الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




تاريخ الطبري - الطبري ج 4

تاريخ الطبري

الطبري ج 4


[ 1 ]

تاريخ الامم والملوك للامام ابى جعفر محمد بن جرير الطبري الجزء الرابع [ قوبلت هذه الطبعة على النسخة المطبوعة ] [ يمطبعة " بريل " بمدينة ليدن في سنة 1879 م ] راجعه وصححه وضبطه نخبة من العلماء الاجلاء منشورات مؤسسته الاعلمي للمطبوعات بيروت - لبنان ص. ب 7120

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ذكر ما كان فيها من الاحداث وموادعة الحرب بين على ومعاوية فكان في أول شهر منها وهو المحرم موادعة الحرب بين على ومعاوية قد توادعا على ترك الحرب فيه إلى انقضائه طمعا في الصلح فذكر هشام بن محمد عن أبى مخنف الازدي قال حدثنى سعد أبو المجاهد الطائى عن المحل بن خليفة الطائى قال لما توادع على ومعاوية يوم صفين اختلف فيما بينهما الرسل رجاء الصلح فبعث على عدى بن حاتم ويزيد بن قيس الارجى وشبث بن ربعى وزياد بن خصفة إلى معاوية فلما دخلوا حمد الله عدى بن حاتم ثم قال أما بعد فإنا أتيناك ندعوك إلى أمر يجمع الله عز وجل به كلمتنا وأمتنا ويحقن به الدماء ويأمن به السبل ويصلح به ذات البين إن ابن عمك سيد المسلمين أفضلها سابقة وأحسنها في الاسلام أثرا وقد استجمع له الناس وقد أرشدهم الله عز وجل بالذى رأوا فلم يبق أحد غيرك وغير من من معك فانته يا معاوية لا يصبك الله وأصحابك بيوم مثل يوم الجمل فقال معاوية كأنك إنما جئت متهددا لم تأت مصلحا هيهات يا عدى كلا والله إنى لابن حرب ما يقعقع لى بالشنان أما والله إنك لمن المجلبين على ابن عفان رضى الله عنه وإنك لمن قتلته وإنى لارجو أن تكون ممن يقتل الله عز وجل به هيهات يا عدى بن حاتم قد حلبت بالساعد الاشد ققال له شبث بن ربعى وزياد بن خصفة وتنازعا جوابا واحدا أتيناك فيما يصلحنا وإياك فأقبلت تضرب لنا الامثال دع مالا ينتفع به من القول والفعل وأجبنا فيما يعمنا وإياك نفعه وتكلم يزيد بن قيس فقال إنا لم نأتك إلا لنبلغك ما بعثنا به إليك ولنؤدي عنك ما سمعنا منك ونحن على ذلك لم تدع أن ننصح لك وأن نذكر ما ظننا أن لنا عليك به حجة وأنك راجع به إلى الالفة والجماعة إن صاحبنا من قد عرفت وعرف المسلمون فضله ولا أظنه يخفى

[ 3 ]

عليك إن أهل الدين والفضل لن يعدلوا بعلى ولن يميلوا بينك وبينه فاتق الله يا معاوية ولا تخالف عليا فإنا والله ما رأينا رجلا قط أعمل بالتقوى ولا أزهد في الدنيا ولا أجمع لخصال الخير كلها منه فحمد الله معاوية وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإنكم دعوتم إلى الطاعة والجماعة فأما الجماعة التى دعوتم إليها فمعنا هي وأما الطاعة لصاحبكم فإنا لا نراها إن صاحبكم قتل خليفتنا وفرق جماعتنا وآوى ثأرنا وقتلتنا وصاحبكم يزعم أنه لم يقتله فنحن لا نرد ذلك عليه أرأيتم قتلة صاحبنا ألستم تعلمون أنهم أصحاب صاحبكم فليدفعهم إلينا فلنقتلهم به ثم نحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة فقال له شبث أيسرك يا معاوية أنك أمكنت من عمار تقتله فقال معاوية وما يمنعنى من ذلك والله لو أمكنت من ابن سمية ما قتلته بعثمان رضى الله عنه ولكن كنت قاتله بناتل مولى عثمان فقال له شبث وإله الارض وإله السماء أما عدلت معتدلا لا والذى لا إله إلا هو لا تصل إلى عمار حتى تندر الهام عن كواهل الاقوام وتضيق الارض الفضاء عليك برحبها فقال له معاوية إنه لو قد كان ذلك كانت الارض عليك أضيق وتفرق القوم عن معاوية فلما انصرفوا بعث معاوية إلى زياد بن خصفة التيمى فخلا به فحمد الله وأثنى عليه وقال أما بعد يا أخا ربيعة فإن عليا قطع أرحامنا وآوى قتلة صاحبنا وإنى أسألك النصر عليه بأسرتك وعشيرتك ثم لك عهد الله عز وجل وميثاقه أن أوليك إذا ظهرت أي المصرين أحببت قال أبو مخنف فحدثني سعد أبو المجاهد عن المحل بن خليفة قال سمعت زياد بن خصفة يحدث بهذا الحديث قال فلما قضى معاوية كلامه حمدت الله عز وجل وأثنيت عليه ثم قلت أما بعد فإنى على بينة من ربى وبما أنعم على فلن أكون ظهيرا للمجرمين ثم قمت فقال معاوية لعمرو بن العاص وكان إلى جنبه جالسا يكلم رجل منا رجلا منهم فيجيب إلى خير مالهم عضبهم الله بشر ما قلوبهم إلا كقلب رجل واحد * قال أبو مخنف فحدثني سليمان بن راشد الازدي عن عبد الرحمن بن عبيد أبى الكنود أن معاوية بعث إلى على حبيب بن مسلمة الفهرى وشرحبيل بن السمط ومعن بن يزيد بن الاخنس فدخلوا عليه وأنا

[ 4 ]

عنده فحمد الله حبيب وأثنى عليه ثم قال أما بعد فان عثمان بن عفان رضى الله عنه كان خليفة مهديا يعمل بكتاب الله عز وجل وينيب إلى أمر الله تعالى فاستثقلتم حياته واستبطأتم وفاته فعدوتم عليه فقتلتموه رضى الله عنه فادفع إلينا قتلة عثمان إن زعمت أنك لم تقتله نقتلهم به ثم اعتزل أمر الناس فيكون أمرهم شورى بينهم يولى الناس أمرهم من أجمع عليه رأيهم فقال له على بن أبى طالب وما أنت لا أم لك والعزل وهذا الامر اسكت فإنك لست هناك ولا بأهل له فقام وقال له والله لتريني بحيث تكره فقال على وما أنت ولو أجلبت بخيلك ورجلك لا أبقى الله عليك إن أبقيت على أحقره وسوءا اذهب فصوب وصعد ما بدالك وقال شرحبيل بن السمط إنى إن كلمتك فلعمري ما كلامي إلا مثل كلام صاحبي قبل فهل عندك جواب غير الذى أجبته به فقال على نعم لك ولصاحبك جواب غير الذى أجبته به فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإن الله جل ثناؤه بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق فأنقذ به من الضلالة وانتاش به من الهلكة وجمع به من الفرقة ثم قبضه الله إليه وقد أدى ما عليه صلى الله عليه وسلم ثم استخلف الناس أبا بكر رضى الله عنه واستخلف أبو بكر عمر رضى الله عنه فأحسنا السيرة وعدلا في الامة وقد وجدنا عليهما أن توليا علينا ونحن آل رسول الله صلى الله عليه وسلم فغفرنا ذلك لهما وولى عثمان رضى الله عنه فعمل بأشياء عابها الناس عليه فساروا إليه فقتلوه ثم أتانى الناس وأنا معتزل أمورهم فقالوا لى بايع فأبيت عليهم فقالوا لى بايع فإن الامة لا ترضى إلا بك وإنا نخاف إن لم تفعل أن يفترق الناس فبايعتهم فلم يرعنى إلا شقاق رجلين قد بايعانى وخلاف معاوية الذى لم يجعل الله عز وجل له سابقة في الدين ولا سلف صدق في الاسلام طليق بن طليق حزب من هذه الاحزاب لم يزل لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين عدوا هو وأبوه حتى دخلا في الاسلام كارهين فلا غرو الا خلافكم معه وانقيادكم له وتدعون آل نبيكم صلى الله عليه وسلم الذين لا ينبغى لكم شقاقهم ولا خلافهم ولا أن تعدلوا بهم من الناس أحدا ألا إنى أدعوكم إلى كتاب الله عز وجل

[ 5 ]

وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم واماتة الباطل واحياء معالم الدين أقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم ولكل مؤمن ومؤمنة ومسلم ومسلمة فقال أتشهد ان عثمان رضى الله عنه قتل مظلوما فقال لهما لا أقول انه قتل مظلوما ولا انه قتل ظالما قالا فمن لم يزعم ان عثمان قتل مظلوما فنحن منه برآء ثم قاما فانصرف فقال على " انك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين وما أنت بهادي العمى عن ضلالتهم إن تسمع الا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون " ثم أقبل على على أصحابه فقال لا يكن هؤلاء أولى بالجد في ضلالهم منكم بالجد في حقكم وطاعة ربكم * قال أبو مخنف حدثنى جعفر بن حذيفة من آل عامر بن جوين أن عائذ بن قيس الحزمرى واثب عدى بن حاتم في الراية بصفين وكانت حزمر أكثر من بنى عدى رهط حاتم فوثب عليهم عبد الله بن خليفة الطائى البولانى عند على فقال يا بنى حزمر على عدى تتوثبون وهل فيكم مثل عدى أو في آبائكم مثل أبى عدى أليس بحامي القربة ومانع الماء يوم روية أليس بابن ذى المرباع وابن جواد العرب أليس بابن المنهب ماله ومانع جاره أليس من لم يغدر ولم يفجر ولم يجهل ولم يبخل ولم يمنن ولم يجبن هاتوا في آبائكم مثل أبيه أو هاتوا فيكم مثله أو ليس أفضلكم في الاسلام أو ليس وافدكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أليس برأسكم يوم النخيلة ويوم القادسية ويوم المدائن ويوم جلولاء الوقيعة ويوم نهاوند ويوم تستر فمالكم وله والله ما من قومكم أحد يطلب مثل الذى تطلبون فقال له على بن أبى طالب حسبك يا ابن خليفة هلم أيها القوم إلى وعلى بجماعة طيئ فأتوه جميعا فقال على من كان رأسكم في هذه المواطن قالت له طيئ عدى فقال له ابن خليفة فسلهم يا أمير المؤمنين أليسوا راضين مسلمين لعدى الرئاسة ففعل فقالوا نعم فقال لهم عدى أحقكم بالراية فسلموها له فقال على وضجت بنو الحزمر إنى أراه رأسكم قبل اليوم ولا أرى قومه كلهم إلا مسلمين له غيركم فأتبع في ذلك الكثرة فأخذها عدى فلما كان أزمان حجر بن عدى طلب عبد الله بن خليفة ليبعث به مع حجر وكان من أصحابه فسير إلى الجبلين وكان عدى قدمناه أن يرده وأن يطلب فيه فطال

[ 6 ]

عليه ذلك فقال وتنسونني يوم الشريعة والقنا * بصفين في أكتافهم قد تكسرا جزى ربه عنى عدى بن حاتم * برفضى وخذلاني جزاء موفرا أتنسى بلائى سادرا يا ابن حاتم * عشية ما أغنت عديك حزمرا فدافعت عنك القوم حتى تخاذلوا * وكنت أنا الخصم الالد العذورا فولوا وما قاموا مقامي كأنما * رأوني ليثا بالاباءة محدرا نصرتك إذ خام القريب وأبعد ال‍ * بعيد وقد أفردت نصرا مؤزرا فكان جزائي أن أجرد بينكم * سجينا وأن أولى الهوان وأوسرا وكم عدة لى منك أنك راجعي * فلم تغن بالميعاد عنى حبترا تكتيب الكتائب وتعبية الناس للقتال قال ومكث الناس حتى إذا دنا انسلاخ المحرم أمر على مرثد بن الحارث الجشمى فنادى أهل الشأم عند غروب الشمس ألا إن أمير المؤمنين يقول لكم إنى قد استدمتكم لتراجعوا الحق وتنيبوا إليه واحتججت عليكم بكتاب الله عز وجل فدعوتكم إليه فلم تناهوا عن طغيان ولم تجيبوا إلى حق وإنى قد نبذت اليكم على سواء إن الله لا يحب الخائنين ففزع أهل الشأم إلى أمرائهم ورؤسائهم وخرج معاوية وعمرو ابن العاص في الناس يكتبان الكتائب ويعبيان الناس وأوقدوا النيران وبات على ليلته كلها يعبى الناس ويكتب الكتائب ويدور في الناس يحرضهم قال أبو مخنف حدثنى عبد الرحمن بن جندب الازدي عن أبيه أن عليا كان يأمرنا في كل موطن لقينا فيه معه عدوا فيقول لا تقاتلوا القوم حتى يبدؤكم فأنتم بحمد الله عز وجل على حجة وترككم إياهم حتى يبدؤكم حجة أخرى لكم فإذا قاتلتموهم فهزمتموهم فلا تقتلوا مدبرا ولا تجهزوا على جريح ولا تكشفوا عورة ولا تمثلوا بقتيل فإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا سترا ولا تدخلوا دارا إلا بإذن ولا تأخذوا شيئا من أموالهم إلا ما وجدتم في عسكرهم ولا تهيجوا امرأة بأذى وإن شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم وصلحاءكم فانهن ضعاف القوى والانفس قال أبو مخنف

[ 7 ]

وحدثني اسماعيل بن يزيد عن أبى صادق عن الحضرمي قال سمعت عليا يحرض الناس في ثلاثة مواطن يحرض الناس يوم صفين ويوم الجمل ويوم النهر يقول عباد الله اتقوا الله وغضوا الابصار واخفضوا الاصوات وأقلوا الكلام ووطنوا أنفسكم على المنازلة والمجاولة والمبارزة والمناضلة والمبالدة والمعانقة والمكادمة الملازمة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين اللهم ألهمهم الصبر وأنزل عليهم النصر وأعظم لهم الاجر فأصبح على من الغد فبعث على الميمنة والميسرة والرجالة والخيل * قال أبو مخنف فحدثني فضيل بن خديج الكندى أن عليا بعث على خيل أهل الكوفة الاشتر وعلى خيل أهل البصرة سهل بن حنيف وعلى رجالة أهل الكوفة عمار ابن ياسر وعلى رجالة أهل البصرة قيس بن سعد وهاشم بن عتبة ومعه رايته ومسعر ابن فدكى التميمي على قراء أهل البصرة وصار أهل الكوفة إلى عبد الله بن بديل وعمار بن ياسر * قال أبو مخنف وحدثني عبد الله بن يزيد بن جابر الازدي عن القاسم مولى يزيد بن معاوية أن معاوية بعث على ميمنته ابن ذى الكلاع الحميرى وعلى ميسرته حبيب بن مسلمة الفهرى وعلى مقدمته يوم أقبل من دمشق أبا الاعور السلمى وكان على خيل أهل دمشق وعمرو بن العاص على خيول أهل الشأم كلها ومسلم بن عقبة المرى على رجالة أهل دمشق والضحاك بن قيس على رجالة الناس كلها وبايع رجال من أهل الشأم على الموت فعقلوا أنفسهم بالعمائم فكان المعقلون خمسة صفوف وكانوا يخرجون ويصفون عشرة صفوف ويخرج أهل العراق أحد عشر صفا فخرجوا أول يوم من صفين فاقتتلوا وعلى من خرج يومئذ من أهل الكوفة الاشتر وعلى أهل الشأم حبيب بن مسلمة وذلك يوم الاربعاء فاقتتلوا قتالا شديدا جل النهار ثم تراجعوا وقد انتصف بعضهم من بعض ثم خرج هاشم بن عتبة في خيل ورجال حسن عددها وعدتها وخرج إليه أبو الاعور فاقتتلوا يومهم ذلك يحمل الخيل على الخيل والرجال على الرجال ثم انصرفوا وقد كان القوم صبر بعضهم لبعض وخرج اليوم الثالث عمار بن ياسر وخرج إليه

[ 8 ]

عمرو بن العاص فاقتتل الناس كأشد القتال وأخذ عمار يقول يا أهل العراق أتريدون أن تنظروا إلى من عادى الله ورسوله وجاهدهما وبغى على المسلمين وظاهر المشركين فلما رأى الله عز وجل يعز دينه ويظهر رسوله أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم وهو فيما نرى راهب غير راغب ثم قبض الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم فوالله ان زال بعده معروفا بعداوة المسلم وهوادة المجرم فاثبتوا له وقاتلوه فإنه يطفئ نور الله ويظاهر أعداء الله عز وجل فكان مع عمار زياد بن النضر على الخيل فأمره أن يحمل في الخيل فحمل وقاتله الناس وصبروا له وشد عمار في الرجال فأزال عمرو بن العاص عن موقفه وبارز يومئذ زياد بن النضر أخا له لامه يقال له عمرو بن معاوية بن المنتفق بن عامر بن عقيل وكانت أمهما امرأة من بنى يزيد فلما التقيا تعارفا فتواقفا ثم انصرف كل واحد منهما عن صاحبه وتراجع الناس فلما كان من الغد خرج محمد بن على وعبيدالله بن عمر في جمعين عظيمين فاقتتلوا كأشد القتال ثم ان عبيدالله بن عمر أرسل إلى ابن الحنفية أن اخرج إلى فقال نعم ثم خرج يمشى فبصر به أمير المؤمنين فقال من هذان المتبارزان فقيل ابن الحنفية وعبيدالله بن عمر فحرك دابته ثم نادى محمدا فوقف له فقال أمسك دابتي فاسمكها ثم مشى الله على فقال أبرز لك هلم إلى فقال ليست لى في مبارزتك حاجة فقال بلى فقال لا فرجع ابن عمر فأخذ ابن الحنفية يقول لابيه يا أبت لم منعتني من مبارزته فوالله لو تركتني لرجوت أن أقتله فقال لو بارزته لرجوت أن تقتله وما كنت آمن أن يقتلك فقال يا أبت أو تبرز لهذا الفاسق والله لو أبوه سألك المبارزة لرغبت بك عنه فقال على يا بنى لا تقل في أبيه إلا خيرا ثم إن الناس تحاجزوا وتراجعوا قال فلما كان اليوم الخامس خرج عبد الله بن عباس والوليد بن عقبة فاقتتلوا قتالا شديدا ودنا ابن عباس من الوليد بن عقبة فأخذ الوليد يسب بنى عبد المطلب وأخذ يقول يا ابن عباس قطعتم أرحامكم وقتلتم إمامكم فكيف رأيتم الله صنع بكم لم تعطوا ما طلبتم ولم تدركوا ما أملتم والله إن شاء الله مهلككم وناصر عليكم فأرسل إليه ابن عباس أن ابرز لى فأبى وقاتل ابن عباس يومئذ قتالا شديدا

[ 9 ]

وغشى الناس بنفسه ثم خرج قيس بن سعد الانصاري وابن ذى الكلاع الحميرى فاقتلوا قتالا شديدا ثم انصرفا وذلك اليوم السادس ثم خرج الاشتر وعاد إليه حبيب بن مسلمة اليوم السابع فاقتتلا قتالا شديدا ثم انصرفا عند الظهر وكل غير غالب وذلك يوم الثلاثاء * قال أبو مخنف حدثنى مالك بن أعين الجهنى عن زيد ابن وهب أن عليا قال حتى متى لا نناهض هؤلاء القوم بأجمعنا فقام في الناس عشية الثلاثاء ليلة الاربعاء بعد العصر فقال الحمد لله الذى لا يبرم ما نقض وما أبرم لا ينقضه الناقضون لو شاء ما اختلف اثنان من خلقه ولا تنازعت الامة في شئ من أمره ولا جحد المفضول ذا الفضل فضله وقد ساقتنا وهؤلاء القوم الاقدار فلفت بيننا في هذا المكان فنحن من ربنا بمرأى ومسمع فلو شاء عجل النقمة وكان منه التغيير حتى يكذب الله الظالم ويعلم الحق أين مصيره ولكنه جعل الدنيا دار الاعمال وجعل الآخرة عنده هي دار القرار ليجزى الذين أساؤا بما عملوا ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى ألا إنكم لاقو القوم غدا فأطيلوا الليلة القيام وأكثروا تلاوة القرآن وسلوا الله عز وجل النصر والصبر والقوهم بالجد والحزم وكونوا صادقين ثم انصرف ووثب الناس إلى سيوفهم ورماحهم ونبالهم يصلحونها ومر بهم كعب بن جعيل التغلبي وهو يقول: أصبحت الامة في أمر عجب * والملك مجموع غدا لمن غلب فقلت قولا صادقا غير كذب * إن غدا تهلك أعلام العرب قال فلما كان من الليل خرج على فعبى الناس ليلته كلها حتى إذا أصبح زحف بالناس وخرج إليه معاوية في أهل الشام فأخذ على يقول من هذه القبيلة ومن هذه القبيلة فنسبت له قبائل أهل الشأم حتى إذا عرفهم ورأى مراكزهم قال للازد اكفوني الازد وقال لخثعم اكفوني خثعم وأمر كل قبيلة من أهل العراق أن تكفيه أختها من أهل الشأم إلا أن تكون قبيلة ليس منها بالشأم أحد فيصرفها إلى قبيلة أخرى تكون بالشأم ليس منهم بالعراق واحد مثل بجيلة لم يكن منهم بالشأم إلا عدد قليل فصرفهم إلى لخم ثم تناهض الناس يوم الاربعاء فاقتتلوا قتالا شديدا نهارهم

[ 10 ]

كله ثم انصرفوا عند المساء وكل غير غالب حتى إذا كان غداة الخميس صلى على بغلس * قال أبو مخنف حدثنى عبد الرحمن بن جندب الازدي عن أبيه قال ما رأيت عليا غلس بالصلاة أشد من تغليسه يومئذ ثم خرج بالناس إلى أهل الشأم فزحف إليهم فكان يبدأهم فيسير إليهم فإذا رأوه قد زحف إليهم استقبلوه بوجوههم * قال أبو مخنف حدثنى مالك بن أعين عن زيد بن وهب الجهنى أن عليا خرج إليهم غداة الاربعاء فاستقبلهم فقال اللهم رب السقف المرفوع المحفوظ المكفوف الذى جعلته مغيضا لليل والنهار وجعلت فيه مجرى الشمس والقمر ومنازل النجوم وجعلت سكانه سبطا من الملائكة لا يسأمون العبادة ورب هذه الارض التى جعلتها قرارا للانام والهوام والانعام وما لا يحصى مما لا يرى ومما يرى من خلقك العظيم ورب الفلك التى تجرى في البحر يما ينفع الناس ورب السحاب المسخر بين السماء والارض ورب البحر المسجور المحيط بالعالم ورب الجبال الرواسى التى جعلتها للارض أوتادا وللخلق متاعا إن أظهر تنا على عدونا فجنبنا البغى وسددنا للحق وإن أظهرتهم علينا فارزقني الشهادة واعصم بقية أصحابي من الفتنة قال وازدلف الناس يوم الاربعاء فاقتتلوا كأشد القتال يومهم حتى الليل لا ينصرف بعضهم عن بعض إلا للصلاة وكثرت القتلى بينهم وتحاجزوا عند الليل وكل غير غالب فأصبحوا من الغد فصلى بهم على غداة الخميس فغلس بالصلاة أشد التغليس ثم بدأ أهل الشأم بالخروج فلما رأوه قد أقبل إليهم خرجوا إليه بوجوههم وعلى ميمنته عبد الله بن بديل وعلى ميسرته عبد الله ابن عباس وقراء أهل العراق مع ثلاثة نفر مع عمار بن ياسر ومع قيس بن سعد ومع عبد الله بن بديل والناس على راياتهم ومراكزهم وعلى في القلب في أهل المدينة بين أهل الكوفة وأهل البصرة وعظم من معه من أهل المدينة الانصار ومعه من خزاعة عدد حسن ومن كنانة وغيرهم من أهل المدينة ثم زحف إليهم بالناس ورفع معاوية قبة عظيمة قد ألقى عليها الكرابيس وبايعه عظم الناس من أهل الشأم على الموت وبعث خيل أهل دمشق فاحتاطت بقبته وزحف عبد الله ابن بديل في الميمنة نحو حبيب بن مسلمة فلم يزل يحوزه ويكشف خيله من الميسرة

[ 11 ]

حتى اضطرهم إلى قبة معاوية عند الظهر * قال أبو مخنف حدثنى مالك بن أعين عن زيد بن وهب الجهنى أن ابن بديل قام في أصحابه فقال ألا إن معاوية ادعى ما ليس أهله ونازع هذا الامر من ليس مثله وجادل بالباطل ليدحض به الحق وصال عليكم بالاعراب والاحزاب قد زين لهم الضلالة وزرع في قلوبهم حب الفتنة ولبس عليهم الامر وزادهم رجسا إلى رجسهم وأنتم على نور من ربكم وبرهان مبين فقاتلوا الطغاة الجفاة ولا تخشوهم فكيف تخشونهم وفى أيديكم كتاب الله عز وجل طاهرا مبرورا (أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين) وقد قاتلناهم مع النبي صلى الله عليه وسلم مرة وهذه ثانية والله ما هم في هذه بأتقى ولا أزكى ولا أرشد قوموا إلى عدوكم بارك الله عليكم فقاتل قتالا شديدا هو وأصحابه * قال أبو مخنف حدثنى عبد الرحمن بن أبى عمرة الانصاري عن أبيه ومولى له أن عليا حرض الناس يوم صفين فقال إن الله عز وجل قد دلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تشفى بكم على الخير الايمان بالله عز وجل وبرسوله صلى الله عليه وسلم والجهاد في سبيل الله تعالى ذكره وجعل ثوابه مغفرة الذنب ومساكن طيبة في جنات عدن ثم أخبركم أنه يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص فسووا صفوفكم كالبنيان المرصوص وقدموا الدارع وأخروا الحاسر وعضوا على الاضراس فانه أنبى للسيوف عن الهام والتووا في أطراف الرماح فانه أصون للاسنة وغضوا الابصار فانه أربط للجأش وأسكن للقلوب وأميتوا الاصوات فانه أطرد للفشل وأولى بالوقار راياتكم فلا تميلوها ولا تزيلوها ولا تجعلوها إلا بأيدى شجعانكم فان المانع للذمار والصابر عند نزول الحقائق هم أهل الحفاظ الذين يحفون براياتهم ويكنفونها يضربون حفافيها خلفها وامامها ولا يضعونها أجزأ امرؤ وقذ قرنه رحكم الله وآسى أخاه بنفسه ولم يكل قرنه إلى أخيه فيكسب بذلك لائمة ويأتى به دناءة وأنى لا يكون هذا هكذا وهذا يقاتل اثنين وهذا ممسك بيده يدخل قرنه على أخيه هاربا منه أو قائما ينظر إليه من يفعل هذا يمقته الله عز وجل فلا

[ 12 ]

تعرضوا لمقت الله سبحانه فإنما مردكم إلى الله قال الله عز من قائل لقوم (لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا) وايم الله لئن سلمتم من سيف العاجلة لا تسلمون من سيف الآخرة استعينوا بالصدق والصبر فان بعد الصبر ينزل الله النصر الجد في الحرب القتال قال أبو مخنف حدثنى أبو روق الهمداني أن يزيد بن قيس الارحبي حرض الناس فقال إن المسلم السليم من سلم دينه ورأيه وإن هؤلاء القوم والله إن يقاتلوننا على إقامة دين رأونا ضيعناه وإحياء حق رأونا أمتناه وإن يقاتلوننا إلا على هذه الدنيا ليكونوا جبابرة فيها ملوكا فلو ظهروا عليكم لا أراهم الله ظهورا ولا سرورا لزموكم بمثل سعيد والوليد وعبد الله بن عامر السفيه الضال يجيز أحدهم في مجلسه بمثل ديته ودية أبيه وجده يقول هذا لى ولا إثم على كأنما أعطى تراثه عن أبيه وأمه وإنما هو مال الله عز وجل أفاءه علينا بأسيافنا وأرماحنا فقاتلوا عباد الله القوم الظالمين الحاكمين بغير ما أنزل الله ولا يأخذكم في جهادهم لوم لائم فإنهم إن يظهروا عليكم يفسدوا عليكم دينكم ودنياكم وهم من قد عرفتم وخبرتم وايم الله ما ازدادوا إلى يومهم هذا إلا شرا وقاتلهم عبد الله بن بديل في الميمنة قتالا شديدا حتى انتهى إلى قبة معاوية ثم إن الذين تبايعوا على الموت أقبلوا إلى معاوية فأمرهم أن يصمدوا لابن بديل في الميمنة وبعث إلى حبيب بن مسلمة في الميسرة فحمل بهم وبمن كان معه على ميمنة الناس فهزمهم وانكشف أهل العراق من قبل الميمنة حتى لم يبق منهم الا ابن بديل في مائتين أو ثلثمائة من القراء قد أسند بعضهم ظهره إلى بعض وانجفل الناس فأمر على سهل بن حنيف فاستقدم فيمن كان معه من أهل المدينة فاستقبلهم جموع لاهل الشأم عظيمة فاحتملتهم حتى ألحقتهم بالميمنة وكان في الميمنة إلى موقف على في القلب أهل اليمن فلما كشفوا انتهت الهزيمة إلى على فانصرف يتمشى نحو الميسرة فانكشفت عنه مضر من الميسرة وثبتت ربيعة قال أبو مخنف حدثنى مالك بن أعين الجهنى عن زيد بن وهب الجهنى قال مر على معه بنوه نحو الميسرة وانى لارى النبل يمر بين عاتقه

[ 13 ]

ومنكبه وما من بنيه أحد إلا يقيه بنفسه فيتقدم فيحول بين أهل الشأم وبينه فيأخذه بيده إذا فعل ذلك فيلقيه بين يديه أو من ورائه فبصر به أحمر مولى أبى سفيان أو عثمان أو بعض بنى أمية فقال ورب الكعبة قتلني الله أن لم أقتلك أو تقتلني فأقبل نحوه فخرج إليه كيسان مولى على فاختلفا ضربتين فقتله مولى بنى أمية وينتهزه على فيقع بيده في جيب درعه فيجبذه ثم حمله على عاتقه فكأني أنظر إلى رجيلتيه تختلفان على عنق على ثم ضرب به الارض فكسر منكبه وعضديه وشدا ابنا على عليه حسين ومحمد فضرباه بأسيافهما فكأني أنظر إلى على قائما وإلى شبليه يضربان الرجل حتى إذا قتلاه وأقبلا إلى أبيهما والحسن قائما قال له يا بنى ما منعك أن تفعل كما فعل أخواك قال كفياني يا أمير المؤمنين ثم إن أهل الشأم دنوا منه ووالله ما يزيده قربهم منه سرعة في مشيه فقال له الحسن ما ضرك لو سعيت حتى تنتهى إلى هؤلاء الذين قد صبروا لعدوك من أصحابك فقال يا بنى إن لابيك يوما لن يعدوه ولا يبطئ به عنه السعي ولا يعجل به إليه المشى إن أباك والله ما يبالى أوقع على الموت أو وقع الموت عليه قال أبو مخنف حدثنى فضيل بن خديج السكندى عن مولى للاشتر قال لما انهزمت ميمنة العراق وأقبل على نحو الميسرة مر به الاشتر يركض نحو الفزع قبل الميمنة فقال له على مالك قال لبيك قال ائت هؤلاء القوم فقل لهم أين فراركم من الموت الذى لن تعجزوه إلى الحياة التى لن تبقى لكم فمضى فاستقبل الناس منهزمين فقال لهم هذه الكلمات التى قالها له على وقال إلى أيها الناس أنا مالك بن الحارث أنا مالك ابن الحارث ثم ظن أنه بالاشتر أعرف في الناس فقال أنا الاشتر إلى أيها الناس فأقبلت إليه طائفة وذهبت عنه طائفة فنادى أيها الناس عضضتم بهن آباءكم ما أقبح ما قاتلتم منذ اليوم أيها الناس أخلصوا إلى مذحجا فاقبلت إليه مذحج فقال عضضتم بصم الجندل ما أرضيتم ربكم ولا نصحتم له في عدوكم وكيف بذلك وأنتم أبناء الحروب وأصحاب الغارات وفتيان الصباح وفرسان الطراد وحتوف الاقران ومذحج الطعان الذين لم يكونوا يسبقون بثأرهم ولا تطل دماؤهم ولا يعرفون في موطن بخسف وأنتم حد أهل مصركم وأعد حى في قومكم وما تفعلوا في هذا

[ 14 ]

اليوم فانه مأثور بعد اليوم فاتقوا مأثور الاحاديث في غد واصدقوا عدوكم اللقاء فان الله مع الصادقين والذى نفس مالك بيده ما من هؤلاء وأشار بيده إلى أهل الشام رجل على مثال جناح بعوضة من محمد صلى الله عليه وسلم أنتم ما أحسنتم القراع اجلوا سواد وجهى يرجع في وجهى دمى عليكم بهذا السواد الاعظم فان الله عز وجل لوقد فضه تبعه من بجانبيه كما يتبع مؤخر السيل مقدمه قالوا خذ بنا حيث أحببت وصمد نحو عظمهم فيما يلى الميمنة فأخذ يزحف إليهم ويردهم ويستقبله شباب من همدان وكانوا ثمانمائة مقاتل يومئذ وقد انهزموا آخر الناس وكانوا قد صبروا في الميمنة حتى أصيب منهم ثمانون ومائة رجل وقتل منهم أحد عشر رئيسا كلما قتل منهم رجل أخد الراية آخر فكان الاول كريب بن شريح ثم شرحبيل بن شريح ثم مرثد بن شريح ثم هبيرة بن شريح ثم يريم بن شريح ثم سمير بن شريح فقتل هؤلاء الاخوة الستة جميعا ثم أخذ الراية سفيان بن زيد ثم عبد بن زيد ثم كريب بن زيد فقتل هؤلاء الاخوة الثلاثة جميعا ثم أخذ الراية عمير بن بشير ثم الحارث بن بشير فقتلا ثم أخذ الراية وهب بن كريب أخو القلوص فأراد أن يستقبل فقال له رجل من قومه انصرف بهذه الراية رحمك الله فقد قتل أشراف قومك حولها فلا تقتل نفسك ولا من بقى من قومك فانصرفوا وهم يقولون ليت لنا عدتنا من العرب يحالفوننا على الموت ثم نستقدم نحن وهم فلا ننصرف حتى نقتل أو نظفر فمروا بالاشتر وهم يقولون هذا القول فقال لهم الاشتر إلى أنا أحالفكم وأعاقدكم على أن لا نرجع أبدا حتى نظفر أو نهلك فأتوه فوقفوا معه ففى هذا القول قال كعب بن جعيل التغلبي وهمدان زرق تبتغى من تحالف وزحف الاشتر نحو الميمنة وثاب إليه ناس تراجعوا من أهل الصبر والحياء والوفاء فأخذ لا يصمد لكتيبة إلا كشفها ولا لجمع إلا حازه ورده فانه لكذلك إذ مر بزياد ابن النضر يحمل إلى العسكر فقال من هذا فقيل زياد بن النضر استلحم عبد الله ابن بديل وأصحابه في الميمنة فتقدم زياد فرفع لاهل الميمنة رايته فصبروا وقاتل حتى صرع ثم لم يمكثوا إلا كلا شئ حتى مر بيزيد بن قيس الارحبي محمولا نحو

[ 15 ]

العسكر فقال الاشتر من هذا فقالوا يزيد بن قيس لما صرع زياد بن النضر رفع لاهل الميمنة رايته فقاتل حتى صرع فقال الاشتر هذا والله الصبر الجميل والفعل الكريم ألا يستحى الرجل أن ينصرف لا يقتل ولا يقتل أو يشفى به على القتل قال أبو مخنف حدثنى أبو جناب الكلبى عن الحر بن الصياح النخعي أن الاشتر يومئذ كان يقاتل على فرس له في يده صفيحة يمانية إذا طأطأها خلت فيها ماء منصبا وإذا رفعها كاد يغشى البصر شعاعها وجعل يضرب بسيفه ويقول الغمرات ثم ينجلينا قال فبصر به الحارث بن جمهان الجعفي والاشتر متقنع في الحديد فلم يعرفه فدنا منه فقال له جزاك الله خيرا منذ اليوم عن أمير المؤمنين وجماعة المسلمين فعرفه الاشتر فقال ابن جمهان مثلك يتخلف عن مثل موطنى هذا الذى أنا فيه فنظر إليه ابن جمهان فعرفه فكان من أعظم الرجال وأطوله وكان في لحيته حفها قليلا فقال جعلت فداك لا والله ما علمت بمكانك إلا الساعة ولا أفارقك حتى أموت قال ورآه منقذ وحمير ابنا قيس الناعطيان فقال منقذ لحمير ما في العرب مثل هذا إن كان من أرى من قتاله فقال له حمير وهل النية إلا ما تراه يصنع قال إنى أخاف أن يكون يحاول ملكا * قال أبو مخنف حدثنى فضيل بن خديج عن مولى للاشتر أنه لما اجتمع إليه عظم من كان انهزم عن اليمنة حرضهم ثم قال عضوا على النواجذ من الاضراس واستقبلوا القوم بهامكم وشدوا شدة قوم موتورين ثأرا بآبائهم وإخوانهم حناقا على عدوهم قد وطنوا على الموت أنفسهم كيلا يسبقوا بوتر ولا يلحقوا في الدنيا عارا وايم الله ما وتر قوم قط بشئ أشد عليهم من أن يوتروا دينهم وإن هؤلاء القوم لا يقاتلونكم إلا عن دينكم ليميتوا السنة ويحيوا البدعة ويعيدوكم في ضلالة قد أخرجكم الله عز وجل منها بحسن البصيرة فطيبوا عباد الله أنفسا بدمائكم دون دينكم فإن ثوابكم على الله والله عنده جنات النعيم وإن الفرار من الزحف فيه السلب للعز والغلبة على الفئ وذل المحيا والممات وعار الدنيا والآخرة وحمل عليهم حتى كشفهم فألحقهم بصفوف معاوية بين صلاة العصر والمغرب

[ 16 ]

وانتهى إلى عبد الله بن بديل وهو في عصبة من القراء بين المائتين والثلثمائة وقد لصقوا بالارض كأنهم جثا فكشف عنهم أهل الشأم فأبصروا إخوانهم قد دنوا منهم فقالوا ما فعل أمير المؤمنين قالوا حى صالح في الميسرة يقاتل الناس أمامه فقالوا الحمد لله قد كنا ظننا أن قد هلك وهلكتم وقال عبد الله بن بديل لاصحابه استقدموا بنا فأرسل الاشتر إليه أن لا تفعل اثبت مع الناس فقاتل فانه خير لهم وأبقى لك ولاصحابك فأبى فمضى كما هو نحو معاوية وحوله كأمثال الجبال وفى يده سيفان وقد خرج فهو أمام أصحابه فأخذ كلما دنا منه رجل ضربه فقتله حتى قتل سبعة ودنا من معاوية فنهض إليه الناس من كل جانب وأحيط به وبطائفة من أصحابه فقاتل حتى قتل وقتل ناس من أصحابه ورجعت طائفة قد خرجوا منهزمين فبعث الاشتر بن جمهان الجعفي فحمل على أهل الشأم الذين يتبعون من نجا من أصحاب ابن بديل حتى نفسوا عنهم وانتهوا إلى الاشتر فقال لهم ألم يكن رأيى لكم خير من رأيكم لانفسكم ألم آمركم أن تثبتوا مع الناس وكان معاوية قال لابن بديل وهو يضرب قدما أترونه كبش القوم فلما قتل أرسل إليه فقال انظروا من هو فنظر إليه ناس من أهل الشأم فقالوا لا نعرفه فأقبل إليه حتى وقف عليه فقال بلى هذا عبد الله بن بديل والله لو استطاعت نساء خزاعة أن تقاتلنا فضلا على رجالها لفعلت مدوه فمدوه فقال هذا والله كما قال الشاعر أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها * وإن شمرت يوما به الحرب شمرا والبيت لحاتم طيئ وأن الاشتر زحف إليهم فاستقبله معاوية بعك والاشعرين فقال الاشتر لمذحج أكفونا عكا ووقف في همدان وقال لكندة اكفونا الاشعرين فاقتتلوا قتالا شديدا وأخذ يخرج إلى قومه فيقول إنما هم عك فاحملوا عليهم فيجثون على الركب ويرتجزون يا ويل أم مذحج من عك * هاتيك أم مذحج تبكى فقاتلوهم حتى المساء ثم إنه قاتلهم في همدان وناس من طوائف الناس فحمل عليهم فأزالهم عن مواقفهم حتى ألحقهم بالصفوف الخمسة المعقلة بالعمائم حول

[ 17 ]

معاوية ثم شد عليهم شدة أخرى فصرع الصفوف الاربعة وكانوا معقلين بالعمائم حتى انتهوا إلى الخامس الذى حول معاوية ودعا معاوية بفرس فركب وكان يقول أردت أن أنهزم فذكرت قول ابن الاطنابة من الانصار كان جاهليا والاطنابة امرأة من بلقين أبت لى عفتى وحياء نفسي * وإقدامى على البطل المشيح وإعطائي على المكروه مالى * وأخذى الحمد بالثمن الربيح وقولى كلما جشأت وجاشت * مكانك تحمدى أو تستريحي فمنعني هذا القول من الفرار * قال أبو مخنف حدثنى مالك بن أعين الجهنى عن زيد بن وهب أن عليا لما رأى ميمنته قد عادت إلى مواقفها ومصافها وكشفت من بإزائها من عدوها حتى ضاربوهم في مواقفهم ومراكزهم أقبل حتى انتهى إليهم فقال إنى قد رأيت جولتكم وانحيازكم عن صفوفكم يحوزكم الطغاة الجفاة وأعراب أهل الشأم وأنتم لهاميم العرب والسنام الاعظم وعمار الليل بتلاوة القرآن وأهل دعوة الحق إذ ضل الخاطئون فلولا إقبالكم بعد إدباركم وكركم بعد انحيازكم وجب عليكم ما وجب على المولى يوم الزحف دبره وكنتم من الهالكين ولكن هون وجدى وشفى بعض أحاح نفس أنى رأيتكم بأخرة حزتموهم كما حازوكم وأزلتموهم عن مصافهم كما أزالوكم تحسونهم بالسيوف تركب أولاهم أخراهم كالابل المطردة فالآن فاصبروا نزلت عليكم السكينة وثبتكم الله عز وجل باليقين ليعلم المنهزم أنه مسخط ربه وموبق نفسه إن في الفرار موجدة الله عز وجل عليه والذل اللازم والعار الباقي واعتصار الفئ من يده وفساد العيش عليه وأن الفار منه لا يزيد في عمره ولا يرضى ربه فموت المرء محقا قبل إتيان هذه الخصال خير من الرضا بالتأنيس لها والاقرار عليها * قال أبو مخنف حدثنا عبد السلام بن عبد الله ابن جابر الاحمسي أن راية بجيلة بصفين كانت في أحمس بن الغوث بن أنمار مع أبى شداد وهو قيس بن مكشوح بن هلال بن الحارث بن عمرو بن جابر بن على ابن أسلم بن أحمس بن الغوث وقال له بجيلة خذ رايتا فقال غيرى خير لكم منى

[ 18 ]

قالوا ما نريد غيرك قال والله لئن أعطيتمونيها لا أنتهى بكم دون صاحب الترس المذهب قالوا اصنع ما شئت فأخذها ثم زحف حتى انتهى بهم إلى صاحب الترس المذهب وكان في جماعة عظيمة من أصحاب معاوية وذكروا أنه عبد الرحمن بن خالد ابن الوليد المخزومى فاقتتل الناس هنالك قتالا شديدا فشد بسيفه نحو صاحب الترس فتعرض له رومى مولى لمعاوية فيضرب قدم أبى شداد فيقطعها ويضربه أبو شداد فيقتله وأشرعت إليه الاسنة فقتل وأخذ الراية عبد الله بن قلع الاحمسي وهو يقول لا يبعد الله أبا شداد * حيث أجاب دعوة المنادى وشد بالسيف على الاعادي * نعم الفتى كان لدا الطراد وفى طعان الرجل والجلاد فقاتل حتى قتل فأخذ الراية أخوه عبد الرحمن بن قلع فقاتل حتى قتل ثم أخذها عفيف بن إياس فلم تزل في يده حتى تحاجز الناس وقتل حازم بن أبى حازم الاحمسي أخو قيس بن أبى حازم يومئذ وقتل نعيم بن صهيب بن العلية البجلى يومئذ فأتى ابن عمه وسميه نعيم بن الحارث ابن العلية معاوية وكان معه فقال إن هذا القتيل ابن عمى فهبه لى أدفنه فقال لا تدفنه فليسوا لذلك أهلا والله ما قدرنا على دفن ابن عفان رضى الله عنه إلا سرا قال والله لتأذنن في دفنه أو لالحقن بهم ولادعنك قال معاوية أترى أشياخ العرب قد أحالتهم أمورهم فأنت تسألني في دفن ابن عمك ادفنه إن شئت أودع فدفنه * قال أبو محنف حدثنى الحارث بن حصيرة الازدي عن أشياخ من النمر من الازد أن مخنف بن سليم لما ندبت الازد للازد حمد الله وأثنى عليه ثم قال إن من الخطإ الجليل والبلاء العظيم أنا صرفنا إلى قومنا وصرفوا الينا والله ما هي إلا أيدينا نقطعها بأيدينا وما هي إلا أجنحتنا نجدها بأسيافنا فإن نحن لم نؤاس جماعتنا ولم نناصح صاحبنا كفرنا وإن نحن فعلنا فعزنا أبحنا ونارنا أخمدنا فقال له جندب بن زهير والله لو كنا آباءهم وولدناهم أو كنا أبناءهم وولدونا ثم خرجوا من جماعتنا وطعنوا على إمامنا وإذا هم الحاكمون بالجور على أهل ملتنا وذمتنا ما افترقنا بعد أن اجتمعنا حتى يرجعوا عماهم عليه ويدخلوا فيما

[ 19 ]

ندعوهم إليه أو تكثر القتلى بيننا وبينهم فقال له مخنف وكان ابن خالته عز الله بك النية أما والله ما علمت صغيرا وكبيرا إلا مشؤوما والله ما ميلنا الرأى قط أيهما نأتى أو أيهما ندع في الجاهلية ولا بعد أن أسلمنا إلا اخترت أعسرهما وأنكدهما اللهم إن تعافى أحب الينا من أن تبتلى فأعط كل امرئ منا ما يسألك وقال أبو بريدة بن عوف اللهم احكم بيننا بما هو أرضى لك يا قوم إنكم تبصرون بما يصنع الناس وإن لنا الاسوة بما عليه الجماعة إن كنا على حق وإن يكونوا صادقين فان أسوة في الشر والله ما علمنا ضرر في المحيا والممات وتقدم جندب بن زهير فبارز رأس أزد الشأم فقتله الشامي وقتل من رهطه عجل وسعد ابنا عبد الله من بنى ثعلبة وقتل مع مخنف من رهطه عبد الله وخالد ابنا ثاجد وعمرو وعامر ابنا عويف وعبد الله ابن الحجاج وجندب بن زهير وأبو زينب بن عوف بن الحارث وخرج عبد الله ابن أبى الحصين الازدي في القراء الذين مع عمار بن ياسر فأصيب معه * قال أبو مخنف وحدثني الحارث بن حصيرة عن أشياخ النمر أن عقبة بن حديد النمري قال يوم صفين ألا إن مرعى الدنيا أصبح هشيما وأصبح شجرها خضيدا وجديدها سملا وحلوها مر المذاق ألا وإنى أنبئكم نبأ امرئ صادق إنى قد سئمت الدنيا وعزفت نفسي عنها وقد كنت أتمنى الشهادة وأتعرض لها في كل جيش وغارة فأبى الله عز وجل إلا أن يبلغني هذا اليوم ألا وإنى متعرض لها من ساعتي هذه قد طمعت ألا أحرمها فما تنتظرون عباد الله بجهاد من عادى الله خوفا من الموت القادم عليكم الذاهب بأنفسكم لا محالة أو من ضربة كف بالسيف تستبدلون الدنيا بالنظر في وجه الله عز وجل وموافقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في دار القرار ما هذا بالرأى السديد ثم مضى فقال يا إخوتي قد بعت هذه الدار بالتى أمامها وهذا وجهى البها لا تبرح وجوهكم ولا يقطع الله عز وجل رجاءكم فتبعه إخوته عبيدالله وعوف ومالك وقالوا لا نطلب رزق الدنيا بعدك فقبح الله العيش بعدك اللهم إنا نحتسب أنفسنا عندك فاستقدموا فقاتلوا حتى قتلوا * قال أبو مخنف حدثنى ملة ابن زهير النهدي عن أبى مسلم بن عبد الله الضبابى قال شهد ت صفين مع الحى ومعنا

[ 20 ]

ثمر بن ذى الجوشن الضبابى فبارزه أدهم بن محرز الباهلى فضرب أدهم وجه شمر بالسيف وضربه شمر ضربة لم تضرره فرجع شمر إلى رحله فشرب شربة وكان قد ظمئ ثم أخذ الرمح فأقبل وهو يقول إنى زعيم لاخى باهله * بطعنة إن لم أصب عاجله أو ضربة تحت القنا والوغى * شبيهة بالقتل أو قاتله ثم حمل على أدهم فصرعه ثم قال هذه بتلك * قال أبو مخنف حدثنى عمرو بن عمرو بن عوف بن مالك الجشمى أن بشر بن عصمة المزني كان لحق بمعاوية فلما اقتتل الناس بصفين بصر بشر بن عصمة بمالك بن العقدية وهو مالك بن الجلاح الجشمى ولكن العقدية غلبت عليه فرآه بشر وهو يفرى في أهل الشأم فريا عجيبا وكان رجلا مسلما شجاعا فغاظ بشر ما رأى منه فحمل عليه فطعنه فصرعه ثم انصرف فندم لطعنته إياه جبارا فقال وإنى لارجو من مليكى تجاوزا * ومن صاحب الموسوم في الصدر هاجس دلفت له تحت الغبار بطعنة * على ساعة فيها الطعان تخالس فبلغت مقالته ابن العقدية فقال ألا أبلغا بشر بن عصمة أننى * شغلت وألهاني الذين أمارس فصادفت منى غرة وأصبتها * كذلك والابطال ماض وخالس ثم حمل عبد الله بن الطفيل البكائى على جمع لاهل الشأم فلما انصرف حمل عليه رجل من بنى تميم يقال له قيس بن قرة ممن لحق بمعاوية من أهل العراق فيضع الرمح بين كتفي عبد الله بن الطفيل ويعترضه يزيد بن معاوية ابن عم عبد الله بن الطفيل فيضع الرمح بين كنفى التميمي فقال والله لئن طعنته لاطعننك فقال عليك عهد الله وميثاقه لئن رفعت السنان عن ظهر صاحبك لترفعن سنانك عنى فقال له نعيم لك بذلك عهد الله فرفع السنان عن ابن الطفيل ورفع يزيد السنان عن التميمي فقال ممن أنت قال من بنى عامر فقال له جعلني الله فداكم أبتما إلفكم الفكم كراما وإنى لحادي عشر رجلا من أهل بيتى ورهطي قتلتموهم اليوم وأنا كنت آخرهم

[ 21 ]

فلما رجع الناس إلى الكوفة عتب على يزيد بن الطفيل في بعض ما يعتب فيه الرجل على ابن عمه فقال له ألم ترنى حاميت عنك مناصحا * بصفين إذ خلاك كل حميم ونهنهت عنك الحنظلي وقد أتى * على سابح ذى ميعة وهزيم قال أبو مخنف حدثنى فضيل بن خديج قال خرج رجل من أهل الشأم يدعو إلى المبارزة فخرج إليه عبد الرحمن بن محرز الكندى ثم الطحمى فتجاولا ساعة ثم إن عبد الرحمن حمل على الشأمى فطعنه في ثغرة نحره فصرعه ثم نزل إليه فسلبه درعه وسلاحه فإذا هو حبشي فقال إنا لله لمن اخطرت نفسي لعبد أسود وخرج رجل من عك يسأل المبارزة فخرج إليه قيس بن فهدان الكنانى ثم البدني فحمل عليه العكى فضربه واحتمله أصحابه فقال قيس بن فهدان لقد علمت عك بصفين أننا * إذا التقت الخيلان نطعنها شزرا ونحمل رايات الطعان بحقها * فنوردها بيضا ونصدرها حمرا قال أبو مخنف وحدثني فضيل بن خديج أن قيس بن فهدان كان يحرض أصحابه فيقول شدوا إذا شددتم جميعا وإذا انصرفتم فأقبلوا معا وغضوا الابصار وأقلوا اللفظ واعتوروا الاقران ولا يؤتين من قبلكم العرب قال وقتل نهيك بن عزير من بنى الحارث بن عدى وعمرو بن يزيد من بنى ذهل وسعيد بن عمرو وخرج قيس بن يزيد وهو ممن فر إلى معاوية من على فدعا إلى المبارزة فخرج إليه أخوه أبو العمرطة بن يزيد فتعارفا فتواقفا وانصرفا إلى الناس فأخبر كل واحد منهما أنه لقى أخاه * قال أبو مخنف حدثنى جعفر بن حذيفة من آل عامر بن جوين الطائى أن طيئا يوم صفين قاتلت قتالا شديدا فعبيت لهم جموع كثيرة فجاءهم حمزة ابن مالك الهمداني فقال ممن أنتم لله أنتم فقال عبد الله بن خليفة البولانى وكان شيعيا شاعرا خطيبا نحن طيئ السهل وطيئ الرمل وطيئ الجبل الممنوع ذى النخل نحن حماة الجبلين إلى ما بين العذيب والعين نحن طيئ الرماح وطيئ النطاح وفرسان الصباح فقال حمزة بن مالك بخ بخ إنك لحسن الثناء على قومك فقال

[ 22 ]

إن كنت لم تشعر بنجدة معشر * فأقدم علينا ويب غيرك تشعر ثم اقتتل الناس أشد القتال فأخذ يناديهم ويقول يا معشر طيئ فدى لكم طارفى وتالدى قاتلوا على الاحساب وأخذ يقول أنا الذى كنت إذا الداعي دعا * مصمما بالسيف ندبا أروعا فأنزل المستلئم المقنعا * وأقتل المبالط السميدعا وقال بشر بن العسوس الطائى ثم الملقطى يا طيئ السهول والاجبال ألا انهدوا بالبيض والعوالى ؟ * وبالكماة منكم الابطال فقارعوا أيمة الجهال * السالكين سبل الضلال ففقئت يومئذ عين أبى العسوس فقال في ذلك ألا ليت عينى هذه مثل هذه * فلم أمش في الآناس إلا بقائد ويا ليتني لم أبق بعد مطرف * وسعد وبعد المستنيرين خالد فوارس لم تغذ الحواضن مثلهم * إذا الحرب أبدت عن خدام الخرائد ويا ليت رجلى ثم طنت بنصفها * ويا ليت كفى ثم طاحت بساعدي قال أبو مخنف حدثنى أبو الصلت التيمى قال حدثنى أشياخ محارب أنه كان منهم رجل يقال له خنثر بن عبيدة بن خالد وكان من أشجع الناس فلما اقتتل الناس يوم صفين جعل يرى أصحابه منهزمين فأخذ ينادى يا معشر قيس أطاعة الشيطان آثر عندكم من طاعة الرحمن الفرار فيه معصية الله سبحانه وسخطه والصبر فيه طاعة الله عز وجل ورضوانه فتختارون سخط الله تعالى على رضوانه ومعصيته على طاعته فانما الراحة بعد الموت لمن مات محاسبا لنفسه وقال لا وألت نفس امرئ ولى الدبر * أنا الذى لا ينثنى ولا يفر ولا يرى مع المعازيل الغدر فقاتل حتى ارتث ثم إنه خرج مع الخمسمائة الذين كانوا اعتزلوا مع فروة بن نوفل الاشجعى فنزلوا بالدسكرة والبندنيجين فقاتلت النخع يومئذ قتالا شديدا

[ 23 ]

فأصيب منهم يومئذ بكر بن هوذة وحيان بن هوذة وشعيب بن نعيم من بنى بكر النخع وربيعة بن مالك بن وهبيل وأبى بن قيس أخو علقمة بن قيس الفقيه وقطعت رجل علقمة يومئذ فكان يقول ما أحب أن رجلى أصح ما كانت وإنها لمما أرجو به حسن الثواب من ربى عز وجل وقال لقد كنت أحب أن أرى في نومى أخى أو بعض إخوانى فرأيت أخى في النوم فقلت يا أخى ماذا قدمتم عليه فقال لى إنا التقينا نحن والقوم فاحتججنا عند الله عز وجل فحججناهم فما سررت منذ عقلت سروري بتلك الرؤيا * قال أبو مخنف حدثنى سويد بن حية الاسدي عن الحضين ابن المنذر أن أناسا كانوا أتوا عليا قبل الوقعة فقالوا له إنا لا نرى خالد بن المعمر الا قد كاتب معاوية وقد خشينا أن يتابعه فبعث إليه على والى رجال من أشرافنا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد يا معشر ربيعة فأنتم أنصارى ومجيبو دعوتي ومن أوثق حى في العرب في نفسي وقد بلغني أن معاوية قد كاتب صاحبكم خالد بن المعمر وقد أتيت به وجمعتكم لاشهدكم عليه ولتسمعوا أيضا ما أقوله ثم أقبل عليه فقال يا خالد بن المعمر ان كان ما بلغني حقا فإنى أشهد الله ومن حضرني من المسلمين انك آمن حتى تلحق بأرض العراق أو الحجاز أو أرض لا سلطان لمعاوية فيها وان كنت مكذوبا عليك فإن صدورنا تطمئن إليك فحلف بالله ما فعل وقال رجال منا كثير لو كنا نعلم أنه فعل أمثلناه فقال شقيق بن ثور السدوسى ما وفق خالد بن المعمر إن نصر معاوية وأهل الشأم على على وربيعة فقال زياد بن خصفة التيمى يا أمير المؤمنين استوثق من ابن المعمر بالايمان لا يغدرنك فاستوثق منه ثم انصرفنا فلما كان يوم الخميس انهزم الناس من قبل الميمنة فجاءنا على حتى انتهى إلينا ومعه بنوه فنادى بصوت عال جهير كغير المكترث لما فيه الناس لمن هذه الرايات قلنا رايات ربيعة فقال بل هي رايات الله عز وجل عصم الله أهلها فصبرهم وثبت أقدامهم ثم قال لى يافتى ألا تدنى رايتك هذه ذراعا قلت نعم والله وعشر أذرع فقمت بها فأدنيتها حتى قال إن حسبك مكانك فثبت حيث أمرنى واجتمع أصحابي * قال أبو مخنف حدثنا أبو الصلت التيمى قال

[ 24 ]

سمعت أشياخ الحى من تيم الله بن ثعلبة يقولون إن راية ربيعة أهل كوفتها وبصرتها كانت مع خالد بن المعمر من أهل البصرة قال وسمعتهم يقولون إن خالد بن المعمر وسفيان بن ثور اصطلحا على أن وليا راية بكر بن وائل من أهل البصرة الحضين ابن المنذر الذهلى وتنافسا في الراية وقالا هذا فتى مناله حسب نجعلها له حتى نرى من رأينا ثم إن عليا ولى خالد بن المعمر بعد راية ربيعة كلها قال وضرب معاوية لحمير بسهمهم على ثلاث قبائل لم تكن لاهل العراق قبائل أكثر عددا منها يومئذ على ربيعة وهمدان ومذحج فوقع سهم حمير على ربيعة فقال ذو الكلاع قبحك الله من سهم كرهت الضراب فاقبل ذو الكلاع في حمير ومن تعلقها ومعهم عبيدالله ابن عمر بن الخطاب في أربعة آلاف من قراء أهل الشأم وعلى ميمنتهم ذو الكلاع فحملوا على ربيعة وهم ميسرة أهل العراق وفيهم ابن عباس وهو على الميسرة فحمل عليهم ذو الكلاع وعبيدالله بن عمر حملة شديدة بخيلهم ورجلهم فتضعضعت رايات ربيعة الا قليلا من الاخيار والابدال قال ثم إن أهل الشأم انصرفوا فلم يمكثوا الا قليلا حتى كروا وعبيدالله بن عمر يقول يا أهل الشأم إن هذا الحى من أهل العراق قتلة عثمان بن عفان رضى الله عنه وأنصار على بن أبى طالب وإن هزمتم هذه القبيلة أدركتم ثأركم في عثمان وهلك على بن أبى طالب وأهل العراق فشدوا على الناس شدة فثبتت لهم ربيعة وصبروا صبرا حسنا إلا قليلا من الضعفاء والفشلة وثبت أهل الرايات وأهل الصبر منهم والحفاظ فلم يزولوا وقاتلوا قتالا شديدا لا فلما رأى خالد بن المعمر ناسا من قومه انصرفوا انصرف فلما رأى أصحاب الرايات قد ثبتوا ورأى قومه قد صبروا رجع وصاح بمن انهزم وأمرهم بالرجوع فقال من أراد من قومه أن يتهمه أراد الانصراف فلما رآنا قد ثبتنا رجع إلينا وقال هو لما رأيت رجالا منا انهزموا رأيت أن أستقبلهم وأردهم اليكم واقبلت اليكم فيمن أطاعنى منهم فجاء بأمر مشبه * قال أبو مخنف حدثنى رجل من بكر بن وائل عن محرز بن عبد الرحمن العجلى أن خالدا قال يومئذ يا معشر ربيعة إن الله عز وجل قد أتى بكل رجل منكم من منبته ومسقط رأسه فجمعكم في هذا المكان جمعا لم يجمعكم مثله منذ نشركم في الارض فإن تمسكوا

[ 25 ]

بأيديكم وتنكلوا عن عدوكم وتزولوا عن مصافكم لا يرضى الله فعلكم ولا تقدموا من الناس صغيرا أو كبيرا الا يقول فضحت ربيعة الذمار وحاصت عن القتال وأتيت من قبلها العرب فإياكم ان تتشاءم بكم العرب والمسلمون اليوم وانكم ان تمضوا مقبلين مقدمين وتصيروا محتسبين فإن الاقدام لكم عادة والصبر منكم سجية واصبروا ونيتكم أن تؤجروا فإن ثواب من نوى ما عند الله شرف الدنيا وكرامة الآخرة ولن يضيع الله أجر من أحسن عملا فقام رجل فقال ضاع والله أمر ربيعة حين جعلت إليك أمورها تأمرنا ألا نزول ولا نحول حتى تقتل أنفسنا وتسفك دماءنا ألا ترى الناس قد انصرف جلهم فقام إليه رجال من قومه فنهروه وتناولوه بألسنتهم فقال لهم خالد أخرجوا هذا من بينكم فإن هذا إن بقى فيكم ضركم وإن خرج منكم لم ينقصكم هذا الذى لا ينقص العدد ولا يملا البلد برحك الله من خطيب قوم كرام كيف جنبت السداد واشتد قتال ربيعة وحمير وعبيدالله بن عمر حتى كثرت بينهم القتلى فقتل سمير بن الريان بن الحارث العجلى وكان من أشد الناس بأسا * قال أبو مخنف حدثنى جعفر بن أبى القاسم العبدى عن يزيد بن علقمة عن زيد بن بدر العبدى أن زياد بن خصفة أتى عبد القيس يوم صفين وقد عبيت قبائل حمير مع ذى الكلاع وفيهم عبيدالله بن عمر بن الخطاب لبكر بن وائل فقوتلوا قتالا شديدا خافوا فيه الهلاك فقال زياد بن خصفة يا عبد القيس لا بكر بعد اليوم فركبنا الخيول ثم مضينا فواقفناهم فما لبثنا الا قليلا حتى أصيب ذو الكلاع وقتل عبيدالله بن عمر رضى الله عنه فقالت همدان قتله هانئ بن خطاب الارحبي وقالت حضر موت قتله مالك بن عمرو التنعى وقالت بكر بن وائل قتله محرز بن الصحصح من بنى عائش بن مالك بن تيم الله بن ثعلبة وأخذ سيفه ذا الوشاح فأخذ به معاوية بالكوفة بكر بن وائل فقالوا إنما قتله رجل منا من أهل البصرة يقال له محرز بن الصحصح فبعث إليه بالصرة فأخذ منه السيف وكان رأس النمر بن قاسط عبد الله ابن عمرو من بنى تميم * قال هشام بن محمد الذى قتل عبيدالله بن عمر رضى الله عنه محرز بن الصحصح وأخذ سيفه ذا الوشاح سيف عمرو في ذلك قول كعب

[ 26 ]

ابن جعيل التغلبي ألا إنما تبكى العيون لفارس * بصفين أجلت خيله وهو واقف يبدل من أسماء أسياف وائل * وكان فتى لو أخطأته المتالف تركن عبيدالله بالقاع مسندا * تمج دم الخرق العروق الذوارف وهى أكثر من هذا وقتل منهم يومئذ بشر بن مرة بن شرحبيل والحارث بن شرحبيل وكانت أسماء ابنة عطارد بن حاجب التميمي تحت عبيدالله بن عمر ثم خلف عليها الحسن بن على قال أبو مخنف حدثنى ابن أخى غياث بن لقيط البكري أن عليا حيث انتهى إلى ربيعة تبارت ربيعة بينها فقالوا إن أصيب على فيكم وقد لجأ إلى رايتكم افتضحتم وقال لهم شقيق بن ثور يا معشر ربيعة لا عذر لكم في العرب إن وصل إلى على فيكم وفيكم رجل حى وإن منعتموه فمجد الحياة اكتسبتموه فقاتلوا قتالا شديدا حين جاءهم على لم يكونوا قاتلوا مثله ففى ذلك قال على لمن راية سوداء يخفق ظلها * إذا قيل قدمها حضين تقدما يقدمها في الموت حتى يزيرها * حياض المنايا تقطر الموت والدما أذقنا ابن حرب طعننا وضرابنا * بأسيافنا حتى تولى وأحجما جزى الله قوما صابروا في لقائهم * لدا الموت قوما ما أعف وأكرما وأطيب أحبارا وأكرم شيمة * إذا كان أصوات الرجال تغمغما ربيعة أعنى أنهم أهل نجدة * وبأس إذا لاقوا جشيما عرمرما مقتل عمار بن ياسر قال أبو مخنف حدثنى عبد الملك بن أبى حر الحنفي أن عمار بن ياسر خرج إلى الناس فقال اللهم إنك تعلم أنى لو أعلم أن رضاك في أن أقذف بنفسى في هذا البحر لفعلته اللهم إنك تعلم أنى لو أعلم أن رضاك في أن أضع ظبة سيفى في صدري ثم أنحنى عليها حتى تخرج من ظهرى لفعلت وإنى لا أعلم اليوم عملا هو أرضى لك من جهاد هؤلاء الفاسقين ولو أعلم أن عملا من الاعمال هو أرضى لك منه لفعلته * قال أبو مخنف حدثنى الصقعب بن زهير الازدي قال سمعت عمارا يقول والله إنى لارى

[ 27 ]

قوما ليضربنكم ضربا يرتاب منه المبطلون وايم الله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق وأنهم على الباطل * حدثنا محمد بن عباد بن موسى قال حدثنا محمد بن فضيل قال حدثنا مسلم الاعور عن حبة بن جوين العرنى قال انطلقت أنا وابو مسعود إلى حذيفة بالمدائن فدخلنا عليه فقال مرحبا بكما ما خلفتما من قبائل العرب أحدا أحب إلى منكما فأسندته إلى أبى مسعود فقلنا يا أبا عبد الله حدثنا فإنا نخاف الفتن فقال عليكما بالفتنة التى فيها ابن سمية انى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول تقتله الفئة الباغية الناكبة عن الطريق وان آخر رزقه ضياح من لبن قال حبة فشهدته يوم صفين وهو يقول ائتونى بآخر رزق لى من الدنيا فأتى بضياح من لبن في قدح أروح له حلقة حمراء فما أخطأ حذيفة مقياس شعرة فقال اليوم ألقى الا حبه محمدا وحزبه والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا انا على الحق وأنهم على الباطل وجعل يقول الموت تحت الاسل والجنة تحت البارقة * حدثنى محمد عن خلف قال حدثنا منصور بن أبى نويرة عن أبى محنف وحدثت عن هشام بن الكلبى عن أبى مخنف قال حدثنى مالك بن أعين الجهنى عن زيد ابن وهب الجهنى أن عمار بن ياسر رحمه الله قال يومئذ أين من يبتغى رضوان الله عليه ولا يؤوب إلى مال ولا ولد فأتته عصابة من الناس فقال أيها الناس اقصدوا بنا نحو هؤلاء الذين يبغون دم ابن عفان ويزعمون انه قتل مظلوما والله ما طلبتهم بدمه ولكن القوم ذاقوا الدنيا فاستحبوها واستمرؤها وعلموا أن الحق إذا لزمهم حال بينهم وبين ما يتمرغون فيه من دنياهم ولم يكن للقوم سابقة في الاسلام يستحقون بها طاعة الناس والولاية عليهم فخدعوا أتباعهم أن قالوا إمامنا قتل مظلوما ليكونوا بذلك جبابرة ملوكا وتلك مكيدة بلغوا بها ما ترون ولولا هي ما تبعهم من الناس رجلان اللهم إن تنصرنا فطالما نصرت وإن تجعل لهم الامر فادخر لهم بما أحدثوا في عبادك العذاب الاليم ثم مضى ومضت تلك العصابة التى أجابته حتى دنا من عمرو فقال يا عمرو بعت دينك بمصر تبا لك تبا طالما بغيت في الاسلام عوجا وقال لعبيد الله بن عمر بن الخطاب صرعك الله

[ 28 ]

بعت دينك من عدو الاسلام وابن عدوه قال لا ولكن أطلب بدم عثمان بن عفان رضى الله عنه قال له أشهد على علمي فيك أنك لا تطلب بشئ من فعلك وجه الله عز وجل وأنك إن لم تقتل اليوم تمت غدا فانظر إذا أعطى الناس على قدر نياتهم ما نيتك * حدثنى موسى بن عبد الرحمن المسروقى قال أخبرنا عبيد بن الصباح عن عطاء بن مسلم عن الاعمش عن أبى عبد الرحمن السلمى قال سمعت عمار ابن ياسر بصفين وهو يقول لعمرو بن العاص لقد قاتلت صاحب هذه الراية ثلاثا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه الرابعة ما هي بأبر ولا أتقى * حدثنا أحمد ابن محمد قال حدثنا الوليد بن صالح قال حدثنا عطاء بن مسلم عن الاعمش قال قال أبو عبد الرحمن السلمى كنا مع على بصفين فكنا قد وكلنا بفرسه رجلين يحفظانه ويمنعانه من أن يحمل فكان إذا حانت منهما غفلة يحمل فلا يرجع حتى يخضب سيفه وإنه حمل ذات يوم فلم يرجع حتى انثنى سيفه فألقاه إليهم وقال لولا أنه انثنى ما رجعت فقال الاعمش هذا والله ضرب غير مرتاب فقال أبو عبد الرحمن سمع القوم شيئا فأدوه وما كانوا بكذابين قال ورأيت عمارا لا يأخذ واديا من أودية صفين إلا تبعه من كان هناك من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ورايته جاء إلى المرقال هاشم بن عتبة وهو صاحب راية على فقال يا هاشم أعورا وجبنا لاخير في أعور لا يغشى البأس فإذا رجل بين الصفين قال هذا والله ليخلفن إمامه وليخذلن جنده وليصرن جهده اركب يا هاشم فركب ومضى هاشم يقول أعور يبغى أهله محلا * قد عالج الحياة حتى ملا لابد أن يفل أو يفلا وعمار يقول تقدم يا هاشم الجنة تحت ظلال السيوف والموت في أطراف الاسل وقد فتحت أبواب السماء وتزينت الحور العين اليوم ألقى الا حبه محمدا وحزبه فلم يرجعا وقتلا قال يفيد لك عليهما من كان هناك من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهما كانا علما فلما كان الليل قلت لادخلن إليهم حتى أعلم هل بلغ منهم قتل عمار ما بلغ منا وكنا إذا توادعنا من القتال تحدثوا الينا وتحدثنا إليهم

[ 29 ]

فركبت فرسى وقد هدأت الرجل ثم دخلت فإذا أنا بأربعة يتسايرون معاوية وأبو الاعور السلمى وعمرو بن العاص وعبد الله بن عمر وهو خير الاربعة فأدخلت فرسى بينهم مخافة أن يفوتنى ما يقول أحد الشقين فقال عبد الله لابيه يا أبت قتلتم هذا الرجل في يومكم هذا وقد قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال قال وما قال قال ألم تكن معنا ونحن نبنى المسجد والناس ينقلون حجرا حجرا ولبنة لبنة وعمار ينقل حجرين حجرين ولبنتين لبنتين فغشى عليه فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يمسح التراب عن وجهه ويقول ويحك يا ابن سمية الناس ينقلون حجرا حجرا ولبنة لبنة وأنت تنقل حجرين حجرين ولبنتين لبنتين رغبة منك في الاجر وأنت ويحك مع ذلك تقتلك الفئة الباغية فدفع عمرو صدر فرسه ثم جذب معاوية إليه فقال يا معاوية أما تسمع ما يقول عبد الله قال وما يقول فأخبره الخبر فقال معاوية إنك شيخ أخرق ولا تزال تحدث بالحديث وأنت تدحض في بولك أو نحن قتلنا عمارا إنما قتل عمارا من جاء به فخرج الناس من فساطيطهم وأخبيتهم يقولون إنما قتل عمارا من جاء به فلا أدرى من كان أعجب هو أو هم (قال أبو جعفر) وقد ذكر أن عمارا لما قتل قال على لربيعة وهمدان أنتم درعى ورمحي فانتدب له نحو من اثنى عشر ألفا وتقدمهم على على بغلته فحمل وحملوا معه حملة رجل واحد فلم يبق لاهل الشأم صف إلا انتقض وقتلوا كل من انتهوا إليه حتى بلغوا معاوية وعلى يقول أضربهم ولا أرى معاويه * الجاحظ العين العظيم الحاويه ثم نادى معاوية فقال على علام تقتل الناس بيننا هلم أحاكمك إلى الله فأينا قتل صاحبه استقامت له الامور فقال له عمرو أنصفك الرجل فقال معاوية ما أنصفت وإنك لتعلم أنه لم يبارزه رجل قط إلا قتله قال له عمرو وما يجمل بك إلا مبارزته فقال معاوية طمعت فيها بعدى قال هشام عن أبى مخنف قال حدثنى عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى عمرة عن سليمان الحضرمي قال قلت لابي عمرة ألا تراهم ما أحسن هيئتهم يعنى أهل الشأم ولا ترانا ما أقبح رعيننا فقال عليك نفسك فأصلحها ودع الناس فان فيهم ما فيهم

[ 30 ]

خبر هاشم بن عتبة المرقال وذكر ليلة الهرير قال أبو مخنف وحدثني أبو سلمة أن هاشم بن عتبة الزهري دعا الناس عند المساء ألا من كان يريد الله والدار الآخرة فإلى فأقبل إليه ناس كثير فشد في عصابة من أصحابه على أهل الشأم مرارا فليس من وجه يحمل عليه إلا صبر له وقاتل فيه قتالا شديدا فقال لاصحابه لا يهولنكم ما ترون من صبرهم فوالله ما ترون فيهم الا حمية العرب وصبرها تحت راياتها وعتد مراكزها وإنهم لعلى الضلال وانكم لعلى الحق يا قوم اصبروا وصابروا واجتمعوا وامشوا بنا إلى عدونا على تؤدة رويدا ثم اثبتوا وتناصروا واذكروا الله ولا يسأل رجل أخاه ولا تكثروا الالتفات واصمدوا صمدهم وجاهدوهم محتسبين حتى يحكم الله بيننا وبينهم وهو خير الحاكمين ثم انه مضى في عصابة معه من القراء فقاتل قتالا شديدا هو وأصحابه عند المساء حتى رأوا بعض ما يسرون به قال فانهم لكذلك إذ خرج عليهم فتى شاب وهو يقول أنا ابن أرباب الملوك غسان * والدائن اليوم بدين عثمان إنى أتانى خبر فأشجان * أن عليا قتل ابن عفان ثم يشد فلا ينثنى حتى يضرب بسيفه ثم يشتم ويلعن ويكثر الكلام فقال له هاشم ابن عتبة يا عبد الله ان هذا الكلام بعده الخصام وإن هذا القتال بعده الحساب فاتق الله فانك راجع إلى الله فسائلك عن هذا الموقف وما أردت به قال فانى أقاتلكم لان صاحبكم لا يصلى كما ذكر لى وأنتم لا تصلون أيضا وأقاتلكم أن صاحبكم قتل خليفتنا وأنتم أردتموه على قتله فقال له هاشم وما أنت وابن عفان إنما قتله أصحاب محمد وأبناء أصحابه وقراء الناس حين أحدث الاحداث وخالف حكم الكتاب وهم أهل الدين وأولى بالنظر في أمور الناس منك ومن أصحابك وما أظن أمر هذه الامة وأمر هذا الدين أهمل طرفة عين فقال له أجل والله لا أكذب فان الكذب يضر ولا ينفع قال فان أهل هذا الامر أعلم به فخله وأهل العلم به قال ما أظنك والله إلا نصحت لى قال وأما قولك إن صاحبنا لا يصلى فهو أول من صلى وأفقه خلق الله في دين الله وأولى بالرسول وأما كل من ترى معى فكلهم قارئ

[ 31 ]

لكتاب الله لينام الليل تهجدا فلا يغوينك عن دينك هؤلاء الاشقياء المغرورون فقال الفتى يا عبد الله إنى أظنك امرءا صالحا فتخبرني هل تجد لى من توبة فقال نعم يا عبد الله تب إلى الله يتب عليك فانه يقبل التوبة عن عباده ويهفو عن السيآت ويحب المتطهرين قال فجشر والله الفتى الناس راجعا فقال له رجل من أهل الشأم خدعك العراقى خدعك العراقى قال لا ولكن نصح لى وقاتل هاشم قتالا شديدا هو وأصحابه وكان هاشم يدعى المرقال لانه كان يرقل في الحرب فقاتل هو وأصحابه حتى أبروا على من يليهم وحتى رأوا الظفر وأقبلت إليهم عند المغرب كتيبة لتنوخ فشدوا على الناس فقاتلهم وهو يقول أعور يبغى أهله محلا * قد عالج الحياة حتى ملا يتلهم بذى الكعوب تلا فزعموا انه قتل يومئذ تسعة أو عشرة ويحمل عليه الحارث بن المنذر التنوخى فطعنه فسقط وأرسل إليه على أن قدم لواءك فقال لرسوله انظر إلى بطني فإذا هو قد شق فقال الانصاري الحجاج بن غزية فإن تفخروا بابن البديل وهاشم * فنحن قتلنا ذا الكلاع وخوشبا ونحن تركنا بعد معترك اللقا * أخاكم عبيد الله لحما ملحبا ونحن أحطنا بالبعير وأهله * ونحن سقيناكم سماما مقشبا هشام عن أبى مخنف قال حدثنى مالك بن أعين الجهنى عن زيد بن وهب الجهنى أن عليا مر على جماعة من أهل الشأم فيها الوليد بن عقبة وهم يشتمونه فخبر بذلك فوقف فيمن يليهم من أصحابه فقال انهدوا إليهم عليكم السكينة والوقار وقار الاسلام وسيما الصالحين فوالله لاقرب قوم من الجهل قائدهم ومؤذنهم معاوية وابن النابغة وأبو الاعور السلمى وابن أبى معيط شارب الخمر المجلود حدا في الاسلام وهم أولى من يقومون فينقصوننى ويجذبونني وقبل اليوم ما قاتلوني وأنا إذ ذاك أدعوهم إلى الاسلام وهم يدعونني إلى عبادة الاصنام الحمد لله قديما عاداني الفاسقون فعبدهم الله ألم يفتحوا إن هذا لهو الخطب الجليل أن فساقا كانوا غير مرضيين وعلى الاسلام وأهله متخوفين

[ 32 ]

خدعوا شطر هذه الامة وأشربوا قلوبهم حب الفتنة واستمالوا أهواءهم بالافك والبهتان قد نصبوا لنا الحرب في إطفاء نور الله عز وجل اللهم فافضض خدمتهم وشتت كلمتهم وأبسلهم بخطاياهم فإنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت * قال أبو مخنف حدثنى نمير بن وعلة عن الشعبى أن عليا مر بأهل راية فرآهم لا يزولون عن موقفهم فحرض عليهم الناس وذكر أنهم غسان فقال إن هؤلاء لن يزولوا عن موقفهم دون طعن دراك يخرج منهم النسم وضرب يفلق منه الهام ويطيح العظام وتسقط منه المعاصم والاكف وحتى يصدع جباههم بعمد الحديد وتنتشر حواجبهم على الصدور والاذقان أين أهل الصبر وطلاب الاجر فثاب إليه عصابة من المسلمين فدعا ابنه محمدا فقال امش نحو أهل هذه الراية مشيا رويدا على هينتك حتى إذا أشرعت في صدورهم الرماح فأمسك حتى يأتيك رأيى ففعل وأعد على مثلهم فلما دنا منهم فأشرع بالرماح في صدورهم أمر على الذين أعد فشدوا عليهم وأنهض محمدا بمن معه في وجوههم فزالوا عن مواقفهم وأصابوا منهم رجالا ثم اقتتل الناس بعد المغرب قتالا شديدا فما صلى أكثر الناس إلا إيماء * قال أبو مخنف حدثنى أبو بكر الكندى أن عبد الله بن كعب المرادى قتل يوم صفين فمر به الاسود بن قيس المرادى فقال يا أسود قال لبيك وعرفه بآخر رمق فقال عز والله على بمصرعك أما والله لو شهدتك لآسيتك ولدافعت عنك ولو عرفت الذى أشعرك لاحببت ألا يتزايل حتى أقتله أو ألحق بك ثم نزل إليه فقال أما والله إن كان جارك ليأمن بوائقك وإن كنت من الذاكرين الله كثيرا أوصني رحمك الله فقال أوصيك بتقوى الله عز وجل وأن تناصح أمير المؤمنين وتقاتل معه المحلين حتى تظهر أو تلحق بالله قال وأبلغه عنى السلام وقل له قاتل عن المعركة حتى تجعلها خلف ظهرك فانه من أصبح غدا والمعركة خلف ظهره كان العالي ثم لم يلبث أن مات فأقبل الاسود إلى على فأخبره فقال رحمه الله جاهد فينا عدونا في الحياة ونصح لنا في الوفاة * قال أبو مخنف حدثنى محمد بن إسحاق مولى بنى المطلب أن عبد الرحمن بن حنبل الجمحى هو الذى أشار على على بهذا الرأى يوم صفين

[ 33 ]

قال هشام حدثنى عوانة قال جعل ابن حنبل يقول يومئد إن تقتلوني فأنا ابن حنبل * أنا الذى قد قلت فيكم نعثل رجع الحديث إلى حديث أبى مخنف قال أبو مخنف فاقتتل الناس تلك الليلة كلها حتى الصباح وهى ليلة الهرير حتى تقصفت الرماح ونفد النبل وصار الناس إلى السيوف وأخذ على يسير فيما بين الميمنة والميسرة ويأمر كل كتيبة من القراء أن تقدم على التى تليها فلم يزل يفعل ذلك بالناس ويقوم بهم حتى أصبح والمعركة كلها خلف ظهره والاشتر في ميمنة الناس وابن عباس في الميسرة وعلى في القلب والناس يقتتلون من كل جانب وذلك يوم الجمعة وأخذ الاشتر يزحف بالميمنة ويقاتل فيها وكان قد تولاها عشية الخميس وليلة الجمعة إلى ارتفاع الضحى وأخذ يقول لاصحابه ازحفوا قيد هذا الرمح وهو يزحف بهم نحو أهل الشام فإذا فعلوا قال ازحفوا فاد هذا القوس فإذا فعلوا سألهم مثل ذلك حتى مل أكثر الناس الاقدام فلما رأى ذلك الاشتر قال أعيذكم بالله أن ترضعوا الغنم سائر اليوم ثم دعا بفرسه وترك رايته مع حيان بن هوذة النخعي وخرج يسير في الكتائب ويقول من يشترى نفسه من الله عز وجل ويقاتل مع الاشتر حتى يظهر أو يلحق بالله فلا يزال رجل من الناس قد خرج إليه وحيان ابن هوذة * قال أبو مخنف عن أبى جناب الكلبى عن عمارة بن ربيعة الجرمى قال مر بى والله الاشتر فأقبلت معه واجتمع إليه ناس كثير فأقبل حتى رجع إلى المكان الذى كان به الميمنة فقام بأصحابه فقال شدوا شدة فدى لكم عمى وخالى ترضون بها الرب وتعزون بها الدين إذا شددت فشدوا ثم نزل فضرب وجه دابته ثم قال لصاحب رايته قدم بها ثم شد على القوم وشد معه أصحابه فضرب أهل الشام حتى انتهى بهم إلى عسكرهم ثم إنهم قاتلوه عند العسكر قتالا شديدا فقتل صاحب رايته وأخذ على لما رأى من الظفر من قبله يمده بالرجال * حدثنى عبد الله بن أحمد قال حدثنى أبى قال حدثنى سليمان قال حدثنى عبد الله عن جويرية قال قال عمرو بن العاص يوم صفين لوردان تدرى ما مثلى ومثلك مثل الاشقر إن تقدم عقر وإن

[ 34 ]

تأخر نحر لئن تأخرت لاضربن عنقك ائتونى بقيد فوضعه في رجليه فقال أما والله يا أبا عبد الله لاوردنك حياض الموت ضع يدك على عاتقي ثم جعل يتقدم وينظر إليه أحيانا ويقول لاوردنك حياض الموت رجع الحديث إلى حديث أبى مخنف فلما رأى عمرو بن العاص أن أمر أهل العراق قد اشتد وخاف في ذلك الهلاك قال لمعاوية هل لك في أمر أعرضه عليك لا يزيدنا إلا اجتماعا ولا يزيدهم إلا فرقة قال نعم قال نرفع المصاحف ثم نقول ما فيها حكم بيننا وبينكم فإن أبى بعضهم أن يقبلها وجدت فيهم من يقول بلى ينبغى أن نقبل فتكون فرقة تقع بينهم وإن قالوا بلى نقبل ما فيها رفعنا هذا القتال عنا وهذه الحرب إلى أجل أو إلى حين فرفعوا المصاحف بالرماح وقالوا هذا كتاب الله عز وجل بيننا وبينكم من لثغور أهل الشام بعد أهل الشام ومن لثعور أهل العراق بعد أهل العراق فلما رأى الناس المصاحف قد رفعت قالوا نجيب إلى كتاب الله عز وجل وننيب إليه ما روى من رفعهم المصاحف ودعائهم إلى الحكومة قال أبو مخنف حدثنى عبد الرحمن بن جندب الازدي عن أبيه أن عليا قال عباد الله امضوا على حقكم وصدقكم قتال عدوكم فإن معاوية وعمرو بن العاص وابن أبى معيط وحبيب بن مسلمة وابن أبى سرح والضحاك بن قيس ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن أنا أعرف بهم منكم قد صحبتهم أطفالا وصحبتهم رجالا فكانوا شر أطفال وشر رجال ويحكم إنهم ما رفعوها ثم لا يرفعونها ولا يعلمون بما فيها وما رفعوها لكم إلا خديعة ودهنا ومكيدة فقالوا له ما يسعنا أن ندعى إلى كتاب الله عز وجل فنأبى أن نقبله فقال لهم فإنى إنما قاتلتهم ليدينوا بحكم هذا الكتاب فإنهم قد عصوا الله عز وجل فيما أمرهم ونسوا عهده ونبذوا كتابه فقال له مسعر بن فدكى التميمي وزيد بن حصين الطائى ثم السنبسى في عصابة معهما من القراء الذين صاروا خوارج بعد ذلك يا على أجب إلى كتاب الله عز وجل إذ دعيت إليه والا ندفعك برمتك إلى القوم أو نفعل كما فعلنا بابن عفان إنه علينا أن

[ 35 ]

نعمل بما في كتاب الله عز وجل فقبلناه والله لتفلنها أو لنفعلنها بك قال قال فاحفظوا عنى نهيى اياكم واحفظوا مقالتكم لى أما أنا فان تطيعوني تقاتلوا وإن تعصوني فاصنعوا ما بدالكم قالوا له أما لا فابعث إلى الاشتر فليأتك * قال أبو مخنف حدثنى فضيل بن خديج الكندى عن رجل من النخع أنه رأى إبراهيم بن الاشتر دخل على مصعب بن الزبير قال كنت عند على حين أكرهه الناس على الحكومة وقالوا ابعث إلى الاشتر فليأتك قال فأرسل على إلى الاشتر يزيد بن هانئ السبيعى أن ائتنى فأتاه فبلغه فقال قل له ليس هذه الساعة التى ينبغى لك أن تزيلني فيها عن موقفي إنى قد رجوت أن يفتح لى فلا تعجلنى فرجع يزيد بن هانئ إلى على فأخبره فما هو إلا أن انتهى الينا فارتفع الرهج وعلت الاصوات من قبل الاشتر فقال له القوم والله ما نراك إلا أمرته أن يقاتل قال من أين ينبغى أن تروا ذلك رأيتموني ساررته أليس إنما كلمته على رؤسكم علانية وأنتم تسمعوني قالوا فابعث إليه فليأتك وإلا والله اعتزلناك قال له ويحك يا يزيد قل له أقبل إلى فان الفتنة قد وقعت فأبلغه ذلك فقال له الرفع المصاحف قال نعم قال أما والله لقد ظننت حين رفعت أنها ستوقع اختلافا وفرقة إنها مشورة ابن العاهرة ألا ترى ما صنع الله لنا أينبغي أن أدع هؤلاء وأنصرف عنهم وقال يزيد بن هانئ فقلت له أتحب أنك ظفرت ههنا وأن أمير المؤمنين بمكانه الذى هو به يفرج عنه أو يسلم قال لا والله سبحان الله قال فانهم قد قالوا لترسلن إلى الاشتر فليأتينك أو لنقتلنك كما قتلنا ابن عفان فأقبل حتى انتهى إليهم فقال يا أهل العراق يا أهل الذل والوهن حين علوتم القوم ظهرا وظنوا أنكم لهم قاهرون رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها وقد والله تركوا ما أمر الله عز وجل به فيها وسنة من أنزلت عليه صلى الله عليه وسلم فلا تجيبوهم أمهلوني عدو الفرس فانى قد طمعت في النصر قالوا إذا ندخل معك في خطيئتك قال فحدثوني عنكم وقد قتل أماثلكم وبقى أراذلكم متى كنتم محقين أحين كنتم تقاتلون وخياركم يقتلون فأنتم الآن إذا أمسكتم عن القتال مبطلون أم الآن أنتم محقون فقتلا كم الذين لا تنكرون فضلهم فكانوا خيرا منكم في النار إذا قالوا دعنا

[ 36 ]

منك يا أشتر قاتلناهم في الله عز وجل وندع قتالهم لله سبحانه إنا لسنا مطيعيك ولا صاحبك فاجتنبنا فقال خدعتم والله فانخدعتم ودعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم يا أضحاب الجباه السود كنا نظن صلواتكم زهادة في الدنيا وشوقا إلى لقاء الله عز وجل فلا أرى فراركم الا إلى الدنيا من الموت ألا قبحا يا أشباه النيب الجلالة وما أنتم برائين بعدها عزا أبدا فابعدوا كما بعد القوم الظالمين فسبوه فسبهم فضربوا وجه دابته بسياطهم وأقبل يضرب بسوطه وجوه دوابهم وصاح بهم على فكفوا وقال للناس قد قبلنا أن تجعل القرآن بيننا وبينهم حكما فجاء الاشعث بن قيس إلى على فقال له ما أرى الناس إلا قد رضوا وسرهم أن يجيبوا القوم إلى ما دعوهم إليه من حكم القرآن فان شئت أتيت معاوية فسألته ما يريد فنظرت ما يسأل قال ائته إن شئت فسله فأتاه فقال يا معاوية لاى شى رفعتم هذه المصاحف قال لنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله عز وجل به في كتابه تبعثون منكم رجلا ترضون به ونبعث منا رجلا ثم نأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله لا يعدوانه ثم نتبع ما اتفقا عليه فقال له الاشعث بن قيس هذا الحق فانصرف إلى على فأخبره بالذى قال معاوية فقال الناس فانا قد رضينا وقبلنا فقال أهل الشأم فإنا قد اخترنا عمرو بن العاص فقال الاشعث وأولئك القوم الذين صاروا خوارج بعد فإنا قد رضينا بأبى موسى الاشعري قال على فإنكم قد عصيتموني في أول الامر فلا تعصوني الآن إنى لا أرى أن أولى أبا موسى فقال الاشعث وزيد بن حصين الطائى ومسعر بن فدكى لا نرضى إلا به فانه ما كان يحذرنا وقعنا فيه قال على فانه ليس لى بثقة قد فارقني وخذل الناس عنى ثم هرب منى حتى آمنته بعد أشهر ولكن هذا ابن عباس نوليه ذلك قالوا ما نبالي أنت كنت أم ابن عباس لا نريد إلا رجلا هو منك ومن معاوية سواء ليس إلى واحد منكم بأدنى منه إلى الآخر فقال على فانى أجعل الاشتر * قال أبو محنف حدثنى أبو جناب الكلبى أن الاشعث قال وهل سعر الارض غير الاشتر * قال أبو محنف عن عبد الرحمن بن جندب عن أبيه أن الاشعث قال وهل نحن إلا في حكم الاشتر قال على وما حكمه قال حكمه أن يضرب بعضنا بعضا بالسيوف حتى

[ 37 ]

يكون ما أردت وما أراد قال فقد أبيتم إلا أبا موسى قالوا نعم قال فاصنعوا ما أردتم فبعثوا إليه وقد اعتزل القتال وهو يعرض فأتاه مولى له فقال إن الناس قد اصطلحوا فقال الحمد لله رب العالمين قال قد جعلوك حكما قال إنا لله وإنا إليه راجعون وجاء أبو موسى حتى دخل العسكر وجاء الاشتر حتى أتى عليا فقال الزنى بعمرو بن العاص فوالله الذى لا إله الا هو لئن ملات عينى منه لاقتلنه وجاء الاحنف فقال يا أمير المؤمنين إنك قد رميت بحجر الارض وبمن حارب الله ورسوله أنف الاسلام وإنى قد عجمت هذا الرجل وحلبت أشطره فوجدته كليل الشفرة قريب القعر وإنه لا يصح لهؤلاء القوم إلا رجل يدنو منهم حتى يصير في أكفهم ويبعد حتى يصير بمنزلة النجم منهم فان أبيت أن تجعلني حكما فاجعلني ثانيا أو ثالثا فانه لن يعقد عقدة إلا حللتها ولن يحل عقدة أعقدها إلا عقدت لك أخرى أحكم منها فأبى الناس إلا أبا موسى والرضى بالكتاب فقال الاحنف فإن أبيتم إلا أبا موسى فأدفئوا ظهره بالرجال فكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما تقاضى عليه على أمير المؤمنين فقال عمرو اكتب اسمه واسم أبيه هو أميركم فأما أميرنا فلا وقال له الاحنف لا تمح اسم إمارة المؤمنين فإنى أتخوف إن محوتها ألا ترجع إليك أبدا لا تمحها وإن قتل الناس بعضهم بعضا فأبى ذلك على مليا من النهار ثم إن الاشعث ابن قيس قال امح هذا الاسم برحه الله فمحى وقال على الله أكبر سنة بسنة ومثل بمثل والله إنى لكاتب بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية إذ قالوا لست رسول الله ولا نشهد لك به ولكن اكتب اسمك واسم أبيك فكتبه فقال عمرو بن العاص سبحان الله ومثل هذا أن نشبه بالكفار ونحن مؤمنون فقال على يا ابن النابغة ومتى لم تكن للفاسقين وليا وللمسلمين عدوا وهل تشبه إلا أمك التى وضعت بك فقام فقال لا يجمع بينى وبينك مجلس أبدا بعد هذا اليوم فقال له على واني لارجو أن يطهر الله عز وجل مجلسي منك ومن أشباهك وكتب الكتاب * حدثنى على بن مسلم الطوسى قال حدثنا حبان قال حدثنا مبارك عن الحسن قال أخبرني الاحنف أن معاوية كتب إلى على أن امح هذا الاسم إن أردت أن

