوجباه كيقاوس ابن كيبيه بن كيقباذ الملك فذكر أنه قال يوم ملك أن الله تعالى إنما خولنا الارض وما فيها لنسعى فيها بطاعته وأنه قتل جماعة من عظماء البلاد التى حوله وحمى بلاده ورعيته ممن حواليهم من الاعداء أن يتناولوا منها شيئا وأنه كان يسكن بلخ وأنه ولد له ابن لم ير مثله في عصره في جماله وكماله وتمام خلقه فسماه سياوخش وضمه إلى رستم الشديد بن دستان بن برامان بن حورنك بن كر شاسب ابن أثرط بن سهم بن نريمان وكان اصبهبذ سجستان وما يليه من قبله يربيه ويكفله وأوصاه به فاخذه منه رستم فمضى به معه إلى موضع عمله سجستان فرباه رستم ولم يزل في حجره يجمع له وهو طفل الحواضن والمرضعات ويتخيرهن له حتى إذا ترعرع جمع له المعلمين فتخير له منهم من اختاره ليعلمه حتى إذا قدر على الركوب علمه الفروسية حتى إذا تكامل فيه فنون الآداب وفاق في الفروسية قدم به على والده رجلا كاملا فامتحنه والده كيقاوس فوجده نافدا في كل ما أراد بارعا فسربه وكان كيقاوس تزوج فيما ذكر ابنة فراسيات ملك الترك وقيل بل إنها بنت ملك اليمن وكان يقال لها سوذابة وكانت ساحرة فهويت سياوخش ودعته إلى نفسها وأنه امتنع عليها وذكرت لها ولسياوخش قصة يطول بذكرها الكتاب غير أن

[ 358 ]

آخر أمرهما صار في ذلك فيما ذكر لى أن سوذابة لم تزل لما رأت من امتناع سياوخش عليها فيما أرادت منه من الفاحشة بأبيه كيقاوس حتى افسدته عليه وتغير لابنه سياوخش فسأل سياوخش رستم أن يسأل أباه كيقاوس توجيهه لحرب فراسيات لسبب منعه بعض ماكان ضمن له عند إنكاحه ابنته إياه وصلح جرى بينه وبينه مريدا بذلك سياوخش البعد عن والده كيقاوس والتنحى عما تكيد به عنده زوجته سوذابة ففعل ذلك رستم واستأذن له أباه فيما سأله وضم إليه جندا كثيفا فشخص إلى بلاد الترك للقاء فراسيات فلما صار إليه سياوخش جرى بينهما صلح وكتب بذلك سياوخش إلى أبيه يعلمه ما جرى بينه وبين فراسيات من الصلح فكتب إليه والده يأمره بمناهضة فراسيات ومناجزته الحرب إن هو لم يذعن له بالوفاء يما كان فارقه عليه فرأى سياوخش أن في فعله ما كتب به إليه أبو ه من محاربة فراسيات بعد الذى جرى بينه وبينه من الصلح والهدنة من غير نقض فراسيات شيئا من أسباب ذلك عليه عارا ومنقصة ومأثما فامتنع عن إنفاذ أمر أبيه في ذلك ورأى في نفسه أنه يؤتى في كل ذلك من زوجة أبيه التى دعته إلى نفسها فامتنع عليها ومال إلى الهرب من أبيه فراسل فراسيات في أخذا الامان لنفسه منه واللحاق به وترك والده فأجابه فراسيات إلى ذلك وكان السفير بينهما في ذلك فيما قيل رجلا من الترك من عظمائهم يقال له فيران بن ويسغان فلما فعل ذلك سياوخش انصرف عنه من كان معه من جند أبيه كيقاوس فلما صار سياوخش إلى فراسيات بوأه وأكرمه وزوجه ابنة له ويقال لها وسفا فريد وهى أم كيخسرونه ثم لم يزل مكرما حتى ظهر له من أدب سياوخش وعقله وكماله وفروسيته ونجدته ما أشفق على ملكه منه فأفسده ذلك عنده وزاده فسادا عليه سعى ابنين له وأخ يقال له كيدر بن فشنجان عليه بإفساد أمر سياوخش عنده حسدا منهم له وحذرا على ملكهم منه حتى مكنهم من قتله فذكر في سبب وصولهم إلى قتله أمر يطول بشرحه الخطب إلا أنهم قتلوه ومثلوا به وامرأته ابنة فراسيات حامل منه بابنه كيخسرونه فطلبوا الحيلة لاسقاطها ما في بطنها فلم يسقط

[ 359 ]

وأن فيران الذى سعى في عقد الصلح بين فراسيات وسياوخش لما صح عنده ما فعل فراسيات من قتله سياوخش أنكر ذلك من فعله وخوفه عاقبة الغدر وحذره الطلب بالثأر من والده كيقاوس ومن رستم وسأله دفع ابنته وسفا فريد إليه لتكون عنده إلى أن تضع ما في بطنها ثم يقتله ففعل ذلك فراسيات فلما وضعت برق فيران لها وللمولود فترك قتله وستر أمره حتى بلغ المولود فوجه فيما ذكر كيقاوس إلى بلاد الترك بى بن جوذرز وأمره بالبحث عن المولود الذى ولدته زوجة ابن سياوخش والتأنى لاخراجه إليه إذا وقف على خبره مع أمه وأن بيا شخص لذلك فلم يزل يفحص عن أمر ذلك المولود متنكرا حينا من الزمان فلا يعرف له خبر ولا يدله عليه أحد ثم وقف بعد ذلك على خبره فاحتال فيه وفى امه حتى أخرجهما من أرض الترك إلى كيقاوس وقد كان كيقاوس فيما ذكر حين اتصل به قتل ابنه أشخص جماعة من رؤساء قواده منهم رستم بن دستان الشديد وطوس بن نوذران وكانا ذوى بأس ونجدة فاثخنا الترك قتلا وأسرا وحاربا فراسيات حربا شديدا وأن رستم قتل بيده شهر وشهرة ابني فراسيات وأن طوسا قتل بيده كيدراخا فراسيات وذكر أن الشياطين كانت مسخره لكيقاوس فزعم بعض أهل العلم بأخبار المتقدمين أن الشياطين الذين كانوا سخروا له إنما كانوا يطيعونه عن أمر سليمان بن داود إياهم بطاعته وأن كيقاوس أمر الشياطين فبنوا له مدينة سماها كيكدر ويقال قيقدور وكان طولها فيما يزعمون ثمانمائه فرسخ وأمرهم فضربوا عليها سورا من صفر وسورا من شبه وسورا من نحاس وسورا من فخار وسورا من فضة وسورا من ذهب وكانت الشياطين تنقلها ما بين السماء والارض وما فيها من الدواب والخزائن والاموال والناس وذكروا أن كيقاوس كان لا يحدث وهو يأكل ويشرب ثم إن الله تعالى بعث إلى المدينة التى بناها كذلك من يخربها فأمر كيقاوس شياطينه بمنع من قصد لتخريبها فلم يقدروا على ذلك فلما رأى كيقاوس الشياطين لا يطيق الدفع عنها عطف عليها فقتل رؤساءها وكان كيقاوس مظفرا لا يناوئه أحد من الملوك إلا ظفر عليه وقهره ولم

[ 360 ]

يزل ذلك أمره حتى حدثته نفسه لما كان أتى من العز والملك وأنه لا يتناول شبئا إلا وصل إليه بالصعود إلى السماء * فحدثت عن هشام بن محمد أنه شخص من خراسان حتى نزل بابل وقال ما بقى شئ من الارض إلا وقد ملكته ولابد من أن أعرف أمر السماء والكواكب وما فوقها وأن الله أعطاه قوة ارتفع بها ومن معه في الهواء حتى انتهوا إلى السحاب ثم إن الله سلبهم تلك القوة فسقطوا فهلكوا وأفلت بنفسه وأحدث يومئذ وفسد عليه ملكه وتمزقت الارض وكثرت الملوك في النواحى فصار يغزوهم ويغزونه فيظفر مرة وينكب أخرى * قال فغزا بلاد اليمن والملك بها يومئذ ذو الاذعار بن أبرهة ذى المنار بن الرائش فلما ورد بلاد اليمن خرج عله ذو الاذعار بن أبرهة وكان قد أصابه الفالج فلم يكن يغزو قبل ذلك بنفسه قال فلما أظله كيقاوس ووطئ بلاده في جموعه خرج بنفسه في جموع حمير وولد قحطان فظفر بكيقاوس فأسره واستباح عسكره وحبسه في بئر وأطبق عليه طبقا قال وخرج من سجستان رجل يقال له رستم كان جبارا قويا فيمن أطاعه من الناس قال فزعمت الفرس أنه وغل بلاد اليمن واستخرج قابوس من محبسه وهو كيقاوس قال وزعم أهل اليمن أنه لما بلغ ذا الاذعار إقبال رستم خرج إليه في جنوده وعدده وخندق كل واحد منهما على عسكره وأنهما أشفقا على جنديهما من البوار وتخوفا إن تزاحفا أن لا تكون لهما بقية فاصطلحا على دفع كيقاوس إلى رستم ووضع الحرب فانصرف رستم بكيقاس إلى بابل وكتب كيقاوس لرستم عتقا من عبودة الملك وأقطعه سجستان وزابلستان وأعطاه قلنسوة منسوجة بالذهب وتوجه وأمره أن يجلس على سرير من فضة قوائمه من ذهب فلم تزل تلك البلاد بيد رستم حتى هلك كيقاوس وبعده دهرا طويلا قال وكان ملكه مائة وخمسين سنة * وزعم علماء الفرس أن أول من سود لباسه على وجه الحداد شادوس بن جوذرز على سياوخش وأنه فعل ذلك يوم ورد على كيقاوس نعى ابنه سياوخش وقتل فراسيات إياه وغدره به وأنه دخل على كيقاوس وقد لبس السواد وأعلمه أن فعل ذلك لان يومه يوم إظلام وسواد وقد حقق ما ذكر

[ 361 ]

ابن الكلبى من أسر صاحب اليمن قابوس الحسن بن هانئ في شعر له فقال وقاظ قابوس في سلاسلنا * سنين سبعا وفت لحاسبها ثم ملك من بعد كيقاوس ابن ابنه كيخسرو ابن سياوخش بن كيقاوس بن كيبيه بن كيقباذ وكان كيقاوس حين سار به وبأمه وسفا فريد ابنة فراسيات * وربما قيل وسففره بى بن جوذرز إليه من بلاد الترك ملكه فلما قام بالملك بعد جده كيقاوس وعقد التاج على رأسه خطب رعيته خطبة بليغة أعلمهم فيها أنه على الطلب بدم أبيه سياوخش قبل فراسيات التركي ثم كتب إلى جوذرز الاصبهبذ كان باصبهان ونواحى خراسان يأمره بالمسير إليه فلما صار إليه أعلمه ما عزم عليه من الطلب بثأره من قتل والده وأمره بعرض جنده وانتخاب ثلاثين ألف رجل منهم وضمهم إلى طوس بن نوذران ليتوجه بهم إلى بلاد الترك ففعل ذلك جوذرز وضمهم إلى طوس وكان فيمن أشخص معه برزافرة بن كيقاوس عم كيخسرو وبى بن جوذرز وجماعة كثيرة من اخوته وتقدم كيخسرو إلى طوس أن يكون قصده لفراسيات وطراخنته وألا يمر بناحية من بلاد الترك كان فيها أخ له يقال له فروذ بن سياوخش من امرأة يقال لها برزافريد كان سياوخش تزوجها في بعض مدائن الترك أيام سار إلى فراسيات ثم شخص عنها وهى حبلى فولدت فروذ فأقام بموضعه إلى أن شب فغلظ طوس في أمر فروذ فيما قيل وذلك أنه لما صار بحذاء المدينة التى كان فيها فروذ هاج بينه وبينه حرب ببعض الاسباب فهلك فروذ فيها فلما اتصل خبره بكيسخرو كتب إلى برزافره عمه كتابا غليظا يعلمه فيه ما ورد عليه من خبر طوس ابن نوذران ومحاربته فروذ أخاه وأمره بتوجيه طوس إليه مقيدا مغلولا وتقدم إليه في القيام بأمر العسكر والنفوذ به لوجهه فلما وصل الكتاب إلى برزافره جمع رؤساء الاجناد والمقاتلة فقرأه عليهم وأمر بغل طوس وتقييده ووجهه مع ثقات من رسله إلى كيخسرو وتولى أمر العسكر وعبر النهر المعروف بكاسرود وانتهى

[ 362 ]

الخبر إلى فراسيات فوجه إلى برزافره جماعة من اخوته وطراخنته لمحاربته فالتقوا بموضع من بلاد الترك يقال له واشن وفيهم فيران بن ويسغان واخوته طراسف ابن جوذرز صهر فراسيات وهماسف بن فشنجان وقاتلوا قتالا شديدا وظهر من برزافره في ذلك اليوم فشل لما رأى من شدة الامر وكثرة القتلى حتى انحاز بالعلم إلى رؤوس الجبال واضطرب على والده جوذرز أمرهم فقتل منهم في تلك الملحمة في وقعة واحدة سبعون رجلا وقتل من الفريقين بشر كثير وانصرف برزافره ومن كان معه إلى كيخسرو وبهم من الغم والمصيبة ما تمنوا معه الموت فكان خوفهم من سطوة كيخسرو أشد فلما دخلوا على كيخسرو أقبل على برزافره بلائمة شديدة وقال أتيتم في وجهكم لترككم وصيتى ومخالفة وصية الملوك تورد مورد السوء وتورث الندامة وبلغ ما أصيبوا به من كيخسر وحتى رؤيت الكآبة في وجهه ولم يلتذ طعاما ولا نوما فلما مضت لموافاتهم أيام أرسل إلى جوذرز فلما دخل عليه أظهر التوجع له فشكا إليه جوذرز برزافره وأعلمه أنه كان السبب للهزيمة بالعلم وخذلانه ولده فقال له كيخسرو ان حقك بخدمتك لآبائنا لازم لنا وهذه جنودنا وخزائننا مبذولة لك في مطالبة ترتك وأمره بالتهيؤ والاستعداد والتوجه إلى فراسيات والعمل في قتله وتخريب بلاده فلما سمع جوذرز مقالة كيخسرو نهض مبادرا فقبل يده وقال أبها الملك المظفر نحن رعيتك وعبيدك فان كانت آفة أو نازلة فلتكن بالعبيد دون ملوكها وأولادى المقتولون فداؤك ونحن من وراء الانتقام من فراسيات والاشتفاء من مملكة الترك فلا يغمن الملك ما كان ولا يدعن لهوه فان الحرب دول وأعلمه أنه على النفوذ لامره وخرج من عنده مسرورا فلما كان من الغد أمر كيخسرو أن يدخل عليه روساء أجناده والوجوه من أهل مملكته فلما دخلوا عليه أعلمهم ما عزم عليه من محاربة الاتراك وكتب إلى عماله في الآفاق يعلمهم ذلك ويأمر بموافاتهم في صحراء تعرف بشاه أسطون من كورة بلخ في وقت وقته لهم فتوافت رؤساء الاجناد في ذلك الموضع وشخص إليه كيخسرو باصبهبذته وأصحابهم وفيهم برزافره عمه وأهل بيته وجوذرزو بقية ولده

[ 363 ]

فلما تكاملت الملحمة واجتمعت المرازبة تولى كيخسرو بنفسه عرض الجند حتى عرف مبلغهم وفهم أحوالهم ثم دعا بجوذرز بن جشوادغان وميلاذ بن جرجين واغص بن بهذان واغص ابن وصيفة كانت لسياوخش يقال لها شوماهان فأعلمهم أنه قد أراد إدخال العساكر على الترك من أربعة أوجه حتى يحيطوا بهم برا وبحرا وأنه قد قود على تلك العساكر وجعل أعظمها إلى جوذرز وصبر مدخله من ناحية خراسان وجعل فيمن ضم إليه برزافره عمه وبى بن جوذرز وجماعة من الاصبهبذين كثيرة ودفع إليه يومئذ العلم الاكبر الذى كانوا يسمونه درفش كابيان وزعموا أن ذلك العلم لم يكن دفعه أحد من الملوك إلى أحد من القواد قبل ذلك وإنما كانوا يسيرونه مع أولاد الملوك إذا وجهوهم في الامور العظام وأمر ميلاذ بالدخول مما يلي الصين وضم إليه جماعة كثيرة دون من ضم إلى جوذرز وأمراغص بالدخول من ناحية الخزر في مثل من ضم إلى ميلاذ وضم إلى شومهان أخوتها وبنى عمها وتمام ثلاثين ألف رجل من الجند وأمرها بالدخول من طريق بين طرق جوذرز وميلاذ ويقال ان كيخسرو انما غزى شومهان لخاصتها بسياوخش وكانت نذرت أتطالب بدمه فمضى جميع هؤلاء لوجههم ودخل جوذرز بلاد الترك من ناحية خراسان وبدأ بفيران بن ويسغان فالتحمت بينهما حرب شديدة مذكورة وهى الحرب التى قتل فيها بيزن بن بى خمان بن ويسغان مبارزة وقتل جوذر زفيران أيضا ثم قصد جوذرز فراسيات وألحت عليه العساكر الثلاثة كل عسكر من الوجه الذى دخل منه واتبع القوم بعد ذلك كيخسرو بنفسه وجعل قصده للوجه الذى كان فيه جوذرز وصير مدخله منه فوافى عسكر جوذرز وقد أثخن في الترك وقتل فيران رئيس اصبهبذى فراسيات والمرشح للملك من بعده وجماعة كثيرة من اخوته مثل خمان واوستهن وجلباد وسيامق وبهرام وفرشخاذ وفرخلاد ومن ولده مثل روين بن فيران وكان مقدما عند فراسيات وجماعة من اخوة فراسيات مثل رتدراى واندرمان واسفخرم واخست وأسر برو بن فشنجان قاتل سياوخش ووجد جوذرز قد أحصى القتلى والاسرى وما غنم من الكراع

[ 364 ]

والاموال فوجد مبلغ ما في يده من الاسرى ثلاثين ألفا ومن القتلى خمسمائة ألف ونيفا وستين ألف رجل ومن الكراع والورق والاموال مالا يحصى كثرة وأمر كل واحد من الوجوه الذين كانوا معه ان يجعل أسيره أو قتيله من الاتراك عند علمه لينظر كيخسرو إلى ذلك عند موافاته فلما وافى كيخسرو العسكر وموضع الملحمة اصطفت له الرجال وتلقاه جوذرز وسائر الاصبهبذين فلما دخل العسكر جعل يمر بعلم علم فكان أول قتيل رآه جثة فيران عند علم جوذرز فلما نظر إليها وقف ثم قال أيها الجبل الصعب الذرى المنيع الاركان ألم أنهك عن هذه المحاربة وعن نصب نفسك لنادون فراسيات في هذه المطالبة ألم أبذل لك نفسي وأعرض عليك ملكى فلم تسحن الاختيار ألست الصدوق اللسان الحافظ للاخوان الكاتم للاسرار ألم أعلمك مكر فراسيات وقلة وفاثه فلم تفعل ما أمرتك بل مضيت في نومك حتى احتوشتك الليوث من مقاتلتنا وأبناء مملكتنا ما أغنى عنك فراسيات وقد فارقت الدنيا وأفنيت آل ويسغان فويل لعلمك وفهمك وويل لسخائك وصدقك إنابك اليوم لمرجعون ولم يزل كيخسرو يرثى فيران حتى صار إلى علم بى بن جوذرز فلما وقف عليه وجدبروا بن فشنجان حيا أسيرا في يدى بى فسأل عنه فأخبر ان بروا قاتل سياوخش الماثل به عند قتله اياه فقرب منه كيخسرو ثم طأطأ رأسه بالسجود شكرا لربه ثم قال الحمد لله الذى أمكننى منك يابروا أنت الذى قتلت سياوخش ومثلت به وأنت الذى سلبته زينته وتكلفت من بين الاتراك إبارته فغرست لنا بفعلك هذه الشجرة من العداوة وهيجت بيننا هذه المحاربة وأشعلت في كلا الفريقين نارا موقدة أنت الذى جرى على يديك تبديل صورته وتوهين قوته اما تهيبت أيها التركي جماله ألا أبقيت عليه للنور الساطع على وجهه أين نجدتك وقوتك اليوم وأين أخوك الساحر عن نصرتك لست أقتلك لقتلك اياه بل لكلفتك وتوليك ما كان صلاحا لك ألا تتولاه وسأقتل من قتله ببغيه وجرمه ثم أمر أن تقطع أعضاؤه حيا ثم يذبح ففعل ذلك به بى ولم يزل كيخسرو يمر بعلم علم واصبهبذا صبهبذ فإذا صار إلى الواحد منهم

[ 365 ]

قال له نحو ما ذكرنا ثم صار إلى مضاربه فلما استقر فيها دعا ببرزافره عمه فلما دخل عليه أجلسه عن يمينه وأظهر له السرور بقتله جلباذ بن ويسغان مبارزة ثم أجزل جائزته وملكه على كرمان ومكران ونواحيها ثم دعا بجوذرز فلما دخل عليه قال له أيها الاصبهبذ الرشيد والكهل الشفيق انه مهما كان من هذا الفتح الظعيم فمن ربنا عزوجل وعن غير حيلة منا ولا قوة ثم برعايتك حقنا وبذلك نفسك وأولادك لنا وذلك مدخور لك عندنا وقد حبوناك بالمرتبة التى يقال لها بزر جفر مذار وهى الوزارة وجعلنا لك أصبهان وجرجان وجبالهما فاحسن رعاية أهلها فشكر جوذرز ذلك وخرج من عنده بهجا مسرورا ثم أمر بالوجوه من اصبهبذته الذين كانوا مع جوذرز ممن حسن بلاؤه وتولى قتل طراخنة الاتراك ولد فشنجان وويسغان مثل جرجين ابن ميلاذان وبى وشادوس لخام وجدمير بن جوذرز وبيزن ابن بى وبرازه بن بيفغان وفروذه بن فامدان وزنده بن شابريغان وبسطام بن كزدهمان وفرته بن تفارغان فدخلوا عليه رجلا رجلا فمنهم من ملكه على البلدان الشريفة ومنهم من خصه باعمال من أعمال حضرته ثم لم يلبث أن وردت عليه الكتب من ميلاذ وأغص وشومهان يا ثخانهم في بلاد الترك وانهم قد هزموا الفراسيات عسكرا بعد عسكر فكتب إليهم ان يجدوا في محاربة القوم وان يوافوه بموضع سماه لهم من بلاد الترك فزعموا أن العساكر الاربعة لما أحاطت بفراسيات وأتاه من قتل من قتل وأسر من أسر وخراب ما خرب ما أتاه ضاقت عليه المذاهب ولم يبق معه من ولده الاشيده وكان ساحرا فوجهه نحو كيخسرو بالعدة والعتاد فلما وافى كيخسرو أعلم أن أباه انما وجهه للاحتيال عليه فجمع اصبهذته وتقدم إليهم في الاحتراس من غيلته وقيل ان كيخسرو أشفق يومئذ من شيده وهابه وظن ان لا طاقه له به وان القتال اتصل بينهما أربعة أيام وان رجلا من خاصة كيخسرو يقال له جرد بن جرهمان عبى يومئذ أصحاب كيخسرو فاحسن تعبيتهم فكثرت القتلى بينهم واستماتت رجال خنيارث وجدت وأيقن شيده ان لا طاقة له بهم فانهزم

[ 366 ]

واتبعه كيخسرو بمن معه ولحقه جرد فضربه على هامته بالعمود ضربة خر منها ميتا ووقف كيخسرو على جيفته فعاين منها سماجة شنعة وغنم كيخسرو ما كان من عسكرهم وبلغ الخبر فراسيات فأقبل بجميع طراخنته فلما التقى وكيخسرو نشبت بينهما حرب شديدة لا يقال إن مثلها كان على وجه الارض قبها فاختلط رجال خنيارث برجال الترك وامتد الامر بينهم حتى لم تقع العين يومئذ إلا على الدماء والاسر من جورز وولده وجرجين وجرد وبسطام ونظر فراسيات وهم يحمون كيخسرو كأنهم أسود ضارية فانهزم موليا على وجه هاربا فأحصيت القتلى فيما ذكر يومئذ فبلغت عدتهم مائة ألف وجد كيخسرو أصحابه في طلب فراسيات وقد تجرد للهرب فلم يزل يهرب من بلد إلى بلد حتى أتى آذربيجان فاستتر في غدير هناك يعرف ببئر خاسف ثم ظفر به فلما أتى كيخسرو استوثق منه بالحديد ثم أقام للاستراحة بموضعه ثلاثة أيام ثم دعاه فسأله عن عذره في أمر سياوخش فلم يكن له عذر ولا حجة فأمر بقتله فقام إليه بى بن جوذرز فذبحه كما ذبح سياوخش ثم أتى كيخسرو بدمه فغمس فيه يده وقال هذا بترة سياوخش وظلمكم إياه واعتدائكم عليه ثم انصرف من آذربيجان ظافرا غانما بهجا * وذكر أن عدة من أولاد كيبيه جد كيخسرو الاكبر وأولادهم كانوا مع كيخسرو في حرب الترك وان ممن كان معه كى ارش بن كيبيه وكان مملكا على خوزستان وما يليها من بابل وكى به ارش وكان مملكا كرمان ونواحيها وكى أوجى بن كيمنوش ابن كيفاشين بن كيبيه وكان مملكا على فارس وكى أوجى هذا هو أبو كى لهراسف الملك ويقال ان أخا لفراسيات كان يقال له كى شراسف صار إلى بلاد الترك بعد قتل كيخسرو أخاه فاستولى على ملكها وكان له ابن يقال له خرزاسف فملك البلاد بعد أبيه وكان جبارا عاتيا وهو ابن أخى فراسيات ملك الترك الذى كان حارب منوشهر وجوذرز هو ابن خشوادغان بن يسحره بن قرحين بن حبر بن رسود بن أورب بن تاج بن رنسنك بن ارس بن ونديج بن رعر بن نودراحاه بن مسواغ بن نوذر بن منوشهر فلما فرغ كيخسرو من المطالبة بوتره واستقر في مملكته زهد في

[ 367 ]

الملك وتنسك وأعلم الوجوه من أهله وأهل مملكته انه على التخلي من الامر فاشتد لذلك جزعهم وعظمت له وحشتهم واستغاثوا إليه وطلبوا وتضرعوا وراودوه على المقام بتدبير ملكهم فلم يجدوا عنده في ذلك شيئا فلما يئسوا قالوا بأجمعهم فإذا قمت على ما أنت عليه فسم للمك رجلا نقلده إياه وكان لهراسف حاضرا فأشار بيده إليه وأعلمهم انه خاصته ووصيه فأقبل الناس إلى لهراسف وذلك بعد قبوله الوصية وفقد كيخسرو فبعض يقول إنه غاب للنسك فلا يدرى أين مات ولا كيف كانت ميتته وبعض يقول غير ذلك وتقلد لهراسف الملك بعده على الرسم الذى رسم له وولد كيخسرو جاماس واسبهر ورمى ورمين وكان ملك كيخسرو ستين سنة (رجع الحديث) إلى الخبر عن أمر بنى اسرائيل بعد سليمان بن داود عليه السلام ثم ملك بعد سليمان بن داود على جميع بنى اسرائيل ابنه رحبعم بن سليمان وكان ملكه فيما قيل سبع عشرة سنة ثم افترقت ممالك بنى اسرائيل فيما ذكر بعد رحبعم فكان أبيا بن رحبعم ملك سبط يهوذا وبنيامين دون سائر الاسباط وذلك ان سائر الاسباط ملكوا علبهم يوربعم بن نابط عبد سليمان لسبب القربان الذى كانت زوجة سليمان قربته في داره وكانت قربت فيها جرادة لصنم فتوعده الله بازالة بعض الملك عن ولده فكان ملك رحبعم إلى أن توفى فيما ذكر ثلاث سنين ثم ملك أسا بن ابيا أمر السبطين اللذين كان أبو ه يملك أمرهما وهما سبط يهوذا وسبط بنيامين إلى أن توفى احدى وأربعين سنة ذكر خبر أسا بن ابيا وزرج الهندي * حدثنى محمد بن سهل بن عسكر قال حدثنا اسماعيل بن عبد الكريم قال حدثنى عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه يقول إن ملكا من ملوك بنى اسرائيل يقال له أسابن أبيا كان رجلا صالحا وكان أعرج وكان ملك من ملوك الهند يقال له زرج وكان ملكا جبارا فاسقا يدعو الناس إلى عبادته وكان أبيا عابد أصنام له صنمان يعبدهما من دون الله ويدعو الناس إلى عبادتهما حتى أضل عامة

[ 368 ]

بنى اسرائيل وكان يعبد الاصنام حتى توفى ثم ملك ابنه أسا من بعده فلما ملكهم بعث فيهم مناديا ينادى ألا إن الكفر قد مات وأهله وعاش الايمان وأهله وانتكست الاصنام وعبادتها وظهرت طاعة الله وأعمالها فليس كافر من بنى اسرائيل يطلع رأسه بعد اليوم بكفر في ولايتى ودهرى الا أنى قاتله فان الطوفان لم يغرق الدنيا وأهلها ولم يخسف بالقرى ولم تمطر الحجارة والنار من السماء إلا بترك طاعة الله واظهار معصيته فمن أجل ذلك ينبغى لنا أن لا نقر لله معصية يعمل بها ولا نترك طاعة لله الا أظهرناها جهدنا حتى نطهر الارض من نجسها وننقيها من دنسها ونجاهد من خالفنا في ذلك بالحرب والنفى من بلادنا فلما سمع ذلك قوم ضجوا وكرهوا فأتوا أم أسا الملك فشكوا إليها فعل ابنها بهم وبآلهتهم ودعاءه إياهم إلى مفارقة دينهم والدخول في عبادة ربهم فتحملت لهم أمه أن تكلمه وتصرفه إلى عبادة أصنام والده فبينا الملك قاعد وعنده أشراف قومه ورؤسهم وذوو طاعتهم إذ أقبلت أم الملك فقام لها الملك من مجلسه وأمرها أن تجلس فيه معرفة بحقها وتوقيرا لها فأبت عليه وقالت لست ابني إن لم تجبني إلى ما أدعوك إليه وتضع طاعتك في يدى حتى تفعل ما آمرك به وتجيبنى إلى أمر إن أطعتني فيه رشدت وأخذت بحظك وان عصيتني فحظك بخست ونفسك ظلمت إنه بلغني يا بنى انك بدأت قومك بالعظيم دعوتهم إلى مخالفة دينهم والكفر بآلهتهم والتحويل عما كان عليه آباؤهم وأحدثت فيهم سنة وأظهرت فيهم بدعة أردت بذلك فيما زعمت تعظيما لو قارك ومعرفة بمكانك وتشديدا لسلطانك وفى التقصير يا بنى دخلت وبالشين أخذت ودعوت جميع الناس إلى حربك وانتدبت لقتالهم وحدك أردت بذلك أن تعيد الاحرار لك عبيدا والضعيف لك شديدا سفهت بذلك رأى العلماء وخالفت الحكماء واتبعت رأى السفهاء ولعمري ما حملك على ذلك يا بنى إلا كثرة طيشك وحداثة سنك وقلة علمك فان أنت رددت على كلامي ولم تعرف حقى فلست من نسل والدك ولا ينبغى الملك لمثلك يا بنى بأى شئ تدل على قومك لعلك أوتيت من الحروف مثل ما أوتى موسى إلى فرعون إن غرقه وأنجى قومه من الظلمة أو لعلك أوتيت

[ 369 ]

من القوة ما أوتى داود أن قتل الاسد لقومه ولحق الذئب فشق شدقه وقتل جالوت الجبار وحده أو لعلك أوتيت من الملك والحكمة أفضل مما أوتى سليمان ابن داود رأس الحكماء إذ صارت حكمته مثلا للباقين بعده يا بنى انه ما يأتك من حسنة فانا أحظى الناس بها وإن تكن الاخرى فانا أشقاهم بشقوتك فلما سمعها الملك اشتد غضبه وضاق صدره فقال لها يا أمه إنه لا ينبغى أن آكل على مائدة واحدة مع حبيبي وعدوى كذلك لا ينبغى أن أعبد غير ربى هلمى إلى أمر إن أطعتني فيه رشدت وإن تركته غويت أن تعبدي الله وتكفرى بكل آلهة دونه فانه ليس أحد يرد هذا على إلا هو لله عدو وأنا ناصره لانى عبد ه قالت له ما كنت لا فارق أصنامي ولا دين آبائى وقومي ولا أترك ذلك لقولك ولا أعبد الرب الذى تدعوني إليه فقال لها الملك حينئذ يا أمه إن قولك هذا قد قطع فيما بينى وبينك رحمى وأمر بها الملك عند ذلك فأخرجوها وغربوها ثم أوصى إلى صاحب شرطته وبابه أن يقتلها إن هي ألمت بمكانه فلما سمع ذلك منه الاسباط الذين كانوا حوله وقعت في قلوبهم المهابة فأذعنوا له بالطاعة وانقطعت فيما بينهم وبينه كل حيلة وقالوا قد فعل هذا بأمه فأين نقع نحن منه إذا خالفنا في أمره ولم نجبه إلى دينه فاحتالوا له كل حيلة فحفظه الله وأباد مكرهم فلما لم يكن لهم عن ذلك صبر ولا على فراق دينهم قوام ائتمروا بأن يهربوا من بلاده ويسكنوا بلادا غيرها فخرجوا متوجهين إلى زوج ملك الهند يطلبون أن يستحملوه على أسا ومن اتبعه فلما دخلوا على زرج سجدوا له فقال لهم من أنتم قالوا نحن عبيدك قال وأى عبيدى أنتم قالوا نحن من أرضك أرض الشام وإنا كنا نعتز بملكك حتى ظهر فينا ملك صبى حديث السن سفيه فغير ديننا وسفه رأينا وكفر آباءنا وهان عليه سخطنا فأتيناك لنعلمك ذلك فتكون أنت أولى بملكنا ونحن رؤسهم وهى أرض كثير مالها ضعيف أهلها طيبة معيشتها كثيرة أنصارها وفيهم الكنوز وملك ثلاثين ملكاوهم الذين كان يوشع بن نون خليفة موسى سار بهم في البحر هو وقومه فنحن وأرضنا لك وبلادنا بلادك وليس أحد

[ 370 ]

فيها يناصبك هم دافعون أيديهم اليك بغير قتال بأموالهم وأنفسهم مسالمة قال لهم زرج لعمري ما كنت لاجيبكم إلى ما دعوتموني إليه ولا أستجيب إلى مقاتلة قوم لعلهم اطوع لى منكم حتى أبعث إليهم من قومي أمناء فان وقع الامر على ما تكلمتم به قدامى نفعكم ذلك عندي وجعلتكم عليها ملوكا وإن كان كلامكم كذبا فانى منزل بكم العقوبة التى تنبغي لمن كذبني قال القوم تكلمت بالعدل وحكمت بالقسط ونحن به راضون فأمر عند ذلك بالارزاق فأجريت عليهم واختار من قومه أمناء ليبعثهم جواسيس فاوصاهم بوصيته وخوفهم وحذرهم بطشه إن هم كذبوه ووعدهم المعروف إن هم صدقوه وقال لهم زرج إنى مرسلكم لامانتكم وشحكم على دينكم وحسن رأيكم في قومكم لتطالعوا لى أرضا من أرضى وتبحثو إلى عن شأنها وتعلموني علم أهلها وملكها وجنودها وعددها وعدد مياهها وفجاجها وطرقها ومداخلها ومخارجها وسهولتها وصعوبتها حتى كأنى شاهد ذلك وعالمه وحاضر ذلك وخابره وخذوا معكم من الخزائن من الياقوت والمرجان والكسوة ما يفرغون إليه إذا رأوه ويشترون منكم إذا نظروا إليه فأمكنهم من خزائنه حتى أخذوا منها فجهزهم لبرهم وبحرهم ووصف لهم القوم الذين أتوهم الطرق ودلوهم على مقاصدها فساروا كالتجار حتى نزلوا ساحل البحر ثم ركبوا منه حتى أرسوا على ساحل إيليا ثم ساروا حتى دخلوها فحلوا أثقالهم فيها وأظهروا أمتعتهم وبضاعتهم ودعوا الناس إلى أن يشتروا منهم فلم يفرغوا لبضاعتهم وكسدت تجارتهم فجعلوا يعطون بالشئ القليل الشئ الكثير لكيلا يخرجوهم من قريتهم حتى يعلموا أخبارهم ويحقوا شأنهم ويستخرجوا ما أمرهم به ملكهم من أخبارهم وكان أسا الملك قد تقدم إلى نساء بنى إسرائيل أن لا يقدر على امرأة لا زوج لا بهيئة امرأة لها زوج إلا قتلها أو نفاها من بلاده إلى جزائر البحار فان ابليس لم يدخل على أهل الدين في دينهم بمكيدة هي أشد من النساء فكانت المرأة التى لا زوج لها لا تخرج إلى منتقبة في رثة الثياب لئلا تعرف فلما بذل هؤلاء الامناء بضاعتهم ما ثمنه مائة درهم بدرهم جعل نساء بنى اسرائيل يشترين خفية بالليل سرا لا يعلم بهن أحد من أهل

[ 371 ]

دينهن حتى أنفقوا بضاعتهم واشتروا بها حاجتهم واستوعبوا خبر مدينتهم وحصونهم وعدد مياههم وكانوا قد كتموا رؤس بضاعتهم ومحاسنها من اللؤلؤ والمرجان والياقوت هدية للملك وجعل الامناء يسألون من رأوا من أهل القرية عن خبر الملك وشأنه إذ لم يشتر منهم شيئا وقالوا ما شأن الملك لا يشترى منا شيئا إن كان غنيا فان عندنا من ظرائف البضاعات فنعطيه ما شاء مما لم يدخل مثله في خزائنه وإن كان محتاجا فما يمنعه أن يشهدنا فنعطيه ما شاء بغير ثمن قال لهم من حضرهم من أهل القرية إن له من الغناء والخزائن وفنون المتاع ما لم يقدر على مثله أنه استفرغ الخزائن التى كان موسى سار بها من مصر والحلى الذى كان بنو اسرائيل أخذوا وما جمع يوشع بن نون خليفة موسى وما جمع سليمان رأس الحكماء والملوك من الغناء الكثير والآنية التى لا يقدر على مثلها قال الامناء فما قتاله وبأى شئ عظمته وما جنوده أرأيتم لو أن ملكا انحرف عليه ففتق ملكه ما كان إذا قتاله إياه وما عدته وعدد جنوده أم بأى الخيل والفرسان غلبته أو من أجل كثرة جمعه وخزائنه وقعت في قلوب الرجال هيبته فأجابهم القوم وقالوا إن أسا الملك قليلة عدته ضعيفة قوته غير أن له صديقا لو دعاه واستعان به على ان يزيل الجبال أزالها فإذ كان معه صديقه فليس شئ من الخلق يطيقه قال لهم الامناء ومن صديق أساوكم عدد جنوده وكيف مواجهته وقتاله وكم عدد عساكره ومراكبه وأين قراره ومسكنه فأجابهم القوم أما مسكنه ففوق السموات العلا مستو على عرشه لا يحصى عدد جنوده وكل شئ من الخلق له عبد لو أمر البحر لطم على البر ولو أمر الانهار لغارت في عنصرها لا يرى ولا يعرف قراره وهو صديق أسا وناصره فجعل الامناء يكتبون كل شئ أخبروا به من أمر أسا وقضية أمره فدخل بعض هؤلاء الامناء عليه فقالوا يا أيها الملك إن معنا هدية نريد أن نديها لك من ظرائف بلادنا أو تشترى منا فنرخصه عليك قال لهم ائتونى بذلك حتى أنظر إليه فلما أتوه به قال لهم هل يبقى هذا لاهله ويبقون له قالوا بل يفنى هذا ويفنون أهله قال لهم أسا لا حاجة لى فيه إنما طلبتي ما تبقى بهجته لاهله لا تزول ولا يزولون

[ 372 ]

عنه فخرجوا من عنده ورد عليهم هديتهم فساروا من بيت المقدس متوجهين إلى زوج الهندي ملكهم فلما أتوه نشروا له كتاب خبرهم أنبؤه بما انتهى إليهم من أمر ملكهم وأخبروه بصديق أسا فلما سمع زرج كلامهم استحلفهم بعزته وبالشمس والقمر اللذين يعبدونهما ولهما يصلون أن لا يكتموه من خبر ما رأوا في بنى اسرائيل شيئا فصدقوه فلما فرغوا من خبرهم وخبر أساملكهم وصديقه قال لهم زرج إن بنى اسرائيل لما علموا أنكم جواسيس وأنكم قد اطلعتم على عوراتهم ذكروا لكم صديق أساوهم كاذبون أرادوا بذلك ترهيبكم إن صديق أسا لا يطيق أن يأتي بأكثر من جندي ولا بأكمل من عدتي ولا بأقسى قلوبا ولا أجرأ على القتال من قومي إن لقيني بألف لقيته باكثر من ذلك ثم عمد زرج عند ذلك فكتب إلى كل من في طاعته أن يجهزوا من كل مخلاب جندا بعدتهم حتى استمد يأجوج ومأجوج والترك وفارس مع من سواهم من الامم ممن جرت عليه لزرج طاعة * كتب من زرج الجبار الهندي ملك الارضين إلى من بلغته كتبي أما بعد فان لى أرضا قد دنا حصادها وأينع ثمرها وأردت أن تبعثوا إلى بعمال أغنمهم ما حصدوا منها وهم قوم قصوا عنى وغلبوا على أطراف من أراضي وقهروا من تحت أيديهم من رقيقي وقد منحتهم من نهض إليهم معى فان قصرت بكم قوة فعندي قوتكم فإنه لا تتعطل خزائني فاجتمعوا إليه من كل ناحية وأمدوه بالخيل والفرسان والرجال والعدة فلما اجتمعوا عنده أمكنهم من السلاح والجهاز من خزائنه ثم أمر باحصاء عددهم وتعبيتهم فبلغ عددهم ألف ألف ومائة ألف سوى أهل بلاده وأمر بمائة مركب فقرن له البغال كل أربعة أبغل جميعا عليها سرير ورقبة وفى كل قبة منها جارية ومع كل مركب عشرة من الخدم وخمسة أفيال من فيلته فبلغ في كل عسكر من عساكره مائة ألف وجعل خاصته الذين يركبون معه مائة من رؤوسهم وجعل في كل عسكر عرفاء وخطبهم وحرضهم على القتال فلما نظر إليهم وسار فيهم تعزز وتعظم شأنه في قلوب من حضره ثم قال زرج أين صديق أساهل يستطيع أن يعصمه منى أو من يطيق غلبتي فلو أن أسا وصديقه

[ 373 ]

ينظران إلى والى جندي ما اجترآ على قتالي لان عندي بكل واحد من جنده ألفا من جنودي ليدخلن أسا أرضى أسيرا ولا قدمن بقومه سبيا من جنودي فجعل زرج ينتقص أسا ويقول فيه ما لا ينبغى فبلغ أسا صنيع زرج وجمعه عليه فدعا ربه فقال اللهم أنت الذى بقوتك خلقت السموات والارض ومن فيهن حتى صار جميع ذلك في قبضتك أنت ذو الاناة الرفيقة والغضب الشديد أسألك أن لا تذكرنا بخطايانا فيما بيننا وبينك ولا تعمدنا ولا تجزينا على معصيتك ولكن تذكرنا برحمتك التى جعلتها للخلائق فانظر إلى ضعفنا وقوة عدونا وانظر إلى قلتنا وكثرة عدونا وانظر إلى ما نحن فيه من الضيق والغم وانظر إلى ما فيه عدونا من الفرح والراحة فغرق زرج وجنوده في اليم بالقدرة التى غرقت بها فرعون وجنوده وأنجيت موسى وقومه وأسألك أن تحل على زرج وقومه عذابك بغتة فأرى أسا في المنام والله أعلم إنى قد سمعت كلامك ووصل إلى جؤارك وانى على عرشى وإنى إن غرقت زرج الهندي وقومه لم يعلم بنو اسرائل ولا من كان بحضرتهم كيف صنعت بهم ولكن سأظهر في زرج وقومه لك ولمن اتبعك قدرة من قدرتي حتى أكفيك مؤنتهم وأهب لك غنيمتهم وأضع في أيديكم عساكرهم حتى يعلم أعداؤك أن صديق أسا لا يطاق وليه ولا يهزم جنده ولا يخيب مطيعه فأنا أتمهل له حتى يفرغ من حاجته ثم أسوقه اليك عبد ا وعساكره لك ولقومك خولا فسار زرج ومن معه حتى حلوا على ساحل ترسيس فلم يكن إلا محلة يوم حتى دفنوا أنهارها ومحلوا مروجها حتى كان الطير ينقصف عليهم والوحش لا تستطيع الهرب منهم فساروا حتى كانوا على مرحلتين من ايليا ففرق زرج عساكره منها إلى ايليا وامتلات منهم تلك الارض جبالها وسهولها وامتلات قلوب أهل الشام منهم رعبا وعاينوا هلكتهم فسمع بهم أسا الملك فبعث إليهم طليعة من قومه وأمرهم أن يخبروه بعددهم وهيئتهم فسار القوم الذين بعثهم أسا حتى نظروا إليهم من رأس تل ثم رجعوا إلى أسا فأخبروه انه لم ترعيون بنى آدم ولا سمعت آذنهم مثلهم ومثل أفيالهم وخيولهم وفرسانهم وما ظننا أن في الناس مثلهم كثرة وعدة قلت من إحصائهم عقولنا

[ 374 ]

وقلت من قتالهم حيلتنا وانقطع فيما بيننا وبينهم رجاؤنا فسمع بذلك أهل القرية فشقوا ثيابهم وذروا التراب على رؤسهم وعجوا بالعويل في أزقتهم وأسواقهم وجعل بعضهم يودع بعضا ثم ساروا حى أتوا الملك فقالوا نحن خارجون باجمعنا إلى هؤلاء القوم فدافعون إليهم أيدينا لعلهم أن يرحمونا فيقرونا في بلادنا قال لهم أسا الملك معاذ الله أن نلقى بأيدينا في أيدى الكفرة وأن نخلى بيت الله وكتابه للفجرة قالوا فاحتل لنا حيلة واطلب إلى صديقك وربك الذى كنت تعدنا بنصره وتدعونا إلى الايمان به فإن هو كشف عنا هذا البلاء وإلا وضعنا أيدينا في أيدى عدونا لعلنا نتخلص بذلك من القتل قال لهم أسا ان ربى لا يطاق الا بالتضرع والتبتل والاستكانة قالوا فابرز له لعله أن يجيبك فيرحم ضعفنا فإن الصديق لا يسلم صديقه على مثل هذا فدخل أسا المصلى ووضع تاجه من رأسه وحل ثيابه ولبس المسوح وافترش الرماد ثم مد يده يدعو ربه بقلب حزين وتضرع كثير ودموع سجال وهو يقول اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم إله ابراهيم وإسماعيل واسحاق ويعقوب والاسباط أنت المتخفى من خلقك حيث شئت لا يدرك قرارك ولا يطاق كنه عظمتك أنت اليقظان الذى لا تنام والجديد الذى لا تبيك الليالى والايام أسألك بالمسألة التى سألك بها ابراهيم خليلك فأطفأت بها عنه النار وألحقته بها بالابرار وبالدعاء الذى دعاك به نجيك موسى فأنجيت بنى اسرائيل من الظلمة وأعتقتهم به من العبودية وسيرتهم في البر والبحر وغرقت فرعون ومن اتبعه وبالتضرع الذى تضرع إليك عبد ك داود فرفعته ووهبت له من بعد الضعف القوة ونصرته على جالوت الجبار وهزمته وبالمسألة التى سألك بها سليمان نبيك فمنحته الحكمة ووهبت له الرفعة وملكته على كل دابة أنت محيى الموتى ومفنى الدنيا وتبقى وحدك خالدا لا تفنى وجديدا لا تبلى أسألك يا إلهى ان ترحمني باجابة دعوتي فانى أعرج مسكين من أضعف عبادك وأقلهم حيله وقد حل بنا كرب عظيم وحزن شديد لا يطيق كشفه غيرك ولا حول ولا قوة لنا إلا بك فارحم ضعفنا بما شئت فانك ترحم من تشاء بما تشاء * وجعل علماء بنى اسرائيل

[ 375 ]

يدعون الله خارجا وهم يقولون اللهم أجب اليوم عبد ك فانه قد اعتصم بك وحدك ولا تخل بينه وبين عدوك واذكر حبه إياك وفراقه أمه وجميع الخلائق إلا من أطاعك فألقى الله على اسا النوم وهو في مصلاه ساجدا ثم أتاه من الله آت والله أعلم فقال يا أسا ان الحبيب لا يسلم حبيبه وإن الله عزوجل يقول إنى قد ألقيت عليك محبتى ووجب لك نصرى فأنا الذى أكفيك عدوك فانه لا يهون من توكل على ولا يضعف من تقوى كنت تذكرني في الرخاء وأسلمك عند الشدائد وكنت تدعوني آمنا وأنا أسلمك خائفا ان الله القوى يقول أنا أقسم ان لو كابدتك السموات والارض بمن فيهن لجعلت لك من جميع ذلك مخرجا فأنا الذى أبعث طرفا من زبانيتي يقتلون أعدائي فانى معك ولن يخلص إليك ولا إلى من معك أحد فخرج اسا من مصلاه وهو يحمد الله مسفرا وجهه فأخبرهم بما قيل له فأما المؤمنون فصدقوه وأما المنافقون فكذبوه وقال بعضهم لبعض ان اسا دخل أعرج وخرج أعرج ولو كان صادقا أن الله قد أجابه إذا لاصلح رجله ولكن يغرنا ويمنينا حتى تقع الحرب فينا فيهلكنا فبينا الملك يخبرهم عن صنع الله بهم إذ قدم رسل من زرج فدخلوا ايليا ومعهم كتب من زرج إلى اسا فيها شتم له ولقومه وتكذيب بالله وكتب فيها أن ادع صديقك الذى أضللت به قومك فليبارزني بجنوده وليظهر لى مع ما انى أعلم أنه لن يطيقني هو ولا غيره لانى أنا زرج الهندي الملك فلما قرأ اسا الكتب التى قدم بها عليه هملت عيناه بالبكاء ثم دخل مصلاه ونشر تلك الكتب بين يدى الله ثم قال اللهم ليس لى شئ من الاشياء أحب إلى لقائك غير أنى اتخوف أن يطفأ هذا النور الذى أظهرته في أيامى هذه وقد حضرت هذه الصحائف وعلمت ما فيها ولو كنت المراد بها كان ذلك يسيرا غير أن عبد ك زرجا يكابدك ويتناولك وفخر بغير فخر وتكلم بغير صدق وأنت حاضر ذلك وشاهده فأوحى الله إلى اسا والله اعلم أنه لا تبديل لكلماتي ولا خلف لموعدي ولا تحويل لامرى فاخرج من مصلاك ثم مر خيلك أن تجتمع ثم أخرج بهم وبمن اتبعك حتى تقفوا على نشز من الارض فخرج اسا فاخبرهم بما قيل له

[ 376 ]

فخرج اثنا عشر رجلا من رؤسائهم مع كل رجل منهم رهط من قومه فلما ان خرجوا ودعوا أهاليهم بان لا يرجعون إلى الدنيا فوقفوا لزرج على رابية من الارض فابصروا منها زرجا وقومه فلما أبصرهم زرج نفض رأسه ليسخر منهم وقال إنما نهضت من بلادي وأنفقت أموالي لمثل هؤلاء ودعا عند ذلك بالنفر الذين كانوا نعتوا عنده اسا وقومه فقال كذبتموني وزعمتم ان قومكم كثير عددهم فامر بهم وبالامناء الذين كان بعث ليخبروه خبرهم فقتلوا جميعا واسا في في ذلك كثير التضرع معتصم بربه فقال زرج ما أدرى ما أفعل بهؤلاء القوم ما أدرى ما قدر قلتهم في كثرتنا إنى لاستقلهم عن المحاربة وأرى أن لا أقاتلهم فارسل زرج إلى اسا فقال له أين صديقك الذى كنت تعدنا به وتزعم أنه يخلصك مما يحل بكم من سطواتي أفتضعون أيديكم في يدى فأمضى فيكم حكمي أو تلتمسون قتالي فاجابه اسا فقال يا شقي إنك لست تعلم ما تقول ولست تدرى أتريد أن تغالب ربك بضعفك أم تريد أن تكاثره بقلتك هو أعز شئ وأعظمه وأغلب شئ وأقهره وعباده أذل وأضعف عنده من أن ينظروا إليه معاينة وهو معى في موقفي هذا ولن يغلب أحد كان الله معه فاجتهد يا شقي بجهدك حتى تعلم ماذا يحل بك فلما اصطف قوم زرج وأخذوا مراتبهم أمر زرج الرماة من قومه أن يرموهم بنشابهم فبعث الله ملائكة من كل سماء والله أعلم عونا لاسا وقومه ومادة له فوقفهم أسا في مواقفهم فلما رموا نشابهم حال المشركون بين ضوء الشمس وبين الارض كأنها سحابة طلعت فنحتها الملائكة عن اسا وقومه ثم رمت بها الملائكة قوم زرج فاصابت كل رجل منهم نشابته التى رمى بها فقتلوا رماتهم بها كلها وأسا وقومه في كل ذلك يحمدون الله كثيرا ويعجون إليه بالتسبيح وتراءت الملائكة لهم والله أعلم فلما رآهم الشقى زرج وقع الرعب في قلبه وسقط في يده وقال ان اسا لعظيم كيده ماض سحره وكذلك بنو اسرائيل حيث كانوا لا يغلب سحرهم ساحر ولا يطيق مكرهم عالم وانما تعلموه من مصر وبه ساروا في البحر ثم نادى الهندي في قومه أن سلوا سيوفكم ثم احملوا عليهم حملة واحدة فدقوهم فسلوا سيوفهم ثم حملوا على

[ 377 ]

الملائكة فقتلتهم الملائكة فلم يبق منهم غير زرج ونسائه ورقيقه فلما رأى ذلك زرج ولى مدبرا فارا هو ومن معه * وهو يقول ان اسا ظهر علانية أهلكني صديقه سرا وانى كنت أنظر إلى اسا ومن معه واقفين لا يقاتلون والحرب واقعة في قومي فلما رأى اسا ان زرجا قد ولى مدبرا قال اللهم ان زوجا قد ولى مدبرا وانك ان لم تخل بينى وبينه استنفر علينا قومه ثانية فأوحى الله إلى اسا انك لم تقتل من قتل منهم ولكني قتلتهم فقف مكانك فإنى لو خليت بينك وبينهم أهلكوكم جميعا إنما يتقلب زرج في قبضتي ولن ينصره أحد منى وأنا لزرج بالمكان الذى لا يستطيع صدودا عنه ولا تحويلا وانى قد وهبت لك ولقومك عساكره وما فيها من فضة ومتاع ودابة فهذا أجرك إذ اعتصمت بى ولا ألتمس منك أجرا على نصرتك فسار زرج حتى أتى البحر يريد بذلك الهرب ومعه مائة ألف فهيأ واسفنهم ثم ركبوا فيها فلما ساروا في البحر بعث الله الرياح من أطراف الارضين والبحار إلى ذلك البحر واضطربت من كل ناحية أمواجه وضربت السفن بعضها بعضا حتى تكسرت فغرق زرج ومن كان معه واضطربت بهم الامواج حتى فزع لذلك أهل القرى حولهم ورجفت الارض فبعث أسا من يعلمه علم ذلك فأوحى الله إليه والله أعلم أن اهبط أنت وقومك أهل قراكم فخذوا ما غنمكم الله بقوة وكونوا فيه من الشاكرين فإنى قد سوغت كل من أخذ من هذه العساكر شيئا ما أخذه فهبطوا يحمدون الله ويقدسونه فنقلوا تلك العساكر إلى قراهم ثلاثة أشهر والله أعلم * ثم ملك بعده يهوشا فاظا بن أسا إلى أن ملك خمسة وعشرين سنة ثم ملكت عتليا وتسمى غزليا ابنة عمرم أم أخزيا وكانت قتلت أولاد ملوك بنى اسرائيل فلم يبق منهم الايواش بن أخزيا فانه ستر عنها ثم قتلها يواش وأصحابه وكان ملكها سبع سنين ثم ملك يواش بن أخزيا إلى أن قتله أصحابه وهو الذى قتل جدته فكان ملكه أربعين سنة ثم ملك أموصيا بن يواش إلى أن قتله أصحابه تسعا وعشرين سنة ثم ملك عوزيا بن أموصيا وقد يقال لعوزيا غوزيا إلى أن توفى اثنتين وخمسين سنة ثم ملك يوتام بن عوزيا إلى أن توفى ست عشرة سنة ثم ملك أحاز بن يوتام

[ 378 ]

إلى أن توفى ست عشرة سنة ثم ملك حزقيا ين أحاز إلى أن توفى وقيل إنه صاحب شعيا الذى أعلمه شعيا انقضاء عمره فتضرع إلى ربه فزاده وأمهله وأمر شعيا باعلامه ذلك * وأما محمد بن اسحاق فانه قال صاحب شعيا الذى هذه القصة قصته اسمه صديقة ذكر صاحب قصة شعيا من ملوك بنى اسرائيل حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل قال حدثنى ابن اسحاق قال كان فيما أنزل الله على موسى في خبره عن بنى إسرائيل وأحداثهم وما هم فاعلون بعده قال (وقضينا إلى بنى إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الارض مرتين ولتعلن علوا كبيرا - إلى - وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا) فكانت بنو اسرائيل وفيهم الاحداث والذنوب وكان الله في ذلك متجاوزا عنهم متعطفا عليهم محسنا إليهم وقد كان مما أنزل الله بهم في ذنوبهم ما كان قدم إليهم في الخبر عنهم على لسان موسى فكان أول ما أنزل بهم من تلك الوقائع أن ملكا منهم كان يدعى صديقة فكان الله إذا ملك الملك عليهم بعث نبيا يسدده ويرشده فيكون فيما بينه وبين الله يحدث إليه في أمرهم لا ينزل عليهم الكتب إنما يؤمرون باتباع التوراة والاحكام التى فيها وينهونهم عن المعصية ويدعونهم إلى ما تركوا من الطاعة فلما ملك ذلك الملك بعث الله معه شعيا بن أمصيا وذلك قبل مبعث عيسى وزكرياء ويحيى وشعيا الذى بشر بعيسى ومحمد فملك ذلك الملك بنى إسرائيل وبيت المقدس زمانا فلما انقضى ملكه وعظمت فيهم الاحداث وشعيا معه بعث الله عليهم سنحاريب ملك بابل معه ستمائة ألف راية فأقبل سائرا حتى نزل حول بيت المقدس والملك مريض في ساقه قرحة فجاءه النبي شعيا فقال له يا ملك بنى اسرائيل إن سنحاريب ملك بابل قد نزل بك هو وجنوده في ستمائة ألف راية وقد هابهم الناس وفرقوا منهم فكبر ذلك على الملك فقال يا نبى الله هل أتاك وحى من الله فيما حدث فتخبرنا به كيف يفعل الله بنا وبسنحاريب وجنوده فقال له النبي عليه الصلاة والسلام لم يأتنى وحى حدث إلى

[ 379 ]

في شأنك فبينماهم على ذلك أوحى الله إلى شعيا النبي أن ائت ملك بنى إسرائيل فأمره أن يوصى وصيته ويستخلف على ملكه من يشاء من أهل بيته فاتى النبي شعيا ملك بنى إسرائيل صديقة فقال له إن ربك قد أوحى إلى أن آمرك توصى وصيتك وتستخلف من شئت على الملك من أهل بيتك فإنك ميت فلما قال ذلك شعيا لصديقة أقبل على القبلة فصلى وسبح ودعا وبكى وقال وهو يبكى ويتضرع إلى الله بقلب مخلص وتوكل وصبر وظن صادق اللهم رب الارباب وإله الآلهة القدوس المتقدس يا رحمن يا رحيم المترحم الرؤف الذى لا تأخذه سنة ولا نوم اذكرني بعملي وفعلى وحسن قضائي على بنى إسرائيل وذلك كله كان منك فانت أعلم به من نفسي وسرى وعلانيتي لك وإن الرحمن استجاب له وكان عبد ا صالحا فأوحى الله إلى شعيا فأمره أن يخبر صديقه الملك أن ربه قد استجاب له وقبل منه ورحمه وقد رأى بكاءك وقد أخر أجلك خمس عشرة سنة وأنجاك من عدوك سنحاريب ملك بابل وجنوده فلما قال له ذلك ذهب عنه الوجع وانقطع عنه الشر والحزن وخرسا حدا وقال يا إلهى وإله آبائى لك سجدت وسبحت وكرمت وعظمت أنت الذى تعطى الملك من تشاء وتنزعه ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء عالم الغيب والشهادة أنت الاول والآخر والظاهر والباطن وأنت ترحم وتستجيب دعوة المضطرين أنت الذى أجبت دعوتي ورحمت تضرعي فلما رفع رأسه أوحى الله إلى شعيا أن قل للملك صديقة فيأمر عبد ا من عبيده فيأتيه بماء التين فيجعله على قرحته فيشفى ويصبح قد برئ ففعل ذلك فشفى وقال الملك لشعيا النبي سل ربك أن يجعل لنا علما بما هو صانع بعدونا هذا فقال الله لشعيا النبي قل له إنى قد كفيتك عدوك وأنجيتك منهم وإنهم سيصبحون موتى كلهم إلا سنحاريب وخمسة من كتابه فلما أصبحوا جاءه صارخ فصرخ على باب المدينة يا ملك بنى إسرائيل إن الله قد كفاك عدوك فاخرج فان سنحاريب ومن معه قد هلكوا فلما خرج الملك ألنمس سنحاريب فلم يوجد في الموتى فبعث الملك في طلبه فأدركه الطلب في مغايرة وخمسة من كتابه أحدهم بختنصر فجعلوهم في الجوامع ثم أتوا بهم ملك بنى إسرائيل فلما رآهم خر ساجدا من

[ 380 ]

حين طلعت الشمس حتى كانت العصر ثم قال لسنحاريب كيف ترى فعل ربنا بكم ألم يقتلكم بحوله وقوته ونحن وأنتم غافلون فقال سنحاريب له قد أتانى خبر ربكم ونصره إياكم ورحمته التى رحمكم بها قبل أن أخرج من بلادي فلم أطع مرشدا ولم يلقنى في الشقوة إلا قلة عقلي ولو سمعت أو عقلت ما غزوتكم ولكن الشقوة غلبت على وعلى من معى فقال ملك بنى اسرائيل الحمد لله رب العزة الذى كفاناكم بما شاء إن ربنا لم يبقك ومن معك لكرامة لك عليه ولكنه إنما أبقاك ومن معك إلى ما هو شر لك ولمن معك لتزداد واشقوة في الدنيا وعذابا في الآخرة ولتخبروا من وراءكم بما رأيتم من فعل ربنا ولتنذروا من بعدكم ولولا ذلك ما أبقاكم ولدمك ودم من معك أهون على الله من دم قراد لو قتلته ثم إن ملك بنى أسرائيل أمر أمير حرسه فقذف في رقابهم الجوامع وطاف بهم سبعين يوما حول بيت المقدس وكان يرزقهم كل يوم خبزتين من شعير لكل رجل منهم فقال سنحاريب لملك بنى اسرائيل القتل خير مما تفعل بنا فافعل ما أمرت فأمر بهم الملك إلى سجن القتل فأوحى الله إلى شعيا النبي أن قل لملك بنى اسرائيل يرسل سنحاريب ومن معه لينذروا من وراءهم وليكرمهم وليحملهم حتى يبلغوا بلادهم فبلغ النبي شعيا الملك ذلك ففعل فخرج سنحاريب ومن معه حتى قدموا بابل فلما قدموا جمع الناس فأخبرهم كيف فعل الله بجنوده فقال له كهانه وسحرته يا ملك بابل قد كنا نقص عليك خبر ربهم وخبر نبيهم ووحى الله إلى نبيهم فلم تطعنا وهى أمة لا يستطيعها أحد من ربهم فكان أمر سنحاريب مما خوفوا به ثم كفاهم الله إياه تذكرة وعبرة ثم لبث سنحاريب بعد ذلك سبع سنين ثم مات * وقد زعم بعض أهل الكتاب أن هذا الملك من بنى اسرائيل الذى سار إليه سنحاريب كان أعرج وكان عرجه من عرق النسا وأن سنحاريب إنما طمع في مملكته لزمانته وضعفه وأنه قد كان سار إليه قبل سنحاريب ملك من ملوك بابل يقال له ليفر وكان بختنصر ابن عمه كاتبه أن الله أرسل عليه ريحا أهلكت جيشه وأفلت هو وكاتبه وأن هذا البابلي قتله

[ 381 ]

ابن له وان بختنصر غضب لصاحبه فقتل ابنه الذى قتل أباه وأن سنحاريب سار بعد ذلك إليه وكان مسكنه بنينوى مع ملك آذربيجان يومئذ وكان يدعى سلمان الاعسر وأن سنحاريب وسلمان اختلفا فتحاربا حتى تفانى جنداهما وصار ما كان معهما غنيمة لبنى اسرائيل * وقال بعضهم بل الذى غزا حزقيا صاحب شعيا سنحاريب ملك الموصل وزعم أنه لما أحاط ببيت المقدس بجنوده بعث الله ملكا فقتل من أصحابه في ليلة واحدة مائة ألف وخمسة وثمانين ألف رجل * وكان ملكه إلى أن توفى تسعا وعشرين سنة ثم ملك بعده فيما قيل أمرهم منشا ابن حزقيا إلى أن توفى خمسا وخمسين سنة ثم ملك بعده أمون بن منشا إلى أن قتله أصحابه اثنتى عشرة سنة ثم ملك بعده يوشيا بن أمون إلى أن قتله فرعون الاجدع المقعد ملك مصر أحدى وثلاثين سنة ثم يا هو احاز بن يوشيا وكان فرعون الاجدع قد غزاه وأسره وأشخصه إلى مصر وملك فرعون الاجدع يوياقيم بن ياهواحاز على ما كان عليه أبو ه ووظف عليه خراجا يؤديه إليه فكان يوياقيم يجبى ذلك فيما زعموا من بنى اسرائيل ويحمله فيما زعموا اثنتى عشرة سنة ثم ملك أمرهم من بعده يوياحين بن يوياقيم فغزاه بختنصر فأسره وأشخصه إلى بابل بعد ثلاثة أشهر من ملكه وملك مكانه متنيا عمه وسماه صديقيا فخالفه فغزاه فظفر به فاوثقه وحمله إلى بابل بعد أن ذبح ولده بين يديه وسمل عينيه وخرب المدينة والهيكل وسبى بنى اسرائيل وحملهم إلى بابل فمكثوا بها إلى أن ردهم إلى بيت المقدس كيرش بن جاماسب بن أسب من أجل القرابة التى كانت بينه وبينهم وذلك أن أمه اشتر ابنة جاويل وقيل حاويل الاسرائيل فكان جميع ما ملك صديقيا مع الثلاثة الاشهر التى ملك فيها يوياحين فيما قيل إحدى عشرة سنة وثلاثة أشهر ثم صار ملك بيت المقدس والشام لا شتاسب بن لهراسب وعامله على ذلك كله بخنتصر * وذكر محمد بن اسحاق فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه أن صديقة ملك بنى اسرائل الذى قد ذكرنا خبره لما قبضه الله مرج أمر بنى اسرائيل وتنافسوا الملك حتى قتل بعضهم بعضا عليه ونبيهم شعيا معهم

[ 382 ]

لا يرجعون إليه ولا يقبلون منه فلما فعلوا ذلك قال الله فيما بلغنا لشعيا قم في قومك أوح على لسانك فلما قام أنطق الله لسانه بالوحى فوعظهم وذكرهم وخوفهم الغير بعد أن عدد عليهم نعم الله عليهم وتعرضهم للغير قال فلما فرغ شعيا إليهم من مقالته عدوا عليه فيما بلغني ليقتلوه فهرب منهم فلقيته شجرة فانفلقت له فدخل فيها وأدركه الشيطان فأخذ بهدبة من ثوبه فأراهم إياها فوضعوا المنشار في وسطها فنشروها حتى قطعوها وقطعوه في وسطها * وقد حدثنى بقصة شعيا وقومه من بنى اسرائيل وقتلهم إياه محمد بن سهل البخاري قال حدثنا إسماعيل ابن عبد الكريم قال حدثنى عبد الصمد بن معقل عن وهب ابن منبه ذكر خبر لهراسب وابنه بشتاسب وغزو بختنصر بنى إسرائيل وتخريبه بيت المقدس ثم ملك بعد كيخسرو من الفرس لهراسب بن كيوجى بن كيمنوش بن كيفاشين باختيار كيخسرو إياه فلما عقد التاج على رأسه قال نحن مؤثرون البر على غيره واتخذ سريرا من ذهب مكللا بأنواع الجواهر للجلوس عليه وأمر فبنيت له بأرض خراسان مدينة بلخ وسماها الحسناء ودون الدواوين وقوى ملكه بانتخابه لنفسه الجنود وعمر الارض واجتيى الخراج لارزاق الجنود ووجه بختنصر وكان اسمه بالفارسية فيما قيل بخترشه * فحدثت عن هشام بن محمد قال ملك لهراسب وهو ابن أخى قبوس فبنى مدينة بلخ فاشتدت شوكة الترك في زمانه وكان منزله ببلخ يقاتل الترك قال وكان بختنصر في زمانه وكان أصبهبذ ما بين الاهواز إلى أرض الروم من غربي دجلة فشخص حتى أتى دمشق فصالحه أهلها ووجه قائدا له فأتى بيت المقدس فصالح ملك بنى إسرائيل وهو رجل من ولد داود وأخذ منه رهائن وانصرف فلما بلغ طبرية وثبت بنو إسرائيل على ملكهم فقتلوه وقالوا راهنت أهل بابل وخذلتنا واستعدوا للقتال فكتب قائد بختنصر إليه بما كان فكتب إليه يأمره أن يقيم بموضعه حتى يوافيه وأن يضرب أعناق

[ 383 ]

الرهائن الذين معه فسار بختنصر حتى أتى بيت المقدس فأخذ المدينة عنوة فقتل المقاتلة وسبى الذرية قال وبلغنا أنه وجد في سجن بنى إسرائيل أرميا النبي وكان الله تعالى بعثه نبيا فيما بلغنا إلى بنى إسرائيل يحذرهم ماحل بهم من بختنصر ويعلمهم أن الله مسلط عليهم من يقتل مقاتلتهم ويسبي ذراريهم إن لم يتوبوا وينزعوا عن سئ أعمالهم فقال له بختنصر ما خطبك فأخبره أن الله بعثه إلى قومه ليحذرهم الذى حل بهم فكذبوه وحبسوه فقال بختنصر بئس القوم قوم عصوا رسول ربهم وخلى سبيله وأحسن إليه فاجتمع إليه من بقى من ضعفاء بنى إسرائيل فقالوا إنا قد أسأنا وظلمنا ونحن نتوب إلى الله مما صنعنا فادع الله أن يقبل توبتنا فدعا ربه فأوحى إليه أنهم غير فاعلين فإن كانوا صادقين فليقيموا معك بهذه البلدة فأخبرهم بما أمرهم الله به فقالوا كيف نقيم ببلدة قد خربت وغضب الله على أهلها فأبوا أن يقيموا فكتب بختنصر إلى ملك مصر إن عبيدا لى هربوا منى إليك فسرحهم إلى وإلا غزوتك وأوطأت بلادك الخيل فكتب إليه ملك مصر ماهم بعبيدك ولكنهم الاحرار أبناء الاحرار فغزاه بختنصر فقتله وسبى أهل مصر ثم سار في أرض المغرب حتى بلغ أقصى تلك الناحية ثم انطلق بسبي كثير من أهل فلسطين والاردن فيهم دانيال وغيره من الانبياء * قال وفى ذلك الزمان تفرقت بنوا إسرائيل ونزل بعضهم أرض الحجاز بيثرب وادى القرى وغيرها * قال ثم أوحى الله إلى أرميا فيما بلغنا أنى عامر بيت المقدس فاخرج إليها فانزلها فخرج إليها حتى قدمها وهى خراب فقال في نفسه سبحان الله أمرنى الله أن أنزل هذه البلدة وأخبرني أنه عامر ها فمتى يعمر هذه ومتى يحييها الله بعد موتها ثم وضع رأسه فنام ومعه حماره وسلة فيها طعام فمكث في نومه سبعين سنة حتى هلك بختنصر والملك الذى فوقه وهو لهراسب الملك الاعظم وكان ملك لهراسب مائة وعشرين سنة وملك بعده بشتاسب ابنه فبلغه عن بلاد الشأم أنها خراب وأن السباع قد كثرت في أرض فلسطين فلم يبق بها من الانس أحد فنادى في أرض بابل في بنى إسرائيل أن من شاء أن يرجع إلى الشام فليرجع وملك عليهم رجلا من آل داود وأمره أن يعمر

[ 384 ]

بيت القدس ويبنى مسجدها فرجعوا فعمروها وفتح الله لارميا عينيه فنظر إلى المدينة كيف تعمر وتبنى ومكث في نومه ذلك حتى تمت له مائة سنة ثم بعثه الله وهو لا يظن أنه نام أكثر من ساعة وقد عهد المدينة خرابا يبابا فلما نظر إليها قال أعلم أن الله على كل شئ قدير * قا وأقام بنو إسرائيل ببيت المقدس ورد إليهم أمرهم وكثروا بها حتى غلبت عليهم الروم في زمان ملوك الطوائف فلم يكن لهم بعد ذلك جماعة * قال هشام وفى زمان بشتاسب ظهر زرادشت الذى تزعم المجوس أنه نبيهم وكان زرادشت فيما زعم قوم من علماء أهل الكتاب من أهل فلسطين خادما لبعض تلامذة أرميا النبي خاصا به أثيرا عنده فخانه فكذب عليه فدعا الله عليه فبرص فلحق ببلاد آذربيجان فشرع بها دين المجوسية ثم خرج منها متوجها نحو بشتاسب وهو ببلخ فلما قدم عليه وشرع له دينه أعجبه فقسر الناس على الدخول فيه وقتل في ذلك من رعيته مقتلة عظيمة ودانوا به فكان ملك بشتاسب مائة سنة وائنتى شعرة سنة * وأما غيره من أهل الاخبار والعلم بأمور الاوائل فإنه ذكر أن كى لهراسب كان محمودا في أهل مملكته شديد القمع للملوك المحيطة بايرانشهر شديد التفقد لاصحابه بعيد الهمة كثير الفكر في تشييد البنيان وشق الانهار وعمارة البلاد فكانت ملوك الروم والمغرب والهند وغيرهم يحملون إليه في كل سنة وظيفة معروفة واتاوة معلومة ويكاتبونه بالتعظيم ويقرون له أنه ملك الملوك هيبة له وحذرا قال ويقال إن بختنصر حمل إليه من أورى شلم خزائن وأموالا فلما أحس بالضعف من قوته ملك ابنه بشتاسب واعتزل الملك وفوضه إليه وكان ملك لهراسب فيما ذكر مائة سنة وعشرين سنة وزعم أن بختنصر هذا الذى غزا بنى إسرائيل اسمه بخترشة وأنه رجل من العجم من ولد جوذرز وأنه عاش دهرا طويلا جاوزت مدته ثلثمائة سنة وأنه كان في خدمة لهراسب الملك أبى بشتاسب وأن لهراسب وجهه إلى الشام وبيت المقدس ليجلى عنها اليهود فسار إليها ثم انصرف وأنه لم يزل من بعد لهراسب في خدمة ابنه بشتاسب ثم في خدمة بهمن من بعده وأن بهمن كان مقيما بمدينة بلخ وهى التى كانت تسمى

[ 385 ]

لحسناء وأنه أمر بخترشه بالتوجه إلى بيت المقدس ليجلى اليهود عنها وأن السبب في ذلك وثوب صاحب بيت المقدس على رسل كان بهمن وجههم إليه وقتله بعضهم فلما ورد الخبر على بهمن دعا بخترشه فملكه على بابل وأمره بالمسير إليها والنفوذ منها إلى الشام وبيت المقدس والقصد إلى اليهود حتى يقتل مقاتلتهم يسبى ذراريهم وبسط يده فيمن يختار من الاشراف والقواد فاختار من أهل بيت المملكة داريوش بن مهرى من ولد ماذى بن يافث بن نوح وكان ابن أخت بخترشه واختار كيرش كيكوان من ولد غيلم بن سام وكان خازنا على بيت مال بهمن واخشويرش بن كيرش بن جاماسب الملقب بالعالم وبهرام بن كيرش بن بشتاسب فضم بهمن إليه من أهله وخاصته هؤلاء الاربعة وضم إليه من وجوه الاساورة ورؤسائهم ثلثمائة رجل ومن الجند خمسين ألف رجل وأذن له في أن يفرض ما احتاج إليه وفى إثباتهم ثم أقبل بهم حتى صار إلى بابل فأقام بها للتجهز والاستعداد سنة والتفت إليه جماعة عظيمة وكان فيمن سار إليه رجل من ولد سنحاريب الملك الذى كان غزا حزقيا بن أحاز الملك الذى كان بالشام وببيت المقدس من ولد سليمان بن داود صاحب شعيا يقال له بختنصر بن نبوزرادان ابن سنحاريب صاحب الموصل وناحيتها ابن داريوش بن عييرى بن تيرى بن رويا ابن رابيا بن سلامون بن دادو بن طامى بن هامل بن هرمان بن فودى بن همول بن درمى بن قمائل بن صاما بن رغما بن نمروذ بن كوش بن حام بن نوح عليه السلام وكان مسيره إليه بسبب ما كان آتى حزقيا وبنو اسرائيل إلى جده سنحاريب عند غزوه إياهم وتوسل إليه بذلك فقدمه في جماعة كثيرة ثم اتبعه فلما توافت العساكر ببيت المقدس نصر بخترشة على بنى اسرائيل لما أراد الله بهم من العقوبة فسباهم وهدم البيت وانصرف إلى بابل ومعه يوياحن بن يوياقيم ملك بنى اسرائيل في ذلك الوقت من ولد سليمان بعد أن ملك متتيا عم يوحينا وسماه صدقيا فلما صار بختنصر ببابل خالفه صدقيا فغزاه بختنصر ثانية فظفر به وأخرب المدينة والهيكل وأوثق صدقيا وحمله إلى بابل بعد أن ذبح ولده وسمل عينيه فمكث بنو اسرائيل

[ 386 ]

ببابل إلى أن رجعوا إلى بيت المقدس فكان غلبة بختنصر المسمى بخترشه على بيت المقدس إلى أن مات في قول هذا الذى حكينا قوله أربعين سنة ثم قام من بعده ابن يقال له أو لمرودخ فملك الناحية ثلاثا وعشرين سنة ثم هلك وملك مكانه ابن يقال له بلتشصر بن أولمرودخ سنه فلما ملك بلتشصر خلط في أمره فعزله بهمن وملك مكانه على بابل وما يتصل بها من الشأم وغيرها داريوش الماذوى المنسوب إلى ماذى بن يافث بن نوح صلى الله عليه وسلم حين صار إلى المشرق فقتل بلتشصر وملك بابل وناحية الشأم ثلاث سنين ثم عزله بهمن وولى مكانه كيرش الغيلمى من ولد غيلم بن سام بن نوح الذى كان نزع إلى جامر مع ماذى عند ما مضى جامر إلى المشرق فلما صار الامر إلى كيرش كتب بهمن أن يرفق ببنى اسرائيل ويطلق لهم النزول حيث أحبوا والرجوع إلى أرضهم وأن يولى عليهم من يختارونه فاختاروا دانيال النبي عليه السلام فولى أمرهم وكان ملك كيرش على بابل وما يتصل بها ثلاث سنين فصارت هذه السنون من وقت غلبة بختنصر إلى انقضاء أمره وأمر ولده وملك كيرش الغيلمى معدودة من خراب بيت المقدس منسوبة إلى بختنصر ومبلغها سبعون سنة ثم ملك بابل وناحيتها من قبل بهمن رجل من قرابته يقال له اخشوارش بن كيرش بن جاماسب الملقب بالعالم من الاربعة الوجوه الذى اختارهم بخترشه عند توجههم إلى الشام من قبل بهمن وذلك إن اخشوارش انصرف إلى بهمن من عند بختنصر محمودا ولاه ذلك الوقت بابل وناحيتها وكان السبب في ولايته فيما زعم أن رجلا كان يتولى لبهمن ناحية السند والهند يقال له كراردشير بن دشكال خالفه ومعه من الاتباع ستمائة ألف فولى بهمن اخشويرش الناحية وأمره بالمسير إلى كراردشير ففعل ذلك وحاربه فقتله وقتل أكثر أصحابه فتابع له بهمن الزيادة في العمل وجمع له طوائف من البلاد فلزم السوس وجمع الاشراف وأطعم الناس اللحم وسقاهم الخمر وملك بابل إلى ناحية الهند والحبشة وما يلى البحر وعقد لمائة وعشرين قائدا في يوم واحد الالوية وصير تحت يد كل قائد ألف رجل من أبطال الجند الذين يعدل

[ 387 ]

الواحد منهم في الحرب بمائة رجل وأوطن بابل وأكثر المقام بالسوس وتزوج من سبى بنى اسرائيل امرأة يقال لها اشتر ابنه " أبى " جاويل كان رباها ابن عم لها يقال له مردخى وكان أخاها من الرضاعة لان أم مردخى أرضعت اشتر وكان السبب في تزوجه إياها قتله امرأة كانت له جليلة جميلة خطيرة يقال لها وشتا فأمرها بالبروز ليراها الناس ليعرفوا جلالتها وجمالها فامتنعت من ذلك فقتلها فلما قتلها جزع لقتلها جزعا شديدا فأشير عليه باعتراض نساء العالم ففعل ذلك وحببت إليه اشتر صنعا لبنى اسرائيل فتزعم النصارى انها ولدت له عند مسيره إلى بابل ابنا فسماه كيرش وأن ملك اخشويرش كان أربع عشرة سنة وقد علمه مردخى التوراة ودخل في دين بنى اسرائيل وفهم عن دانيال النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان معه حينئذ مثل حننيا وميشايل وعازريا فسألوه بأن يأذن لهم في الخروج إلى بيت المقدس فأبى وقال لو كان معى منكم ألف نبى ما فارقني منكم واحد مادمت حيا وولى دانيال القضاء وجعل إليه جميع أمره وأمره أن يخرج كل شئ في الخزائن مما كان بختنصر أخذه من بيت المقدس ويرده وتقدم في بناء بيت المقدس فبنى وعمر في أيام كيرش بن اخشويرش وكان ملك كيرش مما دخل في ملك بهمن وخمانى اثنتين وعشرين سنة * ومات بهمن لثلاث عشرة سنة مضت من ملك كيرش وكان موت كيرش لاربع سنين مضين من ملك خمانى فكان جميع ملك كيرش بن اخشويرش اثنتين وعشرين سنة * فهذا ما ذكر أهل السير والاخبار في أمر بختنصر وما كان من أمره وأمر بنى اسرائيل * وأما السلف من أهل العلم فانهم قالوا في أمرهم أقوالا مختلفة فمن ذلك ما حدثنى القاسم بن الحسن قال حدثنا الحسين قال حدثنى حجاج عن ابن جريج قال حدثنى يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير أنه سمعه يقول كان رجل من بنى اسرائيل يقرأ حتى إذا بلغ بعثنا عليكم عبادا لنا أولى بأس شديد بكى وفاضت عيناه ثم أطبق المصحف فقال ذلك ما شاء الله من الزمان ثم قال أي رب أرنى هذا الرجل الذى جعلت هلاك بنى اسرائيل على يديه فأرى في المنام مسكينا

[ 388 ]