[ 38 ]

يكون صلح فاستشار وكانت له قبة يأذن لبنى هاشم فيها ويأذن لى معهم قال ما ترون فيما كتب به معاوية أن امح هذا الاسم قال مبارك يعنى أمير المؤمنين قال برحه الله فان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وادع أهل مكة كتب محمد رسول الله فأبوا ذلك حتى كتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله فقلت له أيها الرجل مالك ما لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإنا والله ما حابيناك ببيعتنا وإنا لو علمنا أحدا من الناس أحق بهذا الامر منك لبايعناه ثم قاتلناك وإنى أقسم بالله لئن محوت هذا الاسم الذى بايعت عليه وقاتلنهم لا يعود إليك أبدا قال وكان والله كما قال قال قلما وزن رأيه برأى رجل إلا رجح عليه (رجع الحديث إلى حديث أبى مخنف) وكتب الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما تقاضى عليه على بن أبى طالب ومعاوية ابن أبى سفيان قاضى على على أهل الكوفة ومن معهم من شيعتهم من المؤمنين والمسلمين وقاضي معاوية على أهل الشأم ومن كان معهم من المؤمنين والمسلمين أنا ننزل عند حكم الله عز وجل وكتابه ولا يجمع بيننا غيره وأن كتاب الله عز وجل بيننا من فاتحته إلى خاتمته نحيى ما أحيا ونميت ما أمات فما وجد الحكمان في كتاب الله عز وجل وهما أبو موسى الاشعري عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص القرشى عملا به وما لم يجدا في كتاب الله عز وجل فالسنة العادلة الجامعة غير المفرقة وأخذ الحكمان من على ومعاوية ومن الجندين من العهود والميثاق والثقة من الناس أنهما آمنان على أنفسهما وأهلهما والامة لهما أنصار على الذى يتقاضيان عليه وعلى المؤمنين والمسلمين من الطائفتين كلتيهما عهد الله وميثاقه أنا على ما في هذه الصحيفة وأن قد وجبت قضيتهما على المؤمنين فان الامن والاستقامة ووضع السلاح بينهم أينما ساروا على أنفسهم وأهليهم وأموالهم وشاهدهم وغائبهم وعلى عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه أن يحكما بين هذه الامة ولا يرداها في حرب ولا فرقة حتى يعصيا وأجل القضاء إلى رمضان وإن أحبا أن يؤخرا ذلك أخراه على تراض منهما وإن توفى أحد الحكمين فان أمير الشيعة يختار مكانه ولا يألو من أهل المعدلة والقسط وإن مكان قضيتهما الذى يقضيان فيه مكان عدل بين أهل

[ 39 ]

الكوفة واهل الشأم وإن رضيا وأحبا فلا يحضرهما فيه إلا من أرادا ويأخذ الحكمان من أراد من الشهود ثم يكتبان شهادتهما على ما في هذه الصحيفة وهم أنصار على من ترك ما في هذه الصحيفة وأراد فيه إلحادا وظلما اللهم إنا نستنصرك على من ترك ما في هذه الصحيفة، شهد من أصحاب على الاشعث بن قيس الكندى وعبد الله بن عباس وسعيد بن قيس الهمداني وورقاء بن سمى البجلى وعبد الله بن محل العجلى وحجر بن عدى الكندى وعبد الله بن الطفيل العامري وعقبة بن زياد الحضرمي ويزيد بن حجية التيمى ومالك بن كعب الهمداني ومن أصحاب معاوية أبو الاعور السلمى عمرو بن سفيان وحبيب بن مسلمة الفهرى والمخارق بن الحارث الزبيدى وزمل بن عمرو العذري وحمزة بن مالك الهمداني وعبد الرحمن بن خالد المخزومى وسبيع بن يزيد الانصاري وعلقمة بن يزيد الانصاري وعتبة بن أبى سفيان ويزيد بن الحر العبسى * قال أبو مخنف حدثنى أبو جناب الكلبى عن عمارة ابن ربيعة الجرمى قال لما كتبت الصحيفة دعى لها الاشتر فقال لا صحبتني يمينى ولا نفعتنى بعدها شمالى إن خط لى في هذه الصحيفة اسم على صلح ولا موادعة أو لست على بينة من ربى من ضلال عدوى أو لستم قد رأيتم الظفر لو لم تجمعوا على الجور فقال له الاشعث بن قيس إنك والله ما رأيت ظفرا ولا جورا هلم إلينا فانه لا رغبة بك عنا فقال بلى والله لرغبة بى عنك في الدنيا للدنيا والآخرة للآخرة ولقد سفك الله عز وجل بسيفي هذا دماء رجال ما أنت عندي خير منهم ولا أحرم دما قال عمارة فنظرت إلى ذلك الرجل وكأنما قصع على أنفه الحمم يعنى الاشعث * قال أبو مخنف عن أبى جناب قال خرج الاشعث بذلك الكتاب يقرأه على الناس ويعرضه عليهم فيقرؤنه حتى مر به على طائفة من بنى تميم فيهم عروة بن أدية وهو أخو أبى بلال فقرأه عليهم ففال عروة بن أدية تحكمون في أمر الله عز وجل الرجال لا حكم الا لله ثم شد بسيفه فضرب به عجز دابته ضربة خفيفة واندفعت الدابة وصاح به أصحابه أن املك يدك فرجع فغضب للاشعث قومه وناس كثير من أهل اليمن فمشى الاحنف بن قيس السعدى ومعقل بن قيس الرياحي ومسعر بن فدكى وناس كثير من بنى تميم فتنصلوا

[ 40 ]

إليه واعتذروا فقبل وصفح * قال أبو مخنف حدثنى أبو زيد عبد الله الاودى أن رجلا من أو دكان يقال له عمرو بن أوس قاتل مع على يوم صفين فأسره معاوية في أسارى كثير فقال له عمرو بن العاص اقتلهم فقال له عمرو بن أوس إنك خالي فلا تقتلني وقامت إليه بنو أود فقالوا هب لنا أخانا فقال دعوه لعمري لئن كان صادقا فلنستغنين عن شفاعتكم ولئن كان كاذبا لتأتين شفاعتكم من ورائه فقال له من أين أنا خالك فوالله ما كان بيننا وبين أود مصاهرة قال فان أخبرتك فعرفته فهو أمانى عندك قال نعم قال لست تعلم أن أم حبيبة ابنة أبى سفيان زوج النبي صلى الله عليه وسلم قال بلى قال فإنى ابنها وأنت أخوها فأنت خالي فقال معاوية لله أبوك ما كان في هؤلاء واحد يفطن لها غيره ثم قال للاوديين أيستغنى عن شفاعتكم خل سبيله * قال أبو مخنف حدثنى نمير بن وعلة الهمداني عن الشعبى أن أسارى كان أسرهم على يوم صفين كثير فخلى سبيلهم فأتوا معاوية وإن عمرا ليقول له وقد أسر أيضا أسارى كثيرة اقتلهم فما شعروا إلا بأسرائهم قد خلى سبيلهم فقال معاوية يا عمرو لو أطعناك في هؤلاء الاسرى وقعنا في قبيح من الامر ألا ترى قد خلى سبيل أسارانا وأمر بتخلية سبيل من في يديه من الاسارى * قال أبو مخنف حدثنى اسماعيل ابن يزيد عن حميد بن مسلم عن جندب بن عبد الله أن عليا قال للناس يوم صفين لقد فعلتم فعلة ضعضعت قوة وأسقطت منة وأوهنت وأورثت وهنا وذلة ولما كنتم الاعلين وخاف عدوكم الاجتياح واستحر بهم القتل ووجدوا ألم الجراح رفعوا المصاحف ودعوكم إلى ما فيها ليفتؤوكم عنهم ويقطعوا الحرب فيما بينكم وبينهم ويتربصون ريب المنون خديعة ومكيدة فأعطيتموهم ما سألوا وأبيتم الا أن تدهنوا وتجوزوا وايم الله ما أظنكم بعدها توافقون رشدا ولا تصيبون باب حزم (قال أبو جعفر) فكتب كتاب القضية بين على ومعاوية فيما قيل يوم الاربعاء لثلاث عشرة خلت من صفر سنة 37 من الهجرة على أن يوافي على موضع الحكمين بدومة الجندل في شهر رمضان ومعاوية مع كل واحد منهما أربعمائة من أصحابه وأتباعه * فحدثني عبد الله بن أحمد قال حدثنى أبى قال حدثنى سليمان بن يونس

[ 41 ]

ابن يزيد عن الزهري قال قال صعصعة بن صوحان يوم صفين حين رأى الناس يتبارون ألا اسمعوا واعقوا تعلمن والله لئن ظهر على ليكونن مثل أبى بكر وعمر رضى الله عنهما وإن ظهر معاوية لا يقر لقائل بقول حق قال الزهري فأصبح أهل الشأم قد نشروا مصاحفهم ودعوا إلى ما فيها فهاب أهل العراقين فعند ذلك حكموا الحكمين فاختار أهل العراق أبا موسى الاشعري واختار أهل الشأم عمرو بن العاص فتفرق أهل صفين حين حكم الحكمان فاشترطا أن يرفعا ما رفع القرآن ويخفضا ما خفض القرآن وأن يختارا لامة محمد صلى الله عليه وسلم وأنهما يجتمعان بدومة الجندل فان لم يجتمعا لذلك اجتمعا من العام المقبل بأذرح فلما انصرف على خالفت الحرورية وخرجت وكان ذلك أول ما ظهرت فأذنوه بالحرب وردوا عليه إن حكم بنى آدم في حكم الله عز وجل وقالوا لا حكم إلا لله سبحانه وقاتلوا فلما اجتمع الحكمان بأذرح وافاهم المغيرة بن شعبة فيمن حضر من الناس فأرسل الحكمان إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن الزبير في إقبالهم في رجال كثير ووافى معاوية بأهل الشأم وأبى على وأهل العراق أن يوافوا فقال المغيرة بن شعبة لرجال من ذوى الرأى من قريش أترون أحدا من الناس برأى يبتدعه يستطيع أن يعلم أيجتمع الحكمان أم يتفرقان قالوا لا نرى أحدا يعلم ذلك قال فوالله إنى لاظن سأعلمه منهما حين أخلو بهما وأراجعهما فدخل على عمرو بن العاص وبدأ به فقال يا أبا عبد الله أخبرني عما أسألك عنه كيف ترانا معشر المعتزلة فانا قد شككنا في الامر الذى قد تبين لكم من هذا القتال ورأينا أن نستأنى ونتثبت حتى تجتمع الامة قال أراكم معشر المعتزلة خلف الابرار وأمام الفجار فانصرف المغيرة ولم يسأله عن غير ذلك حتى دخل على أبى موسى فقال له مثل ما قال لعمرو فقال أبو موسى أراكم أثبت الناس رأيا فيكم بقية المسلمين فانصرف المغيرة ولم يسأله عن غير ذلك فلقى الذين قال لهم ما قال من ذوى الرأى من قريش فقال لا يجتمع هذان على أمر واحد فلما اجتمع الحكمان وتكلما قال عمرو بن العاص يا أبا موسى رأيت أول ما نقضى به من الحق أن نقضى لاهل الوفاء بوفائهم وعلى أهل الغدر بغدرهم قال أبو موسى وما ذاك قال ألست تعلم أن معاوية

[ 42 ]

وأهل الشأم قد وفوا وقدموا للموعد الذى واعدناهم إياه قال بلى قال عمرو اكتبها فكتبها أبو موسى قال عمرو يا أبا موسى أأنت على أن نسمى رجلا يلى أمر هذه الامة فسم لى فإن أقدر على أن أتابعك فلك على أن أتابعك وإلا فلى عليك أن تتابعنى قال أبو موسى أسمى لك عبد الله بن عمر وكان ابن عمر فيمن اعتزل قال عمرو إنى اسمى لك معاوية بن أبى سفيان فلم يبرحا مجلسهما حتى استبا ثم خرجا إلى الناس فقال أبو موسى إنى وجدت مثل عمرو مثل الذين قال الله عز وجل (واتل عليهم نبأ الذى آتيناه آياتنا فانسلخ منها) فلما سكت أبو موسى تكلم عمرو فقال أيها الناس إنى وجدت مثل أبى موسى كمثل الذى قال الله عز وجل (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا) وكتب كل واحد منهما مثله الذى ضرب لصاحبه إلى الامصار قال ابن شهاب فقام معاوية عشية في الناس فأثنى على الله جل ثناؤه بما هو أهله ثم قال أما بعد فمن كان متكلما في الامر فليطلع لنا قرنه قال ابن عمر فأطلقت حبوتى فأردت أن أقول يتكلم فيه رجال قاتلوا أباك على الاسلام ثم خشيت أن أقول كلمة تفرق الجماعة أو يسفك فيها دم أو أحمل فيها على غير رأى فكان ما وعد الله عز وجل في الجنان أحب إلى من ذلك فلما انصرف إلى المنزل جاءني حبيب بن مسلمة فقال ما منعك أن تتكلم حين سمعت الرجل يتكلم قلت أردت ذلك ثم خشيت أن أقول كلمة تفرق بين جميع أو يسفك فيها دم أو أحمل فيها على غير رأى فكان ما وعد الله عز وجل من الجنان أحب إلى من ذلك قال: قال حبيب فقد عصمت (رجع الحديث إلى حديث أبى مخنف) قال أبو مخنف حدثنى فضيل بن خديج الكندى قال قيل لعلى بعد ما كتبت الصحيفة إن الاشتر لا يقر بما في الصحيفة ولا يرى إلا قتال القوم قال على وأنا والله ما رضيت ولا أحببت أن ترضوا فإذا أبيتم إلا أن ترضوا فقد رضيت فإذا رضيت فلا يصلح الرجوع بعد الرضا ولا التبديل بعد الاقرار إلا أن يعصى الله عز وجل ويتعدى كتابه فقاتلوا من ترك أمر الله عز وجل وأما الذى كرتم من تركه أمرى وما أنا عليه فليس من أولئك ولست أخافه على ذلك ياليت

[ 43 ]

فيكم مثله اثنين يا ليت فيكم مثله واحدا يرى في عدوى ما أرى إذا لخفت على مؤنتكم ورجوت أن يستقيم لى بعض أودكم وقد نهيتكم عما أتيتم فعصيتموني وكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوازن وهل أنا إلا من غزية إن غوت * غويت وإن ترشد غزية أرشد فقالت طائفة ممن معه ونحن ما فعلنا يا أمير المؤمنين إلا ما فعلت قال نعم فلم كانت إجابتكم إياهم إلى وضع الحرب عنا وأما القضية فقد استوثقنا لكم فيها وقد طمعت ألا تضلوا إن شاء الله رب العالمين فكان الكتاب في صفر والاجل رمضان إلى ثمانية أشهر إلى أن يلتقى الحكمان ثم إن الناس دفنوا قتلاهم وأمر على الاعور فناد في الناس بالرحيل * قال أبو مخنف حدثنى عبد الرحمن بن جندب عن أبيه قال لما انصرفنا من صفين أخذنا غير طريقنا الذى أقبلنا فيه أخذنا على طريق البر على شاطئ الفرات حتى انتهينا إلى هيت ثم أخذنا على صندوداء فخرج الانصاريون بنو سعد بن حرام فاستقبلوا عليا فعرضوا عليه النزول فبات فيهم ثم غدا وأقبلنا معه حتى إذا جزنا النخيلة ورأينا بيوت الكوفة إذا نحن بشيخ جالس في ظل بيت على وجهه أثر المرض فأقبل إليه على ونحن معه حتى سلم عليه وسلمنا معه فرد ردا حسنا ظننا أن قد عرفه قال له على أرى وجهك منكفئا فمن مه أمن مرض قال نعم قال فلعلك كرهته قال ما أحب أنه بغيرى قال أليس احتسابا بالخير فيما أصابك منه قال بلى قال فأبشر برحمة ربك وغفران ذنبك من أنت يا عبد الله قال أنا صالح بن سليم قال ممن قال أما الاصل فمن سلامان طيئ وأما الجوار والدعوة ففى بنى سليم بن منصور فقال سبحان الله ما أحسن اسمك واسم أبيك واسم أدعيائك واسم من اعتزيت إليه هل شهدت معنا غزاتنا هذه قال لا والله ما شهدتها ولقد أردتها ولكن ما ترى من أثر لحب الحمى خذلني عنها فقال ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم، خبرني ما تقول الناس فيما كان بيننا وبين أهل الشام قال فيهم المسرور فيما كان بينك وبينهم

[ 44 ]

وأولئك أغشاء الناس وفيهم المكبوت الآسف بما كان من ذلك وأولئك نصحاء الناس لك فذهب لينصرف فقال قد صدقت جعل الله ما كان من شكواك حطا لسيئاتك فان المرض لا أجر فيه ولكنه لا يدع على العبد ذنبا إلا حطه وإنما أجر في القول باللسان والعمل باليد والرجل وإن الله جل ثناؤه ليدخل بصدق النية والسريرة الصالحة عالما جما من عباده الجنة قال ثم مضى على غير بعيد فلقيه عبد الله ابن وديعة الانصاري فدنا منه وسلم عليه وسايره فقال له ما سمعت الناس يقولون في أمرنا قال منهم المعجب به ومنهم الكاره له كما قال عز وجل ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك فقال له فما قول ذوى الرأى فيه قال أما قولهم فيه فيقولون إن عليا كان له جمع عظيم ففرقه وكان له حصن حصين فهدمه فحتى متى يبنى ما هدم وحتى متى يجمع ما فرق فلو أنه كان مضى بمن أطاعه إذ عصاه من عصاه فقاتل حتى يظفر أو يهلك إذا كان ذلك الحزم فقال على أنا هدمت أم هم هدموا أنا فرقت أم هم فرقوا أما قولهم إنه لو كان مضى بمن أطاعه إذ عصاه من عصاه فقاتل حتى يظفر أو يهلك إذا كان ذلك الحزم فوالله ما غبى عن رأيى ذلك وإن كنت لسخيا بنفسى عن الدنيا طيب النفس بالموت ولقد هممت بالاقدام على القوم فنظرت إلى هذين قد ابتدرانى يعنى الحسن والحسين ونطرت إلى هذين قد استقدمانى يعنى عبد الله بن جعفر ومحمد بن على فعلمت أن هذين إن هلكا انقطع نسل محمد صلى الله عليه وسلم من هذه الامة فكرهت ذلك وأشفقت على هذين أن يهلكا وقد علمت أن لولا مكاني لم يستقدما يعنى محمد بن على وعبد الله بن جعفر وايم الله لئن لقيتهم بعد يومى هذا لالقينهم وليسوا معى في عسكر ولا دار ثم مضى حتى إذا جزنا بنى عوف إذا نحن عن أيماننا بقبور سبعة أو ثمانية فقال على ما هذه القبور فقال قدامة بن العجلان الازدي يا أمير المؤمنين إن خباب بن الارت توفى بعد مخرجك فأوصى بأن يدفن في الظهر وكان الناس إنما يدفنون في دورهم وأفنيتهم فدفن بالظهر رحمه الله ودفن الناس إلى جنبه فقال على رحم الله خبابا فقد أسلم راغبا وهاجر طائعا وعاش مجاهدا وابتلى في جسمه أحوالا وان الله لا يضيع أجر من أحسن عملا ثم جاء

[ 45 ]

حتى وقف عليهم فقال السلام عليكم يا أهل الديار الموحشة والمحال المقفرة من المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات أنتم لنا سلف فارط ونحن لكم تبع بكم عما قليل لاحقون اللهم اغفر لنا ولهم وتجاوز بعفوك عنا وعنهم وقال الحمد لله الذى جعل منها خلقكم وفيها معادكم منها يبعثكم وعليها يحشركم طوبى لمن ذكر المعاد وعمل للحساب وقنع بالكفاف ورضى عن الله عز وجل ثم أقبل حتى حاذى سكة الثوريين ثم قال خشوا ادخلوا بين هذه الابيات * قال أبو مخنف حدثنى عبد الله بن عاصم الفائشى قال مر على بالثوريين فسمع البكاء فقال ما هذه الاصوات فقيل له هذا البكاء على قتلى صفين فقال أما إنى أشهد لمن قتل منهم صابرا محتسبا بالشهادة ثم مر بالفائشيين فسمع الاصوات فقال مثل ذلك ثم مضى حتى مر بالشباميين فسمع رجة شديدة فوقف فخرج إليه حرب بن شرحبيل الشبامى فقال على أيغلبكم نساؤكم ألا تنهونهن عن هذا الرنين فقال يا أمير المؤمنين لو كانت دارا أو دارين أو ثلاثا قدرنا على ذلك ولكن قتل من هذا الحى ثمانون ومائة قتيل فليس دار إلا وفيها بكاء فأما نحن معشر الرجال فانا لا نبكى ولكن نفرح لهم ألا نفرح لهم بالشهادة قال على رحم الله قتلاكم وموتاكم وأقبل يمشى معه وعلى راكب فقال له على ارجع ووقف ثم قال له ارجع فإن مشى مثلك مع مثلى فتنة للوالى ومذلة للمؤمن ثم مضى حتى مر بالناعطبين وكان جلهم عثمانية فسمع رجلا منهم يقال له عبد الرحمن بن يزيد من بنى عبيد من الناعطيين يقول والله ما صنع على شيئا ذهب ثم انصرف في غير شئ فلما نظروا إلى على أبلسوا فقال وجوه قوم ما رأوا الشأم العام ثم قال لاصحابه قوم فارقاهم آنفا خير من هؤلاء ثم أنشأ يقول أخوك الذى إن أجرضتك ملمة * من الدهر لم يبرح لبثك واجما وليس أخوك بالذى إن تشعبت * عليك الامور ظل يلحاك لائما ثم مضى فلم يزل يذكر الله عز وجل حتى دخل القصر * قال أبو مخنف حدثنا أبو جناب الكلبى عن عمارة بن ربيعة قال خرجوا مع على إلى صفين وهم متوادون أحباء فرجعوا متباغضين أعداء ما برحوا من عسكرهم بصفين حتى فشا فيهم التحكيم

[ 46 ]

ولقد أقبلوا يتدافعون الطريق كله ويتشاتمون ويضطربون بالسياط يقول الخوارج يا أعداء الله أدهنتم في أمر الله عز وجل وحكمتم وقال الآخرون فارقتم إمامنا وفرقتم جماعتنا فلما دخل على الكوفة لم يدخلوا معه حتى أتوا حروراء فنزل بها منهم اثنا عشر ألفا ونادى مناديهم إن أمير القتال شبت بن ربعى التميمي وأمير الصلاة عبد الله بن الكواء اليشكرى والامر شورى بعد الفتح والبعة ؟ لله عز وجل والامر بالمعروف والنهى عن المنكر بعثة على جعدة بن هبيرة إلى خراسان (وفى هذه السنة) بعث على جعدة بن هبيرة فيما قيل إلى خراسان ذكر الخبر عن ذلك ذكر على بن محمد قال أخبرنا عبد الله بن ميمون عن عمرو بن شجيرة عن جابر عن الشعبى قال بعث على بعد ما رجع من صفين جعدة بن هبيرة المخزومى إلى خراسان فانتهى إلى أبر شهر وقد كفروا وامتنعوا فقدم على على فبعث خليد بن قرة اليربوعي فحاصر أهل نيسابور حتى صالحوه وصالحه أهل مرو وأصاب جاريتين من أبناء الملوك نزلتا بأمان فبعث بهما إلى على فعرض عليهما الاسلام وأن يزوجهما قالتا زوجنا ابنيك فأبى فقال له بعض الدهاقين ادفعهما إلى فانه كرامة تكرمني بها فدفعهما إليه فكانتا عنده يفرش لهما الديباج ويطعمهما قى آنية الذهب ثم رجعتا إلى خراسان اعتزال الخوارج عليا وأصحابه ورجوعهم بعد ذلك (وفى هذه السنة) اعتزل الخوارج عليا وأصحابه وحكموا ثم كلمهم على فرجعوا ودخلوا الكوفة ذكر الخبر عن اعتزالهم عليا قال أبو مخنف في حديثه عن أبى جناب عن عمارة بن ربيعة قال ولما قدم على الكوفة وفارقته الخوارج وثبت إليه الشيعة فقالوا في أعناقنا بيعة ثانية نحن أولياء من واليت وأعداء من عاديت فقالت الخوارج استبقتم أنتم وأهل الشأم إلى الكفر

[ 47 ]

كفرسي رهان بايع أهل الشأم معاوية على ما أحبوا وكرهوا وبايعتم أنتم عليا على أنكم أولياء من والى وأعداء من عادى فقال لهم زياد بن النضر والله ما بسط على يده فبايعناه قط إلا على كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ولكنكم لما خالفتموه جاءته شيعته فقالوا نحن أولياء من واليت وأعداء من عاديت ونحن كذلك وهو على الحق والهدى ومن خالفه ضال مضل وبعث على ابن عباس إليهم فقال لا تعجل إلى جوابهم وخصومتهم حتى آتيك فخرج إليهم حتى أتاهم فأقبلوا يكلمونه فلم يصبر حتى راجعهم فقال ما نقمتم من الحكمين وقد قال الله عز وجل (إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما) فكيف بأمة محمد صلى الله عليه وسلم فقالت الخوارج قلنا أما ما جعل حكمه إلى الناس وأمر بالنظر فيه والاصلاح له فهو إليهم كما أمر به وما حكم فأمضاه فليس للعباد أن ينظروا فيه حكم في الزانى مائة جلدة وفى السارق بقطع يده فليس للعباد أن ينظروا في هذا قال ابن عباس فإن الله عز وجل يقول (يحكم به ذوا عدل منكم) فقالوا له أو تجعل الحكم في الصيد والحدث يكون بين المرأة وزوجها كالحكم في دماء المسلمين وقالت الخوارج قلنا له فهذه الآية بيننا وبينك، أعدل عندك ابن العاص وهو بالامس يقاتلنا ويسفك دماءنا فإن كان عدلا فلسنا بعدول ونحن أهل حربه وقد حكمتم في أمر الله الرجال وقد أمضى الله عز وجل حكمه في معاوية وحزبه أن يقتلوا أو يرجعوا وقبل ذلك ما دعوناهم إلى كتاب الله عز وجل فأبوه ثم كتبتم بينكم وبينه كتابا وجعلتم بينكم وبينه الموادعة والاستفاضة وقد قطع عز وجل الاستفاضة والموادعة بين المسلمين وأهل الحرب منذ نزلت براءة إلا من أقر بالجزية وبعث على زياد بن النضر إليهم فقال انظر بأى رؤسهم هم أشد إطاقة فنظر فأخبره أنه لم يرهم عند رجل أكثر منهم عند يزيد بن قيس فخرج على في الناس حتى دخل إليهم فأتى فسطاط يزيد بن قيس فدخله فتوضأ فيه وضلى ركعتين وأمره على أصبهان والرى ثم خرج حتى انتهى إليهم وهم يخاصمون ابن عباس فقال انته عن كلامهم ألم أنهك رحمك الله ثم تكلم فحمد الله عز وجل وأثنى عليه ثم قال اللهم إن هذا مقام من أفلح فيه كان أولى بالفلح يوم القيامة ومن نطق

[ 48 ]

فيه وأوعث فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا ثم قال لهم من زعيمكم قالوا ابن الكواء قال على فما أخرجكم علينا قالوا حكومتكم يوم صفين قال أنشدكم بالله أتعلمون أنهم حيث رفعوا المصاحف فقلتم نجيبهم إلى كتاب الله قلت لكم إنى أعلم بالقوم منكم إنهم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن إنى صحبتهم وعرفتهم أطفالا ورجالا فكانوا شر أطفال وشر رجال امضوا على حقكم وصدقكم فانما رفع القوم هذه المصاحف خديعة ودهنا ومكيدة فرددتم على رأيى وقلتم لا بل نقبل منهم فقلت لكم اذكروا قولى لكم ومعصيتكم إياى فلما أبيتم إلا الكتاب اشترطت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن وأن يميتا ما أمات القرآن فان حكما بحكم القرآن فليس لنا أن نخالف حكما يحكم بما في القرآن وإن أبيا فنحن من حكمهما برآء قالوا له فخبرنا أتراه عدلا تحكيم الرجال في الدماء فقال إنا لسنا حكمنا الرجال إنما حكمنا القرآن وهذا القرآن انما هو خط مسطور بين دفتين لا ينطق انما يتكلم به الرجال قالوا فخبرنا عن الاجل لم جعلته فيما بينك وبينهم قال ليعلم الجاهل ويتثبت العالم ولعل الله عز وجل يصلح في هذه الهدنة هذه الامة أدخلوا مصركم رحمكم الله فدخلوا من عند آخرهم * قال أبو مخنف حدثنى عبد الرحمن ابن جندب الازدي عن أبيه بمثل هذا وأما الخوارج فيقولون قلنا صدقت قد كنا كما ذكرت وفعلنا ما وصفت ولكن ذلك كان منا كفرا فقد تبنا إلى الله عز وجل منه فتب كما تبنا نبايعك وإلا فنحن مخالفون فبايعنا على وقال ادخلوا فلنمكث ستة أشهر حتى يجبى المال ويسمن الكراع ثم نخرج إلى عدونا ولسنا نأخذ بقولهم وقد كذبوا وقدم معن بن يزيد بن الاحنس السلمى في استبطاء إمضاء الحكومة وقال لعلى إن معاوية قد وفى فف أنت لا يلفتنك عن رأيك أعاريب بكر وتميم فأمر على بامضاء الحكومة وقد كانوا افترقوا من صفين على أن يقدم الحكمان في أربعمائة أربعمائة إلى دومة الجندل * وزعم الواقدي أن سعدا قد شهد مع من شهد الحكمين وأن ابنه عمر لم يدعه حتى أحضره أذرح فندم فأحرم من بيت المقدس بعمرة

[ 49 ]

اجتماع الحكمين بدومة الجندل (وفى هذه السنة) كان اجتماع الحكمين ذكره الخبر عن اجتماعهما * قال أبو مخنف حدثنى المجالد بن سعيد عن الشعبى عن زياد بن النضر الحارثى أن عليا بعث أربعمائة رجل عليهم شريح بن هانئ الحارثى وبعث معهم عبد الله ابن عباس وهو يصلى بهم ويلى أمورهم وأبو موسى الاشعري معهم وبعث معاوية عمرو بن العاص في أربعمائة من أهل الشأم حتى توافوا بدومة الجندل بأذرح قال فكان معاوية إذا كتب إلى عمرو جاء الرسول وذهب لا يدرى بما جاء به ولا بما رجع به ولا يسأله أهل الشأم عن شئ وإذا جاء رسول على جاؤا إلى ابن عباس فسألوه ما كتب به اليك أمير المؤمنين فان كتم ظنوا به الظنون فقالوا ما نراه كتب إلا بكذا وكذا فقال ابن عباس أما تعقلون أما ترون رسول معاوية يجئ لا يعلم بما جاء به ويرجع لا يعلم ما رجع به ولا يسمع لهم صياح ولا لغط وأنتم عندي كل يوم تظنون الظنون قال وشهد جماعتهم تلك عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومى وعبد الرحمن بن عبد يغوث الزهري وأبو جهم بن حذيفة العدوى والمغيرة بن شعبة الثقفى وخرج عمر بن سعد حتى أتى أباه على ماء لبنى سليم بالبادية فقال يا أبت قد بلغك ما كان بين الناس بصفين وقد حكم الناس أبا موسى الاشعري وعمرو بن العاص وقد شهدهم نفر من قريش فاشهدهم فانك صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحد الشورى ولم تدخل في شئ كرهته هذه الامة فاحضر فانك أحق الناس بالخلافة فقال لا أفعل إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول انه يكون فتنة خير الناس فيها الخفى التقى والله لا أشهد شيئا من هذا الامر أبدا والتقى الحكمان فقال عمرو بن العاص يا أبا موسى ألست تعلم أن عثمان رضى الله عنه قتل مظلوما قال أشهد ألست تعلم ان معاوية وآل معاوية أولياؤه قال بلى قال فان الله عز وجل قال (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا) فما يمنعك من معاوية ولى عثمان يا أبا موسى

[ 50 ]

وبيته في قريش كما قد علمت فإن تخوفت أن يقول الناس ولى معاوية وليست له سابقة فان لك بذلك حجة تقول إنى ولى عثمان الخليفة المظلوم والطالب بدمه الحسن السياسة الحسن التدبير وهو أخو أم حبيبة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم وقد صحبه فهو أحد الصحابة ثم عرض له بالسلطان فقال إن ولى أكرمك كرامة لم يكرمها خليفة فقال أبو موسى يا عمرو اتق الله عز وجل فأما ما ذكرت من شرف معاوية فان هذا ليس على الشرف يولاه أهله ولو كان على الشرف لكان هذا الامر لآل أبرهة بن الصباح إنما هو لاهل الدين والفضل مع أنى لو كنت معطيه أفضل قريش شرفا أعطيته على بن أبى طالب وأما قولك ان معاوية ولى دم عثمان رضى الله عنه فوله هذا الامر فانى لم أكن لاوليه معاوية وأدع المهاجرين الاولين وأما تعريضك لى بالسلطان فوالله لو خرج لى من سلطانه كله ما وليته وما كنت لارتشى في حكم الله عز وجل ولكنك إن شئت أحيينا اسم عمر بن الخطاب رضى الله عنه * قال أبو مخنف حدثنى أبو جناب الكلبى أنه كان يقول قال أبو موسى أما والله لئن استطعت لاحيين اسم عمر ابن الخطاب رضى الله عنه فقال له عمرو إن كنت تحب بيعة ابن عمر فما يمنعك من ابني وأنت تعرف فضله وصلاحه فقال إن ابنك رجل صدق ولكنك قد غمسته في هذه الفتنة * قال أبو مخنف حدثنى محمد بن اسحاق عن نافع مولى ابن عمر قال قال عمرو بن العاص إن هذا الامر لا يصلحه الا رجل له ضرس يأكل ويطعم وكانت في ابن عمر غفلة فقال له عبد الله بن الزبير افطن فانتبه فقال عبد الله بن عمر لا والله لا أرشو عليها شيئا أبدا وقال يا ابن العاص إن العرب أسندت إليك أمرها بعدما تقارعت بالسيوف وتناجزت بالرماح فلا تردنهم في فتنة * قال أبو مخنف حدثنى النضر ابن صالح العبسى قال كنت مع شريح بن هانئ في غزوة سجستان فحدثني أن عليا أوصاه بكلمات إلى عمرو بن العاص قال قل له إذا أنت لقيته إن عليا يقول لك إن أفضل الناس عند الله عز وجل من كان العمل بالحق أحب إليه وإن نقصه وكرثه من الباطل وإن حن إليه وزاده يا عمرو والله إنك لتعلم أين موضع الحق فلم تجاهل

[ 51 ]

ان أوتيت طمعا يسيرا كنت به لله وأوليائه عدوا فكأن والله ما أوتيت قد زال عنك ويحك فلا تكن للخائنين خصيما ولا للظالمين ظهيرا أما إنى أعلم بيومك الذى أنت فيه نادم وهو يوم وفاتك تمنى أنك لم تظهر لمسلم عداوة ولم تأخذ على حكم رشوة قال فبلغته ذلك فتمعر وجهه ثم قال متى كنت أقبل مشورة على أو أنتهى إلى أمره أو أعتد برأيه فقلت له وما يمنعك يا ابن النابغة أن تقبل من مولاك وسيد المسلمين بعد نبيهم مشورته فقد كان من هو خير منك أبو بكر وعمر رضى الله عنهما يستشيرانه ويعملان برأيه فقال إن مثلى لا يكلم مثلك فقلت له وبأى أبويك ترغب عنى أبأبيك الوشيظ أم بأمك النابغة قال فقام عن مكانه وقمت معه * قال أبو مخنف حدثنى أبو جناب الكلبى أن عمرا وأبا موسى حيث التقيا بدومة الجندل أخذ عمرو يقدم أبا موسى في الكلام يقول إنك صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت أسن منى فتكلم وأتكلم فكان عمرو قد عود أبا موسى أن يقدمه في كل شئ اغتزى بذلك كله أن يقدمه فيبدأ بخلع على قال فنظر في أمرهما وما اجتمعا عليه فأراده عمرو على معاوية فأبى وأراده على ابنه فأبى وأراد أبو موسى عمرا على عبد الله بن عمر فأبى عليه فقال له عمرو خبرني ما رأيك قال رأيى أن نخلع هذين الرجلين ونجعل الامر شورى بين المسلمين فيختار المسلمون لانفسهم من أحبوا فقال له عمرو فان الرأى ما رأيت فأقبلا إلى الناس وهم يجتمعون فقال يا أبا موسى أعلمهم بأن رأينا قد اجتمع واتفق فتكلم أبو موسى فقال إن رأيى ورأى عمر وقد اتفق على أمر نرجو أن يصلح الله عز وجل به أمر هذه الامة فقال عمرو صدق وبر يا أبا موسى تقدم فتكلم فتقدم أبو موسى ليتكلم فقال له ابن عباس ويحك والله انى لاظنه قد خدعك إن كنتما قد اتفقتما على أمر فقدمه فليتكلم بذلك الامر قبلك ثم تكلم أنت بعده فان عمرا رجل غادر ولا آمن أن يكون قد أعطاك الرضا فيما بينك وبينه فإذا قمت في الناس خالفك وكان أبو موسى مغفلا فقال له إنا قد اتفقنا فتقدم أبو موسى فحمد الله عز وجل وأثنى عليه ثم قال يا أيها الناس إنا قد نظرنا في أمر هذه الامة فلم نر أصلح لامرها ولا ألم لشعثها من أمر قد جمع رأيى ورأى عمرو

[ 52 ]

عليه وهو أن نخلع عليا ومعاوية وتستقبل هذه الامة هذا الامر فيولوا منهم من أحبوا عليهم وإنى قد خلعت عليا ومعاوية فاستقبلوا أمركم وولوا عليكم من رأيتموه لهذا الامر أهلا ثم تنحى وأقبل عمرو بن العاص فقام مقامه فحمد الله وأثنى عليه وقال إن هذا قد قال ما سمعتم وخلع صاحبه وأنا أخلع صاحبه كما خلعه وأثبت صاحبي معاوية فإنه ولى عثمان بن عفان رضى الله عنه والطالب بدمه وأحق الناس بمقامه فقال أبو موسى مالك لا وفقك الله غدرت وفجرت انما مثلك كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث قال عمرو انما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفارا وحمل شريح بن هانئ على عمرو فقنعه بالسوط وحمل على شريح ابن لعمرو فضربه بالسوط وقام الناس فحجزوا بينهم وكان شريح بعد ذلك يقول ما ندمت على شئ ندامتي على ضرب عمرو بالسوط ألا أكون ضربته بالسيف آتيا به الدهر ما أتى والتمس أهل الشأم أبا موسى فركب راحلته ولحق بمكة قال ابن عباس قبح الله رأى أبى موسى حذرته وأمرته بالرأى فما عقل فكان أبو موسى يقول حذرني ابن عباس غدرة الفاسق ولكني اطمأننت إليه وظننت أنه لن يؤثر شيئا على نصيحة الامة ثم انصرف عمرو وأهل الشأم إلى معاوية وسلموا عليه بالخلافة ورجع ابن عباس وشريح بن هانئ إلى على وكان إذا صلى الغداة يقنت فيقول اللهم العن معاوية وعمرا وأبا الاعور السلمى وحبيبا وعبد الرحمن بن خالد والضحاك بن قيس والوليد فبلغ ذلك معاوية فكان إذا قنت لعن عليا وابن عباس والاشتر وحسنا وحسينا (وزعم الواقدي) ان اجتماع الحكمين كان في شعبان سنة 38 من الهجرة ذكر ما كان من خبر الخوارج عند توجيه على الحكم للحكومة وخبر يوم النهر قال أبو مخنف عن أبى المغفل عن عون بن أبى جحيفة أن عليا لما أراد أن يبعث أبا موسى للحكومة أتاه رجلان من الخوارج زرعة بن البرج الطائى وحرقوص ابن زهير السعدى فدخلا عليه فقالا له لا حكم الا لله فقال على لا حكم إلا لله فقال له حرقوص تب من خطيئتك وارجع عن قضيتك واخرج بنا إلى عدونا نقاتلهم

[ 53 ]

حتى نلقى ربنا فقال لهم على قد أردتكم على ذلك فعصيتموني وقد كتبنا بيننا وبينهم كتابا وشرطنا شروطا وأعطينا عليها عهودنا ومواثيقنا وقد قال الله عز وجل (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون) فقال له حرقوص ذلك ذنب ينبغى أن تتوب منه فقال على ما هو ذنب ولكنه عجز من الرأى وضعف من الفعل وقد تقدمت إليكم فيما كان منه ونهيتكم عنه فقال له زرعة بن البرج أما والله يا على لئن لم تدع تحكيم الرجال في كتاب الله عز وجل قاتلتك أطلب بذلك وجه الله ورضوانه فقال له على بؤسا لك ما أشقاك كأنى بك قتيلا تسفى عليك الريح قال وددت أن قد كان ذلك فقال له على لو كنت محقا كان في الموت على الحق تعزية عن الدنيا إن الشيطان قد استهواكم فاتقوا الله عز وجل إنه لا خير لكم في دنيا تقاتلون عليها فخرجا من عنده يحكمان * قال أبو مخنف فحدثني عبد الملك بن أبى حرة الحنفي أن عليا خرج ذات يوم يخطب فانه لفى خطبته إذ حكمت المحكمة في جوانب المسجد فقال على الله أكبر كلمة حق يراد بها باطل إن سكتوا عممناهم وإن تكلموا حججناهم وإن خرجوا علينا قاتلناهم فوثب يزيد بن عاصم المحاربي فقال الحمد لله غير مودع ربنا ولا مستغنى عنه اللهم إنا نعوذ بك من إعطاء الدنية في ديننا فان إعطاء الدنية في الدين ادهان في أمر الله عز وجل وذل راجع بأهله إلى سخط الله يا على أبالقتل تخوفنا أما والله إنى لارجو أن نضربكم بها عما قليل غير مصفحات ثم لتعلمن أينا أولى بها صليا ثم خرج بهم هو وإخوة له ثلاثة هو رابعهم فأصيبوا مع الخوارج بالنهر وأصيب أحدهم بعد ذلك بالنخيلة * قال أبو مخنف حدثنى الاجلح بن عبد الله عن سلمة بن كهيل عن كثير بن بهز الحضرمي قال قام على في الناس يخطبهم ذات يوم فقال رجل من جانب المسجد لا حكم إلا لله فقام آخر فقال مثل ذلك ثم توالى عدة رجال يحكمون فقال على الله أكبر كلمة حق يلتمس بها باطل أما إن لكم عندنا ثلاثا ما صحبتمونا لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه ولا نمنعكم الفئ ما دامت أيديكم مع أيدينا ولا نقاتلكم حتى تبدؤنا ثم رجع

[ 54 ]

إلى مكانه الذى كان فيه من خطبته * قال أبو مخنف وحدثنا عن القاسم بن الوليد أن حكيم بن عبد الرحمن بن سعيد البكائى كان يرى رأى الخوارج فأتى عليا ذات يوم وهو يخطب فقال " ولقد أوحى اليك والى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين " فقال على " فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون " * حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن إدريس قال سمعت إسماعيل ابن سميع الحنفي عن أبى رزين قال لما وقع التحكيم ورجع على من صفين رجعوا مباينين له فلما انتهوا إلى النهر أقاموا به فدخل على في الناس الكوفة ونزلوا بحروراء فبعث إليهم عبد الله بن عباس فرجع ولم يصنع شيئا فخرج إليهم على فكلمهم حتى وضع الرضا بينه وبينهم فدخلوا الكوفة فأتاه رجل فقال ان الناس قد تحدثوا أنك رجعت لهم عن كفرك فخطب الناس في صلاة الظهر فذكر أمرهم فعابه فوثبوا من نواحى المسجد يقولون لا حكم إلا لله واستقبله رجل منهم واضع أصبعه في أذنيه فقال " ولقد أوحى اليك والى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين " فقال على " فاصبر ان وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون " * حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن ادريس قال سمعت ليث بن أبى سليم يذكر عن أصحابه قال جعل على يقلب بيديه يقول بيديه هكذا وهو على المنبر فقال حكم الله عز وجل ينتظر فيكم مرتين ان لكم عندنا ثلاثا لا نمنعكم صلاة في هذا المسجد ولا نمنعكم نصيبكم من هذا الفئ ما كانت أيديكم مع أيدينا ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا * قال أبو مخنف عن عبد الملك بن أبى حرة أن عليا لما بعث أبا موسى لانفاد الحكومة لقيت الخوارج بعضها بعضا فاجتمعوا في منزل عبد الله بن وهب الراسبى فحمد الله عبد الله ابن وهب وأثنى عليه ثم قال أما بعد فوالله ما ينبغى لقوم يؤمنون بالرحمن وينيبون إلى حكم القرآن أن يكون هذه الدنيا التى الرضا بها والركون بها والايثار اياها عناء وتبار آثر عندهم من الامر بالمعروف والنهى عن المنكر والقول بالحق وان من وضر فإنه من يمن ويضر في هذه الدنيا فإن ثوابه يوم القيامة رضوان الله عز وجل والخلود في جناته فاخرجوا بنا اخواننا من هذه القرية الظالم أهلها إلى بعض كور

[ 55 ]

الجبال أو إلى بعض هذه المدائن منكرين لهذه البدع المضلة فقال له حرقوص بن زهير إن المتاع بهذه الدنيا قليل وإن الفراق لها وشيك فلا تدعونكم زينتها وبهحتها إلى المقام بها ولا تلفتنكم عن طلب الحق وانكار الظلم فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون فقال حمزة بن سنان الاسدي يا قوم ان الرأى ما رأيتم فولوا أمركم رجلا منكم فإنه لابد لكم من عماد وسناد وراية تحفون بها وترجعون إليها فعرضوها على زيد بن حصين الطائى فأبى وعرضوها على حرقوص بن زهير فأبى وعلى حمزة ابن سنان وشريح بن أوفى العبسى فأبيا وعرضوها على عبد الله بن وهب فقال هاتوها أما والله لا اخذها رغبة في الدنيا ولا أدعها فرقا من الموت فبايعوها لعشر خلون من شوال وكان يقال له ذو الثفنات ثم اجتمعوا في منزل شريح بن أوفى العبسى فقال ابن وهب اشخصوا بنا إلى بلدة نجتمع فيها لانفاد حكم الله فإنكم أهل الحق قال شريح يخرج إلى المدائن فننزلها ونأخذ بأبوابها ونخرج منها سكانها ونبعث إلى اخواننا من أهل البصرة فيقدمون علينا فقال زيد بن حصين انكم ان خرجتم مجتمعين اتبعتم ولكن اخرجوا وحدانا مستخفين فأما المدائن فإن بها من يمنعكم ولكن سيروا حتى تنزلوا جسر النهروان وتكاتبوا اخوانكم من أهل البصرة قالوا هذا الرأى وكتب عبد الله بن وهب إلى من بالبصرة منهم يعلمهم ما اجتمعوا عليه ويحثهم على اللحاق بهم وسير الكتاب إليهم فأجابوه أنهم على اللحاق به فلما عزموا على المسير تعبدوا ليلتهم وكانت ليلة الجمعة ويوم الجمعة وساروا يوم السبت فخرج شريح بن أوفى العبسى وهو يتلو قول الله تعالى (فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجنى من القوم الظالمين ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربى أن يهدين سواء السبيل) وخرج معهم طرفة بن عدى بن حاتم الطائى فاتبعه أبوه فلم يقدر عليه فانتهى إلى المدائن ثم رجع فلما بلغ ساباط لقيه عبد الله بن وهب في نحو عشرين فارسا فأراد عبد الله قتله فمنعه عمرو بن مالك النبهاني وبشر بن زيد البولانى وأرسل عدى إلى سعد بن مسعود عامل على على المدائن يحذره أمرهم فحذر وأخذ أبواب المدائن وخرج في الخيل واستخلف بها ابن أخيه المختار

[ 56 ]

ابن أبى عبيد وسار في طلبهم فأخبر عبد الله بن وهب خبره فرابأ طريقه وسار على بغداد ولحقهم سعد بن مسعود بالكرخ في خمسمائة فارس عند المساء فانصرف إليهم عبد الله في ثلاثين فارسا فاقتتلوا ساعة وامتنع القوم منهم وقال أصحاب سعد لسعد ما تريد من قتال هؤلاء ولم يأتك فيهم أمر خلهم فليذهبوا واكتب إلى أمير المؤمنين فان أمرك باتباعهم اتبعتهم وان كفاكهم غيرك كان في ذلك عافية لك فأبى عليهم فلما جن عليهم الليل خرج عبد الله بن وهب فعبر دجلة إلى أرض جوخى وسار إلى النهروان فوصل إلى أصحابه وقد أيسوا منه وقالوا إن كان هلك ولينا الامر زيد بن حصين أو حرقوص بن زهير وسار جماعة من أهل الكوفة يريدون الخوارج ليكونوا معهم فردهم أهلوهم كرها منهم القعقاع بن قيس الطائى عم الطرماح بن حكيم وعبد الله بن حكيم بن عبد الرحمن البكائى وبلغ عليا أن سالم بن ربيعة العبسى يريد الخروج فأحضره عنده ونهاه فانتهى ولما خرجت الخوارج من الكوفة أتى عليا أصحابه وشيعته فبايعوه وقالوا نحن أولياء من واليت وأعداء من عاديت فشرط لهم فيه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه ربيعة بن أبى شداد الخثعمي وكان شهد معه الجمل وصفين ومعه راية خثعم فقال له بايع على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ربيعة على سنة أبى بكر وعمر قال له على ويلك لو أن أبا بكر وعمر عملا بغير كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكونا على شئ من الحق فبايعه فنظر إليه على وقال أما والله لكأنى بك وقد نفرت مع هذه الخوارج فقتلت وكأني بك وقد وطئتك الخيل بحوافرها فقتل يوم النهر مع خوارج البصرة وأما خوارج البصرة فانهم اجتمعوا في خمسمائة رجل وجعلوا عليهم مسعر بن فدكى التميمي فعلم بهم ابن عباس فأتبعهم أبا الاسود الدؤلى فلحقهم بالجسر الاكبر فتواقفوا حتى حجز بينهم الليل وأدلج مسعر بأصحابه وأقبل يعترض الناس وعلى مقدمته الاشرس بن عوف الشيباني وسار حتى لحق بعبد الله بن وهب بالنهر فلما خرجت الخوارج وهرب أبو موسى إلى مكة ورد على ابن عباس إلى البصرة قام في الكوفة فخطبهم فقال الحمد لله وان

[ 57 ]

أتى الدهر بالخطب الفادح والحدثان الجليل وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله أما بعد فان المعصية تورث الحسرة وتعقب الندم وقد كنت أمرتكم في هذين الرجلين وفى هذه الحكومة أمرى ونحلتكم رأى لو كان لقصير أمر ولكن أبيتم إلا ما أردتم فكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوازن أمرتهم أمرى بمنعرج اللوى * فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد ألا إن هذين الرجلين اللذين اخترتموها حكمين قد نبذا حكم القرآن وراء ظهورهما وأحييا ما أمات القرآن واتبع كل واحد منهما هواه بغير هدى من الله فحكما بغير حجة بينة ولا سنة ماضية واختلفا في حكمهما وكلاهما لم يرشد فبرئ الله منهما ورسوله وصالح المؤمنين استعدوا وتأهبوا للسير إلى الشأم وأصبحوا في معسكركم إن شاء الله يوم الاثنين ثم نزل وكتب إلى الخوارج بالنهر بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله على أمير المؤمنين إلى زيد بن حصين وعبد الله بن وهب ومن معهما من الناس أما بعد فان هذين الرجلين اللذين ارتضينا حكمهما قد خالفا كتاب الله واتبعا أهواءهما بغير هدى من الله فلم يعملا بالسنة ولم ينفذا للقرآن حكما فبرئ الله ورسوله منهما والمؤمنون فإذا بلغكم كتابي هذا فأقبلوا فانا سائرون إلى عدونا وعدوكم ونحن على الامر الاول الذى كنا عليه والسلام وكتبوا إليه أما بعد فانك لم تغضب لربك إنما غضبت لنفسك فان شهدت على نفسك بالكفر واستقبلت التوبة نظرنا فيما بيننا وبينك وإلا فقد نابذناك على سواء ان الله لا يحب الخائنين فلما قرأ كتابهم أيس منهم فرأى أن يدعهم ويمضى بالناس إلى أهل الشأم حتى يلقاهم فيناجزهم * قال أبو مخنف عن المعلى بن كليب الهمداني عن جبر بن نوف أبى الوداك الهمداني ان عليا لما نزل بالنخيلة وأيس من الخوارج قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فانه من ترك الجهاد في الله وادهن في أمره كان على شفا هلكة الا أن يتداركه الله بنعمة فاتقوا الله وقاتلوا من حاد الله وحاول أن يطفئ نور الله قاتلوا الخاطئين الضالين القاسطين المجرمين الذين ليسوا بقراء للقرآن ولا فقهاء في الدين ولا علماء في التأويل ولا لهذا الامر

[ 58 ]

بأهل في سابقة الاسلام والله لو ولوا عليكم لعملوا فيكم بأعمال كسرى وهرقل تيسروا وتهيؤا للمسير إلى عدوكم من أهل المغرب وقد بعثنا إلى إخوانكم من أهل البصرة ليقدموا عليكم فإذا قدموا فاجتمعتم شخصنا إن شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله وكتب على إلى عبد الله بن عباس مع عتبة بن الاخنس بن قيس من بنى سعد ابن بكر أما بعد فانا قد خرجنا إلى معسكرنا بالنخيلة وقد أجمعنا على المسير إلى عدونا من أهل المغرب فاشخص بالناس حتى يأتيك رسولي وأقم حتى يأتيك أمرى والسلام فلما قدم عليه الكتاب قرأه على الناس وأمرهم بالشخوص مع الاحنف بن قيس فشخص معه منهم ألف وخمسمائة رجل فاستقلهم عبد الله بن عباس فقام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد يا أهل البصرة فانه جاءني أمر أمير المؤمنين يأمرنى بإشخاصكم فأمرتكم بالنفير إليه مع الاحنف بن قيس ولم يشخص معه منكم الا ألف وخمسمائة وأنتم ستون ألفا سوى أبنائكم وعبدانكم ومواليكم ألا انفروا مع جارية بن قدامة السعدى ولا يجعلن رجل على نفسه سبيلا فإنى موقع بكل من وجدته متخلفا عن مكتبه عاصيا لامامه وقد أمرت أبا الاسود الدؤلى بحشركم فلا يلم رجل جعل السبيل على نفسه إلا نفسه فخرج جارية فعسكر وخرج أبو الأسود فحشر الناس فاجتمع إلى جارية ألف وسبعمائة ثم أقبل حتى وافاه على بالنحيلة فلم يزل بالنخيلة حتى وافاه هذان الجيشان من البصرة ثلاثة آلاف ومائتا رجل فجمع إليه رؤوس أهل الكوفة ورؤوس الاسباع ورؤوس القبائل ووجوه الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يا أهل الكوفة أنتم إخوانى وأنصاري وأعواني على الحق وصحابتي على جهاد عدوى المحلين بكم أضرب المدبر وأرجو تمام طاعة المقبل وقد بعثت إلى أهل البصرة فاستنفرتهم إليكم فلم يأتنى منهم إلا ثلاثة آلاف ومائتا رجل فأعينوني بمناصحة جلية خلية من الغش إنكم.. مخرجنا إلى صفين بل استجمعوا بأجمعكم وإنى أسألكم أن يكتب لى رئيس كل قوم ما في عشيرته من المقاتلة وأبناء المقاتلة الذين أدركوا القتال وعبدان عشيرته ومواليهم ثم يرفع ذلك إلينا فقام سعيد بن قيس الهمداني فقال يا أمير المؤمنين سمعا وطاعة وودا ونصيحة أنا أول الناس جاء بما سألت وبما

[ 59 ]

طلبت وقام معقل بن قيس الرياحي فقال له نحوا من ذلك وقام عدى بن حاتم وزياد بن خصفة وحجر بن عدى وأشراف الناس والقبائل فقالوا مثل ذلك ثم إن الرؤس كتبوا من فيهم ثم رفعوهم إليه وأمروا أبناءهم وعبيدهم ومواليهم أن يخرجوا معهم وألا يتخلف منهم عنهم أحد فرفعوا إليه أربعين ألف مقاتل وسبعة عشر ألفا من الابناء ممن أدرك وثمانية آلاف من مواليهم وعبيدهم وقالوا يا أمير المؤمنين أما من عندنا من المقاتلة وأبناء المقاتلة ممن قد بلغ الحلم وأطاق القتال فقد رفعنا إليك منهم ذوى القوة والجلد وأمرناهم بالشخوص معنا ومنهم ضعفاء وهم في ضياعنا وأشياء مما يصلحنا وكانت العرب سبعة وخمسين ألفا من أهل الكوفة ومن مواليهم ومماليكهم ثمانية آلاف وكان جميع أهل الكوفة خمسة وستين ألفا وثلاثة آلاف ومائتي رجل من أهل البصرة وكان جميع من معه ثمانية وستين ألفا ومائتي رجل. قال أبو مخنف عن أبى الصلت التيمى إن عليا كتب إلى سعد بن مسعود الثقفى وهو عامله على المدائن أما بعد فانى قد بعثت إليك زياد بن خصفة فأشخص معه من قبلك من مقاتلة أهل الكوفة وعجل ذلك إن شاء الله ولا قوة إلا بالله قال وبلغ عليا أن الناس يقولون لو سار بنا إلى هذه الحرورية فبدأنا بهم فإذا فرغنا منهم وجهنا من وجهنا ذلك إلى المحلين فقام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فانه قد بلغني قولكم لو أن أمير المؤمنين سار بنا إلى هذه الخارجة التى خرجت عليه فبدأنا بهم فإذا فرغنا منهم وجهنا إلى المحلين وإن غير هذه الخارجة أهم إلينا منهم فدعوا ذكرهم وسيروا إلى قوم يقاتلونكم كيما يكونوا جبارين ملوكا ويتخذوا عباد الله خولا فتنادى الناس من كل جانب سر بنا يا أمير المؤمنين حيث أحببت قال فقام إليه صيفي بن فسيل الشيباني فقال يا أمير المؤمنين نحن حزبك وأنصارك نعادي من عاديت ونشايع من أناب إلى طاعتك فسر بنا إلى عدوك من كانوا وأينما كانوا فانك إن شاء الله لن تؤتى من قلة عدد ولا ضعف نية أتباع وقام إليه محرز بن شهاب التميمي من بنى سعد فقال يا أمير المؤمنين شيعتك كقلب رجل واحد في الاجماع على نصرتك والجد في جهاد عدوك فأبشر بالنصر

[ 60 ]

وسر بنا إلى أي الفريقين أحببت فإنا شيعتك الذين نرجو في طاعتك وجهاد من خالفك صالح الثواب ونخاف في خذلانك والتخلف عنك شدة الوبال * حدثنى يعقوب قال حدثنى إسماعيل قال أخبرنا أيوب عن حميد بن هلال عن رجل من عبد القيس كان من الخوارج ثم فارقهم قال دخلوا قرية فخرج عبد الله بن خباب صاحب رسول الله ذعرا يجر رداءه فقالوا لم ترع فقال والله لقد ذعرتموني قالوا أأنت عبد الله بن خباب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم قالوا فهل سمعت من أبيك حديثا يحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ذكر فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي قال فإن أدركتم ذلك فكن يا عبد الله المقتول قال أيوب ولا أعلمه إلا قال ولا تكن يا عبد الله القاتل قال نعم قال فقدموه على ضفة النهر فضربوا عنقه فسال دمه كأنه شراك نعل وبقروا بطن أم ولده عما في بطنها * قال أبو مخنف عن عطاء عن عجلان عن حميد بن هلال أن الخارجة التى أقبلت من البصرة جاءت حتى دنت من إخوانها بالنهر فخرجت عصابة منهم فإذا هم برجل يسوق بامرأة على حمار فعبروا إليه فدعوه فتهددوه وأفزعوه وقالوا له من أنت قال أنا عبد الله ابن خباب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أهوى إلى ثوبه يتناوله من الارض وكان سقط عنه لما أفزعوه فقالوا له أفزعناك قال نعم قالوا له لا روع عليك فحدثنا عن أبيك بحديث سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم لعل الله ينفعنا به قال حدثنى أبى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن فتنة تكون يموت فيها قلب الرجل كما يموت فيها بدنه يمسى فيها مؤمنا ويصبح فيها كافرا ويصبح فيها كافرا ويمسى فيها مؤمنا فقالوا لهذا الحديث سألناك فما تقول في أبى بكر وعمر فأثنى عليهما خيرا قالوا ما تقول في عثمان في أول خلافته وفى آخرها قال إنه كان محقا في أولها وفى آخرها قالوا فما تقول في على قبل التحكيم وبعده قال إنه أعلم بالله منكم وأشد توقيا على دينه وأنفذ بصيرة فقالوا إنك تتبع الهوى وتوالى الرجال على أسمائها لا على أفعالها والله لنقتلنك قتله ما قتلناها أحدا فأخذوه فكتفوه ثم

[ 61 ]

أقبلوا به وبامرأته وهى حبلى متم حتى نزلوا تحت نخل مواقر فسقطت منه رطبة فأخذها أحدهم فقذف بها في فمه فقال أحدهم بغير حلها وبغير ثمن فلفظها وألقاها من فمه ثم أخذ سيفه فأخذ يمينه فمر به خنزير لاهل الذمة فضربه بسيفه فقالوا هذا فساد في الارض فأتى صاحب الخنزير فأرضاه من خنزيره فلما رأى ذلك منهم ابن خباب قال لئن كنتم صادقين فيما أرى فما على سنكم بأس إنى لمسلم ما أحدثت في الاسلام حدثا ولقد آمنتموني قلم لاروع عليك فجاءوا به فأضجعوه فذبحوه وسال دمه في الماء وأقبلوا إلى المرأة فقالت إنى إنما أنا امرأة ألا تتقون الله فبقروا بطنها وقتلوا ثلاث نسوة من طيئ وقتلوا أم سنان الصيداوية فبلغ ذلك عليا ومن معه من المسلمين من قتلهم عبد الله ابن خباب واعتراضهم الناس فبعث إليهم الحارث بن مرة العبدى ليأتيهم فينظر فيما بلغه عنهم ويكتب به إليه على وجهه ولا يكتمه فخرج حتى انتهى إلى النهر ليسائلهم فخرج القوم إليه فقتلوه وأتى الخبر أمير المؤمنين والناس فقام إليه الناس فقالوا يا أمير المؤمنين علام تدع هؤلاء وراءنا يخلفوننا في أموالنا وعيالنا سر بنا إلى القوم فإذا فرغنا مما بيننا وبينهم سرنا إلى عدونا من أهل الشأم وقام إليه الاشعث بن قيس الكندى فكلمه بمثل ذلك كان الناس يرون أن الاشعث يرى رأيهم لانه كان يقول يوم صفين أنصفنا قوم يدعون إلى كتاب الله فلما أمر على بالمسير إليهم علم الناس أنه لم يكن يرى رأيهم فأجمع على ذلك فنادى بالرحيل وخرج فعبر الجسر فصلى ركعتين بالقنطرة ثم نزل دير عبد الرحمن ثم دير أبى موسى ثم أخذ على قرية شاهى ثم على دباها ثم على شاطئ الفرات فلقيه في مسيره ذلك منجم أشار عليه بسير وقت من النهار وقال له إن سرت في غير ذلك الوقت لقيت أنت وأصحابك ضرا شديدا فخالفه وسار في الوقت الذى نهاه عن السير فيه فلما فرغ من النهر حمد الله وأثنى عليه ثم قال لو سرنا في الساعة التى أمرنا بها المنجم لقال الجهال الذين لا يعلمون سار في الساعة التى أمره بها المنجم فظفر * قال أبو مخنف حدثنى يوسف بن يزيد عن عبد الله بن عوف قال لما أراد على المسير إلى أهل النهر من الانبار قدم قيس ابن سعد بن عبادة وأمره أن يأتي المدائن فينزلها حتى يأمره بأمره ثم جاء مقبلا

[ 62 ]

إليهم ووافاه قيس وسعد بن مسعود الثقفى بالنهر وبعث إلى أهل النهر ادفعوا إلينا قتلة إخواننا منكم نقتلهم بهم ثم أنا تارككم وكاف عنكم حتى ألقى أهل الشأم فلعل الله يقلب قلوبكم ويردكم إلى خير مما أنتم عليه من أمركم فبعثوا إليه فقالوا كلنا قتلتهم وكلنا نستحل دماءهم ودماءكم * قال أبو مخنف فحدثني الحارث بن حصيرة عن عبد الرحمن بن أبى الكنود أن قيس بن سعد بن عبادة قال لهم عباد الله أخرجوا إلينا طلبتنا منكم وادخلوا في هذا الامر الذى منه خرجتم وعودوا بنا إلى قتال عدونا وعدوكم فإنكم ركبتم عظيما من الامر تشهدون علينا بالشرك والشرك ظلم عظيم وتسفكون دماء المسلمين وتعدونهم مشركين فقال عبد الله بن شجرة السلمى أن الحق قد أضاء لنا فلسنا نتابعكم أو تأتونا بمثل عمر فقال ما نعلمه فينا غير صاحبنا فهل تعلمونه فيكم وقال نشدتكم بالله في أنفسكم أن تهلكوها فإنى لارى الفتنة قد غلبت عليكم وخطبهم أبو أيوب خالد بن زيد الانصاري فقال عباد الله إنا وإياكم على الحال الاولى التى كنا عليها ليست بيننا وبينكم فرقة فعلام تقاتلوننا فقالوا إنا لو بايعناكم اليوم حكمتم غدا قال فإنى أنشدكم الله أن تعجلوا فتنة العام مخافة ما يأتي في قابل * قال أبو مخنف حدثنى مالك بن أعين عن زيد بن وهب أن عليا أتى أهل النهر فوقف عليهم فقال أيتها العصابة التى أخرجها عداوة المراء واللجاجة وصدها عن الحق الهوى وطمح بها النزق وأصبحت في اللبس والخطب العظيم إنى نذير لكم أن تصبحوا تلفيكم الامة غدا صرعى بأثناء هذا النهر وبأهضام هذا الغائط بغير بينة من ربكم ولا برهان بين ألم تعلموا أنى نهيتكم عن الحكومة وأخبرتكم أن طلب القوم إياها منكم دهن ومكيدة لكم ونبأتكم أن القوم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن وأنى أعرف بهم منكم عرفتهم أطفالا ورجالا فهم أهل المكر والغدر وأنكم إن فارقتم رأيى جانبتم الحزم فعصيتموني حتى إذا أقررت بأن حكمت فلما فعلت شرطت واستوثقت فأخذت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن وأن يميتا ما أمات القرآن فاختلفا وخالفا حكم الكتاب والسنة فنبذنا أمرهما ونحن على أمرنا الاول فما الذى بكم ومن أين أتيتم قالوا إنا حكمنا فلما حكمنا أثمنا وكنا بذلك كافرين وقد تبنا

[ 63 ]

فإن تبت كما تبنا فنحن منك ومعك وإن أبيت فاعتزلنا فإنا منابذوك على سواء إن الله لا يحب الخائنين فقال على أصابكم حاصب ولا بقى منكم وابر أبعد إيمانى برسول الله صلى الله عليه وسلم وهجرتي معه وجهادي في سبيل الله أشهد على نفسي بالكفر لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين ثم انصرف عنهم * قال أبو مخنف حدثنى أبو سلمة الزهري وكانت أمه بنت أنس بن مالك أن عليا قال لاهل النهر يا هؤلاء إن أنفسكم قد سولت لكم فراق هذه الحكومة التى أنتم ابتدأتموها وسألتموها وأنا لها كاره وأنبأتكم أن القوم سألوكموها مكيدة ودهنا فأبيتم على إباء المخالفين وعدلتم عنى عدول النكداء العاصين حتى صرفت رأيى إلى رأيكم وأنتم والله معاشر أخفاء الهام سفهاء الاحلام فلم آت لا أبا لكم حراما والله ما خبلتكم عن أموركم ولا أخفيت شيئا من هذا الامر عنكم ولا أوطأتكم عشوة ولا دنيت لكم الضراء وإن كان أمرنا لامر المسلمين ظاهرا فاجمع رأى ملئكم على أن اختاروا رجلين فأخذنا عليهما أن يحكما بما في القرآن ولا يعدواه فتاها وتركا الحق وهما يبصرانه وكان الجور هواهما وقد سبق استيثاقنا عليهما في الحكم بالعدل والصد للحق بسوء رأيهما وجور حكمهما والثقة في أبدينا لانفسنا حين خالفا سبيل الحق وأتيا بما لا يعرف فبينوا لنا بماذا تستحلون قتالنا والخروج من جماعتنا ان ختار الناس رجلين أن تضعوا اسيافكم على عواتقكم ثم تستعرضوا الناس تضربون رقابهم وتسفكون دماءهم ان هذا لهو الخسران المبين والله لو قتلتم على هذا دجاجة لعظم عند الله قتلها فكيف بالنفس التى قتلها عند الله حرام فتنادوا لا تخاطبوهم ولا تكلموهم وتهيؤا للقاء الرب الرواح الرواح إلى الجنة فخرج على فعبأ الناس فجعل على ميمنته حجر بن عدى وعلى ميسرته شبث بن ربعى أو معقل بن قيس الرياحي وعلى الخيل أبا أيوب الانصاري وعلى الرجالة أبا قتادة الانصاري وعلى أهل المدينة وهم سبعمائة أو ثمانمائة رجل قيس ابن سعد بن عبادة قال وعبأت الخوارج فجعلوا على ميمنتهم زيد بن حصين الطائى وعلى الميسرة شريح بن أوفى العبسى وعلى خيلهم حمزة بن سنان الاسدي

[ 64 ]

وعلى الرجالة حرقوص بن زهير السعدى قال وبعث على الاسود بن يزيد المرادى في ألفى فارس حتى أتى حمزة بن سنان وهو في ثلثمائة فارس من خيلهم ورفع على راية أمان مع أبى أيوب فناداهم أبو أيوب من جاء هذه الراية منكم ممن لم يقتل ولم يستعرض فهو آمن ومن انصرف منكم إلى الكوفة أو إلى المدائن وخرج من هذه الجماعة فهو آمن إنه لا حاجة لنا بعد أن نصيب قتلة إخواننا منكم في سفك دمائكم فقال فروة بن نوفل الاشجعى والله ما أدرى على أي شئ نقاتل عليا لا أرى إلا أن أنصرف حتى تنفذ لى بصيرتي في قتاله أو اتباعه وانصرف في خمسمائة فارس حتى نزل البندنيجين والدسكرة وخرجت طائفة أخرى متفرقين فنزلت الكوفة وخرج إلى على منهم نحو من مائة وكانوا أربعة آلاف فكان الذين بقوا مع عبد الله ابن وهب منهم ألفين وثمانمائة وزحفوا إلى على وقدم على الخيل دون الرجال وصف الناس وراء الخيل صفين وصف المرامية أمام الصف الاول وقال لاصحابه كفوا عنهم حتى يبدأوكم فانهم لو قد شدوا عليكم وجلهم رجال لم ينتهوا اليكم إلا لاغبين وأنتم رادون حامون وأقبلت الخوارج فلما أن دنوا من الناس نادوا يزيد ابن قيس فكان يزيد پن قيس على اصبهان فقالوا يا يزيد بن قيس لا حكم إلا لله وإن كرهت إصبهان فناداهم عباس بن شريك وقبيصة بن ضبيعة العبسيان يا أعداء الله أليس فيكم شريح بن أوفى المسرف على نفسه هل أنتم إلا أشباهه قالوا وما حجتكم على رجل كانت فيه فتنة وفينا توبة ثم تنادوا الرواح الرواح إلى الجنة فشدوا على الناس والخيل أمام الرجال فلم تثبت خيل المسلمين لشدتهم وافترقت الخيل فرقتين فرقة نحو الميمنة وأخرى نحو الميسرة وأقبلوا نحو الرجال فاستقبلت المرامية وجوههم بالنبل وعطفت عليهم الخيل من الميمنة والميسرة ونهض إليهم الرجال بالرماح والسيوف فوالله ما لبثوهم أن أناموهم ثم إن حمزة بن سنان صاحب خيلهم لما رأى الهلاك نادى أصحابه أن انزلوا فذهبوا لينزلوا فلم يتقاروا حتى حمل عليهم الاسود ابن قيس المرادى وجاءتهم الخيل من نحو على فأهمدوا في الساعة * قال أبو مخنف فحدثني عبد الملك بن مسلم بن سلام بن ثمامة الحنفي عن حكيم بن سعد قال ما هو إلا

[ 65 ]

أن لقينا أهل البصرة فما لبثناهم فكأنما قيل لهم موتوا فماتوا قبل أن تشتد شوكتهم وتعظم نكايتهم * قال أبو مخنف فحدثني أبو جناب إن أيوب أتى عليا فقال يا أمير المؤمنين قتلت زيد بن حصين قال فما قلت له وما قال لك قال طعنته بالرمح في صدره حتى نجم من ظهره قال وقلت له أبشر يا عدو الله بالنار قال ستعلم أينا أولى بها صليا فسكت على عليها * قال أبو مخنف عن أبى جناب إن عليا قال له هو أولى لها صليا قال وجاء عائذ بن حملة التميمي فقال يا أمير المؤمنين قتلت كلابا قال أحسنت أنت محق قتلت مبطلا وجاء هانئ بن خطاب الارحبي وزياد بن خصفة يحتجان في قتل عبد الله بن وهب الراسبى فقال لهما كيف صنعتما فقالا يا أمير المؤمنين لما رأيناه عرفناه وابتدرناه فطعناه برمحينا فقال على لا تختلفا كلا كما قاتل وشد جيش بن ربيعة أبو المعتمر الكنانى على حرقوص بن زهير فقتله وشد عبد الله ابن زحر الخولانى على عبد الله بن شجرة السلمى فقتله ووقع شريح بن أوفى إلى جانب جدار فقاتل على ثلمة فيه طويلا من نهار وكان قتل ثلاثة من همدان فأخذ يرتجز ويقول قد علمت جارية عبسية * ناعمة في أهلها مكفيه أنى سأحمى ثلمتى العشيه فشد عليه قيس بن معاوية الدهنى فقطع رجله فجعل يقاتلهم ويقول القرم يحمى شوله معقولا ثم شد عليه قيس بن معاوية فقتله فقال الناس اقتتلت همدان يوما ورجل * اقتتلوا من غدوة حتى الاصل ففتح الله لهمدان الرجل وقال شريح أضربهم ولو أرى أبا حسن * ضربته بالسيف حتى يطمئن وقال: أضربهم ولو أرى عليا * ألبسته أبيض مشرفيا قال أبو مخنف حدثنى عبد الملك بن أبى حرة أن عليا خرج في طلب ذى الثدية

[ 66 ]

ومعه سليمان بن ثمامة الحنفي أبو جبرة والريان بن صبرة بن هوذة فوجده الريان ابن صبرة بن هوذة في حفرة على شاطئ النهر في أربعين أو خمسين قتيلا قال فلما استخرج نظر إلى عضده فإذا لحم مجتمع على منكبه كثدي المرأة له حلمة عليها شعرات سود فإذا مدت امتدت حتى تحاذى طول يده الاخرى ثم تترك فتعود إلى منكبه كثدي المرأة فلما استخرج قال على الله أكبر والله ما كذبت ولا كذبت أما والله لو لا أن تنكلوا عن العمل لاخبرتكم بما قضى الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم لمن قاتلهم مستبصرا في قتالهم عارفا للحق الذى نحن عليه قال ثم مر وهم صرعى فقال بؤسا لكم لقد ضركم من غركم فقالوا يا أمير المؤمنين من غرهم قال الشيطان وانفس بالسوء أمارة غرتهم بالآماني وزينت لهم المعاصي ونبأتهم انهم ظاهرون قال وطلب من به رمق منهم فوجدناهم أربعمائة رجل فأمر بهم على فدفعوا إلى عشائرهم وقال احملوهم معكم فداووهم فإذا برؤا فوافوا بهم الكوفة وخذوا ما في عسكرهم من شئ قال وأما السلاح والدواب وما شهدوا به عليه الحرب فقسمه بين المسلمين وأما المتاع والعبيد والاماء فانه حين قدم رده على أهله وطلب عدى بن حاتم ابنه طرفة فوجده فدفنه ثم قال الحمد لله الذى ابتلاني بيومك على حاجتى اليك ودفن رجال من الناس قتلاهم فقال أمير المؤمنين حين بلغه ذلك ارتحلوا إذا أتقتلونهم ثم تدفنونهم فارتحل الناس * قال أبو مخنف عن مجاهد عن المحل بن خليفة أن رجلا منهم من بنى سيدوس يقال له العيرار بن الاخنس كان يرى رأى الخوارج إليهم فاستقبل وراء المدائن عدى بن حاتم ومعه الاسود بن قيس والاسود بن يزيد المراديان فقال له العيزار حين استقبله أسالم غانم أم ظالم آثم فقال عدى لا بل سالم غانم فقال له المراديان ما قلت هذا إلا لشر في نفسك وإنك لنعرفك يا عيزار برأى القوم فلا تفارقنا حتى نذهب بك إلى أمير المؤمنين فنخبره خبرك فلم يكن بأوشك أن جاء على فأخبراه خبره وقالا يا أمير المؤمنين إنه يرى رأى القوم قد عرفناه بذلك فقال ما يحل لنادمه ولكنا نحبسه فقال عدى ابن حاتم يا أمير المؤمنين ادفعه إلى وأنا أضمن أن لا يأتيك من قبله مكروه

[ 67 ]

فدفعه إليه * قال أبو مخنف حدثنى عمران بن حدير عن أبى مجلز عن عبد الرحمن ابن جندب بن عبد الله إنه لم يقتل من أصحاب على إلا سبعة * قال أبو مخنف عن نمير بن وعلة الساعي عن أبى درداء قال كان على لما فرغ من أهل النهروان حمد الله وأثنى عليه ثم قال ان الله قد أحسن بكم وأعز نصركم فتوجهوا من فوركم هذا إلى عدوكم قالوا يا أمير المؤمنين نفدت نبالنا وكلت سيوفنا ونصلت أسنة رماحنا وعاد أكثرها قصدا فارجع إلى مصرنا فلنستعد بأحسن عدتنا ولعل أمير المؤمنين يزيد في عدتنا عدة من هلك منا فانه أوفى لنا على عدونا وكان الذى تولى ذلك الكلام الاشعث بن قيس فأقبل حتى نزل النخيلة فأمر الناس أن يلزموا عسكرهم ويوطنوا على الجهاد أنفسهم وأن يقلوا زيارة نسائهم وأبنائهم حتى يسيروا إلى عدوهم فأقاموا فيه أياما ثم تسللوا من معسكرهم فدخلوا الا رجالا من وجوه الناس قليلا وترك العسكر خاليا فلما رأى ذلك دخل الكوفة وانكسر عليه رأيه في المسير * قال أبو مخنف عمن ذكره عن زيد بن وهب أن عليا قال للناس وهو أول كلام قال لهم بعد النهر أيها الناس استعدوا للمسير إلى عدو في جهاده القربة إلى الله ودرك الوسيلة عنده حيارى في الحق جفاة عن الكتاب نكب عن الدين يعمهون في الطغيان ويعكسون في غمرة الكلال فأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل وتوكلوا على الله وكفى بالله وكيلا وكفى بالله نصيرا قال فلاهم نفروا ولا تيسروا فتركهم أياما حتى إذا أيس من أن يفللوا دعا رؤساءهم ووجوههم فسألهم عن رأيهم وما الذى ينظرهم فمنهم المع ل ومنهم المكره وأقلهم من نشط فقام فيهم خطيبا فقال عباد الله ما لكم إذا أمرتكم أن تنفروا اثاقلتم إلى الارض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة وبالذل والهوان من العز أو كلما ندبتكم إلى الجهاد دارت أعينكم كانكم من الموت في سكرة وكأن قلوبكم مألوسة فأنتم لا تعقلون وكأن أبصاركم كمه فأنتم لا تبصرون لله أنتم ما أنتم إلا أسود الشرى في الدعة وثعالب رواغة حين تدعون إلى البأس ما أنتم لى بثقة سجيس الليالى ما أنتم يركب يصال بكم ولاذى عز يعتصم إليه لعمر الله لبئس حشاش الحرب أنتم انكم

[ 68 ]

تكادون ولا تكيدون ويتنقص أطرافكم ولا تتحاشون ولا ينام عنكم وأنتم في غفلة ساهون ان أخا الحرب اليقظان ذو عقل وبات لذل من وادع وغلب المتجادلون والمغلوب مقهور ومسلوب ثم قال أما بعد فان لى عليكم حقا وان لكم على حقا فأما حقكم على فالنصيحة لكم ما صحبتكم وتوفير فيئكم عليكم وتعليمكم كيما لا تجهلوا وتأديبكم كى تعلموا وأما حقى عليكم فالوفاء بالبيعة والنصح لى في الغيب والمشهد والاجابة حين أدعوكم والطاعة حين آمركم فان يرد الله بكم خيرا انتزعوا عما أكره وتراجعوا إلى ما أحب تنالوا ما تطلبون وتدركوا ما تأملون * وكان غير أبى مخنف يقول كانت الوقعة بين على وأهل النهر سنة 38 وهذا القول عليه أكثر أهل السير * ومما يصححه أيضا ما حدثنى به عمارة الاسدي قال حدثنا عبيدالله بن موسى قال أخبرنا نعيم قال حدثنى أبو مريم أن شبث بن ربعى وابن الكواء خرجا من الكوفة إلى حروراء فأمر على الناس أن يخرجوا بسلاحهم فخرجوا إلى المسجد حتى امتلا بهم فأرسل إليهم بئس ما صنعتم حين تدخلون المسجد بسلاحكم اذهبوا إلى جبانة مراد حتى يأتيكم أمرى قال أبو مريم فانطلقنا إلى جبانة مراد فكنا بها ساعة من نهار ثم بلغنا أن القوم قد رجعوا وهم زاحفون قال فقلت أنطلق أنا حتى أنظر إليهم فانطلقت حتى أتخلل صفوفهم حتى انتهيت إلى شبث بن ربعى وابن الكواء وهما واقفان متوركان على دابتيهما وعندهما رسل على وهم يناشدونهما الله لما رجعا بالناس ويقولون لهم نعيذكم بالله أن تعجلوا بفتنة العام خشية عام قابل فقام رجل إلى بعض رسل على فعقر دابته فنزل الرجل وهو يسترجع فحمل سرجه فانطلق به وهم يقولون ما طلبنا إلا منابذتهم وهم يناشدونهم الله فمكنا ساعة ثم انصرفوا إلى الكوفة كأنه يوم فطر أو أضحى قال وكان على يحدثنا قبل ذلك أن قوما يخرجون من الاسلام يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية علامتهم رجل محدج اليد قال وسمعت ذلك منه مرارا كثيرة قال وسمعه نافع المخدج أيضا حتى رأيته يتكره طعامه من كثرة ما سمعه يقول وكان نافع معنا يصلى في المسجد بالنهار ويبيت فيه بالليل وقد كنت كسوته برنسا فلقيته

[ 69 ]

من الغد فسألته هل كان خرج مع الناس الذين خرجوا إلى حروراء فقال خرجت أريدهم حتى إذا بلغت إلى بنى سعد لقيني صبيان فنزعوا سلاحي وتلعبوا بى فرجعت حتى إذا كان الحول أو نحوه خرج أهل النهر وسار على إليهم فلم أخرج معه وخرج أخى أبو عبد الله قال فأخبرني أبو عبد الله أن عليا سار إليهم حتى إذا كان حذاءهم على شط النهروان أرسل إليهم يناشدهم الله ويأمرهم أن يرجعوا فلم تزل رسله تختلف إليهم حتى قتلوا رسوله فلما رأى ذلك نهض إليهم فقاتلهم حتى فرغ منهم ثم أمر أصحابه أن يلتمسوا المخدج فالتمسوه فقال بعضهم ما نجده حتى قال بعضهم لا ما هو فيهم ثم إنه جاء رجل فبشره وقال يا أمير المؤمنين قد وجدناه تحت قتيلين في ساقية فقال اقطعوا يده المخدجة وأتوني بها فلما أتى بها أخذها ثم رفعها وقال والله ما كذبت ولا كذبت (قال أبو جعفر) فقد أنبأ أبو مريم بقوله فرجعت حتى إذا كان الحول أو نحوه خرج أهل النهر أن الحرب التى كانت بين على وأهل حروراء كانت في السنة التى بعد السنة التى كان فيها إنكار أهل حروراء على على التحكيم وكان ابتداء ذلك في سنة 37 على ما قد ثبت قبل وإذا كان كذلك وكان الامر على ما روينا من الخبر عن أبى مريم كان معلوما أن الوقعة كانت بينه وبينهم في سنة 38 وذكر على بن محمد عن عبد الله بن ميمون عن عمرو بن شجيرة عن جابر عن الشعبى قال بعث على بعد ما رجع من صفين جعدة بن هبيرة المخزومى وأم جعدة أم هانئ بنت أبى طالب إلى خراسان فانتهى إلى أبرشهر وقد كفروا وامتنعوا فقدم على على فبعث خليد بن قرة اليربوعي فحاصر أهل نيسابور حتى صالحوه وصالحه أهل مرو (وحج) بالناس في هذه السنة أعنى سنة 37 عبد الله بن عباس وكان عامل على على اليمن ومحاليفها وكان على مكة والطائف قثم بن العباس وعلى المدينة سهل بن حنيف الانصاري وقيل كان عليها تمام بن العباس وكان على البصرة عبد الله بن العباس وعلى قضائها أبو الاسود الدؤلى وعلى مصر محمد بن أبى بكر وعلى خراسان خليد بن قرة اليربوعي وقيل أن عليا لما شخص إلى صفين استخلف على الكوفة أبا مسعود الانصاري * حدثنى إحمد بن ابراهيم الدورقى قال حدثنا عبد الله بن

[ 70 ]

ادريس قال سمعت ليثا ذكر عن عبد العزيز بن رفيع أنه لما خرج على إلى صفين استخلف على الكوفة أبا مسعود الانصاري عقبة بن عمرو وأما الشام فكان بها معاوية بن أبى سفيان ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين ذكر ما كان فيها من الاحداث فما كان فيها مقتل محمد بن أبى بكر بمصر وهو عامل عليها وقد ذكرنا سبب تولية على اياه مصر وعزل قيس بن سعد عنها ونذكر الآن سبب قتله وأين قتل وكيف كان أمره ونبدأ بذكر من تتمة حديث الزهري الذى قد ذكرنا أوله قبل وذلك ما حدثنا عبد الله عن يونس عن الزهري قال لما حدث قيس بن سعد بمجئ محمد ابن أبى بكر وأنه قادم عليه أميرا تلقاه وخلابه وناجاه فقال انك جئت من عند امرئ لا رأى له وليس عزلكم اياى بمانعي أن أنصح لكم وأنا من أمركم هذا على بصيرة وإنى في ذلك على الذى كنت أكايد به معاوية وعمرا وأهل الشام خربتا فكايدهم به فانك إن تكايدهم بغيره تهلك ووصف قيس بن سعد المكايدة التى كان يكايدهم بها واغتشه محمد بن أبى بكر وخالف كل شئ أمره به فلما قدم محمد بن أبى بكر وخرج قيس قبل المدينة بعث محمد أهل مصر إلى خربتا فاقتتلوا فهزم محمد بن أبى بكر فبلغ ذلك معاوية وعمرا فسارا بأهل الشام حتى افتتحا مصر وقتلا محمد بن أبى بكر ولم تزل في حيز معاوية حتى ظهر وقدم قيس بن سعد المدينة فأخافه مروان والاوسود بن أبى البخترى حتى إذا خاف أن يؤخذ أو يقتل ركب راحلته وظهر إلى على فكتب معاوية إلى مروان والاسود يتغيظ عليهما ويقول أمددتما عليا بقيس بن سعد ورأيه ومكايدته فوالله لو أنكما أمددتماه بمائة ألف مقاتل ما كان بأغيظ إلى من إخراجكما قيس ابن سعد إلى على فقدم قيس بن سعد على على فلما باثه الحديث وجاءهم قتل محمد بن أبى بكر عرف أن قيس بن سعد كان يوازى أمورا عظاما من المكايدة وأن من كان يشير عليه بعزل قيس بن سعد لم ينصح له * وأما ما قال في ابتداء أمر محمد

[ 71 ]

ابن أبى بكر في مصيره إلى مصر وولايته إياها أبو مخنف فقد تقدم ذكرنا له ونذكر الآن بقية خبره في روايته ما روى من ذلك عن يزيد بن ظبيان الهمداني قال ولما قتل أهل خربتا ابن مضاهم الكلبى الذى وجهه إليهم محمد بن أبى بكر خرج معاوية بن حديج الكندى ثم السكوني فدعا إلى الطلب بدم عثمان فأجابه ناس آخرون وفسدت مصر على محمد بن أبى بكر فبلغ عليا وثوب أهل مصر على محمد بن أبى بكر واعتمادهم إياه فقال ما لمصر الا أحد الرجلين صاحبنا الذى عزلناه عنها يعنى قيسا أو مالك بن الحارث يعنى الاشتر قال وكان على حين انصرف من صفين رد الاشتر على عمله بالجزيرة وقد كان قال لقيس بن سعد أقم معى على شرطتي حتى نفرغ من أمر هذه الحكومة ثم اخراج إلى آذربيجان فان قيسا مقيم مع على على شرطته فلما انقضى أمر الحكومة كتب على إلى مالك بن الحارث الاشتر وهو يومئذ بنصيبين أما بعد فانك ممن استظهرته على إقامة الدين وأقمع به نخوة الاثيم وأشد به الثغر المخوف وكنت وليت محمد بن أبى بكر مصر فخرجت عليه بها خوارج وهو غلام حدث ليس بذى تجربة للحرب ولا بمجرب للاشياء فاقدم على للننظر في ذلك فيما ينبغى واستخلف على عملك أهل الثقة والنصيحة من أصحابك والسلام فأقبل مالك إلى على حتى دخل عليه فحدثه حديث أهل مصر وخبره خبر أهلها وقال ليس لها غيرك اخرج رحمك الله فانى إن لم أوصك اكتفيت برأيك واستعن بالله على ما أهمك فاخلط الشدة باللبن وارفق ما كان الرفق أبلغ واعتزم بالشدة حين لا يغنى عنك إلا الشدة قال فخرج الاشتر من عند على فأتى رحله فتهيأ للخروج إلى مصر وأتت معاوية عيونه فأخبروه بولاية على الاشتر فعظم ذلك عليه وقد كان طمع في مصر فعلم أن الاشتر إن قدمها كان أشد عليه من محمد ابن أبى بكر فبعث معاوية إلى الجايستار رجل من أهل الخراج فقال له ان الاشتر قد ولى مصر فان أنت كفيتنيه لم آخذ منك خراجا ما بقيت فاحتل له بما قدرت عليه فخرج الجايستار حتى أتى القلزم وأقام به وخرج الاشتر من العراق إلى مصر فلما انتهى إلى القلزم استقبله الجايستار فقال هذا منزل وهذا طعام وعلف

[ 72 ]

وأنا رجل من أهل الخراج فنزل به الاشتر فأتاه الدهقان بعلف وطعام حتى إذا طعم أتاه بشربة من عسل قد جعل فيها سما فسقاه إياه فلما شربها مات وأقبل معاوية يقول لاهل الشأم ان عليا وجه الاشتر إلى مصرفا فادعوا الله أن يكفيكموه قال فكانوا كل يوم يدعون الله على الاشتر وأقبل الذى سقاه إلى معاوية فأخبره بمهلك الاشتر فقام معاوية في الناس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وقال أما بعد فانه كانت لعلى ابن أبى طالب يدان يمينان قطعت إحداهما يوم صفين يعنى عمار بن ياسر وقطعت الاخرى اليوم يعنى الاشتر * قال أبو مخنف حدثنى فضيل بن خديج عن مولى للاشتر قال لما هلك الاشتر وجدنا في ثقله رسالة على إلى أهل مصر بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله على أمير المؤمنين إلى أمة المسلمين الذين غضبوا لله حين عصى في الارض وضرب الجور بأرواقه على البر والفاجر فلا حق يستراح إليه ولا منكر يتناهى عنه سلام عليكم فإنى أحمد الله إليكم الذى لا إله إلا هو أما بعد فقد بعثت إليكم عبدا من عبيدالله لا ينام أيام الخوف ولا ينكل عن الاعادي حذار الدوائر أشد على الكفار من حريق النار وهو مالك بن الحارث أخو مذحج فاسمعوا له وأطيعوا فإنه سيف من سيوف الله لا نابى الضريبة ولا كليل الحد فإن أمركم أن تقدموا فأقدموا وان أمركم أن تنفروا فانفرو افانه لا يقدم ولا يحجم الا بأمرى وقد آثرتكم به على نفسي لنصحه لكم وشدة شكيمته على عدوكم عصمكم الله بالهدى وثبتكم على اليقين والسلام. قال ولما بلغ محمد بن أبى بكر أن عليا قد بعث الاشتر شق عليه فكتب على إلى محمد بن أبى بكر عند مهلك الاشتر وذلك حين بلغه موجدة محمد ابن أبى بكر لقدوم الاشتر عليه بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله على أمير المؤمنين إلى محمد بن أبى بكر سلام عليك أما بعد فقد بلغني موجدتك من تسريحي الاشتر إلى عملك وإنى لم أفعل ذلك استبطاء لك في الجهاد ولا ازديادا منى لك في الجد ولو نزعت ما تحت يدك من سلطانك لوليتك ما هو أيسر عليك في المؤنة وأعجب إليك ولاية منه إن الرجل الذى كنت وليته مصر كان لنا نصيحا وعلى عدونا شديدا وقد استكمل أيامه ولاقى حمامه ونحن عنه راضون فرضى الله عنه وضاعف له

[ 73 ]