ببابل يقال له بختنصر فانطلق بمال وأعبد له وكان رجلا موسرا فقيل له أين تريد فقال أريد التجارة حتى نزل دارا ببابل فاستكراها ليس فيها أحد غيره فجعل يدعو المساكين ويلطف بهم حتى لا يأتيه أحد إلا أعطاه فقال هل بقى مسكين غيركم فقالوا نعم مسكين بفج آل فلان مريض يقال له بختنصر فقال لغلمته انطلقوا بنا فانطلق حتى أتاه فقال ما اسمك قال بختنصر فقال لغلمته احتملوه فنقله إليه فمرضه حتى برئ وكساه وأعطاه نفقه ثم أذن الاسرائيلي بالرحيل فبكى بختنصر فقال الاسرائيلي ما يبكيك قال أبكى أنك فعلت بى ما فعلت ولا أجد شيئا أجزيك قال بلى شيئا يسيرا إن ملكت أطعتني فجعل الآخر يتبعه ويقول تستهزئ بى ولا يمنعه أن يعطيه ما سأله إلا أنه يرى أنه يستهزئ به فبكى الاسرائيلي وقال لقد علمت ما يمنعك أن تعطيني ما سألتك الا أن الله عزوجل يريد أن ينفذ ما قضى كتب في كتابه وضرب الدهر من ضربه فقال صيحون وهو ملك فارس ببابل لو أنا بعثنا طليعة إلى الشأم قالوا وما ضرك لو فعلت قال فمن ترون قالوا فلان فبعث رجلا وأعطاه مائة ألف وخرج بختنصر في مطبخه لا يخرج إلا ليأكل في مطبخه فلما قدم الشام رأى صاحب الطليعة أكثر أرض الله فرسا ورجلا جلدا فكسره ذلك في ذرعه فلم يسئل فجعل بختنصر يجلس مجالس أهل الشام فيقول ما يمنعكم أن تغزوا بابل فلو غزوتموها فما دون بيت مالها شئ قالوا لا نحسن القتال ولا نقاتل حتى أنفذ مجالس أهل الشام ثم رجعوا فأخبر متقدم الطليعة ملكهم بما رأى وجعل بختنصر يقول لفوارس الملك لو دعاني الملك لاخبرته غير ما أخبره فلان فرفع ذلك إليه فدعاه فأخبره الخبر وقال إن فلانا لما رأى أكثر أرض الله كراعا ورجلا جلدا كسر ذلك في ذرعه ولم يسألهم عن شئ وإنى لم أدع مجلسا بالشام إلا جالست أهله فقلت لهم كذا وكذا فقالوا لى كذا وكذا * الذى ذكر سعيد بن جبير أنه قال لهم فقال متقدم الطليعة لبختنصر فضحتني لك مائة ألف وتنزع عما قلت قال لو أعطيتني بيت مال بابل ما نزعت وضرب الدهر من ضربه فقال الملك لو بعثنا جريدة خيل إلى الشام فإن وجدوا

[ 389 ]

مساغا ساغوا وإلا امتشوا ما قدموا عليه قالوا ما ضرك لو فعلت قال فمن ترون قالوا فلان قال بل الرجل الذى أخبرني بما أخبرني فدعا بختنصر فأرسله وانتخب معه أربعة آلاف من فرسانهم فانطلقوا فجاسوا خلال الديار فسبوا ما شاء الله ولم يخربوا ولم يقتلوا ورمى في جنازة صيحون قالوا استخلفوا رجلا قال على رسلكم حتى يأتي أصحابكم فإنهم فرسانكم أن ينغصوا عليكم شيئا فأمهلوا حتى جاء بختنصر بالسبي وما معه فقسمه في الناس فقالوا ما رأينا أحدا أحق بالملك من هذا فملكوه * وقال آخرون منهم إنما كان خروج بختنصر إلى بنى إسرائيل لحربهم حين قتلت بنو إسرائيل يحيى بن زكرياء ذكر بعض من قال ذلك منهم * حدثنى موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا اسباط عن السدى في الحديث الذى ذكرنا إسناده قبل أن بختنصر بعثه صيحائين لحرب بنى إسرائيل حين قتل ملكهم يحيى بن زكرياء عليه السلام وبلغ صيحائين قتله * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال فيما بلغني استخلف الله عزوجل على بنى إسرائيل بعد شعيا رجلا منهم يقال له يا شية ابن أموس فبعث الله لهم الخضر نبيا واسم الخضر فيما كان وهب بن منبه يزعم عن بنى اسرائيل أرميا بن حلقيا وكان من سبط هارون * وأما وهب بن منبه فإنه قال فيه ما حدثنى محمد بن سهل بن عسكر البخاري قال حدثنا اسماعيل بن عبد الكريم قال حدثنى عبد الصمد بن معقل قال سمعت وهب بن منبه يقول * وحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عمن لا يتهم عن وهب بن منبه اليماني أنه كان يقول * قال الله عزوجل لارميا حين بعئه نبيا إلى بنى إسرائيل يا ارميا من قبل أن أخلقك اخترتك ومن قبل أن أصورك في بطن أمك قدستك ومن قبل أن أخرجك من بطن أمك طهرتك ومن قبل أن تبلغ السعي نبيتك ومن قبل أن تبلغ الاشد اختبرتك ولامر عظيم اجتبيتك فبعث الله عزوجل أرميا إلى ذلك الملك من بنى إسرائيل يسدده ويرشده ويأتيه بالخبر من قبل الله فيما بينه وبين الله

[ 390 ]

عزوجل قال ثم عظمت الاحداث في بنى إسرائيل وركبوا المعاصي واستحلوا المحارم ونسوا ما كان الله صنع بهم وما نجاهم من عدوهم سنحاريب وجنوده فأوحى الله عزوجل إلى أرميا أن ائت قومك من بنى إسرائيل فاقصص عليهم ما آمرك به وذكرهم نعمى عليهم وعرفهم أحداثهم فقال أرميا إنى ضعيف إن لم تقونى عاجز إن لم تبلغني مخطئ إن لم تسددنى مخذول إن لم تنصرنى ذليل إن لم تعزنى قال الله عزوجل ألم تعلم أن الامور كلها تصدر عن مشيئتي وأن القلوب كلها والالسن بيدى أقلبها كيف شئت فتطيعني وإنى أنا الله الذى لا شئ مثلى قامت السموات والارض وما فيهن بكلمتي وأنا كلمت البحار ففهمت قولى وأمرتها ففعلت أمرى وحددت عليها بالبطحاء فلا تعدى حتى تأتى بأمواج كالجبال حتى إذا بلغت حدى ألبستها مذلة طاعتي خوفا واعترافا لامرى إنى معك ولن يصل إليك شئ معى وإنى بعثتك إلى خلق عظيم من خلقي لتبلغهم رسالاتي وتستحق بذلك مثل أجرة من ابتعك منهم لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا وأن تقصر به عنها تستحق بذلك مثل وزر من تركت في عماه لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا انطلق إلى قومك فقل إن الله ذكر بكم صلاح آبائكم فحمله ذلك على أن يستتيبكم يا معشر الابناء وسلهم كيف وجدوا آباءهم مغبة طاعتي وكيف وجدوا هم مغبة معصيتى وهل علموا أن أحدا قبلهم أطاعنى فشقي بطاعتي أو عصاني فسعد بمعصيتي وأن الدواب مما نذكر أو طانها الصالحه تنتابها وأن هؤلاء القوم رتعوا في مروج الهلكة أما أحبارهم ورهبانهم فاتخذوا عبادي خولا يتعبدونهم دوني ويحكمون فيهم بغير كتابي حتى أجهلوهم أمرى وأنسوهم ذكرى وغروهم منى وأما أمراؤهم وقادتهم فبطروا نعمتي وأمنوا مكرى ونبذوا كتابي ونسوا عهدي وغيروا سنتى وادان لهم عبادي بالطاعة التى لا تنبغي إلا لي فهم يطيعونهم في معصيتى ويتابعونهم على البدع التى يبتدعون في دينى جرأة على وغرة وفرية على وعلى رسلي فسبحان جلالى وعلو مكاني وعظمة شأني وهل ينبغى لبشر أن يطاع في معصيتى وهل ينبغى أن أخلق عبادا أجعلهم أربابا من دوني وأما قراؤهم

[ 391 ]

وفقهاؤهم فيتعبدون في المساجد ويتدينون بعمارتها لغيري لطلب الدنيا بالدين ويتفقهون فيها لغير العلم ويتعلمون فيها لغير العمل وأما أولاد الانبياء فمكثورون مقهورون مغترون يخوضون مع الخائضين فيتمنون على مثل نصرة آبائهم والكرامة التى أكرمتهم بها ويزعمون أن لا أحد أولى يذلك منهم منى بغير صدق ولا تفكر ولا تعبر ولا يذكرون كيف نصر آبائهم لى وكيف كان جدهم في أمرى حين غير المغيرون وكيف بذلوا انفسهم ودماءهم فصبروا وصدقو حتى عز امرى وظهر دينى فتأنيت بهؤلاء القوم لعلهم يستجيبون فأطولت لهم وصفحت عنهم لعلهم يرجعون فأكثرت ومددت لهم في العمر لعلهم يتفكرون فأعذرت وفى كل ذلك أمطر عليهم السماء وأنبت لهم الارض ألبسهم العافية أظهرهم على العدو فلا يزدادون الا طغيانا وبعدا منى فحتى متى هذا أبى يتمرسون أم اياى يخادعون فانى احلف بعزتي لا قيضن لهم فتنة يتحير فيها الحليم ويضل فيها رأى ذى الرأى وحكمة الحكيم ثم لاسلطن عليهم جبارا قاسيا عاتيا ألبسه الهيبة وأنزع من صدره الرأفة والزحمة والليان يتبعه عدد مثل سواد الليل المظلم له عساكر مثل قطع السحاب ومراكب أمثال العجاج كأن خفيق راياته طيران النسور وكأن حملة فرسانه كرير العقبان ثم أوحى الله عزوجل إلى أرميا إنى مهلك بنى اسرائيل بيافث ويافث أهل بابل فهم من ولد يافث بن نوح صلى الله عليه وسلم فلما سمع أرميا وحى ربه صاح وبكى وشق ثيابه ونبذ الرماد على رأسه فقال ملعون يوم ولدت فيه ويوم لقنت فيه التوراة ومن شر أيامى يوم ولدت فيه فما أبقيت آخر الانبياء إلا لما هو شر على لو أراد بى خيرا ما جعلني آخر الانبياء من بنى اسرائيل فمن أجلى تصيبهم الشقوة والهلاك فلما سمع الله عزوجل تضرع الخضر وبكاءه وكيف يقول ناداه يا أرميا أشق عليك ما أوحيت لك قال نعم يا رب أهلكني قبل أن أرى في بنى اسرائيل مالا أسر به فقال الله تعالى وعزتي وجلالى لا أهلك بيت المقدس وبنى اسرائيل حتى يكون الامر من قبلك في ذلك ففرح عند ذلك أرميا لما قال له ربه وطابت

[ 392 ]

نفسه وقال لا والذى بعث موسى وأنبياءه بالحق لا آمر ربى بهلاك بنى اسرائيل أبدا ثم أتى ملك بنى اسرائيل فأخبره بما أوحى الله إليه فاستبشر وفرح وقال ان يعذبنا ربنا فبذنوب كثيرة قدمناها لانفسنا وان عفاعنا فبقدرته ثم انهم لبثوا بعد هذا الوحى ثلاث سنين لم يزدادوا الا معصية وتماديا في الشر وذلك حين اقترب هلاكهم فقل الوحى حين لم يكونوا يتذكرون الآخرة وأمسك عنهم حين ألهتهم الدنيا وشأنها فقال لهم ملكهم يا بنى اسرائيل انتهوا عما أنتم عليه قبل ان يمسكم بأس الله وقبل أن يبعث الله عليكم قوما لا رحمة لهم بكم فان ربكم قريب التوبة مبسوط اليدين بالخير رحيم بمن تاب إليه فأبوا عليه أن ينزعوا عن شى مما هم عليه وان الله ألقى في قلب بختنصر بن نبوزراذان بن سنحاريب بن دارياس ابن نمروذ بن فالغ بن عابر ونمروذ صاحب ابراهيم صلى الله عليه وسلم الذى حاجه في ربه أن يسير إلى بيت المقدس ثم يفعل فيه ما كان جده سنحاريب أراد أن يفعل فخرج في ستمائة ألف راية يريد أهل بيت المقدس فلما فصل سائرا أتى ملك بنى اسرائيل الخبر ان بختنصر قد أقبل هو وجنوده يريدكم فأرسل الملك إلى أرميا فجاءه فقال يا أرميا الملك أين ما زعمت لنا أن ربك أوحى اليك ألا هلك أهل بيت المقدس حتى يكون منك الامر في ذلك فقال أرميا الملك ان ربى لا يخلف الميعاد وأنا به واثق فلما اقترب الاجل ودنا انقطاع ملكهم وعزم الله تعالى على هلاكهم بعث الله عزوجل ملكا من عنده فقال له اذهب إلى أرميا واستفته وأمره بالذى يستفتيه فيه فأقبل الملك إلى أرميا قد تمثل له رجلا من بنى اسرائيل فقال له أرميا من أنت قال أنا رجل من بنى اسرائيل أستفتيك في بعض أمرى فأذن له فقال له الملك يا نبى الله أتيتك أستفتيك في أهل رحمى وصلت أرحامهم بما أمرنى الله به لم آت إليهم الا حسنا ولم آلهم كرامة فلا تزيدهم كرامتي اياهم الا إسخاطا لى فأفتني فيهم يا نبى الله فقال له أحسن فيما بينك وبين الله وصل ما أمرك الله أن تصل وأبشر بخير قال فانصرف عنه الملك فمكث أياما ثم أقبل إليه في صورة ذلك الرجل الذى كان جاءه فقعد بين يديه فقال له أرميا من أنت قال أنا

[ 393 ]

الرجل الذى أتيتك أستفتيك في شأن أهل فقال له نبى الله أو ما طهرت لك أخلاقهم بعد ولم تر منهم الذى تحب قال يا نبى الله والذى بعثك بالحق ما أعلم كرامة يأتيها أحد من الناس إلى أهل رحمه الا وقد أتيتها إليهم وأفضل من ذلك فقال النبي ارجع إلى أهلك فأحسن إليهم واسأل الله الذى يصلح عباده الصالحين أن يصلح ذات بينكم وأن يجمعكم على مرضاته ويجنبكم سخطه فقام الملك من عنده فلبث أياما وقد نزل بختنصر وجنوده حول بيت المقدس بأكثر من الجراد ففزع منهم بنو اسرائيل فزعا شديدا وشق ذلك على ملك بنى اسرائيل فدعا أرميا فقال يا نبى الله أين ما وعدك الله فقال إنى بربي واثق ثم ان الملك أقبل إلى أرميا وهو قاعد على جدار بيت المقدس يضحك ويستبشر بنصر ربه الذى وعده لقعد بين يديه فقال له أرميا من أنت قال أنا الذى كنت أتيتك في شأن أهلى مرتين فقال له النبي أو لم يأن لهم أن يفيقوا من الذى هم فيه فقال الملك يا نبى الله كل شئ كان يصيبني منهم قبل اليوم كنت أصبر عليه وأعلم ان مآلهم في ذلك سخطى فلما أتيتهم اليوم رأيتهم في عمل لا يرضاه الله ولا يحبه قال له النبي على أي عمل رأيتهم قال يا نبى الله رأيتهم على عمل عظيم من سخط الله فلو كانوا على مثل ما كانوا عليه من قبل اليوم ولم يشتد غضبى عليه وصبرت لهم ورجوتهم ولكني غضبت اليوم لله ولك فأتيتك لاخبرك خبرهم وانى أسألك بالله الذى هو بعثك بالحق الا ما دعوت عليهم أن يهلكهم الله قال أرميا يا ملك السموات والارض ان كانوا على حق وصواب فأبقهم وان كانوا على سخطك وعمل لا ترضاه فأهلكم فلما خرجت الكلمة من في أرميا أرسل الله عزوجل صاعقة من السماء في بيت المقدس فالتهب مكان القربان وخسف بسبعة أبو اب من أبو ابها فلما رأى ذلك أرميا صاح وشق ثيابه ونبذ التراب على رأسه وقال يا ملك السماء ويا أرحم الراحمين أين ميعادك الذى وعدتني فنودى يا أرميا إنه لم يصبهم الذى أصابهم إلا بفتياك التى أفتيت بها رسولنا النبي انها فتياه التى أفتى بها ثلاث مرات وإنه رسول ربه وطار أرميا حتى خالط الوحوش ودخل بختنصر وجنوده بيت المقدس فوطئ الشأم وقتل بنى إسرائيل

[ 394 ]

حتى أفناهم وخرب بيت المقدس ثم أمر جنوده أن يملا كل رجل منهم ترسه ترابا ثم يقذفه في بيت المقدس فقذفوا فيه التراب حتى ملؤه ثم انصرف راجعا إلى أرض بابل واحتمل مع سبايا بنى اسرائيل وأمرهم أن يجمعوا من كان في بيت المقدس كلهم فاجتمع عنده كل صغير وكبير من بنى اسرائيل فاختار منهم مائة ألف صبى فلما خرجت غنائم جنده وأراد أن يقسمهم فيهم قالت له الملوك الذين كانوا معه أيها الملك لك غنائمنا كلها واقسم بيننا هؤلاء الصبيان الذى اخترتهم من بنى اسرائيل ففعل فاصاب كل رجل منهم أربعة غلمة وكان من أولئك الغلمان دانيال وحنانيا وغزاريا وميشايل وسبعة آلاف من أهل بيت داود وأحد عشر ألفا من سبط يوسف بن يعقوب وأخيه بنيامين وثمانية آلاف من سبط أشر بن يعقوب وأربعة عشر ألفا من سبط زبالون بن يعقوب ونفثالى بن يعقوب وأربعة آلاف من سبط روبيل ولاوى ابني يعقوب وأربعة آلاف من سبط يهوذا بن يعقوب ومن بقى من بنى اسرائيل وجعلهم بختنصر ثلاث فرق فثلثا أقرا بالشام وثلثا سبى وثلثا قتل وذهب بآنية بيت المقدس حتى أقدمها بابل وذهب بالصبيان السبعين الالف حتى أقدمهم بابل وكانت هذه الوقعة الاولى التى أنزلها الله ببنى اسرائيل باحداثهم وظلمهم فلما ولى بختنصر عنهم راجعا إلى بابل بمن معه من سبايا بنى اسرائيل أقبل أرميا على حمار له معه عصير من عنب في ركوة وسلة تين حتى غشى ايليا فلما وقف عليها ورأى ما بها من الخراب دخله شك فقال أنى يحيى هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام وحماره وعصيره وسلة تينه عنده حيث أماته الله وأمات حماره معه وأعمى الله عنه العيون فلم يره أحد ثم بعثه الله فقال له (كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه) يقول لم يتغير (وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما) فنظر إلى حماره يتصل بعض إلى بعض وقد كان مات معه بالعروق والعصب ثم كيف كسى ذلك منه اللحم حتى استوى ثم جرى فيه الروح فقام

[ 395 ]

ينهق ثم نظر إلى عصيره وتينه فإذا هو على هيئته حين وضعه لم يتغير فلما عاين من قدرة الله ما عاين قال أعلم أن الله على كل شئ قدير ثم عمر الله أميا بعد ذلك فهو الذى يرى بفلوات الارض والبلدان ثم ان بختنصر أقام في سلطانه ما شاء الله أن يقيم ثم رأى رؤيا فبينما هو قد أعجبه ما رأى إذ رأى شيئا أصابه فأنساه الذى كان رأى فدعا دانيال وحنانيا وعزاريا وميشايل من ذرارى الانبياء فقال أخبروني عن رؤيا رأيتها ثم أصابني شئ فانسانيها وقد كانت أعجبتني ما هي قالوا له أخبرنا بها نخبرك بتأويلها قال ما أذكرها وإن لم تخبروني بتأويلها لانزعن أكتافكم فخرجوا من عنده فدعوا الله واستغاثوا وتضرعوا إليه وسألوه أن يعلمهم إياها فأعلمهم الذى سألهم عنه فجاؤه فقالوا له رأيت تمثالا قال صدقتم قالوا قدماه وساقاه من فخار وركبتاه وفخذاه من نحاس وبطنه من فضة وصدره من ذهب ورأسه وعنقه من حديد قال صدقتم قالوا فبينما أنت تنظر إليه قد أعجبك فارسل الله عليه صخرة من السماء فدقته فهى التى أنستكها قال صدقتم فما تأويلها قالوا تأويلها أنك رأيت ملك الملوك فكان بعضهم ألين ملكا من بعض وبعضهم كان أحسن ملكا من بعض وبعضهم كان أشد ملكا من بعض فكان أول الملك الفخار وهو أضعفه وألينه ثم كان فوقه النحاس وهو أفضل منه وأشد ثم كان فوق النحاس الفضة وهى أفضل من ذلك وأحسن ثم كان فوق الفضة الذهب فهو احسن من الفضة وافضل ثم كان الحديد ملكك فهو كان أشد الملوك وأعز مما كان قبله وكانت الصخرة التى رأيت أرسل الله عليه من السماء فدقته نبيا يبعثه الله من السماء فيدق ذلك أجمع ويصير الامر إليه ثم ان أهل بابل قالوا لبختنصر أرأيت هؤلاء الغلمان من بنى اسرائيل الذين كنا سألناك ان تعطيناهم ففعلت فانا والله لقد انكرنا نساءنا منذ كانوا معنا لقد رأينا نساءنا علقن بهم وصرفن وجوههن إليهم فاخرجهم من بين أظهرنا أو اقتلهم قال شأنكم بهم فمن احب منكم ان يقتل من كان في يده فليفعل فاخرجوهم فلما قربوهم للقتل تضرعوا إلى الله فقالوا يا ربنا اصابنا البلاء بذنوب غيرنا فتحنن الله

[ 396 ]

عليهم برحمته فوعدهم أن يحييهم بعد قتلهم فقتلوا إلا من استبقى بختنصر منهم وكان ممن استبقى منهم دانيال وحنانيا وعزاريا وميشايل ثم ان الله تبارك وتعالى حين أراد هلاك بختنصر انبعث فقال لمن كان في يده من بنى اسرائيل أرأيتم هذا البيت الذى أخربت وهؤلاء الناس الذين قتلت من هم وما هذا البيت قالوا هذا بيت الله ومسجد من مساجده وهؤلاء أهله كانوا من ذرارى الانبياء فظلموا وتعدوا وعصوا فسلطت عليهم بذنوبهم وكان ربهم رب السموات والارض ورب الخلق كلهم يكرمهم يمنعهم ويعزهم فلما فعلوا ما فعلوا أهلكهم الله وسلط عليهم غيرهم قال فأخبروني ما الذى يطلع بى إلى السماء العليا لعلى أطلع إليها فاقتل من فيها وأتخذها ملكا فانى قد فرغت من الارض ومن فيها قالوا له ما تقدر على ذلك وما يقدر على ذلك أحد من الخلائق قال لتفعلن أو لاقتلنكم عن آخركم فبكوا إلى الله وتضرعوا إليه فبعث الله بقدرته ليريه ضعفه وهو انه عليه بعوضة فدخلت في منخره ثم ساخت في دماغه حتى عضت بأم دماغه فما كان يقر ولا يسكن حتى يوجأ له رأسه على أم دماغه فلما عرف الموت قال لخاصته من أهله إذا مت فشقوا رأسي فانظروا ما هذا الذى قتلني فلما مات شقوا رأسه فوجدوا البعوضة عاضة بأم دماغه ليرى الله العباد قدرته وسلطانه ونجى الله من كان بقى في يديه من بنى إسرائيل وترحم عليهم وردهم إلى الشأم وإلى ايليا المسجد المقدس فبنوا فيه وربوا وكثروا حتى كانوا على أحسن ما كانوا عليه فيزعمون والله أعلم ان الله أحيا أولئك الموتى الذين قتلوا فلحقوا بهم ثم انهم لما دخلوا الشام دخلوها وليس معهم عهد من الله كانت التوراة قد استلبت منهم فحرقت وهلكت وكان عزيز وكان من السبايا الذين كانوا ببابل فرجع إلى الشام يبكى عليها ليله ونهاره قد خرج من الناس فتوحد منهم وإنما هو ببطون الاودية وبالفلوات يبكى فبينما هو كذلك في حزنه على التوراة وبكائه عليها إذ أقبل إليه رجل وهو جالس فقال يا عزيز ما يبكيك قال أبكى على كتاب الله وعهده كان بين أظهرنا فبلغت بنا خطايانا وغضب ربنا علينا أن سلط علينا عدونا فقتل رجالنا وأخرب بلادنا وأحرق كتاب

[ 397 ]

الله الذى بين أظهرنا الذى لا يصلح دنيانا وآخرتنا غيره أو كما قال فعلام أبكى إذا لم أبك على هذا قال أفتحب أن يرد ذلك عليك قال وهل إلى ذلك من سبيل قال نعم ارجع فصم وتطهر وطهر ثيابك ثم موعدك هذا المكان غدا فرجع عزير فصام وتطهر وطهر ثيابه ثم عمد إلى المكان الذى وعده فجلس فيه فاتاه ذلك الرجل باناء فيه ماء وكان ملكا بعثه الله إليه فسقاه من ذلك الاناء فمثلت التوراة في صدره فرجع إلى بنى اسرائيل فوضع لهم التوراة يعرفونها بحلالها وحرامها وسننها وفرائضها وحدودها فاحبوه حبا لم يحبوه شيئا قط وقامت التوراة بين أظهرهم وصلح بها أمرهم وأقام بين أظهرهم عزير مؤديا لحق الله ثم قبضه الله على ذلك ثم حدثت فيهم الاحداث حتى قالوا لعزير هو ابن الله ودعا الله عليهم فبعث فيهم نبيا كما كان يصنع بهم يسدد أمرهم ويعلمهم ويأمرهم باقامة التوراة وما فيها * وقال جماعة أخر عن وهب بن منبه في أمر بختنصر وبنى إسرائيل وغزوه إياهم أقوالا غير ذلك تركنا ذكرها كراهة إطالة الكتاب بذكرها ذكر خبر غزو بختنصر العرب حدثت عن هشام بن محمد قال كان بدء نزول العرب أرض العراق وثبوتهم فيها واتخاذهم الحيرة والانبار منزلا فيما ذكر لنا والله أعلم أن الله عزوجل أوحى إلى برخيا بن أحنيا بن زر بابل بن شلتيل من ولد يهوذا قال هشام قال الشرقي وشلتيل أول من اتخذ الطفشيل أن ائت بختنصر وأمره أن يغزو العرب الذين لا اغلاق لبيوتهم ولا أبو اب ويطأ بلادهم بالجنود فيقتل مقاتلتهم ويستبيح أموالهم وأعلمه كفرهم بى واتخاذهم الآلهة دوني وتكذيبهم أنبيائي ورسلي قال فاقبل برخيا من نجران حتى قدم على بختنصر ببابل وهو نبوخذ نصر فعربته العرب وأخبره بما أوحى الله إليه وقص عليه ما أمره به وذلك في زمان معد ابن عدنان قال فوثب بختنصر على من كان في بلاده من تجار العرب وكانوا يقدمون عليهم بالتجارات والبياعات ويمتارون من عندهم الحب والتمر والثياب وغيرها فجمع من ظفر به منهم فبنى لهم حيرا على النجف وحصنه ثم ضمهم فيه

[ 398 ]

ووكل بهم حرسا وحفظة ثم نادى في الناس بالغزو فتهأبوا لذلك وانتشر الخبر فيمن يليهم من العرب فخرجت إليه طوائف منهم مسالمين مستأمنين فاستشار بختنصر فيهم برخيا فقال إن خروجهم اليك من بلادهم قبل نهوضك إليهم رجوع منهم عما كانوا عليه فاقبل منهم فاحسن إليهم قال فانزلهم بختنصر السواد على شاطئ الفرات فابتنوا موضع عسكرهم بعد فسموه الانبار قال وخلى عن أهل الحيرة فاتخذوها منزلا حياة بختنصر فلما مات انضموا إلى أهل الانبار وبقى ذلك الحير خرابا وأما غير هشام من أهل العلم باخبار الماضين فانه ذكر أن معد بن عدنان لما ولد ابتدأت بنو إسرائيل بانبيائهم فقتلوهم فكان آخر من قتلوا يحيى ابن زكرياء عدا أهل الرس على نبيهم فقتلوه وعدا أهل حضور على نبيهم فقتلوه فلما اجترؤا على أنبياء الله أذن الله في فناء ذلك القرن الذين معد بن عدنان من أنبيائهم فبعث الله بختنصر على بنى إسرائيل فلما فرغ من اخراب المسجد الاقصى والمدائن وانتسف بنى إسرائيل نسفا فأوردهم أرض بابل أرى فيما يرى النائم أو أمر بعض الانبياء أن يأمره أن يدخل بلاد العرب فلا يستحيى فيها إنسيا ولا بهيمة وأن ينتسف ذلك نسفا حتى لا يبقى لهم أثرا فنظم بختنصر ما بين إيلة والابلة خيلا ورجلا ثم دخلوا على العرب فاستعرضوا كل ذى روح أتوا عليه وقدروا عليه وأن الله تعالى أوحى إلى أرميا وبرخيا أن الله قد أنذر قومكما فلم ينتهوا فعادوا بعد الملك عبيدا وبعد نعيم العيش عالة يسألون الناس وقد تقدمت إلى أهل عربة بمثل ذلك فأبوا إلا لجاجة وقد سلطت بختنصر عليهم لا نتقم منهم فعليكما بمعد بن عدنان الذى من ولده محمد صلى الله عليه وسلم الذى أخرجه في آخر الزمان أختم به النبوة وأرفع به من الضعة فخرجا تطوى لهما الارض حتى سبقا بختنصر فلقيا عدنان قد تلقاهما فطوياه إلى معد ولمعد يومئذ اثنتا عشرة سنة فحمله برخيا على البراق وردف خلفه فانتهيا إلى حران من ساعتهما وطويت الارض لارميا فأصبح بحران فالتقى عدنان بختنصر بذات عرق فهزم بختنصر عدنان وسار في بلاد العرب حتى قدم إلى حضور واتبع عدنان فانتهى بختنصر

[ 399 ]

إليها وقد اجتمع أكثر العرب من أقطار عربة إلى حضور فخندق الفريقان وضرب بختنصر كمينا وذلك أول كمين كان فيما زعم ثم ناد مناد من جو السماء يا لثأرات الانبياء فاخذتهم السيوف من خلفهم ومن بين أيديهم فندموا على ذنوبهم فنادوا بالويل ونهى عدنان عن بختنصر ونهى بختنصر عن عدنان وافترق من لم يشهد حضور ومن أفلت قبل الهزيمة فرقتين فرقة أخذت إلى ريسوب وعليهم عك وفرقة قصدت لوبار وفرقة حضر العرب قال وإياهم عنى الله بقوله (وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة) كافرة الاهل فان العذاب لما نزل بالقرى وأحاط بهم في آخر وقعة ذهبوا ليهربوا فلم يطيقوا الهرب فلما أحسوا بأسنا انتقامنا منهم إذا هم منها يركضون يهربون قد أخذتهم السيوف من بين أيديهم ومن خلفهم لا تركضوا لا تهربوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه إلى العيشة على النعم المكفورة ومساكنكم مصيركم لعلكم تسئلون فلما عرفوا أنه واقع بهم أقروا بالذنوب فقالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين موتى وقتلى بالسيف فرجع بختنصر إلى بابل بما جمع من سبايا عربة فالقاهم بالانبار فقيل أنبار العرب وبذلك سميت الانبار وخالطهم بعد ذلك النبط فلما رجع بختنصر مات عدنان وبقيت بلاد العرب خرابا حياة بختنصر فلما مات بختنصر خرج معد بن عدنان معه الانبياء أنبياء بنى إسرائيل صلوات الله عليهم حتى أتى مكة فاقام أعلامها فحج وحج الانبياء معه ثم خرج معد حتى أتى ريسوب فاستخرج أهلها وسأل عمن بقى من ولد الحارث بن مضاض الجرهمى وهو الذى قاتل دوس العتق فأفنى أكثر جرهم على يديه فقيل له بقى جرشم بن جلهمة فتزوج معد ابنته معانة فولدت له نزار بن معد رجع الخبر إلى قصة بشتاسب وذكر ملكه والحوادث التى كانت في أيام ملكه التى جرت على يديه ويد غيره من عماله في البلاد خلا ما جرى من ذلك على يد بختنصر ذكر العلماء بأخبار الامم السالفة من العجم والعرب أن بشتاسب بن كى لهراسب

[ 400 ]

لما عقد له التاج قال يوم ملك نحن صارفون فكرنا وعملنا وعملنا إلى كل ما ينال به البروقيل إنه ابتنى بفارس مدينة فسا وببلاد الهند وغيرها بيوتا للنيران ووكل بها الهرابذة وأنه رتب سبعة نفر من عظماء أهل مملكته مراتب وملك كل واحد منهم ناحية جعلها له وأن زرادشت بن اسفيمان ظهر بعد ثلاثين سنة من ملكه فادعى النبوة وأراده على قبول دينه فامتنع من ذلك ثم صدقه وقيل ما دعاه إليه وأتاه به من كتاب ادعاه وحيا فكتب في جلد اثنى عشرة ألف بقرة حفرا في الجلود ونقشا بالذهب وصير بشتاسب ذلك في موضع من اصطخر يقال له در بيشت ووكل به الهرابذة ومنع تعليمه العامة وكان بشتاسب في أيامه تلك مهادنا لخرزاسف بن كى سواسف أخى فراسيات ملك الترك على ضرب من الصلح وكان من شرط ذلك الصلح أن يكون لبشتاسب بباب خرزاسف دابة موقوفة بمنزلة الدواب التى تنوب على أبو اب الملوك فاشار زرادت على بشتاسب بمفاسدة ملك الترك فقبل ذلك منه وبعث إلى الدابة والموكل بها فصرفهما إليه وأظهر الخبز لخرزاسف فغضب من ذلك وكان ساحرا عاتيا فأجمع على محاربة بشتاسب وكتب إليه كتابا غليظا عنيفا أعلمه فيه أنه أحدث حدثا عظيما وأنكر قبوله ما قبل من زرداشت وأمره بتوجيهه إليه وأقسم إن امتنع أن يغزوه حتى يسفك دمه ودماء أهل بيته فلما ورد الرسول بالكتاب على بستاسب جمع إليه أهل بيته وعظماء أهل مملكته وفيهم جاما سف عالمهم وحاسبهم وزرين بن لهراسف فكتب بشتاسب إلى ملك الترك كتابا غليظا جواب كتابه آذنه فيه بالحرب وأعلمه أنه غير ممسك عنه إن أمسك فسار بعضهما إلى بعض مع كل واحد منهما من المقاتلة مالا يحصى كثرة ومع بشتاسب يومئذ زرين أخوه ونسطور ابن زرين واسفنديار وبشوتن ابنا بشتاسب وآل لهراسب جميعا * ومع خرزاسف جو هرمز واندرمان أخواه وأهل بيته وبيدرفش الساحر فقتل في تلك الحروب زرين واشتد ذلك على بشتاسب فأحسن الغناء عنه ابنه اسقنديار وقتل بيدرفش مبارزة فصارت الدبرة على الترك فقتلوا قتلا ذريعا ومضى خرزاسف هاربا ورجع بشتاسب إلى بلخ فلما مضت لتلك الحروب

[ 401 ]

سنون سعى على اسفنديار رجل يقال له فرزم فافسد قلب بشتاسب عليه فندبه لحرب بعد حرب ثم أمر بتقييده وصيره في الحصن الذى فيه حبس النساء وشخص بشتاسب إلى ناحية كرمان وسجستان وصار منها إلى جبل يقال له طميدر لدراسة دينه والنسك هناك وخلف لهراسب أباه في مدينة بلخ شيخا قد أبطله الكبر وترك خزائنه وأمواله ونساءه مع خطوس امرأته فحملت الجواسيس الخبر إلى خزاسف فلما عرف جمع جنود الايحصون كثرة وشخص من بلاده نحو بلخ وقد أمل أن يجد فرصة من بشتاسب ومملكته فلما انتهى إلى تخوم ملك فارس قدم أمامه جوهرمز أخاه وكان مرشحا للملك بعده في جماعة من المقاتلة كثيرة وأمره أن يغذ السير حتى يتوسط المملكة ويوقع بأهلها ويغير على القرى والمدن ففعل ذلك جوهرمز وسفك الدماء واستباح من الحرم مالا يحصى واتبعه خرزاسف فاحرق الدواوين وقتل لهراسف والهرابذة وهدم بيوت النيران واستولى على الاموال والكنوز وسبى ابنتين لبشتاسب يقال لاحداهما خمانى وللاخرى باذافره وأخذ فيما أخذ العلم الاكبر الذى كانوا يسمونه درفش كابيان وشخص متبعا لبشتاسب وهرب منه بشتاسب حتى تحصن في تلك الناحية مما يلى فارس في الجبل الذى يعرف بطميدر ونزل ببشتاسب ما ضاق به ذرعا فيقال إنه لما اشتد به الامر وجه إلى اسفنديار جاماسب حتى استخرجه من محبسه ثم صار به إليه فلما أدخل عليه اعتذر إليه ووعده عقد التاج على رأسه وأن يفعل به مثل الذى فعل لهراسب به وقلده القيام بأمر عسكره ومحاربة خرزاسف فلما سمع اسفنديار كلام كفر له خاشعا ثم نهض من عنده فتولى عرض الجند وتمييزهم وتقدم فيما احتاج إلى التقدم فيه وبات ليلته مشغولا بتعبيته فلما أصبح أمر بنفخ القرون وجمع الجنود ثم سار بهم نحو عسكر الترك فلما رأت الترك عسكره خرجوا في وجوههم يتسابقون وفى القوم جوهرمز واندر مان فالتحمت الحرب بينهم وانقض اسفنديار وفي يده الرمح كالبرق الخاطف حتى خالط القوم وأكب عليهم بالطعن فلم يكن إلا هنيهة حتى ثلم في العسكر ثلمة عظيمة وفشا في الترك أن اسفنديار قد أطلق من الحبس فانهزموا لا يلوون على شئ وانصرف

[ 402 ]

اسفنديار وقد ارتجع العلم الاعظم وحمله معه منشورا فلما دخل على بشتاسب استبشر بظفره وأمره باتباع القوم وكان مما أوصاه به أن يقتل خرزاسف إن قدر عليه بلهراسف وقتل جوهر مز واندر مان بمن قتل من ولده ويهدم حصون الترك ويحرق مدنها ويقتل أهلها بمن قتلوا من حملة الدين ويستنقذ السبايا ووجه معه ما احتاج إليه من القواد والعظماء فذكروا أن اسفنديار دخل بلاد الترك من طريق لم يرمه أحد قبله وأنه قام من حراسة جنده وقتل ما قتل من السباع ورمى العنقاء المذكورة بما لم يقم به أحد قبله ودخل مدينة الترك التى يسمونها دزرئين وتفسيرها بالعربية الصفرية عنوة حتى قتل الملك واخوته ومقاتلته واستباح أمواله وسبى نساءه واستنقذ أختيه وكتب بالفتح إلى أبيه وكان أعظم الغناء في تلك المحاربة بعد اسفنديار لفشوتن أخيه وإدرنوش ومهرين بن ابنته ويقال إنهم لم يصلوا إلى المدينة حتى قطعوا أنهارا عظيمة مثل كاسر وذو مهروذ ونهرا آخر لهم عظيما وأن اسفنديار دخل أيضا مدينة كانت لفراسيات يقال لها وهسكنك ودوخ البلاد وصار إلى آخر حدودها والى التبت وباب صول ثم قطع البلاد وصير كل ناحية منها إلى رجل من وجوه الترك بعد أن آمنهم ووظف على كل واحد منهم خراجا يحمله إلى بشتاسب في كل سنة ثم انصرف إلى بلخ * ثم إن بشتاسب حسد ابنه اسفنديار لما ظهر منه فوجهه إلى رستم بسجستان * فحدثت عن هشام بن محمد الكلبى أنه قال قد كان بشتاسب جعل الملك من بعده لابنه اسفنديار وأغزاه الترك فظفر بهم وانصرف إلى أبيه فقال له هذا رستم متوسطا بلادنا وليس يعطينا الطاعة لا دعائه ما جعل له قابوس من العتق من رق الملك فسر إليه فأتني به فسار اسفنديار إلى رستم فقاتله فقتله رستم * ومات بشتاسب وكان ملكه مائة سنة واثنتي عشرة سنة وذكر بعضهم أن رجلا من بنى إسرائيل يقال له سمى كان نبيا وأنه بعث إلى بشتاسب فصار إليه إلى بلخ ودخل مدينتها فاجتمع هو وزرادشت صاحب المجوس وجاماسب العالم بن فحد وكان سمى يتكلم بالعبرانية ويعرف زرادشت ذلك بتلقين ويكتب بالفارسة ما يقول سمى بالعبرانية ويدخل

[ 403 ]

جاماسب معهما في ذلك وبهذا السبب سمى جاماسب العالم * وزعم بعض العجم أن جاماسب هو ابن فحد بن هو بن حكا بن نذكاو بن فرس بن رج بن خوراسرو بن منوشهر الملك وأن زرادشت بن يوسنسف بن فرد واسف بن ارنجد من منجدسف ابن جخشنش بن فيافيل بن الحدى بن هرداو بن سفمان بن ويدس ابن إدرا بن رج بن خوراسرو بن متوشهر وقيل إن بشتاسب وأباه لهراسب كانا على دين الصابئين حتى أتاه سمى ورادشت بما أتياه به وأنهما أتياه بذلك لثلاثين سنة مضت من ملكه وقال هذا القائل كان ملك بشتاسب مائة وخمسين سنة فكان ممن رتب بشتاسب من النفر السبعة المراتب الشريفة وسماهم عظماء بهكابيذ ومسكنه دهستان من أرض جرجان وقارن الفلهوى ومسكنه ماه نهاوند وسورين الفلهوى ومسكنه سجستان واسفنديار الفلهوى ومسكنه الرى * وقال آخرون كان ملك بشتاسب مائة وعشرين سنة ذكر الخبر عن ملوك اليمن في أيام قابوس وبعده إلى عهد بهمن بن اسفنديار (قال أبو جعفر) قد مضى ذكرنا الخبر عمن زعم أن قابوس كان في عهذ سليمان ابن داود عليه السلام ومضى ذكرنا من كان في عهد سليمان من ملوك اليمن والخبر عن بلقيس بنت ايليشرح * فحدثت عن هشام بن محمد الكلبى أن الملك باليمن صار بعد بلقيس إلى ياسر بن عمرو بن يعفر الذى كان يقال له ياسر انعم قال وأنما سموه يا سرا نعم لانعامه عليهم بما قوى من ملكهم وجمع من أمرهم قال فزعم أهل اليمن أنه سار غازيا نحو المغرب حتى بلغ واديا يقال له وادى الرمل ولم يبلغه أحد قبله فلما انتهى إليه لم يجد وراءه مجازا لكثرة الرمل فبينما هو مقيم عليه إذ انكشف الرمل فأمر رجلا من أهل بيته يقال له عمرو أن يعبر هو وأصحابه فعبروا فلم يرجعوا فلما رأى ذلك أمر بصنم نحاس فصنع ثم نصب على صخرة على شفير الوادي وكتب في صدره بالمسند هذا الصنم لياسر انعم الحميرى وليس وراءه

[ 404 ]

مذهب فلا يتكلفن ذلك أحد فيعطب * قال ثم ملك من بعده تبع وهو تبان أسعد وهو أبو كرب بن ملكى كرب تبع بن زيد بن عمرو بن تبع وهو ذو الاذعار ابن ابرهة تبع ذى المنار بن الرائش بن قيس بن صيفي بن سبأ قال وكان يقال له الرائد قال فكان تبع هذا في أيام بشتاسب واردشير بهمن بن اسفنديار بن بستاسب وانه شخص متوجها من اليمن في الطريق الذى سلكه الرائش حتى خرج على جبلى طيئ ثم سار يريد الانبار فلما انتهى إلى الحيرة وذلك ليلا تحير فأقام مكانه وسمى ذلك الموضع الحيرة ثم سار وخلف به قوما من الازد ولخم وجذام وعاملة وقضاعة فبنوا وأقاموا به ثم انتقل إليهم بعد ذلك ناس من طيئ وكلب والسكون وبلحارث بن كعب وإياد ثم توجه إلى الانبار ثم إلى الموصل ثم إلى آذربيجان فلقى الترك بها فهزمه فقتل المقاتلة وسبى الذرية ثم انكفأ راجعا إلى اليمن فأقام بها دهرا وهابته الملوك وعظمته وأهدت إليه فقدم عليه رسول ملك الهند بالهداياء والتحف من الحرير والمسك والعود وسائر طرف بلاد الهند فرأى ما لم ير مثله فقال ويحك أكل ما رأى في بلادكم فقال أبيت اللعن أقل ما ترى في بلادنا وأكثره في بلاد الصين ووصف له بلاد الصين وسعتها وخصبها وكثرة طرفها فآلى بيمين ليغزونها فسار بحمير مساجلا حتى أتى الركائك وأصحاب القلابس السود ووجه رجلا من أصحابه يقال له ثابت نحو الصين في جمع عظيم فاصيب فسار تبع حتى دخل الصين فقتل مقاتلها واكتسح ما وجد فيها قال ويزعمون إن مسيره كان إليها ومقامه بها ورجعته منها في سبع سنين وأن خلف بالتبت اثنى عشر ألف فارس من حمير فهم أهل التبت وهم اليوم يزعمون أنهم عرب وخلقهم وألوانهم خلق العرب وألوانها * حدثنى عبد الله بن احمد المروزى قال حدثنى أبى قال حدثنى سليمان قال قرأت على عبد الله عن اسحاق بن يحيى عن موسى بن طلحة ان تبعا خرج في العرب يسير حتى تحيروا بظاهر الكوفة وكان منزلا من منازله فبقى فيها من ضعفة الناس فسميت الحيرة لتحيرهم وخرج تبع سائرا فرجع إليهم وقد بنوا وأقاموا وأقبل تبع إلى اليمن وأقاموا هم ففيهم من قبائل العرب كلها من

[ 405 ]

بنى لحيان وهذيل وتميم وجعفى وطيئ وكلب ذكر خبر أردشير بهمن وابنته خمانى ثم ملك بعد بشتاسب ابن ابنه أردشير بهمن فذكر أنه قال يوم ملك وعقد التاج على رأسه نحن محافظون على الوفاء ودائنون رعيتنا بالخير فكان يدعى أردشير الطويل الباع وإنما لقب بذلك فيما قيل لتناوله كل ما مد إليه يده من الممالك التى حوله حتى ملك الاقاليم كلها وقيل إنه ابتنى بالسواد مدينة وسماها آباد أردشير هي القرية المعروفة بمينيا من الزاب الاعلى وابتنى بكور دجلة مدينة وسماها بهمن أردشير وهى الابلة وسار إلى سجستان طالبا بثأر أبيه فقتل رستم وأباه دستان وأخاه ازواره وابنه فرمرز واجتبى الناس لارزاق الجند ونفقات الهرابذة وبيوت النيران وغير ذلك أموالا عظيمة وهو أبو دارا الاكبر وأبو ساسان أبى ملوك الفرس الاخر اردشير بن بابك وولده وأم دارا خمانى بنت بهمن * فحدثت عن هشام بن محمد قال ملك بعد بشتاسب أردشير بهمن بن اسفنديار بن بشتاسب وكان فيما ذكروا متواضعا مرضيا فيهم وكانت كتبه تخرح من أردشير عبد الله وخادم الله السائس لامركم قال ويقال إنه غزا الرومية الداخلة في ألف ألف مقاتل وقال غير هشام هلك بهمن ودارا في بطن أمه فملكوا خمانى شكرا لابيها بهمن ولم تزل ملوك الارض تحمل إلى بهمن الاتاوة والصلح وكان من أعظم ملوك الفرس فيما قالوا شأنا وأفضلهم تدبيرا وله كتب ورسائل تفوق كتب أردشير وعهد وكانت أم بهمن استوريا وهى استار بنت يائير بن شمعى بن قيس بن ميشا بن طالوت الملك ابن قيس بن ابل بن صارور بن بحرث بن افيح بن ايشى بن بنيامين بن يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم خليل الرحمن صلى الله عليه وسلم وكانت أم ولده راحب بنت فنحس من ولد رحبعم بن سليمان بن داود صلى الله عليه وسلم وكان بهمن ملك أخاها زر بابل بن شلتايل على بنى اسرائيل وصير له رياسة الجالوت ورده إلى الشام بمسألة راحب أخته إياه ذلك فتوفى بهمن يوم توفى وله من الولد ابناه دار الاكبر وساسان وبناته خمانى التى ملكت بعده وفرنك وبهمن دخت تفسير بهمن بالعربية

[ 406 ]

الحسن النية وكان ملكه مائة واثنتي عشرة سنة فأما ابن الكلبى شام فانه قال كان ملك ثمانين سنة * ثم ملكت خمانى بنت بهمن وكانوا ملكوها حبا لابيها بهمن وشكرا لاحسانه ولكمال عقلها وبهائها وفروسيتها ونجدتها فيما ذكره بعض أهل الاخبار فكانت تلقب بشهرازاد وقال بعضهم انما ملكت خمانى بعد أبيها بهمن أنها حين حملت منه دارا الاكبر سألته أن يعقد التاج له في بطنها ويؤثره بالملك ففعل ذلك بهمن بدارا وعقد عليه التاج حملا في بطنها وساسان بن بهمن في ذلك الوقت رجل يتصنع للملك لا يشك فيه فلما رأى ساسان ما فعل أبو ه من ذلك لحق باصطخر فتزهد وخرج من الحلية الاولى وتعبد فلحق برؤس الجبال يتعبد فيها واتخذ غنيمة فكان يتولى ما شيته بنفسه واستشنعت العامة ذلك من فعله وفظعت به وقالوا صار ساسان راعيا فكان ذلك سبب نسبة الناس إياه إلى الرعى وأم ساسان ابنة شالتيال بن يوحنا بن أوشيا بن أمون بن منشى بن حازقيا ابن أحاذ بن يوثام بن عوزيا بن يورام بن يوشافط بن أبيا بن رحبعم بن سليمان بن داود وقيل إن بهمن هلك وابنه دارا في بطن خمانى وانها ولدته بعد أشهر من ملكها وأنفت من إظهار ذلك فجعلته في تابوت وصيرت معه جوهرا نفيسا وأجرته في نهر الكر من اصطخر وقال بعضهم بل نهر بلخ وان التابوت صار إلى رجل طحان من أهل اصطخر كان له ولد صغير فهلك فلما وجده الرجل أتى به امرأته فسرت به لجماله ونفاسة ما وجد معه فحضنوه ثم أظهر أمر حين شب وأقرت خمانى بإساءتها إليه وتعريضها إياه للتلف فلما تكامل امتحن فوجد على غاية ما يكون عليه أبناء الملوك فحولت التاج عن رأسها إليه وتقلد أمر المملكة وتنقلت خمانى وصارت إلى فارس وبنت مدينة اصطخر واغزت الروم جيشا بعد جيش وكانت قد أوتيت ظفرا فقمعت الاعداء وشغلتهم عن تطرف شئ من بلادها ونال رعيتها في ملكها رفاهة وخفضا وكانت خمانى حين أغزت أرض الروم سبى لها منها بشر كثير وحملوا إلى بلادها فأمرت من فيهم من بنائى الروم فبنوا لها في كل موضع من حين مدينة اصطخر بنيانا على بناء الروم منيفا معجبا أحد ذلك البنيان في مدينة

[ 407 ]

اصطخر والثانى على المدرجة التى تسلك فيها إلى دارابجرد على فرسخ من هذه المدينة والثالث على أربعة فراسخ منها في المدرجة التى تسلك فيها إلى خراسان وأنها أجهدت نفسها في طلب مرضاة الله عزوجل فأوتيت الظفر والنصر وخففت عن رعيتها في الخراح وكان ملكها ثلاثين سنة ثم نرجع الآن إلى ذكر خبر بنى اسرائيل ومقابلة تأريخ مد أيامهم إلى حين تصرمها بتأريخ مدة من كان في أيامهم من ملوك الفرس (قد ذكرنا) فيما مضى قبل سبب انصراف من انصرف إلى بيت المقدس من سبايا بنى اسرائيل الذين كان بختنصر سباهم وحملهم معه إلى أرض بابل وأن ذلك كان في أيام كيرش ابن أخشويرش وملكه ببابل من قبل بهمن بن اسفنديار في حياته وأربع سنين بعد وفاته في ملك ابنته خمانى * وأن خمانى عاشت بعد هلاك كيرش بن أخشويرش ستا وعشرين سنة في مكلها تمام ثلاثين سنة وكانت مدة خراب بيت المقدس من لدن خربه بختنصر إلى أن عمر فيما ذكره أهل الكتب القديمة والعلماء بالاخبار سبعين سنة كل ذلك في أيام بهمن ابن اسفنديار ابن بشتاسب بن لهراسب بعضه وبعض في أيام خمانى على ما قد بين في هذا الكتاب وقد زعم بعضهم أن كيرش هو بشتاسب وأنكر ذلك من قيله بعضهم وقال كى أرش إنما هو عم لجد بشتاسب وقال هو كى أرش أخو كيقاوس ابن كيبيه بن كيقباذ الاكبر وبشتاسب الملك هو ابن كيلهراسب بن كيوجى ابن كيمنوش بن كيقاوس بن كيبيه بن كيقباذ الاكبر قال ولم يملك كى أرش قط وإنما كان مملكا على خوزستان وما يتصل بها من أرض بابل من قبل كيقاوس ومن قبل كيخسرو بن سياوخش بن كيقاوس ومن قبل لهراسف من بعده وكان طويل العمر عظيم الشأن ولما عمر بيت المقدس ورجع إليه أهله من بنى اسرائيل كان فيهم عزيز وقد وصفت ما كان من أمره وأمر بنى إسرائيل وكان الملك عليهم بعد ذلك من قبل الفرس اما رجل منهم وإما رجل من بنى اسرائيل إلى أن صار الملك بناحيتهم لليونانية والروم بسبب غلبة الاسكندر على تلك

[ 408 ]

الناحية حين قتل دارا بن دارا وكانت جملة مدة ذلك فيما قيل ثمانيا وثمانين سنة نذكر الآن خبر دارا الاكبر وابنه دارا الاصغر ابن دارا الاكبر وكيف كان هلاكه مع خبر ذى القرنين وملك دارا بن بهمن بن اسفنديار بن بشتاسب وكان ينبه بجهر ازاد يعنى به كريم الطبع فذكروا أنه نزل بابل وكان ضابطا لملكه فاهرا لمن حوله من الملوك يؤدون إليه الخراج وأنه ابتنى بفارس مدينة سماها دارا بحرد * وحذف دواب البرد ورتبها وكان معجبا بابنه دارا وأنه من حبه إياه سماه باسم نفسه وصير له الملك من بعده وأنه كان له وزير يسمى رسبين محمودا في عقله وأنه شجر بينه وبين غلام تربى مع دارا الاصغر يقال له بيرى شر وعداوة فسعى رسبين عليه عند الملك فقيل إن الملك سقى بيرى شربة مات منها واضطغن دارا على رسبين الوزير وجماعة من القواد كانوا عاونوه على بيرى ما كان منهم وكان ملك دارا اثنتى عشرة سنة * ثم ملك من بعده ابنه دارا بن دارا بن بهمن وكانت أمه ماهيا هند بنت هزار مرد بن بهرادمه فلما عقد التاج على رأسه قال لن ندفع أحدا في مهوى الهلكة ومن تردى فيها لم نكففه عنها وقيل إنه بنى بأرض الجزيرة مدينة دارا واستكتب أخابيري واستوزره لانسه كان به وبأخيه فافسد قلبه على أصحابه وحمله على قتل بعضهم فاستوحشت لذلك منه الخاصة والعامة ونفروا عنه وكان شابا غرا حميا حقودا جبارا * وحدثت عن هشام بن محمد قال ملك من بعد دارا بن أردشير دارا بن دارا أربع عشرة سنة فأساء السيرة في رعيته وقتل رؤساءهم وغزاه الاسكندر على تإفة ذلك وقد مله أهل مملكته وسئموه واحبوا الراحة منه فلحق كثير من وجوههم وأعلامهم بالاسكندر فأطلعوه على عورة دارا وقووه عليه فالتقيا ببلاد الجزيرة فاقتتلا سنة ثم إن رجلا من أصحاب دارا وثبوا به فقتلوه وتقربوا برأسه إلى الاسكندر فأمر بقتلهم وقال هذا جزاء

[ 409 ]

من اجترأ على ملكه وتزوج ابنته روشنك بنت دارا وغزا الهند ومشارق الارض ثم انصرف وهو يريد الاسكندرية فهلك بناحية السواد فحمل إلى الاسكندية في تابوت من ذهب وكان ملكه أربع عشرة سنة واجتمع ملك الروم وكان قبل الاسكندر متفرقا وتفرق ملك فارس وكان قبل الاسكندر مجتمعا * قال وذكر غير هشام أن دارا بن دارا لما ملك أمر فبنيت له بأرض الجزيرة مدينة واسعة وسماها دارنوا هي التى تسمى اليوم دارا وأنه عمرها وشحنها من كل ما يحتاج إليه فيها وأن فيلفوس أبا الاسكندر ليونانى من أهل بلدة من بلاد اليونانيين تدعى مقدونية كان ملكا عليها وعلى بلاد أخرى احتازها إليها كان صالح دارا على خراج يحمله إليه في كل سنة وأن فيلفوس ذلك فملك بعده ابنه الاسكندر فلم يحمل إلى دارا ما كان يحمله إليه أبو ه من الخراج فأسخط ذلك عليه دارا وكتب إليه يؤنبه بسوء صنيعة في تركه حمل ما كان أبو ه يحمل إليه من الخراج وغيره وأنه إنما دعاه إلى حبس ما كان أبو ه يحمل إليه من الخراج الصبا والجهل وبعث اله بصولجان وكرة وقفين من سمسم وأعلمه فيما كتب إليه أنه صبى وأنه إنما ينبغى له أن يلعب بالصولجان والكرة اللذين بعث بهما إليه ولا يتقلد الملك ولا يتلبس به وان لم يقتصر على ما أمره به من ذلك وتعاطى الملك واستعصى عليه بعث إليه من يأتيه به في وثاق وأن عدة جنوده كعدة حب السمسم الذى بعث به إليه فكتب إليه الاسكندر في جواب كتابه ذلك أن قد فهم ما كتب وأن قد نظر إلى ما ذكر في كتابه إليه من إرساله الصولجان والكرة وتيمن به لالقاء الملقى الكرة إلى الصولجان واحترازه إياها وشبه الارض بالكرة وأنه محتاز ملك دارا إلى ملكه وبلاده إلى حيزه من الارض وأن نظره إلى السمسم الذى بعث به إليه كنظره إلى الصولجان والكرة لدسمه وبعده من المرارة والحرافة وبعث إلى دارا مع كتابه بصرة من خردل وأعلمه في ذلك الجواب أن ما بعث به إليه قليل غير أن ذلك مثل الذى بعث به في الحرافة والمرارة والقوة وأن جنوده في كل ما وصف به منه فلما وصل إلى دارا جواب كتاب الاسكندر جمع إليه جنده

[ 410 ]

وتأهب لمحاربة الاسكندر تأهب الاسكندر وسار نحو بلاد دارا * وبلغ ذلك دارا فزحف إليه فالتقى الفئتان واقتتلا أشد القتال وصارت الدبرة على جنيد دارا فلما رأى ذلك رجلان من حرس دارا يقال إنهما كانا من أهل همذان طعنا دارا من خلفه فارياه من مركبه وأرادا بطعنهما إياه الحظوة عند الاسكندر والوسيلة إليه ونادى الاسكندر أن يؤسر دارا أسرا ولا يقتل فأخبر بشأن دارا فسار الاسكندر وحتى وقف عند فرآه يجود بنفسه فنزل الاسكندر على دابته حتى جلس عند رأسه وأخبره أنه لم يهم قط بقتله وأن الذى أصابه لم يكن عن رأيه فقال له سلنى ما بدا لك فأسعفك فيه فقال له دارا لى إليك حاجتان إحداهما أن تنتقم لى من الرجلين اللذين فتكابى وسماهما وبلادهما والاخرى أن تتزوج ابنتى روشنك فأجابه إلى الحاجتين وأمر بصلب الرجلين اللذين انتهكا من دارا ما انتهكا فتزوج روشنك وتوسط بلاد دارا وكان ملكه له وزعم بعض أهل العلم بأخبار الاولين أن الاسكندر هذا الذى حارب دارا الاصغر هو أخو دارا الاصغر الذى حاربه وأن أباه دارا الاكبر كان تزوج أم الاسكندر وأنها ابنة ملك الروم واسمها هلاى وأنها حملت إلى زوجها دارا الاكبر فلما وجدنتن ريحها وعرقها وسهكها أمر أن يحتال لذلك منها فاجتمع رأى أهل المعرفة في مداواتها على شجرة يقال لها بالفارسية سندر فطبخت لها فغسلت بها وبمائها فأذهب ذلك كثيرا من ذلك النتن ولم يذهب كله وانتهت نفسه عنها لبقية ما بها وعافها وردها إلى أهلها وقد علقت منه فولدت غلاما في أهلها فسمته باسمها واسم الشجرة التى غسلت بها حتى أذهبت عنها نتنها هلاى سندروس فهذا أصل الاسكندر روس قال وهلك دارا الاكبر وصار الملك إلى ابنه دارا الاصغر وكانت ملوك الروم تؤدى الخراج إلى دارا الاكبر في كل سنة فهلك أبو هلاى ملك الروم جد الاسكندر لامه فلما صار الملك لابن ابنته بعث دارا الاصغر إليه للعادة انك أبطأت علينا بالخراج الذى كنت تؤديه ويؤديه من كان قبلك فابعث إلينا بخراج بلادك وإلا نابذناك المحاربة فرجع إليه جوابه أنى قد ذبحت الدجاجة وأكلت لحمها ولم يبق لها

[ 411 ]

بقية وقد بقيت الاطراف فإن أحبت وادعناك وإن أحببت ناجزناك فعند ذلك نافره دارا وناجزه القتال وجعل الاسكندر لحاجبي دارا حكمهما على الفتك به فاحتكما شيئا ولم يشترطا أنفسهما فلما التقوا للحرب طعن حاجبا دارا دارا في الوقعة فلحقه الاسكندر صريعا فنزل إليه وهو بآخر رمق فمسح التراب عن وجهه ووضع رأسه في حجره ثم قال له إنما قتلك حاجباك ولقد كنت أرغب بك يا شريف الاشراف وحر لاحرار وملك الملوك عن هذا المصرع فأوصني بما أحببت فأوصاه دارا أن يتزوج ابنته روشنك ويتخذها لنفسه ويستبقى أحرار فارس ولا يولى عليهم غيرهم فقبل وصيته وعمل بأمره وجاء اللذان قتلا دارا إلى الاسكندر فدفع إليهما حكمهما ووفى لهما ثم قال لهما قد وفيت لكما كما اشترطتما ولم تكونا اشترطتما أنفسكما فأنا قاتلكما فإنه ليس ينبغى لقتلة الملوك أن يستقوا إلا بذمة لا تخفر فقتلهما وذكر بعضهم أن ملك الروم في أيام دارا الاكبر كان يؤدى إلى دارا الاتاوة فهلك وملك الروم الاسكندر وكان ر جلا ذا حزم وقوة ومكر فيقال إنه غزا بعض ملوك المغرب فظفر به وآنس لذلك من نفسه القوة فنشز على دارا الاصغر وامتنع من حمل ما كان أبو ه يحمله من الخراج فحمى دارا لذلك وكتب إليه كتبا عنيفة ففسد ما بينهما وسار كل واحد منهما إلى صاحبه وقد احتشدا والتقيا في الحد واختلفت بينهما الكتب والرسائل ووجل الاسكندر من محاربة دارا ودعاه إلى الموادعة فاستشار دارا أصحابه في أمره فزينوا له الحرب لفساد قلوبهم عليه وقد اختلفوا في الحد وموضع التقائهما فذكر بعضهم أن التقاءهما كان بناحية خراسان مما يلى الخزر فاقتتلوا قتالا شديدا حتى خلص إليهما السلاح وكان تحت الاسكندر يومئذ فرس له عجيب يقال له بوكفراسب ويقال إن رجلا من أهل فارس حمل ذلك اليوم حتى تخرق الصفوف وضرب الاسكندر ضربة بالسيف خيف عليه منها وأنه تعجب من فعله وقال هذا من فرسان فارس الذين كانت توصف شدتهم وتحركت على دارا ضغائن أصحابه وكان في حرسه رجلان من أهل همذان فراسلا الاسكندر والتمسا الحيلة لدارا حتى طعناه فكانت

[ 412 ]

منيت من طعنهما إياه ثم هربا فقيل إنه لما وقعت الصيحة وانتهى الخبر إلى الاسكندر ركب في أصحابه فلما انتهى إلى دارا وجده يجود بنفسه فكلمه ووضع رأسه في حجره وبكى عليه وقال له أتيت من مأمنك وغدر بك ثقاتك وصرت بين أعدائك وحيد افسلنى حوائجك فإنى على المحافظة على القرابة بيننا يعنى القرابة بين سلم وهيرج ابني أفريذون فيما زعم هذا القائل وأظهر الجزع لما أصابه وحمد ربه حين لم يبتله بأمره فسأله دارا أن يتزوج ابنته روشنك ويرعى لها حقها ويعظم قدرها وأن يطلب بثأره فأجابه الاسكندر إلى ذلك ثم أتاه الرجلان اللذان وثبا على دارا يطلبان الجزاء فأمر بضرب رقابهما وصلبهما وأن ينادى عليهما هذا جزاء من اجترأ على ملكه وغش أهل بلده ويقال إن الاسكندر حمل كتبا وعلوما كانت لاهل فارس من علوم ونجوم وحكمة بعد أن نقل ذلك إلى السريانية ثم إلى الرومية وزعم بعضهم أن دارا قتل وله من الولد الذكور اشك بن دارا وبنو دارا واردشير وله من البنات روشنك وكان ملك دارا أربع عشرة سنة وذكر بعضهم أن الاتاوة التى كان أبو الاسكندر يؤديها إلى ملوك الفرس كان بيضا من ذهب فلما ملك الاسكندر بعث إليه دارا يطلب ذلك الخراج فبعث إليه إن قد ذبحت تلك الدجاجة التى كانت تبيض ذلك البيض وأكلت لحمها فأذن بالحرب * ثم ملك الاسكندر بعد دارا بن دارا وقد ذكرت قول من يقول هو أخو دارا بن دارا من أبيه دارا الاكبر * وأما الروم وكثير من أهل الانساب فإنهم يقولون هو الاسكندر بن فيلسوف وبعضهم يقول هو ابن بيلبوس بن مطريوس ويقال ابن مصريم بن هرمس بن هردس بن ميطون بن رومى بن ليطى بن يونان بن يافث ابن ثوبة بن سرحون بن رومية بن نرنط بن نوفيل بن روفى بن الاصفر بن اليفظ ابن العيص بن اسحق بن ابراهيم خليل الرحمن صلى الله عليه وسلم فجمع بعد مهلك دارا ملك دارا إلى ملكه فملك العراق والروم والشأم ومصر وعرض جنده بعد هلاك دارا فوجدهم فيما قيل ألف ألف وأربعمائة ألف رجل منهم من جنده ثمانمائة ألف ومن جند دارا ستمائة ألف * وذكر أنه قال يوم جلس على سريره قد أدالنا

[ 413 ]

الله من دارا ورزقنا خلاف ما كان يتوعدنا به وأنه هدم ما كان في بلاد الفرس من المدن والحصون وبيوت النيران وقتل الهرابذة وأحرق كتبهم ودواوين دارا واستعمل على مملكة دارا رجالا من أصحابه وسار قدما إلى أرض الهند فقتل ملكها وفتح مدينتها ثم سار منها إلى الصين فصنع بها كصنيعة بأرض الهند ودانت له عامة الارضين وملك التبت والصين ودخل الظلمات مما يلى القطب الشمالي والشمس جنوبية في أربعمائة رجل يطلب عين الخلد فسار فيها ثمانية عشر يوما ثم خرج ورجع إلى العراق وملك ملوك الطوائف ومات في طريقه بشهر زور وكان عمره ستا وثلاثين سنة في قول بعضهم وحمل إلى أمه بالاسكندرية * وأما الفرس فإنها تزعم أن ملك الاسكندر كان أربع عشرة سنة والنصارى تزعم أن ذلك كان ثلاث عشرة سنة وأشهرا ويزعمون أن قتل دارا كان في أول السنة الثالثة من ملكه وقيل إنه أمر ببناء مدن فبنيت اثنتا عشرة مدينة وسماها كلها اسكندرية منها مدينة باصبان يقال جى بنيت على مثال الجنة وثلاث مدائن بخراسان منهن مدينة هراة ومدينة مرو ومدينة سمرقند وبأرض بابل مدينة لروشنك بنت دارا وبأرض اليونانية في بلاد هيلاقوس مدينة للفرس ومدنا أخر غيرها ولما مات الاسكندر عرض الملك من بعده على ابنه الاسكندروس فأبى واختار النسك والعبادة فملكت اليونانية عليهم فيما قيل بطليموس بن لوغوس وكان ملكه ثمانيا وثلاثين سنة فكانت المملكة أيام اليونان بعد الاسكندر وحياة الاسكندر إلى أن تحول الملك إلى الروم المصاص لليونانية ولبنى اسرائيل ببيت المقدس ونواحيها الديانة والرياسة على غير وجه الملك إلى أن خربت بلادهم الفرس والروم وطردوهم عنها بعد قتل يحيى بن زكرياء عليه السلام ثم كان الملك ببلاد الشأم ومصر ونواحى المغرب بعد بطلميوس بن لوغوس لبطلميوس دينانوس أربعين سنة ثم من بعده لبطلميوس أو رغاطس أربعا وعشرين سنة ثم من بعده لبطلميوس فيلا فطر إحدى وعشرين سنة ثم من بعده لبطلميوس أفيفانس اثنتين وعشرين سنة ثم من بعده لبطلميوس أو رغاطس تسعا وعشرين سنة ثم من بعده لبطلموس ساطر سبع عشرة سنة ثم من بعده لبطلميوس الا حسندر إحدى عشرة

[ 414 ]

سنة ثم من بعده لبطلميوس الذى اختفى عن ملكه ثمانى سنين ثم من بعده لبطلميوس دونسيوس ست عشرة سنة ثم من بعده لبطلميوس قالو بطرى سبع عشرة سنة فكل هؤلاء كانوا يونانيين فكل ملك منهم بعد الاسكندر كان يدعى بطلميوس كما كانت ملوك الفرس يدعون أكاسرة وهم الذين يقال لهم المفقانيون ثم ملك الشأم بعد قالوا بطرى فيما ذكر الروم المصاصو فكان أول من ملك منهم جايوس يوليوس خمس سنين ثم ملك الشأم بعده أغوسطوس ستا وخمسين سنة فلما مضى من ملكه اثنتان وأربعون سنة ولد عيسى ابن مريم عليه السلام وبين مولده وقيام الاسكندر ثلثمائة سنة وثلاث سنين ونرجع الان إلى ذكر خبر الفرس بعد مهلك الاسكندر لسياق التأريخ على ملكهم فاختلف أهل العلم بأخبار الماضين في الملك الذى كان بسواد العراق بعد الاسكندر وفى عدد ملوك الطوائف الذين كانوا ملكوا أقليم بابل بعده إلى أن قام بالملك اردشير بابكان فأما هشام بن محمد فإنه قال فيما حدثت عنه ملك بعد الاسكندر يلاقس سلقيس ثم انطيحس قال وهو الذى بنى مدينة انطاكية قال وكان في أيدى هؤلاء الملوك سواد الكوفة قال وكانوا يتطرقون الجبال وناحية الاهواز وفارس حتى خرج رجل يقال له اشك وهو ابن دارا الاكبر وكان مولده ومنشأه بالرى فجمع جمعا كثيرا وسار يريد انطيحس فزحف إليه انطيحس فالتقيا ببلاد الموصل فقتل انطيحس وغلب اشك على السواد فصار في يده من الموصل إلى الرى واصبهان وعظمه سائر ملوك الطوائف لنسبه وشرفه فيهم ما كان من فعله وعرفوا له فضله وبدؤا به في كتبهم وكتب إليهم فبدأ بنفسه وسموه ملكا وأهدوا إليه من غير أن يعزل أحدا منهم أو يستعمله * ثم ملك بعده جوذرز بن اشكان قال وهو الذى غزا بنى اسرائيل المرة الثانية وكان سبب تسليط الله إياه عليهم فيما ذكر أهل العلم قتلهم يحيى بن زكرياء فأكثر القتل فيهم فلم تعد لهم جماعة كجماعتهم الاولى ورفع الله عنهم النبوة وأنزل بهم الذل قال وقد كانت الروم غزت بلاد فارس يقودها ملكها الاعظم

[ 415 ]

يلتمس أن يدرك بثأرها في فارس لقتل أشك ملك بابل انطيحس وملك بابل يومئذ بلاش أبو ارد وان الذى قتله أردشير بن بابك فكتب بلاش إلى ملوك الطوائف يعلمهم ما اجتمعت عليه الروم من غزو بلادهم وأنه قد بلغه من حشدهم وجمعهم ما لا كفاء له عنده وأنه إن ضعف عنهم ظفروا بهم جميعا فوجه كل ملك من ملوك الطوائف إلى بلاش من الرجال والسلاح والمال بقدر قوته حتى اجتمع عنده أربعمائة ألف رجل فولى عليهم صاحب الحضر وكان ملكا من ملوك الطوائف يلى ما بين انقطاع السواد إلى الجزيرة فسار بهم حتى لقى ملك الروم فقتله واستباح عسكره وذلك هيج الروم على بناء القسطنطينية ونقل الملك من رومية إليها فكان الذى ولى إنشاءها الملك قسطنطين وهو أول ملوك الروم تنصر وهو أجلى من بقى من بنى إسرائيل عن فلسطين والاردن لقتلهم بزعمه عيسى ابن مريم فأخذ الخشبة التى وجدهم يزعمون أنهم صلبوا المسيح عليها فعظمها الروم فأدخلوها خزائنهم فهى عندهم إلى اليوم قال ولم يزل ملك فارس متفرقا حتى ملك أردشير فذكر هشام ما ذكرت عنه ولم يبين مدة ملك القوم * وقال غيره من أهل العلم باخبار فارس ملك بعد الاسكندر ملك دارا أناس من غير ملوك الفرس غير أنهم كانوا يضعون لكل من يملك بلاد الجبل ويمنحونه الطاعة قال وهم الملوك الاشغانون الذين يدعون ملوك الطوائف قال فكان ملكهم مائتي سنة وستا وستين سنة فملك من هذه السنين أشك بن أشجان عشر سنين ثم ملك بعده سابور بن أشغان ستين سنة وفى سنة إحدى وأربعين من ملكه ظهر عيسى ابن مريم بارض فلسطين وأن ططوس بن اسفسيانوس ملك رومية غزا بيت المقدس بعد ارتفاع عيسى ابن مريم بنحو من أربعين سنة فقتل من في مدينة بيت المقدس وسبى ذراريهم وأمرهم فنسفت مدينة بيت المقدس حتى لم يترك بها حجرا على حجر * ثم ملك جوذو رز ابن أشغانان الاكبر عشر سنين ثم ملك بيزن الاشغانى إحدى وعشرين سنة ثم ملك جوذرز الاشغانى تسع عشرة سنة ثم ملك ترسى الاشغانى أربعين سنة ثم

[ 416 ]

ملك هرمز الاشغانى سبع عشرة سنة ثم ملك اردوان الاشغانى اثنتى عشرة سنة ثم ملك كسرى الاشغانى أربعين سنة ثم ملك بلاش الاشغانى أربعا وعشرين سنة ثم ملك أردوان الاصغر الاشغانى ثلاث عشرة سنة ثم ملك أردشير بن بابك * وقال بعضهم ملك بلاد الفرس بعد الاسكندر ملوك الطوائف الذين فرق الاسكندر المملكة بينهم وتفرد بكل ناحية من ملك عليها من حين ملكه ما خلا السواد فإنها كانت أربعا وخمسين سنة بعد هلاك الاسكندر في يد الروم وكان في ملوك الطوائف رجل من نسل الملوك مملكا على الجبال وأصبهان ثم غلب ولده بعد ذلك على السواد فكانوا ملوكا عليها وعلى الماهات والجبال وأصبهان كالرئيس على سائر ملوك الطوائف لان السنة جرت بتقديمه وتقديم ولده ولذلك قصد لذكرهم في كتب سير الملوك فاقتصر على تسميتهم دون غيرهم قال ويقال إن عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم ولد باورى شلم بعد إحدى وخمسين سنة من ملوك الطوائف فكانت سنو ملكهم من لدن الاسكندر إلى وثوب اردشير بن بابك وقتله أردوان واستواء الامر له مائتين وستا وستين سنة قال فمن الملوك الذين ملكوا الجبال ثم تهيأت لاولادهم بعد ذلك الغلبة على السواد أشك بن جزه بن رسيبان بن ارتشاخ بن هرمز بن سام بن رزان بن اسفنديار بن بشتاسب * قال والفرس تزعم أنه أشك بن دارا * وقال بعضهم أشك بن أشكان الكبير وكان من ولد كيبيه بن كيقباذ وكان ملكه عشر سنين ثم ملك من بعده أشك بن أشك بن أشكان إحدى وعشرين سنة ثم ملك سابور ابن أشك بن أشكان إحدى وعشرين سنة ثم ملك سابور بن أشك بن أشكان ثلاثين سنة ثم ملك جوذرز الاكبر بن سابور بن أشكان عشر سنين ثم ملك بيزن بن جوذرز إحدى وعشرين سنة ثم جوذرز الاصغر بن بيزن تسع عشرة سنة ثم نرسه بن جوذرز الاصغر أربعين سنة ثم هرمز بن بلاش بن أشكان سبع عشرة سنة ثم أردوان الاكبر وهو اردوان بن أشكان اثنتى عشرة سنة ثم كسرى بن أشكان أربعين سنة ثم بها فريد الاشكانى تسع سنين ثم بلاش الاشكانى أربعا وعشرين سنة ثم أردوان الاصغر وهو أردوان بن بلاش

[ 417 ]

ابن فيروز بن هرمز بن بلاشر بن سابور بن أشك بن أشكان الاكبر وكان جده كيبيه بن كيقباذ ويقال إنه كان أعظم الاشكانية ملكا وأظهرهم عزا وأسناهم ذكرا وأشدهم قهرا لملوك الطوائف وأنه كان قد غلب على كوزة اصطخر لا تصالها بأصبهان ثم إن تخطى إلى جور وغيرها من فارس حتى غلب عليهما ودانت له ملوكها لهيبة ملوك الطوائف كانت له وكان ملكه ثلاث عشرة سنة ثم ملك أردشير * وقال بعضهم ملك العراق وما بين الشأم ومصر بعد الاسكندر تسعون ملكا على تسعين طائفة كلهم يعئم من يملك المدائن وهم الاشكانيون قال فملك من الاشكانيين افقورشاه بن بلاش بن سابور بن أشكان بن أرش الجبار بن سياوش بن كيقاوس الملك اثنتين وستين سنة ثم سابور بن أفقور وعلى عهده كان المسيح ويحيى عليه السلام ثلاثا وخسمين سنة ثم جوذرز بن سابور بن أفقور الذى غزا بنى إسرائيل طالبا بثأر يحيى بن زكرياء ملك تسعا وخمسين سنة ثم ابن أخيه أبزان بن بلاش بن سابور سبعا وأربعين سنة ثم جوذرز بن أبزان بن بلاش إحدى وثلاثين سنة ثم أخوه نرسى بن أبزان أربعا وثلاثين سنة * ثم عمه الهرمزان بن بلاش ثمانيا وأربعين سنة ثم ابنه الفيروزان بن الهرمزان بن بلاش تسعا وثلاثين سنة ثم ابنه كسرى بن الفيروزان سبعا وأربعين سنة ثم ابنه اردوان بن بلاش وهو آخرهم قتله اردشير بن بابك خمسا وخمسين سنة قال وكان ملك الاسكندر وملك سائر ملوك الطوائف في النواحى خمسمائة وثلاثا وعشرين سنة (ذكر الاحداث التى كانت في أيام ملوك الطوائف) فكان من ذلك فيما زعمته الفرس لمضى خمس وستين سنة من غلبة الاسكندر على أرض بابل ولاحدى وخمسين سنة من ملك الاشكانيين ولادة مريم بنت عمران عيسى ابن مريم عليه السلام فأما النصارى فإنها تزعمان ولادتها إياه كانت لمضى ثلثمائة سنة وثلاث سنين من وقت غلبة الاسكندر على أرض بابل وزعموا أن مولد يحيى بن زكريا كان قبل مولد عيسى عليه السلام بستة أشهر وذكروا ان مريم حملت بعيسى ولها ثلاث عشرة سنة وأن عيسى عاش إلى أن

[ 418 ]

رفع اثنتين وثلاثين سنة وأياما وأن مريم بقيت بعد رفعه ست سنين وكان جمع عمرها نيفا وخمسين سنة قال زعموا ان يحيى اجتمع هو وعيسى بنهر الاردن وله ثلاثون سنة وأن يحيى قتل قبل أن يرفع عيسى وكان زكرياء بن برخيا أبو يحيى بن زكرياء وعمران بن ما ثان أبو مريم متزوجين بأختين إحداهما عند زكرياء وهى أم يحيى والاخرى منهما عند عمران بن ما ثان وهى أم مريم فمات عمران بن مائان وأم مريم حامل بمريم فلما ولدت مريم كفلها زكرياء بعد موت أمها لان خالتها أخت أمها كانت عنده واسم أم مريم حنة بنت فاقود ابن قبيل واسم أختها أم يحيى الاشباع ابنة فاقود وكفلها زكرياء وكانت مسماة بيوسف بن يعقوب بن ما ثان بن اليعاز اربن اليوذ بن أحين بن صادوق بن عازور ابن الياقيم بن أبيوذ بن زر بابل بن شلتيل بن يوحنيا بن يوشيا بنأمون بن منشا ابن حزقيا بن أحازبن يوثام بن عوزيا بن يورام بن يهو شافاظ بن أسا بن أبيا بن رحبعم بن سليمان بن داود بن عم مريم * وأما ابن حميد فانه حدثنا عن سلمة عن ابن اسحاق أنه قال مريم فيما بلغني عن نسبها ابنة عمران بن يا شهم بن أمون بن منشا ابن حزقيا بن احزيق بن يوثام بن عزريا بن أمصيا بن ياوش بن أحزيهو بن يارم ابن يهشافاظ بن أسا بن أبيا بن رحبعم بن سليمان فولد لزكرياء يحيى بن خالة عيسى ابن مريم فنبئ صغيرا فساح ثم دخلا لشأم يدعو الناس ثم اجتمع يحيى وعيسى ثم افترقا بعد أن عمد يحيى عيسى وقيل ان عيسى بعث يحيى بن زكرياء في اثنى عشر من الحواريين يعلمون الناس قال وكان فيما نهوهم عنه نكاح بنات الاخ * فحدثني أبو السائب قال حدثنا أبو معاوية عن الاعمش عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال بعث عيسى ابن مريم يحيى بن زكرياء في اثنى عشر من الحواريين يعلمون الناس قال فكان فيما نهوهم عنه نكاح ابنة الاح قال وكان لملكهم ابنة أخ تعجبه يريد أن يتزوجها وكانت لها كل يوم حاجة يقضيها فلما بلغ ذلك أمها قالت لها إذا دخلت على الملك فسألك حاجتك فقولي حاجتى أن تذبح لى يحيى بن زكرياء فلما دخلت عليه سألها حاجتها قالت حاجتى أن تذبح لى يحيى

[ 419 ]