الثواب وأحسن له المآب اصبر لعدوك وشمر للحرب وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وأكثر ذكر الله والاستعانة به والخوف منه يكفك ما أهمك ويعنك على ما ولاك أعاننا الله وإياك على ما لا ينال الا برحمته والسلام عليك فكتب إليه محمد بن أبى بكر جواب كتابه بسم الله الرحمن الرحيم لعبدالله على أمير المؤمنين من محمد بن أبى بكر سلام عليك فإنى أحمد الله إليك الذى لا إله غيره أما بعد فإنى قد انتهى إلى كتاب أمير المؤمنين ففهمته وعرفت ما فيه وليس أحد من الناس بأرضى منى برأى أمير المؤمنين ولا أجهد على عدوه ولا أرأف بوليه منى وقد خرجت فعسكرت وآمنت الناس إلا من نصب لنا حربا وأظهر لنا خلافا وأنا متبع أمر أمير المؤمنين وحافظه وملتجى إليه وقائم به والله المستعان على كل حال والسلام عليك * قال أبو مخنف حدثنى أبو جهضم الازدي رجل من أهل الشأ عن عبد الله بن حوالة الازدي أن أهل الشأم لما انصرفوا من صفين كانوا ينتظرون ما يأتي به الحكمان فلما انصرفا وتفرقا بايع أهل الشأم معاوية بالخلافة ولم يزدد الا قوة واختلف الناس بالعراق على على فما كان لمعاوية هم إلا مصر وكان لاهلها هائبا خائفا لقربهم منه وشدتهم على من كان على رأى عثمان وقد كان على ذلك علم أن بها قوما قد ساءهم قتل عثمان وخالفوا عليا وكان معاوية يرجو أن يكون إذا ظهر عليها ظهر على حرب على لعظم خراجها قال فدعا معاوية من كان معه من قريش عمرو بن العاص وحبيب بن مسلمة وبسر بن أبى أرطاة والضحاك بن قيس وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد ومن غيرهم أبا الاعور عمرو بن سفيان السلمى وحمزة بن مالك الهمداني وشرحبيل ابن السمط الكندى فقال لهم أتدرون لم دعوتكم انى قد دعوتكم لامر مهم أحب أن يكون الله قد أعان عليه فقال القوم كلهم أو من قال منهم ان الله لم يطلع على الغيب أحدا وما يدرينا ما تريد فقال عمرو بن العاص أرى والله أمر هذه البلاد الكثير خراجها والكثير عددها وعدد أهلها أهمك أمرها فدعوتنا إذا لتسألنا عن رأينا في ذلك فان كنت لذلك دعوتنا وله جمعتنا فاعزم وأقدم ونعم الرأى رأيت ففى افتتاحها عزك وعز أصحابك وكبت عدوك وذل أهل الخلاف عليك

[ 74 ]

قال له معاوية مجيبا أهمك يا ابن العاص ما أهمك وذلك لان عمرو بن العاص كان صالح معاوية حين بايعه على قتال على بن أبى طالب على ان له مصر طعمة ما بقى فأقبل معاوية على أصحابه فقال إن هذا يعنى عمرا قد ظن ثم حقق ظنه قالوا له لكنا لا ندرى قال معاوية فان أبا عبد الله قد أصاب قال عمرو وأنا أبو عبد الله قال إن أفضل الظنون ما أشبه اليقين ثم ان معاوية حمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فقد رأيتم كيف صنع الله بكم في حربكم عدوكم جاؤكم وهم لا يرون الا انهم سيقيضون بيضتكم ويخربون بلادكم ما كانوا يرون ألا أنكم في أيديهم فردهم الله بغيظهم لم ينالوا خيرا مما أحبوا وحاكمناهم إلى الله فحكم لنا عليهم ثم جمع لنا كلمتنا وأصلح ذات بيننا وجعلهم أعداء متفرقين يشهد بعضهم على بعض بالكفر ويسفك بعضهم دم بعض والله انى لارجو ان يتم لنا هذا الامر وقد رأيت أن تحاول أهل مصر فكيف ترون ارتئاء نالها فقال عمرو قد أخبرتك عما سألتنى عنه وقد أشرت عليك بما سمعت فقال معاوية إن عمرا قد عزم وصرم ولم يفسر فكيف لى أن أصنع قال له عمرو فإنى أشير عليك كيف تصنع أرى أن تبعث جيشا كثيفا عليهم رجل حازم صارم تأمنه وتثق به فيأتى مصر حتى يدخلها فانه سيأتيه من كان من أهلها على رأينا فيظاهره على من بها من عدونا فإذا اجتمع بها جندك ومن بها من شيعتك على من بها من أهل حربك رجوت أن يعين الله بنصرك ويظهر فلجك قال له معاوية هل عندك شئ دون هذا يعمل به فيما بيننا وبينهم قال ما أعلمه قال بلى فإن غير هذا عندي أرى أن نكاتب من بها من شيعتنا ومن بها من أهل عدونا فأما شيعتنا فأمرهم بالثبات على أمرهم ثم أمنيهم قدومنا عليهم وأما من بها من عدونا فندعوهم إلى صلحنا ونمنيهم شكرنا ونخوفهم حربنا فان صلح لنا ما قبلهم بغير قتال فذاك ما أحببنا وإلا كان حربهم من وراء ذلك كله انك يا ابن العاص امرؤ بورك لك في العجلة وأنا امرؤ بورك لى في التؤدة قال فاعمل بما أراك الله فو الله ما أرى أمرك وأمرهم يصير إلا إلى الحرب العوان قال فكتب معاوية عند ذلك إلى مسلمة بن مخلد الانصاري والى معاوية بن خديج الكندى

[ 75 ]

وكانا قد خالفا عليا بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإن الله قد ابتعثكما لامر عظيم أعظم به أجركما ورفع به ذكركما وزينكما به في المسلمين طلبكما بدم الخليفة المظلوم وغضبكما لله إذ ترك حكم الكتاب وجاهدتما أهل البغى والعدوان فأبشروا برضوان الله وعاجل نصر أولياء الله والمواساة لكما في الدنيا وسلطاننا حتى ينتهى في ذلك ما يرضيكما ونؤدى به حقكما إلى ما يصير أمركما إليه فاصبروا وصابروا عدوكما وادعوا المدبر إلى هداكما وحفظكما فإن الجيش قد أضل عليكما فانقشع كل ما تكرهان وكان كل ما تهويان والسلام عليكما وكتب هذا الكتاب وبعث به مع مولى له يقال له سبيع فخرج الرسول بكتابه حتى قدم عليهما مصر ومحمد بن أبى بكر أميرها وقد ناصب هؤلاء الحرب بها وهو غير متخون بها يوم الاقدام عليه فدفع كتابه إلى مسلمة بن مخلد وكتاب معاوية بن حديج فقال مسلمة امض بكتاب معاوية إليه حتى يقرأه ثم القنى به حتى أجيبه عنى وعنه فانطلق الرسول بكتاب معاوية بن خديج إليه فأقرأه إياه فلما قرأه قال إن مسلمة بن مخلد قد أمرنى أن أرد إليه الكتاب إذا قرأته لكى يجيب معاوية عنك وعنه قال قل له فليفعل ودفع إليه الكتاب فأتاه ثم كتب مسلمة عن نفسه وعن معاوية بن خديج أما بعد فإن هذا الامر الذى بذلنا له أنفسنا واتبعنا أمر الله فيه أمر نرجو به ثواب ربنا والنصر ممن خالفنا وتعجيل النقمة لمن سعى على امامنا وطأطأ الركض في جهادنا ونحن بهذا الحيز من الارض قد نفينا من كان به من أهل البغى وأنهضنا من كان به من أهل القسط والعدل وقد ذكرت المواساة في سلطانك ودنياك وبالله إن ذلك لامر ماله نهضنا ولا اياه أردنا فإن يجمع الله لنا ما نطلب ويؤتنا ما تمنينا فإن الدنيا والآخرة لله رب العالمين وقد يؤتيهما الله معا عالما من خلقه كما قال في كتابه ولا خلف لموعوده قال (فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين) عجل علينا خيلك ورجلك فإن عدونا قد كان علينا حربا وكنا فيهم قليلا فقد أصبحوا لنا هائبين وأصبحنا لهم مقرنين فإن يأتنا الله بمدد من قبلك يفتح الله عليكم ولا حول ولا قوة إلا بالله وحسبنا الله ونعم الوكيل والسلام عليك

[ 76 ]

قال فجاءه هذا الكتاب وهو يومئذ بفلسطين فدعا النفر الذين سماهم في الكتاب فقال ماذا ترون قالوا الرأي أن تبعث جندا من قبلك فإنك تفتتحها بإذن الله قال معاوية فتجهز يا أبا عبد الله إليها يعنى عمرو بن العاص قال فبعثه في ستة آلاف رجل وخرج معاوية وودعه وقال له عند وداعه اياه أوصيك يا عمرو بتقوى الله والرفق فإنه يمن وبالمهل والتؤدة فإن العجلة من الشيطان وبأن تقبل ممن أقبل وأن تعفو عمن أدبر فإن قبل فنها ونعمت وإن أبى فإن السطوة بعد المعذرة أبلغ في الحجة وأحسن في العاقبة وادع الناس إلى الصلح والجماعة فإذا أنت ظهرت فليكن أنصارك آثر الناس عندك وكل الناس فأول حسنا قال فخرج عمرو يسير حتى نزل أداني أرض مصر فاجتمعت العثمانية إليه فأقام بهم وكتب إلى محمد بن أبى بكر أما بعد فتنح عنى بدمك يا ابن أبى بكر فإنى لا أحب أن يصيبك منى ظفر إن الناس بهذه البلاد قد اجتمعوا على خلافك ورفض أمرك وندموا على اتباعك فهم مسلموك لو قد التقت حلقتا البطان فاخرج منها فإنى لك من الناصحين والسلام وبعث إليه عمرو أيضا بكتاب معاوية إليه أما بعد فإن غب البغى والظلم عظيم الوبال وإن سفك الدم الحرام لا يسلم صاحبه من النقمة في الدنيا ومن التبعة الموبقة في الآخرة وإنا لا نعلم أحدا كان أعظم على عثمان بغيا ولا أسوأ له عيبا ولا أشد عليه خلافا منك سعيت عليه في الساعين وسفكت دمه في السافكين ثم أنت تظن أنى عنك نائم أو ناس لك حتى تأتى فتأمر على بلاد أنت فيها جارى وجل أهلها أنصارى يرون رأيى ويرقبون قولى ويستصرخوني عليك وقد بعثت إليك قوما حناقا عليك يستسقون دمك ويتقربون إلى الله بجهادك وقد أعطوا الله عهدا ليمثلن بك ولو لم يكن منهم إليك ما عدا قتلك ما حذرتك ولا أنذرتك ولاحببت أن يقتلوك بظلمك وقطيعتك وعدوك على عثمان يوم يطعن بمشاقصك بين خششائه وأوداجه ولكن أكره أن أمثل بقرشي ولن يسلمك الله من القصاص أبدا ؟ أينما كنت والسلام قال فطوى محمد كتابيهما وبعث بهما إلى على وكتب معهما أما بعد فإن ابن العاص قد نزل أداني أرض مصر واجتمع إليه أهل البلد جلهم

[ 77 ]

ممن كان يرى رأيهم وقد جاء في جيش لجب خراب وقد رأيت ممن قبلى بعض الفشل فإن كان لك في أرض مصر حاجة فأمدني بالرجال والاموال والسلام عليك فكتب إليه على أما بعد فقد جاءني كتابك تذكر ان بن العاص قد نزل بأدانى أرض مصر في لجب من جيشه خراب وأن من كان بها على مثل رأيه قد خرج إليه وخروج من يرى رأيه إليه خير لك من إقامتهم عندك وذكرت أنك قد رأيت في بعض ممن قبلك فشلا فلا تفشل وإن فشلوا حصن قريتك واضممم اليك شيعتك واندب إلى القوم كنانة بن بشر المعروف بالنصيحة والنجدة والبأس فإنى نادب إليك النابغي على الصعب والذلول فاصبر لعدوك وامض على بصيرتك وقاتلهم على نيتك وجاهدهم صابرا محتسبا وإن كانت فئتك أقل الفئتين فإن الله قد يعز القليل ويخذل الكثير وقد قرأت كتاب الفاجر بن الفاجر معاوية والفاجر بن الكافر م مرو والمتحابين في عمل المعصية والمتوافقين المرتفين في الحكومة المنكرين في الدنيا قد استمتعوا بخلاقهم كما استمتع الذين من قبلهم بخلاقهم فلا يهلك إرعادهما وإبراقهما وأجبهما إن كنت لم تجبهما بما هما أهله فإنك تجد مقالا ما شئت والسلام قال أبو مخنف فحدثني محمد بن يوسف بن ثابت الانصاري عن شيخ من أهل المدينة قال كتب محمد بن أبى بكر إلى معاوية بن أبى سفيان جواب كتابه أما بعد فقد أتانى كتابك تذكرني من أمر عثمان أمرا لا أعتذر اليك منه وتأمرني بالتنحي عنك كأنك لى ناصح وتخوفني المثلة كأنك شفيق وأنا أرجو أن تكون لى الداثرة عليكم فأجتاحكم في الوقعة وإن تؤتوا النصر ويكن لكم الامر في الدنيا فكم لعمري من ظالم قد نصرتم وكم من مؤمن قد قتلتم ومثلتم به وإلى الله مصيركم ومصيرهم وإلى الله مرد الامور وهو أرحم الراحمين والله المستعان على ما تصفون والسلام وكتب محمد إلى عمرو بن العاص أما بعد فقد فهمت ما ذكرت في كتابك يا ابن العاص زعمت أنك تكره أن يصيبني منك ظفر وأشهد أنك من المبطلين وتزعم أنك لى نصيح وأقسم أنك عندي ظنين وتزعم أن أهل البلد قد رفضوا رأيى وأمري وندموا على اتباعى فأولئك لك وللشيطان الرجيم أولياء فحسبنا الله رب العالمين

[ 78 ]

وتوكلنا على الله رب العرش العظيم والسلام * قال أقبل عمرو بن العاص حتى قصد مصر فقام محمد بن أبى بكر في الناس فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله ثم قال أما بعد معاشر المسلمين والمؤمنين فان القوم الذين كانوا ينتهكون الحرمة وينعشون الضلال ويشبون نار الفتنة ويتسلطون بالجبرية قد نصبوا لكم العداوة وساروا اليكم بالجنود عباد الله فمن أراد الجنة والمغفرة فليخرج إلى هؤلاء القوم فليجاهدهم في الله انتدبوا إلى هؤلاء القوم رحمكم الله مع كنانة بن بشر قال فانتدب معه نحو من ألفى رجل وخرج محمد في ألفى رجل واستقبل عمرو بن العاص كنانة وهو على مقدمة محمد فأقبل عمرو نحو كنانة فلما دنا من كنانة سرح الكتائب كتيبة بعد كتيبة فجعل كنانة لا تأتيه كتيبة من كتائب أهل الشام إلا شد عليها بمن معه فيضربها حتى يقربها بعمرو بن العاص ففعل ذلك مرارا فلما رأى ذلك عمرو بعث إلى معاوية ابن خديج السكوني فأتاه في مثل الدهم فأحاط بكنانة وأصحابه واجتمع أهل الشأم عليهم من كل جانب فلما رأى ذلك كنانة بن بشر نزل عن فرسه ونزل أصحابه وكنانة يقول وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين فضاربهم بسيفه حتى استشهد رحمه الله وأقبل عمرو بن العاص نحو محمد بن أبى بكر وقد تفرق عنه أصحابه لما بلغهم قتل كنانة حتى بقى وما معه أحد من أصحابه فلما رأى ذلك محمد خرج يمشى في الطريق حتى انتهى إلى خربة في ناحية الطريق فأوى إليها وجاء عمرو بن العاص حتى دخل الفسطاط وخرج معاوية بن حديج في طلب محمد حتى انتهى إلى علوج في قارعة الطريق فسألهم هل مر بكم أحد تنكرونه فقال أحدهم لا والله إلا أنى دخلت تلك الخربة فإذا أنا برجل فيها جالس فقال ابن خديج هو هو ورب الكعبة فانطلقوا يركضون حتى دخلوا عليه فاستخرجوه وقد كاد يموت عطشا فأقبلوا به نحو فسطاط مصر قال ووثب أخوه عبد الرحمن بن أبى بكر إلى عمرو بن العاص وكان في جنده فقال أتقتل أخى صبرا ابعث إلى معاوية بن خديج فانهه فبعث إليه عمرو بن العاص يأمره أن يأتيه بمحمد بن أبى بكر فقال معاوية

[ 79 ]

أكذاك قتلتم كنانة بن بشر وأخلى أنا عن محمد بن أبى بكر هيهات أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر فقال لهم محمد اسقوني من الماء قال له معاوية بن حديج لا سقاه الله إن سقاك قطرة أبدا إنكم منعتم عثمان أن يشرب الماء حتى قتلموه صانما محرما فتلقاه الله بالرحيق المختوم والله لاقتلنك يا ابن أبى بكر فيسقيك الله الحميم والغساق قال له محمد يا ابن اليهودية النساجة ليس ذلك اليك وإلى من ذكرت إنما ذلك إلى الله عز وجل يسقى أولياءه ويظمئ أعداءه أنت وضرباؤك ومن تولاه أما والله لو كان سيفى في يدى ما بلغتم منى هذا قال له معاوية أتدرى ما أصنع بك أدخلك في جوف حمار ثم أحرقه عليك بالنار فقال له محمد إن فعلتم بى ذلك فطال ما فعل ذلك بأولياء الله وانى لاجو هذه النار التى تحرقني بها أن يجعلها الله على بردا وسلاما كما جعلها على خليله ابراهيم وأن يجعلها عليك وعلى أوليائك كما جعلها على نمرود وأوليائه ان الله يحرقك ومن ذكرته قبل وإمامك يعنى معاوية وهذا وأشار إلى عمرو بن العاص بنار تلظى عليكم كلما خبت زادها الله سعيرا قال له معاوية انى انما أقتلك بعثمان قال له محمد وما أنت وعثمان إن عثمان عمل بالجور ونبذ حكم القرآن وقد قال الله تعالى (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) فنقمنا ذلك عليه فقتلناه وحسنت أنت له ذلك ونظراؤك فقد برأنا الله ان شاء الله من ذنبه وأنت شريكه في إثمه وعظم ذنبه وجاعلك على مثاله قال فغضب معاوية فقدمه فقتله ثم ألقاه في جيفة حمار ثم أحرقه بالنار فلما بلغ ذلك عائشة جزعت عليه جزعا شديدا وقنتت عليه في دبر الصلاة تدعو على معاوية وعمرو ثم قبضت عيال محمد إليها فكان القاسم بن محمد بن أبى بكر في عيالها (وأما الواقدي) فإنه ذكر لى أن سويد بن عبد العزيز حدثه عن ثابت بن عجلان عن القاسم بن عبد الرحمن أن عمرو بن العاص خرج في أربعة آلاف فيهم معاوية ابن حديج وأبو الاعور السلمى فالتقوا بالمسناة فاقتتلوا قتالا شديدا حتى قتل كنانة بن بشر بن عتاب التجيبى ولم يجد محمد بن أبى بكر مقاتلا فانهزم فاختبأ عند جبلة بن مسروق فدل عليه معاوية بن حديج فأحاط به فخرج محمد فقاتل حتى قتل

[ 80 ]

(قال الواقدي) وكانت المسناة في صفر سنة 38 وأذرح في شعبان منها في عام واحد (رجع الحديث إلى حديث أبى مخنف) وكتب عمرو بن العاص إلى معاوية عند قتله محمد بن أبى بكر وكنانة بن بشر أما يعد فإنا لقينا محمد بن أبى بكر وكنانة بن بشر في جموع جمة من أهل مصر فدعوناهم إلى الهدى والسنة وحكم الكتاب فرفضوا الحق وتوركوا في الضلال فجاهدناهم واستنصرنا الله عليهم فضرب الله وجوههم وأدبارهم ومنحونا أكتافهم فقتل الله محمد بن أبى بكر وكنانة بن بشر وأماثل القوم والحمد لله رب العالمين والسلام عليك (وفيها) قتل محمد بن أبى حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ذكر الخبر عن مقتله اختلف أهل السير في وقت مقتله فقال الواقدي قتل في سنة 36 قال وكان سبب قتله أن معاوية وعمرا سارا إليه وهو بمصر قد ضبطها فنزلا بعين شمس فعالجا الدخول فلم يقدرا عليه فخدعا محمد بن أبى حذيفة على أن يخرج في ألف رجل إلى العريش فخرج وخلف الحكم بن الصلت على مصر فلما خرج محمد بن أبى حذيفة إلى العريش تحصن وجاء عمرو فنصب المجانيق حتى نزل في ثلاثين من أصحابه فأخذوا فقتلوا قال وذاك قبل أن يبعث على إلى مصر قيس بن سعد * وأما هشام بن محمد الكلبى فإنه ذكر أن محمد بن أبى حذيفة إنما أخذ بعد أن قتل محمد بن أبى بكر ودخل عمرو بن العاص مصر وغلب عليها وزعم أن عمرا لما دخل هو وأصحابه مصر أصابوا محمد بن أبى حذيفة فبعثوا به إلى معاوية وهو بفلسطين فحبسه في سجن له فمكث فيه غير كثير ثم إنه هرب من السجن وكان ابن خال معاوية فأرى معاوية الناس أنه قد كره انفلاته فقال لاهل الشأم من يطلبه قال وقد كان معاوية يحب فيما يرون أن ينجو فقال رجل من خثعم يقال له عبد الله بن عمرو بن ظلام وكان رجلا شجاعا وكان عثمانيا أنا أطلبه فخرج في حاله حتى لحقه بأرض البلقاء بحوران وقد دخل في غار هناك فجاءت حمر تدخله وقد أصابها المطر فلما رأت الحمر الرجل في الغار فزعت فنفرت فقال حصادون كانوا قريبا من الغار والله إن لنفر هذه الحمر

[ 81 ]

من الغار لشأنا فذهبوا لينظروا فإذا هم به فخرجوا ويوافقهم عبد الله بن عمرو بن ظلام الخثعمي فسألهم عنه ووصفه لهم فقالوا له ها هوذا في الغار قال فجاء حتى استخرجه وكره أن يرجعه إلى معاوية فيخلى سبيله فضرب عنقه * قال هشام عن أبى مخنف قال وحدثني الحارث بن كعب بن فقيم عن جندب عن عبد الله بن فقيم عن الحارث بن كعب. يستصرخ من قبل محمد بن أبى بكر إلى على ومحمد يومئذ أميرهم فقام على في الناس وقد أمر فنودى الصلاة جامعة فاجتمع الناس فحمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد صلى الله عليه وسلم ثم قال أما بعد فان هذا صريخ محمد بن أبى بكر وإخوانكم من أهل مصر قد سار إليهم ابن النابغة عدو الله وولى من عادى الله فلا يكونن أهل الضلال إلى باطلهم والركون إلى سبيل الطاغوت أشد اجتماعا منكم على حقكم هذا فإنهم قد بدأوكم وإخوانكم بالغزو فاعجلوا إليهم بالمؤاساة والنصر عباد الله إن مصر أعظم من الفأم أكثر خيرا وخير أهلا فلا تغلبوا على مصر فان بقاء مصر في أيديكم عز لكم وكبت لعدوكم اخرجوا إلى الجرعة ببن الحيرة والكوفة فوافونى بها هناك غدا ان شاء الله قال فلما كان من الغد خرج يمشى فنزلها بكرة فأقام بها حتى انتصف النهار يومه ذلك فلم يوافه منهم رجل واحد فرجع فلما كان من العشى بعث إلى أشراف الناس فدخلوا عليه القصر وهو حزين كئيب فقال الحمد لله على ما قضى من أمرى وقدر من فعلى وابتلاني بكم أيتها الفرقة ممن لا يطيع إذا أمرت ولا يجيب إذا دعوت لا أبا لغيركم ما تنتظرون بصبركم والجهاد على حقكم الموت والذل لكم في هذه الدنيا على غير الحق فوالله لئن جاء الموت وليأتين ليفرقن بينى وبينكم وأنا لصحبتكم قال وبكم غير ضنين لله أنتم لا دين يجمعكم ولا حمية تحميكم إذا أنتم سمعتم بعدوكم يرد بلادكم ويشن الغارة عليكم أو ليس عجبا أن معاوية يدعو الجفاة الطغام فيتبعونه على غير عطاء ولا معونة ويجيبونه في السنة المرتين والثلاث إلى أي وجه شاء وأنا أدعوكم وأنتم أولو النهى وبقية الناس على المعونة وطائفة منكم على العطاء فتقومون عنى وتعصونني وتختلفون على فقام إليه مالك بن كعب

[ 82 ]

الهمداني ثم الارحبي فقال يا أمير المؤمنين اندب الناس فانه لا عطر بعد عروس لمثل هذا اليوم كنت أدخر نفسي والاجر لا يأتي إلا بالكرة اتقوا الله وأجيبوا إمامكم وانصروا دعوته وقاتلوا عدوه أنا أسير إليها يا أمير المؤمنين قال فأمر على مناديه سعدا فنادى في الناس ألا انتدبوا إلى مصر مع مالك بن كعب ثم إنه خرج وخرج معه على فنظر فإذا جميع من خرج نحو ألفى رجل فقال سر فوالله ما إخالك تدرك القوم حتى ينقضى أمرهم قال فخرج بهم فسار خمسا ثم إن الحجاج ابن غزية الانصاري ثم النجارى قدم على على من مصر وقدم عبد الرحمن بن شبيب الفزارى فأما الفزارى فكان عينه بالشأم وإما الانصاري فكان مع محمد بن أبى بكر فحدثه الانصاري بما رأى وعاين وبهلاك محمد وحدثه الفزارى أنه لم يخرج من الشأم حتى قدمت البشراء من قبل عمرو بن العاص تترى يتبع بعضها بعضا بفتح مصر وقتل محمد بن أبى بكر وحتى أذن بقتله على المنبر وقال يا أمير المؤمنين قلما رأيت قوما قط أسر ولا سرورا قط أظهر من سرور رأيته بالشأم حين أتاهم هلاك محمد بن أبى بكر فقال على أما إن حزننا عليه على قدر سرور هم به لا بل يزيد أضعافا قال وسرح على عبد الرحمن بن شريح اليامى إلى مالك بن كعب فرده من الطريق قال وحزن على على محمد بن أبى بكر حتى رؤى ذلك في وجهه وتبين فيه وقام في الناس خطيبا فحمد الله واثنى عليه وصلى على رسوله صلى الله عليه وسلم وقال ألا إن مصر قد افتتحها الفجرة أولو الجور والظلم الذين صدوا عن سبيل الله وبغوا الاسلام عوجا ألا وان محمد بن أبى بكر قد استشهد رحمه الله فعند الله نحتسبه أما والله إن كان ما علمت لممن ينتظر القضاء ويعمل للجزاء ويبغض شكل الفاجر ويحب هدى المؤمن إنى والله ما الوم نفسي على التقصير وإنى لمقاساة الحرب نجد خبير وإنى لاقدم على الامر وأعرف وجه الحزم وأقوم فيكم بالرأى المصيب فأستصرخكم معلنا وأناديكم نداء المستغيث معربا فلا تسمعون لى قولا ولا تطيعون لى أمرا حتى تصير بي الامور إلى عواقب المساءة فأنتم القوم لا يدرك بكم الثأر ولا ينقض بكم الاوتار

[ 83 ]

دعوتكم إلى غياث إخوانكم منذ بضع وخمسين ليلة فتجرجرتم جرجرة الجمل الاشدق وتثاقلتم إلى الارض تثاقل من ليس له نية في جهاد العدو ولا اكتساب الاجر ثم خرج إلى منكم جنيد متذانب كثيرة يساقون إلى الموت وهم ينظرون فأف لكم ثم نزل وكتب إلى عبد الله بن عباس وهو بالبصرة بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله على أمير المؤمنين إلى عبد الله بن عباس سلام عليك فانى أحمد الله اليك الذى لا إله إلا هو أما بعد فان مصر قد افتتحت ومحمد بن أبى بكر قد استشهد فعند الله نحتسبه وندخره وقد كنت قمت في الناس في بدئه وأمرتهم بغيائه قبل الوقعة ودعوتهم سرا وجهرا وعودا وبدأ فمنهم من أتى كارها ومنهم من اعتل كاذبا ومنهم القاعد حالا أسأل الله أن يجعل لى منهم فرجا ومخرجا وأن يريحني منهم عاجلا والله لولا طمعي عند لقاء عدوى في الشهادة لاحببت أن لا أبقى مع هؤلاء يوما واحدا عزم الله لنا ولك على الرشد وعلى تقواه وهداه إنه على كل شئ قدير والسلام فكتب إليه ابن عباس بسم الله الرحمن الرحيم لعبد الله على بن أبى طالب أمير المؤمنين من عيد الله بن عباس سلام عثيك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر فيه افتتاح مصر وهلاك محمد بن أبى بكر فالله المستعان على كل حال ورحم الله محمد بن أبى بكر وأجرك يا أمير المؤمنين وقد سألت الله أن يجعل لك من رعيتك التى اب ليت بها فرجا ومخرجا وأن يعزك بالملائكة عاجلا بالنصرة فان الله صانع لك ذلك ومعزك ومجيب دعوتك وكابت عدوك أخبرك يا أمير المؤمنين ان الناس ربما تثاقلوا ثم ينشطون فارفق بهم يا أمير المؤمنين وداجنهم ومنهم واستعن بالله عليهم كفاك الله ألمهم والسلام * قال أبو مخنف حدثنى فضيل ابن خديج عن مالك بن الحور أن عليا قال رحم الله محمدا كان غلاما حدثا أما والله لقد كنت على أن أولى المرقال هاشم بن عتبة مصر أما والله لو أنه وليها ما خلى لعمرو ابن العاص وأعوانه الفجرة العرصة ولما قتل إلا وسيفه في يده لا بلا دم كمحمد فرحم الله محمدا فقد اجتهد نفسه وقضى ما عليه (وفى هذه السنة) وجه معاوية بعد مقتل محمدين أبى بكر عبد الله بن عمرو بن الحضرمي إلى البصرة للدعاء إلى الاقرار

[ 84 ]

بحكم عمرو بن العاص فيه وفيها قتل أعين بن ضبيعة المجاشعى وكان على وجهه لاخراج ابن الحضرمي من البصرة ذكر الخبر عن أمر ابن الحضرمي وزياد وأعين وسبب قتل من قتل منهم * حدثنى عمر بن شبة قال حدثنى على بن محمد قال حدثنا أبو الذيال عن أبى نعامة قال لما قتل محمد بن أبى بكر بمصر خرج ابن عباس من البصرة إلى على بالكوفة واستخلف زيادا وقدم ابن الحضرمي من قبل معاوية فنزل في بنى تميم فأرسل زياد إلى حصين بن المنذر ومالك بن مسمع فقال أنتم يا معشر بكر بن وائل من أنصار أمير المؤمنين وثقاته وقد نزل ابن الحضرمي حيث ترون وأتاه من أتاه فامنعوني حتى يأتيني رأى أمير المؤمنين فقال حضين نعم وقال مالك وكان رأيه مائلا إلى بنى أمية وكان مروان لجأ إليه يوم الجمل هذا أمر لى فيه شركاء أستشير وأنظر فلما رأى زياد تثاقل مالك خاف أن تختلف ربيعة فأرسل إلى نافع أن أشر على فأشار عليه نافع بصبرة بن شيمان الحدانى فأرسل إليه زياد فقال ألا تجيرني وبيت مال المسلمين فإنه فيأكم وأنا أمين أمير المؤمنين قال بلى إن حملته إلى ونزلت دارى قال فإنى حامله فحمله وخرج زياد حتى أتى الحدان ونزل في دار صبرة بن شيمان وحول بيت المال والمنبر فوضعه في مسجد الحدان وتحول مع زياد خمسون رجلا منهم أبو أبى حاضر وكان زياد يصلى الجمعة في من غجد الحدان ويطعم الطعام فقال زياد لجابر بن وهب الراسبى يا أبا محمد إنى لا أرى ابن الحضرمي يكف ولا أراه الا سيقاتلكم ولا أدرى ما عند أصحابك فأمرهم وانظر ما عندهم فلما قلى زياد جلس في المسجد واجتمع الناس إليه فقال جابر يا ملشر الازد تميم تزعم أنهم هم الناس وأنهم أصبر منكم عند البأس وقد بلغني أنهم يريدون أن يسيروا اليكم حتى يأخذوا جاركم ويخرجوه من المصر قسرا فكيف أنتم إذا فعلوا ذلك وقد أجرتموه وبيت مال المسلمين فقال صبرة بن شيمان وكان مفخما إن جاء الاحنف جئت وإن جاء الحتات جئت وان جاء شبان ففينا شبان فكان زياد يقول اننى استضحكت ونهضت وما كدت مكيدة قط كنت إلى الفضيحة بها أقرب منى للفضيحة يومئذ لما غلبنى من الضحك

[ 85 ]

قال ثم كتب زياد إلى على ان ابن الحضرمي أقبل من الشأم فنزل في دار بنى تميم ونعى عثمان ودعا إلى الحرب وبايعته تميم وجل أهل البصرة ولم يبق معى من أمتنع به فاستجرت لنفسي ولبيت المال صبرة بن شيمان وتحولت فنزلت معهم فشيعة عثمان يختلفون إلى ابن الحضرمي فوجه على أعين بن ضبيعة المجاشعى ليفرق قومه عن ابن الحضرمي فانظر ما يكون منه فان فرق جمع ابن الحضرمي فذلك ما تريد وان ترقت بهم الامور إلى التمادي في العصيان فانهض إليهم فجاهدهم فان رأيت ممن قبلك تثاقلا وخففت أن لا تبلغ ما تريد فدارهم وطاولهم ثم تسمع وأبصر فكأن جنود الله قد أظلتك تقتل الظالمين فقدم أعين فأتى زيادا فنزل عنده ثم أتى قومه وجمع رجالا ونهض إلى ابن الحضرمي فدعاهم فشتموه وناوشوه فانصرف عنهم ودخل عليه قوم فقتلوه فلما قتل أعين بن ضبيعة أراد زياد قتالهم فأرسلت بنو تميم إلى الازد انا لم نعرض لجاركم ولا لاحد من أصحابه فماذا تريدون إلى جارنا وحربنا فكرهت الازد القتال وقالوا ان عرضوا لجارنا منعناهم وان يكفوا عن جارنا كففنا عن جارهم فأمسكوا وكتب زياد إلى على ان أعين بن ضبيعة قدم فجمع من أطاعه من عشيرته ثم نهض بهم بجد وصدق نية إلى ابن الحضرمي فحثهم على الطاعة ودعاهم إلى الكف والرجوع عن شقاقهم ووافقتهم عامة قوم فهالهم ذلك وتصدع عنهم كثير ممن كان معهم يمنيهم نصرته وكانت بينهم مناوشة ثم انصرف إلى أهله فدخلوا عليه فاغتالوه فأصيب رحم الله أعين فأردت قتالهم عند ذلك فلم يخف معى من أقوى به م ليهم وتراسل الحيان فأمسك بعضهم عن بعض فلما قرأ على كتابه دعا جارية بن قدامة السعدى فوجهه في خمسين رجلا من بنى تميم وبعث معه شريك بن الاعور ويقال بعث جارية في خمسمائة رجل وكتب إلى زياد كتاب يصوب رأيه فيما صنع وأمره بملونة جارية بن قدامة والاشارة عليه فقدم جارية البصرة فأتى غ يادا فقال له احتفز واحذر أن يصيبك ما أصاب صاحبك ولا تثقن بأحد من القوم فسار جارية إلى قومه فقرأ عليهم كتاب على ووعدهم فأجابه أكثرهم فسار إلى ابن الحضرمي فحصره في دار سنبيل ثم أحرق عليه الدار وعلى من معه وكان معه سبعون رجلا ويقال أربعون وتفرق الناس ورجع زياد إلى دار الامارة وكتب إلى على مع ظبيان

[ 86 ]

ابن عمارة وكان ممن قدم مع جارية.. وأن جارية قدم علينا فسار إلى ابن الحضرمي فتلتله حتى اضطره إلى دار من دور بنى تميم في عدة رجال من أصحابه بعد الاعذار والانذار والدعاء إلى الطاعة فلم ينيبوا ولم يرجعوا فاضرم عليهم الدار فأحرقهم فيها وهدمت عليهم فبعدا لمن طغى وعصى فقال عمرو بن العرندس العودى رددنا زيادا إلى داره * وجار تميم دخانا ذهب لحى الله قوما شووا جارهم * وللشاء بالدرهمين الشصب ينادى الخناق وخمانها * وقد سمطوا رأسه باللهب ونحن أناس لنا عادة * نحامي عن الجار أن يغتصب حميناه إذ حل أبياتنا * ولا يمنع الجار إلا الحسب ولم يعرفوا حرمة للجوا * ر إذأ عظم الجار قوم نجب كفعلهم قبلنا بالزبير * عشية إذ بزه يستلب وقال جرير بن عطية بن الخطفى غدرتم بالزبير فما وفيم * وفاء الازد إذ منعوا زيادا فأصبح جارهم بنجاة عز * وجار مجاشع أمسى رمادا فلو عاقدت حبل أبى سعيد * لذاد القوم ما حمل النجادا وأدنى الخيل من رهج المنايا * وأغشاها الاسنة والصعادا ومما كان في هذه السنة أعنى سنة 38 إظهار الخريت بن راشد في بنى ناجية الخلاف على على وفراقه إياه كالذى ذكر هشام بن محمد عن أبى مخنف عن الحارث الازدي عن عمه عبد الله ابن فقبم قال جاء الخريت بن راشد إلى على وكان مع الخريت ثلثمائة رجل من بنى ناجية مقيمين مع على بالكوفة قدموا معه من البصرة وكانوا قد خرجوا إليه يوم الجمل وشهدوا معه صفين والنهروان فجاء إلى على في ثلاثين راكبا من أصحابه يسير بينهم حتى قام بين يدى على فقال له والله يا على لا أطيع أمرك ولا أصلى خلفك وإنى غدا لمفارقك وذلك بعد تحكيم الحكمين فقال له على ثكلتك أمك

[ 87 ]

إذا تعصى ربك وتنكث عهدك ولا تضر إلا نفسك خبرني لم تفعل ذلك قال لانك حكمت في الكتاب وضعفت عن الحق إذ جد الجد وركنت إلى القوم الذى ظلموا أنفسهم فأنا عليك زار وعليهم ناقم ولكم جميعا مباين فقال له على هم أدارسك الكتاب وأناظرك في السنن وأفاتحك أمورا من الحق أنا أعلم بها منك فلعلك تعرف ما أنت له الآن منكر وتستبصر ما أنت عنه الآن جاهل قال فانى عائد إليك قال لا يستهوينك الشيطان ولا يستخفنك الجهل ووالله لئن استرشدتني واستنصحتني وقبلت منى لاهدينك سبيل الرشاد فخرج من عنده منصرفا إلى أهله فعجلت في أثره مسرعا وكان لى من بنى عمه صديق فأردت أن ألقى ابن عمه ذلك فأعلمه بشأنه ويأمره بطاعة أمير المؤمنين ومناصحته ويخبره أن ذلك خير له في عاجل الدنيا وآجل الآخرة فخرجت حتى انتهيت إلى منزله وقد سبقني فقمت عند باب داره وفى داره رجال من أصحابه لم يكونوا شهدوا معه دخوله على على قال فوالله ما جزم شيئا مما قال ومما رد عليه ثم قال لهم يا هؤلاء إنى قد رأيت أن أفارق هذا الرجل وقد فارقته على أن أرجع إليه من غد ولا أرانى إلا مفارقه من غد فقال له أكثر أصحابه لا تفعل حتى تأتيه فان أتاك بأمر تعرفه قبلت منه وإن كانت الاخرى فما أقدرك على فراقه فقال لهم فنعم ما رأيتم قال ثم إنى استأذنت عليه فأذنوا لى فدخلت فقلت أنشدك الله أن تفارق أمير المؤمنين وجماعة المسلمين وأن تجعل على نفسك سبيلا وأن تقتل من أرى من عشيرتك ان عليا لعلى الحق قال فأنا أغدو إليه فأسمع منه حجته وأنظر ما يعرض على به ويذكر فان رأيت حقا ورشدا قبلت وإن رأيت غيا وجورا تركت قال فخلوت بابن عمه ذلك قال وكان أحد نفره الادنين وهو مدرك بن الريان وكان من رجال العرب فقلت له إن لك على حقا لاخائك وودك ذلك على بعد حق المسلم على المسلم إن ابن عمك كان منه ما قد ذكر لك فأجدبه فاردد عليه رأيه وعظم عليه ما أتى فانى خائف ان فارق أمير المؤمنين أن يقتله نفسه وعشيرته فقال جزاك الله خيرا من أخ فقد نصحت وأشفقت ان أراد صاحي فراق أمير المؤمنين فارقته وخالفته وكنت أشد الناس عليه وأنا بعد فانى

[ 88 ]

خال به ومفير عليه بطاعة أمير المؤمنين ومناصحته والاقامة معه وفى ذلك حظه ورشده فقمت من عنده وأردت الرجول إلى أمير المؤمنين لاعلمه بالذى كان ثم اطمأننت إلى قول صاحبي فرجعت إلى منزلي فبت به ثم أصبحت فلما ارتفلا الضحى أتيت أمير المؤمنين فجلست عنده ساعة وأنا أريد أن أحدثه بالذى كان من قوله لى على خلوة فأطلت الجلوس فلم يزدد الناس إلا كثرة قد نوت منه فجلست وراءه فأصغى إلى بأذنيه فخبرته بما سمعت من الخريت بن راشد وبما قلت له وبما رد على وبما كان من مقالتي لابن عمه وبما رد على فقال دعه فان عرف الحق وأقبل إليه عرفنا ذلك وقبلنا منه وإن أبى طلبناه فقلت يا أمير المؤمنين ولم لا تأخذه الآن وتستوثق منه وتحبسه فقال إنا لو فعلنا هذا بكل من نتهمه من الناس ملانا سجننا منهم ولا أراه يعنى الوثوب على الناس والحبس والعقوبة حتى يظهروا لنا الخلاف قال فسكت عنه وتنحيت فجلست مع القوم ثم مكث ما شاء الله ثم أنه قال ادن منى فدنوت منه فقال لى مسرا اذهب إلى منزل الرجل فاعلم لى ما فعل فانه كل يوم لم يكن يأتيني فيه إلا قبل هذه الساعة فأتيت منزله فإذا ليس في منزله منهم ديار فدعوت على أبواب دور أخرى كان فيها طائفة من أصحابه فإذا ليس فيها داع ولا مجيب فرجعت فقال لى حين رأني وطنوا فأمنوا أم جنبوا فظعنوا فقلت بل ظعنوا فأعلنوا فقال قد فعلوها بعدا لهم كما بعدت ثمود أما لو قد أشرعت لهم الاسنة وصببت على هامهم السيوف لقد ندموا أن الشيطان اليوم قد استهواهم وأضلهم وهو غدا متبرئ منهم ومخل عنهم فقام إليه زياد بن خصفة فقال يا أمير المؤمنين إنه لو لم يكن من مضرة هؤلاء إلا فراقهم إيانا لم يعظم فقدهم فنأسى عليهم فانهم قلما يزيدون في عددنا لو أقاموا معنا وقلما ينقصون من عددنا بخروجهم عنا ولكنا نخاف أن يفسدوا علينا جماعة كثيرة ممن يقدمون عليه من أهل طاعتك فأذن لى في اتباعهم حتى أردهم عليك إن شاء الله فقال له على وهل تدرى أين توجه القوم فقال لا ولكني أخرج فأسأل وأتبع الاثر فقال له اخرج رحمك الله حتى تنزل دير أبى موسى ثم لا تتوجه حتى يأتيك أمرى فإنهم إن كانوا خرجوا

[ 89 ]

ظاهرين للناس في جماعة فإن عمالى ستكتب إلى بذلك وإن كانوا متفرقين مستخفين فذلك أخفى لهم وسأكتب إلى عمالى فيهم فكتب نسخة واحدة فأخرجها إلى العمال أما بعد فإن رجالا خرجوا هرابا ونظنهم وجهوا نحو بلاد البصرة فسل عنهم أهل بلادك واجعل عليهم العيون في كل ناحية من أرضك واكتب إلى بما ينتهى اليك عنهم والسلام فخرج زياد بن خصفة حتى أتى داره وجمع أصحابه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد يا معشر بكر بن وائل فإن أمير المؤمنين ندبنى لامر من أمره مهم له وأمرني بالانكماش فيه وأنتم شيعته وأنصاره وأوثق حى من الاحياء في نفسه فانتدبوا معى الساعة واعجلوا قال فوالله ما كان إلا ساعة حتى اجتمع له منهم مائة وعشرون رجلا أو ثلاثون فقال اكتفينا لا نزيد أكثر من هذا فخرجوا جتى قطعوا الجسر ثم دير أبى موسى فنزله فأقام فيه بقية يومه ذلك ينتظر أمر أمير المؤمنين * قال أبو مخنف فحدثني أبو الصلت الاعور التيمى عن أبى سعيد العقيلى عن عبد الله بن وأل التيمى قال والله إنى لعند أمير المؤمنين إذ جاءه فيج كتاب بيديه من قبل قرظة بن كعب الانصاري بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإنى أخبر أمير المؤمنين أن خيلا مرت بنا من قبل الكوفة متوجهة نحو نفر وإن رجلا من دهاقين أسفل الفرات قد صلى يقال له زاذان فروخ أقبل من قبل أخواله بناحية نفر فعرضوا له فقالوا أمسلم أنت أم كافر فقال بل أنا مسلم قالوا فما قولك في على قال أقول فيه خيرا أقول إنه أمير المؤمنين وسيد البشر فقالوا له كفرت يا عدو الله ثم حملت عليه عصابة منهم فقطعوه ووجدوا معه رجلا من أهل الذمة فقالوا ما أنت قال رجل من أهل الذمة قالوا أما هذا فلا سبيل عليه فأقبل إلينا ذلك الذمي فأخبرنا هذا الخبر وقد سألت عنهم فلم يخبرني أحد عنهم بشئ فليكتب إلى أمير المؤمنين برأيه فيهم أنته إليه والسلام فكتب إليه أما بعد فقد فهمت ما ذكرت من العصابة التى مرت بك فقتلت البر المسلم وأمن عندهم المخالف الكافر وإن أولئك قوم استهواهم الشيطان فضلوا وكانوا كالذين حسبوا أن لا تكون فتنة فعموا وصموا فأسمع بهم وأبصر يوم تخبر أعمالهم والزم عملك وأقبل على خراجك

[ 90 ]

فإنك كما ذكرت في طاعتك ونصيحتك والسلام * قال أبو مخنف وحدثني أبو الصلت الاعور التيمى عن أبى سعيد العقيلى عن عبد الله بن وأل قال كتب على عليه السلام معى كتابا إلى زياد بن خصفة وأنا يومئذ شاب حدث أما بعد فإنى كنت أمرتك أن تنزل دير أبى موسى حتى يأتيك أمرى وذلك لانى لم أكن علمت إلى أي وجه توجه القوم وقد بلغني أنهم أخذوا نحو قرية يقال لها نفر فاتبع آثارهم وسل عنهم فإنهم قد قتلوا رجلا من أهل السواد مصليا فإذا أنت لحقتهم فارددهم إلى فإن أبوا فناجزهم واستعن بالله عليهم فإنهم قد فارقوا الحق وسفكوا الدم الحرام وأخافوا السبيل والسلام قال فأخذت الكتاب منه فمضيت به غير بعيد ثم رجعت به فقلت يا أمير المؤمنين ألا أمضى مع زياد بن خصفة إذا دفعت إليه كتابك إلى عدوك فقال يا ابن أخى افعل فوالله إنى أرجو أن تكون من أعواني على الحق وأنصاري على القوم الظالمين فقلت له أنا والله يا أمير المؤمنين كذلك ومن أولئك وأنا حيث تحب قال ابن وأل فوالله ما أحب أن لى بمقالة على تلك حمر النعم قال ثم مضيت إلى زياد بن خصفة بكتاب على وأنا على فرس لى رائع كريم وعلى السلاح فقال لى زياد يا بن أخى والله مالى عنك من غناء وإنى لاحب أن تكون معى في وجهى هذا فقلت له قد استأذنت في ذلك أمير المؤمنين فأذن لى فسر بذلك قال ثم خرجنا حتى أتينا نفر فسألنا عنهم فقيل لنا قد ارتفعوا نحو جرجرايا فاتبعناهم فقيل لنا قد أخذوا نحو المذار فلحقناهم وهم نزول بالمذار وقد أقاموا به يوما وليلة وقد استراحوا وأعلفوا وهم جامون فأتيناهم وقد تقطعنا ولغبنا وشقينا ونصبنا فلما رأونا وثبوا على خيولهم فاستووا عليها وجئنا حتى انتهينا إليهم فواقفناهم ونادانا صاحبهم الخريت بن راشد يا عميان القلوب والابصار أمع الله أنتم وكتابه وسنة نبيه أم مع الظالمين فقال له زياد بن خصفة بل نحن مع الله ومن الله وكتابه ورسوله آثر عنده ثوابا من الدنيا منذ خلقت إلى يوم تفنى أيها العمى الابصار الصم القلوب والاسماع فقال لنا أخبروني ما ترويدون فقال له زياد وكان مجربا رفيقا قد ترى ما بنا من اللغوب والسغوب والذى جئنا له

[ 91 ]

لا يصلحه الكلام علانية على رؤس أصحابي وأصحابك ولكن أنزل وتنزل ثم نخلو جميعا فنتذاكر أمرنا هذا جميعا وننظر فإن رأيت ما جئناك فيه حظا لنفسك قبلته وإن رأيت فيما أسمعه منك أمرا أرجو فيه العافية لنا ولك لم أردده عليك قال فانزل بنا قال فأقبل إلينا زياد فقال انزلوا بنا على هذا الماء قال فأقبلنا حتى إذا انتهينا إلى الماء نزلناه فما هو الا أن نزلنا فتفرقنا ثم تحلقنا من عشرة وتسعة وثمانية وسبعة يضعون طعمامهم بين أيديهم فيأكلون ثم يقومون إلى ذلك الماء فيشربون وقال لنا زياد علقوا على خيولكم فعلقنا عليها مخاليها ووقف زياد بيننا وبين القوم وانطلق القوم فتنحوا ناحية ثم نزلوا وأقبل إلينا زياد فلما رأى تفرقنا وتحلقنا قال سبحان الله أنتم أهل حرب والله لو ان هؤلاء جاؤكم الساعة على هذه الحال ما أرادوا من غيركم أفضل من حالكم التى أنتم عليها أعجلوا قوموا إلى خيلكم فأسرعتا فتحشحشنا فمنا من يتنفض ثم يتوضأ ومنا من يشرب ومنا من يسقى فرسه حتى إذا فرغنا من ذلك كله أتانا زياد وفى يده عرق ينهشه فنهش منه نهشتين أو ثلاثا وأتى بأداوة فيها ماء فشرب منه ثم ألقى العرق من يده ثم قال يا هؤلاء إنا قد لقينا القوم ووالله أن عدتكم كعدتهم ولقد حزرتكم وإياهم فما أظن أحد الفريقين يزيد على الآخر بخمسة نفروانى والله ما أرى أمرهم وأمركم الا يرجع إلى القتال فان كان إلى ذلك ما يصير بكم وبهم الامور فلا تكونوا أعجز الفريقين ثم قال لنا ليأخذ كل أمرئ منكم بعنان فرسه حتى أدنو منهم وأدعوا إلى صاحبهم فأكلمه فان بايعني على ما أريد والا فإذا دعوتكم فاستووا على متون الخيل ثم أقبلوا إلى معا غير متفرقين قال فاستقدم أمامنا وأنا معه فأسمع رجلا من القوم يقول جاءكم القوم وهم كالون معيون وأنتم جامعون مستريحون فتركتموهم حتى نزلوا وأكلوا وشربوا واستراحوا هذا والله سوء الرأي والله لا يرجع الامر بكم وبهم الا إلى القتال فسكتوا وانتهينا إليهم فدعا زياد بن خصفة صاحبهم فقال اعتزل بنا فلننظر في أمرنا هذا فوالله لقد أقبل إلى زياد في خمسة فقلت لزياد ادع ثلاثة من أصحابنا حتى نلقاهم في عدتهم فقال لى ادع من أحببت منهم فدعوت من أصحابنا ثلاثا فكنا خمسة وخمسة

[ 92 ]

فقال له زياد ما الذى نقمت على أمير المؤمنين وعلينا إذ فارقتنا فقال لم أرض صاحبكم إماما ولم أرض سيرتكم سيرة فرأيت أن أعتزل وأكون مع من يدعو إلى الشورى من الناس فإذا اجتمع الناس على رجل لجميع الامة رضى كنت مع الناس فقال له غ ياد ويحك وهل يجتمع الناس على رجل منهم يدانى صاحبك الذى فارقته علما بالله وبسنن الله وكتابه مع قرابته من الرسول صلى الله عليه وسلم وسابقته في الاسلام فقال له ذلك ما أقول لك فقال له زياد ففيم قتلت ذلك الرجل المسلم قال ما أنا قتلته إنما قتلته طائفة من أصحابي قال فادفعهم الينا قال ما إلى ذلك سبيل قال كذلك أنت فاعل قال هو ما تسمع قال فدعونا أصحابنا ودعا أصحابه ثم أقبلنا فوالله ما رأينا قتالا مثله منذ خلقني ربى قال اطعنا والله بالرماح حتى لم يبق في أيدينا رمح ثم اضطربنا بالسيوف حتى انحنت وعقر عامة خيلنا وخيلهم وكثرت الجراح فيما بيننا وبينهم وقتل منا رجلان مولى زياد كانت معه رايته يدعى سويدا ورجلا من الابناء يدعى وافد بن بكر وصرعنا منهم خمسة وجاء الليل يحجز بيننا وبينهم وقد والله كرهونا وكرهناهم وقد جرح زياد وجرحت قال ثم إن القوم تنحوا وبتنا في جانب فمكثوا ساعة من الليل ثم إنهم ذهبوا وتبعناهم حتى أتينا البصرة وبلغنا أنهم أتوا الاهواز فنرلوا بجانب منها وتلاحق بهم أناس من أصحابهم نحو من مائتين كانوا معهم بالكوفة ولم يكن لهم من القوة ما ينهضم معهم حتى نهضوا فأتبعوهم فلحقوهم بأرض الاهواز فأقاموا معهم وكتب زياد بن خصفة إلى على أما بعد فإنا لقينا عدو الله الناجى بالمذار فدعوناهم إلى الهدى والحق وإلى كلمة السواء فلم ينزلوا على الحق وأخذتهم العزة بالاثم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فقصدوا لنا وصمدنا صمدهم فاقتتلنا قتالا شديدا ما بين قائم الظهيرة إلى دلوك الشمس فاستشهد منا رجلان صالحان وأصيب منهم خمسة نفر وخلوا لنا المعركة وقد فشت فينا وفيهم الجراح ثم إن القوم لما لبسهم الليل خرجوا من تحته متنكبين إلى أرض الاهواز فبلغنا أنهم نزلوا منها جانبا ونحن بالبصرة نداوى جراحنا وننتظر أمرك رحمك الله والسلام عليك فلما أتيته بكتابه قرأه على الناس فقام

[ 93 ]

إليه معقل بن قيس فقال أصلحك الله يا أمير المؤمنين إنما كان ينبغى إن يكون مع من يطلب هؤلاء مكان كل رجل منهم عشرة من المسلمين فإذا لحقوهم استأصلوهم وقطعوا دابرهم فأما أن يلقاهم أعدادهم فلعمري ليصبرن لهم هم قوم م رب والعدة تصبر للعدة وتنتصف منها فقال تجهز يا معقل بن قيس إليهم وندب معه ألفين من أهل الكوفة منهم يزيد بن المغفل الازدي وكتب إلى ابن عباس أما بعد فابعث رجلا من قبلك صليبا فجاعا معروفا بالصلاح في ألفى رجل فليتبع معقلا فإذا مر ببلاد البصرة فهو أمير أصحابه حتى يلقى معقلا فإذا لقى معقلا فمعقل أمير الفريقين وليسمع من معقل وليطعه ولا يخالفه ومر زياد بن خصفة فليقبل فنعم المرء زياد ونعم القتيل قتيله * قال أبو مخنف وحدثني أبو الصلت الاعور عن أبى سعيد العقلي قال كتب على إلى زياد بن خصفة أما بعد فقد بلغني كتابك وفهمت ما ذكرت من أمر الناجى وإخوانه الذين طبع الله على قلوبهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فهم يعمهون ويحسبون أنهم يحسنون صنعا ووصفت ما بلغ بك وبهم الامر فأما أنت وأصحابك فلله سعيكم وعلى الله تعالى جزاؤكم فأبشر بثواب الله خير من الدنيا التى يقتل الجهال أنفسهم عليها فإن ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون وأما عدوكم الذين لقيتموهم فحسبهم بخروجهم من الهدى إلى الضلال وارتكابهم فيه وردهم الحق ولجاجهم في الفتنة فذرهم وما يفترون ودعهم في طغيانهم يعمهون فتسمع وتبصر كأنك بهم عن قليل بين أسير وقتيل أقبل إلينا أنت وأصحابك مأجورين فقد أطعتم وسمعتم وأحسنتم البلاء والسلام ونزل الناجى جانبا من الاهواز واجتمع إليه علوج من أهلها كثير أردوا كسر الخراج ولصوص كثيرة وطائفة أخرى من العرب ترى رأيه * حدثنى عمر بن شبة قال حدثنا أبو الحسن عن على بن مجاهد قال قال الشعبى لما قتل على عليه السلام أهل النهروان خالفه قوم كثير وانتقضت عليه أطرافه وخالفه بنو ناجية وقدم ابن الحضرمي البصرة وانتقض أهل الاهواز وطمع أهل الخراج في كسره ثم

[ 94 ]

أخرجوا سهل بن حنيف من فارس وكان عامل على عليها فقال ابن عباس لعلى أكفيك فارس بزياد فأمره على أن يوجهه إليها فقدم ابن عباس البصرة ووجهه إلى فارس في جمع كثير فوطئ بهم أهل فارس فأدوا الخراج (رجع الحديث إلى حديث أبى مخنف) وحدثني الحارث بن كعب عن عبد الله بن فقيم الازدي قال كنت أنا وأخى كعب في ذلك الجيش مع معقل بن قيس فلما أراد الخروج أقبل إلى على فودعه فقال يا معقل اتق الله ما استطعت فانها وصية الله للمؤمنين لا تبغ على أهل القبلة ولا تظلم أهل الذمة ولا تتكبر فإن الله لا يحب المتكبرين فقال الله المستعان فقال له على خير من غتعان قال فخرج وخرجنا معه حتى نزلنا الاهواز فأقمنا ننتظر أهل البصرة وقد أبطؤوا علينا فقام فينا معقل بن قيس فقال يا أيها الناس إنا قد انتظرنا أهل البصرة وقد أبطؤوا علينا وليس بحمد الله بنا قلة ولا وحشة إلى الناس فسيروا بنا إلى هذا العدو القليل الذليل فانى أرجو أن ينصركم الله وأن يهلكهم قال فقام إليه أخى كعب بن فقيم فقال أصبت أرشدك الله رأيك فوالله إنى لارجو أن ينصرنا الله عليهم وإن كانت الاخرى فان في الموت على الحق تعزية عن الدنيا فقال سيروا على بركة الله قال فسرنا ووالله ما زال معقل لى مكرما وادا ما يعدل بى من الجند أحدا قال ولا يزال يقول وكيف قلت إن في الموت على الحق تعزية عن الدنيا صدقت والله وأحسنت ووفقت فوالله ما سرنا يوما حتى أدركنا فيج يشتد بصحيفة في يده من عند عبد الله بن عباس أما بعد فان أدركك رسولي بالمكان الذى كنت فيه مقيما أو أدركك وقد شخصت منه فلا تبرح المكان الذى ينتهى فيه اليك رسولي واثبت فيه حتى يقدم عليك بعثنا الذى وجهناه اليك فانى قد بعثت اليك خالد بن معدان الطائى وهو من أهل الاصلاح والدين والبأس والنجدة فاسمع منه واعرف ذلك له والسلام فقرأ معقل الكتاب على الناس وحمد الله وقد كان ذلك الوجه هالهم قال فأقمنا حتى قدم الطائى علينا وجاء حتى دخل على صاحبنا فسلم عليه بالامرة واجتمعا جميعا في عسكر واحد قال ثم إنا خرجنا فسرنا إليهم فأخذوا يرتفعون نحو جبال رامهرمز يريدون قلعة بها حصينة

[ 95 ]

وجاءنا أهل البلد فأخبرونا بذلك فخرجنا في آثارهم نتبعهم فلحقناهم وقد دنوا من الجبل فصففنا لهم ثم أقبلنا إليهم فجعل معقل على ميمنته يزيد بن المغفل وعلى ميسرته منجاب بن راشد الضبى من أهل البصرة وصف الخريت بن راشد الناجى من معه من العرب فكانوا ميمنة وجعل أهل البلد والعلوج ومن أراد كسر الخراج وأتباعهم من الاكراد ميسرة قال وسار فينا معقل بن قيس يحرضنا ويقول لنا م باد الله لا تعدلوا القوم بأبصاركم غضوا الابصار وأقلوا الكلام ووطنوا أنفسكم على الطعن والضرب وأبشروا في قتالهم بالاجر العظيم إنما تقال لون مارقة مرقت من الدين وعلوجا منلوا الخراج وأكرادا انظروني فإذا حملت فشدوا شدة رجل واحد فمر في الصف كله يقول لهم هذه المقالة حتى إذا مر بالناس كلهم أقبل حتى وقف وسط الصف في القلب ونظرنا إليه ما يصنع فحرك رايته تحريكتين فوالله ما صبروا لنا ساعة حتى ولوا وشدخنا منهم سبعين عربيا من بنى ناجية ومن بعض من اتبعهم من العرب وقتلنا نحوا من ثلثمائة من العلوج والاكراد قال كعب بن فقيم ونظرت فيمن قتل من العرب فإذا أنا بصديقي مدرك بن الريان قتيلا وخرج الخريت بن راشد وهو منهزم حتى لحق بأسياف البحر وبها جماعة من قومه كثير فما زال بهم يسير فيهم ويدعوهم إلى خلاف على ويبين لهم فراقه ويخبرهم أن الهدى في حربه حتى اتبعه منهم ناس كثير وأقام معقل بن قيس بأرض الاهواز وكتب إلى على معى بالفتح وكنت أنا الذى قدمت عليه فكتب إليه بسم الله الرحمن الرحيم لعبد الله على أمير المؤمنين من معقل بن قيس سلام عليك فأنى أحمد اليك الله الذى لا إله إلا هو أما بعد فانا لقينا المارقين وقد استظهروا علينا بالمشركين فقتلناهم قتل عاد وإرم مع أنا لم نعد فيهم سيرتك ولم نقتل من المارقين مدبرا ولا أسيرا ولم ندفف منهم على جريح وقد نصرك الله والسملين والحمد لله رب العالمين قال فقدمت عليه بهذا الكتاب فقرأه على أصحابه واستشارهم في الرأى فاجتمع رأى عامتهم على قول واحد فقالوا له نرى أن تكتب إلى معقل بن قيس فيتبع أثر الفاسق فلا يزال في طلبه حتى يقتله أو ينفيه فانا

[ 96 ]

لا نأمن أن يفسد عليك الناس قال فردني إليه وكتب معى أما بعد فالحمد لله على تأييد أوليائه وخذلان أعدائه جزاك الله والمسلمين خيرا فقد أحسنتم البلاء وقضيتم ما عليكم وسل عن أخى بنى ناجية فان بلغك أنه قد استقر ببلد من البلدان فسر إليه حتى تقتله أو تنفيه فانه لن يزال للمسلمين عدوا وللقاسطين وليا ما بقى والسلام عليك فسأل معقل عن مستقره والمكان الذى انتهى إليه فنبئ بمكانه بالاسياف وإنه قد رد قومه عن طاعة على وأفسد من قبله من عبد القيس ومن والاهم من سائر العرب وكان قومه قد منعوا الصدقة عام صفين ومنعوها في ذلك العام أيضا فكان عليهم عقالان فسار إليهم ملقل بن قيس في ذلك الجيش من أهل الكوفة وأهل البصرة فأخذ على فارس حتى انتهى إلى أسياف البحر فلما غمع الخريت ابن راشد بمسيره إليه أقبل على من كان معه من أصحابه ممن يرى رأى الخوارج فأسر لهم إنى أرى رأيكم فان عليا لن ينبغى له أن يحكم الرجال في أمر الله وقال للآخرين منددا لهم إن عليا حكم حكما ورضى به فخلعه حكمه الذى ارتضاه لنفسه فقد ركيت أنا من قضائه وحكمه ما ارتضاه لنفسه وهذا كان الرأى الذى خرج عليه من الكوفة وقال سرا لمن يرى رأى عثمان أنا والله على رأيكم قد والله قتل عثمان مظلوما فأرضي كل صنف منهم وأراهم أنه معهم وقال لمن منع الصدقة شدوا أيديكم على صدقاتكم وصلوا بها أرحامكم وعودوا بها إن شئتم على فقرائكم وقد كان فيهم نصارى كثير قد أسلموا فلما اختلف الناس بينهم قالوا والله لديننا الذى خرجنا منه خير وأهدى من دين هؤلاء الذى هم عليه ما ينهاهم دينهم عن سفك الدماء وإخافة السبيل وأخذ الاموال فرجعوا إلى دينهم فلقى الخريت أولئك فقال لهم ويحكم أتدرون حكم على فيمن أسلم من النصارى ثم رجع إلى نصرانيته لا والله ما يسمع لهم قولا ولا يرى لهم عذرا ولا يقبل منهم توبة ولا يدعوهم إليها وإن حكمه فيهم لضرب العنق ساعة يستمكن منهم فما زال حتى جمعهم وخدعهم وجاء من كان من بنى ناجية ومن كان في تلك الناحية من غيرهم واجتمع إليهم ناس كثير * فحدثني على بن الحسن الازدي قال حدثنا عبد الرحمن بن سليمان عن عبد الملك

[ 97 ]

ابن سعيد بن حاب عن الحر عن عمار الدهنى قال حدثنى أبو الطفيل قال كنت في الجيش الذين بعثهم على بن أبى طالب إلى بنى ناجية فقال فانتهينا إليهم فوجدناهم على ثلاث فرق فقال أميرنا لفرقة منهم ما أنتم قالوا نحن قوم نصارى لم نر دينا أفضل من ديننا فثبتنا عليه فقال لهم اعتزلوا وقال للفرقة الاخرى ما أنتم قالوا نحن كنا نصارى فأسلمنا فثبتنا على إسلامنا فقال لهم اعتزلوا ثم قال للفرقة الاخرى الثالثة ما أنتم قالوا نحن قوم كنا نصارى فأسلمنا فلم نر دينا هو أفضل من ديننا الاول فقال لهم أسلموا فأبوا فقال لاصحابه إذا محت رأسي ثلاث مرات فشدوا عليهم فاقتلوا المقاتلة واسبوا الذرية فجئ بالذرية إلى على فجاء مصقلة بن هبيرة فاشتراهم بمائتي ألف فجاء بمائة ألف فلم يقبلها على فانطلق بالدراهم وعمد إليهم مصقلة فأم تقهم ولحق بمعاوية فقيل لعلى ألا تأخذ الذرية فقال لا فلم يعرض لهم (رجع الحديث إلى حديث أبى مخنف) قال أبو مخنف وحدثني الحارث بن كعب قال لما رجع إلينا معقل بن قيس قرأ علينا كتابا من على بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله على أمير المؤمنين إلى من يقرأ عليه كتابي هذا من المؤمنين والمسلمين والنصارى والمرتدين سلام عليكم وعلى من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله وكتابه والبعث بعد الموت وأوفى بعهد الله ولم يكن من الخائنين أما بعد فإنى أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه والعمل بالحق وبما أمر الله في الكتاب فمن رجع إلى أهله منكم وكف يده واعتزل هذا الهالك الحارب الذى جاء يحارب الله ورسوله والمسلمين وسعى في الارض فسادا فله الامان على ماله ودمه ومن تابعه على حربنا والخروج من طاعتنا استعنا بالله عليه وجعلنا الله بيننا وبينه وكفى بالله نصيرا وأخرج معقل راية أمان فنصبها وقال من أتاها من الناس فهو آمن إلا الخريت وأصحابه الذين حاربونا وبدأونا أول مرة فتفرق عن الخريت جل من كان معه من غير قومه وعبأ معقل بن قيس أصحابه فجعل على ميمنته يزيد بن المغفل الازدي وعلى ميسرته المنجاب بن راشد الضبى ثم زحف بهم نحو الخريت وحضر معه قومه مسلموهم ونصاراهم ومانعة الصدقة منهم * قال أبو مخنف وحدثني الحارث بن كعب عن أبى الصديق الناجى أن الخريت يومئذ كان يقول لقومه

[ 98 ]

امنعوا حريمكم وقاتلوا عن نسائكم وأولادكم فوالله لئن ظهروا عليكم ليقتلنكم وليسبنكم فقال له رجل من قومه هذا والله ما جنته علينا يداك ولسانك فقال قاتلوا لله أنتم سبق السيف العذل إيها والله لقد أصابت قومي داهية * قال أبو مخنف وحدثني الحارث بن كعب عن عبد الله بن فقيم قال سار فينا معقل فحرض الناس فيما بين الميمنة والميسرة يقول أيها الناس المسلمون ما تزيدون أفضل مما سيق لكم في هذا الموقف من الاجر العظيم إن الله ساقكم إلى قوم منعوا الصدقة وارتدوا عن الاسلام ونكثوا البيعة ظلما وعدوانا فأشهد لمن قتل منكم بالجنة ومن عاش فان الله مقر عينه بالفتح والغنيمة ففعل ذلك حتى مر بالناس كلهم ثم إنه جاء حتى وقف في القلب برايته ثم انه بعث إلى يزيد بن المغفل وهو في الميمنة أن احمل عليهم فحمل عليهم فثبتوا وقاتلوا قتالا شديدا ثم إنه انصرف حتى وقف موقفه الذى كان به في الميمنة ثم إنه بعث إلى منجاب بن راشد الضبى وهو في الميسرة ثم ان منجابا حمل عليهم فثبتوا وقاتلوا قتالا شديدا طويلا ثم إنه رجع حتى وقف في الميسرة ثم إن معقلا بعث إلى الميمنة والميسرة إذا حملت فاحملوا بأجمعكم فحرك رايته وهزها ثم إنه حمل وحمل أصحابه جميعا فقبروا ساعة لهم ثم إن النعمان بن صهبان الراسبى من جرم بصر بالخريت بن راشد فحمل عليه فطعنه فصرعه عن دابته ثم نزل وقد جرحه فأثخنه فاختلفا ضربتين فقتله النعمان بن صهبان وقتل معه في المعركة سبعون ومائة وذهبوا يمينا وشمالا وبعث معقل بن قيس الخيل إلى رحالهم فسبى من أدرك منهم فسبى رجالا كثيرا ونساء وصبيانا ثم نظر فيهم فأما من كان مسلما فخلاه وأخذ بيعته وترك له عياله وأما من كان ارتد فعرض علهيم الاسلام فرجعوا وخلى سبيلهم وسبيل عيالهم إلا شيخا منهم نصرانيا يقال له الرماحس بن منصور قال والله ما زللت منذ عقلت إلا في خروجي من دينى دين الصدق إلى دينكم دين السوء لا والله لا أدع دينى ولا أقرب دينكم ما حييت فقدمه فضرب عنقه وجمع معقل الناس فقال أدوا ما عليكم في هذه السنين من الصدقة فأخذ من المسلمين عقالين وعمد إلى النصارى وعيالهم فاحتملهم مقبلا بهم وأقبل المسلمون معهم يشيعونهم فأمر معقل بردهم فلما انصرفوا تصافحوا

[ 99 ]

فبكوا وبكى الرجال والنساء بعضهم إلى بعض قال فأشهد أنى رحمتهم رحمة ما رحمتها أحد قبلهم ولا بعدهم قال وكتب معقل بن قيس إلى على أما بعد فانى أخبر أمير المؤمنين عن جنده وعدوه إنا دفعنا إلى عدونا بالاسياف فوجدنا بها قبائل ذات عدة وحدة وجد وقد جمعت لنا وتحزبت علينا فدعوناهم إلى الطاعة والجماعة وإلى حكم الكتاب والسنة وقرأنا عليهم كتاب أمير المؤمنين ورفعنا لهم رأية أمان فمالت الينا منهم طائفة وبقيت طائفة أخرى منابذة فقبلنا من التى أقبلت وصمدنا صمدا للتى أدبرت فضرب الله وجوههم ونصرنا عليهم فأما من كان مسلما فإنا مننا عليه وأخذنا بيعه لامير المؤمنين وأخذنا منهم الصدقة التى كانت عليهم وأما من ارتد فانا عرضنا عليه الرجوع إلى الاسلام وإلا قتلناه فرجعوا غير رجل واحد فقتلناه وأما النصارى فإنا سبيناهم وقد أقبلنا بهم ليكونوا نكالا لمن بعدهم من أهل الذمة لكيلا يمنعوا الجزية ولكيلا يجترؤا على قتال أهل القبلة وهم أهل الصغار والذل رحمك الله يا أمير المؤمنين وأوجب لك جنات النعيم والسلام عليك. ثم أقبل بهم حتى مر بهم على مصقلة بن هبيرة الشيباني وهو عامل على على أردشير خره وهم خمسمائة إنسان فبكى النساء والصبيان وصاح الرجال يا أبا الفضل يا حامى الرجال وفكاك العناة امنن علينا فاشترنا وأعتقنا فقال مصقلة أقسم بالله لاتصدقن عليهم إن الله يجزى المتصدقين فبلغها عنه معقل فقال والله لو أعلم أنه قاله توجعا لهم وإزراء عليكم لضربت عنقه ولو كان في ذلك تفانى تميم وبكر بن وائل ثم إن مصقلة بعث ذهل بن الحارث الذهلى إلى معقل بن قيس فقال له بعنى بنى ناجية فقال نعم أبيعكم بألف ألف ودفعهم إليه وقال له عجل بالمال إلى أمير المؤمنين فقال أنا باعث الآن بصدر ثم أبعث بصدر آخر كذلك حتى لا يبقى منه شئ إن شاء الله تعالى وأقبل معقل بن قيس إلى أمير المؤمنين وأخبره بما كان منه في ذلك فقال له أحسنت وأصبت وانتظر على مصقلة أن يبعث إليه بالمال وبلغ عليا أن مصقلة خلى سبيل الاسارى ولم يسألهم أن يعينوه في فكاك أنفسهم بشئ فقال ما أظن مصقلة إلا قد تحمل حمالة ألا أراكم سترونه عن قريب ملبدا ثم أنه كتب إليه أما بعد فان

[ 100 ]

من أعظم الخيانة خيانة الامة وأعظم الغش على أهل المصر غش الامام وعندك من حق المسلمين خمسمائة ألف فابعث بها إلى ساعة يأتيك رسولي والا فأقبل حين تنظر في كتابي فإنى قد تقدمت إلى رسولي اليك يدعك أن تقيم ساعة واحدة بعد قدومه عليك إلا أن تبعث بالمال والسلام عليك وكان الرسول أبو جرة الحنفي فقال له أبو جرة أن يبعث بالمال الساعة والا فاشخص إلى أمير المؤمنين فلما قرأ كتابه أقبل حتى نزل البصرة فمكث بها أياما ثم إن ابن عباس سأله المال وكان عمال البصرة يحملون من كور البصرة إلى ابن عباس ويكون ابن عباس هو الذى يبعث به إلى على فقال له نعم أنظرني أياما ثم أقبل حتى أتى عليا فأقره أياما ثم سأله المال فأدى إليه مائتي ألف ثم إنه عجز فلم يقدر عليه * قال أبو مخنف وحدثني ابو الصلت الاعور عن ذهل بن الحارث قال دعاني مصقلة إلى رحله فقدم عشاؤه فطعمنا منه ثم قال والله ان امير المؤمنين يسألنى هذا المال ولا اقدر عليه فقلت والله لو شئت ما مضت عليك جمعة حتى تجمع جميع المال فقال والله ما كنت لاحملها قومي ولا اطلب فيها إلى أحد ثم قال أما والله لو أن ابن هند هو طالبني بها أو ابن عفان لتركها لى ألم تر إلى ابن عفان حين أطعم الاشعث من خراج آذربيجان مائة ألف في كل سنة فقلت له إن هذا لا يرى هذا الرأى لا والله ما هو بباذل شيئا كنت أخذته فسكت ساعة وسكت عنه فلا والله ما مكث إلا ليلة واحدة بعد هذا الكلام حتى لحق بمعاوية وبلغ ذلك عليا فقال ماله برحه الله فعل فعل السيد وفر فرار العبد وخان خيانة الفاجر أما والله لو أنه أقام فعجز ما زدنا على حبسه فإن وجدنا له شيئا أخذناه وإن لم نقدر على مال تركناه ثم سار إلى داره فنقضها وهدمها وكان أخوه نعيم بن هبيرة شيعيا ولعلى مناصحا فكتب إليه مصقلة من الشؤم مع رجل من النصارى من بنى تغلب يقال له حلوان أما بعد فإنى كلمت معاوية فيك فوعدك الامارة ومناك الكرامة فأقبل إلى ساعة يلقاك رسولي ان شاء الله والسلام فأخذه مالك ابن كعب الارحبي فسرح به إلى على فأخذ كتابه فقرأه فقطع يد النصراني فمات وكتب نعيم إلى أخيه مصقلة

[ 101 ]

لا ترمين هداك الله معترضا * بالظن منك فما بالى وحلوانا ذاك الحريص على ما نال من طمع * وهو البعيد فلا يحزنك إذ خانا ماذا أردت إلى إرساله سفها * ترجو سقاط امرئ لم يلف وسنانا عرضته لعلى إنه أسد * يمشى العرضنة من آساد خفانا قد كنت في منظر عن ذا ومستمع * تحمى العراق وتدعى خير شيبانا حتى تقحمت أمرا كنت تكرهه * للراكبين له سرا وإعلانا لو كنت أديت ما للقوم مصطبرا * للحق أحييت أحيانا وموتانا لكن لحقت بأهل الشأم ملتمسا * فضل ابن هند وذاك الرأى أشجانا فاليوم تقرع سن الغرم من ندم * ماذا تقول وقد كان الذى كانا أصبحت تبغضك الاحياء قاطبة * لم يرفع الله بالبغضاء إنسانا فلما وقع الكتاب إليه علم أن رسوله قد هلك ولم يلبث التغلبيون الا قليلا حتى بلغهم هلاك صاحبهم حلوان فأتوا مصقلة فقالوا انك بعثت صاحبنا فأهلكته فإما أن تحييه واما أن تديه فقال أما أن أحييه فلا أستطيع ولكني سأديه فوداه قال أبو مخنف وحدثني عبد الرحمن بن جندب قال حدثنى أبى قال لما بلغ عليا مصاب بنى ناجية وقتل صاحبهم قال هوت أمه ما كان أنقض عقله وأجرأه على ربه فإن جائيا جاءني مرة فقال لى في أصحابك رجال قد خشيت أن يفارقوك فما ترى فيهم فقلت له إنى لا آخذ على التهمة ولا أعاقب م لى الظن ولا أقاتل الا من خالفني وناصبني وأظهر لى العداوة ولست مقاتله حتى أدعوه وأم ذر إليه فإن تاب ورجع الينا قبلنا منه وهو أخونا وان أبى الا الاعتزام على حربنا استعنا عليه الله وناجزناه فكف عنى ما شاء الله ثم جاءني مرة أخرى فقال لى قد خشيت أن يفسد عليك عبد الله ابن وهب الراسبى وزيد بن حصين إنى سمعتهما يذكرانك بأشياء لو سمعتها لم تفارقهما عليها حتى تقتلهما أ توبقهما فلا تفارقهما من حبسك أبدا فقلت إنى مستشيرك فيهما فماذا تأمرني به قال آمرك أن تدعو بهما فتضرب رقابهما فعلمت أنه لا ورع ولا عاقل فقلت والله ما أظنك ورعا ولا عاقلا نافعا والله لقد كان ينبغى لك لو أردت

[ 102 ]

قتلهم أن تقول اتق الله لم تستحل قتلهم ولم يقتلوا أحدا ولم ينابذوك ولم يخرجوا من طاعتك (وحج) بالناس في هذه السنة قثم بن العباس من قبل على عليه السلام حدثنى بذلك أحمد بن ثابت عن اسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكان قثم يومئذ عامل على على مكة وكان على اليمن عبيدالله بن العباس وعلى البصرة عبد الله بن العباس واختلف في عامله على خراسان فقيل كان خليد بن قرة اليربوعي وقيل كان ابن أبزى وأما الشأم ومصر فانه كان بهما معاوية وعماله ثم دخلت سنة تسع وثلاثين ذكر ما كان فيها من الاحداث فمما كان فيها من الاحداث المذكورة تفريق ابن معاوية جيوشه في أطراف على فوجه النعمان بن بشير فيما ذكر على بن محمد عن عوانة في ألفى رجل إلى عين التمر وبها مالك بن كعب مسلحة لعلى في ألف رجل فأذن لهم فأتوا الكوفة وأتاه النعمان ولم يبق معه إلا مائة رجل فكتب مالك إلى على يخبره بأمر النعمان ومن معه فخطب على الناس وأمرهم بالخروج فتثاقلوا وواقع مالك النعمان والنعمان في ألفى رجل ومالك في مائة رجل وأمر مالك أصحابه أن يجعلوا جدر القرية في ظهورهم واقتتلوا وكتب إلى مخنف بن سليم يسأله أن يمده وهو قريب منه فقاتلهم مالك ابن كعب في العصابة التى معه كأشد القتال ووجه إليه مخنف ابنه عبد الرحمن في خمسين رجلا فانتهوا إلى مالك وأصحابه وقد كسروا جفون سيوفهم واستقتلوا فلما رآهم أهل الشأم وذلك عند المساء ظنوا أن لهم مددا وانهزموا وتبعهم مالك فقتل منهم ثلاثة نفر ومضوا على وجوههم * حدثنى عبد الله بن أحمد بن شبويه المروزى قال حدثنا أبى قال حدثنى سليمان عن عبد الله قال حدثنى عبد الله بن أبى معاوية عن عمرو بن حسان عن شيخ من بنى فزارة قال بعث معاوية النعمان بن بشير في ألفين فأتوا عين التمر فأغاروا عليها وبها عامل لعلى يقال له ابن فلان الارحبي في ثلثمائة فكتب إلى على يستمده فأمر الناس أن ينهضوا إليه فتثاقلوا فصعد

[ 103 ]

المنبر فانتهيت إليه وقد سبقني بالتشهد وهو يقول يا أهل الكوفة كلما سمعتم بمنسر من مناسر أهل الشأم أظلكم انجحر كل امرئ منكم في بيته وأغلق بابه انجحار الضب في جحره والضبع في وجارها المغرور من غررتموه ولمن فاز بكم فاز بالسهم الاخيب لا أحرار عند النداء ولا إخوان ثقة عند النجاء إنا لله وإنا إليه راجعون ماذا منيت به منكم عمى لا تبصرون وبكم لا تنطقون وصم لا تستمعون إنا لله وإنا إليه راجعون (رجع الحديث إلى حديث عوانة) قال ووجه معاوية في هذه السنة سفيان بن عوف في ستة آلاف رجل وأمره أن يأتي هيت فيقطعها وأن يغير عليها ثم يمضى حتى يأتي الانبار والمدائن فيوقع بأهلها فسار حتى أتى هيت فلم يجد بها أحدا ثم أتى الانبار وبها مسلحة لعلى تكون خمسمائة رجل وقد تفرقوا فلم يبق منهم إلا مائة رجل فقاتلهم فصبر لهم أصحاب على مع قلتهم ثم حملت عليهم الخيل والرجالة فقتلوا صاحب المسلحة وهو أشرس ابن حسان البكري في ثلاثين رجلا واحتملوا ما كان في الانبار من الاموال وأموال أهلها ورجعوا إلى معاوية وبلغ الخبر عليا فخرج حتى أتى النخيلة فقال له الناس نحن نكفيك قال ما تكفونني ولا أنفسكم وسرح سعيد بن قيس في أثر القوم فخرج في طلبهم حتى جاز هيت فلم يلحقهم فرجع (قال وفيها) وجه معاوية أيضا عبد الله بن مسعدة الفزارى في ألف وسبعمائة رجل إلى تيماء وأمره أن يصدق من مر به من أهل البوادى وأن يقتل من امتنع من عطائه صدقة ماله ثم يأتي مكة والمدينة والحجاز يفعل ذلك واجتمع إليه بشر كثير من قومه فلما بلغ ذلك عليا وجه المسيب بن نجبة الفزارى فسار حتى لحق ابن مسعدة بتيماء فاق تلوا ذلك اليوم حتى زالت الشمس قتالا شديدا وحمل المسيب على ابن مسعدة قضربه ثلاث ضربات كل ذلك لا يلتمس قتله ويقول له النجاء النجاء فدخل ابن مسعدة وعامة من معه الحصن وهرب الباقون نحو الشأم وانتهب الاعراب إبل الصدقة التى كانت مع ابن مسعدة وحصره ومن كان معه المسيب ثلاثة أيام ثم ألقى الحطب على الباب وألقى النيران فيه حتى احترق فلما أحسوا بالهلاك أشرفوا على

[ 104 ]

المسيب فقالوا يا مسيب قومك فرق لهم وكره هلاكهم فأمر بالنار فأطفئت وقال لاصحابه قد جاءتني عيون فأخبروني أن جندا قد أقبل اليكم من الشأم فانضموا في مكان واحد فخرج ابن مسعدة في أصحابه ليلا حتى لحقوا بالشأم فقال له عبد الرحمن بن شبيب سر بنا في طلبهم فأبى ذلك عليه فقال له غششت أمير المؤمنين وداهنت في أمرهم (وفيها) أيضا وجه معاوية الضحاك بن قيس وأمره أن يمر بأسفل واقصة وأن يغير على كل من مر به ممن هو في طاعة على من الاعراب ووجه معه ثلاثة آلاف رجل فسار فأخذ أموال الناس وقتل من لقى من الاعراب ومر بالثعلبية فأغار على مسالح على وأخذ أمتعتهم ومضى حتى انتهى إلى القطقطانة فأتى عمرو بن عميس بن مسعود وكان في خيل لعلى وأمامه أهله وهو يريد الحج فأغار على ممن كان معه وحبسه عن المسير فلما بلغ ذلك عليا سرح حجر بن عدى الكندى في أربعة آلاف وأعطاهم خمسين خمسين فلحق الضحاك بتدمر فقتل منهم تسعة عشر رجلا وقتل من أصحابه رجلان وحال بينهم الليل فهرب الضحاك وأصحابه ورجع حجر ومن معه (وفيها) سار معاوية بنفسه إلى دجلة حتى شارفها ثم نكص راجعا ذكر ذلك ابن سعد عن محمد بن عمر قال حدثنى ابن جريج عن ابن أبى مليكة قال لما كانت سنة 39 أشرف عليه معاوية * وحدثني أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر مثله واختلف فيمن حج بالناس في هذه السنة فقال بعضهم حج بالناس فيها عبيدالله بن عباس من قبل على وقال بعضهم حج بهم عبد الله بن عباس فحدثني أبو زيد عمر بن شبة قال يقال إن عليا وجه ابن عباس ليشهد الموسم ويصلى بالناس في سنة 39 وبعث معاوية يزيد بن شجرة الرهاوى قال وزعم أبو الحسن أن ذلك باطل وأن ابن عباس لم يشهد الموسم في عمل حتى قتل على عليه السلام قال والذى نازعه يزيد بن شجرة قئم بن العباس حتى أنهما اصطلحا على شيبة بن عثمان فصلى بالناس سنة 39 وكالذى حكيت عن أبى زيد عن أبى الحسن قال أبو معشر في ذلك حدثنى بذلك أحمد بن ثابت الرازي عمن حدثه عن إسحاق بن عيسى عنه وقال الواقدي بعث على على

[ 105 ]

الموسم في سنة 39 عبيدالله بن عباس وبعث معاوية يزيد بن شجرة الرهاوى ليقيم للناس الحج فلما اجتمعا بمكة تنازعا وأبى كل واحد منهما أن يسلم لصاحبه فاصطلحا على شيبة بن عثمان بن أبى طلحة وكانت عمال على في هذه السنة على الامصار الذين ذكرنا أنهم كانوا عماله في سنة 38 غير ابن عباس كان شخص في هذه السنة عن عمله بالبصرة واستخلف زيادا الذى كان يقال له زياد بن أبيه على الخراج وأبا الاسود الدؤلى على القضاء (وفى هذه السنة) وجه ابن عباس زيادا عن أمر على إلى فارس وكرمان عند منصرفه من عند على من الكوفة إلى البصرة ذكر سبب توجيهه اياه إلى فارس * حدثنى عمر قال حدثنا على قال لما قتل ابن الحضرمي واختلف الناس على على طمع أهل فارس وأهل كرمان في كسر الخراج فغلب أهل كل ناحية على ما يليهم وأخرجوا عمالهم * حدثنى عمر قال حدثنا أبو القاسم عن سلمة بن عثمان عن على بن كثير أن عليا استشار الناس في رجل يوليه فارس حين امتنعوا من أداء الخراج فقال له جارية بن قدامة ألا أدلك يا أمير المؤمنين على رجل صليب الرأى عالم بالسياسة كاف لما ولى قال من هو قال زياد قال هو لها فولاه فارس وكرمان ووجهه في أربعة آلاف فدوخ تلك البلاد حتى استقاموا * حدثنى عمر قال حدثنا أبو الحسن عن على بن مجاهد قال قال الشعبى لما انتقض أهل الجبال وطمع أهل الخراج في كسره وأخرجوا سهل بن حنيف من فارس وكان عاملا عليها لعلى قال ابن عباس لعلى أكفيك فارس فقدم ابن عباس البصرة ووجه زيادا إلى فارس في جمع كثير فوطئ بهم أهل فارس‍ فأدوا الخراج * حدثنى عمر قال حدثنى أبو الحسن عن أيوب بن موسى قال حدثنى شيخ من أهل اصطخر قال سمعت أبى يقول أدركت زيادا وهو أمير على فارس وهى تضرم نارا فلم يزل بالمداراة حتى عادوا إلى ما كانوا عليه من الطاعة والاستقامة لم يقف موقفا للحرب وكان أهل فارس يقولون ما رأينا سيرة أشبه بسيرة كسرى أنوشروان من سيرة

[ 106 ]

هذا العربي في اللين والمداراة والعلم بما يأتي قال ولما قدم زياد فارس بعث إلى رؤسائها فوعد من نصره ومناه وخوف قوما وتوعدهم وضرب بعضهم ببعض ودل بعضهم على عورة بعض وهربت طائفة وأقامت طائفة فقتل بعضهم بعضا وصفت له فارس فلم يلق فيها جمعا ولا حربا وفعل مثل ذلك بكرمان ثم رجع إلى فارس فسار في كورها ومناهم فسكن الناس إلى ذلك فاستقامت له البلاد وأتى اصطخر فنزلها وحصن قلعة بها ما بين بيضاء اصطخر واصطخر فكانت تسمى قلعة زياد فحمل إليها الاموال ثم تحصن فيها بعد ذلك منصور اليشكرى فهى اليوم تسمى قلعة منصور ثم دخلت سنة أربعين ذكر ما كان فيها من الاحداث فمما كان فيها من ذلك توجيه معاوية بسر بن أبى أرطاة في ثلاثة آلاف من المقاتلة إلى الحجاز فذكر عن زياد بن عبد الله البكائى عن عوانة قال أرسل معاوية بن أبى سفيان بعد تحكيم الحكمين بسربن أبى أرطاة وهو رجل من بنى عامر بن لؤى في جيش فساروا من الشأم حتى قدموا المدينة وعامل على على المدينة يومئذ أبو أيوب الانصاري ففر منهم أبو يوب فاتى بالكوفة ودخل بسر المدينة قال فصعد منبرها ولم يقاتله بها أحد فنادى على المنبر يا دينار ويانجار ويازريق شيخي شيخي عهدي به بالامس فأين هو يعنى عثمان ثم قال يا أهل المدينة والله لولا ما عهد إلى معاوية ما تركت بها محتلما إلا قتلته ثم بايع أهل المدينة وأرسل إلى بنى سلمة فقال والله ما لكم عندي من أمان ولا مبايعة حتى تأتوني بجابر بن عبد الله فانطلق جابر إلى أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها ماذا ترين إنى قد خشيت أن أقتل وهذه بيعة ضلالة قالت أرى أن تبايع فإنى قد أمرت ابني عمر بن أبى سلمة أن يبايع وأمرت ختنى عبد الله بن زمعة وكانت ابنتها زينب ابنة أبى سلمة عند

[ 107 ]

عبد الله بن زمعة فأتاه جابر فبايعه وهدم بسر دورا بالمدينة ثم مضى حتى أتى مكة فخافه أبو موسى أن يقتله فقال له بسر ما كنت لافعل بصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فخلى عنه وكتب أبو موسى قبل ذلك إلى اليمن أن خيلا مبعوثة من عند معاوية تقتل الناس تقتل من أبى أن يقر بالحكومة ثم مضى أسر إلى اليمن وكان عليها عبيدالله بن عباس عاملا لعلى فلما بلغه مسيره فر إلى الكوفة حتى أتى عليا واستخلف عبد الله بن عبد المدان الحارثى على اليمن فأتاه بسر فقتله وقتل ابنه ولقى بسر ثقل عبيدالله بن عباس وفيه ابنان له صغيران فذبحهما وقد قال بعض الناس إنه وجد ابني عبيدالله بن عباس عند رجل من بنى كنانة من أهل البادية فلما أراد قتلهما قال الكنانى علام تقتل هذين ولا ذنب لهما فإن كنت قاتلهما فاقتلني قال أفعل فبدأ بالكناني فقتله ثم قتلهما ثم رجع بسر إلى الشأم وقد قيل إن الكنانى قاتل عن الطفلين حتى قتل وكان اسم أحد الطفلين اللذين قتلهما بسر عبد الرحمن والآخر قثم وقتل بسر في مسيره ذلك جماعة كثيرة من شيعة على باليمن وبلغ عليا خبر بسر فوجه جارية بن قدامة في ألفين ووهب بن مسعود في ألفين فسار جارية حتى أتى نجران فحرق بها وأخذ ناسا من شيعة عثمان فقتلهم وهرب بسر وأصحابه منه واتبعهم حتى بلغ مكة فقال لهم جارية بايعونا فقالوا قد هلك أمير المؤمنين فلمن نبايع قال لمن بايع له أصحاب على فتثاقلوا ثم بايعوا ثم سار حتى أتى المدينة وأبو هريرة يصلى بهم فهرب منه فقال جارية والله لو أخذت أباسنور لضربت عنقه ثم قال لاهل المدينة بايعوا الحسن بن على فبايعوه وأقام يومه ثم خرج منصرفا إلى الكوفة وعاد أبو هريرة فصلى بهم (وفى هذه السنة) فيما ذكر جرت بين على وبين معاوية المهادنة بعد مكاتبات جرت بينهما يطول بذكرها الكتاب على وضع الحرب بينهما ويكون لعلى العراق ولمعاوية الشأم فلا يدخل أحدهما على صاحبه في عمله بجيش ولا غارة ولا غزو قال زياد بن عبد الله عن أبى إسحاق لما لم يعط أحد الفريقين صاحبه الطاعة كتب معاوية إلى على أما إذا شئت فلك العراق ولى الشأم وتكف السيف عن هذه الامة ولا تهريق دماء المسلمين

[ 108 ]