ابن زكرياء فقال سلينى غير هذا قالت ما أسالك إلا هذا قال فلما أبت عليه دعا يحيى ودعا بطست فذبحه فبذرت قطرة من دمه على الارض فلم تزل تغلى حتى بعث الله بختنصر عليهم فجاءته عجوز من بنى اسرائيل فدلته على ذلك الدم قال فالقى الله في قلبه أن يقتل على ذلك الدم منهم حتى يسكن فقتل سبعين ألفا منهم من سن واحدة فسكن * حدثنا موسى بن هارون الهمداني قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدى في خبر ذكره عن أبى مالك وعن أبى صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا من بنى اسرائيل رأى في النوم ان خراب بيت المقدس وهلاك بنى اسرائيل على يدى غلام يتيم ابن أرملة من أهل بابل يدعى بختنصر وكانوا يصدقون فتصدق رؤياهم فاقبل يسأل عنه حتى نزل على أمه وهو يحتطب فلما جاء وعلى رأسه حزمة حطب ألقاها ثم قعد في جانب البيت فكلمه ثم أعطاه ثلاثة دراهم فقال اشتر بهذه طعاما وشرابا فاشترى بدرهم لحما وبدرهم خبزا وبدرهم خمرا فأكلوا وشربوا حتى إذا كان اليوم الثاني فعل به ذلك حتى إذا كان اليوم الثالث فعل ذلك ثم قال انى أحب أن تكتب لى أمانا إن أنت ملكت يوما من الدهر قال تسخر بى قال إنى لا أسخر بك ولكن ما عليك أن تتخذ بها عندي يدا فكلمته أمه فقالت وما عليك إن كان وإلا لم ينقصك شيئا فكتب له أمانا فقال أرأيت ان جئت والناس حولك قد حالوا بينى وبينك فاجعل لى آية تعرفني بها قال ترفع صحيفتك على قصبة فاعرفك بها فكساه وأعطاه ثم ان ملك بنى اسرائيل كان يكرم يحيى بن زكرياء ويدنى مجلسه ويستشيره في أمره ولا يقطع أمرا دونه وانه هوى أن يتزوج ابنة امرأة له فسأل يحيى عن ذلك فنهاه عن نكاحها وقال لست أرضاها لك فبلغ ذلك أمها فحقدت على يحيى حين نهاه أن يتزوج ابنتها فعمدت إلى الجارية حين جلس الملك على شرابه فألبستها ثيابا رقاقا حمرا وطيبتها وألبستا من الحلى وألبستها فوق ذلك كساء أسود فارسلتها إلى الملك وأمرتها أن تسقيه وأن تعرض له فان أرادها على نفسها أبت عليه حتى يعطيها ما سألته فإذا أعطاها

[ 420 ]

ذلك سألته ان تؤتى برأس يحيى بن زكرياء في طست ففعلت فجعلت تسقيه وتعرض له فلما أخذ فيه الشراب ارادها على نفسها فقال لا افعل حتى تعطيني ما اسالك قال ما تسالينى قالت اسألك ان تبعث إلى يحيى بن زكرياء فاوتى برأسه في هذا الطست فقال ويحك سلينى غير هذا قالت ما أريد ان اسألك إلا هذا قال فلما ابت عليه بعث إليه فاتى برأسه والرأس يتكلم حتى وضع بين يديه وهو يقول لا تحل لك فلما اصبح إذا دمه يغلى فامر بتراب فالقى عليه فرقى الدم فوق التراب يغلى فالقى عليه التراب ايضا فارتفع الدم فوقه فلم يزل يلقى عليه التراب حتى بلغ سور المدينة وهو في ذلك يغلى وبلغ صيحائين فنادى في الناس واراد ان يبعث إليهم جيشا ويؤمر عليهم رجلا فاتاه بختنصر فكلمه وقال ان الذى كنت ارسلت تلك المرة ضعيف فانى قد دخلت المدينة وسمعت كلام اهلها فابعثني فبعثه فاسر بختنصر حتى إذا بلغوا ذلك المكان تحصنوا منه في مدائنهم فلم يطقهم فلما اشتد عليه المقام وجاع أصحابه أراد الرجوع فخرجت إليه عجوز من عجائز بن إسرائيل فقالت أين أمير الجند فأتى بها إليه فقالت إنه بلغني أنك تريد أن ترجع بجندك قبل أن تفتح هذه المدينة قال نعم قد طال مقامي وجاع أصحابي فلست أستطيع المقام فوق الذى كان منى فقالت أرأيتك إن فتحت لك المدينة أتعطيني ما أسألك فتقتل من أمرتك بقتله وتكف إذا أمرتك أن تكف قال لها نعم قالت إذا أصبحت فاقسم جندك أربعة أرباع ثم أقم على كل زاوية ربعا ثم ارفعوا بأيديكم إلى السماء فنادوا إنا نستفتحك يا ألله بدم يحيى بن زكريا فإنها سوف تتساقط ففعلوا فتساقطت المدينة ودخلوا من جوانبها فقالت له كف يدك أقتل على هذا الدم حتى يسكن فانطلقت به إلى دم يحيى وهو على تراب كثير فقتل عليه حتى سكن فقتل سبعين ألف رجل وامرأة فلما سكن الدم قالت له كف يدك فإن الله عزوجل إذا قتل نبى لم يرض حتى يقتل من قتله ومن رضى قتله فأتاه صاحب الصحيفة بصحيفته فكف عنه وعن أهل بيته وخرب بيت المقدس أمر به أن تطرح فيه الجيف وقال من طرح فيه جيفة فله جزيته تلك السنة وأعانه على خرابه الروم من أجل أن بنى إسرائيل قتلوا يحيى بن زكريا فلما

[ 421 ]

خربه بختنصر ذهب معه بوجوه بنى إسرائيل وسراتهم وذهب بدانيال وعليها وعزريا وميشائيل هؤلاء كلهم من أولاد الانبياء وذهب معه برأس الجالوت فلما قدم أرض بابل وجد صيحائين قد مات فملك مكانه وكان أكرم الناس عليه دانيال وأصحابه فحسدهم المجوس فوشوا بهم إليه فقالوا إن دانيال وأصحابه لا يعبدون إلهك ولا يأكلون من ذبيحتك فدعاهم فسألهم فقالوا أجل إن لنا ربا نعبده ولسنا نأكل من ذبيحتكم وأمربخد فخد فألقوا فيه وهم ستة وألقى معهم سبع ضار ليأكلهم فقالوا انطلقوا فلنأكل ولنشرب فذهبوا فاكلوا وشربوا ثم راحوا فوجدوهم جلوسا والسبع مفترش ذراعيه بينهم لم يخدش منهم أحدا ولم ينكأه شيئا فوجدوا معهم رجلا فعدوهم فوجدوهم سبعة فقال ما بال هذا السابع إنما كانوا ستة فخرج إليه السابع وكان ملكا من الملائكة فلطمه لطمة فصار في الوحش فكان فيهم سبع سنين (قال أبو جعفر) وهذا القول الذى روى عمن ذكرت في هذه الاخبار التى رويت وعمن لم يذكر في هذا الكتاب من أن بختنصر هو الذى غزا بنى إسرائيل عند قتلهم يحيى بن زكرياء عند أهل السير والاخبار والعلم بأمور الماضين في الجاهلية وعند غيرهم من أهل الملل غلط وذلك أنهم باجمعهم مجمعون غلى أن بختنصر إنما غزا بنى إسرائيل عند قتلهم نبيهم شعيا في عهد أرميا بن حلقيا وبين عهد أرميا وتخريب بختنصر بيت المقدس إلى مولد يحيى بن زكرياء أربعمائة سنة وإحدى وستون سنة في قول اليهود والنصارى ويذكرون أن ذلك عندهم في كتبهم وأسفارهم مبين وذلك أنهم يعدون من لدن تخريب بختنصر بيت المقدس إلى حين عمرانها في عهد كيرش بن اخشويرش أصبهبذ بابل من قبل اردشير بهمن بن اسفنديار بن بشتاسب ثم من قبل ابنته خمالى سبعين سنة ثم من بعد عمرانها إلى ظهور الاسكندر عليها وحيازة مملكتها إلى مملكته ثمانيا وثمانين سنة ثم من بعد مملكة الاسكندر لها إلى مولد يحيى ابن زكرياء ثلثمائة سنة وثلاث سنين فذلك على قولهم أربعمائة سنة وإحدى وستون سنة * وأما المجوس فإنها توافق النصارى واليهود في مدة خراب بيت المقدس

[ 422 ]

وأمر بختنصر وما كان من أمره وأمر بين إسرائيل إلى غلبة الاسكندر على بيت المقدس والشام وهلاك دارا وتخالفهم في مدة ما بين ملك الاسنكدر ومولد يحيى فتزعم أن مدة ذلك إحدى وخمسون سنة فبين المجوس والنصارى من الاختلاف في مدة ما بين ملك الاسكندر ومولد يحيى وعيسى ما ذكرت * والنصارى تزعم أن يحيى ولد قبل عيسى بستة أشهر وأن الذى قتله ملك لبنى إسرائيل يقال له هيردوس بسبب امرأة يقال لها هيروذيا كانت امرأة أخ له يقال له فيلفوس عشقها فوافقته على الفجور وكان لها ابنة يقال لها دمنى فاراد هيردوس أن يطأ امرأة أخيه المسماة هيروذيا فنهاه يحيى وأعلمه أنه لا تحل له فكان هيردوس معجبا بالابنة فألهته يوما ثم سألته حاجة فأجابها إليها وأمر صاحبا له بالنفوذ لما تأمره به فأمرته أن ياتيها برأس يحيى ففعل فلما عرف هيردوس الخبر أسقط في يده وجزع جزعا شديدا * وأما ما قال في ذلك أهل العلم بالاخبار وامور أهل الجاهلية فقد حكيت منه ما قاله هشام بن محمد الكلبى * وأما ما قال ابن إسحاق فيه فهو ما حدثنا به ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال عمرت بنو إسرائيل بعد ذلك يعنى بعد مرجعهم من أرض بابل إلى بيت المقدس يحدثون الاحداث ويعود الله عليهم ويبعث فيهم الرسل ففريقا يكذبون وفريقا يقتلون حتى كان آخر من بعث فيهم من أنبيائهم زكرياء ويحيى بن زكرياء وعيسى ابن مريم وكانوا من بيت آل داود عليه السلام وهو يحيى بن زكرياء بن أدى بن مسلم بن صدوق ابن نحشان بن داود بن سليمان بن مسلم بن صديقة بن برخية بن شفاطية بن فاحور ابن شلوم بن يهفا شاط بن أسا بن أبيا بن رحبعهم بن سليمان بن داود قال فلما رفع الله عيسى صلى الله عليه وسلم من بين أظهرهم وقتلوا يحيى بن زكرياء صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وبعض الناس يقول وقتلوا زكرياء ابتعث الله عليهم ملكا من ملوك بابل يقال له خردوس فسار إليهم بأهل بابل حتى دخل عليهم الشام فلما ظهر عليهم امر رأسا من رؤس جنوده يدعى نبوزر اذان صاحب الفيل فقال له إنى كنت حلفت بإلهى لئن انا ظهرت على اهل بيت المقدس

[ 423 ]

لاقتلنهم حتى تسيل دماؤهم في وسط عسكري إلا أن لا أجد أحدا أقتله قامره ان يقتلهم حتى يبلغ ذلك منهم وان نبوزر اذان دخل بيت المقدس فقام في البقعة التى كانوا يقربون فيها قربانهم فوجد فيها دما يغلى وسألهم فقال يا بنى إسرائيل ما شأن هذا الدم يغلى أخبروني خبره ولا تكتموني شيئا من أمره فقالوا هذا دم قربان كان لنا كنا قربناه فلم يقبل منا فلذلك هو يغلى كما تراه ولقد قربنا منذ ثمانمائة سنة القربان فيقبل منا الا هذا القربان قال ما صدقتموني الخبر قالوا له لو كان كأول زماننا لقبل منا ولكنه قد انقطع منا الملك والنبوة والوحى فلذلك لم يقبل منا فذبح منهم نبوزر اذان على ذلك الدم سبعمائة وسبعين روحا من رؤسهم فلم يهدأ فأمر فاتى بسبعمائة غلام من غلمانهم فذبحوا على الدم فلم يهدأ فامر بسبعه آلاف من بنيهم وأزواجهم فذبحهم على الدم فلم يبرد فلما رأى نبوزر اذان الدم لا يهدأ قال لهم يا بنى اسرائيل ويلكم اصدقوني واصبروا على أمر ربكم فقد طال ما ملكتم في الارض تفعلون فيها ما شئتم قبل ان لا أترك منكم نافخ نار أنثى ولا ذكرا الا قتلته فلما رأوا الجهد وشدة القتل صدقوه الخبر فقالوا ان هذا دم نبى منا كان ينهانا عن أمور كثيرة من سخط الله فلو اطعناه فيها لكان أرشد لنا وكان يخبرنا بامركم فلم نصدقه فقتلناه فهذا دمه فقال لهم نبوزر اذان ما كان اسمه قالوا يحيى بن زكرياء قال الآن صدقتموني لمثل هذا ينتقم ربكم منكم فلما رأى نبوزر اذان انهم قد صدقوه خر ساجدا وقال لمن حوله اغلقوا ابواب المدينة وأخرجوا من كان ههنا من جيش خردوس وخلا في بنى اسرائيل ثم قال يا يحيى ابن زكرياء قد علم ربى وربك ما قد اصاب قومك من اجلك وما قتل منهم من اجلك فاهدأ باذن الله قبل ان لا ابقى من قومك احدا فهدأ دم يحيى باذن الله ورفع نبوزر اذان عنهم القتل وقال آمنت بما آمنت به بنو اسرائيل وصدقت به وأيقنت أنه لارب غيره ولو كان معه آخر لم يصلح * لو كان معه شريك لم يستمسك السموات والارض ولو كان له ولد لم يصلح فتبارك وتقدس وتسبح وتكبر وتعظم ملك الملوك الذى يملك السموات السبع بعلم وحكم وجبروت

[ 424 ]

وعزة الذى بسط الارض وألقى فيها رواسي لا تزول فكذلك ينبغى لربى ان يكون ويكون ملكه فأوحى إلى رأس من رؤس بقية الانبياء ان نبوزر اذان جبور صدوق والحبور بالعبرانية حديث الايمان وان نبوزر اذان قال لبنى اسرائيل ان عدو الله خردوس امرني ان اقتل منكم حتى تسيل دماؤكم وسط عسكره وانى فاعل لست استطيع ان اعصيه قالوا له افعل ما أمرت به فامرهم فحفروا خندقا وامر بأموالهم من الخيل والبغال والحمير والبقر والغنم والابل فذبحها حتى سال الدم في العسكر وامر بالقتلى الذين كانوا قتلوا قبل ذلك فطرحوا على ما قتل من مواشيهم حتى كانوا فوقهم فلم يظن خردوس الا ان ما كان في الخندق من بنى اسرائيل فلما بلغ الدم عسكره أرسل إلى نبوزر اذان ارفع عنهم فقد بلغني دماؤهم وقد انتقمت منهم بما فعلوا ثم انصرف عنهم إلى أرض بابل وقد أفنى بنى اسرائيل أو كاد وهى الوقعة الاخيرة التى انزل الله ببنى اسرائيل يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم (وقضينا إلى بنى إسرائيل في الكتاب إلى قوله - وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا) وعسى من الله حق فكانت الوقعة الاولى بختنصر وجنوده ثم رد الله لهم الكرة عليهم ثم كانت الوقعة الاخيرة خردوس وجنوده وهى كانت أعظم الوقعتين فيها كان خراب بلادهم وقتل رجالهم وسبى ذراريهم ونسائهم يقول الله عزوجل (وليتبروا ما علوا تتبيرا) (رجع الحديث) إلى حديث عيسى ابن مريم وأمه عليهما السلام قال وكانت مريم ويوسف بن يعقوب ابن عمها يليان خدمة الكنيسة فكانت مريم إذا نفد ماؤها فيما ذكر وماء يوسف أخذ كل واحد منهما قلته فانطلق إلى المغارة التى فيها الماء الذى يستعذبانه فيملا قلته ثم يرجعان إلى الكنيسة فلما كان اليوم الذى لقيها فيه جبريل وكان اطول يوم في السنة وأشده حرا نفد ماؤها فقالت يا يوسف ألا تذهب بنا نستقي قال ان عندي لفضلا من ماء أكتفى به يومى هذا إلى غد قالت لكنى والله ما عندي ماء فأخذت قلتها ثم انطلقت وحدها حتى دخلت المغارة فتجد عندها جبريل قد مثله الله لها بشرا سويا فقال لها يا مريم ان الله قد بعثنى

[ 425 ]

اليك لا هب لك غلاما زكيا قالت انى أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا وهى تحسبه رجلا من بنى آدم فقال إنما أنا رسول ربك قالت أنى يكون لى غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا قال كذلك قال ربك هو على هين ولنجعله آية لللنس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا أي ان الله قد قضى ان ذلك كائن فلما قال ذلك استسلمت لقضاء الله فنفخ في جيبها ثم انصرف عنها وملات قلتها * فحدثني محمد ابن سهل بن عسكر البخاري قال حدثنا اسماعيل بن عبد الكريم قال حدثنى عبد الصمد بن معقل ابن أخى وهب قال سمعت وهبا قال لما أرسل الله عزوجل جبريل إلى مريم تمثل لها بشرا سويا فقالت انى أعوذ بالرحمن منك ان كنت تقيا ثم نفخ في جيب درعها حتى وصلت النفخة إلى الرحم واشتملت على عيسى قال وكان معها ذو قرابة لها يقال له يوسف النجار وكانا منطلقين إلى المسجد الذى عند جبل صهيون وكان ذلك المسجد يومئذ من أعظم مساجدهم وكانت مريم ويوسف يخدمان في ذلك المسجد في ذلك الزمان وكان لخدمته فضل عظيم فرغبا في ذلك فكانا يليان معالجته بانفسهما وتجميره وكناسته وطهوره وكل عمل يعمل فيه فكان لا يعلم من أهل زمانهما أحد أشد اجتهادا وعبادة منهما وكان أول من أنكر حمل مريم صاحبها يوسف فلما رأى الذى بها استعظمه وعظم عليه وفظع به ولم يدر على ماذا يضع امرها فإذا اراد يوسف ان يتهمها ذكر صلاحها وبراءتها وانها لم تغب عنه ساعة قط وإذا اراد ان يبرئها رأى الذى ظهر بها فلما اشتد عليه ذلك كلمها فكان اول كلامه اياها ان قال لها انه قد وقع في نفسي من امرك امر قد حرصت على ان اميته واكتمه في نفسي فغلبني ذلك فرأيت ان الكلام فيه أشفى لصدري قالت فقل قولا جميلا قال ما كنت لا قول الا ذلك فحدثيني هل ينبت زرع بغير بذر قالت نعم قال فهل تنبت شجرة من غير غيث يصيبها قالت نعم قال فهل يكون ولد من غير ذكر قالت نعم ألم تعلم ان الله انبت الزرع يوم خلقه من غير بذر والبذر انما كان من الرزع الذى انبته الله من غير بذر أولم تعلم أن الله أنبت الشجر من غير غيث وأنه جعل بتلك القدرة

[ 426 ]

الغيث حياة للشجر بعد ما خلق كل واحد منهما وحده أو تقول لم يقدر الله على أن ينبت الشجر حتى استعان عليه بالماء ولولا ذلك لم يقدر على إنباته قال لها يوسف لا أقول ذلك ولكني أعلم أن الله بقدرته على ما يشاء يقول لذلك كن فيكون قالت له مريم أو لم تعلم أن الله عزوجل خلق آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى قال بلى فلما قالت له ذلك وقع في نفسه أن الذى بها شئ من الله عزوجل وأنه لا يسعه أن يسألها عنه وذلك لما رأى من كتمانها لذلك ثم تولى يوسف خدمة المسجد وكفاها كل عمل كانت تعمل فيه وذلك لما رأى من رقه جسمها واصفرار لونها وكلف وجهها ونتوء بطنها وضعف قوتها ودأب نظرها ولم تكن مريم قبل ذلك كذلك فلما دنا نفاسها أوحى الله إليها أن اخرجي من أرض قومك فإنهم إن ظفروا بك عيروك وقتلوا ولدك فأفضت عند ذلك إلى أختها وأختها حينئذ حبلى وقد بشرت بيحيى فلما التقيا وجدت أم يحيى ما في بطنها خرلوجهه ساجدا معترفا بعيسى فاحتملها يوسف إلى أرض مصر على حمار له ليس بينها حين ركبت الحمار وبين الاكاف شئ فانطلق يوسف بها حتى إذا كان متاخما لارض مصرفي منقطع بلاد قومها أدرك مريم النفاس وألجأها إلى آرى حمار يعنى مزود الحمار في أصل نخلة وذلك في زمان الشتاء فاشتد على مريم المخاض فلما وجدت منه شدة التجأت إلى النخلة فاحتضنتها واحتوشتها الملائكة قاموا صفوفا محدقين بها فلما وضعت وهى محزونة قيل لها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا إلى إنى نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا فكان الرطب يتساقط عليها وذلك في الشتاء فأصبحت الاصنام التى كانت تعبد من دون الله حين ولدت بكل أرض مقلوبة منكوسة على رؤسها ففزعت الشياطين وراعها فلم يدروا ما سبب ذلك فساروا عند ذلك مسرعين حتى جاؤا ابليس وهو على عرش له في لجة خضراء يتثمل بالعرش يوم كان على الماء ويحتجب يتمثل بحجب النور التى من دون الرحمن فأتوه وقد خلاست ساعات من النهار فلما رأى ابليس جماعتهم فزع من ذلك ولم يرهم جميعا منذ فرقهم قبل تلك الساعة إنما كان يراهم أشتاتا فسألهم فاخبروه أنه

[ 427 ]

قد حدث في الارض حدث أصبحت الاصنام منكوسة على رؤسها ولم يكن شئ أعون على هلاك بنى آدم منها كنا ندخل في أجوافها فنكلمهم وندبر أمرهم فيظنون أنها التى تكلمهم فلما أصابها هذا الحدث صغرها في أعين بنى آدم وأذلها وأدناها ذلك وقد خشينا ألا يعبدوها بعد هذا أبدا واعلم أنا لم نأتك حتى أحصينا الارض وقلبنا البحار وكل شئ قوينا عليه فلم نزدد بما أردنا الا جهلا قال لهم إبليس إن هذا لامر عظيم لقد علمت بأنى كتمته وكونوا على مكانكم هذا فطار إبليس عند ذلك فلبث عنهم ثلاث ساعات فمر فيهن بالمكان الذى ولد فيه عيسى فلما رأى الملائكة محدقين بذلك المكان علم أن ذلك الحدث فيه فأراد إبليس أن يأتيه من فوقه فإذا فوقه رؤس الملائكة ومناكبهم عند السماء ثم أراد أن يأتيه من تحت الارض فإذا أقدام الملائكة راسية أسفل مما أراد ابليس ثم أراد أن يدخل من بينهم فنحوه عن ذلك ثم رجع ابليس إلى أصحابه فقال لهم ما جثتكم حتى أحصيت الارض كلها مشرقها ومغربها وبرها وبحرها والخافقين والجو الاعلى وكل هذا بلغت في ثلاث ساعات وأخبرهم بمولد المسيح وقال لهم لقد كتمت شأنه وما اشتملت قبله رحم أنثى على ولد إلا بعلمي ولا وضعته قط الاو أنا حاضرها وإنى لارجو أن أضل به أكثر مما يهتدى به وما كان من نبى قبله أشد على وعليكم منه وخرج في تلك الليلة قوم يؤمونه من أجل نجم طلع أنكروه وكان قبل ذلك يتحدثون أن مطلع ذلك النجم من علامات مولود في كتاب دانيال فخرجوا يريدونه ومعهم الذهب والمر واللبان فمروا بملك من ملوك الشأم فسألهم أين يريدون فاخبروه بذلك قال فما بال الذهب والمر واللبان اهتديتموه له من بين الاشياء كلها قالوا تلك أمثاله لان الذهب هو سيد المتاع كله وكذلك هذا النبي هو سيد أهل زمانه ولان المر يجبر به الجرح والكسر وكذلك هذا النبي يشفى به الله كل سقيم ومريض ولان اللبان ينال دخانه السماء ولا ينالها دخان غيره كذلك هذا النبي يرفعه الله إلى السماء لا يرفع في زمانه أحد غيره فلما قالوا ذلك لذلك الملك حدث نفسه بقتله فقال اذهبوا فإذا علمتم مكانه فأعلموني ذلك فانى أرغب في مثل ما رغبتم

[ 428 ]

فيه من أمره فانطلقوا حتى دفعوا ما كان معهم من تلك الهدية إلى مريم وأرادوا أن يرجعوا إلى هذا الملك ليعلموه مكان عيسى فلقيهم ملك فقال لهم لا ترجعوا إليه ولا تعلموه بمكانه فانه إنما أراد بذلك ليقتله فانصرفوا في طريق آخر واحتملته مريم على ذلك الحمار ومعها يوسف وردا أرض مصر فهى الربوة التى قال الله (وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين) فمكثت مريم اثنتى عشرة سنة تكتمه من الناس لا يطلع عليه أحد وكانت مريم لا تأمن عليه ولا على معيشته أحدا كانت تلتقط السنبل من حيث ما سمعت بالحصاد والمهد في منكبها والوعاء الذى تجعل فيه السنبل في منكبها الآخر حتى تم لعيسى صلى الله عليه وسلم اثنتا عشرة سنة فكان أول آية رآها الناس منه أن أمه كانت نازلة في دارد دهقان من أهل مصر فكان ذلك الدهقان قد سرقت له خزانة وكان لا يسكن في داره إلا المساكين فلم يتهمهم فحزنت مريم لمصيبة ذلك الدهقان فلما أن رأى عيسى حزن أمه بمصيبة صاحب ضيافتها قال لها يا أمه أتحبين أن أدله على ماله قالت نعم يا بنى قال قولى له يجمع لى مساكين داره فقالت مريم للدهقان ذلك فجمع له مساكين داره فلما اجتمعوا عمد إلى رجلين منهم أحدهما أعمى والآخر مقعد فحمل المقعد على عاتق الاعمى ثم قال له قم به قال الاعمى أنا أضعف من ذلك قال عيسى صلى الله عليه وسلم فكيف قويت على ذلك البارحة فلما سمعوه يقول ذلك بعثوا الاعمى حتى قام به فلما استقل قائما حاملا هوى المقعد إلى كوة الخزانة قال عيسى هكذا احتالا لمالك البارحة لانه استعان الاعمى بقوته والمقعد بعينيه فقال المقعد والاعمى صدق فردا على الدهقان ماله ذلك فوضعه الدهقان في خزانته وقال يا مريم خذى نصفه قالت إنى لم أخلق لذلك قال الدهقان فاعطيه ابنك قالت هو أعظم منى شأنا ثم لم يلبث الدهقان أن أعرس ابن له فصنع له عيدا فجمع عليه أهل مصر كلهم فلما انقضى ذلك زاره قوم من أهل الشأم لم يحذرهم الدهقان حتى نزلوا به وليس عندة يومئذ شراب فلما رأى عيسى اهتمامه بذلك دخل بيتا من بيوت الدهقان فيه صفان من جرار فأمر عيسى يده على أفواهها وهو يمشى فكلما أمر يده على

[ 429 ]

جرة امتلات شرابا حتى أتى عيسى على آخرها وهو يومئذ ابن اثنثى عشرة سنة فلما فعل ذلك عيسى فزع الناس لشأنه وما أعطاه الله من ذلك فأوحى الله عز وجل إلى أمه مريم أن اطلعي به إلى الشأم ففعلت الذى أمرت به فلم تزل بالشأم حتى كان ابن ثلاثين سنة فجاءه الوحى على ثلاثين سنة وكانت نبوته ثلاث سنين ثم رفعه الله إليه فلما رآه إبليس يوم لقيه على العقبة لم يطق منه شيئا فتمثل له برجل ذى سن وهيئة وخرج معه شيطانان ماردان متمثلين كما تمثل إبليس حتى خالطوا جماعة الناس * وزعم وهب أنه ربما اجتمع على عيسى من المرضى في الجماعة الواحدة خمسون ألفا فمن أطاق منهم أن يبلغه بلغه ومن لم يطق ذلك منهم أتاه عيسى صلى الله عليه وسلم يمشى إليه وإنما كان يداويهم بالدعاء إلى الله عز وجل فجاءه إبليس في هيئة يبهر الناس حسنها وجمالها فلما رآه الناس فرغوا له ومالوا نحوه فجعل يخبرهم بالاعاجيب فكان في قوله إن شأن هذا الرجل لعجيب تكلم في المهد وأحيا الموتى وأنبأ عن الغيب وشفى المريض فهذا الله قال أحد صاحبيه جهلت أيها الشيخ وبئس ما قلت لا ينبغى لله أن يتجلى للعباد ولا يسكن الارحام ولا تسعه أجواف النساء ولكنه ابن الله وقال الثالث بئس ما قلتما كلا كما قد أخطأ وجهل لبس ينبغى لله أن يتخذ ولدا ولكنه إله معه ثم غابوا حين فرغوا من قولهم فكان ذلك آخر العهد منهم * حدثنا موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا اسباط عن السدى في خبر ذكره عن أبى مالك وعن أبى صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال خرجت مريم إلى جانب المحراب لحيض أصابجها فاتخذت من دونهم حجابا من الجدران وهو قوله (فانتبذت من أهلها مكانا شرقيا فاتخذت من دونهم حجابا) في شرقي المحراب فلما طهرت إذا هي برجل معها وهو قوله (فأرسلنا إليها روحنا) فهو جبريل (فتمثل لها بشرا سويا) فلما رأته فزعت منه وقالت (إنى أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا، قال إنما أنا رسول ربك لاهب لك غلاما

[ 430 ]

زكيا، قالت أنى يكون لى غلام ولم يمسسني بشر و لم أك بغيا) تقول زانية (قال كذلك قال ربك هو على هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا) فخرجت عليها جلبابها فأخذ بكميها فنفخ في جيب درعها وكان مشقوقا من قدامها فدخلت النفخة في صدرها فحملت فأتتها أختها امرأة زكرياء ليلة تزورها فلما فتحت لها الباب التزمتها فقالت امرأة زكرياء يا مريم أشعرت أنى حبلى قالت مريم أشعرت انى أيضا حبلى قالت امرأة زكرياء فانى وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك فذلك قوله (مصدقا بكلمة من الله) فولدت امرأة زكرياء يحيى ولما بلغ أن تضع مريم خرجت إلى جانب المحراب الشرقي منه فأتت أقصاه فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة يقول ألجأها المخاض إلى جذع النخلة قالت وهى تطلق من الحبل استحياء من الناس يا ليتنى مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا تقول نسيا نسى ذكرى ومنسيا تقول نسى أثرى فلا يرى لى أثر ولا عين فناداها جبريل من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا والسرى هو النهر وهزى إليك بجذع النخلة وكان جذعا منها مقطوعا فهزته فإذا هو نخلة وأجرى لها في المحراب نهرا فتساقطت النخلة رطبا جنيا فقال لها كلى واشربي وقرى عينا فاما ترين من البشر أحدا فقولي إنى نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا فكان من صام في ذلك الزمان لم يتكلم حتى يمسى فقيل لها لا تزيدي على هذا فلما ولدته ذهب الشيطان فأخبر بنى اسرائيل إن مريم قد ولدت فأقبلوا يشتدون فدعوها فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا يقول عظيما يا أخت هارون ما كان أبو ك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا فما بالك أنت يا أخت هارون وكانت من بنى هارون أخى موسى وهو كما تقول يا أخا بنى فلان وانما يعنى قرابته فقالت لهم ما أمرها الله فلما ارادوها بعد ذلك على الكلام أشارت إليه إلى عيسى فغضبوا وقالوا لسخريتها بنا حين تأمرنا أن نكلم هذا الصبى أشد علينا من زناها قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا فتكلم عيسى فقال إنى عبد الله آتانى الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أينما كنت، فقالت بنو اسرائيل ما أحبلها

[ 431 ]

أحد غير زكرياء هو كان يدخل إليها فطلبوه ففر منهم فتشبه له الشيطان في صورة راع فقال يا زكرياء قد أدركوك فادع الله حتى تنفتح لك هذه الشجرة فتدخل فيها فدعا الله فانفتحت له الشجرة فدخل فيها وبقى من ردائه هدب فمرت بنو اسرائيل بالشيطان فقالوا يا راعى هل رأيت رجلا من ههنا قال نعم سحر هذه الشجرة فانفتحت له فدخل فيها وهذا هدب ردائه فعمدوا فقطعوا الشجرة وهو فيها بالمناشير وليس تجد يهوديا إلا تلك الهدبة في ردائه فلما ولد عيسى لم يبق في الارض صنعم يعبد من دون الله إلا أصبح ساقطا لوجهه * حدثنى المثنى قال حدثنا اسحاق بن الحجاج قال حدثنا اسماعيل بن عبد الكريم قال حدثنى عبد الصمد بن معقل انه سمع وهبا يقول ان عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم لما أعلمه الله انه خارج من الدنيا جزع من الموت وشق عليه فدعا الحواريين فصنع لهم طعاما فقال احضروني الليلة فإن لى إليكم حاجة فلما اجتمعوا إليه من الليل عشاهم وقام يخدمهم فلما فرغوا من الطعام أخذ يغسل أيديهم ويوضئهم بيده ويمسح أيديهم بثيابه فتعاظموا ذلك وتكارهوه فقال ألا من رد على شيئا الليلة مما أصنع فليس منى ولا أنا منه فأقروه حتى إذا فرغ من ذلك قال أما ما صنعت بكم الليلة مما خدمتكم على الطعام وغسلت أيديكم بيدى فليكن لكم بى أسوة فإنكم ترون أنى خيركم ولا يتعظم بعضكم على بعض وليبذل بعضكم نفسه لبعض كما بذلت نفسي لكم وأما حاجتى التى أستعينكم عليها فتدعون الله لى وتجتهدون في الدعاء أن يؤخر أجلى فلما نصبوا أنفسهم للدعاء وأرادوا أن يجتهدوا أخذهم النوم حتى لم يستطيعوا دعاء فجعل يوقظهم ويقول سبحان الله ما تصبرون لى ليلة واحدة تعينوني فيها قالوا والله ما ندرى ما لنا لقد كنا نسمر فنكثر السمر وما نطيق الليلة سمرا وما نريد دعاء إلا حيل بيننا وبينه فقال يذهب بالراعى وتتفرق الغنم وجعل يأتي بكلام نحو هذا ينعى به نفسه ثم قال الحق ليكفرن بى أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات وليبيعني أحدكم بدراهم يسيرة وليأكلن ثمني فخرجوا فتفرقوا وكانت اليهود تطلبه فأخذوا شمعون أحد الحواريين فقالوا هذا من أصحابه فجحد وقال

[ 432 ]

ما أنا بصاحبه فتركوه ثم أخذه آخر فجحد كذلك ثم سمع صوت ديك فبكى فلما أصبح أتى أحد الحواريين إلى اليهود فقال ما تجعلون لى إن دللتكم على المسيح فجعلوا له ثلاثين درهما فاخذها ودلهم عليه وكان شبه عليهم قبل ذلك فأخذوه فاستوثقوا منه وربطوه بالحبل فجعلوا يقودونه ويقولون أنت كنت تحيى الموتى وتنتهر الشيطان وتبرئ المجنون أفلا تفتح نفسك من هذا الحبل ويبصقون عليه ويلقون عليه الشوك حتى أتوا به الخشبة التى أرادوا أن يصلبوه عليها فرفعه الله إليه وصلبوا ما شبه لهم فمكث سبعا ثم إن أمه والمرأة التى كان عيسى يداويها فأبرأها الله من الجنون جاءتا تبكيان عند المصلوب فجاءهما عيسى صلى الله عليه وسلم فقال على من تبكيان فقالتا عليك فقال إنى قد رفعني الله إليه ولم يصبنى إلا خير وأن هذا شئ شبه لهم فأمر الحواريين أن يلقوني إلى مكان كذا وكذا فلقوه إلى ذلك المكان أحد عشر وفقد الذى كان باعه ودل عليه اليهود فسأل عنه أصحابه فقالوا إنه ندم على ما صنع فاختنق وقتل نفسه فقال لو تاب تاب الله عليه ثم سألهم عن غلام يتبعهم يقال له يحيى فقال هو معكم فانطلقوا فإنه سيصبح كل إنسان منكم يحدث بلغة قوم فلينذرهم وليدعهم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عمن لا يتهم عن وهب بن منبه اليماني قال توفى الله عيسى ابن مريم ثلاث ساعات من النهار حتى رفعه الله إليه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق والنصارى يزعمون أنه توفاه الله سبع ساعات من النهار ثم أحياه الله فقال له اهبط فأنزل على مريم المجدلانية في جبلها فإن لم يبك عليك أحد بكاءها ولم يحزن عليك أحد حزنها ثم لتجمع لك الحواريين فبثهم في الارض دعاة إلى الله فإنك لم تكن فعلت ذلك فأهبطه الله عليها فاشتعل الجبل حين هبط نورا فجمعت له الحواريين فبثهم وأمرهم أن يبلغوا الناس عنه ما أمره الله به ثم رفعه الله إليه فكساه الريش وألبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب فطار في الملائكة وهو معهم حول العرش فكان إنسيا ملكيا سمائيا أرضيا وتفرق الحواريون حيث أمرهم فتلك الليلة التى أهبط فيها الليلة التى تدخن فيها النصارى وكان ممن

[ 433 ]

وجه من الحواريين والاتباع الذين كانوا في الارض بعدهم فطرس الحوارى ومعه بولس وكان من الاتباع ولم يكن من الحواريين إلى رومية وأندراييس ومشى إلى الارض التى يأكل أهلها الناس وهى فيما نرى للاساود وتوماس إلى أرض بابل من أرض المشرق وفيلبس إلى القيروان وقرطاجنة وهى افريقية ويحنس إلى دفسوس قرية الفتية أصحاب الكهف ويعقوبس إلى أورى شلم وهى إيليا بيت المقدس وابن تلما إلى العرابية وهى أرض الحجاز وسيمن إلى أرض البربر دون أفريقية ويهوذا ولم يكن من الحواريين إلى أريوبس جعل مكان يوذس زكريا بوطاحين أحدث ما أحدث * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن عمر بن عبد الله بن عروة عن الزبير عن ابن سليم الانصاري ثم الزرقى قال كان على امرأة منا نذر لتظهرن على رأس الجماء جبل بالعقيق من ناحية المدينة قال فظهرت معها حتى إذا استوينا على رأس الجبل إذا قبر عظيم عليه حجران عظيمان حجر عند رأسه وحجر عند رجليه فيهما كتاب بالمسند لا أدرى ما هو فاحتملت الحجرين معى حتى إذا كنت ببعض الجبل منهبطا ثقلا على فألقيت أحدهما وهبطت بالآخر فعرضته على أهل السريانية هل يعرفون كتابته فلم يعرفوه وعرضته على من يكتب بالزبور من أهل اليمن ومن يكتب بالمسند فلم يعرفوه قال فلما لم أجد أحدا ممن يعرفه ألقيته تحت تابوت لنا فمكث سنين ثم دخل علينا ناس من أهل ماه من الفرس يبتغون الخرز فقلت لهم هل لكم من كتاب فقالوا نعم فأخرجت إليهم الحجر فإذا هم يقرءونه فإذا هو بكتابهم هذا قبر رسول الله عيسى ابن مريم عليه السلام إلى أهل هذه البلاد فإذاهم كانوا أهلها في ذلك الزمان مات عندهم فدفنوه على رأس الجبل * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال ثم عدوا على بقية الحواريين يشمسونهم ويعذبونهم وطافوا بهم فسمع بذلك ملك الروم وكانوا تحت يديه وكان صاحب وثن فقيل له إن رجلا كان في هؤلاء الناس الذين تحت يديك من بنى إسرائيل عدوا عليه فقتلوه وكان يخبرهم أنه رسول الله قد أراهم العجائب وأحيا لهم الموتى وأبرأ لهم الاسقام وخلق لهم من

[ 434 ]

الطين كهيئة الطير ونفخ فيه فكان طائرا بإذن الله وأخبرهم بالغيوب قال ويحكم فما منعكم أن تذكروا هذا لى من أمره وأمرهم فوالله لو علمت ما خليت بينهم وبينه ثم بعث إلى الحواريين فانتزعهم من أيديهم وسألهم عن دين عيسى وأمره فاخبروه خبره فتابعهم على دينهم واستنزل سرجس فغيبه وأخذ خشبته التى صلب عليها فأكرمها وصانها لما مسها منه وعدا على بنى اسرائيل فقتل منهم قتلى كثيرة فمن هنالك كان أصل النصرانية في الروم * وذكر بعض أهل الاخبار أن مولد عيسى عليه السلام كان لمضى اثنتين وأربعين سنة من ملك أغوسطوس وأن أغوسطوس عاش بعد ذلك بقية ملكه وكان جميع ملكه ستا وخمسين سنة قال بعضهم وأياما قال ووثبت اليهود بالمسيح والرياسة ببيت المقدس في ذلك الوقت لقيصر والملك على بيت المقدس من قبل قيصر هيردوس الكبير الذى دخلت عليه رسل ملك فارس الذين وجههم الملك إلى المسيح فصاروا إلى هيردوس غلطا وأخبروه أن ملك الفارس بعث بهم ليقربوا إلى المسيح ألطافا معهم من ذهب ومر ولبان وأنهم نظروا إلى نجمه قد طلع فعرفوا ذلك بالحساب وقربوا الالطاف إليه ببيت لحم من فلسطين فلما عرف هيردوس خبرهم كاد المسيح فطلبه ليقتله فامر الله الملك أن يقول ليوسف الذى كان مع مريم في الكنيسة ما أراد هيردوس من قتله وأمره أن يهرب بالغلام وأمه إلى مصر فلما مات هيردوس قال الملك ليوسف وهو بمصر إن هيردوس قد مات وملك مكانه أركلاوس ابنه وذهب من كان يطلب نفس الغلام فانصرف به إلى ناصرة من فلسطين ليتم قول شعيا النبي من مصر دعوتك ومات أركلاوس وملك مكانه هيردوس الصغير الذى صلب شبه المسيح في ولايته وكانت الرياسة في ذلك الوقت لملوك اليونانية والروم وكان هيردوس وولده من قبلهم إلا أنهم كانوا يلقبون باسم الملك وكان الملوك الكبار يلقبون بقيصر وكان ملك بيت المقدس في وقت الصلب لهيردوس الصغير من قبل طيباريوس بن اغوسطوس دون القضاء وكان القضاء لرجل رومى يقال له فيلاطوس من قبل قيصر وكانت رياسة الجالوت ليونن بن بهبوثن

[ 435 ]

قال وذكروا أن الذى شبه بعيسى وصلب مكانه رجل اسرائيلي يقال له ايشوع ابن فنديرا وكان ملك طيباريوس ثلاثا وعشرين سنة وأياما منها إلى وقت ارتفاع. المسيح ثمانى عشرة سنة وأيام ومنها بعد ذلك خمس سنين ذكر من ملك من الروم أرض الشام بعد رفع المسيح عليه السلام إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم في قول النصارى (قال أبو جعفر) زعموا أن ملك الشام من فلسطين وغيرها صار بعد طيباريوس إلى جايوس بن طيباريوس وأن ملكه كان أربع سنين. ثم ملك بعده ابن له آخر يقال له قلوديوس أربع عشرة سنة. ثم ملك بعده نيرون الذى قتل فطرس وبولس وصلبه منكسا أربع عشرة سنة. ثم ملك بعده بوطلايوس أربعة أشهر ثم ملك بعده اسفسيانوس أبو ططوس الذى وجهه إلى بيت المقدس عشر سنين ولمضى ثلاث سنين من ملكه وتمام أربعين سنة من وقت رفع عيسى صلى الله عليه وسلم وجه اسفسيانوس ابنه ططوس إلى بيت المقدس حتى هدمه وقتل من قتل من بنى اسرائيل غضبا للمسيح. ثم ملك بعده ططوس بن اسفسيانوس سنتين. ثم من بعده دومطيانوس ست عشرة سنة. ثم من بعده نارواس ست سنين. ثم من بعده طرايانوس تسع عشرة سنة. ثم من بعده هدريانوس إحدى وعشرين سنة. ثم ملك من بعده ططورس بن بطيانوس اثنتين وعشرين سنة. ثم من بعده مرقوس وأولاده تسع عشرة سنة. ثم من بعده قوذوموس ثلاث عشرة سنة. ثم من بعده فرطناجوس ستة أشهر. ثم من بعده سبروس أربع عشرة سنة. ثم من بعده انطنياوس سبع سنين. ثم بعده مرقيانوس ست سنين. ثم بعده انطنيانوس أربع سنين. ثم الحسندروس ثلاث عشرة سنة. ثم غسميانوس ثلاث سنين. ثم جورديانوس ست سنين. ثم بعده فليفوس سبع سنين. ثم داقيوس ست سنين. ثم قالوس ست سنين. ثم بعده والربيانوس وقال يونس خمس عشرة سنة. ثم قلوديوس سنة. ثم من بعده

[ 436 ]

قريطاليوس شهرين. ثم أورليانوس خمس سنين. ثم طيقطوس ستة أشهر. ثم فولوريوس خمسة وعشرين يوما. ثم فرابوس ست سنين. ثم قوروس وابناه سنتين. ثم دوقلطيانوش ست سنين. ثم محسميانوش عشرين سنة. ثم قسطنطينوس ثلاثين سنة. ثم قسطنطين ثلاثين سنة. ثم قسطنطين عشرين سنة. ثم اليانوس المنافق سنتين. ثم يويانوس سنة. ثم والمطيانوس وغرطيانوس عشر سنين. ثم خرطانوس ووالنطيانوس الصغير سنة. ثم تياداسيس الاكبر سبع عشرة سنة. ثم أرقديوس وأنوريوس. عشرين سنة. ثم تياداسيس الاصغر ووالنطيانوس ست عشرة سنة. ثم مرقيانوس سبع سنين. ثم لاون ست عشرة سنة. ثم زانون ثمانى عشرة سنة. ثم انسطاس سبعا وعشرين سنة. ثم يوسطنيانوس سبع سنين. ثم يوسطنيانوس الشيخ عشرين سنة. ثم يوسطينس اثنتى عشرة سنة. ثم طيباريوس ست سنين. ثم مريقيس وتاذاسيس ابنه عشرين سنة. ثم فوقا الذى قتل سبع سنين وستة أشهر. ثم هرقل الذى كتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثين سنة فمن لدن عمر بيت المقدس بعد تخريبه بختنصر إلى الهجرة على قولهم ألف سنة ونيف ومن ملك الاسكندر إليها تسعمائة سنة ونيف وعشرون سنة من ذلك من وقت ظهوره إلى مولد عيسى ثلثمائة سنة وثلاث سنين ومن مولده إلى ارتفاعه اثنتان وثلاثون سنة ومن وقت ارتفاعه إلى الهجرة خمسمائة وخمس وثمانون سنة وأشهر * وزعم بعض أصحاب الاخبار أن قتل بنى إسرائيل يحيى بن زكرياء كان في عهد أردشير بن بابك لثماني سنين خلت من ملكه وأن بختنصر إنما صار إلى الشأم لقتال اليهود من قبل سابور الجنودا ابن أردشير بن بابك * وكان من الاحداث أيام ملوك الطوائف إلى قيام أردشير ابن بابك بالملك فيما ذكر هشام بن محمد دنو من دنا من قبائل العرب من ريف العراق ونزول من نزل منهم. (الحيرة والانبار وما حوالى ذلك) فحدثت عن هشام بن محمد قال لما مات بختنصر انضم الذين كان أسكنهم الحيرة

[ 437 ]

من العرب حين أمر بقتالهم إلى أهل الانبار وبقيت الحيرة خرابا فغبروا بذلك زمانا طويلا لا تطلع عليهم طالعة من بلاد العرب ولا يقدم عليهم قادم وبالانبار أهلها ومن انضم إليهم من أهل الحيرة من قبائل العرب من بنى اسماعيل وبنى معد ابن عدنان فلما كثر أولاد معد بن عدنان ومن كان معهم من قبائل العرب وملؤا بلادهم من تهامة وما يليهم فرقتهم حروب وقعت بينهم وأحداث حدثت فيهم فخرجوا يطلبون المتسع والريف فيما يليهم من بلاد اليمن ومشارق الشأم وأقبلت منهم قبائل حتى نزلوا البحرين وبها جماعة من الازد كانوا نزلوها في دهر عمران ابن عمرو من بقايا بنى عامر وهو ماء السماء بن حارثة وهو الغطريف بن ثعلبة بن امرئ القيس بن مازن بن الازد وكان الذين أقبلوا من تهامة من العرب مالك وعمروا بنا فهم بن تيم الله بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة ومالك بن زهير بن عمرو بن فهم بن تيم الله بن أسد بن وبرة في جماعة من قومهم والحيقار بن الحيق بن عمير بن قنص بن معد بن عدنان في قنص كلها ولحق بهم غطفان بن عمرو بن الطمثان بن عوذ مناة بن يقدم بن أفصى بن دعمى بن أياد بن نزار بن معد بن عدنان وزهر بن الحارث بن الشلل بن زهر بن أياد وصنح بن صنح بن الحارث بن أفصى بن دعمى بن أياد فاجتمع بالبحرين جماعة من قبائل العرب فتحالفوا على التنوخ وهو المقام وتعاقدوا على التوازر والتناصر فصاروا يدا على الناس وضمهم اسم تنوخ فكانوا بذلك الاسم كأنهم عمارة من العمائر قال وتنخ عليهم بطون من نمارة بن لخم قال ودعا مالك بن زهير جذيمة الابرش بن مالك بن فهم بن غانم بن دوس الازدي إلى التنوخ معه وزوجه أخته لميس ابنة زهير فتنخ جذيمة بن مالك وجماعة ممن كان بها من قومهم من الازد فصار مالك وعمرو ابنا فهم والازد حلفاء دون سائر تنوخ وكلمة تنوخ كلها واحدة وكان اجتماع من اجتمع من قبائل العرب بالبحرين وتحالفهم وتعاقدهم أزمان ملوك الطوائف الذين ملكهم الاسكندر وفرق البلدان بينهم عند قتله دارا ابن دارا ملك فارس إلى أن ظهر اردشير بن بابك ملك فارس على ملوك الطوائف

[ 438 ]

وقهرهم ودان له الناس وضبط له الملك قال وإنما سموا ملوك الطوائف لان كل ملك منهم كان ملكه قليلا من الارض إنما هي قصور وأبيات وحولها خندق وعدوه قريب منه له من الارض مثل ذلك ونحوه يغير أحدهما على صاحبه ثم يرجع كالخطفة قال فتطلعت أنفس من كان بالبحرين من العرب إلى ريف العراق وطمعوا في غلبة الاعاجم على ما يلي بلاد العرب منه أو مشاركتهم فيه واهتبلوا ما وقع بين ملوك الطوائف من الاختلاف فأجمع رؤساؤهم بالمسير إلى العراق ووطن جماعة ممن كان معهم على ذلك فكان أول من طلع منهم الحيقار بن الحيق في جماعة قومه وأخلاط من الناس فوجدوا والارمانيين وهم الذين بأرض بابل وما يليها إلى ناحية الموصل يقاتلون الاردوانيين وهم ملوك الطوائف وهم فيما بين نفر وهى قرية من سواد العراق إلى الابلة وأطراف البادية فلم تدن لهم فدفعوهم عن بلادهم قال وكان يقال لعاد إرم فلما هلكت قيل لثمود إرم ثم سموا الارمانيين وهم بقايا ارم وهم نبط السواد ويقال لدمشق ارم قال فارتفعوا عن سواد العراق وصاروا اشلاء بعد في عرب الانبار وعرب الحيرة فهم اشلاء قنص بن معد واليهم ينسب عمرو بن عدى بن نصر بن ربيعة بن عمرو بن الحارث ابن مسعود بن مالك بن عمم بن نمارة بن لخم وهذا قول مضر وحماد الرواية وهو باطل ولم يأت في قنص بن معد شئ أثبت من قول جبير بن مطعم ان النعمان كان من ولده قال وإنما سميت الانبار انبار لانها كانت تكون فيها أنابير الطعام وكانت تسمى الاهراء لان كسرى يرزق أصحابه رزقهم منها قال ثم طلع مالك وعمرو ابنافهم بن تيم الله ومالك بن زهير بن فهم بن تيم الله وغطفان بن عمرو بن الطمثان وزهربن الحارث وصنح بن صنح فيمن تنخ علهيم من عشائرهم وحلفائهم على الانبار على ملك الارمانيين فطلع نمارة بن قيس بن نمارة والنجدة وهم قبيلة من العماليق يدعون إلى كندة وملكان بن كندة ومالك وعمرو ابنافهم ومن حالفهم وتنخ معهم على نفر على ملك الاردوانيين فأنزلهم الحير الذى كان بناه بختنصر لتجار العرب الذين وجد بحضرته حين أمر بغزو العرب في بلادهم وإدخال الجيوش عليهم فلم تزل طالعة

[ 439 ]

الانبار وطالعة نفر على ذلك لا يدينون للاعاجم ولا تدين لهم الاعاجم حتى قدمها تبع وهو أسعد أبو كرب بن ملكيكرب في جيوشه فخلف بها من لم تكن به قوة من الناس ومن لم يقو على المضى معه ولا الرجوع إلى بلاده وانضموا إلى هذا الحير واختلطوا بهم وفى ذلك يقول كعب بن جعيل بن عجرة بن قمير بن ثعلبة بن عوف بن مالك بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل وغزا تبع في حمير حتى * نزل الحيرة من أهل عدن وخرج تبع سائرا ثم رجع إليهم وأقاموا فأقرهم على حالهم وانصرف راجعا إلى اليمن وفيهم من كل القبائل من بنى لحيان وهم بقايا جرهم وفيهم جعفى وطئ وكلب وتميم وليسوا إلا بالحيرة يعنى بقايا جرهم قال ابن الكلبى لحيان بقايا جرهم ونزل كثير من تنوخ الانبار والحيرة وما بين الحيرة إلى طف الفرات وغربيه إلى ناحية الانبار وما والاها في المظال والاخبية لا يسكنون بيوت المدر ولا يجامعون أهلها فيها واتصلت جماعتهم فيما بين الانبار والحيرة وكانوا يسمون عرب الضاحية فكان أول من ملك منهم في زمان ملوك الطوائف مالك بن فهم وكان منزله مما يلى الانبار ثم مات مالك فملك من بعده أخوه عمرو بن فهم ثم هلك عمرو بن فهم فملك من بعده جذيمة الابرش بن مالك ابن فهم بن غانم بن دوس الازدي قال ابن الكلبى دوس بن عدنان بن عبد الله بن نصر بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الازد بن الغوث بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ قال ابن الكلبى ويقال إن جذيمة الابرش من العاربة الاولى من بنى وبار بن أميم بن لوذ بن سام بن نوح قال وكان جذيمة من أفضل ملوك العرب رأيا وأبعدهم مغارا وأشدهم نكاية وأطهرهم حزما وأول من استجمع له الملك بأرض العراق وضم إليه العرب وغزا بالحيوش وكان به برص * فكنت العرب عنه وهابت العرب أن تسميه به وتنسبه إليه إعظاما له فقيل جذيمة الوضاح وجذيمة الابرش وكانت منازله فيما بين الحيرة والانبار وبقة وهيت وناحيتها وعين التمر وأطراف البر إلى الغمير والقطقطانه وخفية وما والاها وتجبى إليه الاموال وتفد إليه الوفود وكان

[ 440 ]

غزاطسما وجديسا في منازلهم من جو وما حولهم وكانت طسم وجديس يتكلمون بالعربية فأصاب حسان بن تبع أسعد أبى كرب قد أغار على طسم وجديس باليمامة فانكفأ جذيمة راجعا بمن معه وأتت خيول تبع على سرية لجذيمة فاجتاحتها وبلغ جذيمة خبرهم فقال جذيمة ربما أو فيت في علم * ترفعن بردى شمالات في فتو أنا كالئهم * في بلايا غزوة باتوا ثم أبنا غانمي نعم * وأناس بعبدنا ماتوا نحن كنا في ممرهم * إذ ممر القوم خوات ليت شعرى ما أماتهم * نحن أدلجنا وهم باتوا ولنا كانوا ونحن إذا * قال منا قائل صاتوا ولنا البيد البعاد التى * أهلها السودان أشتات ثبوة الاخيار شاهدة * ذاكم قومي وأولات قد شربت الخمر وسطهم * ناعما في غير أصوات فعلى ما كان من كرم * فستبكيني بنيات أنا رب الناس كلهم * غير ربى الكافت الفات يعنى بالكافت الذى يكفت أرواحهم والفات الذى يفتهم أنفسهم يعنى الله عزوجل قال ابن الكلبى ثلاثة أبيات منها حق والبقية باطل قال وفى مغازيه وغاراته على الامم الخالية من العاربة الاولى بقول الشاعر في الجاهلية أضحى جذيمة في يبرين منزله * قد حاز ما جمعت في دهرها عاد فكان جذيمة قد تنبأ وتكهن واتخذ صنمين يقال لهما الضيزنان قال ومكان الضيزنين بالحيرة معروف وكان يستسقى بهما ويستنصر بهما على العدو وكانت أيادبعين أباغ وأباغ رجل من العماليق نزل بتلك العين فكان يغازيهم فذكر لجذيمة غلام من لخم في أخواله من أباذ يقال له عدى بن نصر بن ربيعة بن عمرو ابن الحارث بن سعود بن مالك بن عمم بن نمارة بن لخم له جمال وظرف فغزاهم

[ 441 ]

جذيمة فبعث أياد قوما فسقوا سدنة الصنمين الخمر وسرقوا الصنمين فأصبحا في أياد فبعث إلى جذيمة أن صنميك أصبحا فينا زهدا فيك ورغبة فينا فإن أو ثقت لنا أن لا تغزونا رددناهما إليك قال وعدى بن نصر تدفعونه إلى فدفعوه إليه مع الصنمين فانصرف عنهم وضم عديا إلى نفسه وولاه شرابه فأبصرته رقاش ابنة مالك أخت جذيمة فعشقته وراسلته وقالت يا عدى اخطبني إلى الملك فإن لك حسبا وموضعا فقال لا أجترئ على كلامه في ذلك ولا أطمع أن يزوجنيك قالت إذا جلس على شرابه وحضره ندماؤه فاسقه صرفا واسق القوم مزاجا فإذا أخذت الخمرة فيه فاخطبني إليه فإنه لن يدرك ولن يمتنع منك فإذا زوجك فأشهد القوم ففعل الفتى ما أمرته به فلما أخذت الخمرة مأخذها خطبها إليها فأملكه إياها فانصرف إليها فأعرس بها من ليلته وأصبح مضرجا بالخلوق فقال له جذيمة وأنكر ما رأى به ما هذه الآثار يا عدى قال آثار العرس قال أي عرس قال عرس رقاش قال من زوجكها ويحك قال زوجنيها الملك فضرب جذيمة بيده على جبهته وأكب على الارض ندامة وتلهفا وخرج عدى على وجهه هاربا فلم ير له أثر ولم يسمع له بذكر وأرسل إليها جذيمة فقال حدثينى وأنت لا تكذبينى * أبحر زنيت أم بهجين أم بعبد فأنت أهل لعبد * أم بدون فانت أهل لدون فقالت لابل أنت زوجتني امرأ عربيا معروقا حسيبا ولم تستأمرني في نفسي ولم أكن مالكة لامرى فكف عنها وعرف عذرها ورجع عدى بن نصر إلى اياد فكان فيهم فخرج ذات يوم مع فتية متصيدين فرمى به فتى منهم من لهب فيما بين جبلين فتنكس فمات واشتملت رقاش على حبل فولدت غلاما فسمته عمرا ورشحته حتى إذا ترعرع عطزته وألبسته وحلته وأزارته خاله جذيمة فلما رآه أعجب به وألقيت عليه منه مقة ومحبة فكان يختلف مع ولده ويكون معهم فخرج جذيمة متبديا بأهله وولده في سنة خصبة مكلئة فضربت له ابنية في روضة ذات زهرة وغدر وخرج ولده وعمرو معهم يجتنون الكمأة فكانوا إذا أصابوا

[ 442 ]

كمأة جيدة أكلوها وإذا أصابها عمرو وخبأها في حجزته فانصرفوا إلى جذيمة يتعادون وعمرو يقول هذا جناى وخياره فيه * إذ كل جان يده إلى فيه فضمه إليه جذيمة والتزمه وسر بقوله وفعله وأمر فجعل له حلى من فضة وطوق فكان أول عربي ألبس طوقا فكان يسمى عمرو ذا الطوق فبينما هو على أحسن حاله إذ استطارته الجن فاستهوته فضرب له جذيمة في البلدان والآفاق زمانا لا يقدر عليه قال وأقبل رجلان أخوان من بلقين يقال لهما مالك وعقيل ابنا فارج بن مالك بن كعب بن القين بن جسر بن شيع الله بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف ابن قضاعة من الشام يريدان جذيمة قد أهديا له ظرفا ومتاعا فلما كانا ببعض الطريق نزلا منزلا ومعهما قينة لهما يقال لها أم عمرو فقدمت إليهما طعاما فبينما هما يأكلان إذ أقبل فتى عريان شاحب قد تلبد شعره وطالت أظفاره وساءت حاله فجاء حتى جلس ناحية منهما فمد يده يريد الطعام فناولته القينة كراعا فأكلها ثم مد يده إليها فقالت تعطى العبد كراعا فيطمع في الذراع فذهبت مثلا ثم ناولت الرجلين من شراب كان معها وأوكت زقها فقال عمرو بن عدى صددت الكاس عنا أم عمر * وكان الكاس مجراها اليمينا وما شر الثلاثة أم عمرو * بصاحبك الذى لا تصحبينا فقال مالك وعقيل من أنت يافتى فقال: إن تنكراني أو تنكرا نسبي * فانى أنا عمرو بن عدى ابن تنوخية اللخمى * وغدا ما تريانى في نمارة غير معصى فنهضا إليه فضماه وغسلا رأسه وقلما أظفاره وأخذا من شعره وألبساه مما كان معهما من الثياب وقالا ما كنا لنهدي لجذيمة هدية أنفس عنده ولا أحب إليه من ابن أخته قد رده الله عليه بنا فخرجا به حتى دفعا إلى باب جذيمة بالحيرة فبشراه فسر بذلك سرورا شديدا وأنكره لحال ما كان فيه فقالا أبيت اللعن أن من كان في مثل حاله يتغير فأرسل به إلى أمه فمكث عندها أياما ثم أعادته إليه فقال

[ 443 ]

لقد رأيته يوم ذهب وعليه طوق فما ذهب عن عينى ولا قلبى إلى الساعة فأعادوا عليه الطوق فلما نظر إليه قال شب عمرو عن الطوق فأرسلها مثلا وقال لمالك وعقيل حكمكما قالا حكمنا منادمتك ما بقينا وبقيت فهما ندمانا جذيمة اللذان ضربا مثلا في أشعار العرب وفى ذلك يقول أبو خراش الهذلى لعمرك ما ملت كبيشة طلعتي * وإن ثوائى عندها لقليل ألم تعلمي أن قد تفرق قبلنا * نديما صفاء مالك وعقيل وقال متمم بن نويرة وكنا كندمانى جذيمة حقيقة * من الدهر حتى قيل لن يتصدعا فلما تفرقنا كأنى ومالكا * لطول اجتماع لم نبت ليلة معا وكان ملك العرب بأرض الجزيرة ومشارق بلاد الشام عمرو بن ظرب ابن حسان بن أذينة بن السميدع بن هوبر العملقى ويقال العمليقى من عاملة العماليق فجمع جذيمة جموعا من العرب فسار إليه يريد غزاته وأقبل عمرو بن ظرب بجموعه من الشام فالتقوا فاقتتلوا قتالا شديدا فقتل عمرو بن ظرب وانفضت جموعه وانصرف جذيمة بمن مع سالمين غانمين فقال في ذلك الاعور بن عمرو بن هناءة ابن مالك بن فهم الازدي كأن عمرو بن ثربا لم يعش ملكا * ولم تكن حولة الرايات تختفق لاقى جذيمة في جأواء مشعلة * فيها حراشف بالنيران ترتشق فملكت من بعد عمرو ابنته الزباء واسمها نائلة وقال في ذلك القعقاع بن الدرماء الكلبى أتعرف منزلا بين المنقى * وبين مجر نائلة القديم وكان جنود الزباء بقايا من العماليق والعاربة الاولى وتزيد وسليح ابني حلوان ابن عمران بن الحاف بن قضاعة ومن كان معهم من قبائل قضاعة وكانت

[ 444 ]

للزباء أخت يقال لها زبيبة فبنت لها قصرا حصينا على شاطئ الفرات الغربي وكانت تشتو عند أختها وتربع ببطن النجار وتصير إلى تدمر فلما أن استجمع لها أمرها واستحكم لها ملكها أجمعت لغزو جذيمة الابرش تطلب بثأر أبيها فقالت لها أختها زبيبة وكانت ذات رأى ودهاء وإرب يا زباء إنك إن غزوت جذيمة فانما هو يوم له ما بعده إن ظفرت أصبت ثأرك وان قتلت ذهب ملكك والحرب سجال وعثراتها لا تستقال وإن كعبك لم يزل ساميا على من ناوأك وساماك ولم ترى بؤسا ولا غيرا ولا تدرين لمن تكون العاقبة وعلى من تكون الدائرة فقالت لها الزباء قد أديت النصيحة وأحسنت الروية وأن الرأى ما رأيت والقول ما قلت فانصرفت عما كانت أجمعت عليه من غزو جذيمة ورفضت ذلك وأتت أمرها من وجوه الختل والخدع والمكر فكتبت إلى جذيمة تدعوه إلى نفسها وملكها وأن يصل بلاده ببلادها وكان فيما كتبت به انها لم تجد ملك النساء إلا إلى قبيح في السماع وضعف في السلطان وقلة ضبط المملكة وانها لم تجد لملكها موضعا ولا لنفسها كفؤا غيرك فاقبل إلى فاجمع ملكى إلى ملكك وصل بلادي ببلادك وتقلد أمرى مع أمرك فلما انتهى كتاب الزباء إلى جذيمة وقدم عليه رسلها استخفه ما دعته إليه ورغب فيما أطمعته فيه وجمع إليه أهل الحجى والنهى من ثقات أصحابه وهو بالبقة ما شاطئ الفرات فعرض عليهم ما دعته إليه الزباء واستشارهم في أمره فأجمع رأيهم على أن يسير إليها ويستولى على ملكها وكان فيهم رجل يقال له قصير بن سعد بن عمرو بن جذيمة بن قيس بن ربى بن نمارة بن لخم وكان سعد تزوج أمة لجذيمة فولدت له قصيرا وكان أريبا حازما أثيرا عند جذيمة ناصحا فخالفهم فيما أشاروا به عليه وقال رأى فاتر وغدر حاضر فذهبت مثلا فرادوه الكلام ونازعوه الرأى فقال إنى لارى أمرا ليس بالخسا ولا الزكا فذهبت مثلا * وقال لجذيمة أكتب إليها فان كانت صادقة فلتقبل اليك وإلا لم تمكنها من نفسك ولم تقع في حبالها وقد وترتها وقتلت أباها فلم يوافق جذيمة ما أشار به عليه قصير فقال قصير

[ 445 ]

إنى امرو لا يميل العجز ترويتى * إذا أتت دون شئ مرة الوذم فقال جذيمة لا ولكنك امرؤ رأيك في الكن لا في الضح فذهبت مثلا فدعا جذيمة ابن أخته عمرو بن عدى فاستشاره فشجعه على المسير وقال إن نمارة قومي مع الزباء ولو قدروا لصاروا معك فأطاعه وعصى قصيرا فقال قصير لا يطاع لقصير أمر وفى ذلك يقول نهشل بن حرى بن ضمرة بن جابر التميمي ومولى عصاني واستبد برأيه * كما لم يطع بالبقتين قصير فلما تبين غب أمرى وأمره * وولت بأعجاز الامور صدور تمنى نئيشا أن يكون أطاعنى * وقد حدثت بعد الامور امور وقالت العرب ببقة أبرم الامر فذهبت مثلا واستخلف جذيمة عمرو بن عدى على ملكه وسلطانه وجعل عمرو بن عبد الجن الجرمى معه على خيوله وسار في وجوه أصحابه فأخذ على الفرات من الجانب الغربي فلما نزل الفرضة دعا قصيرا فقال ما الرأى قال ببقة تركت الرأى فذهبت مثلا واستقبلته رسل الزباء بالهدايا والالطاف فقال يا قصير كيف ترى قال خطر يسير في خطب كبير فذهبت مثلا وستلقاك الخيول فإن سارت أمامك فإن المرأة صادقة وإن أخذت جنبيك وأحاطت بك من خلفك فإن القوم غادرون فاركب العصا وكانت فرسا لجذيمة لا تجارى فإنى راكبها ومسايرك عليها فلقيته الخيول والكتائب فحالت بينه وبين العصا فركبها قصير ونظر إليه جذيمة موليا على متنها فقال ويل امه حزما على ظهر العصا فذهبت مثلا فقال يا ضل ما تجرى به العصا وجرت به إلى غروب الشمس ثم نفقت وقد قطعت أرضا بعيدة فبنى عليها برجا يقال له برج العصا وقالت العرب خير ما جاءت به العصا مثل تضربه وسار جذيمة وقد أحاطت به الخيول حتى دخل على الزباء فلما رأته تكشفت فإذا هي مضفورة الاسب فقالت يا جذيمة أدأب عروس ترى فذهبت مثلا فقال بلغ المدى وجف الثرى وأمر غدر أرى فقالت أما وإلهى ما بنا من عدم مواس ولا قلة أواس ولكنه شيمة من أناس فذهبت مثلا وقالت إنى أنبئت أن دماء الملوك شفاء من الكلب ثم أجلسته على

[ 446 ]

قطع وأمرت بطست من ذهب فأعدته له وشقته من الخمر حتى أخذت مأخذها منه وأمرت براهشيه فقطعا وقدمت إليه الطست وقد قيل لها إن قطر من دمه شئ في غير الطست طلب بدمه وكانت الملوك لا تقتل بضرب الاعناق إلا في قتال تكرمة للملك فلما ضعفت يداه سقطتا فقطر من دمه في غير الطست فقالت لا تضيعوا دم الملك فقال جذيمة دعوا دما ضيعه أهله فذهبت مثلا فهلك جذيمة واستنشفت الزباء دمه فجعلته في برس قطن في ربعة لها وخرج قصير من الحى الذى هلكت العصا بين أظهرهم حتى قدم على عمرو بن عدى وهو بالحيرة فقال له قصير أداثر أم تائر قال لا تائر سائر فذهبت مثلا ووافق قصير الناس وقد اختلفوا فصارت طائفة منهم مع عمرو بن عبد الجن الجرمى وجماعة منهم مع عمرو بن عدى فاختلف بينهما قصير حتى اصطلحا وانقاد عمرو بن عبد الجن لعمرو بن عدى ومال إليه الناس فقال عمرو بن عدى في ذلك دعوت ابن عبد الجن للسلم بعد ما * تتابع في غرب السفاه وكلسما فلما ارعوى عن صدنا باعترامه * مريت هواه مرى آم روائما فقال عمرو بن عبد الجن مجيبا له أما ودماء مائرات تخالها * على قلة العزى أو النسر عندما وما قدس الرهبان في كل هيكل * أبيل الابيلين المسيح بن مريما قال هكذا وجد الشعر ليس بتام وكان ينبغى أن يكون البيت الثالث لقد كان كذا وكذا * فقال قصير لعمرو بن عدى تهيأ واستعدد ولا تطل دم خالك قال وكيف لى بها وهى أمنع من عقاب الجو فذهبت مثلا وكانت الزباء سألت كاهنة لها عن أمرها وملكها فقالت أرى هلاكك بسبب غلام مهين غير أمين وهو عمرو بن عدى ولن تموتي بيده ولكن حتفك بيدك ومن قبله ما يكون ذلك فحذرت عمرا واتخذت نفقا من مجلسها الذى كانت تجلس فيه إلى حصن لها داخل مدينتها وقالت إن فجئني أمر دخلت النفق إلى حصنى ودعت رجلا مصورا أجود أهل بلادها تصويرا وأحسنهم عملا لذلك فجهزته وأحسنت إليه وقالت

[ 447 ]

له سر حتى تقدم على عمرو بن عدى متنكرا فتخلو بحشمه وتنضم إليهم وتخالطهم وتعلمهم ما عندك من العلم بالصور والثقافة له ثم أثبت عمرو بن عدى معرفة وصوره جالسا وقائما وراكبا ومنفصلا ومتسلحا بهيئته ولبسته وثيابه ولونه فإذا أحكمت ذلك فأقبل إلى فانطلق المصور حتى قدم على عمرو وصنع الذى أمرته به الزباء وبلغ ما أوصته به ثم رجع إليها بعلم ما وجهته له من الصور على ما وصفت له وأرادت أن تعرف عمرو بن عدى فلا تراه على حال إلا عرفته وحذرته وعلمت علمه فقال قصير لعمرو بن عدى اجدع أنفى واضرف ظهرى ودعني وإياها فقال عمرو ما أنا بفاعل وما أنت لذلك بمستحق منى فقال قصير خل عنى إذا وخلاك ذم فذهبت مثلا قال ابن الكلبى كان أبو الزباء اتخذ النفق لها ولاختها وكان الحصن لاختها في داخل مدينتها قال فقال له عمرو فانت أبصر فجدع قصير أنفه وأثر بظهره فقالت العرب لمكر ما جدع أنفقه قصير وفى ذلك يقول المتلمس ومن حذر الاوتار ما حز أنفه * قصير وخاض الموت بالسيف بيهس ويروى ورام الموت وقال عدى بن زيد كقصير إذ لم يجد غير أن ج‍ * دع أشرافه لشكر قصير فلما أن جدع قصير أنفه وأثر تلك الآثار بظهره خرج كأنه هارب وأظهر أن عمرا فعل به ذلك وأنه يزعم أنه مكر بخاله جذيمة وغره من الزباء فسار قصير حتى قدم على الزباء فقيل لها إن قصيرا بالباب فأمرت به فادخل عليها فإذا أنفه قد جدع وظهره قد ضرب فقالت ما الذى أرى بك يا قصير فقال زعم عمرو بن عدى أنى غررت خاله وزينت له السير اليك وغششته ومالاتك عليه ففعل بى ما ترين فاقبلت إليك وعرفت أنى لا أكون مع أحد هو أثقل على منك فألطفته وأكرمته وأصابت عنده بعض ما أرادت من الحزم والرأى والتجربة والمعرفة بأمور الملوك فلما عرف أنها قد استرسلت إليه ووثقت به قال لها إن لى بالعراق أموالا كثيرة وبها طرائف وثياب وعطر فابعثيني إلى العراق لاحمل مالى وأحمل اليك من بزوزها وطرائف ثيابها وصنوف ما يكون بها من الامتعة والطيب

[ 448 ]

والتجارات فتصيبين في ذلك أرباحا عظاما وبعض مالا غنى بالملوك عنه فانه لا طرائف كطرائف العراق فلم يزل يزين لها ذلك حتى سرحته ودفعت معه عيرا فقالت انطلق إلى العراق فبع بها ما جهزناك به وابتع لنا من طرائف ما يكون بها من الثياب وغيرها فسار قصير بما دفعت إليه حتى قدم العراق وأتى الحيرة متنكرا فدخل على عمرو بن عدى فاخبره بالخبر وقال جهزني بالبز والطرف والامتعة لعل الله يمكن من الزباء فتصيب ثأرك وتقتل عدوك فاعطاه حاجته وجهزه بصنوف الثياب وغيرها فرجع بذلك كله إلى الزباء فعرضه عليها فأعجبها ما رأت وسرها ما أتاها به وازدادت به ثقة واليه طمأنينة ثم جهزته بعد ذلك بأكثر مما جهزته في المرة الاولى فسار حتى قدم العراق ولقى عمرو بن عدى وحمل من عنده ما ظن أنه موافق للزباء ولم يترك جهدا ولم يدع طرفة ولا متاعا قدر عليه إلا حمله إليها ثم عاد الثالثة إلى العراق فاخبر عمرا الخبر وقال اجمع لى ثقات أصحابك وجندك وهيئ لهم الغرائر والمسوح * قال ابن الكلبى وقصير أول من عمل الغرائر واحمل كل رجلين على بعير في غرارتين واجعل معقد رؤس الغرائر من باطنها فإذا دخلوا مدينة الزباء أقمتك على باب نفقها وخرجت الرجال من الغرائر فصاحوا باهل المدينة فمن قاتلهم قتلوه وإن أقبلت الزباء تريد النفق جللتها بالسيف ففعل عمرو بن عدى وحمل الرجال في الغرائر على ما وصف له قصير ثم وجه الابل إلى الزباء عليها الرجال وأسلحتهم فلما كانوا قريبا من مدينتها تقدم قصير إليها فبشرها وأعلمها كثرة ما حمل إليها من الثياب والطرائف وسألها أن تخرج فتنظر إلى قطرات تلك الابل وما عليها من الاحمال فانى جئت بما صاء وصمت فذهبت مثلا وقال ابن الكلبى وكان قصير يكمن النهار ويسير الليل وهو أول من كمن النهار وسار الليل فخرجت الزباء فابصرت الابل تكاد قوائمها تسوخ في الارض من ثقل أحمالها فقالت يا قصير ما للجمال مشيها وئيدا * أجندلا يحملن أم حديدا أم صرفانا باردا شديدا فدخلت الابل المدينة حتى كان آخرها بعيرا مر على بواب المدينة وهو نبطى

[ 449 ]

بيده منخسة فنخس بها الغرائر التى تليه فأصابت خاصرة الرجل الذى فيها فضرط فقال البواب بالنبطية بشتابسقا يعنى بقوله بشتابسقا في الجوالق شر وأرعب قلبا فذهبت مثلا فلما توسطت الابل المدينة أنيخت ودل قصير عمرا على باب النفق قبل ذلك وأراه إياه وخرجت الرجال من الغرائر وصاحوا بأهل المدينة ووضعوا فيهم السلاح وقام عمرو بن عدى على باب النفق وأقبلت الزباء مولية مبادرة تريد النفق لتدخله وأبصرت عمرا قائما فعرفته بالصورة التى كان صورها لها المصور فمصت خاتما وكان فيها سم وقالت بيدى لا بيدك يا عمرو فذبت مثلا وتلقاها عمرو بن عدى فجللها بالسيف فقتلها وأصاب ما أصاب من أهل المدينة وانكفأ راجعا إلى العراق فقال عدى بن زيد في أمر جذيمة وقصير والزباء وقتل عمرو بن عدى إياها قصيدته أبدلت المنازل أم عفينا * تقادم عهدها أم قد بلينا إلى آخرها وقال المخبل وهو ربيعة بن عوف السعدى يا عمرو إنى قد هويت جماعكم * ولكل من يهوى الجماع فراق بل كم رأيت الدهر زايل بينه * من لا يزايل بينه الاخلاق طابت به الزبا وقد جعلت لها * دورا ومشربة لها أنفاق حملت لها عمرا ولا بخشونة * من آل دومة رسلة معناق حتى تفرعها بأبيض صارم * عضب يلوح كانه مخراق وأبو حذيفة يوم ضاق بجمعه * شعب الغبيط فحومة فافاق وله معد والعباد وطيى * ومن الجنود كتائب ورفاق يهب النجائب والبرائع حوله * جردا كان متونها الاطلاق فأتت عليه ساعة ما إن له * مما أفاء ولا أفاد عتاق فكأن ذلك يوم حم قضاؤه * رفد أميل إناؤه مهراق وقال بعض شعراء العرب نحن قتلنا فقحلا وابن راعن * ونحن خنينا نبت زبا بمنجل

[ 450 ]

فلما أتتها العير قالت أبارد * من التمر هذا أم حديد وجندل وقال عبد باجر واسمه بهرا من العرب العاربة وهم عشرة أحياء عاد وثمود والعماليق وطسم وجديس وأميم والمود وجرهم ويقطن والسلف قال والسلف دخل في حمير لا ركبت رجلك من بين الدلى * لقد ركبت مركبا غير الوطى على العراقى بصقا من الطوى * إن كنت غضبى فاغضبي على الركى وعاتبي القيم عمرو بن عدى فصار الملك بعد جذيمة لابن أخته عمرو بن عدى بن نصر بن ربيعة بن الحارث بن مالك بن عمرو بن نمارة بن لخم وهو أول من اتخذ الحيرة منزلا من ملوك العرب وأول من مجده أهل الحيرة في كتبهم من ملوك العرب بالعراق واليه ينسبون وهم ملوك آل نصر فلم يزل عمرو بن عدى ملكا حتى مات وهو ابن مائة وعشرين سنة منفردا بملكه مستبدا بأمره يغزو المغازى ويصب الغنائم وثفد عليه الوفود دهره الاطول لا يدين لملوك الطوائف بالعراق ولا يدينون له حتى قدم أردشير ابن بابك في أهل فارس وانما ذكرنا في هذا الموضع ما ذكرنا من أمر جذيمة وابن أخته عمرو بن عدى لما كنا قدمنا من ذكر ملوك اليمن أنه لم يكن لملكهم نظام وان الرئيس منهم إنما كان ملكا على مخلافه ومحجره لا يجاوز ذلك فان نزع منهم نازع أو نبغ منهم نابغ فتجاوز ذلك وإن بعدت مسافة سيره من مخلافه فانما ذلك منه عن غير ملك له موطد ولا لآبائه ولا لابنائه ولكن كالذى يكون من بعض من يشرد من المتلصصة فيغير على الناحية بعد الناحية باستغفاله أهلها فإذا فصده الطلب لم يكن له ثبات فكذلك كان أمر ملوك اليمن كان الواحد منهم بعد الواحد يخرج عن مخلافه ومحجره أحيانا فيصيب مما مر به ثم يتشمر عند خوف الطلب راجعا إلى موضعه ومخلافه من غير أن يدين له أحد من غير أهل مخلافه بالطاعة أو يؤدى إليه خرجا حتى كان عمرو بن عدى الذى ذكرنا أمره وهو ابن أخت جذيمة الذى اقتصصنا خبره فانه اتصل له ولعقبه ولاسبابه الملك على ما كان

[ 451 ]

بنواحي العراق وبادية الحجاز من العرب باستعمال ملوك فارس إياهم على ذلك واستكفائهم أمر من وليهم من العرب إلى أن قتل ابرويز بن هرمز النعمان بن المنذر ونقل ما كانت ملوك فارس يجعلونه إليهم إلى غيرهم فذكرنا ما ذكرنا من أمر جذيمة وعمرو بن عدى من أجل ذلك إذ كنا نريد أن يسوق تمام التاريخ على ملك ملوك فارس ونستشهد على صحة ما روى من أمرهم بما وجدنا إلى الاستشهاد به عليها سييلا وكان أمر آل نصر بن ربيعة ومن كان من ولاة ملوك الفرس وعمالهم على ثغر العرب الذين هم ببادية العراق عند أهل الحيرة متعالما مثبتا عندهم في كنائسهم وأسفارهم * وقد حدثت عن هشام بن محمد الكلبى انه قال إنى كنت أستخرج أخبار العرب وأنساب آل نصر بن ربيعة ومبالغ أعمار من عمل منهم لآل كسرى وتاريخ سنيهم من بيع الحيرة وفيها ملكهم وأمورهم كلها * فأما ابن حميد فانه حدثنا في أمر ولد نصر بن ربيعة ومصيرهم إلى أرض العراق غير الذى ذكره هشام والذى حدثنا به من ذلك عن سلمة عن ابن اسحاق عن بعض أهل العلم أن ربيعة بن نصر اللخمى رأى رؤيا نذكرها بعد عند ذكر أمر الحبشة وغلبتهم على اليمن وتعبير سطيح وشق وجوابهما عن رؤياه ثم ذكر في خبره ذلك ان ربيعة بن نصر لما فرغ من مسألة سطيح وشق وجوابهما إياه وقع في نفسه ان الذى قالا له كائن من أمر الحبشة فجهز بنيه وأهل بيته إلى العراق بما يصلحهم وكتب لهم إلى ملك من ملوك فارس يقال له سابور بن خرزاذ فأسكنهم الحيرة قال فمن بقية ربيعة بن نصر كان النعمان ملك حيرة وهو النعمان ابن المنذر بن النعمان بن المنذر بن عمرو بن عدى بن ربيعة بن نصر ذلك الملك في نسب أهل اليمن وعلمهم (قال أبو جعفر) ونذكر الآن أمر طسم وجديس إذ كان أمرهم أيضا كان في أيام ملوك الطوائف وان فناء جديس كان على يد حسان بن تبع إذ كنا قدمنا فيما مضى ذكر تبابعة حمير الذين كانوا على عهد ملوك فارس * وحدثت عن هشام بن محمد وحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن

[ 452 ]

ابن اسحاق وغيرهما من علماء العرب أن طسما وجديسا كانوا من ساكنى اليمامة وهى إذ ذاك من أخصب البلاد وأعمرها وأكثرها خيرا لهم فيها صنوف الثمار ومعجبات الحدائق والقصور الشامخة وكان عليهم ملك من طسم ظلوم غشوم لا ينهاه شئ عن هواه يقال له عملوق مضر بجديس مستذلا لهم وكان مما لقوا من ظلمه واستذلاله أنه أمر بأن لا تهدى بكر من جديس إلى زوجها حتى تدخل عليه فيفترعها فقال رجل من جديس يقال له الاسود بن غفار لرؤساء قومه قد ترون ما نحن فيه من العار والذل الذى ينبغى للكلاب أن تعافه وتمتعض منه فأطيعوني فانى أدعوكم إلى عز الدهر ونفى الذل قالوا وما ذاك قال إنى صانع للملك ولقومه طعاما فإذا جاؤا نهضنا إليهم بأسيافنا وانفردت به فقتلته وأجهز كل رجل منكم على جليسه فأجابوه إلى ذلك وأجمع رأيهم عليه فأعد طعاما وأمر قومه فانتضوا سيوفهم ودفنوها في الرمل وقال إذا أتاكم القوم يرفلون في حللهم فخذوا سيوفهم ثم شدوا عليهم قبل أن يأخذوا مجالسهم ثم اقتلوا الرؤساء فانكم إذا قتلتموهم لم تكن السفلة شيئا وحضر الملك فقتل وقتل الرؤساء فشدوا على العامة منهم فأفنوهم فهرب رجل من طسم يقال له رياح بن مرة حتى أتى حسان بن تبع فاستغاث به فخرج حسان في حمير فلما كان من اليمامة على ثلاث قال له رياح أبيت اللعن إن لى أختا متزوجة في جديس يقال لها اليمامة ليس على وجه الارض أبصر منها انها لتبصر الراكب من مسيرة ثلاث وإنى أخاف أن تنذر القوم بك فمر أصحابك فليقطع كل رجل منهم شجرة فليجعلها أمامه ويسير وهى في يده فأمرهم حسان بذلك ففعلوا ثم سار فنظرت اليمامة فأبصرتهم فقالت لجديس لقد سارت حمير فقالوا وما الذى ترين قالت أرى رجلا في شجرة معه كتف يتعرقها أو نعل يخصفها فكذبوها وكان ذلك كما قالت وصبحهم حسان فأبادهم وأخرب بلادهم وهدم قصورهم وحصونهم وكانت اليمامة تسمى إذ ذاك جوا والقرية وأتى حسان باليمامة ابنة مرة فأمر بها ففقئت عيناها فإذا فيها عروق سود فقال لها ما هذا السواد في عروق عينيك قالت حجير أسود يقال له الاثمد كنت أكتحل به وكانت فيما ذكروا أول من اكتحل بالاثمد فأمر حسان

[ 453 ]

بأن تسم يجو اليمامة * وقد قالت الشعراء من العرب في حسان ومسيره هذا فمن ذلك قول الاعشى كونى كمثل الذى إذ غاب وافدها * أهدت له من بعيد نظرة جذعا ما نظرت ذات أشفار كنظرتها * حقا كما صدق الذثبى إذ سجعا إذ قلبت مقلة ليست بمقرفة * إذ يرفع الآل رأس الكلب فارتفعا قالت أرى رجلا في كفه كتف * أو يخصف النعل لهفى أية صنعا فكذبوها بما قالت فصبحهم * ذو آل حسان يزجى الموت والشرعا فاستنزلوا أهل جو من مساكنهم * وهدموا شاخص البنيان فاتضعا ومن ذلك قول النمر ابن تولب العكلى هلا سألت بعادياء وبيته * والخل والخمر التى لم تمنع وفتاتهم عنز عشية آنست * من بعد مرأى في الفضاء ومسمع قالت أرى رجلا يقلب كفه * أصلا وجو آمن لم يفزع ورأت مقدمة الخميس وقبله * رقص الركاب إلى الصياح بتبع فكأن صالح أهل جو غدوة * صبحوا بذيفان السمام المنقع كانوا كأنعم من رأيت فاصبحوا * يلوون زاد الراكس المتمتع قالت يمامة احملوني قائما * إن تبعثوه باركا بى أصرع وحسان بن تبع الذى أوقع بجديس هو ذو معاهر وهو تبع بن تبع تبان أسعد أبى كرب بن ملكيكرب بن تبع بن أقرن وهو أبو تبع بن حسان الذى يزعم أهل اليمن انه قدم مكة وكسا الكعبة وأن الشعب من المطابخ انما سمى هذا الاسم لنصبه المطابخ في ذلك الموضع واطعامه الناس وأن أجيادا إنما سمى أجيادا لان خيله كانت هنا لك وأنه قدم يثرب فنزل منزلا يقال له منزل الملك اليوم وقتل من اليهود مقتلة عظيمة بسبب شكاية من شكاهم إليه من الاوس والخزرج بسوء الجوار وأنه وجه ابنه حسان إلى السند وسمرا ذا الجناح إلى خراسان وأمرهما أن يستبقا إلى الصين فمر سمر بسمرقند فأقام عليها حتى افتتحا وقتل مقاتلتها وسبى

[ 454 ]

وحوى ما فيها ونفذ إلى الصين فوافى حسان بها فمن أهل اليمن من يزعم أنهما ماتا هنالك ومنهم من يزعم أنهما انصرفا إلى تبع بالاموال والغنائم (ومما كان) في أيام ملوك الطوائف ما ذكره الله عزوجل في كتابه من أمر الفتية الذين أووا إلى الكهف فضرب على آذانهم ذكر الخبر عن أصحاب الكهف وكان أصحاب الكهف فتية آمنوا بربهم كما وصفهم الله عزوجل به من صفتهم في القرآن المجيد فقال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا والرقيم هو الكتاب الذى كان القوم الذين منهم كان الفتية كتبوه في لوح بذكر خبرهم وقصصهم ثم جعلوه على باب الكهف الذى أووا إليه أو نقروه في الجبل الذى أووا إليه أو كتبوه في لوح وجعلوه في صندوق خلفوه عندهم إذ أوى الفتية إلى الكهف وكان عدد الفتية فيما ذكر ابن عباس سبعة وثامنهم كلبهم * حدثنا ابن بشار قال حدثنا عبد الرحمن قال حدثنا إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس ما يعلمهم إلا قليل أنا من القليل كانوا سبعة * حدثنا بشر قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة قال ذكر لنا أن ابن عباس كان يقول أنا من اولئك القليل الذين استثنى الله تعالى كانوا سبعة وثامنهم كلبهم قال وكان اسم أحدهم وهو الذى كان يلى شرى الطعام لهم الذى ذكره الله عنهم أنهم قالوا إذ هبوا من رقدتهم (فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه) * حدثنى عبد الله بن محمد الزهري قال حدثنا سفيان عن مقاتل فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة اسمه يمنيخ * وأما ابن اسحاق فانه قال فيما حدثنا به ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه اسمه يمليخا * وكان ابن اسحاق يقول كان عدد الفتية ثمانية فعلى قوله كان كلبهم تاسعهم وكان فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق يسميهم فيقول كان أحدهم وهو أكبرهم والذى كلم الملك عن سائرهم مكسملنا والآخر محسملينا والثالث يمليخا والرابع مرطوس والخامس كسوطونس والسادس بيرونس والسابع

[ 455 ]

رسمونس والثامن بطونس والتاسع قالوس وكانوا احداثا * وقد حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن عبد الله بن أبى نجيح عن مجاهد قال لقد حدثت أنه كان على بعضهم من حداثة أسنانهم وضح الورق وكانوا من قوم يعبدون الاوثان من الروم فهداهم الله للاسلام وكانت شريعتهم شريعة عيسى في قول جماعة من سلف علمائنا * حدثنا ابن حميد قال حدثنا الحكم بن بشير قال حدثنا عمرو يعنى ابن قيس الملائى في قوله إن أصحاب الكهف والرقيم كانت الفتية على دين عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم على الاسلام وكان ملكهم كافرا وكان بعضهم يزعم أن أمرهم ومصيرهم إلى الكهف كان قبل المسيح وأن المسيح أخبر قومه خبرهم فان الله عزوجل ابتعثهم من رقدتهم بعد ما رفع المسيح في الفترة بينه وبين محمد صلى الله عليه وسلم والله أعلم أي ذلك كن فمأا الذى عليه علماء أهل الاسلام فعلى أن أمرهم كان بعد المسيح فاما أنه كان في أيام ملوك الطوائف فإن ذلك مما لا يدفعه دافع من أهل العلم بأخبار الناس القديمة * وكان لهم في ذلك الزمان ملك يقال له دقينوس يعبد الاصنام فيما ذكر عنه فبلغه عن الفتية خلافهم إياه في دينه فطلبهم فهربوا منه بدينهم حتى صاروا إلى جبل لهم يقال له فيما حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن عبد الله بن أبى نجيح عن مجاهد عن ابن عباس نيحلوس * وكان سبب إيمانهم وخلافهم به قومهم فيما حدثنا الحسن بن يحيى قال حدثنا عبد الرزاق قال حدثنا معمر قال أخبرني اسماعيل بن سدوس أنه سمع وهب ابن منبه يقول جاء حوارى عيسى ابن مريم إلى مدينة أصحاب الكهف فاراد أن يدخلها فقيل له إن على بابها صنما لا يدخلها أحد إلا سجد له فكره أن يدخلها فأتى حماما وكان فيه قريبا من تلك المدينة فكان يعمل فيه يؤاجر نفسه من صاحب الحمام ورأى صاحب الحمام في حمامه البركة ورد عليه الرزق فجعل يعرض عليه وجعل يسترسل إليه وعلقه فتية من أهل المدينة وجعل يخبرهم خبر السماء والارض وخبر الآخرة حتى آمنوا به وصدقوه وكانوا على مثل حاله في حسن الهيئة وكان يشرط على صاحب الحمام أن الليل لى لا تحول بينى وبين الصلاة إذا

[ 456 ]

حضرت فكان على ذلك حتى جاء ابن الملك بامرأة فدخل بها الحمام فعيره الحوارى فقال أنت ابن الملك وتدخل ومعك هذه الكذى فاستحيى فذهب فرجع مرة أخرى فقال له مثل ذلك وسبه وانتهره ولم يلتفت حتى دخل ودخلت معه المرأة فماتا في الحمام جميعا فأتى الملك فقيل له قتل صاحب الحمام ابنك فالتمس فلم يقدر عليه فهرب قال من كان يصحبه فسموا الفتية فالتمسوا فخرجوا من المدينة فمروا بصاحب لهم في زرع له وهو على مثل أمرهم فذكروا أنهم التمسوا وانطلق معهم ومعه الكلب حتى آواهم الليل إلى الكهف فدخلوه فقالوا نبيت ههنا الليلة ثم نصبح إن شاء الله فترون رأيكم فضرب على آذانهم فخرج الملك في أصحابه يتبعونهم حتى وجدوهم قد دخلوا الكهف فكلما أراد رجل أن يدخل أرعب فلم يطق أحد أن يدخل فقال قائل أليس لو كنت قدرت عليهم قتلتهم قال بلى قال فابن عليهم باب فدعهم فيه يموتوا عطشا وجوعا ففعل فغبروا بعد ما بنى عليهم باب الكهف زمانا بعد زمان ثم إن راعيا أدركه المطر عند الكهف فقال لو فتحت هذا الكهف فأدخلته غنمي من المطر فلم يزل يعالجه حتى فتح ما أدخل فيه ورد الله إليهم أرواحهم في أجسادهم من الغد حين أصبحوا فبعثوا أحدهم بورق يشترى لهم طعاما فكلما أتى باب مدينتهم رأى شيئا ينكره حتى دخل على رجل فقال بعنى بهذه الدراهم طعاما قال ومن اين لك هذه الدراهم قال خرجت وأصحاب لى أمس فآوانا الليل حتى أصبحوا فأرسلوني فقال هذه الدراهم كانت على عهد الملك فلان فرفعه إلى الملك وكان ملكا صالحا فقال من أين لك هذه الورق قال خرجت أنا وأصحاب لى أمس حتى أدركنا الليل في كهف كذا وكذا ثم أمروني أن أشترى لهم طعاما قال وأين أصحابك قال في الكهف قال فانطلقوا معه حتى أتوا باب الكهف فقال دعوني أدخل إلى أصحابي قبلكم فلما رأوه ودنا منهم ضرب على أذنه وآذانهم فجعلوا كلما دخل رجل أرعب فلم يقدروا على ان يدخلوا إليهم فبنوا عندهم كنسة واتخذوها مسجدا يصلون فيه * حدثنا الحسن بن يحيى قال حدثنا عبد الرزاق

[ 457 ]

قال أخبرنا معمر عن قتادة عن عكرمة قال كان أصحاب الكهف أبناء ملوك الروم رزقهم الله الاسلام فتفردوا بدينهم واعتزلوا قومهم حتى انتهوا إلى الكهف فضرب الله على سمخانهم فلبثوا دهرا طويلا حتى هلكت أمتهم وجاءت أمة مسلمة وكان ملكهم مسلما واختلفوا في الروح والجسد فقال قائل تبعث الروح والجسد جميعا وقال قائل تبعث الروح وأما الجسد فتأكله الارض فلا يكون شيئا فشق على ملكهم اختلافهم فانطلق فلبس المسوح وجلس على الرماد ثم دعا الله عزوجل فقال يا رب قد ترى اختلاف هؤلاء فابعث لهم ما يبين لهم فبعث الله أصحاب الكهف فبعثوا أحدهم يشترى لهم طعاما فدخل السوق فجعل ينكر الوجوه ويعرف الطرق ويرى الايمان بالمدينة ظاهرا فانطلق وهو مستخف حتى أتى رجلا يشترى منه طعاما فلما نظر الرجل إلى الورق أنكرها قال حسبت أنه قال كأنها أخفاف الربع يعنى الابل الصغار قال له الفتى اليس ملككم فلان قال بل ملكنا فلان فلم يزل ذلك بينهما حتى رفعه إلى الملك فسأله فأخبره الفتى خبر أصحابه فبعث الملك في الناس فجمعهم فقال إنكم قد اختلفتم في الروح والجسد وإن الله عزوجل قد بعث لكم آية فهذا رجل من قوم فلان يعنى ملكهم الذى مضى فقال الفتى انطلقوا بى إلى أصحابي فركب الملك وركب معه الناس حتى انتهى إلى الكهف فقال الفتى دعوتي أدخل إلى أصحابي فلما أبصرهم ضرب الله على أذنه وعلى آذانهم فلما استبطأوه دحل الملك ودخل الناس معه فإذا أجساد لا ينكرون منها شيئا غير أنها لا أرواح فيها فقال الملك هذه آية بعثها الله لكم قال قتادة وغزا ابن عباس مع حبيب بن مسلمة فمروا بالكهف فإذا فيه عظام فقال رجل هذا عظام أصحاب الكهف فقال ابن عباس لقد ذهبت عظامهم منذ أكثر من ثلثمائة سنة * قال أبو جعفر فكان منهم. يونس بن متى فكان فيما ذكر من أهل قرية من قرى الموصل يقال له نينوى وكان قومه يعبدون الاصنام فبعث الله إليهم يونس بالنهي عن عبادتها والامر بالتوبة إلى

[ 458 ]

الله من كفرهم والامر بالتوحيد فكان من أمره وأمر الذين بعث إليهم ما قصه الله في كتابه فقال الله عزوجل (فلو لا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزى في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين) وقال (وذان النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) وقد اختلف السلف من علماء أمة نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ذهابه لربه مغاضبا وظنه أن لن نقدر عليه وفى حين ذلك * فقال بعضهم كان ذلك منه قبل دعائه القوم الذين أرسل إليهم وقبل إبلاغه إياهم رسالة ربه وذلك ان القوم الذين أرسل إليهم لما حضرهم عذاب الله أمر بالمصير إليهم ليعلمهم ما قد أظلهم من ذلك لينيبوا مما هم عليه مقيمون مما يسخطه الله فاستنظر ربه المصير إليهم فلم ينظره فغضب لاستعجال الله إياه للنفوذ لامره وترك إنظاره. ذكر من قال ذلك * حدثنى الحارث قال حدثنا الحسن الاشيب قال سمعت أبا هلال محمد بن سليم قال حدثنا شهر بن حوشب قال أتاه جبريل عليه السلام يعنى يونس وقال انطلق إلى أهل نينوى فأنذرهم أن العذاب قد حضرهم قال التمس دابة قال الامر أعجل من ذلك قال التمس حذاء قال الامر أعجل من ذلك قال فغضب فانطلق إلى السفينة فركب فلما ركب احتبست السفينة لا تقدم ولا تأخر قال فساهموا قال فسهم فجاء الحوت يبصبص بذنبه فنودى الحوت أيا حوت انا لم نجعل يونس لك رزقا إنما جعلناك له حرزا ومسجدا فالتقمه الحوت فانطلق به من ذلك المكان حتى مر به على دجلة ثم انطلق به حتى ألقاه في نينوى * حدثنى الحارث قال حدثنا الحسن قال حدثنا أبو هلال قال حدثنا شهر بن حوشب عن ابن عباس قال انما كانت رسالة يونس بعد ما نبذه الحوت * وقال آخرون كان ذلك منه بعد دعائه من أرسل إليه إلى ما أمره الله بدعائهم إليه وتبليغه إياهم رسالة ربه ولكنه

[ 459 ]

وعدهم نزول ما كان حذرهم من بأس الله في وقت وقته لهم ففارقهم إذ لم يتوبوا ولم يراجعوا طاعة الله والايمان فلما أظل القوم عذاب الله فغشيهم كما وصف الله في تنزيله تابوا إلى الله فرفع الله عنهم العذاب وبلغ يونس سلامتهم وارتفاع العذاب الذى كان وعدهموه فغضب من ذلك وقال وعدتهم وعدا فكذب وعدى فذهب مغاضبا ربه وكره الرجوع إليهم وقد جربوا عليه الكذب ذكر بعض من قال ذلك * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن يزيد بن زياد عن عبد الله بن أبى سلمة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال بعثه الله تعالى يعنى يونس إلى أهل قريته فردوا عليه ما جاءهم به وامتنعوا منه فلما فعلوا ذلك أوحى الله إليه انى مرسل عليهم العذاب في يوم كذا وكذا فاخرج من بين أظهرهم فأعلم قومه الذى وعدهم الله من عذابه إياهم فقالوا ارمقوه فإن هو خرج من بين أظهركم فهو والله كائن ما وعدكم فلما كانت الليلة التى وعدو العذاب في صبيحتها أدلج وراءه القوم فحذروا فخرجوا من القرية إلى براز من أرضهم وفرقوا بين كل دابة وولدها ثم عجوا إلى الله واستقالوه وأقالهم وتنظر يونس الخبر عن القرية وأهلها حتى مر به مار فقال ما فعل أهل القرية فقال فعلوا أن نبيهم لما خرج من بين أظهرهم عرفوا أنه صدقهم ما وعدهم من العذاب فخرجوا من قريتهم إلى براز من الارض وفرقوا بين كل ذات ولد وولدها ثم عجوا إلى الله وتابوا إليه فقبل منهم وأخر عنهم العذاب قال فقال يونس عند ذلك وغضب والله لا أرجع إليهم كذابا أبدا وعدتهم العذاب في يوم ثم رد عنهم ومضى وجهه مغاضبا لربه فاستزله الشيطان * حدثنى المثنى بن ابراهيم قال حدثنا اسحاق بن الحجاج قال حدثنا عبد الله بن أبى جعفر عن أبيه عن الربيع قال حدثنا رجل قد قرأ القرآن في صدره في امارة عمر بن الخطاب فحدث عن قوم يونس حيث أنذر قومه فكذبوه فأخبرهم أنه مصيبهم العذاب وفارقهم فلما رأوا ذلك وغشيهم العذاب لكنهم خرجوا من مساكنهم وصعدوا في مكان رفيع وانهم جأروا إلى ربهم ودعوه

[ 460 ]

مخلصين له الدين أن يكشف عنهم العذاب وأن يرجع إليهم رسولهم قال ففى ذلك أنزل الله تعالى فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزى في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين فلم يكن قرية غشيها العذاب ثم أمسك عنها إلا قوم يونس خاصة فلما رأى ذلك يونس لكنه ذهب عاتبا على ربه وانطلق مغاضبا وظن أن لن يقدر عليه حتى ركب سفينة فأصاب أهلها عاصف من الريح فقالوا هذه بخطيئة أحدكم وقال يونس وقد عرف أنه هو صاحب الذنب هذه بخيئتى فألقوني في البحر وأنهم أبو ا عليه حتى أفاضوا بسهامهم فساهم فكان من المدحضين فقال لهم قد أخبرتكم أن هذا الامر بذنبى وأنهم أبو ا عليه أن يلقوه في البحر حتى أفاضوا بسهامهم الثانية فكان من المدحضين فقال لهم قد أخبرتكم أن هذا الامر بذنبى وأنهم أبو ا عليه أن يلقوه في البحر حتى أفاضوا بسهامهم الثالثة فكان من المدحضين فلما رأى ذلك ألقى نفسه في البحر وذلك تحت الليل فابتلعه الحوت فنادى في الظلمات وعرف الخطيئة أن لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين وكان قد سبق له من العمل الصالح فأنزل الله فيه فقال (فلو لا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون) وذلك ان العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثر (ونبذناه بالعراء وهو سقيم) وألقى على ساحل البحر وأنبت الله عليه شجرة من يقطين وهى فيما ذكر شجرة القرع يتقطر عله من اللبن حتى رجعت إليه قوته ثم رجع ذات يوم إلى الشجرة فوجدها قد يبست فحزن وبكى عليها فعوتب فقيل له أحزنت على شجرة وبكيت عليها ولم تحزن على مائة ألف أو زيادة أردت هلاكهم جميعا ثم ان الله اجتباه من الضلالة فجعله من الصالحين ثم أمر أن يأتي قومه ويخبرهم أن الله قد تاب عليهم فعمد إليهم حتى لقى راعيا فسأله عن قوم يونس وعن حالهم وكيف هم فاخبره أنهم بخير وأنهم على رجاء أن يرجع إليهم رسولهم فقال له فاخبرهم انى قد لقيت يونس فقال لا أستطيع إلا بشاهد فسمى له عنزا من غنمه فقال هذه تشهد لك أنك قد لقيت يونس قال وما ذا قال وهذه البقعة التى أنت فيها تشهد لك أنك

[ 461 ]

قد لقيت يونس قال وماذا قال وهذه الشجرة نشهد لك أنك قد لقيت يونس وأنه رجع الراعى إلى قومه فأخبرهم أنه لقى يونس فكذبوه وهموا به شرا فقال لا تعجلوا على حنى أصبح فلما أصبح غدابهم إلى البقعة التى لقى فيها يونس وسأل العنز فأخبرتهم أنه لقى يونس واستنطقوا الشجرة فأخبرتهم إنه قد لقى يونس فاتنطقها فأخبرتهم انه لقى يونس ثم إن يونس أتاهم بعد ذلك قال وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا فمتعناهم إلى حين * حدثنى الحسين بن عمرو بن محمد العبقري قال حدثنا أبى عن اسرائيل عن أبى اسحاق عن عمرو بن ميمون الاودى قال حدثنا ابن مسعود في بيت المال قال إن يونس كان وعد قومه العذاب وأخبرهم انه يأتيهم إلى ثلاثة أيام ففرقوا بين كل والدة وولدها ثم خرجوا فجأروا إلى الله واستغفروه فكف الله عنهم العذاب وغدا يونس ينتظر العذاب فلم ير شيئا وكان من كذب ولم يكن له بينة قيل فانطلق مغاضبا فنادى في الظلمات قال ظلمة بطن الحوت وظلمة الليل وظلمة البحر * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عمن حدثه عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم قال سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد الله حبس يونس في بطن الحوت أوحى الله إلى الحوت أن خذه ولا تخدش له لحما ولا تكسر عظما فأخذه ثم هوى به إلى مسكنه من البحر فلما انتهى به إلى أسفل البحر سمع يونس حسا فقال في نفسه ما هذا فأوحى الله إليه وهو في بطن الحوت إن هذا تسبيح دواب البحر قال فسبح وهو في بطن الحوت قال فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا يا ربنا إنا لنسمع صوتا ضعيفا بأرض غريبة قال ذلك عبد ى يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر قالوا العبد الصالح الذى كان يصعد اليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح قال نعم قال فشفعوا له عند ذلك فأمر الحوت فقذفه في الساحل كما قال الله وهو سقيم وكان سقمه الذى وصفه الله به انه ألقاه الحوت على الساحل كالصبى المنفوس قد تنسر اللحم والعظم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن يزيد بن زياد عن عبد الله ابن أبى سلمة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال خرج به يعنى الحوت حتى

[ 462 ]

لفظه في ساحل البحر فطرحه مثل الصبى المنفوس لم ينقص من خلقه شئ * حدثنى يونس قال أخبرنا ابن وهب قال حدثنى أبو صخر قال أخبرني ابن قسيط انه سمع أبا هريرة يقول طرح بالعراء فأنبت الله عليه يقطينة فقلنا يا أبا هريرة وما اليقطينة قال شجرة الدباء هيأ الله له أروية وحشية تأكل من حشاش الارض أو هشاش الارض فتفشح عليه فترويه من لبنها كل عشية وبكرة حتى نبت ومما كان أيضا في أيام ملوك الطوائف إرسال الله رسله الثلاثة الذين ذكرهم في تنزيله فقال (واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون) الآيات التى ذكر تعالى ذكره في خبرهم واختلف السلف في أمرهم فقال بعضهم كان هؤلاء الثلاثة الذين ذكرهم الله في هذه الآيات وقص فيها خبرهم أنبياء ورسلا أرسلهم إلى بعض ملوك الروم وهو انطيخس والقرية التى كان فيها هذا الملك الذى أرسل الله إليه فيها هؤلاء الرسل انطاكية ذكر من قال ذلك * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال كان من حديث صاحب يس فيما حدثنا محمد اسحاق قال مما بلغه عن كعب الاحبار وعن وهب بن منبه اليماني أنه كان رجلا من أهل النطاكية وكان اسمه حبيبا وكان يعمل الحرير وكان رجلا سقيما قد أسرع فيها الجذام وكان منزله عند باب من أبو اب المدينة قاصيا وكان مؤمنا ذا صدقة يجمع كسبه إذا أمسى فيما يذكرون فيقسمه نصفين فيطعم نصفا عياله ويتصدق بنصف فلم يهمه سقمه ولا عمله ولا ضعفه حين طهر قلبه واستقامت فطرته وكان بالمدينة التى هو بها مدينة انطاكية فرعون من الفراعنة يقال له انطيخس بن انطيخس بن انطيخس يعبد الاصنام صاحب شرك فبعث الله المرسلين وهم ثلاثة صادق وصدوق وشلوم فقدم الله إليه وإلى أهل مدينته منهم اثنين فكذبوهما ثم عزز الله بثالث وقال آخرون بل كانوا من حواريى عيسى ابن مريم

[ 463 ]

ولم يكونوا رسلا لله وانما كانوا رسل عيسى ابن مريم ولكن إرسال عيسى ابن مريم اياهم لما كان عن أمر الله تعالى ذكره اياه بذلك أضيف إرساله اياهم إلى الله فقيل إذ أرسلنا إليهم اثقنين فكذبوهما فعززنا بثالث ذكر من قال ذلك * حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا سعيد عن قتادة قوله واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون قال ذكر لنا أن عيسى ابن مريم بعث رجلين من الحواريين إلى انطاكية مدينة بالروم فكذبوهما فأعزهما بثالث فقالوا إنا اليكم مرسلون الآية (رجع الحديث إلى حديث ابن اسحاق) فلما دعته الرسل ونادته بأمر الله وصدعت بالذى أمرت به وعابت دينهم وما هم عليه قال لهم إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم قالت لهم الرسل طائركم معكم أي أعمالكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون فلما أجمع هو وقومه على قتل الرسل بلغ ذلك حبيبا وهو على باب المدينة الاقصى فجاء يسعى إليهم يذكرهم الله ويدعوهم إلى اتباع المرسلين فقال يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون أي لا يسألونكم أموالكم على ما جاؤكم به من الهدى وهم لكم ناصحون فاتبعوهم تهتدوا بهداهم * حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة قال لما انتهى يعنى حبيبا إلى الرسل قال هل تسألون على هذا من أجر قالوا لا فقال عند ذلك يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون (رجع الحدث إلى حديث ابن اسحاق) ثم ناداهم بخلاف ماهم عليه من عبادة الاصنام وأظهر لهم دينه وعبادة ربه وأخبرهم أنه لا يملك نفعه ولا ضره غيره فقال ومالى لا أعبد الذى فطرني وإليه ترجعون * أأتخذ من دونه آلهة - إلى قوله - إنى آمنت بربكم فاسمعون أي آمنت بربكم الذى كفرتم به فاسمعوا قولى فلما قال لهم ذكل وثبوا عليه وثبة رجل واحد فقتلوه واستعفوه لضعفه وسقمه ولم يكن أحد يدفع عنه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى

[ 464 ]

ابن اسحاق عن بعض أصحابه أن عبد الله بن مسعود كان يقول وطؤه بأرجلهم حتى خرج قصبه من دبره وقال الله له ادخل الجنة فدخلها حيا يرزق فيها قد أذهب الله عنه سقم الدنيا وحزنها ونصبها فلما أفضى إلى رحمة الله وجنته وكرامته قال ياليت قومي يعلمون بما غفر لى ربى وجعلني من المكرمين وغضب الله له لاستضعافهم إياه غضبة لم يبق من القوم شيئا فعجل لهم النقمة بما استحلوا منه وقال (وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السما وما كنا منزلين) يقول ما كابدناهم بالمجموع أي الامر أيسر علينا من ذلك إن كانت إلا صيحة واحدة فإذاهم خامدون فاهلك الله ذلك الملك وأهل انطاكية فبادوا عن وجه الارض فلم يبق منهم باقية * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن الحسن بن عمارة عن الحكم ابن عتيبة عن مقسم أبى القاسم مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل عن مجاهد عن عبد الله بن عباس أنه كان يقول كان اسم صاحب يس حبيب وكان الجذام قد أسرع فيه * حدثنا ابن بشار قال حدثنا مؤمل قال حدثنا سفيان عن عاصم الاحول عن أبى مخلد قال كان اسم صاحب يس حبيب بن مرى كان فيهم شمسون وكان من أهل قرية من قرى الروم قد هداه الله لرشده وكان قومه أهل أوثان يعبدونها فكان من خبره وخبرهم فيما ذكر ما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن المغيرة بن أبى لبيد عن وهب بن منبه اليماني أن شمسون كان فيهم رجلا مسلما وكانت أمه قد جعلته نذيرة وكان من أهل قرية من قراهم كانوا كفارا يعبدون الاصنام وكان منزله منها على أميال غير كثيرة وكان يغزوهم وحده ويجاهدهم في الله فيصيب منهم وفيهم حاجته فيقتل ويسبي ويصيب المال وكان إذا لقيهم لقيهم بلحى بعير لا يلقاهم بغيره فإذا قاتلوه وقاتلهم وتعب وعطش انفجر له من الحجر الذى في اللحى ماء عذب فيشرب منه حتى يروى وكان قد أعطى قوة في البطش وكان لا يوثقه حديد ولا غيره وكان على ذلك يجاهدهم في الله ويغزوهم ويصيب منهم حاجته لا يقدرون منه على شئ حتى قالوا

[ 465 ]

لن تأتوه إلا من قبل امرأته فدخلوا على امرأته فجعلوا لها جعلا فقالت نعم أنا أوثقه لكم فأعطوها حبلا وثيقا وقالوا إذا نام فأوثقي يده إلى عنقه حتى نأتيه فنأخذه فلما نام أوثقت يده إلى عنقه بذلك الحبل فلما هب جذبه بيد فوقع من عنقه فقال لها لم فعلت فقالت أجرب به قوتك ما رأيت مثلك قط فأرسلت إليهم أنى قد ربطته بالحبل فلم أغن عنه شيئا فأرسلوا إليها بجامعة من حديد فقالوا إذا نام فاجعليها في عنقه فلما نام جعلتها في عنقه ثم أحكمتها فلما هب جذبها فوقعت من يده ومن عنقه فقال لها لم فعلت هذا قالت أجرب به قوتك ما رأيت مثلك في الدنيا يا شمسون أما في الارض شئ يغلبك قال لا إلا شئ واحد قالت وما هو قال ما أنا بمخبرك به فلم تزل به تسأله عن ذلك وكان ذا شعر كثيره فقال لها ويحك إن أمي جعلتني نذيرا فلا يغلبنى شئ أبدا ولا يضبطني إلا شعرى فلما نام أوثقت يده إلى عنقه بشعر رأسه فأوثقه ذلك وبعثت إلى القوم فجاءوا فأخذوه فجدعوا أنفه وأذنيه وفقئوا عينينه ووقفوه للناس بين ظهرانى المئذنة وكانت مئذنة ذات أساطين وكان ملكهم قد أشرف عليها بالناس لينظروا إلى شمسون وما يصنع به فدعا الله شمسون حين مثلوا به ووقفوه أن يسلطه عليهم فأمر أن يوخذ بعمودين من عمد المئذنة التى عليها الملك والناس الذين معه فيجذبهما فجذبهما فرد الله عليه بصره وما أصابوا من جسده ووقعت المئذنة بالملك ومن عليها من الناس فهلكوا فيها هدما ذكر خبر جرجيس وكان جرجيس فيما ذكر عبد الله صالحا من أهل فلسطين ممن أدرك بقايا من حواريى عيسى ابن مريم وكان تاجرا يكسب بتجارته ما يستغنى به عن الناس ويعود بالفضل على أهل المسكنة وأنه تجهز مرة إلى ملك بالموصل مما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن وهب بن منبه وغيره من أهل العلم أنه كان بالموصل داذانه وكان قد ملك الشأم كله وكان جبارا عاتيا لا يطيقه إلا الله تعالى وكان جرجيس رجلا صالحا من أهل فلسطين وكان مؤمنا يكتم أيمانه في

[ 466 ]

عصبة معه صالحين يستخفون بإيمانهم وكانوا قد أدركوا بقايا من الحواريين فسمعوا منهم وأخذوا عنهم وكان جرجيس كثير المال عظيم التجارة عظيم الصدقة فكان يأتي عليه الزمان يتلف ماله في الصدقة حتى لا يبقى منه شئ حتى يصير فقيرا ثم يضرب الضربة فيصيب مثل ماله أضعافا مضاعفة فكانت هذه حاله في المال وكان إنما يرغب في المال ويعمره ويكسبه من أجل الصدقة لو لا ذلك كان الفقر أحب إليه من الغنى وكان لا يأمن ولاية المشركين عليه مخافة أن يؤذوه في دينه أو يفتنوه عنه فخرج يؤم ملك الموصل ومعه مال يريد أن يهديه له لئلا يجعل لاحد من تلك الملوك عليه سلطانا دونه فجاءه حين جاءه وقد برز في مجلس له وعنده عظماء قومه وملوكهم وقد أوقد نارا وقرب أصنافا من أصناف العذاب الذى كان يعذب به من خالفه وقد أمر بصنم يقال له أفلون فنصب فالناس يعرضون عليه فمن لم يسجد له ألقى في تلك النار وعذب بأصناف ذلك العذاب فلما رأى جرجيس ما يصنع فظع به وأعظمه وحدث نفسه بجهاده وألقى الله في نفسه بغضه ومحاربته فعمد إلى المال الذى أراد أن يهديه له فقسمه في أهل ملته حتى لم يبق منه شيئا وكره أن يجاهده بالمال وأحب أن يلى ذلك بنفسه فأقبل عليه عند ما كان أشد غضبا وأسفا فقال له اعلم أنك عبد مملوك لا تملك لنفسك شيئا ولا لغيرك وأن فوقك ربا هو الذى يملكك وغيرك وهو الذى خلقك ورزقك وهو الذى يحييك ويميتك ويضرك وينفعك وأنت قد عمدت إلى خلق من خلقه قال له كن فكان أصم أبكم لا ينطق ولا يبصر ولا يسمع ولا يضر ولا ينفع ولا يغنى عنك من الله شيئا فزينته بالذهب والفضة لتجعله فتنه للناس ثم عبد ته دون الله وأجبرت عليه عباد الله ودعوته ربا فكلم الملك جرجيس بنحو هذا من تعظيم الله وتمجيده وتعريفه أمر الصنم وأنه لا تصلح عبادته فكان من جواب الملك إياه مسئلته أياه عنه ومن هو ومن أين هو فأجابه جرجيس أن قال أنا عبد الله وابن عبد ه وابن أمته أذل عباده وأفقرهم إليه من التراب خلقت وفيه أصير وأخبره ما الذى جاء به وحاله وأنه دعا ذلك الملك جرجيس إلى عبادة

[ 467 ]

الله ورفض عبادة الاوثان وأن الملك دعا جرجيس إلى عبادة الصنم الذى يعبده وقال لو كان ربك الذى تزعم أنه ملك الملوك كما تقول لرؤى عليك أثره كما ترى أثرى على من حولي من ملوك قومي فأجابه جرجيس بتمجيد الله وتعظيم أمره وقال له فيما قال أين تجعل طرقبلينا وما نال بولايتك فإنه عظيم قومك من إلياس وما نال إلياس بولاية الله فإن إلياس كان بدؤه آدميا يأكل الطعام ويمشى في الاسواق فلم يتناه به كرامة الله حتى أنبت له الريش وألبسه النور فصار إنسيا ملكيا سمائيا أرضيا يطير مع الملائكة وحدثني أين تجعل مجليطيس وما نال بولايتك فإنه عظيم قومك من المسيح ابن مريم وما نال بولاية الله فإن الله فضله على رجال العالمين وجعله وأمه آية للمعتبرين ثم ذكر من أمر المسيح ما كان الله خصه به من الكرامة وقال أيضا وحدثني أين تجعل أم هذا الروح الطيب التى اختارها الله لكلمته وطهر جوفها لروحه وسودها على إمائه فأين تجعلها وما نالت بولاية الله من أزبيل وما نالت بولايتك فإنها إذ كانت من شيعتك وملتك أسلمها الله عند عظيم ملكها إلى نفسها حتى اقتحمت عليها الكلاب في بيتها فانتهشت لحمها وولغت دمها وجرت الثعالب والضباع أوصالها فأين تجعلها وما نالت بولايتك من مريم ابنة عمران وما نالت بولاية الله فقال له الملك إنك لتحدثنا عن أشياء ليس لنا بها علم فأتني بالرجلين اللذين ذكرت أمرهما حتى أنظر إليهما وأعتبر بهما فانى أنكر أن يكون هذا في البشر فقال له جرجيس إنما جاءك الانكار من قبل الغرة بالله وأما الرجلان فلن تراهما ولن يرياك إلا أن تعمل بعملهما فتنزل منازلهما فقال له الملك أما نحن فقد أعذرنا إليك وقد تبين لنا كذبك لانك فخرت بأمور عجزت عنها ولم تأت بتصديقها ثم خير الملك جرجيس بين العذاب وبين السجود لافلون فيثيبه فقال له جرجيس إن كان افلون هو الذى رفع السماء وعدد عليه أشياء من قدرة الله فقد أصبت ونصحت وإلا فاخسأ ايها النحس الملعون فلما سمعه الملك يسبه ويسب آلهته غضب من قوله غضبا شديدا وامر بخشبه فنصبت له للعذاب وجعلت عليه امشاط الحديد فخدش بها جسده

[ 468 ]

حتى تقطع لحمه وجلده وعروقه ينضح خلال ذلك بالخل والخردل فلما رأى ذلك لم يقتله أمر بستة مسامير من حديد فأحميت حتى إذا جعلت نارا أمر بها فسمر بها رأسه حتى سال منه دماغه فلما رأى ذلك لم يقتله أمر بحوض من نحاس فأوقد عليه حتى إذا جعله نارا أمر به فادخل في جوفه وأطبق عليه فلم يزل فيه حتى برد حره فلما رأى ذلك لم يقتله دعا به فقال ألم تجد ألم تجد ألم هذا العذاب الذى تعذب به فقال له جرجيس أما اخبرتك أن لك ربا هو أولى بك من نفسك قال بلى قد أخبرتني قال فهو الذى حمل عنى عذابك وصبرني ليحتج عليك فلما قال له ذلك أيقن بالشرو خافه على نفسه وملكه وأجمع رأيه على أن يخلده في السجن فقال الملا من قومه إنك إن تركته طليقا يكلم الناس أو شك أن يميل بهم عليك ولكن مر له بعذاب في السجن يشغله عن كلام الناس فأمر فبطح في السجن على وجهه ثم أوتد في يديه ورجليه أربعة أو تاد من حديد في كل ركن منها وتدثم أمر بأسطوان من رخام فوضع على ظهره حمل ذلك الاسطوان سبعة رجال فلم يقلوه ثم أربعة عشر رجلا فلم يقلوه ثم ثمانية عشرة رجلا فأقلوه فظل يومه ذلك موتدا تحت الحجر فلما أدركه الليل أرسل الله إليه ملكا وذلك أول ما أيد بالملائكة وأول ما جاءه الوحى فقلع عنه الحجر ونزع الاوتاد من يديه ورجليه وأطعمه وسقاه وبشره وعزاه فلما أصبح أخرجه من السجن وقال له الحق بعدوك فجاهده في الله حق جهاده فإن الله يقول لك ابشر واصبر فإنى أبتليك بعدوى هذا سبع سنين يعذبك ويقتلك فيهن أربع مرار في كل ذلك أرد إليك روحك فإذا كانت القتلة الرابعة تقبلت روحك وأوفيتك أجرك فلم يشعرا الآخرون إلا وقد وقف جرجيس على رؤسهم يدعوهم إلى الله فقال له الملك أجر جيس قال نعم قال من أخرجك من السجن قال أخرجنى الذى سلطانه فوق سلطانك فلما قال له ذلك ملئ غيظا فدعا بأصناف العذاب حتى لم يخلف منها شيئا فلما رآها جرجيس تصنف له أوجس في نفسه خيفة وجزعا ثم أقبل على نفسه يعاتبها بأعلى صوته وهم يسمعون فلما فرغ

[ 469 ]

من عتابه نفسه مدوه بين خشبتين ووضعوا عليه سيفا على مفرق رأسه فنشروه حتى سقط بين رجليه وصار جزلتين ثم عمدوا إلى جزلتيه فقطعوهما قطعا وله سبعة أسد ضارية في جب وكانت صنفا من أصناف عذابه ثم رموا بجسده إليها فلما هوى نحوها أمر الله الاسد فخضعت برؤوسها وأعناقها وقامت على براثنها لا تألو أن تقيه الاذى فظل يومه ذلك ميتا فكانت أول ميته ذاقها فلما أدركه الليل جمع الله له جسده الذى قطعوه بعضه على بعض حتى سواه ثم ردفيه روحه وأرسل ملكا فأخرجه من قعر الجب وأطعمه وسقاه وبشره وعزاه فلما أصبحوا قال له الملك يا جر جيس قال لبيك قال اعلم أن القدرة التى خلق آدم بها من تراب هي التى أخرجتك من قعر الجب فالحق بعدوك ثم جاهده في الله حق جهاده ومت موت الصابرين فلم يشعر الآخرون إلا وقد أقبل جرجيس وهم عكوف على عيد لهم قد صنعوه فرحا زعموا بموت جرجيس فلما نظروا إلى جرجيس مقبلا قالوا ما أشبه هذا بجرجيس قالوا كأنه هو قال الملك ما بجرجيس من خفاء إنه لهو إلا ترون إلى سكون ريحه وقلة هيبته قال جرجيس بلى أنا هو حقا بئس القوم أنتم قتلتم ومثلتم فكان الله وحق له خيرا وأرحم منكم أحيانى ورد على روحي هلم إلى هذا الرب العظيم الذى أراكم ما أراكم فلما قال لهم ذلك أقبل بعضهم على بعض فقالوا ساحر سحر أيديكم وأعينكم عنه فجمعوا له من كان ببلادهم من السحرة فلما جاء السحرة قال الملك لكبيرهم اعرض على من كبير سحرك ما يسرى به عنى قال له ادع لى بثور من البقر فلما أتى به نفث في إحدى اذنيه فانشقت باثنتين ثم نفث في الاخرى فإذا هو ثوران ثم أمر ببذر فحرث وبذر ونبت الزرع وأينع وحصد ثم داس وذرى وطحن وعجن وخبز وأكل ذلك في ساعة واحدة كما ترون قال له الملك هل تقدر على أن تمسخه لى دابة قال الساحر أي دابة أمسخه لك قال كلبا قال ادع لى بقدح من ماء فلما أتى بالقدح نفث فيه الساحر ثم قال للملك اعزم عليه أن يشربه فشربه جرجيس حتى أتى على آخره فلما فرغ منه قال له الساحر ماذا تجد قال ما أجد إلا خيرأ قد كنت عطشت

[ 470 ]

فلطف الله لى بهذا الشراب فقوانى به عليكم فلما قال له ذلك أقبل الساحر على الملك فقال اعلم أيها الملك أنك لو كنت تقاسي رجلا مثلك إذا كنت غلبته ولكنك تقاسي جبار السموات وهو الملك الذى لا يرام وقد كانت امرأة مسكينة سمعت بجرجيس وما يصنع من الاعاجيب فأتته وهو في أشد ما هو فيه من البلاء فقالت له يا جرجيس إنى امرأة مسكينة لم يكن لى مال ولا عيش إلا ثور كنت أحرث عليه فمات وجئتك لترحمني وتدعو الله أن يحيى لى ثورى فذرفت عيناه ثم دعا الله أن يحيى لها ثورها وأعطاها عصا فقال اذهبي إلى ثورك فاقر عيه بهذه العصا وقولى له احى بإذن الله فقالت يا جرجيس مات ثورى منذ أيام وتفرقته السباع وبيني وبينك أيام فقال لو لم تجدى منه إلا سنا واحدة ثم قرعتها بالعصا لقام بإذن الله فانطلقت حتى أتت مصرع ثورها فكان أول شئ بدالها من ثورها أحد روقيه وشعر ذنبه فجمعت أحدهما إلى الآخر ثم قرعتها بالعصا التى أعطاها وقالت كما أمرها فعاش ثورها وعملت عليه حتى جاءهم الخبر بذلك فلما قال الساحر للملك ما قال قال رجل من أصحاب الملك وكان أعظمهم بعد الملك اسمعوا منى أيها القوم أحدثكم قالوا نعم فتكلم قال إنكم قد وضعتم أمر هذا الرجل على السحر وزعمتم أنه سحر أيديكم عنه وأعينكم فأراكم انكم تعذبونه ولم يصل إليه عذابكم وأراكم أنكم قد قتلتموه فلم يمت فهل رأيتم ساحرا قط قدر أن يدرأ عن نفسه الموت أو أحيى ميتا قط ثم قص عليهم فعل جرجيس وفعلهم به وفعله بالثور وصاحبته واحتج عليهم بذلك كله فقالوا له إن كلامك لكلام رجل قد أصغى إلى قال ما زال أمره لى معجبا منذ رأيت منه ما رأيت قالوا له فلعله استهواك قال بل آمنت وأشهد الله أنى برئ مما تعبدون فقام إليه الملك وصحابته بالخناجر فقطعوا لسانه فلم يلبث أن مات وقالوا أصابه الطاعون فأعجله الله قبل أن يتكلم فلما سمع الناس بموته أفزعهم وكتموا شأنه فلما رآهم جرجيس يكتمونه برز للناس فكشف لهم أمره وقص عليهم كلامه فاتبعه على كلامه أربعة آلاف وهو ميت فقالوا صدق ونعم ما قال يرحمه الله فعمد إليهم الملك فأوثقهم ثم لم يزل يلون لهم العذاب ويقتلهم

[ 471 ]

بالمثلات حتى أفناهم فلما فرغ منهم أقبل على جرجيس فقال له هلا دعوت ربك فأحيا لك أصحابك هؤلاء الذين قتلوا بجريرتك فقال له جرجيس ماخلى بينك وبينهم حتى خار لهم فقال رجل من عظمائهم قال له مجليطيس إنك زعمت يا جرجيس أن إلهك هو الذى يبدأ الخلق ثم يعيده وإنى سائلك أمرا ان فعله إلهك آمنت بك وصدقتك وكفيتك قومي هؤلاء هذه تحتنا أربعة عشر منبرا حيث ترى ومائدة بيننا عليها أقداح وصحاف وكل صنع من الخشب اليابس ثم هو من أشجار شتى فادع ربك ينشئ هذه الآنية وهذه المنابر وهذه المائدة كما بدأها أول مرة حتى تعود خضرا نعرف كل عود منها بلونه وورقه وزهره وثمره فقال له جرجيس قد سألت أمرا عزيزا على وعليك وإنه على الله لهين فدعا ربه فما برحوا مكانهم حتى اخضرت تلك المنابر وتلك الآنية كلها فساخت عروقها وألبست اللحاء وتشعبت ونبت ورقها وزهرها وثمرها حتى عرفوا كل عود منها باسمه ولونه وزهره وثمره فلما نظروا إلى ذلك انتدب له مجليطيس الذى تمنى عليه ما تمنى فقال أنا أعذب لكم هذا الساحر عذابا يضل عنه كيده فعمد إلى نحاس فصنع منه صورة ثور جوفاء واسعة ثم حشاها نفطا ورصاصا وكبريتا وزرنيخا ثم أدخل جرجيس مع الحشو في جوفها ثم أوقد تحت الصورة فلم يزل يوقد حتى التهبت الصورة وذاب كل شئ فيها واختلط ومات جرجيس في جوفها فلما مات أرسل الله ريحا عاصفا فملات السماء سحابا أسود مظلما فيه رعد لا يفتر وبرق وصواعق متداركات وأرسل الله أعصارا فملات بلادهم عجاجا وقتاما حتى اسود ما بين السماء والارض وأظلم ومكثوا أياما متحيرين في تلك الظلمة لا يفصلون بين الليل والنهار وأرسل الله ميكائيل فاحتمل الصورة التى فيها جرجيس حتى إذا أقلها ضرب بها الارض ضربا فزع من روعتها أهل الشأم أجمعون وكلهم يسمعها في ساعة واحدة فخرو الوجوههم صعقين من شدة الهول وانكسرت الصورة فخرج منها جرجيس حيا فلما وقف يكلمهم انكشفت الظلمة وأسفر ما بين السماء والارض ورجعت إليهم أنفسهم فقال له رجل منهم يقال له طرقبلينا لا ندرى

[ 472 ]

يا جرجيس أنت نصنع هذه العجائب أم ربك فإن كان هو الذى يصنعها فادعه يحيى لنا موتانا فإن في هذه القبور التى ترى أمواتا من أمواتنا منهم من نعرف ومنهم من مات قبل زماننا فادعه يحيهم حتى يعودوا كما كانوا ونكلمهم ونعرف من عرفنا منهم ومن لا نعرف أخبرنا خبره فقال له جرجيس لقد علمت ما يصفح الله عنكم هذا الصفح ويريكم هذه العجائب إلا ليتم عليكم حججه فتستوجبوا بذلك غضبه ثم أمر بالقبور فنبشت وهى عظام ورفات ورميم ثم أقبل على الدعاء فما برحوا مكانهم حتى نظروا إلى سبعة عشر إنسانا تسعة رهط وخمس نسوة وثلاثة صبية فإذا شيخ منهم كبير فقال له جرجيس أيها الشيخ ما اسمك فقال اسمى يوبيل فقال متى مت قال في زمان كذا وكذا فحسبوا فإذا هو قد مات منذ أربعمائة عام فلما نظر إلى ذلك الملك وصحابته قالوا لم يبق من أصناف عذابكم شئ إلا قد عذبتموه الا الجوع والعطش فعذبوه بهما فعمدوا إلى بيت عجوز كبيرة فقيرة كان حريزا وكان لها ابن أعمى أبكم مقعد فحصروه في بيتها فلا يصل إليه من عند أحد طعام ولا شراب فلما بلغه الجوع قال للعجوز هل عندك طعام أو شراب قالت لا والذى يحلف به ما عهدنا بالطعام منذ كذا وكذا وسأخرج وألتمس لك شيئا قال لها جرجيس هل تعرفين الله قالت له نعم قال فإياه تعبدين قالت لا قال فدعاها إلى الله فصدقته وانطلقت تطلب له شيئا وفى بيتها دعامة من خشبة يابسة تحمل خشب البيت فأقبل على الدعاء فما كان كشئ حتى اخضرت تلك الدعامة فأنبتت كل فاكهة تؤكل أو تعرف أو تسمى حتى كان فيما أنبتت اللبا واللوبياء (قال أبو جعفر) اللبانبت بالشأم له حب يؤكل وظهر للدعامة فرع من فوق البيت أظله وما حوله وأقبلت العجوز وهو فيما شاء يأكل رغدا فلما رأت الذى حدث في بيتها من بعدها قالت آمنت بالذى أطعمك في بيت الجوع فادع هذا الرب العظيم ليشفى ابني قال أدنيه منى فأدنته منه فبصق في عينيه فأبصر فنفث في أذنيه فسمع قالت له أطلق لسانه ورجليه رحمك الله قال أخريه فإن له يوما عظيما وخرج الملك يسير في مدينته فلما نظر إلى الشجرة قال لاصحابه إنى أرى شجرة بمكان ما كنت أعرفها

[ 473 ]

به قالوا له تلك الشجرة نبتت لذلك الساحر الذى أردت أن تعذبه بالجوع فهو فيما شاء قد شبع منها وأشبعت الفقيرة وشفى لها ابنها فأمر بالبيت فهدم وبالشجرة لتقطع فلما هموا بقطعها أيبسها الله تعالى كما كانت أول مرة فتركوها وأمر بجرجيس فبطح على وجهه وأوتدله أربعة أوتادو أمر بعجل فأوقرا سطوانا ما حمل وجعل في أسفل العجل خناجر وشفارا ثم دعا بأربعين ثورا فنهضت بالعجل نهضة واحدة وجرجيس تحتها فتقطع ثلاث قطع ثم أمر بقطعة فأحرقت بالنار حتى إذا عادت رمادا بعث بذلك الرماد رجالا فذروه في البحر فلم يبرحوا مكانهم حتى سمعوا صوتا من السماء يقول يا بحر إن الله يأمرك أن تحفظ ما فيك من هذا الجسد الطيب فانى أريد أن أعيده كما كان ثم أرسل الله الرياح فأخرجته من البحر ثم جمعته حتى عاد الرماد صبرة كهيئته قبل أن يذروه والذين ذروه قيام لم يبرحوا ثم نظروا إلى الرماد يثور كما كان حتى خرج منه جرجيس مغبرا ينفض رأسه فرجعوا ورجع جرجيس معهم فلما انتهوا إلى الملك أخبروه خبر الصوت الذى أحياه والريح التى جمعته فقال له الملك هل لك يا جرجيس فيما هو خير لى ولك فلو لا أن يقول الناس أنك قهرتني وغلبتني لا تبعتك وآمنت بك ولكن اسجد لافلون سجدة واحدة أو اذبح له شاة واحدة ثم أنا أفعل ما يسرك فلما سمع جرجيس هذا من قوله طمع أن يهلك الصنم حين يدخله عليه رجاء أن يؤمن له الملك حين يهلك صنمه ويأيس منه فخدعه جرجيس فقال نعم إذا شئت فأدخلني على صنمك أسجد له وأذبح له ففرح الملك بقوله فقام إليه فقبل يديه ورجليه ورأسه وقال إنى أعزم عليك أن لا تظل هذا اليوم ولا تبيت هذه الليلة إلا في بيتى وعلى فراشي ومع أهلى حتى تستريح ويذهب عنك وصب العذاب فيرى الناس كرامتك على فأخلى له بيته وأخرج منه من كان فيه فظل فيه جرجيس حتى إذا أدركه الليل قام يصلى ويقرأ الزبور وكان أحسن الناس صوتا فلما سمعته امرأة الملك استجابت له ولم يشعر إلاوهى خلفه تبكى معه فدعاها جرجيس إلى الايمان فآمنت وأمرها فكتمت ايمانها فلما أصبح غدابه إلى بيت الاصنام ليسجد لها وقيل للعجوز التى كان سجن

[ 474 ]

في بيتها هل علمت أن جرجيس قد فتن بعدك وأصغى إلى الدنيا وأطمعه الملك في ملكه وقد خرج به إلى بيت أصنامه ليسجدلها فخرجت العجوز في أعراضهم تحمل ابنها على عاتقها وتوبخ جرجيس الناس مشتغلون عنها فلما دخل جرجيس بيت الاصنام ودخل الناس معه نظر فإذا العجوز وابنها على عاتقها أقرب الناس منه مقاما فدعا ابن العجوز باسمه فنطق باجابته وما تكلم قبل ذلك قط ثم اقتحم عن عاتق أمه يمشى على رجليه سويتين وما وطئ الارض قبل ذلك قط بقدميه فلما وقف بين يدى جرجيس قال اذهب فادع لى هذه الاصنام وهى حينئذ على منابر من ذهب واحد وسبعون صنما وهم يعبدون الشمس والقمر معها فقال له الغلام كيف أقول للاصنام قال تقول لها إن جرجيس يسألك ويعزم عليك بالذى خلقك إلا جئته فلما قال لها الغلام ذلك أقبلت تدحرج إلى جرجيس فلما انتهت إليه ركض الارض برجله فخسف بها وبمنابرها وخرج ابليس من جوف صنم منها هاربا فرقا من الخسف فلما مر بجرجيس أخذ بناصيته فخضع له برأسه وعنقه وكلمه جرجس فقال له أخبرني أيتها الروح النجسة والخلق الملعون ما الذى يحملك على أن تهلك نفسك وتهلك الناس معك وأنت تعلم أنك وجندك تصيرون إلى جنهم فقال له ابليس لوخيرت بين ما أشرقت عليه الشمس وأظلم عليه الليل وبين هلكة بنى آدم وضلالتهم أو واحد منهم طرفة عين لاخترت طرفة العين على ذلك كله وإنه ليقع لى من الشهوة في ذلك واللذة مثل جميع ما يتلذذ به جميع الخلق ألم تعلم يا جرجيس ان الله أسجد لابيك آدم جميع الملائكة فسجدوا له جبريل وميكائيل واسرافيل وجميع الملائكة المقربين وأهل السموات كلهم وامتنعت من السجود فقلت لا أسجد لهذا الخلق وأنا خير منه فلما قال هذا خلاه جرجيس فما دخل ابليس منذ يومئذ جوف صنم مخافة الخسف ولا يدخله بعدها فيما يذكرون أبدا وقال الملك يا جرجيس خدعتني وغررتني وأهلكت آلهتي فقال له جرجيس انما فعلت ذلك عمدا لتعتبر ولتعلم أنها لو كانت آلهة كما تقول إذا لامتنعت منى فكيف ثقتك ويلك بآلهة لم تمنع أنفسها منى وانما أنا مخلوق ضعيف لا أملك الا ما ملكني ربى قال فلما قال

[ 475 ]

هذا جرجيس كلمتهم امرأة الملك وذلك حين كشفت لهم ايمانها وباينتهم بدينها وعددت عليهم أفعال جرجيس والعبر التى أراهم وقالت لهم ما تنتظرون من هذا الرجل إلا دعوة فيخسف بكم الارض فتهلكوا كما هلكت أصنامكم الله الله ايها القوم في أنفسكم فقال لها الملك ويحا لك اسكندرة ما أسرع ما أضلك هذا الساحر في ليلة واحدة وأنا أقاسيه منذ سبع سنين فلم يطق منى شيئا قالت له أفما رأيت الله كيف يظفره بك ويسلطه عليك فيكون له الفلح والحجة عليك في كل موطن فأمر بها عند ذلك فحملت على خشبة جرجيس التى كان علق عليها فعلقت بها وجعلت عليها الامشاط التى جعلت على جرجيس فلما ألمت وجع العذاب قالت ادع ربك يا جرجيس يخفف عنى فانى قد ألمت العذاب فقال انظري فوقك فلما نظرت ضحكت فقال لها ما الذى يضحكك قالت أرى ملكين فوقى معهما تاج من حلى الجنة ينتظران به روحي أن تخرج فإذا خرجت زيناها بذلك التاج ثم صعدا بها إلى الجنة فلما قبض الله روحها أقبل جرجيس على الدعاء فقال اللهم أنت الذى أكرمتني بهذا البلاء لتعطيني به فضائل الشهداء اللهم فهذا آخر أيامى الذى وعدتني فيه الراحة من بلاء الدنيا اللهم فانى أسألك أن لا تقبض روحي ولا أزول من مكاني هذا حتى ينزل بهذا القوم المتكبرين من سطواتك ونقمتك مالا قبل لهم به وما تشفى به صدري وتقر به عينى فانهم ظلموني وعذبوني اللهم وأسألك أن لا يدعو بعدى داع في بلاء ولا كرب فيذكرني ويسألك باسمى إلا فرجت عنه ورحمته وأجبته وشفعتني فيه فلما فرغ من هذا الدعاء أمطر الله عليهم النار فلما احترقوا عمدوا إليه فضربوه بالسيوف غيظا من شدة الحريق ليعطيه الله تعالى بالقتلة الرابعة ما وعده فلما احترقت المدينة بجميع ما فيها وصارت رمادا حلها الله من وجه الارض حتى أقلها ثم جعل عاليها سافلها فلبثت زمانا من الدهر يخرج من تحتها دخان منتن لا يشمه أحد إلا سقم سقما شديدا إلا أنها أسقام مختلفة لا يشبه بعضها بعضا فكان جميع من آمن بجرجيس وقتل معه أربعة وثلاثين ألفا وامرأة الملك رحمهم الله (ونرجع الآن) إلى ذكر الخبر عن

[ 476 ]

ملوك الفرس وسنى ملكهم لسياق تمام التاريخ إذ كنا قد ذكرنا الجلائل من الامور التى كانت في أيام ملوك الطوائف في الفرس وبنى إسرائيل والروم والعرب إلى عهد أردشير ولما مضى من لدن ملك الاسكندر أرض بابل في قول النصارى وأهل الكتب الاول خمسمائة سنة وثلاث وعشرون سنة وفى قول المجوس مائتان وست وستون سنة وثب أردشير بن بابك شاه ملك خير بن ساسان الاصغر بن بابك بن ساسان بن بابك بن مهر مس بن ساسان ابن بهمن الملك ابن اسفنديار بن بشتاسب بن لهراست بن كيوجى بن كيمنش وقيل في نسبه أردشير بن بابك بن ساسان بن بابك زرار بن بهآفريذ بن ساسان الاكبر ابن بهمن بن اسفنديار بن بشتاسب بن لهراسب بفارس طالبا بزعمه بدم ابن عمه دار ابن دار ابن بهمن بن اسفنديار الذى حارب الاسكندر فقتله حاجباه مريدا فيما يقول رد الملك إلى أهله وإلى ما لم يزل عليه أيام سلفه وآبائه الذين مضوا قبل ملوك الطوائف وجمعه لرئيس واحد وملك واحد * وذكر أن مولده كان بقرية من قرى اصطخر يقال لها طيروده من رستاق خير من كورة اصطخر وكان جده ساسان شجاعا شديد البطش وأنه بلغ من شجاعته وشدة بطشه أنه حارب وحده ثمانين رجلا من أهل اصطخر ذوى بأس ونجدة فهزمهم وكانت امرأته من نسل قوم من الملوك كانوا بفارس يعرفون بالبازرنجين يقال لها رامبهشت ذات جمال وكمال وكان ساسان قيما على بيت نار اصطخر يقال له بيت نار أناهيذو كان مغرما بالصيد والفروسية فولدت رامبهشت لساسان بابك وطول شعره حين ولدته أطول من شبر فلما احتنك قام بأمر الناس بعد أبيه ثم ولد له ابنه أردشير وكان ملك اصطخر يومئذ رجل من الباز رنجين يقال له فيما حدثت عن هشام بن محمد جوزهر

[ 477 ]

وقال غيره كان يسمى جزهر وكان له خصى يقال له تيرى قد صيره أرجبذا بدارا بجرد فلما أتى لاردشير سبع سنين سار به أبو ه إلى جزهر وهو بالبيضاء فوقفه بين يديه وسأله أن يضمه إلى تيرى ليكون ربيبا له وأرجبذا من بعده في موضعه فأجابه إلى ذلك وكتب بما سأله من ذلك سجلا وصار به إلى تيرى فقبله أحسن قبول وتبناه فلما لك تيرى تقلد أردشير الامر وحسن قيامه به وأعلمه قوم من المنجمين والعرافين صلاح مولده وأنه يملك البلاد فذكر أن أردشير تواضع واستكان لذلك ولم يزل يزداد في الخير كل يوم وأنه رأى في نومه ملكا جلس إلى رأسه فقال له إن الله يملكه البلاد فليأخذ لذلك أهبته فلما استيقظ سر بذلك وأحس من نفسه قوة وشدة بطش لم يكن يعهد مثله وكان أول ما فعل أنه سار إلى موضع من دار ابجرد يقال له جوبانان فقتل ملكا كان بها يقال له فاسين ثم سار إلى موضع له كونس فقتل ملكا كان بها يقال له منوشهر ثم إلى موضع يقال له لروير فقتل ملكا كان بها يقال له دارا وملك هذه المواضيع قوما من قبله ثم كتب إلى أبيه بما كان منه وأمره بالوثوب بجزهر وهو بالبيضاء ففعل ذلك وقتل جزهر وأخذ تاجه وكتب إلى أردوان البهلوى ملك الجبال وما يتصل بها يتضرع له ويسأله الاذن في تتويج سابور ابنه بتاج جزهر فكتب إليه اردوان كتابا عنيفا وأعلمه أنه وابنه اردشير على الخلاف بما كان من قتلهما من قتلا فلم يحفل بابك بذلك وهلك في تلك الايام فتتوج سابور ابن بابك بالتاج وملك مكان أبيه وكتب إلى أردشير أن يشخص إليه فامتنع اردشير من ذلك فغضب سابور من امتناعه وجمع جموعا وسار بهم نحوه ليحاربه وخرج من اصطخر فألفى بها عدة من إخوته كان بعضهم أكبر سنا منه فاجتمعوا وأحضروا التاج وسرير الملك فسلم الجميع لاردشير فتتوج بالتاج وجلس على السرير وافتتح أمره بقوة وجدور تب قوما مراتب وصير رجلا يقال له ابرسام ابن رحفر وزيرا وأطلق يده وفوض إليه وصير رجلا يقال له فاهر موبذان موبذ وأحس من إخوته وقوم كانوا معه بالفتك به فقتل جماعة منهم كثيرة ثم أتاه أن أهل دارا بجرد قد فسدوا عليه فعاد إليها حتى افتتحها بعد أن قتل جماعة من

[ 478 ]

أهلها ثم سار إلى كرمان وبها ملك يقال له بلاش فاقتتل وهو قتالا شديدا وقاتل أردشير بنفسه حتى أسر بلاش واستولى على المدينة فملك اردشير على كرامان ابنا له يقال له اردشير أيضا وكان في سواحل بحر فارس ملك يقال له ابتنبود كان يعظم ويعبد فسار إليه اردشير فقتله وقطعه بسيفه نصفين وقتل من كان حوله واستخرج من مطامير كانت لهم كنوزا مجموعة فيها وكتب إلى مهرك وكان ملك ابرساس من أردشير خرة والى جماعة من أمثاله في طاعته فلم يفعلوا فسار إليهم فقتل مهرك ثم سار إلى جور فأسسها وأخذ في بناء الجوسق المعروف بالطربال وبيت نار هناك فبينا هو كذلك إذ ورد عليه رسول الاردوان بكتاب منه فجمع اردشير الناس لذلك وقرأ الكتاب بحضرتهم فإذا فيه إنك قد عدوت طورك واجتلبت حتفك أيها الكردى المربى في خيام الاكراد من أذن لك في التاج الذى لبسته والبلاد التى احتويت عليها وغلبت ملوكها وأهلها ومن أمرك ببناء المدينة التى أسستها في صحراء يريد جور مع أنا إن خليناك وبناءها فابتن في صحراء طولها عشرة فراسخ مدينة وسمها رام اردشير وعلمه أنه قد وجه إليه ملك الاهواز ليأتيه به في وثاق فكتب إليه اردشير * إن الله حبانى بالتاج الذى لبسته وملكنى البلاد التى افتتحتها وأعانني على ما قتلت من الجبابرة والملوك وأما المدينة التى أبنيها وأسميها رام أردشير فأنا أرجو أن أمكن منك فابعث برأسك وكنوزك إلى بيت النار الذى أسسته في اردشير خرة ثم شخص اردشير نحو اصطخر وخلف ابرسام بأردشير خرة فلم يلبث اردشير إلا قليلا حتى ورد عليه كتاب ابرسام بموافاة ملك الاهواز انصرافه منكوبا ثم سار إلى أصبهان فأسرشاذ سابور ملكها وقتله ثم عاد إلى فارس وتوجه لمحاربة نيرو وفر صاحب الاهواز وسار إلى الرجان وإلى سسار وطاشان من رامهرمز ثم إلى سرق فلما سار إلى ما هنا لك ركب في رهط من أصحابه حتى وقف على شاطئ دجيل فظفر بالمدينة وابتنى مدينة سوق الاهواز وانصرف إلى فارس بالغنائم ثم ارتحل من فارس راجعا إلى الاهواز على طريق جره وكازرون ثم سار من الاهواز إلى ميسان فقتل ملكا كان بها يقال له بندو وبنى

[ 479 ]

هنا لك كرخ ميسان ثم انصرف إلى فارس وأرسل إلى اردوان يرتاد موضعا يقتتلان فيه فأرسل إليه اردوان إنى أوافيك في صحراء تدعى هرمز جان لانسلاخ مهرماه فوافاه اردشر قبل الوقت وتبوأ من الصحراء موضعا وخندق على نفسه وجنده واحتوى على عين كانت هناك ووافاه اردوان فاصطف القوم للقتال وقد تقدم سابور بن اردشير دافعا عنه ونشب القتال بينهم فقتل سابور دار بنداذ كاتب اردوان بيده فانقض اردشير من موضعه إلى اردوان حتى قتله وكثر القتل في أصحابه وهرب من بقى على وجهه ويقال إن اردشير نزل حتى توطأ رأس اردوان بقدمه وفى ذلك اليوم سمى اردشير شاهنشاه ثم سار من موضعه إلى همذان فافتتحها والى الجبل وآذربيجان وأرمينية والموصل عنوة ثم سار من الموصل إلى سورستان وهى السواد فاجتازا وبنى على شاطئ دجلة قبالة مدينة طهسبون وهى المدينة التى في شرقي المدائن مدينة غربية وسماها به أردشير وكورها وضم إليها بهر سيرو الرومقان ونهر درقيط وكوثى ونهر جوبر واستعمل عليها عمالا ثم توجه من السواد إلى اصطخر وسار منها إلى سجستان ثم جرجان ثم إلى أبرشهر ومرو وبلخ وخوارزم إلى تخوم بلاد خراسان ثم رجع إلى مرو وقتل جماعة وبعث رؤوسهم إلى بيت نار أنا هيذ ثم انصرف من مرو إلى فارس ونزل جور فأتته رسل ملك كوشان وملك طوران وملك مكران بالطاعة ثم توجه اردشير من جور إلى البحرين فحاصر سنطرق ملكها واضطره الجهد إلى أن رمى بنفسه من سور الحصن فهلك ثم انصرف إلى المدائن فأقام بها وتوج سابور ابنه نتاجه في حياته ويقال انه كانت بقرية يقال لها الارمن رستاق كوجران من رساتيق سيف اردشير خرة ملكة تعظم وتعبد فاجتمعت لها أموال وكنوز ومقاتله * فحارب اردشير سدنتها وقتلها وغنم أموالا وكنوزا عظاما كانت لها وانه كان بنى ثمانى مدن منها بفارس مدينة أردشير خرة وهى جور ومدينة رام اردشير ومدينة ريواردشير وبالاهواز هرمز اردشير وهى سوق الاهواز وبالسواد به اردشير وهى غربي المدائن واستاباذ اردشير وهى كرخ ميسان وبالبحرين

[ 480 ]

فسا اردشير وهى مدينة الخط وبالموصل بوذاردشير وهى حزة (وذكر) أن اردشير عند ظهوره كتب إلى ملوك الطوائف كتبا بليغة احتج عليهم فيها ودعاهم إلى طاعته فلما كان في آخر أمره رسم لمن بعده عهده ولم يزل محمودا مظفرا منصورا لا يفل له جمع ولا ترد له راية وقهر الملوك حول مملكته وأذلهم وأثخن في الارض وكور الكور ومدن المدن ورتب المراتب واستكثر من العمارة وكان ملكه من وقت قتله اردوان إلى أن هلك أربع عشرة سنة وقال بعضهم كان ملكه أربع عشرة سنة وعشرة أشهر * وحدثث عن هشام بن محمد قال قدم اردشير في أهل فارس يريد الغلبة على الملك بالعراق فوافق بابا ملكا على الارمانيين ووافق اردوان ملكا على الاردوانيين قال هشام الارمانيون أنباط السواد والاردوانيون أنباط الشأم قال وكل واحد منهما يقاتل صاحبه على الملك فاجثمعا على قتال اردشير فقاتلاه متساندين يقاتله هذا يوما وهذا يوما فإذا كان يوم بابا لم يقم له اردشير وإذا كان يوم اردوان لم يقم لاردشير فلما رأى ذلك اردشير صالح بابا على أن يكف عنه ويدعه واردوان ويخلى اردشير بين بابا وبين بلاده وما فيها وتفرغ اردشير لحرب اردوان فلم يلبث أن قتله واستولى على ما كان له وسمع له وأطاع بابا فضبط اردشير ملك العراق ودانت له ملوكها وقهر من كان يناوئه من أهلها حتى حملهم على ما أراد مما خالفهم ووافقه ولما استولى اردشير على الملك بالعراق كره كثير من تنوخ أن يقيموا في مملكته وأن يدينوا له فخرج من كان منهم من قبائل قضاعة الذين كانوا أقبلوا مع مالك وعمرو ابني فهم ومالك بن زهير وغيرهم فلحقوا بالشأم إلى من هنالك من قضاعة وكان ناس من العرب يحدثون في قومهم الاحداث أو تضيق بهم المعيشة فيخرجون إلى ريف العراق وينزلون الحيرة على ثلاثة أثلاث ثلث تنوخ وهو من كان يسكن المظال وبيوت الشعر والوبر في غربي الفرات فيما بين الحيرة والانبار وما فوقها والثلث الثاني العباد وهم الذين كانوا سكنوا الحيرة وابتنوا بها والثلث الثالث الا حلاف وهم الذين لحقوا بأهل الحيرة ونزلوا فيهم ممن لم يكن من تنوخ الوبر ولا من العباد الذين دانوا لاردشير وكانت الحيرة والانبار بنيتا جميعا في زمن بختنصر فخربت الحيرة

[ 481 ]

لتحول أهلها عنها عند هلاك بختنصر إلى الانبار وعمرت الانبار خمسمائة سنة وخمسين سنة إلى أن عمرت الحيرة في زمن عمرو بن عدى باتخاذه إياها منزلا فعمرت الحيرة خمسمائة سنة وبضعا وثلاثين سنة إلى أن وضعت الكوفة ونزلها الاسلام فكان جميع ملك عمرو بن عدى مائة سنة وثماني عشرة سنة من ذلك في زمن اردوان وملوك الطوائف خمس وتسعون سنة وفى زمن ملوك فارس ثلاث وعشرون سنة من ذلك في زمن اردشير بن بابك أربع عشرة سنة وعشر أشهر وفي زمن سابور بن اردشير ثمانى سنين وشهران (ذكر الخبر عن القائم كان بملك فارس بعد اردشير بن بابك) ولما هلك اردشير بن بابك قام بملك فارس من بعده ابنه سابور وكان اردشير بن بابك لما أفضى إليه الملك أسرف في قتل الاشكانية الذين منهم كان ملوك الطوائف حتى أفناهم بسبب الية كان ساسان بن اردشير بن بهمن ابن اسفنديار الاكبر جد اردشير بن بابك كان آلاها انه ملك يوما من الدهر لم يستبق من نسل أشك بن خره أحدا وأوجب ذلك على عقبه وأوصاهم بأن لا يبقوا منهم أحدا إن هم ملكوا أو ملك منهم أحد يوما فكان أول من ملك من ولد ولده ونسله اردشير بن بابك فقتلهم جميعا نساءهم ورجالهم فلم يستبق منهم أحدا لعزمة جده ساسان فذكر أنه لم يبق منهم أحد غير أن جارية كان وجدها اردشير في دار المملكة فأعجبه جمالها وحسنها فسألها وكانت ابنة الملك المقتول عن نسبها فذكرت انها كانت خادما لبعض نساء الملك فسألها أبكر أنت أم ثيب فأخبرته أنها بكر فواقعها واتخذها لنفسه فعلقت منه فلما أمنته على نفسها لاستمكانها منه بالحبل أخبرته انها من نسل أشك فنفر منها ودعا هر جند بن سام وكان شيخا مسنا فاخبره انها أقرت انها من نسل أشك وقال نحن أولى باستتمام الوفاء بنذر أبينا ساسان وان كان موقعها من قلبى على ما قد علمت فانطلق بها فاقتلها فمضى الشيخ ليقتلها فاخبرته انها حبلى فأتى بها القوابل فشهدن بحبلها فاودعها سربا في الارض ثم قطع مذاكيره

[ 482 ]

فوضعها في حق ثم ختم عليه ورجع إلى الملك فقال له الملك ما فعلت قال قد استودعتها بطن الارض ودفع الحق إليه وسأله أن يختم عليه بخاتمه ويودعه بعض خزائنه ففعل فاقامت الجارية عند الشيخ حتى وضعت غلاما فكره الشيخ أن يسمى ابن الملك دونه وكره أن يعلمه به صبيا حتى يدرك ويستكمل الادب وقد كان الشيخ أخذ قياس الصبى ساعة ولد وأقام له الطالع فعلم عند ذلك أن سيملك فسماه اسما جامعا يكون صفة واسما ويكون فيه بالخيار إذا علم به فسماه شاه بور وترجمتها بالعربية ابن الملك وهو أول من سمى هذا الاسم وهو سباور الجنود بالعربية ابن اردشير وقال بعضهم بل سماه أشه بور ترجمتها بالعربية ولد أشك الذى كانت أم الغلام من نسله فعبر اردشير دهرا لا يولد له فدخل على الشيخ الامين الذى عنده الصبى فوجده محزونا فقال ما يحزنك أيها الملك فقال له اردشير وكف لا أحزن وقد ضربت بسيفي ما بين المشرق والمغرب حتى ظفرت بحاجتي وصفا لى الملك ملك آبائى ثم أهلك لا يعقبنى فيه عقب ولا يكون لى فيه بقية فقال له الشيخ سرك الله أيها الملك وعمرك لك عندي ولد طيب نفيس فادع بالحق الذى استودعتك وختمته بخاتمك أرك برهان ذلك فدعا اردشير بالحق فنظر إلى نقش خاتمه ثم فضه وفتح الحق فوجد فيه مذاكير الشيخ وكتابا فيه إنا لما اختبرنا ابنة أشك التى علقت من ملك الملوك اردشير حين أمرنا بقتلها حين حملها لم نستحل إتواء زرع الملك الطيب فأودعناها بطن الارض كما أمرنا ملكنا وتبرأنا إليه من أنفسنا لئلا يجد عاضه إلى عضهها سبيلا وقمنا بتقوية الحق المزروع حتى لحق بأهله وذلك في ساعة كذا من عام كذا فأمره اردشير عند ذلك أن يهيئه في مائة غلام وقال بعضهم في ألف غلام من أترابه وأشباهه في الهيئة والقامة ثم يدخلهم عليه جميعا لا يفرق بينهم في زى ولا قامة ولا أدب ففعل ذلك الشيخ فلما نظر إليهم اردشير قبلت نفسه ابنه من بينهم واستحلاه من غير أن يكون أشير له إليه أو لحن به ثم أمر بهم جميعا فاخرجوا إلى حجرة الايوان فأعطوا صوالجة فلعبوا بالكرة وهو في الايوان على سريرة فدخلت الكرة في الايوان الذى هو فيه فكاع الغلمان جميعا أن

[ 483 ]

يدخلوا الايوان وأقدم سابور من بينهم فدخل فاستدل اردشير بدخوله عليه واقدامه وجرأته مع ما كان من قبول نفسه له أول مرة حين رآه ورقته عليه دون أصحابه أنه ابنه فقال له أردشير بالفارسية ما اسمك فقال الغلام شاه بور فقال اردشير شاه بور فلما ثبت عند أنه ابنه شهر أمره وعقد له التاج من بعده وكان سابور قد ابتلى منه أهل فارس قبل أن يفضى إليه الملك في حياة أبيه عقلا وفضلا وعلما مع شدة بطش وبلاغة منطق ورأفة بالرعية ورقة فلما عقد التاج على رأسه اجتمع إليه العظماء فدغوا له بطول البقاء وأطنبوا في ذكر والده وذكر فضائله فأعلمهم أنهم لم يكونوا يستدعون إحسانه بشئ يعدل عنده ذكرهم والده ووعدهم خيرا ثم أمر بما كان في الخزائن من الاموال فوسع بها على الناس وقسمها فيمن رآه لها موضعا من الوجوه والجنود وأهل الحاجة وكتب إلى عماله بالكور والنواحى أن يفعلوا مثل ذلك في الاموال التى في أيديهم فوصل من فضله وإحسانه إلى القريب والبعيد والشريف والوضيع والخاص والعام ما عمهم ورفعت به معايشهم ثم تخير لهم العمال وأشرف عليهم وعلى الرعية إشرافا شديدا فبان فضل سيرته وبعد صوته وفاق جميع الملوك وقيل إنه سار إلى مدينة نصيبين لاحدى عشرة سنة مضت من ملكه وفيها جنود من جنود الروم فحاصرهم حينا ثم أتاه عن ناحية من خراسان ما احتاج إلى مشاهدته فشخص إليها حتى أحكم أمرها ثم رجع إلى نصيبين وزعموا أن سور المدينة تصدع وانفرجت له فرجة دخل منها فقتل المقاتلة وسبى وأخذ أموالا عظيمة كانت لقيصر هنالك ثم تجاوزها إلى الشأم وبلاد الروم فافتتح من مدائنها مدنا كثيرة وقيل إن فيما افتتح قالوقية وقذوقية وأنه حاصر ملكا كان بالروم يقال له الريانوس بمدينة أنطاكية فأسره وحمله وجماعة كثيرة معه وأسكنهم جندي سبور * وذكر أنه أحذ لريانوس ببناء شاذراون تستر على أن يجعل عرضه ألف ذراع فبناه الرومي بقوم أشخصهم إليه من الروم وحكم سابور في فكا كه بعد فراغه من الشاذروان فقيل إنه أخذ منه أموالا عظيمة وأطلقه بعد أن جدع أنفه وقيل إنه قتله وكان

[ 484 ]