ففعل ذلك وتراضيا على ذلك فأقام معاوية بالشأم بجنوده يجبيها وما حولها وعلى بالعراق يجبيها ويقسمها بين جنوده (وفيها) خرج عبد الله بن العباس من البصرة ولحق مكة في قول عامة أهل السير وقد أنكر ذلك بعضهم وزعم أنه لم يزل بالبصرة عاملا عليها من قبل أمير المؤمنين على عليه السلام حتى قتل وبعد مقتل على حتى صالح الحسن معاوية ثم خرج حينئذ إلى مكة ذكر الخبر عن سبب شخوصه إلى مكة وتركه العراق * حدثنى عمر بن شبة قال حدثنى جماعة عن أبى مخنف عن سليمان بن راشد عن عبد الرحمن بن عبيد أبى الكنود قال مر عبد الله بن عباس على أبى الاسود الدؤلى فقال لو كنت من البهائم كنت جملا ولو كنت راعيا ما بلغت من المرعى ولا أحسنت مهنته في المشى قال فكتب أبو الاسود إلى على أما بعد فإن الله جل وعلا جعلك واليا مؤتمنا وراعيا مستوليا وقد بلوناك فوجدناك عظيم الامانة ناصحا للرعية توفر لهم فيأهم وتظلف نفسك عن دنياهم فلا تأكل أموالهم ولا ترتشى في أحكامهم وان ابن عمك قد أكل ما تحت يديه بغير علمك فلم يسعنى كتمانك وذلك فانظر رحمك الله فيما هناك واكتب إلى برأيك فيما أحببت أنته اليك والسلام فكتب إليه على أما بعد فمثلك نصح الامام والامة وأدى الامانة ودل على الحق وقد كتبت إلى صاحبك فيما كتبب إلى فيه من أمره ولم أعلمه أنك كتبت فلا تدع إعلامى بما يكون بحضرتك مما النظر فيه للامة صلاح فإنك بذلك جدير وهو حق واجب عليك والسلام وكتبت إلى ابن عباس في ذلك فكتب إليه ابن عباس أما بعد فان الذى بلغك باطل وإنى لما تحت يدى ضابط قائم له وله حافظ فلا تصدق الظنون والسلام قال فكتب إليه على أما بعد فأعلمني ما أخذت من الجزية ومن أين أخذت وفيم وضعت قال فكتب إليه ابن عباس أما بعد فقد فهمت تعظيمك مرزأة ما بلغك أنى رزأته من مال أهل هذا البلد فابعث إلى عملك من أحببت فانى ظاعن عنه والسلام ثم دعا ابن عباس أخواله بنى هلال بن عامر فجاءه الضحاك ابن عبد الله وعبد الله بن رزين بن أبى عمر والهلاليان ثم اجتمعت معه قيس كلها

[ 109 ]

فحمل مالا قال أبو زيد قال أبو عبيدة كانت أرزاقا قد اجتمعت فحمل معه مقدار ما اجتمع له فبعث الاخماس كلها فلحقوه بالطف فتواقفوا يريدون أخذ المال فقال قيس والله لا يوصل إلى ذلك وفينا عين تطرف وقال صبرة بن شيمان الحدانى يا معشر الازد والله إن قيسا لاخواننا في الاسلام وجيراننا في الدار وأعواننا على العدو وإن الذى يصيبكم من هذا المال لو رد عليكم لقيل وهم غدا خير لكم من المال قالوا فما ترى قال انقرفوا عنهم ودعوهم فأطاعوه فانصرفوا فقال بكر وعبد القيس نعم الرأى رأى صبرة لقومه فاعتزلوا أيضا فقالت بنو تميم والله لا نفارقهم نقاتلهم عليه فقال الاحنف قد ترك قتالهم من هو أبعد منكم رحما فقالوا والله لنقاتلنهم فقال إذا لا أساعدكم م ليهم فاعتزلهم قال فرأسوا عليهم ابن المجاعة من بنى تميم فقاتلوهم وحمل الضحاك على ابن المجاعة فطعنه واعتنقه عبد الله ابن رزين فسقطا إلى الارض يعتركان وكثر الجراح فيهم ولم يكن بينهم قتيل فقالت الاخماس ما صنعنا شيئا اعتزلناهم وتركناهم يتحاربون فضربوا وجوه بعضهم عن بعض وقالوا لبنى تميم فنحن أسخى منكم أنفسا حين تركنا هذا المال لبنى عمكم وأنتم تقاتلونهم عليه إن القوم قد حملوا وحموا فخلوهم وإن أحببتم فانصرفوا ومضى ابن عباس ومعه نحو من عشرين رجلا حتى قدم مكة * وحدثني أبو زيد قال زعم أبو عبيدة ولم أسمعه منه أن ابن عباس لم يبرح من البصرة حتى قتل على عليه السلام فشخص إلى الحسن فشهد الصلح بينه وبين معاوية ثم رجع إلى البصرة وثقله بها فحمله ومالا من بيت المال قليلا وقال هي أرزاقي قال أبو زيد ذكرت ذلك لابي الحسن فأنكره وزعم أن عليا قتل وابن عباس بمكة وأن الذى شهد الصلح بين الحسن ومعاوية عبيدالله بن عباس (وفى هذه السنة) قتل على بن أبى طالب عليه السلام واختلف في وقت قتله فقال أبو معشر ما حدثنى به أحمد بن ثابت قال حدثت عن اسحاق بن عيسى عن أبى معشر قال قتل على في شهر رمضان يوم الجمعة لسبع عشرة خلت منه سنة 40 وكذلك قال الواقدي حدثنى بذلك الحارث عن ابن سعد عنه وأما أبو زيد فحدثني

[ 110 ]

عن على بن محمد أنه قال قتل على بن أبى طالب بالكوفة يوم الجمعة لاحدى عشرة قال ويقال لثلاث عشرة بقيت من شهر رمضان سنة 40 قال وقد قيل في شهر ربيع الآخر سنة 40 ذكر الخبر عن سبب قتله ومقتله * حدثنى موسى بن عبد الرحمن المسروقى قال حدثنا عبد الرحمن الحرانى أبو عبد الرحمن قال أخبرنا إسماعيل بن راشد قال من حديث ابن ملجم وأصحابه أن ابن ملجم والبرك بن عبد الله وعمرو بن بكر التميمي اجتمعوا فتذاكروا أمر الناس وعابوا على ولاتهم ثم ذكروا أهل النهر فترحموا عليهم وقالوا ما نصنع بالبقاء بعدهم شيئا إخواننا الذين كانوا دعاة الناس لعبادة ربهم والذين كانوا لا يخافون في الله لومة لائم فلو شرينا أنفسنا فأتينا أئمة الضلالة فالتمسنا قتلهم فأرحنا منهم البلاد وثأرنا بهم إخواننا فقال ابن ملجم أنا أكفيكم على بن أبى طالب وكان من أهل مصر وقال البرك بن عبد الله أنا أكفيكم معاوية بن أبى سفيان وقال عمرو بن بكر أنا أكفيكم عمرو بن العاص فتعاهدوا وتواثقوا بالله لا ينكص رجل منا عن صاحبه الذى توجه إليه حتى يقتله أو يموت دونه فأخذوا أسيافهم فسموها واتعدوا لسبع عشرة تخلو من رمضان أن يثب كل واحد منهم على صاحبه الذى توجه إليه وأقبل كل رجل منهم إلى المصر الذى فيه صاحبه الذى يطلب فأما ابن ملجم المرادى فكان عداده في كندة فخرج فلقى أصحابه بالكوفة وكاتمهم أمره كراهة أن يظهروا شيئا من أمره فإنه رأى ذات يوم أصحابا من تيم الرباب وكان على قتل منهم يوم النهر عشرة فذكروا قتلاهم ولقى من يومه ذلك امرأة من تيم الرباب يقال لها قطام ابنة الشجنة وقد قتل أياها وأخاها يوم النهر وكانت فائقة الجمال فلما رآها التبست بعقله ونسى حاجته التى جاء لها ثم خطبها فقالت لا أتزوجك حتى تشفى لى قال وما يشفيك قالت ثلاثة آلاف وعبد وقينة وقتل على بن أبى طالب قال هو مهر لك فأما قتل على فلا أراك ذكرته لى وأنت تريديني قالت بلى التمس غرته فإن أصبت شفيت نفسك ونفسي ويهنئك العيش معى وإن قتلت فما عند الله خير من الدنيا

[ 111 ]

وزينتها وزينة أهلها قال فوالله ما جاء بى إلى هذا المصر الا قتل على فلك ما سألت قالت إنى أطلب لك من يسند ظهرك ويساعدك على أمرك فبعثت إلى رجل من قومها من تيم الرباب يقال له وردان فكلمته فأجابها وأتى ابن ملجم رجلا من أشجع يقال له شبيب بن بجرة فقال له هل لك في شرف الدنيا والآخرة قال وما ذاك قال قتل على بن أبى طالب قال ثكلتك أمك لقد جئت شيئا إدا كيف تقدر على على قال أكمن له في المسجد فإذا خرج لصلاة الغداة شددنا عليه فقتلناه فإن نجونا شفينا أنفسنا وأدركنا ثأرنا وإن قتلنا فما عند الله خير من الدنيا وما فيها قال ويحك لو كان غير على لكان أهون على قد عرفت بلاءه في الاسلام وسابقته مع النبي صلى الله عليه وسلم وما أجدني أنشرح لقتله قال أما تعلم أنه قتل أهل النهر العباد الصالحين قال بلى قال فنقتله بمن قتل من إخواننا فأجابه فجاؤا قطام وهى في المسجد الاعظم معتكفة فقالوا لها قد أجمع رأينا على قتل على قالت فإذا أردتم ذلك فأتوني ثم عاد إليها ابن ملجم في ليلة الجمعة التى قتل في صبيحتها على سنة 40 فقال هذه الليلة التى واعدت فيها صاحبي أن يقتل كل واحد منا صاحبه فدعت لهم بالحرير فعصبتهم به وأخذوا أسيافهم وجلسوا مقابل السدة التى يخرج منها على فلما خرح ضربه شبيب بالسيف فوقع سيفه بعضادة الباب أو الطاق وضربه ابن ملجم في قرنه بالسيف وهرب وردان حتى دخل منزله فدخل عليه رجل من بنى أبيه وهو ينزع الحرير عن صدره فقال ما هذا الحرير والسيف فأخبره بما كان فجاء بسيفه فعلا به وردان حتى قتله وخرح شبيب نحو أبواب كندة في الغلس وصاح الناس فلحقه رجل من حضرموت يقال له عويمر وفى يد شبيب السيف فأخذه وجثم عليه الحضرمي فلما رأى الناس قد أقبلوا في طلبه وسيف شبيب في يده خشى على نفسه فتركه ونجا شبيب في غمار الناس فشدوا على ابن ملجم فأخذوه إلا أن رجلا من همدان يكنى أبا ادماء أخذ سيفه فضرب رجله فصرعه وتأخر على ورفع في ظهره جعدة ابن هبيرة بن أبى وهب فصلى بالناس الغداة ثم قال على على بالرجل فأدخل عليه ثم قال أي عدو الله ألم أحسن إليك قال بلى قال فما حملك على هذا قال شحذته

[ 112 ]

أربعين صباحا وسألت الله أن يقتل به شر خلقه فقال عليه السلام لا أراك إلا مقتولا به ولا أراك إلا من شر خلقه * وذكروا أن ابن ملجم قال قبل أن يضرب عليا وكان جالسا في بنى بكر بن وائل إذ مر عليه بجنازة أبجر بن جابر العجلى أبى حجار وكان نصرانيا والنصارى حوله وأناس مع حجار لمنزلته فيهم يمشون في جانب وفيهم شقيق بن ثور فقال ابن ملجم ما هؤلاء فأخبر الخبر فأنشأ يقول لئن كان حجار بن أبجر مسلما * لقد بوعدت منه جنازة أبجر وإن كان حجار بن أبجر كافرا * فما مثل هذا من كفور بمنكر أترضون هذا أن قيسا ومسلما * جميعا لدى نعش فيا قبح منظر فلولا الذى أنوى لفرقت جمعهم * بأبيض مصقول الدياس مشهر ولكننى أنوى بذاك وسيلة * إلى الله أو هذا فخذ ذاك أو ذر وذكر أن محمد بن الحنيفة قال كنت والله إنى لاصلى تلك الليلة التى ضرب فيها على في المسجد الاعظم في رجال كثير من أهل المصر يصلون قريبا من السدة ما هم إلا قيام وركوع وسجود وما يسأمون من أول الليل إلى آخره إذ خرج على لصلاة الغداة فجعل ينادى أيها الناس الصلاة الصلاة فما أدرى أخرج من السدة فتكلم بهذه الكلمات أم لا فنظرت إلى بريق وسمعت الحكم لله يا على لا لك ولا لاصحابك فرأيت سيفاثم رأيت ثانيا ثم سمعت عليا يقول لا يفوتنكم الرجل وشد الناس عليه من كل جانب قال فلم أبرح حتى أخذ ابن ملجم وأدخل على على فدخلت فيمن دخل من الناس فسمعت عليا يقول النفس بالنفس إن أنا مت فاقتلوه كما قتلني وإن بقيت رأيت فيه رأيى * وذكر أن الناس دخلوا على الحسن فزعين لما حدث من أمر على فبينما هم عنده وابن ملجم مكتوف بين يديه إذ نادته أم كلثوم بنت على وهى تبكى أي عدو الله لا بأس على أبى والله مخزيك قال فعلى من تبكين والله لقد اشتريته بألف وسممته بألف ولو كانت هذه الضربة على جميع أهل المصر ما بقى منهم أحد * وذكر أن جندب بن عبد الله دخل على على فسأله فقال يا أمير المؤمنين ان فقدناك ولا نفقدك فنبايع الحسن فقال ما آمركم ولا أنهاكم أنتم

[ 113 ]

أبصر فرد عليه مثلها فدعا حسنا وحسينا فقال أوصيكما بتقوى الله وألا تبغيا الدنيا وإن بغتكما ولا تبكيا على شئ زوى عنكما وقولا الحق وارحما اليتيم وأغيثا الملهوف واصنعا للآخرة وكونا للظالم خصما وللمظلوم ناصرا واعملا بما في الكتاب ولا تأخذكما في الله لومة لائم ثم نظر إلى محمد بن الحنفية فقال هل حفظت ما أوصيت به أخويك قال نعم قال فإنى أوصيك بمثله وأوصيك بتوقير أخويك العظيم حقهما عليك فاتبع أمرهما ولا تقطع أمرا دونهما ثم قال أوصيكما به فإنه شقيقكما وابن أبيكما وقد علمتما ان أباكما كان يحبه وقال للحسن أوصيك أي بنى بتقوى الله وإقام الصلاة لوقتها وإيتاه الزكاة عند محلها وحسن الوضوء فإنه لا صلاة إلا بطهور ولا تقبل صلاة من مانع زكاة وأوصيك بغفر الذنب وكظم الغيظ وصلة الرحم والحلم عند الجهل والتفقه في الدين والتثبت في الامر والتعاهد للقرآن وحسن الجوار والامر بالمعروف والنهى عن المنكر واجتناب الفواحش فلما حضرته الوفاة أوصى فكانت وصيته (بسم الله الرحمن الرحيم) هذا ما أوصى به على بن أبى طالب أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ثم إن صلاتي ونسكى ومحياى ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين ثم أوصيك يا حسن وجميع ولدى وأهلي بتقوى الله وبكم ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا فإنى سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول إن صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام انظروا إلى ذوى أرحامكم فصلوهم يهون الله عليكم الحساب الله الله في الايتام فلا تعنوا أفواههم ولا يضيعن بحضرتكم والله الله في جيرانكم فإنهم وصية نبيكم صلى الله عليه وسلم ما زال يوصى به حتى ظننا أنه سيورثه والله الله في القرآن فلا يسبقنكم إلى العمل به غيركم والله الله في الصلاة فإنها عمود دينكم والله الله في بيت ربكم فلا تخلوه ما بقيتم فإنه إن ترك لم يناظر والله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم والله الله في الزكاة فإنها تطفئ غضب الرب والله الله في ذمة نبيكم فلا يظلمن بين

[ 114 ]

أظهركم والله الله في أصحاب نبيكم فان رسول الله أوصى بهم والله الله في الفقراء والمساكين فأشركوهم في معايشكم والله الله فيما ملكت أيمانكم الصلاة الصلاة لا تخافن في الله لومة لائم يكفيكم من أرادكم وبغى عليكم وقولوا للناس حسنا كما أمركم الله ولا تتركوا الامر بالمعروف والنهى عن المنكر فيولى الامر شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم وعليكم بالتواصل والتباذل وإياكم والتدابر والتقاطع والتفرق وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب حفظكم الله من أهل بيت وحفظ فيكم نبيكم أستودعكم الله وأقرأ عليكم السلام ورحمة الله ثم لم ينطق إلا بلا إله إلا الله حتى قبض رضى الله عنه وذلك في شهر رمضان سنة 40 وغسله ابناه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص وكبر عليه الحسن تسع تكبيرات ثم ولى الحسن ستة أشهر وقد كان على نهى الحسن عن المثلة وقال يا بنى عبد المطلب لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين تقولون قتل أمير المؤمنين قتل أمير المؤمنين ألا لا يقتلن إلا قاتلي انظر يا حسن إن أنا مت من ضربته هذه فاضربه ضربة بضربة ولا تمثل بالرجل فانى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إياكم والمثلة ولو أنها بالكلب العقور فلما قبض عليه السلام بعث الحسن إلى ابن ملجم فقال للحسن هل لك في خصلة إنى والله ما أعطيت الله عهدا إلا وفيت به إنى كنت قد أعطيت الله عهدا عند الحطيم أن أقتل عليا ومعاوية أو أموت دونهما فإن شئت خليت بينى وبينه ولك الله على إن لم أقتله أو قتلته ثم بقيت أن آتيك حتى أضع يدى في يدك فقال له الحسن أما والله حتى تعاين النار فلاثم قدمه فقتله ثم أخذه الناس فأدرجوه في بوارى ثم أحرقوه بالنار * وأما البرك بن عبد الله فانه في تلك الليلة التى ضرب فيها على قعد لمعاوية فلما خرج ليصلى الغداة شد عليه بسيفه فوقع السيف في اليته فأخذ فقال إن عندي خبرا أسرك به فإن أخبرتك فنافعي ذلك عندك قال نعم قال إن أخالى قتل عليا في مثل هذه الليلة قال فلعله لم يقدر على ذلك قال بلى إن عليا يخرج ليس معه من يحرسه فأمر به معاوية فقتل وبعث معاوية إلى

[ 115 ]

الساعدي وكان طبيبا فلما نظر إليه قال اختر إحدى خصلتين إما أن أحمى حديدة فأضعها موضع السيف وإما أن أسقيك شربة تقطع منك الولد وتبرأ منها فإن ضربتك مسمومة فقال معاوية أما النار فلا صبر لى عليها وأما انقطاع الولد فان في يزيد وعبد الله ما تقر به عينى فسقاه تلك الشربة فبرأ ولم يولد له بعدها وأمر معاوية عند ذلك بالمقصورات وحرس الليل وقيام الشرط على رأسه إذا سجد * وأما عمرو ابن بكر فجلس لعمرو بن العاص تلك الليلة فلم يخرج وكان اشتكى بطنه فأمر خارجة ابن حذافة وكان صاحب شرطته وكان من بنى عامر بن لؤى فخرج ليصلى فشد عليه وهو يرى أنه عمرو فضربه فقتله فأخذه الناس فانطلقوا به إلى عمرو يسلمون عليه بالامرة فقال من هذا قالوا عمرو قال فمن قتلت قالوا خارجة بن حذافة قال أما والله يا فاسق ما ظننته غيرك فقال عمرو أردتني وأراد الله خارجة فقدمه عمرو فقتله فبلغ ذلك معاوية فكتب إليه: وقتل وأسباب المنايا كثيرة * منية شيخ من لؤى بن غالب فيا عمرو مهلا إنما أنت عمه * وصاحبه دون الرجال الاقارب نجوت وقد بل المرادى سيفه * من ابن أبى شيخ الاباطح طالب ويضربنى بالسيف آخر مثله * فكانت علينا تلك ضربة لازب وأنت تناغى كل يوم وليلة * بمصرك بيضا كالظباء السوارب ولما انتهى إلى عائشة قتل على رضى الله عنه قالت: فألقت عصاها واستقرت بها النوى * كما قر عينا بالاياب المسافر فمن قتله فقيل رجل من مراد فقالت: فإن يك نائيا فلقد نعاه * غلام ليس في فيه التراب فقالت زينب بنت أبى سلمة العلى تقولين هذا فقالت إنى أنسى فإذا نسيت فذكروني وكان الذى ذهب بنعيه سفيان بن عبد شمس بن أبى وقاص الزهري وقال ابن أبى مياس المرادى في قتل على: ونحن ضربنا يا لك الخير حيدرا * أبا حسن مأمومة فتفطرا

[ 116 ]

ونحن خلعنا ملكه من نظامه * بضربة سيف إذ علا وتجبرا ونحن كرام في الصباح أعزة * إذا الموت بالموت ارتدى وتأزرا وقال أيضا: ولم أر مهرا ساقه ذو سماحة * كمهر قطام من فصيح وأعجم ثلاثة آلاف وعبد وقينة * وضرب على بالحسام المصمم فلا مهر أغلى من على وإن غلا * ولا قتل إلا دون قتل ابن ملجم وقال أبو الاسود الدؤلى: ألا أبلغ معاوية بن حرب * فلا قرت عيون الشامتينا أفى شهر الصيام فجعتمونا * بخير الناس طرا أجمعينا قتلتم خير من ركب المطايا * ورحلها ومن ركب السفينا ومن لبس النعال ومن حذاها * ومن قرأ المثانى والمبينا إذا استقبلت وجه أبى حسين * رأيت البدر راع الناظرينا لقد علمت قريش حيث كانت * بأنك خيرها حسبا ودينا (واختلف) في سنة يوم قتل فقال بعضهم قتل وهو ابن تسع وخمسين سنة وحدثت عن مصعب بن عبد الله قال كان الحسن بن على يقول قتل أبى وهو ابن ثمان وخمسين سنة وحدثنا عن بعضهم قال قتل وهو ابن خمس وستين سنة وحدثني أبو زيد قال حدثنى أبو الحسن قال حدثنى أيوب بن عمر بن أبى عمر عن جعفر بن محمد قال قتل على وهو ابن ثلاث وستين سنة قال وذلك أصح ما قيل فيه * حدثنى عمر قال حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحمانى قال حدثنا شريك عن أبى إسحاق قال قتل على عليه السلام وهو ابن ثلاث وستين سنة وقال هشام ولى على وهو ابن ثمان وخمسين سنة وأشهر وكانت خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر ثم قتله ابن ملجم واسمه عبد الرحمن بن عمرو في رمضان لسع عشرة مضت منه وكانت ولايته أربع سنين وتسعة أشهر وقتل سنة 40 وهو ابن ثلاث وستين سنة * وحدثني الحارث قال حدثنى ابن سعد عن محمد بن عمر قال قتل على عليه السلام

[ 117 ]

وهو ابن ثلاث وستين سنة صبيحة ليلة الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة 40 ودفن عند مسجد الجماعة في قصر الامارة * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال ضرب على عليه السلام ليلة الجمعة فمكت يوم الجمعة وليلة السبت وتوفى ليلة الاحد لاحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان سنة 40 وهو ابن ثلاث وستين سنة * وحدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنا على بن عمر وأبو بكر السبرى عن عبد الله بن محمد بن عقيل قال سمعت محمد بن الحنفية يقول سنة الجحاف دخلت سنة 81 هذه ولى خمس وستون سنة قد جاوزت سن أبى قيل وكم كانت سنه يوم قتل قال قتل وهو ابن ثلاث وستين سنة وقال الحارث قال ابن سعد قال محمد بن عمر كذلك وهو الثبت عندنا ذكر الخبر عن قدر مدة خلافته * حدثنى أحمد بن ثابت قال حدثت عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر قال كانت خلافة على خمس سنين إلا ثلاثة أشهر * وحدثني الحارث قال حدثنى ابن سعد قال قال محمد بن عمر كانت خلافة على خمس سنين إلا ثلاثة أشهر * حدثنى أبو زيد قال قال أبو الحسن كانت ولاية على أربع سنين وتسعة أشهر ويوما أو غير يوم ذكر الخبر عن صفته * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنا ابو بكر بن عبد الله بن ابى سبرة عن إسحاق بن عبد الله بن ابى فروة قال سألت ابا جعفر محمد بن على قلت ما كانت صفة على عليه السلام قال رجل آدم شديد الادمة ثقيل العينين عظيمهما ذو بطن اصلع هو إلى القصر اقرب ذكر نسبه عليه السلام هو على بن أبى طالب واسم أبى طالب عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف وأمه فاطمة بنة سد بن هاشم عبد مناف

[ 118 ]

ذكر الخبر عن أزواجه وأولاده فأول زوجة تزوجها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتزوج عليها حتى توفيت عنده وكان لها منه من الولد الحسن والحسين ويذكر أنه كان لها منه ابن آخر يسمى محسنا توفى صغيرا وزينب الكبرى وأم كلثوم الكبرى ثم تزوج بعد أم البنين بنت حزام وهو أبو المجل بن خالد بن ربيعة بن الوحيد بن كعب ابن عامر بن كلاب فولد لها منه العباس وجعفر وعبد الله وعثمان قتلوا مع الحسين عليه السلام بكربلاء ولا بقية لهم غير العباس وتزوج ليلى ابنة مسعود بن خالد ابن مالك بن ربعى بن سلمى بن جندل بن نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك ابن زيد بن مناة تميم فولدت له عبيدالله وأبا بكر * فزعم هشام بن محمد أنهما قتلا مع الحسين بالطف وأما محمد بن عمر فانه زعم أن عبيدالله بن على قتله المختار ابن أبى عبيد بالمذار وزعم أنه لا بقية لعبيد الله ولا لابي بكر ابني على عليه السلام وتزوج أسماء ابنة عميس الخثعمية فولدت له فيما حدثت عن هشام بن محمد يحيى ومحمدا الاصغر وقال لا عقب لهما * وأما الواقدي فانه قال فيما حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا الواقدي أن أسماء ولدت لعلى يحيى وعونا ابني على ويقول بعضهم محمد الاصغر لام ولد وكذلك قال الواقدي في ذلك وقال قتل محمد الاصغر مع الحسين وله من الصهباء وهى أم حبيب بنت ربيعة بن بجير بن العبد بن علقمة ابن الحارث بن عتبة بن سعد بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم ابن تغلب بن وائل وهى أم ولد من السبى الذين أصابهم خالد بن الوليد حين أغار على عين التمر على بنى تغلب بها عمر بن على ورقية ابنة على فعمر عمر بن على حتى بلغ خمسا وثمانين سنة فحاز نصف ميراث على عليه السلام ومات بينبع وتزوج أمامة بنت أبى العاصى بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف وأمها زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فولدت له محمدا الاوسط وله محمد بن على الاكبر الذى يقال له محمد بن الحنيفة أمه خولة ابنة جعفر بن قيس بن مسلمة ابن عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدول بن حنيفة بن لجيم بن صعب بن على

[ 119 ]

ابن بكر بن وائل توفى بالطائف فصلى عليه ابن عباس وتزوج أم سعيد بنت عروة ابن مسعود بن معتب بن مالك الثقفى فولدت له أم الحسن ورملة الكبرى وكان له بنات من أمهات شتى لم يسم لنا أسماء أمهاتهن منهن أم هانئ وميمونة وزينب الصغرى ورملة الصغرى وأم كلثوم الصغرى وفاطمة وأمامة وخديجة وأم الكرام وأم سلمة وأم جعفر وحمانة ونفيسة بنات على عليه السلام أمهاتهن أمهات أولاد شتى وتزوج محياة ابنة امرئ القيس بن عدى بن أوس بن جابر بن كعب بن عليم من كلب فولدت له جارية هلكت وهى صغيرة (قال الواقدي) كانت تخرج إلى المسجد وهى جارية فيقال لها من أخوالك فتقول وه وه تعنى كلبا فجميع ولد على لصلبه أربعة عشر ذكرا وسبعة عشر امرأة * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد عن الواقدي قال كان النسل من ولد على لخمسة الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية والعباس بن الكلابية وعمر بن التغلبية ذكر ولاته وكان واليه على البصرة في هذه السنة عبد الله بن العباس وقد ذكرنا اختلاف المختلفين في ذلك واليه كانت الصدقات والجند والمعاون أيام ولايته كلها وكان يستخلف بها إذا شخص عنها على ما قد ثبت قبل وكان على قضائها من قبل على أبو الاسود الدؤلى وقد ذكرت ما كان من توليته زيادا عليها ثم إشخاصه إياه إلى فارس لحربها وخراجها فقتل وهو بفارس وعلى ما كان وجهه عليه وكان عامله على البحرين وما يليها واليمن ومحاليفها عبيدالله بن العباس حتى كان من أمره وأمر بسر بن أبى أرطاة ما قد مضى ذكره وكان عامله على الطائف ومكة وما اتصل بذلك قثم بن العباس وكان عامله على المدينة أبو أيوب الانصاري وقيل سهل بن حنيف حتى كان من أمره عند قدوم بسر ما قد ذكر قبل ذكر بعض سيره عليه السلام * حدثنى يونس بن عبد الاعلى قال أخبرنا وهب قال أخبرني ابن أبى ذئب عن عباس بن الفضل مولى بنى هاشم عن أبيه عن جده ابن أبى رافع انه كان خازنا لعلى

[ 120 ]

عليه السلام على بيت المال قال فدخل يوما وقد زينت ابنته فرأى عليها لؤلؤة من بيت المال قد كان عرفها فقال من أين لها هذه لله على أن أقطع يدها قال فلما رأيت جده في ذلك قلت أنا والله يا أمير المؤمنين زينت بها ابنة أخى ومن أين كانت تقدر عليها لو لم أعطها فسكت * حدثنى اسماعيل بن موسى الفزارى قال حدثنا عبد السلام بن حرب عن ناجية القرشى عن عمه يزيد بن عدى بن عثمان قال رأيت عليا عليه السلام خارجا من همدان فرأى فئتين يقتتلان ففرق بينهما ثم مضى فسع صوتا ياغوثا بالله فخرج يحضر نحوه حتى سمعت خفق نعله وهو يقول أتاك الغوث فإذا رجل يلازم رجلا فقال يا أمير المؤمنين بعت هذا ثوبا بتسعة دراهم وشرطت عليه أن لا يعطينى مغموزا ولا مقطوعا وكان شرطهم يومئذ فأتيته بهذه الدراهم ليبد لها لى فأبى فلزمته فلطمى فقال أبد له فقال بينتك على اللطمة فأتاه بالبينة فاقعده ثم قال دونك فاقتص فقال إنى قد عفوت يا أمير المؤمنين قال إنما أردت أن أحتاط في حقك ثم ضرب الرجل تسع درات وقال هذا حق السلطان * حدثنى محمد بن عمارة الاسدي قال حدثنا عثمان بن عبد الرحمن الاصبهاني قال حدثنا المسعودي عن ناجية عن أبيه قال كنا قياما على باب القصر إذ خرج على علينا فلما رأيناه تنحينا عن وجهه هيبة له فلما جاز صرنا خلفه فبينا هو كذلك إذ نادى رجل يا غوثا بالله فإذا رجلان يقتتلان فلكز صدر هذا وصدر هذا ثم قال لهما تنحيا فقال أحمدهما يا أمير المؤمنين ان هذا اشترى منى شاة وقد شرطت عليه أن لا يعطينى مغموزا ولا محذفا فأعطاني درهما مغموزا فرددته عليه فلطمني فقال للآخر ما تقول قال صدق يا أمير المؤمنين قال فأعطه شرطه ثم قال للاطم اجلس وقال للملطوم اقتص قال أو أعفو يا أمير المؤمنين قال ذاك اليك قال فلما جاز الرجل قال على يا معشر المسلمين خذوه قال فأخذوه فحمل على ظهر رجل كما يحمل صبيان الكتاب ثم ضربه خمس عشرة درة ثم قال هذا نكال لما انتهكت من حرمته * حدثنى ابن سنان القزاز قال حدثنا أبو عاصم قال حدثنا سكين بن عبد العزيز قال أخبرنا حفص بن خالد قال حدثنى أبى خالد بن جابر قال سمعت الحسن يقول لما قتل على عليه السلام وقد قام خطيبا

[ 121 ]

فقال لقد قتلتم الليلة رجلا في ليلة فيها نزل القرآن وفيها رفع عيسى ابن مريم عليه السلام وفيها قتل يوشع بن نون فتى موسى عليهما السلام والله ما سبقه أحد كان قبله ولا يدركه أحد يكون بعده والله إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبعثه في السرية وجبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره والله ما ترك صفراء ولا بيضاء الا ثمانمائة أو سبعمائة أرصدها لخادمه ذكر بيعة الحسن بن على (وفى هذه السنة) أعنى سنة 40 بويع للحسن بن على عليه السلام بالخلافة وقيل إن أول من بايعه قيس بن سعد قال له ابسط يدك أبايعك على كتاب الله عز وجل وسنة نبيه وقتال المحلين فقال له الحسن رضى الله عنه على كتاب الله وسنة نبيه فان ذلك يأتي من وراء كل شرط فبايعه وسكت وبايعه الناس * وحدثني عبد الله بن أحمد بن متويه المروذى قال حدثنا أبى قال حدثنا سليمان قال حدثنا عبد الله عن يونس عن الزهري قال جعل على عليه السلام قيس ابن سعد على مقدمته من أهل العراق إلى قبل آذربيجان وعلى أرضها وشرطة الخميس التى ابتدعتها العرب وكانوا أربعين ألفا بايعوا عليا عليه السلام على الموت ولم يزل قيس يدارئ ذلك البعث حتى قتل على عليه السلام واستخلف أهل العراق الحسن بن على عليه السلام على الخلافة وكان الحسن لا يرى القتال ولكنه يريد أن يأخذ لنفسه ما استطاع من معاوية ثم يدخل في الجماعة وعرف الحسن أن قيس بن سعد لا يوافقه على رأيه فنزعه وأمر عبد الله بن عباس فلما علم عبد الله بن عباس بالذى يريد الحسن عليه السلام أن يأخذه لنفسه كتب إلى معاوية يسأله الامان ويشترط لنفسه على الاموال التى أصابها فشرط ذلك له معاوية * وحدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقى قال حدثنا عثمان بن عبد الحميد أو ابن عبد الرحمن المجازى الخزاعى أبو عبد الرحمن قال حدثنا إسماعيل بن راشد قال بايع الناس الحسن بن على عليه السلام بالخلافة ثم خرج بالناس حتى نزل المدائن وبعث قيس بن سعد على مقدمته في اثنى عشر ألفا وأقبل معاوية في أهل

[ 122 ]

الشأم حتى نزل مسكن فبينا الحسن في المدائن إذ نادى مناد في العسكر ألا إن قيس بن سعد قد قتل فانفروا فنفروا ونهبوا سرادق الحسن عليه السلام حتى نازعوه بساطا كان تحته وخرج الحسن حتى نزل المقصورة البيضاء بالمدائن وكان عم المختار بن أبى عبيد عاملا على المدائن وكان اسمه سعد بن مسعود فقال له المختار وهو غلام شاب هل لك في الغنى والشرف قال وما ذاك قال توثق الحسن وتستأمن به إلى معاوية فقال له سعد عليك لعنة الله أثب على ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأوثقه بئس الرجل أنت فلما رأى الحسن عليه السلام تفرق الامر عنه بعث إلى معاوية يطلب الصلح وبعث معاوية إليه عبد الله بن عامر وعبد الرحمن ابن سمرة بن حبيب بن عبد شمس فقدما على الحسن بالمدائن فأعطياه ما أراد وصالحاه على أن يأخذ من بيت مال الكوفة خمسة آلاف ألف في أشياء اشترطها ثم قام الحسن في أهل العراق فقال يا أهل العراق إنه سخى بنفسى عنكم ثلاث قتلكم أبى وطعنكم إياى وانتهابكم متاعى ودخل الناس في طاعة معاوية ودخل معاوية الكوفة فبايعه الناس قال زياد بن عبد الله عن عوانة وذكر نحو حديث المسروقى عن عثمان بن عبد الرحمن هذا وزاد فيه وكتب الحسن إلى معاوية في الصلح وطلب الامان وقال الحسن للحسين ولعبدالله بن جعفر إنى قد كتبت إلى معاوية في الصلح وطلب الامان فقال له الحسين نشدتك الله أن تصدق أحدوثة معاوية وتكذب أحدوثة على فقال له الحسن اسكت فأنا أعلم بالامر منك فلما انتهى كتاب الحسن بن على عليه السلام إلى معاوية أرسل معاوية عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة فقدما المدائن وأعطيا الحسن ما أراد فكتب الحسن إلى قيس بن سعد وهو على مقدمته في اثنى عشر ألفا يأمره بالدخول في طاعة معاوية فقام قيس بن سعد في الناس فقال يا أيها الناس اختاروا الدخول في طاعة إمام ضلالة أو القتال مع غير إمام قالوا لا بل نختار أن ندخل في طاعة إمام ضلالة فبايعوا لمعاوية وانصرف عنهم قيس بن سعد وقد كان صالح الحسن معاوية على أن جعل له ما في بيت ماله وخراج دار ابجرد على أن لا يشتم على وهو يسمع

[ 123 ]

فأخذ ما في بيت ماله بالكوفة وكان فيه خمسة آلاف ألف (وحج بالناس) في هذه السنة المغيرة بن شعبة * حدثنى موسى بن عبد الرحمن قال حدثنا عثمان ابن عبد الرحمن الخزاعى أبو عبد الرحمن قال أخبرنا إسماعيل بن راشد قال لما حضر الموسم يعنى في العام الذى قتل فيه على عليه السلام كتب المغيرة بن شعبة كتابا افتعله على لسان معاوية فأقام للناس الحج سنة 40 ويقال إنه عرف يوم التروية ونحر يوم عرفة خوفا أن يفطن بمكانه وقد قيل إنه إنما فعل ذلك المغيرة لانه بلغه أن عتبة بن أبى سفيان مصبحه واليا على الموسم فعجل الحج من أجل ذلك (وفى هذه السنة) بويع لمعاوية بالخلافة بايلياء حدثنى بذلك موسى بن عبد الرحمن قال حدثنا عثمان بن عبد الرحمن قال أخبرنا اسماعيل بن راشد وكان قبل يدعى بالشأم أميرا وحدثت عن أبى مسهر عن سعيد بن عبد العزيز قال كان على عليه السلام يدعى بالعراق أمير المؤمنين وكان معاوية يدعى بالشأم الامير فلما قتل على عليه السلام دعى معاوية أمير المؤمنين ثم دخلت سنة إحدى وأربعين ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمما كان فيها من ذلك تسليم الحسن بن على عليه السلام الامر إلى معاوية ودخول معاوية الكوفة وبيعة أهل الكوفة معاوية بالخلافة ذكر الخبر بذلك * حدثنى عبد الله بن أحمد المروذى قال أخبرني أبى قال حدثنا سليمان قال حدثنى عبد الله عن يونس عن الزهري قال بايع أهل العراق الحسن بن على بالخلافة فطفق يشترط عليهم الحسن إنكم سامعون مطيعون تسالمون من سالمت وتحاربون من حاربت فارتاب أهل العراق في أمرهم حين اشترط عليهم هذا الشرط وقالوا ما هذا لكم بصاحب وما يريد هذا القتال فلم يلبث الحسن عليه السلام بعدما بايعوه إلا قليلا حتى طعن طعنة أشوته فازداد لهم بغضا وازداد منهم ذعرا فكاتب

[ 124 ]

معاوية وأرسل إليه بشروط قال إن أعطيتني هذا فأنا سامع مطيع وعليك أن تفى لى به ووقعت صحيفة الحسن في يد معاوية وقد أرسل معاوية قبل هذا إلى الحسن بصحيفة بيضاء مختوم على أسفلها وكتب إليه أن اشترط في هذه الصحيفة التى ختمت أسفلها ما شئت فهو لك فلما أتت الحسن اشترط أضعاف الشروط التى سأل معاوية قبل ذلك وأمسكها عنده وأمسك معاوية صحيفة الحسن عليه السلام التى كتب إليه يسأله ما فيها فلما التقى معاوية والحسن عليه السلام سأله الحسن أن يعطيه الشروط التى شرط في السجل الذى ختم معاوية في أسفله فأبى معاوية أن يعطيه ذلك فقال لك ما كنت كتبت إلى أولا تسألني أن أعطيكه فانى قد أعطيتك حين جاءني كتابك قال الحسن عليه السلام وأنا قد اشترطت حين جاءني كتابك وأعطيتني العهد على الوفاء بما فيه فاختلفا في ذلك فلم ينفذ للحسن عليه السلام من الشروط شيئا وكان عمرو بن العاص حين اجتمعوا بالكوفة قد كلم معاوية وأمره أن يأمر الحسن أن يقوم ويخطب الناس فكره ذلك معاوية وقال ما تريد إلى أن أخطب الناس فقال عمرو لكنى أريد أن يبدو عيه للناس فلم يزل عمرو بمعاوية حتى أطاعه فخرج معاوية فخطب الناس ثم أمر رجلا فنادى الحسن بن على عليه السلام فقال قم يا حسن فكلم الناس فتشهد في بديهة أمر لم يرو فيه ثم قال أما بعد يا أيها الناس فان الله قد هداكم بأولنا وحقن دماءكم بآخرنا وإن لهذا الامر مدة والدنيا دول وإن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم " وإن أدرى لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين " فلما قالها قال معاوية اجلس فلم يزل ضرما على عمرو وقال هذا من رأيك ولحق الحسن عليه السلام بالمدينة * حدثنى عمر قال حدثنا على بن محمد قال سلم الحسن بن على عليه السلام إلى معاوية الكوفة ودخلها معاوية لخمس بقين من ربيع الاول ويقال من جمادى الاولى سنة 41 (وفى هذه السنة) جرى الصلح بين معاوية وقيس بن سعد بعد امتناع قيس من بيعته ذكر الخبر بذلك * حدثنى عبد الله بن أحمد قال حدثنى أبى قال حدثنى سليمان بن الفضل

[ 125 ]

قال حدثنى عبد الله عن يونس عن الزهري قال لما كتب عبد الله بن عباس حين علم ما يريد الحسن من معاوية من طلب الامان لنفسه إلى معاوية يسأله الامان ويشترط لنفسه على الاموال التى قد أصاب فشرط ذلك له معاوية وبعث إليه معاوية بن عامر في خيل عظيمة فخرج إليهم عبد الله ليلا حتى لحق بهم ونزل وترك جنسده الذى هو عليه لا أمير لهم فيهم قيس بن سعد واشترط الحسن عليه السلام لنفسه ثم بايع معاوية وأمرت شرطة الخميس قيس بن سعد على أنفسهم وتعاهدوا هو وهم على قتال معاوية حتى يشترط لشيعة على عليه السلام ولمن كان اتبعه على أموالهم ودمائهم وما أصابوا في الفتنة فخلص معاوية حين فرغ من عبد الله بن عباس والحسن عليه السلام إلى مكايدة رجل هو أهم الناس عنده مكايدة ومعه أربعون ألفا وقد نزل معاوية بهم وعمرو وأهل الشأم وأرسل معاوية إلى قيس بن سعد يذكره الله ويقول على طاعة من تقاتل وقد بايعني الذى أعطيته طاعتك فأبى قيس أن يلين له حتى أرسل إليه معاوية بسجل قد ختم عليه في أسفله فقال اكتب في هذا السجل ما شئت فهو لك قال عمرو لمعاوية لا تعطه هذا وقاتله فقال معاوية على رسلك فانا لا نخلص إلى قتل هؤلاء حتى يقتلوا أعدادهم من أهل الشأم فما خير العيش بعد ذلك وإنى والله لا أقاتله أبدا حتى لا أجد من قتاله بدا فلما بعث إليه معاوية بذلك السجل اشترط قيس فيه له ولشيعة على الامان على ما أصابوا من الدماء والاموال ولم يسأل معاوية في سجله ذلك مالا وأعطاه معاوية ما سأل فدخل قيس ومن معه في طاعته وكانوا يعدون دهاة الناس حين ثارت الفتنة خمسة رهط فقالوا ذوو رأى العرب ومكيدتهم معاوية بن أبى سفيان وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وقيس بن سعد ومن المهاجرين عبد الله بن بديل الخزاعى وكان قيس وابن بديل مع على عليه السلام وكان المغيرة بن شعبة وعمرو مع معاوية إلا أن المغيرة كان معتزلا بالطائف حتى حكم الحكمان فاجتمعوا بأذرح * وقيل إن الصلح تم بين الحسن عليه السلام ومعاوية في هذه السنة في شهر ربيع الآخر ودخل معاوية الكوفة في غرة جمادى الاولى من هذه السنة وقيل دخلها في شهر

[ 126 ]

ربيع الآخر وهذا قول الواقدي (وفى هذه السنة) دخل الحسن والحسين ابنا على عليه السلام منصرفين من الكوفة إلى المدينة ذكر الخبر بذلك ولما وقع الصلح بين الحسن عليه السلام وبين معاوية بمسكن قام فيها حدثت عن زياد البكائى عن عوانة خطيبا في الناس فقال يا أهل العراق إنه سخى بنفسى عنكم ثلاث قتلكم أبى وطعنكم إياى وانتهابكم متاعى قال ثم إن الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر خرجوا بحشمهم وأثقالهم حتى أتوا الكوفة فلما قدمها الحسن وبرأ من جراحته خرج إلى مسجد الكوفة فقال يا أهل الكوفة اتقوا الله في جيرانكم وضيفانكم وفى أهل بيت نبيكم صلى الله عليه وسلم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا فجعل الناس يبكون ثم تحملوا إلى المدينة قال وحال أهل البصرة بينه وبين خراج درابجرد وقالوا فيؤنا فلما خرج إلى المدينة تلقاه ناس بالقادسة فقالوا يا مذل العرب (وفيها) خرجت الخوارج التى اعتزلت أيام على عليه السلام بشهرزور على معاوية ذكر خبرهم * حدثت عن زياد عن عوانة قال قدم معاوية قبل أن يبرح الحسن من الكوفة حتى نزل النخيلة فقالت الحرورية الخمسمائة التى كانت اعتزلت بشهرزور مع فروة بن نوفل الاشجعى قد جاء الآن ما لا شك فيه فسيروا إلى معاوية فجاهدوه فأقبلوا وعليهم فروة بن نوفل حتى دخلوا الكوفة فأرس إليهم معاوية خيلا من خيل أهل الشأم فكشفوا أهل الشأم فقال معاوية لاهل الكوفة لا أمان لكم والله عندي حتى تكفوا بوائقكم فخرج أهل الكوفة إلى الخوارج فقاتلوهم فقالت لهم الخوارج ويلكم ما تبغون منا أليس معاوية عدونا وعدوكم دعونا حتى نقاتله وإن أصبناه كنا قد كفيناكم عدوكم وإن أصابنا كنتم قد كفيتمونا قالوا لا والله حتى نقاتلكم فقالوا رحم الله إخواننا من أهل النهر هم كانوا أعلم بكم يا أهل الكوفة وأخذت أشجع صاحبهم فروة بن نوفل وكان سيد القوم واستعملوا عليهم عبد الله بن أبى الحر رجلا من

[ 127 ]

طيئ فقاتلوهم فقتلوا واستعمل معاوية عبد الله بن عمرو بن العاص على الكوفة فأتاه المغيرة بن شعبة وقال لمعاوية استعملت عبد الله بن عمرو على الكوفة وعمرا على مصر فتكون أنت بين لحيى الاسد فعزله عنها واستعمل المغيرة بن شعبة على الكوفة وبلغ عمرا ما قال المغيرة لمعاوية فدخل عمرو على معاوية فقال استعملت المغيرة على الكوفة فقال نعم فقال أجعلته على الخراج فقال نعم قال تستعمل المغيرة على الخراج فيغتال المال فيذهب فلا تستطيع أن تأخذ منه شيئا استعمل على الخراج من يخافك ويهابك ويتقيك فعزل المغيرة عن الخراج واستعمله على الصلاة فلقى المغيرة عمرا فقال أنت المشير على أمير المؤمنين بما أشرت به في عبد الله قال نعم قال هذه بتلك ولم يكن عبد الله بن عمرو بن العاص مضى فيما بلغني إلى الكوفة ولا أتاها (وفى هذه السنة) غلب حمران بن أبان على البصرة فوجه إليه معاوية بسرا وأمره بقتل بنى زياد ذكر الخبر عما كان من أمره في ذلك * حدثنى عمر بن شبة قال حدثنى على بن محمد قال لما صالح الحسن بن على عليه السلام معاوية أول سنة 41 وثب حمران بن أبان على البصرة فأخذها وغلب عليها فأراد معاوية أن يبعث رجلا من بنى القين إليها فكلمه عبد الله بن عباس ألا يفعل ويبعث غيره فبعث بسر بن أبى أرطاة وزعم أنه أمره بقتل بنى زياد * فحدثني مسلمة بن محارب قال أخذ بعض بنى زياد فحبسه وزياد يومئذ بفارس كان على عليه السلام بعثه إليها إلى أكراد خرجوا بها فظفر بهم زياد وأقام بإصطخر قال فركب أبو بكرة إلى معاوية وهو بالكوفة فاستأجل بسرا فأجله أسبوعا ذاهبا وراجعا فسار سبعة أيام فقتل تحته دابتين فكلمه فكتب معاوية بالكف عنهم قال وحدثني بعض علمائنا أن أبا بكرة أقبل في اليوم السابع وقد طلعت الشمس وأخرج بسر بنى زياد ينتظر بهم غروب الشمس ليقتلهم إذا وجبت فاجتمع الناس لذلك وأعينهم طامحة ينتظرون أبا بكرة إذ رفع لهم على نجيب أو برذون يكده ويجهده فقام عليه فنزل عنه وألاح بثوبه وكبر وكبر الناس فأقبل يسعى

[ 128 ]

على رجليه حتى أدرك بسرا قبل أن يقتلهم فدفع إليه كتاب معاوية فأطلقهم * حدثنى عمر قال حدثنا على بن محمد قال خطب بسر على منبر البصرة فشتم عليا عليه السلام ثم قال نشدت الله رجلا علم أنى صادق إلا صدقنى أو كاذب إلا كذبني قال فقال أبو بكرة اللهم إنا لا نعلمك إلا كاذبا قال فأمر به فخنق قال فقام أبو لؤلؤة الضبى فرمى بنفسه عليه فمنعه فأقطعه أبو بكرة بعد ذلك مائة جريب قال وقيل لابي بكرة ما أردت إلى ما صنعت قال أيناشدنا بالله ثم لا نصدقه قال فأقام بسر بالبصرة ستة أشهر ثم شخص لا نعلمه ولى شرطته أحدا * حدثنى أحمد بن زهير قال حدثنا على بن محمد قال أخبرني سليمان بن بلال عن الجارود بن أبى سبرة قال صالح الحسن عليه السلام معاوية وشخص إلى المدينة فبعث معاوية بسر بن أبى أرطاة إلى البصرة في رجب سنة 41 وزياد متحصن بفارس فكتب معاوية إلى زياد إن في يديك مالا من مال الله وقد وليت ولاية فأد ما عندك من المال فكتب إليه زياد إنه لم يبق عندي شئ من المال وقد صرفت ما كان عندي في وجهه واستودعت بعضه قوما لنازلة إن نزلت وحملت ما فضل إلى أمير المؤمنين رحمة الله عليه فكتب إليه معاوية أن أقبل إلى ننظر فيما وليت وجرى على يديك فان استقام بنا أمر فهو ذاك وإلا رجعت إلى مأمنك فلم يأته زياد فأخذ بسر بنى زياد الاكابر منهم فحبسهم عبد الرحمن وعبيدالله وعبادا وكتب إلى زياد لتقدمن على أمير المؤمنين أو لاقتلن بنيك فكتب الله زياد لست بارحا من مكاني الذى أنا به حتى يحكم الله بينى وبين صاحبك فان قتلت من في يديك من ولدى فالمصير إلى الله سبحانه ومن ورائنا وورائكم الحساب وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون فهم بقتلهم فأتاه أبو بكرة فقال أخذت ولدى وولد أخى غلمانا بلا ذنب وقد صالح الحسن معاوية على أمان أصحاب على حيث كانوا فليس على لك هؤلاء ولا على أبيهم سبيل قال إن على أخيك أموالا قد أخذها فامتنع من أدائها قال ما عليه شئ فاكفف عن بنى أخى حتى آتيك بكتاب من معاوية بتخليتهم فأجله أياما قال له إن أتيتني بكتاب معاوية بتخليتهم وإلا قتلتهم

[ 129 ]

أو يقبل زياد إلى أمير المؤمنين قال فأتى أبو بكرة معاوية فكلمه في زياد وبنيه وكتب معاوية إلى بسر بالكف عنه وتخلية سبيلهم فخلاهم * حدثنى أحمد بن على قال حدثنا على قال أخبرني شيخ من ثقيف عن بسر بن عبيدالله قال خرج أبو بكرة إلى معاوية بالكوفة فقال له معاوية يا أبا بكرة أزائرا جئت أم دعتك إلينا حاجة قال لا أقول باطلا ما أتيت إلا في حاجة قال تشفع يا أبا بكرة ونرى لك بذلك فضلا وأنت لذلك أهل فما هو قال تؤمن أخى زيادا وتكتب إلى بسر بتخلية ولده وبترك التعرض لهم فقال أما بنو زياد فكتب لك فيهم ما سألت وأما زياد ففى يده مال للمسلمين فإذا أداه فلا سبيل لنا عليه قال يا أمير المؤمنين إن يكن عنده شئ فليس يحبسه عنك إن شاء الله فكتب معاوية لابي بكرة إلى بسر ألا يتعرض لاحد من ولد زياد فقال معاوية لابي بكرة أتعهد إلينا عهدا يا أبا بكرة قال نعم أعهد إليك يا أمير المؤمنين أن تنظر لنفسك ورعيتك وتعمل صالحا فإنك قد تقلدت عظيما خلافة الله في خلفه فاتق الله فإن لك غاية لا تعدوها ومن ورائك طالب حثيث فأوشك أن تبلغ المدى فيلحق الطالب فتصير إلى من يسألك عما كنت فيه وهو أعلم به منك وإنما هي محاسبة وتوقيف فلا تؤثرن على رضا الله عز وجل شيئا * حدثنى أحمد قال حدثنا على عن سلمة بن عثمان قال كتب بسر إلى زياد لئن لم تقدم لاصلبن بنيك فكتب إليه إن تفعل فأهل ذاك أنت إنما بعث بك ابن آكلة الاكباد فركب أبو بكرة إلى معاوية فقال يا معاوية إن الناس لم يعطوك بيعتهم على قتل الاطفال قال وما ذاك يا أبا بكرة قال بسر يريد قتل أولاد زياد فكتب معاوية إلى بسر أن خل من بيدك من ولد زياد وكان معاوية قد كتب إلى زياد بعد قتل على عليه السلام يتوعده * فحدثني عمر بن شبة قال حدثنى على عن حبان بن موسى عن المجالد عن الشعبى قال كتب معاوية حين قتل على عليه السلام إلى زياد يتهدده فقام خطيبا فقال العجب من ابن آكلة الاكباد وكهف النفاق ورئيس الاحزاب كتب إلى يتهددني وبيني وبينه ابنا عم رسول الله صلى الله عليه وسلم يعنى ابن عباس والحسن بن على في تسعين ألفا واضعى سيوفهم على

[ 130 ]

عواتقهم لا ينثنون لئن خلص إلى الامر ليجدني أحمز ضرابا بالسيف فلم يزل زياد بفارس واليا حتى صالح الحسن عليه السلام معاوية وقدم معاوية الكوفة فتحصن زياد في القلعة التى يقال لها قلعة زياد (وفى هذه السنة) ولى معاوية عبد الله بن عامر البصرة وحرب سجستان وخراسان ذكر الخبر عن سبب ولايته ذلك وبعض الكائن في أيام عمله لمعاوية بها * حدثنى أبو زيد قال حدثنا على قال أراد معاوية توجيه عتبة بن أبى سفيان على البصرة فكلمه ابن عامر وقال إن لى بها أموالا وودائع فان لم توجهني عليها ذهبت فولاه البصرة فقدمها في آخر سنة 41 واليه خراسان وسجستان فاراد زيد ابن جبلة على ولاية شرطته فأبى فولى حبيب بن شهاب الشامي شرطته وقد قيل قيس بن الهيثم السلمى واستقضى عميرة بن يثربى الضبى أخا عمرو بن يثربى الضبى * حدثنى أبو زيد قال حدثنا على بن محمد قال خرج في ولاية ابن عامر لمعاوية يزيد بن مالك الباهلى وهو الخطيم وإنما سمى الخطيم لضربة أصابته على وجهه فخرج هو وسهم بن غالب الهجيمى فأصبحوا عند الجسر فوجدوا عبادة بن قرص الليثى أحد بنى بجير وكانت له صحبة يصلى عند الجسر فأنكروه فقتلوه ثم سألوه الامان بعد ذلك فآمنهم ابن عامر وكتب إلى معاوية إنى قد جعلت لهم ذمتك فكتب إليه معاوية تلك ذمة لو أخفرتها لا سئلت عنها فلم يزالوا آمنين حتى عزل ابن عامر (وفى هذه السنة) ولد على بن عبد الله بن عباس وقيل ولد في سنة 40 قبل أن يقتل على عليه السلام وهذا قول الواقدي (وحج بالناس) في هذه السنة عتبة بن أبى سفيان في قول أبى معشر حدثنى بذلك أحمد بن ثابت عمن حدثه عن اسحاق بن عيسى عنه وأما الواقدي فانه ذكر عنه أنه كان يقول حج بالناس في هذه السنة أعنى سنة 41 عنبسة بن أبى سفيان ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين ذكر ما كان فيها من الاحداث ففيها غزا المسلمون اللان وغزوا أيضا الروم فهزموهم هزيمة منكرة فيما ذكروا

[ 131 ]

وقتلوا جماعة من بطارقتهم (وقيل) في هذه السنة ولد الحجاج بن يوسف وولى معاوية في هذه مروان بن الحكم المدينة فاستقضى مروان عبد الله بن الحارث بن نوفل وعلى مكة خالد بن العاص بن هشام وكان على الكوفة من قبله المغيرة بن شعبة وعلى القضاء شريح وعلى البصرة عبد الله بن عامر وعلى قضائها عمرو بن يثربى وعلى خراسان قيس بن الهيثم من قبل عبد الله بن عامر وذكر على بن محمد عن محمد بن الفضل العبسى عن أبيه قال بعث عبد الله بن عامر قيس بن الهيثم على خراسان حين ولاه معاوية البصرة وخراسان فأقام قيس بخراسان سنتين (وقد قيل) في أمر ولاية قيس ما ذكره حمزة بن صالح السلمى عن زياد بن صالح قال بعث معاوية حين استقامت له الامور قيس بن الهيثم إلى خراسان ثم ضمها إلى ابن عامر فترك قيسا عليها (وفى هذه السنة) تحركت الخوارج الذين انحازوا عمن قتل منهم بالنهروان ومن كان ارتث من جرحاهم بالنهروان فبرؤا وعفا عنهم على بن أبى طالب رضى الله عنه ذكر الخبر عما كان منهم في هذه السنة ذكر هشام بن محمد عن أبى مخنف قال حدثنى النضر بن صالح بن حبيب عن جرير بن مالك بن زهير بن جذيمة العبسى عن أبى بن عمار العبسى أن حيان بن ظبيان السلمى كان يرى رأى الخوارج وكان ممن ارتث يوم النهروان فعفا عنه على عليه السلام في الاربعمائة الذين كان عفا عنهم من المرتثين يوم النهر فكان في أهله وعشيرته فلبث شهرا أو نحوه ثم إنه خرج إلى الرى في رجال كانوا يرون ذلك الرأى فلم يزالوا مقيمين بالرى حتى بلغهم قتل على كرم الله وجهه فدعا أصحابه أولئك وكانوا بضعة عشر رجلا أحدهم سالم بن ربيعة العبسى فأتوه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الاخوان من المسلمين إنه قد بلغني أن أخاكم ابن ملجم أخا مراد قعد لقتل على بن أبى طالب عند أغباش الصبح مقابل السدة التى في المسجد مسجد الجماعة فلم يبرح راكدا ينتظر خروجه حتى خرج عليه حين أقام المقيم الصلاة صلاة الصبح فشد عليه فضرب رأسه بالسيف فلم يبق إلا ليلتين حتى مات فقال سالم بن ربيعة العبسى

[ 132 ]

لا يقطع الله يمينا علت قذاله بالسيف قال فأخذ القوم يحمدون الله على قتله عليه السلام ورضى الله عنه ولا رضى عنهم ولا رحمهم قال النضر بن صالح فسألت بعد ذلك سالم بن ربيعة في إمارة مصعب بن الزبير عن قوله ذلك في على عليه السلام فأقر لى به وقال كنت أرى رأيهم حينا ولكن قد تركته قال فكان في أنفسنا انه قد تركه قال فكان إذ ذكروا له ذلك يرمضه قال ثم ان حيان بن ظبيان قال لاصحابه إنه والله ما يبقى على الدهر باق وما يلبث الليالى والايام والسنون والشهور على ابن آدم حتى يذيقه الموت فيفارق الاخوان الصالحين ويدع الدنيا التى لا يبكى عليها إلا العجزة ولم تزل ضارة لمن كانت له هما وشجنا فانصرفوا بنا رحمكم الله إلى مصرنا فلنأت إخواننا فلندعهم إلى الامر بالمعروف والنهى عن المنكر وإلى جهاد الاحزاب فانه لا عذر لنا في القعود وولاتنا ظلمة وسنة الهدى متروكة وثأرنا الذين قتلوا إخواننا في المجالس آمنون فإن يظفرنا الله بهم نعمد بعد إلى التى هي أهدى وأرضى وأقوم ويشفى الله بذلك صدور قوم مؤمنين وإن نقتل فإن في مفارقة الظالمين راحة لنا ولنا بأسلافنا أسوة فقالوا له كلنا قائل ما ذكرت وحامد رأيك الذى رأيت فرد بنا المصر فإنا معك راضون بهداك وأمرك فخرج وخرجوا معه مقبلين إلى الكوفة فذلك حين يقول خليلي مابى من عزاء ولا صبر * ولا إربة بعد المصابين بالنهر سوى نهضات في كتائب جمة * إلى الله ما تدعو وفى الله ما تفرى إذا جاوزت قسطانة الرى بغلتي * فلست بسار نحوها آخر الدهر ولكننى سار وإن قل ناصرى * قريبا فلا أخزيكما مع من يسرى قال وأقبل حتى نزل الكوفة فلم يزل بها حتى قدم معاوية وبعث المغيرة بن شعبة واليا على الكوفة فأحب العافية وأحسن في الناس السيرة ولم يفتش أهل الاهواء عن أهوائهم وكان يؤتى فيقال له إن فلانا يرى رأى الشيعة وإن فلانا يرى رأى الخوارج وكان يقول قضى الله ألا تزالون مختلفين وسيحكم الله بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون فأمنه الناس وكانت الخوارج يلقى بعضهم بعضا ويتذاكرون

[ 133 ]

مكان إخوانهم بالنهروان ويرون أن في الاقامة الغبن والوكف وأن في الجهاد أهل القبلة الفضل والاجر * قال أبو مخنف فحدثني النضر بن صالح عن أبى بن عمارة أن الخوارح في أيام المغيرة بن شعبة فزعوا إلى ثلاثة نفر منهم المستورد ابن علفة فخرج في ثلاثة رجل مقبلا نحو جرجرايا على شاطئ دجلة * قال أبو مخنف وحدثني جعفر بن حذيفة الطائى من آل عامر بن جوين عن المحل بن خليفة أن الخوارج في أيام المغيرة بن شعبة فزعوا إلى ثلاثة نفر منهم المستورد بن علفة التيمى من تيم الرباب وإلى حيان بن ظبيان السلمى وإلى معاذ بن جوين بن حصين الطائى السنبسى وهو ابن عم زيد بن حصين وكان زيد ممن قتله على عليه السلام يوم النهروان وكان معاذ بن جوين هذا في الاربعمائة الذين ارتثوا من قتلى الخوارج فعفا عنهم على عليه السلام فاجتمعوا في منزل حيان ابن ظبيان السلمى فتشاوروا فيمن يولون عليهم قال فقال لهم المستود يا أيها المسلمون والمؤمنون أراكم الله ما تحبون وعزل عنكم ما تكرهون ولوا عليكم من أحببتم فوالذي يعلم خائنة الاعين وما تخفى الصدور ما أبالى من كان الوالى على منكم وما شرف الدنيا نريد وما إلى البقاء فيها من سبيل وما نريد إلا الخلود في دار الخلود فقال حيان بن ظبيان أما أنا فلا حاجة لى فيها وأنا بك وبكل امرئ من إخوانى راض فانظروا من شئتم منكم فسموه فأنا أول من يبايعه فقال لهم معاذ بن جوين بن حصين إذا قلتما أنتما هذا وأنتما سيد المسلمين وذوا أنسابهم في صلاحكما ودينكما وقدركما فمن يرأس المسلمين وليس كلكم يصلح لهذا الامر وإنما ينبغى أن يلى على المسلمين إذا كانوا سواء في الفضل أبصرهم بالحرب وأفقههم في الدين وأشدهم اضطلاعا بما حمل وأنتما بحمد الله ممن يرضى لهذا الامر فليتوله أحدكما قالا فتوله أنت فقد رضيناك فأنت والحمد لله الكامل في دينك ورأيك فقال لهما أنتما أسن منى فليتوله أحدكما فقال حينئذ جماعة من حضرهما من الخوارج قد رضينا بكم أيها الثلاثة فولوا أيكم أحببتم فليس في الثلاثة رجل الا قال لصاحبه تولها أنت فإنى بك راض وإنى فيها غير ذى رغبة

[ 134 ]

فلما كثر ذلك بينهم قال حيان بن ظبيان فإن معاذ بن جوين قال إنى لا ألى عليكما وأنتما أسن منى وأنا أقول لك مثل ما قال لى ولك لا ألى عليك وأنت أسن منى ابسط يدك أبايعك فبسط يده فبايعه ثم بايعه معاذ بن جوين ثم بايعه القوم جميعا وذلك في جمادى الآخرة فاتعد القوم أن يتجهزوا ويتيسروا ويستعدوا ثم يخرجوا في غرة الهلال هلال شعبان سنة 43 فكانوا في جهازهم وعدتهم (وقيل) في هذه السنة سار بسر بن أبى ارطاة العامري إلى المدينة ومكة واليمن وقتل من قتله في مسيره ذلك من المسلمين * وذلك قول الواقدي وقد ذكرت من خالفه في وقت مسيره هذا السير * وزعم الواقدي أن داود بن حيان حدثه عن عطاء بن أبى مروان قال أقام بسر بن أبى ارطاة بالمدينة شهرا يستعرض الناس ليس أحد ممن يقال هذا أعان على عثمان إلا قتله * وقال عطاء بن أبى مروان أخبرني حنظلة بن على الاسلمي قال وجد قوما من بنى كعب وغلمانهم على بئر لهم فألقاهم في البئر (وفى هذه السنة) قدم زياد فيما حدثنى عمر قال حدثنا أبو الحسن عن سليمان بن أبى أرقم قدم على معاوية من فارس فصالحه على مال يحمله إليه وكان سبب قدومه بعد امتناعه بقلعة من قلاع فارس ما حدثنى عمر قال حدثنا أبو الحسن عن مسلمة ابن محارب قال كان عبد الرحمن بن أبى بكرة يلى ما كان لزياد بالبصرة فبلغ معاوية ان لزياد أموالا عند عبد الرحمن وخاف زياد على أشياء كانت في يد عبد الرحمن لزياد فكتب إليه يأمره بإحرازها وبعث معاوية إلى المغيرة بن شعبة لينظر في أموال زياد فقدم المغيرة فأخذ عبد الرحمن فقال لئن كان أساء إلى أبوك لقد أحسن زياد وكتب إلى معاوية إنى لم أصب في يد عبد الرحمن شيئا يحل لى أخذه فكتب معاوية إلى المغيرة أن عذبه قال وقال بعض المشيخة انه عذب عبد الرحمن ابن أبى بكرة إذ كتب إليه معاوية وأراد أن يعذر ويبلغ معاوية ذلك فقال احتفظ بما أمرك به عمك فألقى على وجهه حريرة ونضحها بالماء فكانت تلتزق بوجهه فغشى عليه ففعل ذلك ثلاث مرات ثم خلاه وكتب إلى معاوية إنى عذبته فلم أصب عنده شيئا فحفظ لزياد يده عنده * حدثنى عمر قال حدثنا أبو الحسن عن

[ 135 ]

عبد الملك بن عبد الله الثقفى عن أشياخ من ثقيف قالوا دخل المغيرة ابن شعبة على معاوية فقال معاوية حين نظر إليه إنما موضع سر المرء إن * باح بالسر أخوه المنتصح فإذا بحت بسر فإلى * ناصح يستره أولا تبح فقال يا أمير المؤمنين إن تستودعنى تستودع ناصحا شفيقا ورعا وثيقا فما ذاك يا أمير المؤمنين قال ذكرت زيادا واعتصامه بأرض فارس وامتناعه بها فلم أنم ليلتى فأراد المغيرة أن يطأطئ من زياد فقال ما زياد هناك يا أمير المؤمنين فقال معاوية بئس الوطأ العجز داهية العرب معه الاموال متحصن بقلاع فارس يدبر ويربص الحيل ما يؤمننى أن يبايع لرجل من أهل هذا البيت فإذا هو قد أعاد على الحرب خدعة فقال المغيرة أتأذن لى يا أمير المؤمنين في إتيانه قال نعم فأته وتلطف له فأتى المغيرة زيادا فقال زياد حين بلغه قدوم المغيرة ما قدم إلا لامر ثم أذن له فدخل عليه وهو في بهو له مستقبل الشمس فقال زياد أفلح رائد فقال اليك ينتهى الخبر أبا المغيرة إن معاوية استخفه الوجل حتى بعثنى اليك ولم يكن يعلم أحدا يمد يده إلى هذا الامر غير الحسن وقد بايع معاوية فخذ لنفسك قبل التوطين فيستغنى عنك معاوية قال أشر على وارم الغرض الاقصى ودع عنك الفضول فإن المستشار مؤتمن فقال المغيرة في محض الرأى بشاعة ولا خير في المذيق أرى أن تصل حبلك بحبله وتشخص إليه قال أرى ويقضى الله * حدثنى عمر قال حدثنا على عن مسلمة بن محارب قال أقام زياد في القلعة أكثر من سنة فكتب إليه معاوية علام تهلك نفسك فأقبل إلى فأعلمني علم ما صار إليك ما اجتبيت من الاموال وما خرج من يديك وما بقى عندك وأنت آمن فان أحببت المقام عندنا أقمت وإن أحببت أن ترجع إلى مأمنك رجعت فخرج زياد من فارس وبلغ المغيرة بن شعبة أن زيادا قد أجمع على إتيان معاوية فشخص المغيرة إلى معاوية قبل شخوص زياد من فارس وأخذ زياد من إصطخر إلى أرجان فأتى ماه بهراذان ثم أخذ طريق حلوان حتى قدم المدائن فخرج عبد الرحمن إلى معاوية يخبره بقدوم زياد ثم

[ 136 ]

قدم زياد الشأم وقدم المغيرة بعد شهر فقال له معاوية يا مغيرة زياد أبعد منك بمسيرة شهر وخرجت قبله وسبقك فقال يا أمير المؤمنين ان الاريب إذا كلم الاريب أفحمه قال خذ حذرك واطو عنى سرك فقال ان زيادا قدم يرجو الزيادة وقدمت أتخوف النقصان فكان سيرنا على حسب ذلك قال فسأل معاوية زيادا عما صار إليه من أموال فارس فأخبره بما حمل منها إلى على رضى الله عنه وما أنفق منها في الوجوه التى يحتاج فيها إلى النقة فصدقه معاوية على ما أنفق وما بقى عنده وقبضه منه وقال قد كنت أمين حلفائنا * حدثنى عمر قال حدثنا على قال حدثنا أبو مخنف وأبو عبد الرحمن الاصبهاني وسلمة بن عثمان وشيخ من بنى تميم وغيرهم ممن يوثق بهم قال كتب معاوية إلى زياد وهو بفارس يسأله القدوم عليه فخرج زياد من فارس مع المنجاب بن راشد الضبى وحارثة بن بدر الغدانى وسرح عبد الله بن خازم في جماعة إلى فارس فقال لعلك تلقى زيادا في طريقك فتأخذه نسار ابن خازم إلى فارس فقال بعضهم لقيه بسوق الاهواز وقال بعضهم لقيه بأرجان فأخذ ابن خازم بعنان زياد فقال انزل يا زياد فصاح به المنجاب بن راشد تنح يا ابن سوداء وإلا علقت يدك بالعنان قال ويقال انتهى إليهم ابن خازم وزياد جالس فأغلظ له ابن خازم فشتم المنجاب ابن خازم فقال له زياد ما تريد يا ابن خازم قال أريد أن تجئ إلى البصرة قال فإنى آتيها فانصرف ابن خازم استحياء من زياد * وقال بعضهم التقى زياد وابن خازم بأرجان فكانت بينهم منازعة فقال زياد لابن خازم قد أتانى أمان معاوية فأنا أريده وهذا كتابه إلى قال فإن كنت تريد أمير المؤمنين فلا سبيل عليك فمضى ابن خازم إلى سابور ومضى زياد إلى ماه بهراذان وقدم على معاوية فسأله عن أموال فارس فقال دفعتها يا أمير المؤمنين في أرزاق وأعطيات وحمالات وبقيت بقية أودعتها قوما فمكث بذلك يردده وكتب زياد كتبا إلى قوم منهم شعبة بن القلعم قد علمتم مالى عندكم من الامانة فتدبروا كتاب الله عز وجل (إنا عرضنا الامانة على السموات والارض والجبال) الآية فاحتفظوا بما قبلكم وسمى في الكتب بالمبلغ الذى أقر به لمعاوية ودس الكتب مع رسوله وأمره

[ 137 ]

أن يعرض لبعض من يبلغ ذلك معاوية فعرض رسوله حتى انتشر ذلك وأخذ فأتى به معاوية فقال معاوية لزياد لئن لم تكن مكرت بى ان هذه الكتب من حاجتى فقرأها فإذا هي بمثل ما أقر به فقال معاوية أخاف أن تكون قد مكرت بى فصالحني على ما شئت فصالحه على شئ مما ذكره أنه عنده فحمله وقال زياد يا أمير المؤمنين قد كان لى مال قبل الولاية فوددت أن ذلك المال بقى وذهب ما أخذت من الولاية ثم سأل زياد معاوية أن يأذن له في نزول الكوفة فأذن له فشخص إلى الكوفة فكان المغيرة يكرمه ويعظمه فكتب معاوية إلى المغيرة خذ زيادا وسليمان بن صرد وحجر بن عدى وشبث بن ربعى وابن الكواء وعمرو بن الحمق بالصلاة في الجماعة فكانوا يحضرون معه في الصلاة * حدثنى عمر بن شبة قال حدثنا على عن سليمان ابن أرقم قال بلغني أن زيادا قدم الكوفة فحضرت الصلاة فقال له المغيرة تقدم فصل فقال لا أفعل أنت أحق منى بالصلاة في سلطانك قال ودخل عليه زياد وعند المغيرة أم أيوب بنت عمارة بن عقبة بن أبى معيط فأجلسها بين يديه وقال لا تسترى من أبى المغيرة فلما مات المغيرة تزوجها زياد وهى حدثة فكان زياد يأمر بفيل كان عنده فيوقف فتنظر إليه أم أيوب فسمى باب الفيل (وحج) بالناس في هذه السنة عنبسة بن أبى سفيان كذلك حدثنى أحمد بن ثابت عمن ذكره عن اسحاق بن عيسى عن أبى معشر ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمن ذلك غزوة بسر بن أبى أرطاة الروم ومشتاه بأرضهم حتى بلغ القسطنطينية فيما زعم الواقدي وقد أنكر ذاك قوم من أهل الاخبار فقالوا لم يكن لبسر بأرض الروم مشتى قط (وفيها) مات عمرو بن العاص بمصر يوم الفطر وقبل كان عمل عليها لعمر بن الخطاب رضى الله عنه أربع سنين ولعثمان أربع سنين إلا شهرين ولمعاوية سنتين إلا شهرا (وفيها) ولى معاوية عبد الله بن عمرو

[ 138 ]

ابن العاص مصر بعد موت أبيه فوليها فيما زعم له الواقدي نحوا من سنتين (وفيها) مات محمد بن مسلمة في صفر بالمدينة وصلى عليه مروان بن الحكم (وفيها) قتل المستورد بن علفة الخارجي فيما زعم هشام بن محمد وقد زعم بعضهم أنه قتل في سنة 42 ذكر الخبر عن مقتله قد ذكرنا ما كان من اجتماع بقايا الخوارج الذين كانوا ارتثوا يوم النهر ومن كان منهم انحاز إلى الرى وغيرهم إلى النفر الثلاثة الذين سميت قبل الذين أحدهم المستورد بن علفة وذكرنا بيعتهم المستورد واجتماعهم على الخروج في غرة هلال شعبان من سنة 43 * فذكر هشام عن أبى مخنف أن جعفر بن حذيفة الطائى حدثه عن المحل بن خليفة أن قبيصة بن الدمون أتى المغيرة بن شعبة وكان على شرطته فقال ان شمر بن جعونة الكلابي جاءني فخبرني أن الخوارج قد اجتمعوا في منزل حيان بن ظبيان السلمى وقد اتعدوا أن يخرجوا اليك في غرة شعبان فقال المغيرة ابن شعبة لقبيصة بن الدمون وهو حليف لثقيف وزعموا أن أصله كان من حضرموت من الصدف سر بالشرطة حتى تحيط بدار حيان بن ظبيان فأتني به وهم لا يرون إلا أنه أمير تلك الخوارج فسار قبيصة في الشرطة وفى كثير من الناس فلم يشعر حيان بن ظبيان إلا والرجال معه في داره نصف النهار وإذا معه معاذ بن جوين ونحو من عشرين رجلا من أصحابهما وثارت امرأته أم ولد له فأخذت سيوفا كانت لهم فألقتها تحت الفراش وفزع بعض القوم إلى سيوفهم فلم يجدوها فاستسلموا فانطلق بهم إلى المغيرة بن شعبة فقال لهم المغيرة ما حملكم على ما أردتم من شق عصا المسلمين فقالوا ما أردنا من ذلك شيئا قال بلى قد بلغني ذلك عنكم ثم قد صدق ذلك عندي جماعتكم قالوا له أما اجتماعنا في هذا المنزل فان حيان بن ظبيان أقرأنا القرآن فنحن نجتمع عنده في منزله فنقرأ القرآن عليه فقال اذهبوا بهم إلى السجن فلم يزالوا فيه نحوا من سنة وسمع اخوانهم فحذروا وخرج صاحبهم المستورد بن علفة فنزل دارا بالحيرة إلى جنب قصر العدسيين من كلب فبعث إلى اخوانه وكانوا يختلفون إليه

[ 139 ]

ويتجهزون فلما كثر اختلاف أصحابه إليه قال لهم صاحبهم المستورد بن علفة التيمى تحولوا بنا عن هذا المكان فانى لا آمن أن يطلع عليكم فانهم في ذلك يقول بعضهم لبعض نأتى مكان كذا وكذا ويقول بعضهم نأتى مكان كذا وكذا إذ أشرف عليهم حجار بن أبجر من دار كان هو فيها وطائفة من أهله فاذاهم بفارسين قد أقبلا حتى دخلا تلك الدار التى فيها القوم ثم لم يكن بأسرع من أن جاء آخران فدخلا ثم لم يكن إلا قليل حتى جاء آخر فدخل ثم آخر فدخل وكان ذلك يعنيه وكان خروجهم قد اقترب فقال حجار لصاحبة الدار التى كان فيها نازلا وهى ترضع صبيا لها ويحك ما هذه الخيل التى أراها تدخل هذه الدار قالت والله ما أدرى ما هم إلا أن الرجال يختلفون إلى هذه الدار رجالا وفرسانا لا ينقطعون ولقد أنكرنا ذلك منذ أيام ولا ندرى من هم فركب حجار فرسه وخرج معه غلام له فأقبل حتى انتهى إلى باب دارهم فإذا عليه رجل منهم فكلما أتى انسان منهم إلى الباب دخل إلى صاحبه فأعلمه فأذن له فان جاءه رجل من معروفيهم دخل ولم يستأذن فلما انتهى إليه حجار لم يعرفه الرجل فقال من أنت رحمك الله وما تريد قال أردت لقاء صاحبي قال له وما اسمك قال له حجار بن أبجر قال فكما أنت حتى أوذنهم بك ثم أخرج اليك فقال له حجار ادخل راشدا فدخل الرجل واتبعه حجار مسرعا فانتهى إلى باب صفة عظيمة هم فيها وقد دخل إليهم الرجل فقال هذا رجل يستأذن عليك أنكرته فقلت له من أنت فقال أنا حجار ابن أبجر فسمعهم يتفزعون ويقولون حجار بن أبجر والله ما جاء حجار بن أبجر بخير فلما سمع القول منهم أراد أن ينصرف ويكتفى بذلك من الاسترابة بأمرهم ثم أبت نفسه أن ينصرف حتى يعاينهم فتقدم حتى قام بين سجفى باب الصفة وقال السلام عليكم فنظر فإذا هو بجماعة كثيرة وإذا سلاح ظاهر ودروع فقال حجار اللهم اجمعهم على خير من أنتم عافاكم الله فعرفه على بن أبى شمر بن الحصين من تيم الرباب وكان أحد الثمانية الذين انهزموا من الخوارج يوم النهر وكان من فرسان العرب ونساكهم وخيارهم فقال له يا حجار بن أبجر إن كنت إنما جاء بك التماس الخبر فقد وجدته فان كنت إنما جاء بك أمر غير ذلك فادخل وأخبرنا ما أتى بك فقال لا حاجة لى في الدخول فانصرف فقال

[ 140 ]

بعضهم لبعض أدركوا هذا فاحبسوه فإنه مؤذن بكم فخرجت منهم جماعة في أثره وذلك عند تطفيل الشمس للاياب فانتهوا إليه وقد ركب فرسه فقالوا له أخبرنا خبرك وما جاء بك قال لم آت لشئ يروعكم ولا يهولكم فقالوا له انتظر حتى ندنو منك ونكلمك أو تدنو منا أخبرنا فنعلمك أمرنا ونذكر حاجتنا فقال لهم ما أنا بدان منكم ولا أريد أن يدنو منى منكم أحد فقال له على بن أبى شمر بن الحصين أفمؤمننا أنت من الاذن بنا هذه الليلة وأنت محسن فان لنا قرابة وحقا قال نعم أنتم آمنون من قبلى هذه الليلة وليالي الدهر كلها ثم انطلق حتى دخل الكوفة وأدخل أهله معه وقال الآخرون بعضهم لبعض إنا لا نأمن أن يؤذن بنا هذا فاخرجوا بنا من هذا الموضع ساعتنا هذه قال فصلوا المغرب ثم خرجوا من الحيرة متفرقين فقال لهم صاحبهم الحقوا بى في دار سليم بن محدوج العبدى من بنى سلمة فخرج من الحيرة فمضى حتى أتى عبد القيس فأتى بنى سلمة فبعث إلى سليم بن محدوج وكان له صهرا فأتاه فأدخله وأصحابا له خمسة أو ستة ورجع حجار بن أبجر إلى رحله فأخذوا ينتظرون منه أن يبلغهم منه ذكر لهم عند السلطان أو الناس فما ذكر هم عند أحد منهم ولا بلغهم عنه في ذلك شئ يكرهونه فبلغ الخبر المغيرة بن شعبة أن الخوارج خارجة عليه في أيامه تلك وأنهم قد اجتمعوا على رجل منهم فقام المغيرة بن شعبة في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فقد علمتم أيها الناس أنى لم أزل أحب لجماعتكم العافية وأكف عنكم الازدي وإنى والله لقد خشيت أن يكون ذلك أدب سوء لسفهائكم فأما الحلماء الاتقياء فلا وايم الله لقد خشيت أن لا أجد بدا من أن يعصب الحليم التقى بذنب السفيه الجاهل فكفوا أيها الناس سفهاءكم قبل أن يشمل البلاء عوامكم وقد ذكر لى أن رجالا منكم يريدون أن يظهروا في المصر بالشقاق والخلاف وآيم الله لا يخرجون في حى من أحياء العرب في هذا المصر إلا أبدتهم وجعلتهم نكالا لمن بعدهم فنظر قوم لانفسهم قبل الندم فقد قمت هذا المقام إرادة الحجة والاعذار فقام إليه معقل بن قيس الرياحي فقال أيها الامير هل سمى لك أحد من هؤلاء القوم فان كانوا سموا لك فأعلمنا من هم فان كانوا منا كفيناكهم وإن كانوا

[ 141 ]

من غيرنا أمرت أهل الطاعة من أهل مصرنا فأتتك كل قبيلة بسفهائها فقال ما سمى لى أحد منهم ولكن قد قيل لى إن جماعة يريدون أن يخرجوا بالمصر فقال له معقل أصلحك الله فانى أسير في قومي وأكفيك ما هم فيه فليكفك كل امرئ من الرؤساء قومه فنزل المغيرة بن شعبة وبعث إلى رؤساء الناس فدعاهم ثم قال لهم إنه قد كان من الامر ما قد علمتم وقد قلت ما قد سمعتم فليكفنى كل امرئ من الرؤساء قومه والا فوالذي لا إله غيره لاتحولن عما كنتم تعرفون إلى ما تنكرون وعما تحبون إلى ما تكرهون فلا يلم لائم الا نفسه وقد أعذر من أنذر فخرجت الرؤساء إلى عشائرهم فنا شدوهم الله والاسلام إلا دلوهم على من يرون أنه يريد أن يهيج فتنة أو يفارق جماعة وجاء صعصعة بن صوحان فقام في عبد القيس * قال هشام قال أبو مخنف فحدثني الاسود بن قيس العبدى عن مرة بن النعمان قال قام فينا صعصعة بن صوحان وقد والله جاءه من الخبر بمنزل التميمي وأصحابه في دار سليم بن محدوج ولكنه كره على فراقه إياهم وبغضه لرأيهم أن يؤخذوا في عشيرته وكره مساءة أهل بيت من قومه فقال قولا حسنا ونحن يومئذ كثير أشرافنا حسن عددنا قال فقام فينا بعد ما صلى العصر فقال يا معشر عباد الله أن الله وله الحمد كثيرا لما قسم الفضل بين المسلمين خصكم منه بأحسن القسم فأجبتم إلى دين الله الذى اختاره الله لنفسه وارتضاه لملائكته ورسله ثم أقمتم عليه حتى قبض الله رسوله صلى الله عليه وسلم ثم اختلف الناس بعده فثبتت طائفة وارتدت طائفة وأدهنت طائفة وتربصت طائفة فلزمتم دين الله إيمانا به وبرسوله وقاتلتم المرتدين حتى قام الدين وأهلك الله الظالمين فلم يزل الله يزيدكم بذلك خيرا في كل شئ وعلى كل حال حتى اختلفت الامة بينها فقالت طائفة نريد طلحة والزبير وعائشة وقالت طائفة نريد أهل المغرب وقالت طائفة نريد عبد الله بن وهب الراسبى راسب الازد وقلتم أنتم لا نريد الا أهل البيت الذين ابتدأنا الله من قبلهم بالكرامة تسديدا من الله لكم وتوفيقا فلم تزالوا على الحق لازمين له آخذين به حتى أهلك الله بكم وبمن كان على مثل هداكم ورأيكم الناكثين يوم الجمل والمارقين يوم النهر وسكت عن

[ 142 ]

ذكر أهل الشأم لان السلطان كان حينئذ سلطانهم ولا قوم أعدى لله ولكم ولاهل بيت نبيكم ولجماعة المسلمين من هذه المارقة الخاطئة الذين فارقوا إمامنا واستحلوا دماءنا وشهدوا علينا بالكفر فاياكم أن تؤووهم في دوركم أو تكتموا عليهم فانه ليس ينبغى لحى من أحياء العرب أن يكون أعدى لهذه المارقة منكم وقد والله ذكر لى أن بعضهم في جانب من الحى وأنا باحث عن ذلك وسائل فإن كان حكى لى ذلك حقا تقربت إلى الله تعالى بدمائهم فإن دماءهم حلال ثم قال يا معشر عبد القيس إن ولاتنا هؤلاء هم أعرف شئ بكم وبرأيكم فلا تجعلوا لهم عليكم سبيلا فانهم أسرع شئ اليكم وإلى أمثالكم ثم تنحى فجلس فكل قومه قال لعنهم الله وقال برئ الله منهم فلا نؤويهم ولئن علمنا بمكانهم لنطلعنك عليهم غير سليم بن محدوج فإنه لم يقل شيئا فرجع إلى قومه كئيبا واجما يكره أن يخرج أصحابه من منزله فيلوموه وقد كانت بينهم مصاهرة وكان لهم ثقة ويكره أن يطلبوا في داره فيهلكوا ويهلك وجاء فدخل رحله وأقبل أصحاب المستورد يأتونه فليس منهم رجل إلا يخبره بما قام به المغيرة بن شعبة في الناس وبما جاءهم رؤساؤهم وقاموا فيهم وقالوا له اخرج بنا فوالله ما نأمن أن نؤخذ في عشائرنا قال فقال لهم أما ترون رأس عبد القيس قام فيهم كما قامت رؤساء العشائر في عشائرهم قالوا بلى والله نرى قال فإن صاحب منزلي لم يذكر لى شيئا قالوا نرى والله أنه استحيا منك فدعاه فأتاه فقال يا ابن محدوج انه قد بلغني أن رؤساء العشائر قاموا إليهم وتقدموا إليهم في وفى أصحابي فهل قام فيكم أحد يذكر لكم شيئا من ذلك قال فقال نعم قد قام فينا صعصعة بن صوحان فتقدم الينا في أن لا نؤوى أحدا من طلبتهم وقالوا أقاويل كثيرة كرهت أن أذكرها لكم فتحسبوا أنه ثقل على شئ من أمركم فقال له المستورد قد أكرمت المثوى وأحسنت الفعل ونحن إن شاء الله مرتحلون عنك ثم قال أما والله لو أرادوك في رحلى ما وصلوا اليك ولا إلى أحد من أصحابك حتى أموت دونكم قال أعاذك الله من ذلك وبلغ الذين في محبس المغيرة ما أجمع عليه أهل المصر من الرأى في نفى من كان بينهم من

[ 143 ]

الخوارج وأخذهم فقال معاذ بن جوين بن حصين في ذلك ألا أيها الشارون قد حان لامرئ * شرى نفسه لله أن يترحلا أقمتم بدار الخاطئين جهالة * وكل امرئ منكم يصاد ليقتلا فشدوا على القوم العداة فإنها * أقامتكم للذبح رأيا مضللا ألا فاقصدوا يا قوم للغاية التى * إذا ذكرت كانت أبر وأعدلا فياليتني فيكم على ظهر سابح * شديد القصيرى دارعا غير أعزلا ويا ليتني فيكم أعادي عدوكم * فيسقيني كأس المنية أولا يعز على أن تخافوا وتطردوا * ولما أجرد في المحلين منصلا ولما يفرق جمعهم كل ماجد * إذا قلت قد ولى وأدبر أقبلا مشيحا بنصل السيف في حمس الوغى * يرى الصبر في بعض المواطن أمثلا وعز على أن تضاموا وتنقصوا * وأصبح ذا بث أسيرا مكبلا ولو أننى فيكم وقد قصدوا لكم * أثرت إذا بين الفريقين قسطلا فيارب جمع قد فللت وغارة * شهدت وقرن قد تركت مجدلا فبعث المستورد إلى أصحابه فقال لهم اخرجوا من هذه القبيلة لا يصب امرءا مسلما في سببنا بغير علم معرة وكان فيهم بعض من يرى رأيهم فاتعدو سورا فخرجوا إليها متقطعين من أربعة وخمسة وعشرة فتتاموا بها ثلثمائة رجل ثم ساروا إلى الصراة فباتوا بها ليلة ثم إن المغيرة بن شعبة أخبر خبرهم فدعا رؤساء الناس فقال إن هؤلاء الاشقياء قد أخرجهم الحين وسوء الرأي فمن ترون أبعث إليهم قال فقام إليه عدى بن حاتم فقال كلنا لهم عدو ولرأيهم مسفه وبطاعتك مستمسك فأينا شئت سار إليهم فقام معقل بن قيس فقال إنك لا تبعث إليهم أحدا ممن ترى حولك من أشراف المصر إلا وجدته سامعا مطيعا ولهم مفارقا ولهلاكهم محبا ولا أرى أصلحك الله أن تبعث إليهم أحدا من الناس أعدى لهم ولا أشد عليهم منى فابعثني إليهم فإنى أكفيكهم بإذن الله فقال اخرج على اسم الله فجهز معه ثلاثة آلاف رجل وقال المغيرة لقبيصة بن الدمون الصق لى بشيعة على فأخرجهم مع

[ 144 ]

معقل بن قيس فإنه كان من رؤس أصحابه فإذا بعثت بشيعته الذين كانوا يعرفون فاجتمعوا جميعا استأنس بعضهم ببعض وتناصحوا وهم أشد استحلالا لدماء هذه المارقة واجرأ عليهم من غيرهم وقد قاتلوا قبل هذه المرة * قال أبو مخنف فحدثني الاسود بن قيس عن مرة بن منقذ بن النعمان قال كنت أنا فيمن ندب معه يومئذ قال لقد كان صعصعة بن صوحان قام بعد معقل بن قيس وقال ابعثنى إليهم أيها الامير فأنا والله لدمائهم مستحل وبحملها مستقل فقال اجلس فإنما أنت خطيب فكان أحفظه ذلك وإنما قال ذلك لانه بلغه أنه يعيب عثمان بن عفان رضى الله عنه ويكثر ذكر على ويفضله وقد كان دعاه فقال إياك أن يبلغني عنك أنك تعيب عثمان عند أحد من الناس وإياك أن يبلغني عنك أنك تظهر شيئا من فضل على علانية فإنك لست بذاكر من فضل على شيئا أجهله بل أنا أعلم بذلك ولكن هذا السلطان قد ظهر وقد أخذنا بإظهار عيبه للناس فنحن ندع كثيرا مما أمرنا به ونذكر الشئ الذى لا نجد منه بدا ندفع به هؤلاء القوم عن أنفسنا تقية فإن كنت ذاكرا فضله فاذكره بينك وبين أصحابك وفى منازلكم سرا وأما علانية في المسجد فان هذا لا يحتمله الخليفة لنا ولا يعذرنا فيه فكان يقول له نعم أفعل ثم يبلغه أنه قد عاد إلى ما نهاه عنه فلما قام إليه وقال له ابعثنى إليهم وجد المغيرة قد حقد عليه خلافه إياه فقال اجلس فإنما أنت خطيب فأحفظه فقال له أوما أنا إلا خطيب فقط أجل والله إنى للخطيب الصليب الرئيس أما والله لو شهدتني تحت راية عبد القيس يوم الجمل حيث اختلفت القنا فشؤن تفرى وهامة تختلى لعلمت أنى أنا الليث الهزبر فقال حسبك الآن لعمري لقد أوتيت لسانا فصيحا ولم يلبث قبيصة بن الدمون أن أخرج الجيش مع معقل وهم ثلاثة آلاف نقاوة الشيعة وفرسانهم * قال أبو مخنف فحدثني أبو النضر بن صالح عن سالم بن ربيعة قال إنى جالس عند المغيرة بن شعبة حين أتاه معقل بن قيس يسلم عليه ويودعه فقال له المغيرة يا معقل بن قيس إنى قد بعثت معك فرسان أهل المصر أمرت بهم فانتخبوا انتخابا فسر إلى هذه العصابة المارقة الذين فارقوا جماعتنا وشهدوا علينا بالكفر فادعهم إلى التوبة وإلى الدخول

[ 145 ]

في الجماعة فان فعلوا فاقبل منهم واكفف عنهم وإن هم لم يفعلوا فناجزهم واستعن بالله عليهم فقال معقل بن قيس سندعوهم ونعذر وايم الله ما أرى أن يقبلوا ولئن لم يقبلوا الحق لا نقبل منهم الباطل هل بلغك أصلحك الله أين منزل القوم قال نعم كتب إلى سماك بن عبيد العبسى وكان عاملا له على المدائن يخبرني أنهم ارتحلوا من الصراة فأقبلوا حتى نزلوا بهر سير وأنهم أرادوا أن يعبروا إلى المدينة العتيقة التى بها منازل كسرى وأبيض المدائن فمنعهم سماك أن يجوزوا فنزلوا بمدينة بهر سير مقيمين فاخرج إليهم وانكمش في آثارهم حتى تلحقهم ولا تدعهم والاقامة في بلد ينتهى إليهم فيه أكثر من الساعة التى تدعوهم فيها فان قبلوا والا فناهضهم فانهم لن يقيموا ببلد يومين إلا أفسدوا كل من خالطهم فخرج من يومه فبات بسورا فأمر المغيرة مولاه ورادا فخرج إلى الناس في مسجد الجماعة فقال أيها الناس إن معقل ابن قيس قد سار إلى هذه المارقة وقد بات الليلة بسورا فلا يتخلفن عنه أحد من أصحابه ألا وإن الامير يخرج على كل رجل من المسلمين منهم ويعزم عليهم ألا يبيتوا بالكوفة ألا وأيما رجل من هذا البعث وجدناه بعد يومنا بالكوفة فقد أحل بنفسه * قال أبو مخنف وحدثني عبد الرحمن بن حبيب عن عبد الله بن عقبة الغنوى قال كنت فيمن خرج مع المستورد بن علفة وكنت أحدث رجل فيهم قال فخرجنا حتى أتينا الصراة فأقمنا بها حتى تتامت جماعتنا ثم خرجنا حتى انتهينا إلى بهر سير فدخلناها ونذر بنا سماك بن عبيد العبسى وكان في المدينة العتيقة فلما ذهبنا لنعبر الجسر إليهم قاتلنا عليه ثم قطعه علينا فأقمنا ببهر سير قال فدعانا المستورد بن علفة فقال أتكتب يا ابن أخى قلت نعم فدعا لى برق ودواة وقال اكتب من عبد الله المستورد أمير المؤمنين إلى سماك بن عبيد أما بعد فقد نقمنا على قومنا الجور في الاحكام وتعطيل الحدود والاستئثار بالفئ وإنا ندعوك إلى كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وولاية أبى بكر وعمر رضوان الله عليهما والبراءة من عثمان وعلى لاحداثهما في الدين وتركهما حكم الكتاب فان تقبل فقد أدركت رشدك وإلا تقبل فقد أبلغنا في الاعذار اليك وقد آذناك بحرب فنبذنا اليك على

[ 146 ]

سواء إن الله لا يحب الخائنين قال فقال المستورد انطلق إلى سماك بهذا الكتاب فادفعه إليه واحفظ ما يقول لك والقنى قال وكنت فتى حدثا حين أدركت لم أجرب الامور ولا علم لى بكثير منها فقلت أصلحك الله لو أمرتنى أن أستعرض دجلة فألقى نفسي فيها ما عصيتك ولكن تأمن على سماكا أن يتعلق بى فيحبسني عنك فإذا أنا قد فاتني ما أترجاه من الجهاد فتبسم وقال يا ابن أخى إنما أنت رسول والرسول لا يعرض له ولو خشيت ذلك عليك لم أبعثك وما أنت على نفسك بأشفق منى عليك قال فخرجت حتى عبرت إليهم في معبر فأتيت سماك بن عبيد وإذا الناس حوله كثير قال فلما أقبلت نحو هم أبدوني أبصارهم فلما دنوت منهم ابتدرنى نحو من عشرة وظننت والله أن القوم يريدون أخذى وأن الامر عندهم ليس كما ذكر لى صاحبي فانتضيت سيفى وقلت كلا والذى نفسي بيده لا تصلون إلى حتى أعذر إلى الله فيكم قالوا لى يا عبد الله من أنت قلت أنا رسول أمير المؤمنين المستورد بن علفة قالوا فلم انتضيت سيفك قلت لا بتداركم إلى فخفت أن توثقوني وتغدروا بى قالوا فأنت آمن وانما أتيناك لنقوم إلى جنبك ونمسك بقائم سيفك وننظر ما جئت له وما تسأل قال لهم ألست آمنا حتى تردوني إلى أصحابي قالوا بلى فشمت سيفى ثم أتيت حتى قمت على رأس سماك بن عبيد وأصحابه قد انتشبوا بى فمنهم ممسك بقائم سيفى ومنهم ممسك بعضدي فدفعت إليه كتاب صاحبي فلما قرأه رفع رأسه إلى فقال ما كان المستورد عندي خليقا لما كنت أرى من إخباته وتواضعه أن يخرج على المسلمين بسيفه يعرض على المستورد البراءة من على وعثمان ويدعوني إلى ولايته فبئس والله الشيخ أنا إذا قال ثم نظر إلى فقال يا بنى اذهب إلى صاحبك فقل له اتق الله وارجع عن رأيك وادخل في جماعة المسلمين فإن أردت ان أكتب لك في طلب الامان إلى المغيرة فعلت فإنك ستجده سريعا إلى الاصلاح محبا للعافية قال قلت له وإن لى فيهم يومئذ بصيرة هيهات إنما طلبنا بهذا الامر الذى أخافنا فيكم في عاجل الدنيا الامن عند الله يوم القيامة فقال لى بؤسا لك كيف أرحمك ثم قال لاصحابه إنهم خلوا بهذا * ثم

[ 147 ]

جعلوا يقرؤن عليه القرآن ويتخضعون ويتباكون فظن بهذا أنهم على شئ من الحق إن هم إلا كالانعام بل هم أضل سبيلا والله ما رأيت قوما كانوا أظهر ضلالة ولا أبين شؤما من هؤلاء الذين ترون قلت يا هذا اننى ثم آتك لاشاتمك ولا أسمع حديثك وحديث أصحابك حدثنى أنت تجيبني إلى ما في هذا الكتاب أم لا تفعل فأرجع إلى صاحبي فنظر إلى ثم قال لاصحابه ألا تعجبون إلى هذا الصبى والله انى لارانى أكبر من أبيه وهو يقول لى أتجيبني إلى ما في هذا الكتاب انطلق يا بنى إلى صاحبك انما تندم لو قد اكتنفتكم الخيل وأشرعت في صدوركم الرماح هناك تمنى لو كنت في بيت أمك قال فانصرفت من عنده فعبرت إلى أصحابي فلما دنوت من صاحبي قال ما رد عليك قلت ما رد خيرا قلت له كذا وقال لى كذا فقصصت عليه القصة قال فقال المستورد " إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم " قال فلبثنا بمكاننا ذاك يومين أو ثلاثة أيام ثم استبان لنا مسير معقل بن قيس الينا قال فحمعنا المستورد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فان هذا الخرف معقل بن قيس قد وجه اليكم وهو من السبائية المفترين الكاذبين وهو لله ولكم عدو فأشيروا على برأيكم قال فقال له بعضنا والله ما خرجنا نريد إلا الله وجهاد من عادى الله وقد جاؤنا فأين نذهب عنهم بل نقيم حتى يحكم الله بيننا وبينهم وهو خير الحاكمين وقالت طائفة أخرى بل نعتزل ونتنحى ندعو الناس ونحتج عليهم بالدعاء فقال يا معشر المسلمين إنى والله ما خرجت ألتمس الدنيا ولا ذكرها ولا فخرها ولا البقاء وما أحب أنها لى بحذافيرها وأضعاف ما يتنافس فيه منها بقبال نعلي وما خرجت إلى التماس الشهادة وأن يهدينى الله إلى الكرامة بهوان بعض أهل الضلالة وإنى قد نظرت فيما استشرتكم فيه فرأيت أن لا أقيم لهم حتى يقدموا على وهم حامون متوافرون ولكن رأيت أن أسير حتى أمعن فإنهم إذا بلغهم ذلك خرجوا في طلبنا فتقطعوا وتبددوا فعلى تلك الحال ينبغى لنا قتالهم فاخرجوا بنا على اسم الله عز وجل * قال فخرجنا فمضينا على شاطئ دجلة حتى انتهينا إلى

[ 148 ]

جرجرايا فعبرنا دجلة فمصينا كما نحن في أرض جوخى حتى بلغنا المذار فأقمنا فيها وبلغ عبد الله بن عامر مكاننا الذى كنا فيه فسأل عن المغيرة بن شعبة كيف صنع في الجيش الذى بعث إلى الخوارج وكم عدتهم فأخبر بعدتهم وقيل له إن المغيرة نظر إلى رجل شريف رئيس قد كان قاتل الخوارج مع على عليه السلام وكان من أصحابه فبعثه وبعث معه شيعة على لعداوتهم لهم فقال أصاب الرأى فبعث إلى شريك بن الاعور الحارثى وكان يرى رأي على عليه السلام فقال له اخرج إلى هذه المارقة فانتخب ثلاثة آلاف رجل من الناس ثم اتبعهم حتى تخرجهم من أرض البصرة أو تقتلهم وقال له بينه وبينه اخرج إلى أعداء الله بمن يستحل قتالهم من أهل البصرة فظن شريك به إنما يعنى شيعة على عليه السلام ولكنه يكره أن يسميهم فانتخب الناس وألح على فرسان ربيعة الذين كان رأيهم في الشيعة وكان تجيبه العظماء منهم ثم إنه خرج فيهم مقبلا إلى المستورد بن علفة بالمذار * قال أبو مخنف وحدثني حصيرة بن عبد الله بن الحارث عن أبيه عبد الله بن الحارث قال كنت في الذين خرجوا مع معقل بن قيس فأقبلت معه فوالله ما فارقته ساعة من نهار منذ خرجت فكان أول منزل نزلناه سورا * قال فمكثنا به يوما حتى اجتمع إليه جل أصحابه ثم خرجنا مسرعين مبادرين لعدونا أن يفوتنا فبعثنا طليعة فارتحلنا فنزلنا كوثى فأقمنا بها يوما حتى لحق بنا من تخلف ثم أدلج بنا من كوثى وقد مضى من الليل هزيع فأقبلنا حتى دنونا من المدائن فاستقبلنا الناس فأخبرونا أنهم قد ارتحلوا فشق علينا والله ذلك وأيقنا بالعناء وطول الطلب * قال وجاء معقل بن قيس حتى نزل باب مدينة بهر سير ولم يدخلها فخرج إليه سماك بن عبيد فسلم عليه وأمر غلمانه ومواليه فأتوه بالجزر والشعير والقت فجاءوه من ذلك بكل ما كفاه وكفى الجند الذين كانوا معه ثم إن معقل بن قيس بعد أن أقام بالمدائن ثلاثا جمع أصحابه فقال إن هؤلاء المارقة الضلال إنما خرجوا فذهبوا على وجوههم إرادة أن تتعجلوا في آثارهم فتتقطعوا وتتبددوا ولا تلحقوا بهم إلا وقد تعبتم ونصبتم وأنه ليس شئ يدخل عليكم من ذلك إلا وقد يدخل عليهم مثله فخرج بنا من المدائن فقدم

[ 149 ]

بين يديه أبو الرواغ الشاكرى في ثلثمائة فارس فاتبع آثارهم فخرج معقل في أثره فأخذ أبو الرواغ يسأل عنهم ويركب الوجه الذى أخذوا فيه حتى عبروا جرجرايا في آثارهم ثم سلك الوجه الذى أخذوا فيه فاتبعهم فلم يزل ذلك دأبه حتى لحقهم بالمذار مقيمين فلما دنا منهم استشار أصحابه في لقائهم وقتالهم قبل قدوم معقل عليه فقال له بعضهم اقدم بنا عليهم فلنقاتلهم وقال بعضهم والله ما نرى أن تعجل إلى قتالهم حتى يأتينا أميرنا ونلقاهم بجماعتنا * قال أبو مخنف فحدثني تليد بن زيد بن راشد الفائشى أن أباه كان معه يومئذ قال فقال لنا أبو الرواغ إن معقل بن قيس حين سرحني أمامه أمرنى أن أتبع آثارهم فإذا لحقتهم لم أعجل إلى قتالهم حتى يأتيني * قال فقال له جميع أصحابه فالرأى الآن بين تنح بنا فلنكن قريبا منهم حتى يقدم علينا صاحبنا فتنحينا وذلك عند المساء قال فبتنا ليلتنا كلها متحارسين حتى أصبحنا فارتفع الضحى وخرجوا علينا قال فخرجنا إليهم وعدتهم ثلثمائة فلما اقتربوا شدوا علينا فلا والله ما ثبت لهم منا إنسان قال فانهزمنا ساعة ثم إن أبا الرواغ صاح بنا وقال يا فرسان السوء قبحكم الله سائر اليوم الكرة الكرة قال فحمل وحملنا معه حتى إذا دنونا من القوم كر بنا فانصرفنا وكروا علينا وكشفونا طويلا ونحن على خيل معلمة جياد ولم يصب منا أحد وقد كانت جراحات يسيرة فقال لنا أبو الرواغ ثكلتكم أمهاتكم انصرفوا بنا فلنكر قريبا منهم لا نزايلهم حتى يقدم علينا أميرنا فما أقبح بنا أن نرجع إلى الجيش وقد انهزمنا من عدونا ولم نصبر لهم حتى يشتد القتال وتكر القتلى قال فقال رجل منا يجيبه إن الله لا يستحى من الحق قد والله هزمونا قال أبو الرواغ لا أكثر الله فينا ضربك إنا ما لم ندع المعركة فلم نهزم وإنا متى عطفنا عليهم وكنا قريبا منهم فنحن على حال حسنة حتى يقدم علينا الجيش ولم ترجع عن وجهنا إنه والله لو كان يقال انهزم أبو حمران حمير بن بحير الهمداني ما باليت إنما يقال انهزم أبو الرواغ فقفوا قريبا فإن أتوكم فجعزتم عن قتالهم فانحازوا فإن حملوا عليكم فعجزتم عن قتالهم فتأخروا وانحازوا إلى حامية فإذا رجعوا عنكم فاعطفوا عليهم وكونوا قريبا منهم فإن الجيش آتيكم إلى ساعة

[ 150 ]

قال فأخذت الخوارج كلما حملت عليهم انحازوا وهم كانوا حامية وإذا أخذوا في الكرة عليهم فتفرق جماعتهم قرب أبو الرواغ وأصحابه على خيلهم في آثارهم فلما رأوا أنهم لا يفارقونهم وقد طاردوهم هكذا من ارتفاع الضحى إلى الاولى فلما حضرت صلاة الظهر نزل المستورد للصلاة واعتزل أبو الرواغ وأصحابه على رأس ميل منهم أو ميلين ونزل أصحابه فصلوا الظهر وأقاموا رجلين ربيئة وأقاموا مكانهم حتى صلوا العصر ثم إن فتى جاءهم بكتاب معقل بن قيس إلى أبى الرواغ وكان أهل القرى وعابرو السبيل يمرون عليهم ويرونهم يقتتلون فمن مضى منهم على الطريق نحو الوجه الذى يأتي من قبله معقل استقبل معقلا فأخبره بالتقاء أصحابه والخوارج فيقول كيف رأيتموهم يصنعون فيقولون رأينا الحرورية تطرد أصحابك فيقول أما رأيتم أصحابي يعطفون عليهم ويقاتلوهم فيقولون بلى يعطفون عليهم وينهزمون فقال إن كان ظنى بأبى الرواغ صادقا لا يقدم عليكم منهزما أبدا ثم وقف عليهم فدعا محرز بن شهاب بن بجير بن سفيان بن خالد بن منقر التميمي فقال له تخلف في ضعفة الناس ثم سر بهم على مهل حتى تقدم بهم على ثم نادى في أهل القوة ليتعجل كل ذى قوة معى اعجلوا إلى إخوانكم فإنهم قد لاقوا عدوهم وإنى لارجو أن يهلكهم الله قبل أن تصلوا إليهم * قال فاستجمع من أهل القوة والشجاعة وأهل الخيل الجياد نحو من سبعمائة وسار فأسرع فلما دنا من أبى الرواغ قال أبو الرواغ هذه غبرة الخيل تقدموا بنا إلى عدونا حتى يقدم علينا الجند ونحن منهم قريب فلا يرون أننا تنحينا عنهم ولا هبناهم قال فاستقدم أبو الرواغ حتى وقف مقابل المستورد وأصحابه وغشيهم معقل في أصحابه فلما دنا منهم غربت الشمس فنزل فصلى بأصحابه ونزل أبو الرواغ فصلى بأصحابه في جانب آخر وصلى الخوارج أيضا ثم إن معقل بن قيس أقبل بأصحابه حتى إذا دنا من أبى الرواغ دعاه فأتاه فقال له أحسنت أبا الرواغ هكذا الظن بك الصبر والمحافظة فقال أصلحك الله إن لهم شدات منكرات فلا تكن أنت تليها بنفسك ولكن قدم بين يديك من يقاتلهم وكن أنت من وراء الناس ردءا لهم فقال نعم ما رأيت فوالله ما كان إلا ريثما قالها

[ 151 ]

حتى شدوا عليه وعلى أصحابه فلما غشوه انجفل عنه عامة اصحابه وثبت ونزل وقال الارض الارض يا أهل الاسلام ونزل معه أبو الرواغ الشاكرى وناس كثير من الفرسان وأهل الحفاظ نحو من مائتي رجل فلما غشيهم المستورد وأصحابه استقبلوهم بالرماح والسيوف وانجفلت خيل معقل عنه ساعة ثم ناداهم مسكين ابن عامر بن أنيف بن شريح بن عمرو بن عدس وكان يومئذ من أشجع الناس وأشدهم بأسا فقال يا أهل الاسلام أين الفرار وقد نزل أميركم ألا تستحيون إن الفرار مخزاة وعار ولؤم ثم كر راجعا ورجعت معه خيل عظيمة فشدوا عليهم ومعقل ابن قيس يضاربهم تحت رايته مع ناس نزلوا معه من أهل الصبر فضربوهم حتى اضطروهم إلى البيوت ثم لم يلبثوا إلا قليلا حتى جاءهم محرز بن شهاب فيمن تخلف من الناس فلما أتوهم أنزلهم ثم صف لهم وجعل ميمنة وميسرة فجعل أبا الرواغ على ميمنته ومحرز بن بجير بن سفيان على ميسرته ومسكين بن عامر على الخيل ثم قال لهم ألا تبرحوا مصافكم حتى تصبحوا فإذا أصبحتم ثرنا إليهم فناجزناهم فوقف الناس مواقفهم على مصافهم * قال أبو مخنف وحدثني عبد الرحمن ابن جندب عن عبد الله ابن عقبة الغنوى قال لما انتهى إلينا معقل بن قيس قال لنا المستورد لا تدعو معقلا حتى يعبى لكم الخيل والرجل شدوا عليهم شدة صادقة لعل الله يصرعه فيها قال فشددنا عليهم شدة صادقة فانكشفوا فانفضوا ثم انجفلوا ووثب معقل عن فرسه حين رأى إدبار أصحابه عنه فرفع رايته ونزل معه ناس من أصحابه فقاتلوا طويلا فصبروا لنا ثم إنهم تداعوا علينا فعطفوا علينا من كل جانب فانحزنا حتى جعلنا البيوت في ظهورنا وقد قاتلناهم طويلا وكانت بيننا جراحة وقتل يسير. قال أبو مخنف حدثنى حصيرة ابن عبد الله عن أبيه أن عمير بن أبى أشاءة الازدي قتل يومئذ وكان فيمن نزل مع معقل بن قيس وكان رئيسا. قال وكنت أنا فيمن نزل معه فوالله ما أنسى قول عمير بن أبى أشاءة ونحن نقتتل وهو يضاربهم بسيفه قدما قد علمت أنى إذا ما أقشعوا * عنى والتاث اللئام الوضع أحوس عند الروع ندب أروع

[ 152 ]

وقاتل قتالا شديدا ما رأيت أحدا قاتل مثله فجرح رجالا كثيرا وقتل وما أدرى انه قتل ما عدا واحدا وقد علمت انه اعتنقه فخر على صدره فذبحه فما حز رأسه حتى حمل عليه رجل منهم فطعنه بالرمح في ثغرة نحره فخر عن صدره وانجدل ميتا وشددنا عليهم وحزناهم إلى القرية ثم انصرفنا إلى معركتنا فأتيته وأنا أرجو أين يكون به رمق فإذا هو قد فاظ فرجعت إلى أصحابي فوقفت فيهم. قال ابو مخنف وحدثني عبد الرحمن بن جندب عن عبد الله بن عقبة الغنوى قال انا لمتواقفون أول الليل إذ أتانا رجل كنا بعثناه أول الليل وكان بعض من يمر الطريق قد أخبرنا أن جيشا قد أقبل الينا من البصرة فلم نكترث وقلنا لرجل من أهل الارض وجعلنا له جعلا اذهب فاعلم هل أتانا من قبل البصرة جيش فجاء ونحن مواقفو أهل الكوفة وقال لنا نعم قد جاءكم شريك بن الاعور وقد استقبلت طائفة على رأس فرسخ عند الاولى ولا أرى القوم إلا نازلين بكم الليلة أو مصبحيكم غدوة قال فأسقط في أيدينا وقال المستورد لاصحابه ماذا ترون قلنا نرى ما رأيت قال فانى لا أرى أن أقيم لهؤلاء جميعا ولكن نرجع إلى الوجه الذى جئنا منه فان أهل البصرة لا يتبعونا إلى أرض الكوفة ولا يتبعنا حينئذ الا أهل مصرنا فقلنا له ولم ذاك فقال قتال أهل مصر واحد أهون علينا من قتال أهل المصرين قالوا سر بنا حيث أحببت قال فانزلوا عن ظهور دوابكم فأريحوا ساعة واقضموها ثم انظروا ما آمركم به قال فنزلنا عنها فأقضمناها قال وبيننا وبينهم حينئذ ساعة قد ارتفعوا عن القرية مخافة أن نبيتهم قال فلما أرحناها وأقضمناها أمرنا فاستوينا على متونها ثم قال ادخلوا القرية ثم اخرجوا من ورائها وانطلقوا معكم بعلج يأخذ بكم من ورائها ثم يعود بكم حتى يردكم إلى الطريق الذى منه أقبلتم ودعوا هؤلاء مكانهم فانهم لم يشعروا بكم عامة الليل أو حتى تصبحوا قال فدخلنا القرية وأخذنا علجا ثم خرجنا به أمامنا فقلنا خذ بنا من وراء هذا الصف حتى نعود إلى الطريق الذى منه أقبلنا ففعل ذلك فجاء بنا حتى أقامنا على الطريق الذى منه أقبلنا فلزمناه راجعين ثم أقبلنا حتى نزلنا جرجرايا * قال ابو مخنف حدثنى

[ 153 ]

حصيرة بن عبد الله عن أبيه عبد الله بن الحارث قال إنى أول من فطن لذهابهم قال فقلت أصلحك الله لقد رابنى أمر هذا العدو منذ ساعة طويلة إنهم كانوا مواقفين نرى سوادهم ثم لقد خفى على ذلك السواد منذ ساعة وإنى لخائف أن يكونوا زالوا من مكانهم ليكيدوا الناس فقال وما تخاف أن يكون من كيدهم قلت أخاف أن يبيتوا الناس قال والله ما آمن ذلك قال فقلت له فاستعد لذلك قال كما أنت حتى أنظر يا عتاب انطلق فيمن أحببت حتى تدنو من القرية فتنظر هل ترى منهم أحدا أو تسمع لهم ذكرا وسل أهل القرية عنهم * فخرج في خمس الغزاة يركض حتى نظر القرية فأخذ لا يرى أحدا يكلمه وصاح بأهل القرية فخرج إليه منهم ناس فسألهم عنهم فقالوا خرجوا فلا ندرى كيف ذهبوا فرجع إليه عتاب فأخبره الخبر فقال معقل لا آمن البيات فأين مضر فجاءت مضر فقال قفوا ههنا * وقال أين ربيعة فجعل ربيعة في وجه وتميما في وجه وهمدان في وجه وبقية أهل اليمن في وجه آخر وكان كل ربع من هؤلاء في وجه وظهره مما يلى ظهر الربع الآخر وجال فيهم معقل حتى لم يدع ربعا الا وقف عليه وقال أيها الناس لو أتوكم فبدوا بغيركم فقاتلوهم فلا تبرحوا أنتم مكانكم أبدا حتى يأتيكم أمرى * وليغن كل رجل منكم الوجه الذى هو فيه حتى نصبح فنرى رأينا فمكثوا متحارسين يخافون بياتهم حتى أصبحوا فلما أصبحوا نزلوا فصلوا وأتوا فأخبروا أن القوم قد رجعوا في الطريق الذى أقبلوا منه عودهم على بدئهم وجاء شريك بن الاعور في جيش من أهل البصرة حتى نزلوا بمعقل ابن قيس فلقيه فتساءلا ساعة ثم إن معقلا قال لشريك أنا متبع آثارهم حتى ألحقهم لعل الله أن يهلكهم فإنى لا آمن إن قصرت في طلبهم أن يكثروا فقام شريك فجمع رجالا من وجوه أصحابه فيهم خالد بن معدان الطائى وبيهس بن صهيب الجرمى فقال لهم يا هؤلاء هل لكم في خير هل لكم في أن تسيروا مع إخواننا من أهل الكوفة في طلب هذا العدو الذى هو عدو لنا ولهم حتى يستأصلهم الله ثم نرجع فقال خالد بن معدان وبيهس الجرمى لا والله لا نفعل إنما أقبلنا نحوهم لننفيهم عن أرضنا ونمنعهم من دخولها فإن كفانا الله مؤنتهم فإنا منصرفون إلى مصرنا وفى أهل

[ 154 ]

الكوفة ما يمنعون به بلادهم من هؤلاء الاكلب فقال لهم ويحكم أطيعوني فيهم فانهم قوم سوء لكم في قتالهم أجر وحظوة عند السلطان فقال له بيهس الجرمى نحن والله إذا كما قال أخو بنى كنانة كمرضعة أولاد أخرى وضيعت بنيها فلم ترقع بذلك مرقعا أما بلغك ان الاكراد قد كفروا بجبال فارس قال قد بلغني قال فتأمرنا أن ننطلق معك نحمى بلاد أهل الكوفة ونقاتل عدوهم ونترك بلادنا فقال له وما الاكراد إنما يكفيهم طائفة منكم فقال له وهذا العدو الذى تندبنا إليه إنما يكفيه طائفة من أهل الكوفة إنهم لعمري لو اضطروا إلى نصرتتا لكان علينا نصرتهم ولكنهم لم يحتاجوا إلينا بعد وفى بلادنا فتق مثل الفتق الذى في بلادهم فليغنوا ما قبلهم وعلينا أن نغنى ما قبلنا ولعمري لو أنا أطعناك في اتباعهم فاتبعتهم كنت قد اجترأت على أميرك وفعلت ما كان ينبغى لك أن تطلع فيه راية ما كان ليحتملها لك فلما رأى ذلك قال لاصحابه سيروا فارتحلوا وجاء حتى لقى معقلا وكانا متحابين على رأى الشيعة متوادين عليه فقال أما والله لقد جهدت بمن معى أن يتبعوني حتى أسير معكم إلى عدوكم فغلبوني فقال له معقل جزاك الله من أخ خيرا إنا لم نحتج إلى ذلك أما والله إنى أرجو أن لو قد جهدوا لا يفلت منهم مخبر * قال أبو مخنف حدثنى الصقعب بن زهير عن أبى أمامة عبيدالله بن جنادة عن شريك بن الاعور قال حدثنا بهذا الحديث شريك بن الاعور قال فلما قال والله إنى لارجو أن لو جهدوا لا يفلت منهم مخبر كرهتها والله له وأشفقت عليه وحسبت أن يكون شبه كلام البغى قال وايم الله ما كان من أهل البغى * قال أبو مخنف حدثنى حصيرة ابن عبد الله عن أبيه عبد الله بن الحارث الازدي قال لما أتانا ان المستورد بن علفة وأصحابه قد رجعوا عن طريقهم سررنا بذلك وقلنا نتبعهم ونستقبلهم بالمدائن وإن دنوا من الكوفة كان أهلك لهم ودعا معقل بن قيس أبا الرواغ فقال له اتبعه في أصحابك الذين كانوا معك حتى تحبسه على حتى ألحقك فقال له زدنى منهم فإنه أقوى لى عليهم إن هم ارادوا مناجزتي قبل قدومك فإنا كنا قد لقينا منهم برحا فزاده ثلثمائة فاتبعهم في ستمائة واقبلوا سراعا حتى نزلوا جرجرايا واقبل أبو الرواغ

[ 155 ]

في أثرهم مسرعا حتى لحقهم بجرجريا وقد نزلوا فنزل بهم عند طلوع الشمس فلما نظروا أذا هم بأبى الرواغ في المقدمة فقال بعضهم لبعض إن قتالكم هؤلاء أهون من قتال من يأتي بعدهم * قال فخرجوا إلينا فأخذوا يخرجون لنا العشرة فرسان منهم والعشرين فارسا فنخرج لهم مثلهم فتطارد الخيلان ساعة ينتصف بعضنا من بعض فلما رأوا ذلك اجتمعوا فشدوا علينا شدة واحدة صدقوا فيها الحملة * قال فصرفونا حتى تركنا لهم العرصة ثم ان ابا الرواغ نادى فيهم فقال يا فرسان السوء يا حماة ؟ ؟ بئس ما قاتلتم القوم إلى إلى * فعالج نحوا من مائة فارس فعطف عليهم وهو يقول: إن الفتى كل الفتى من لم يهل * إذا الجبان حاد عن وقع الاسل قد علمت أنى إذا الباس نزل * أروع يوم الهيج مقدام بطل ثم عطف عليهم فقاتلهم طويلا ثم عطف أصحابه من كل جانب فصدقوهم القتال حتى ردوهم إلى مكانهم الذى كانوا فيه فلما رأى ذلك المستورد أصحابه ظنوا أن معقلا إن جاءهم على تفيئة ذلك لم يكن دون قتله لهم شئ فمضى هو وأصحابه حتى قطعوا دجلة ووقعوا في أرض بهر سير وقطع أبو الرواغ في آثارهم فاتبعهم وجاء معقل بن قيس فاتبع أثر أبى الرواغ فقطع في إثره دجلة ومضى المستورد نحو المدينة العتيقة وبلغ ذلك سماك بن عبيد فخرج حتى عبر إليها ثم خرج بأصحابه وبأهل المدائن فصف على بابها وأجلس رجالا رماة على السور فبلغهم ذلك فانصرفوا حتى نزلوا ساباط وأقبل أبو الرواغ في طلب القوم حتى مر بسماك بن عبيد بالمدائن فحبره بوجههم الذى أخذوا فيه فاتبعهم حتى نزل بهم ساباط * قال أبو مخنف حدثنى عبد الرحمن بن حبيب عن عبد الله بن عقبة الغنوى قال لما نزل بنا أبو الرواغ دعا المستورد أصحابه فقال إن هؤلاء الذين نزلوا بكم مع أبى الرواغ هم حر أصحاب معقل لا والله ما قدم إليكم إلا حماته وفرسانه والله لو أنى أعلم إذا بادرت أصحابه هؤلاء إليه أدركته قبل أن يقارفوه بساعة لبادرتهم إليه فليخرج منكم خارج فيسأل عن معقل أين هو وأين بلغ قال فخرجت أنا فاستقبلت علوجا أقبلوا من

[ 156 ]

المدائن فقلت لهم ما بلغكم عن معقل بن قيس قالوا جاء فيج لسماك بن عبيد من قبله كان سرحه ليستقبل معقلا فينظر أين انتهى وأين يريد أن ينزل فجاءه فقال تركته نزل ديلمايا وهى قرية من قرى إستان بهر سير إلى جانب دجلة كانت لقدامة بن العجلان الازدي فقلت له كم بيننا وبينهم من هذا المكان قالوا ثلاثة فراسخ أو نحو ذلك قال فرجعت إلى صاحبي فأخبرته الخبر فقال لاصحابه اركبوا فركبوا فأقبل حتى انتهى بهم إلى جسر ساباط وهو جسر نهر الملك وهو من جانبه الذى يلى الكوفة وأبو الرواغ وأصحابه مما يلى المدائن قال فجئنا حتى وقفنا على الجسر قال ثم قال لنا لتنزل طائفة منكم قال فنزل منا نحو من خمسين رجلا فقال اقطعوا هذا الجسر فنزلنا فقطعناه قال فلما رأونا وقوفا على الخيل ظنوا أنا نريد أن نعبر إليهم قال فصفوا لنا وتعبوا واشتغلوا بذلك عنا في قطعنا الجسر ثم إنا أخذنا من أهل ساباط دليلا فقلنا له احضر بين أيدينا حتى ننتهي إلى ديلمايا فخرج بين أيدينا يسعى وخرجنا تلمع بنا خيلنا فكان الخبب والوجيف فما كان إلا ساعة حتى أطلنا على معقل وأصحابه وهم يتحملون فما هو إلا أن بصر بنا وقد تفرق أصحابه عنه ومقدمته ليست عنده وأصحابه قد استقدم طائفة منهم وطائفة تزحل وهم غارون لا يشعرون فلما رآنا نصب رايته ونزل ونادى يا عباد الله الارض الارض فنزل معه نحو من مائتي رجل قال فأخذنا نحمل عليهم فيستقبلونا بأطراف الرماح جثاة على الركب فلا نقدر عليهم فقال لنا المستورد دعوا هؤلاء إذ نزلوا وشدوا على خيلهم حتى تحولوا بينها وبينهم فإنكم إن أصبتم خيلهم فإنهم لكم عن ساعة جزر قال فشددنا على خيلهم فخلنا بينهم وبينها وقطعنا أعنتها وقد كانوا قرنوها فذهبت في كل جانب قال ثم ملنا على الناس المتزحلين والمتقدمين فحملنا عليهم حتى فرقنا بينهم ثم أقبلنا إلى معقل ابن قيس وأصحابه جثاة على الركب على حالهم التى كانوا عليها فحملنا عليهم فلم يتحلحلوا ثم حملنا عليهم أخرى ففعلوا مثلها فقال لنا المستورد نازلوهم لينزل إليهم نصفكم فنزل نصفنا وبقى نصفنا معه على الخيل وكنت في أصحاب الخيل قال فلما نزل إليهم رجالتنا قاتلتهم وأخذنا نحمل عليهم بالخيل وطمعنا والله فيهم قال فوالله إنا

[ 157 ]

لنقاتلهم ونحن نرى أن قد علوناهم إذ طلعت علينا مقدمة أصحاب أبى الرواغ وهم حر أصحابه وفرسانهم فلما دنوا منا حملوا علينا فعند ذلك نزلنا بأجمعنا فقاتلناهم حتى أصيب صاحبنا وصاحبهم قال فما علمته نجا منهم يومئذ أحد غيرى قال وإنى أحدثهم رجلا فيما أرى * قال أبو مخنف حدثنى عبد الرحمن بن حبيب عن عبد الله بن عقبة الغنوى قال وحدثنا بهذا الحديث مرتين من الزمن مرة في إمارة مصعب بن الزبير بباجميرا ومرة ونحن مع عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث بدير الجماجم قال فقتل والله يومئذ يدير الجماجم بوم الهزيمة وإنه لمقبل عليهم يضاربهم بسيفه وأنا أراه قال فقلت له بدير الجماجم إنك قد حدثتني بهذا الحديث بباجميرا مع مصعب بن الزبير فلم أسألك كيف نجوت من بين أصحابك قال أحدثك والله إن صاحبنا لما أصيب قتل أصحابه إلا خمسة نفر أو ستة قال فسددنا على جماعة من أصحابه نحو من عشرين رجلا فانكشفوا * قال وانتهيت إلى فرس واقف عليه سرجه ولجامه وما أدرى ما قصة صاحبه أقتل أم نزل عنه صاحبه يقاتل وتركه قال فأقبلت حتى أخذت بلجامه وأضع رجلى في الركاب وأستوى عليه قال وشدوالله أصحابه على فانتهوا إلى وغمزت في جنب الفرس فإذا هو والله أجود ما سخر وركض منهم ناس في أثرى فلم يعلقوا بى فأقبلت أركض الفرس وذلك عند المساء فلما علمت أنى قد فتهم وأمنت أخذت أسير عليه خببا وتقريبا ثم إنى سرت عليه بذلك سيره ولقيت علجا فقلت له اسع بين يدى حتى تخرجني الطريق الاعظم طريق الكوفة ففعل فوالله ما كانت إلا ساعة حتى انتهيت إلى كوثى فجئت حتى انتهيت إلى مكان من النهر واسع عريض فأقحمت الفرس فيه فعبرته ثم أقبلت عليه حتى آتى دير كعب فنزلت فعلقت فرسى وأرحته وهومت تهويمة ثم إنى هببت سريعا فحلت في ظهر الفرس ثم سرت في قطع من الليل فاتخذت بقية الليل جملا فصليت الغداة بالمزاحمية على رأس فرسخين من قبين ثم أقبلت حتى أدخل الكوفة حين منع الضحى فأتي من ساعتي شريك بن نملة المحاربي فأخبرته خبرى وخبر أصحابه وسألته أن يلقى المغيرة بن شعبة فيأخذ لى منه أمانا فقال

[ 158 ]

لى قد أصبت الامان إن شاء الله وقد جئت ببشارة والله لقد بت الليلة وإن أمر الناس ليهمني قال فخرج شريك بن نملة المحاربي حتى أتى المغيرة مسرعا فاستأذن عليه فأذن له فقال إن عندي بشرى ولى حاجة فاقض حاجتى أبشرك ببشارتى فقال له قضيت حاجتك فهات بشراك قال تؤمن عبد الله بن عقبة الغنوى فإنه كان مع القوم قال قد آمنته والله لوددت أنك أتيتني بهم كلهم فآمنتهم قال فأبشر فإن القوم كلهم قد قتلوا كان صاحبي مع القوم ولم ينج منهم فيما حدثنى غيره قال قما فعل معقل بن قيس قال أصلحك الله ليس له بأصحابنا علم قال فما فرغ من منطقه حتى قدم عليه أبو الرواغ ومسكين بن عامر بن أنيف مبشرين بالفتح فاخبروا أن معقل بن قيس والمستورد ابن علفة مشى كل واحد منهما إلى صاحبه بيد المستورد الرمح وبيد معقل السيف فالتقيا فأشرع المستورد الرمح في صدر معقل حتى خرج السنان من ظهره فضربه معقل بالسيف على رأسه حتى خالط السيف أم الدماغ فخرا ميتين * قال أبو مخنف حصيرة بن عبد الله عن أبيه قال لما رأينا المستورد بن علفة وقد نزلنا به ساباط أقبل إلى الجسر فقطعه كنا نظن أنه يريد أن يعبر الينا قال فارتفعنا عن مظلم ساباط إلى الصحراء التى بين المدائن وساباط فتعبأنا وتهيأنا فطال الينا أن نراهم يخرجون الينا قال فقال أبو الرواغ ان لهؤلاء لشأنا ألا رجل يعلم لنا علم هؤلاء فقلت أنا ووهيب بن أبى أشاءة الازدي نحن نعلم لك علم ذلك ونأتيك بخبرهم فقربنا على فرسينا إلى الجسر فوجدناه مقطوعا فظننا القوم لم يقطعوه إلا هيبة لنا ورعبا منا فرجعنا نركض سراعا حتى انتهينا إلى صاحبنا فأخبرناه بما رأينا فقال ما ظنكم قال فقلنا لم يقطعوا الجسر إلا لهيبتنا ولما أدخل الله في قلوبهم من الرعب منا قال لعمري ما خرج القوم وهم يريدون الفرار ولكن القوم قد كادوكم أتسمعون والله ما أراهم إلا قالوا إن معقلا لم يبعث اليكم أبا الرواغ إلا في حر أصحابه فإن استطعتم فاتركوا هؤلاء بمكانهم هذا وجدوا السير نحو معقل وأصحابه فانكم تجدونهم غارين آمنين إن تأتوهم فقطعوا الجسر لكيما يشغلونكم به عن لحاقكم أياهم حتى يأتوا أميركم على غرة النجاء النجاء في الطلب قال فوقع في أنفسنا إن الذى قال لنا كما قال قال

[ 159 ]

فصحنا بأهل القرية قال فجاؤنا سراعا فقلنا لهم عجلوا عقد الجسر واستحثثناهم فما لبثوا أن فرغوا منه ثم عبرنا عليه فاتبعناهم سراعا ما نلوى على شئ فلزمنا آثارهم فوالله ما زلنا نسأل عنه فيقال هم الآن أمامكم لحقتموهم ما أقربكم منهم فوالله ما زلنا في طلبهم حرصا على لحاقهم حتى كان أول من استقبلنا من الناس فلهم وهم منهزمون لا يلوى أحد على أحد فاستقبلهم أبو الرواغ ثم صاح بالناس إلى إلى فأقبل الناس إليه فلاذوا به فقال ويلكم ما وراءكم فقالوا لا ندرى لم يرعنا إلا والقوم معنا في عسكرنا ونحن متفرقون فشدوا علينا ففرقوا بينا قال فما فعل الامير فقائل يقول نزل وهو يقاتل وقائل يقول ما نراه إلا قتل فقال لهم أيها الناس ارجعوا معى فإن ندرك أميرنا حيا نقاتل معه وإن نجده قد هلك قاتلناهم فنحن فرسان أهل المصر المنتخبون لهذا العدو فلا يفسد فيكم رأى أميركم بالمصر ولا رأى أهل المصر وايم الله لا ينبغى لكم إن عاينتموه وقد قتلوا معقلا أن تفارقوهم حتى تثئروهم أو تبار واسيروا على بركة الله فساروا وسرنا فأخذ لا يستقبل أحدا من الناس إلا صاح به ورده ونادى وجوه أصحابه وقال اضربوا وجوه الناس وردوهم قال فأقبلنا نرد الناس حتى انتهينا إلى العسكر فإذا نحن براية معقل من قيس منصوبة فإذا معه مائتا رجل أو أكثر فرسان الناس ووجوههم ليس فيهم إلا راجل وإذا هم يقتتلون أشد قتال سمع الناس به فلما طلعنا عليهم إذا نحن بالخوارج قد كادوا يعلون أصحابنا وإذا أصحابنا على ذلك صابرون يجالدونهم فلما رأونا كروا ثم شدوا على الخوارج فارتفعت الخوارج عنهم غير بعيد وانتهينا إليهم فنظر أبو الرواغ إلى معقل فإذا هو مستقدم يذمر أصحابه ويحرضهم فقال له أحى أنت فداك عمى وخالى قال نعم فشد القوم فنادى أبو الرواغ أصحابه ألا ترون أميركم حيا شدوا على القوم قال فحمل وحملنا على القوم بأجمعنا قال فصدمنا خيلهم صدمة منكرة وشد عليهم معقل وأصحابه فنزل المستورد وصاح بأصحابه يا معشر الشراة الارض الارض فانها والله الحنة والذى لا إليه غيره لمن قتل صادق النية في جهاد هؤلاء الظلمة وجلاحهم فتنازلوا من عند آخرهم فنزلنا من عند آخرنا ثم مضينا إليه مصلتين بالسيوف فاضطربنا بها طويلا من النهار كأشد

[ 160 ]

قتال اقتتله الناس قط غير أن المستورد نادى معقلا فقال يا معقل ابرز لى فخرج إليه معقل * فقلنا له ننشدك أن تخرج إلى هذا الكلب الذى قد آيسه الله من نفسه قال لا والله لا يدعوني رجل إلى مبارزة أبدا فأكون أنا الناكل فمشى إليه بالسيف وخرج الآخر إليه بالرمح فناديناه أن القه برمح مثل رمحه فأبى وأقبل عليه المستورد فطعنه حتى خرج سنان الرمح من ظهره وضربه معقل بالسيف حتى خالط سيفه أم الدماغ فوقع ميتا وقتل معقل وقال لنا حين برز إليه ان هلكت فأميركم عمرو بن محرز بن شهاب السعدى ثم المنقرى قال فلما هلك معقل أخذ الراية عمرو بن محرز وقال عمرو إن قتلت فعليكم أبو الرواغ فإن قتل أبو الرواغ فأميركم مسكين بن عامر بن أنيف وإنه يومئذ لفتى حدث ثم شد برايته وأمر الناس أن يشدوا عليهم فما لبثوهم أن قتلوهم ومما كان في السنة تولية عبد الله بن عامر عبد الله بن خازم بن ظبيان خراسان وانصراف قيس بن الهيثم عنه وكان السبب في ذلك فيما ذكر أبو مخنف عن مقاتل بن حيان أن ابن عامر استبطأ قيس بن الهيثم بالخراج فأراد أن يعزله فقال له ابن خازم ولنى خراسان فأكفيكها وأكفيك قيس بن الهيثم فكتب له عهده أو هم بذلك فبلغ قيسا أن ابن عامر وجد عليه لاستخفافه به وإمساكه عن الهدية وأنه قد ولى ابن خازم فخاف ابن خازم أن يشاغبه ويحاسبه فترك خراسان وأقبل فازداد عليه ابن عامر غضبا وقال ضيعت الثغر فضربه وحبسه وبعث رجلا من بنى يشكر على خراسان * قال أبو مخنف بعث ابن عامر أسلم بن زرعة الكلابي حين عزل قيس بن الهيثم قال على بن محمد أخبرنا أبو عبد الرحمن الثقفى عن أشياخه أن ابن عامر استعمل قيس بن الهيثم على خراسان أيام معاوية فقال له ابن خازم إنك وجهت إلى خراسان رجلا ضعيفا وإنى أخاف إن لقى حربا أن ينهزم بالناس فتهلك خراسان وتفتضح أخوالك قال ابن عامر فما الرأى قال تكتب لى عهدا إن هو انصرف عن عدوك قمت مقامه فكتب له فجاشت جماعة من طخارسنان فشاور قيس بن الهيثم فاشار عليه ابن خازم أن ينصرف حتى يجتمع إليه أطرافه فانصرف فلما سار من مكانه مرحلة أو مرحلتين أخرج ابن خازم عهده وقام بأمر الناس ولقى العدو فهزمهم وبلغ الخبر المصريين

[ 161 ]

والشأم فغضب القيسية وقالوا خدع قيسا وابن عامر فأكثروا في ذلك شكوا إلى معاوية فبعث إليه فقدم فاعتذر مما قيل فيه فقال له معاوية قم فاعتذر إلى الناس غدا فرجع ابن خازم إلى أصحابه فقال إنى قد أمرت بالخطبة ولست بصاحب كلام فاجلسوا حول المنبر فإذا تكلمت فصدقوني فقام من الغد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إنما يتكلف الخطبة إمام لا يجد منها بدا أو أحمق يهمر من رأسه لا يبان ما خرج منه ولست بواحد منهما وقد علم من عرفني أنى بصير بالفرص وثاب عليها وقاف عند المهالك أنفذ بالسرية وأقسم بالسوية أنشدكم بالله من كان يعرف ذلك منى لما صدقنى قال أصحابه حول المنبر صدقت فقال يا أمير المؤمنين إنك ممن نشدت فقل بما تعلم قال صدقت * قال على أخبرنا شيخ من بنى تميم يقال له معمر عن بعض أهل العلم أن قيس بن الهيثم قدم على بن عامر من خراسان مراغما لابن خازم قال فضربه ابن عامر مائة وحلقه وحبسه قال فطلبت إليه أمه فأخرجه (وحج) بالناس في هذه السنة فيما قيل مروان بن الحكم وكان على المدينة وكان على مكة خالد بن العاص بن هشام وعلى الكوفة المغيرة بن شعبة وعلى قضائها شريح وعلى البصرة وفارس وسجستان وخراسان عبد الله بن عامر وعلى قضائها عمير بن يثربى ثم دخلت سنة أربع وأربعين ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمما كان فيها من ذلك دخول المسلمين مع عبد الرحمن بن الوليد بلاد الروم ومشتاهم بها وغزو بسر بن أبى أرطاة البحر (وفى هذه السنة) عزل معاوية عبد الله أبن عامر عن البصرة ذكر الخبر عن سبب عزله كان سبب ذلك أن ابن عامر كان رجلا لينا كريما لا يأخذ على أيدى السفهاء ففسدت البصرة بسبب ذلك أيام عمله بها لمعاوية * حدثنى عمرو بن شبة قال أخبرنا يزيد الباهلى قال شكا ابن عامر إلى زياد فساد الناس وظهور الخبث فقال

[ 162 ]

جرد فيهم السيف فقال إنى أكره أن أصلحهم بفساد نفسي * حدثنى عمر قال قال أبو الحسن كان ابن عامر لينا سهلا سهل الولاية لا يعاقب في سلطانه ولا يقطع لصا فقيل له في ذلك فقال أنا أتألف الناس فكيف أنظر إلى رجل قد قطعت أباه وأخاه * حدثنى عمر قال حدثنا على قال حدثنا مسلمة بن محارب قال وفد ابن الكواء * واسم ابن الكواء عبد الله بن أوفى إلى معاوية فسأله عن الناس فقال ابن الكواء أما أهل البصرة فقد غلب عليها سفهاؤها وعاملها ضعيف فبلغ ابن عامر قول ابن الكواء فاستعمل طفيل بن عوف اليشكرى على خراسان وكان الذين بينه وبين ابن الكواء متباعدا فقال ابن الكواء إن ابن دجاجة لقليل العلم في أظن أن ولاية طفيل خراسان تسؤونى لوددت أنه لم يبق في الارض يشكرى إلا عاداني وأنه ولاهم فعزل معاوية ابن عامر وبعث الحارث بن عبد الله الازدي قال وقال القحذمى قال ابن عامر أي الناس أشد عداوة لابن الكواء قالوا عبد الله ابن أبى شيخ فولاه خراسان فقال ابن الكواء ما قال * وذكر عن عمر عن أبى الحسن عن شيخ من سقيف وأبى عبد الرحمن الاصبهاني أن ابن عامر أوفد إلى معاوية وفدا فوافقوا عنده وفد أهل الكوفة وفيهم ابن الكواء اليشكرى فسألهم معاوية عن العراق وعن أهل البصرة خاصة فقال له ابن الكواء يا أمير المؤمنين إن أهل البصرة أكلهم سفهاؤهم وضعف عنهم سلطانهم وعجز ابن عامر وضعفه فقال له معاوية تكلم عن أهل البصرة وهم حضور فلما انصرف الوفد إلى البصرة بلغوا ابن عامر ذلك فغضب فقال أي أهل العراق أشد عداوة لابن الكواء فقيل له عبد الله بن أبى شيخ اليشكرى فولاه خراسان وبلغ ابن الكواء ذلك فقال ما قال * حدثنى عمر قال حدثنا على قال لما ضعف ابن عامر عن عمله وانتشر الامر بالبصرة عليه كتب إليه معاوية يستزيره قال عمر فحدثني أبو الحسن أن ذلك كان في سنة 44 وأنه استخلف على البصرة قيس بن الهيثم فقدم على معاوية فرده على عمله فلما ودعه قال له معاوية إنى سائلك ثلاثا فقل هن لك قال هن لك وأنا ابن أم حكيم قال ترد على عملي ولا تغضب قال قد فعلت قال وتهب لى مالك بعرفة قال قد فعلت

[ 163 ]

قال وتهب لى دورك بمكة قال قد فعلت قال وصلتك رحم قال فقال ابن عامر يا أمير المؤمنين إنى سائلك ثلاثا فقل هن لك قال هن لك وأنا ابن هند قال ترد على مالى بعرفة قال قد فعلت قال ولا تحاسب لى عاملا ولا تتبع لى أثرا قال قد فعلت قال وتنكحني ابنتك هندا قال قد فعلت * قال ويقال إن معاوية قال له اختر بين أن أتتبع أثرك وأحاسبك بما صار إليك وأردك إلى عملك وبين أن أسوغك ما أصبت وتعتزل فاختار أن يسوعه ذلك ويعتزل (وفى هذه السنة) استلحق معاوية نسب زياد بن سمية بأبيه أبى سفيان فيما قيل * حدثنى عمر بن شبة قال زعموا أن رجلا من عبد القيس كان مع زياد لما وفد على معاوية فقال لزياد إن لابن عامر عندي يدا فان أذنت لى أتيته قال على أن تحدثني ما يجرى بينك وبينه قال نعم فأذن له فأتاه فقال له ابن عامر هيه هيه وابن سمية يقبح آثارى ويعرض بعمالى لقد هممت أن آتى بقسامة من قريش يحلفون أن أبا سفيان لم ير سمية قال فلما رجع سأله زياد فأبى أن يخبره فلم يدعه حتى أخبره فأخبر ذلك زياد معاوية فقال معاوية لحاجبه إذا جاء ابن عامر فاضرب وجه دابته عن أقصى الابواب ففعل ذلك به فأتى ابن عامر يزيد فشكا إليه ذلك فقال له هل ذكرت زيادا قال نعم فركب معه يزيد حتى أدخله فلما نظر إليه معاوية قام فدخل فقال يزيد لابن عامر اجلس فكم عسى أن تقعد في البيت عن مجلسه فلما أطالا خرج معاوية وفى يده قضيب يضرب به الابواب ويتمثل لنا سياق ولكم سياق * قد علمت ذلكم الرفاق ثم قعد فقال يا ابن عامر أنت القائل في زياد ما قلت أما والله لقد علمت العرب أنى كنت أعزها في الجاهلية وإن الاسلام لم يزدنى إلا عزا وإنى لم أتكثر بزياد من قلة ولم أتعزز به من ذلة ولكن عرفت حقا له فوضعته موضعه فقال يا أمير المؤمنين نرجع إلى ما يحب ذياد قال إذا نرجع إلى ما تحب فخرج ابن عامر إلى زياد فترصناه * حدثنى أحمد بن زهير قال حدثنا عبد الرحمن بن صالح قال حدثنا عمرو بن هاشم عن عمر بن بشير الهمداني عن أبى اسحاق أن زيادا لما قدم الكوفة قال قد جئتكم في أمر ما طلبته إلا لكم قالوا ادعنا إلى ما شئت قال تلحقون نسبي بمعاوية قالوا أما

[ 164 ]

بشهادة الزور فلا فأتى البصرة فشهد له رجل (وحج) بالناس في هذه السنة معاوية (وفيها) عمل مروان المقصورة وعملها أيضا فيما ذكر معاوية بالشأم وكانت العمال في الامصار فيها العمال الذين ذكرنا قبل أنهم كانوا العمال في سنة 43 ثم دخلت سنة خمس وأربعين ذكر الاحداث المذكورة التى كانت فيها فمن ذلك استعمال معاوية الحارث بن عبد الله الازدي فيها على البصرة * فحدثني عمر قال حدثنى على بن محمد قال عزل معاوية ابن عامر وولى الحارث بن عبد الله الازدي البصرة في أول سنة 45 فأقام بالبصرة أربعة أشهر ثم عزله قال وقد قيل هو الحارث بن عمرو وابن عبد وابن عمرو وكان من أهل الشأم وكان معاوية عزل ابن عامر ليولى زيادا فولى الحارث كالفرس المحلل فولى الحارث شرطته عبد الله بن عمرو ابن غيلان الثقفى ثم عزله معاوية وولاها زيادا ذكر الخبر عن ولاية زياد البصرة * حدثنى عمر قال حدثنا على قال حدثنا بعض أهل العلم أن زيادا لما قدم الكوفة ظن المغيرة أنه قدم واليا على الكوفة فاقام زياد في دار سلمان بن ربيعة الباهلى فأرسل إليه المغيرة وائل بن حجر الجضرمى أبا هنيدة وقال له اعلم لى علمه فأتاه فلم يقدر منه على شئ فخرج من عنده يريد المغيرة وكان زاجرا فرأى غرابا ينعق فرجع إلى زياد فقال يا أبا المغيرة هذا الغراب يرحلك عن الكوفة ثم رجع إلى المغيرة وقدم رسول معاوية على زياد من يومه أن سر إلى البصرة وأما عبد الله بن أحمد المروزى فحدثني قال حدثنى أبى قال حدثنى سليمان قال حدثنى عبد الله عن اسحاق يعنى ابن يحيى عن معبد بن خالد الجدلي قال قدم علينا زياد الذى يقال له ابن أبى سفيان من عند معاوية فنزل دار سلمان بن ربيعة الباهلى ينتظر أمر معاوية قال فبلغ المغيرة بن شعبة وهو أمير على الكوفة أن زيادا ينتظر أن تجئ إمارته على الكوفة فدعا قطن بن عبد الله الحارثى فقال هل فيك من خير

[ 165 ]

تكفيني الكوفة حتى آتيك من عند أمير المؤمنين قال ما أنا بصاحب ذا فدعا عيينة بن النهاس العجلى فعرض عليه فقبل فخرج المغيرة إلى معاوية فلما قدم عليه سأله أن يعزله وأن يقطع له منازل بقرقيسيا بين ظهرى قيس فلما سمع بذلك معاوية خاف بائقته وقال والله لترجعن إلى عملك يا أبا عبد الله فأبى عليه فلم يزده ذلك إلا تهمة فرده إلى عمله فطرقنا ليلا وإنى لفوق القصر أحرسه فلما قرع الباب أنكرناه فلما خاف أن ندلى عليه حجرا تسمى لنا فنزلت إليه فرحبت له وسلمت فتمثل بمثلى فافزعى يا أم عمرو * إذا ما هاجني السفر النعور اذهب إلى ابن سمية فرحله حتى لا يصبح إلا من وراء الجسر فخرجنا فأتينا زيادا فأخرجناه حتى طرحنا من وراء الجسر قبل أن يصبح * فحدثني عمر قال حدثنا على قال حدثنا مسلمة والهذلى وغيرهما أن معاوية استعمل زيادا على البصرة وخراسان وسجستان ثم جمع له الهند والبحرين وعمان وقدم البصرة في آخر شهر الربيع الآخر أو غرة جمادى الاولى سنة 45 والفسق بالبصرة ظاهر فاش فخطب خطبة بتراء لم يحمد الله فيها وقيل بل حمد الله فقال الحمد لله على إفضاله وإحسانه ونسأله المزيد من نعمه اللهم كما رزقتنا نعما فألهمنا شكرا على نعمتك علينا أما بعد فإن الجهالة الجهلاء والضلالة العمياء والفجر الموقد لاهله النار الباقي عليهم سعيرها ما يأتي سفهاؤكم ويشتمل عليه حلماؤكم من الامور العظام ينبت فيها الصغير ولا يتحاشى منها الكبير كأن لم تسمعوا بآى الله ولم تقرؤا كتاب الله ولم تسمعوا ما أعد الله من الثواب الكريم لاهل طاعته والعذاب الاليم لاهل معصيته في الزمن السرمد الذى لا يزول أتكونون كمن طرفت عينه الدنيا وسدت مسامعه الشهوات واختار الفانية على الباقية ولا تذكرون أنكم أحدثتم في الاسلام الحدث الذى لم تسبقوا به من ترككم هذه المواخير المنصوبة والضعيفة المسلوبة في النهار المبصر والعدد غير قليل ألم تكن منكم نهاة تمنع الغواة عن دلج الليل وغارة النهار قربتم القرابة وباعدتم الدين تعتذرون بغير العذر وتغطون على المختلس كل امرئ منكم يذب عن

[ 166 ]

سفيهه صنيع من لا يخاف عقابا ولا يرجو معادا ما أنتم بالحلماء ولقد اتبعتم السفهاء ولم يزل بهم ما ترون من قيامكم دونهم حتى انتهكوا حرم الاسلام ثم أطرقوا وراءكم كنوسا في مكانس الريب حرم على الطعام والشراب حتى أسويها بالارض هدما وإحراقا إنى رأيت آخر هذا الامر لا يصلح إلا بما صلح أوله لين في غير ضعف وشدة في غير جبرية وعنف وإنى أقسم بالله لآخذن الولى بالولي والمقيم بالظاعن والمقبل بالمدبر والصحيح منكم بالسقيم حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول انج سعد فقد هلك سعيد أو تستقيم لى قناتكم إن كذبة المنبر تبقى مشهورة فإذا تعلقتم على بكذبة فقد حلت لكم معصيتى من بيت منكم فأنا ضامن لما ذهب له إياى ودلج الليل فإنى لا أوتى بمدلج إلا سفكت دمه وقد أجلتكم في ذلك بقدر ما يأتي الخبر الكوفة ويرجع إلى وإياى ودعوى الجاهلية فانى لا أجد أحدا دعا بها إلا قطعت لسانه وقد أحدثتم أحداثا لم تكن وقد أحدثنا لكل ذنب عقوبة فمن غرق قوما غرقته ومن حرق على قوم حرقناه ومن نقب بيتا نقبت عن قلبه ومن نبش قبرا دفنته حيا فكفوا عنى أيديكم وألسنتكم أكفف يدى وأذاى لا يظهر من أحد منكم خلاف ما عليه عامتكم إلا ضربت عنقه وقد كانت بينى وبين أقوام إحن فجعلت ذلك دبر أذنى وتحت قدمى فمن كان منكم محسنا فليزدد إحسانا ومن كان مسيئا فلينزع عن إساءته انى لو علمت أن أحدكم قد قتله السل من بغضى لم أكشف له قناعا ولم أهتك له سترا حتى يبدى لى صفحته فإذا فعل لم أناظره فاستأنفوا أموركم وأعينوا على أنفسكم فرب مبتئس بقدومنا سيسر ومسرور بقدومنا سيبتئس أيها الناس إنا أصبحنا لكم ساسة وعنكم ذادة نسوسكم بسلطان الله الذى أعطانا ونذود عنكم بفئ الله الذى خولنا فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا ولكم علينا العدل فيما ولينا فاستوجبوا عدلنا وفيأنا بمناصحتكم واعلموا أنى مهما قصرت عنه فإنى لا أقصر عن ثلاث لست محتججا عن طالب حاجة منكم ولو أتانى طارقا بليل ولا حابسا رزقا ولا عطاء عن إبانه ولا مجمرا لكم بعثا فادعوا الله بالصلاح لائمتكم فانهم ساستكم المؤدبون لكم وكهفكم الذى إليه تأوون

[ 167 ]

ومتى تصلحوا يصلحوا ولا تشربوا قلوبكم بغضهم فيشتد لذلك غيظكم ويطول له حزنكم ولا تدركوا حاجتكم مع أنه لو استجيب لكم كان شرا لكم أسأل الله أن يعين كلا على كل وإذا رأيتموني أنفذ فيكم الامر فأنفذوه على إذلاله وايم الله إن لى فيكم لصرعى كثيرة فليحذر كل امرئ منكم أن يكون من صرعاى قال فقام عبد الله بن الاهتم فقال أشهد أيها الامير أنك قد أوتيت الحكمة وفصل الخطاب فقال كذبت ذاك نبى الله داود عليه السلام قال الاحنف قد قلت فأحسنت أيها الامير والثناء بعد البلاء والحمد بعد العطاء وإنا لن نثنى حتى نبتلى فقال زياد صدقت فقام أبو بلال مرداس بن أدية يهمس وهو يقول أنبأ الله بغير ما قلت قال الله عز وجل (وإبراهيم الذى وفى ألا تزر وازرة وزر اخرى وأن ليس للانسان إلا ما سعى) فأوعدنا الله خيرا مما واعدت يا زياد فقال زياد إنا لا نجد إلى ما تريد أنت وأصحابك سبيلا حتى نخوض إليها الدماء * حدثنى عمر قال حدثنا خلاد بن يزيد قال سمعت من يخبر عن الشعبى قال ما سمعت متكلما قط تكلم فأحسن إلا أحببت أن يسكت خوفا أن يسئ إلا زيادا فانه كان كلما أكثر كان أجود كلاما * حدثنى عمر قال حدثنا على عن مسلمة قال استعمل زياد على شرطته عبد الله بن حصن فأمهل الناس حتى بلغ الخبر الكوفة وعاد إليه وصول الخبر إلى الكوفة وكان يؤخر العشاء حتى يكون آخر من يصلى ثم يصلى يأمر رجلا فيقرأ سورة البقرة ومثلها يرتل القرآن فإذا فرغ أمهل بقدر ما يرى أن إنسانا يبلغ الخريبة ثم يأمر صاحب شرطته بالخروج فيخرج ولا يرى إنسانا إلا قتله قال فأخذ ليلة أعرابيا فأتى به زيادا فقال هل سمعت النداء قال لا والله قدمت بحلوبة لى وغشيني الليل فاضطررتها إلى موضع فأقمت لا صبح ولا علم لى بما كان من الامير قال أظنك والله صادقا ولكن في قتلك صلاح هذه الامة ثم أمر به فضربت عنقه وكان زياد أول من شد أمر السلطان وأكد الملك لمعاوية وألزم الناس الطاعة وتقدم في العقوبة وجرد السيف وأخذ بالظنة وعاقب على الشبهة وخافه الناس في سلطانه خوفا شديدا حتى أمن الناس بعضهم بعضا حتى كان الشئ يسقط من الرجل

[ 168 ]

أو المرأة فلا يعرض له أحد حتى يأتيه صاحبه فيأخذه وتبيت المرأة فلا تغلق عليها بابها وساس الناس سياسة لم ير مثلها وهابه الناس هيبة لم يهابوها أحدا قبله وأدر العطاء وبنى مدينة الرزق قال وسمع زياد جرسا من دار عمير فقال ما هذا فقيل محترس قال فليكف عن هذا أنا ضامن لما ذهب له ما أصاب من إصطخر قال وجعل زياد الشرط أربعة آلاف عليهم عبد الله بن حصن أحد بنى عبيد بن ثعلبة صاحب مقبرة ابن حصن والجعد بن قيس التميمي صاحب طاق الجعد وكانا جميعا على شرطه فبينا زياد يوما يسير وهما بين يديه يسيران بحربتين تنازعا بين يديه فقال زياد يا جعد ألق الحربة فألقاها وثبت ابن حصن على شرطه حتى مات زياد وقيل إنه ولى الجعد أمر الفساق وكان يتتبعهم وقيل لزياد إن السبل مخوفة فقال لا أعاني شيئا سوى المصر حتى أغلب على المصر وأصلحه فان غلبنى المصر فغيره أشد غلبة فلما ضبط المصر تكلف ما سوى ذلك فأحكمه وكان يقول لوضاع حيل بينى وبين خراسان علمت من أخذه وكتب خمسمائة من مشيخة أهل البصرة في صحابته فرزقهم ما بين الثلثمائة إلى الخمسمائة فقال فيه حارثة بن بدر الغدانى ألا من مبلغ عنى زيادا * فنعم أخو الخليفة والامير فأنت إمام معدلة وقصد * وحزم حين يحضرك الامور أخوك خليفة الله ابن حرب * وأنت وزيره نعم الوزير تصيب على الهوى منه ويأتى * محبك ما يجن لنا الضمير بأمر الله منصور معان * إذا جار الرعية لا تجور يدر على يديك لما أرادوا * من الدنيا لهم حلب غزير وتقسم بالسواء فلا غنى * لضيم يشتكيك ولا فقير وكنت حيا وجئت على زمان * خبيث ظاهر فيه شرور تقاسمت الرجال به هواها * فما تخفى ضغائنها الصدور وخاف الحاضرون وكل باد * يقيم على المخافة أو يسير فلما قام سيف الله فيهم * زياد قام أبلج مستنير

[ 169 ]

قوى لا من الحدثان غر * ولا جزع ولا فان كبير * حدثنى عمر بن شبة قال حدثنا على بن محمد قال استعان زياد بعدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم عمران بن الحصين الخزاعى ولاه قضاء البصرة والحكم بن عمرو الغفاري ولاه خراسان وسمرة بن جندب وأنس بن مالك وعبد الرحمن بن سمرة فاستعفاه عمران فأعفاه واستقضى عبد الله بن فضالة الليثى ثم أخاه عاصم بن فضالة ثم زرارة بن أوفى الجرشى وكانت أخته لبابة عند زياد وقيل إن زيادا أول من سير بين يديه بالحراب ومشى بين يديه بالعمد واتخذ الحرس رابطة خمسمائة واستعمل عليهم شيبان صاحب مقبرة شيبان من بنى سعد فكانوا لا يبرحون المسجد * حدثنى عمر قال حدثنا على قال جعل زياد خراسان أرباعا واستعمل على مرو أمير بن أحمر اليشكرى وعلى أبر شهر خليد بن عبد الله الحنفي وعلى مرو الروذ والفارياب والطالقان قيس بن الهيثم وعلى هراة وباذعيس وقادس وبوشنج نافع بن خالد الطاحى * حدثنى عمر قال حدثنا على قال حدثنا مسلمة بن محارب وابن أبى عمرو شيخ من الازد أن زيادا عتب على نافع بن خالد الطاحى حبسه وكتب عليه كتابا بمائة ألف وقال بعضهم ثمانى مائة ألف وكان سبب موجدته عليه أنه بعث بخوان بازهر قوائمه منه فأخذ نافع قائمة جعل مكانه قائمة من ذهب وبعث بالخوان إلى زياد مع غلام له يقال له زيد كان قيمه على أمره كله فسعى زيد بنافع وقال لزياد إنه قد خانك وأخذ قائمة من قوائم الخوان وجعل مكانه قائمة من ذهب قال فمشى رجال من وجوه الازد إلى زياد فيهم سيف بن وهب المعولى وكان شريفا وله يقول الشاعر اعمد بسيف للسماحة والندى * واعمد بصبرة للفعال الاعظم قال فدخلوا على زياد وهو يستاك فتمثل زياد حين رآهم اذكر بنا موقف أفراسنا * بالحنو إذ أنت إلينا فقير قال وأما الازد فيقولون بل تمثل سيف بن وهب أبو طلحة المعولى بهذا البيت حين دخل على زياد فقال نعم قال وإنما ذكره أيام أجاره صبرة فدعا زياد بالكتاب

[ 170 ]

فمحاه بسواكه وأخرجه نافعا * حدثنى عمر بن شبة قال حدثنا على عن مسلمة أن زيادا عزل نافع بن خالد الطاحى وخليد بن عبد الله الحنفي وأمير بن أحمر اليشكرى فاستعمل الحكم بن عمرو بن مجدع بن جذيم بن الحارث بن نعيلة بن مليك * ونعيلة أخو غفار بن مليك ولكنهم قليل فصاروا إلى غفار * قال مسلمة أمر زياد حاجبه فقال ادع إلى الحكم وهو يريد الحكم ابن أبى العاص الثقفى * فخرج الحاجب فرأى الحكم بن عمرو الغفاري فأدخله فقال زياد رجل له شرف وله صحبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم فعقد له على خراسان ثم قال له ما أردتك ولكن الله عز وجل أرادك * حدثنى عمر قال حدثنا على قال أخبرنا أبو عبد الرحمن الثقفى ومحمد بن الفضيل عن أبيه أن زيادا لما ولى العراق استعمل الحكم بن عمرو الغفاري على خراسان وجعل معه رجالا على كور وأمرهم بطاعته فكانوا على جباية الخراج وهم أسلم بن زرعة وخليد بن عبد الله الحنفي ونافع بن خالد الطاحى وربيعة بن عسل اليربوعي وأمير بن أحمر اليشكرى وحاتم بن النعمان الباهلى فمات الحكم بن عمرو وكان قد غزا طخارستان فغنم غنائم كثيرة واستخلف أنس بن أبى أناس ابن زنيم وكان كتب إلى زياد أنى قد رضيته لله وللمسلمين ولك فقال زياد اللهم إنى لا أرضاه لدينولا للمسلمين ولا لى وكتب زياد إلى خليد بن عبد الله الحنفي بولاية خراسان ثم بعث الربيع بن زياد الحارثى إلى خراسان في خمسين ألفا من البصرة خمسة وعشرين ألفا ومن الكوفة خمسة وعشرين ألفا على أهل البصرة الربيع وعلى أهل الكوفة عبد الله بن أبى عقيل وعلى الجماعة الربيع بن زياد (وقيل) حج بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم وهو على المدينة وكانت الولاة والعمال على الامصار في هذه السنة من تقدم ذكره قبل المغيرة بن شعبة على الكوفة وشريح على القضاء بها وزياد على البصرة والعمال من قد سميت قبل (وفى هذه السنة) كان مشتى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بأرض الروم

[ 171 ]

ثم دخلت سنة ست وأربعين ذكر ما كان فيها من الاحداث فمما كان فيها من ذلك مشتى مالك بن عبيدالله بأرض الروم وقيل بل كان ذلك عبد الرحمن بن خالد بن الوليد وقيل بل كان مالك بن هبيرة السكوني (وفيها) انصرف عبد الرحمن بن خالد بن الوليد من بلاد الروم إلى حمص فدس ابن أثال النصراني إليه شربة مسمومة فيما قيل فشربها فقتلته ذكر الخبر عن سبب هلاكه وكان السبب في ذلك ما حدثنى عمر قال حدثنا على عن مسلمة بن محارب أن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد كان قد عظم شأنه بالشأم ومال إليه أهلها لما كان عندهم من آثار أبيه خالد بن الوليد ولغنائه عن المسلمين في أرض الروم وبأسه حتى خافه معاوية وخشى على نفسه منه لميل الناس إليه فأمر ابن أثال أن يحتال في قتله وضمن له إن هو فعل ذلك أن يضع عنه خراجه ما عاش وأن يوليه جباية خراج حمص فلما قدم عبد الرحمن بن خالد حمص منصرفا من بلاد الروم دس إليه ابن أثال شربة مسمومة مع بعض مماليكه فشربها فمات بحمص فوفى له معاوية بما ضمن له وولاه خراج حمص ووضع عنه خراجه قال وقدم خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد المدينة فجلس يوما إلى عروة بن الزبير فسلم عليه فقال له عروة من أنت قال أنا خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد فقال له عروة ما فعل ابن أثال فقام خالد من عنده وشخص متوجها إلى حمص ثم رصد بها ابن أثال فرآه يوما راكبا فاعترض له خالد بن عبد الرحمن فضربه بالسيف فقتله فرفع إلى معاوية فحبسه أياما وأغرمه ديته ولم يقده منه ورجع خالد إلى المدينة فلما رجع إليها أتى عروة فسلم عليه فقال له عروة ما فعل ابن أثال فقال قد كفيتك ابن أثال ولكن ما فعل ابن جرموز فسكت عروة وقال خالد بن عبد الرحمن حين ضرب ابن أثال

[ 172 ]

أنا ابن سيف الله فاعرفوني * لم يبق إلا حسبى وديني * وصارم صال به يمينى (وفيها) خرج الخطيم وسهم بن غالب الهجيمى فحكما وكان من أمرهما ما حدثنى به عمر قال حدثنا على قال لما ولى زياد خافه سهم بن غالب الهجيمى والخطيم وهو يزيد ين مالك الباهلى فاما سهم فخرج إلى الاهواز فأحدث وحكم ثم رجع فاختفى وطلب الامان فلم يؤمنه زياد وطلبه حتى أخذه وقتله وصلبه على بابه وأما الخطيم فان زيادا سيره إلى البحرين ثم أذن له فقدم فقال له الزم مصرك وقال لمسلم بن عمرو اضمنه فأبى وقال إن بات عن بيته أعلمتك ثم أتاه مسلم فقال لم يبت الخطيم الليلة في بيته فأمر به فقتل وألقى في باهلة (وحج) بالناس في هذه السنة عتبة بن أبى سفيان وكان العمال والولاة فيها العمال والولاة في السنة التى قبلها ثم دخلت سنة سبع وأربعين ذكر الاحداث التى كانت فيها ففيها كانت مشتى مالك بن هبيرة بأرض الروم ومشتي بن عبد الرحمن القينى بأنطاكية (وفيها) عزل عبد الله بن عمرو بن العاص عن مصر ووليها معاوية بن حديج وسار فيما ذكر الواقدي في المغرب وكان عثمانيا قال ومر به عبد الرحمن بن أبى بكر وقد جاء من الاسكندرية فقال له يا معاوية قد لعمري أخذت من معاوية جزاءك قتلت محمد بن أبى بكر لان تلى مصر فقد وليتها قال ما قتلت محمد بن أبى بكر إلا بما صنع بعثمان فقال عبد الرحمن فلو كنت إنما تطلب بدم عثمان لم تشرك معاوية فيما صنع حيث صنع عمرو بن العاص بالاشعرى ما صنع فوثبت أول الناس فبايعته (وقال) بعض أهل السير وفى هذه السنة وجه زياد الحكم بن عمرو الغفاري إلى خراسان أميرا فغزا جبال الغور وفراونده فقهرهم بالسيف عنوة ففتحها وأصاب فيها مغانم كثيرة وسبايا وسأذكر من خالف هذا القول بعد إن شاء الله تعالى وذكر قائل هذا القول ان الحكم بن عمرو قفل من غزوته هذه فمات بمرو واختلفوا فيمن حج بالناس في هذه السنة فقال الواقدي أقام الحج في هذه السنة عتبة

[ 173 ]

ابن أبى سفيان وقال غيره بل الذى حج في هذه السنة عنبسة بن أبى سفيان وكانت الولاة والعمال على الامصار الذين ذكرت أنهم كانوا العمال والولاة في السنة التى قبلها ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ذكر الاحداث التى كانت فيها وكان فيها مشتى أبى عبد الرحمن القينى أنطاكية وصائفة عبد الله بن قيس الفزارى وغزوة مالك بن هبيرة السكوني البحر وغزوة عقبة بن عامر الهجنى بأهل مصر البحر وبأهل المدينة وعلى أهل المدينة المنذر بن الزهير وعلى جميعهم خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد وقال بعضهم فيها وجه زياد غالب بن فضالة الليثى على خراسان وكانت له صحبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحج بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم في قول عامة أهل السير وهو يتوقع العزل لموجدة كانت من معاوية عليه وارتجاعه منه فدك وقد كان وهبها له وكانت ولاة الامصار وعمالها في هذه السنة الذين كانوا في السنة التى قبلها ثم دخلت سنة تسع وأربعين ذكر ما كان فيها من الاحداث فكان فيها مشتى مالك بن هبيرة السكوني بأرض الروم وفيها كانت غزوة فضالة بن عبيد جربة وشتا بجربة وفتحت على يديه وأصاب فيها سببا كثيرا وفيها كانت صائفة عبد الله ابن كرز البجلى (وفيها) كانت غزوة يزيد بن شجرة الرهاوى في البحر فشتا بأهل الشأم (وفيها) كانت عزوة عقبة بن نافع البحر فشتا بأهل مصر (وفيها) كانت غزوة يزيد ابن معاوية الروم حتى بلغ قسطنطينية ومعه ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبو أيوب الانصاري (وفيها) عزل معاوية مروان بن الحكم عن المدينة في شهر ربيع الاول وأمر فيها سعيد بن العاص على المدينة في شهر ربيع الآخر وقيل في شهر ربيع الاول وكانت ولاية مروان كلها بالمدينة لمعاوية ثمان سنين وشهرين وكان على قضاء المدينة لمروان فيما زعم الواقدي حين عزل عبد الله بن الحارث بن

[ 174 ]

نوفل فلما ولى سعيد بن العاص عزله عن القضاء واستقضى أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف (وقيل) في هذه السنة وقع الطاعون بالكوفة فهرب المغيرة بن شعبة من الطاعون فلما ارتفع الطاعون قيل له لو رجعت إلى الكوفة فقدمها فطعن فمات وقد قيل مات المغيرة سنة 50 وضم معاوية الكوفة إلى زياد فكان أول من جمع له الكوفة والبصرة (وحج) بالناس في هذه السنة سعيد بن العاص وكانت الولاة والعمال في هذه السنة الذين كانوا في السنة التى قبلها إلا عامل الكوفة فإن في تاريخ هلاك المغيرة اختلافا فقال بعض أهل السير كان هلاكه في سنة 49 وقال بعضهم في سنة 50 ثم دخلت سنة خمسين ذكر ما كان فيها من الاحداث ففيها كانت غزوة بسر بن أبى أرطاة وسفيان بن عوف الازدي أرض الروم وقيل كانت فيها غزوة فضالة بن عبيد الانصاري البحر (وفيها) في قول الواقدي والمدائني كانت وفاة المغيرة بن شعبة * قال محمد بن عمر حدثنى محمد بن موسى الثقفى عن أبيه قال كان المغيرة بن شعبة رجلا طوالا مصاب العين أصيب باليرموك توفى في شعبان سنة 50 وهو ابن سبعين سنة وأما عوانة فانه قال فيما حدثت عن هشام بن عبيد هلك المغيرة سنة 51 وقال بعضهم بل هلك سنة 49 * حدثنى عمر بن شبة قال حدثنى على بن محمد قال كان زياد على البصرة وأعمالها إلى سنة 50 فمات المغيرة بن شعبة بالكوفة وهو أميرها فكتب معاوية إلى زياد بعهده على الكوفة والبصرة فكان أول من جمع له الكوفة والبصرة فاستخلف على البصرة سمرة بن جندب وشخص إلى الكوفة فكان زياد يقيم ستة أشهر بالكوفة وستة أشهر بالبصرة * حدثنى عمر قال حدثنى على عن مسلمة بن محارب قال لما مات المغيرة جمعت العراق لزياد فأتى الكوفة فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ان هذا الامر أتانى وأنا بالبصرة فأردت أن أشخص اليكم في ألفين من شرطة البصرة ثم ذكرت أنكم أهل حق وان حقكم طال ما دفع الباطل فأتيتكم في أهل بيتى

[ 175 ]

فالحمد لله الذى رفع منى ما وضع الناس وحفظ منى ما ضيعوا حتى فرغ من الخطبة فحصب على المنبر فجلس حتى أمسكوا ثم دعا قوما من خاصته وأمرهم فاخذوا أبواب المسجد ثم قال ليأخذ كل رجل منكم جليسه ولا يقولن لا أدرى من جليسى ثم أمر بكرسى فوضع له على باب المسجد فدعاهم أربعة أربعة يحلفون بالله ما منا من حصبك فمن حلف خلاه ومن لم يحلف حبسه وعزله حتى صار إلى ثلاثين ويقال بل كانوا ثمانين فقطع أيديهم على المكان قال الشعبى فوالله ما تعلقنا عليه بكذبة وما وعدنا خيرا ولا شرا إلا أنفذه * حدثنى عمر قال حدثنا على عن سلمة بن عثمان قال بلغني عن الشعبى أنه قال أول رجل قتله زياد بالكوفة أوفى بن حصن بلغه عنه شئ فطلبه فهرب فعرض الناس زياد فمر به فقال من هذا قالوا أوفى بن حصن الطائى فقال زياد أتتك بحائن رجلاه فقال أوفى إن زيادا أبا المغيرة لا * تعجل والناسس فيهم عجله خفتك والله فاعلمن حلفى * خوف الحفافيث صولة الاصله فجئت إذ ضاقت البلاد فلم * يكن عليها لخائف. وأله قال ما رأيك في عثمان قال ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنتيه ولم أنكره ولى محصول رأى قال فما تقول في معاوية قال جواد حليم قال فما تقول في قال بلغني أنك قلت بالبصرة والله لآخذن البرى بالسقيم والمقبل بالمدبر قال قد قلت ذاك قال خطبتها عشواء قال زياد ليس النفاخ بشر الزمرة فقتله فقال عبد الله ابن همام السلولى: خيب الله سعى أوفى بن حصن * حين أضحى فروجة الرقاء قاده الحين والشقاء إلى لي‍ * ث عرين وحية صماء قال ولما قدم زياد الكوفة أتاه عمارة بن عقبة بن أبى معيط فقال ان عمرو ابن الحمق يجتمع إليه من شيعة أبى تراب فقال له عمرو بن حريث ما يدعوك إلى رفع ما لا تيقنه ولا تدرى ما عاقبته فقال زياد كلاكما لم يصب أنت حيث تكلمني في هذا علانية وعمرو حين يردك عن كلامك قوما إلى عمرو بن الحمق فقولا له ما هذه الزرافات

[ 176 ]

التى تجتمع عندك من أرادك أو أردت كلامه ففى المسجد قال ويقال ان الذى رفع على عمرو بن الحمق وقال له قد أنغل المصرين يزيد بن رويم فقال عمرو بن الحريث ما كان قط أقبل على ما ينفعه منه اليوم فقال زياد ليزيد بن رويم فقال أما أنت فقد أشطت بدمه وأما عمرو فقد حقن دمه ولو علمت أن مخ ساقه قد سال من بغضى ماهجته حتى يخرج على واتخذ زياد المقصورة حين حصبه أهل الكوفة وولى زياد حين شخص من البصرة إلى الكوفة سمرة بن جندب * فحدثني عمر قال حدثنى إسحاق بن إدريس قال حدثنى محمد بن سليم قال سألت أنس بن سيرين هل كان سمرة قتل أحدا قال وهل يحصى من قتل سمرة بن جندب استخلفه زياد على البصرة وأتى الكوفة فجاء وقد قتل ثمانية آلاف من الناس فقال له هل تخاف أن تكون قد قتلت أحدا بريئا قال لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت أو كما قال * حدثنى عمر قال حدثنى موسى بن إسماعيل قال حدثنا نوح بن قيس عن أشعث الحدانى عن ابى سوار العدوى قال قتل سمرة من قومي في غداة سبعة وأربعين رجلا قد جمع القرآن * حدثنى عمر قال حدثنى على بن محمد عن جعفر الصدفى عن عوف قال أقبل سمرة من المدينة فلما كان عند دور بنى أسد خرج رجل من بعض أزقتهم ففجأ أوائل الخيل فحمل عليه رجل من القوم فأوجره الحربة قال ثم مضت الخيل فأتى عليه سمرة بن جندب وهو متشحط في دمه فقال ما هذا قيل أصابته أوائل خيل الامير قال إذا سمعتم بنا قد ركبنا فاتقوا أسنتنا * حدثنى عمر قال حدثنى زهير بن حرب قال حدثنا وهب ابن جرير قال حدثنا غسان بن مضر عن سعيد بن زيد قال خرج قريب وزحاف وزياد بالكوفة وسمرة بالبصرة فخرجنا ليلا فنزلنا بنى يشكر وهم سبعون رجلا وذلك في رمضان فأتوا بنى ضبيعة وهم سبعون رجلا فمروا بشيخ منهم يقال له حكاك فقال حين رآهم مرحبا بأبى الشعثاء فرآه ابن حصن فقتلوه وتفرقوا في مساجد الازد وأتت فرقة منهم رحبة بنى على وفرقة مسجد المعادل فخرج عليهم سيف ابن وهب في أصحاب له فقتل من أتاه وخرج على قريب وزحاف شباب من بنى

[ 177 ]

على وشباب من بنى راسب فرموهم بالنبل قال قريب هل في القوم عبد الله بن أوس الطاحى وكان يناضله قيل نعم قال فهلم إلى البراز فقتله عبد الله وجاء برأسه وأقبل زياد من الكوفة فجعل يؤنبه ثم قال يا معشر طاحية لولا أنكم أصبتم في القوم لنفيتكم إلى السجن قال وكان قريب من إياد وزحاف من طيئ وكانا ابني خالة وكانا أول من خرج بعد أهل النهر قال غسان سمعت سعيدا يقول إن أبا بلال قال قريب لا قربه الله وايم الله لان أقع من السماء أحب إلى من أن أصنع ما صنع يعنى الاستعراض * حدثنى عمر قال حدثنا زهير قال حدئنى وهب قال حدثنى أبى أن زيادا اشتد في أمر الحرورية بعد قريب وزحاف فقتلهم وأمر سمرة بذلك وكان يستخلفه على البصرة إذا خرج إلى الكوفة فقتل سمرة منهم بشرا كثيرا * حدثنى عمر قال حدثنا أبو عبيدة قال قال زياد يومئذ على المنبر يا أهل البصرة والله لتكفني هؤلاء أو لابد أن بكم والله لئن أفلت منهم رجل لا تأخذون العام من عطائكم درهما قال فثار الناس بهم فقتلوهم قال محمد بن عمر وفى هذه السنة أمر معاوية بمنبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحمل إلى الشأم فحرك فكسفت الشمس حتى رئيت النجوم بادية يومئذ فأعظم الناس ذلك فقال لم أرد حمله إنما خفت أن يكون قد أرض فنظرت إليه ثم كساه يومئذ * وذكر محمد بن عمر أنه حدثه بذلك خالد بن القاسم عن شعيب بن عمرو الاموى * قال محمد بن عمر حدثنى يحيى بن سعيد بن دينار عن أبيه قال قال معاوية إنى رأيت أن منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصاه لا يتركان بالمدينة وهم قتلة أمير المؤمنين عثمان وأعداؤه فلما قدم طلب العصا وهى عند سعد القرظ فجاءه أبو هريرة وجابر بن عبد الله فقالا يا أمير المؤمنين نذكرك الله عز وجل أن تفعل هذا فإن هذا لا يصلح تخرج منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم من موضع وضعه وتخرج عصاه إلى الشأم فانقل المسجد فأقصر وزاد فيه ست درجات فهو اليوم ثمانى درجات فاعتذر إلى الناس مما صنع * قال محمد بن عمرو حدثنى سويد بن عبد العزيز عن إسحاق بن عبد الله بن أبى فروة عن أبان بن صالح عن قبيصة بن ذؤيب قال كان عبد الملك قدهم بالمنبر

[ 178 ]

فقال له قبيصة بن ذؤيب أذكرك الله عز وجل أن تفعل هذا وأن تحوله إن أمير المؤمنين معاوية حركه فكسفت الشمس وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حلف على منبرى آثما فليتبوأ مقعده من النار فتخرجه من المدينة وهو مقطع الحقوق بينهم بالمدينة فأقصر عبد الملك عن ذلك وكف عن أن يذكره فلما كان الوليد وحج هم بذلك وقال خبرانى عنه وما أرانى الا سأفعل فأرسل سعيد بن المسيب إلى عمر بن عبد العزيز فقال كلم صاحبك يتق الله عز وجل ولا يتعرض لله سبحانه ولسخطه فكلمه عمر بن عبد العزير فأقصر وكف عن ذكره فلما حج سليمان بن عبد الملك أخبره عمر ابن عبد العزيز بما كان الوليد هم به وإرسال سعيد بن المسيب إليه فقال سليمان ما كنت أحب أن يذكر هذا عن أمير المؤمنين عبد الملك ولا عن الوليد هذا مكابرة وما لنا ولهذا أخذنا الدنيا فهى في أيدينا ونريد أن نعمد إلى علم من أعلام الاسلام يوفد إليها فنحمله إلى ما قبلنا هذا ما لا يصلح (وفيها) عزل معاوية بن خديج عن مصر وولى مسلمة بن مخلد مصر وإفريقية وكان معاوية بن أبى سفيان قد بعث قبل أن يولى مسلمة مصر وإفريقية عقبة بن نافع الفهرى إلى إفريقية فافتتحها واختط قيروانها وكان موضعه غيضة فيما زعم محمد بن عمر لا يرام من السباع والحيات وغير ذلك من الدواب فدعا الله عز وجل عليها فلم يبق منها شئ إلا خرج هاربا حتى إن السباع كانت تحمل أولادها قال محمد بن عمر حدثنى موسى بن على عن أبيه قال نادى عقبة بن نافع إنا نازلون فاظعنوا عزين فخرجن من حجرتهن هوارب قال وحدثني المفضل بن فضالة عن زيد بن أبى حبيب عن رجل من جند مصر قال قدمنا مع عقبة بن نافع وهو أول الناس اختطها وقطعها للناس مساكن ودورا وبنى مسجدها فأقمنا معه حتى عزل وهو خير وال وخير أمير ثم عزل معاوية في هذه السنة أعنى سنة 50 معاوية بن خديج مصر وعقبة ابن نافع عن أفريقية وولى مسلمة بن مخلد مصر والمغرب كله فهو أول من جمع له المغرب كله ومصر وبرقة وافريقية وطرابلس فولى مسلمة بن مخلد مولى له يقال له أبو المهاجر أفريقية وعزل عقبة بن نافع وكشفه عن أشياء فلم يزل واليا على

[ 179 ]

مصر والمغرب وأبو المهاجر على افريقية من قبله حتى هلك معاوية بن أبى سفيان (وفى هذه السنة) مات أبو موسى الاشعري وقد قيل كانت وفاة أبى موسى سنة 52 (واختلف) فيمن حج بالناس في هذه السنة فقال بعضهم حج بهم معاوية وقال بعضهم بل حج بهم ابنه يزيد وكان الوالى في هذه السنة على المدينة سعيد بن العاص وعلى البصرة والكوفة والمشرق وسجستان وفاس والسند والهند زياد (وفى هذه السنة) طلب زياد الفرزدق واستعدت عليه بنو نهشل وفقيم فهرب منه إلى سعيد بن العاص وهو يومئذ والى المدينة من قبل معاوية مستجيرا به فأجاره ذكر الخبر عن ذلك * حدثنى عمر بن شبة قال حدثنا أبو عبيذة وأبو الحسن المدائني وغيرهما أن الفرزدق لما هجا بنى نهشل وبنى فقيم ليزد أبو زيد في إسناد خبره على ما ذكرت وأما محمد بن على فإنه حدثنى عن محمد بن سعد عن أبى عبيدة قال حدثنى أعين بن لبطة بن الفرزدق قال حدثنى أبى عن أبيه قال لما هاجيت الاشهب بن رميلة والبعيث فسقطا استعدت على بنو نهشل وبنو فقيم زياد بن أبى سفيان وزعم غيره أن يزيد بن مسعود بن خالد بن مالك بن ربعى بن سلمى بن جندل بن نهشل استعدى أيضا عليه فقال أعين فلم يرفه زياد حتى قيل له الغلام الاعرابي الذى أنهب ورقه وألقى ثيابه فعرفه قال أبو عبيدة أخبرني أعين بن لبطة قال أخبرني أبى عن أبيه قال بعثنى أبى غالب في عير له وجلب أبيه وأمتار له وأشترى لاهله كسى فقدمت البصرة فبعت الجلب فأخذت ثمنه فجعلته في ثوبي أزاوله إذ عرض لى رجل أراه كأنه شيطان فقال لشد ما تشتوثق منها فقلت وما يمنعنى قال أما لو كان مكانك رجل أعرفه ما صبر عليها فقلت ومن هو قال غالب بن صعصعة قال فدعوت أهل المربد فقلت دونكموها ونثرتها عليهم فقال لى قائل ألق رداءك يا ابن غالب فألقيته وقال آخر ألق قميصك فألقيته وقال آخر ألق عمامتك فألقيته حتى بقيت في إزار فقالوا ألق إزارك فقلت لن ألقيه وأمشى مجردا إنى لست بمجنون فبلغ الخبر زيادا فأرسل

[ 180 ]