بها رجل من الجرامقة يقال له الساطرون وهو الذى يقول فيه أبو دؤاد الايادي وأرى الموت قد تدلى من الحض‍ * ر على رب أهله الساطرون والعرب تسميه الضيزن وقيل إن الضيزن من أهل باجرمى وزعم هشام بن الكلبى أنه من العرب من قضاعة وأنه الضيزن بن معاوية بن العبيد بن الاجرام ابن عمرو بن النخع بن سليح بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة وأن أمه من تزيد بن حلوان اسمها جيهلة وأنه إنما كان يعرف بأمه وزعم أنه كان ملك أرض الجزيرة وكان معه من بنى عبيد بن الاجرام وقبائل قضاعة ما لا يحصى وأن ملكه كان قد بلغ الشأم وأنه تطرف من بعض السواد في غيبة كان غابها إلى ناحية خراسان سابور بن أردشير فلما قدم من غيبته أخبر بما كان منه فقال في ذلك من فعل الضيزن عمرو بن إلة بن الجدى بن الدهاء بن جشم بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة لقيناهم بجمع من علاف * وبالخيل الصلادمة الذكور فلاقت فارس منا نكالا * وقتلنا هرابذ شهرزور دلفنا للاعاجم من بعيد * بجمع كالجزيرة في السعير فلما أخبر سابور بما كان منه شخص إليه حتى أناخ على حصنه وتحصن الضيزن في الحصن فزعم ابن الكلبى أنه أقام سابور على حصنه أربع سنين لا يقدر على هدمه ولا على الوصول إلى الضيزن وأما الاعشى ميمون بن قيس فانه ذكر في شعره أنه إنما أقام عليه حولين فقال ألم تر للحضر إذ أهله * بنعمى وهل خالد من نعم أقام به شاهبور الجنو * دحولين يضرب في القدم فما زاده ربه قوة * ومثل محاوره لم يقم فلما رأى ربه فعله * أتاه طروقا فلم ينتقم وكان دعا قومه دعوة * هلمو إلى أمركم قد صرم فموتوا كراما بأسيافكم * أرى الموت يجشمه من جشم

[ 485 ]

ثم إن ابنة للضيزن يقال لها النضيرة عركت فاخرجت إلى ربض المدينة وكانت من أجمل نساء زمانها وكذلك كان يفعل بالنساء إذا هن عركن وكان سابور من أجمل أهل زمانه فيما قيل فرأى كل واحد منهما صاحبه فعشقته وعشقها فارسلت إليه ما تجعل لى إن دللتك على ما تهدم به سور هذه المدينة وتقتل أبى قال حكمك وأرفعك على نسائى وأخصك بنفسى دونهن قالت عليك بحمامة ورقاء مطوقة فاكتب في رجلها بحيض جارية بكر زرقاء ثم أرسلها فانها تقع على حائط المدينة فتداعى المدينة وكان ذلك طلسم المدينة لا يهدمها إلا هذا ففعل وتأهب لهم وقالت أنا أسقى الحرس الخمر فإذا صرعوا فأقتلهم وأدخل المدينة ففعل وتداعت المدينة ففتحها عنوة وقتل الضيزن يومئذ وأبيدت أفناء قضاعة الذين كانوا مع الضيزن فلم يبق منهم باق يعرف إلى اليوم وأصيبت قبائل من بنى حلوان فانقرضوا ودرجوا فقال عمرو بن إلة وكان مع الضيزن ألم يحزنك والانباء تنمى * بما لاقت سراة بنى عبيد ومصرع ضيزن وبنى أبيه * وأحلاش الكتائب من تزيد أتاهم بالفيول مجللات * وبالابطال سابور الجنود فهدم من أواسى الحصن صخرا * كأن ثفاله زبر الحديد وأخرب سابور المدينة واحتمل النضيرة ابنة الضيزن فاعرس بها بعين التمر فذكر أنها لم تزل ليلتها تضور من خشونة فرشها وهى من حرير محشوة بالقز فالتمس ما كان يؤذيها فإذا ورقة آس ملتزقة بعكنة من عكنها قد آثرت فيها قال وكان ينظر إلى مخها من لين بشرتها فقال لها سابور ويحك بأى شئ كان يغذوك أبو ك قالت بالزبد والمخ وشهد الابكار من النحل وصفو الخمر قال وأبيك لانا أحدث عهدا بك وأوثر لك من أبيك الذى غذاك بما تذكرين فأمر رجلا فركب فرسا جموحا ثم عصب غدائرها بذنبه ثم استركضها فقطعها قطعا فذلك قول الشاعر * أقفر الحصن من نضيرة فالمر * باع منها فجانب الثرثار وقد أكثر الشعراء ذكر ضيزن هذا في أشعارهم وأياه عنى عدى بن زيد بقوله:

[ 486 ]

وأخو الحضر إذ بناه وإذ * دجلة تجبى إليه والخابور شاده مرمرا وجلله كل‍ * سا فللطير في ذراه وكور لم يهبه ريب المنون فباد المل‍ * ك عنه فبابه مهجور ويقال إن سابور بنى بميسان شاذ سبور التى تسمى بالنبطية ديما وفى أيام سابور ظهر مانى الزنديق ويقال إن سابور لما سار إلى موضع جندي سابور ليؤسسها صادف عندها شيخا يقال له بيل فسأله هل يجوز أن يتخذ في ذلك الموضع مدينة فقال له بيل إن ألهمت الكتابة مع ما قد بلغت من السن جاز أن يبنى في هذا الموضع مدينة فقال له سابور بل ليكن الامران اللذان أنكرت كونهما فرسم المدينة وأسلم بيل إلى معلم وفرض عليه تعليمه الكتاب والحساب في سنة فخلا به المعلم وبدأ بحلق رأسه ولحيته لئلا يتشاغل بهما وجاده التعليم ثم أتى به سابور وقد نفذ ومهر فقلده احصاء النفقة على المدينة واثبات حسابها وكور الناحية وسماها بهازنديو سابور وتأويل ذلك خير من انطاكية ومدينة سابور وهى التى تسمى جندي سابور وأهل الاهواز يسمونها بيل باسم القيم كان على بنائها ولما حضر سابور الموت ملك ابنه هرمز وعهد إليه عهدا أمره بالعمل به واختلف في سنى ملكه فقال بعضهم كان ذلك ثلاثين سنة وخمسة عشر يوما وقال آخرون كان ملك إحدى وثلاثين سنة وستة أشهر وتسعة عشر يوما * ثم قام بالملك بعد سابور ابن أردشير بن بابك ابنه (هرمز) وكان يلقب بالجرئ وكان يشبه في جسمه وخلقه وصورته باردشير غير لا حق به في رأيه وتدبيره إلا أنه كان من البطش والجرأ وعظم الخلق على أمر عظيم وكانت أمه فيما قيل من بنات مهرك الملك الذى قتله أردشير باردشير خرة وذلك أن المنجمين كانوا أخبروا اردشير أنه يكون من نسله من يملك فتتبع أردشير نسله فقتلهم وأفلتت أم هرمز وكانت ذات عقل وجمال وكمال وشدة خلق فوقعت

[ 487 ]

إلى البادية وأوت إلى بعض الرعاء وأن سابور خرج يوما متصيدا فأمعن في طلب الصيد واشتد به العطش فارتفعت له الاخبية التى كانت فيها أم هرمز أوت إليها فقصدها فوجد الرعاء غيبا فطلب الماء فناولته المرأة فعاين منها جمالا فائقا وقواما عجيبا ووحها عتيقا ثم لم لبث أن حضر الرعاء فسألهم سابور عنها فنسبها بعضهم إليه فسأله أن يزوجها منه فساعفه فسار بها إلى منازله وأمر بها فنظفت وكسيت وحليت وأرادها على نفسها فكان إذا خلا بها والتمس منها ما يلتمس الرجل من المرأة امتنعت وقهرته عند المجاذبة قهرا ينكره وتعجب من قوتها فلما تطاول ذلك من أمرها أنكره ففحص عن أمرها فاخبرته أنها ابنة مهرك وأنها إنما فعلت ما فعلت ابقاء عليه من أردشير فعاهدها على ستر أمرها ووطئها فولدت هرمز فستر أمره حتى أتت له سنون وأن أردشير ركب يوما ثم انكفأ إلى منزل سابور لشئ أراد ذكره له فدخل منزله مفاجأة فلما استقر به القرار خرج هرمز وقد تر عرع وبيده صولجان يلعب به وهو يصيح في أثر الكرة فلما وقعت عين أردشير عليه أنكره ووقف على المشابه التى فيه منهم لان الكيية التى في آل أردشير كانت لا تخفى ولا يذهب أمرهم على أحد لعلامات كانت فيهم من حسن الوجوه وعبالة الخلق وأمور كانوا بها مخصوصين في أجسامهم فاستدناه أردشير وسأل سابور عنه فحر مكفرا على سبيل الاقرار بالخطإ مما كان منه وأخبر أباه حقيقة الخبر فسربه وأعلمه أنه قد تحقق الذكر المنجمون في ولد مهرك ومن يملك منهم وأنهم انما ذهبوا فيه إلى هرمز إذ كان من نسل مهرك وأن ذلك قدسلى ما كان في نفسه وأذهبه فلما هلك أردشير وأفضى الامر إلى سابور ولى هرمز خراسان وسيره إليها فاستقل بالعمل وقمع من كان يليه من ملوك الامم وأظهر تجبرا شديد افوشى به الوشاة إلى سابور ووهموه أنه إن دعاه لم يجب وأنه على أن يبتزه المك ونمت الاخبار بذلك إلى هرمز فقيل إنه خلا بنفسه فقطع يده وحسمها وألقى عليها ما يحفظها وأدرجها في نفيس من الثياب وصيرها في سفط وبعث بها إلى سابور وكتب إليه بما بلغه وأنه إنما فعل ما فعل إزالة للتهمة عنه

[ 488 ]

ولان في رسمهم أن لا يملكوا ذا عاهة فلما وصل الكتاب بما معه إلى سابور تقطع أسفا وكتب إليه بما ناله من الغم بما فعل واعتذر وأعلمه أنه لو قطع بدنه عضوا عضوا لم يؤثر عليه أحدا بالملك فملكه وقيل إنه لما وضع التاج على رأسه دخل عليه العظماء فدعوا له فأحسن لهم الجواب وعرفوا منه صدق الحديث وأحسن فيهم السيرة وعدل في رعيته وسلك سبيل آبائه وكور كورة رام هرمز وكان ملكه سنة وعشرة أيام ثم قام بالملك بعده ابنه بهرام وهو بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير بن بابك وكان من عمال سابور بن أردشير وهرمز بن سابور وبهرام بن سابور بعد مهلك عمرو بن عدى بن نصر بن ربيعة على فرج العرب من ربيعة ومضر وسائر من ببادية العراق والحجاز والجزيرة يومئذ ابن لعمرو بن عدى يقال له امرؤ القيس البدء وهو أول من تنصر من ملوك آل نصر بن ربيعة وعمال ملوك الفرس وعاش فيما ذكر هشام بن محمد مملكا في عمله مائة سنة وأربع عشرة سنة من ذلك في زمن سابور بن أردشير ثلاثا وعشرين سنة وشهرا وفى زمن هرمز بن سابور سنة عشرة أيام وفى زمن بهرام بن هرمز بن سابور ثلاث سنين وثلاثة أشهر وثلاثة أيام وفى زمن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير ثمان عشرة سنة وكان بهرام بن هرمز فيما ذكر رجلا ذا حلم وتؤدة فاستبشر الناس بولايته وأحسن السيرة فيهم وأتبع في ملكه في سياسة الناس آثار آبائه وكان مانى الزنديق فيما ذكر يدعوه إلى دينه فاستبرى ما عنده فوجده داعية للشيطان فأمر بقتله وسلخ جلده وحشوه تبنا وتعليقه على باب من أبو اب مدينة جندي سابور يدعى باب المانى وقتل أصحابه ومن دخل في ملته وكان ملكه فيما قيل ثلاث سنين وثلاثة أشهر وثلاثة أيام * ثم قام بالملك بعده ابنه بهرام ابن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير وكان ذا علم فيما قيل بالامور فلما

[ 489 ]

عقد التاج على رأسه دعا له العظماء بمثل ما كانوا يدعون لآبائه فرد عليهم مردا حسنا وأحسن فيهم السيرة وقال إن ساعدنا الدهر نقبل ذلك بالشكر وإن يكن غير ذلك نرض بالقسم واختلف في سنى ملكه فقال بعضهم كان ملكه ثمانى عشرة سنة وقال بعضهم كان سبع عشرة سنة ثم ملك بهرام الملقب بشاهنشاه بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير فلما عقد التاج على رأسه اجتمع إليه العظماء فدعوا له ببركة الولاية وطول العمر فرد عليهم أحسن الرد وكان قبل أن يفضى إليه الملك مملكا على سجستان وكان ملكه أربع سنين * ثم قام بالملك بعده نرسى ابن بهرام وهو أخو بهرام الثالث فلما عقد التاج على رأسه دخلت عليه الاشراف والعظماء فدعوا له فوعدهم خيرا وأمرهم بمكانفته على أمره وسار فيهم بأعدل السيرة وقال يوم ملك إنا لن نضيع شكر الله على ما أنعم به علينا وكان ملكه تسع سنين * تم ملك هرمز ابن نرسى بن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير وكان الناس قد وجلوا منه وأحسوا بالفظاظة والشدة فأعلمهم أنه قد علم ما كانوا يخافونه من شدة ولايته وأعلمهم أنه قد أبدل ما كان في خلقه من الغلظة والفظاظة رقة ورأفة وساسهم بأرفق السياسة وسار فيهم بأعدل السيرة وكان حريصا على انتعاش الضعفاء وعمارة البلاد والعدل في الرعية ثم هلك ولا ولد له فشق ذلك على الناس فسألوا بميلهم إليه عن نسائه فذكر لهم أن بعضهن حبلى وقد قال بعضهم إن هرمز كان أوصى بالملك لذلك الحمل في بطن أمه وأن تلك المرأ ولدت سابور ذا الاكتاف وكان ملك هرمز في قول بعضهم ست سنين وخمسة أشهر وفى قول آخرين سبع سنين وخمسة أشهر * ثم ولد

[ 490 ]

سابور ذو الاكتاف ابن هرمز بن نرسى بن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير مملكا بوصية أبيه هرمز له بالملك فاستبشر الناس بولادته وبثوا خبره في الآفاق وكتبوا الكتب ووجهوا به البرد إلى الآفاق والاطراف وتقلد الوزراء والكتاب الاعمال التى كانوا يعملونها في ملك أبيه ولم يزالوا على ذلك حتى فشاخبرهم وشاع في أطراف مملكة الفرس أنه كان لا ملك لهم وأن أهلها إنما يتلومن صبيا في المهد لا يدرون ما هو كائن من أمره فطمعت في مملكتهم الترك والروم وكانت بلاد العرب أدنى البلاد إلى فارس وكانوا من أحوج الامم إلى تناول شئ من معايشهم وبلادهم لسوء حالهم وشظف عيشهم فسار جمع عظيم منهم في البحر من ناحية بلاد عبد القيس والبحرين وكاظمة حتى أناخوا على إيرانشهر وسواحل اردشير خرة وأسياف فارسي وغلبوا أهلها على مواشيهم وحروثهم ومعايشهم وأكثروا الفساد في تلك البلاد فمكثوا على ذلك من أمرهم حينا لا يغزوهم أحد من الفرس لعقدهم تاج الملك على طفل من الاطفال وقلة هيبة الناس له حتى تحرك سابور وترعرع فلما ترعرع ذكر أن أول ما عرف من تدبيره وحسن فهمه أنه استيقظ ذات ليلة وهو في قصر المملكة بطيسبون من ضوضاء الناس بسحر فسأل عن ذلك فأخبر أن ذلك ضجة الناس عند ازدحامهم على جسر دجلة مقبلين ومدبرين فأمر باتخاذ جسر آخر حتى يكون أحدهما معبرا للمقبلين والآخر معبرا للمدبرين فلا يزدحم الناس في المرور عليهما فاستبشر الناس بما رأوا من فطنته لما فطن من ذلك على صغر سنه وتقدم فيما أمر به من ذلك فذكر أن الشمس لم تغرب من يومهم ذلك حتى عقد جسر بالقرب من الجسر الذى كان فاستراح الناس من المخاطرة بأنفسهم في الجواز على الجسر وجعل الغلام يتزيد في اليوم ما يتزيد غيره في الحين الطويل وجعل الكتاب والوزراء يعرضون عليه الامر بعد الامر فكان فيما عرض عليه أمر الجنود التى في الثغور ومن كان منهم بإزاء الاعداء وأن الاخبار وردت بأن أكثرهم قد أخل وعظموا عليه الامر في ذلك

[ 491 ]

فقال لهم سابور لا يكبرن هذا عندكم فإن الحيلة فيه يسيرة وأمر بالكتاب إلى أولئك الجنود جميعا بأنه انتهى إليه طول مكثهم في النواحى التى هم بها وعظم غنائهم عن أوليائهم وإخوانهم فمن أحب أن ينصرف إلى أهله فلينصرف مأذو ناله في ذلك ومن أحب أن يستكمل الفضل بالصبر في موضعه عرف ذلك له وتقدم إلى من اختار الانصراف في لزوم أهله وبلاده إلى وقت الحاجة إليه فلما سمع الوزراء ذلك من قوله استحسنوه وقالوا لو كان هذا قد أطال تجربة الامور وسياسة الجنود ما زاد رأيه وصحة منطقه على ما سمعنا منه ثم تتابعت أخباره إلى البلدان والثغور بما قوم أصحابه وقمع أعداءه حتى تمت له ست عشرة سنة وأطاق حمل السلاح وركوب الخيل واشتد عظمه جمع إليه رؤساء أصحابه وأجناده ثم قام فيهم خطيبا ثم ذكر ما أنعم الله به عليه وعليهم بآبائه وما أقاموا من أدبهم ونفوا من أعدائهم وما اختل من أمورهم في الايام التى مضت من أيام صباه وأعلمهم أنه يبتدئ العمل في الذب عن البيضة وأنه يقدر الشخوص إلى بعض الاعداء لمحاربته وأن عدة من يشخص معه من المقاتلة ألف رجل فنهض إليه القوم داعين متشكرين وسألوه أن يقيم بموضعه ويوجه القواد والجنود ليكفوه ما قدر من الشخوص فيه فأبى أن يجيبهم إلى المقام فسألوه الازدياد على العدة التى ذكرها فأبى ثم انتخب ألف فارس من صنا ديد جنده وأبطالهم وتقدم إليهم في المضى لامره ونهام عن الابقاء على ما لقوا من العرب والعرجة على إصابة مال ثم سار بهم فأوقع بمن انتجع بلاد فارس من العرب وهم غارون وقتل منهم أبرح القتل وأسر أعنف الاسر وهرب بقيتهم ثم قطع البحر في أصحابه فورد الخط واستقرى بلاد البحرين يقتل أهلها ولا يقبل فداء ولا يعرج على غنيمة ثم مضى عليه وجهه فورد هجر وبها ناس من أعراب تميم وبكر بن وائل وعبد القيس فأفشى فهم القتل وسفك فيهم من الدماء سفكا سالت كسيل المطر حتى كان الهارب منهم يرى أنه لن ينجيه منه غار في جبل ولا جزيرة في بحر ثم عطف إلى بلاد عبد القيس فأباد أهلها إلا من هرب منهم فلحق بالرمال ثم أتى اليمامة فقتل بها مثل تلك المقتله ولم يمر بماء من مياه العرب إلا

[ 492 ]

غوره ولاجب من جبابهم إلا طمه ثم أتى قرب المدينة فقتل من وجد هنالك من العرب وأسر ثم عطف نحو بلاد بكر وتغلب فيما بين مملكة فارس ومناظر الروم بأرض الشام فقتل من وجد بها من العرب وسبى وطتم مياههم وأنه أسكن من بنى تغلب من البحرين دارين واسمهما هيج والخط ومن كان من عبد القيس وطوائف من بنى تميم هجر ومن كان من بكر بن وائل كومان وهم الذين يدعون بكر أبان ومن كان منهم من بين حنظلة بالرملية من بلاد الاهواز أنه أمر فبنيت بأرض السواد مدينة وسماها بزرج سابور وهى الانبار وبأرض الاهواز مدينتان إحداهما ايرانخزهسابور وتأويلها سابور وبلاده وتسمى بالسريانية الكرخ والاخرى السوس وهى مدينة بناها إلى جانب الحصن الذى في جوفه تابوت فيه جثة دانيال النبي صلى الله عليه وسلم وأنه غزا أرض الروم فسبى منها سبيا كثيرا فأسكن مدينة ايرانخرهسابور وسمتها العرب السوس بعد تخفيفها في التسمية وأمر فبنيت بباجرمى مدينة سماها خنى سابور وكور كورة وبأرض خراسان مدينة وسماها نيسابور وكور كورة * وأن سابور كان هادن قسطنطين ملك الروم وهو الذى بنى مدينة قسطنطينية وكان أول من تنصر من ملوك الروم وهلك قسطنطين وفرق ملكه بين ثلاثة بنين كانوا له فهلك بنوه الثلاثة فملكت الروم عليهم رجلا من أهل بيت قسطنطين يقال له لليانوس كان يدين بملة الروم التى كانت قبل النصرانية ويسر ذلك ويظهر النصرانية قبل أن يملك جتى إذا ملك أظهر ملة الروم وأعادها كهيئتها وأمرهم بإحيائها وأمر بهدم البيع وقتل الاساقفة وأحبار النصارى وأنه جمع جموعا من الروم والخزر ومن كان في مملكته من العرب ليقاتل بهم سابور وجنود فارس وانتهزت العرب بذلك السبب الفرصة من الانتقام من سابور وما كان من قتله العرب واجتمع في عسكر لليانوس من العرب مائة ألف وسبعون ألف مقاتل فوجههم مع رجل من بطارقة الروم بعثه على مقدمته يسمى يوسانوس وأن لليانوس سار حتى وقع ببلاد فارس وانتهى إلى سابور كثرة من معه من جنود الروم والعرب والخزر فهاله ذلك ووجه عيونا

[ 493 ]

تأتيه بخبرهم ومبلغ عددهم وحالهم في شجاعتهم وعيثهم فاختلف أقاويل أولئك العيون فيما أتوه به من الاخبار عن لليانوس وجنده فتنكر سابور وسار في أناس من ثقاته ليعاين عسكرهم فلما اقترب من عسكر يوسانوس صاحب مقدمة لليانوس وجه رهطا ممن كان معه إلى عسكر يوسانوس ليتجسسوا الاخبار ويأتوه بها على حقائقها فنذرت الروم بهم فاخذوهم ودفعوهم إلى يوسانوس فلم يقر أحد منهم بالامر الذى توجهوا له إلى عسكره ما خلا رجلا منهم أخبره بالقصة على وجهه وبمكان سابور حيث كان وسأله أن يوجه معه جندا فيدفع إليهم سابور فأرسل يوسانوس حيث سمع هذه المقالة إلى سابور رجلا من بطانته يعلمه مالقى من أمره وينذره فارتحل سابور من الموضع الذى كان فيه إلى عسكره وأن من كان في عسكر لليانوس من العرب سألوه أن يأذن لهم في محاربة سابور فأجابهم إلى ما سألوه فزحفوا إلى سابور فقاتلوه فقضوا جمعه وقتلوا منهم مقتلة عظيمة وهرب سابور فيمن بقى من جنده واحتوى لليانوس على مدينة طيسبون محلة سابور وظفر ببيوت أموال سابور وخزائنه فيها فكتب سابور إلى من في الآفاق من جنوده يعلمهم الذى لقى من لليانوس ومن معه من العرب ويأمر من كان فيهم من القواد أن يقدموا عليه فيمن قبلهم من جنوده فلم يلبث أن اجتمعت إليه الجيوش من كل أفق فانصرف فحارب لليانوس واستنقذ منه مدينة طيسون ونزل لليانوس مدينة بهاردشير وما والاها بعسكره وكانت الرسل تختلف فيما بينه وبين سابور وأن لليانوس كان جالسا ذات يوم في حجرته فأصابه سهم غرب في فؤاده فقتله فاسقط في روع جنده وهالهم الذى نزل به ويئسوا من التفصى من بلاد فارس وصاروا شورى لا ملك عليهم ولا سائس لهم فطلبوا إلى يوسانوس أن يتولى الملك لهم فيملكوه عليهم فابى ذلك وألحوا عليه فيه فاعلمهم أنه على ملة النصرانية وأنه لا يلى ناسا له مخالفون في الملة فاخبرته الروم أنهم على ملته وأنهم إنما كانوا يكتمونها مخافة لليانوس فأجابهم إلى ما طلبوا وملكوه عليهم وأظهروا النصرانية وأن سابور علم بهلاك لليانوس فأرسل إلى قواد

[ 494 ]

جنود الروم يقول ان الله قد أمكننا منكم وأدالنا عليكم بظلمكم إيانا وتخطيكم إلى بلادنا وإنا نرجو أن تهلكوا بها جوعا من غير أن نهيئ لقتالكم سيفا ونشرع له رمحا فسرحوا إلينا رئيسا إن كنتم رأستموه عليكم فعزم يوسانوس على إتيان سابور فلم يتابعه على رأيه احد من قواد جنده فاستبد برأيه وجاء إلى سابور في ثمانين رجلا من أشراف من كان في عسكره وجنده وعليه تاجه فبلغ سابور مجيئه إليه فتلقاه وتساجدا فعانقه سابور شكرا لما كان منه في أمره وطعم عنده يومئذ ونعم وأن سابور أرسل إلى قواد جند الروم وذوى الرئاسة منهم يعلمهم أنهم لو ملكوا غير يوسانوس لجرى هلاكهم في بلاد فارس وأن تمليكهم إياه ينجيهم من سطوته وقوى أمر يوسانوس بجهده ثم قال إن الروم قد شنوا الغارة على بلادنا وقئلوا بشرا كثيرا وقطعوا ماكان بأرض السواد من نخل وشجر وخربوا عمارتها فاما أن يدفعوا الينا قيمة ما أفسدوا وخربوا وإما أن يعوضونا من ذلك نصيبين وحيزها عوضا منه وكانت من بلاد فارس فغلبت عليها الروم فأجاب يوسانوس وأشراف جنده سابور إلى ما سأل من العوض ودفعوا إليه نصيبين فبلغ ذلك أهلها فجلوا منها إلى مدن في مملكة الروم مخافة على أنفسهم. من ملك الملك المخالف ملتهم فبلغ ذلك سابور فنقل اثنى عشر ألف أهل بيت من أهل اصطخر وإصبهان وكور أخر من بلاده وحيزه إلى نصيبين وأسكنهم إياها وانصرف يوسانوس ومن معه من الجنود إلى الروم وملكها زمنا يسيرا ثم هلك وان سابور ضرى بقتل العرب ونزع أكتاف رؤسائهم إلى أن هلك وكان ذلك سبب تسميتهم إياه ذا الاكتاف * وذكر بعض أهل الاخبار أن سابور بعد أن أثخن في العرب وأجلاهم عن النواحى التى كانوا صاروا إليها مما قرب من نواحى فارس والبحرين واليمامة ثم هبط إلى الشأم وسار إلى حد الروم أعلم أصحابه انه على دخول الروم حتى يبحث عن أسرارهم ويعرف أخبار مدنهم وعدد جنودهم فدخل إلى الروم فجال فيها حينا وبلغه أن قيصر أو لم وأمر بجمع الناس ليحضروا طعامه فانطلق سابور بهيئة السؤال حتى شهد ذلك الجمع لينظر إلى قيصر ويعرف

[ 495 ]

هيئته وحاله في طعامه ففطن له فأخذ وأمر به قيصر فأدرج في جلد ثور ثم سار يجنوده إلى أرض فارس ومعه سابور على تلك الحالة فأكثر من القتل وخراب المدائن والقرى وقطع النخل والاشجار حتى انتهى إلى مدينة جندي سابور وقد تحصن أهلها فنصب المجانيق وهدم بعضها فبيناهم كذلك ذات ليلة إذ غفل الروم الموكلون بحراسة سابور وكان بقربه قوم من سبى الاهواز فامرهم أن يلقوا على القد الذى كان عليه زيتا من زقاق كانت بقربهم ففعلوا ذلك ولان الجلد وانسل منه فلم يزل يدب حتى دنا من باب المدينة وأخبر حراسهم باسمه فلما دخل على أهلها اشتد سرورهم به وارتفعت أصواتهم بالحمد والتسبيح فانتبه أصحاب قيصر باصواتهم وجمع سابور من كان في المدينة وعبأهم وخرج إلى الروم في تلك الليلة سحرا فقتل الروم وأخذ قيصر أسيرا وغنم أمواله ونساءه ثم أثقل قيصر بالحديد وأخذه بعمارة ما أخرب ويقال إنه أخذ قيصر بنقل التراب من أرض الروم إلى المدائن وجندي سابور حتى يرم به ما هدم منها وبان يغرس الزيتون مكان النخل والشجر الذى عقره ثم قطع عقبه ورتقه وبعث به إلى الروم على حمار وقال هذا جزاؤك ببغيك علينا فلذلك تركت الروم اتخاذ الاعقاب ورتقت الذؤاب ثم أقام سابور في مملكته حينا ثم غزا الروم فقتل من أهلها وسبى سبيا كثيرا وأسكن من سبى مدينة بناها بناحية السوس وسماها ايرانشهر سابور ثم استصلح العرب وأسكن بعض قبائل تغلب وعبد الشمس وبكر بن وائل كرمان وتوج والاهواز وبنى مدينة نيسابور ومدائن أخر بالسند وسجستان ونقل طبيبا من الهند فأسكنه الكرخ من السوس فلما مات ورث طبه أهل السوس ولذلك صار أهل تلك الناحية أطب العجم وأوصى بالملك لاخيه أردشير وكان ملك سابور اثنتين وسبعين سنة (وهلك في عهد سابور) عامله على ضاحية مضر وربيعة امرؤ القيس البدء بن عمرو بن عدى بن ربيعة بن نصر فاستعمل سابور على عمله ابنه عمرو بن امرئ القيس فيما ذكر فبقى في عمله بقية ملك سابور وجميع أيام أخيه أردشير بن هرمز بن نرسى وبعض أيام سابور بن سابور وكان

[ 496 ]

جميع عمله على ما ذكرت من العرب وولايته عليهم فيما ذكر ابن الكلبى ثلاثين سنة ثم قام بالملك بعد سابور ذى الاكتاف أخوه أردشير ابن هرمز بن نرسى بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير بن بابك فلما عقد التاج على رأسه جلس للعظماء فلما دخلوا عليه دعوا له بالنصر وشكروا عنده أخاه سابور فأحسن جوابهم وأعلمهم موقع ما كان من شكرهم لاخيه عنده فلما استقر به الملك قراره عطف على العظماء وذوى الرئاسة فقتل منهم خلقا كثيرا فخلعه الناس بعد أربع سنين من ملكه * ثم ملك سابور ابن سابور ذى الاكتاف بن هرمز بن نرسى فاستبشرت الرعية بذلك وبرجوع ملك أبيه إليه فلقيهم أحسن اللقاء وكتب الكتب إلى العمال في حسن السيرة والرفق بالرعية وأمر بمثل ذلك وزراءه وكتابه وحاشيته وخطبهم خطبة بليغة ولم يزل عادلا على رعيته متحننا عليهم لما كان تبين من مودتهم ومحبتهم وطاعتهم وخضع له عمه أردشير المخلوع ومنحه الطاعة وان العظماء وأهل البيوتات قطعوا أطناب فسطاط كان ضرب عليه في حجرة من حجره فسقط عليه الفسطاط وكان ملكه خمس سنين * ثم ملك بعده أخوه بهرام ابن سابور ذى الاكتاف وكان يلقب كرمان شاه وذلك أن أباه سابور كان ولاه في حياته كرمان فكتب إلى قواده كتابا يحثهم فيه على الطاعة ويأمرهم بتقوى الله والنصيحة للملك وبنى بكرمان مدينة وكان حسن السياسة لرعيته محمودا في أمره وكان ملكه احدى عشرة سنة وأن ناسا من الفتاك ثاروا إليه فقتله رجل منهم برمية رماها إياه بنشابة * ثم قام بالملك بعده يزدجرد الملقب بالاثيم بن بهرام الملقب بكرمان شاه بن سابور ذى الاكتاف *

[ 497 ]

ومن أهل العلم بانساب الفرس من يقول إن يزد جرد الاثيم هذا هو أخو بهرام الملقب بكرمان شاه وليس بابنه ويقول هو يزدجرد بن سابور ذى الاكتاف وممن نسبه هذا النسب وقال هذا القول هشام بن محمد وكان فيما ذكر فظا غليظا ذا عيوب كثيرة وكان من أشد غيوبه وأعظمها فيما قيل وضعه ذكاء ذهن وحسن أدب كان له وصنوفا من العلم قد مهرها وعلمها غير موضعه وكثرة رؤيته في الضار من الامور واستعمال كل ما عنده من ذلك في المؤاربة والدهاء والمكايدة والمخاتلة مع فطنته كانت بجهات الشر وشدة عجبه بما عنده من ذلك واستخفافه بكل ماكان في أيدى الناس من علم وأدب واحتقاره له وقلة اعتداده به واستطالته على الناس بما عنده منه وكان مع ذلك غلقا سيئ الخلق ردئ الطعمة حتى بلغ من شدة غلقه وحدته أن الصغير من الزلات كان عنده كبيرا واليسير من السقطات عظيما ثم لم يقدر أحد وإن كان لطيف المنزلة منه أن يكون لمن ابتلى عنده بشئ من ذلك شفيعا وكان دهره كله للناس متهما ولم يكن يأتمن أحدا على شئ من الاشياء ولم يكن يكافئ على حسن البلاء وإن هو أولى الخسيس من العرف استجزل ذلك وإن جسر على كلامه في أمر كلمه فيه رجل لغيره قال له ما قدر جعالتك في هذا الامر الذى كلمتنا فيه وما أخذت عليه فلم يكن يكلمه في ذلك وما أشبهه إلا الوفود القادمون عليه من قبل ملوك الامم وأن رعيته إنما سلموا من سطوته وبليته وما كان جمع من الخلال السيئة بتمسكهم بمن كان قبل مملكته بالسنن الصالحة وبأدبهم وكانوا لسوء أدبه ومخافة سطوته متواصلين متعاونين وكان من رأيه أن يعاقب كل من زل عنده وأذنب إليه من شدة العقوبة بما لا يستطاع أن يبلغ منه مثلها في مدة ثلثمائة وكان لذلك لا يقرعه بسوط انتظارا منه للمعاقبة له بما ليس وراءه أفظع منه وكان إذا بلغه أن أحدا من بطانته صافى رجلا من أهل صناعته أو طبقته نحاه عن خدمته وكان استوزر عند ولايته نرسى حكيم دهره وكان نرسى كاملا في أدبه فاضلا في جميع مذاهبه متقدما لاهل زمانه وكانوا يسمونه مهر نرسى ومهر نرسه ويلقب

[ 498 ]

بالهزار بنده * فأملت الرعية بما كان منه أن ينزع عن أخلاقه وأن يصلح نرسى منه فلما استوى له الملك واشتدت اهانته الاشراف والعظماء وحمل على الضعفاء وأكثر من سفك الدماء وتسلط تسلطا لم يبتل الرعية بمثله في أيامه فلما رأى الوجوه والاشراف أنه لا يزداد إلا تتابعا في الجور اجتمعوا فشكوا ما ينزل بهم من ظلمه وتضرعوا إلى ربهم ابتهلوا إلى بتعجيل انقاذهم منه فزعموا أنه كان بجرجان فرأى ذات يوم في قصره فرسا عائرا لم ير مثله في الخيل في حسن صورة وتمام خلق أقبل حتى وقف على بابه فتعجب الناس منه لانه كان متجاوز الحال فأخبر يزدجرد خبره فأمر به أن يسرج ويلجم ويدخل عليه فحاول ساسته وصاحب مراكبه إلجامه وإسراجه فلم يمكن أحدا منهم من ذلك فأنهى إليه امتناع الفرس عليهم فخرج ببدنه إلى الوضع الذى كان فيه ذلك الفرس فألجمه بيده وألقى لبدا على ظهره ووضع فوقه سرجا وشد حزامه ولببه فلم يتحرك الفرس بشئ من ذلك حتى إذا رفع ذنبه ليثفره استدبره الفرس فرمحه على فؤاده رمحة هلك منها مكانه ثم لم يعاين ذلك الفرس ويقال إن الفرس ملا فروجه جريا فلم يدرك ولم يوقف على السبب فيه وخاضت الرعية بينها وقالت هذا من صنع الله لنا ورأفته بنا وكان ملك يزدجرد في قول بعضهم اثنتين وعشرين سنة وخمسة أشهر وستة عشر يوما وفى قول آخرين إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر وثانية عشر يوما (ولما هلك عمرو بن امرئ القيس) البدء بن عمرو بن عدى في عهد سابور بن سابور استخلف سابور بن سابور على عمله أوس بن قلام في قول هشام قال وهو من العماليق من بنى عمرو بن عمليق فثار به حججبا بن عتيك بن لخم فقتله فكان جميع ولاية أوس خمس سنين وهلك في عهد بهرام بن سابور ذى الاكتاف واستخلف بعده في عمله امرؤ القيس البدء بن عمرو بن امرئ القيس البدء بن عمرو خمسا وعشرين سنة وكان هلاكه في عهد يزدجرد الاثيم ثم استخلف يزدجرد مكانه ابنه النعمان بن امرئ القيس البدءبن عمرو بن امرئ

[ 499 ]

القيس بن عمرو بن عدى وأمه شقيقة ابنة أبى ربيعة بن ذهل بن شيبان وهو فارس حليمة وصاحب الخورنق وكان سبب بنائه الخورنق فيما ذكر أن يزدجرد الاثيم بن بهرام كرمان شاه بن سابور ذى الاكتاف كان لا يبقى له ولد فسأل عن منزل برئ مرئ صحيح من الادواء والاسقام فدل على ظهر الحيرة فدفع ابنه بهرام جور إلى النعمان هذا وأمره ببناء الخورنق مسكنا له وأنزله إياه وأمره باخراجه إلى بوادي العرب وكان الذى بنى الخورنق رجلا يقال له سنمار فلما فرغ من بنائه تعجبوا من حسنه واتقان عمله فقال لو علمت أنكم توفوننى أجرى وتصنعون بى ما أنا أهله بنيته بناء يدور مع الشمس حيثما دارت فقال وإنك لتقدر على أن تبنى ما هو أفضل منه ثم لم تبنه فامر به فطرح من رأس الخورنق ففى ذلك يقول أبو الطمحان القينى جزاء سنمار جزاها وربها * وباللات والعزى جزاء المكفر وقال سليط بن سعد جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر * وحسن فعل كما يجزى سنمار وقال يزيد بن إياس النهشلي جزى الله كما لا بأسوإ فعله * جزاء سنمار جزاء موفرا وقال عبد العزى بن امرئ القيس الكلبى وكان اهدى افراسا إلى الحارث بن مارية الغساني ووفد إليه فأعجبته وأعجب بعبد العزى وحديثه وكان للملك ابن مسترضع في بنى الحميم بن عوف من بنى عبد ود من كلب فنهشته حية فظن الملك أنهم اغتالوه فقال لعبد العزى جئني بهؤلاء القوم فقال هم قوم أحرار وليس لى عليهم فضل في نسب ولا فعال فقال لتأتينى بهم أو لافعلن ولا فعلن فقال رجونا من حبائك أمرا حال دونه عقابك ودعا ابني شراحيل وعبد الحارث فكتب معهما إلى قوله جزاني جزاه الله شر جزائه * جزاء سنماروما كان ذا ذنب سوى رصه البنيان عشرين حجة * يعل عليه بالقراميد والسكب

[ 500 ]

فلما رأى البنيان تم سحوقه * وآض كمثل الطودذى الباذخ الصعب فاتهمه من بعد حرش وحقبة * وقد هره أهل المشارق والغرب وظن سنمار به كل حبرة * وفاز لديه بالمودة والقرب فقال اقذفوا بالعلج من فوق برجه * فهذا لعمر الله من أعجب الخطب وما كان لى عند ابن جفنة فاعلموا * من الذنب ما آلى يمينا على كلب ليلتمسن بالخيل عقر بلادهم * تجلل أبيت اللعن من قولك المزبى ودون الذى منى منى ابن جفنة نفسه * رجال يردون الظلوم عن الشعب وقد رامنا من قبلك المرء حارث * فغودر مسلولا لدا الاكم الصهب قال هشام وكان النعمان هذا قد غزا الشأم مرارا وأكثر المصائب في أهلها وسبى وغنم وكان من أشد الملوك نكاية في عدوه وأبعدهم مغارا فيهم وكان ملك فارس جعل معه كتيبتين يقال لاحداهما دوسرو هي لتنوخ وللاخرى الشهباء وهى لفارس وهما اللتان يقال لهما القبيلتان فكان يغزو بهما بلاد الشأم ومن لم يدن له من العرب قال فذكر لنا والله أعلم أنه جلس يوما في مجلسه من الخورنق فأشرف منه على النجف وما يليه من البساتين والنخل والجنان والانهار مما يلى المغرب وعلى الفرات مما يلى المشرق وهو على متن النجف في يوم من أيام الربيع فأعجبه ما رأى من الخضرة والنور والانهار فقال لوزيره وصاحبه هل رأيت مثل هذا المنظر قط فقال لا لو كان يدوم قال فما الذى يدوم قال ما عند الله في الآخرة قال فبم ينال ذاك قال بترك الدنيا وعبادة الله والتماس ما عنده فترك ملكه من ليلته ولبس المسوح وخرج مستخفيا هاربا لا يعلم به وأصبح الناس لا يعلمون بحاله فحضروا بابه فلم يؤذن لهم عليه كما كان يفعل فلما أبطأ الاذن عليهم سألوا عنه فلم يجدوه وفى ذلك يقول عدى بن زيد العبادي وتفكر رب الخورنق إذ أش‍ * رف يوما وللهدى تبصير سره حاله وكثرة ما يم‍ * لك والبحر معرض والسدير

[ 501 ]

فارعوى قلبه فقال وما غب‍ * طة حى إلى الممات يصير ثم بعد الفلاح والملك والام‍ * ة وارتهم هناك القبور ثم أضحوا كأنهم ورق ج‍ * ف فألوت به الصبا والدبور فكان ملك النعمان إلى أن ترك ملكه وساح في الارض تسعا وعشرين سنة وأربعة أشهر قال ابن الكلبى من ذلك في زمن يزدجرد خمس عشرة سنة وفى زمن بهرام جور بن يزدجرد أربع عشرة سنة وأما العلماء من الفرس باخبارهم وأمورهم فإنهم يقولون في ذلك ما انا ذاكره ثم ملك بعد يزدجرد الاثيم ابنه بهرام جور ابن يزدجرد الخشن ابن بهرام كرمان شاه بن سابور ذى الاكتاف وذكر أن مولده كان هرمز درز فروردين ماه لسبع ساعات مضين من النهار فإن أباه يزدجرد دعا ساعة ولد بهرام بمن كان ببابه من المنجمين فامرهم باقامة كتاب مولده وتبينه بيانا يدل على الذى يؤول إليه كل أمره فقاسوا الشمس ونظروا في مطالع النجوم ثم أخبروا يزدجرد أن الله مورث بهرام ملك أبيه وان رضاعه بغير أرض يسكنها الفرس وأن من الرأى أن يربى بغير بلاده فاجال يزدجرد الرأى في دفعه في الرضاع والتربية إلى بعض من ببابه من الروم والعرب أو غيرهم ممن لم يكن من الفرس فبدا له في اختيار العرب لتربيته وحضانته فدعا بالمنذر بن النعمان واستحضنه بهرام وشرفه وأكرمه وملكه على العرب وحباه بمر تبتين سنيتين تدعى أحدهما رام أبروذ يزدجرد وتأويله زاد سرور يزدجرد والاخرى تدعى بمهشت وتأويلها أعظم الخول وأمر له بصلة وكسوة بقدر استحقاقه لذلك في منزلته وأمره أن يسير ببهرام إلى بلاد العرب فسار به المنذر إلى محلته منها واختار لرضاعه ثلاث نسوة ذوات أجسام صحيحة وأذهان ذكية وآداب رضية من بنات الاشراف منهن امرأتان من بنات العرب وامرأة من بنات العجم وأمر لهن بما أصلحهن من الكسوة والفرش والمطعم والمشرب وسائر ما احتجن إليه فتداولن رضا ثلاث سنين وفطم في السنة الرابعة حتى إذا أتت له خمس سنين قال للمنذر احضرني

[ 502 ]

مؤدبين ذوى علم مدربين بالتعليم ليعلموني الكتابة والرمى والفقه فقال له المنذر إنك بعد صغير السن ولم يأن لك أن تأخذ في التعليم فالزم ما يلزم الصبيان الاحداث حتى تبلغ من السن ما تطيق التعلم والتأدب وأحضر من يعلمك كل ما سألت تعلمه فقال بهرام للمنذر أنا لعمري صغير ولكن عقلي عقل محتنك وأنت كبير السن وعقلك عقل ضرع أما تعلم أيها الرجل أن كل ما يتقدم في طلبه ينال في وقته وما يطلب في وقته ينال في غير وقته وما يفرط في طلبه يفت فلا ينال وإنى من ولد الملوك والملك صائر إلى بإذن الله وأولى ما كلف به الملوك وطلبوه صالح العلم لانه لهم زين ولملكهم ركن به يقوون فعجل على بمن سألتك من المؤدبين فوجه المنذر ساعة سمع مقالة بهرام هذه إلى باب الملك من أتاه برهط من فقهاء الفرس ومعلمي الرمى والفروسية ومعلمي الكتابة وحصة ذوى أدب وجمع له حكماء من حكماء فارس ومحدثين من العرب فالزمهم بهرام ووقت لاصحاب كل مذهب من تلك المهن وقتا يأتونه فيه وقدر لهم قدرا يفيدونه ما عندهم فتفرغ بهرام لتعلم كل ما سأل أن يتعلم وللاستماع من أهل الحكمة وأصحاب الحديث ووعى كل ما استمع وثقف كل ما علم بأيسر تعليم وألفى بعد أن بلغ اثنتى عشرة سنة وقد استفاد كل ما أفيدو حفظه وفاق معلميه ومن حضره من أهل الادب حتى اعترفوا له بفضله عليهم وأثاب بهرام المنذر ومعلميه أمرهم بالانصراف عنه وأمر معلمي الرمى والفروسية بالاقامة عنده لياخذ عنهم كل ما ينبغى له التدرب به والاحكام له ثم دعا بهرام بالنعمان بن المنذر وأمره أن يؤذن العرب بإحضار خيلهم من الذكور والاناث على أنسابها فآذن النعمان للعرب بذلك وبلغ المنذر الذى كان من رأى بهرام في اختيار الخيل لمركبه فقال لبهرام لاتجشمن العرب إجراء خيلهم ولكن مر من يعرض الخيل عليك واختر منها رضاك وارتبط لنفسك فقال له بهرام قد أحسنت القول ولكني أفضل الرجال سؤددا وشرفا وليس ينبغى أن يكون مركبي إلا افضل الخيل وإنما يعرف فضل بعضها على بعض بالتجربة ولا تجربة بلا اجراء فرضى المنذر مقالته وأمر النعمان العرب

[ 503 ]

فاحضروا خيولهم وركب بهرام والمنذر لحضور الحلبة وسرحت الخيل من فرسخين فبدر فرس أشقر للمنذر تلك الخيل جميعا سابقا ثم أقبل بعده بقيتها بداد بداد من بين فرسين تاليين أو ثلاثة موزعة أو سكيتا فقرب المنذر بيده ذلك الاشقر إلى بهرام وقال يبارك الله لك فيه فأمر بهرام بقبضه وعظم سروره به وتشكر للمنذر وأن بهرام ركب ذات يوم الفرس الاشقر الذى حمله عليه المنذر إلى الصيد فبصر بعانة فرمى عليها وقصد نحوها فإذا هو بأسد قد شد على عير كان فيها فتناول ظهره بفيه ليقصمه ويفترسه فرماه بهرام رمية في ظهره فنفذت النشابة من بطنه وظهر العير وسرته حتى أفضت إلى الارض فساخت فيها إلى قريب من ثلثها فتحرك طويلا وكان ذلك بمشهد ناس من العرب وحرس بهرام وغيرهم فأمر بهرام فصور ما كان منه في أمر الاسد والعير في بعض مجالسه ثم إن بهرام أعلم المنذر أنه على الالمام بأبيه فشخص إلى أبيه وكان أبو ه يزدجرد لسوء خلقه لا يحفل بولد له فاتخذ بهرام للخدمة فلقى بهرام من ذلك عناء ثم إن يزدجرد وفد عليه أخ لقيصر يقال له ثياذوس في طلب الصلح والهدنة لقيصر والروم فسأله بهرام أن يكلم يزدجرد في الاذن له في الانصراف إلى المنذر فانصرف إلى بلاد العرب فأقبل على التنعم والتلذذ فهلك أبو ه يزدجرد وبهرام غائب فتعاقد ناس من العظماء وأهل البيوتات أن لا يملكوا أحدا من ذرية يزدجرد لسوء سيرته وقالوا إن يزدجرد لم يخلف ولدا يحتمل الملك غير بهرام ولم يل بهرام ولاية قط يتلى بها خبره ويعرف بها حاله ولم يتأدب بأدب العجم وإنما أدبه أدب العرب وخلق كخلقهم لنشئه بين أظهرهم واجتمعت كلمتهم وكلمة العامة على صرف الملك عن بهرام إلى رجل من عترة أردشير بن بابك يقال له كسرى ولم يقيموا أن ملكوه فانتهى هلاك يزدجرد والذى كان من تمليكهم كسرى إلى بهرام وهو ببادية العرب فدعا بالمنذر والنعمان ابنه وناس من علية العرب وقال لهم إنى لا أحسبكم تجحدون خصيصى والدى كان أتاكم معشر العرب بإحسانه وإنعامه كان عليكم مع فظاظته وشدته كانت على الفرس وأخبرهم بالذى أتاه من نعى أبيه

[ 504 ]

وتمليك الفرس من ملكوا عن تشاور منهم في ذلك قال المنذر لا يهو لنك ذلك حتى الطف للحيلة فيه وأن المنذر جهز عشرة آلاف رجل من فرسان العرب ووجههم مع ابنه إلى طيسبون وبها أردشير مدينتي الملك وأمره أن يعسكر قريبا منهما ويد من إرسال طلائعه إليهما فإن تحرك أحد لقتاله قاتله وأغار على ما والاهما وأسر وسبى ونهاه عن سفك الدماء فسار النعمان حتى نزل قريبا من المدينتين ووجه طلائعه إليهما واستعظم قتال الفرس وأن من بالباب من العظماء وأهل البيوتات أوفدوا جوانى صاحب رسائل يزدجرد إلى المنذر وكتبوا إليه يعلمونه أمر النعمان فلما ورد جوانى على المنذر وقرأ الكتاب الذى كتب إليه قال له الق الملك بهرام ووجه معه من يوصله إليه فدخل جوانى على بهرام فراعه ما رأى من وسامته وبهائه وأغفل السجود دهشا فعرف بهرام أنه إنما ترك السجود لما راعه من روائه فكلمه بهرام ووعده من نفسه أحسن الوعد ورده إلى المنذر وأرسل إليه أن يجيب في الذى كتب فقال المنذر لجوانى قد تدبرت الكتاب الذى أتيتني به وإنما وجه النعمان إلى ناحيتكم الملك بهرام حيث ملكه الله بعد أبيه وخوله إياكم فلما سمع جوانى مقالة المنذر وتذكر ما عاين من رواء بهرام وهيبته عند نفسه وأن جميع من شاور في صرف الملك عن بهرام مخصوم محجوج قال للمنذر إنى لست مخبرا جوابا ولكن سران رأيت إلى محلة الملوك فيجتمع إليك من بها من العظماء وأهل البيوتات وتشاوروا في ذلك وأت فيه ما يجمل فإنهم لن يخالفوك في شئ مما تشير به فرد المنذر جوانى إلى من أرسله إليه واستعد وسار بعد فصول جوانى من عنده بيوم ببهرام في ثلاثين ألف رجل من فرسان العرب وذوى البأس والنجدة منهم إلى مدينتي الملك حتى إذا وردهما أمر فجمع الناس وجلس بهرام على منبر من ذهب مكلل بجوهر وجلس المنذر عن يمينه وتكلم عظماء الفرس وأهل البيوتات وفرشوا للمنذر بكلامهم فظاظة يزدجرد أبى بهرام كانت وسوء سيرته وأنه أخرب بسوء رأيه الارض وأكثر القتل ظلما حتى قد قتل الناس في البلاد التى كان يملكها وأمروا غير ذلك فظمعة وذكروا أنهم إنما تعاقدوا

[ 505 ]

وتواثقوا على صرف الملك عن ولد يزدجرد لذلك وسألوا المنذر أن لا يجبرهم في أمر الملك على ما يكرهونه فوعى المنذر ما بثوا من ذلك وقال لبهرام أنت أولى باجابة القوم منى فقال بهرام إنى لست أكذبكم معشر المتكلمين في شئ مما نسبتم إليه يزدجرد لما استقر عندي من ذلك ولقد كنت زاريا عليه لسوء هديه ومتنكبا لطريقه ودينه ولم أزل أسأل الله أن يمن على بالملك فأصلح كل ما أفسد وأرأب ما صدع فان أتت لملكى سنة ولم أف لكم بهذه الامور التى عددت لكم تبرأت من الملك طائعا وقد أشهدت بذلك على الله وملائكته وموبذان موبذ وليكن هو فيها حكما بينى وبينكم وأنا مع الذى بينت على ما أعلمكم من رضاى بتمليككم من تناول التاج الزينة من بين أسدين ضاريين مشبلين فهو الملك فلما سمع القوم مقالة بهرام هذه وما وعد من نفسه استبشروا بذلك انبسطت آمالهم وقالوا فيما بينهم إنا لسنا نقدر على رد قول بهرام مع انا ان تممنا على صرف الملك عنه نتخوف أن يكون في ذلك هلاكنا لكثرة من استمد واستجاش من العرب ولكنا نمتحنه بما عرض علينا مما لم يدعه إليه إلا ثقة بقوته وبطشه وجرأته فان يكن على ما وصف به نفسه فليس لنا رأى إلا تسليم الملك إليه والسمع والطاعة له وأن يهلك ضعفا ومعجزة فنحن من هلكته برآء ولشره وغائلته آمنون وتفرقوا على هذا الرأى فعاد بهرام بعد أن تكلم بهذا الكلام وجلس كمجلسه الذى كان فيه بالامس وحضره من كان يحاده فقال لهم إما أن تجيبوني فيما تكلمت أمس وإما أن تسكتوا باخعين لى بالطاعة فقال القوم أما نحن فقد اخترنا لتدبير الملك كسرى ولم نر منه إلا ما نحب ولكنا قد رضينا مع ذلك أن يوضع التاج والزينة كما ذكرت بين أسدين وتتنازعانهما أنت وكسرى فأيكما تناولها من بينهما سلمنا له الملك فرضى بهرام بمقالتهم فاتى بالتاج والزينة موبذان موبذ الموكل كان بعقد التاج على رأس كل ملك يملك فوضعهما في ناحية وجاء بسطام اصبهبذ بأسدين ضاريين مجوعين مشبلين فوقف أحدهما عن جانب الموضع الذى وضع فيه التاج والزينة والآخر بحذائه وأرخى وثاقهما ثم قال بهرام لكسرى دونك التاج

[ 506 ]

والزينة فقال كسرى أنت أولى بالبدء وبتناولهما منى لانك تطلب الملك بوراثة وأنا فيه مغتصب فلم يكره بهرام قوله لثقته كانت ببطشه وقوته وحمل جرزا وتوجه نحو التاج والزينة فقال له موبذان موبذ استماتتك في هذا الامر الذى أقدمت عليه إنما هو تطوع منك لا عن رأى أحد من الفرس ونحن برآء إلى الله من اتلافك نفسك فقال بهرام أنتم من ذلك برآء ولا وزر عليكم فيه ثم أسرع نحو الاسدين فلما رأى موبذان موبذ جده في لقائهما هتف به وقال بح بذنوبك وتب منها ثم أقدم إن كنت لا محالة مقدما فباح بهرام بما سلف من ذنوبه ثم مشى نحو الاسدين فبدر إليه أحدهما فلما دنا من بهرام وثب وثبة فعلا ظهره وعصر جنبى الاسد بفخذيه عصرا أثخنه وجعل يضرب على رأسه بالجرز الذى كان حمل ثم شد الاسد الآخر عليه فقبض على أذنيه وعركهما بكلتى يديه فلم يزل يضرب رأسه برأس الاسد الذى كان راكبه حتى دمغهما ثم قتلهما كليهما على رأسهما بالجرز الذى كان حمله وكان ذلك من صنيعه بمرأى من كسرى ومن حضر ذلك المحفل فتناول بهرام بعد ذلك التاج والزينة فكان كسرى أول من هتف به وقال عمرك الله بهرام الذى من حوله سامعون له مطيعون ورزقه ملك أقاليم الارض السبعة ثم هتف به جميع الحضر وقالوا قد أذعنا للملك بهرام وخضعنا له ورضينا به ملكا وأكثروا الدعاء له وإن العظماء وأهل البيوتات وأصحاب الولايات والوزراء لقوا المنذر بعد ذلك اليوم وسألوه أن يكلم بهرام في التغمد لاساءتهم في أمره والصفح والتجاوز عنهم فكلم المنذر بهرام فيما سألوه من ذلك واستوهبه ما كان احتمل عليهم في نفسه فأسعفه بهرام فيما سأل وبسط آمالهم وان بهرام ملك وهو ابن عشرين سنة وأمر من يومه ذلك أن يلزم رعيته راحة ودعة وجلس للناس بعد ذلك سبعة أيام متوالية يعدهم الخير من نفسه ويأمرهم بتقوى الله وطاعته ثم لم يزل بهرام حيث ملك مؤثرا اللهو على ما سواه حتى كثرت ملامة رعيته إياه على ذلك وطمع من حوله من الملوك في استباحة بلاده والغلبة على ملكه وكان أول من سبق إلى المكاثرة له عليه خاقان ملك الترك فانه غزاه في مائتين وخمسين ألف

[ 507 ]

رجل من الترك فبلغ الفرس اقبال خاقان فيجمع عظيم إلى بلادهم فتعاظمهم ذلك وهالهم ودخل عليه من عظمائهم أناس لهم رأى أصيل وعندهم نظر للعامة فقالوا له انه قدر أزفك أيها الملك من بائقة هذا العدو ما قد شغلك عما أنت عليه من اللهو والتلذذ فتأهب له كيلا يلحقنا منه أمر يلزمك فيه مسبة وعار فقال لهم بهرام إن الله ربنا قوى ونحن أولياؤه ولم يزدد إلا مثابرة على اللهو والتلذذ والصيد وإنه تجهز فسار إلى آذربيجان لينسك في بيت نارها ويتوجه منها إلى أرمينية ويطلب الصيد في آجامها ويلهو في مسيره في سبعة رهط من الغظماء وأهل البيوتات وثلثمائة رجل من رابطته ذوى باس ونجدة واستخلف أخا له يسمى نرسى على ماكان يدبر من ملكه فلم يشك الناس حين بلغهم مسير بهرام فيمن سار واستخلافه أخاه على ما استخلف في أن ذلك هرب من عدوه واسلام لملكه وتآمروا في انفاذ وفد إلى خاقان والاقرار له بالخراج مخافة منه لاستباحة بلادهم واصطلامة مقاتلتهم ان هم لم يذعنوا له بذلك فبلغ خاقان الذى أجمع عليه الفرس من الانقياد والخضوع له فآمن ناحيتهم وأمر جنده بالتورع فاتى بهرام عين كان وجهه لياتيه بخبر خاقان فاخبره بامر خاقان وعزمه فسار إليه بهرام في العدة الذين كانوا معه فبيته وقتل خاقان بيده وأفشى القتل في جنده وانهزم من سلم من القتل منهم ومنحوه أكتافهم وخلفوا عسكرهم وذراريهم وأثقالهم وأمعن بهرام في طلبهم يقتلهم ويحوى ما غنم منهم ويسبي ذراريهم وانصرف وجنده سالمين وظفر بهرام بتاج خاقان وإكليله وغلب على بلاده من بلاد الترك واستعمل على ما غلب عليه منها مرزبانا حباه سريرا من فضة وأتاه أناس من أهل البلاد المتاخمة لما غلب عليه من بلاد الترك خاضعين باخعين له بالطاعة وسألوه أن يعلمهم حد ما بينه وبينهم فلا يتعدوه فحد لهم حدا وأمر فبنيت منارة وهى المنارة التى أمر بها فيروز الملك ابن يزدجرد فقدمت إلى بلاد الترك ووجه بهرام قائدا من قواده إلى ما وراء النهر منهم وأمره بقتالهم فقاتلهم وأثخنهم حتى أقرو البهرام بالعبودية وأداء الجزية وأن بهرام انصرف إلى آذربيجان راجعا إلى محلته من السواد وأمر بما كان في إكليل خاقان من ياقوت أحمر

[ 508 ]

وسائر الجوهر فعلق على بيت نار آذربيجان ثم سارو ورد مدينة طيسبون فنزل دار المملكة بها ثم كتب إلى جنده وعماله بقتله خاقان وما كان من أمره وأمر جنده ثم ولى أخاه نرسى خراسان وأمره أن يسير إليها وينزل بلخ وتقدم إليه بما آراد ثم إن بهرام سار في آخر ملكه إلى ماه للصيد بها فركب ذات يوم للصيد فشد على عيرو أمعن في طلبه فارتطم في جب فغرق فبلع والدته فسارت إلى ذلك الجب بأموال عظيمة وأقامت قريبة منه وأمرت بانفاق تلك الاموال عالى من يخرجه منه فنقلوا من الجب طينا كثيرا وحمئة حتى جمعوا من ذلك آكاما عظاما ولم يقدروا على جثة بهرام وذكر أن بهرام لما انصرف إلى مملكته من غزوة الترك خطب أهل مملكته أياما متوالية حثهم في خطبته على لزوم الطاعة وأعلمهم أن نيته التوسعة عليهم وإيصال الخير إليهم وأنهم إن زالوا عن الاستقامة نالهم من غلظته أكثر مما كان نالهم من أبيه وان أباه كل افتتح أمرهم باللين والمعدلة فجحدوا ذلك أو من جحده منهم ولم يخضعوا له خضوع الخول والعبيد للملوك فاصاره ذلك إلى الغلظة وضرب الابشار وسفك الدماء وان انصراف بهرام من غزوة ذلك كان على طريق آذربيجان وأنه نحل بيت نار الشيز ما كان في أكليل خاقان من اليواقيت والجوهر وسيفا كان لخاقان مفصصا بدر وجوهر وحلية كثيرة وأخدمه خاتون امرأة خاقان ورفع عن الناس الخراج لثلاث سنين شكرا عل مالقى من النصر في وجهه وقسم في الفقراء والمساكين ما لا عظيما وفى البيوتات وذوى الاحساب عشرين ألف ألف درهم وكتب بخبر خاقان إلى الآفاق كتبا يذكر فيها أن الخبر ورد عليه بورود خاقان بلاده وأنه مجد الله وعظمه وتوكل عليه وسار نحوه في سبعة رهط من أهل البيوتات وثلثمائة فارس من نحبة رابطته على طريق آذربيجان وجبل القبق حئى نفذ على برارى خوارزم ومفاوزها فابلاه الله أحسن بلاء وذكر لهم ما وضع عنهم من الخراج وكان كتابه في ذلك كتابا بليغا وقد كان بهرام حين أفضى إليه الملك أمر أن يرفع عن أهل الخراج البقايا التى بقيت عليهم من الخراج فأعلم أن ذلك سبعون ألف ألف درهم فأمر بتركها وبترك

[ 509 ]

ثلث خراج السنة التى ولى فيها وقيل إن بهرام جور لما انصرف إلى طيسبون من مغزاه خاقان النركى ولى نرسى أخاه خراسان وأنزله بلخ واستوزر مهر نرسى ابن برازة وخصه وجعله بزر جفر مذار وأعلمه أنه ماض إلى بلاد الهند ليعرف أخبارها والتلطف لحيازة بعض مملكة أهلها إلى مملكته ليخفف بذلك بعض مؤونة عن أهل مملكته وتقدم إلى بما أراد التقدم إليه فيما خلفه عليه إلى أو ان انصرافه وأنه شخص من مملكته حتى دخل أرض الهند متنكرا مكث بها حينا لا يسأله أحد من أهلها عن شئ من أمره غير ما يرون من فروسيته وقتله السباع وجماله وكمال خلقه ما يعجبون منه فلم يزل كذلك حتى بلغه أن في ناحية من أرضهم فيلا قد قطع السبل وقتل ناسا كثيرا فسأل بعضهم أن يدله عليه ليقتله واننهى أمره إلى الملك فدعا به وأرسل معه رسولا ينصرف إليه بخبره فلما انتهى بهرام والرسول إلى الاجمة التى فيها الفيل رقا الرسول إلى شجرة لينظر إلى صنع بهرام ومضى بهرام ليستخرج الفيل فصاح به فخرج إليه مزبدا وله صوت شديد ومنظر هائل فلما قرب من بهرام رماه رمية وقعت بين عينيه حتى كادت تغيب ووقذه بالنشاب حتى بلغ منه ووثب عليه فأخذه بمشفره فاجتذبه جذبة جثالها الفيل على ركبتيه فلم يزل يطعنه حتى أمكن من نفسه فاختز رأسه وحمله على ظهره حتى أخرجه إلى الطريق ورسول الملك ينظر إليه فلما انصرف الرسول اقتص خبره على الملك فعجب من شدته وجرأته وحباه حباء عظيما واستفهمه أمره فقال له بهرام أنا رجل من عظماء الفرس وكان ملك فارس سخط على في شئ فهربت منه إلى جوارك وكان لذلك الملك عدو قد نازعه ملكه وسار إليه بجنود عظيمة فاشتد وجل الملك صاحب بهرام منه لما كان يعرف من قوته وأراده على الخضوع له وحمل الخراج إليه وهم صاحب بهرام بإجابته إلى ذلك فنهاه بهرام عن ذلك وضمن له كفاية أمره فسكن إلى قوله وخرج بهرام مستعدا له فلما التقواء قال لاساورة الهند احرسوا ظهرى ثم حمل عليهم فجعل يضرب الرجل على رأسه فتنتهي ضربته إلى فمه ويضرب وسط الرجل فيقطعه باثنين ويأتى الفيل فيقذ مشفره بالسيف ويحتمل الفارس عن سرجه والهند

[ 510 ]

قوم لا يحسنون الرمى وأكثرهم رجالة لا دواب لهم وكان بهرام إذا رمى أحدهم أنفذ السهم فيه فلما عاينوا نمه ما عاينوا ولوا منهزمين لا يلوون على شئ وغنم صاحب بهرام ما كان في عسكر عدوه وانصرف محبورا مسرورا ومعه بهرام فكان في مكافأت إياه أن أنكحه ابنته ونحله الديبل ومكران وما يليها من أرض السند وكتب له بذلك كتابا وأشهد له على نفسه شهودا وأمر بتلك البلاد حتى ضمت إلى أرض العجم وحمل خراجها إلى بهرام وانصرف بهرام مسرورا ثم إنه أغزى مهر نرسى بن برازة بلاد الروم في أربعين ألف مقاتل وأمره أن يقصد عظيمها ويناظره في أمر الاتاوة وغيرها مما لم يكن يقوم بمثله الامثل مهر نرسى فتوجه في تلك العدة ودخل القسطنطينية وقام مقاما مشهورا وهادنه عظيم الروم وانصرف بكل الذى أراد بهرام ولم يزل لمهر نرسى مكرما وربما خفف اسمه فقيل نرسى وربما قيل مهر نرسه وهو مهر نرسى بن برازة بن فرخزاذ بن خورهباذ بن سيسفاذ بن سيسنابروه بن كى أشك بن دارا بن دارا بن بهمن ابن اسفنديار بن بشتاسب وكان مهر نرسى معظما عند جميع ملوك فارس بحسن أدبه وجودة آرائه وسكون العامة إليه وكان له أولاد مع ذلك قد قاربوه في القدر وعملوا للملوك من الاعمال ما كادوا يلحقون بمرتبته وان منهم ثلاثة قد كانوا برزوا أحدهم زر واند إذ كان مهر نرسى قصد به للدين والفقه فأدرك من ذلك أمرا عظيما حتى صيره بهرام جور هربذان هربذ مرتبة شبيهة بمرتبة موبذان موبذ وكان يقال للآخر ما جشنس ولم يزل متوليا ديوان الخراج أيام بهرام جور وكان اسم مرتبته بالفارسية راستراى وشانسلان وكان الثالث اسمه كارد صاحب الجيش الاعظم واسم مرتبته بالفارسية اسطران سلان وهذه مرتبة فوق مرتبة الاصبهبذ تقارب مرتبة الارجبذ وكان اسم مهر نرسى بمرتبته بالفارسية بزر جفر مذار وتفسيره بالعربية وزير الوزراء أو رئيس الرؤساء وقيل إنه كان من قرية يقال لها ابروان من رستاق دشبارين من كورة أردشير خرة فابتنى فيه وفى جره من كورة سابور لاتصال ذلك ودشتبارين أبنية رفيعة واتخذ فيها بيت نار هو باق فيما ذكر إلى

[ 511 ]

اليوم وتارة توقد إلى هذه الغاية يقال لها مهر نرسيان واتخذ بالقرب من ابروان أربع قرى وجعل كل واحدة منها بيت نار فجعل واحدا منها لنفسه وسماه فرازمرا آور خذايان وتفسير ذلك اقبلي إلى سيدتي على وجه التعظيم للنار وجعل الآخر لزرا ونداذ وسماه زراونداذان والآخر لكارد وسماه كار داذان والآخر لما جشنس وسماه ما جشنسفان واتخذ في هذه الناحية ثلاث باغات جعل في كل باغ منها اثنى عشر ألف نخلة وفى باغ اثنى عشر ألف أصل زيتون وفى باغ اثنى عشر ألف سروة ولم تزل هذه القرى والباغات وبيوت النيران في يد قوم من ولده معروفين إلى اليوم وإن ذلك فيما ذكر إلى اليوم باق على أحسن حالاته وذكر أن بهرام بعد فراغه من أمر خاقان وأمر ملك الروم مضى إلى بلاد السودان من ناحية اليمن فأوقع بهم فقتل منهم مقتلة عظيمة وسبى منهم خلقا ثم انصرف إلى مملكته ثم كان من أمر هلاكه ما قد وصفت واختلفوا في مدة ملكه فقال بعضهم كان ملكه ثمانى عشرة سنة وعشرة أشهر وعشرين يوما وقال آخرون كان ملكه ثلاثا وعشرين سنة وعشرة أشهر وعشرين يوما * ثم قام بالملك من بعده يزدجرد ابن بهرام جور فلما عقد التاج على رأسه دخل عليه العظماء والاشراف فدعوا له وهنؤوه بالملك فرد عليهم ردا حسنا وذكر أباه ومناقبه وما كان منه إلى الرعية وطول جلوسه كان لها وأعلمهم أنهم إن فقدوا منه مثل الذى كانوا يعهدونه من أبيه فلا ينبغى لهم أن يستنكروه فان خلواته إنما تكون في مصلحة للملكة وكيد للاعداء وأنه قد استوزر مهر نرسى بن برازة صاحب أبيه وأنه سائر فيهم بأحسن السيرة ومستن لهم أفضل السنن ولم يزل قامعا لعدوه رؤفا برعيته وجنوده محسنا إليهم وكان له ابنان يقال لاحدهما هرمز وكان ملكا على سجستان والآخر يقال له فيروز فغلب هرمز على الملك من بعد هلاك أبيه يزدجرد فهرب فيروز منه ولحق ببلاد الهياطلة وأخبر ملكها بقصته وقصة

[ 512 ]

هرمز أخيه وانه أولى بالملك منه وسأله ان يمده بجيش يقاتل بهم هرمز ويحتوى على ملك أبيه فأبى ملك الهياطلة أن يجيبه إلى ما سأل من ذلك حتى أخبر أن هرمز ملك ظلوم جائر فقال ملك الهياطلة إن الجور لا يرضاه الله ولا يصلح عمل أهله ولا يستطاع أن ينتصف ويحترف في ملك الملك الجائر إلا بالجور والظلم فأمد فيروز بعد أن دفع إليه الطالقان بحيش فأقبل بهم وقاتل هرمز أخاه فقتله وشتت جمعه وغلب على الملك وكان الروم التاثوا على يزدجرد بن بهرام في الخراج الذى كانوا يحملونه إلى أبيه فوجه إليهم مهر نرسى بن برازة في مثل العدة التى كان بهرام وجهه إليهم عليها فبلغ له إرادته وكان ملك يزدجرد ثمانى عشرة سنة وأربعة أشهر في قول بعضهم وفى قول آخرين سبع عشرة سنة * ثم ملك فيروز ابن بزدجرد بن بهرام جور بعد أن قتل أخاه وثلاثة نفر من أهل بيته وحدثت عن هشام بن محمد قال استعد فيروز من خراسان واستنجد بأهل طخارستان وما يليها وسار إلى أخيه هرمز بن يزدجرد وهو بالرى وكانت أمهما واحدة واسمها دينك وكانت بالمدائن تدبر ما يليها من الملك فظفر فيروز بأخيه فحبسه وأظهر العدل وحسن السيرة وكان يتدين وقحط الناس في زمانه سبع سنين فأحسن تدبير الامر حتى قسم ما في بيوت الاموال وكف عن الجباية وساسهم أحسن السياسة فلم يهلك في تلك السنين أحد ضياعا إلا رجل واحد وسار إلى قوم كانوا قد غلبوا على طخارستان يقال لهم الهياطلة وقد كان قواهم في أول ملكه لمعونتهم إياه على أخيه وكانوا فيما زعموا يعملون عمل قوم لوط فلم يستحل ترك البلاد في أيديهم فقاتلهم فقتلوه في المعركة وأربعة بنين له وأربعة إخوة كلهم كان يتسمى بالملك وغلبوا على عامة خراسان حتى سار إليهم رجل من أهل فارس يقال له سوخرا من أهل شيراز وكان فيهم عظيما فخرج فيمن تبعه شبه المحتسب المتطوع حتى لقى صاحب الهياطلة فأخرجه من بلاد خراسان فافترقا على الصلح ورد ما لم يضع مما في عسكر فيروز من الاسراء والسبي وملك سبعا وعشرين سنة * وقال غير

[ 513 ]

هشام من أهل الاخبار كان فيروز ملكا محدودا محار فامشؤما على رعيته وكان جل قوله وفعله فيما هو ضرر وآفة عليه وعلى أهل مملكته وان البلاد قحطت في ملكه سبع سنين متوالية فغارت الانهار والقنى والعيون وقحلت الاشجار والغياض وهاجت عامة الزروع والآجام في السهل والجبل من بلاده وموتت فيها الطير والوحوش وجاعت الانعام والدواب حتى كانت لا تقدر أن تحمل حمولة وقل ماء دجلة وعم أهل بلاده اللزبات والمجاعة والجهد والشدائد فكتب إلى جميع رعيته يعلمهم أنه لا خراج عليهم ولا جزية ولا نائبة ولا سحرة وأن قد ملكهم أنفسهم ويأمرهم بالسعي فيما يقوتهم ويقيمهم ثم أعاد الكتاب إليهم في إخراج كل من كان له منهم مطمورة أو هرى أو طعام أو غيره مما يقوت الناس والتآسى فيه وترك الاستئثار فيه وأن يكون حال أهل الغنى والفقر وأهل الشرف والضعة في التأسى واحدا وأخبرهم أنه إن بلغه أن إنسيا مات جوعا عاقب أهل المدينة أو أهل القرية أو الموضع الذى يموت فيه ذلك الانسى جوعا ونكل بهم أشد النكال فساس فيروز رعيته في تلك اللزبة والمجاعة سياسة لم يعطب أحد منهم جوعا ما خلا رجلا واحدا من رستاق كورة اردشير خرة يدعى بديه فتعظم ذلك عظماء الفرس وجميع أهل أردشير خرة وفيروز وأنه ابتهل إلى ربه في نشر رحمته له ولرعيته وإنزال غيثه عليهم فأغاثه الله وعادت بلاده في كثرة المياه على ما كانت تكون عليه وصلحت الاشجار وأن فيروز أمر فبنيت بالرى مدينة سماها رام فيروز وفيما بين جرجان وباب صول مدينة وسماها روشن فيروز وبناحية آذربيجان مدينة وسماها شهرام فيروز ولما حييت بلاد فيروز واستوثق له الملك وأثخن في أعدائه وقهرهم وفرغ من بناء هذه المدن الثلاث سار بجنوده نحو خراسان مريدا حرب اخشنوار ملك الهياطلة فلما بلغ اخشنوار خبره اشتد منه رعبه فذكر أن رجلا من أصحاب اخشنوار بذل له نفسه وقال له اقطع يدى ورجلي وألقنى على طريق فيروز وأحسن إلى ولدى وعيالي يريد بذلك فيما ذكر الاحتيال لفيروز ففعل ذلك اخشنوار بذلك الرجل وألقاه على طريق فيروز فلما مر به أنكر

[ 514 ]

حاله وسأله عن أمره فأخبره أن اخشنوار فعل ذلك به لانه قال له لاقوام لك بفيروز وجنود الفرس فرق له فيروز ورحمه وأمر يحمله معه فأعلمه على وجه النصح منه له فيما زعم أنه يدله وأصحابه على طريق مختصر لم يدخل إلى ملك الهياطلة منه أحد فاغتر فيروز بذلك منه وأخذ بالقوم في الطريق الذى ذكره له الاقطع فلم يزل يقطع بهم مفازة بعد مفازة فكلما شكوا عطشا أعلمهم انهم قد قربوا من الماء ومن قطع المفازه حتى إذا بلغ بهم موضعا علم أنهم لا يقدرون فيه على تقدم ولا تأخر بين لهم أمره فقال أصحاب فيروز قد كنا حذر ناك هذا أيها الملك فلم تحذر فاما الآن فلا بد من المضى قدما حتى نوا في القوم على الحالات كلها فمضوا لوجوههم وقتل العطش أكثرهم وصار فيروز بمن نجا معه إلى عدوهم فلما أشرفوا عليهم على الحال التى هم فيها دعوا اخشنوار إلى الصلح على أن يخلى سبيلهم حتى ينصرفوا إلى بلادهم على أن يجعل فيروز له عهد الله وميثاقه أن لا يغزوهم ولا يروم أرضهم ولا يبعث إليهم جندا يقاتلونهم ويجعل بين مملكتهما حدا لا يجوزه فرضى اخشنوار بذلك وكتب له به فيروز كتابا مختوما وأشهد له على نفسه شهودا ثم خلى سبيله وانصرف فلما صار إلى مملكته حمله الانف والحمية على معاودة اخشنوار فغزاه بعد أنه نهاه وزراؤه وخاصته عن ذلك لما فيه من نقض العهد فلم يقبل مهم وأبى إلا ركوب رأيه وكان فيمن نهاه عن ذلك رجل كان يخصه ويجتبى رأيه يقال له مزدبوذ فلما رأى مزدبوذ لجاجته كتب ما دار بينهما في صحيفة وسأله الختم عليها ومضى فيروز لوجهه نحو بلاد اخشنوار وقد كان اخشنوار حفر خند قابينه وبين بلاد فيروز عظيما فلما انتهى إليه فيروز عقد عليه القناطر ونصب عليها رايات جعلها أعلاما له ولاصحابه في انصرافهم وجاز إلى القوم فلما التق معسكرهم احتج عليه اخشنوار بالكتاب الذى كتبه له ووعظه بعهده وميثاقه فأبى فيروز إلا لجاجا ومحكا وتواقفا فكلم كل واحد منهما صاحبه كلاما طويلا ونشبت بينهما بعد ذلك الحرب وأصحاب فيروز على فتور من أمرهم للعهد الذى كان بينهم وبين الهياطلة وأخرج اخشنوار الصحيفة التى كتبها له فيروز فرفعها على رمح وقال اللهم خذ

[ 515 ]

بما في هذا الكتاب فانهزم فيروز وسها عن موضع الرايات وسقط في الخندق فهلك وأخذ اخشنوار أثقال فيروز ونساءه وأمواله ودواوينه وأصاب جند فارس شئ لم يصبهم مثله قط وكان بسجستان رجل من أهل كورة أردشير خرة من الاعاجم ذو علم وباس وبطش يقال له سوخرا ومعه جماعة من الاساورة فلما بلغه خبر فيروز ركب من ليلته فأغذ السير حتى انتهى إلى اخشنوار فأرسل إليه وآذنه بالحرب وتوعده بالجائحة والبوار فبعث إليه اخشنوار جيشا عظيما فلما التقوا ركب إليهم سوخرا فوجدهم مدلين فيقال إنه رمى بعض من ورد عليه منهم رمية فوقعت بين عينى فرسه حتى كادت النشابة تغيب في رأسه فسقط الفرس وتمكن سوخرا من راكبه فاستبقاه وقال له انصرف إلى صاحبك فأخبره بما رأيت فانصرفوا إلى اخشنوار وحملوا الفرس معهم فلما رأى أثر الرمية بهت وأرسل إلى سوخرا أن سل حاجتك فقال له حاجتى أن ترد على الديوان وتطلق الاسرى ففعل ذلك فلما صار الديوان في يده واستنقذ الاسرى استخرج من الديوان بيوت الاموال التى كانت مع فيروز فكتب إلى اخشنوار أنه غير منصرف إلا بها فلما تبين الجد افتدى نفسه وانصرف سوخرا بعد استنقاذ الاسارى وأخذ الديوان وارتجاع الاموال وجميع ما كان مع فيرور من خزائنه إلى أرض فارس فلما صار إلى الاعاجم شرفوه وعظموا أمره وبلغو به من المنزلة ما لم يكن بعده إلا الملك وهو سوخرا بن ويسابور بن زهان بن نرسى بن ويسابور بن قارن بن كروان بن أبيد بن أو بيد بن تيرويه بن كردنك بن ناور بن طوس بن نودكا بن منشور بن نودر بن منوشهر * وذكر بعض أهل العلم بأخبار الفرس من خبر فيروز وخبر اخشنوار نحوا مما ذكرت غير أنه ذكر أن فيروز لما خرج متوجها إلى اخشنوار استخلف على مدينة طيسون ومدينة بهر سير وكانتا محلة الملوك سوخرا هذا قال وكان يقال لمرتبته قارن وكان يلى معهما سجستان وأن فيروز لما بلغ منارة كان بهرام جور ابتناها فيما بين تخوم بلاد خراسان وبلاد الترك لئلا يجوزها الترك إلى خراسان لميثاق

[ 516 ]

كان بين الترك والفرس على ترك الفريقين التعدي لها وكان فيروز عاهد اخشنوار أن لا يجاوزها إلى بلاد الهياطلة أمر فيروز فضمد فيها خمسون فيلا وثلثمائة رجل فجرت أمامه جرا واتبعها أراد بذلك زعم الوفاء لا خشنوار بما عاهده عليه فبلغ اخشنوار ما كان من فيروز في أمر تلك المنارة فأرسل إليه يقول انته يا فيروز عما انتهى عنه أسلافك ولا تقدم على ما لم يقدموا عليه فلم يحفل فيروز بقوله ولم تكرثه رسالته وجعل يستطعم محاربة اخشنوار ويدعوه إليها وجعل اخشنوار يمتنع من محاربته ويستكرهها لان جل محاربة الترك انما هو بالخداع والمكر والمكايدة وأن اخشنوار أمر فحفر خلف عسكره خندق عرضه عشرة أذرغ وعمقه عشرون ذراعا وغمى بخشب ضعاف وألقى عليه ترابا ثم ارتحل في جنده فمضى غير بعيد فبلغ فيروز رحلة اخشنوار بجنده من عسكره فلم يشك في أن ذلك منهم انكشاف وهرب فأمر بضرب الطبول وركب في جنده في طلب اخشنوار وأصحابه فاغذوا السير وكان مسلكهم على ذلك الخندق فلما بلغوه أقحموا على غمائه فتردى فيها فيروز وعامة جنده وهلكوا من عنده آخرهم وأن اخشنوار عطف على عسكر فيروز فاحتوى على كل شئ فيه وأسر موبذان موبذو صارت فيروزدخت ابنة فيروز فيمن صار في يده من نساء فيروز وأمر اخشنوار فاستخرجت جثة فيروز وجثة كل من سقط معه في ذلك الخندق فوضعت في النواويس ودعا اخشنوار فيروز دخت إلى أن يباشرها فأبت عليه وأن خبر هلاك فيروز سقط إلى بلاد فارس فارتجوا له وفزعوا حتى إذا استقرت حقيقة خبره عند سوخرا تأهب وسار في عظم من كان قبله من الجند إلى بلاد الهياطلة فلما بلغ جرجان بلغ اخشنوار خبر مسيره لمحاربته فاستعدو أقبل متلقيا له وأرسل إليه يستخبره عن خبره ويسأله عن اسمه ومرتبته‍ * فأرسل أنه رجل يقال له سوخرا ولمريبته قارن وأنه إنما سار إليه لينتقم منه لفيروز فارسل إليه اخشنوار يقول إن سبيلك في الامر الذى قدمت له كسبيل فيروز إذ لم يعقبه في كثرة جنوده من محاربته إياى إلا الهلكة والبوار فلم ينهنه سوخرا قول اخشنوار ولم يعبا به