خيلا إلى المربد ليأتوه بى فجاء رجل من بنى الهجيم على فرس قال أتيت فالنجاء وأردفني خلفه وركض حتى تغيب وجاءت الخيل وقد سبقت فأخذ زياد عمين لى ذهيلا والزحاف ابني صعصعة وكانا في الديوان على ألفين ألفين وكانا معه فحبسهما فأرسلت إليها إن شئتما أتيتكما فبعثا إلى لا تقربنا إنه زياد وما عسى أن يصنع بنا ولم نذنب ذنبا فمكثا أياما ثم كلم زياد فيهما فقالوا شيخان سامعان مطيعان ليس لهما ذنب مما صنع غلام أعرابي من أهل البادية فخلى عنهما فقالا لى أخبرنا بجميع ما أمرك أبوك من ميرة أو كسوة فخبرتهما به أجمع فاشترياه وانطلقت حتى لحقت بغالب وحملت ذلك معى أجمع فأتيته وقد بلغه خبرى فسألني كيف صنعت فأخبرته بما كان قال وإنك لتحسن مثل هذا ومسح رأسي ولم يكن يومئذ يقول الشعر وإنما قال الشعر بعد ذلك فكانت في نفس زياد عليه ثم وفد الاحنف بن قيس وجارية بن قدامة من بنى ربيعة بن كعب بن سعد والجون بن قتادة العبشمى والحتات ابن يزيد أبو منازل أحد بنى حوى بن سفيان بن مجاشع إلى معاوية بن أبى سفيان فأعطى كل رحل منهم مائة ألف وأعطى الحتات سبعين ألفا فلما كانوا في الطريق سأل بعضهم بعضا فأخبروه بجوائزهم فكان الحتات أخذ سبعين ألفا فرجع إلى معاوية فقال ما ردك يا أبا منازل قال فضحتني في بنى تميم أما حسبى بصحيح أو لست ذا سن أو لست مطاعا في عشيرتي فقال معاوية بلى قال فما بالك خسست بى دون القوم فقال إنى اشتريت من القوم دينهم ووكلتك إلى دينك ورأيك في عثمان ابن عفان وكان عثمانيا فقال وأنا فاشتر منى دينى فأمر له بتمام جائزة القوم وطعن في جائزته فحبسها معاوية فقال الفرزدق في ذلك أبوك وعمى يا معاوى أورثا * تراثا فيحتاز التراث أقاربه فما بال ميراث الحتات أخذته * وميراث حرب جامد لك ذائبه فلولا كأن الامر في جاهلية * علمت من المرء القليل حلائبه ولو كان في دين سوى ذا شنئتم * لنا حقنا أو غص بالماء شاربه ولو كان إذ كنا وفى الكف بسطة * لصمم عضب فيك ماض مضاربه

[ 181 ]

وأنشد محمد بن على وفى الكف مبسط وقد رمت شيئا يا معاوى دونه * خياطف علود صعاب مراتبه وما كنت أعطى النصف من غير قدرة * سواك ولو مالت على كتائبه ألست أعز الناس قوما وأسرة * وأمنعهم جارا إذا ضيم جانبه وما ولدت بعد النبي وآله * كمثلي حصان في الرجال يقاربه أبى غالب والمرء ناجية الذى * إلى صعصع ينمى فمن ذا يناسبه وبيتي إلى جنب الثريا فناؤه * ومن دونه البدر المضئ كواكبه أنا ابن الجبال الصم في عدد الحصى * وعرق الثرى عرقي فمن ذا يحاسبه أنا ابن الذى أحيى الوئيد وضامن * على الدهر إذ عزت لدهر مكاسبه وكم من أب لى يا معاوى لم يزل * أغز يبارى الريح ما ازور جانبه تمته فروع المالكين ولم يكن * أبوك الذى من عبد شمس يقاربه تراه كنصل السيف يهتز للندى * كريما يلاقى المجد ماطر شاربه طويل نجاد السيف مذ كان لم يكن * قصى وعبد الشمس ممن يخاطبه فرد ثلاثين ألفا على أهله وكانت أيضا قد أغضبت زيادا عليه قال فلما استعدت عليه نهشل وفقيم ازداد عليه غضبا فطلبه فهرب فأتى عيسى بن خصيلة بن معتب بن نصر بن خالد البهزى ثم أحد بنى سليم والحجاج بن علاط بن خالد السلمى قال ابن سعد قال أبو عبيدة فحدثني أبو موسى الفضل بن موسى بن خصيلة قال لما طرد زياد الفرزدق جاء إلى عمى عيسى بن خصيلة ليلا فقال يا أبا خصيلة إن هذا الرجل قد أخافني وإن صديقى وجميع من كنت أرجو قد لفظوني وإنى قد أتيتك لتغيبني عندك قال مرحبا بك فكان عنده ثلاث ليال ثم قال إنه قد بد إلى أن ألحق بالشام فقال ما أحببت: إن أقمت معى ففى الرحب والسعة، وإن شخصت فهذه ناقة أرحبية أمتعك بها قال فركب بعد ليل وبعث عيسى معه حتى جاوز البيوت فأصبح وقد جاوز مسيرة ثلاث ليال فقال الفرزق في ذلك حبانى بها البهزى حملان من أبى * من الناس والجانى تخاف جرائمه

[ 182 ]

ومن كان يا عيسى يؤنب ضيفه * فضيفك محبور هنى مطاعمه وقال تعلم أنها أرحبية * وأن لها الليل الذى أنت جاشمه فأصبحت والملقى ورائي وحنبل * وما صدرت حتى علا النجم عاتمه تزاور عن أهل الحفير كأنها * ظليم تبارى جنح ليل نعائمه رأت بين عينيها دوية وانجلى * لها الصبح عن صعل أسيل مخاطمه كأن شراعا فيه مجرى زمامها * بدجلة إلا خطمه وملاغمه إذا أنت جاوزت الغريين فاسلمي * وأعرض من فلج ورائي مخارمه وقال أيضا تداركني أسباب عيسى من الردى * ومن يك مولاه فليس بواحد وهى قصيدة طويلة قال وبلغ زيادا أنه قد شخص فأرسل على بن زهدم أحد بنى نولة بن فقيم في طلبه قال أعين فطلبه في بيت نصرانية يقال لها ابنة مرار من بنى قيس بن ثعلبة تنزل قصيمة كاظمة قال فسألته من كسر فلم بيتها يقدر عليه فقال في ذلك الفرزدق أتيت ابنة المرار أهبلت تبتغى * وما يبتغى تحت السوية أمثالى ولكن بغائى لو أردت لقاءنا * فضاء الصحارى لا ابتغاء بأدغال وقيل إنها ربيعة بنت المرار بن سلامة العجلى أم أبى النجم الراجز قال أبو عبيدة قال مسمع بن عبد الملك فأتى الروحاء فنزل في بكر بن وائل فأمن فقال يمدحهم وقد مثلث أين المسير فلم تجد * لفورتها كالحى بكر بن وائل أعف وأوفى ذمة يعقدونها * إذا وازنت شم الذرى بالكواهل وهى قصيدة طويلة ومدحهم بقصائد أخر غيرها قال فكان الفرزدق إذا نزل زياد البصرة نزل الكوفة وإذا نزل زياد الكوفة نزل الفرزدق البصرة وكان زياد ينزل البصرة ستة أشهر والكوفة ستة أشهر فبلغ زيادا ما صنع الفرزدق فكتب إلى عامله على الكوفة عبد الرحمن بن عبيد إنما الفرزدق فحل الوحوش رعى القفار فإذا ورد عليه الناس ذعر ففارقهم إلى أرض أخرى فرتع فاطلبه

[ 183 ]

حتى تظفر به قال الفرزدق فطلبت أشد طلب حتى جعل من كان يؤوينى يخرجني من عنده فضاقت على الارض فبينا أنا ملفف رأسي في كسائي على ظهر الطريق إذ مر بى الذى جاء في طلبى فلما كان الليل أتيت بعض أخوالى من بنى ضبة وعندهم عرس ولم أكن طعمت قبل ذلك طعاما فقلت آتيهم فأصيب من الطعام قال فبينا أنا قاعد إذ نظرت إلى هادى فرس وصدر رمح قد جاوز باب الدار داخلا إلينا فقاموا إلى حائط قصب فرفعوه فخرجت منه وألقوا الحائط فعاد مكانه ثم قالوا ما رأيناه وبحثوا ساعة ثم خرجوا فلما أصبحنا جاؤني فقالوا اخرج إلى الحجاز عن جوار زياد لا يظفر بك فلو ظفر بك البارحة أهلكتنا وجمعوا ثمن راحلتين وكلموا لى مقاعسا أحد بنى تيم الله بن ثعلبة وكان دليلا يسافر للتجار قال فخرجنا إلى بانقيا حتى انتهينا إلى بعض القصور التى تنزل فلم يفتح لنا الباب فألقينا رحالنا إلى جنب الحائط والليلة مقمرة فقلت يا مقاعس أرأيت إن بعث زياد بعد ما نصبح إلى العتيق رجالا أيقدرون علينا قال نعم يرصدوننا ولم يكونوا جاوزوا العتيق وهو خندق كان للعجم قال فقلت ما تقول العرب قال يقولون أمهله يوما وليلة ثم خذه فارتحل فقال إنى أخاف السباع فقلت السباع أهون من زياد فارتحلنا لا نرى شيئا إلا خلفناه ولزمنا شخص لا يفارقنا فقلت يا مقاعس أترى هذا الشخص لم نمرر بشئ إلا جاوزناه غيره فإنه يسايرنا منذ الليلة قال هذا السبع قال فكأنه فهم كلامنا فتقدم حتى ربض على متن الطريق فلما رأينا ذلك نزلنا فشددنا أيدى ناقتينا بثنايين وأخذت قوسى وقال مقاعس يا ثعلب أتدرى ممن فررنا إليك من زياد فأحصب بذنبه حتى غشينا غباره وغشى ناقتينا قال فقلت أرميه فقال لا تهجه فإنه إذا أصبح ذهب قال فجعل يرعد ويبرق ويزئر ومقاعس يتوعده حتى انشق الصبح فلما رآه ولى وأنشأ الفرزدق يقول ما كنت أحسبنى جبانا بعد ما * لا قيت ليلة جانب الانهار ليثا كأن على يديه رحالة * شثن البراثن مؤجد الاظفار لما سمعت له زمازم أجهشت * نفسي إلى وقلت أين فرارى

[ 184 ]

وربطت جروتها وقلت لها اصبري * وشددت في ضيق المقام إزارى فلانت أهون من زياد جانبا * إذهب إليك محرم الاسفار قال ابن سعد قال أبو عبيدة فحدثني أعين بن لبطة قال حدثنى أبى عن شبث بن ربعى الرياحي قال فأنشدت زيادا هذه الابيات فكأنه رق له وقال لو أتانى لآمنته وأعطيته فبلغ ذلك الفرزدق فقال تذكر هذا القلب من شوقه ذكرا * تذكر شوقا ليس ناسيه عصرا تذكر ظمياء التى ليس ناسيا * وإن كان أدنى عهدها حججا عشرا وما مغزل بالغور غور تهامة * ترعى أراكا في منابته نضرا من الادم حواء المدامع ترعوى * إلى رشأ طفل تخال به فترا أصابت بوادي الولولان حبالة * فما استمسكت حتى حسبن بها نفرا بأحسن من ظمياء يوم تعرضت * ولا مزنة راحت غمامتها قصرا وكم دونها من عاطف في صريمة * وأعداء قوم ينذرون دمى نذرا إذا أوعدوني عند ظمياء ساءها * وعيدي وقالت لا تقولوا له هجرا دعاني زياد ؟ للعطاء ولم أكن * لآتيه ما ساق ذو حسب وفرا وعند زياد لو يريد عطاءهم * رجال كثير قد يرى بهم فقرا قعود لدى الابواب طلاب حاجة * غوان من الحاجات أو حاجة بكرا فلما خشيت أن يكون عطاؤه * أداهم سودا أو محدرجة سمرا نميت إلى حرف أضر بنيها * سرى الليل واستعراضها البلد القفرا تنفس في بهو من الجوف واسع * إذا مد حيزوما شراسيفها الضفرا تراها إذا صام النهار كأنما تسامى فنيقا أو تخالسه خطرا تخوض إذا صاح الصدى بعد هجعة * من الليل ملتجا غياطله حضرا فإن أعرضت زوراء أو شمرت بها * فلاة ترى منها مخارمها غبرا تعادين عن صهب الحصى وكأنما * طحن به من كل رضراضة جمرا وكم من عدو كاشح قد تجاوزت * مخافته حتى تكون لها جسرا

[ 185 ]

يؤم بها الموماة من لا يرى له * إلى ابن أبى سفيان جاها ولا عذرا ولا تعجلانى صاحبي فربما * سبقت بورد الماء غادية كدرا وحضنين من ظلماء ليل سريته * بأغيد قد كان النعاس له سكرا رماه الكرى في الرأس حتى كأنه * أميم جلاميد تركن به وقرا من السير والادلاج تحسب أنما * سقاه الكرى في كل منزلة خمرا جررنا وفديناه حتى كأنما * يرى بهوادى الصبح قنبلة شقرا قال فمضينا وقدمنا المدينة وسعيد بن العاص بن أمية عليها فكان في جنازة فتبعته فوجدته قاعدا والميت يدفن حتى قمت بين يديه فقلت هذا مقام العائذ من رجل لم يصب دما ولا مالا فقال قد أجرت إن لم تكن أصبت دما ولا مالا وقال من أنت قلت أنا همام بن غالب بن صعصعة وقد أثنيت على الامير فإن رأى أن يأذن لى فأسمعه فليفعل قال هات فأنشدته وكوم تنعم الاضياف عينا * وتصبح في مباركها ثقالا حتى أتيت إلى آخرها قال فقال مروان قعودا ينظرون إلى سعيد قلت والله إنك لقائم يا أبا عبد الملك قال وقال كعب بن جعيل هذه والله الرؤيا التى رأيت البارحة قال سعيد وما رأيت قال رأيت كأنى أمشى في سكة من سكك المدينة فإذا أنا بابن قترة في حجر فكأنه أراد أن يتناولني فاتقيته قال فقام الحطيئة فشق ما بين رجلين حتى تجاوز إلى فقال قل ما شئت فقد أدركت من مضى ولا يدركك من بقى وقال لسعيد هذا والله الشعر لا يعلل به منذ اليوم قال فلم نزل بالمدينة مرة وبمكة مرة وقال الفرزدق في ذلك ألا من مبلغ عنى زيادا * مغلغلة يخب بها البريد بأنى قد فررت إلى سعيد * ولا يسطاع ما يحمى سعيد فررت إليه من ليث هزبر * تعادى عن فريسته الاسود فإن شئت انتسبت إلى النصارى * وإن شئت انتسبت إلى اليهود

[ 186 ]

ويروى * وناسبني وناسبت اليهود وإن شئت انتسبت إلى فقيم * وناسبني وناسبت القرود وأبغضهم إلى بنو فقيم * ولكن سوف آتى ما تريد وقال أيضا أتانى وعيد من زياد فلم أنم * وسيل اللوى دوني فهضب التهائم فبت كأنى مشعر خيبرية * سرت في عظامي أوسمام الاراقم زياد بن حرب لن أظنك تاركى * وذا الضغن قد حشمته غير ظالم قال وأنشدنيه عمرو * وبالضغن قد حشمتنى غير ظالم وقد كافحت منى العراق قصيدة * رجوم مع الماضي رسوم المخارم خفيفة أفواه الرواة ثقيلة * على قرنها نزالة بالمواسم وهى طويلة فلم نزل بين مكة والمدينة حتى هلك زياد (وفى هذه السنة) كانت وفاة الحكم بن عمرو الغفاري بمرو منصرفه من غزوة أهل جبل الاشل ذكر الخبر عن غزوة الحكم بن عمرو جبل الاشل وسبب هلاكه * حدثنى عمر بن شبة قال حدثنى حاتم بن قبيصة قال حدثنا غالب بن سليمان عن عبد الرحمن بن صبح قال كنت مع الحكم بن عمرو بخراسان فكتب زياد إلى عمرو أن أهل جبل الاشل سلاحهم اللبود وآنيتهم الذهب فغزاهم حتى توسطوا فأخذوا بالشعاب والطرق فأحدقوا به فعى بالامر فولى المهلب الحرب فلم يزل المهلب يحتال حتى أخذ عظيما من عظمائهم فقال له اختر بين أن أقتلك وبين أن تخرجنا من هذا المضيق فقال له أوقد النار حيال الطريق من هذه الطرق ومر بالائقال فلتوجه نحوه حتى إذا ظن القوم أنكم قد دخلتم الطريق لتسلكوه فانهم يستجمعون لكم ويعرون ما سواه من الطرق فبادرهم إلى غيره فإنهم لا يدركونك حتى تخرج منه ففعلوا ذلك فنجا وغنموا غنيمة عظيمة * حدثنى عمر قال حدثنا على بن محمد قال لما قفل الحكم بن عمرو من غزوة جبل الاشل ولى المهلب ساقته فسلكوا في شعاب ضيقة فعارضه الترك فأخذوا عليهم بالطرق فوجدوا في بعض تلك

[ 187 ]

الشعاب رجلا يتغنى من وراء حائط ببيتين تعز بصبر لا وجدك لا ترى * سنام الحمى أخرى الليالى الغوابر كأن فؤادى من تذكري الحمى * وأهل الحمى يهفو به ريش طائر فأتى به الحكم فسأله عن أمره فقال غايرت ابن عم لى فخرجت ترفعني أرض وتخفضني أخرى حتى هبطت هذه البلاد فحمله الحكم إلى زياد بالعراق قال وتخلص الحكم من وجهه حتى أتى هراة ثم رجع إلى مرو * حدثنا عمر قال حدثنى حاتم بن قبيصة قال حدثنا غالب بن سليمان عن عبد الرحمن بن صبح قال كتب إليه زياد والله لئن بقيت لك لاقطعن منك طابقا سحتا وذلك ان زيادا كتب إليه لما ورد بالخبر عليه بما غنم أن أمير المؤمنين كتب إلى أن أصطفى له صفراء وبيضاء والروائع فلا تحركن شيئا حتى تخرج ذلك فكتب إليه الحكم أما بعد فان كتابك ورد تذكر أن أمير المؤمنين كتب إلى أن أصطفى له كل صفراء وبيضاء والروائع ولا تحركن شيئا فان كتاب الله عز وجل قبل كتاب أمير المؤمنين وإنه والله لو كانت السموات والارض رتقا على عبد اتقى الله عز وجل جعل الله سبحانه وتعالى له مخرجا وقال للناس اغدوا على غنائمكم فغدا الناس وقد عزل الخمس فقسم بينهم تلك الغنائم قال فقال الحكم اللهم إن كان لى عندك خير فاقبضني فمات بخراسان بمرو قال عمر قال على بن محمد لما حضرت الحكم الوفاة بمرو استخلف أنس بن أبى أناس وذلك في سنة 50 ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ذكر ما كان فيها من الاحداث فمما كان فيها مشتى فضالة بن عبيد بأرض الروم وغزوة بسر بن أبى أرطاة الصائفة ومقتل حجر بن عدى وأصحابه ذكر سبب مقتله قال هشام بن محمد عن أبى مخنف عن المجالد بن سعيد والصقعب بن زهير وفضيل ابن خديج والحسين بن عقبة المرادى قال كل قد حدثنى بعض هذا الحديث فاجتمع

[ 188 ]

حديثهم فيما سقت من حديث حجر بن عدى الكندى وأصحابه أن معاوية بن أبى سفيان لما ولى المغيرة بن شعبة الكوفة في جمادى سنة 41 دعاه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإن لذى الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا وقد قال المتلمس لذى الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا * وما علم الانسان إلا ليعلما وقد يجزى عنك الحكيم بغير التعلم وقد أردت إيصاءك بأشياء كثيرة فأنا تاركها اعتمادا على بصرك بما يرضينى ويسعد سلطاني ويصلح به رعيتي ولست تاركا إيصاءك بخصلة لا تتحم عن شتم على وذمه والترحم على عثمان والاستغفار له والعيب على أصحاب على والاقصاء لهم وترك الاستماع منهم وبإطراء شيعة عثمان رضوان الله عليه والادناء لهم والاستماع منهم فقال المغيرة قد جربت وجربت وعملت قبلك لغيرك فلم يذمم بى دفع ولا رفع ولا وضع فستبلو فتحمد أو تذم ثم قال بل نحمد ان شاء الله قال أبو مخنف قال الصقعب بن زهير سمعت الشعبى يقول ما ولينا وال بعده مثله وان كان لاحقا بصالح من كان قبله من العمال وأقام المغيرة على الكوفة عاملا لمعاوية سبع سنين وأشهرا وهو من أحسن شئ سيرة وأشده حبا للعافية غير أنه لا يدع ذم على والوقوع فيه والعيب لقتلة عثمان واللعن لهم والدعاء لعثمان بالرحمة والاستغفار له والتزكية لاصحابه فكان حجر بن عدى إذا سمع ذلك قال بل إياكم فذمم الله ولعن ثم قام فقال إن الله عز وجل يقول (كونوا قوامين بالقسط شهداء لله) وأنا أشهد أن من تذمون وتعيرون لاحق بالفضل وأن من تزكون وتطرون أولى بالذم فيقول له المغيرة يا حجر لقد رمى بسهمك إذ كنت أنا الوالى عليك يا حجر ويحك اتق السلطان اتق غضبه وسطوته فان غضبة السلطان أحيانا مما يهلك أمثالك كثيرا ثم يكف عنه ويصفح فلم يزل حتى كان في آخر إمارته قام المغيرة فقال في على وعثمان كما كان يقول وكانت مقالته اللهم ارحم عثمان بن عفان وتجاوز عنه واجزه بأحسن عمله فإنه عمل بكتابك واتبع سنة نبيك صلى الله عليه وسلم جمع كلمتنا وحقن دماءنا وقتل مظلوما اللهم فارحم أنصاره وأولياءه ومحبيه والطالبين بدمه ويدعو على قتلته فقام حجر بن عدى فنعر نعرة بالمغيرة سمعها

[ 189 ]

كل من كان في المسجد وخارجا منه وقال إنك لا تدرى بمن تولع من هرمك أيها الانسان مر لنا بأرزاقنا وأعطياتنا فإنك قد حبستها عنا وليس ذلك لك ولم يكن يطمع في ذلك من كان قبلك وقد أصبحت مولعا بذم أمير المؤمنين وتقريظ المجرمين قال فقام معه أكثر من ثلثى الناس يقولون صدق والله حجر وبرمرلنا بأرزاقنا وأعطياتنا فإنا لا ننتفع بقولك هذا ولا يجدى علينا شيئا وأكثروا في مثل هذا القول ونحوه فنزل المغيرة فدخل واستأذن عليه قومه فأذن لهم فقالوا علام تترك هذا الرجل يقول هذه المقالة ويجترئ عليك في سلطانك هذه الجرأة إنك تجمع على نفسك بهذا خصلتين أما اولهما فتهوين سلطانك وأما الاخرى فإن ذلك إن بلغ معاوية كان أسخط له عليه وكان أشدهم له قولا في أمر حجر والتعظيم عليه عبد الله أبى عقيل الثقفى فقال لهم المغيرة إنى قد قتلته إنه سيأتي أمير بعدى فيحسبه مثلى فيصنع به شبيها بما ترونه يصنع بى فيأخذه عند أول وهلة فيقتله شر قتلة إنه قد اقترب أجلى وضعف عملي ولا أحب أن أبتدئ أهل هذا المصر بقتل خيارهم وسفك دمائهم فيسعدوا بذلك وأشقى ويعز في الدنيا معاوية ويذل يوم القيامة المغيرة ولكني قابل من محسنهم وعاف عن مسيئهم وحامد حليمهم وواعظ سفيههم حتى يفرق بينى وبينهم الموت وسيذكروننى لو قد جربوا العمال بعدى قال أبو مخنف سمعت عثمان بن عقبة الكندى يقول سمعت شيخا للحى يذكر هذا الحديث يقول قد والله جربناهم فوجدناه خيرهم أحمدهم للبرى وأغفرهم للمسئ وأقبلهم للعذر قال هشام قال عوانة فولى المغيرة الكوفة سنة 41 في جمادى وهلك سنة 51 فجمعت الكوفة والبصرة لزياد بن أبى سفيان فأقبل زياد حتى دخل القصر بالكوفة ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإنا قد جربنا وجربنا وسسنا وساسنا السائسون فوجدنا هذا الامر لا يصلح آخره إلا بما صلح أوله بالطاعة اللينة المشبه سرها بعلانيتها وغيب أهلها بشاهدهم وقلوبهم بألسنتهم ووجدنا الناس لا يصلحهم إلا لين في غير ضعف وشدة في غير عنف وإنى والله لا أقوم فيكم بأمر إلا أمضيته على إذلاله وليس من كذبة الشاهد عليها من الله

[ 190 ]

والناس أكبر من كذبة إمام على المنبر ثم ذكر عثمان وأصحابه فقرظهم وذكر قتلته ولعنهم فقام حجر ففعل مثل الذى كان يفعل بالمغيرة وقد كان زياد قد رجع إلى البصرة وولى الكوفة عمرو بن الحريث ورجع إلى البصرة فبلغه أن حجرا يجتمع إليه شيعة على ويظهرون لعن معاوية والبراءة منه وأنهم حصبوا عمرو بن الحريث فشخص إلى الكوفة حتى دخلها فأتى القصر فدخله ثم خرج فصعد المنبر وعليه قباء سندس ومطرف خز أخضر قد فرق شعره وحجر جالس في المسجد حوله أصحابه أكثر ما كانوا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فان غب البغى والغى وخيم إن هؤلاء جموا فأشروا وأمنوني فاجترؤا على وايم الله لئن لم تستقيموا لاداوينكم بدوائكم وقال ما أنا بشئ إن لم أمنع باحة الكوفة من حجر وأدعه نكالا لمن بعده ويل أمك يا حجر سقط العشاء بك على سرحان ثم قال أبلغ نصيحة أن راعى إبلها سقط العشاء به على سرحان وأما غير عوانة فانه قال في سبب أمر حجر ما حدثنى على بن حسن قال حدثنا مسلم الجرمى قال حدثنا مخلد بن الحسن عن هشام عن محمد بن سيرين قال خطب زياد يوما في الجمعة فأطال الخطبة وأخر الصلاة فقال له حجر بن عدى الصلاة فمضى في خطبته ثم قال الصلاة فمضى في خطبته فلما خشى حجر فوت الصلاة ضرب بيده إلى كف من الحصا وثار إلى الصلاة وثار الناس معه فلما رأى ذلك زياد نزل فصلى بالناس فلما فرغ من صلاته كتب إلى معاوية في أمره وكثر عليه فكتب إليه معاوية أن شده في الحديد ثم احمله إلى فلما أن جاء كتاب معاوية أراد قوم حجر أن يمنعوه فقال لا ولكن سمع وطاعة فشد في الحديد ثم حمل إلى معاوية فلما دخل عليه قال السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته فقال له معاوية أمير المؤمنين أما والله لا أقيلك ولا أستقيلك أخرجوه فاضربوا عنقه فأخرج من عنده فقال حجر للذين يلون أمره دعوني حتى أصلى ركعتين فقالوا صله فصلى ركعتين خفف فيهما ثم قال لولا أن تظنوا بى غير الذى أنا عليه لاحببت أن تكونا أطول مما كانتا ولئن لم يكن فيما مضى من الصلاة خير فما في هاتين خير ثم قال لمن حضره من أهله لا تطلقوا عنى حديدا ولا تغسلوا

[ 191 ]

عنى دما فإنى ألاقى معاوية غدا على الجادة ثم قدم فضربت عنقه قال مخلد قال هشام كان محمد إذا سئل عن الشهيد يغسل حدثهم حديث حجر قال محمد فلقيت عائشة أم المؤمنين معاوية قال مخلد أظنه بمكة فقالت يا معاوية أين كان حلمك عن حجر فقال لها يا أم المؤمنين لم يحضرني رشيد قال ابن سيرين فبلغنا أنه لما حضرته الوفاة جعل يغرغر بالصوت ويقول يومى منك يا حجر يوم طويل قال هشام عن أبى مخنف قال حدثنى اسماعيل بن نعيم النمري عن حسين بن عبد الله الهمداني قال كنت في شرط زياد فقال زياد لينطلق بعضكم إلى حجر فليدعه قال فقال لى أمير الشرطة وهو شداد بن الهيثم الهلالي اذهب إليه فادعه قال فأتيته فقلت أجب الامير فقال أصحابه لا يأتيه ولا كرامة قال فرجعت إليه فأخبرته فأمر صاحب الشرطة أن يبعث معى رجالا قال فبعث نفرا قال فأتيناه فقلنا أجب الامير قال فسبونا وشتمونا فرجعنا إليه فأخبرناه الخبر قال فوثب زياد بأشراف أهل الكوفة فقال يا أهل الكوفة أتشجون بيد وتأسون بأخرى أبدانكم معى وأهواؤكم مع حجر هذا الهجهاجة الاحمق المذبوب أنتم معى وإخوانكم وأبناؤكم وعشائركم مع حجر هذا والله من دحسكم وغشكم والله لتظهرن لى برأتكم أو لآتينكم بقوم أقيم بهم أودكم وصعركم فوثبوا إلى زياد فقالوا معاذ الله سبحانه أن يكون لنا فيما ههنا رأى إلا طاعتك وطاعة أمير المؤمنين وكل ما ظننا أن فيه رضاك وما يستبين به طاعتنا وخلافنا لحجر فمرنا به قال فليقم كل امرئ منكم إلى هذه الجماعة حول حجر فليدع كل رجل منكم أخاه وابنه وذا قرابته ومن يطيعه من عشيرته حتى تقيموا عنه كل من استطعتم أن تقيموه ففعلوا ذلك فأقاموا جل من كان مع حجر بن عدى فلما رأى زياد أن جل من كان مع حجر أقيم عنه قال لشداد بن الهيثم الهلالي ويقال هيثم بن شداد أمير شرطته انطلق إلى حجر فإن تبعك فأتني به وإلا فمر من معك فلينتزعوا عمد السوق ثم يشدوا بها عليهم حتى يأتوني به ويضربوا من حال دونه فأتاه الهلالي فقال أجب الامير قال فقال أصحاب حجر لا ولا نعمة عين لا نجيبه فقال لاصحابه شدوا على عمد السوق فاشتدوا إليها فأقبلوا بها قد انتزعوها فقال عمير بن

[ 192 ]

يزيد الكندى من بنى هند وهو أبو العمر طة إنه ليس معك رجل معه سيف غيرى وما يغنى عنك قال فما ترى قال قم من هذا المكان فالحق بأهلك يمنعك قومك فقام زياد ينظر إليهم وهو على المنبر فغشوا بالعمد فضرب رجل من الحمراء يقال له بكر بن عبيد رأس عمرو بن الحمق بعمود فوقع وأتاه أبو سفيان بن عويمر والعجلان بن ربيعة وهما رجلان من الازد فحملاه فأتيا به دار رجل من الازد يقال له عبيدالله بن مالك فخبأه بها فلم يزل بها متواريا حتى خرج منها قال أبو مخنف فحدثني يوسف بن يزيد عن عبد الله ابن عوف بن الاحمر قال لما انصرفنا من غزوة باجميرا قبل مقتل مصعب بعام فإذا أنا بأحمرى يسايرنى ووالله ما رأيته من ذلك اليوم الذى ضرب فيه عمرو ابن الحمق وما كنت أرى لو رأيته أن أعرفه فلما رأيته ظننت أنه هو هو وذاك حين نظرنا إلى أبيات الكوفة فكرهت أن أسأله أنت الضارب عمرو بن الحمق فيكابرني فقلت له ما رأيتك من اليوم الذى ضربت فيه رأس عمرو بن الحمق بالعمود في المسجد إلى يومى هذا ولقد عرفتك الآن حين رأيتك فقال لى لا تعدم بصرك ما أثبت نظرك كان ذلك أمر الشيطان أما إنه قد بلغني أنه كان أمرءا صالحا ولقد ندمت على تلك الضربة فأستغفر الله فقلت له ألا ترى والله لا أفترق أنا وأنت حتى أضربك على رأسك مثل الضربة التى ضربتها عمرو بن الحمق أو أموت أو تموت فناشدني الله وسألني الله فأبيت عليه ودعوت غلاما لى يدعى رشيدا من سبى أصبهان معه قناة له صلبة فأخذتها منه ثم أحمل عليه بها فنزل عن دابته وألحقه حين استوت قدماه بالارض فأصفع بها هامته فخر لوجهه ومضيت وتركته فبرأ بعد فلقيته مرتين من الدهر كل ذلك يقول الله بينى وبينك وأقول الله عز وجل بينك وبين عمرو بن الحمق (ثم رجع) إلى أول الحديث قال فلما ضرب عمرا تلك الضربة وحمله ذانك الرجلان انحاز أصحاب حجر إلى أبواب كندة ويضرب رجل من جذام كان في الشرطة رجلا يقال له عبد الله بن خليفة الطائى بعمود فضربه ضربة فصرعه فقال وهو يرتجز قد علمت يوم الهياج خلتى * أنى إذا ما فئتى تولت

[ 193 ]

وكثرت عداتها أو قلت * أتى قتال غداة بلت وضربت يد عائذ بن حملة التميمي وكسرت نابه فقال إن تكسروا نابى وعظم ساعدى * فإن في سورة المناجد وبعض شغب البطل المبالد وينتزع عمودا من بعض الشرط فقاتل به وحمى حجرا وأصحابه حتى خرجوا من تلقاء أبواب كندة وبغلة حجر موقوفة فأتى بها أبو العمرطة إليه ثم قال اركب لا أب لغيرك فوالله ما أراك إلا قد قتلت نفسك وقتلتنا معك فوضع حجر رجله في الركاب فلم يستطع أن ينهض فحمله أبو العمرطة على بغلته ووثب أبو العمرطة على فرسه فما هو إلا أن استوى عليه حتى انتهى إليه يزيد بن طريف المسلى وكان يغمز فضرب أبا العمرطة بالعمود على فخذه ويخترط أبو العمرطة سيفه فضرب به رأس يزيد بن طريف فخر لوجهه ثم إنه برأ بعد فله يقول عبد الله بن همام السلولى ألوم ابن لؤم ما عدا بك حاسرا * إلى بطل ذى جرأة وشكيم معاود ضرب الدارعين بسيفه * على الهام عند الروع غير لئيم إلى فارس الغارين يوم تلاقيا * بصفين قرم خير نجل قروم حسبت ابن برصاء الحتار قتاله * قتالك زيدا يوم دار حكيم وكان ذلك السيف أول سيف ضرب به في الكوفة في الاختلاف بين الناس ومضى حجر وأبو العمرطة حتى انتهيا إلى دار حجر واجتمع إلى حجر ناس كثير من أصحابه وخرج قيس بن قهدان الكندى على حمار له يسير في مجالس كندة يقول يا قوم حجر دافعوا وصاولوا * وعن أخيكم ساعة فقاتلوا لا يلفيا منكم لحجر خاذل * أليس فيكم رامح ونابل وفارس مستلئم وراجل * وضارب بالسيف لا يزايل فلم يأته من كندة كثير أحد وقال زياد وهو على المنبر ليقم همدان وتميم وهوازن وأبناء أعصر ومذحج وأسد وغطفان فليأتوا جبانة كندة فليمضوا من ثم إلى حجر فليأتوني به ثم إنه كره أن يسير طائفة من مضر مع طائفة من أهل اليمن فيقع

[ 194 ]

بينهم شغب واختلاف وتفسد ما بينهم الحمية فقال لتقم تميم وهوازن وأبناء أعصر وأسد وغطفان ولتمض مذحج وهمدان إلى جبانة كندة ثم لينهضوا إلى حجر فليأتوني به وليسر سائر أهل اليمن حتى ينزلوا جبانة الصائديين فليمضوا إلى صاحبهم فليأتوني به فخرجت الازد وبجيلة وخثعم والانصار وخزاعة وقضاعة فنزلوا جبانة الصائديين ولم تخرح حضرموت مع أهل اليمن لمكانهم من كندة وذلك أن دعوة حضرموت مع كندة فكرهوا الخروج في طلب حجر قال أبو مخنف حدثنى يحيى ابن سعيد بن مخنف عن محمد بن مخنف قال إنى لمع أهل اليمن في جبانة الصائديين إذ اجتمع رؤوس أهل اليمن يتشاورون في أمر حجر فقال لهم عبد الرحمن بن مخنف أنا مشير عليكم برأى إن قبلتموه رجوت أن تسلموا من اللائمة والاثم أرى لكم أن تلبثوا قليلا فإن سرعان شباب همدان ومذحج يكفونكم ما تكرهون أن تلوا من مساة قومكم في صاحبكم قال فأجمع رأيهم على ذلك قال فوالله ما كان إلا كلا ولا حتى أتينا فقيل لنا إن مذحج وهمدان قد دخلوا فأخذوا كل من وجدوا من بنى جبلة قال فمر أهل اليمن في نواحى دور كندة معذرين فبلغ ذلك زيادا فأثنى على مذحج وهمدان وذم سائر أهل اليمن وإن حجرا لما انتهى إلى داره فنظر إلى قلة من معه من قومه وبلغه أن مذحج وهمدان نزلوا جبانة كندة وسائر أهل اليمن جبانة الصائديين قال لاصحابه انصرفوا فوالله ما لكم طاقة بمن قد اجتمع عليكم من قومكم وما أحب أن أعرضكم للهلاك فذهبوا لينصرفوا فلحقتهم أوائل خيل مذحج وهمدان فعطف عليهم عمير بن يزيد وقيس بن يزيد وعبيدة بن عمرو البدى وعبد الرحمن بن محرز الطمحى وقيس بن شمر فتقاتلوا معهم فقاتلوا عنه ساعة فحرحوا وأسر قيس بن يزيد وأفلت سائر القوم فقال لهم حجر لا أبا لكم تفرقوا لا تقاتلوا فإنى آخذ في بعض السكك ثم أخذ طريقا نحو بنى حرب فسار حتى انتهى إلى دار رجل منهم يقال له سليم بن يزيد فدخل داره وجاء القوم في طلبه حتى انتهوا إلى تلك الدار فأخذ سليم بن يزيد سيفه ثم ذهب ليخرج إليهم فبكت بناته فقال له حجر ما تريد قال أريد والله أسألهم أن ينصرفوا عنك فإن فعلوا وإلا ضاربتهم

[ 195 ]

بسيفي هذا ما ثبت قائمه في يدى دونك فقال حجر لا أبا لغيرك بئس ما دخلت به إذا على بناتك قال إنى والله ما أمونهن ولا رزقهن إلا على الحى الذى لا يموت ولا أشترى العار بشئ أبدا ولا تخرج من دارى أسيرا أبدا وأنا حى أملك قائم سيفى فإن قتلت دونك فاصنع ما بدا لك قال حجر أما في دارك هذه حائط أقتحمه أو خوخة أخرج منها عسى أن يسلمني الله عز وجل منهم ويسلمك فإذا القوم لم يقدروا على عندك لم يضروك قال بل هذه خوخة تخرجك إلى دور بنى العنبر وإلى غيرهم من قومك فخرج حتى مر ببنى ذهل فقالوا له مر القوم آنفا في طلبك يقفون أثرك فقال منهم أهرب قال فخرج ومعه فتية منهم يتقصون به الطريق ويسلكون به الازقة حتى أفضى إلى النخع فقال لهم عند ذلك انصرفوا رحمكم الله فانصرفوا عنه وأقبل إلى دار عبد الله بن الحارث أخى الاشتر فدخلها فإنه لكذلك قد ألقى له الفرش عبد الله وبسط له البسط وتلقاه ببسط الوجه وحسن البشر إذ أتى فقيل له إن الشرط تسأل عنك في النخع وذلك إن أمة سوداء يقال لها أدماء لقيتهم فقالت من تطلبون قالوا نطلب حجرا قالت ها هو ذا قد رأيته في النخع فانصرفوا نحو النخع فخرج من عند عبد الله متنكرا وركب معه عبد الله بن الحارث ليلا حتى أتى دار ربيعة بن ناجد الازدي في الازد فنزلها يوما وليلة فلما أعجزهم أن يقدروا عليه دعا زياد بمحمد بن الاشعث فقال له يا أبا ميثاء أما والله لتأتينى بحجر أولا لا أدع لك نخلة إلا قطعتها ولا دارا إلا هدمتها ثم لا تسلم منى حتى أقطعك إربا إربا قال أمهلنى حتى أطلبه قال قد أمهلتك ثلاثا فان جئت به وإلا عد نفسك مع الهلكى وأخرج محمد نحو السجن منتقع اللون يتل تلا عنيفا فقال حجر بن يزيد الكندى لزياد ضمنيه وخل سبيله يطلب صاحبه فانه مخلى سربه أخرى أن يقدر عليه منه إذا كان محبوسا فقال أتضمنه قال نعم قال أما والله لئن حاص عنك لازيرنك شعوب وان كنت الآن على كريما قال انه لا يفعل فخلى سبيله ثم ان حجر بن يزيد كلمه في قيس بن يزيد وقد أتى به أسيرا فقال لهم ما على قيس بأس قد عرفنا رأيه في عثمان وبلاءه يوم صفين مع أمير المؤمنين ثم أرسل إليه

[ 196 ]

فأتى به فقال له انى قد علمت انك لم تقاتل مع حجر أنك ترى رأيه ولكن قاتلت معه حمية قد غفرتها لك لما أعلم من حسن رأيك وحسن بلائك ولكن لن أدعك حتى تأتيني بأخيك عمير قال أجيئك به ان شاء الله قال فهات من يضمنه لى معك قال هذا حجر بن يزيد يضمنه لك معى قال حجر بن يزيد نعم أضمنه لك على ان تؤمنه على ماله ودمه قال ذلك لك فانطلقا فأتيا به وهو جريح فأمر به فأوقر حديدا ثم أخذته الرجال ترفعه حتى إذا بلغ سورها ألقوه فوقع على الارض ثم رفعوه وألقوه ففعلوا به ذلك مرارا فقام إليه حجر بن يزيد فقال ألم تؤمنه على ماله ودمه أصلحك الله قال بلى قد آمنته على ماله ودمه ولست أهريق له دما ولا آخذ له مالا قال أصلحك الله يشفى به على الموت ودنا منه وقام من كان عنده من أهل اليمن فدنوا منه وكلموه فقال أتضمنونه لى بنفسه فمتى ما أحدث حدثا أتيتموني به قالوا نعم قال وتضمنون لى أرش ضربة المسلى قالوا ونضمنها فخلى سبيله ومكث حجر بن عدى في منزل ربيعة بن ناجد الازدي يوما وليلة ثم بعث حجر إلى محمد بن الاشعث غلاما له يدعى رشيدا من أهل إصبهان أنه قد بلغني ما استقبلك به هذا الجبار العنيد فلا يهولنك شئ من أمره فانى خارج اليك أجمع نفرا من قومك ثم ادخل عليه فاسأله أن يؤمننى حتى يبعث بى إلى معاوية فيرى في رأيه فخرج ابن الاشعث إلى حجر بن يزيد وإلى جرير بن عبد الله وإلى عبد الله بن الحارث أخى الاشتر فأتاهم فدخلوا إلى زياد فكلموه وطلبوا إليه أن يؤمنه حتى يبعث به إلى معاوية فيرى فيه رأيه ففعل فبعثوا إليه رسوله ذلك يعلمونه ان قد أخذنا الذى تسأل وأمروه أن يأتي فأقبل حتى دخل على زياد فقال زياد مرحبا بك أبا عبد الرحمن حرب في أيام الحرب وحرب وقد سالم الناس * على أهلها تجنى براقش * قال ما خالعت طاعة ولا فارقت جماعة وإنى لعلى بيعتى فقال هيهات هيهات يا حجر تشج بيد وتأسوا بأخرى وتريد إذ أمكن الله منك أن نرضى كلا والله قال ألم تؤمنى حتى آتى معاوية فيرى في رأيه قال بلى قد فعلنا انطلقوا به إلى السجن فلما قفى به من عنده قال زياد أما والله لولا أمانة ما برح أو يلفظ مهجة نفسه (قال هشام بن عروة) حدثنى عوانة

[ 197 ]

قال قال زياد والله لاحرصن على قطع خيط رقبته قال هشام بن محمد عن أبى مخنف وحدثني المجالد بن سعيد عن الشعبى وزكرياء بن أبى زائدة عن أبى اسحاق أن حجرا لما قفى به من عند زياد نادى بأعلى صوته اللهم إن على بيعتى لا أقيلها ولا أستقيلها سماع الله والناس وكان عليه برنس في غداة باردة فحبس عشر ليال وزياد ليس له عمل إلا طلب رؤساء أصحاب حجر فخرج عمرو بن الحمقى ورفاعة بن شداد حتى نزلا المدائن ثم ارتحلا حتى أتيا أرض الموصل فأتيا جبلا فكمنا فيه وبلغ عامل ذلك الرستاق أن رجلين قد كمنا في جانب الجبل فاستنكر شأنهما وهو رجل من همدان يقال له عبد الله بن أبى بلتعة فسار إليها في الخيل نحو الجبل ومعه أهل البلد فلما انتهى اليهما خرجا فأما عمرو بن الحمق فكان مريضا وكان بطنه قد سقى فلم يكن عنده امتناع وأما رفاعة بن شداد وكان شابا قويا فوثب على فرس له جواد فقال له أقاتل عنك قال وما ينفعني أن تقاتل انج بنفسك إن استطعت فحمل عليهم فأفرجوا له فخرج تنفر به فرسه وخرجت الخيل في طلبه وكان راميا فأخذ لا يلحقه فارس إلا رماه فجرحه أو عقره فانصرفوا عنه وأخذ عمرو بن الحمق فسألوه من أنت فقال من إن تركتموه كان أسلم لكم وإن قتلتموه كان أضر لكم فسألوه فأبى أن يخبرهم فبعث به ابن أبى بلتعة إلى عامل الموصل وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان الثقفى فلما رأى عمرو بن الحمق عرفه وكتب إلى معاوية بخبره فكتب إليه معاوية انه زعم أنه طعن عثمان بن عفان تسع طعنات بمشاقص كانت معه وإنا لا نريد أن نعتدي عليه فاطعنه تسع طعنات كما طعن عثمان فأخرج فطعن تسع طعنات فمات في الاولى منهن أو الثانية (قال أبو مخنف) وحدثني المجالد عن الشعبى وزكرياء بن أبى زائدة عن ابن اسحاق قال وجه زياد في طلب أصحاب حجر فأخذوا يهربون منه ويأخذ من قدر عليه منهم فبعث إلى قبيصة بن ضبيعة بن حرملة العبسى صاحب الشرطة وهو شداد بن الهيثم فدعا قبيصة في قومه وأخذ سيفه فأتاه ربعى بن حراش بن جحش العبسى ورجال من قومه ليسوا بالكثير فأراد أن يقاتل فقال صاحب الشرطة أنت آمن على دمك ومالك فلم تقتل نفسك فقال له أصحابه قد أو منت فعلام تقتل

[ 198 ]

نفسك وتقتلنا معك قال ويحكم إن هذا الدعى ابن العاهرة والله لئن وقعت في يده لا أفلت منه أبدا أو يقتلنى قالوا كلا فوضع يده في أيديهم فأقبلوا به إلى زياد فلما دخلوا عليه قال زياد وحى عسى تعزونى على الدين أما والله لاجعلن لك شاغلا عن تلقيح الفتن والتوثب على الامراء قال إنى لم تك إلا على الامان قال انطلقوا به إلى السجن وجاء قيس بن عباد الشيباني إلى زياد فقال له إن امرءا منا من بنى همام يقال له صيفي بن فسيل من رؤس أصحاب حجر وهو أشد الناس عليك فبعث إليه زياد فأتى به فقال له زياد يا عدو الله ما تقول في أبى تراب قال ما أعرف أبا تراب قال ما أعرفك به قال ما أعرفه قال أما تعرف على بن أبى طالب قال بلى قال فذاك أبو تراب قال كلا ذاك أبو الحسن والحسين عليه السلام فقال له صاحب الشرطة يقول لك الامير هو أبو تراب وتقول أنت لا قال وإن كذب الامير أتريد أن أكذب وأشهد له على باطل كما شهد قال له زياد وهذا أيضا مع ذنبك على بالعصا فأتى بها فقال ما قولك قال أحسن قول أنا قائله في عبد من عباد الله المؤمنين قال اضربوا عانقه بالعصا حتى يلصق بالارض فضرب حتى لزم الارض ثم قال اقلعوا عنه إيه ما قولك في على قال والله لو شرحتنى بالمواسى والمدى ما قلت إلا ما سمعت منى قال لتلعننه أو لاضربن عنقك قال إذا تضربها والله قبل ذلك فان أبيت إلا أن تضربها رضيت بالله وشقيت أنت قال ادفعوا في رقبته ثم قال أوقروه حديدا وألقوه في السجن ثم بعث إلى عبد الله بن خليفة الطائى وكان شهد مع حجر وقاتلهم قتالا شديدا فبعث إليه زياد بكير بن حمران الاحمري وكان تبيع العمال فبعثه في أناس من أصحابه فأقبلوا في طلبه فوجدوه في مسجد عدى بن حاتم فأخرجوه فلما أرادوا أن يذهبوا به وكان عزيز النفس امتنع منهم فحاربهم وقاتلهم فشجره ورموه بالحجارة حتى سقط فنادت ميثاء أخته يا معشر طيئ أتسلمون ابن خليفة لسانكم وسنانكم فلما سمع الاحمري نداءها خشى أن تجتمع طيئ فيهلك فهرب وخرج نسوة من طيئ فأدخلنه دارا وينطلق الاحمري حتى أن زيادا فقال إن طيئا اجتمعت إلى فلم أطقهم أفأتيتك فبعث زياد إلى عدى وكان في

[ 199 ]

المسجد فحبسه وقال جئني به وقد أخبر عدى بخبر عبد الله فقال عدى كيف آتيك برجل قد قتله القوم قال جئني حتى أرى أن قد قتلوه فاعتل له وقال لا أدرى أين هو ولا ما فعل فحبسه فلم يبق رجل من أهل المصر من أهل اليمن وربيعة ومصر إلا فزع لعدى فأتوا زيادا فكلموه فيه وأخرج عبد الله فتغيب في بحتر فأرسل إلى عدى إن شئت أن أخرج حتى أضع يدى في يدك فعلت فبعث إليه عدى والله لو كانت تحت قدمى ما رفعتهما عنك فدعا زياد عديا فقال له إنى أخلى سبيلك على أن تجعل لى لتنفيه من الكوفة والتسير به إلى الجبلين قال نعم فرجع وأرسل إلى عبد الله بن خليفة اخرج فلو قد سكن غضبه لكلمته فيك حتى ترجع إن شاء الله فخرج إلى الجبلين وأتى زياد بكريم بن عفيف الخثعمي فقال ما اسمك قال أنا كريم ابن عفيف قال ويحك أو ويلك ما أحسن اسمك واسم أبيك وأسوأ عملك ورأيك قال أما والله إن عهدك برأيى لمنذ قريب * ثم بعث زياد إلى أصحاب حجر حتى جمع اثنى عشر رجلا في السجن ثم إنه دعا رءوس الارباع فقال اشهدوا على حجر بما رأيتم منه وكان رؤس الارباع يومئذ عمرو بن حريث على ربع أهل المدينة وخالد بن عرفطة على ربع تميم وهمدان وقيس بن الوليد بن عبد شمس بن المغيرة على ربع ربيعة وكندة وأبو بردة بن أبى موسى على مذحج وأسد فشهد هؤلاء الاربعة ان حجرا جمع إليه الجموع وأظهر شتم الخليفة ودعا إلى حرب أمير المؤمنين * وزغم أن هذا الامر لا يصلح إلا في آل أبى طالب ووئب بالمصر وأخرج عامل أمير المؤمنين وأظهر عذر أبى تراب والترحم عليه والبراءة من عدوه وأهل حربه وأن هؤلاء النفر الذين معه هم رؤوس أصحابه وعلى مثل رأيه وأمره ثم أمر بهم ليخرجوا فأتاه قيس بن الوليد فقال إنه قد بلغني أن هؤلاء إذا خرج بهم عرض لهم فبعث زياد إلى الكناسة فابتاع إبلا صعابا فشد عليها المحامل ثم حملهم عليها في الرحبة أول النهار حتى إذا كان العشاء قال زياد من شاء فليعرض فلم يتحرك من الناس أحد ونظر زياد في شهادة الشهود فقال ما أظن هذه الشهادة قاطعة وإنى لاحب أن تكون الشهود أكثر من أربعة *

[ 200 ]

قال أبو مخنف فحدثني الحارث بن حصيرة عن أبى الكنود وهو عبد الرحمن ابن عبيد وأبو مخنف عن عبد الرحمن بن جندب وسليمان بن أبى راشد عن أبى الكنود بأسماء هؤلاء الشهود (بسم الله الرحمن الرحيم) هذا ما شهد عليه أبو بردة بن أبى موسى لله رب العالمين شهد أن حجر بن عدى خلع الطاعة وفارق الجماعة ولعن الخليفة ودعا إلى الحرب والفتنة وجمع إليه الجموع يدعوهم إلى نكث البيعة وخلع أمير المؤمنين معاوية وكفر بالله عز وجل كفرة صلعاء فقال زياد على مثل هذه الشهادة فاشهدوا أما والله لاجهدن على قطع خيط عنق الخائن الاحمق فشهد رؤوس الارباع على مثل شهادته وكانوا أربعة ثم إن زيادا دعا الناس فقال اشهدوا على مثل شهادة رؤوس الارباع فقرأ عليهم الكتاب فقام أول الناس عناق بن شرحبيل بن أبى دهم التيمى تيم الله بن ثعلبة فقال بينوا اسمى فقال زياد ابدؤا بأسامى قريش ثم اكتبوا اسم عناق في الشهود ومن نعرفه ويعرفه أمير المؤمنين بالنصيحة والاستقامة فشهد إسحاق بن طلحة بن عبيدالله وموسى بن طلحة وإسماعيل بن طلحة بن عبيدالله والمنذر بن الزبير وعمارة ابن عقبة بن أبى معيط وعبد الرحمن بن هناد وعمر بن سعد بن أبى وقاص وعامر بن مسعود بن أمية بن خلف ومحرز بن جارية بن ربيعة بن عبد العزى بن عبد شمس وعبيدالله بن مسلم بن شعبة الحضرمي وعناق بن شرحبيل بن أبى دهم ووائل ابن حجر الحضرمي وكثير بن شهاب بن حصين الحارثى وقطن بن عبد الله بن حصين والسرى بن وقاص الحارثى وكتب شهادته وهو غائب في عمله والسائب والاقرع الثقفى وشبيب بن ربعى وعبد الله بن أبى عقيل الثققى ومصقلة بن هبيرة الشيباني والقعقاع بن شور الذهلى وشداد بن المنذر بن الحارث بن وعلة الذهلى وكان يدعى ابن بزيعة فقال ما لهذا أب ينسب إليه ألقوا هذا من الشهود فقيل له انه أخو الحصين وهو ابن المنذر قال فانسبوه إلى أبيه فنسب إلى أبيه فبلغت شدادا فقال ويلى على ابن الزانية أو ليست أمه أعرف من أبيه والله ما ينسب إلا إلى أمه سمية وحجار بن أبجر العجلى فغضبت ربيعة على هؤلاء الشهود الذين شهدوا من

[ 201 ]

ربيعة وقالوا لهم شهدتم على أوليائنا وخلفائنا فقالوا ما نحن إلا من الناس وقد شهد عليهم ناس من قومهم كثير وعمرو بن الحجاج الزبيدى ولبيد بن عطارد التميمي ومحمد بن عمير بن عطارد التميمي وسويد بن عبد الرحمن التميمي من بنى سعد وأسماء بن خارجة الفزارى كان يعتذر من أمره وشمر بن ذى الجوشن العامري وشداد ومروان ابنا الهيثم الهلاليان ومحصن بن ثعلبة من عائذة قريش والهيثم بن الاسود النخعي وكان يعتذر إليهم وعبد الرحمن بن قيس الاسدي والحارث وشداد ابنا الازمع الهمدانيان ثم الوادعيان وكريب بن سلمة بن يزيد الجعفي وعبد الرحمن بن أبى سبرة الجعفي وزحر بن قيس الجعفي وقدامة بن العجلان الازدي وعزرة بن عزرة الاحمسي ودعا المختار بن أبى عبيد وعروة ابن المغيرة بن شعبة ليشهدوا عليه فراغا وعمر بن قيس ذى اللحية وهانئ بن أبى حية الوادعيان فشهد عليه سبعون رجلا فقال زياد ألقوهم إلا من قد عرف بحسب وصلاح في دينه فألقوا حتى صيروا إلى هذه العدة وألقيت شهادة عبد الله ابن الحجاج التغلبي وكتبت شهادة هؤلاء الشهود في صحيفة ثم دفعها إلى وائل بن حجر الحضرمي وكثير بن شهاب الحارثى وبعثهما عليهم وأمرهما أن يخرجا بهم وكتب في الشهود شريح بن الحارث القاضى وشريح بن هانئ الحارثى فأما شريح فقال سألني عنه فأخبرته أنه كان صواما قواما وأما شريح بن هانئ الحارثى فكان يقول ما شهدت ولقد بلغني أن قد كتبت شهادتى فأكذبته ولمته وجاء وائل ابن حجر وكثير بن شهاب فأخرج القوم عشية وسار معهم صاحب الشرطة حتى أخرجهم من الكوفة فلما انتهوا إلى جبانة عرزم نظر قبيصة بن ضبيعة العبسى إلى داره وهى في جبانة عرزم فإذا بناته مشرفات فقال لوائل وكثير ائذنا لى فأوصى أهلى فأذنا له فلما دنا منهن وهن يبكين سكت عنهن ساعة ثم قال اسكتن فسكتن فقال اتقين الله عز وجل واصبرن فانى أرجو من ربى في وجهى هذا احدى الحسنيين إما الشهادة وهى السعادة وإما الانصراف اليكن في عافية وإن الذى كان يرزقكن ويكفينى مؤنتكن هو الله تعالى وهو حى لا يموت أرجو أن لا يضيعكن

[ 202 ]

وأن يحفظني فيكن ثم انصرف فمر بقومه فجعل القوم يدعون الله له بالعافية فقال إنه لمما يعدل عندي خطر ما أنا فيه هلاك قومي يقول حيث لا ينصرونني وكان رجا أن يخلصوه. قال أبو مخنف فحدثني النضر بن صالح العبسى عن عبيدالله بن الحر الجعفي قال والله إنى لواقف عند باب السرى بن أبى وقاص حين مروا بحجر وأصحابه قال فقلت ألا عشرة رهط أستنقذ بهم هؤلاء إلا خمسة قال فجعل يتلهف قال فلم يجبنى أحد من الناس قال فمضوا بهم حتى انتهوا بهم إلى الغريين فلحقهم شريح بن هانئ معه كتاب فقال لكثير بلغ كتابي هذا إلى أمير المؤمنين قال ما فيه قال لا تسألني فيه حاجتى فأبى كثير وقال ما أحب أن آتى أمير المؤمنين بكتاب لا أدرى ما فيه وعسى أن لا يوافقه فأتى به وائل به حجر فقبله منه ثم مضوا بهم حتى انتهوا بهم إلى مرج عذراء وبينها وبين دمشق اثنا عشر ميلا تسمية الذين بعث بهم إلى معاوية حجر بن عدى بن جبلة الكندى والارقم بن عبد الله الكندى من بنى الارقم وشريك بن شداد الحضرمي وصيفى بن فسيل وقبيصة بن ضبيعة بن حرملة العبسى وكريم بن عفيف الخثعمي من بنى عامر بن شهران ثم من قحافة وعاصم بن عوف البجلى وورقاء بن سمى البجلى وكدام بن حيان وعبد الرحمن بن حسان العنزيان من بنى هميم ومحرز بن شهاب التميمي من بنى منقر وعبد الله بن حوية السعدى من بنى تميم فمضوا بهم حتى نزلوا مرج عذراء فحبسوا بها ثم إن زيادا أتبعهم برجلين آخرين مع عامر بن الاسود العجلى بعتبة بن الاخنس من بنى سعد بن بكر بن هوازن وسعد بن نمران الهمداني ثم الناعطى فتموا أربعة عشر رجلا فبعث معاوية إلى وائل بن حجر وكثير بن شهاب فأدخلهما وفض كتابهما فقرأه على أهل الشام فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم لعبد الله معاوية أمير المؤمنين من زياد بن أبى سفيان أما بعد فان الله قد أحسن عند أمير المؤمنين البلاء فكاد له عدوه وكفاه مؤنة من بغى عليه ان طواغيت من هذه الترابية السبائية رأسهم حجر بن عدى خالفوا أمير المؤمنين وفارقوا جماعة المسلمين ونصبوا لنا الحرب فأظهرنا الله عليهم وأمكننا منهم

[ 203 ]

وقد دعوت خيار أهل المصر وأشرافهم وذوى السن والدين منهم ؟ فشهدوا عليهم بما رأوا وعملوا وقد بعثت بهم إلى أمير المؤمنين وكتبت شهادة صلحاء أهل المصر وخيارهم في أسفل كتابي هذا فلما قرأ الكتاب وشهادة الشهود عليهم قال ماذا ترون في هؤلاء النفر الذين شهد عليهم قومهم بما تستمعون فقال له يزيد بن أسد البجلى أرى أن تفرقهم في قرى الشام فيكفيكهم طواغيتها ودفع وائل بن حجر كتاب شريح بن هانئ إلى معاوية فقرأه فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم لعبد الله معاوية أمير المؤمنين من شريح بن هانئ أما بعد فإنه بلغني أن زيادا كتب إليك بشهادتي على حجر بن عدى وأن شهادتى على حجر أنه ممن يقيم الصلاة وبؤتى الزكاة ويديم الحج والعمرة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حرام الدم والمال فإن شئت فاقتله وإن شئت فدعه فقرأ كتابه على وائل بن حجر وكثير فقال ما أرى هذا إلا قد أخرج نفسه من شهادتكم فحبس القوم بمرج عذراء وكتب معاوية إلى زياد أما بعد فقد فهمت ما اقتصصت به من أمر حجر وأصحابه وشهادة من قبلك عليهم فنظرت في ذلك فأحيانا أرى قتلهم أفضل من تركهم وأحيانا أرى العفو عنهم أفضل من قتلهم والسلام فكتب إليه زياد مع يزيد بن حجية بن ربيعة التيمى أما بعد فقد قرأت كتابك وفهمت رأيك في حجر وأصحابه فعجبت لاشتباه الامر عليك فيهم وقد شهد عليهم بما قد سمعت من هو أعلم بهم فإن كانت لك حاجة في هذا المصر فلا تردن حجرا وأصحابه إلى فأقبل يزيد بن حجية حتى مر بهم بعذراء فقال يا هؤلاء أما والله ما أرى برأتكم ولقد جئت بكتاب فيه الذبح فمرونى بما أجبتم مما ترون أنه لكم نافع أعمل به لكم وأنطق به فقال حجر أبلغ معاوية أنا على بيعتنا لا نستقيلها ولا نقيلها وأنه إنما شهد علينا الاعداء والاظناء فقدم يزيد بالكتاب إلى معاوية فقرأه وبلغه يزيد مقالة حجر فقال معاوية زياد أصدق عندنا من حجر فقال عبد الرحمن بن أم الحكم الثقفى ويقال عثمان بن عمير الثقفى جذاذها جذاذها فقال له معاوية لا تعن أبرا فخرج أهل الشأم ولا يدرون ما قال معاوية وعبد الرحمن فأتوا النعمان بن بشير فقالوا له مقالة ابن أم الحكم فقال النعمان

[ 204 ]

قتل القوم وأقبل عامر بن الاسود العجلى وهو بعذراء يريد معاوية ليعلمه علم الرجلين اللذين بعث بهما زياد فلما ولى ليمضى قام إليه حجر بن عدى يرسف في القيود فقال يا عامر اسمع منى أبلغ معاوية أن دماءنا عليه حرام وأخبره أنا قد أومنا وصالحناه فليتق الله ولينظر في أمرنا فقال له نحوا من هذا الكلام فأعاد عليه حجر مرارا فكان الآخر عرض فقال قد فهمت لك أكثرت فقال له حجر إنى ما سمعت بعيب وعلى أنه يلوم إنك والله تحبى وتعطى وإن حجرا يقدم ويقتل فلا ألومك أن تستثقل كلامي اذهب عنك فكأنه استحيى فقال لا والله ما ذلك بى ولابلغن ولاجهدن وكأنه يزعم أنه قد فعل وأن الآخر أبى فدخل عامر على معاوية فأخبره بأمر الرجلين قال وقام يزيد بن أسد البجلى فقال يا أمير المؤمنين هب لى ابني عمى وقد كان جرير بن عبد الله كتب فيهما أن امرأين من قومي من أهل الجماعة والرأى الحسن سعى بهما ساع ظنين إلى زياد فبعث بهما في النفر الكوفيين الذين وجه بهم زياد إلى أمير المؤمنين وهما ممن لا يحدث حدثا في الاسلام ولا بغيا على الخليفة فلينفعهما ذلك عند أمير المؤمنين فلما سألهما يزيد ذكر معاوية كتاب جرير فقال قد كتب إلى ابن عمك فيهما جرير محسنا عليهما الثناء وهو أهل أن يصدق قوله ويقبل نصيحته وقد سألتنى ابني عمك فهما لك وطلب وائل بن حجر في الارقم فتركه له وطلب أبو الاعور السلمى في عتبة بن الاخنس فوهبه له وطلب حمرة بن مالك الهمداني في سعد بن نمران الهمداني فوهبه له وكلمه حبيب ابن مسلمة في ابن حوية فخلى سبيله وقام ملك بن هبيرة السكوني فقال لمعاوية عمك يا أمير المؤمنين دع لى ابن عمى حجرا فقال إن ابن حجرا رأس القوم وأخاف إن خليت سبيله أن يفسد على مصرى فيضطرنا غدا إلى أن نشخصك وأصحابك إليه بالعراق فقال له والله ما أنصفتني يا معاوية قاتلت معك ابن عمك فتلقاني منهم يوم كيوم صفين حتى ظفرت كفك وعلا كعبك ولم تخف الدوائر ثم سألتك ابن عمى فسطوت وبسطت من القول بما لا أنتفع به وتخوفت فيما زعمت عاقبة الدوائر ثم انصرف فجلس في بيته فبعث معاوية هدبة بن فياض القضاعى من

[ 205 ]

بنى سلامان بن سعد والحصين بن عبد الله الكلابي وأبا شريف البدى فأتوهم عند المساء فقال الخثعمي حين رأى الاعور مقبلا يقتل نصفنا وينجو نصفنا فقال سعد ابن نمران اللهم اجعلني ممن ينجو وأنت عنى راض فقال عبد الرحمن بن حسان العنزي اللهم اجعلني من ؟ تكرم بهوانهم وأنت عنى راض فطالما عرضت نفسي للقتل فأبى الله إلا ما أراد فجاء رسول معاوية إليهم بتخلية ستة وبقتل ثمانية فقال لهم رسول معاوية إنا قد أمرنا أن نعرض عليكم البراءة من على واللعن له فإن فعلتم تركناكم وإن أبيتم قتلناكم وإن أمير المؤمنين يزعم أن دماءكم قد حلت له بشهادة أهل مصركم عليكم غير أنه قد عفى عن ذلك فابرؤا من هذا الرجل نخل سبيلكم قالوا اللهم إنا لسنا فاعلي ذلك فأمر بقبورهم فحفرت وأدنيت أكفانهم وقاموا الليل كله يصلون فلما أصبحوا قال أصحاب معاوية يا هؤلاء لقد رأيناكم البارحة قد أطلتم الصلاة وأحسنتم الدعاء فأخبرونا ما قولكم في عثمان قالوا هو أول من جار في الحكم وعمل بغير الحق فقال أصحاب معاوية أمير المؤمنين كان أعلم بكم ثم قاموا إليهم فقالوا تبرؤن من هذا الرجل قالوا بل نتولاه ونتبرأ ممن تبرأ منه فأخذ كل رجل منهم رجلا ليقتله ووقع قبيصة بن ضبيعة في يدى أبى شريف البدى فقال له قبيصة إن الشر بين قومي وبين قومك أمن فليقتلني سواك فقال له برتك رحم فأخذ الحضرمي فقتله وقتل القضاعى قبيصة بن ضبيعة قال ثم إن حجرا قال لهم دعوني أتوضأ قالوا له توضأ فلما أن توضأ قال لهم دعوني أصل ركعتين فأيمن الله ما توضأت قط إلا صليت ركعتين قالوا ليصل فصلى ثم انصرف فقال والله ما صليت صلاة قط أقصر منها ولولا أن تروا أن ما بى جزع من الموت لاحببت أن أستكثر منها ثم قال اللهم إنا نستعديك على أمتنا فإن أهل الكوفة شهدوا علينا وإن أهل الشأم يقتلوننا أما والله لئن قتلتموني بها إنى لاول فارس من المسلمين هلك في واديها وأول رجل من المسلمين نبحته كلابها فمشى إليه الاعور هدبة بن فياض بالسيف فأرعدت خصائله فقال كلا زعمت أنك لا تجزع من الموت فأنا أدعك فأبرأ من صاحبك فقال مالى لا أجزع

[ 206 ]

وأنا أرى قبرا محفورا وكفنا منشورا وسيفا مشهورا وإنى والله إن جزعت من القتل لا أقول ما يسخط الرب فقتله وأقبلوا يقتلونهم واحدا واحدا حتى قتلوا ستة فقال عبد الرحمن بن حسان العنزي وكريم بن عفيف الخثعمي ابعثوا بنا إلى أمير المؤمنين فنحن نقول في هذا الرجل مثل مقالته فبعثوا إلى معاوية يخبرونه بمقالتهما فبعث إليهم أن ائتونى بهما فلما دخلا عليه قال الخثعمي الله الله يا معاوية فإنك منقول من هذه الدار الزائلة إلى الدار الآخرة الدائمة ثم مسئول عما أردت بقتلنا وفيم سفكت دماءنا فقال معاوية ما تقول في على قال أقول فيه قولك قال أتبرأ من دين على الذى كان يدين الله به فسكت وكره معاوية أن يجيبه وقال شمر بن عبد الله من بنى قحافة فقال يا أمير المؤمنين هب لى ابن عمى قال هو لك غير أنى حابسه شهرا فكان يرسل إليه بين كل يومين فيكلمه وقال له إنى لانفس بك على العراق أن يكون فيهم مثلك ثم إن شمرا عاوده فيه الكلام فقاك نمرك على هبة ابن عمك فدعاه فخلى سبيله على أن لا يدخل إلى الكوفة ما كان له سلطان فقال تخير أي بلاد العرب أحب إليك أن أسيرك إليها فاختار الموصل فكان يقول لو قد مات معاوية قدمت المصر فمات قبل معاوية بشهر ثم أقبل على عبد الرحمن العنزي فقال ابه يا أخا ربيعة ما قولك في على قال دعني ولا تسألني فإنه خير لك قال والله لا أدعك حتى تخبرني عنه قال أشهد أنه كان من الذاكرين الله كثيرا ومن الآمرين بالحق والقائمين بالقسط والعافين عن الناس قال فما قولك في عثمان قال هو أول من فتح باب الظلم وأرتج أبواب الحق قال قتلت نفسك قال بل إياك قتلت ولا ربيعة بالوادي يقول حين كلم شمر الخثعمي في كريم بن عفيف الخثعمي ولم يكن له أحد من قومه يكلمه فيه فبعث به معاوية إلى زياد وكتب إليه أما بعد فإن هذا العنزي شر من بعثت فعاقبه عقوبته التى هو أهلها واقتله شر قتلة فلما قدم به على زياد بعث بن زياد إلى قس الناطف فدفن به حيا قال ولما حمل العنزي والخثعمى إلى معاوية قال العنزي لحجر يا حجر لا يبعدنك الله فنعم أخو إلاسلام كنت وقال الخثعمي لا تبعد ولا تفقد فقد كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ثم ذهب

[ 207 ]

بهما وأتبعهما بصره وقال كفى بالموت قطاعا لحبل القرائن فذهب بعتبة بن الاخنس وسعد بن نمران بعد حجر بأيام فخلى سبيلهما تسمية من قتل من أصحاب حجر رحمه الله حجر بن عدى وشريك بن شداد الحضرمي وصيفى بن فسيل الشيباني وقبيصة ابن ضبيعة العبسى ومحرز بن شهاب السعدى ثم المنقرى وكدام بن حيان العنزي وعبد الرحمن بن حسان العنزي فبعث به إلى زياد فدفن حيا بقس الناطف فهم سبعة قتلوا وكفنوا وصلى عليهم قال فزعموا أن الحسن لما بلغه قتل حجر وأصحابه قال صلوا عليهم وكفنوهم وادفنوهم واستقبلوا بهم القبلة قالوا نعم قال حجوهم ورب الكعبة (تسمية من نجا منهم) كريم بن عفيف الخثعمي وعبد الله بن حوية التميمي وعاصم بن عوف البجلى وورقاء بن سمى البجلى والارقم بن عبد الله الكندى وعتبة بن الاخنس من بنى سعد بن بكر وسعد بن نمران الهمداني فهم سبعة * وقال مالك بن هبيرة السكوني حين أبى معاوية أن يهب له حجرا وقد اجتمع إليه قومه من كندة والسكون وناس من اليمن كثير فقال والله لنحن أغنى عن معاوية من معاوية عنا وإنا لنجد في قومه منه بدلا ولا يجد منا في الناس حلفا سيروا إلى هذا الرجل فلنخله من أيديهم فأقبلوا يسيرون ولم يشكوا أنهم بعذراء لم يقتلوا فاستقبلتهم قتلتهم وقد خرجوا منها فلما رأوه في الناس ظنوا أنما جاء بهم ليخلص حجرا من أيديهم فقال لهم ما وراءكم قال تاب القوم وجئنا لنخبر معاوية فسكت عنهم ومضى نحو عذراء فاستقبله بعض من جاء منها فأخبره أن القوم قد قتلوا فقال على بالقوم وتبعتهم الخيل وسبقوهم حتى دخلوا على معاوية فأخبروه خبر ما أتى له مالك بن هبيرة ومن معه من الناس فقال لهم معاوية اسكنوا فانما هي حرارة يجدها في نفسه وكأنها قد طفئت ورجع مالك حتى نزل في منزله ولم يأت معاوية فأرسل إليه معاوية فأبى أن يأتيه فلما كان الليل بعث إليه بمائة ألف درهم وقال له إن أمير المؤمنين لم يمنعه أن

[ 208 ]

يشفعك في ابن عمك إلا شفقة عليك وعلى أصحابك أن يعيدوا لكم حربا أخرى وإن حجر بن عدى لو قد بقى خشيت أن يكلفك وأصحابك الشخوص إليه وأن يكون ذلك من البلاء على المسلمين ما هو أعظم من قتل حجر فقبلها وطابت نفسه وأقبل إليه من غده في جموع قومه حتى دخل عليه ورضى عنه * قال أبو مخنف وحدثني عبد الملك بن نوفل بن مساحق أن عائشة رضى الله عنها بعثت عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام إلى معاوية في حجر وأصحابه فقدم عليه وقد قتلهم فقال له عبد الرحمن أين غاب عنك حلم أبى سفيان قال غاب عنى حين غاب عنى مثلك من حلماء قومي وحملنى ابن سمية فاحتملت * قال أبو مخنف قال عبد الملك بن نوفل كانت عائشة تقول لولا أنا لم نغير شيئا إلا آلت بنا الامور إلى أشد مما كنا فيه لغيرنا قتل حجر أما والله أن كان ما علمت لمسلما حجاجا معتمرا * قال أبو مخنف وحدثني عبد الملك ابن نوفل عن أبى سعيد المقبرى أن معاوية حين حج مر على عائشة رضوان الله عليها فاستأذن عليها فأذنت له فلما قعد قالت له يا معاوية أأمنت أن أخبأ لك من يقتلك قال بيت الامن دخلت قالت يا معاوية أما خشيت الله في قتل حجر وأصحابه قال لست أنا قتلتهم إنما قتلهم من شهد عليهم * قال أبو مخنف حدثنى زكرياء بن أبى زائدة عن أبى إسحاق قال أدركت الناس وهم يقولون إن أول ذل دخل الكوفة موت الحسن بن على وقتل حجر بن عدى ودعوة زياد * قال أبو مخنف وزعموا أن معاوية قال عند موته يوم لى من ابن الادبر طويل ثلاث مرات يعنى حجرا * قال أبو مخنف عن الصقعب بن زهير عن الحسن قال أربع خصال كن في معاوية لو لم يكن فيه منهن إلا واحدة لكانت موبقة انتزاؤه على هذه الامة بالسفهاء حتى ابتزها أمرها بغير مشورة منهم وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة واستخلافه ابنه بعده سكيرا خميرا يلبس الحرير ويضرب بالطنابير وادعاؤه زيادا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الولد للفراش وللعاهر الحجر وقتله حجرا ويلا له من حجر وأصحاب حجر مرتين * وقالت هند ابنة زيد بن مخرمة الانصارية وكانت تشيع ترثى حجرا

[ 209 ]

ترفع أيها القمر المنير * تبصر هل ترى حجرا يسير يسير إلى معاوية بن حرب * ليقتله كما زعم الامير تخبرت الجبابر بعد حجر * وطاب لها الخورنق والسدير وأصبحت البلاد لها محولا * كأن لم يحيها مزن مطير ألا يا حجر حجر بنى عدى * تلقتك السلامة والسرور أخاف عليك ما أردى عديا * وشيخا في دمشق له زئير يرى قتل الخيار عليه حقا * له من شر أمته وزير ألا ياليت حجرا مات موتا * ولم ينحر كما نحر البعير فإن يهلك فكل زعيم قوم * من الدنيا إلى هلك يصير وقالت الكندية ترثى حجرا ويقال بل قائلها هذه الانصارية دموع عينى ديمة تقطر * تبكى على حجر وما تقتر لو كانت القوس على أسره * ما حمل السيف له الاعور وقال الشاعر يحرض بنى هند من بنى شيبان على قيس بن عباد حين سعى بصيفي بن فسيل دعى ابن فسيل يا آل مرة دعوة * ولاقى ذباب السيف كفا ومعصما فحرض بنى هند إذا ما لقيتهم * وقل لغياث وابنه يتكلما لتبك بنى هند قتيلة مثل ما * بكت عرس صيفي وتبعث مأتما غياث بن عمران بن مرة بن الحارث بن دب بن مرة بن ذهل بن شيبان وكان شريفا وقتيلة أخت قيس بن عباد فعاش قيس بن عباد حتى قاتل مع ابن الاشعث في مواطنه فقال حوشب للحجاج بن يوسف إن منا امرءا صاحب فتن ووثوب على السلطان لم تكن فتنة في العراق قط إلا وثب فيها وهو ترابى يلعن عثمان وقد خرج مع ابن الاشعث فشهد معه في مواطنه كلها يحرض الناس حتى إذا أهلكهم الله جاء فجلس في بيته فبعث إليه الحجاج فضرب عتقه فقال بنو أبيه لآل حوشب إنما سعيتم بنا سعيا فقالوا لهم وأنتم إنما سعيتم بصاحبنا سعيا فقال أبو مخنف وقد كان عبد الله بن خليفة الطائى شهد مع حجر بن عدى فطلبه زياد فتوارى فبعث

[ 210 ]

إليه الشرط وهم أهل الحمراء يومئذ فأخذوه فخرجت أخته النوار فقالت يا معشر طيئ أتسلمون سنانكم ولسانكم عبد الله بن خليفة فشد الطائيون على الشرط فضربوهم وانتزعوا منهم عبد الله بن خليفة فرجعوا إلى زياد فأخبروه فوثب على عدى بن حاتم وهو في المسجد فقال ائتنى بعبد الله بن خليفة قال وماله فأخبره قال فهذا شئ كان في الحى لا علم لى به قال والله لتأتينى به قال لا والله لا آتيك به أبدا أجيئك بابن عمى تقتله والله لو كان تحت قدمى ما رفعتهما عنه قال فأمر به إلى السجن قال فلم يبق بالكوفة يمانى ولا ربعى إلا أتاه وكلمه وقالوا تفعل هذا بعدى بن حاتم صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فانى أخرجه على شرط قالوا ما هو قال يخرج ابن عمه عنى فلا يدخل الكوفة ما دام لى بها سلطان فأتى عدى فأخبر بذلك فقال نعم فبعث عدى إلى عبد الله بن خليفة فقال يا ابن أخى إن هذا قد لج في أمرك وقد أبى إلا اخراجك عن مصرك مادام له سلطان فالحق بالجبلين فخرج فجعل عبد الله بن خليفة يكتب إلى عدى وجعل عدى يمنيه فكتب إليه تذكرت ليلى والشبيبة أعصرا * وذكر الصبى برح على من تذكرا وولى الشباب فافتقدت غضونه * فيالك من وجد به حين أدبرا فدع عنك تذكار الشباب وفقده * وآساره إذ بان منك فأقصرا وبك على الخلان لما تخرموا * ولم يجدوا عن منهل الموت مصدرا دعتهم مناياهم ومن حان يومه * من الناس فاعلم أنه لن يؤخرا أولئك كانوا شيعة لى وموئلا * إذا اليوم ألفى ذا احتدام مذكرا وما كانت أهوى بعدهم متعللا * بشئ من الدنيا ولا أن أعمرا أقول ولا والله أنسى ادكارهم * سجيس الليالى أو أموت فأقبرا على أهل عذراء السلام مضاعفا * من الله وليسق الغمام الكنهورا ولاقى بها حجر من الله رحمة * فقد كان أرضى الله حجر وأعذرا ولا زال تهطال ملث وديمة * على قبر حجر أو ينادى فيحشرا فيا حجر من للخيل تدمى نحورها * وللملك المغزى إذا ما تغشمرا

[ 211 ]

ومن صادع بالحق بعدك ناطق * بتقوى ومن إن قيل بالجور غيرا فنعم أخو الاسلام كنت وإنني * لاطمع أن تؤتى الخلود وتحبرا وقد كنت تعطى السيف في الحرب حقه * وتعرف معروفا وتنكر منكرا فيا أخوينا من هميم عصمتما * ويسرتما للصالحات فأبشرا ويا أخوى الخندفيين أبشرا * فقد كنتما حييتما أن تبشرا ويا إخوتا من حضرموت وغالب * وشيبان لقيتم حسابا ميسرا سعدتم فلم اسمع بأصوب منكم * حجاجا لدى الموت الجليل وأصبرا سأبكيكم ما لاح نجم وغرد ال‍ * حمام ببطن الواديين وقرقرا فقلت ولم أظلم أغوث بن طيئ * متى كنت أخشى بينكم أن أسيرا هبلتم ألا قاتلتم عن أخيكم * وقد ذب حتى مال ثم تجورا ففرجتم عنى فغودرت مسلما * كأنى غريب في إياد وأعصرا فمن لكم مثلى لدى كل غارة * ومن لكم مثلى إذا البأس أصحرا ومن لكم مثلى إذا الحرب قلصت * وأوضع فيها المستميت وشمرا فها أناذا دارى بأجبال طئ * طريدا ولو شاء الاله لغيرا نفاني عدوى ظالما عن مهاجري * رضيت بما شاء الاله وقدرا وأسلمنى قومي لغير جناية * كأن لم يكونوا لى قبيلا ومعشرا فإن ألف في دار بأجبال طئ * وكان معانا من عصير ومحضرا فما كنت أخشى أن أرى متغربا * لحا الله من لاحى عليه وكثرا لحا الله قتل الحضرميين وائلا * ولاقى الفناء من السنان الموفرا ولاقى الردى القوم الذين تحزبوا * علينا وقالوا قول زور ومنكرا فلا يدعنى قوم لغوث بن طئ * لان دهرهم أشقى بهم وتغيرا فلم أغزهم في المعلمين ولم أثر * عليهم عجاجا بالكويفة أكدرا فبلغ خليلي إن رحلت مشرقا * جديلة والحيين معنا وبحترا ونبهان والافناء من جذم طئ * ألم أك فيكم ذا الغناء العشتررا

[ 212 ]

ألم تذكروا يوم العذيب أليتى * أمامكم ألا أرى الدهر مدبرا وكرى على مهران والجمع حاسر * وقتلى الهمام المستميت المسورا ويوم جلولاء الوقيعة لم ألم * ويوم نهاوند الفتوح وتسترا وتنسونني يوم الشريعة والقنا * بصفين في أكتافهم قد تكسرا جزى ربه عنى عدى بن حاتم * برفضى وخذلاني جزاء موفرا أتنسى بلائى سادرا يا ابن حاتم * عشية ما أغنت عديك حذمرا فدافعت عنك القوم حتى تخاذلوا * وكنت أنا الخصم الالد العذورا فولوا وما قاموا مقامي كأنما * رأوني ليثا بالاباءة مخدرا نصرتكم إذخام القريب وأبعط ال‍ * بعيد وقد أفردت نصرا مؤزرا فكان جزائي أن اجرد بينكم * سجينا وأن أولى الهوان وأوسرا وكم عدة لى منك أنك راجعي * فلم تغن بالميعاد عنى حبترا فأصبحت أرعى النيب طورا وتارة * أهرهر ان راعى الشويهات هرهرا كأنى لم أركب جوادا لغارة * ولم أترك القرن الكمى مقطرا ولم أعترض بالسيف خيلا مغيرة * إذا النكس مشى القهقرى ثم جرجرا ولم أستحث الركض في إثر عصبة * ميممة عليا سجاس وأبهرا ولم أذعر الايلام منى بغارة * كورد القطا ثم انحدرت مظفرا ولم أر في خيل تطاعن بالقنا * بقزوين أو شروين أو أغز كندرا فذلك دهر زال عنى حميده * وأصبح لى معروفه قد تنكرا فلا يبعدن قومي وإن كنت غائبا * وكنت المضاع فيهم والمكفرا ولا خير في الدنيا ولا العيش بعدهم * وإن كنت عنهم نائى الدار محصرا فمات بالجبلين قبل موت زياد وقال عبيدة الكندى ثم البدى وهو يعير محمد ابن الاشعث بخذلانه حجرا أسلمت عمك لم تقاتل دونه * فرقا ولولا أنت كان منيعا وقتلت وافد آل بيت محمد * وسلبت أسيافا له ودروعا

[ 213 ]

لو كنت من أسد عرفت كرامتي * ورأيت لى بيت الحباب شفيعا (وفى هذه السنة) وجه زياد الربيع بن زياد الحارثى أميرا على خراسان بعد موت الحكم بن عمرو الغفاري وكان الحكم قد استخلف على عمله بعد موته أنس بن أبى أياس وأنس هو الذى صلى على الحكم حين مات فدفن في دار خالد بن عبد الله أخى خليد بن عبد الله الحنفي وكتب بذلك الحكم إلى زياد فعزل زياد أنسا وولى مكانه خليد بن عبد الله الحنفي * فحدثني عمر قال حدثنى على بن محمد قال لما عزل زياد أنسا وولى مكانه خليد بن عبد الله الحنفي قال أنس ألا من مبلغ عنى زيادا * مغلغلة يخب بها البريد أتعزلني وتطعمها خليدا * لقد لاقت حنيفة ما تريد عليكم باليمامة فاحرثوها * فأولكم وآخركم عبيد فولى خليدا شهرا ثم عزله وولى خراسان ربيع بن زياد الحارثى في أول سنة 51 فنقل الناس عيالاتهم إلى خراسان ووطنوا بها ثم عزل الربيع * فحدثني عمر قال حدثنى على عن مسلمة بن محارب وعبد الرحمن بن أبان القرشى قالا قدم الربيع خراسان ففتح بلخ صلحا وكانوا قد أغلقوها بعد ما صالحهم الاحنف بن قيس وفتح قهستان عنوة وكانت بناحيتها أتراك فقتلهم وهزمهم وكان ممن بقى منهم نيزك طرخان فقتله قتيبة بن مسلم في ولايته * حدثنى عمر قال حدثنا على قال غزا الربيع فقطع النهر ومعه غلامه فروخ وجاريته شريفة فغنم وسلم فأعتق فروخا وكان قد قطع النهر قبله الحكم بن عمرو في ولايته ولم يفتح * فحدثني عمر عن على بن محمد قال كان أول المسلمين شرب من النهر مولى للحكم اغترف بترسه فشرب ثم ناول الحكم فشرب وتوضأ وصلى من وراء النهر ركعتين وكان أول الناس فعل ذلك ثم قفل (وحج) بالناس في هذه السنة يزيد بن معاوية حدثنى بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكذلك قال الواقدي وكان العامل في هذه السنة على المدينة سعيد بن العاص وعلى الكوفة والبصرة والمشرق كله زياد وعلى قضاء الكوفة شريح وعلى قضاء البصرة عميرة بن يثربى

[ 214 ]

ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين فزعم الواقدي أن فيها كانت غزوة سفيان بن عوف الازدي ومشتاه بأرض الروم وأنه توفى بها واستخلف عبد الله بن مسعدة الفزارى وقال غيره بل الذى شتا بأرض الروم في هذه السنة بالناس بسر بن أبى أرطاة ومعه سفيان بن عوف الازدي وغزا الصائفة في هذه السنة محمد بن عبد الله الثقفى (وحج) بالناس في هذه السنة سعيد بن العاص في قول أبى معشر والواقدى وغيرهما وكانت عمال الامصار في هذه السنة هم العمال عليها كانوا في سنة 51 ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين ذكر ما كان فيها من الاحداث فمما كان فيها من ذلك مشتى عبد الرحمن بن أم الحكم الثقفى بأرض الروم (وفيها) فتحت رودس جزيرة في البحر ففتحها جنادة بن أبى أمية الازدي فنزلها المسلمون فيما ذكر محمد بن عمر وزرعوا واتخذوا بها أموالا ومواشي يرعونها حولها فإذا أمسوا أدخلوها الحصن ولهم ناطور يحذرهم ما في البحر ممن يريدهم بكيد فكانوا على حذر منهم وكانوا أشد شئ على الروم فيعتر ضونهم في البحر فيقطعون سفنهم وكان معاوية يدر لهم الارزاق والعطاء وكان العدو قد خافهم فلما مات معاوية أقفلهم يزيد بن معاوية (وفيها) كانت وفاة زياد بن سمية * حدثنى عمر قال حدثنا زهير قال حدثنا وهيب قال حدثنى أبى عن محمد بن إسحاق عن محمد ابن الزبير عن فيل مولى زياد قال ملك زياد العراق خمس سنين ثم مات سنة 53 * حدثنى عمر قال حدثنا على بن محمد قال لما نزل زياد على العراق بقى إلى سنة 53 ثم مات بالكوفة في شهر رمضان وخليفته على البصرة سمرة بن جندب ذكر سبب مهلك زياد بن سمية * حدثنى عبد الله بن أحمد المروزى قال حدثنا أبى قال حدثنى سليمان قال حدثنى عبد الله بن المبارك قال أخبرني عبد الله بن شوذب عن كثير بن زياد أن زيادا كتب

[ 215 ]

إلى معاوية إنى ضبطت العراق بشمالي ويمينى فارغة فضم إليه معاوية العروض وهى اليمامة وما يليها فدعا عليه ابن عمر فطعن ومات فقال ابن عمر حين بلغه الخبر اذهب إليك ابن سمية فلا الدنيا بقيت لك ولا الآخرة أدركت * حدثنى عمر قال حدثنى على قال كتب زياد إلى معاوية قد ضبطت لك العراق بشمالي ويمينى فارغة فاشغلها بالحجاز وبعث في ذلك الهيثم بن الاسود النخعي وكتب له عهده مع الهيثم فلما بلغ ذلك أهل الحجاز أتى نفر منهم عبد الله بن عمر بن الخطاب فذكروا ذلك له فقال أدعو الله عليه يكفيكموه فاستقبل القبلة واستقبلوها فدعوا ودعا فخرجت طاعونة على أصبعه فأرسل إلى شريح وكان قاضيه فقال حدث بى ما ترى وقد أمرت بقطعها فأشر على فقال له شريح إنى أخشى أن يكون الجراح على يدك والالم على قلبك وأن يكون الاجل قد دنا فتلقى الله عز وجل أجذم وقد قطعت يدك كراهية للقائه أو أن يكون في الاجل تأخير وقد قطعت يدك فتعيش أجذم وتعير ولدك فتركها وخرج شريح فسألوه فأخبرهم بما أشار به فلاموه وقالوا هلا أشرت عليه بقطعها فقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المستشار مؤتمن * حدثنى عبد الله بن أحمد المروزى قال حدثنى أبى قال حدثنى سليمان قال قال عبد الله سمعت بعض من يحدث أنه أرسل إلى شريح يستشيره في قطع يده فقال لا تفعل إنك إن عشت صرت أجذم وإن هلكت إياك جانيا على نفسك قال أنام والطاعون في لحاف فعزم أن يفعل فلما نظر إلى النار والمكاوى جزع وترك ذلك * حدثنى عمر قال حدثنا عبد الملك بن قريب الاصمعي قال حدثنى ابن أبى زياد قال لما حضرت زيادا الوفاة قال له ابنه يا أبت قد هيأت لك ستين ثوبا أكفنك فيها قال يا بنى قد دنا من أبيك لباس خير من لباسه هذا أو سلب سريع فمات فدفن بالثوية إلى جانب الكوفة وقد توجه يزيد إلى الحجاز واليا عليها فقال مسكين بن عامر بن شريح بن عمرو بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم رأيت زيادة الاسلام ولت * جهارا حين ودعنا زياد وقال الفرزدق لمسكين ولم يكن هجا زيادا حتى مات

[ 216 ]

أمسكين أبكى الله عينك إنما * جرى في ضلال دمعها فتحدرا بكيت امرءا من آل ميسان كافرا * ككسرى على عدانه أو كقيصرا أقول له لما أتانى نعيه * به لا بظبى بالصريمة أعفرا فأجابه مسكين فقال ألا أيها المرء الذى لست ناطقا * ولا قاعدا في القوم إلا انبرى ليا فجئني بعم مثل عمى أو أب * كمثل أبى أو خال صدق كخاليا كعمرو بن عمر أو زرارة والدا * أو البشر من كل فرعت الروابيا وما زال بى مثل القناة وسابح * وخطارة غب السرى من عياليا فهذا الايام الحفاظ وهذه * لرحلي وهذا عدة لارتحاليا وقال الفرزدق أبلغ زيادا إذا لاقيت مصرعه * أن الحمامة قد طارت من الحرم طارت فما زال ينميها قوادمها * حتى استغاثت إلى الانهار والاجم * حدثنى عبد الله بن أحمد قال حدثنى أبى عن سليمان قال حدثنى عبد الله بن جرير بن حازم عن جرير بن يزيد قال رأيت زيادا فيه حمرة في عينه اليمنى انكسار أبيض اللحية مخروطها عليه قميص مرقوع وهو على بغلة عليها لجامها قد أرسنها (وفى هذه السنة) كانت وفاة الربيع بن زياد الحارثى وهو عامل زياد على خراسان ذكر الخبر عن سبب وفاته * حدثنى عمر قال حدثنى على بن محمد قال ولى الربيع بن زياد خراسان سنتين وأشهرا ومات في العام الذى مات فيه واستخلف ابنه عبد الله بن الربيع فولى شهرين ثم مات عبد الله قال فقدم عهده من قبل زياد على خراسان وهو يدفن واستخلف عبد الله بن الربيع على خراسان خليد بن عبد الله الحنفي قال على وأخبرني محمد بن الفضل عن أبيه قال بلغني أن الربيع بن زياد ذكر يوما بخراسان حجر بن عدى فقال لا تزال العرب تقتل صبرا بعده ولو نفرت عند قتله لم يقتل رجل منهم

[ 217 ]

صبرا ولكنها أقرت فذلت فمكث بعد هذا الكلام جمعة ثم خرج في ثياب بياض في يوم جمعة فقال أيها الناس إنى قد مللت الحياة وإنى داع بدعوة فأمنوا ثم رفع يده بعد الصلاة وقال اللهم إن كان لى عندك خير فاقبضني اليك عاجلا وأمن الناس فخرج فما توارت ثيابه حتى سقط فحمل إلى بيته واستخلف ابنه عبد الله ومات من يومه ثم مات ابنه فاستخلف خليد بن عبد الله الحنفي فأقره زياد فمات زياد وخليد على خراسان وهلك زياد وقد استخلف على عمله على الكوفة عبد الله بن خالد بن أسيد وعلى البصرة سمرة بن جندب الفزارى * فحدثني عمر بن شبة قال حدثنى على قال مات زياد وعلى البصرة سمرة بن جندب خليفة له وعلى الكوفة عبد الله بن خالد بن أسيد فأقر سمرة على البصرة ثمانية عشر شهرا قال عمر وبلغني عن جعفر ابن سليمان الضبعى قال أقر معاوية سمرة بعد زياد ستة أشهر ثم عزله فقال سمرة لعن الله معاوية والله لو أطعت الله كما أطعت معاوية ما عذبني أبدا * حدثنى عمر قال حدثنى موسى بن إسماعيل قال حدثنى سليمان بن مسلم العجلى قال سمعت أبى يقول مررت لمسجد فجاء رجل إلى سمرة فأدى زكاة ماله ثم دخل فجعل يصلى في المسجد فجاء رجل فضرب عنقه فإذا رأسه في المسجد وبدنه ناحية فمر أبو بكرة فقال يقول الله سبحانه " قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى " قال أبى فشهدت ذاك فما مات سمرة حتى أخذه الزمهرير فمات شر ميتة قال وشهدته وأتى بناس كثير وأناس بين يديه فيقول المرجل ما دينك فيقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وإنى برى من الحرورية فيقدم فيضرب عنقه حتى مر بضعة وعشرون (وحج) بالناس في هذه السنة سعيد بن العاص في قول أبى معشر والواقدى وغيرهما وكان العامل فيها على المدينة سعيد بن العاص وعلى الكوفة بعد موت زياد عبد الله بن خالد بن أسيد وعلى البصرة بعد موت زياد سمرة بن جندب وعلى خراسان خليد بن عبد الله الحنفي

[ 218 ]

ثم دخلت سنة أربع وخمسين ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث ففيها كان مشتى محمد بن مالك أرض الروم وصائفة معن بن يزيد السلمى (وفيها) فيما زعم الواقدي فتح جنادة بن أبى أمية جزيرة في البحر قريبة من قسطنطينية يقال لها أرواد وذكر محمد بن عمر أن المسلمين أقاموا بها دهرا فيما يقال سبع سنين وكان فيها مجاهد بن جبر قال وقال تبيع ابن امرأة كعب ترون هذه الدرجة إذا انقلعت جاءت قفلتنا قال فهاجت ريح شديدة فقلعت الدرجة وجاء نعى معاوية وكتاب يزيد بالقفل فقفلنا فلم تعمر بعد ذلك وخربت وأمن الروم (وفيها) عزل معاوية سعيد بن العاص عن المدينة واستعمل عليها مروان بن الحكم ذكر سبب عزل معاوية سعيدا أو استعمال مروان * حدثنى عمر قال حدثنا على بن محمد عن جويرة بن أسماء عن أشياخه أن معاوية كان يغرى بين مروان وسعيد بن العاص فكتب إلى سعد بن العاص وهو على المدينة اهدم دار مروان فلم يهدمها فأعاد عليه الكتاب بهدمها فلم يفعل فعزله وولى مروان * وأما محمد بن عمر فانه ذكر أن معاوية كتب إلى سعيد بن العاص يأمره بقبض أموال مروان كلها فيجعلها صافية ويقبض فدك منه وكان وهبها له فراجعه سعيد ابن العاص في ذلك وقال قرابته قريبة فكتب إليه ثانية آمره باصطفاء أموال مروان فأبى وأخذ سعيد بن العاص الكتابين فوضعهما عند حارية فلما عزل سعيد عن المدينة فوليها مروان كتب معاوية إلى مروان بن الحكم يأمره بقبض أموال سعيد بن العاص بالحجاز وأرسل إليه بالكتاب مع ابنه عبد الملك فخبره أنه لو كان شيئا غير كتاب أمير المؤمنين لتجافيت فدعا سعيد بن العاص بالكتابين اللذين كتب بهما معاوية إليه في أموال مروان يأمره فيهما بقبض أمواله فذهب بهما إلى مروان فقال هو كان أوصل لنا مناله وكف عن قبض أموال سعيد وكتب سعيد بن العاص إلى معاوية العجب مما صنع أمير المؤمنين بنا في قرابتنا أن يضغن بعضنا على بعض

[ 219 ]

فأمير المؤمنين في حلمه وصبره على ما يكره من الاخبثين وعفوه وإدخاله القطيعة بيننا والشحناء وتوارث الاولاد ذلك فوالله لو لم نكن بنى أب واحد إلا لما جمعنا الله عليه من نصر الخليفة المظلوم وباجتماع كلمتنا لكان حقا علينا أن نرعى ذلك والذى أدركنا به خير فكتب إليه يتنصل من ذلك وأنه عائد إلى أحسن ما يعهده (عاد الحديث إلى حديث عمر) عن على بن محمد قال فلما ولى مروان كتب إليه اهدم دار سعيد فأرسل الفعلة وركب ليهدمها فقال له سعيد يا أبا عبد الملك أتهدم دارى قال نعم كتب إلى أمير المؤمنين ولو كتب في هدم دارى لفعلت قال ما كنت لافعل قال بلى والله لو كتب إليك لهدمتها قال كلا أبا عبد الملك وقال لغلامه انطلق فجئني بكتاب معاوية فجاء بكتاب معاوية إلى سعيد بن العاص في هدم دار مروان بن الحكم قال مروان كتب إليك يا أبا عثمان في هدم دارى فلم تهدم ولم تعلمني قال ما كنت لاهدم دارك ولا أمن عليك وإنما أراد معاوية أن يحرض بيننا فقال مروان فداك أبى وأمى أنت والله أكثر منا ريشا وعقبا ورجع مروان ولم يهدم دار سعيد * حدثنى عمر قال حدثنا على قال حدثنا أبو محمد بن ذكوان القرشى قال قدم سعيد بن العاص على معاوية فقال له يا أبا عثمان كيف تركت أبا عبد الملك قال تركته ضابطا لعملك منفذا لامرك قال إنه كصاحب الخبزة كفى نضجها فأكلها قال كلا والله يا أمير المؤمنين إنه لمع قوم لا يحمل بهم السوط ولا يحل لهم السيف يتهادون كوقع النبل سهم لك وسهم عليك قال ما باعد بينك وبينه قال خافني على شرفه وخفته على شرفي قال فما ذا له عندك قال أسره غائبا وأسره شاهدا قال تركتنا يا أبا عثمان في هذه الهنات قال نعم يا أمير المؤمنين فتحملت الثقل وكفيت الحزم وكنت قريبا لو دعوت أجبت ولو ذهبت رفعت (وفى هذه السنة) كان عزل معاوية سمرة بن جندب عن البصرة واستعمل عليها عبد الله بن عمرو بن غيلان * فحدثني عمر قال حدثنى على بن محمد قال عزل معاوية سمرة وولى عبد الله بن عمرو ابن غيلان فأقره ستة أشهر فولى عبد الله بن عمرو شرطته عبد الله بن حصن (وفى هذه السنة) ولى معاوية عبيدالله بن زياد خراسان

[ 220 ]

ذكر سبب ولاية ذلك * حدثنى عمر قال حدثنى على بن محمد قال حدثنا سلمة بن محارب ومحمد بن أبان القرشى قالا لما مات زياد وفد عبيدالله إلى معاوية فقال له من استخلف أخى على عمله بالكوفة قال عبد الله بن خالد بن أسيد قال فمن استعمل على البصرة قال سمرة بن جندب الفزارى فقال له معاوية لو استعملك أبوك استعملتك فقال له عبيدالله أنشدك الله ان يقولها إلى أحد بعدك لو ولاك أبوك وعمك لوليتك قال وكان معاوية إذا أراد أن يولى رجلا من بنى حرب ولاه الطائف فإن رأى منه خيرا وما يعجبه ولاه مكة معها فإن أحسن الولاية وقام بما ولى قياما حسنا جمع له معهما المدينة فكان إذا ولى الطائف رجلا قيل هو في أبى جاد فإذا ولاه مكة قيل هو في القرآن فإذا ولاه المدينة قيل هو قد حذق قال فلما قال عبيدالله ما قال ولاه خراسان ثم قال له حين ولاه إنى قد عهدت إليك مثل عهدي إلى عمالى ثم أوصيك وصية القرابة لخاصتك عندي: لا تبيعن كثيرا بقليل وخذ لنفسك من نفسك واكتف فيما بينك وبين عدوك بالوفاء تخف عليك المؤونة وعلينا منك وافتح بابك للناس تكن في العلم منهم أنت وهم سواء وإذا عزمت على أمر فأخرجه إلى الناس ولا يكن لاحد فيه مطمع ولا يرجعن عليك وأنت تستطيع وإذا لقيت عدوك فغلبوك على ظهر الارض فلا يغلبوك على بطنها وإن احتاج أصحابك إلى أن تؤاسيهم بنفسك فأسهم * حدثنى عمر قال حدثنى على قال أخبرنا على بن مجاهد عن ابن اسحاق قال استعمل معاوية عبيدالله بن زياد وقال * استمسك الفسفاس إن لم يقطع * وقال له اتق الله ولا تؤثرن على تقوى الله شيئا فإن في تقواه عوضا وق عرضك من أن تدنسه وإذا أعطيت عهدا فف به ولا تبيعن كثيرا بقليل ولا تخرجن منك أمرا حتى تبرمه فإذا خرج فلا يردن عليك وإذا لقيت عدوك فكن أكثر من معك وقاسمهم على كتاب الله ولا تطعمن أحدا في غير حقه ولا تؤيسن أحدا من حق له ثم ودعه * حدثنى عمر قال حدثنا على قال حدثنا مسلمة قال سار عبيدالله إلى خراسان في آخر سنة 53 وهو ابن 25 سنة من

[ 221 ]

الشأم وقدم إلى خراسان أسلم بن زرعة الكلابي فخرج فخرج معه من الشأم الجعد ابن قيس النمري يرجز بين يديه بمرثية زياد يقول فيها * وحدثني عمر مرة أخرى في كتابه الذى سماه كتاب أخبار أهل البصرة فقال حدثنى أبو الحسن المدائني قال لما عقد معاوية لعبيد الله بن زياد على خراسان خرج وعليه عمامة وكان وضيئا والجعد بن قيس ينشده مرثية زياد أبق على عاذلي من اللوم * فيما أزيلت نعمتي قبل اليوم قد ذهب الكريم والظل الدوم * والنعم المؤثل الدثر الحوم والماشيات مشية بعد النوم * ليت الجياد كلها مع القوم سقين سم ساعة قبل اليوم * لاربع مضين من شهر الصوم ومنها يوم الثلاثاء الذى كان مضى * يوم قضى فيه المليك ما قضى وفاة بر ماجد جلد القوى * حر به نوال جعد والتظى كان زياد جبلا صعب الذرى * شهما إذا شئتم نقيصات أبى لا يبعد الله زيادا إذ ثوى وبكى عبيدالله يومئذ حتى سقطت عمامته عن رأسه قال وقدم عبيدالله خراسان ثم قطع النهر إلى جبال بخارى على الابل فكان هو أول من قطع إليهم جبال بخارى في جند ففتح راميثن ونصف بيكند وهما من بخارى فمن ثم أصاب البخارية قال على أخبرنا الحسن بن رشيد عن عمه قال لقى عبيدالله بن زياد الترك ببخارى ومع ملكهم امرأته قبج خاتون فلما هزمهم الله أعجلوها عن لبس خفيها فلبست إحداهما وبقى الآخر فأصابه المسلمون فقوم الجورب مائتي ألف درهم * قال وحدثني محمد بن حفص عن عبيدالله بن زياد بن معمر عن عبادة بن حصن قال ما رأيت أحدا أشد بأسا من عبيدالله بن زياد لقينا زحف من الترك بخراسان فرأيته يقاتل فيحمل عليهم فيطعن فيهم ويغيب عنا ثم يرفع رايته تقطر دما قال على وأخبرنا مسلمة أن البخارية الذين قدم بهم عبيدالله بن زياد البصرة ألفان كلهم

[ 222 ]

جيد الرمى بالنشاب قال مسلمة كان زحف الترك ببخارى أيام عبيدالله بن زياد من زحوف خراسان التى تعد قال وأخبرنا الهذلى قال كانت زحوف خراسان خمسة أربعة لقيها الاحنف بن قيس الذى لقيه بين قوهستان وأبر شهر والزحوف الثلاثة التى لقيها بالمرغاب والزحف الخامس زحف قارن فضه عبد الله بن خازم قال على قال مسلمة أقام عبيدالله بن زياد بخراسان سنتين (وحج) بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم كذلك حدثنى أحمد بن ثابت عمن حدثه عن اسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكذلك قال الواقدي وغيره وكان في هذه السنة مروان بن الحكم وعلى الكوفة عبد الله خالد بن أسيد وقال بعضهم كان عليها الضحاك بن قيس وعلى البصرة عبد الله بن عمرو بن غيلان ثم دخلت سنة خمس وخمسين ذكر الخبر عن الكائن فيها من الاحداث فمما كان فيها من ذلك مشتى سفيان بن عوف الازدي بأرض الروم في قول الواقدي وقال بعضهم بل الذى كان شتا بأرض الروم في هذه السنة عمرو ابن محرز وقال بعضهم بل الذى شتا بها عبد الله بن قيس الفزارى وقال بعضهم بل ذلك مالك بن عبد الله (وفيها) عزل معاوية عبد الله بن عمرو بن غيلان عن البصرة وولاها عبيدالله بن زياد ذكر الخبر عن سبب عزل معاوية عبد الله بن عمرو بن غيلان وتوليته عبيدالله البصرة * حدثنى عمر قال حدثنا الوليد بن هشام وعلى بن محمد قال واختلفا في بعض الحديث قالا خطب عبد الله بن عمرو بن غيلان على منبر البصرة فحصبه رجل من بنى ضبة قال عمر قال أبو الحسن يدعى جبير بن الضحاك أحد بنى ضرار فأمر به فقطعت يده فقال: السمع والطاعة والتسليم * خير وأعفى لبنى تميم

[ 223 ]

فأتته بنو ضبة فقالوا إن صاحبنا جنى ما جنى على نفسه وقد بلغ الامير في عقوبته ونحن لا نأمن أن يبلغ خبره أمير المؤمنين فيأتى من قبله عقوبة تخص أو تعم فان رأى الامير أن يكتب لنا كتابا يخرج به أحدنا إلى أمير المؤمنين يخبره أنه قطعه على شبهة وأمر لم يضح فكتب لهم بعد ذلك إلى معاوية فأمسكوا الكتاب حتى بلغ رأس السنة وقال أبو الحسن لم يزد على ستة أشهر فوجه إلى معاوية ووافاه الضبيون فقالوا يا أمير المؤمنين إنه قطع صاحبنا ظلما وهذا كتابه إليك وقرأ الكتاب فقال أما القود من عمالى فلا يصح ولا سبيل إليه ولكن إن شئتم وديت صاحبكم قالوا فده فوداه من بيت المال وعزل عبد الله وقال لهم اختاروا من تحبون أن أولى بلدكم قالوا يتخير لنا أمير المؤمنين وقد علم رأى أهل البصرة في ابن عامر فقال هل لكم في ابن عامر فهو من قد عرفتم في شرفه وعفافه وطهارته قالوا أمير المؤمنين أعلم فجعل يردد ذلك عليهم ليسبرهم ثم قال قد وليت عليكم ابن أخى عبيدالله بن زياد قال عمر حدثنى على بن محمد قال عزل معاوية عبد الله بن عمرو وولى عبيدالله بن زياد البصرة في سنة 55 وولى عبيدالله أسلم بن زرعة خراسان فلم يغز ولم يفتح بها شيئا وولى شرطه عبد الله بن حصن والقضاء زرارة بن أوفى ثم عزله وولى القضاة ابن أذينة العبدى (وفى هذه السنة) عزل معاوية عبد الله ابن خالد بن أسيد عن الكوفة وولاها الضحاك بن قيس الفهرى (وحج) بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم حدثنى بذلك أحمد بن ثابت عمن حدثه عن إسحاق ابن عيسى عن أبى معشر ثم دخلت سنة ست وخمسين ذكر ما كان فيها من الاحداث (ففيها) كان مشتى جنادة بن أبى أمية بأرض الروم وقيل عبد الرحمن بن مسعود وقيل غزا فيها في البحر يزيد بن شجرة الرهاوى وفى البر عياض بن الحارث (وحج) بالناس فيما حدثنى أحمد بن ثابت عمن حدثه عن إسحاق بن عيسى عن

[ 224 ]

أبى معشر الوليد بن عتبة بن أبى سفيان (وفيها) اعتمر معاوية في رجب (وفيها) دعا معاوية الناس إلى بيعة ابنه يزيد من بعده وجعله ولى العهد ذكر السبب في ذلك * حدثنى الحارث قال حدثنا على بن محمد قال حدثنا أبو إسماعيل الهمداني وعلى بن مجاهد قالا قال الشعبى قدم المغيرة على معاوية واستعفاه وشكا إليه الضعف فأعفاه وأراد أن يولى سعيد بن العاص وبلغ كاتب المغيرة ذلك فأتى سعيد بن العاص فأخبره وعنده رجل من أهل الكوفة يقال له ربيعة أو الربيع من خزاعة فأتى المغيرة فقال يا مغيرة ما أرى أمير المؤمنين إلا قد قلاك رأيت ابن خنيس كاتبك عند سعيد بن العاص يخبره أن أمير المؤمنين يوليه الكوفة قال المغيرة أفلا يقول كما قال أم غاب ربك فاعترتك خصاصة * ولعل ربك أن يعود مؤيدا رويدا ادخل على يزيد فدخل عليه فعرض له بالبيعة فأدى ذلك يزيد إلى أبيه فرد معاوية المغيرة إلى الكوفة فأمره أن يعمل في بيعة يزيد فشخص المغيرة إلى الكوفة فأتاه كاتبه ابن خنيس فقال والله ما غششتك ولا خنتك ولا كرهت ولايتك ولكن سعيدا كانت له عندي يد وبلاء فشكرت ذلك له فرضى عنه وأعاده إلى كتابته وعمل المغيرة في بيعة يزيد وأوفد في ذلك وافدا إلى معاوية * حدثنى الحارث قال حدثنا على عن مسلمة قال لما أراد معاوية أن يبايع ليزيد كتب إلى زياد يستشيره فبعث زياد إلى عبيد بن كعب النميري فقال إن لكل مستشير ثقة ولكل سر مستودع وإن الناس قد أبدعت بهم خصلتان إذاعة السر وإخراج النصيحة إلى غير أهلها وليس موضع السر إلا أحد رجلين رجل آخرة يرجو ثوابا ورجل دنيا له شرف في نفسه وعقل يصون حسبه وقد عجمتهما منك فأحمدت الذى قبلك وقد دعوتك لامر اتهمت عليه بطون الصحف إن أمير المؤمنين كتب إلى يزعم أنه قد عزم على بيعة يزيد وهو يتخوف نفرة الناس ويرجو مطابقتهم ويستشيرني وعلاقة أمر الاسلام وضمانه عظيم ويزيد صاحب

[ 225 ]

رسلة وتهاون مع ما قد أولع به من الصيد فالق أمير المؤمنين مؤديا عنى فأخبره عن فعلات يزيد فقال له رويدك بالامر فأقمن أن يتم لك ما تريد ولا تعجل فإن دركا في تأخير خير من تعجيل عاقبته الفوت فقال عبيد له أفلا غير هذا قال ما هو قال لا تفسد على معاوية رأيه ولا تمقت إليه ابنه وألقى أنا يزيد سرا من معاوية فأخبره عنك أن أمير المؤمنين كتب إليك يستشيرك في بيعته وإنك تخوف خلاف الناس لهنات ينقمونها عليه وإنك ترى له ترك ما ينقم عليه فيستحكم لامير المؤمنين الحجة على الناس ويسهل لك ما تريد فتكون قد نصحت يزيد وأرضيت أمير المؤمنين فسلمت مما تخاف من علاقة أمر الامة فقال زياد لقد رميت الامر بحجره اشخص على بركة الله فإن أصبت فما لا ينكر وإن يكن خطأ فغير مستغش وأبعد بك إن شاء الله من الخطإ قال تقول بما ترى ويقضى الله بغيب ما يعلم فقدم على يزيد فذاكره ذلك وكتب زياد إلى معاوية يأمره بالتؤدة وألا يعجل فقبل ذلك معاوية وكف يزيد عن كثير مما كان يصنع ثم قدم عبيد على زياد فأقطعه قطيعة * حدثنى الحارث قال حدثنا على قال لما مات زياد دعا معاوية بكتاب فقرأه على الناس باستخلاف يزيد إن حدث به حدث الموت فيزيد ولى عهد فاستوثق له الناس على البيعة ليزيد غير خمسة نفر * فحدثني يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال حدثنا ابن عون قال حدثنى رجل بنخلة قال بايع الناس ليزيد بن معاوية غير الحسين بن على وابن عمر وابن الزبير وعبد الرحمن بن أبى بكر وابن عباس فلما قدم معاوية أرسل إلى الحسين بن على فقال يا ابن أخى قد استوثق الناس لهذا الامر غير خمسة نفر من قريش أنت تقودهم يا ابن أخى فما إر بك إلى الخلاف قال أنا أقودهم قال نعم أنت تقودهم قال فأرسل إليهم فإن بايعوا كنت رجلا منهم وإلا لم تكن عجلت على بأمر قال وتفعل قال نعم قال فأخذ عليه ألا يخبر بحديثهم أحدا قال فالتوى عليه ثم أعطاه ذلك فخرج وقد أقعد له ابن الزبير رجلا بالطريق قال يقول لك أخوك ابن الزبير ما كان فلم يزل به حتى استخرج منه شيئا ثم أرسل بعده إلى ابن الزبير فقال له قد استوثق الناس لهذا

[ 226 ]

الامر غير خمسة نفر من قريش أنت تقودهم يا ابن اخى فما إربك إلى الخلاف قال أنا أقودهم قال نعم أنت تقودهم قال فأرسل إليهم فإن بايعوا كنت رجلا منهم وإلا لم تكن عجلت على بأمر قال وتفعل قال نعم قال فأخذ عليه ألا يخبر بحديثهم أحدا قال يا أمير المؤمنين نحن في حرم الله عز وجل وعهد الله سبحانه ثقيل فأبى عليه وخرج ثم أرسل بعده إلى ابن عمر فكلمه بكلام هو ألين من كلام صاحبه فقال إنى أرهب أن أدع أمة محمد بعدى كالضأن لا راعى لها وقد استوثق الناس لهذا الامر غير خمسة نفر من قريش أنت تقودهم فما إربك إلى الخلاف قال هل لك في أمر يذهب الذم ويحقن الدم وتدرك به حاجتك قال وددت قال تبرز سريرك ثم أجئ فأبايعك على أنى أدخل بعدك فيما يجتمع عليه الامة فوالله لو أن الامة اجتمعت بعدك على عبد حبشي لدخلت فيما تدخل فيه الامة قال وتفعل قال نعم ثم خرج فأتى منزله فأطبق بابه وجعل الناس يجيئون فلا يأذن لهم فأرسل إلى عبد الرحمن بن أبى بكر فقال يا ابن أبى بكر بأية يد أو رجل تقدم على معصيتى قال أرجو أن يكون ذلك خيرا لى فقال والله لقد هممت أن أقتلك قال لو فعلت لاتبعك الله به لعنة في الدنيا وأدخلك به في الآخرة النار قال ولم يذكر ابن عباس * وكان العامل على المدينة في هذه السنة مروان بن الحكم وعلى الكوفة الضحاك ابن قيس وعلى البصرة عبيدالله بن زياد وعلى خراسان سعيد بن عثمان * وكان سبب ولايته خراسان ما حدثنى عمر قال حدثنى على قال أخبرني محمد بن حفص قال سأل سعيد بن عثمان معاوية أن يستعمله على خراسان فقال إن بها عبيدالله بن زياد فقال أما لقد اصطنعك أبى ورفاك حتى بلغت باصطناعه المدى الذى لا يجارى إليه ولا يسامى فما شكرت بلاءه ولا جازيته بآلائه وقدمت على هذا يعنى يزيد بن معاوية وبايعت له ووالله لانا خير منه أبا وأما ونفسا قال فقال معاوية أما بلاء أبيك فقد يحق على الجزاء به وقد كان من شكرى لذلك أنى طلبت بدمه حتى تكشفت الامور ولست بلائم لنفسي في التشمير وأما فضل أبيك على أبيه فأبوك والله خير منى وأقرب برسول الله صلى الله عليه وسلم وأما فضل أمك على أمه فما ينكر: امرأة

[ 227 ]

من قريش خير من أمرأة من كلب وأما فضلك عليه فوالله ما أحب أن الغوطة دحست ليزيد رجالا مثلك فقال له يزيد يا أمير المؤمنين ابن عمك وأنت أحق من نظر في أمره وقد عتب عليك لى فأعتبه قال فولاه حرب خراسان وولى اسحاق بن طلحة خراجها وكان اسحاق ابن خالة معاوية أمه أم أبان ابنة عتبة بن ربيعة فلما صار بالرى مات اسحق بن طلحة فولى سعيد خراج خراسان وحربها * حدثنى عمر قال حدثنى على قال أخبرنا مسلمة قال خرج سعيد إلى خراسان وخرج معه أوس بن ثعلبة التيمى صاحب قصر أوس وطلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعى والمهلب بن أبى صفرة وربيعة بن عسل أحد بنى عمرو بن يربوع قال وكان قوم من الاعراب يقطعون الطريق على الحاج ببطن فلج فقيل لسعيد إن ههنا قوما يقطعون الطريق على الحاج ويخيفون السبيل فلو أخرجتهم معك قال فأخرج قوما من بنى تميم منهم مالك بن الريب المازنى في فتيان كانوا معه وفيهم يقول الراجز الله أنجاك من القصيم * ومن أبى حردبة الاثيم ومن غويث فاتح العكوم * ومالك وسيفه المسموم قال على قال مسلمة قدم سعيد بن عثمان فقطع النهر إلى سمرقند فخرج إليه أهل الصغد فتواقفوا يوما إلى الليل ثم انصرفوا من غير قتال فقال مالك بن الريب يذم سعيدا ما زلت يوم الصغد ترعد واقفا * من الجبن حتى خفت أن تتنصرا وما كان في عثمان شئ علمته * سوى نسله في رهطه حين أدبرا ولولا بنو حرب لظلت دماؤكم * بطون العظايا من كسير وأعورا قال فلما كان الغد خرج إليهم سعيد بن عثمان وناهضه الصغد فقاتلهم فهزمهم وحصرهم في مدينتهم فصالحوه وأعطوه رهنا منهم خمسين غلاما يكونون في يده من أبناء عظمائهم وعبر فأقام بالترمذ ولم يف لهم وجاء بالغلمان الرهن معه إلى المدينة قال وقدم سعيد ابن عثمان خراسان وأسلم بن زرعة الكلابي بها من قبل عبيدالله بن زياد فلم يزل أسلم بن زرعة بها مقيما حتى كتب إليه عبيدالله بن زياد بعهده على خراسان الثانية فلما قدم كتاب عبيدالله على أسلم طرق سعيد بن عثمان ليلا فأسقطت جارية له غلاما

[ 228 ]

فكان سعيد يقول لاقتلن به رجلا من بنى حرب وقدم على معاوية فشكا أسلم إليه وغضبت القيسية قال فدخل همام بن قبيصة النمري فنظر إليه معاوية محمر العينين فقال يا همام إن عينيك لمحمرتان قال همام كانتا يوم صفين أشد حمرة فغم معاوية ذلك فلما رأى ذلك سعيد كف عن أسلم فأقام أسلم بن زرعة على خراسان واليا لعبيد الله بن زياد سنتين ثم دخلت سنة سبع وخمسين وكان فيها مشتى عبد الله بن قيس بأرض الروم وفيها صرف مروان عن المدينة في ذى القعدة في قول الواقدي وقال غيره كان مروان إليه المدينة في هذه السنة وقال الواقدي استعمل معاوية على المدينة حين صرف عنها مروان: الوليد بن عتبة ابن أبى سفيان وكالذى قال الواقدي قال أبو معشر حدثنى بذلك أحمد بن ثابت الرازي عمن حدثه عن إسحاق بن عيسى عنه وكان العامل على الكوفة في هذه السنة الضحاك بن قيس وعلى البصرة عبيدالله بن زياد وعلى خراسان سعيد بن عثمان بن عفان ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث ففيها نزع معاوية مروان عن المدينة في ذى القعدة في قول أبى معشر وأمر الوليد ابن عتبة بن أبى سفيان عليها حدثنى بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عنه (وفيها) غزا مالك بن عبد الله الخثعمي أرض الروم (وفيها) قتل يزيد ابن شجرة في البحر في السفن في قول الواقدي قال ويقال عمرو بن يزيد الجهنى وكان الذى شتا بأرض الروم وقد قيل إن الذى غزا في البحر في هذه السنة جنادة ابن أبى أمية (وحج) بالناس في هذه السنة الوليد بن عتبة بن أبى سفيان كذلك حدثنى أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكذلك قال الواقدي وغيره وفى هذه السنة ولى معاوية الكوفة عبد الرحمن بن عبد الله بن

[ 229 ]

عثمان بن ربيعة الثقفى وهو ابن أم الحكم أخت معاوية بن أبى سفيان وعزل عنها الضحاك بن قيس ففى عمله في هذه السنة خرجت الطائفة الذين كان المغيرة بن شعبة حبسهم في السجن من الخوارج الذين كانوا بايعوا المستورد بن علفة فظفر بهم فاستودعهم السجن فلما مات المغيرة خرجوا من السجن فذكر هشام بن محمد أن أبا مخنف حدثه عن عبد الرحمن بن جندب عن عبد الله بن عقبة الغنوى أن حيان ابن ظبيان السلمى جمع إليه أصحابه ثم إنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال لهم أما بعد فان الله عز وجل كتب علينا الجهاد فمنا من قضى نحبه ومنا من ينتظر وأولئك الابرار الفائزون بفضلهم ومن يكن منا من ينتظر فهو من سلفنا القاضين نحبهم السابقين بإحسان فمن كان منكم يريد الله وثوابه فليسلك سبيل أصحابه وإخوانه يؤته الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله مع المحسنين قال معاذ بن جوين الطائى يا أهل الاسلام إنا والله لو علمنا أنا إذا تركنا جهاد الظلمة وإنكار الجور كان لنا به عند الله عذر لكان تركه أيسر علينا وأخف من ركوبه ولكنا قد علمنا واستيقنا أنه لا عذر لنا وقد جعل لنا القلوب والاسماع حتى ننكر الظلم ونغير الجور ونجاهد الظالمين ثم قال ابسط يدك نبايعك فبايعه وبايعه القوم فضربوا على يد حيان بن ظبيان فبايعوه وذلك في إمارة عبد الرحمن ابن عبد الله بن عثمان الثقفى وهو ابن أم الحكم وكان على شرطته زائدة بن قدامة الثقفى ثم إن القوم اجتمعوا بعد ذلك بأيام إلى منزل معاذ بن جوين بن حصين الطائى فقال لهم حيان بن ظبيان عباد الله أشيروا برأيكم أين تأمروني أن أخرج ققال له معاذ إنى أرى أن تسير بنا إلى حلوان حتى ننزلها فانها كورة بين السهل والجبل وبين المصر والثغر يعنى بالثغر الرى فمن كان يرى رأينا من أهل المصر والثغر والجبال والسواد لحق بنا فقال له حيان عدوك معاجلك قبل اجتماع الناس إليك لعمري لا يتركونكم حتى يجتمعوا إليكم ولكن قد رأيت أن أخرج معكم في جانب الكوفة والسبخة أو زرارة والحيرة ثم نقاتلهم حتى نلحق بربنا فإنى والله لقد علمت أنكم لا تقدرون وأنتم دون المائة رجل أن تهزموا عدوكم ولا أن تشتد

[ 230 ]

نكايتكم فيهم ولكن متى علم الله أنكم قد أجهدتم أنفسكم في جهاد عدوه وعدوكم كان لكم به العذر وخرجتم من الاثم قالوا رأينا رأيك فقال لهم عتريس بن عرقوب أبو سليمان الشيباني ولكن لا أرى رأى جماعتكم فانظروا في رأى لكم إنى لا إخا لكم تجهلون معرفتي بالحرب وتجربتي بالامور فقالوا له أجل أنت كما ذكرت فما رأيك قال ما أرى أن تخرجوا على الناس بالمصر إنكم قليل في كثير والله ما تزيدون على أن تحرزوهم أنفسكم وتقروا أعينهم بقتلكم وليس هكذا تكون المكايدة إذ آثرتم أن تخرجوا على قومكم فكيدوا عدوكم ما يضرهم قالوا فما الرأى قال تسيرون إلى الكورة التى أشار بنزولها معاذ بن جوين بن حصين يعنى حلوان أو تسيرون بنا إلى عين التمر فنقيم بها فإذا سمع بنا إخواننا أتونا من كل جانب وأوب فقال له حيان بن ظبيان إنك والله لو سرت بنا أنت وجميع أصحابك ؟ ؟ أحد هذين الوجهين ما اطمأننتم به حتى يلحق بكم خيول أهل المصر فأنى تشفون أنفسكم فوالله ما عدتكم بالكثيرة التى ينبغى أن تطمعوا معها بالنصر في الدنيا على الظالمين المعتدين فاخرجوا بجانب من مصركم هذا فقاتلوا عن أمر الله من خالف طاعة الله ولا تربصوا ولا تنتظروا فإنكم إنما تبادرون بذلك إلى الجنة وتخرجون أنفسكم بذلك من الفتنة قالوا أما إذا كان لا بد لنا فإنا لن نخالفك فاخرج حيث أحببت فمكث حتى إذا كان آخر سنة من سنى ابن أم الحكم في أول السنة وهو أول يوم من شهر ربيع الآخر فاجتمع أصحاب حيان بن ظبيان إليه فقال لهم يا قوم إن الله قد جمعكم لخير وعلى خير والله الذى لا إله غيره ما سررت بشئ قط في الدنيا بعد ما أسلمت سروري لمخرجي هذا على الظلمة الاثمة فوالله ما أحب أن الدنيا بحذافيرها لى وأن الله حرمني في مخرجى هذا الشهادة وانى قد رأيت أن نخرج حتى ننزل جانب دار جرير فإذا خرج اليكم الاحزاب ناجزتموهم فقال عتريس بن عرقوب البكري أما إن نقاتلهم في جوف المصر فانه يقاتلنا الرجال وتصعد النساء والصبيان والاماء فيرموننا بالحجارة فقال لهم رجل منهم انزلوا بنا إذا من وراء المصر الجسر وهو موضع زرارة وإنما بنيت زرارة

[ 231 ]

بعد ذلك إلا أبياتا يسيرة كانت منها قبل ذلك فقال لهم معاذ بن جوين بن حصين الطائى لا بل سيروا بنا فلننزل بانقيا فما أسرع ما يأتيكم عدوكم فإذا كان ذلك استقبلنا القوم بوجوهنا وجعلنا البيوت في ظهورنا فقاتلناهم من وجه واحد فخرجوا فبعث إليهم جيش فقتلوا جميعا ثم إن عبد الرحمن بن أم الحكم طرده أهل الكوفة * فحدثت عن هشام بن محمد قال استعمل معاوية ابن أم الحكم على الكوفة فأساء السيرة فيهم فطردوه فلحق بمعاوية وهو خاله فقال له أوليك خيرا منها مصر قال فولاه فتوجه إليها وبلغ معاوية بن حديج السكوني الخبر فخرج فاستقبله على مرحلتين من مصر فقال ارجع إلى خالك فلعمري لا تسير فينا سيرتك في إخواننا من أهل الكوفة قال فرجع إلى معاوية وأقبل معاوية بن حديج وافدا قال وكان إذا جاء قلست له الطريق يعنى ضربت له قباب الريحان قال فدخل على معاوية وعنده أم الحكم فقالت من هذا يا أمير المؤمنين قال بخ هذا معاوية بن حديج قالت لا مرحبا به تسمع بالمعيدى خير من أن تراه فقال على رسلك يا أم الحكم أما والله لقد تزوجت فما أكرمت وولدت فما أنجبت أردت أن يلى ابنك الفاسق علينا فيسير فينا كما سار في إخواننا من أهل الكوفة ما كان الله ليريه ذلك ولو فعل ذلك لضربناه ضربا يطأطئ منه وإن كره ذلك الجالس فالتفت إليها معاوية فقال كفى (وفى هذه السنة) اشتد عبيدالله بن زياد على الخوارج فقتل منهم صبرا جماعة كثيرة وفى الحرب جماعة أخرى وممن قتل منهم صبرا عروة بن أدية أخو أبى بلال مرداس بن أدية ذكر سبب قتله إياهم * حدثنى عمر قال حدثنى زهير بن حرب قال حدثنا وهب بن جرير قال حدثنى أبى قال حدثنى عيسى بن عاصم الاسدي أن ابن زياد خرج في رهان له فلما جلس ينتظر الخيل اجتمع الناس وفيهم عروة بن أدية أخو أبى بلال فأقبل على ابن زياد فقال خمس كن في الامم قبلنا فقد صرن فينا " أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين " وخصلتين

[ 232 ]

أخريين لم يحفظهما جرير فلما قال ذلك ظن ابن زياد أنه لم يجترئ على ذلك إلا ومعه جماعة من أصحابه فقام وركب وترك رهانه فقيل لعروة ما صنعت تعلمن والله ليقتلنك قال فتوارى فطلبه ابن زياد فأتى الكوفة فأخذ بها فقدم به على ابن زياد فأمر به فقطعت يداه ورجلاه ثم دعا به فقال كيف ترى قال أرى أنك أفسدت دنياى وأفسدت آخرتك فقتله وأرسل إلى ابنته فقتلها وأما مرداس بن أدية فانه خرج بالاهواز وقد كان ابن زياد قبل ذلك حبسه فيما حدثنى عمر قال حدثنى خلاد بن يزيد الباهلى قال حبس ابن زياد فيمن حبس مرداس بن أدية فكان السجان يرى عبادته واجتهاده وكان يأذن له في الليل فينصرف فإذا طلع الفجر أتاه حتى يدخل السجن وكان صديق لمرداس يسامر ابن زياد فذكر ابن زياد الخوارج ليلة فعزم على قتلهم إذا أصبح فانطلق صديق مرداس إلى منزل مرداس فأخبرهم وقال أرسلوا إلى أبى بلال في السجن فليعهد فانه مقتول فسمع ذلك مرداس وبلغ الخبر صاحب السجن فبات بليلة سوء إشفاقا من أن يعلم الخبر مرداس فلا يرجع فلما كان الوقت الذى كان يرجع فيه إذا به قد طلع فقال له السجان هل بلغك ما عزم عليه الامير قال نعم قال ثم غدوت قال نعم ولم يكن جزاؤك مع إحسانك أن تعاقب بسببي وأصبح عبيدالله فجعل يقتل الخوارج ثم دعا بمرداس فلما حضر وثب السجان وكان ظئرا لعبيدالله فأخذ بقدمه ثم قال هب لى هذا وقص عليه قصته فوهبه له وأطلقه * حدثنى عمر قال حدثنا زهير بن حرب قال حدثنا وهب بن جرير قال حدثنا أبى قال حدثنى يونس بن عبيد قال خرج مرداس أبو بلال وهو من بنى ربيعة بن حنظلة في أربعين رجلا إلى الاهواز فبعث إليهم ابن زياد جيشا عليهم ابن حصن التميمي فقتلوا في أصحابه وهزموه فقال رجل من بنى تيم الله بن ثعلبة أألفا مؤمن منكم زعمتم * ويقتلهم بآسك أربعونا كذبتم ليس ذاك كما زعمتم * ولكن الخوارج مؤمنونا هي الفئة القليلة قد علمتم * على الفئة الكثيرة ينصرونا

[ 233 ]

قال عمر: البيت الاخير ليس في الحديث أنشدنيه خلاد بن يزيد الباهلى (وقيل) مات في هذه السنة عميرة بن يثربى قاضى البصرة واستقضى مكانه عليها هشام بن هبيرة (وكان) على الكوفة في هذه السنة عبد الرحمن بن أم الحكم وقال بعضهم كان عليها الضحاك بن قيس الفهرى وعلى البصرة عبيدالله بن زياد وعلى قضاء الكوفة شريح (وحج) بالناس الوليد بن عتبة في هذه السنة كذلك قال أبو معشر والواقدى ثم دخلت سنة تسع وخمسين ذكر ما كان فيها من الاحداث (ففيها) كان مشتى عمرو بن مرة الجهنى أرض الروم في البر قال الواقدي لم يكن عامئذ غزو في البحر وقال غيره بل غزا في البحر جنادة بن أبى أمية (وفيها) عزل عبد الرحمن بن أم الحكم عن الكوفة واستعمل عليها النعمان بن بشير الانصاري قد ذكرنا قبل سبب عزل ابن أم الحكم عن الكوفة (وفى هذه السنة) ولى معاوية عبد الرحمن بن زياد بن سمية خراسان ذكر سبب استعمال معاوية إياه على خراسان * حدثنى الحارث بن محمد قال حدثنا على بن محمد قال حدثنا أبو عمرو قال سمعت أشياخنا يقولون قدم عبد الرحمن بن زياد وافدا على معاوية فقال يا أمير المؤمنين أما لنا حق قال بلى قال فماذا توليني قال بالكوفة النعمان رشيد وهو رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وعبيدالله بن زياد على البصرة وخراسان وعباد بن زياد على سجستان ولست أرى عملا يشبهك إلا أن أشركك في عمل أخيك عبيدالله قال أشركني فإن عمله واسع يحتمل الشركة فولاه خراسان قال على وذكر أبو حفص الازدي قال حدثنى عمر قال قدم علينا قيس بن الهيثم السلمى وقد وجهه عبد الرحمن بن زياد فأخذ أسلم بن زرعة فحبسه ثم قدم عبد الرحمن فأغرم أسلم ابن زرعة ثلثمائة ألف درهم قال وذكر مصعب بن حيان عن أخيه مقاتل بن حيان قال قدم عبد الرحمن بن زياد خراسان فقدم رجل سخى حريص ضعيف لم

[ 234 ]

يغز غزوة واحدة وقد أقام بخراسان سنتين قال على قال عوانة قدم عبد الرحمن ابن زياد على يزيد بن معاوية من خراسان بعد قتل الحسين عليه السلام واستخلف على خراسان قيس بن الهيثم قال وحدثني مسلم بن محارب وأبو حفص قالا قال يزيد لعبد الرحمن بن زياد كم قدمت به معك من المال من خراسان قال عشرين ألف ألف درهم قال إن شئت حاسبناك وقبضناها منك ورددناك على عملك وإن شئت سوغناك وعزلناك وتعطى عبد الله بن جعفر خمسمائة ألف درهم قال بل تسوغنى ما قلت ويستعمل عليها غيرى وبعث عبد الرحمن بن زياد إلى عبد الله بن جعفر بألف بألف درهم وقال خمسمائة ألف من قبل أمير المؤمنين وخمسمائة ألف من قبلى (وفى هذه السنة) وفد عبيدالله بن زياد على معاوية في أشراف أهل البصرة فعزله عن البصرة ثم رده عليها وجدد له الولاية ذكر لك * حدثنى عمر قال حدثنى على قال وفد عبيدالله بن زياد في أهل العراق إلى معاوية فقال له ائذن لوفدك على منازلهم وشرفهم فأذن لهم ودخل الاحنف في آخرهم وكان سيئ المنزلة من عبيدالله فلما نظر إليه معاوية رحب به وأجلسه معه على سريره ثم تكلم القوم فأحسنوا الثناء على عبيدالله والاحنف ساكت فقال ما لك يا أبا بحر لا تتكلم قال إن تكلمت خالفت القوم فقال انهضوا فقد عزلته عنكم واطلبوا واليا ترضونه فلم يبق في القوم أحد إلا أتى رجلا من بنى أمية أو من أشراف أهل الشأم كلهم يطلب وقعد الاحنف في منزله فلم يأت أحدا فلبثوا أياما ثم بعث إليهم معاوية فجمعهم فلما دخلوا عليه قال من اخترتم فاختلفت كلمتهم وسمى كل فريق منهم رجلا والاحنف ساكت فقال له معاوية مالك يا أبا بحر لا تتكلم قال إن وليت علينا أحدا من أهل بيتك لم نعدل بعبيد الله أحدا وإن وليت من غيرهم فانظر في ذلك قال معاوية فإنى قد أعدته عليكم ثم أوصاه بالاحنف وقبح رأيه في مباعدته فلما هاجت الفتنة لم يف لعبيد الله غير الاحنف (وفى هذه السنة) كان ما كان من أمر يزيد بن مفرغ الحميرى وعباد ابن زياد وهجاء يزيد بنى زياد

[ 235 ]

ذكر سبب ذلك * حدثت عن أبى عبيدة معمر بن المثنى أن يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميرى كان مع عباد بن زياد بسجستان فاشتغل عنه بحرب الترك فاستبطأه فأصاب الجند مع عباد ضيق في إعلاف دوابهم فقال ابن مفرغ ألا ليت اللحى عادت حشيشا * فنعلفها خيول المسلمينا وكان عباد بن زياد عظيم اللحية فأنهى شعره إلى عباد وقيل ما أراد غيرك فطلبه عباد فهرب منه وهجاه بقصائد كثيرة فكان مما هجاه به قوله إذا أودى معاوية بن حرب * فبشر شعب قعبك بانصداع فأشهد أن أمك لم تباشر * أبا سفيان واضعة القناع ولكن كان أمرا فيه لبس * على وجل شديد وارتياع وقوله ألا أبلغ معاوية بن حرب * مغلغلة من الرجل اليماني أتغضب أن يقال أبوك عف * وترضى أن يقال أبوك زانى فأشهد أن رحمك من زياد * كرحم الفيل من ولد الاتان * فحدثني أبو زيد قال لما هجا ابن المفرغ عبادا فارقه مقبلا إلى البصرة وعبيد الله يومئذ وافد على معاوية فكتب عباد إلى عبيد الله ببعض ما هجاه به فلما قرأ عبيدالله الشعر دخل على معاوية فأنشده إياه واستأذنه في قتل ابن مفرغ فأبى عليه أن يقتله وقال أدبه ولا تبلغ به القتل وقدم ابن مفرغ البصرة فاستجار بالاحنف ابن قيس فقال إنا لا نجير على ابن سمية فإن شئت كفيتك شعراء بنى تميم قال ذاك ما لا أبالى ان أكفاه فأتى خالد بن عبد الله فوعده وأتى أمية فوعده ثم أتى عمر ابن عبيدالله بن معمر فوعده ثم أتى المنذر بن الجارود فأجاره وأدخله داره وكانت بحرية بنت المنذر عند عبيدالله فلما قدم عبيدالله البصرة أخبر بمكان ابن مفرغ عند المنذر وأتى المنذر عبيدالله مسلما فأرسل عبيدالله الشرط إلى دار المنذر فأخذوا ابن مفرغ فلم يشعر المنذر وهو عند عبيدالله إلا بابن مفرغ قد أقيم على

[ 236 ]

رأسه فقام إلى عبيدالله وقال أيها الامير إنى قد أجرته قال والله يا منذر ليمدحنك وأباك ويهجونى أنا وأبى ثم تجيره على فأمر به فسقى دواء ثم حمل على حمار عليه إكاف فجعل يطاف به وهو يسلح في ثيابه فيمر به في الاسواق فمر به فارسي فرآه فسأل عنه فقال أين چيست ففهمها ابن مفرغ فقال ابست ونبيذاست وعصارات زبيب است وسميه رو سبيست ثم هجا المنذر ابن الجارود تركت قريشا أن أجاور فيهم * وجاورت عبد القيس أهل المشقر أناس أجارونا فكان جوارهم * أعاصير من فسو العراق المبذر فأصبح جارى من جذيمة نائما * ولا يمنع الجيران غير المشمر وقال لعبيد الله يغسل الماء ما صنعت وقولى * راسخ منك في العظام البوالى ثم حمله عبيدالله إلى عباد بسجستان فكلمت اليمانية فيه بالشأم معاوية فأرسل رسولا إلى عباد فحمل ابن مفرغ من عنده حتى قدم على معاوية فقال في طريقه عدس ما لعباد عليك إمارة * نجوت وهذا تحملين طليق لعمري لقد نجاك من هوة الردى * إمام وحبل للانام وثيق سأشكر ما أوليت من حسن نعمة * ومثلى بشكر المنعمين حقيق فلما دخل على معاوية بكى وقال ركب منى ما لم يركب من مسلم على غير حدث ولا جريرة قال أو لست القائل: ألا أبلغ معاوية بن حرب * مغلغلة من الرجل اليماني القصيدة قال لا والذى عظم حق أمير المؤمنين ما قلت هذا قال أفلم تقل فأشهد أن أمك لم تباشر * أبا سفيان واضعة القناع في أشعار كثيرة هجوت بها ابن زياد اذهب فقد عفونا لك عن جرمك أما لو إيانا تعامل لم يكن مما كان شئ فانطلق وفى أي أرض شئت فانزل فنزل الموصل ثم إنه ارتاح إلى البصرة فقدمها ودخل على عبيدالله فآمنه وأما أبو عبيدة فإنه قال في نزول ابن مفرغ الموصل عن الذى أخبرني به أبو زيد قال ذكر أن معاوية لما

[ 237 ]

قال له ألست القائل ألا أبلغ معاوية بن حرب * مغلغلة من الرجل اليماني الابيات حلف ابن مفرغ أنه لم يقله وأنه إنما قاله عبد الرحمن بن الحكم أخو مروان واتخذني ذريعة إلى هجاء زياد وكان عتب عليه قبل ذلك فغضب معاوية على عبد الرحمن بن الحكم وحرمه عطاءه حتى أضر به فكلم فيه فقال لا أرضى عنه حتى يرضى عبيدالله فقدم العراق على عبيدالله فقال عبد الرحمن له لانت زيادة في آل حرب * أحب إلى من إحدى بنانى أراك أخا وعما وابن عم * ولا أدرى بغيب ما تراني فقال أراك والله شاعر سوء فرضى عنه فقال معاوية لابن مفرغ ألست القائل فأشهد أن أمك لم تباشر * أبا سفيان واضعة القناع الابيات لا تعودن إلى مثلها عفونا عنك فأقبل حتى نزل الموصل فتزوج امرأة فلما كان في ليلة بنائها خرج حين أصبح إلى الصيد فلقى دهانا أو عطارا على حمار له فقال له ابن مفرغ من أين أقبلت قال من الاهواز قال وما فعل ماء مسرفان قال على حاله قال فخرج ابن مفرغ فتوجه قبل البصرة ولم يعلم أهله بمسيره ومضى حتى قدم على عبيدالله بن زياد بالبصرة فدخل عليه فآمنه ومكث عنده حتى استأذنه في الخروج إلى كرمان فأذن له في ذلك وكتب إلى عامله هنالك بالوصاة والاكرام له فخرج إليها وكان عامل عبيدالله يومئذ على كرمان شريك بن الاعور الحارثى (وحج) بالناس في هذه السنة عثمان بن محمد بن أبى سفيان حدثنى بذلك أحمد بن ثابت عمن حدثه عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكذلك قال الواقدي وغيره وكان الوالى على المدينة الوليد بن عتبة بن أبى سفيان وعلى الكوفة النعمان بن بشير وعلى قضائها شريح وعلى البصرة عبيدالله بن زياد وعلى قضائها هشام بن هبيرة وعلى خراسان عبد الرحمن بن زياد وعلى سجستان عباد بن زياد وعلى كرمان شريك ابن الاعور من قبل عبيدالله بن زياد

[ 238 ]

ثم دخلت سنة ستين ذكر ما كان فيها من الاحداث ففى هذه السنة كانت غزوة مالك بن عبد الله سورية ودخول جنادة بن أبى أمية رودس وهدمه مدينتها في قول الواقدي (وفيها) كان أخذ معاوية على الوفد الذين وفدوا إليه مع عبيدالله بن زياد البيعة لابنه يزيد وعهد إلى ابنه يزيد حين مرض فيها ما عهد إليه في النفر الذين امتنعوا من البيعة ليزيد حين دعاهم إلى البيعة وكان عهده الذى عهد ما ذكر هشام بن محمد عن أبى مخنف قال حدثنى عبد الملك ابن نوفل بن مساحق بن عبد الله بن مخرمة أن معاوية لما مرض مرضته التى هلك فيها دعا يزيد ابنه فقال يا بنى إنى قد كفيتك الرحلة والترحال ووطأت لك الاشياء وذللت لك الاعداء وأخضعت لك أعناق العرب وجمعت لك من جمع واحد وإنى لا أتخوف أن ينازعك هذا الامر الذى استتب لك إلا أربعة نفر من قريش الحسين بن على وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن أبى بكر فأما عبد الله بن عمر فرجل قد وقذته العبادة وإذا لم يبق أحد غيره بايعك وأما الحسين بن على فإن أهل العراق لن يدعوه حتى يخرجوه فإن خرج عليك فظفرت به فاصفح عنك فإن له رحما ماسة وحقا عظيما وأما ابن أبى بكر فرجل إن رأى أصحابه صنعوا شيئا صنع مثلهم ليس له همة إلا في النساء واللهو وأما الذى يجثم لك جثوم الاسد ويراوغك مراوغة الثعلب فإذا أمكنته فرصة وثب فذاك ابن الزبير فإن هو فعلها بك فقدرت عليه فقطعه إربا إربا قال هشام قال عوانة قد سمعنا في حديث آخر أن معاوية لما حضره الموت وذلك في سنة 60 وكان يزيد غائبا فدعا بالضحاك بن قيس الفهرى وكان صاحب شرطته ومسلم بن عقبة المرى فأوصى إليهما فقال بلغا يزيد وصيتى أنظر أهل الحجاز فإنهم أصلك فأكرم من قدم عليك منهم وتعاهد من غاب وانظر أهل العراق فإن سألوك أن تعزل عنهم كل يوم عاملا فافعل فإن عزل عامل أحب إلى من أن تشهر عليك مائة ألف سيف وانظر

[ 239 ]

أهل الشأم فليكونوا بطانتك وعيبتك فإن نابك شئ من عدوك فانتصر بهم فإذا أصبتهم فاردد أهل الشأم إلى بلادهم فإنهم إن أقاموا بغير بلادهم أخذوا بغير أخلاقهم وإنى لست أخاف من قريش إلا ثلاثة حسين بن على وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير فأما ابن عمر فرجل قد وقذه الدين فليس ملتمسا شيئا قبلك وأما الحسين بن على فإنه رجل خفيف وأرجو أن يكفيكه الله بمن قتل أباه وخذل أخاه وإن له رحما ماسة وحقا عظيما وقرابة من محمد صلى الله عليه وسلم ولا أظن أهل العراق تاركيه حتى يخرجوه فإن قدرت عليه فاصفح عنه فإنى لو أنى صاحبه عفوت عنه وأما ابن الزبير فإنه خب ضب فإذا شخص لك فالبد له إلا أن يلتمس منك صلحا فإن فعل فاقبل واحقن دماء قومك ما استطعت (وفى هذه السنة) هلك معاوية بن أبى سفيان بدمشق فاختلف في وقت وفاته بعد إجماع جميعهم على أن هلاكه كان في سنة 60 من الهجرة وفى رجب منها فقال هشام بن محمد مات معاوية لهلال رجب من سنة 60 وقال الواقدي مات معاوية للنصف من رجب وقال على بن محمد مات معاوية بدمشق سنة 60 يوم الخميس لثمان بقين من رجب حدثنى بذلك الحارث عنه ذكر الخبر عن مدة ملكه * حدثنى أحمد بن ثابت الرازي قال حدثنى من سمع إسحاق بن عيسى يذكر عن أبى معشر قال بويع لمعاوية بأذرح بايعه الحسن بن على في جمادى الاولى سنة 41 وتوفى معاوية في رجب سنة 60 وكانت خلافته تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر * وحدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنى يحيى بن سعيد بن دينار السعدى عن أبيه قالوا توفى معاوية ليلة الخميس للنصف من رجب سنة 60 وكانت خلافته تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر وسبعة وعشرين يوما * وحدثني عمر قال حدثنا على قال بايع أهل الشأم معاوية بالخلافة في سنة 37 في ذى القعدة حين تفرق الحكمان وكانوا قبل بايعوه على الطلب بدم عثمان ثم صالحه الحسن بن على وسلم له الامر

[ 240 ]

سنة 41 لخمس بقين من شهر ربيع الاول فبايع الناس جميعا معاوية فقيل عام الجماعة ومات بدمشق سنة 60 يوم الخميس لثمان بقين من رجب وكانت ولايته تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر وسبعة وعشرين يوما قال ويقال كان بين موت على عليه السلام وموت معاوية تسع عشرة سنة وعشرة أشهر وثلاث ليال وقال هشام بن محمد بويع لمعاوية بالخلافة في جمادى الاولى سنة 41 فولى تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر إلا أياما ثم مات لهلال رجب من سنة 60 * واختلفوا في مدة عمره وكم عاش فقال بعضهم مات يوم مات وهو ابن خمس وسبعين سنة ذكر من قال ذلك * حدثنى عمر قال حدثنا محمد بن يحيى قال أخبرني هشام بن الوليد قال قال ابن شهاب الزهري سألني الوليد عن أعمار الخلفاء فأخبرته أن معاوية مات وهو ابن خمس وسبعين سنة فقال بخ بخ إن هذا لعمر وقال آخرون مات وهو ابن ثلاث وسبعين سنة ذكر من قال ذلك * حدثنى عمر قال حدثنى أحمد بن زهير قال قال على بن محمد مات معاوية وهو ابن ثلاث وسبعين قال ويقال ابن ثمانين سنة وقال آخرون توفى وهو ابن ثمان وسبعين سنة ذكر من قال ذلك * حدثنى الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنى يحيى بن سعيد بن دينار عن أبيه قال توفى معاوية وهو ابن ثمان وسبعين سنة وقال آخرون توفى وهو ابن خمس وثمانين سنة حدثت بذلك عن هشام بن محمد أنه كان يقوله عن أبيه ذكر العلة التى كانت فيها وفاته * حدثنى الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال حدثنا أبو عبيدة عن أبى يعقوب الثقفى عن عبد الملك بن عمير قال لما ثقل معاوية وحدث الناس أنه الموت قال

[ 241 ]

لاهله احشوا عينى اثمدا وأوسعوا رأسي دهنا ففعلوا وبرقوا وجهه بالدهن ثم مهد له فجلس وقال أسندوني ثم قال ائذنوا للناس فليسلموا قياما ولا يجلس أحد فجعل الرجل يدخل فيسلم قائما فيراه مكتحلا مدهنا فيقول يقول الناس هو لمآبه وهو أصح الناس فلما خرجوا من عنده قال معاوية * وتجلدى للشامتين أريهم * أنى لريب الدهر لا أتضعضع وإذا المنية أنشبت أظفارها * ألفيت كل تميمة لا تنفع قال وكان به النفاثات فمات من يومه ذلك * حدثنى أحمد بن زهير عن على بن محمد عن اسحاق بن أيوب عن عبد الملك بن ميناس الكلبى قال قال معاوية لابنتيه في مرضه الذى مات فيه وهما تقلبانه تقلبان حولا قلبا جمع المال من شب إلى إلى دب إن لم يدخل النار ثم تمثل: لقد سعيت لكم من سعى ذى نصب * وقد كفيتكم التطواف والرحلا ويقال من جمع ذى حسب * حدثنى أحمد بن زهير عن على عن سليمان بن أيوب عن الاوزاعي وعلى بن مجاهد عن عبد الاعلى بن ميمون عن أبيه أن معاوية قال في مرضه الذى مات فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كسانى قميصا فرفعته وقلم أظفاره يوما فأخذت قلامته فجعلتها في قارورة فإذا مت فالبسوني ذلك القميص وقطعوا تلك القلامة واسحقوها وذروها في عينى وفى في فعسى الله أن يرحمنى ببركتها ثم قال متمثلا بشعر الاشهب بن رميلة النهشلي يمدح به القباع: إذا مت مات الجود وانقطع الندى * من الناس إلا من قليل مصرد وردت أكف السائلين وأمسكوا * من الدين والدنيا بخلف مجدد فقالت إحدى بناته أو غيرها كلا يا أمير المؤمنين بل يدفع الله عنك فقال متمثلا: وإذا المنية أنشبت أظفارها * ألفيت كل تميمة لا تنفع ثم أغمى عليه ثم أفاق فقال لمن حضره من أهله اتقوا الله عز وجل فان الله سبحانه يقى من اتقاه ولا واقى لمن لا يتقى الله ثم قضى * حدثنا أحمد عن على عن محمد بن

[ 242 ]

الحكم عمن حدثه إن معاوية لما حضر أوصى بنصف ماله أن يرد إلى بيت المال كان أراد أن يطيب له الباقي لان عمر قاسم عماله ذكر الخبر عمن صلى على معاوية حين مات * حدثنى أحمد بن زهير عن على بن محمد قال صلى على معاوية الضحاك بن قيس الفهرى وكان يزيد غائبا حين مات معاوية * وحدثت عن هشام بن محمد عن أبى مخنف قال حدثنى عبد الملك بن نوفل بن مساحق بن عبد الله بن محرمة قال لما مات معاوية خرج الضحاك بن قيس حتى صعد المنبر وأكفان معاوية على يديه تلوح فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن معاوية كان عود العرب وحد العرب قطع الله عز وجل به الفتنة وملكه على العباد وفتح به البلاد ألا إنه قد مات فهذه أكفانه فنحن مدرجوه فيها ومدخلوه قبره ومخلون بينه وبين عمله ثم هو البرزخ إلى يوم القيامة فمن كان منكم يريد أن يشهده فليحضر عند الاولى وبعث البريد إلى يزيد بوجع معاوية فقال يزيد في ذلك: جاء البريد بقرطاس يخب به * فأوجس القلب من قرطاسه فزعا قلنا لك الويل ماذا في كتابكم * قالوا الخليفة أمسى مثبتا وجعا فمادت الارض أو كادت تميد بنا * كأن أغبر من أركانها انقطعا من لا تزل نفسه توفى على شرف * توشك مقاليد تلك النفس أن تقعا لما انتهينا وباب الدار منصفق * وصوت رملة ريع القلب فانصدعا * حدثنى عمر قال حدثنا على عن إسحاق بن خليد عن خليد بن عجلان مولى عباد قال مات معاوية ويزيد بحوارين وكانوا كتبوا إليه حين مرض فأقبل وقد دفن فأتى قبره فصلى عليه ودعا له ثم أتى منزله فقال جاء البريد بقرطاس الابيات ذكر الخبر عن نسبه وكنيته أما نسبه فإنه ابن أبى سفيان واسم أبى سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصى بن كلاب وأمه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ابن عبد مناف بن قصى وكنيته أبو عبد الرحمن

[ 243 ]

ذكر نسائه وولده من نسائه ميسون بنت بحدل بن أنيف بن ولجة بن قنافة بن عدى بن زهير بن حارثة ابن جناب الكلبى ولدت له يزيد بن معاوية قال على ولدت ميسون لمعاوية مع يزيد أمة رب المشارق فماتت صغيرة ولم يذكرها هشام في أولاد معاوية ومنهن فاختة ابنة قرظة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف ولدت له عبد الرحمن وعبد الله بنى معاوية وكان عبد الله محمقا ضعيفا وكان يكنى أبا الخير * حدثنى أحمد على على بن محمد قال مر عبد الله بن معاوية يوما بطحان قد شد بلغه في الرحى للطحن وجعل في عنقه جلاجل فقال له لم جعلت في عنق بغلك هذه الجلاجل فقال الطحان جعلتها في عنقه لاعلم أن قد قام فلم تدر الرحى فقال له أرأيت إن هو قام وحرك رأسه كيف تعلم أنه لا يدير الرحى فقال له الطحان إن بغلى هذا أصلح الله الامير ليس له عقل مثل عقل الامير وأما عبد الرحمن فإنه مات صغيرا ومنهن نائلة بنت عمارة الكلبية تزوجها فحدثني أحمد عن على قال لما تزوج معاوية نائلة قال لميسون انطلقي فانظري إلى ابنة عمك فنظرت إليها فقال كيف رأيتها فقالت جميلة كاملة ولكن رأيت تحت سرتها خالا ليوضعن رأس زوجها في حجرها فطلقها معاوية فتزوجها حبيب بن مسلمة الفهرى ثم خلف عليها بعد حبيب النعمان ابن بشير الانصاري فقتل ووضع رأسه في حجرها ومنهن كتوة بنت قرظة أخت فاختة فغزا قبرس وهى معه فماتت هنالك ذكر بعض ما حضرنا من ذكر أخباره وسيره * حدثنى أحمد بن زهير عن على قال لما بويع لمعاوية بالخلافة صير على شرطته قيس بن حمزة الهمداني ثم عزله واستعمل زميل بن عمرو العذري ويقال السكسكى وكان كاتبه وصاحب أمره سرجون بن منصور الرومي وعلى حرسه رجل من الموالى يقال له المختار وقيل رجل يقال له ملك ويكنى أبا المخارق مولى لحمير وكان أول من اتخذ الحرس وكان على حجابه سعد مولاه وعلى القضاء فضالة ابن عبيد الانصاري فمات فاستقضى أبا إدريس عائذ الله بن عبد الله الخولانى إلى

[ 244 ]

ههنا حديث أحمد عن على وقال غير على وكان على ديوان الخاتم عبد الله بن محصن الحميرى وكان أول من اتخذ ديوان الخاتم قال وكان سبب ذلك أن معاوية أمر لعمرو بن الزبير في معونته وقضاء دينه بمائة ألف درهم وكتب بذلك إلى زياد بن سمية وهو على العراق ففض عمرو الكتاب وصير المائة مائتين فلما رفع زياد حسابه أنكرها معاوية فأخذ عمرا بردها وحبسه فأداها عنه أخوه عبد الله ابن الزبير فأحدث معاوية عند ذلك ديوان الخاتم وحزم الكتب ولم تكن تحزم * حدثنى عبد الله بن أحمد بن شيويه قال حدثنى أبى قال حدثنى سليمان قال حدثنى عبد الله بن المبارك عن ابن أبى ذئب عن سعيد المقبرى قال قال عمر بن الخطاب تذكرون كسرى وقيصر ودهاءهما وعندكم معاوية * حدثنى عبد الله بن أحمد قال حدثنى أبى قال حدثنى سليمان قال قرأت على عبد الله عن فليح قال أخبرت أن عمرو بن العاص وفد إلى معاوية ومعه أهل مصر ققال لهم عمرو انظروا إذا دخلتم على ابن هند فلا تسلموا عليه بالخلافة فإنه أعظم لكم في عينه وصغروه ما استطعتم فلما قدموا عليه قال معاوية لحجابه إنى كأنى أعرف ابن النابغة وقد صغر أمرى عند القوم فانظروا إذا دخل الوفد فتعتعوهم أشد تعتعة تقدرون عليها فلا يبلغني رجل منهم إلا وقد همته نفسه بالتلف فكان أول من دخل عليه رجل من أهل مصر يقال له ابن الخياط فدخل وقد تعتع فقال السلام عليك يا رسول الله فتتابع القوم على ذلك فلما خرجوا قال لهم عمرو لعنكم الله نهيتكم أن تسلموا عليه بالامارة فسلمتم عليه بالنبوة قال ولبس معاوية يوما عمامته الحرقانية واكتحل وكان من أجمل الناس إذا فعل ذلك شك عبد الله فيه سمعه أو لم يسمعه * حدثنى أحمد بن زهير عن على بن محمد قال حدثنا أبو محمد الاموى قال خرج عمر بن الخطاب إلى الشأم فرأى معاوية في موكب يتلقاه وراح إليه في موكب فقال له عمر يا معاوية تروح في موكب وتغدو في مثله وبلغني أنك تصبح في منزلك وذوو الحاجات ببابك قال يا أمير المؤمنين إن العدو بها قريب منا ولهم عيون وجواسيس فأردت يا أمير المؤمنين أن يروا للاسلام عزا فقال له عمر إن هذا لكيد رجل لبيب أو خدعة رجل أريب فقال معاوية يا أمير المؤمنين مرنى بما شئت أصر إليه قال

[ 245 ]

ويحك ما ناظرتك في أمر أعيب عليك فيه إلا تركتني ما أدرى آمرك أم أنهاك * حدثنى عبد الله بن أحمد قال حدثنى أبى قال حدثنى سليمان قال حدثنى عبد الله عن معمر عن جعفر بن برقان أن المغيرة كتب إلى معاوية أما بعد فإنى قد كبرت سنى ودق عظمي وشنفت لى قريش فإن رأيت أن تعزلني فاعزلني فكتب إليه معاوية جاءني كتابك تذكر فيه أنه كبرت سنك فلعمري ما أكل عمرك غيرك وتذكر أن قريشا شنفت لك ولعمري ما أصبت خيرا إلا منهم وتسألني أن أعزلك فقد فعلت فان تك صادقا فقد شفعتك وإن تك مخادعا فقد خدعتك * حدثنى أحمد عن على ابن محمد عن على بن مجاهد قال قال معاوية إذا لم يكن الاموى مصلحا لماله حليما لم يشبه من هو منه وإذا لم يكن الهاشمي سخيا جوادا لم يشبه من هو منه ولا يقدمك من الهاشمي اللسان والسخاء والشجاعة * حدثنى أحمد عن على عن عوانة وخلاد بن عبيدة قال تغدى معاوية يوما وعنده عبيدالله بن أبى بكرة ومعه ابنه بشير ويقال غير بشير فأكثر من الاكل فلحظه معاوية وفطن عبيدالله بن أبى بكرة فأراد أن يغمز ابنه فلم يمكنه ولم يرفع رأسه حتى فرغ فلما خرج لامه على ما صنع ثم عاد إليه وليس معه ابنه فقال معاوية ما فعل ابنك التلقامة قال اشتكى فقال قد علمت أن أكله سيورثه داء * حدثنى أحمد عن على عن جويرية بن أسماء قال قدم أبو موسى على معاوية فدخل عليه في برنس أسود فقال السلام عليك يا أمين الله قال وعليك السلام فلما خرج قال معاوية قدم الشيخ لاوليه ولا والله لا أوليه * حدثنى عبد الله بن أحمد قال حدثنى أبى قال حدثنى أبو صالح سليمان بن صالح قال حدثنى عبد الله بن المبارك عن سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال عن أبى بردة قال دخلت على معاوية حيث أصابته قرحته فقال هلم يا ابن أخى نحوى فانظر فنظرت فإذا هي قد سبرت فقلت ليس عليك بأس يا أمير المؤمنين فدخل يزيد فقال معاوية إن وليت من أمر الناس شيئا فاستوص بهذا فان أباه كان لى خليلا أو نحو ذلك من القول غير أنى رأيت في القتال ما لم يره * حدثنى أحمد عن على عن شهاب بن عبيدالله عن يزيد بن سويد قال أذن معاوية للاحنف وكان يبدأ بإذنه ثم دخل محمد بن الاشعث فجلس بين معاوية

[ 246 ]

والاحنف فقال معاوية إنا لم نأذن له قبلك فتكون دونه وقد فعلت فعال من أحس من نفسه ذلا إنا كما نملك أموركم نملك اذنكم فأريدوا منا ما نريد منكم فانه أبقى لكم * حدثنى أحمد عن على عن سحيم بن حفص قال خطب ربيعة بن عسل اليربوعي إلى معاوية فقال معاوية اسقوه سويقا وقال له معاوية يا ربيعة كيف الناس عندكم قال مختلفون على كذا وكذا فرقة قال فمن أيهم أنت قال ما أنا على شئ من أمرهم فقال معاوية أراهم أكثر مان قلت قال يا أمير المؤمنين أعنى في بناء دارى باثنى عشر ألف جذع قال معاوية أين دارك قال بالبصرة وهى أكثر من فرسخين في فرسخين قال فدارك في البصرة أو البصرة في دارك فدخل رجل من ولده على ابن هبيرة فقال أصلح الله الامير أنا ابن سيد قومه خطب أبى إلى معاوية فقال ابن هبيرة لسلم بن قتيبة ما يقول هذا قال هذا ابن أحمق قرمه قال ابن هبيرة هل زوج أباك معاوية قال لا قال فلا أرى أباك صنع شيئا * حدثنى أحمد عن على عن أبى محمد بن ذكوان القرشى قال تنازع عتبة وعنبسة ابنا أبى سفيان وأم عتبة هند وأم عنبسة ابنة أبى أزيهر الدوسى فأغلظ معاوية لعنبسة وقال عنبسة وأنت أيضا يا أمير المؤمنين فقال يا عنبسة ان عتبة بن هند فقال عنبسة: كنا بخير صالحا ذات بيننا * قديما فأمست فرقت بيننا هند فإن تك هند لم تلدني فإننى * لبيضاء ينميها غطارفة مجد أبوها أبو الاضياف في كل شتوة * ومأوى ضعاف لا تنوء من الجهد جفناته ما تزال مقيمة * لمن خاف من غورى تهامة أو نجد فقال معاوية لا أعيدها عليك أبدا * حدثنى عبد الله بن أحمد قال حدثنى أبى قال حدثنى سليمان قال حدثنى عبد الله عن حرملة بن عمران قال أتى معاوية في ليلة أن قيصر قصد له في الناس وإن ناتل بن قيس الجذامي غلب فلسطين وأخذ بيت مالها وأن المصريين الذين كان سجنهم هربوا وإن على بن أبى طالب قصد له في الناس فقال لمؤذنه أذن هذه الساعة وذلك نصف الليل فجاءه عمرو ابن العاص فقال لم أرسلت إلى قال أنا ما أرسلت إليك قال ما أذن المؤذن

[ 247 ]

هذه الساعة إلا من أجلى قال رميت بالقسى الاربع قال عمرو أما هؤلاء الذين خرجوا من سجنك فإنهم إن خرجوا من سجنك فهم في سجن الله عز وجل وهم قوم شراة لا رحلة بهم فاجعل لمن أتاك برجل منهم أو برأسه ديته فإنك ستؤتى بهم وانظر قيصر فوادعه وأعطه مالا وحللا من حلل مصر فإنه سيرضى منك بذاك وانظر ناتل بن قيس فلعمري ما أغضبه الدين ولا أراد إلا ما أصاب فاكتب إليه وهب له ذلك وهنئه إياه فان كانت لك قدرة عليه وإن لم تكن لك فلا تأس عليه واجعل حدك وحديدك لهذا الذى عنده دم ابن عمك قال وكان القوم كلهم خرجوا من سجنه غير أبرهة بن الصباح فقال معاوية ما منعك من أن تخرج مع أصحابك قال ما منعنى منه بغض لعلى ولا حب لك ولكني لم أقدر عليه فخلى سبيله * حدثنى عبد الله قال حدثنى أبى قال حدثنى سليمان قال حدثنى عبد الله بن مسعدة عن جرير بن حازم قال سمعت محمد بن الزبير يحدث قال حدثنى عبد الله بن مسعدة بن حكمة الفزارى من بنى آل بدر قال انتقل معاوية من بعض كور الشأم إلى بعض عمله فنزل منزلا بالشأم فبسط له على ظهر اجار مشرف على الطريق فأذن لى فقعدت معه فمرت القطرات والرحائل والجوارى والخيول فقال يا ابن مسعدة رحم الله أبا بكر لم يرد الدنيا ولم ترده الدنيا وأما عمر أو قال ابن حنتمة فأرادته الدنيا ولم يردها وأما عثمان فأصاب من الدنيا وأصابت منه وأما نحن فتمرغنا فيها ثم كأنه ندم فقال والله إنه لملك آتانا الله إياه * حدثنى أحمد عن على بن محمد عن على بن عبيدالله قال كتب عمرو بن العاص إلى معاوية يسأله لابنه عبد الله بن عمرو ما كان أعطاء أباه من مصر فقال معاوية أراد أبو عبد الله أن يكتب فهذر أشهدكم أنى إن بقيت بعده فقد خلعت عهده قال وقال عمرو بن العاص ما رأيت معاوية متكئا قط واضعا إحدى رجليه على الاخرى كاسرا عينه يقول لرجل تكلم إلا رحمته قال أحمد قال على بن محمد قال عمرو بن العاص: لمعاوية يا أمير المؤمنين ألست أنصح الناس لك قال بذلك نلت ما نلت قال أحمد قال على عن جويرية بن أسماء أن بسر بن أبى أرطاة نال من

[ 248 ]

على عند معاوية وزيد بن عمر بن الخطاب جالس فعلاه بعصا فشجه فقال معاوية لزيد عمدت إلى شيخ من قريش سيد أهل الشأم فضربته وأقبل على بسر فقال تشتم عليا وهو جده وابن الفاروق على رءوس الناس أو كنت ترى أنه يصبر على ذلك ثم أرضاهما جميعا قال وقال معاوية إنى لارفع نفسي من أن يكون ذنب أعظم من عفوى وجهل أكثر من حلمي أو عورة لا أواريها بستري أو إساءة أكثر من إحساني قال وقال معاوية زين الشريف العفاف قال وقال معاوية ما من شئ أحب إلى من عين خرارة في أرض خوارة فقال عمرو بن العاص ما من شئ أحب إلى من أن أبيت عروسا بعقيلة من عقائل العرب فقال وردان مولى عمرو بن العاص ما من شئ أحب إلى من الافضال على الاخوان فقال معاوية أنا أحق بهذا منك قال ما تحب فافعل * حدثنى أحمد عن على عن محمد بن إبراهيم عن أبيه قال كان عامل معاوية على المدينة إذا أراد أن يبرد بريدا إلى معاوية أمر مناديه فنادى من له حاجة يكتب إلى أمير المؤمنين فكتب زر بن حبيش أو أيمن بن خريم كتابا لطيفا ورمى به في الكتب وفيه إذا الرجال ولدت أولادها * واضطربت من كبر أعضادها وجعلت أسقامها تعتادها * فهى زروع قد دنا حصادها فلما وردت الكتب عليه فقرأ هذا الكتاب قال نعى إلى نفسي قال وقال معاوية ما من شئ ألذ عندي من غيظ أتجرعه قال وقال معاوية لعبد الرحمن بن الحكم بن أبى العاص يا ابن أخى إنك قد لهجت بالشعر فإياك والتشبيب بالنساء فتعر الشريفة والهجاء فتعر كريما وتستثير لئيما والمدح فإنه طعمة الوقاح ولكن أفخر بمفاخر قومك وقل من الامثال ما تزيد به نفسك وتؤدب به غيرك * حدثنى أحمد عن على قال قال أبو الحسن بن حماد نظر معاوية إلى الثمافى عباءة فازدراه فقال يا أمير المؤمنين إن العباءة لا تكلمك وإنما يكلمك من فيها * حدثنى أحمد عن على عن سليمان قال قال معاوية رجلان إن ماتا لم يموتا ورجل إن مات مات أنا إن مت خلفنى ابني وسعيد إن مات خلفه عمرو وعبد الله بن عامر إن مات

[ 249 ]

مات فبلغ مروان فقال أما ذكر ابني عبد الملك قالوا لا قال ما أحب أن لى بابنى ابنيهما * حدثنى أحمد عن على قال حدثنا عبد الله بن صالح قال قال رجل لمعاوية أي الناس أحب إليك قال أشدهم لى تحبيبا إلى الناس قال وقال معاوية العقل والحلم أفضل ما أعطى العبد فإذا ذكر ذكر وإذا أعطى شكر وإذا ابتلى صبر وإذا غضب كظم وإذا قدر غفر وإذا أساء استغفر وإذا وعد أنجز * حدثنى أحمد عن على بن عبد الله وهشام بن سعيد عن عبد الملك بن عمير قال أغلظ رجل لمعاوية فأكثر فقيل له أتحلم عن هذا فقال إنى لا أحول بين الناس وألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين ملكنا * حدثنى أحمد عن على عن محمد بن عامر قال لام معاوية عبد الله بن جعفر على الغناء فدخل يوما على معاوية ومعه بديح ومعاوية واضع رجلا على رجل فقال عبد الله لبديح إيها يا بديح فتغنى فحرك معاوية رجله فقال عبد الله مه يا أمير المؤمنين فقال معاوية إن الكريم طروب قال وقدم عبد الله بن جعفر على معاوية ومعه سائب خاثر وكان مولى لبنى ليث وكان فاجرا فقال له ارفع حوائجك ففعل ورفع فيها حاجة سائب خاثر فقال معاوية من هذا فخبره فقال أدخله فلما قام على باب المجلس غنى: إن الديار رسومها قفر * لعبت بها الارواح والقطر وخلالها من بعد ساكنها * حجج خلون ثمان أو عشر والزعفران على ترائبها * شرقا به اللبات والنحر فقال أحسنت وقضى حوائجه * حدثنى عبد الله بن أحمد قال حدثنى أبى قال حدثنى سليمان قال حدثنى عبد الله عن معمر عن همام بن منبه قال سمعت ابن عباس يقول ما رأيت أحدا أحلق للملك من معاوية إن كان ليرد الناس منه على أرجاء واد رحب ولم يكن كالضيق الحصص الحصر يعنى ابن الزبير * حدثنى عبد الله قال حدثنى أبى قال حدثنى سليمان قال حدثنى عبد الله عن سفيان بن عيينة عن مجالد عن الشعبى عن قبيصة بن جابر الاسدي قال ألا أخبركم من صحبت صحبت عمر بن الخطاب فما رأيت رجلا أفقه فقها ولا أحسن مدارسة

[ 250 ]

منه ثم صحبت طلحة بن عبيدالله فما رأيت رجلا أعطى للجزيل من غير مسألة منه ثم صحبت معاوية فما رأيت رجلا أحب رفيقا ولا أشبه سريرة بعلانية منه ولو أن المغيرة جعل في مدينة لا يخرج من أبوابها كلها إلا بالغدر لخرج منها خلافة يزيد بن معاوية (وفى هذه السنة) بويع ليزيد بن معاوية بالخلافة بعد وفاة أبيه للنصف من رجب في قول بعضهم وفى قول بعض لثمان بقين منه على ما ذكرنا قبل من وفاة والده معاوية فأقر عبيدالله بن زياد على البصرة والنعمان بن بشير على الكوفة وقال هشام بن محمد عن أبى مخنف ولى يزيد في هلال رجب سنة 60 وأمير المدينة الوليد بن عتبة بن أبى سفيان وأمير الكوفة النعمان بن بشير الانصاري وأمير البصرة عبيدالله بن زياد وأمير مكة عمرو بن سعيد بن العاص ولم يكن ليزيد همة حين ولى إلا بيعة النفر الذين أبوا على معاوية الاجابة إلى بيعة يزيد حين دعا الناس إلى بيعته وإنه ولى عهده بعده والفراغ من أمرهم فكتب إلى الوليد بسم الله الرحمن الرحيم من يزيد أمير المؤمنين إلى الوليد بن عتبة أما بعد فان معاوية كان عبدا من عباد الله أكرمه الله واستخلفه وخوله ومكن له فعاش بقدر ومات بأجل فرحمه الله فقد عاش محمودا ومات برا تقيا والسلام وكتب إليه في صحيفة كأنها أذن فأرة أما بعد فخذ حسينا وعبد الله ابن عمر وعبد الله بن الزبير بالبيعة أخذا شديدا ليست فيه رخصة حتى يبايعوا والسلام فلما أتاه نعى معاوية فظع به وكبر عليه فبعث إلى مروان بن الحكم فدعاه إليه وكان الوليد يوم قدم المدينة قدمها مروان متكارها فلما رأى ذلك الوليد منه شتمه عند جلسائه فبلغ ذلك مروان فجلس عنه وصرمه فلم يزل كذلك حتى جاء نعى معاوية إلى الوليد فلما عظم على الوليد هلاك معاوية وما أمر به من أخذ هؤلاء الرهط بالبيعة فزع عند ذلك إلى مروان ودعاه فلما قرأ عليه كتاب يزيد استرجع وترحم عليه واستشاره الوليد في الامر وقال كيف ترى أن نصنع قال فإنى أرى أن تبعث الساعة إلى هؤلاء النفر فتدعوهم إلى البيعة والدخول في الطاعة فإن فعلوا قبلت منهم وكففت عنهم وإن أبوا قدمتهم فضربت أعناقهم

[ 251 ]

قبل أن يعلموا بموت معاوية فإنهم إن علموا بموت معاوية وثب كل امرئ منهم في جانب وأظهر الخلاف والمنابذة ودعا إلى نفسه لا أدرى أما ابن عمر فإنى لا أراه يرى القتال ولا يحب أنه يولى على الناس إلا أن يدفع إليه هذا الامر عفوا فأرسل عبد الله بن عمرو بن عثمان وهو إذ ذاك غلام حدث إليهما يدعوهما فوجدهما في المسجد وهما جالسان فأتاهما في ساعة لم يكن الوليد يجلس فيها للناس ولا يأتيانه في مثلها فقال أجيبا الامير يدعوكما فقال له انصرف الآن نأتيه ثم أقبل أحدهما على الآخر فقال عبد الله بن الزبير للحسين ظن فيما تراه بعث إلينا في هذه الساعة التى لم يكن يجلس فيها فقال حسين قد ظننت أرى طاغيتهم قد هلك فبعث إلينا ليأخذنا بالبيعة قبل أن يفشو في الناس الخبر فقال وأنا ما أظن غيره قال فما تريد أن تصنع قال أجمع فتياني الساعة ثم أمشى إليه فإذا بلغت الباب احتبستهم عليه ثم دخلت عليه قال فإنى أخافه عليه إذا دخلت قال لا آتيه الا وأنا على إلامتناع قادر فقام فجمع إليه مواليه وأهل بيته ثم أقبل يمشى حتى انتهى إلى باب الوليد وقال لاصحابه إنى داخل فان دعوتكم أو سمعتم صوته قد علا فاقتحموا على بأجمعكم والا فلا تبرحوا حتى أخرج إليكم فدخل فسلم عليه بالامرة ومروان جالس عنده فقال حسين كأنه لا يظن ما يظن من موت معاوية الصلة خير من القطيعة أصلح الله ذات بينكما فلم يجيباه في هذا بشئ وجاء حتى جلس فأقرأه الوليد الكتاب ونعى له معاوية ودعاه إلى البيعة فقال حسين إنا لله وإنا إليه راجعون ورحم الله معاوية وعظم لك الاجر أماما سألتنى من البيعة فإن مثلى لا يعطى بيعته سرا ولا أراك تجتزئ بها منى سرا دون أن نظهرها على رؤس الناس علانية قال أجل قال فإذا خرجت إلى الناس فدعوتهم إلى البيعة دعوتنا مع الناس فكان أمرا واحدا فقال له الوليد وكان يحب العافية فانصرف على اسم الله حتى تأتينا مع جماعة الناس فقال له مروان والله لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبدا حتى تكثر القتلى بينكم وبينه احبس الرجل ولا يخرج من عندك حتى يبايع أو تضرب عنقه فوثب عند ذلك الحسين فقال يا ابن الزرقاء أنت تقتلني أم هو كذبت والله وأثمت

[ 252 ]

ثم خرج فمر بأصحابه فخرجوا معه حتى أتى منزله فقال مروان للوليد عصيتني لا والله لا يمكنك من مثلها من نفسه أبدا قال الوليد وبخ غيرك يا مروان إنك اخترت لى التى فيها هلاك دينى والله ما أحب أن لى ما طلعت عليه الشمس وغربت عنه من مال الدنيا وملكها وأنى قتلت حسينا سبحان الله أقتل حسينا إن قال لا أبايع والله إنى لا أظن امرءا يحاسب بدم حسين لخفيف الميزان عند الله يوم القيامة فقال له مروان فإذا كان هذا رأيك فقد أصبت فيما صنعت يقول هذا له وهو غير الحامد له على رأيه وأما ابن الزبير فقال الآن آتيكم ثم أتى داره فكمن فيها فبعث الوليد إليه فوجده مجتمعا في أصحابه متحرزا فألح عليه بكثرة الرسل والرجال في إثر الرجال فأما حسين فقال كف حتى تنظر وننظر وترى ونرى وأما ابن الزبير فقال لا تعجلوني فانى آتيكم أمهلوني فألحوا عليهما عشيتهما تلك كلها وأول ليلهما وكانوا على حسين أشد إبقاء وبعث الوليد إلى ابن الزبير موالى له فشتموه وصاحوا به يا ابن الكاهلية والله لتأتين الامير أو ليقتلنك فلبث بذلك نهاره كله وأول ليلة يقول الآن أجئ فإذا استحثوه قال والله لقد استربت بكثرة الارسال وتتابع هذه الرجال فلا تعجلوني حتى أبعث إلى الامير من يأتيني برأيه وأمره فبعث إليه أخاه جعفر بن الزبير فقال رحمك الله كف عن عبد الله فانك قد أفزعته وذعرته بكثرة رسلك وهو آتيك غدا إن شاء الله فمر رسلك فلينصرفوا عنا فبعث إليهم فانصرفوا وخرج ابن الزبير من نحت الليل فأخذ طريق الفرع هو وأخوه جعفر ليس معهما ثالث وتجنب الطريق الاعظم مخافة الطلب وتوجه نحو مكة فلما أصبح بعث إليه الوليد فوجده قد خرج فقال مروان والله إن أخطأ مكة فسرح في أثره الرجال فبعث راكبا من موالى بنى أمية في ثمانين راكبا فطلبوه فلم يقدروا عليه فرجعوا فتشاغلوا عن حسين بطلب عبد الله يومهم ذلك حتى أمسوا ثم بعث الرجال إلى حسين عند المساء فقال أصبحوا ثم ترون ونرى فكفوا عنه تلك الليلة ولم يلحوا عليه فخرج حسين من تحت ليلته وهى ليلة الاحد ليومين بقيا من رجب سنة 60 وكان مخرج ابن الزبير قبله بليلة خرج ليلة السبت فأخذ طريق الفرع فبينا عبد الله

[ 253 ]

ابن الزبير يساير أخاه جعفر إذا تمثل جعفر يقول صبرة الحنظلي وكل بنى أم سيسمون ليلة * ولم يبق من أعقابهم غير واحد فقال عبد الله سبحان الله ما أدرت إلى ما أسمع يا أخى قال والله يا أخى ما أردت به شيئا مما تكره فقال فذاك والله أكره إلى أن يكون جاء على لسانك من غير تعمد قال وكأنه تطير منه وأما الحسين فإنه خرج ببنيه وإخوته وبنى أخيه وجل أهل بيته إلا محمد بن الحنفية فانه قال له يا أخى أنت أحب الناس إلى وأعزهم على ولست أدخر النصيحة لاحد من الخلق أحق بها منك تنح بتبعتك عن يزيد ابن معاوية وعن الامصار ما استطعت ثم ابعث رسلك إلى الناس فادعهم إلى نفسك فان بايعوا لك حمدت الله على ذلك وإن أجمع الناس على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ولا عقلك ولا يذهب به مروءتك ولا فضلك إنى أخاف أن تدخل مصرا من هذه الامصار وتأتى جماعة من الناس فيختلفون بينهم فمنهم طائفة معك وأخرى عليك فيقتتلون فتكون لاول الاسنة فإذا خير هذه الامة كلها نفسا وأبا وأما أضيعها دما وأذلها أهلا قال له الحسين فانى ذاهب يا أخى قال فانزل مكة فان اطمأنت بك الدار فسبيل ذلك وإن نبت بك لحقت بالرمال وشعف الجبال وخرجت من بلد إلى بلد حتى تنظر إلى ما يصير أمر الناس وتعرف عند ذلك الرأى فانك أصوب ما يكون رأيا وأحزمه عملا حتى تستقبل الامور استقبالا ولا تكون الامور عليك أبدا أشكل منها حين تستدبرها استدبارا قال يا أخى قد نصحت فأشفقت فأرجو أن يكون رأيك سديدا موفقا * قال أبو مخنف وحدثني عبد الملك بن نوفل بن مساحق عن أبى سعد المقبرى قال نظرت إلى الحسين داخلا مسجد المدينة وإنه ليمشى وهو معتمد على رجلين يعتمد على هذا مرة وعلى هذا مرة وهو يتمثل بقول ابن مفرغ لا ذعرت السوام في فلق الصب‍ * ح مغيرا ولا دعيت يزيدا يوم أعطى من المهابة ضيما * والمنايا يرصدننى أن أحيدا قال فقلت في نفسي والله ما تمثل بهذين البيتين إلا لشئ يريد قال فما مكث إلا يومين حتى بلغني أنه سار إلى مكة ثم إن الوليد بعث إلى عبد الله بن عمر فقال

[ 254 ]

بايع ليزيد فقال إذا بايع الناس بايعت فقال رجل ما يمنعك أن تبايع إنما تريد أن يختلفوا الناس بينهم فيقتتلوا ويتفانوا فإذا جهدهم ذلك قالوا عليكم بعبدالله بن عمر لم يبق غيره بايعوه قال عبد الله ما أحب أن يقتتلوا ولا يختلفوا ولا يتفانوا ولكن إذا بايع الناس ولم يبق غيرى بايعت قال فتركوه وكانوا لا يتخوفونه قال ومضى ابن الزبير حتى أتى مكة وعليها عمرو بن سعيد فلما دخل مكة قال إنما أن عائذ ولم يكن يصلى بصلاتهم ولا يفيض بافاضتهم كان يقف هو وأصحابه ناحية ثم يفيض بهم وحده ويصلى بهم وحده قال فلما سار الحسين نحو مكة قال فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجنى من القوم الظالمين فلما دخل مكة قال فلما توجه تلقاء مدين قال عسى ربى أبى يهدينى سواء السبيل (وفى هذه السنة) عزل يزيد الوليد ابن عتبة عن المدينة عزله في شهر رمضان فأقر عليها عمرو بن سعيد الاشدق (وفيها) قدم عمرو بن سعيد بن العاص المدينة في رمضان فزعم الواقدي أن ابن عمر لم يكن بالمدينة حين ورد نعى معاوية وبيعة يزيد على الوليد وأن ابن الزبير والحسين لما دعيا إلى البيعة ليزيد أبيا وخرجا من ليلتهما إلى مكة فلقيهما ابن عباس وابن عمر جاءيين من مكة فسألاهما ما وراءكما قالا موت معاوية والبيعة ليزيد فقال لهما ابن عمر اتقيا الله ولا تفرقا جماعة المسلمين وأما ابن عمر فقدم فأقام أياما فانتظر حتى جاءت البيعة من البلدان فتقدم إلى الوليد بن عتبة فبايعه وبايعه ابن عباس (وفى هذه السنة) وجه عمرو بن سعيد عمرو بن الزبير إلى أخيه عبد الله ابن الزبير لحربه ذكر الخبر عن ذلك ذكر محمد بن عمر أن عمرو بن سعيد بن العاص الاشدق قدم المدينة في رمضان سنة 60 فدخل عليه أهل المدينة فدخلوا على رجل عظيم الكبر مفوه قال محمد ابن عمر حدثنا هشام بن سعد عن شيبة بن نصاح قال كانت الرسل تجرى بين يزيد ابن معاوية وابن الزبير في البيعة فحلف يزيد أن لا يقبل منه حتى يؤتى به في جامعة وكان الحارث بن خالد المخزومى على الصلاة فمنعه ابن الزبير فلما منعه كتب يزيد