[ 517 ]

وامر جنوده فاستعدوا وتسلحوا وزحف إلى اخشنوار لشدة اقدامه وحدة قلبه فطلب موادعته وصلحه فلم يقبل منه سوخرا صلحا دون أن يصير في يده كل شئ صار عنده من عسكر فيروز فسلم اخشنوار إليه ما أصاب من أموال فيروز وخزائنه ومرابطه ونسائه وفيهن فيروز دخت ودفع إليه موبذان موبذوكل أحد كان عنده من عظماء الفرس فانصرف سوخرا بذلك كله إلى بلاد الفرس واختلف في مدة ملك فيروز فقال بعضم كانت ستا وعشرين سنة وقال آخرون كانت إحدى وعشرين سنة ذكر ما كان من الاحداث في أيام يزدجرد بن بهرام وفيروز بين عمالهما على العرب وأهل اليمن حدثت عن هشام بن محمد قال كان يخدم الملوك من حمير في زمان ملكهم أبناء الاشراف من حمير وغيرهم من القبائل فكان ممن يخدم حسان بن تبع عمرو ابن حجر الكندى وكان سيد كندة في زمانه فلما سار حسان بن تبع إلى جديس خلفه على بعض أموره فلما قتل عمرو بن تبع أخاه حسان بن تبع وملك مكانه اصطنع عمرو بن حجر الكندى وكان ذا رأى ونبل وكان مما أراد عمرو اكرامه به وتصغير بنى أخيه حسان أن زوجه ابنة حسان بن تبع فتكلمت في ذلك حمير وكان عندهم من الاحداث التى ابتلوا بها لانه لم يكن يطمع في التزويج إلى أهل ذلك البيت أحد من العرب وولدت ابنة حسان بن تبع لعمرو بن حجر الحارث ابن عمرو وملك بعد عمرو بن تبع عبد كلال بن مثوب وذلك أن ولد حسان كانوا صغارا إلا ما كان من تبع بن حسان فإن الجن استهامته فأخذ الملك عبد كلال بن مثوب مخافة أن يطمع في الملك غير أهل بيت المملكة فوليه بسن وتجربة وسياسة حسنة وكان فيما ذكروا على دين النصرانية الاولى وكان يسر ذلك من قومه وكان الذى دعاه إليه رجل من غسان قدم عليه من الشأم فوثبت حمير بالغسانى فقتلته فرجع تبع بن حسان من استهامة الجن إياه صحيحا وهو أعلم الناس بنجم وأعقل

[ 518 ]

من يعلم في زمانه وأكثره حديثا عما كان قبله وما يكون في الزمان بعده فملك تبع ابن حسان بن تبع بن ملكيكرب بن تبع الاقرن فهابته حمير والعرب هيبة شديدة فبعث بابن أخته الحارث بن عمرو بن حجر الكندى في جيش عظيم إلى بلاد معد والحيره وما والاها فسار إلى النعمان بن امرئ القيس ابن الشقيقة فقاتله فقتل النعمان وعدة من أهل بيته وهزم أصحابه وأفلته المنذر بن النعمان الاكبر وأمه ماء لسماء امرأة من النمر فذهب ملك آل النعمان وملك الحارث بن عمرو الكندى ما كانوا يملكون وقال هشام ملك بعد النعمان ابنه المنذر بن النعمان وأمه هند ابنة زيد مناة بن زيد الله بن عمر الغساني أربعا وأربعين سنة من ذلك في زمن بهرام جور بن يزجرد ثمانى سنين وتسعة أشهر وفى زمن يزدجرد بن بهرام ثمانى عشرة سنة وفى زمن فيروز بن يزدجرد سبع عشرة سنة ثم ملك بعده ابنه الاسود ابن المنذر وأمه هرابنة النعمان من بنى الهيجمانة ابنة عمرو بن أبى ربيعة بن ذهل ابن شيبان وهو الذى أسرته فارس عشرين سنة من ذلك في زمن فيروز بن يزدجرد عشر سنين وفى زمن بلاش بن يزدجرد أربع سنين وفى زمن قباذ بن فيروز ست سنين (ثم قام بالملك) بعد فيروز بن يزدجرد ابنه بلاش ابن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور وكان قباذ أخوه قد نازعه الملك فغلب بلاش وهرب قباذ إلى خاقان ملك الترك يسأله المعونة والمدد فلما عقد التاج لبلاش على رأسه اجتمع إليه العظماء والاشراف فهنؤه ودعوا له وسألوه أن يكافئ سوخرا بما كان منه فخصه وأكرمه وحباه ولم يزل بلاش حسن السيرة حريصا على العمارة وكان بلغ من حسن نظره أنه كان لا يبلغه أن بيتا خرب وجلا أهله عنه إلا عاقب صاحب القرية التى فيها ذلك البيت على تركه انتعاشهم وسد فاقتهم حتى لا يضطروا إلى الجلاء عن أوطانهم وبنى بالسواد مدينة سماها بلاشاواذ وهى مدينة ساباط التى بقرب المدائن وكان ملكه أربع سنين * ثم ملك

[ 519 ]

قباذ ابن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور وكان قباذ قبل أن يصير الملك إليه قد سار إلى خاقان مستنصرا به على أخيه بلاش فمر في طريقه بحدود نيسابور ومعه جماعة يسيرة ممن شايعه على الشخوص متنكرين وفيهم زرمهر بن سوخرا فتاقت نفس قباذ إلى الجماع فشكا ذلك إلى زرمهر وسأله أن يلتمس له امرأة ذات حسب ففعل ذلك وصار إلى امرأة صاحب منزله وكان رجلا من الاساورة وكانت له ابنة بكر فائقة في الجمال فتنصح لها في ابنتها وأشار عليها أن تبعث بها إلى قباذ فاعلمت ذلك زوجها ولم يزل زرمهر يرغب المرأة وزوجها ويشير عليهما بما يرغبهما فيه حتى فعلا وصارت الابنة إلى قباذ واسمها نيوندخت فغشيها قباذ في تلك الليلة فحملت أنو شروان فامر لها بجائزة حسنة وحباها حباء جزيلا وقيل إن أم تلك الجارية سألتها عن هيئة قباذ وحاله فأعلمتها أنها لا تعرف من ذلك غير أنها رأت سراويله منسوجا بالذهب فعلمت أمها أنه من أبناء الملوك وسرها ذلك ومضى قباذ إلى خاقان فلما وصل إليه أعلمه أنه ابن ملك فارس وأن أخاه ضاده في الملك وغلبه وأنه أتاه يستنصره فوعده أحسن العدة ومكث قباذ عند خاقان أربع سنين يدافعه بما وعده فلما طال الامر على قباذ أرسل إلى امرأة خاقان يسألها أن تتخذه ولدا وأن تكلم فيه زوجها وتسأله انجاز عدته ففعلت ولم تزل تحمل على خاقان حتى وجه مع قباذ جيشا فلما انصرف قباذ بذلك الجيش وصار في ناحية نيسابور سأل الرجل الذى كان أتاه بالجارية عن أمرها فاستخبر ذلك من أمها فأخبرته أنها قد ولدت غلاما فأمر قباذان يؤتى بها فاتته ومعها أنو شروان تقوده بيدها فلما دخلت عليه سألها عن قصة الغلام فأخبرته أنه ابنه وإذا هو قد نزع إليه في صورته وجماله ويقال إن الخبر ورد عليه في ذلك الموضع بهلاك بلاش فتيمن بالمولود وأمر بحمله وحمل أمه على مراكب نساء الملوك فلما صار إلى المدائن واستوثق له أمر الملك خص سوخرا وفوض إليه أمره وشكر له ما كان من خدمة ابنه إياه ووجه الجنود إلى الاطراف ففتكوا في

[ 520 ]

الاعداء وسبوا سبايا كثيرة وبنى بين الاهواز وفارس مدينة الرجان وبنى أيضا مدينة حلوان وبنى بكورة أردشير خرة في ناحية كارزين مدينة يقال لها قباذ خرة وذلك سوى مدائن وقرى أنشأها وسوى أنهار احتفرها وجسور عقدها فلما مضت أكثر أيامه وتولى سوخرا تدبير ملكه وسياسة أموره مال الناس عليه وعاملوه واستخفوا بقباذ وتهاونوا بأمره فلما احتنك لم يحتمل ذلك ولم يرض به وكتب إلى سابور الرازي الذى يقال للبيت الذى هو منه مهران وكان إصبهبذ البلاد في القدوم عليه في من قبله من الجند فقدم سابور بهم عليه فواصفه قباذ حالة سوخرا وأمره بأمره فيه فغدا سابور على قباذ فوجد عنده سوخرا جالسا فمضى نحو قباذ متجاوزا له متغافلا لسوخرا فلم يأبه سوخرا لذلك من أرب سابور حتى القى وهقا كان معه في عنقه ثم اجتذبه فاخرجه فأوثقه واستودعه السجن فحينئذ قيل نقصت ريح سوخرا وهبت لمهران ريح وذهب ذلك مثلا وأن قباذ أمر بعد ذلك بقتل سوخرا فقتل وأنه لما مضى لملك قباذ عشر سنين اجتمعت كلمة موبذان موبذ والعظماء على إزالته عن ملكه فازالوه عنه وحبسوه لمتابعته لرجل يقال له مزدك مع أصحاب له قالوا إن الله إنما جعل الارزاق في الارض ليقسمها العبد بينهم بالتآسى ولكن الناس تظالموا فيها وزعموا أنهم يأخذون للفقراء من الاغنياء ويردون من المكثرين على المقلين وأنه من كان عنده فضل من الاموال والنساء والامتعة فليس هو بأولى به من غيره فافترص السفلة ذلك واغتنموه وكانفوا مزدك وأصحابه وشايعوهم فابتلى الناس بهم وقوى أمرهم حتى كانوا يدخلون على الرجل في داره فيغلبونه على منزله ونسائه وأمواله لا يستطيع الامتناع منهم وحملوا قباذ على تزيين ذلك وتوعدوه بخلعه فلم يلبثوا إلا قليلا حتى صاروا لا يعرف الرجل منهم ولده ولا المولود أباه ولا يملك الرجل شيئا مما يتسع به وصيروا قباذ في مكان لا يصل إليه أحد سواهم وجعلوا أخا له قال له جاماسب مكانه وقالوا لقباذ إنك قد أثمت فيما عملت به فيما مضى وليس يطهرك من ذلك إلا إباحة نسائك وأرادوه على أن يدفع

[ 521 ]

إليهم نفسه فيذبحوه ويجعلوه قربانا للنار فلما رأى ذلك زرمهر بن سوخر اخرج بمن شايعه من الاشراف باذلا نفسه فقتل من المزدكية ناسا كثيرا وأعاد قباذ إلى ملكه وطرح أخاه جاماسب ثم لم يزل المزدكية بعد ذلك إنما يحرشون قباذ على زرمهر حتى قتله ولم يزل قباذ من خيار ملوكهم حتى حمله مزدك على ما حمله عليه فانتشرت الاطراف وفسدت الثغور * وذكر بعض أهل العلم بأخبار الفرس أن العظماء من الفرس هم حبسوا قباذ حين اتبع مزدك وشايعه على ما دعاه إليه من أمره وملكوا مكانه أخاه جاماسب بن فيروز وأن أختا لقباذ أتت الحبس الذى كان فيه قباذ محبوسا فحاولت الدخول عليه فمنعها إياه الرجل الموكل كان بالحبس ومن فيه وطمع الرجل أن يفضحها بذلك السبب وألقى إليها طمعه فيها فاخبرته أنها غير مخالفته في شئ مما يهوى منها فأذن لها فدخلت السجن فأقامت عند قباذ يوما وأمرت فلف قباذ في بساط من البسط التى كانت معه في الحبس وحمل على غلام من غلمانه قوى ضابط وأخرج من الحبس فلما مر الغلام بوالى الحبس سأله عما كان حامله فأفحم واتبعته أخت قباذ فأخبرته أنه فراش كانت افترشته في عراكها وأنها إنما خرجت لتتطهر وتنصرف فصدفها الرجل ولم يمس البساط ولم يدن منه استقذارا له وخلى عن الغلام الحامل لقباذ فمضى بقباذ ومضت على أثره وهرب قباذ فلحق بأرض الهيا طلة ليستمد ملكها ويستجيشه فيحارب من خالفه وخلعه وأنه نزل في مبدئه إليها بأبر شهر برجل من عظماء أهلها له ابنة معصر وأن نكاحه أم كسرى أنو شروان وإن كان في سفره هذا وأن قباذ رجع من سفره ذلك معه ابنه أنو شروان وأمه فغلب أخاه جاماسب على ملكه بعد أن ملك أخوه جاماسب ست سنين وأن قباذ غزا بعد ذلك بلاد الروم وافتتح منها مدينة من مدن الجزيرة تدعى آمد وسبى أهلها وأمر فبنيت في حد ما بين فارس وأرض الاهواز ومدينة وسماها رام قباذ وهى التى تسمى بر مقباذ وتدعى أيضا أرجان وكور كورة وجعل لها رساتيق من كورة سرق وكورة رام هرمز وملك قباذ ابنه كسرى وكتب له بذلك كتابا وختمه بخاتمه فلما هلك قباذ وكان

[ 522 ]

ملكه بسنى ملك أخيه جاماسب ثلاثا وأربعين سنة فنفذ كسرى ما أمر به قباذ من ذلك ذكر ما ذكر من الحوادث التى كانت بين العرب في أيام قباذ في مملكته وإلى عماله وحدثت عن هشام بن محمد قال لما لقى الحارث بن عمرو بن حجر بن عدى الكندى النعمان بن المنذر بن امرئ القيس بن الشقيقة فقتله وأفلته المنذر بن النعمان الاكبر وملك الحارث بن عمرو الكندى ما كان يملك بعث قباذ بن فيروز ملك فارس إلى الحارث بن عمرو الكندى أنه قد كان بيننا وبين الملك الذى قد كان قبلك عهد وإنى أحب أن ألقاك وكان قباذ زنديقا يظهر الخير ويكره الدماء ويدارى أعداءه فيما يكره من سفك الدماء وكثرت الاهواء في زمانه واستضعفه الناس فخرج إليه الحارث بن عمرو الكندى في عدد وعدة حتى التقوا بقنطرة الفيوم فأمر قباذ بطبق من تمر فنزع نواه وأمر بطبق فجعل فيه تمر فيه نواه ثم وضعا بين أيديهما فجعل الذى فيه النوى يلى الحارث بن عمرو والذى لا نوى فيه يلى قباذ فجعل الحارث يأكل التمر ويلقى النوى وجعل قباذ يأكل ما يليه وقال للحارث مالك لا تأكل مثل ما آكل فقال إنما يأكل النوى إبلنا وغنمنا وعلم أن قباذ يهزأ به ثم اصطلحا على أن يورد الحارث بن عمرو ومن أحب من أصحابه خيولهم الفرات إلى ألبابها ولا يجاوزوا أكثر من ذلك فلما رأى الحارث ما عليه قباذ بن الضعف طمع في السواد فأمر أصحاب مسالحه أن يقطعوا الفرات فيغيروا في السواد فأتى قباذ الصريح وهو بالمدائن فقال هذا من تحت كنف ملكهم ثم أرسل إلى الحارث بن عمرو أن لصوصا من لصوص العرب قد أغاروا وأنه يحب لقاءه فلقبيه فقال له قباذ لقد صنعت صنيعا ما صنعه أحد قبلك فقال له الحارث ما فعلت ولا شعرت ولكنها لصوص من لصوص العرب ولا أستطيع ضبط العرب إلا بالمال والجنود قال له قباذ فما الذى تريد قال أريد

[ 523 ]

أن تطعمني من السواد ما أتخذ به سلاحا فامر له بما يلى جانب العرب من أسفل الفرات وهى ستة طساسيج فارسل الحارث بن عمرو الكندى إلى تبع وهو باليمن إنى قد طمعت في ملك الاعاجم وقد أخذت منه ستة طساسيج فاجمع الجنود وأقبل فإنه ليس دون ملكهم شئ لان الملك لا يأكل اللحم ولا يستحل هراقة الدماء لانه زنديق فجمع تبع الجنود وسار حتى نزل الحيرة وقرب من الفرات فآذاه البق فامر الحارث بن عمرو أن يشق له نهرا إلى النجف ففعل وهو نهر الحيرة فنزل عليه ووجه ابن أخيه شمرا ذا الجناح إلى قباذ فقاتله فهزمه شمر حتى لحق بالرى ثم أدركه بها فقتله وأمضى تبع شمرا ذا الجناح إلى خراسان ووجه تبع ابنه حسان إلى الصغد وقال أيكما سبق إلى الصين فهو عليها وكان كل واحد منهما في جيش عظيم يقال كانا في ستمائة ألف وأربعين ألفا وبعث ابن أخيه يعفر إلى الروم وهو الذى يقول: يا صاح عجبك للداهيه * لحمير إذ نزلوا الجابيه ثمانون ألف روايا همو * لكل ثمانية راويه فسار يعفر حتى أتى القسطنطينية فأعطوه الطاعة والاتاوة ثم مضى إلى رومية وبينهما مسيرة أربعة أشهر فحاصرها وأصاب من معه جوع ووقع فيهم طاعون فرقوا فأبصرهم الروم ومالقوا فوثبوا عليهم فقتلوهم فلم يفلت منهم أحد وسار شمر ذو الجناح حتى أتى سمرقند فحاصرها فلم يظفر بشئ منها فلما رأى ذلك أطاف بالحرس حتى أخذ رجلا من أهلها فسأله عن المدينة وملكها فقال له أما ملكها فأحمق الناس ليس له هم إلا الشراب والاكل وله ابنة هي التى تقضى أمر الناس فبعث معه بهدية إليها فقال له أخبرها أنى إنما جئت من أرض العرب للذى بلغني من عقلها لتنكحني نفسها فأصيب منها غلاما يملك العجم والعرب وأنى لم أجئ ألتمس المال وأن معى أربعة آلاف تابوت من ذهب وفضة ههنا فأنا أدفعها إليها وأمضى إلى الصين فإن كانت لى الارض كانت امرأتي وإن هلكت كان ذلك المال لها فلما أنهيت إليها رسالته قالت قد أجبته فليبعث بما ذكر فأرسل إليها

[ 524 ]

أربعة آلاف تابوت في كل تابوت رجلان فكان لسمرقند أربعة أبو اب على كل باب منها أربعة آلاف رجل وجعل العلامة بينه وبينهم أن يضرب لهم بالجلجل وتقدم في ذلك إلى رسله الذين وجه معهم فلما صاروا في المدينة ضرب لهم بالجلجل فخرجوا فأخذوا بالابواب ونهد شمر في الناس فدخل المدينة فقتل أهلها وحوى ما فيها ثم سار إلى الصين فلقى زحوف الترك فهزمهم ومضى إلى الصين فوجد حسان بن تبع قد كان سبقه إليها بثلاث سنين فأقاما بها فيما ذكر بعض الناس حتى ماتا وكان مقامهما إحدى وعشرين سنة قال وقال من زعم أنهما أقاما بالصين حتى هلكا إن تبعا جعل المنار فيما بينه وبينهم فكان إذا حدث حدث أو قدوا النار بالليل فأتى الخبر في ليلة وجعل آية ما بينه وبينهم أن إذا أو قدت نارين من عندي فهو هلاك يعفر وإن أو قدت ثلاثا فهو هلاك تبع وإن كانت من عندهم نار فهو هلاك حسان وإن كانت نارين فهو هلاكهما فمكثوا بذلك ثم إنه أو قد نارين فكان هلاك يعفر ثم أو قد ثلاثا فكان هلاك تبع قال وأما الحديث المجتمع عليه فان شمر أو حسان انصرفا في الطريق الذى كانا أخذا فيه حيث أبدآ حتى قدما على تبع بما حازا من الاموال بالصين وصنوف الجوهر والطيب والسبي ثم انصرفوا جميعا إلى بلادهم وسار تبع حتى قدم مكة فنزل بالشعب من المطابخ وكانت وفاة تبع باليمن فلم يخرج أحد من ملوك اليمن بعده عنها غازيا إلى شئ من البلاد وكان ملكه مائة واحدى وعشرين سنة قال ويقال إنه كان دخل في دين اليهود للاحبار الذين كانوا خرجوا من يثرب مع تبع إلى مكة عدة كثيرة قال ويقولون إن علم كعب الاحبار كان من بقية ما أورثت تلك الاحبار وكان كعب الاحبار رجلا من حمير * وأما ابن اسحاق فانه ذكر أن الذى سار إلى المشرق من التبابعة تبع الآخر وأنه تبع تبان أسعد أبو كرب بن ملكيكرب بن زيد بن عمرو ذى الاذعار وهو أبو حسان حدثنا بذلك ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه * ثم ملك

[ 525 ]

كسرى أنوشروان ابن قباذ بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور فلما ملك كتب إلى أربعة فإذ وسبانين كان كل واحد منهم على ناحية من نواحى بلاد فارس ومن قبلهم كتبا نسخة كتابه منها إلى فاذوسبان آذربيجان بسم الله الرحمن الرحيم من الملك كسرى ابن قباذ إلى وارى بن النخيرجان فاذوسبان آذربيجان وأرمينية وحيزها ودنباوند وطبرستان وحيزها ومن قبله سلام فان أحرى ما استوحش له الناس فقد من تخوفوا في فقدهم إياه زوال النعم ووقوع الفتن وحلول المكاره بالافضل فالافضل منهم في نفسه أو حشمه أو ماله أو كريمه وإنا لا نعلم وحشة ولا فقد شئ أجل رزيئة عند العامة ولا أحرى أن تعم به البلية من فقد ملك صالح وأن كسرى لما استحكم له الملك أبطل ملة رجل منافق من أهل فسا يقال له زرأذشث بن خركان ابتدعها في المجوسية فتابعه الناس على بدعته تلك وفاق أمره فيها وكان ممن دعا العامة إليها رجل من أهل مذرية يقال له مزدق بن بامداذ وكان مما أمر به الناس وزينه لهم وحثهم عليه التأسى في أموالهم وأهليهم وذكر أن ذلك من البر الذى يرضاه الله ويثيب عليه أحسن الثواب وأنه لو لم يكن الذى أمرهم به وحثهم عليه من الدين كان مكرمة في الفعال ورضى في التفاوض فحض بذلك السفلة على العلية واختلط له أجناس اللؤماء بعناصر الكرماء وسهل السبيل للغصبة إلى الغصب وللظلمة إلى الظلم وللعهار إلى قضاء نهمتهم والوصول إلى الكرائم اللائى لم يكونوا يطمعون فيهن وشمل الناس بلاء عظيم لم يكن لهم عهد بمثله فنهى الناس كسرى عن السيرة بشئ مما ابتدع زراذشت خر كان ومزدق بن بامداذ وأبطل بدعتهما وقتل بشرا كثيرا ثبتوا عليها ولم ينتهوا عما نهاهم عنه منها وقوما من المنانبة وثبت للمجوس ملتهم التى لم يزالوا عليها وكان يلى الاصبهبذة وهى الرياسة على الجنود قبل ملكه رجل وكان إليه اصبهبذة البلاد ففرق كسرى هذه الولاية والمرتبة بين أربعة اصبهبذين منهم أصبهبذ المشرق وهو خراسان وما والاها وأصبهبذ المغرب وأصبهبذ نيمروز وهى بلاد اليمن وأصبهبذ آذربيجان وما والاها

[ 526 ]

وهى بلاد الخزر لما رأى في ذلك من النظام لملكه وقوى المقاتلة بالاسلحة والكراع وارتجع بلادا كانت من مملكة فارس خرج بعضها من يد الملك قباذ إلى ملوك الامم لعلل شتى وأسباب منها السند وبست والرخج وزابلستان وطخارستان ودردستان وكابلستان وأعظم القتل في أمة يقال لها البارز وأجلى بقيتهم عن بلادهم وأسكنهم مواضع من بلاد مملكته وأذعنوا له بالعبودية واستعان بهم في حروبه وأمر فاسرت أمة أخرى يقال لها صول وقدم بهم عليه وأمر بهم فقتلوا ما خلا ثمانين رجلا من كماتهم استحياهم وأمر بانزالهم شهرام فيروز يستعين بهم في حروبه وأن أمة يقال لها أبخز وأمة يقال لها بنجر وأمة يقال لها بالنجر وأمة يقال لها ألان تمالئوا على غزو بلاده وأقبلوا إلى أرمينية ليغيروا على أهلها وكان مسلكهم إليها يومئذ سهلا ممكنا فاغضى كسرى على ما كان منهم حتى إذا تمكنوا في بلاده وجه إليهم جنودا فقاتلوهم واصطلموهم ماخلا عشرة آلاف رجل منهم أسروا فأسكنوا آذربيجان وما والاها وكان الملك فيروز بنى في ناحية صول والان بناء بصخر ارادة أن يحصن بلاده عن تناول تلك الامم اياها وأحدث الملك قباذ بن فيروز من بعد أبيه في تلك المواطن بناء كثيرا حتى إذا ملك كسرى أمر فبنيت في ناحية صول بصخر منحوت في ناحية جرجان مدن وحصون وآكام وبنيان كثيرا ليكون حرزا لاهل بلاده يلجؤون إليها من عدو إن دهمهم وإن سنجبوا خاقان كان أمنع الترك وأشجعهم وأعزهم وأكثرهم جنودا وهو الذى قاتل وزر ملك الهياطلة غير خائف كثرة الهياطلة ومنعتهم فقتل وزر ملكها وعامة جنوده وغنم أموالهم واحتوى على بلادهم إلا ما كان كسرى غلب عليه منها وأنه استمال أبخزو بنجر وبلنجر فمنحوه طاعتهم وأعلموه أن ملوك فارس لم يزالوا يتقونهم بفداء يكفونهم به عن غزو بلادهم وأنه أقبل في مائة ألف وعشرة آلاف مقاتل حتى شارف ما والى بلاد صول وأرسل إلى كسرى في توعد منه اياه واستطالة عليه أن يبعث إليه باموال وإلى أبخز وبنجر وبلنجر بالفداء الذى كانوا يعطونه اياها قبل ملك كسرى وأنا إن لم يعجل بالبعثة إليه بما سأل وطئ بلاده وناجزه فلم يحفل كسرى بوعيده

[ 527 ]

ولم يجبه إلى شئ مما سأله لتحصينه كان ناحية باب صول ومناعة السبل والفجاج التى كان سنجبوا خاقان سالكها اياه ولمعرفته كانت بمقدرته على ضبط ثغر أرمينية بخمسة آلاف مقاتل من الفرسان والرجالة فبلغ سنجبوا خاقان تحصين كسرى ثغر صول فانصرف بمن كان معه إلى بلاده خائبا ولم يقدر من كان بازاء جرجان من العدو للحصون التى كان أمر كسرى فبنيت حواليها أن يشنوها بغارة ويغلبوا عليها وكان كسرى أنوشروان قد عرف الناس منه فضلا في رأيه وعلمه وعقله وبأسه وحزمه مع رأفته ورحمته بهم فلما عقد التاج على رأسه دخل إليه العظماه والاشراف فاجتهدوا في الدعاء له فلما قضوا مقالتهم قام خطيبا فبدأ بذكر نعم الله على خلقه عند خلقه إياهم وتوكله بتدبير أمورهم وتقديرا لاقوات والمعايش لهم ولم يدع شيئا إلا ذكر في خطبته ثم أعلم الناس ما ابتلوا به من ضياع أمورهم وامحاء دينهم وفساد حالهم في أولادهم ومعايشهم وأعلمهم انه ناظر فيما يصلح ذلك ويحسمه وحث الناس على معاونته ثم أمر برؤس المزدكية فضربت أعناقهم وقسمت أموالهم في أهل الحاجة وقتل جماعة كثيرة ممن كان دخل على الناس في أموالهم ورد الاموال إلى أهلها وأمر بكل مولود اختلف فيه عنده أن يلحق بمن هو منهم إذا لم يعرف أبو ه وأن يعطى نصيبا من مال الرجل الذى يسند إليه إذا قبله الرجل وبكل امرأة غلبت على نفسها أن يؤخذ الغالب لها حتى يغرم لها مهرها وبرضى أهلها ثم تخير المرأة بين الاقامة عنده وبين تزويج من غيره إلا أن يكون كان لها زوج أول فترد إليه وأمر بكل من كان أضر برجل في ماله أو ركب أحدا بمظلمة أن يؤخذ منه الحق ثم يعاقب الظالم بعد ذلك بقدر جرمه وأمر بعيال ذوى الاحساب الذين مات قيمهم فكتب له فانكح بناتهم الاكفاء وجعل جهازهم من بيت المال وأنكح شبانهم من بيوتات الاشراف وساق عنهم وأغناهم وأمرهم بملازمة بابه ليستعان بهم في أعماله وخير نساء والده بين أن يقمن مع نسائه فيواسين ويصرن في الاجر إلى أمثالهن أو يبتغى لهن أكفاءهن من البعولة وأمر بكرى الانهار وحفر القنى واسلاف أصحاب العمارات وتقويتهم وأمر بإعادة كل جسر قطع أو قنطرة

[ 528 ]

كسرت أو قرية خربت أن يرد ذلك إلى أحسن ما كان عليه من الصلاح وتفقد الاساورة فمن لم يكن له منهم يسار قواه بالدواب والعدة وأجرى لهم ما يقويهم ووكل بييوت النيران وسهل سبل الناس وبنى في الطرق القصور والحصون وتخير الحكام والعمال والولاة وتقدم إلى من ولى منهم أبلغ التقدم وعمد إلى سير اردشير وكتبه وقضاياه فاقتدى بها وحمل الناس عليها فلما استوثق له الملك ودانت له البلاد سار نحو انطاكية بعد سنين من ملكه وكان فيها عظماء جنود قيصر فافتتحها ثم أمر ان تصور له مدينة انطاكية على ذرعها وعدد منازلها وطرقها وجميع ما فيها وأن يبتنى له على صورتها مدينة إلى جنب المدائن فبنيت المدينة المعرفة بالرومية على صورة انطاكية ثم حمل أهل انطاكية حتى أسكنهم إياها فلما دخلوا باب المدينة مضى أهل كل بيت منهم إلى ما يشبه منازلهم التى كانوا فيها بانطاكية كأنهم لم يخرجوا عنها ثم قصد لمدينة هرقل فافتتحها ثم الاسكندرية وما دونها وخلف طائفة من جنوده بأرض الروم بعد أن أذعن له قيصر وحمل إليه الفدية ثم انصرف من الروم فأخذ نحو الخزر فأدرك فيهم تبله وما كانوا وتروه به في رعيته ثم انصرف نحو عدن فسكر ناحية من البحر هناك بين جبلين مما يلى أرض الحبشة بالسفن العظام والصخور وعمد الحديد والسلاسل وقتل عظماء تلك البلاد ثم انصرف إلى المدائن وقد استقام له ما دون هرقلة من بلاد الروم وأرمينية وما بينه وبين البحرين من ناحية عدن وملك المنذر بن النعمان على العرب وأكرمه ثم أقام في ملكه بالمدائن وتعاهد ما كان يحتاج إلى تعاهده ثم سار بعد ذلك إلى الهياطلة مطالبا بوتر فيروز جده وقد كان انو شروان صاهر خاقان قبل ذلك فكتب إليه قبل شخوصه يعلمه ما عزم عليه ويأمره بالمسير إلى الهياطلة فأتاهم فقتل ملكهم واستأصل أهل بيته وتجاوز بلخ وما وراءها وأنزل جنوده فرغانة ثم انصرف من خراسان فلما صار بالمدائن وافاه قوم يستنصرونه على الحبشة فبعث معهم قائدا من قواده في جند من أهل الديلم وما يليها فقتلوا مسروقا الحبشى باليمن وأقاموا بها ولم يزل مظفرا منصورا تهابه جميع الامم ويحضر بابه من وفودهم

[ 529 ]

عدد كثير من الترك والصين والخزر ونظرائهم وكان مكرما للعلماء وملك ثمانيا وأربعين سنة وكان مولد النبي صلى الله عليه وسلم في آخر ملك أنو شروان * قال هشام وكان ملك أنوشروان سبعا وأربعين سنة قال وفى زمانه ولد عبد الله بن عبد المطلب أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنة اثنتين وأربعين من سلطانه قال هشام لما قوى شأن أنوشروان بعث المنذر بن النعمان الاكبر وأمه ماء السماء امرأ من النمر فملكه الحيرة وما كان يلى آل الحارث بن عمرو آل المرار فلم يزل على ذلك حتى هلك قال وأنو شروان غزا برجان ثم رجع فبنى الباب والابواب وقال هشام ملك العرب من قبل ملوك الفرس بعد الاسود بن المنذر أخوه المنذر ابن المنذر بن النعمان وأمه هرابنة النعمان سبع سنين ثم ملك بعده النعمان بن الاسود بن المنذر وأمه أم الملك ابنة عمرو بن حجر أخت الحارث بن عمرو الكندى أربع سنين ثم استخلف أبو يعفر بن علقمة بن مالك بن عدى بن الذميل بن ثور بن أسس ابن ربى بن نمارة بن لخم ثلاث سنين ثم ملك المنذر بن امرئ القيس البدء وهو ذو القرنين قال وإنما سمى بذلك لضفرين كانا له من شعره وأمه ماء السماء وهى مارية ابنة عوف بن جشم بن هلال بن ربيعة بن زيد مناة بن عامر الضيحان بن سعد ابن الخزرج بن تيم الله بن النمر بن قاسط فكان جميع ملكه تسعا وأربعين سنة ثم ملك ابنه عمرو بن المنذر وأمه هند ابنة الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار ست عشرة سنة قال ولثماني سنين وثمانية أشهر من ملك عمرو بن هند ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك في زمن أنوشروان وعام الفيل الذى غزا فيه الاشرم أبو يكسوم البيت ذكر بقية خبر تبع أيام قباذ وزمن أنوشروان وتوجيه الفرس الجيش إلى اليمن لقتال الحبشة وسبب توجيهه إياهم إليها * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق قال كان تبع الآخر وهو تبان أسعد أبو كرب حين أقبل من المشرق جعل طريقه على المدينة وقد كان (34)

[ 530 ]

حين مر بها في بدأته لم يهج أهلها وخلف بين أظهرهم ابنا فقتل غيلة فقدمها وهو مجمع لا خرابها واستئصال أهلها وقطع نخلها فجمع له هذا الحى من الانصار حين سمعوا بذلك من أمره ليمتنعوا منه ورئيسهم يومئذ عمرو بن الطلة أحد بنى النجار ثم أحد بنى عمرو بن مبذول فخرجوا لقتاله وكان تبع حين نزل بهم قد قتل رجل منهم من بنى عدى بن النجار يقال له أحمر رجلا من أصحاب تبع وجده في عذق له يجذه فضربه بمنجله فقتله وقال إنما الثمر لمن أبره ثم ألقاه حين قتله في بئر من آبارهم معروفة يقال لها ذات تومان فزاد ذلك تبعا عليهم حنقا فبينا تبع على ذلك من حربه وحربهم يقاتلهم ويقاتلونه قال فتزعم الانصار أنهم كانوا يقاتلونه بالنهار ويقرونه بالليل فيعجبه ذلك منهم ويقول والله إن قومنا هؤلاء لكرام إذ جاءه حبران من أحبار يهود من بنى قريظة عالمان راسخان حين سمعا منه ما يريد من إهلاك المدينة وأهلها فقالا أيها الملك لا تفعل فإنك إن أبيت إلا ما تريد حيل بينك وبينها ولم نأمن عليك عاجل العقوبة فقال لهما ولم ذاك فقالا هي مهاجر نبى يخرج من هذا الحى من قريش في آخر الزمان تكون داره وقراره فتناهى عند ذلك من قولهما عما كان يريد بالمدينة ورأى أن لهما علما وأعجبه ما سمع منهما فانصرف عن المدينة وخرج بهما معه إلى اليمن واتبعهما على دينهما وكان اسم الحبرين كعب وأسد وكانا من بنى قريظة وكانا ابني عم وكانا أعلم أهل زمانهما كما ذكر لى ابن حميد عن سلمة عن ابن اسحاق عن يزيد بن عمرو عن أبان بن أبى عياش عن أنس بن مالك عن أشياخ من قومه ممن أدرك الجاهلية فقال شاعر من الانصار وهو خالد بن عبد العزى بن غزية بن عمرو ابن عبد بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار في حربهم وحرب تبع يفتخر بعمرو ابن طلة ويذكر فضله وامتناعه أصحا أم انتهى ذكره * أم قضى من لذة وطره أم تذكرت الشباب وما * ذكرك الشباب أو عصره إنها حرب رباعية * مثلها أتى الفتى عبره

[ 531 ]

فسلا عمران أو فسلا * أسدا إذ يغدو مع الزهره فيلق يها أبو كرب * سابغا أبدانها ذفره ثم قالوا من يأم بها * أبنى عوف أم النجره يا بنى النجار إن لنا * فيهم قبل الاوان تره فتلقتهم عشنقة * مدها كالغيبة النثره سيد سامى الملوك ومن * يغز عمرا لا يجد قدره وقال رجل من الانصار يذكر امتناعهم من تبع تكلفني من تكاليفها * نخيل الاساويف والمنصعه نخيلا حمتها بنو مالك * خيول أبى كرب المفظعه قال وكان تبع وقومه أصحاب أوثان بعبدونها فوجه إلى مكة وهى طريقه إلى اليمن حتى إذا كان بالدف من جمدان بين عسفان وأمج في طريقه بين مكة والمدينة أتاه نفر من هذيل فقالوا له أيها الملك ألا ندلك على بيت مال داثر قد أغفلته الملوك قبلك فيه اللؤلؤ والزبرجد والياقوت والذهب والفضة قال بلى قالوا بيت بمكة يعبده أهله ويصلون عنده وإنما يريد الهذليون بذلك هلاكه لما قد عرفوا من هلاك من أراده من الملوك وبغى عنده فلما أجمع لما قالوا أرسل إلى الحبرين فسألهما عن ذلك فقالا له ما أراد القوم إلا هلاكك وهلاك جندك ولئن فعلت ما دعوك إليه لتهلكن وليهكن من معك جميعا قال فماذا تأمرانني أن أصنع إذا قدمت عليه قالا تصنع عنده ما يصنع أهله تطوف به وتعظمه وتكرمه وتحلق عنده رأسك وتتذلل له حتى تخرج من عنده قال فما يمنعكما أنتما من ذلك قالا أما والله إنه لبيت أبينا إبراهيم وإنه لكما أخبرناك ولكن أهله حالوا بيننا وبينه بالاوثان التى نصبوا حوله وبالدماء التى يهريقون عنده وهم نجس أهل شرك أو كما قالا له فعرف نصحهما وصدق حديثهما فقرب النفر من هذيل فقطع أيديهم وأرجلهم ثم مضى حتى قدم مكة وأرى في المنام أن يكسو البيت فكساه

[ 532 ]

الخصف ثم أرى أن يكسوه أحسن من ذلك فكساه المعافر ثم أرى أن يكسوه أحسن من ذلك فكساه الملاءة والوصائل فكان تبع فيما يزعمون أول من كساه وأوصى به ولاته من جرهم وأمرهم بتطهيره وأن لا يقربوه دما ولا ميتة ولا ميلاثا وهى الحائض وجعل له بابا ومفتاحا ثم خرج متوجها إلى اليمن بمن معه من جنوده وبالحبرين حتى إذا دخل اليمن دعا قومه إلى الدخول فيما دخل فيه فأبوا عليه حتى يحاكموه إلى النار التى كانت باليمن * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن أبى مالك بن ثعلبة بن ابى مالك القرظى قال سمعت إبراهيم ابن محمد بن طلحة بن عبيد الله يحدث ان تبعا لما دنا من اليمن ليدخلها حالت حمير بينه وبين ذلك وقالوا لا تدخلها علينا وقد فارقت ديننا فدعاهم إلى دينه وقال إنه دين خير من دينكم قالوا فحاكمنا إلى النار قال نعم قال وكانت باليمن فيما يزعم اهل اليمن نار تحكم بينهم فيما يختلفون فيه تأكل الظالم ولا تضر المظلوم فلما قالوا ذلك لتبع قال انصفتم فخرج قومه بأوثانهم وما يتقربون به في دينهم وخرج الحبران بمصاحفهما في اعنقاهما متقلديها حتى قعدوا للنار عند مخرجها الذى تخرج النار منه فخرجت النار إليهم فلما اقبلت نحوهم حادوا عنها وهابوها فذمرهم من حضرهم من الناس وامروهم بالصبر فصبروا حتى غشيتهم وأكلت الاوثان وما قربوا معا ومن حمل ذلك من رجال حمير وخرج الحبران بمصاحفهما في اعناقهما تعرق جباههما لم تضرهما فاصفقت حمير عند ذلك على دينه فمن هناك وعن ذلك كان اصل اليهودية باليمن * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن بعض أصحابه أن الحبرين ومن خرج معهما من حمير إنما اتبعوا النار ليردوها وقالوا من ردا فهو أولى بالحق فدنا منها رجال من حمير بأوثانهم ليردوها فدنت منهم لتاكلهم فحادوا عنها فلم يستطيعوا ردها ودنا منها الحبران بعد ذلك وجعلا يتلوان التوراة وتنكص حتى رداها إلى مخرجها الذى خرجت منه فاصفقت عند ذلك حمير على دينهما وكان رئام بيتا لهم يعظمونه وينحرون عنده ويكلمون منه إذ كانوا على شركهم فقال الحبران لتبع إنما هو شيطان يفتنهم

[ 533 ]

ويلعب بهم فخل بيننا وبينه قال فشأنكما به فاستخرجا منه فيما يزعم أهل اليمن كلبا أسود فذبحاه وهدما ذلك البيت فبقاياه اليوم باليمن كما ذكر لى وهو رئام به آثار الدماء التى كانت تهراق عليه فقال تبع في مسيره ذلك وما كان هم به من أمر المدينة وشأن البيت وما صنع برجال هذيل الذين قالوا له ما قالوا وما صنع بالبيت حين قدم مكة من كسوته وتطهيره وما ذكر له الحبران من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بال نومك مثل نوم الارمد * أرقا كأنك لا تزال تسهد حنقا على سبطين حلا يثربا * أولى لهم بعقاب يوم مفسد ولقد نزلت من المدينة منزلا * طاب المبيت بها وطاب المرقد وجعلت عرصة منزل برباوة * بين العقيق إلى بقيع الغرقد ولقد تركنا لابها وقرارها * وسباخها فرشت بقاع أجرد ولقد هبطنا يثربا وصدورنا * تغلى بلابلها بقتل محصد ولقد حلفت يمين صبر مؤليا * قسما لعمرك ليس بالتمردد إن جئت يثرب لا أغادر وسطها * عذقا ولا بسرا بيثرب يخلد حتى أتانى من قريظة عالم * حبر لعمرك في اليهود مسود قال ازدجر عن قرية محفوظة * لنبى مكة من قريش مهتد فعفوت عنهم عفو غير مثرب * وتركتهم لعقاب يوم سرمد وتركتهم لله أرجو عفوه * يوم الحساب من الجحيم الموقد ولقد تركت بها له من قومنا * نفرا أولى حسب وبأس يحمد نفرا يكون النصر في أعقابهم * أرجو بذاك ثواب رب محمد ما كنت أحسب أن بيتا طاهرا * لله في بطحاء مكة يعبد حتى أتانى من هذيل أعبد * بالدف من جمدان فوق المسند

[ 534 ]

قالوا بمكة بيت مال داثر * وكنوزه من لؤلؤ وزبرجد فأردت أمرا حال ربى دونه * والله يدفع عن خراب المسجد فرددت ما أملت فيه وفيهم * وتركتهم مثلا لاهل المشهد قد كان ذو القرنين قبلى مسلما * ملكا تدين له الملوك وتحشد ملك المشارق والمغارب يبتغى * أسباب علم من حكيم مرشد فرأى مغيب الشمس عند غروبها * في عين ذى خلب وثأط حرمد من قبله بلقيس كانت عمتى * ملكتهم حتى أتاها الهدهد حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى ابن اسحاق قال هذا الحى من الانصار يزعمون أنه إنما كان حنق تبع على هذا الحى من يهود الذين كانوا بين أظهرهم وأنه أراد هلاكهم حين قدم عليهم المدينة فمنعوه منهم حتى انصرف عنهم ولذلك قال في شعره حنقا على سبطين حلا يثربا أولى لهم بعقاب يوم مفسد حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال وقد كان قدم على تبع قبل ذلك شافع بن كليب الصدفى وكان كاهنا فاقام عنده فلما أراد توديعه قال تبع ما بقى من علمك قال بقى خبر ناطق وعلم صادق قال فهل تجد لقوم ملكا يوازى ملكى قال لا إلا لملك غسان نجل قال فهل تجد ملكا يزيد عليه قال نعم قال ولمن قال أجده لبار مبرور أيد بالقهور ووصف في الزبور وفضلت أمته في السفور يفرج الظلم بالنور أحمد النبي طوبى لامته حين يجئ أحد بنى لؤى ثم أحد بنى قصى فبعث تبع إلى الزبور فنظر فيها فإذا هو يجد صفة النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عمن حدثه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وغيره من علماء أهل اليمن ممن يروى الاحاديث فحدث بعضهم بعض الحديث وكل ذلك قد اجتمع في هذا الحديث أن ملكا من لخم كان باليمن فيما بين التبابعة من حمير يقال له ربيعة بن نصر وقد كان قبل ملكه باليمن ملك تبع الاول وهو زيد بن عمر وذى الاذعار بن أبرهة ذى المنار بن الرائش بن قيس بن صيفي بن سبأ الاصغر

[ 535 ]

ابن كهف الظلم بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن وائل ابن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن هميسع بن العرنجج حمير ابن سبأ الاكبر بن يعرب بن يشجب بن قحطان وكان اسم سبأ عبد شمس وإنما سمى سبأ فيما يزعمون أنه كان أول من سبى في العرب فهذا بيت مملكة حمير الذى فيه كانت التبابعة ثم كان بعد تبع الاول زيد بن عمر وشمر يرعش بن ياسر ينعم ابن عمرو ذى الاذعار ابن عمه وشمر يرعش الذى غز الصين وبنى سمرقند وحير الحيرة وهو الذى يقول: أنا شمر أبو كرب اليماني * جلبت الخيل من يمن وشام لآتى أعبد ا مردوا علينا * وراء الصين في عثم ويام فنحكم في بلادهم بحكم * سواء لا يجاوزه غلام القصيدة كلها قال ثم كان بعد شمرير عش بن ياسر ينعم تبع الاصغر وهو تبان أسعد أبو كرب بن ملكيكرب بن زيد بن تبع الاول ابن عمرو ذى الاذعار وهو الذى قدم المدينة وساق الحبرين من يهود إلى اليمن وعمر البيت الحرام وكساه وقال ما قال من الشعر فكل هؤلاء ملكه قبل ملك ربيعة بن نصر اللخمى فلما هلك ربيعة بن نصر رجع ملك اليمن كل إلى حسان بن تبان أسعد أبى كرب بن ملكيكرب بن زيد بن عمرو ذى الاعذار * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى ابن اسحاق عن بعض أهل العلم إن ربيعة بن نصر رأى رؤيا هالته وفظع بها فلما رآها بعث في أهل مملكته فلم يدع كاهنا ولا ساحرا ولا عائفا ولا منجما إلا جمعه إليه ثم قال لهم إنى قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها فاخبروني بتأويلها قالوا له اقصصها علينا لنخبرك بتأويلها قال إنى إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم عن تأويلها إنه لا يعرف تأويلها إلا من يعرفها قبل أن أخبره بها فلما قال لهم ذلك قال رجل من القوم الذين جمعوا لذلك فان كان الملك يريد هذا فليبعث إلى سطيح وشق فانه ليس أحد أعلم منهما فهما بخبرانك بما سألت واسم سطيح ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدى بن مازن بن غسان وكان يقال لسطيح

[ 536 ]

الذئبى لنسبته إلى ذئب بن عدى وشق بن صعب بن يشكر بن رهم بن أفرك بن نذير ابن قيس بن عبقر بن أنمار فلما قالوا له ذلك بعث اليهما فقدم عليه قبل شق سطيح ولم يكن في زمانهما مثلهما من الكهان فلما قدم عليه سطيح دعاه فقال له يا سطيح إنى قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها فاخبرني بها فانك إن أصبتها أصبت تأويلها قال افعل رأيت جمجمة (قال أبو جعفر) وقد وجدته في مواضع أخر رأيت حممه خرجت من ظلمه فوقعت بأرض تهمه فأكلت منها كل ذات جمجمه فقال له الملك ما أخطأت منها شيئا يا سطيح فما عندك في تأويلها فقال احلف بما بين الحرتين من حنش ليهبطن أرضكم الحبش فليملكن ما بين أبين إلى جرش قال له الملك وأبيك يا سطيح إن هذا لغائظ موجع فمتى هو كائن يا سطيح أفى زماني أم بعده قال لابل بعده بحين أكثر من ستين أو سبعين يمضين من السنين قال فهل يدوم ذلك من ملكهم أو ينقطع قال بل ينقطع لبضع وسبعين يمضين من السنين ثم يقتلون بها أجمعون ويخرجون منها هاربين قال الملك وما الذى يلى ذلك من قتلهم وإخراجهم قال يليه إرم ذى يزن يخرج عليهم من عدن فلا يترك منهم أحدا باليمن قال أفيدوم ذلك من سلطانه أو ينقطع قال بل ينقطع قال ومن يقطعه قال نبى زكى يأتيه الوحى من العلى قال وممن هذا النبي قال رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر قال وهل للدهر يا سطيح من آخر قال نعم يوم يجمع فيه الاولون والآخرون ويسعد فيه المحسنون ويشقى فيه المسيئون قال أحق ما تخبرنا يا سطيح قال نعم والشفق والغسق والغلق إذا اتسق إن ما أنبأتك به لحق فلما فرغ قدم عليه شق فدعاه فقال له ياشق إنى قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها فاخبرني عنها فانك إن أصبتها أصبت تأويلها كما قال لسطيح وقد كتمه ما قال سطيح لينظر أيتفقان أم يختلفان قال نعم رأيت جمجمه خرجت من ظلمه فوقعت بين روضة وأكمه فأكلت منها كل ذات نسمه فلما رأى ذلك الملك من قولهما شيئا واحدا قال له ما أخطأت ما شق منها شيئا فما عندك في تأويلها قال احلف مما بين الحرتين من إنسان لينزلن

[ 537 ]

أرضكم السودان فلتغلبن على كل طفلة البنان ولتملكن ما بين أبين إلى نجران فقال له الملك وأبيك ياشق إن هذا لنا لغائظ موجع فمتى هو كائن أفى زماني أم بعده قال بل بعدك بزمان ثم يستنقذكم منه عظيم ذو شأن ويذيقهم أشد الهوان قال ومن هذا العظيم الشأن قال غلام ليس بدنى ولا مدن يخرج من بيت ذى يزن قال فهل يدوم سلطانه أو ينقطع قال بل ينقطع برسول مرسل يأتي بالحق والعدل بين أهل الدين والفضل يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل قال وما يوم الفصل قال يوم يجزى فيه الولاة يدعى من السماء بدعوات يسمع منها الاحياء والاموات ويجمع فيه الناس للميقات يكون فيه لمن اتقى الفوز والخيرات قال أحق ما تقول ياشق قال إى ورب السماء والارض وما بينهما من رفع وخفض إن ما نبأتك لحق ما فيه أمض فلما فرغ من مسألتهما وقع في نفسه أن الذى قالا له كائن من أمر الحبشة فجهز بنيه وأهل بيته إلى العراق بما يصلحهم وكتب لهم إلى ملك من ملوك فارس يقال له سابور بن خرزاد فأسكتهم الحيرة فمن بقية ربيعة بن نصر كان النعمان بن المنذر ملك الحيرة وهو النعمان بن المنذر ابن النعمان بن المنذر بن عمرو بن عدى بن ربيعة بن نصر ذلك الملك في نسب أهل اليمن وعلمهم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال ولما قال سطيح وشق لربيعة بن نصر ذلك وصنع ربيعة بولده وأهل بيته ما صنع ذهب ذكر ذلك في العرب وتحدثوا حتى فشا ذكره وعلمه فيهم فلما نزلت الحبشة اليمن ووقع الامر الذى كانوا يتحدثون به من أمر الكاهنين قال الاعشى أعشى بن قيس بن ثعلبة البكري في بعض ما يقول وهو يذكر ما وقع من أمر ذينك الكاهنين سطيح وشق ما نظرت ذات أشفار كنظرتها * حقا كما نطق الذئبى إذ سجعا وكان سطيح إنما يدعوه العرب الذئبى لانه من ولد ذئب بن عدى فلما هلك ربيعة بن نصر واجتمع ملك اليمن إلى حسان بن تبان أسعد أبى كرب بن ملكيكرب بن زيد بن عمرو ذى الاذعار كان مما هاج أمر الحبشة وتحول الملك

[ 538 ]

عن حمير وانقطاع مدة سلطانهم ولكل أمر سبب أن حسان بن تبان أسعد أبى كرب سار بأهل اليمن يريد أن يطأ بهم أرض العرب وأرض العجم كما كانت التتابعة قبله تفعل حتى إذا كان ببعض أرض العراق كرهت حمير وقبائل اليمن السير معه وأرادوا الرجعة إلى بلادهم وأهليهم فكلموا أخا له كان معه في جيشه يقال له عمرو فقالوا له أقتل أخاك حسان نملكك علينا مكانه وترجع بنا إلى بلادنا فتابعهم على ذلك فاجمع أخوه ومن معه من حمير وقبائل اليمن على قتل حسان إلا ماكان من ذى رعين الحميرى فإنه نهاه عن ذلك وقال له إنكم أهل بيت مملكتنا لا تقتل أخاك ولا تشتت أمر أهل بيتك أو كما قال له فلما لم يقبل منه قوله وكان ذورعين شريفا من حمير عمد إلى صحيفة فكتب فيها ألا من يشترى سهرا بنوم * سعيد من يبيت قرير عين فإما حمير غدرت وخانت * فمعذرة الاله لذى رعين ثم ختم عليها ثم أتى بها عمرا فقال له ضع لى عندك هذا الكتاب فإن لى فيه بغية وحاجة ففعل فلما بلغ حسان ما أجمع عليه أخوه عمرو وحمير وقبائل اليمن من قتله قال لعمرو يا عمرو لا تعجل على منيتى * فالملك تأخذه بغير حشود فأبى إلا قتله فقتله ثم رجع بمن معه من جنده إلى اليمن فقال قائل من حمير إن لله من رأى مثل حسا * ن قتيلا في سالف الاحقاب قتلته الاقيال من خشية الجي‍ * ش وقالوا له لباب لباب ميتكم خيرنا وحيكم ر * ب علينا وكلكم أرباب فلما نزل عمرو بن تبان أسعد أبى كرب اليمن منع منه النوم وسلط عليه السهر فيما يزعمون فجعل لا ينام فلما جهده ذلك جعل يسأل الاطباء والحزاة من الكهان والعرافين عما به ويقول منع منى النوم فلا أقدر على وقد جهدني السهر فقال له قائل منهم والله ما قتل رجل أخاه قط أو ذا رحم بغيا على مثل ما قتلت عليه أخاك

[ 539 ]

إلا ذهب نومه وسلط عليه السهر فلما قيل له: ذلك جعل يقتل كل من كان أمره بقتل أخيه حسان من أشراف حمير وقبائل اليمن حتى خلص إلى ذى رعين فلما أراد قتله قال إن لى عندك براءة مما تريد أن تصنع بى قال له وما براءتك عندي قال أخرج الكتاب الذى كنت استودعتك ووضعته عندك فأخرج له الكتاب فإذا فيه ذانك البيتان من الشعر ألا من يشترى سهرا بنوم * سعيد من يبيت قرير عين فإما حمير غدرت وخانت * فمعذرة الاله لذى رعين فلما قرأهما عمرو قال له ذو رعين قد كنت نهيتك عن قتل أخيك فعصيتني فلما أبيت على وضعت هذا الكتاب عندك حجة لى عليك وعذرا لى عندك وتخوفت أن يصيبك إن أنت قتلته الذى أصابك فإن أردت بى ما أراك تصنع بمن كان أمرك بقتل أخيك كان هذا الكتاب نجاة لى عندك فتركه عمرو بن تبان أسعد فلم يقتله من بين أشراف حمير ورأى أن قد نصحه لو قبل منه نصيحته وقال عمرو بن تبان أسعد حين قتل من قتل من حمير وأهل اليمن ممن كان أمره بقتل أخيه حسان فقال شرينا النوم إذ عصبت علاب * بتسهيد وعقد غير بين تنادوا عند غدرهم لباب * وقد برزت معاذر ذى رعين قتلنا من تولى المكر منهم * بواء بابن رهم غير دين قتلناهم بحسان بن رهم * وحسان قتيل الثائرين قتلناهم فلا بقيا عليهم * وقرت عند ذاكم كل عين عيون نوادب يبكين شجوا * حرائر من نساء الفيلقين أو انس بالعشاء وهن حور * إذا طلعت فروع الشعريين فنعرف بالوفاء إذا انتمينا * ومن يغدر نباينه ببين فضلنا الناس كلهم جميعا * كفضل الابرزى على اللجين

[ 540 ]

ملكنا الناس كلهم جميعا * لنا الاسباب بعد التبعين ملكنا بعد داؤود زمانا * وعبد نا ملوك المشرقين زبرنا في ظفار زبور مجد * ليقرأه قروم القريتين فنحن الطالبون لكل وتر * إذا قال المقاول أين أين سأشفى من ولاة المكر نفسي * وكان المكر حينهم وحينى أطعتهم فلم أرشد وكانوا * غواة أهلكوا حسبى وزينى قال ثم لم يلبث عمرو بن تبان أسعد أن هلك قال هشام بن محمد عمرو بن تبع هذا يدعى موثبان لانه وثب على أخيه حسان بفرضة نعم فقتله قال وفرضة نعم رحبة طوق بن مالك وكانت نعم سرية تبع حسان بن أسعد (رجع الحديث إلى حديث ابن إسحق) قال فمرج أمر حمير عند ذلك وتفرقوا فوثب عليهم رجل من حمير لم يكن من بيوت المملكة منهم يقال له لخنيعة ينوف ذوشناتر فملكهم فقتل خيارهم وعبث ببيوت أهل المملكة منهم فقال قائل من حمير يذكر ما ضيعت حمير في أمرها وفرقت جماعتها ونفت من خيارها تقتل أبناها وتنفى سراتها * وتبنى بأيديهم لها الذل حمير تدمر دنياها بطيش حلومها * وما ضيعت من دينها فهو أكثر كذاك القرون قبل ذاك بظلمها * وإسرافها تأتى الشرور فتخسر وكان لخنيعة ينوف ذو شناتر يصنع ذلك بهم وكان امر أفاسقا يزعمون أنه كان يعمل عمل قوم لوط ثم كان مع الذى قد بلغ منهم من القتل والبغى إذا سمع بالغلام من أبناء الملوك قد بلغ أرسل إليه فوقع عليه في مشربة له قد صنعها لذلك لثلا يملك بعد ذلك أبدا ثم يطلع من مشربته تلك إلى حرسه ومن حضر من عنده وهم أسفل منه قد أخذ سواكا فجعله في فيه أي ليعلمهم أنه قد فرغ منه ثم يخلى سبيله فيخرج على حرسه وعلى الناس وقد فضحه حتى إذا كان آخر أبناء تلك الملوك زرعة ذونواس بن تبان أسعد أبى كرب بن ملكيكرب بن زيد بن

[ 541 ]

عمرو ذى الاذعار أخو حسان وزرعة كان صبيان صغيرا حين أصيب أخوه فشب غلاما جميلا وسيما ذا هيئة وعقل فبعث إليه لخنيعة ينوف ذو شناتر ليفعل به كما كان يفعل بأبناء الملوك قبله فلما أتاه رسوله عرف الذى يريد به فأخذ سكينا حديدا لطيفا فجعله بين نعله وقدمه ثم انطلق إليه مع رسوله فلما خلابه في مشربته تلك أغلقها عليه وعليه ثم وثب عليه وواثبه ذو نواس بالسكين فطعنه به حتى قتله ثم احتز رأسه فجعله في كوة مشربته تلك التى يطلع منها إلى حرسه وجنده ثم أخذ سواكه ذلك فجعله في فيه ثم خرج على الناس فقالوا له ذو نواس أرطب أم يباس فقال سل نخماس استرطبان ذو نواس استرطبان ذو نواس لا باس فذهبوا ينظرون حين قال لهم ما قال فإذا رأس لخنيعة ينوف ذى شناتر في الكوة مقطوع في فيه سواكه قد وضعه ذو نواس فيها فخرجت حمير والاحراس في أثر ذى نواس حتى أدركوه فقالوا له ما ينبغى لنا أن يملكنا إلا أنت إذ أرحتنا من هذا الخبيث فملكوه واستجمعت عليه حمير وقبائل اليمن فكان آخر ملوك حمير وتهود وتهودت معه حمير وتسمى يوسف فأقام في ملكه زمانا وبنجران بقايا من أهل دين عيسى على الانجيل أهل فضل واستقامة لهم من أهل دينهم رأس يقال له عبد الله بن الثامر وكان موقع أصل ذلك الدين بنجران وهى باوسط أرض العرب في ذلك الزمان وأهلها وسائر العرب كلها أهل أوثان يعبدونها ثم إن رجلا من بقايا أهل ذلك الدين وقع بين أظهرهم يقال له فيميون فحملهم عليه فدانوا به قال هشام زرعة ذو نواس فلما تهود سمى يوسف وهو الذى خد الاخدود بنجران وقتل النصارى * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد ابن اسحاق عن المغيرة بن أبى لبيد مولى الاخنس عن وهب بن منبه اليماني انه حدثهم أن موقع ذلك الدين بنجران كان أن رجلا من بقايا أهل دين عيسى ابن مريم يقال له فيميون وكان رجلا صالحا مجتهدا زاهدا في الدنيا مجاب الدعوة وكان سائحا ينزل القرى لا يعرف بقرية إلا خرج منها إلى قرية لا يعرف فيها وكان لا يأكل إلا من كسب يده وكان بناء يعمل الطين وكان يعظم الاحدا إذا كان الاحد لم يعمل فيه شيئا وخرج إلى فلاة من الارض

[ 542 ]

فصلى بها حتى يمسى وكان في قرية من قرى الشأم يعمل عمله ذلك مستخفيا إذ فطن لشأنه رجل من أهلها يقال له صالح فأحبه صالح حبا لم يحبه شيئا كان قبله فكان يتبعه حيث ذهب ولا يفطن له فيميون حتى خرج مرة في يوم الاحد إلى فلاة من الارض كما كان يصنع وقد اتبعه صالح وفيميون لا يدرى فجلس صالح منه منظر العين مستخفيا منه لا يحب أن يعلم مكانه وقام فيميون يصلى فبينا هو يصلى إذ أقبل نحوه التنين الحية ذات الرؤس السبعة فلما رآها فيميون دعا عليها فماتت ورآها صالح ولم يدر ما أصابها فخافها عليه فعول عليه عولة فصرخ يا فيميون التنين قد أقبل نحوك فلم يلتفت إليه وأقبل على صلاته حتى فرغ وأمسى وانصرف وعرف أنه قد عرف وعرف صالح أن قد رأى مكانه فكلمه فقال يا فيميون يعلم الله ما أحببت شيئا حبك قط وقد أردت صحبتك والكينونة معك حيثما كنت قال ما شئت أمرى كما ترى فان ظننت أنك تقوى عليه فنعم فلزمه صالح وقد كاد أهل القرية يفطنوا لشأنه وكان إذا فاجأه العبد به ضر دعا له فشفى وإذا دعا إلى أحد به الضر لم يأته وكان لرجل من أهل القرية ابن ضرير فسأل عن شأن فيميون فقيل له إنه لا يأتي أحدا إذا دعاه ولكنه رجل يعمل للناس بالاجر البنيان فعمد الرجل إلى ابنه ذلك فوضعه في حجرته وألقى عليه ثوبان ثم جاءه فقال له يافيميون إنى قد أردت أن أعمل في بيتى عملا فانطلق معى حتى تنظر إليه فأشاطرك عليه فانطلق معه حتى دخل حجرته ثم قال ما تريد أن تعمل في بيتك قال كذا وكذا ثم انتشط الرجل الثوب عن الصبى ثم قال يا فيميون عبد من عباد الله أصابه ما ترى فادع الله له فقال فيميون حين رأى الصبى اللهم عبد من عبادك دخل عليه عدوك في نعمتك ليفسدها عليه فاشفه وعافه وامنعه منه فقام الصبى ليس به بأس وعرف فيميون أنه قد عرف فخرج من القرية واتبعه صالح فبينما هو يمشى في بعض الشأم مر بشجرة عظيمة فناداه منها رجل فقال أفيميون قال نعم قال مازلت أنتظرك وأقول متى هو جاء حتى سمعت صوتك فعرفت أنك هو لا تبرح حتى تقوم على فانى ميت الآن قال فمات وقام عليه حتى واراه ثم انصرف ومعه صالح حتى وطئا بعض

[ 543 ]

أرض العرب فعدى عليهما فاختطفتهما سيارة من بعض العرب فخرجوا بهما حتى باعوهما بنجران وأهل نجران يومئذ على دين العرب تعبد نخلة طويلة بين أظهرهم لهم عيد كل سنة إذا كان ذلك العيد علقوا عليها كل ثوب حسن وجدوه وحلى النساء ثم خرجوا فعكفوا عليها يوما فابتاع رجل من أشرافهم فيميون وابتاع رجل آخر صالحا فكان فيميون إذا قام من الليل في بيت له أسكنه أياه سيده الذى ابتاعه يصلى استسرج له البيت نورا حتى يصبح من غير مصباح فرأى ذلك سيده فاعجبه ما رأى فسأله عن دينه فاخبره به فقال له فيميون إنما أنتم في باطل وإن هذه النخلة لا تضر ولا تنفع لو دعوت عليها الذى أعبد أهلكها وهو الله وحده لا شريك له قال فقال له سيده فافعل فإنك إن فعلت دخلنا في دينك وتركنا ما كنا عليه قال فقام فيميون فتطهر ثم صلى ركعتين ثم دعا الله عليها فأرسل الله ريحا فجعفتها من أصلها فألقتها فاتبعه عند ذلك أهل نجران على دينه فحملهم على الشريعة من دين عيسى ابن مريم ثم دخل عليهم بعد ذلك الاحداث التى دخلت على أهل دينهم بكل أرض فمن هنالك كانت النصرانية بنجران في أرض العرب فهذا حديث وهب بن منبه في خبر أهل نجران * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن يزيد بن زياد مولى لبنى هاشم عن محمد بن كعب القرظى قال وحدثني محمد بن اسحاق أيضا عن بعض أهل نجران أن أهل نجران كانوا أهل شرك يعبدون الاوثان وكان في قرية من قراها قريبا من نجران ونجران القرية العظمى التى جماع أهل تلك البلاد ساحر يعلم غلمان أهل نجران السحر فلما أن نزلها فيميون قال ولم يسموه باسمه الذى سماه به وهب بن منبه قالوا رجل نزلها ابتنى خيمة بين نجران وبين تلك القرية التى بها الساحر فجعل أهل نجران يرسلون غلمانهم إلى ذلك الساحر يعلمهم السحر فبعث الثامر ابنه عبد الله بن الثامر مع غلمان أهل نجران فكان إذا مر بصاحب الخيمة أعجبه ما يرى من صلاته وعبادته فجعل يجلس إليه ويسمع منه حتى أسلم فوحد الله وعبد ه وجعل يسأله عن الاسم الاعظم وكان يعلمه فكتمه إياه وقال يا ابن أخى إنك لن نحتمله أخشى ضعفك عنه فلما أتى عليه والثامر أبو عبد الله لا يظن إلا أن

[ 544 ]

ابنه عبد الله يختلف إلى الساحر كما يختلف الغلمان فلما رأى عبد الله أن صاحبه قد ضن به عنه وتخوف ضعفه فيه عمد إلى قداح فجمعها ثم لم يبق لله اسما يعلمه إلا كتبه في قدح لكل اسم قدح حتى إذا أحصاها أو قد لها نارا ثم جعل يقذفها فيها قدحا قدحا حتى إذا مر بالاسم الاعظم قذف فيها بقدحه فوثب القدح حتى خرج منها لم يضره شئ فقام إليه فأخذه ثم أتى صاحبه فأخبره أنه قد علم الاسم الذى كتمه فقال له ما هو قال كذا وكذا قال وكيف علمته فأخبره كيف صنع قال فقال يا ابن أخى قد أصبته فأمسك على نفسك وما أظن أن تفعل فجعل عبد الله ابن الثامر إذا أتى نجران لم يلق أحدا به ضر إلا قال له يا عبد الله أتو حد الله وتدخل في دينى فأدعو الله فيعافيك مما أنت فيه من البلاء فيقول نعم فيو حد الله ويسلم ويدعو له فيشفى حتى لم يبق أحد بنجران به ضر إلا أتاه فاتبعه على أمره ودعا له فعوفى حتى رفع شأنه إلى ملك نجران فدعاه فقال له أفسدت على أهل قريتي وخالفت دينى ودين آبائى لا مثلن بك قال لا تقدر على ذلك فجعل يرسل به إلى للجبل الطويل فيطرح عن رأسه فيقع على الارض ليس به بأس وجعل يبعث به إلى مياه بنجران بحور لا يقع فيها شئ إلا هلك فيلقى فيها فيخرج ليس به باس فلما غلبه قال عبد الله بن الثامر إنك والله لا تقدر على قتلى حتى توحد الله فتؤمن بما آمنت به فإنك إن فعلت ذلك سلطت على فقتلتني فوحد الله ذلك الملك وشهد بشهادة عبد الله بن الثامر ثم ضربه بعصا في يده فشجه شجة غير كبيرة فقتله فهلك الملك مكانه واستجمع أهل نجران على دين عبد الله بن الثامر وكان على ما جاء به عيسى ابن مريم من الانجيل وحكمه ثم أصابهم ما أصاب أهل دينهم من الاحداث فمن هنا لك كان أصل النصرانية بنجران فهذا حديث محمد بن كعب القرظى وبعض أهل نجران عن ذلك والله أعلم قال فسار إليهم ذو النواس بجنوده من حمير وفبائل اليمن فجمعهم ثم دعاهم إلى دين اليهودية فخيرهم بين القتل والدخول فيها فاختاروا القتل فخد لهم الاخدود فحرق بالنار وقتل بالسيف ومثل بهم كل مثلة حتى قتل منهم قريبا من عشرين الفا وأفلت منهم رجل يقال

[ 545 ]

له دوس ذو ثعلبان على فرس له فسلك الرمل فاعجزهم قال وقد سمعت بعض أهل اليمن يقول إن الذى أفلت منهم رجل من أهل نجران يقال له جبار بن فيض قال وأثبت الحديثين عندي الذى حدثنى أنه دوس ذو ثعلبان ثم رجع ذو نواس بمن معه من جنوده إلى صنعاء من أرض اليمن ففى ذى نواس وجنوده تلك حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل قال حدثنى محمد بن اسحاق قال أنزل الله على رسوله قتل أصحاب الاخدود النار ذات الوقود إلى قوله بالله العزيز الحميد ويقال كان فيمن قتل ذو نواس عبد الله بن الثامر رئيسهم وإمامهم ويقال عبد الله ابن الثامر قتل قبل ذلك قتله ملك كان قبله هو كان أصل ذلك الدين وإنما قتل ذو نواس من كان بعده من أهل دينه وأما هشام بن محمد فإنه قال لم يزل ملك اليمن متصلا لا يطمع فيه طامع حتى ظهرت الحبشة على بلادهم في زمن أنو شروان قال وكان سبب ظهورهم أن ذا نواس الحميرى ملك اليمن في ذلك الزمان وكان يهوديا فقدم عليه يهودى يقال له دوس من أهل نجران فاخبره أن أهل نجران قتلوا ابنين له ظلما واستنصره عليهم وأهل نجران نصارى فحمى ذو نواس لليهودية فغزا أهل نجران فاكثر فيهم القتل فخرج رجل من أهل نجران حتى قدم على ملك الحبشة فاعلمه ما ركبوا به وأتاه بالانجيل قد أحرقت النار بعضه فقال له الرجال عندي كثير وليست عندي سفن وأنا كاتب إلى قيصر في البعثة إلى بسفن أحمل فيها الرجال فكتب إلى قيصر في ذلك وبعث إليه بالانجيل المحرق فبعث إليه قيصر بسفن كثيرة (رجع الحديث إلى حديث ابن اسحاق) حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن اسحاق عن عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم أنه حدث أن رجلا من أهل نجران في زمن عمر بن الخطاب حفر خربة من خرب نجران لبعض حاجاته فوجد عبد الله بن الثامر تحت دفن منها قاعدا واضعا يده على ضربة في رأسه ممسكا عليها بيده فإذا أخرت يده عنها انبعثت دما وإذا أرسلت يده ردها عليها فامسك دمها في يده خاتم مكتوب فيه ربى الله فكتب فيه إلى عمر يخبره بامره فكتب إليهم عمر أن أقروه على حاله وردوا

[ 546 ]

عليه الدفن الذى كان عليه ففعلوا وخرج دوس ذو ثعلبان حين أعجز القوم على وجهه ذلك حتى تقدم على قيصر صاحب الروم فاستنصره على ذى نواس وجنوده وأخبره بما بلغ منهم فقال له قيصر بعدت بلادك من بلادنا ونأت عنا فلا نقدر على أن نتناولها بالجنود ولكني سأكتب لك إلى ملك الحبشة فإنه على هذا الدين وهو أقرب إلى بلادك منا فينصرك ويمنعك ويطلب لك بثأرك ممن ظلمك واستحل منك ومن أهل دينك ما استحل فكتب معه قيصر إلى ملك الحبشة يذكر له حقه وما بلغ منه ومن أهل دينه ويأمره بنصره وطلب ثأره ممن بغى عليه وعلى أهل دينه فلما قدم دوس ذو ثعلبان بكتاب قيصر على النجاشي صاحب الحبشة بعث معه سبعين ألفا من الحبشة وأمر عليهم رجلا منهم من أهل الحبشة يقال له أرياط وعهد إليه إن أنت ظهرت عليهم فاقتل ثلث رجالهم واخرب ثلث بلادهم واسب ثلث نسائهم وأبنائهم فخرج أرياط ومعه جنوده وفى جنوده أبرهة الاشرم فركب البحر ومعه دوس ذو ثعلبان حتى نزلوا بساحل اليمن وسمع بهم ذو نواس فجمع إليه حمير ومن أطاعه من قبائل اليمن فاجتمعوا إليه على اختلاف وتفرق لانقطاع المدة وحلول البلاء والنقمة فلم يكن له حرب غير أنه ناوش ذو نواس شيئا من قتال ثم انهزموا ودخلها إرياط بجموعه فلما رأى ذو نواس ما رأى مما نزل به وبقومه وجه فرسه إلى البحر ثم ضربه فدخل فيه فخاض به ضحضاح البحر حتى أفضى به إلى غمره فأقحمه فيه فكان آخر العهد به ووطئ إرياط اليمن بالحبشة فقتل ثلث رجالها وأخرب ثلث بلادها وبعث إلى النجاشي بثلث سباياها ثم أقام بها قد ضبطها وأذلها فقال قائل من أهل اليمن وهو يذكر ما ساق إليهم دوس ذو ثعلبان من أمر الحبشة فقال لا كدوس ولاكإعلاق رحله يعنى ما ساق إليهم من الحبشة فهى مثل باليمن إلى اليوم وقال ذو جدن الحميرى وهو يذكر حمير وما دخل عليها من الذل بعد العز الذى كانوا فيه وما هدم من حصون اليمن وكان إرياط قد أخرب مع ما أخرب من أرض اليمن سلحين

[ 547 ]

وبينون وغمدان حصونا لم يكن في الناس مثلها فقال هونك ليس يرد الدمع ما فاتا * لا تهلكى أسفا في ذكر من ماتا أبعد بينون لا عين ولا أثر * وبعد سلحين يبنى الناس أبياتا وقال ذوجدن الحميرى في ذلك دعينى لا أبالك لن تطيقي * لحاك الله قد أنزفت ريقي لدى عزف القيان إذ انتشينا * وإذ نسقى من الخمر الرحيق وشرب الخمر ليس على عارا * إذا لم يشكني فيها رفيقي فإن الموت لاينهاه ناه * ولو شرب الشفاء مع النشوق ولا مترهب في أسطوان * يناطح جدره بيض الانوق وغمدان الذى حدثت عنه * بنوه ممسكا في رأس نيق بمنهمة وأسفله جروب * وحر الموحل اللثق الزليق مصابيح السليط تلوح فيه * إذا يمسى كتوماض البروق ونخلته التى غرست إليه * يكاد البسر يهرز بالعذوق فأصبح بعد جدته رمادا * وغير حسنه لهب الحريق وأسلم ذو نواس مستميتا * وحذر قومه ضنك المضيق وقال ابن الذئبة الثقفى وهو يذكر حمير حين نزل بها السودان وما أصابوا منهم لعمرك ما للفتى من مفر * مع الموت يلحقه والكبر لعمرك ما للفتى صحرة * لعمرك ما إن له من وزر أبعد قبائل من حمير * أتوا ذا صباح بذات العبر بألف ألوف وحرابة * كمثل السماء قبيل المطر يصم صياحهم المقربا * ت ينفون من قاتلوا بالزمر سعالى كمثل عديد الترا * ييبس منهم رطاب الشجر

[ 548 ]

وأما هشام بن محمد فإنه زعم أن السفن لما قدمت على النجاشي من عند قيصر حمل جيشه فيها فخرجوا في ساحل المندب قال فلما سمع بهم ذو نواس كتب إلى المقاول يدعوهم إلى مظاهرته وأن يكون أمرهم في محاربة الحبشة ودفعهم عن بلادهم واحدا فأبوا وقالوا يقاتل كل رجل عن مقولته وناحيته فلما رأى ذلك صنع مفاتيح كثيرة ثم حملها على عدة من الابل وخرج حتى لقى جمعهم فقال هذه مفاتيح خزائن اليمن قد جئتكم بها فلكم المال والارض واستبقوا الرجال والذرية فقال عظيمهم كتب بذلك إلى الملك فكتب إلى النجاشي فكتب إلى أمره بقبول ذلك منهم فسار بهم ذو نواس حتى إذا دخل بهم صنعاء قال لعظيمهم وجه ثقات أصحابك في قبض هذه الخزائن ففرق أصحابه في قبضها ودفع إليهم المفاتيح وسبقت كتب ذى نواس إلى كل ناحية أن اذبحوا كل ثور أسود في بلدكم فقتلت الحبشة فلم يبق منهم إلا الشريد وبلغ النجاشي ماكان من ذى نواس فجهز إليه سبعين ألفا عليهم قائدان أحدهما أبرهة الاشرم فلما صاروا إلى صنعاء ورأى ذونواس أن لا طاقة له بهم ركب فرسه واعترض البحر فاقتحمه فكان آخر العهد به وأقام أبرهة ملكا على صنعاء ومخاليفها ولم يبعث إلى النجاشي بشئ فقيل للنجاشي إنه قد خلع طاعتك ورأى أنه قد استغنى بنفسه فوجه إليه جيشا عليه رجل من أصحابه يقال له إرياط فلما حل بساحته بعث إليه أبرهة أنه يجمعنى وإياك البلاد والدين والواجب على وعليك أن ننظر لاهل بلادنا وديننا ممن معى ومعك فإن شئت فبارزني فأينا ظفر بصاحبه كان الملك له ولم يقتل الحبشة فيما بيننا فرضى بذلك إرياط وأجمع أبرهة على المكر به فاتعدا موضعا يلتقيان فيه وأكمل أبرهة لارياط عبد ا له يقال له أرنجده في وهدة قريب من الموضع الذى التقيا فيه فلما التقيا سبق إرياط فزرق أبرهة بحربته فزالت الحربة عن رأسه وشرمت أنفه فسمى الاشرم ونهض أرنجده من الحفرة فزرق إرياط فأنفذه فقتله فقال أبرهة لارنجده احتكم فقال لا تدخل امرأة اليمن على زوجها حتى يبدأ بى قال لك ذاك فعبر بذلك زمانا ثم إن أهل اليمن عدوا عليه فقتلوه

[ 549 ]

فقال أبرهة قد أنى لكم أن تكونوا أحرارا وبلغ النجاشي قتل ارياط فآل أن لا يكون له ناهية دون أن يهريق دم أبرهة ويطأ بلاده وبلغ أبرهة اليته فكتب إليه أيها الملك انما كان ارياط عبد ك وأنا عبد ك قدم على يريد توهين ملكك وقتل جندك فسألته أن يكف عن قتالي إلى أن أوجه إليك رسولا فان أمرته بالكف عنى وإلا سلمت إليه جميع ما أنا فيه فأبى إلا محاربتي فحاربته فظهرت عليه وإنما سلطاني لك وقد بلغني أنك حلفت أن لا تنتهى حتى تهريق دمى وتطأ بلادي وقد بعثت إليك بقارورة من دمى وجراب من تراب أرضى وفى ذلك خروجك من يمينك فاستتم أيها الملك يدك عندي فانما أنا عبد ك وعزى عزك فرضى عنه النجاشي وأقره على عمله (رجع الحديث إلى حديث ابن اسحاق) قال فأقام ارياط باليمن سنين في سلطانه ذلك ثم نازعه في أمر الحبشة باليمن ابرهة الحبشى وكان في جنده حتى تفرقت الحبشة عليهما فانحار إلى كل واحد منهما طائفة منهم ثم سار أحدهما إلى الآخر فلما تقارب الناس ودنا بعضهم من بعض أرسل ابرهة إلى ارياط إنك لن تصنع بأن تلقى الحبشة بعضها ببعض حتى تفنيها شيئا فابرز لى وأبرز لك فأينا ما أصاب صاحبه انصرف إليه جنده فأرسل إليه ارياط ان قد أنصفتني فاخرج فخرج إليه ابرهة وكان رجلا قصيرا لحيما حادرا وكان ذادين في النصرانية وخرج إليه ارياط وكان رجلا عظيما طويلا وسيما وفى يده حربة وخلف ابرهة ربوة تمنع ظهره وفيها غلام له يقال له عتودة فلما دنا أحدهما من صاحبه رفع ارياط الحربة فضرب بها على رأس ابرهة يريد يافوخه فوقعت الحربة على جبهة ابرهة فشرمت حاجبه وعينه وأنفه وشفته فبذلك سمى ابرهة الاشرم وحمل غلام ابرهة عتودة على ارياط من خلف ابرهة فقتله وانصرف جند ارياط إلى ابرهة فاجتمعت عليه الحبشة باليمن فقال عتودة في قتله ارياط " أنا عتوده من فرقة أرده لا أب ولا أم نجده " أي يقول قتلك عبد ه قال فقال الاشرم عند ذلك لعتودة حكمك يا عتودة وإن كنت قتلته ولا ينبغى لنا ذلك إلا ديته فقال عتودة حكمي أن لا تدخل عروس من أهل اليمن على زوجها منهم حتى أصيبها قبله فقال ذلك لك ثم اخرج

[ 550 ]

دية ارياط وكان كل ما صنع ابرهة بغير علم النجاشي ملك الحبشة فلما بلغه ذلك غضب غضبا شديدا وقال عدا على أميرى فقتله بغير أمرى ثم حلف لا يدع ابرهة حتى يطأ بلاد ويجز ناصيته فلما بلغ ذلك ابرهة حلق رأسه ثم ملا جرابا من تراب اليمن ثم بعث به إلى النجاشي وكتب إليه أيها الملك انما كان ارياط عبد ك وأنا عبد ك فاختلفنا في أمرك وكل طاعته لك الا انى كنت أقوى منه على أمر الحبشة وأضبط لها وأسوس لها وقد حلقت رأسي كله حين بلغني قسم الملك وبعثت إليه بجراب من تراب أرض اليمن ليضعه تحت قدميه فيبر قسمه فلما انتهى ذلك إلى النجاشي رضى عنه وكتب إليه أن اثبت على عملك بأرض اليمن حتى يأتيك أمرى فلما رأى ابرهة ان النجاشي قد رضى عنه وملكه على الحبشة وأرض اليمن بعث إلى أبى مرة ابن ذى يزن فنزع منه امرأته ريحانة ابنة علقمة بن مالك بن زيد بن كهلان وأبو مرة ذو جدن وقد كانت ولدت لابي مرة معد يكرب بن أبى مرة فولدت لابرهة بعد أبى مرة مسروق بن أبرهة وبسباسة ابنة أبرهة وهرب منه أبو مرة فأقام ابرهة باليمن وغلامه عتودة يصنع باليمن ماكان أعطاه من حكمه حينا ثم عدا على عتودة رجل من حمير أو من خثعم فقتله فلما بلغ ابرهة قتله وكان رجلا حليما سيدا شريفا ورعا في دينه من النصرانية قال قد أنى لكم يا أهل اليمن أن يكون فيكم رجل حازم يأنف مما يأنف منه الرجال إنى والله لو علمت حين حكمته انه يسأل الذى سأل ما حكمته ولا أنعمته عينا وايم الله لا يؤخذ منكم فيه عقل ولا يتبعكم منى في قتله شئ تكرهون قال ثم ان ابرهة بنى القليس بصنعاء فبنى كنيسة لم ير مثلها في زمانها بشئ من الارض ثم كتب إلى النجاشي ملك الحبشة انى قد بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يبن مثلها لملك كان قبلك ولست بمنته حتى أصرف إليها حاج العرب فلما تحدثت العرب بكتاب ابرهة ذلك إلى النجاشي غضب رجل من النساك أحد بنى فقيم ثم أحد بنى مالك فخرج حتى أتى القليس فقعد فيها ثم خرج فلحق بأرضه فأخبر بذلك ابرهة فقال من صنع هذا فقيل صنعه رجل من أهل هذا البيت الذى تحج العرب إليه بمكة لما سمع من قولك أصرف إليه حاج العرب

[ 551 ]

فغضب فجاه فقعد فيها أي انها ليست لذلك بأهل فغضب عند ذلك ابرهة وحلف ليسيرن إلى البيت فيهدمه وعند ابرهة رجال من العرب قد قدموا عليه يلتمسون فضله منهم محمد بن خزاعي بن حزابة الذكوانى ثم السلمى في نفر من قومه معه أخ له يقال له قيس بن خزاعي فبيناهم عنده غشيهم عيد لابرهة فبعث إليهم فيه بغذائه وكان يأكل الخصى فلما أتى القوم بغذائه قالوا والله لئن أكلنا هذا لا تزال تعيبنا به العرب ما بقينا فقام محمد بن خزاعي فجاء ابرهة فقال أيها الملك هذا يوم عيد لنا لا نأكل فيه إلا الجنوب والايدى فقال له ابرهة فسنبعث إليكم ما أحببتم فإنما أكرمتكم بغذائى لمنزلتكم منى ثم ان ابرهة توج محمد بن خزاعي وأمره على مضر وأمره أن يسير في الناس يدعوهم إلى حج القليس كنيسته التى بناها فسار محمد بن خزاعي حتى إذا نزل ببعض أرض بنى كنانة وقد بلغ أهل تهامة أمره وما جاء له بعثوا إليه رجلا من هذيل يقال له عروة بن حياض الملاصى فرماه بسهم فقتله وكان مع محمد بن خزاعي أخوه قيس فهرب حين قتل أخوه فلحق بابرهة فاخبره بقتله فزاد ذلك ابرهة غضبا وحنقا وحلف ليغزون بنى كنانة وليهد من البيت (وأما هشام بن محمد) فانه قال بنى ابرهة بعد أن رضى عنه النجاشي وأقره على عمله كنيسة صنعاء فبناها بناء معجبا لم ير مثله بالذهب والاصباغ المعجبة وكتب إلى قيصر يعلمه أنه يريد بناء كنيسة بصنعاء يبقى أثرها وذكرها وساله المعونة له على ذلك فاعانه بالصناع والفسيفساء والرخام وكتب ابرهة إلى النجاشي حين استتم بناؤها إنى أريد أن أضرف إليها حاج العرب فلما سمعت بذلك العرب أعظمته وكبر عليها فخرج رجل من بنى مالك بن كنانة حتى قدم اليمن فدخل الهيكل فاحدث فيه فغضب ابرهة وأجمع على غزو مكة وهدم البيت فخرج سائرا بالحبشة ومعه الفيل فلقيه ذو نفر الحميرى فقاتله فاسره فقال أيها الملك إنما أنا عبد ك فاستبقني فان حياتي خير لك من قتلى فاستبقاه ثم سار فلقيه نفيل بن حبيب الخثعمي فقاتله فهزم أصحابه وأسره فسأله أن يستبقيه ففعل وجعله دليله في أرض العرب (رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق) قال ثم إن أبرهة حين أجمع السير إلى البيت أمر الحبشان

[ 552 ]

فتهيأت وتجهزت وخرج معه بالفيل قال وسمعت العرب بذلك فاعظموه وفظعوا به ورأوا جهاده حقا عليهم حين سمعوا أنه يريد هدم الكعبة بيت الله الحرام فخرج له رجل كان من أشراف أهل اليمن وملوكهم يقال له ذو نفر فدعا قومه ومن أجابه منهم من سائر العرب إلى حرب أبرهة وجهاده عن بيت الله وما يريد من هدمه وإخرابه فأجابه من أجابه إلى ذلك وعرض له فقاتله فهزم ذو نفر وأصحابه وأخذ له ذو نفر اسيرا فأتى به فلما أراد قتله قال له ذو نفر أيها الملك لا تقتلني فانه عسى أن يكون كونى معك خيرا لك من قتلى فتركه من القتل وحبسه عنده في وثاق وكان أبرهة رجلا حليما ثم مضى أبرهة على وجهه ذلك يريد ما خرج له حتى إذا كان بأرض خثعم عرض له نفيل بن حبيب الخثعمي في قبيلى خثعم شهران وناهس ومن تبعه من قبائل العرب فقاتله فهزمه أبرهة وأخذ له نفيل أسيرا فأتى به فلما هم بقتله قال له نفيل أيها الملك لا تقتلني فإنى دليلك بأرض العرب وهاتان يداى لك على قبيلى خثعم شهران وناهس بالسمع والطاعة فأعفاه وخلى سبيله وخرج به معه يد له على الطريق حتى إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود بن معتب في رجال ثقيف فقال له أيها الملك إنما نحن عبيدك سامعون لك مطيعون ليس لك عندنا خلاف وليس بيتنا هذا بالبيت الذى تريد يعنون اللات إنما تريد البيت الذى بمكة يعنون الكعبة ونحن نبعث معك من بدلك فتجاوز عنهم وبعثوا معه أبار غال فخرج أبرهة ومعه أبو رغال حتى أنزله المغمس فلما أنزله به مات أبو رغال هنالك فرجمت العرب قبره فهو القبر الذى يرجم الناس بالغمس ولما نزل أبرهة المغمس بعث رجلا من الحبشة يقال له الاسود بن مقصود على خيل له حتى انتهى إلى مكة فساق إليه أموال أهل مكة من قريش وغيرهم وأصاب فيها مائتي بعير لعبد المطلب ابن هاشم وهو يومئذ كبير قريش وسيدها فهمت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بالحرم من سائر الناس بقتاله ثم عرفوا أنه لا طاقة لهم به فتركوا ذلك وبعث أبرهة حناطة الحميرى إلى مكة فقال له سل عن سيد هذا البلد وشريفهم ثم قل له إن الملك يقول لكم إنى لم آت لحربكم إنما جئت لهدم البيت فان لم تعوضوا دونه بحرب فلا

[ 553 ]

حاجة لى بدمائكم فان لم يرد حربى فأتني به فلما دخل حناطة مكة سأل عن سيد قريش وشريفها فقيل له عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصى فجاءه فقال له ما أمره به أبرهة فقال له عبد المطلب والله ما نريد حربه وما لنا بذلك من طاقة هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم أو كما قال فان يمنعه فهو بيته وحرمه وإن يخل بينه وبينه فوالله ما عندنا من دفع عنه أو كما قال له فقال له حناطة فانطلق إلى الملك فانه قد أمرنى أن آتيه بك فانطلق معه عبد المطلب ومعه بعض بنيه حتى أتى العسكر فسأل عن ذى نفر وكان له صديقا حتى دل عليه وهو في محبسه فقال له يا ذا نفر هل عندك غناء فيما نزل بنا فقال له ذو نفر وما غناء رجل أسير بيدى ملك ينتظر أن يقتله غدوا أو عشيا ما عندي غناء في شئ مما نزل بك الا أن أنيسا سائس الفيل لى صديق فسأ رسل إليه فاوصيه بك وأعظم عليه حقك وأسأله أن يستاذن لك على الملك فتكلمه بما تريد ويشفع لك عنده بخير إن قدر على ذلك قال حسبى فبعث ذو نفر إلى أنيس فجاء به فقال يا أنيس إن عبد المطلب سيد قريش وصاحب غير مكة يطعم الناس بالسهل والوحوش في رؤس الجبال وقد أصاب له الملك مائتي بعير فاستأذن له عليه وأنفعه عنده بما استطعت قال افعل فكلم أنيس أبرهة فقال أيها الملك هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك وهو صاحب غير مكة يطعم الناس بالسهل والوحوش في رؤس الجبال فاذن له عليك فيكلمك بحاجته وأحسن إليه قال فأذن له أبرهة وكان عبد المطلب رجلا عظيما وسيما جسيما فلما رآه أبرهة أجله وأكرمه أن يجلس تحته وكره أن تراه الحبشة يجلسه معه على سرير ملكه فنزل أبرهة عن سريره فجلس على بساطه وأجلسه معه عليه إلى جنبه ثم قال لترجمانه قل له حاجتك إلى الملك فقال له ذلك الترجمان فقال عبد المطلب حاجتى إلى الملك أن يرد على مائتي بعير أصابها لى فلما قال له ذلك قال أبرهة لترجمانه قل له قد كنت أعجبتني حين رأيتك ثم زهدت فيك حين كلمتني أتكلمني في مائتي بعير قد أصبتها لك وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه قال له عبد المطلب انى أنا رب الابل وإن للبيت ربا سمنعه قال ما كان ليمنع

[ 554 ]

منى قال أنت وذاك اردد إلى ابلى وكان فيما زعم بعض أهل العلم قد ذهب عبد المطلب إلى أبرهة حين بعث إليه حناطة بعمرو بن نفاثة بن عدى بن الدئل بن بكر بن عبد مناة ابن كنانة وهو يومئذ سيد بنى كنانة وخويلد بن واثلة الهذلى وهو يومئذ سيد هذيل فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة على أن يرجع عنهم ولا يهدم البيت فأبى عليهم والله أعلم وكان أبرهة قد رد على عبد المطلب الابل التى أصاب له فلما انصرفوا عنه انصرف عبد المطلب إلى قريش فأخبرهم الخبر وأمرهم بالخروج من مكة والتحرز في شعف الجبال والشعاب تخوفا عليهم معرة الجيش ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة الباب باب الكعبة وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده فقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة يا رب لا أرجوا لهم سواكا * يا رب فامنع منهم حماكا إن عدو الييت من عاداكا * إمنعهم أن يخربوا قراكا ثم قال أيضا لاهم إن العبد يم‍ * نع رحله فامنع حلالك لا يغلبن صليبهم * ومحالهم عدوا محالك فلئن فعلت فربما * أولى فأمر ما بدالك ولئن فعلت فإنه * أمر تتم به فعالك وكنت إذا أتى باغ بسلم * نرجى أن تكون لنا كذلك فولوا لم ينالوا غير خزى * وكان الحين يهلكهم هنالك ولم أسمع بأرجس من رجال * أرادوا العز فانتهكوا حرامك جروا جموع بلادهم * والفيل كى يسبوا عيالك عمدوا حماك بكيدهم * جهلا وما رقبوا جلالك ثم أرسل عبد المطلب حلقة الباب باب الكعبة وانطلق هو ومن معه من قريش إلى شعف الجبال فتحرزوا فيها ينتظرون ما أبرهة فاعل بمكة إذ دخلها

[ 555 ]

فلما اصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة وهيأ فيله وعبى جيشه وكان اسم الفيل محمود وابرهة مجمع لهدم البيت ثم الانصراف إلى اليمن فلما وجهوا الفيل أقبل نفيل ابن حبيب الخثعمي حتى قام إلى جنبه ثم أخذ بإذنه فقال ابرك محمود وارجع راشدا من حيث جئت فإنك في بلد الله الحرام ثم أرسل أذنه فبرك الفيل وخرج نفيل بن حبيب يشتد حتى صعد في الجبل وضربوا الفيل ليقوم فابى وضربوا في رأسه بالطبرزين ليقوم فابى فادخلوا محاجن لهم في مرافه فبزغوه ليقوم فابى فوجهوه راجعا إلى اليمن فقام يهرول ووجهوه إلى الشأم ففعل مثل ذلك ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك ووجهوه إلى مكة فبرك وأرسل الله عليهم طيرا من البحر أمثال الخطاطيف مع كل طير منها ثلاثة أحجار يحملها حجر في منقاره وحجران في رجليه مثل الحمص والعدس لا تصيب منهم أحدا الا هلك وليس كلهم أصابت وخروا هاربين يبتدرون الطريق الذى منه جاؤا ويسألون عن نفيل بن حبيب ليدلهم على الطريق إلى اليمن فقال نفيل بن حبيب حين رأى ما أنزل الله بهم من نقمته أين المفر والاله الطالب * والاشرم المغلوب غير الغالب وقال نفيل أيضا ألا حييت عنا يا ردينا * نعمناكم مع الاصباح عينا أتانا قابس منكم عشاء * فلم يقدر لقابسكم لدينا ردينة لو رأيت ولم تريه * لدى جنب المحصب ما رأينا إذا لعذرة وحمدت رأيى * ولم تأسي على ما فات بينا حمدت الله إذ عاينت طيرا * وخفت حجارة تلقى علينا فكل القوم يسأل عن نفيل * كأن على للحبشان دينا فخرجوا يتساقطون بكل طريق ويهلكون على كل منهل وأصيب ابرهة في جسده وخرجوا به معهم تسقط أنا مله أنملة أنملة كلما سقطت منه أنملة اتبعتها منه مدة تمث قيحا ودما حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطير فما مات

[ 556 ]

حتى انصدع صدره عن قلبه فيما يزعمون * حدثنى الحارث قال حدثنا محمد ابن سعد قال حدثنا محمد بن عمر قال حدثنا عبد الله بن عثمان بن أبى سليمان عن أبيه قال وحدثنا محمد بن عبد الرحمن بن السلمانى عن أبيه قال وحدثنا عبد الله ابن عمرو بن زهير الكعبي عن أبى مالك الحميرى عن عطاء بن يسار قال وحدثنا محمد بن أبى سعيد الثقفى عن يعلى بن عطاء عن وكيع بن عدس عن عمه أبى رزين العقيلى قال وحدثنا سعيد بن مسلم عن عبد الله بن كثير بن مجاهد عن ابن عباس دخل حديث بعضهم في حديث بعض قالوا كان النجاشي قد وجه أرياط أبا صحم في أربعة آلاف إلى اليمن فأداخها وغلب عليها فاعطى الملوك واستذل الفقراء فقام رجل من الحبشة يقال له ابرهة الاشرم أبو يكسوم فدعا إلى طاعته فأجابوه فقتل أرياط وغلب على اليمن فرأى الناس يتجهزون أيام الموسم للحج إلى البيت الحرام فسال أين يذهب الناس فقالوا يحجون إلى بيت الله بمكة قال مم هو قالوا من حجارة قال فما كسوته قالوا ما يأتي من ههنا الوصائل قال والمسيح لابنين لكم خيرا منه فبنى لهم بيتا عمله بالرخام الابيض والاحمر والاصفر والاسود وحلاه بالذهب والفضة وحفه بالجوهر وجعل له أبو ابا عليها صفائح الذهب ومسامير الذهب وفصل بينها بالجوهر وجعل فيها ياقوتة حمراء عظيمة وجعل لها حجابا وكان يوقد بالمندل ويلطخ جدره بالمسك فيسوده حتى يغيب الجوهر وأمر الناس فحجوه فحجه كثير من قبائل العرب سنين ومكث فيه رجال يتعبدون ويتألهون ونسكوا له وكان نفيل الخثعمي يؤرض له ما يكره فلما كان ليلة من الليالى لم ير أحدا يتحرك فقام فجاء بعذرة فلطخ بها قبلته وجمع جيفا فالقاها فيه فاخبر ابرهة بذلك فغضب غضبا شديدا وقال إنما فعلت هذا العرب غضبا لبيتهم لا نقضنه حجرا حجرا وكتب إلى النجاشي يخيره بذلك ويسأله ان يبعث إليه بفيله محمود وكان فيلا لم ير مثله في الارض عظما وجسما وقوة فبعث به إليه فلما قدم عليه الفيل سار ابرهة بالناس ومعه ملك حمير ونفيل ابن حبيب الخثعمي فلما دنا من الحرم امر اصحابه بالغارة على نعم الناس

[ 557 ]

فأصابوا إبلا لعبد المطلب وكان نفيل صديقا لعبد المطب فكلمه في إبله فكلم نفيل إبرهة فقال ايها الملك قد اتاك سيد العرب وافضلهم قدرا واقدمهم شرفا يحمل على الجياد ويطعم الاموال ويطعم ما هبت الريح فادخله على ابرهة فقال حاجتك قال ترد على إبلى فقال ما أرى ما بلغني عنك إلا الغرور وقد ظننت انك تكلمني في بيتكم الذى هو شرفكم فقال عبد المطلب اردد على إبلى ودونك البيت فإن له ربا سيمنعه فامر برد إبله عليه فلما قبضها قلدها النعال وأشعرها وجعلها هديا وبثها في الحرم لكى يصاب منها شئ فيغضب رب الحرم وأوفى عبد المطلب على حرى ومعه عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم ومطعم بن عدى وأبو مسعود الثقفى فقال عبد المطلب لاهم إن المرء يم‍ * نع رحله فامنع حلالك لا يغلبن صليبهم * ومحالهم عدوا محالك إن كنت تاركهم وقب‍ * لتنا فأمر ما بدالك قال فأقبلت الطير من البحر أبابيل مع كل طير ثلاثة أحجار حجران في رجليه وحجر في منقاره فقذفت الحجارة عليهم لا تصيب شيئا إلا هشمته والا نفط ذلك الموضع فكان ذلك أول ما كان الجدرى والحصبة والاشجار المرة فأهمدتهم الحجارة وبعث الله سبيلا اتيا فذهب بهم فألقاهم في البحر قال وولى ابرهة ومن بقى معه هرابا فجعل ابرهة يسقط عضوا عضوا وأما محمود فيل النجاشي فربض ولم يشجع على الحرم فنجا وأما الفيل الآخر فشجع فحصب ويقال كانت ثلاثة عشر فيلا ونزل عبد المطلب من حرى فأقبل رجلان من الحبشة فقبلا رأسه وقالا أنت كنت أعلم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة ابن الاخنس أنه حدث أن أول ما رؤيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام وانه أول ما رؤى بها مرار الشجر الحرمل والحنظل والعشر ذلك العام * قال ابن اسحاق ولما هلك ابرهة ملك اليمن ابنه في الحبشة يكسوم بن ابرهة وبه كان يكنى فذلت حمير وقبائل اليمن ووطئتهم الحبشة فنكحوا نساءهم وقتلوا رجالهم

[ 558 ]

واتخذوا أبناءهم تراجمة بينهم وبين العرب قال ولما رد الله الحبشة عن مكة فأصابهم ما أصابهم من النقمة عظمت العرب قريشا وقالوا أهل الله قاتل الله عنهم فكفاهم مؤونة عدوهم قال ولما هلك يكسوم بن ابرهة ملك اليمن في الحبشة أخوه مسروق ابن ابرهة فلما طال البلاء على أهل اليمن وكان ملك الحبشة باليمن فيما بين أن دخلها ارياط إلى أن قتلت الفرس مسروقا وأخرجوا الحبشة من اليمن ثنتين وسبعين سنة توارث ذلك منهم أربعة ملوك أرياط ثم ابرهة ثم يكسوم بن ابرهة ثم مسروق ابن ابرهة فخرج سيف بن ذى يزن الحميرى وكان يكنى بأبى مرة حتى قدم على قيصر ملك الروم فشكا ماهم فيه وطلب إليه أن يخرجهم عنه ويليهم هو ويبعث إليهم من شاء من الروم فيكون له ملك اليمن فلم يشكه ولم يجد عنده شيئا مما يريد فخرج حتى قدم الحيرة على النعمان بن المنذر وهو عامل كسرى على الحيرة وما يليها من أرض العرب من العراق فشكا إليه ما هم فيه من البلاء والذل فقال له النعمان إن لى على كسرى وفادة في كل عام فاقم عندي حتى يكون ذلك فاخرج بك معى قال فاقام عنده حتى خرج النعمان إلى كسرى فخرج معه إلى كسرى فلما قدم النعمان على كسرى وفرغ من حاجته ذكر له سيف بن ذى يزن وما قدم له وسأل أن يأذن له عليه ففعل وكان كسرى إنما يجلس في إيوان مجلسه الذى فيه تاجه وكان تاجه مثل القنقل العظيم مضروبا فيه الياقوت والزبرجد واللؤلؤ والذهب والفضة معلقا بسلسلة من ذهب في رأس طاق مجلسه ذلك كانت عنقه لا تحمل تاجه انما يستر بالثياب حتى يجلس في مجلسه ذلك ثم يدخل رأسه في تاجه فإذا استوى في مجلسه كشف الثياب عنه فلا يراه رجل لم يره قبل ذلك إلابرك هيبة له فلما دخل عليه سيف بن ذى يزن برك ثم قال أيها الملك غلبتنا على بلادنا الاغربة فقال كسرى أن الاغربة الحبشة أم السند قال بل الحبشة فجئتك لتنصرني عليهم وتخرجهم عنى ويكون ملك بلادي لك فانت أحب الينا منهم قال بعدت أرضك من أرضنا وهى أرض قليلة الخير انما بها الشاء والبعير وذلك مما لا حاجة لنا به فلم أكن لاورط جيشا من فارس بأرض العرب لا حاجة لى بذلك ثم

[ 559 ]

أمر فاجيز بعشرة آلاف درهم واف وكساه كسوة حسنة فلما قبض ذلك سيف اين ذى يزن خرج فجعل ينثر الورق للناس ينهبها الصبيان والعبيد والاماء فلم يلبث ذلك أن دخل على كسرى فقيل له العربي الذى أعطيته ما أعطيته ينثر دراهمه للناس ينهبها العبيد والصبيان والاماء فقال كسرى إن لهذا الرجل لشأنا ائتونى به فلما دخل عليه قال عمدت إلى حباء الملك الذى حباك به تنثره للناس قال وما أصنع بالذى أعطاني الملك ما جبال أرضى التى جئت منها إلا ذهب وفضة يرغبه فيها لا رأى من زهادته فيها إنما جئت الملك ليمنعني من الظلم ويدقع عنى الذل فقال له كسرى أقم عندي حتى أنظر في أمرك فاقام عنده وجمع كسرى مرازبته وأهل الرأى ممن كان يستشيره في أمره فقال ما ترون في أمر هذا الرجل وما جاء له فقال قائل منهم أيها الملك ان في سجونك رجالا قد حبستهم للقتل فلو أنك بعثتهم معه فان هلكوا كان الذى أردت به وإن ظفروا على بلاده كان ملكا ازددته إلى ملكك فقال إن هذا الرأى أحصوا لى كم في سجوني من الرجال فحسبوا له فوجدوا في سجونه ثمانمائة رجل فقال انظروا إلى أفضل رجل منهم حسبا وبيتا اجعلوه عليهم فوجدوا أفضلهم حسبا وبيتا وهرز وكان ذا سن فبعثه مع سيف وأمره على أصحابه ثم حملهم في ثمانى سفائن في كل سفينة مائة رجل وما يصلحهم في البحر فخرجوا حتى إذا لججوا في البحر غرقت من السفن سفينتان بما فيهما فخلص إلى ساحل اليمن من أرض عدن ست سفائن فيهن ستمائة رجل فيهم وهرز وسيف بن ذى يزن فلما اطمأنا بأرض اليمن قال وهرز لسيف ما عندك قال ما شئت من رجل عربي وفرس عربي ثم اجعل رجلى مع رجلك حتى نموت جميعا أو نظهر جميعا قال وهرز أنصفت وأحسنت فجمع إليه سيف من استطاع من قومه وسمع بهم مسروق بن ابرهة فجمع إليه جنده من الحبشة * ثم سار إليهم حتى إذا تقارب العسكران نزل الناس بعضهم إلى بعض بعث وهرزا بناله كان معه يقال له نوزاذ على جريدة خيل فقال له ناوشهم القتال حتى ننظر كيف قتالهم فخرج إليهم فناوشهم شيئا من قتال ثم تورط في مكان لم يستطع الخروج

[ 560 ]

منه فقتلوه فزاد ذلك وهرز حنقا عليهم وجدا على قتالهم فلما تواقف الناس على مصافهم قال وهرز أرونى ملكهم فقالوا ترى رجلا على الفيل عاقدا تاجه على رأسه بين عينيه ياقوته حمراء قال نعم قالوا ذاك ملكهم قال اتركوه فوقفوا طويلا ثم قال على ما هو قالوا قد تحول على الفرس فقال اتركوه فوقفوا طويلا ثم قال على ما هو قالوا قد تحول على البغلة قال ابنة الحمار ذل وذل ملكه هل تسمعون أنى سأرميه فإن رأيتم أصحابه وقوفا لم يتحركوا فاثبتوا حتى أوذنكم فإنى قد أخطأت الرجل وإن رأيتم القوم قد استداروا ولا ثوابه فقد أصبت الرجل فاحملوا عليهم ثم أوتر قوسه وكانت فيما زعموا لا يوترها غيره من شدتها ثم أمر بحاجبيه فعصبا لم ثم وضع في قوسه نشابة فمغط فيها حتى إذا ملاها أرسلها فصك بها الياقوتة التى بين عينيه فتغلغلت النشابة في رأسه حتى خرجت من قفاه وتنكس عن دابته واستدارت الحبشة ولاثت به وحملت عليهم الفرس وانهزمت الحبشة فقتلوا وهرب شريدهم في كل وجه فأقبل وهرز يريد صنعاء يدخلها حتى إذا أتى بابها قال لا تدخل رايتى منكسة أبدا اهدموا الباب فهدم باب صنعاء ثم دخلها ناصبا رايته يسار بها بين يديه فلما ملك اليمن ونفى عنها الحبشة كتب إلى كسرى إنى قد ضبطت لك اليمن وأخرجت من كان بها من الحبشة وبعث إليه بالاموال فكتب إليه كسرى يأمره أن يملك سيف بن ذى يزن على اليمن وأرضها وفرض كسرى على سيف بن ذى يزن جزية وخرج يؤديه إليه في كل عام معلوم يبعث إليهم في كل عام وكتب إلى وهرز أن يتصرف إليه فانصرف إليه وهرز وملك سيف بن ذى يزن على اليمن وكان أبو ه ذو يزن من ملوك اليمن * فهذا ما حدثنا به ابن حميد عن سلمة عن ابن إسحاق من أمر حمير والحبشة وملكهم وتوجيه كسرى من وجه لحرب الحبشة باليمن (وأما هشام بن محمد) فإنه قال ملك بعد أبرهة يكسوم ثم مسروق قال وهو الذى قتله وهرز في ملك كسرى بن قباذ ونفى الحبشة عن اليمن قال وكان من حديثه أن أبا مرة الفياض ذايزن كان من أشراف اليمن وكانت تحته ريحانة ابنة ذى جدن فولدت له غلاما سماه معديكرب وكانت ذات جمال

[ 561 ]

فانتزعها الاشرم من أبى مرة فاستنكحها فخرج أبو مرة من اليمن فلحق ببعض ملوك بنى المنذر أظنه عمرو بن هند فسأله أن يكتب له إلى كسرى كتابا يعلمه فيه قدره وشرفه ونزوعه إليه فيما نزع إليه فيه فقال لا تعجل فإن لى عليه في كل سنة وفادة وهذا وقتها فأقام قبله حتى وفد عليه معه فدخل عمرو بن هند على كسرى فذكر له شرف ذى يزن وحاله واستأذن له فدخل فأوسع له عمرو فلما رأى ذلك كسرى علم أن عمرا لم يصنع بهذلك بين يديه إلا لشرفه فأقبل عليه فألطفه وأحسن مسألته وقال له ما الامر الذى نزع بك قال أيها الملك إن السودان قد غلبونا على بلادنا وركبوا منا أمورا شنعة أجل الملك عن ذكرها فلو أن الملك تناولنا بنصره من غير أن نستنصره لكان حقيقا بذلك لفضله وكرمه وتقدمه لسائر الملوك فكيف وقد نزعنا إليه مؤلمين له راجين لان يقصم الله عدونا وينصرنا عليهم وينتقم لنا به منهم فإن رأى الملك أن يصدق ظننا ويحقق رجاءنا ويوجه معى جيشا ينفون هذا العدو عن بلادنا فيزدادها إلى ملكه فإنها من أخصب البلدان وأكثرها خيرا وليست كما يلى الملك من بلاد العرب فعل قال قد علمت أن بلادكم كما وصفت فأى السودان غلبوا عليها الحبشة أم السند قال بل الحبشة قال أنو شروان إنى لا أحب أن أصدق ظنك وأن تنصرف بحاجتك ولكن المسلك للجيش إلى بلادك صعب وأكره أن أغرره بجندي ولى فيما سألت نظر وأنت على ما تحب فأمر بإنزاله وإكرامه فلم يزل مقيما عنده حتى هلك وقد كان أبو مرة قال قصيدة بالحميرية يمتدح فيها كسرى فلما ترجمت له أعجب بها وولدت ريحانة ابنة ذى جدن لابرهة الاشرم غلاما فسماه مسروقا ونشأ معديكرب بن ذى يزن مع أمه ريحانة في حجر أبرهة فسبه ابن لابرهة فقال له لعنك الله ولعن أباك وكان معديكرب لا يحسب إلا أن الاشرم أبو ه فأتى أمه فقال لها من أبى قالت الاشرم قال لا والله ما هو أبى ولو كان أبى ما سبنى فلان فأخبرته أن أباه أبو مرة الفياض واقتصت عليه خبره فوقع ذلك في نفس الغلام ولبث بعد ذلك ليثا ثم إن الاشرم مات ومات ابنه يكسوم فخرج ابن ذى يزن قاصدا إلى ملك

[ 562 ]

الروم وتجنب كسرى لابطائه عن نصر أبيه فلم يجد عند ملك الروم ما يحب ووجده يحامى عن الحبشة لموافقتهم إياه على الدين فانكفأ راجعا إلى كسرى فاعترضه يوما وقد ركب فصاح به أيها الملك إن لى عندك ميراثا فدعا به كسرى لما نزل وقال من أنت وما ميراثك قال أنا ابن الشيخ اليماني ذى يزن الذى وعدته أن تنصره فمات ببابك وحضرتك فتلك العدة حق لى وميراث يجب عليك الخروج لى منه فرق له كسرى وأمر له بمال فخرج الغلام فجعل ينثر الدراهم فانتهبها الناس فأرسل إليه كسرى ما الذى حملك على ما صنعت قال إنى لم آتك للمال إنما جئتك للرجال ولتمنعنى من الذل فأعجب ذلك كسرى فبعث إليه أن أقم حتى أنظر في أمرك ثم إن كسرى استشار وزراءه في توجيه الجند معه فقال له الموبذان إن لهذا الغلام حقا بنزوعه وموت أبيه بباب الملك وحضرته وما تقدم من عدته إياه وفى سجون الملك رجال ذو نجدة وباس فلو أن الملك وجههم معه فإن أصابوا ظفرا كان له وإن هلكوا كان قد استراح وأراح أهل مملكته منهم ولم يكن ذلك ببعيد من الصواب قال كسرى هذا الرأى وأمر بمن كان في السجون من هذا الضرب فاحصوا فبلغوا ثمانمائة نفر فقود عليهم قاثدا من أساورته يقال له وهرزكان كسرى يعدله بالف أسوار وقواهم وجهزهم وأمر بحملهم في ثمانى سفائن في كل سفينة مائة رجل فركبوا البحر فغرفت من الثمانى السفن سفينتان وسلمت ست فخرجوا بساحل حضر موت وسار إليهم مسروق في مائة ألف من الحبشة وحمير والاعراب ولحق بابن ذى يزن بشر كثير ونزل وهرز على سيف البحر وجعل البحر وراء ظهره فلما نظر مسروق إلى قلتهم طمع فيهم فارسل إلى وهرز ما جاء بك وليس معك إلا من أرى ومعى من ترى لقد غررت بنفسك وأصحابك فإن أحببت أذنت لك فرجعت إلى بلادك ولم أهجك ولم ينلك ولا أحدا من أصحابك منى ولا من أحد من أصحابي مكروه وان أحببت ناجزتك الساعة وان أحببت أجلتك حتى تنظر في أمرك وتشاور أصحابك فاعظم وهرز أمرهم ورأى أنه لا طاقة له بهم فارسل إلى مسروق بل تضرب بينى وبينك أجلا وتعطيني موثقا وعهدا وتاخذ مثله منى أن لا يقاتل

[ 563 ]

بعضنا بعضا حتى ينقضى الاجل ونرى رأينا ففعل ذلك مسروق ثم أقام كل واحد منهما في عسكره حتى إذا مضى من الاجل عشرة أيام خرج ابن وهرز يسير على فرس له ختى دنا من عسكرهم وحمله فرسه فتوسط به عسكرهم فقتلوه ووهرز لا يشعر به فلما بلغه قتل ابنه أرسل إلى مسروق قد كان بينى وبينكم ما قد علمتم فلم قتلتم ابني فارسل إليه مسروق إن ابنك حمل علينا وتوسط عسكرنا فثار إليه سفهاء من سفهائنا فقتلوه وقد كنت لقتله كارها قال وهرز للرسول قل له إنه لم يكن ابني إنما كان ابن زانية ولو كان ابني لصبر ولم يغدر حتى ينقضى الاجل الذى بيننا ثم أمر فرمى به في الصعيد حيث ينظر إلى جثمانه وحلف أن لا يشرب خمرا ولا يدهن رأسه حتى ينقضى الاجل بينه وبينهم فلما انقضى الاجل إلا يوما واحدا أمر بالسفن التى كانوا فيها فاحرقت بالنار وأمر بما كان معهم من فضل كسوة فأحرق ولم يدع منه إلا ما كان على أجسادهم ثم دعا بكل زاد معهم فقال لاصحابه كلوا هذا الزاد فأكلوه فلما انتهوا أمر بفضله فألقى في البحر ثم قام فيهم خطيبا فقال أما ما حرقت من سفنكم فإنى أردت أن تعلموا أنه لا سبيل إلى بلادكم أبدا وأما ما حرقت من ثيابكم فإنه كان يغيظنى إن ظفرت بكم الحبش أن يصير ذلك إليهم وأما ما ألقيت من زادكم في البحر فإنى كرهت أن يطمع أحد منكم أن يكون معه زاد يعيش به يوما واحدا فإن كنتم قوما تقاتلون معى وتصبرون أعلمتموني ذلك وإن كنتم لا تفعلون اعتمدت على سيفى هذا حتى يخرج من ظهرى فإنى لم أكن لامكنهم من نفسي أبدا فانظروا ما تكون حالكم إذا كنت رئيسكم وفعلت هذا بنفسى فقالوا لابل نقاتل معك حتى نموت عن آخرنا أو نظفر فلما كان صبح اليوم الذى انقضى فيه الاجل عبى أصحابه وجعل البحر خلفه وأقبل عليهم يحضهم على الصبر ويعلمهم أنهم منه بين خلتين إما ظفروا بعدوهم وإما ماتوا كراما وأمرهم أن تكون قسيهم موترة وقال إذا أمرتكم أن ترموا فارموهم رشقا بالبنجكان ولم يكن أهل اليمن رأوا النشاب قبل ذلك وأقبل مسروق في جمع لا يرى طرفاه على فيل على رأسه تاج بين عينيه ياقوته حمراء مثل البيضة لا يرى أن دون الظفر شيئا وكان وهرزقد كل بصره

[ 564 ]

فقال أرونى عظيمهم فقالوا هو صاحب الفيلثم لم يلبث مسروق أن نزل فركب فزسا فقالوا قد ركب فرسا فقال ارفعوا لى حاجبي وقد كانا سقطا على عينيه من الكبر فرفعوهما بعصابة ثم أخرج نشابة فوضعها في كبد قوسه وقال أشيروا لى إلى مسروق فاشاروا له إليه حتى أثبته ثم قال لهم ارموا فرموا ونزع في قوسه حتى إذا ملاها سرح النشابة فاقبلت كأنها رشاء حتى صكت جبهة مسروق فسقط عن دابته وقتل في ذلك الرشق منهم جماعة كثير وانفض صفهم لما رأوا صاحبهم صريعا فلم يكن دون الهزيمة شئ وأمر وهرز بجثة ابنه من ساعته فووريت وأمر بجثة مسروق فالقيت مكانها وغنم من عسكرهم مالا يحصى ولا يعد كثرة وجعل الاسوار ياخذ من الحبشة ومن حمير والاعراب الخمسين والستين فيسوقهم مكتفين لا يمتنعون منه فقال وهرز أما حمير والاعراب فكفوا عنهم واقصدوا قصد السودان فلا تبقوا منهم أحدا فقتلت الحبشة يومئذ حتى لم يبق منهم كثير أحد وهرب رجل من الاعراب على جمل له فركضه يوما وليلة ثم التفت فإذا في الحقيبة نشابة فقال لامك الويل أبعد أم طول مسير حسب إن النشابة لحقته وأقبل وهرز حتى دخل صنعاء وغلب على بلاد اليمن وفرق عماله في المخاليف وفى ابن ذى يزن وما كان منه ومن وهرز والفرس يقول أبو الصلت أبو أمية بن أبى الصلت الثقفى ليطلب الوتر أمثال ابن ذى يزن * ريم في البحر للاعداء أحوالا أتى هرقل وقد شالت نعامتهم * فلم يجد عنده بعض الذى قالا ثم انتحى نحو كسرى بعد سابعة * من السنين لقد أبعدت إيغالا حتى أتى ببنى الاحرار يحملهم * إنك لعمري لقد أطولت قلقالا من مثل كسرى شهنشاه الملوك له * أو مثل وهرز يوم الجيش إذ صالا لله درهم من عصبة خرجوا * ما إن ترى لهم في الناس أمثالا غر جحا جحة بيض مرازبة * أسد تربب في الغيضات أشبالا يرمون عن شدف كأنها عبط * في زمخر يعجل المرمى اعجالا

[ 565 ]

أرسلت أسدا على سود الكلاب فقد * أضحى شريدهم في الارض فلالا فأشرب هنيئا عليك التاج متكئا * في رأس غمدان دارا منك محلالا وأطل بالمسك إذ شالت نعامتهم * وأسبل اليوم في برديك إسبالا تلك المكارم لاقعبان من لبن * شيبا بماء فعادا بعد أبو الا رجع الحديث إلى حديث ابن اسحاق قال فلما انصرف وهرز إلى كسرى وملك سيفا على اليمن عدا على الحبشة فجعل يقتلها ويبقر النساء عما في بطونها حتى إذا أفناها إلا بقايا ذليلة قليلة فاتخذهم خولا واتخذ منهم جمازين يسعون بين يديه بحرابهم فمكث بذلك حينا غير كثير ثم إنه خرج يوما والحبشة تسعى بين يديه بحرابهم حتى إذا كان في وسط منهم وجؤوه بالحراب حتى قتلوه ووثب بهم رجل من الحبشة فقتل باليمن وأوعث فافسد فلما بلغ ذلك كسرى بعث إليهم وهرز في أربعة آلاف من الفرس وأمره أن لا يترك باليمن أسود ولا ولد عربية من أسود إلا قتله صغيرا أو كبيرا ولا يدع رجلا جعدا قططا قد شرك فيه السودان إلا قتله فاقبل وهرز حتى دخل اليمن ففعل ذلك ولم يترك بها حبشيا إلا قتله ثم كتب إلى كسرى بذلك فأمره كسرى عليها فكان عليها وكان يجيبها إلى كسرى حتى هلك وأمر كسرى بعده ابنه المرزبان بن وهرز فكان عليها حتى هلك فامر كسرى بعده البينجان بن المرزبان بن وهرز حتى هلك ثم أمر كسرى بعده خر خسره بن البينجان بن المرزبان بن وهرز فكان عليها ثم إن كسرى غضب عليه فحلف ليأتينه به أهل اليمن يحملونه على أعناقهم ففعلوا فلما قدم على كسرى تلقاه رجل من عظماء فارس فألقى عليه سيفا لابي كسرى فأجاره كسرى بذلك من القتل ونزعه وبعث بأذان إلى اليمن فلم يزل عليها حتى بعث الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم وكان فيما ذكر بين كسرى أنو شروان وبين يخطيانوس ملك الروم موادعة وهدنة فوقع بين رجل من العرب كان ملكه يخطيانوس على عرب الشأم يقال له خالد بن جبلة وبين رجل من لخم كان ملكه كسرى على ما بين عمان والبحرين واليمامة إلى الطائف وسائر الحجاز ومن فيها من العرب يقال له المنذر بن النعمان نائرة فأغار خالد بن

[ 566 ]

جبلة على حيز المنذر فقتل من أصحابه مقتلة عظيمة وغنم أموالا من أمواله فشكا ذلك المنذر إلى كسرى وسأله الكتاب إلى ملك الروم في إنصافه من خالد فكتب كسرى إلى يخطيانوس يذكر ما بينهما من العهد على الهدنة والصلح ويعلمه مالقى المنذر عامله على العرب من خالد بن جبلة الدى ملكه على من في بلاده من العرب ويسأله أن يأمر خالد أن يرد على المنذر ما غنم من حيزه وبلاده ويدفع إليه دية من قتل من عربها وينصف المنذر من خالد وأن لا يستخف بما كتب به من ذلك فيكون انتقاض ما بينهما من العهد والهدنة بسببه وواتر الكتب إلى يخطيانوس في إنصاف المنذر فلم يحفل بها فاستعد كسرى فغزا بلاد يخطيانوس في بضعة وتسعين ألف مقاتل فأخذ مدينة دارا ومدينة الرهاء ومدينة منبج ومدينة قنسرين ومدينة حلب ومدينة أنطاكية وكانت أفضل مدينة بالشأم ومدينة فامية ومدينة حمص ومدنا كثيرة متاخمة لهذه المدائن عنوة واحتوى على ماكان فيها من الاموال والعروض وسبى أهل مدينة انطاكية ونقلهم إلى أرض السواد وأمر فبنيت لهم مدينة إلى جنب مدينة طيسبون على بناء مدينة انطاكية على ما قد ذكرت قبل وأسكنهم إياها وهى التى تسمى الرومية وكور لها كورة وجعل لها خمسة طساسيج طسوج نهروان الاعلى وطسوج نهروان الاوسط وطسوج نهروان الاسفل وطسوج بادرايا وطسوج باكسايا وأجرى على السبى الذين نقلهم من انطاكية إلى الرومية الارزاق وولى القيام بأمورهم رجلا من نصارى أهل الاهواز كان ولاه الرئاسة على أصحاب صناعانه يقال له برازرقة منهه لذلك السبى إرادة أن يستأنسوا ببراز لحال ملته ويسكنوا إليه وأما سائر مدن الشام ومصر فإن يخطيانوس ابتاعها من كسرى باموال عظيمة حملها إليه وضمن له فدية يحملها إليه في كل سنة على أن يغزو بلاده وكتب لكسرى بذلك كتابا وختم هو وعظماء الروم عليه فكانوا يحملونها إليه في كل عام * وكان ملوك فارس يأخذون من كور من كورهم قبل ملك كسرى أنوشروان في خراجها الثلث ومن كور الربع ومن كور الخمس ومن كور السدس على قدر شربها وعمارتها ومن جزية الجماجم شيئا معلوما فامر

[ 567 ]

الملك قباذ بن فيروز في آخر ملكه بمسح الارض سهلها وجبلها ليصبح الخراج عليها فمسحت غير أن قباذ هلك قبل أن يستحكم له أمر تلك المساحة حتى إذا ملك ابنه كسرى أمر باستتمامها وإحصاء النخل والزيتون والجماجم ثم أمر كتابه فاستخرجوا جمل ذلك وأذن للناس إذنا عاما وأمر كاتب خراجه أن يقرأ عليهم الجمل التى استخرجت من أصناف غلات الارض وعدد النخل والزيتون والجماجم فقرأ ذلك عليهم ثم قال لهم كسرى إنا قد رأينا أن نضع على ما أحصى من جربان هذه المساحة من النخل والزيتون والجماجم وضائع ونامر بانجامها في السنة في ثلاثة أنجم وتجمع في بيوت أموالنا من الاموال مالو أتانا عن ثغر من ثغورنا أو طرف من أطرافنا فتق أو شئ نكرهه واحتجنا إلى تداركه أو حسمه ببذلنا فيه مالو كانت الاموال عندنا معدة موجودة ولم نرد استئناف اجتبائها على تلك الحال فما ترون فيما رأينا من ذلك وأجمعنا عليه فلم يشر عليه أحد منهم فيه بمشورة ولم ينبس بكلمة فكرر كسرى هذا القول عليهم ثلاث مرات فقام رجل من عرضهم وقال لكسرى أتضع أيها الملك عمرك الله الخالد من هذا الخراج على الفاني من كريم بموت وزرع يهيج ونهر يغور وعين أو قناة ينقطع ماؤها فقال له كسرى يا ذا الكلفة المشئوم من أي طبقات الناس أنت قال أنا رجل من الكتاب فقال كسرى اضربوه بالدوى حتى يموت فضربه بها الكتاب خاصة تبرءا منهم إلى كسرى من رأيه وما جاء منه حتى قتلوه وقال الناس نحن راضون أيها الملك بما أنت ملزمنا من خراج وأن كسرى اختار رجالا من أهل الرأى والنصيحة فأمرهم بالنظر في أصناف ما ارتفع إليه من المساحة وعدة النخل والزيتون ورؤوس أهل الجزية ووضع الوضائع على ذلك بقدر ما يرون أن فيه صلاح رعيته ورفاغة معاشهم ورفعه إليه فتكلم كل امرئ منهم بمبلغ رأيه في ذلك من تلك الوضائع وأداروا الامر بينهم فاجتمعت كلمتهم على وضع الخراج على ما يعصم الناس والبهائم وهو الحنطة والشعير والارز والكرم والرطاب والنخل والزيتون وكان الذى وضعوا على كل جريب أرض من مزارع الحنطة والشعير درهما وعلى

[ 568 ]

كل جريب أرض كرم ثمانية دراهم وعلى كل جريب أرض رطاب سبعة دراهم وعلى كل أربع نخلات فارسي درهما وعلى كل ست نخلات دقل مثل ذلك وعلى كل ستة أصول زيتون مثل ذلك ولم يضعوا إلا على كل نخل حديقة أو مجتمع غير شاذ وتركوا ما سوى ذلك من الغلات السبع فقوى الناس في معاشهم وألزموا الناس الجزية ماخلا أهل البيوتات والعظماء والمقاتلة والهرابذة والكتاب ومن كان في خدمة الملك وصيروها على طبقات اثنى عشر درهما وثمانية وستة وأربعة كقدر إكثار الرجل وإقلاله ولم يلزموا الجزية من كان أتى له من السن دون العشرين أو فوق الخمسين ورفعوا وضائعهم إلى كسرى فرضيها وأمر بامضائها والاجتباء عليها في السنة في ثلاثة أنجم كل نجم أربعة أشهر وسماها أبراسيار وتأويله الامر المتراضى وهى الوضائع التى اقتدى بها عمر بن الخطاب حين افتتح بلاد الفرس وأمر باجتباء أهل الذمة عليها الا أنه وضع على كل جريب أرض غامر على قدر احتماله مثل الذى وضع على الارض المزروعة وزاد على كل جريب أرض مزارع حنطة أو شعير قفيزا من حنطة إلى القفيزين ورزق منه الجند ولم يخالف عمر بالعراق خاصة وضائع كسرى على جربان الارض وعلى النخل والزيتون والجماجم وألغى ماكان كسرى ألغاه من معايش الناس وأمر كسرى فدونت وضائعه نسخا فاتخذت نسخة منها في ديوانه قبله ودفعت نسخة إلى عمال الخراج ليجتبوا خراجهم عليها ونسخة إلى قضاة الكور وأمر القضاة أن يحولوا بين عمال الكور والزيادة على أهل الخراج فوق مافى الديوان الذى دفعت إليه نسخته وأن يرفعوا الخراج عن كل من أصاب زرع أو شيئا من غلاته آفة بقدر مبلغ تلك الآفة وعمن هلك من أهل الجزية أو جاز خمسين سنة ويكتبوا إليه يما يرفعون من ذلك ليأمر بحسبه للعمال ولا يخلوا بين العمال وبين اجتباء من أتى له دون عشرين سنة وكان كسرى ولى رجلا من الكتاب نابها بالنبل والمروءة والغناء والكفاية يقال له بابك بن البيروان ديوان المقاتلة فقال لكسرى إن أمرى لايتم الا بازاحة علتى في كل ما بى إليه الحاجة من صلاح أمر الملك في جنده

[ 569 ]

فأعطاه ذلك فأمر بابك فبنيت له في الموضع الذى كان يعرض فيه الجند مصطبة وفرش له عليها بساط سوسنجرد ونمط صوف فوقه ووضعت له وسائد لتكأته ثم جلس على ما فرش له ثم نادى منادى في شاهد عسكر كسرى من الجند أن يحضره الفرسان على كراعهم واسحلتهم والرجالة على ما يلزمهم من السلاح فاجتمع إليه الجند على ما أمرهم أن يحضروه عليه ولم يعاين كسرى فيهم فامرهم بالانصراف ونادى مناديه في اليوم الثاني بمثل ذلك فاجتمع إليه الجند فلما لم ير كسرى فيهم أمرهم أن ينصرفوا ويغدوا إليه وأمر مناديه أن ينادى في اليوم الثالث أن لا يتخلف عنه من شاهد العسكر أحد ولا من أكرم بتاج وسرير فانه عزم لا رخصة فيه ولا محاباة فبلغ ذلك كسرى فوضع تاجه على رأسه وتسلح بسلاح المقاتلة ثم أتى بابك ليعترض عليه وكان الذى يؤخذ به الفارس من الجند تجافيف ودرعا وجوشنا وساقين وسيفا ورمحا وترسا وجرزا تلزمه منطقة وطبرزينا أو عمودا وجعبة فيها قوسان بوتريهما وثلاثين نشابة ووترين مضفورين يعلقهما الفارس في مغفر له ظهريا فاعترض كسرى على بابك بسلاح تام ما حلا الوترين اللذين كان يستظهر بهما فلم يجز بابك عن اسمه وقال له إنك أيها الملك واقف في موضع المعدلة التى لا محاباة تكون منى معها ولا هوادة فهلم كل ما يلزمك من صنوف الاسلحة فذكر كسرى قصة الوترين فتعلقهما ثم غرد داعى بابك بصوته وقال للكمى سيد الكماة أربعة آلاف درهم وأجاز بابك عن اسمه ثم انصرف وكان يفضل الملك في العطاء على أكثر المقاتلة عطاء بدرهم فلما قام بابك من مجلسه ذلك أتى كسرى فقال إن غلظتي في الامر الذى أغلظت فيه عليك اليوم أيها الملك إنما هي لان ينفذ لى عليه الامر الذى وضعتني بسبيله وسبب من أوثق الاسباب لما يريد الملك أحكامه لمكاني فقال كسرى ما غلظ علينا أمر أريد به صلاح رعيتنا وأقيم عليه أودذى الاود منهم ثم إن كسرى وجه مع رجل من أهل اليمن يقال له سيفان بن معديكرب ومن الناس من يقول إنه كان يسمى سيف بن ذى يزن جيشا إلى اليمن فقتلوا من بها من السودان واستولوا عليها فلما دانت لكسرى بلاد اليمن وجه إلى سرنديب

[ 570 ]

من بلاد الهند وهى أرض الجوهر قائدا من قواده في جند كثيف فقاتل ملكها فقتله واستولى عليها وحمل إلى كسرى منها أموالا عظيمة وجوهرا كثيرا ولم يكن ببلاد الفرس بنات آوى فتساقطت إليها من بلاد الترك في ملك كسرى أنوشروان فبلغ ذلك كسرى فبلغ ذلك منه مشقة فدعا بموبذان موبذ فقال إنه بلغنا تساقط هذه السباع إلى بلادنا وقد تعاظم الناس ذلك فتعجبنا من استعظامهم أمرها لهوانها فاخبرنا برأيك في ذلك فقال له موبذان موبذ فإنى سمعت أيها الملك عمرك الله فقهاءنا يقولون متى لا يغمر في بلدة العدل الجور ويمحق بلى أهلها بغزو أعدائهم لهم وتساقط إليهم ما يكرهون وقد تخوفت أن يكون تساقط هذه السباع إلى بلادك لما أعلمتك من هذا الخطب فلم يلبث كسرى أن تناهى إليه أن فتيانا من الترك قد غزوا أقصى بلاده فأمر وزراءه وأصحاب أعماله أن لا يتعدوا فيماهم بسبيله العدل ولا يعملوا في شئ منه إلا به فصرف الله لما حرى من العدل ذلك العدو عن بلاده من غير أن يكون حاربهم أو كلف مؤنة في أمرهم * وكان لكسرى أولاد متأدبون فجعل الملك من بعده لهرمز ابنه الذى كانت أمه ابنة خاتون وخاقان لمعرفة كسرى إياه بالاقتصاد والاخذ بالوثيقة ومارجا بذلك من ضبط هرمز الملك وقدرته على تدبير الملك ورعيته ومعاملتهم * وكان مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم في عهد كسرى أنوشروان عام قدم أبرهة الاشرم أبو يكسوم مع الحبشة إلى مكة وساق فيه إليها الفيل يريد هدم بيت الله الحرام وذلك لمضى اثنتين وأربعين سنة من ملك كسرى أنوشروان وفى هذا العام كان يوم جبلة وهو يوم من أيام العرب مذكور ذكر مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم * حدثنا ابن المثنى قال حدثنا وهب بن جرير قال حدثنا أبى قال سمعت محمد ابن اسحاق يحدث عن المطلب بن عبد الله بن قيس بن مخرمة عن أبيه عن جده قال ولدت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل * قال وسأل عثمان

[ 571 ]

ابن عفان قباث بن أشيم أخا بنى بنى عمرو بن ليث أنت أكبر أم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر منى وأنا أقدم منه في الميلاد ورأيت خذق الفيل أخضر محيلا بعده بعام ورأيت أمية بن عبد شمس شيخا كبيرا يقوده عبد ه فقال ابنه يا قباث أنت أعلم وما تقول * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن المطلب بن عبد الله بن قيس بن مخرمة عن أبيه عن جده قيس بن مخرمة قال ولدت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل فنحن لدان * وحدثت عن هشام بن محمد قال ولد عبد الله بن عبد المطلب أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم لاربع وعشرين مضت من سلطان كسرى أنوشروان وولد رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنة اثنتين وأربعين من سلطانه * وحدثت عن يحيى بن معين قال حدثنا حجاج بن محمد قال حدثنا يونس بن أبى اسحاق عن أبى اسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل * حدثت عن ابراهيم بن المنذر قال حدثنا عبد العزيز بن أبى ثابت قال حدثنا الزبير بن موسى عن أبى الحويرث قال سمعت عبد الملك بن مروان يقول لقباث بن أشيم الكنانى الليثى يا قباث أنت أكبر أم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر منى وأنا أسن منه ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل ووقفت بى أمي على روث الفيل محيلا أعقله * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى ابن اسحاق قال ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين عام الفيل لاثنتى عشرة مضت من شهر ربيع الاول وقيل إنه ولد صلى الله عليه وسلم في الدار التى تعرف بدار ابن يوسف وقيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان وهبها لعقيل بن أبى طالب فلم تزل في يد عقيل حتى توفى فباعها ولده من محمد بن يوسف أخى الحجاج بن يوسف فبنى داره التى يقال لها دار ابن يوسف وأدخل ذلك البيت في الدار حتى أخرجته الخيزران فجعلته مسجدا يصلى فيها * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال يزعمون فيما يتحدث الناس والله أعلم ان آمنة بنت وهب أم

[ 572 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تحدث أنها أتيت لما حملت برسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل لها انك قد حملت بسيد هذه الامة فإذا وقع بالارض فقولي أعيذه بالواحد من شر كل حاسد ثم سميه محمدا ورأت حين حملت به أنه خرج منها نور رأت منه قصور بصرى من أرض الشام فلما وضعته أرسلت إلى جده عبد المطلب أنه وقد ولد لك غلام فأته فانظر إليه فأتاه فنظر إليه وحدثته بما رأت حين حملت به وما قيل لها فيه وما أمرت أن تسميه * حدثنى محمد بن سنان القزاز قال حدثنا يعقوب بن محمد الزهري قال حدثنا عبد العزيز بن عمران قال حدثنى عبد الله بن عثمان بن أبى سليمان بن جبير بن مطعم عن أبيه عن أبن أبى سويد الثقفى عن عثمان بن أبى العاص قال حدثتني أمي أنها شهدت ولادة آمنة بنت وهب أم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ذلك ليلا ولدته قالت فما شئ أنظر إليه من البيت إلا نور وإنى لا نظر إلى النجوم تدنو حتى إنى لاقول لتقعن على * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال فيزعمون أن عبد المطلب أخذه فدخل به على هبل في جوف الكعبة فقام عنده يدعو الله ويشكر ما أعطاه ثم ثم خرج به إلى أمه فدفعه إليها والتمس له الرضعاء فاسترضع له امرأة من بنى سعد ابن بكر يقال لها حليمة ابنة أبى ذؤيب وأبو ذؤيب عبد الله بن الحارث بن شجنة ابن جابر بن رزام بن ناصرة بن قصية بن سعد بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر واسم الذى أرضعه الحارث بن عبد العزى بن رفاعة بن ملان بن ناصرة بن قصية بن سعد بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر واسم اخوته من الرضاعة عبد الله بن الحارث وأنيسة ابنة الحارث وجذامة ابنة الحارث وهى الشماء غلب ذلك على اسمها فلا تعرف في قومها إلا به وهى حليمة ابنة عبد الله بن الحارث أم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويزعمون أن الشماء كانت تحضنه مع أمها إذ كان عندهم صلى الله عليه وسلم * وأما غير ابن اسحاق فانه قال في ذلك ما حدثنى به الحارث قال حدثنا ابن سعد قال حدثنا محمد بن عمر قال حدثنى موسى

[ 573 ]

ابن شيبة عن عميرة ابنة عبيد الله بن كعب بن مالك عن برة ابنة بى تجرأة قالت أول من أرضع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثويبة بلبن ابن لها يقال له مسروح أياما قبل أن تقدم حليمة وكانت قد أرضعت قبل حمزة بن عبد المطلب وأرضعت بعده أبا سلمة بن عبد الاسد المخزومى * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى ابن اسحاق وحدثنا هناد بن السرى قال حدثنا يونس بن بكير قال حدثنا ابن اسحاق وحدثني هارون بن ادريس الاصم قال حدثنا المحاربي عن ابن اسحاق وحدثنا سعيد بن يحيى الاموى قال حدثنى عمى محمد بن سعيد قال حدثنا محمد ابن اسحاق عن الجهم بن أبى الجهم مولى عبد الله بن جعفر عن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب قال كانت حليمة ابنة أبى ذؤيب السعدية أم رسول الله صلى الله عليه وسلم التى أرضعته تحدث أنها خرجت من بلدها معها زوجها وابن لها ترضعه في نسوة من بنى سعد بن بكر تلتمس الرضعاء قالت وذلك في سنة شهباء لم تبق شيئا فخرجت على أتان لى قمراء معنا شارف لنا والله ما تبض بقطرة وما ننام ليلنا أجمع من صبينا الذى معى من بكائه من الجوع وما في ثديى ما يغنيه وما في شار فنا ما يغذوه ولكنا نرجو الغيث والفرج فخرجت على أتانى تلك فلقد أذمت بالركب حتى شق ذلك عليهم ضعفا وعجفا حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه إذا قيل لها انه يتيم وذلك انا إنما نرجو المعروف من أبى الصبى فكنا نقول يتيم ما عسى أن تصنع أمه وجده فكنا نكرهه لذلك فما بقيت امرأة قدمت معى إلا أخذت رضيعا غيرى فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي إنى لاكره أن أرجع من بين صواحباتي ولم آخذ رضيعا والله لاذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه قال لا عليك أن تفعلي فعسى الله أن يجعل لنا فيه بركة قالت فذهبت إليه فأخذته وما حملني على ذلك إلا أنى لم أجد غيره قالت فلما أخذته رجعت به إلى رحلى فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثدياى بما شاء من لبن فشرب حتى روى وشرب معه أخوه حتى روى ثم ناما وما كان ينام قبل ذلك وقام زوجي إلى شارفنا تلك فنظر إليها فإذا إنها لحافل فحلب منها حتى

[ 574 ]

شرب وشربت حتى انتهيناريا وشبعا فبتنا بخير ليلة قالت يقول لى صاحبي حين أصبحت أتعلمين والله يا حليمة لقد أخذت نسمة مباركة قلت والله إنى لارجو ذلك قالت ثم خرجنا وركبت أتانى تلك وحملته عليها معى فوالله لقطعت بنا الركب ما يقدم عليها شئ من حمرهم حتى إن صواحيى ليقلن لى يا ابنة أبى ذؤيب أربعي علينا أليس هذه أتانك التى كنت خرجت عليها فاقول لهن بلى والله إنها لهى هي فيقلن والله إن لها لشأنا قالت ثم قدمنا منازلنا من بلاد بنى سعد وما أعلم أرضا من أرض الله أجدب منها فكانت غنمي تروح على حين قدمنا به معنا شباعا لبنا فنحلب ونشرب وما يحلب إنسان قطرة ولا يجدها في ضرع حتى إن كان الحاضر من قومنا يقولون لرعيانهم ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعى ابنة أبى ذؤيب فتروح أغنامهم جياعا ما تبض بقطرة لبن وتروح غنمي شباعا لبنا فلم نزل نتعرف من الله زيادة الخير به حتى مضت سنتان وفصلته وكان يشب شبابا لا يشبه الغلمان فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاما جفرا فقدمنا به على أمه ونحن أحرص شئ على مكثه فينا لما كنا نرى من بركته فكلمنا أمه وقلنا لها يا ظئر لو تركت بنى عندي حتى يغلظ فإنى أخشى عليه وباء مكة قالت فلم نزل بها حتى رددناه معنا قالت فرجعنا به فوالله إنه بعد مقدمنا به بأشهر مع أخيه في بهم لنا خلف بيوتنا إذ أتانا أخوه يشتد فقال لى ولابيه ذاك أخى القرشى قد جاءه رجلان عليهما ثياب بياض فأضجعاه وشقا بطنه وهما يسوطانه قالت فخرجت أنا وأبو ه نشتد فوجدناه قائما منتقعا وجهه قالت فالتزمته والتزمه أبو ه وقلنا له مالك يا بنى قال جاءني رجلان عليهما ثياب بياض فأضجعاني فشقا بطني فالتمسا فيه شيئا لا أدرى ما هو قالت فرجعنا إلى خبائنا قالت وقال لى أبو ه والله يا حليمة لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب فالحقيه بأهله قبل أن يظهر به ذلك قالت فاحتملناه فقدمنا به على أمه فقالت ما أقدمك به ياظئر وقد كنت حريصة عليه وعلى مكثه عندك قالت قلت قد بلغ الله بابنى وقضيت الذى على وتخوفت الاحداث عليه فأديته إليك كما تحبين قالت ما هذا بشأنك فأصدقيني

[ 575 ]

خبرك قالت فلم تدعني حتى أخبرتها الخبر قالت فتخوفت عليه الشيطان قالت فقلت نعم قالت كلا والله ما للشيطان عليه سبيل وإن لبنى لشأنا أفلا أخبرك خبره قالت قلت بلى قالت رأيت حين حملت به أنه خرج منى نور أضاء لى قصور بصرى من أرض الشسام ثم حملت به فوالله ما رأيت من حمل قط كان أخف منه ولا أيسر منه ثم وقع حين ولدته وإنه لواضع يديه بالارض رافع رأسه إلى السماء دعيه عنك وانطلقي راشدة * حدثنا نصر بن عبد الرحمن الازدي قال حدثنا محمد بن يعلى عن عمرو بن صبيح عن ثور بن يزيد الشامي عن مكحول الشامي عن شداد بن أوس قال بينا نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل شيخ من بنى عامر وهو مدره قومه وسيدهم من شيخ كبير يتوكأ على عصا فمثل بين يدى النبي صلى الله عليه وسلم قائما ونسبه إلى جده فقال يا ابن عبد المطلب انى أنبئت انك تزعم انك رسول الله إلى الناس أرسلك بما أرسل به ابراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من الانبياء ألا وانك فوهت بعظيم وانما كانت الانبياء والخلفاء في بيتين من بنى اسرائيل وأنت ممن يعبد هذه الحجارة والاوثان فمالك وللنبوة ولكن لكل قول حقيقة فانبئنى بحقيقة قولك وبدء شأنك قال فأعجب النبي صلى الله عليه وسلم بمسئلته ثم قال يا أخا بنى عامر إن لهذا الحديث الذى تسألني عنه نبأ ومجلسا فاجلس فثنى رجليه ثم برك كما يبرك البعير فاستقبله النبي صلى الله عليه وسلم بالحديث فقال يا اخا بنى عامر ان حقيقة قولى وبدء شأني انى دعوة أبى ابراهيم وبشرى أخى عيسى ابن مريم وانى كنت بكرامى وانها حملت بى كأثقل ما تحمل وجعلت تشتكى إلى صواحبها ثقل ما تجد ثم ان امى رأت في المنام ان الذى في بطنها نور قالت فجعلت اتبع بصرى النور والنور يسبق بصرى حتى اضاءت لى مشارق الارض ومغاربها ثم انها ولدتني فنشات فلما أن نشات بغضت إلى اوثان قريش وبغض إلى الشعر وكنت مسترضعا في بنى ليث بن بكر فبينا انا ذات يوم منتبذ من اهلي في بطن وادمع اتراب لى من الصبيان نتقاذف بيننا بالجلة إذ أتانا رهط ثلاثة معهم طست من ذهب ملئ ثلجا

[ 576 ]

فأخذوني من بين أصحابي فخرج أصحابي هرابا حتى انتهوا إلى شفير الوادي ثم أقبلوا على الرهط فقالوا ما أربكم إلى هذا الغلام فإنه ليس منا هذا ابن سيد قريش وهو مسترضع فينا من غلام يتيم ليس له اب فماذا يرد عليكم قتله وماذا تصيبون من ذلك ولكن ان كنتم لا بد قاتليه فاختاروا منا اينا شئتم فليأتكم مكانه فاقتلوه ودعوا هذا الغلام فإنه يتيم فلما رأى الصبيان القوم لا يحيرون إليهم جوابا انطلقوا هرابا مسر عين إلى الحى يؤذنونهم ويستصر خونهم على القوم فعمد احدهم فاضجعني على الارض اضجاعا لطيفا ثم شق ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي وأنا انظر إليه لم أجد لذلك مسا ثم أخرج أحشاء بطني ثم غسلها بذلك الثلج فانعم غسلها ثم اعادها مكانها ثم قام الثاني منهم فقال لصاحبه تنح فنحاه عنى ثم أدخل يده في جوفى فأخرج قلبى وأنا أنظر إليه فصدعه ثم أخرج منه مضغة سوداء فرمى بها ثم قال بيده يمنه منه كأنه يتناول شيئا فإذا أنا بخاتم في يده من نور يخار الناظرون دونه فختم به قلبى فامتلا نورا وذلك نور النبوة والحكمة ثم اعاده مكانه فوجدت برد ذلك الخاتم في قلبى دهرا ثم قال الثالث لصاحبه تنح عنى فامر يده ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي فالتأم ذلك الشق باذن الله ثم أخذ بيدى فانهضني من مكاني إنهاضا لطيفا ثم قال للاول الذى شق بطني زنه بعشرة من أمته فوزنونى بهم فرجحتهم ثم قال زنه بمائة من أمته فوزنونى بهم فرجحتهم ثم قال زنه بألف من أمته فوزنونى بهم فرجحتهم فقال دعوه فلو وزنتموه بأمته كلها لرجحهم قال ثم ضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عينى ثم قالوا يا حبيب لم ترع إنك لو تدرى ما يراد بك من الخير لقرت عيناك قال فبينا نحن كذلك إذ أنا بالحى قد جاؤا بحذافيرهم وإذا أمي وهى ظئرى أمام الحى تهتف بأعلى صوتها وتقول يا ضعيفاه قال فانكبوا على فقبلوا رأسي وما بين عينى فقالوا حبذا أنت من ضعيف ثم قالت ظئرى يا وحيداه فانكبوا على فضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عينى ثم قالوا حبذا أنت من وحيد وما أنت بوحيد إن الله معك وملائكته والمؤمنين من أهل الارض ثم قالت ظئرى يا يتيماه استضعفت من بين

[ 577 ]

أصحابك فقتلت لضعفك فانكبوا على فضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عينى وقالوا حبذا أنت من يتيم ما أكرمك على الله لو تعلم ماذا يراد بك من الخير قال فوصلوا بى إلى شفير الوادي فلما بصرت بى أمي وهى ظئرى قالت يا بنى ألا أراك حيا بعد فجاءت حتى انكبت على وضمتني إلى صدرها فو الذى نفسي بيده إنى لفى حجرها وقد ضمتني إليها وإن يدى في يد بعضهم فجعلت ألتفت إليهم وظننت أن القوم يبصرونهم فإذا هم لا يبصرونهم يقول بعض القوم إن هذا الغلام قد أصابه لمم أو طائف من الجن فانطلقوا به إلى كاهننا حتى ينظر إليه ويداويه فقلت يا هذا ما بى شئ مما تذكر إن آرائى سليمة وفؤادي صحيح ليس بى قلبة فقال أبى وهو زوج ظئرى ألا ترون كلامه كلام صحيح إنى لارجو أن لا يكون بابنى بأس فاتفقوا على أن يذهبوا بى إلى الكاهن فاحتملوني حتى ذهبوا بى إليه فلما قصوا عليه قصتي قال اسكتوا حتى أسمع من الغلام فانه أعلم بأمره منكم فسألني فاقتصصت عليه أمرى ما بين أوله وآخره فلما سمع قولى وثب إلى فضمني إلى صدره ثم نادى بأعلى صوته يا للعرب يا للعرب اقتلوا هذا الغلام واقتلوني معه فواللات والعزى لئن تركتموه وأدرك ليبدلن دينكم وليسفهن عقولكم وعقول آبائكم وليخالفن أمركم وليأتينكم بدين لم تسمعوا بمثله قط فعمدت ظئرى فانتزعتني من حجره وقالت لانت أعته وأجن من ابني هذا فلو علمت أن هذا يكون من قولك ما أتيتك به فاطلب لنفسك من يقتلك فانا غير قاتلي هذا الغلام ثم احتملوني فادوني إلى أهلى فاصبحت مفزعا مما فعل بى وأصبح أثر الشق ما بين صدري إلى منتهى عانتي كأنه الشراك فذلك حقيقة قولى وبدء شأني يا أخا بنى عامر فقال العامري أشهد بالله الذى لا إله غيره ان أمرك حق فأنبئني بأشياء أسالك عنها قال سل عنك وكان النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك يقول للسائل سل عما شئت وعما بدالك فقال للعامري يومئذ سل عنك لانها لغة بنى عامر فكلمه بما علم فقال له العامري أخبرني يا ابن عبد المطلب ما يزيد في العلم قال التعلم قال فاخبرني ما يدل على العلم قال النبي صلى الله عليه وسلم السؤال قال فاخبرني ماذا يزيد في

[ 578 ]

الشر قال التمادي قال فاخبرني هل ينفع البر بعد الفجور قال نعم التوبة تغسل الحوبة والحسنات يذهبن السيئات وإذا ذكر العبد ربه عند الرخاء أغاثه عند البلاء قال العامري وكيف ذلك يا ابن عبد المطلب قال ذلك بان الله يقول لا وعزتي وجلالى لا أجمع لعبدي أمنين ولا أجمع له أبدا خوفين إن هو خافني في الدنيا أمننى يوم أجمع فيه عبادي عندي في حظيرة القدس فيدوم له أمنه ولا أمحقه فيمن أمحق وإن هو أمننى في الدنيا خافني يوم أجمع فيه عبادي لميقات يوم معلوم فيدوم له خوفه قال يا ابن عبد المطلب أخبرني إلى ما تدعو قال أدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له وأن تخلع الانداد وتكفر باللات والعزى وتقر بما جاء من الله من كتاب أو رسول وتصلى الصلوات الخمس بحقائقهن وتصوم شهرا من السنة وتؤدى زكاة مالك يطهرك الله بها ويطيب لك مالك وتحج البيت إذا وجدت إليه سبيلا وتغتسل من الجنابة وتؤمن بالموت وبالبعث بعد الموت وبالجنة والنار قال يا ابن عبد المطلب فإذا فعلت ذلك فمالى قال النبي صلى الله عليه وسلم جنات عدن تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى قال يا ابن عبد المطلب هل مع هذا من الدنيا شئ فانه يعجبنى الوطاءة من العيش قال النبي صلى الله عليه وسلم نعم النصر والتمكن في البلاد قال فأجاب وأناب * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان الكلاعى أن نفرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا يا رسول الله أخبرنا عن نفسك قال نعم أنا دعوة أبى ابراهيم وبشرى عيسى ورأت أمي حين حملت بى انه خرج منها نور أضاء لها قصور بصرى من أرض الشام واسترضعت في بنى سعد بن بكر فبينا أنا مع أخ لى خلف بيوتنا نرعى بهما لنا أتانى رجلان عليهما ثياب بيض بطست من ذهب مملوءة ثلجا فأخذاني فشقا بطني ثم استخرجا منه قلبى فشقاه فاستخرجا منه علقة سوداء فطرحاها ثم غسلا بطني وقلبي بذلك الثلج حتى أنقياه ثم قال أحدهما لصاحبه زنه بعشرة من أمته فوزننى بهم فوزنتهم ثم قال زنه بمائة من أمته فوزننى بهم فوزنتهم ثم قال زنه بألف

[ 579 ]

من أمته فوزننى بهم فوزنتهم ثم قال دعه عنك فلو وزنته بأمته لوزنها (قال ابن اسحاق) هلك عبد الله بن عبد المطلب أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم وأم رسول الله آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة حامل به * وأما هشام فانه قال توفى عبد الله أبو رسول الله بعد ما أتى على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية وعشرون شهرا * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال قال محمد بن عمر الواقدي الثبت عندنا مما ليس بين أصحابنا فيه اختلاف أن عبد الله بن عبد المطلب أقبل من الشام في عير لقريش فنزل بالمدينة وهو مريض فأقام بها حتى توفى ودفن في دار النابغة في الدار الصغرى إذا دخلت الدار على يسارك في البيت * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الانصاري أن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنة توفيت ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن ست سنين بالابواء بين مكة والمدينة كانت قدمت به المدينة على أخواله من بنى عدى ابن النجار تزيره إياهم فماتت وهى راجعة به إلى مكة * وقد حدثنى الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنى ابن جريج عن عثمان بن صفوان أن قبر آمنة بنت وهب في شعب أبى ذر بمكة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن العباس بن عبد الله بن معبد بن العباس عن بعض أهله أن عبد المطلب توفى ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن ثمانى سنين وكان بعضهم يقول توفى عبد المطلب ورسول الله ابن عشر سنين * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا طلحة بن عمرو الحضرمي عن عطاء بن أبى رباح عن ابن عباس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم في حجر أبى طالب بعد جده عبد المطلب فيصبح ولد عبد المطلب غمصا رمصا ويصبح صلى الله عليه وسلم صقيلا دهينا (رجع الحديث إلى تمام أمر كسرى بن قباذ أنوشروان) * حدثنا على بن حرب الموصلي قال حدثنا أبو أيوب يعلى بن عمران البجلى قال حدثنى مخزوم بن هانئ المخزومى عن أبيه وأتت له خمسون ومائة سنة قال لما كانت ليلة ولد فيها رسول الله

[ 580 ]

صلى الله عليه وسلم ارتجس إيوان كسرى وسقطت منه أربع عشرة شرفة وخمدت نار فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام وغاضت بحيرة ساوة ورأى الموبذان إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها فلما أصبح كسرى أفزعه ما رأى فصبر تشجعا ثم رأى أن لا يكتم ذلك عن وزرائة ومرازبته فلبس تاجه وقعد على سريره وجمعهم إليه فلما اجتمعوا إليه أخبرهم بالذى بعث إليهم فيه ودعاهم فبيناهم كذلك إذ ورد عليه كتاب بخمود النار فازداد غما إلى غمه فقال الموبذان وأنا أصلح الله الملك قد رأيت في هذه الليلة وقص عليه الرؤيا في الابل فقال أي شئ يكون هذا يا موبذان وكان أعلمهم عند نفسه بذلك فقال حادث يكون من عند العرب فكتب عند ذلك من كسرى ملك الملوك إلى النعمان ابن المنذر أما بعد فوجه إلى رجلا عالما بما أريد أن أسأله عنه فوجه إليه عبد المسيح بن عمرو بن حيان بن بقيلة الغساني فلما قدم عليه قال له أعندك علم بما أريد أن أسألك عنه قال ليخبرني الملك فإن كان عندي منه علم وإلا أخبرته بمن يعلمه له فأخبره بما رأى فقال علم ذلك عند خال لى يسكن مشارف الشأم يقال له سطيح قال فأته فاسأله عما سألتك وأتنى بجوابه فركب عبد المسيح راحلته حتى قدم على سطيح وقد أشفى على الموت فسلم عليه وحياه فلم يحر سطيح جوابا فأنشا عبد المسيح يقول أصم أم يسمع غطريف اليمن * يا فاصل الخط أعيت من ومن أم فاز فازلم به شأو العنن * أتاك شيخ الحى من آل سنن وأمه من آل ذئب بن حجن * أزرق ممهى الناب صرار الاذن أبيض فضفاض الرداء والبدن * رسول قيل العجم يسرى للوسن يجوب بالارض علنداة شجن * يرفعنى وجنا ويهوى بى وجن لا يرهب الرعد ولا ريب الزمن * حتى أتى عارى الجآجى والقطن تلفه في الريح بوغاء الدمن * كأنما حثحث من حضنى ثكن

[ 581 ]

فلما سمع سطيح شعره رفع رأسه وقال عبد المسيح على جمل يسيح إلى سطيح وقد أوفى على الضريح بعثك ملك بنى ساسان لارتجاس الايوان وخمود النيران ورؤيا الموبذان رأى إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجله وانتشرت في بلادها يا عبد المسيح إذا كثرت التلاوه وبعث صاحب الهراوه وفاض وادى السماوه وغاضت بحيرة ساوه وخمدت نار فارس فليست الشام لسطيح شأما يملك منهم ملوك وملكات على عدد الشرفات وكل ما هو آت آت ثم قضى سطيح مكانه فقام عبد المسيح إلى رحله وهو يقول شمر فإنك ماضى الهم شمير * لا يفزعنك تفريق وتغيير إن يك ملك بنى ساسان أفرطهم * فإن ذا الدهر أطوار دهارير فربما ربما أضحوا بمنزلة * تهاب صولهم الاسد المهاصير منهم أخو الصرح مهران وإخوته * والهرمزان وسابور وسابور والناس أولاد علات فمن علموا * أن قد أقل فمهجور ومحقور وهم بنو الام لما أن رأوا نشبا * فذاك بالغيب محفوظ ومنصور والخير والشر مقرونان في قرن * فالخير متبع والشر محذور فلما قدم عبد المسيح على كسرى أخبره بقول سطيح فقال إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكا قد كانت أمور فملك منهم عشرة أربع سنين وملك الباقون إلى ملك عثمان بن عفان * وحدثت عن هشام بن محمد قال بعث وهرز بأموال وطرف من طرف اليمن إلى كسرى فلما صارت ببلاد بنى تميم دعا صعصعة بن ناجية ابن عقال المجاشعى بنى تميم إلى الوثوب عليه فأبوا ذلك فلما صارت في بلاد بنى يربوع دعاهم إلى ذلك فهابوه فقال يا بنى يربوع كأنى بهذه العير قد مرت ببلاد بكر بن وائل فوثبوا عليها فاستعانوا بها على حربكم فلما سمعوا ذلك انتهبوها وأخذ رجل من بنى سليط يقال له النطف خرجا فيه جوهر فكان يقال أصاب كنز النطف فصار مثلا وأخذ صعصعة خصفة فيها سبائك فضة وصار أصحاب العير إلى هوذة بن على الحنفي باليمامة فكساهم وزودهم وحملهم وسار معهم

[ 582 ]

حتى دخل على كسرى وكان لهوذة جمال وبيان فاعجب به كسرى وحفظ له ما كان منه ودعا بعقد من در فعقد على رأسه وكساه قباء ديباج مع كسوة كثيرة فمن ثم سمى هوذة ذالتاج وقال كسرى لهوذة أرأيت هؤلاء القوم الذين صنعوا ما صنعوا من قومك هم قال لا قال أصلح هم لك قال بيننا الموت قال قد أدركت بعص حاجتك وعزم على توجيه الخيل إلى بنى تميم فقيل له إن بلادهم بلاد سوء إنما هي مفاوز وصحارى لا يهتدى لمسالكها وماؤهم من الآبار ولا يؤمن أن يعوروها فلك جندك وأشير إليه أن يكتب إلى عامله بالحرين وهو آزاذ فروز بن جشنس الذى سمته العرب المكعبر وإنما سمى المكعبر لانه كان يقطع الايدى والارجل وآلى أن لا يدع من بنى تميم عينا تطرف ففعل ووجه له رسولا ودعا بهوذة فجدد له كرامة وصلة وقال سر مع رسولي هذا فاشفني واشتف فأقبل هوذة والرسول معه حتى صار إلى المكعبر وذلك قريب من أيام اللقاط وكان بنو تميم يصيرون في ذلك الوقت إلى هجر للميرة واللقاط فنادى منادى المكعبرة من كان ههنا من بنى تميم فليحضر فإن الملك قد أمر لهم بميرة وطعام يقسم فيهم فحضروا فأدخلهم المشقر وهو حصن حيا له حصن يقال له الصفا وبينهما نهر يقال له محلم وكان الذى بنى المشقر رجلا من اساورة كسرى يقال له بسك بن ماهبوذ كان كسرى وجهه لنائه فلما ابتدأه قيل له إن هؤلاء الفعلة لا يقيمون بهذا الموضع إلا أن تكون معهم نساء فإن فعلت ذلك بهم تم بناؤك وأقاموا عليه حتى يفرغوا منه فنقل إليهم الفواجر من ناحية السواد والاهواز وحملت إليهم روايا الخمر من أرض فارس في البحر فتناكحوا وتوالدوا فكانوا جل أهل مدينة هجر وتكلم القوم بالعربية وكانت دعوتهم إلى عبد القيس فلما جاء الاسلام قالوا لعبد القيس قد علمتم عددنا وعدتنا وعظيم غنائنا فأدخلوانا فيكم وزوجونا قالوا لا ولكن أقيموا على حالكم فأنتم إخواننا وموالينا فقال رجل من عبد القيس يا معاشر عبد القيس أطيعوني وألحقوهم فإنه ليس عن مثل هؤلاء مرغب فقال رجل من القوم أما تستحى أتأمرنا أن ندخل فينا من قد عرفت أوله وأصله قال إنكم إن لم تفعلوا ألحقهم

[ 583 ]

غيركم من العرب قال إذا لا نستوحش لهم فتفرق القوم في العرب وبقيت في عبد القيس منهم بقية فانتموا إليهم فلم يردوهم عن ذلك فلما أدخل المكعبر بنى تميم المشقر قتل رجالهم واستبقى الغلمان وقتل يومئذ قعنب الرياحي وكان فارس بنى يربوع قتله رجلا من شن كانا ينوبان الملوك وجعل الغلمان في السفن فعبر بهم إلى فارس فخصوا منهم بشرا قال هبيرة بن حدير العدوى رجع الينا بعد ما فتحت اصطخر عدة منهم أحدهم خصى والآخر خياط وشد رجل من بنى تميم يقال له عبيد بن وهب على سلسلة الباب فقطعها وخرج فقال: تذكرت هندا لات حين تذكر * تذكرتها ودونها سير أشهر حجازية علوية حل أهلها * مصاب الخريف بين زور ومنور ألا هل أتى قومي على النأى اننى * حميت ذمارى يوم باب المشقر ضربت رتاج الباب بالسيف ضربة * تفرج منها كل باب مضبر وكلم هوذة بن على المكعبر يومئذ في مائة من أسرى بنى تميم فوهبهم له يوم الفصح فأعتقهم ففى ذلك يقول الاعشى سائل تميما به أيام صفقتهم * لما أتوه أسارى كلهم ضرعا وسط المشقر في غبراء مظلمة * لا يستطيعون بعد الضر منتفعا فقال للملك أطلق منهم مائة * رسلا من القول مخفوضا وما رفعا ففك عن مائة منهم إسارهم * وأصبحوا كلهم من غلة خلعا بهم تقرب يوم الفصح ضاحية * يرجوا لاله بما أسدى وما صنعا فلا يرون بذاكم نعمة سبقت * إن قال قائلها حقا بها وسعا يصف بنى تميم بالكفر لنعمته * قال فلما حضرت وهرز الوفاة وذلك في آخر ملك أنوشروان دعا بقوسه ونشابه ثم قال أجلسوني فأجلسوه فرمى وقال انظروا حيث وقعت نشابتى فاجعلوا ناؤوسى هناك فوقعت نشابته من وراء الدير وهى الكنيسة التى عند نعم وهى تسمى اليوم مقبرة وهرز فلما بلغ كسرى موت وهرز

[ 584 ]

بعث إلى اليمن أسوارا يقال له زين وكان جبارا مسرفا فعزله هرمز بن كسرى واستعمل مكانه المروزان فأقام باليمن حتى ولد له بها وبلغ ولده ثم هلك كسرى أنوشروان وكان ملكه ثمانيا وأربعين سنة * ثم ملك هرمز ابن كسرى أنوشروان وكانت أمه ابنة خاقان الاكبر فحدثت عن هشام بن محمد قال كان هرمز بن كسرى هذا كثير الادب ذانية في الاحسان إلى الضعفاء والمساكين والحمل على الاشراف فعادوه وأبغضوه وكان في نفسه عليهم مثل ذلك ولما عقد التاج على رأسه اجتمع إليه أشراف أهل مملكته واجتهدوا في الدعاء له والشكر لوالده فوعدهم خيرا وكان متحريا للسيرة في رعيته بالعدل شديدا على العظماء لاستطالتهم كانت على الوضعاء وبلغ من عدله أنه كان يسيرا لى مياه ليصيف فأمر فنودى في مسيره ذلك في جنده وسائر من كان في عسكره أن يتحاموا مواضع الحروث ولا يضروا بأحد من الدهاقين فيها ويضبطوا دوابهم عن الفساد فيها ووكل بتعاهد ما يكون في عسكره من ذلك ومعاقبة من تعدى أمره وكان ابنه كسرى في عسكره فعار مركب من مراكبه ووفع في محرثة من المحارث التى كانت على طريقه فرتع فيها وأفسد منها فاخذ ذلك المركب ودفع إلى الرجل الذى كل هرمز بمعاقبة من افسدوا دابته شيئا من المحارث وتغريمه فلم يقدر الرجل على إنفاذ أمر هرمز في كسرى ولا في أحد ممن كان معه في حشمه فرفع ما رأى من افساد ذلك المركب إلى هرمز فأمر أن يجذع أذنيه ويبتر ذنبه ويغرم كسرى فخرج الرجل من عند هرمز لينفذ أمره في كسرى ومركبه ذلك فدس له كسرى رهطا من العظماء ليسألوه التغبيب في أمره فلقوه وكلموه في ذلك فلم يجب إليه فسألوه أن يؤخر ما أمره به هرمز في المركب حتى يكلموه فيأمر بالكف عنه ففعل فلقى أولئك الرهط هرمز وأعلموه أن بالمركب الذى أفسد ما أفسد زعارة وأنه عار فوقع في محرثة فأخذ من ساعة وقع فيها وسألوه أن يأمر بالكف عن جذعه وتبتيره لما فيها من سوء الطيرة على كسرى فلم يجبهم إلى ما سألوه من ذلك وأمر بالمركب فجذع أذناه وبترذنبه وغرم كسرى

[ 585 ]

مثل ما كان يغرم غيره في هذا الحد ثم ارتحل من معسكره وكان هرمز ركب ذات يوم في أوان ايناع الكرم إلى ساباط المدائن وكان ممره على بساتين وكروم وأن رجلا ممن ركب معه من أساورته اطلع في كرم فرأى فيه حصرما فاصاب منه عناقيد ودفعا إلى غلام كان معه وقال له اذهب بها إلى المنزل واطبخها بلحم واتخذ منها مرقة فانها نافعة في هذا الا بان فأتاه حافظ ذلك الكرم فلزمه وصرخ فبلغ اشفاق الرجل من عقوبة هرمز على تناوله من ذلك الكرم أن دفع إلى حافظ الكرم منطقة محلاة بذهب كانت عليه عوضا له من الحصرم الذى رزأ من كرمه وافتدى نفسه بها ورأى أن قبض الحافظ إياها منه وتخليته عنه منة من بها عليه ومعروفا أسداه إليه وقيل إن هرمز كان مظفرا منصورا لا يمد يده إلى شئ إلا ناله وكان مع ذلك أديبا أريبا داهيا ردئ النية قد نزعه أخواله الاتراك وكان مقصيا للاشراف وأنه قتل من العلماء وأهل البيوتات والشرف ثلاثة عشر ألف رجل وستمائة رجل وأنه لم يكن له رأى إلا في تألف السفلة واستصلاحهم وأنه جبس ناسا كثيرا من العظماء وأسقطهم وحط مراتبهم ودرجاتهم وجهز الجنود وقصر بالاساورة ففسد عليه كثير ممن كان حوله لما أراد الله من تغيير أمرهم وتحويل ملكهم ولكل شئ سبب وأن الهرابذة رفعوا إليه قصة يبغون فيها على النصارى فوقع فيها أنه كما لا قوام لسرير ملكنا بقائمتيه المقدمتين دون قائمتيه المؤخرتين فكذلك لا قوام لملكنا ولا ثبات له مع استفسادنا من في بلادنا في النصارى وأهل سائر المخالفة لنا فاقصروا عن البغى على النصارى وواظبوا على البرليرى ذلك النصارى وغيرهم من أهل الملل فيحمدوكم عليه وتتوق أنفسهم إلى ملتكم * وحدثت عن هشام بن محمد قال خرج على هرمز الترك وقال غيره أقبل عليه شابة ملك الترك الاعظم في ثلثمائة ألف مقاتل في سنة إحدى عشرة من ملكه حتى صار إلى باذغيس وهراة وأن ملك الروم صار إلى الضواحى في ثمانين ألف مقاتل قاصدا له وأن ملك الخزر صار في جمع عظيم إلى الباب والابواب فعاث وأخرب وأن رجلين من العرب يقال لاحدهما عباس الاحول والآخر عمرو

[ 586 ]

الازرق نزلا في جمع عظيم من العرب بشاطئ الفرات وشنوا الغارة على أهل السواد واجترأ أعداؤه عليه وغزوا بلاده وبلغ من اكتنافهم إياها أن سميت منخلا كثير السمام وقيل قد اكتنف بلاد الفرس الاعداء من كل وجه كاكتناف الوتر سيتى القوس وأرسل شابة ملك الترك إلى هرمز وعظماء الفرس يؤذنهم بإقباله في جنوده ويقول رموا قناطر أنهار وأودية اجتاز عليها إلى بلادكم واعقدوا القتاطر على كل نهر من تلك الانهار لا قنطرة له وافعلوا ذلك في الانهار والاودية التى عليها مسلكي من بلادكم من بلاد الروم لا جماعى بالمسير إليها من بلادكم فاستفظع هرمز ما ورد عليه من ذلك وشاور فيه فاجمع له على القصد لملك الترك فوجه إليه رجلا من أهل الرى يقال لهم بهرام بن بهرام جشنس ويعرف بجوبين في اثنى عشرألف رجل اختاره بهرام على عينيه من الكهول دون الشباب ويقال ان هرمز عرض ذلك الوقت من كان بحضرته من الديوانية فكانت عدتهم سبعين ألف مقاتل فمضى بهرام بمن ضم إليه مغذا حتى جاز هراة وباذغيس ولم يشعر شابة ببهرام حتى نزل بالقرب منه معسكرا فجرت بينهما رسائل وحروب وقتل بهرام شابة برمية رماه إياها وقيل إن الرمى في ملك العجم كان لثلاثة نفر منها رمية ارشياطين بين منوشهر وفراسيات ومنها رمية سوخرا في الترك ومنها رمية بهرام هذه واستباح عسكره وأقام بموضعه فوافاه برموذة بن شابة وكان يعدل بابيه فحاربه فهزمه وحصره في بعض الخصون ثم ألح عيه حتى استسلم له فوجهه إلى هرمز أسيرا وغنم مما كان في الحصن كنوزا عظيمة ويقال إنه حمل إلى هرمز من الاموال والجوهر والآنية والسلاح وسائر الامتعة مما غنمه وقرمائتى ألف وخمسين ألف بعير فشكر هرمز لبهرام ماكان منه بسبب الغنائم التى صارت إليه وخاف بهرام سطوة هرمز وخاف مثل ذلك من كان معه من الجنود فخلعوا هرمز وأقبلوا نحو المدائن وأظهروا الامتعاض مما كان من هرمز وأن ابنه أبرويز أصلح للملك منه وساعدهم على ذلك بعض من كان يحضرة هرمز فهرب ابرويز بهذا السيب إلى آذربيجان خوفا من هرمز فاجتمع إليه هناك عدة من المرازبة

[ 587 ]

والاصبهبذين فأعطوه بيعتهم ووثب العظماء والاشراف بالمدائن وفيهم بندى وبسطام خالا ابرويز فخلعوا هرمز وسملوا عينيه وتركوه تحرجا من قتله وبلغ الخبر ابرويز فأقبل بمن شايعه من آذربيجان إلى دار الملك مسابقا لبهرام فلما صار إليها استولى على الملك وتحرز من بهرام والتقى هو وهو على شاطئ النهروان فجرت بينهما مناظرة ومواقفة ودعا ابرويز بهرام إلى أن يؤمنه ويرفع مرتبته ويسنى ولايته فلم يقبل ذلك وجرت بينهما حروب اضطرت ابرويز إلى الهرب إلى الروم مستغيثا بملكها بعد حرب شديدة وبيات كان من يعضهم لبعض وقيل إنه كان مع بهرام جماعة من الاشداء وكان فيهم ثلاثة نفر من وجوه الاتراك لا يعدل بهم في فروسيتهم وشدتهم من الاتراك أحد قد جعلوا لبهرام قتل ابرويز فلما كان الغد من ليلة البيات ووقف ابرويز ودعا الناس إلى حرب بهرام فتثاقلوا عليه قصده النفر الثلاثة من الاتراك فخرج إليهم ابرويز فقتلهم بيده واحدا واحدا ثم انصرف من المعركة وقد أحس من أصحابه بالفتور والتغير فصار إلى أبيه بطيسبون حتى دخل عليه وأعلمه ما قد تبينه من أصحابه وشاوره فاشار عليه بالمسير إلى موريق ملك الروم ليستنجده فاحرز حرمه في موضع أمن عليهم بهرام ومضى في عدة يسيرة منهم بندى وبسطام وكردي أخو بهرام جوبين حتى صار إلى انطاكية وكاتب موريق فقبله وزوجه ابنة له كانت عزيزة عليه يقال لها مريم وكان جميع مدة ملك هرمز بن كسرى في قول بعضهم إحدى عشر سنة وتسعة أشهر وعشرة أيام وأما هشام بن محمد فانه قال كان ملكه ائنتى عشرة سنة * ثم ملك كسرى أبرويز ابن هرمز بن كسرى أنوشروان وكان من أشد ملوكهم بطشا وأنفذهم رأيا وأبعدم غورا وبلغ فيما ذكر من البأس والنجدة والنصر والظفر وجمع الاموال والكنوز ومساعدة القدر ومساعدة الدهر إياه ما لم يتهيأ لملك أكثر منه ولذلك سمى أبرويز وتفسيره بالعربية المظفر وذكر أنه لما استوحش من أبيه هرمز لما كان من احتيال بهرام جوبين في ذلك حتى أوهم هرمز أنه على أن يقوم

[ 588 ]

بالملك لنفسه دونه سار إلى آذربيجان مكتتما ثم أظهر أمره بعد ذلك فلما صار في الناحية اجتمعت إليه جماعة ممن كان هناك من الاصبهبذين وغيرهم فاعطوه بيعتهم على نصرته فلم يحدث في الامر شيئا وقيل إنه لما قتل آذينجشنس الوجه لمحاربة بهرام جوبين انفض الجمع الذى كان معه حتى وافوا المدائن واتبعهم جوبين فاضطرب أمر بهرام وكتبت أخت آذينجشنس إلى أبرويز وكانت تربه تخبره بضعف هرمز للحادث في آذينجشنس وأن العظماء قد أجمعوا على خلعه وأعلمته أن جوبين إن سبقه إلى المدائن قبل موافاته احتوى عليها فلما ورد الكتاب على ابرويز جمع من أمكنه من أرمينية وآذربيجان وصار بهم إلى المدائن واجتمع إليه الوجوه والاشراف مرورين بموافاته فتتوج بتاج الملك وجلس على سريره وقال ان من ملتنا إيثار البر ومن رأينا العمل بالخير وإن جدنا كسرى بن قباذ كان لكم بمنزلة الوالد وإن هرمز أبانا كان لكم قاضيا عادلا فعليكم بلزوم السمع والطاعة فلما كان في اليوم الثالث أتى أباه فسجد له وقال عمرك الله أيها الملك إنك تعلم أنى برئ مما آتى اليك المنافقون وانى إنما تواريت ولحقت بآذربيجان خوفا من أقدامك على القتل فصدقه هرمز وقال له إن لى اليك يا بنى حاجتين فاسعفني بهما إحداهما أن تنتقم لى ممن عاون على خلعي والسمل لعيني ولا تأخذك فيهم رأفة والاخرى أن تؤنسني كل يوم بثلاثة نفر لهم اصالة رأى وتأذن لهم في الدخول على فتواضع له أبرويز وقال عمرك الله أيها الملك إن المارق بهرام قد أطلنا ومعه الشجاعة والنجدة ولسنا نقدر أن نمديدا إلى من آتى إليك ما آتى فان أدالنى الله على المنافق فانا خليفتك وطوع يدك وبلغ بهرام قدوم كسرى وتمليك الناس إياه فاقبل بجنده حثيثا نحو المدائن وأذكى أبرويز العيون عليه فلما قرب منه رأى أبرويز أن الترفق به أصلح فتسلح وأمر بندوية وبسطام وناسا كان يثق بهم من العظماء وألف رجل من جنده فتزينوا وتسلحوا وخرج بهم أبرويز من قصره نحو بهرام والناس يدعون له وقد احتوشه بندوية وبسطام وغيرهما من الوجوه حتى وقف على شاطئ النهروان فلما عرف بهرام مكانه ركب برذونا

[ 589 ]

له ابلق كان معجبايه وأقبل حاسرا ومعه ايزذجشنس وثلاثة نفر من قرابة ملك الترك كانوا جعلوا لبهرام على أنفسهم أن يأتوه بابرويز أسيرا وأعطاهم بهرام على ذلك أموالا عظيمة ولما رأى بهرام بزة كسرى وزينته والتاج يسايره معه درفش كابيان علمهم الاعظم منشورا وأبصر بندوية وبسطام وسائر العظماء وحسن تسلحهم وفراهة دوابهم اكتأب لذلك وقال لمن معه ألا ترون ابن الفاعلة قد ألحم وأشحم وتحول من الحداثة إلى الحنكة واستوت لحيته وكمل شبابه وعظم بدنه فبينا هو يتكلم بهذا وقد وقف على شاطئ النهروان إذ قال كسرى لبعض من كان واقفا أي هؤلاء بهرام فقال أخ لبهرام يسمى كردى لم يزل مطيعا لابرويز مؤثرا له عمرك الله صاحب البرذون الابلق فبدأ كسرى فقال إنك يا بهرام ركن لمملكتنا وسناد لرعيتنا وقد حسن بلاؤك عندنا وقد رأينا أن نختار لك يوما صالحا لنوليك فيه إصبهبذة بلاد الفرس جميعا فقال له بهرام وازداد من كسرى قربا لكنى اختار لك يوما أصلبك فيه فامتلا كسرى حزنا من غيران يبدو في وجهه من ذلك شئ وامتد بينهما الكلام فقال بهرام لابرويز يا ابن الزانية المربى في خيام الاكراد هذا ومثله ولم يقبل شيئا مما عرضه عليه وجرى ذكر أيرش جد بهرام فقرعه ابرويز بطاعة أيرش كانت لمنوشهر جده وتفرقا وكل واحد منهما على غاية الوحشة لصاحبه وكانت لبهرام أخت يقال لها كردية من أتم النساء وأكملهن وكان تزوجها فعاتبت بهرام على سوء ملافظته كانت لكسرى وارادته على الدخول في طاعته فلم يقبل ذلك وكانت بين كسرى وبهرام مبايتة فيقال إنه لما كان من غد الليلة التى كانت البيات فيها أبرز كسرى نفسه فلما رآه الاتراك التلاثة قصدوه فقتلهم بيده أبرويز وحرض الناس على القتال فتبين فشلا فأجمع أبرويز على اتيان بعض الملوك للاستجاشة به فصار إلى أبيه وشاوره فرأى له المصير إلى ملك الروم فأحرز نساءه وشخص في عدة يسيرة فيهم بندوية وبسطام وكردي أخو بهرام فلما خرجوا من المدائن خاف القوم من بهرام أن يرد هرمز إلى الملك ويكتب إلى ملك الروم عنه في ردهم فيتلفوا فأعلموا ابرويز ذلك واستأذنوه في

[ 590 ]

اتلاف هرمز فلم يحر جوابا فانصرف بندوية وبسطام وبعض من كان معهم إلى هرمز حتى اتلفوه خنقا ثم رجعوا إلى كسرى وقالوا سر على خير طائر فحثوا دوابهم وصاروا إلى الفرات فقطعوه وأخذوا طريق المفازة بدلالة رجل يقال له خرشيذان وصاروا إلى بعض الديارات التى في أطراف العمارة فلما أو طنوا الراحة غشيتهم خيل بهرام برأسها رجل يقال له بهرام بن سياوش فلما نذروا بهم أنبه بندوية أبرويز من ومه وقال له احتل لنفسك فإن القوم قد أطلوك قال كسرى ما عندي حيلة فاعلمه بندوية أنه يبذل نفسه دونه وسأله أن يدقع إليه بزته ويخرج ومن معه من الدير ففعلوا ذلك وبادروا القوم حتى تواروا بالجبل فلما وافى بهرام بن سياوش اطلع عليه من فوق الدير بندوية وعليه بزة ابرويز فوهمه بذلك انه ابرويز وسأله أن ينظره إلى غده ليصير في يده سلما فامسك عنه ثم ظهر بعد ذلك على حيلته فانصرف به إلى جوبين فحبسه في يدى بهرام بن سياوش ويقال إن بهرام دخل دور الملك بالمدائن وقعد على سريره واجتمع إليه الوجوه والعظماء فخاطبهم ووقع في ابرويز وذمه ودار بينه وبين الوجوه مناظرات كان كلهم منصرفا عنه إلا أن بهرام جلس على سرير الملك وتتوج وانقاد له الناس خوفا ويقال إن بهرام بن سياوش واطأ بندوية على الفتك بجوبين وأن جوبين ظهر على ذلك فقتله وأفلت بندوية فلحق بآذربيجان وصار ابرويز حتى أتى انطاكية وكاتب موريق ملك الروم منها وأرسل إليه بجماعة ممن كان معه وسأله نصرتة فاجابه إلى ذلك وقادته الامور إلى أن زوجه مريم ابنته وحملها إليه وبعث إليه بثياذوس أخيه ومعه ستون ألف مقاتل عليهم رجل يقال له سرجس يتولى تدبير أمرهم ورجل آخر كانت قوته تعدل بقوة ألف رجل واشترط عليه حياطته وأن لا يسأله الاتاوة التى كان آباؤه يسألونها ملوك الروم فلما ورد القوم على ابرويز اغتبط وأراحهم بعد موافاتهم خمسة أيام ثم عرضهم وعرف عليهم العرفاء وفى القوم ثياذوس وسرجس والكمى الذى يعدل بألف رجل وسار بهم حتى صار إلى آذربيجان ونزل صحراء تدعى الدنق فوافاه هناك بندوية

[ 591 ]

ورجل من اصبهبذى الناحية يقال له موسيل في أربعين ألف مقاتل وانفض الناس من فارس واصبهان وخراسان إلى ابرويز وانتهى إلى بهرام مكانه بصحراء الدنق فشخص نحوه من المدائن فجرت بينهما حرب شديدة قتل فيها الكمى الرومي ويقال إن ابروير حارب بهرام منفردا من العسكر باربعة عشر رجلا منهم كردى أخو بهرام وبندوية وبسطام وسابور انديان وابادر وفرخراذ وفرخهرمز حربا شديدا وصل فيها بعضهم إلى بعض والمجوس تزعم أن ابرويز صار إلى مضيق واتبعه بهرام فلما ظن إنه قد تمكن منه رفعه إلى الجبل شئ لا يوقف عليه وذكر ان المنجمين أجمعت أن ابرويز يملك ثمانيا وأربعين سنة وقد كان ابرويز بارز بهرام فاختطف رمحه من يده وضرب به على رأسه حتى تقصف فاضطرب على بهرام أمره ووجل وعلم أنه لا حيلة له في ابرويز فانحاز نحو خراسان ثم صار إلى الترك وصار ابرويز إلى المدائن بعد أن فرق في جنود الروم عشرين ألف ألف وصرفهم إلى موريق ويقال إن أبرويز كتب للنصارى كتابا أطلق لهم فيه عمارة بيعهم وأن يدخل في ملتهم من أحب الدخول فيها من غير المجوس واحتج في ذلك أن أنوشروان كان هادن قيصر في الاتاوة التى أخذها منه على استصلاح من في بلده من أهل بلده واتخاذ بيوت النيران هنالك وأن قيصر اشترط مثل ذلك في النصارى ولبث بهرام في الترك مكرما عند الملك حتى احتال له ابرويز بتوجيه رجل يقال له هرمز وجهه إلى الترك بجوهر نفيس وغيره حتى احتال لخاتون امرأة الملك ولاطفها بذلك الجوهر وغيره حتى دست لبهرام من قتله فيقال إن خاقان اغتم لقتله وأرسل إلى كردية أخته وامرأته يعلمها بلوغ الحادث ببهرام منه ويسألها أن تزوج نفسها نظرا أخاه وطلق خاتون بهذا السبب فيقال إن كردية أجابت خاقان جوابا لينا وصرفت نطرا وانها ضمت إليها من كان مع أخيها من المقاتلة وخرجت بهم من بلاد الترك إلى حدود مملكة فارس وان نطرا التركي اتبعها في اثنى عشر ألف مقاتل وان كردية قتلت نطرا بيدها ومضت لوجهها وكتبت إلى أخيها كردى فأخذ لها أمانا من ابرويز فلما قدمت عليه تزوجها

[ 592 ]

ابرويز واغتبط بها وشكر لها ماكان من عتابها لبهرام وأقبل ابرويز على بر موريق والطافه وأن الروم خلعوا بعد أن ملك كسرى أربع عشرة سنة موريق وقتلوه وأبادوا ورثته خلا ابن له هرب إلى كسرى وملكوا عليهم رجلا يقال له قوفا فلما بلغ كسرى نكث الروم عهد موريق وقتلهم إياه امتعض من ذلك وأنف منه وأخذته الحفيظة فآوى ابن موريق اللاجئ إليه وتوجه وملكه على الروم ووجه معه ثلاثة نفر من قواده في جنوده كثيفة أما أحدهم فكان يقال له رميوزان وجهه إلى بلاد الشام فدوخها حتى انتهى إلى أرض فلسطين وورد مدينة بيت المقدس فأخذ أسقفها ومن كان فيها من القسيسين وسائر النصارى بخشبة الصليب وكانت وضعت في تابوت من ذهب وطمر في بستان وزرع فوقه مبقلة وألح عليهم حتى دلوه على موضعها فاحتفر عنها بيده واستخرجها وبعث بها إلى كسرى في أربع وعشرين من ملكه وأما القائد الآخر وكان يقال له شاهين وكان فاذوسبان المغرب فانه سار حتى احتوى على مصر والاسكندرية وبلاد نوبة وبعث إلى كسرى بمفاتيح مدينة اسكندرية في سنة ثمان وعشرين من ملكه وأما القائد الثالث فكان يقال له فرهان وتدعى مرتبته شهر براز وانه قصد القسطنطينية حتى أناخ على ضفة الخليج القريب منها وخيم هنالك فأمره كسرى فخرب بلاد الروم غضبا مما انتهكوا من موريق وانتقاما له منهم ولم يخضع لابن موريق من الروم أحد ولم يمنحه الطاعة غير أنهم قتلوا قوفا الملك الذى كانوا ملكوه عليهم لما ظهر لهم من فجوره وجرأته على الله وسوء تدبيره وملكوا عليهم رجلا يقال له هرقل فلما رأى هرقل عظيم ما فيه بلاد الروم من تخريب جنود فارس إياها وقتلها مقاتلتهم وسبيهم ذراريهم واستباحتهم أموالهم وانتهاكهم ما بحضرتهم بكى إلى الله وتضرع إليه وسأله أن ينقذه وأهل مملكته من جنود فارس فرأى في منامه رجلا ضخم الجثة رفيع المجلس عليه بزة قائما في ناحية عنه فدخل عليهما داخل فألقى ذلك الرجل عن مجلسه وقال لهرقل إنى قد أسلمته في يدك فلم يقصص رؤياه تلك في يقظته على أحد ورأى الثاتية في منام أن الرجل

[ 593 ]

الذى رآه في حلمه جالس في مجلس رفيع وان الرجل الداخل عليهما أتاه وبيده سلسلة طويلة فألقاها في عنق صاحب المجلس وأمكنه منه وقال له ها أنا ذا قد دفعت إليك كسرى بر مته فاغزه فإن الظفر لك وإنك مدال عليه ونائل أمنيتك في غزاتك فلما تتابعت عليه هذه الاحلام قصها على عظماء الروم وذوى الرأى منهم فأخبروه أنه مدال عليه وأشاروا عليه أن يغزوه فاستعد هرقل واستخلف ابنا له على مدينة قسطنطينية وأخذ غير الطريق الذى فيه شهربراز وسار حتى وغل في بلاد أرمينية ونزل نصيبين بعد سنة وكان شاهين فاذو سبان المغرب بباب كسرى حين ورد هرقل نصيبين لموجدة كانت من كسرى عليه وعزله إياه عن ذلك الثغر وكان شهر براز مرابطا للموضع الذى كان فيه لتقدم كسرى كان إليه في الجثوم فيه وترك البراح منه فبلغ كسرى خبر تساقط هرقل في جنوده إلى نصيبين فوجه لمحاربة هرقل رجلا من قواده يقال له راهزار في اثنى عشر ألف مقاتل وأمره أن يقيم بنينوى من مدينة الموصل على شاطئ دجلة ويمنع الروم أن تجوزوها وكان كسرى حين بلغه خبر هرقل مقيما بدسكرة الملك فنفذ راهزار لامر كسرى وعسكر حيث أمره فقطع هرقل دجلة في موضع آخر إلى الناحية التى كان فيها جند فارس فأذكى راهزار العيون عليه فانصرفوا إليه وأخبروه أنه في سبعين ألف مقاتل وأيقن راهزار أنه ومن معه من الجنود عاجزون عن مناهضة سبعين ألف مقاتل فكتب إلى كسرى غير مرة دهم هرقل إياه بمن لا طاقة له ولمن معه بهم لكثرتهم وحسن عدتهم كل ذلك يجيبه كسرى في كتابه أنه إن عجز عن أولئك الروم فلن يعجز عن استقتالهم وبذل دمائهم في طاعته فلما تتابعت على راهزار جوابات كتبه إلى كسرى بذلك عبى جنده وناهض الروم فقتلت الروم راهزار وستة آلاف رجل وانهزم بقيتهم وهربوا على وجوههم وبلغ كسرى قتل الروم راهزار وما نال هرقل من الظفر فهده ذلك وانحاز من دسكره الملك إلى المدائن ونحصن فيها لعجزه كان عن محاربة هرقل وسبار هرقل متى كان قريبا من المدائن فلما تساقط إلى كسرى خبره واستعد لقتاله انصرف

[ 594 ]

إلى أرض الروم وكتب كسرى إلى قواد الجند الذين انهزموا بامرهم أن يدلوه على كل رجل منهم ومن أصحابهم ممن فشل في تلك الحرب ولم يرابط مركزه فيها فيأمر أن يعاقب بقدر ما استوجب فأخرجهم بهذا الكتاب إلى الخلاف عليه وطلب الحيل لنجاة أنفسهم منه وكتب إلى شهر براز يأمره بالقدوم عليه ويستعجله في ذلك ويصف ما كان من أمر الروم في عمله وقد قيل إن قول الله (ألم غلبت الروم في أدنى الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الامر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم، وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون) إنما نزل في أمر أبرويز ملك فارس وملك الروم هرقل وما كان بينهما مما قد ذكرت من هذه الاخبار ذكر من قال ذلك * حدثنى القاسم بن الحسن قال حدثنى الحسين قال حدثنى حجاج عن أبى بكر ابن عبد الله عن عكرمة أن الروم وفارس اقتتلوا في أدنى الارض قال وأدنى الارض يوم أذرعات بها التقوا فهزمت الروم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم بمكة قشق ذلك عليهم وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكره أن يظهر الاميون من المجوس على أهل الكتاب من الروم وفرح الكفار بمكة وشمتوا فلقوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا إنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب ونحن أميون وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الكتاب وإنكم إن قاتلتمونا لنظهرن عليكم فأنزل الله " الم غلبت الروم - إلى - وهم عن الآخرة هم غافلون " فخرج أبو بكر الصديق إلى الكفار فقال أفرحتم بظهور إخوانكم على إخواننا فلا تفرحوا ولا يقرن الله عليكم أعينكم فوالله ليظهرن الروم على فارس أخبرنا بذلك نبينا فقام إليه أبى بن خلف الجمحى فقال كذبت يا أبا فضيل فقال له أبو بكر أنت أكذب يا عدو الله فقال أنا حبك عشر قلائص منى وعشر قلائص منك فإن أظهرت الروم على فارس غرمت وإن ظهرت فارس غرمت إلى ثلاث سنين ثم

[ 595 ]

جاء ابو بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال ما هكذا ذكرت إنما البضع ما بين الثلاث إلى التسع فزايده في الخطر وماده في الاجل فخرج أبو بكر فلقى أبيا فقال لعلك ندمت قال لا تعال أزايدك في الخطر وأمادك في الاجل فاجعلها مائة قلوص إلى تسع سنين قال قد فعلت * حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثنا حجاج عن أبى بكر عن عكرمة قال كانت في فارس امرأة لا تلد إلا الملوك الابطال فدعاها كسرى فقال إنى أريد أن أبعث إلى الروم جيشا وأستعمل عليهم رجلا من بنيك فأشيرى على أيهم أستعمل قالت هذا فلان وهو أروغ من ثعلب وأحذر من صقر وهذا فرخان وهو أنفذ من سنان وهذا شهر براز وهو أحلم من كذا فاستعمل أيهم شئت قال فإنى قد استعملت الحليم فاستعمل شهربراز فسار إلى الروم باهل فارس وظهر عليهم فقتلهم وخرب مدائنهم وقطع زيتونهم قال أبو بكر فحدثت هذا الحديث عطاء الخراساني فقال أما رأيت بلاد الشام قلت لا قال أما إنك لو أتيتها لرأيت المدائن التى خربت والزيتون الذى قطع فأتيت الشام بعد ذلك فرأيته قال عطاء الخراساني حدثنى يحيى بن يعمر أن قيصر بعث رجلا يدعى قطمة بجيش من الروم وبعث كسرى بشهر براز فالتقيا باذرعات وبصرى وهى أدنى الشام اليكم فلقيت فارس الروم فغلبتهم فارس ففرح بذلك كفار قريش وكرهه المسلمون فانزل الله " ألم غلبت الروم " الآيات ثم ذكر مثل حديث عكرمة وزاد فلم يبرح شهر براز يطأهم ويخرب مدائنهم حتى بلغ الخليج ثم مات كسرى فبلغهم موته فانهزم شهر براز وأصحابه وأديلت عليهم الروم عند ذلك فاتبعوهم يقتلونهم قال وقال عكرمة في حديثه لما ظهرت فارس على الروم جلس فرخان يشرب فقال لاصحابه لقد رأيت كأنى جالس على سرير كسرى فبلغت كسرى فكتب إلى شهر براز إذا أتاك كتابي فابعث إلى برأس فرخان فكتب إليه أيها الملك إنك لن تجد مثل فرخان إن له نكاية وصوتا في العدو فلا تفعل فكتب إليه إن في رجال فارس خلفا منه فعجل على برأسه فراجعه فغضب كسرى فلم يجبه وبعث بريدا إلى أهل

[ 596 ]

فارس إنى قد نزعت عنكم شهر براز واستعلمت عليكم فرخان ثم دفع إلى البريد صحيفة صغيرة وقال إذا ولى فرخان الملك وانقاد له أخوه فأعطه هذه الصحيفة فلما قرأ شهر براز الكتاب قال سمعا وطاعة ونزل عن سريره وجلس فرخان ودفع الصحيفة إليه فقال ائتونى بشهر براز فقدمه ليضرب عنقه فقال لا تعجل حتى أكتب وصيتى قال نعم فدعا بالسفط فأعطاه ثلاث صحائف وقال كل هذا راجعت فيك كسرى وأنت أردت أن تقتلني بكتاب واحد فرد الملك إلى أخيه وكتب شهر براز إلى قيصر ملك الروم إن لى اليك حاجة لا تحملها البرد ولا تبلغها الصحف فالقني ولا تلقني الا في خمسين روميا فإنى ألقاك في خمسين فارسيا فاقبل قيصر في خمسمائة ألف رومى وجعل يضع العيون بين يديه في الطريق وخاف أن يكون قد مكر به حتى أتاه عيونه أنه ليس معه إلا خمسون رجلا ثم بسط لهما والتقيا في قبة ديباج ضربت لهما مع كل واحد منهما سكين فدعوا ترجمانا بينهما فقال شهر براز إن الذين خربوا مدائنك أنا وأخى بكيدنا وشجاعتنا وأن كسرى حسدنا فاراد أن أقتل أخى فابيت ثم أمر أخى أن يقتلنى فقد خلعناه جميعا فنحن نقاتله معك قال قد أصبتما ثم أشار أحدهما إلى صاحبه أن السر بين اثنين فإذا جاوز اثنين فشا قال اجل فقتلا الترجمان جميعا بسكينيهما فأهلك الله كسرى وجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بوم الحديبية ففرح ومن معه * وحدثت عن هشام بن محمد أنه قال في سنة عشرين من ملك كسرى ابروبز بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم فاقام بمكة ثلاث عشرة سنة وهاجر في سنة ثلاث وثلاثين من ملكه إلى المدينة ذكر الخبر عن الاسباب التى حدثت عند إرادة الله إزالة ملك فارس عن أهل فارس ووطأتها العرب بما أكرمهم به بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم من النبوة والخلافة والملك والسلطان في أيام كسرى ابرويز فمن ذلك ما روى عن وهب بن منبه وهو ما حدثنا به ابن حميد قال حدثنا

[ 597 ]

سلمة عن محمد بن اسحاق قال كان من حديث كسرى كما حدثنى بعض أصحابي عن وهب بن منبه أنه كان سكر دجلة العوراء وأنفق عليها من الاموال ما لا يدرى ما هو وكان طاق مجلسه قد بنى بنيانا لم ير مثله وكان يعلق تاجه فيجلس فيه إذا جلس للناس وكان عنده ستون وثلثمائة رجل من الحزاة والحزاة العلماء من بين كاهن وساحر ومنجم قال وكان فيهم رجل من العرب يقال له السائب يعتاف اعتياف العرب قلما يخطئ بعث به إليه بإذان من اليمن فكان كسرى إذا حزبه أمر جمع كهانه وسحاره ومنجميه فقال انظروا في هذا الامر ما هو فلما أن بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أصبح كسرى ذات غداة وقد انقصمت طاق ملكه من وسطها من غير ثقل وانخرقت عليه دجلة العوراء فلما رأى ذلك أحزنه وقال انقصمت طاق ملكى من وسطها من غير ثقل وانخرقت على دجلة العوراء شاه بشكست يقول الملك انكسر ثم دعا كهانه وسحاره ومنجميه ودعا السائب معهم فقال لهم انقصمت طاق ملكى من غير ثقل وانخرقت على دجلة العوراء شاه بشكست انظروا في هذا الامر ما هو فخرجوا من عنده فنظروا في أمره فأخذ عليهم باقطار السماء وأظلمت عليهم لارض وتسكعوا في علمهم فلا يمضى لساحر سحره ولا لكاهن كهانته ولا يستقيم لمنجم علم نجومه وبات السائب في ليلة ظلماء على ربوة من الارض يرمق برقا نشأ من قبل الحجاز ثم استطار حتى بلغ المشرق فلما أصبح ذهب ينظر إلى ما تحت قدميه فإذا روضة خضراء فقال فيما يعتاف لئن صدق ما أرى ليخرجن من الحجاز سلطان يبلغ المشرق تخصب عنه الارض كأفضل ما أخصبت من ملك كان قبله فلما خلص الكهان والمنجمون بعضهم إلى بعض ورأوا ما قد أصابهم ورأى السائب ما رأى قال بعضهم لبعض تعلمون والله ما حيل بينكم وبين علمكم إلا لامر جاء من السماء وإنه لنبى قد بعث أو هو مبعوث يسلب هذا الملك ويكسره ولئن نعيتم لكسرى ملكه ليقتلنكم قاقيموا بينكم أمرا تقولونه له تؤخرونه عنكم إلى أمر ما ساعة فجاؤا كسرى فقالوا له إنا قد نظرنا في هذا الامر فوجدنا

[ 598 ]

حسابك الذين وضعت على حسابهم طاق ملكك وسكرت دجلة العوراء وضعوه على النحوس فلما اختلف علهما الليل والنهار وقعت النحوس على مواقعها فزال كل ما وضع عليهما وإنا سنحسب لك حسابا تضع عليه بنيانك فلا يزول قال فاحسبوا فحسبوا له ثم قالوا له ابنه فبنى فعمل في دجلة ثمانية أشهر وأنفق فيها من الاموال ما لا يدرى ما هو حتى إذا فرغ قال لهم أجلس على سورها قالوا نعم فامر بالبسط والفرش والرياحين فوضعت عليها وأمر بالمرازبة فجمعوا له واجتمع إليه اللعابون ثم خرج حتى جلس عليها فبينا هو هنا لك انتسفت دجلة البنيان من تحته فلم يستخرج الا بآخر رمق فلما أخرجوه جمع كهانه وسحاره ومنجميه فقتل منهم قريبا من مائة وقال سمنتكم وأدنيتكم دون الناس وأجريت عليكم أرزاقي ثم تلعبون بى قالوا أيها الملك أخطأنا كما أخطأ من كان قبلنا ولكنا سنحسب لك حسابا فتثبت حتى تضعها على الوثاق من السعود قال انظروا ما تقولون قالوا فإنا نفعل قال فاحسبوا فحسبوا له ثم قالوا له ابنه فبنى وأنفق من الاموال ما لا يدرى ما هو ثمانية أشهر من ذى قبل ثم قالوا قد فرغنا قال أفأخرج فاقعد عليها قالوا نعم فهاب الجلوس عليها وركب برذونا له وخرج يسير عليها فبينا هو يسير فوقها إذ انتسفته دجلة بالبنيان فلم يدرك إلا بآخر رمق فدعاهم فقال والله لامرن على آخركم ولا نزعن أكتافكم ولاطرحنكم تحت أيدى الفيلة أو لتصدقني ما هذا الامر الذى تلفقون على قالوا لا نكذبك أيها الملك أمرتنا حين انخرقت عليك دجلة وانقصمت عليك طاق مجلسك من غير ثقل أن ننظر في علمنا لم ذلك فنظرنا فأظلمت علينا الارض وأخذ علينا بأقطار السماء فتردد علينا علمنا في أيدينا فلا يستقيم لساحر سحره ولا لكاهن كهانته ولا لمنجم علم نجوم فعرفنا أن هذا الامر حدث من السماء وأنه قد بعث نبى أو هو مبعوث فلذلك حيل بيننا وبين علمنا فخشينا إن نعينا لك ملكك أن تقتلنا وكرهنا من الموت ما يكره الناس فعللناك عن أنفسنا بما رأيت قال ويحكم فهلا تكونون بينتم لى هذا فأرى فيه رأيى قالوا منعنا من ذلك ما تخوفنا منك فتركهم ولها عن دجلة حين غلبته * حدثنا ابن حميد

[ 599 ]

قال حدثنا سلمة عن ممد بن اسحاق عن الفضل بن عيسى الرقاشى عن الحسن البصري أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا يا رسول الله ما حجة الله على كسرى فيك قال بعث إليه ملكا فأخرج يده من سور جدار بيته الذى هو فيه تلالا نورا فلما رآها فزع فقال لم ترع يا كسرى إن الله قد بعث رسولا وأنزل عليه كتابا فاتبعه تسلم دنياك آخرتك قال سأنظر حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق عن عبد الله بن أبى بكر عن الزهري عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال بعث الله إلى كسرى ملكا وهو في بيت إيوانه الذى لا يدخل عليه فيه فلم يرعه إلا به قائما على رأسه في يده عصا بالهاجرة في ساعته التى كان يقبل فيها فقال يا كسرى أتسلم أو أكسر هذه العصا فقل بهل بهل فانصرف عنه ثم دعا أحراسه وحجابه فتغيظ عليهم وقال من أدخل هذا الرجل على فقالوا ما دخل عليك أحد ولا رأيناه حتى إذا كان العام القابل أتاه في الساعة التى أتاه فيها فقال له كما قال له ثم قال له أتسلم أو أكسر هذه العصا فقال بهل بهل بهل ثلاثا فخرج عنه فدعا كسرى حجابه وحراسه وبوابيه فتغيظ عليهم وقال لهم كما قال أول مرة فقالوا ما رأينا أحدا دخل عليك حتى إذا كان في العام الثالث أتاه في الساعة التى جاءه فيها فقال له كما قال أتسلم أو أكسر هذه العصا فقال بهل بهل قال فكسر العصا ثم خرج فلم يكن إلا تهور ملكه وانبعاث ابنه والفرس حتى قتلوه قال عبد الله بن أبى بكر فقال الزهري حدثت عمر بن عبد العزيز هذا الحديث عن أبى سلمة بن عبد الرحمن فقال ذكر لى أن الملك إنما دخل عليه بقارورتين في يديه ثم قال له أسلم فلم يفعل فضرب إحداهما على الاخرى فرضضهما ثم خرج فكان من هلاكه ما كان * حدثنى يحيى بن جعفر قال أخبرنا على بن عاصم قال أخبرنا خالد الحذاء قال سمعت عبد الرحمن بن أبى بكرة يقول بينما كسرى بن هرمز نائم ليلة في هذا الايوان إيوان المدائن والاساورة محدقون بقصره إذ أقبل رجل يمشى معه عصا حتى قام على رأسه فقال يا كسرى بن هرمز إنى رسول الله اليك أن تسلم قالها ثلاث مرات وكسرى

[ 600 ]

مستلق ينظر إليه لا يجيبه ثم انصرف عنه قال فأرسل كسرى إلى صاحب حرسه فقال أنت أدخلت على هذا الرجل قال لم أفعل ولم يدخل من قبلنا أحد قال فلما كان العام المقبل خاف كسرى تلك الليلة فأرسل إليه أن أحدق بقصري ولا يدخل على أحد قال ففعل فلما كان تلك الساعة إذا هو قائم على رأسه ومعه عصا وهو يقول له يا كسرى بن هرمز إنى رسول الله اليك أن تسلم فأسلم خير لك قال وكسرى ينظر إليه لا يجيبه فانصرف عنه قال فأرسل كسرى إلى صاحب الحرس ألم آمرك أن لا يدخل على أحد قال أيها الملك إنه والله ما دخل عليك من قبلنا أحد فانظر من أين دخل عليك قال فلما كان العام المقبل فكأنه خاف تلك الليلة فأرسل إلى صاحب الحرس والحرس أن أحدقوا بى الليلة ولا تدخل امرأة ولا رجل ففعلوا فلما كان تلك الساعة إذا هو قائم على رأسه وهو يقول يا كسرى بن هرمز إنى رسول الله اليك أن تسلم فأسلم حير لك قالها ثلاث مرات وكسرى ينظر إليه لا يجيبه قال يا كسرى إنك قد أبيت على والله ليكسرنك الله كما أكسر عصاي هذه ثم كسرها وخرج فأرسل كسرى إلى الحرس فقال ألم آمركم أن لا يدخل على الليلة أحد أهل ولا ولد قالوا ما دخل عليك من قبلنا أحد قال فلم يلبث أن وثب عليه ابنه فقتله ومن ذلك ما كان من أمر ربيعة والجيش الذى كان أنفذه إليهم كسرى أبرويز لحربهم فالتقوا بذى قار * وذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما بلغه ما كان من هزيمة ربيعة جيش كسرى قال هذا أول يوم انتصفت العرب من العجم وبى نصروا وهو يوم قراقر ويوم الحنو حنوذى قار ويوم حنو قراقر ويوم الجبابات ويوم ذى العجرم ويوم الغذوان ويوم البطحاء بطحاء ذى قار وكلهن حول ذى قار * فحدثت عن أبى عبيدة معمر بن المثنى قال حدثنى أبو المختار فراس بن حندق وعدة من علماء العرب قد سماهم إن الذى جر يوم ذى قار قتل النعمان بن المنذر اللخمى عدى بن زيد العبادي وكان عدى من تراجمة ابرويز كسرى بن هرمز وكان سبب قتل النعمان ابن المنذر عدى بن زيد ما ذكر لى عن هشام بن محمد قال سمعت إسحاق بن الجصاص

[ 601 ]

وأخذته من كتاب حماد وقد ذكر أبى بعضه قال ولد زيد بن حماد بن زيد بن أيوب بن محروف بن عامر بن عصية بن امرئ القيس بن زيد مناة بن تميم ثلاثة عديا الشاعر وكان جميلا شاعرا خطيبا وقد قرأ كتب العرب والفرس وعمارا وهو أبى وعمرا وهو سمى ولهم أخ من أمهم يقال له عدى بن حنظلة من طيئ وكان عمار يكون عند كسرى فكان أحدهما يشتهى هلاك عدى بن زيد وكان الآخر يتدين في نصرانيته وكانوا أهل بيت يكونون مع الاكاسرة لهم معهم أكل وناحية يقطعونهم القطائع وكان المنذر بن المنذر لما ملك جعل ابنه النعمان في حجر عدى فهم الذين أرضعوه ورباه قوم من أهل الحيرة يقال لهم بنو مرينا ينسبون إلى لخم وكانوا أشرافا وكان للمنذر بن المنذر سوى هذين من الولد عشرة وكان يقال لولده كلهم الاشاهب من جمالهم فذلك قول الاعشى وبنو المنذر الاشاهب بالحي‍ * رة يمشون غدوة بالسيوف وكان النعمان أحمر أبرش قصيرا وكانت أمه يقال لها سلمى بنت وائل بن عطية الصائغ من أهل فدك وكانت أمة للحارث بن حصن بن ضمضم بن عدى بن جناب من كلب وكان قابوس بن المنذر الاكبر عم النعمان وإخوته بعث إلى كسرى بن هرمز بعدى بن زيد وإخوته فكانوا في كتابه يترجمون له فلما مات المنذر بن المنذر وترك ولده هؤلاء الثلاثة عشر جعل على أمره كله إياس بن قبيصة الطائى فكان عليه أشهرا وكسرى في طلب رجل يملكه على العرب ثم إن كسرى بن هرمز دعا عدى بن زيد فقال له من بقى من بنى المنذر وماهم وهل فيهم خير فقال بقيتهم في ولد هذا الميت المنذر بن المنذر وهم رجال فقال ابعث إليهم فكتب فيهم فقدموا عليه فأنزلهم على عدى بن زيد فكان عدى يفضل إخوة النعمان عليه في النزل وهو يريهم أنه لا يرجوه ويخلو بهم رجلا رجلا ويقول لهم إن سألكم الملك أتكفونني العرب فقولوا نكفيكهم إلا النعمان وقال للنعمان إن سألك الملك عن إخوتك فقل له إن عجزت عنهم فأنا عن غيرهم أعجز وكان من بنى مرينا رجل يقال له عدى ابن أوس بن مرينا وكان ماردا شاعرا وكان يقول للاسود إنك قد عرفت أنى

[ 602 ]

لك راج وإن طلبتي ورغبتي إليك أن تخالف عدى بن زيد فإنه والله لا ينصح لك أبدا فلم يلتفت إلى قوله فلما أمر كسرى عدى بن زيد أن يدخلهم عليه جعل يدخلهم عليه رجلا رجلا فيكلمه فكان يرى رجالا قل ما رأى مثلهم فإذا سألهم هل تكفونني ما كنتم تلون قالوا نكفيك العرب إلا النعمان فلما دخل عليه النعمان رأى رجلا دميما فكلمه وقال له أتستطيع أن تكفيني العرب قال نعم قال فكيف تصنع بإخوتك قال إن عجزت عنهم فأنا عن غيرهم أعجز فملكه وكساه وألبسه تاجا قيمته ستون ألف درهم فيه اللؤلؤ والذهب فلما خرج وقد ملك قال عدى ابن أوس بن مرينا للاسود دونك فإنك قد خالفت الرأى ثم إن عدى بن زيد صنع طعاما في بيعة ثم أرسل إلى ابن مرينا أن ائتنى بمن أحببت فإن لى حاجة فأتاه في ناس فتغدوا في البيعة وشربوا فقال عدى لعدى بن مرينا يا عدي إن أحق من عرف الحق ثم لم يلم عليه من كان مثلك إنى قد عرفت أن صاحبك الاسود ابن المنذر كان أحب اليك أن يملك من صاحبي النعمان فلا تلمني على شئ كنت على مثله وأنا أحب أن لا تحقد على شيئا لو قدرت عليه ركبته وأنا أحب أن تعطيني من نفسك ما أعطيتك من نفسي فإن نصيبي من هذا الامر ليس بأوفر من نصيبك فقام عدى بن زيد إلى البيعة فحلف أن لا يهجوه ولا يبغيه غائلة أبدا ولا يزوى عنه خبرا أبدا فلما فرغ عدى بن زيد قام عدى بن مرينا فحلف على مثل يمينه أن لا يزال يهجوه أبدا ويبغيه الغوائل ما بقى وخرج النعمان حتى نزل منزله بالحيرة فقال عدى بن مرينا لعدى بن زيد ألا أبلغ عديا عن عدى * فلا تجزع وإن رثت قواكا هياكلنا تبر لغير فقر * لتحمد أو يتم به غنا كا فإن تظفر فلم تظفر حميدا * وإن تعطب فلا يبعد سواكا ندمت ندامة الكسعى لما * رأت عيناك ما صنعت يداكا وقال عدى بن مرينا للاسود إذ لم تظفر فلا تعجز أن تطلب بثأرك من هذا المعدى الذى عمل بك ما عمل فقد كنت أخبرك أن معدا لا ينام مكرها وأمرتك

[ 603 ]

أن تعصيه فخالفتني قال فما تريد قال أريد أن لا يأتيك فائدة من مالك وأرضك إلا عرضتها على ففعل وكان ابن مرينا كثير المال والضيعة فلم يك في الارض يوم إلا على باب النعمان هدية من ابن مرينا فصار من أكرم الناس عليه وكان لا يقضى في ملكه شيئا إلا بأمر عدى بن مرينا وكان إذا ذكر عدى بن زيد عنده أحسن عليه الثناء وذكر فضله وقال إنه لا يصلح المعدى إلا أن يكون في مكر وخديعة فلما رأى من يطيق بالنعمان منزلة ابن مرينا عنده لزموه وتابعوه فجعل يقول لمن يثق به من أصحابه إذا رأيتموني أذكر عدى بن زيد عند الملك بخير فقولوا إنه لكما تقول ولكنه لا يسلم عليه أحد وإنه لا يقول إن الملك يعنى النعمان عامله وإنه ولاه ما ولاه فلم يزالوا بذلك حتى أضغنوه عليه وكتبوا كتابا على لسان عدى إلى قهرمان لعدى ثم دسوا له حتى أخذوا الكتاب ثم أتى به النعمان فقرأه فأغضبه فارسل إلى عدى بن زيد عزمت عليك إلا زرتني فإنى قد اشتقت إلى رؤيتك وهو عند كسرى فاستأذن كسرى فأذن له فلما أتاه لم ينظر إليه حين حبس في محبس لا يدخل عليه فيه أحد فجعل عدى بن زيد يقول الشعر وهو في السجن فكان أول ما قال في السجن من الشعر ليت شعرى عن الهمان وياتي‍ * ك بخبر الانباء عطف السؤال فقال أشعارا وكان كلما قال عدى من الشعر بلغ النعمان وسمعه ندم على حبسه إياه فجعل يرسل إليه ويعده ويمنيه ويفرق أن يرسله فيبغيه الغوائل فقال عدى أرقت لمكفهر بات فيه * بوارق يرتقين رؤوس شيب وقال أيضا طال ذا الليل علينا واعتكر * وقال أيضا ألا طال الليالى والنهار وقال حين أعياه ما يتضرع إلى النعمان أشعارا يذكره فيها الموت ويخبره من هلك من الملوك قبله فقال أرواح مودع أم بكور وأشعارا كثيرة قال وخرج النعمان يريد البحرين فأقبل رجل من غسان

[ 604 ]

فأصاب في الحيرة ما أحب ويقال الذى أغار على الحيرة فحرق فيها جفنة بن النعمان الجفنى فقال عدى: سما صقر فأشعل جانبيها * وألهاك المروح والعزيب فلما طال سجن عدى كتب إلى أخيه أبى وهو مع كسرى بشعر فقال: أبلغ أبيا على نأيه * فهل ينفع المرء ما قد علم بان أخاك شقيق الفؤا * د كنت به والها ما سلم لدى ملك موثق بالحدي‍ * د إما بحق وإما ظلم فلا أعرفنك كدأب الغلا * م ما لم يجد عارما يعترم فأرضك أرضك إن تأتنا * تنم نومة ليس فيها حلم فكتب إليه أخوه: إن يكن خانك الزمان فلاعا * جزباع ولا ألف ضعيف ويمين الاله لو أن جاوا * ء طحونا تضئ فيها السيوف ذات رز مجتابة غمرة المو * ت صحيح سربا لها مكفوف كنت في حميها لجئتك أسعى * فأعلمن لو سمعت إذ تستضيف أو بمال سئلت دونك لم يم‍ * نع تلاد لحاجة أو طريف أو بارض استطيع آتيك فيها * لم يهلنى بعيدها أو مخوف في الاعادي وأنت منى بعيد * عز هذا الزمان والتعريف إن تفتني والله إلفا فجوعا * لا يعقبك ما يصوب الخريف فلعمري لئن جزعت عليه * لجزوع على الصديق أسوف ولعمري لئن ملكت عزائى * لقليل شرواك فيما أطوف فزعموا أن أبيا لما قرأ كتاب عدى قام إلى كسرى فكلمه فكتب وبعث معه رجلا وكتب خليفة النعمان إليه إنه قد كتب إليك فأتاه أعداء عدى من بنى بقيلة من غسان فقالوا اقتله الساعة فأبى عليهم وجاء الرجل وقد تقدم أخو عدى إليه ورشاه وأمره

[ 605 ]

أن يبدأ بعدى فدخل عليه وهو محبوس بالصنين فقال ادخل عليه فانظر ما يأمرك به فدخل الرسول على عدى فقال إنى قد جئت بارسالك فما عندك قال عندي الذى تحب ووعده عدة وقال لا تخرجن من عندي وأعطني الكتاب حتى أرسل به فإنك والله إن خرجت من عندي لاقتلن فقال لا أستطيع إلا أن آتى الملك بالكتاب فأدخله عليه فانطلق مخبر حتى أتى النعمان فقال إن رسول كسرى قد دخل على عدى وهو ذاهب به وإن فعل لم يستبق منا أحدا أنت ولا غيرك فبعث إليه النعمان أعداءه فغموه حتى مات ثم دفنوه ودخل الرسول على النعمان بالكتاب فقال نعم وكرامة وبعث إليه بأربعة آلاف مثقال وجارية وقال له إذا أصبحت فادخل عليه فأخرجه أنت بنفسك فلما أصبح ركب فدخل السجن فقال له الحرس إنه قد مات منذ أيام فلم نجترئ على أن نخبر الملك للفرق منه وقد علمنا كراهته لموته فرجع إلى النعمان فقال إنى قد دخلت عليه وهو حى فقال له النعمان يبعثك الملك إلى فتدخل إليه قبلى كذبت ولكنك أردت الرشوة والخبث فتهدده ثم زاده جائزة وأكرمه واستوثق منه أن لا يخبر كسرى إلا إنه قد مات قبل أن يقدم عليه فرجع الرسول إلى كسرى فقال إنه قد مات قبل أن أدخل عليه وندم النعمان على موت عدى واجترأ أعداء عدى على النعان وهابهم النعمان هيبة شديدة فخرج النعمان في بعض صيده ذات يوم فلقى ابنا لعدى يقال له زيد فلما رآه عرف شبهه فقال من أنت قال أنا زيد بن عدى بن زيد فكلمه فإذا غلام ظريف ففرح به فرحا شديدا وقربه وأعطاه واعتذر إليه من أمر أبيه وجهزه ثم كتب إلى كسرى إن عديا كان ممن أعين به الملك في نصحه ولبه فأصابه ما لابد منه وانقضت مدته وانقطع أكله ولم يصب به أحد أشد من مصيبتي وأما الملك فلم يكن ليفقد رجلا إلا جعل الله له منه خلفا لما عظم الله له من ملكه وشأنه وقد أدرك له ابن ليس دونه وقد سرحته إلى الملك فان رأى الملك أن يجعله مكان أبيه فليفعل فلما قدم الغلام على كسرى جعله مكان أبيه وصرف عمه إلى عمل آخر فكان هو الذى يلى ما كتب به إلى أرض العرب وخاصة الملك وكانت له من العرب وظيفة موظفة في كل سنة مهران

[ 606 ]

أشقران والكمأة الرطبة في حينها واليابسة والاقط والادم وسائر تجارات العرب فكان زيد بن عدى بن زيد يلى ذلك وكان هذا عمل عدى فلما وقع عند الملك بهذا الموقع سأله كسرى عن النعمان فأحسن عليه الثناء فمكث سنوات بمنزلة أبيه وأعجب به كسرى وكان يكثر الدخول عليه وكانت لملوك الاعاحم صفة من النساء مكتوبة عندهم فكانوا يبعثون في تلك الارضين بتلك الصفة غير أنهم لم يكونوا يتناولون أرض العرب بشئ من ذلك ولا يريدونه فبدأ الملك في طلب النساء فكتب بتلك الصفة ثم دخل على كسرى فكلمه فيما دخل فيه ثم قال إنى رأيت الملك كتب في نسوة يطلبن له فقرأت الصفة وقد كنت بآل المنذر عالما وعند عبد ك النعمان من بناته وبنات عمه وأهله أكثر من عشرين امرأة على هذه الصفة قال فتكتب فيهن قال أيها الملك إن شر شئ في العرب وفى النعمان أنهم يتكرمون زعموا في أنفسهم عن العجم فأنا أكره أن يغيبهن وإن قدمت أنا عليه لم يقدر أن يغيبهن فابعثني وابعث معى رجلا من حرسك يفقه العربية فبعث معه رجلا جليدا فخرج به زيد فجعل يكرم ذلك الرجل ويلطفه حتى بلغ الحيرة فلما دخل عليه أعظم الملك فقال إنه قد احتاج إلى نساء لاهله وولده وأراد كرامتك فبعث اليك فقال وما هؤلاء النسوة فقال هذه صفتهن قد جئنا بها وكانت الصفة أن المنذر الاكبر أهدى إلى أنوشروان جارية كان أصابها إذ أغار على الحارث الاكبر الغساني ابن ابى شمر فكتب إلى أنوشروان يصفها له معتدلة الخلق نقية اللون والثغر بيضاء قمراء وطفاء دعجاء حوراء عيناء قنواء شماء زجاء برجاء أسيلة الخد شهية القد جثلة الشعر عظيمة الهامة بعيدة مهوى القرط عيطاء عريضة الصدر كاعب الثدى ضخمة مشاشة المنكب والعضد حسنة المعصم لطيفة الكف سبطة البنان لطيفة طى البطن خميصة الخصر غرثى الوشاح رداح القبل رابية الكفل لفاء الفخذبن ريا الروادف ضخمة المأكمتين عظيمة الركبة مفعمة الساق مشبعة الخلخال لطيفة الكعب والقدم قطوف المشى مكسال الضحى بصة المتجرد سموع للسيد ليست بخنساء ولا سعفاء ذليلة الانف عزيزة النفر لم تغذ في بؤس حيية رزينة

[ 607 ]

حليمة ركينة كريمة الحال تقتصر بنسب أبيها دون فصيلتها وبفصيلتها دون جماع قبيلتها قد أحكمتها الامور في الادب فرأيها رأى أهل الشرف وعملها عمل أهل الحاجة صناع الكفين قطيعة اللسان رهوة الصوت تزين البيت وتشين العدو إن أردتها اشتهت وإن تركها انتهت تحملق عيناها وتحمر وجنتاها وتذبذب شفتاها وتبادرك الوثبة فقبلها كسرى وأمر باثبات هذه الصفة في دواوينه فلم يزالوا يتوارثونها حتى أفضى ذلك إلى كسرى بن هرمز فقرأ عليه زيد هذه الصفة فشق عليه فقال لزيد والرسول يسمع أما في عين السواد وفارس ما تبلغون حاجتكم قال الرسول لزيد ما العين قال البقر فقال زيد للنعمان إنما أراد كرامتك ولو علم أن هذا يشق عليك لم يكتب اليك به فانزلهما يومين ثم كتب إلى كسرى أن الذى طلب الملك ليس عندي وقال لزيد اعذرني عنده فلما رجع إلى كسرى قال زيد للرسول الذى جاء معه أصدق الملك الذى سمعت منه فانى سأحدثه بحديثك ولا أخالفك فيه فلما دخلا على كسرى قال زيد هذا كتابه فقرأه عليه فقال كسرى فاين الذى كنت خبرتني قال قد كنت أخبرتك بضنهم بنسائهم على غيرهم وإن ذلك من شقائهم واختيارهم الجوع والعرى على الشبع والرياش واختيارهم السموم والرياح على طيب أرضك هذه حتى أنهم ليسمونها السجن فسل هذا الرسول معى عن الذى قال فانى أكرم الملك عن الذى قال ورد عليه أن أقوله فقال للرسول وما قال قال قال أيها الملك أما في بقر السواد ما يكفيه حتى يطلب ما عندنا فعرف الغضب في وجهه ووقع في قلبه منه ما وقع ولكنه قد قال رب عبد قد أراد ما هو أشد من هذا فيصير أمره إلى التباب وشاع هذا الكلام فبلغ النعمان وسكت كسرى على ذلك أشهرا وجعل النعمان يستعد ويتوقع حتى أتاه كتابه أن أقبل فان للملك اليك حاجة فانطلق حين أتاه كتابه فحمل سلاحه وما قوى عليه ثم لحق بجبلى طيئ وكانت فرعة ابنة سعد بن حارثة ابن لام عنده وقد ولدت له رجلا وامرأة وكانت أيضا عنده زينب ابنة أوس ابن حارثة فأراد النعمان طيئا على أن يدخلوه ويمنعوه فأبوا ذلك عليه وقالوا

[ 608 ]

لو لا صهرك قاتلناك فانه لا حاجة لنا في معاداة كسرى فاقبل ليس أحد من الناس يقبله غير أن بنى رواحة بن سعد من بنى عبس قالوا إن شئت قاتلنا معك لمنة كانت له عندهم في أمر مروان القرظ فقال لا أحب أن أهلككم فانه لا طاقة لكم بكسرى فاقبل حتى نزل بذى قار في بنى شيبان سرا فلقى هانئ بن مسعود بن عامر بن عمرو ابن أبى ربيعة بن ذهل بن شيبان وكان سيدا منيعا والبيت يومئذ من ربيعة في آل ذى الجدين لقيس بن مسعود بن قيس بن خالد بن ذى الجدين وكان كسرى قد أطعم قيس بن مسعود الابلة فكره النعمان أن يدفع إليه أهله لذلك وعلم أن هانئا مانعه مما يمنع منه نفسه وتوجه النعمان إلى كسرى فلقى زيد بن عدى على قنطرة ساباط فقال انج نعيم فقال أنت يا زيد فعلت هذا أما والله لئن انفلت لافعلن بك ما فعلت بأبيك فقال له زيد امض نعيم فقد والله وضعت لك عنده آخية لا يقطعها المهر الارن فلما بلغ كسرى أنه بالباب بعث إليه فقيده وبعث به إلى خانقين فلم يزل في السجن حتى وقع الطاعون فمات فيه والناس يظنون أنه مات بساباط لبيت قاله الاعشى فذاك وما أنجى من الموت ربه * بساباط حتى مات وهو محرزق وإنما هلك بخانقين وهذا قبيل الاسلام فلم يلبث الا يسيرا حتى بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم وكان سبب وقعة ذى قار بسبب النعمان * وحدثت عن أبى عبيدة معمر بن المثنى قال حدثنا أبو المختار فراس بن خندق وعدة من علماء العرب قد سماهم أن النعمان لما قتل عد ؟ ؟ ا كاد أخو عدى وابنه النعمان عند كسرى وحرفا كتاب اعتذاره إليه بشئ غضب منه كسرى فأمر بقتله وكان النعمان لما خاف كسرى استودع هانئ بن مسعود بن عامر بن الخصيب بن عمرو المزدلف ابن أبى ربيعة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة حلقته ونعمه وسلاحا غير ذلك وذاك أن النعمان كان بناه ابنتين له قال أبو عبيدة وقال بعضهم لم يدرك هانئ بن مسعود هذا الامر * إنما هو هانئ بن قبيصة بن هانئ بن مسعود وهو الثبت عندي فلما قتل كسرى النعمان استعمل إياس بن قبيصة الطائى على الحيرة وما كان عليه

[ 609 ]

النعمان قال أبو عبيدة كان كسرى لما هرب من بهرام مر باياس بن قبيصة فاهدى له فرسا وجزورا فشكر ذلك له كسرى فبعث كسرى إلى إياس أين تركة النعمان قال قد أحرزها في بكر بن وائل فأمر كسرى أياسا أن يضم ما كان للنعمان ويبعث إليه فبعث إياس إلى هانئ أن أرسل إلى ما استودعك النعمان من الدروع وغيرها والمقلل يقول كانت أربعمائة درع والمكثر يقول كانت ثمانمائة درع فأبى هانئ أن يسلم خفارته قال فلما منعها هانئ غضب كسرى وأظهر أنه يستأصل بكر بن وائل وعنده يومئذ النعمان بن زرعة التغلبي وهو يحب هلاك بكر بن وائل فقال لكسرى يا خير الملوك أدلك على غرة بكر قال نعم قال أمهلها حتى تقيظ فإنهم لو قد قاظوا تساقطوا على ماء لهم يقال له ذو قار تساقط الفراش في النار فأخذتهم كيف شئت وأنا أكفيكهم فترجموا له قوله تساقطوا تساقط الفراش في النار فأقرهم حتى قاظوا جاءت بكر بن وائل فنزلت الحنو حنوذى قار وهى من ذى قار ليلة فأرسل إليهم كسرى النعمان بن زرعة أن اختاروا واحدة من ثلاث خصال فنزل النعمان على هانئ ثم قال له أنا رسول الملك اليكم أخيركم ثلاث خصال إما أن تعطوا بأيديكم فيحكم فيكم الملك بما شاء وإما أن تعروا الديار وإما أن تأذنوا بحرب فتآمروا فولوا أمرهم حنظلة بن ثعلبة بن سيار العجلى وكانوا يتيمنون به فقال لهم لا أرى إلا القتال لانكم إن أعطيتم بأيديكم قتلتم وسبيت ذراريكم وإن هربتم قتلكم العطش وتلقاكم تميم فتهلككم فآذنوا الملك بحرب فبعث الملك إلى إياس وإلى الهامرز التسترى وكان مسلحه بالقطقطانة وإلى جلا بزين وكان مسلحه ببارق وكتب كسرى إلى قيس بن مسعود بن قيس بن خالد بن ذى الجدين وكان كسرى استعمله على طف سفوان أن يوافوا إياسا فإذا اجتمعوا فاياس على الناس وجاءت الفرس معها الجنود والفيول عليها الاساورة وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم ورق أمر فارس وقال النبي صلى الله عليه وسلم اليوم انتصفت العرب من العجم فحفظ ذلك اليوم فإذا هو يوم الوقعة فلما دنت جيوش الفرس بمن معهم انسل قيس

[ 610 ]

ابن مسعود ليلا فأتى هانئا فقال له أعط قومك سلاح النعمان فيقووا فإن هلكوا كان تبعا لانفسهم وكنت قد أخذت بالحزم وإن ظفروا ردوه عليك ففعل الدروع والسلاح في ذى القوى والجلد من قومه فلما دنا الجمع من بكر قال لهم هانئ يا معشر بكر إنه لا طاقة لكم بجنود كسرى ومن معهم من العرب فاركبوا الفلاة فتسارع الناس إلى ذلك فوثب حنظلة بن ثعلبة بن سيار فقال له إنما أردت نجاتنا فلم تزد على أن ألقيتنا في الهلكة فرد الناس وقطع وضن الهوادج لئلا يستطيع بكر أن تسوق يساءهم إن هربوا فسمى مقطع الوضن وهى حزم الرحال ويقال مقطع البطن والبطن حزم الاقتاب وضرب حنظلة على نفسه قبة ببطحاء ذى قار وآلى أن لا يفر حتى تفر القبة فمضى من مضى من الناس ورجع أكثرهم واستقوا ماء لنصف شهر فأتتهم العجم فقاتلتهم بالحنو فجزعت العجم من العطش فهربت ولم تقم لمحاصرتهم فهربت إلى الجبابات فنبعتهم بكر وعجل أوائل بكر فتقدمت عجل وأبلت يومئذ بلاء حسنا واضطمت عليهم جنود العجم فقال الناس هلكت عجل ثم حملت بكر فوجدوا عجلا ثابتة تقاتل امرأة منهم تقول إن يظفروا يحرزوا فينا الغرل * إيها فداء لكم بنى عجل وتقول أيضا تحضض الناس إن تهزموا نعانق * ونفرش النمارق أو تهربوا نفارق * فراق غير وامق فقاتلوهم بالجبابات يوما ثم عطش الاعاجم فمالوا إلى بطحاء ذى قار فأرسلت إياد إلى بكر سرا وكانوا أعوانا على بكر مع إياس بن قبيصة أي الامرين أعجب إليكم أن نطير تحت ليلتنا فنذهب أو نقيم ونفر حين تلاقوا القوم قالوا بل تقيمون فإذا التقى القوم انهزمتم بهم قال فصبحتهم بكر بن وائل والظعن واقفة يذمرن الرجال على القتال وقال يزيد بن حمار السكوني وكان حليفا لبنى شيبان يا بنى شيبان اطيعونى وأكمنونى لهم كمينا ففعلوا وجعلوا يزيد بن حمار رأسهم

[ 611 ]

فكمنوا في مكان من ذى قار يسمى إلى اليوم الجب فاجتلدوا وعلى ميمنة اياس ابن قبيصة الهامرز وعلى ميسرته الجلا بزين وعلى ميمنة هانئ بن قبيصة ريئس بكر يزيد بن مسهر الشيباني وعلى ميسرته حنظلة بن ثعلبة بن سيار العجلى وجعل الناس يتحاضون ويرجزون فقال حنظلة بن ثعلبة قد شاع أشياعكم فجدوا * ما علتى وأنا مؤد جلد والقوس فيها وتر عرد * مثل ذراع البكر أو أشد قد جعلت اخبار قومي تبدو * إن المنايا ليس منها بد هذا عمير حيه الد * يقدمه ليس له مرد حتى يعود كالكميت الورد * خلوا بنى شيبان واستبدوا نفسي فداكم وأبى والجد وقال حنظلة أيضا يا قوم طيبوا بالقتال نفسا * أجدر يوم أن تفلوا الفرسا وقال يزيد بن المكسر بن حنظلة بن ثعلبة بن سيار من فر منكم فر عن حريمه * وجاره وفر عن نديمه أنا ابن سيار على شكيمه * إن الشراك قد من أديمه وكلهم يجرى على قديمه * من قارح الهجنة أو صميمه قال فراس ثم صيروا الامر بعد هانئ إلى حنظلة فمال إلى مارية ابنته وهى أم عشرة نفر أحدهم جابر بن أبجر فقطع وضينها فوقعت إلى الارض وقطع وضن النساء فوقعن إلى الارض ونادت ابنة القرين الشيبانية حين وقعت النساء إلى الارض ويها بنى شيبان صفا بعد صف * إن تهزموا يصبغوا فينا القلف فقطع سبعمائة من بنى شيبان أيدى أقبيتهم من قبل مناكبهم لان تخف أيديهم بضرب السيوف فجالدوهم قال ونادى الهامر زمرد ومرد فقال برد بن حارثه اليشكرى ما يقول قالوا يدعو إلى البراز رجل ورجل قال وأبيكم لقد أنصف

[ 612 ]

فبرز له فقتله برد فقال سويد بن أبى كاهل ومنا بريد إذ تخدى جموعكم * فلم تقربوه المرزبان المسورا أي لم تجعلوه ونادى حنظلة بن ثعلبة بن سيار يا قوم لا تقفوا لهم فيستغرقكم النشاب فحملت ميسرة بكر وعليها حنظلة على ميمنة الجيش وقد قتل برد منهم رئيسهم الهامرز وحملت ميمنة بكر وعليها يزيد بن مسهر على ميسرة الجيش وعليهم جلا بزين وخرج الكمين من جب ذى قار من ورائهم وعليهم يزيد بن حمار فشدوا على قلب الجيش وفيهم إياس بن قبيصة وولت اياد منهزمة كما وعدتهم وانهزمت الفرس قال سليط فحدثنا أسراؤنا الذين كانوا فيهم يومئذ قالوا فلما التقى الناس ولت بكر منهزمة فقلنا يريدون الماء فلما قطعوا الوادي فصاروا من ورائه وجاوزوا الماء قلنا هي الهزيمة وذاك في حر الظهيرة وفى يوم قائظ فأقبلت كتيبة عجل كأنهم طن قصب لا يفوت بعضهم بعضا لا يمنعون هربا ولا يخالطون القوم ثم تذامر وافزحفوا فرموهم بحباههم فلم تكن إلا إياها فأمالوا بأيديهم فولوا فقتلوا الفرس ومن معهم ما بين بطحاء ذى قار حتى بلغوا الراحضة قال فراس فخبرت أنهم أتبعوا فارس يسعون لم ينظروا إلى سلب ولا إلى شئ حتى تعارفوا بأدم موضع قريب من ذى قار فوجد ثلاثون فارسا من بنى عجل ومن سائر بكر ستون فارسا وقتلوا جلا بزين قتله حنظلة بن ثعلبة وقال ميمون بن قيس يمدح بنى شيبان خاصة في قوله فدى لبنى ذهل بن شيبان ناقتي * وراكبها يوم اللقاء وفلت هم ضربوا بالحنو حنو قراقر * مقدمة الهامرز حتى تولت وأفلتنا قيس وقلت لعله * هنالك لو كانت به النعل زلت فهذا يدل على أن قيسا قد شهد ذا قار وقال بكير أصم بنى الحارث بن عباد يمدح بنى شيبان إن كنت ساقية المدامة أهلها * فاسقى على كرم بنى همام وأبا ربيعة كلها ومحلما * سبقا بغاية أمجد الايام ضربوا بنى الاحرار يوم لقوهم * بالمشرفى على مقيل الهام

[ 613 ]

عربا ثلاثة آلف وكتيبة * ألفين أعجم من بنى الفدام شد ابن قيس شدة ذهبت له * ذكرا له في معرق وشآم عمرو وما عمرو بقحم داله * فيها ولا غمر ولا بغلام فلما مدح الاعشى والاصم بنى شيبان خاصة غضبت اللهازم فقال أبو كلبة أحد بنى قيس يؤنبها بذلك جد عتما شاعري قوم أولى حسب * حزت أنوفهما حزا بمنشار أعنى الاصم وأعشانا إذا اجتمعا * فلا استعانا على سمع بإبصار لو لا فوارس لا ميل ولا عزل * من اللهازم ما قاظوا بذى قار نحن أتيناهم من عند أشملهم * كما تلبس وراد بصدار قال أبو عمرو بن العلاء فلما بلغ الاعشى قول أبى كلبة قال صدق وقال معتذرا مما قال متى يقرن أصم بحبل أعشى * يتيها في الضلال وفى الخسار فلست بمبصر ما قد يراه * وليس بسامع أبدا حوارى وقال الاعشى في ذلك اليوم أتانا عن بنى الاحرا * ر قول لم يكن أمما أرادوا نحت أثلتنا * وكنا نمنع الخطما وقال أيضا لقيس بن مسعود أقيس بن مسعود بن قيس بن خالد * وأنت امرؤ ترجو شبابك وائل أتجمع في عام غزاة ورحلة * ألا ليت قيسا غرقته القوابل وقال أعشى بن ربيعة ونحن غداة ذى قار أقمنا * وقد شهد القبائل محلبينا وقد جاؤا بها جأواء فلقا * ململمة كتائبها طحونا ليوم كريهة حتى تجلت * ظلال دجاه عنا مصلتينا فولونا الدوابر واتقونا * بنعمان بن زرعة أكتعينا وذدنا عارض الاحرار وردا * كما ورد القطا الثمد المعينا

[ 614 ]

ذكر من كان على ثغر العرب من قبل ملوك الفرس بالحيرة بعد عمرو بن هند قد مضى ذكرنا من كان يلى ذلك من قبل ملوك الفرس من آل نصر بن ربيعة إلى حين هلاك عمرو بن هند وقدر مدة ولاية كل من ولى منهم ذلك ونذكر الآن من ولى ذلك لهم بعد عمرو بن هند إلى أن ولى ذلك لهم النعمان بن المنذر والذى ولى لهم ذلك بعد عمرو بن هند أخوه قابوس ابن المنذر وأمه هند ابنة الحارث بن عمرو فولى ذلك أربع سنين من ذلك في زمن أنو شروان ثمانية أشهر وفى زمن هرمز بن أنوشروان ثلاث سنين وأربعة أشهر ثم ولى بعد قابوس بن المنذر السهرب ثم ولى بعده المنذر أبو النعمان بن المنذر أربع سنين ثم ولى بعده النعمان بن المنذر أبو قابوس اثنتين وعشرين سنة من ذلك في زمن هرمز بن أنوشروان سبع سنين وثمانية أشهر وفى زمن كسرى أبرويز بن هرمز أربع عشرة سنة وأربعة أشهر ثم ولى إياس بن قبيصة الطائى ومعه النخير جان تسع سنين في زمن كسرى بن هرمز ولسنة وثمانية أشهر من ولاية إياس بن قبيصة بعث النبي صلى الله عليه وسلم فيما زعم هشام بن محمد ثم استخلف آزاذ به بن يابيان ابن مهر بنداذ الهمذانى سبع عشرة سنة من ذلك في زمن كسرى بن هرمز أربع عشرة سنة ثمانية أشهر وفى زمن شيروية بن كسرى ثمانية أشهر وفى زمن أردشير بن شيروية سنة وسبعة أشهر وفى زمن بوران دخت بنت كسرى شهرا ثم ولى المنذر بن النعمان بن المنذر وهو الذي تسميه العرب الغرور الذى قتل بالبحرين يوم جواثا إلى أن قدم خالد بن الوليد الحيرة ثمانية أشهر فكان آخر من بقى من آل نصر بن ربيعة فانقرض أمرهم مع زوال ملك فارس فجميع ملوك آل نصر فيما زعم هشام ومن استخلف من العباد والفرس عشرون ملكا قال وعدة ما ملكوا خمسمائة سنة واثنتان وعشرون سنة وثمانية أشهر (رجع الحديث) إلى ذكر المروزان وولايته اليمن من قبل هرمز وابنه ابرويز ومن

[ 615 ]

وليها بعده * حدثت عن هشام بن محمد قال عزل هرمز بن كسرى زين عن اليمن واستعمل مكانه المروزان فأقام باليمن حتى ولد له بها وبلغ ولده ثم إن أهل جبل من جبال اليمن يقال له المصانع خالفوه وامتنعوا من حمل الخراج إليه والمصانع جبل طويل ممتنع إلى جانبه جبل آخر قريب منه بينهما فضاء ليس بالبعيد إلا أنه لا يرام ولا يطمع فيه فسار المروزان إلى المصانع فلما انتهى إليه نظر إلى جبل لا يطمع في دخوله إلا من باب واحد يمنع ذلك الباب رجل واحد فلما رأى أن لا سبيل له إليه صعد الجبل الذى يحاذي حصنهم فنظر إلى أضيق مكان منه وتحته هواء ذاهب فلم ير شيئا أقرب إلى افتتاح الحصن من ذلك الموضع فأمر أصحابه أن يصطفوا له صفين ثم يصيحوا به صيحة واحدة فضرب فرسه فاستجمع حضرا ثم رمى به فوثب المضيق فإذا هو على رأس الحصن فلما نظرت إليه حمير وإلى صنيعه قالوا هذا أيم والايم بالحيرية شيطان فانتهرهم وزيرهم بالفارسية وأمرهم أن يكف بعضهم بعضا فاستنزلهم من حصنهم وقتل طائفة منهم وسبى بعضهم وكتب بالذى كان من أمره إلى كسرى بن هرمز فتعجب من صنيعه وكتب إليه أن استخلف من شئت وأقبل إلى قال وكان للمروزان ابنان أحدهما تعجبه العربية ويروى الشعر يقال له خرخسرة والآخر أسوار يتكلم بالفارسية ويتدهقن فاستخلف المروزان ابنه خر خسرة وكان أحب ولده إليه على اليمن وسار حتى إذا كان في بعض بلاد العرب هلك فوضع في تابوت وحمل حتى قدم به على كسرى فأمر بذلك التابوت فوضع في خزاتته وكتب عليه في هذا التابوت فلان الذى صنع كذا وكذا قصته في الجبلين ثم بلغ كسرى تعرب خر خسرة وروايته الشعر وتأدبه بأدب العرب فعزله وولى باذان وهو آخر من قدم اليمن من ولاة العجم وكان كسرى قد طغ