[ 255 ]

إلى عمرو بن سعيد أن ابعث جيشا إلى ابن الزبير وكان عمرو بن سعيد لما قدم المدينة ولى شرطته عمرو بن الزبير لما كان يعلم ما بينه وبين عبد الله بن الزبير من البغضاء فأرسل إلى نفر من أهل المدينة فضربهم ضربا شديدا قال محمد بن عمر حدثنى شرحبيل بن أبى عون عن أبيه قال نظر إلى كل من كان يهوى هوى ابن الزبير فضربه وكان ممن ضرب المنذر بن الزبير وابنه محمد بن المنذر وعبد الرحمن ابن الاسود بن عبد يغوث وعثمان بن عبد الله بن حكيم بن حزام وخبيب بن عبد الله بن الزبير ومحمد بن عمار بن ياسر فضربهم الاربعين إلى الخمسين إلى الستين وفر منه عبد الرحمن بن عثمان وعبد الرحمن بن عمرو بن سهل في أناس إلى مكة فقال عمرو بن سعيد لعمرو بن الزبير من رجل نوجه إلى أخيك قال لا توجه إليه رجلا أبدا أنكأ له منى فاخرج لاهل الديوان عشرات وخرج من موالى أهل المدينة ناس كثير وتوجه معه أنيس بن عمرو الاسلمي في سبعمائة فوجهه في مقدمته فعسكر بالجرف فجاء مروان بن الحكم إلى عمرو بن سعيد فقال لا تغز مكة واتق الله ولا تحل حرمة البيت وخلوا ابن الزبير فقد كبر هذا له بضع وستون سنة وهو رجل لجوج والله لئن لم تقتلوه ليموتن فقال عمرو بن الزبير والله لنقاتلنه ولنغزونه في جوف الكعبة على رغم أنف من رغم فقال مروان والله إن ذلك ليسوءني فسار أنيس بن عمرو الاسلمي حتى نزل بذى طوى وسار عمرو بن الزبير حتى نزل بالابطح فأرسل عمرو بن الزبير إلى أخيه بريمين الخليفة واجعل في عنقك جامعة من فضة لا ترى ولا يضرب الناس بعضهم بعضا واتق الله فإنك في بلد حرام قال ابن الزبير موعدك المسجد فأرسل ابن الزبير عبد الله بن صفوان الجمحى إلى أنيس ابن عمرو من قبل ذى طوى وكان قد ضوى إلى عبد الله بن صفوان قوم ممن نزل حول مكة فقاتلوا أنيس بن عمرو فهزم أنيس بن عمرو وأقبح هزيمة وتعوق عن عمرو جماعة أصحابه فدخل دار علقمة فأتاه عبيدة بن الزبير فأجاره ثم جاء إلى عبد الله بن الزبير فقال إنى قد أجرته فقال أتجير من حقوق الناس هذا ما لا يصلح قال محمد بن عمر فحدثت هذا الحديث محمد بن عبيد بن عمير فقال أخبرني عمرو

[ 256 ]

ابن دينار قال كتب يزيد بن معاوية إلى عمرو بن سعيد أن استعمل عمرو ابن الزبير على جيش وابعثه إلى ابن الزبير وابعث معه أنيس بن عمرو قال فسار عمرو بن الزبير حتى نزل في داره عند الصفا ونزل أنيس بن عمرو بذى طوى فكان عمرو بن الزبير يصلى بالناس ويصلى خلفه عبد الله بن الزبير فإذا انصرف شبك أصابعه في أصابعه ولم يبق أحد من قريش إلا أتى عمرو بن الزبير وقعد عبد الله ابن صفوان فقال مالى لا أرى عبد الله بن صفوان أما والله لئن سرت إليه ليعلمن أن بنى جمح ومن ضوى إليه من غيرهم قليل فبلغ عبد الله بن صفوان كلمته هذه فحركته فقال لعبدالله بن الزبير إنى أراك كأنك تريد البقيا على أخيك فقال عبد الله أنا أبقى عليه يا أبا صفوان والله لو قدرت على عون الذر عليه لاستعنت بها عليه فقال ابن صفوان فأنا أكفيك أنيس بن عمرو فاكفني أخاك قال ابن الزبير نعم فسار عبد الله بن صفوان إلى أنيس بن عمرو وهو بذى طوى فلاقاه في جمع كثير من أهل مكة وغيرهم من الاعوان فهزم أنيس بن عمرو ومن معه وقتلوا مدبرهم وأجازوا على جريحهم وسار مصعب بن عبد الرحمن إلى عمرو وتفرق عنه أصحابه حتى تخلص إلى عمرو بن الزبير فقال عبيدة بن الزبير لعمرو تعال أنا أجيرك فجاء عبد الله بن الزبير فقال قد أجرت عمرا فأجره لى فأبى عبد الله أن يجيره وضربه بكل من كان ضرب بالمدينة وحبسه بسجن عارم قال الواقدي قد اختلفوا علينا في حديث عمرو بن الزبير وكتبت إلى كل ذلك * حدثنى خالد بن إلياس عن أبى بكر بن عبد الله بن أبى الجهم قال لما قدم عمرو بن سعيد المدينة واليا قدم في ذى القعدة سنة 60 فولى عمرو بن الزبير شرطته وقال قد أقسم أمير المؤمنين أن لا يقبل بيعة ابن الزبير إلا أن يؤتى به في جامعة فليبر يمين أمير المؤمنين فإنى أجعل جامعة خفيفة من ورق أو ذهب ويلبس عليها برنسا ولا ترى إلا أن يسمع صوتها وقال خذها فليست للعزيز بخطة * وفيها مقال لامرئ متذلل أعامر إن القوم ساموك خطة * ومالك في الجيران عدل معذل

[ 257 ]

قال محمد وحدثني رياح بن مسلم عن أبيه قال بعث إلى عبد الله بن الزبير عمرو ابن سعيد فقال له أبو شريح لا تغز مكة فإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إنما أذن الله لى في القتال بمكة ساعة من نهار ثم عادت كحرمتها فأبى عمرو أن يسمع قوله وقال نحن أعلم بحرمتها منك أيها الشيخ فبعث عمرو جيشا مع عمرو ومعه أنيس بن عمرو الاسلمي وزيد غلام محمد بن عبد الله بن الحارث بن هشام وكانوا نحو ألفين فقاتلهم أهل مكة فقتل أنيس بن عمرو والمهاجر مولى القلمس في ناس كثير وهزم جيش عمرو فجاء عبيدة بن الزبير فقال لاخيه عمرو أنت في ذمتي وأنا لك جار فانطلق به إلى عبد الله فدخل على ابن الزبير فقال ما هذا الدم الذى في وجهك يا خبيث فقال عمرو لسنا على الاعقاب تدمى كلومنا * ولكن على أقدامنا يقطر الدما فحبسه وأخفر عبيدة وقال أمرتك أن تجير هذا الفاسق المستحل لحرمات الله ثم أقاد عمرا من كل من ضربه إلا المنذر وابنه فإنهما أبيا أن يستقيدا وماتا تحت السياط قال وإنما سمى سجن عارم لعبد كان يقال له زيد عارم فسمى السجن به وحبس ابن الزبير أخاه عمرا فيه قال الواقدي حدثنا عبد الله بن أبى يحيى عن أبيه قال كان مع أنيس بن عمرو ألفان (وفى هذه السنة) وجه أهل الكوفة الرسل إلى الحسين عليه السلام وهو بمكة يدعونه إلى القدوم عليهم فوجه إليهم ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبى طالب رضى الله عنه ذكر الخبر عن مراسلة الكوفيين الحسين عليه السلام للمصير إلى ما قبلهم وأمر مسلم بن عقيل رضى الله عنه * حدثنى زكرياء بن يحيى الضرير قال حدثنا أحمد بن جناب المصيصى ويكنى أبا الوليد قال حدثنا خالد بن يزيد بن أسد بن عبد الله القسرى قال حدثنا عمار الدهنى قال قلت لابي جعفر حدثنى بمقتل الحسين حتى كأنى حضرته قال مات معاوية والوليد بن عتبة بن أبى سفيان على المدينة فأرسل إلى الحسين ابن على ليأخذ بيعته فقال له أخرني وارفق فأخره فخرج إلى مكة فأتاه أهل

[ 258 ]

الكوفة ورسلهم إنا قد حبسنا أنفسنا عليك ولسنا نحضر الجمعة مع الوالى فاقدم علينا وكان النعمان بن بشير الانصاري على الكوفة قال فبعث الحسين إلى مسلم بن عقيل بن أبى طالب ابن عمه فقال له سر إلى الكوفة فانظر ما كتبوا به إلى فإن كان حقا خرجنا إليهم فخرج مسلم حتى أتى المدينة فأخذ منها دليلين فمرا به في البرية فأصابهم عطش فمات أحد الدليلين وكتب مسلم إلى الحسين يستعفيه فكتب إليه الحسين أن امض إلى الكوفة فخرج حتى قدمها ونزل على رجل من أهلها يقال له ابن عوسجة قال فلما تحدث أهل الكوقة بمقدمه دبوا إليه فبايعوه فبايعه منهم اثنا عشر ألفا قال فقام رجل ممن يهوى يزيد بن معاوية إلى النعمان بن بشير فقال له إنك ضعيف أو متضعف قد فسد البلاد فقال له النعمان أن أكون ضعيفا وأنا في طاعة الله أحب إلى من أن أكون قويا في معصية الله وما كنت لاهتك سترا ستره الله فكتب بقول النعمان إلى يزيد فدعا مولى له يقال له سرجون وكان يستشيره فأخبره الخبر فقال له أكنت قابلا من معاوية لو كان حيا قال نعم قال فاقبل منى فإنه ليس للكوفة إلا عبيدالله بن زياد فولها إياه وكان يزيد عليه ساخطا وكان هم بعزله عن البصرة فكتب إليه برضائه وإنه قد ولاه الكوفة مع البصرة وكتب إليه أن يطلب مسلم بن عقيل فيقتله إن وجده قال فأقبل عبيدالله في وجوه أهل البصرة حتى قدم الكوفة متلثما ولا يمر على مجلس من مجالسهم فيسلم إلا قالوا عليك السلام يا ابن بنت رسول الله وهم يظنون أنه الحسين بن على عليه السلام حتى نزل القصر فدعا مولى له فأعطاه ثلاثة آلاف وقال له اذهب حتى تسأل عن الرجل الذى يبايع له أهل الكوفة فأعلمه أنك رجل من أهل حمص جئت لهذا الامر وهذا مال تدفعه إليه ليتقوى فلم يزل يتلطف ويرفق به حتى دل على شيخ من أهل الكوفة يلى البيعة فلقيه فأخبره فقال له الشيخ لقد سرنى لقاؤك إياى وقد ساءنى فأما ما سرنى من ذلك فما هداك الله له وأما ما ساءنى فإن أمرنا لم يستحكم بعد فأدخله إليه فأخذ منه المال وبايعه ورجع إلى عبيدالله فأخبره فتحول مسلم حين قدم عبيدالله بن زياد من الدار التى كان فيها إلى منزل هانئ بن عروة المرادى وكتب

[ 259 ]

مسلم بن عقيل إلى الحسين بن على عليه السلام يخبره ببيعته اثنى عشر ألفا من أهل الكوفة ويأمره بالقدوم وقال عبيدالله لوجوه أهل الكوفة مالى أرى هانئ بن عروة لم يأتنى فيمن أتانى قال فخرج إليه محمد بن الاشعث في ناس من قومه وهو على باب داره فقالوا إن الامير قد ذكرك واستبطأك فانطلق إليه فلم يزالوا به حتى ركب وسار حتى دخل على عبيدالله وعنده شريح القاضى فلما نظر إليه قال لشريح أتتك بحائن رجلاه فلما سلم عليه قال يا هانئ أين مسلم قال ما أدرى فأمر عبيدالله مولاه صاحب الدراهم فخرج إليه فلما رآه قطع به فقال أصلح الله الامير والله ما دعوته إلى منزلي ولكنه جاء فطرح نفسه على قال ائتنى به قال والله لو كان تحت قدمى ما رفعتهما عنه قال ادنوه إلى فادنى فضربه على حاجبه فشجه قال وأهوى هانئ إلى سيف شرطى ليسله فدفع عن ذلك وقال قد أحل الله دمك فأمر به فحبس في جانب القصر وقال غير أبى جعفر الذى جاء بهانئ بن عروة إلى عبيدالله بن زياد عمرو بن الحجاج الزبيدى ذكر من قال ذلك * حدثنا عمرو بن على قال حدثنا أبو قتيبة قال حدثنا يونس بن أبى اسحاق عن العيزار بن حريث قال حدثنا عمارة بن عقبة بن أبى معيط فجلس في مجلس ابن زياد فحدث قال طردت اليوم حمرا فأصبت منها حمارا فعقرته فقال له عمرو بن الحجاج الزبيدى إن حمارا تعقره أنت لحمار حائن فقال ألا أخبرك بأحين من هذا كله رجل جئ بأبيه كافرا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر به أن يضرب عنقه فقال يا محمد فمن للصبية قال النار فأنت من الصبية وأنت في النار قال فضحك ابن زياد رجع الحديث إلى حديث عمار الدهنى عن أبى جعفر قال فبينا هو كذلك إذ خرج الخير إلى مذحج فإذا على باب القصر جلبة سمعها عبيدالله فقال ما هذا فقالوا مذحج فقال لشريح اخرج إليهم فأعلمهم أنى إنما حبسته لاسائله وبعث عينا عليه من مواليه يسمع ما يقول فمر بهانئ بن عروة فقال له هانئ اتق الله يا شريح فانه قاتلي فخرج شريح حتى قام على باب القصر فقال لا بأس عليه إنما حبسه الامير ليسائله فقال صدق ليس على صاحبكم بأس فتفرقوا فأتى مسلما الخبر فنادى

[ 260 ]

بشعاره فاجتمع إليه أربعة آلاف من أهل الكوفة فقدم مقدمته وعبى ميمنته وميسرته وسار في القلب إلى عبيدالله وبعث عبيدالله إلى وجوه أهل الكوفة فجمعهم عنده في القصر فلما سار إليه مسلم فانتهى إلى باب القصر أشرفوا على عشائرهم فجعلوا يكلمونهم ويردونهم فجعل أصحاب مسلم يتسللون حتى أمسى في خمسمائة فلما اختلط الظلام ذهب أولئك أيضا فلما رأى مسلم أنه قد بقى وحده يتردد في الطرق حتى أتى بابا فنزل عليه فخرجت إليه امرأة فقال لها اسقيني فسقته ثم دخلت فمكثت ما شاء الله ثم خرجت فإذا هو على الباب قالت يا عبد الله إن مجلسك مجلس ريبة فقم قال إنى أنا مسلم بن عقيل فهل عندك مأوى قالت نعم ادخل وكان ابنها مولى لمحمد ابن الاشعث فلما علم به الغلام انطلق إلى محمد فأخبره فانطلق محمد إلى عبيدالله فأخبره فبعث عبيدالله عمرو بن حريث المخزومى وكان صاحب شرطه إليه ومعه عبد الرحمن ابن محمد بن الاشعث فلم يعلم مسلم حتى أحيط بالدار فلما رأى ذلك مسلم خرج إليهم بسيفه فقاتلهم فأعطاه عبد الرحمن الامان فأمكن من يده فجاء به إلى عبيدالله فأمر به فأصعد إلى أعلى القصر فضربت عنقه وألقى جثته إلى الناس وأمر بهانئ فسحب إلى الكناسة فصلب هنالك وقال شاعرهم في ذلك فإن كنت لا تدرين ما الموت فانظري * إلى هانئ في السوق وابن عقيل أصابهما أمر الامام فأصبحا * أحاديث من يسعى بكل سبيل أيركب أسماء الهماليج آمنا * وقد طلبته مذحج بذحول وأما أبو مخنف فإنه ذكر من قصة مسلم بن عقيل وشخوصه إلى الكوفة ومقتله قصة هي أشبع وأتم من خبر عمار الدهنى عن أبى جعفر الذى ذكرناه ما حدثت عن هشام بن محمد عنه قال حدثنى عبد الرحمن بن جندب قال حدثنى عقبة بن سمعان مولى الرباب ابنة امرئ القيس الكلبية امرأة حسين وكانت مع سكينة ابنة حسين وهو مولى لابيها وهى إذ ذاك صغيرة قال خرجنا فلزمنا الطريق الاعظم فقال للحسين أهل بيته لو تنكبت الطريق الاعظم كما فعل ابن الزبير لا يلحقك الطلب قال لا والله لا أفارقه حتى يقضى الله ما هو أحب إليه قال فاستقبلنا

[ 261 ]

عبد الله بن مطيع فقال للحسين جعلت فداك أين تريد قال أما الآن فإنى أريد مكة وأما بعدها فإنى أستخير الله قال خار الله لك وجعلنا فداك فإذا أنت أتيت مكة فإياك أن تقرب الكوفة فإنها بلدة مشؤمة بها قتل أبوك وخذل أخوك واغتيل بطعنة كادت تأتى على نفسه الزم الحرم فإنك سيد العرب لا يعدل بك والله أهل الحجاز أحدا ويتداعى إليك الناس من كل جانب لا تفارق الحرم فذاك عمى وخالى فوالله لئن هلكت لنسترقن بعدك فأقبل حتى نزل مكة فأقبل أهلها يختلفون إليه ويأتونه ومن كان بها من المعتمرين وأهل الآفاق وابن الزبير بها قد لزم الكعبة فهو قائم يصلى عندها عامة النهار ويطوف ويأتى حسينا فيمن يأتيه فيأتيه اليومين المتواليين ويأتيه بين كل يومين مرة ولا يزال يشير عليه بالرأى وهو أثقل خلق الله على ابن الزبير قد عرف أن أهل الحجاز لا يبايعونه ولا يتابعونه أبدا ما دام حسين بالبلد وأن حسينا أعظم في أعينهم وأنفسهم منه وأطوع في الناس منه فلما بلغ أهل الكوفة هلاك معاوية أرجف أهل العراق بيزيد وقالوا قد امتنع حسين وابن الزبير ولحقا بمكة فكتب أهل الكوفة إلى حسين وعليهم النعمان ابن بشير * قال أبو مخنف فحدثني الحجاج بن على عن محمد بن بشر الهمداني قال اجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد فذكرنا هلاك معاوية فحمدنا الله عليه فقال لنا سليمان بن صرد إن معاوية قد هلك وإن حسينا قد تقبض على القوم ببيعته وقد خرج إلى مكة وأنتم شيعته وشيعة أبيه فإن كنتم تعلمون أنكم ناصروه ومجاهدو عدوه فاكتبوا إليه وإن خفتم الوهل والفشل فلا تغروا الرجل من نفسه قالوا لا بل نقاتل عدوه ونقتل أنفسنا دونه قال فاكتبوا إليه فكتبوا إليه (بسم الله الرحمن الرحيم) لحسين بن على من سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة ورفاعة ابن شداد وحبيب بن مظاهر وشيعته من المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة سلام عليك فإنا نحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو أما بعد فالحمد لله الذى قصم عدوك الجبار العنيد الذى انتزى على هذه الامة فابتزها أمرها وغصبها فيأها وتأمر عليها بغير رضى منها ثم قتل خيارها واستبقى شرارها وجعل مال الله دولة بين جبابرتها

[ 262 ]

وأغنيائها فبعدا له كما بعدت ثمود إنه ليس علينا إمام فأقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الحق والنعمان بن بشير في قصر الامارة لسنا نجتمع معه في جمعة ولا نخرج معه إلى عيد ولو قد بلغنا أنك قد أقبلت إلينا أخرجناه حتى نلحقه بالشأم إن شاء الله والسلام ورحمة الله عليك قال ثم سرحنا بالكتاب مع عبد الله بن سبع الهمداني وعبد الله بن وال وأمرناهما بالنجاء فخرج الرجلان مسرعين حتى قدما على حسين لعشر مضين من شهر رمضان بمكة ثم لبثنا يومين ثم سرحنا إليه قيس بن مسهر الصيداوي وعبد الرحمن بن عبد الله بن الكدن الارحبي وعمارة بن عبيد السلولى فحملوا معهم نحوا من ثلاثة وخمسين صحيفة من الرجل والاثنين والاربعة قال ثم لبثنا يومين آخرين ثم سرحنا إليه هانئ بن هانئ السبيعى وسعيد بن عبد الله الحنفي وكتبنا معهما (بسم الله الرحمن الرحيم) لحسين بن على من شيعته من المؤمنين والمسلمين أما بعد فحيهلا فإن الناس ينتظرونك ولا رأى لهم في غيرك فالعجل العجل والسلام عليك وكتب شبث بن ربعى وحجار بن أبجر ويزيد بن الحارث ويزيد بن رويم وعزرة ابن قيس وعمرو بن الحجاج الزبيدى ومحمد بن عمير التميمي أما بعد فقد اخضر الجناب وأينعت الثمار وطمت الجمام فإذا شئت فاقدم على جند لك مجند والسلام عليك وتلاقت الرسل كلها عنده فقرأ الكتب وسأل الرسل عن أمر الناس ثم كتب مع هانئ بن هانئ السبيعى وسعيد بن عبد الله الحنفي وكان آخر الرسل (بسم الله الرحمن الرحيم) من حسين بن على إلى الملا من المؤمنين والمسلمين أما بعد فان هانئا وسعيدا قدما على بكتبكم وكانا آخر من قدم على من رسلكم وقد فهمت كل الذى اقتصصتم وذكرتم ومقالة جلكم إنه ليس علينا إمام فأقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الهدى والحق وقد بعثت إليكم أخى وابن عمى وثقتى من أهل بيتى وأمرته أن يكتب إلى بحالكم وأمركم ورأيكم فان كتب إلى أنه قد أجمع رأى ملئكم وذوى الفضل والحجى منكم على مثل ما قدمت على به رسلكم وقرأت في كتبكم أقدم عليكم وشيكا إن شاء الله فلعمري ما الامام إلا العامل بالكتاب والآخذ بالقسط والدائن بالحق والحابس نفسه على ذات الله والسلام قال أبو مخنف وذكر أبو المخارق

[ 263 ]

الراسبى قال اجتمع ناس من الشيعة بالبصرة في منزل امرأة من عبد القيس يقال لها مارية ابنة سعد أو منقذ أياما وكانت تشيع وكان منزلها لهم مألفا يتحدثون فيه وقد بلغ ابن زياد إقبال الحسين فكتب إلى عامله بالبصرة ان يضع المناظر ويأخذ بالطريق قال فأجمع يزيد بن نبيط الخروج وهو من عبد القيس إلى الحسين وكان له بنون عشرة فقال أيكم يخرج معى فانتدب معه ابنان له عبد الله وعبيدالله فقال لاصحابه في بيت تلك المرأة انى قد أزمعت على الخروج وأنا خارج فقالوا له انا نخاف عليك أصحاب ابن زياد فقال إنى والله لو قد استوت أخفافهما بالجدد لهان على طلب من طلبني قال ثم خرج فقوى في الطريق حتى انتهى إلى حسين عليه السلام فدخل في رحله بالابطح وبلغ الحسين مجيئه فجعل يطلبه وجاء الرجل إلى رحل الحسين فقيل له قد خرج إلى منزلك فأقبل في أثره ولما لم يجده الحسين جلس في رحله ينتظره وجاء البصري فوجده في رحله جالسا فقال بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا قال فسلم عليه وجلس إليه فخبره الذى جاء له فدعا له بخير ثم أقبل معه حتى أتى فقاتل معه فقتل معه هو وابناه ثم دعا مسلم بن عقيل فسرحه مع قيس بن مسهر الصيداوي وعمارة بن عبيد السلولى وعبد الرحمن بن عبد الله بن الكدن الارحبي فأمره بتقوى الله وكتمان أمره واللطف فإن رأى الناس مجتمعين مستوثقين عجل إليه بذلك فأقبل مسلم حتى أتى المدينة فصلى في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وودع من أحب من أهله ثم استأجر دليلين من قيس فأقبلا به فضلا الطريق وجارا وأصابهم عطش شديد وقال الدليلان هذا الطريق حتى ينتهى إلى الماء وقد كادوا أن يموتوا عطشا فكتب مسلم بن عقيل مع قيس بن مسهر الصيداوي إلى حسين وذلك بالمضيق من بطن الخبيت أما بعد فإنى أقبلت من المدينة معى دليلان لى فجارا عن الطريق وضلا واشتد علينا العطش فلم يلبثا أن ماتا وأقبلنا حتى انتهينا إلى الماء فلم ننج إلا بحشاشة أنفسنا وذلك الماء بمكان يدعى المضيق من بطن الخبيت وقد تطيرت من وجهى هذا فان رأيت أعفيتني منه وبعثت غيرى والسلام فكتب إليه حسين أما بعد فقد خشيت ألا

[ 264 ]

يكون حملك على الكتاب إلى في الاستعفاء من الوجه الذى وجهتك له إلا الجبن فامض لوجهك الذى وجهتك له والسلام عليك فقال مسلم لمن قرأ الكتاب هذا ما لست أتخوفه على نفسي فأقبل كما هو حتى مر بماء لطئ فنزل بهم ثم ارتحل منه فإذا رجل يرمى الصيد فنطر إليه قد رمى ظبيا حين أشرف له فصرعه فقال مسلم يقتل عدونا إن شاء الله ثم أقبل مسلم حتى دخل الكوفة فنزل دار المختار بن أبى عبيد وهى التى تدعى اليوم دار مسلم بن المسيب وأقبلت الشيعة تختلف إليه فلما اجتمعت إليه جماعة منهم قرأ عليهم كتاب حسين فأخذوا يبكون فقام عابس بن أبى شبيب الشاكرى فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإنى لا أخبرك عن الناس ولا أعلم ما في أنفسهم وما أغرك منهم ؟ والله أحدثك عما أنا موطن نفسي عليه والله لاجيبنكم إذا دعوتم ولاقاتلن معكم عدوكم ولاضربن بسيفي دونكم حتى ألقى الله لا أريد بذلك إلا ما عند الله فقام فقام حبيب بن مظاهر الفقعسى فقال رحمك الله قد قضيت ما في نفسك بواجز من قولك ثم قال وأنا والله الذى لا إله إلا هو على مثل ما هذا عليه ثم قال الحنفي مثل ذلك فقال الحجاج بن على فقلت لمحمد بن بشر فهل كان منك أنت قول فقال إن كنت لاحب أن يعز الله أصحابي بالظفر وما كنت لاحب أن أقتل وكرهت أن أكذب واختلفت الشيعة إليه حتى علم مكانه فبلغ ذلك النعمان بن بشير قال أبو مخنف حدثنى نمر بن وعلة عن أبى الوداك قال خرج الينا النعمان بن بشير فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فاتقوا الله عباد الله ولا تسارعوا إلى الفتنة والفرقة فان فيهما يهلك الرجال وتسفك الدماء وتغصب الاموال وكان حليما ناسكا يحب العافية قال إنى لم أقاتل من لم يقاتلني ولا أثب على من لا يثب على ولا أشاتمكم ولا أتحرش بكم ولا آخذ بالقرف ولا الظنة ولا التهمة ولكنكم إن أبديتم صفحتكم لى ونكثتم بيعتكم وخالفتم إمامكم فوالله الذى لا إله غيره لاضربنكم بسيفي ما ثبت قائمه في يدى ولو لم يكن لى منكم ناصر أما إنى أرجو أن يكون من يعرف الحق منكم أكثر ممن يرديه الباطل قال فقام إليه عبد الله بن مسلم بن سعيد الحضرمي حليف بنى أمية فقال إنه

[ 265 ]

لا يصلح ما ترى إلى الغشم إن هذا الذى أنت عليه فيما بينك وبين عدوك رأى المستضعفين فقال أن أكون من السمتضعفين في طاعة الله أحب إلى من أن أكون من الاعزين في معصية الله ثم نزل وخرج عبد الله بن مسلم وكتب إلى يزيد بن معاوية أما بعد فان مسلم بن عقيل قد قدم الكوفة فبايعته الشيعة للحسين بن على فان كان لك بالكوفة حاجة فابعث إليها رجلا قويا ينفذ أمرك ويعمل مثل عملك في عدوك فان النعمان بن بشير رجل ضعيف أو هو يتضعف فكان أول من كتب إليه ثم كتب إليه عمارة بن عقبة بنحو من كتابه ثم كتب إليه عمر بن سعد بن أبى وقاص بمثل ذلك قال هشام قال عوانة فلما اجتمعت الكتب عند يزيد ليس بين كتبهم إلا يومان دعا يزيد بن معاوية سرجون مولى معاوية فقال ما رأيك فان حسينا قد توجه نحو الكوفة ومسلم بن عقيل بالكوفة يبايع للحسين وقد بلغني عن النعمان ضعف وقول سيئ وأقرأه كتبهم فما ترى من أستعمل على الكوفة وكان يزيد عاتبا على عبيدالله بن زياد فقال سرجون أرأيت معاوية لو نشر لك أكنت آخذا برأيه قال نعم فأخرج عهد عبيد الله على الكوفة فقال هذا رأى معاوية ومات وقد أمر بهذا الكتاب فأخذ برأيه وضم المصرين إلى عبيدالله وبعث إليه بعهده على الكوفة ثم دعا مسلم بن عمرو الباهلى وكان عنده فبعثه إلى عبيد الله بعهده إلى البصرة وكتب إليه معه أما بعد فإنه كتب إلى شيعتي من أهل الكوفة يخبرونني أن ابن عقيل بالكوفة يجمع الجموع لشق عصا المسلمين فسر حين تقرأ كتابي هذا حتى تأتى أهل الكوفة فتطلب ابن عقيل كطلب الخرزة حتى تثقفه فتوثقه أو تقتله أو تنفيه والسلام فأقبل مسلم ابن عمرو حتى قدم على عبيد الله بالبصرة فأمر عبيدالله بالجهاز والتهيئ والمسير إلى الكوفة من الغد وقد كان حسين كتب إلى أهل البصرة كتابا قال هشام قال أبو مخنف حدثنى الصقعب بن زهير عن أبى عثمان النهدي قال كتب حسين مع مولى لهم يقال له سليمان وكتب بنسخة إلى رؤس الاخماس بالبصرة وإلى الاشراف فكتب إلى مالك بن مسمع البكري وإلى الاحنف بن قيس وإلى المنذر بن الجارود وإلى مسعود بن عمرو وإلى قيس بن الهيثم وإلى عمرو بن عبيدالله بن

[ 266 ]

معمر فجاءت منه نسخة واحدة إلى جميع أشرافها أما بعد فان الله اصطفى محمدا صلى الله عليه وسلم على خلقه وأكرمه بنبوته واختاره لرسالته ثم قبضه الله إليه وقد نصح لعبادة وبلغ ما أرسل به صلى الله عليه وسلم وكنا أهله وأولياءه وأوصباءه وورثته وأحق الناس بمقامه في الناس فاستأثر علينا قومنا بذلك فرضينا وكرهنا الفرقة وأحببنا العافية ونحن نعلم أنا أحق بذلك الحق المستحق علينا ممن تولاه وقد أحسنوا وأصلحوا وتحروا الحق فرحمهم الله وغفر لنا ولهم وقد بعثت رسولي إليكم بهذا الكتاب وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فان السنة قد أميتت وإن البدعة قد أحييت وأن تسمعوا قولى وتطيعوا أمرى أهدكم سبيل الرشاد والسلام عليكم ورحمة الله فكل من قرأ ذلك الكتاب من أشراف الناس كتمه غير المنذر بن الجارود فانه خشى بزعمه أن يكون دسيسا من قبل عبيدالله فجاءه بالرسول من العشية التى يريد صبيحتها أن يسبق إلى الكوفة وأقرأه كتابه فقدم الرسول فضرب عنقه وصعد عبيدالله منبر البصرة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فوالله ما تقرن بى الصعبة ولا يقعقع لى بالشنان وإنى لنكل لمن عاداني وسم لمن حاربنى أنصف القارة من راماها يا أهل البصرة إن أمير المؤمنين ولانى الكوفة وأنا غاد إليها الغداة وقد استخلفت عليكم عثمان بن زياد بن أبى سفيان وإياكم والخلاف والارجاف فوالذي لا إله غيره لئن بلغني عن رجل منكم خلاف لاقتلنه وعريفه ووليه ولآخذن الادنى بالاقصى حتى تستمعوا لى ولا يكون فيكم مخالف ولا مشاق أنا ابن زياد أشبهته من بين من وطئ الحصى ولم ينتزعني شبه خال ولا ابن عم ثم خرج من البصرة واستخلف أخاه عثمان بن زياد وأقبل إلى الكوفة ومعه مسلم بن عمرو الباهلى وشريك بن الاعور الحارثى وحشمه وأهل بيته حتى دخل الكوفة وعليه عمامة سوداء وهو متلثم والناس قد بلغهم إقبال حسين إليهم فهم ينتظرون قدومه فظنوا حين قدم عبيدالله أنه الحسين فأخذ لا يمر على جماعة من الناس إلا سلموا عليه وقالوا مرحبا بك يا ابن رسول الله قدمت خير مقدم فرأى من تباشيرهم بالحسين عليه السلام

[ 267 ]

ما ساءه فقال مسلم بن عمرو لما أكثروا تأخروا هذا الامير عبيدالله بن زياد فأخذ حين أقبل على الظهر وانما معه بضعة عشر رجلا فلما دخل القصر وعلم الناس أنه عبيدالله بن زياد دخلهم من ذلك كآبة وحزن شديد وغاظ عبيدالله ما سمع منهم وقال ألا أرى هؤلاء كما أرى * قال هشام قال أبو مخنف فحدثني المعلى بن كليب عن أبى وداك قال لما نزل القصر نودى الصلاة جامعة قال فاجتمع الناس فخرج الينا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإن أمير المؤمنين أصلحه الله ولانى مصركم وثغركم وأمرني بانصاف مظلومكم واعطاء محرومكم وبالاحسان إلى سامعكم ومطيعكم وبالشدة على مريبكم وعاصيكم وأنا متبع فيكم أمره ومنفذ فيكم عهده فأنا لمحسنكم ومطيعكم كالوالد البر وسوطي وسيفي على من ترك أمرى وخالف عهدي فليبق امرؤ على نفسه الصدق ينبى عنك لا الوعيد ثم نزل فأخذ العرفاء والناس أخذا شديدا فقال اكتبوا إلى الغرباء ومن فيكم من طلبة أمير المؤمنين ومن فيكم من الحرورية وأهل الريب الذين رأيهم الخلاف والشقاق فمن كتبهم لنا فبرئ ومن لم يكتب لنا أحدا فيضمن لنا ما في عرافته ألا يخالفنا منهم مخالف ولا يبغى علينا منهم باغ فمن لم يفعل برئت منه الذمة وحلال لنا ماله وسفك دمه وأيما عريف وجد في عرافته من بغية أمير المؤمنين أحد لم يرفعه الينا صلب على باب داره وألغيت تلك العرافة من العطاء وسير إلى موضع بعمان الزارة * وأما عيسى بن يزيد الكنانى فانه قال فيما ذكر عمر بن شبة عن هارون بن مسلم عن على بن صالح عنه قال لما جاء كتاب يزيد إلى عبيدالله بن زياد انتخب من أهل البصرة خمسمائة فيهم عبد الله بن الحارث بن نوفل وشريك بن الاعور وكان شيعة لعلى فكان أول من سقط بالناس شريك فيقال إنه تساقط غمرة ومعه ناس ثم سقط عبد الله بن الحارث وسقط معه ناس ورجوا أن يلوى عليهم عبيدالله ويسبقه الحسين إلى الكوفة فجعل لا يلتفت إلى من سقط ويمضى حتى ورد القادسية وسقط مهران مولاه فقال أيا مهران على هذه الحال ان أمسكت عنك حتى تنظر إلى القصر فلك مائة ألف قال لا والله ما أستطيع فنزل عبيد الله فأخرج ثيابا مقطعة من مقطعات

[ 268 ]

اليمن ثم اعتجر بمعجرة يمانية فركب بغلته ثم انحدر راجلا وحده فجعل يمر بالمحارس فكلما نظروا إليه لم يشكوا أنه الحسين فيقولون مرحبا بك يا ابن رسول الله وجعل لا يكلمهم وخرج إليه الناس من دورهم وبيوتهم وسمع بهم النعمان بن بشير فغلق عليه وعلى خاصته وانتهى إليه عبيدالله وهو لا يشك انه الحسين ومعه الخلق يضجون فكلمه النعمان فقال أنشدك الله إلا تنحيت عنى ما أنا بمسلم إليك أمانتى وما في قتلك من أرب فجعل لا يكلمه ثم إنه دنا وتدلى الآخر بين شرفتين فجعل يكلمه فقال افتح لافتحت فقد طال ليلك فسمعها إنسان خلفه فتكفى إلى القوم فقال أي قوم ابن مرجانة والذى لا إله غيره فقالوا ويحك إنما هو الحسين ففتح له النعمان فدخل وضربوا الباب في وجوه الناس فانفضوا وأصبح فجلس على المنبر فقال أيها الناس إنى لاعلم أنه قد سار معى وأظهر الطاعة لى من هو عدو للحسين حين ظن أن الحسين قد دخل البلد وغلب عليه والله ما عرفت منكم أحدا ثم نزل وأخبر أن مسلم بن عقيل قدم قبله بليلة وأنه بناحية الكوفة فدعا مولى لبنى تميم فأعطاه مالا وقال انتحل هذا الامر وأعنهم بالمال واقصد لهانئ ومسلم وانزل عليه فجاء هانئا فأخبره أنه شيعة وأن معه مالا وقدم شريك بن الاعور شاكيا فقال لهانئ مر مسلما يكون عندي فإن عبيدالله يعودني وقال شريك لمسلم أرأيتك إن أمكنتك من عبيدالله أضاربه أنت بالسيف قال نعم والله وجاء عبيدالله شريكا يعوده في منزل هانئ وقد قال شريك لمسلم إذا سمعتني أقول اسقوني ماء فاخرج عليه فاضربه وجلس عبيدالله على فراش شريك وقام على رأسه مهران فقال اسقوتى ماء فخرجت جارية بقدح فرأت مسلما فزالت فقال شريك اسقوني ماء ثم قال الثالثة ويلكم تحموني الماء أسقونيه ولو كانت فيه نفسي ففطن مهران فغمز عبيدالله فوثب فقال شريك أيها الامير إنى أريد أن أوصى إليك قال أعود إليك فجعل مهران يطرد به وقال أراد والله قتلك قال وكيف مع إكرامي شريكا وفى بيت هانئ ويد أبى عنده يد فرجع فأرسل إلى أسماء بن خارجة ومحمد بن الاشعث فقال ائتيانى بهانئ فقالا له إنه لا يأتي إلا بالامان قال وماله وللامان وهل أحدث

[ 269 ]

حدثا انطلقا فإن لم يأت إلا بأمان فآمناه تأتياه فدعواه فقال إنه إن أخذني قتلني فلم يزالا به حتى جاءا به وعبيدالله يخطب يوم الجمعة فجلس في المسجد وقد رجل هاني غدير تيه فلما صلى عبيدالله قال يا هانئ فتبعه ودخل فسلم فقال عبيدالله يا هانئ أما تعلم أن أبى قدم هذا البلد فلم يترك أحدا من هذه الشيعة إلا قتله غير أبيك وغير حجر وكان من حجر ما قد علمت ثم لم يزل يحسن صحبتك ثم كتب إلى أمير الكوفة ان حاجتى قبلك هانئ قال نعم قال فكان جزائي أن خبأت في بيتك رجلا ليقتلني قال ما فعلت فأخرج التميمي الذى كان عينا عليهم فلما رآه هانئ علم أن قد أخبره الخبر فقال أيها الامير قد كان الذى بلغك ولن أضيع يدك عنى فأنت آمن وأهلك فسر حيث شئت فكبا عبيدالله عندها ومهران قائم على رأسه في يده معكزة فقال واذلاه هذا العبد الحائك يؤمنك في سلطانك فقال خذه فطرح المعكزة وأخذ بضفيرتي هانئ ثم أقنع بوجهه ثم أخذ عبيدالله المعكزة فضرب به وجه هانئ وندر الزج فارتز في الجدار ثم ضرب وجهه حتى كسر أنفه وجبينه وسمع الناس الهيعة وبلغ الخبر مذحج فأقبلوا فأطافوا بالدار وأمر عبيدالله بهانئ فألقى في بيت وصيح المذحجيون وأمر عبيدالله مهران أن يدخل عليه شريحا فخرج فأدخله عليه ودخلت الشرط معه فقال يا شريح قد ترى ما يصنع بى قال أراك حيا قال وحى أنا مع ما ترى أخبر قومي أنهم إن انصرفوا قتلني فخرج إلى عبيدالله فقال قد رأيته حيا ورأيت أثرا سيئا قال وتنكر أن يعاقب الوالى رعيته اخرج إلى هؤلاء فأخبرهم فخرج وأمر عبيدالله الرجل فحرج معه فقال لهم شريح ما هذه الرعة السيئة الرجل حى وقد عاتبه سلطانه بضرب لم يبلغ نفسه فانصرفوا ولا تحلوا بأنفسكم ولا بصاحبكم فانصرفوا وذكر هشام عن أبى مخنف عن المعلى بن كليب عن أبى الوداك قال نزل شريك بن الاعور على هانئ ابن عروة المرادى وكان شريك شيعيا وقد شهد صفين مع عمار وسمع مسلم بن عقيل بمجئ عبيدالله ومقالته التى قالها وما أخذ به العرفاء والناس فخرج من دار المختار وقد علم به حتى انتهى إلى دار هانئ بن عروة المرادى فدخل بابه وأرسل

[ 270 ]

إليه أن اخرج فخرج إليه هانئ فكره هانئ مكانه حين رآه فقال له مسلم أتيتك لتجيرني وتضيفنى فقال رحمك الله لقد كلفتني شططا ولولا دخولك دارى وثقتك لاحببت ولسألتك أن تخرج عنى غير أنه يأخذني من ذلك ذمام وليس مردود مثلى على مثلك عن جهل أدخل فآواه وأخذت الشيعة تختلف إليه في دار هانئ ابن عروة ودعا ابن زياد مولى يقال له معقل فقال له خذ ثلاثة آلاف درهم ثم اطلب مسلم بن عقيل واطلب لنا أصحابه ثم أعطهم هذه الثلاثة آلاف فقال لهم استعينوا بها على حرب عدوكم وأعلمهم أنك منهم فانك لو قد أعطيتها إياهم اطمأنوا إليك ووثقوا بك ولم يكتموك شيئا من أخبارهم ثم اغد عليهم ورح ففعل ذلك فجاء حتى أتى إلى مسلم بن عوسجة الاسدي من بنى سعد بن ثعلبة في المسجد الاعظم وهو يصلى وسمع الناس يقولون إن هذا يبايع للحسين فجاء فجلس حتى فرغ من صلاته ثم قال يا عبد الله إنى امرؤ من أهل الشأم مولى لذى الكلاع أنعم الله على بحب أهل هذا البيت وحب من أحبهم فهذه ثلاثة آلاف درهم أردت بها لقاء رجل منهم بلغني أنه قدم الكوفة يبايع لابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت أريد لقاءه فلم أجد أحدا يدلني عليه ولا يعرف مكانه فانى لجالس آنفا في المسجد إذ سمعت نفرا من المسلمين يقولون هذا رجل له علم بأهل هذا البيت وإنى أتيتك لتقبض هذا المال وتدخلني على صاحبك فأبايعه وإن شئت أخذت بيعتى له قبل لقائه فقال احمد الله على لقائك إياى فقد سرنى ذلك لتنال ما تحب ولينصر الله بك أهل بيت نبيه ولقد ساءنى معرفتك إياى بهذا الامر من قبل أن ينمى مخافة هذا الطاغية وسطوته فأخذ بيعته قبل أن يبرح وأخذ عليه المواثيق المغلظة ليناصحن وليكتمن فأعطاه من ذلك ما رضى به ثم قال له اختلف إلى أياما في منزلي فأنا طالب لك الاذن على صاحبك فأخذ يختلف مع الناس فطلب له الاذن فمرض هانئ بن عروة فجاء عبيدالله عائدا له فقال له عمارة بن عبيد السلولى انما جماعتنا وكيدنا قتل هذا الطاغية فقد أمكنك الله منه فاقتله قال هانئ ما أحب أن يقتل في دارى فخرج فما مكث إلا جمعة حتى مرضى شريك بن الاعور وكان كريما على

[ 271 ]

ابن زياد وعلى غيره من الامراء وكان شديد التشيع فأرسل إليه عبيدالله إنى رائح اليك العشية فقال لمسلم ان هذا الفاجر عائدي العشية فإذا جلس فاخرج إليه فاقتله ثم اقعد في القصر ليس أحد يحول بينك وبينه فان برئت من وجعى هذا أيامى هذه سرت إلى البصرة وكفيتك أمرها فلما كان من العشى أقبل عبيدالله لعيادة شريك فقام مسلم بن عقيل ليدخل وقال له شريك لا يفوتنك إذا جلس فقام هانئ بن عروة إليه فقال انى لا أحب أن يقتل في دارى كأنه استقبح ذلك فجاء عبيدالله بن زياد فدخل فجلس فسأل شريكا عن وجعه وقال ما الذى تجد ومتى أشكيت فلما طال سؤاله إياه ورأى أن الآخر لا يخرج خشى أن يفوته فأخذ يقول ما تنظرون بسلمى أن تحيوها أسقنيها وإن كانت فيها نفسي فقال ذلك مرتين أو ثلاثا فقال عبيدالله ولا يفطن ما شأنه أترونه يهجر فقال له هانئ نعم أصلحك الله ما زال هذا ديدنه قبيل عماية الصبح حتى ساعته هذه ثم إنه قام فانصرف فخرج مسلم فقال له شريك ما منعك من قتله فقال خصلتان أما إحداهما فكراهة هانئ ان يقتل في داره وأما الاخرى فحديث حدثه الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الايمان قيد الفتك ولا يفتك مؤمن فقال هانئ أما والله لو قتلته لقتلت فاسقا فاجرا كافرا غادرا ولكن كرهت أن يقتل في دارى ولبث شريك بن الاعور بعد ذلك ثلاثا ثم مات فخرج ابن زياد فصلى عليه وبلغ عبيدالله بعد ما قتل مسلما وهانئا أن ذلك الذى كنت سمعت من شريك في مرضه إنما كان يحرض مسلما ويأمره بالخروج إليك ليقتلك فقال عبيدالله والله لا أصلى على جنازة رجل من أهل العراق أبدا ووالله لولا أن قبر زياد فيهم لنبشت شريكا ثم أن معقلا مولى ابن زياد الذى دسه بالمال إلى ابن عقيل وأصحابه اختلف إلى مسلم بن عوسجة أياما ليدخله على ابن عقيل فأقبل به حتى أدخله عليه بعد موت شريك بن الاعور فأخبره خبره كله فأخذ ابن عقيل بيعته وأمر أبا ثمامة الصائدى فقبض ماله الذى جاء به وهو الذى كان يقبض أموالهم وما يعين به بعضهم بعضا يشترى لهم السلاح وكان به بصيرا وكان من فرسان العرب ووجوه الشيعة وأقبل ذلك الرجل يختلف إليهم فهو

[ 272 ]

أول داخل وآخر خارج يسمع أخبارهم ويعلم أسرارهم ثم ينطلق بها حتى يقرها في أذن ابن زياد قال وكان هانئ يغدو ويروح إلى عبيدالله فلما نزل به مسلم انقطع من الاختلاف وتمارض فجعل لا يخرج فقال ابن زياد لجلسائه مالى لا أرى هانئا فقالوا هو شاك فقال لو علمت بمرضه لعدته (قال أبو مخنف) فحدثني المجالد بن سعيد قال دعا عبيدالله محمد بن الاشعث وأسماء بن خارجة (قال أبو مخنف) حدثنى الحسن ابن عقبة المرادى أنه بعث معهما عمرو بن الحجاج الزبيدى (قال أبو مخنف) وحدثني نمر بن وعلة عن أبى الوداك قال كانت روعة أخت عمرو بن الحجاج تحت هانئ بن عروة وهى أم يحيى بن هانئ فقال لهم ما يمنع هانئ بن عروة من اتياننا قالوا ما ندرى أصلحك الله وإنه ليتشكى قال قد بلغني أنه قد برأ وهو يجلس على باب داره فالقوه فمروه ألا يدع ما عليه في ذلك من الحق فانى لا أحب أن يفسد عندي مثله من أشراف العرب فأتوه حتى وقفوا عليه عشية وهو جالس على بابه فقالوا ما يمنعك من لقاء الامير فانه قد ذكرك وقد قال لو أعلم انه شاك لعدته فقال لهم الشكوى يمنعنى فقالوا له يبلغه أنك تجلس كل عشية على باب دارك وقد استبطأك والابطاء والجفاء لا يحتمله السلطان أقسمنا عليك لما ركبت معنا فدعا بثيابه فلبسها ثم دعا ببغلة فركبها حتى إذا دنا من القصر كأن نفسه أحست ببعض الذى كان فقال لحسان بن أسماء بن خارجة يا ابن أخى انى والله لهذا الرجل لخائف فما ترى قال أي عم والله ما أتخوف عليك شيئا ولم تجعل على نفسك سبيلا وأنت برئ وزعموا أن أسماء لم يعلم في أي شئ بعث إليه عبيدالله فأما محمد فقد علم به فدخل القوم على ابن زياد ودخل معهم فلما طلع قال عبيدالله أتتك بحائن رجلاه وقد عرس عبيدالله إذ ذاك بأم نافع ابنة عمارة بن عقبة فلما دنا من ابن زياد وعنده شريح القاضى التفت نحوه فقال أريد حباءه ويريد قتلى * عذيرك من خليلك من مراد وقد كان له أول ما قدم مكرما ملطفا فقال له هانئ وما ذاك أيها الامير قال إيه يا هانئ بن عروة ما هذه الامور التى تربص في دورك لامير المؤمنين وعامة

[ 273 ]

المسلمين جئت بمسلم بن عقيل فأدخلته دارك وجمعت له السلاح والرجال في الدور حولك وظننت أن ذلك يخفى على لك قال ما فعلت وما مسلم عندي قال بلى قد فعلت قال ما فعلت قال بلى فلما كثر ذلك بينهما وأبى هانئ إلا مجاحدته ومناكرته دعا ابن زياد معقلا ذلك العين فجاء حتى وقف بين يديه فقال أتعرف هذا قال نعم وعلم هانئ عند ذلك أنه كان عينا عليهم وأنه قد أتاه بأخبارهم فسقط في خلده ساعة ثم إن نفسه راجعته فقال له اسمع منى وصدق مقالتي فوالله لا أكذبك والله الذى لا إله غيره ما دعوته إلى منزلي ولا علمت بشئ من أمره حتى رأيته جالسا على بابى فسألني النزول على فاستحييت من رده ودخلني من ذلك ذمام فأدخلته دارى وضفته وآويته وقد كان من أمره الذى بلغك فان شئت أعطيت الآن موثقا مغلظا وما تطمئن إليه ألا أبغيك سوءا وإن شئت أعطيتك رهينة تكون في يدك حتى آتيك وأنطلق إليه فأمره أن يخرج من دارى إلى حيث شاء من الارض فأرخج من ذمامه وجواره فقال لا والله لا تفارقني أبدا حتى تأتيني به فقال لا والله لا أجيئك به أبدا أنا أجيئك بضيفي تقتله قال والله لتأتينى به قال والله لا آتيك به فلما كثر الكلام بينهما قام مسلم بن عمرو الباهلى وليس بالكوفة شأمى ولا بصرى غيره فقال أصلح الله الامير خلنى وإياه حتى أكلمه لما رأى لجاجته وتأبيه على ابن زياد أن يدفع إليه مسلما فقال لهانئ قم إلى ههنا حتى أكلمك فقام فخلا به ناحية من ابن زياد وهما منه على ذلك قريب حيث يراهما إذا رفعا أصواتهما سمع ما يقولان وإذا خفضا خفى عليه ما يقولان فقال له مسلم يا هانئ إنى أنشدك الله أن تقتل نفسك وتدخل البلاء على قومك وعشيرتك فوالله إنى لانفس بك عن القتل وهو يرى أن عشيرته ستحرك في شأنه أن هذا الرجل ابن عم القوم وليسوا قاتليه ولا ضائريه فادفعه إليه فإنه ليس عليك بذلك مخزاة ولا منقصة إنما تدفعه إلى السلطان قال بلى والله أن على في ذلك للخزى والعار أنا أدفع جارى وضيفي وأنا حى صحيح أسمع وأرى شديد الساعد كثير الاعوان والله لو لم أكن إلا واحدا ليس لى ناصر لم أدفعه حتى أموت دونه فأخذ

[ 274 ]

يناشده وهو يقول والله لا أدفعه إليه أبدا فسمع ابن زياد ذلك فقال ادنوه منى فأدنوه منه فقال والله لتأتينى به أو لاضربن عنقك قال إذا تكثر البارقة حول دارك فقال والهفا عليك أبالبارقة تخوفنى وهو يظن أن عشيرته سيمنعونه فقال ابن زياد ادنوه منى فأدنى فاستعرض وجهه بالقضيب فلم يزل يضرب أنفه وجبينه وخده حتى كسر أنفه وسيل الدماء على ثيابه ونثر لحم خديه وجبينه على لحيته حتى كسر القضيب وضرب هانئ بيده إلى قائم سيف شرطى من تلك الرجال وجابذه الرجل ومنع فقال عبيدالله أحرورى سائر اليوم أحللت بنفسك قد حل لنا قتلك خذوه فألقوه في بيت من بيوت الدار وأغلقوا عليه بابه واجعلوا عليه حرسا ففعل ذلك به فقام إليه أسماء ابن خارجة فقال أرسل غدر سائر اليوم أمرتنا أن نجيئك بالرجل حتى إذا جئناك به وأدخلناه عليك هشمت وجهه وسيلت دمه على لحيته وزعمت أنك تقتله فقال له عبيدالله وإنك لههنا فأمر به فلهز وتعتع به ثم ترك فحبس وأما محمد بن الاشعث فقال قد رضينا بما رأى الامير لنا كان أم علينا إنما الامير مؤدب وبلغ عمرو بن الحجاج أن هانئا قد قتل فأقبل في مذحج حتى أحاط بالقصر ومعه جمع عظيم ثم نادى أنا عمرو بن الحجاج هذه فرسان مذحج ووجوهها لم نخلع طاعة ولم نفارق جماعة وقد بلغهم أن صاحبهم يقتل فأعظموا ذلك فقيل لعبيد الله هذه مذحج بالباب فقال لشريح القاضى ادخل على صاحبهم فانظر إليه ثم اخرج فأعلمهم أنه حى لم يقتل وأنك قد رأيته فدخل إليه شريح فنظر إليه * قال أبو مخنف فحدثني الصقعب بن زهير عن عبد الرحمن بن شريح قال سمعته يحدث إسماعيل بن طلحة قال دخلت على هانئ فلما رأني قال يا الله يا للمسلمين أهلكت عشيرتي فأين أهل الدين وأين أهل المصر تفاقدوا يخلونى وعدوهم وابن عدوهم والدماء تسيل على لحيته إذ سمع الرجة على باب القصر وخرجت واتبعني فقال يا شريح إنى لا أظنها أصوات مذحج وشيعتي من المسلمين ان دخل على عشرة نفر انفذونى قال فخرجت إليهم ومعى حميد بن بكر الاحمري أرسله معى ابن زياد وكان من شرطه ممن يقوم على رأسه وايم الله لولا مكانه معى لكنت أبلغت أصحابه ما أمرنى

[ 275 ]

به فلما خرجت إليهم قلت إن الامير لما بلغه مكانكم ومقالتكم في صاحبكم أمرنى بالدخول إليه فأتيته فنظرت إليه فأمرني أن ألقاكم وأن أعلمكم أنه حى وأن الذى بلغكم من قتله كان باطلا فقال عمرو وأصحابه فأما إذ لم يقتل والحمد لله ثم انصرفوا (قال أبو مخنف) حدثنى الحجاج بن على عن محمد بن بشير الهمداني قال لما ضرب عبيدالله هانئا وحبسه خشى أن يثب الناس به فخرج فصعد المنبر ومعه أشراف الناس وشرطه وحشمه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد أيها الناس فاعتصموا بطاعة الله وطاعة أئمتكم ولا تختلفوا ولا تفرقوا فتهلكوا وتذلوا وتقتلوا وتجفوا وتحرموا إن أخاك من صدقك وقد أعذر من أنذر قال ثم ذهب لينزل فما نزل عن المنبر حتى دخلت النظارة المسجد من قبل التمارين يشتدون ويقولون قد جاء ابن عقيل قد جاء ابن عقيل فدخل عبيدالله القصر مسرعا وأغلق أبوابه (قال أبو مخنف) حدثنى يوسف بن يزيد عن عبد الله بن حازم قال أنا والله رسول ابن عقيل إلى القصر لانظر إلى ما صار أمر هانئ قال فلما ضرب وحبس ركبت فرسى وكنت أول أهل الدار دخل على مسلم بن عقيل بالخبر وإذا نسوة لمراد مجتمعات ينادين يا عثرتاه يا ثكلاه فدخلت على مسلم بن عقيل بالخبر فأمرني أن أنادى في أصحابه وقد ملا منهم الدور حوله وقد بايعه ثمانية عشر ألفا وفى الدور أربعة آلاف رجل فقال لى ناد يا منصور أمت فناديت يا منصور أمت وتنادى أهل الكوفة فاجتمعوا إليه فعقد مسلم لعبيد الله بن عمرو بن عزيز الكندى على ربع كندة وربيعة وقال سر أمامى في الخيل ثم عقد لمسلم بن عوسجة الاسدي على ربع مذحج وأسد وقال انزل في الرجال فأنت عليهم وعقد لابن ثمامة الصائد على ربع تميم وهمدان وعقد لعباس بن جعدة الجدلي على ربع المدينة ثم أقبل نحو القصر فلما بلغ ابن زياد إقباله تحرز في القصر وغلق الابواب (قال أبو مخنف) وحدثني يونس بن أبى اسحاق عن عباس الجدلي قال خرجنا مع ابن عقيل أربعة آلاف فلما بلغنا القصر إلا ونحن ثلثمائة قال وأقبل مسلم يسير في الناس من مراد حتى أحاط بالقصر ثم ان الناس تداعوا الينا واجتمعوا فوالله ما لبثنا إلا قليلا

[ 276 ]

حتى امتلا المسجد من الناس والسوق وما زالوا يثوبون حتى المساء فضاق بعبيد الله ذرعه وكان كبر أمره أن يتمسك بباب القصر وليس معه إلا ثلاثون رجلا من الشرط وعشرون رجلا من أشراف الناس وأهل بيته ومواليه وأقبل أشراف الناس يأتون ابن زياد من قبل الباب الذى يلى دار الروميين وجعل من بالقصر مع ابن زياد يشرفون عليهم فينظرون إليهم فيتقون أن يرموهم بالحجارة وأن يشتموهم وهم لا يفترون على عبيدالله وعلى أبيه ودعا عبيدالله كثير بن شهاب ابن الحصين الحارثى فأمره أن يخرج فيمن أطاعه من مذحج فيسير بالكوفة ويخذل الناس عن ابن عقيل ويخوفهم الحرب ويحذرهم عقوبة السلطان وأمر محمد بن الاشعث أن يخرج فيمن أطاعه من كندة وحضرموت فيرفع راية أمان لمن جاءه من الناس وقال مثل ذلك للقعقاع بن شور الذهلى وشبث بن ربعى التميمي وحجار ابن أبجر العجلى وشمر بن ذى الجوشن العامري وحبس سائر وجوه الناس عنده استيحاشا إليهم لقلة عدد من معه من الناس وخرج كثير بن شهاب يخذل الناس عن ابن عقيل (قال أبو مخنف) فحدثني ابن جناب الكلبى أن كثيرا ألفى رجلا من كلب يقال له عبد الاعلى بن يزيد قد لبس سلاحه يريد ابن عقيل في بنى فتيان فأخذه حتى أدخله على ابن زياد فأخبره خبره فقال لابن زياد إنما أردتك قال وكنت وعدتني ذلك من نفسك فأمر به فحبس وخرج محمد بن الاشعث حتى وقف عند دور بنى عمارة وجاءه عمارة بن صلخب الازدي وهو يريد ابن عقيل عليه سلاحه فأخذه فبعث به إلى ابن زياد فحبسه فبعث ابن عقيل إلى محمد بن الاشعث من المسجد عبد الرحمن بن شريح الشبامى فلما رأى محمد بن الاشعث كثرة من أتاه أخذ يتنحى ويتأخر وأرسل القعقاع بن شور الذهلى إلى محمد الاشعث قد حلت على ابن عقيل من العرار فتأخر عن موقفه فأقبل حتى دخل على ابن زياد من قبل دار الروميين فلما اجتمع عند عبيدالله كثير بن شهاب ومحمد والقعقاع فيمن أطاعهم من قومهم فقال له كثير وكانوا مناصحين لابن زياد أصلح الله الامير معك في القصر ناس كثير من أشراف الناس ومن شرطك وأهل بيتك ومواليك فاخرج بنا

[ 277 ]

إليهم فأبى عبيدالله وعقد لشبث بن ربعى لواء فأخرجه وأقام الناس مع ابن عقيل يكبرون ويثوبون حتى المساء وأمرهم شديد فبعث عبيدالله إلى الاشراف فجمعهم إليه ثم قال أشرفوا على الناس فمنوا أهل الطاعة الزيادة والكرامة وخوفوا أهل المعصية الحرمان والعقوبة وأعلموهم فصول الجنود من الشأم إليهم (قال أبو مخنف) حدثنى سليمان بن أبى راشد عن عبد الله بن حازم الكبرى من الازد من بنى كبير قال أشرف علينا الاشراف فتكلم كثير بن شهاب أول الناس حتى كادت الشمس أن تجب فقال أيها الناس الحقوا بأهاليكم ولا تعجلوا الشر ولا تعرضوا أنفسكم للقتل فإن هذه جنود أمير المؤمنين يزيد قد أقبلت وقد أعطى الله الامير عهدا لئن أتممتم على حربه ولم تنصرفوا من عشيتكم أن يحرم ذريتكم العطاء ويفرق مقاتلتكم في مغازى أهل الشأم على غير طمع وأن يأخذ البرئ بالسقيم والشاهد بالغائب حتى لا يبقى له فيكم بقية من أهل المعصية إلا أذاقها وبال ما جرت أيديها وتكلم الاشراف بنحو من كلام هذا فلما سمع مقالتهم الناس أخذوا يتفرقون وأخذوا ينصرفون (قال أبو مخنف) فحدثني المجالد بن سعيد أن المرأة كانت تأتى ابنها أو أخاها فتقول انصرف الناس يكفونك ويجئ الرجل إلى ابنه أو أخيه فيقول غدا يأتيك أهل الشأم فما تصنع بالحرب والشر انصرف فيذهب به فما زالوا يتفرقون ويتصدعون حتى أمسى ابن عقيل وما معه ثلاثون نفسا في المسجد حتى صليت المغرب فما صلى مع ابن عقيل إلا ثلاثون نفسا فلما رأى أنه قد أمسى وليس معه إلا أولئك النفر خرج متوجها نحو أبواب كندة فلما يلغ الابواب ومعه منهم عشرة ثم خرج من الباب وإذا ليس معه انسان والتفت فإذا هو لا يحس أحدا يدله على الطريق ولا يدله على منزل ولا يواسيه بنفسه إن عرض له عدو فمضى على وجهه يتلدد في أزقة الكوفة لا يدرى أين يذهب حتى خرج إلى دور بنى جبلة من كندة فمشى حتى انتهى إلى باب امرأة يقال لها طوعة أم ولد كانت للاشعث بن قيس فأعتقها فتزوجها أسيد الحضرمي فولدت له بلالا وكان بلال قد خرج مع الناس وأمه قائمة تنتظره فسلم عليها ابن عقيل فردت عليه فقال لها يا أمة

[ 278 ]

الله اسقيني ماء فدخلت فسقته فجلس وأدخلت الاناء ثم خرجت فقالت يا عبد الله ألم تشرب قال بلى قالت فاذهب إلى أهلك فسكت ثم عادت فقالت مثل ذلك فسكت ثم قالت له فئ لله سبحان الله يا عبد الله فمر إلى أهلك عافاك الله فإنه لا يصلح لك الجلوس على بابى ولا أحله لك فقام فقال يا أمة الله مالى في هذا المصر منزل ولا عشيرة فهل لك إلى أجر ومعروف ولعلى مكافئك به بعد اليوم فقالت يا عبد الله وما ذاك قال أنا مسلم بن عقيل كذبني هؤلاء القوم وغرونى قالت أنت مسلم قال نعم قالت ادخل فأدخلته بيتا في دارها غير البيت الذى تكون فيه وفرشت له وعرضت عليه العشاء فلم يتعش ولم يكن بأسرع من أن جاء ابنها فرآها تكثر الدخول في البيت والخروج منه فقال والله إنه ليريبنى كثرة دخولك هذا البيت منذ الليلة وخروجك منه إن لك لشأنا قالت يا بنى اله عن هذا قال لها والله لتخبرنى قالت أقبل على شأنك ولا تسألني عن شئ فألح عليها فقالت يا بنى لا تحدثن أحدا من الناس بما أخبرك به وأخذت عليه الايمان فحلف لها فأخبرته فاضطجع وسكت وزعموا أنه قد كان شريدا من الناس وقال بعضهم كان يشرب مع أصحاب له ولما طال على ابن زياد وأخذ لا يسمع لاصحاب ابن عقيل صوتا كما كان يسمعه قبل ذلك قال لاصحابه أشرفوا فانظر واهل ترون منهم أحدا فأشرفوا فلم يروا أحدا قال فانظروا لعلهم تحت الظلال قد كمنوا لكم ففرعوا بحابح المسجد وجعلوا يخفضون شعل النار في أيديهم ثم ينظرون هل في الظلال أحد وكانت أحيانا تضئ لهم وأحيانا لا تضئ لهم كما يريدون فدولوا القناديل وأنصاف الطنان تشد بالحبال ثم تجعل فيها النيران ثم تدلى حتى تنتهى إلى الارض ففعلوا ذلك في أقصى الظلال وأدناها وأوسطها حتى فعلوا ذلك بالظلة التى فيها المنبر فلما لم يروا شيئا أعلموا ابن زياد ففتح باب السدة التى في المسجد ثم خرج فصعد المنبر وخرج أصحابه معه فأمرهم فجلسوا حوله قبيل العتمة وأمر عمرو بن نافع فنادى ألا برئت الذمة من رجل من الشرطة والعرفاء أو المناكب أو المقاتلة صلى العتمة إلا في المسجد فلم يكن له إلا ساعة حتى امتلا المسجد من الناس ثم أمر مناديه فأقام الصلاة فقال الحصين بن تميم إن شئت صليت بالناس أو يصلى بهم غيرك

[ 279 ]

ودخلت أنت فصليت في القصر فإنى لا آمن أن يغتالك بعض أعدائك فقال مر حرسي فليقوموا ورائي كما كانوا يقفون ودر فيهم فانى لست بداخل إذا فصلى بالناس ثم قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فان ابن عقيل السفيه الجاهل قد أتى ما قد رأيتم من الخلاف والشقاق فبرئت ذمة الله من رجل وجدناه في داره ومن جاء به فله ديته اتقوا الله عباد الله والزموا طاعتكم وبيعتكم ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلا يا حصين ابن تميم ثكلتك أمك إن صاح باب سكة من سكك الكوفة أو خرج هذا الرجل ولم تأتني به وقد سلطتك على دور أهل الكوفة فابعث مراصدة على أفواه السكك وأصبح غدا واستبر الدور وجس خلالها حتى تأتيني بهذا الرجل وكان الحصين على شرطه وهو من بنى تميم ثم نزل ابن زياد فدخل وقد عقد لعمرو بن حريث راية وأمره على الناس فلما أصبح جلس مجلسه وأذن للناس فدخلوا عليه وأقبل محمد بن الاشعث فقال مرحبا بمن لا يستغش ولا يتهم ثم أقعده إلى جنبه وأصبح ابن تلك العجوز وهو بلال بن أسيد الذى آوت أمه ابن عقيل فغدا إلى عبد الرحمن بن محمد ابن الاشعث فأخبره بمكان ابن عقيل عند أمه قال فأقبل عبد الرحمن حتى أتى أباه وهو عند ابن زياد فساره فقال له ابن زياد ما قال لك قال أخبرني أن ابن عقيل في دار من دونا فنخس بالقضيب في جنبه ثم قال قم فاتني به الساعة (قال أبو مخنف) فحدثني قدامة بن سعيد بن زائدة بن قدامة الثقفى أن ابن الاشعث حين قام ليأتيه بابن عقيل بعث إلى عمرو بن حريث وهو في المسجد خليفته على الناس أن أبعث مع ابن الاشعث ستين أو سبعين رجلا كلهم من قيس وإنما كره ان يبعث معه قومه لانه قد علم أن كل قوم يكر هون أن يصادف فيهم مثل ابن عقيل فبعث معه عمرو بن عبيدالله بن عباس السلمى في ستين أو سبعين من قيس حتى أتوا الدار التى فيها ابن عقيل فلما سمع وقع حوافر الخيل وأصوات الرجال عرف أنه قد أتى فخرج إليهم بسيفه واقتحموا عليه الدار فشد عليهم يضربهم بسيفه حتى أخرجهم من الدار ثم عادوا إليه فشد عليهم كذلك فاختلف هو وبكيز بن حمران الاحمري ضربتين فضرب بكير فم مسلم فقطع شفته العليا وأشرع السيف في السلفي ونصلت لها ثنيتاه فضربه مسلم

[ 280 ]

ضربة في رأسه منكرة وثنى بأخرى على حبل العاتق كادت تطلع على جوفه فلما رأوا ذلك أشرفوا عليه من فوق ظهر البيت فأخذوا يرمونه بالحجارة ويلهبون النار في أطنان القصب ثم يقلبونها عليه من فوق البيت فلما رأى ذلك خرج عليهم مصلتا بسيفه في السكة فقاتلهم فأقبل عليه محمد بن الاشعث فقال يافتى لك الامان لا تقتل نفسك فأقبل يقاتلهم وهو يقول أقسمت لا أقتل إلا حرا * وإن رأيت الموت شيئا نكرا كل امرئ يوما ملاق شرا * ويخلط البارد سخنا مرا رد شعاع الشمس فاستقرا * أخاف أن أكذب أو أغرا فقال له محمد بن الاشعث إنك لا تكذب ولا تخذع ولا تغر إن القوم بنو عمك وليسوا بقاتليك ولا ضاربيك وقد أثخن بالحجارة وعجز عن القتال وانبهر فأسند ظهره إلى جنب تلك الدار فدنا محمد بن الاشعث فقال لك الامان فقال آمن أنا قال نعم وقال القوم أنت آمن غير عمرو بن عبيدالله بن العباس السلمى فانه قال لا ناقة لى في هذا ولا جمل وتنحى * وقال ابن عقيل أما لو لم تؤمنونى ما وضعت يدى في أيديكم وأتى ببلغة فحمل عليها واجتمعوا حوله وانتزعوا سيفه من عنقه فكأنه عند ذلك آيس من نفسه فدمعت عيناه ثم قال هذا أول الغدر قال محمد بن الاشعث أرجو ألا لا يكون عليك بأس قال ما هو إلا الرجاء أين أمانكم إنا لله وإنا إليه راجعون وبكى فقال له عمرو بن عبيدالله بن عباس إن من يطلب مثل الذى تطلب إذا نزل به مثل الذى نزل بك لم يبك قال إنى والله ما لنفسي أبكى ولا لها من القتل أرثى وإن كنت لم أحب لها طرفة عين تلفا ولكن أبكى لاهلي المقبلين إلى أبكى لحسين وآل حسين ثم أقبل على محمد بن الاشعث فقال يا عبد الله إنى أراك والله ستعجز عن أمانى فهل عندك خير تستطيع أن تبعث من عندك رجلا على لساني يبلغ حسينا فإنى لا أراه إلا قد خرج اليكم اليوم مقبلا أو هو خرج غدا هو وأهل بيته وإن ما ترى من جزعى لذلك فيقول إن ابن عقيل بعثنى اليك وهو في أيدى القوم أسير لا يرى أن تمشى حتى تقتل وهو يقول ارجع بأهل بيتك ولا يغرك أهل الكوفة

[ 281 ]

فانهم أصحاب أبيك الذى كان يتمنى فراقهم بالموت أو القتل إن أهل الكوفة قد كذبوك وكذبوني وليس لمكذوب رأى فقال ابن الاشعث والله لافعلن ولاعلمن ابن زياد أنى قد أمنتك (قال أبو مخنف) فحدثني جعفر بن حذيفة الطائى وقد عرف سعيد بن شيبان الحديث قال دعا محمد بن الاشعث إياس بن العثل الطائى من بنى مالك بن عمرو بن ثمامة وكان شاعرا وكان لمحمد زوارا فقال له الق حسينا فأبلغه هذا الكتاب وكتب فيه الذى أمره ابن عقيل وقال له هذا زادك وجهازك ومتعة لعيالك فقال من أين لى براحلة فان راحلتي قد أنضيتها قال هذه راحلة فاركبها برحلها ثم خرج فاستقبله بزبالة لاربع ليال فأخبره الخبر وبلغه الرسالة فقال له حسين كل ماحم نازل وعند الله نحتسب أنفسنا وفساد أمتنا وقد كان مسلم ابن عقيل حيث تحول إلى دار هانئ بن عروة وبايعه ثمانية عشر ألفا قدم كتابا إلى حسين مع عابس بن أبى شيبب الشاكرى * أما بعد فان الرائد لا يكذب أهله وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفا فعجل الاقبال حين يأتيك كتابي فان الناس كلهم معك ليس لهم في آل معاوية رأى ولا هوى والسلام وأقبل محمد بن الاشعث بابن عقيل إلى باب القصر فاستأذن فأذن له فأخبر عبيدالله خبر ابن عقيل وضرب بكير إياه فقال بعدا له فأخبره محمد بن الاشعث بما كان منه وما كان من أمانه إياه فقال عبيدالله ما أنت والامان كأنا أرسلناك تؤمنه إنما أرسلناك تأتينا به فسكت وانتهى ابن عقيل إلى باب القصر وهو عطشان وعلى باب القصر ناس جلوس ينتظرون الاذن منهم عمارة بن عقبة بن أبى معيط وعمرو بن حريث ومسلم بن عمرو وكثير بن شهاب (قال أبو مخنف) فحدثني قدامة بن سعد أن مسلم بن عقيل حين انتهى إلى باب القصر فإذا قلة باردة موضوعة على الباب فقال ابن عقيل اسقوني من هذا الماء فقال له مسلم بن عمرو أتراها ما أبردها لا والله لا تذوق منها قطرة أبدا حتى تذوق الحميم في نار جهنم قال له ابن عقيل ويحك من أنت قال أنا ابن من عرف الحق إذا أنكرته ونصح لامامه إذ غششته وسمع وأطاع إذ عصيته وخالفت أنا مسلم بن عمرو الباهلى فقال ابن عقيل لامك الثكل

[ 282 ]

ما أجفاك وما أفظك وأقسى قلبك وأغلظك أنت يا ابن باهلة أولى بالحميم والخلود في نار جهنم منى ثم جلس متساندا إلى حائط (قال أبو مخنف) فحدثني قدامة بن سعد أن عمرو بن حريث بعث غلاما له يدعى سليمان فجاءه بماء في قلة فسقاه (قال أبو مخنف) وحدثني سعيد بن مدرك بن عمارة أن عمارة بن عقبة بعث غلاما له يدعى قيسا فجاءه بقلة عليها منديل ومعه قدح فصب فيه ماء ثم سقاه فأخذ كلما شرب امتلا القدح دما فلما ملا القدح المرة الثالثة ذهب ليشرب فسقطت ثنيتاه فيه فقال الحمد لله لو كان لى من الرزق المقسوم شربته وأدخل مسلم على ابن زياد فلم يسلم عليه بالامرة فقال له الحرسى ألا تسلم على الامير فقال له ان كان يريد قتلى فما سلامى عليه وإن كان لا يريد قتلى فلعمري ليكثرن سلامى عليه فقال له ابن زياد لعمري لتقتلن قال كذلك قال نعم قال فدعني أوص إلى بعض قومي فنظر إلى جلساء عبيدالله وفيهم عمر بن سعد فقال يا عمر إن بينى وبينك قرابة ولى اليك حاجة وقد يجب لى عليك نجح حاجتى وهو سر فأبى أن يمكنه من ذكرها فقال له عبيدالله لا تمتنع أن تنظر في حاجة ابن عمك فقام معه فجلس حيث ينظر إليه ابن زياد فقال له إن على بالكوفة دينا استدنته منذ قدمت الكوفة سبعمائة درهم فاقضها عنى وانظر جثتي فاستوهبها من ابن زياد فوارها وابعث إلى حسين من يرده فإنى قد كتبت إليه أعلمه أن الناس معه ولا أراه إلا مقبلا فقال عمر لابن زياد أتدرى ما قال لى إنه ذكر كذا وكذا قال له ابن زياد إنه لا يخونك الامين ولكن قد يؤتمن الخائن أما مالك فهو لك ولسنا نمنعك أن تصنع فيه ما أحببت وأما حسين فانه إن لم يردنا لم نرده وإن أرادنا لم نكف عنه وأما جثته فانا لن نشفعك فيها إنه ليس بأهل منا لذلك قد جاهدنا وخالفنا وجهد على هلاكنا وزعموا أنه قال أما جثته فانا لا نبالي إذا قتلناه ما صنع بها ثم إن ابن زياد قال إيه يا ابن عقيل أتيت الناس وأمرهم جميع وكلمتهم واحدة لتشتتهم وتفرق كلمتهم وتحمل بعضهم على بعض قال كلا لست أتيت ولكن أهل المصر زعموا أن أباك قتل خيارهم وسفك دماءهم وعمل فيهم أعمال كسرى وقيصر فأتيناهم لنأمر بالعدل

[ 283 ]

وندعو إلى حكم الكتاب قال وما أنت وذاك يا فاسق أو لم نكن نعمل بذاك فيهم إذ أنت بالمدينة تشرب الخمر قال أنا أشرب الخمر والله إن الله ليعلم إنك غير صادق وإنك قلت بغير علم وإنى لست كما ذكرت وإن أحق بشرب الخمر منى وأولى بها من يلغ في دماء المسلمين ولغا فيقتل النفس التى حرم الله قتلها ويقتل النفس بغير النفس ويسفك الدم الحرام ويقتل على الغضب والعداوة وسوء الظن وهو يلهو ويلعب كأن لم يصنع شيئا فقال له ابن زياد يا فاسق إن نفسك تمنيك ما حال الله دونه ولم يرك أهله قال فمن أهله يا ابن زياد قال أمير المؤمنين يزيد فقال الحمد لله على كل حال رضينا بالله حكما بيننا وبينكم قال كأنك تظن أن لكم في الامر شيئا قال والله ما هو بالظن ولكنه اليقين قال قتلني الله إن لم أقتلك قتله لم يقتلها أحد في الاسلام قال أما إنك أحق من أحدث في الاسلام ما لم يكن فيه أما إنك لا تدع سوء القتلة وقبح المثلة وخبث السيرة ولؤم الغلبة ولا أحد من الناس أحق بها منك وأقبل ابن سمية يشتمه ويشتم حسينا وعليا وعقيلا وأخذ مسلم لا يكلمه وزعم أهل العلم أن عبيدالله أمر له بماء فسقى بخزفة ثم قال له إنه لم يمنعنا أن نسقيك فيها إلا كراهة أن تحرم بالشرب فيها ثم نقتلك ولذلك سقيناك في هذا ثم قال اصعدوا به فوق القصر فاضربوا عنقه ثم اتبعوا جسده رأسه فقال يا ابن الاشعث أما والله لولا أنك آمنتني ما استسلمت قم بسيفك دوني فقد أخفرت ذمتك ثم قال يا ابن زياد أما والله لو كانت بينى وبينك قرابة ما قتلتنى ثم قال ابن زياد أين هذا الذى ضرب ابن عقيل رأسه بالسيف وعاتقه فدعى فقال اصعد فكن أنت الذى تضرب عنقه فصعد به وهو يكبر ويستغفر ويصلى على ملائكة الله ورسله وهو يقول اللهم احكم بيننا وبين قوم غرونا وكذبونا وأذلونا واشرف به على موضع الجزارين اليوم فضربت عنقه وأتبع جسده رأسه (قال أبو مخنف) حدثنى الصقعب بن زهير عن عوف بن أبى جحيفة قال نزل الاحمري بكير بن حمران الذى قتل مسلما فقال له ابن زياد قتلته قال نعم قال فما كان يقول وأنتم تصعدون به قال كان يكبر ويسبح ويستغفر فلما أدنيته لاقتله قال اللهم احكم

[ 284 ]

بيننا وبين قوم كذبونا وغرونا وخذلونا وقتلونا فقلت له ادن منى الحمد لله الذى اقادني منك فضربته ضربة لم تغن شيئا فقال أما ترى في خدش تخدشنيه وفاء من دمك أيها العبد فقال ابن زياد وفخرا عند الموت قال ثم ضربته الثانية فقتلته * قال وقام محمد بن الاشعث إلى عبيدالله بن زياد فكلمه في هانئ بن عروة وقال إنك قد عرفت منزلة هانئ بن عروة في المصر وبيته في العشيرة وقد علم قومه أنى وصاحبى سقناه إليك فأنشدك الله لما وهبته لى فإنى أكره عداوة قومه هم أعز أهل المصر وعدد أهل اليمن * قال فوعده أن يفعل فلما كان من أمر مسلم ابن عقيل ما كان بدا له فيه وأبى أن يفى له بما قال قال فأمر بهانئ بن عروة حين قتل مسلم بن عقيل فقال أخرجوه إلى السوق فاضربوا عنقه قال فأخرج بهانئ حتى انتهى إلى مكان من السوق كان يباع فيه الغنم وهو مكتوف فجعل يقول وامذحجاه ولا مذحج لى اليوم وامذحجاه وأين منى مذحج فلما رأى ان أحدا لا ينصره جذب يده فنزعها من الكتاف ثم قال أما من عصا أو سكين أو حجر أو عظم يجاحش به رجل عن نفسه * قال ووثبوا إليه فشدوه وثاقا ثم قيل له امدد عنقك فقال ما أنابها مجد سخى وما أنا بمعينكم على نفسي * قال فضربه مولى لعبيد الله بن زياد تركي يقال له رشيد بالسيف فلم يصنع سيفه شيئا فقال هانئ إلى الله المعاد اللهم إلى رحمتك ورضوانك ثم ضربه أخرى فقتله * قال فبصر به عبد الرحن بن الحصين المرادى بخازر وهو مع عبيدالله بن زياد فقال الناس هذا قاتل هانئ بن عروة فقال ابن الحصين قتلني الله إن لم أقتله أو أقتل دونه فحمل عليه بالرمح فطعنه فقتله ثم إن عبيدالله بن زياد لما قتل مسلم ابن عقيل وهانئ بن عروة دعا بعبد الاعلى الكلبى الذى كان أخذه كثير بن شهاب في بنى فتيان فأتى به فقال له أخبرني بأمرك فقال أصلحك الله خرجت لانظر ما يصنع الناس فأخذني كثير بن شهاب فقال له فعليك وعليك من الايمان المغلظة إن كان أخرجك إلا ما زعمت فأبى أن يحلف فقال عبيدالله انطلقوا بهذا إلى جبانة السبع فاضربوا عنقه بها قال فانطلق به فضربت عنقه قال وأخرج عمارة

[ 285 ]

ابن صلخب الازدي وكان ممن يريد أن يأتي مسلم بن عقيل بالنصرة لينصره فأتى به أيضا عبيدالله فقال له ممن أنت قال من الازد قال انطلقوا به إلى قومه فضربت عنقه فيهم فقال عبد الله بن الزبير الاسدي في قتلة مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة المرادى ويقال قاله الفرزدق إن كنت لا تدرين ما الموت فانظري * إلى هانئ في السوق وابن عقيل إلى بطل قد هشم السيف وجهه * وآخر يهوى من طمار قتيل أصابهما أمر الامير فأصبحا * أحاديث من يسرى بكل سبيل ترى جسدا قد غير الموت لونه * ونضح دم قد سال كل مسيل فتى هو أحيى من فتاة حيية * وأقطع من ذى شفرتين صقيل أيركب أسماء الهماليج آمنا * وقد طلبته مذحج يذحول تطيف حواليه مراد وكلهم * على رقبة من سائل ومسول فان أنتم لم تثأروا بأخيكم * فكونوا بغايا أرضيت بقليل (قال أبو مخنف) عن أبى جناب يحيى بن أبى حية الكلبى قال ثم إن عبيدالله ابن زياد لما قتل مسلما وهانئا بعث برؤوسهما مع هانئ بن أبى حية الوادعى والزبير ابن الا روح التميمي إلى يزيد بن معاوية وأمر كاتبه عمرو بن نافع أن يكتب إلى يزيد بن معاوية بما كان من مسلم وهانئ فكتب إليه كتابا أطال فيه وكان أول من أطال في الكتب فلما نظر فيه عبيدالله بن زياد كرهه وقال ما هذا التطويل وهذه الفضول اكتب أما بعد فالحمد لله الذى أخذ لامير المؤمنين بحقه وكفاه مؤنة عدوه أخبر أمير المؤمنين أكرمه الله أن مسلم بن عقيل لجأ إلى دار هانئ بن عروة المرادى وإنى جعلت عليهما العيون ودسست إليهما الرجال وكدتهما حتى استخرجتهما وأمكن الله منهما فقدمتهما فضرب أعناقهما وقد بعثت إليك برؤوسهما مع هانئ بن أبى حية الهمداني والزبير بن الا روح التميمي وهما من أهل السمع والطاعة والنصيحة فليسألهما أمير المؤمنين عما أحب من أمر فإن عندهما علما وصدقا وفهما وورعا والسلام فكتب إليه يزيد أما بعد فإنك لم تعد أن كنت كما أحب عملت عمل الحازم وصلت صولة الشجاع الرابط الجأش

[ 286 ]

فقد أغنيت وكفيت وصدقت ظنى بك ورأيى فيك وقد دعوت رسوليك فسألتهما وناجيتهما فوجدتهما في رأيهما وفضلهما كما ذكرت فاستوص بهما خيرا وإنه قد بلغني أن الحسين بن على قد توجه نحو العراق فضع المناظر والمسالح واحترس على الظن وخذ على التهمة غير ألا تقتل إلا من قاتلك واكتب إلى في كل ما يحدث من الخبر والسلام عليك ورحمة الله (قال أبو مخنف) حدثنى الصقعب بن زهير عن عون بن أبى جحيفة قال كان مخرج مسلم بن عقيل بالكوفة يوم الثلاثاء لثمان ليال مضين من ذى الحجة سنة 60 ويقال يوم الاربعاء لسبع مضين سنة 60 من يوم عرفة بعد مخرج الحسين من مكة مقبلا إلى الكوفة بيوم قال وكان مخرج الحسين من المدينة إلى مكة يوم الاحد لليلتين بقيتا من رجب سنة 60 ودخل مكة ليلة الجمعة لثلاث مضين من شعبان فأقام بمكة شعبان وشهر رمضان وشوال وذا القعدة ثم خرج منها لثمان مضين من ذى الحجة يوم الثلاثاء يوم التروية في اليوم الذى خرج فيه مسلم بن عقيل وذكر هارون بن مسلم عن على بن صالح عن عيسى بن يزيد أن المختار بن أبى عبيد وعبد الله بن الحارث بن نوفل كانا خرجا مع مسلم خرج المختار براية خضراء وخرج عبد الله براية حمراء وعليه ثياب حمر وجاء المختار برايته فركزها على باب عمرو بن حريث وقال إنما خرجت لامنع عمرا وأن الاشعث والقعقاع بن شور وشبث بن ربعى قاتلوا مسلما وأصحابه عشية سار مسلم إلى قصر ابن زياد قتالا شديدا وأن شبثا جعل يقول انتظروا بهم الليل يتفرقوا فقال له القعقاع إنك قد سددت على الناس وجه مصيرهم فافرج لهم ينسربوا وأن عبيدالله أمر أن يطلب المختار وعبد الله بن الحارث وجعل فيهما جعلا فأتى بهما فحبسا (وفى هذه السنة) كان خروج الحسين عليه السلام من مكة متوجها إلى الكوفة ذكر الخبر عن مسيره إليها وما كان من أمره في مسيره ذلك قال هشام عن أبى مخنف حدثنى الصقعب بن زهير عن عمر بن عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام المخزومى قال لما قدمت كتب أهل العراق إلى الحسين

[ 287 ]

وتهيأ للمسير إلى العراق أتيته فدخلت عليه وهو بمكة فحمدت الله وأثنيت عليه ثم قلت أما بعد فإنى أتيتك يا ابن عم لحاجة أريد ذكرها لك نصيحة فإن كنت ترى أنك تستنصحنى وإلا كففت عما أريد أن أقول فقال قل فوالله ما أظنك بسيئ الرأى ولا هوى القبيح من الامر والفعل قال قلت له إنه قد بلغني أنك تريد المسير إلى العراق وإنى مشفق عليك من مسيرك إنك تأتى بلدا فيه عماله وأمراؤه ومعهم بيوت الاموال وإنما الناس عبيد لهذا الدرهم والدينار ولا آمن عليك أن يقاتلك من وعدك نصره ومن أنت أحب إليه ممن يقاتلك معه فقال الحسين جزاك الله خيرا يا ابن عم فقد والله علمت أنك مشيت بنصح وتكلمت بعقل ومهما يقض من أمر يكن أخذت برأيك أو تركته فأنت عندي أحمد مشير وأنصح ناصح قال فانصرفت من عنده فدخلت على الحارث بن خالد بن العاص بن هشام فسألني هل لقيت حسينا فقلت له نعم قال فما قال لك وما قلت له قال فقلت له قلت كذا وكذا وقال كذا وكذا فقال نصحته ورب المروة الشهباء أما ورب البنية إن الرأى لما رأيته قبله أو تركه ثم قال: رب مستنصح يغش ويردى * وظنين بالغيب يلفى نصيحا (قال أبو مخنف) وحدثني الحارث بن كعب الوالبى عن عتبة بن سمعان أن حسينا لما أجمع المسير إلى الكوفة أتاه عبد الله بن عباس فقال يا ابن عم إنك قد أرجف الناس أنك سائر إلى العراق فبين لى ما أنت صانع قال إنى قد أجمعت المسير في أحد يومى هذين إن شاء الله تعالى فقال له ابن عباس فإنى أعيذك بالله من ذلك أخبرني رحمك الله أتسير إلى قوم قد قتلوا أميرهم وضبطوا بلادهم ونفوا عدوهم فإن كانوا قد فعلوا ذلك فسر إليهم وإن كانوا إنما دعوك إليهم وأميرهم عليهم قاهر لهم وعماله تجبى بلادهم فإنهم إنما دعوك إلى الحرب والقتال ولا آمن عليك أن يغروك ويكذبوك ويخالفوك ويخذلوك وأن يستنفروا اليك فيكونوا أشد الناس عليك فقال له حسين وإنى أستخير الله وأنظر ما يكون قال فخرج ابن عباس من عنده وأتاه ابن الزبير فحدثه ساعة ثم قال ما أدرى ما تركنا هؤلاء القوم وكفنا

[ 288 ]

عنهم ونحن أبناء المهاجرين وولاة هذا الامر دونهم خبرني ما تريد أن تصنع فقال الحسين والله لقد حدثت نفسي بإتيان الكوفة ولقد كتب إلى شيعتي بها وأشراف أهلها وأستخير الله فقال له ابن الزبير أما لو كان لى بها مثل شيعتك ما عدلت بها قال ثم إنه خشى أن يتهمه فقال أما إنك لو أقمت بالحجاز ثم أردت هذا الامر ههنا ما خولف عليك إن شاء الله ثم قام فخرج من عنده فقال الحسين ها إن هذا ليس شئ يؤتاه من الدنيا أحب إليه من أن أخرج من الحجاز إلى العراق وقد علم أنه ليس له من الامر معى شئ وإن الناس لم يعدلوه بى فود أنى خرجت منها لتخلو له قال فلما كان من العشى أو من الغد أتى الحسين عبد الله بن العباس فقال يا ابن عم إنى أتصبر ولا أصبر إنى أتخوف عليك في هذا الوجه الهلاك والاستئصال إن أهل العراق قوم غدر فلا تقربنهم أقم بهذا البلد فإنك سيد أهل الحجاز فإن كان أهل العراق يريدونك كما زعموا فاكتب إليهم فلينفوا عدوهم ثم أقدم عليهم فإن أبيت األان تخرج فسر إلى اليمن فإن بها حصونا وشعبا وهى أرض عريضة طويلة ولابيك بها شيعة وأنت عن الناس في عزلة فتكتب إلى الناس وترسل وتبث دعاتك فإنى أرجو أن يأتيك عند ذلك الذى تحب في عافية فقال له الحسين يا ابن عم إنى والله لاعلم أنك ناصح مشفق ولكني قد أزمعت وأجمعت على المسير فقال له ابن عباس فإن كنت سائرا فلا تسر بنسائك وصبيتك فوالله إنى لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه ثم قال ابن عباس لقد أقررت عين ابن الزبير بتخليتك إياه والحجاز والخروج منها وهو يوم لا ينظر إليه أحد معك والله الذى لا إله إلا هو لو أعلم أنك إذا أخذت بشعرك وناصيتك حتى يجتمع على وعليك الناس أطعتني لفعلت ذلك قال ثم خرج ابن عباس من عنده فمر بعبد الله بن الزبير فقال قرت عينك يا ابن الزبير ثم قال يا لك من قنبرة بمعمر خلالك الجو فبيضي واصفرى * ونقرى ما شئت أن تنقري هذا حسين يخرج إلى العراق وعليك بالحجاز (قال أبو مخنف) قال أبو جناب يحيى بن أبى حية عن عدى بن حرملة الاسدي عن عبد الله بن سليم والمذرى بن

[ 289 ]

المشمعل الاسديين قالا خرجنا حاجين من الكوفة حتى قدمنا مكة فدخلنا يوم التروية فإذا نحن بالحسين وعبد الله بن الزبير قائمين عند ارتفاع الضحى فيما بين الحجر والباب قالا فتقر بنا منهما فسمعنا ابن الزبير وهو يقول للحسين إن شئت أن تقيم أقمت فوليت هذا الامر فآزرناك وساعدناك ونصحنا لك وبايعناك فقال له الحسين إن أبى حدثنى أن بها كبشا يستحل حرمتها فما أحب أن أكون أنا ذلك الكبش فقال له ابن الزبير فأقم إن شئت وتولينى أنا الامر فتطاع ولا تعصى فقال وما أريد هذا أيضا قالا ثم إنهما أخفيا كلامهما دوننا فما زالا يتناجيان حتى سمعنا دعاء الناس رائحين متوجهين إلى منى عند الظهر قالا فطاف الحسين بالبيت وبين الصفا والمروة وقص من شعره وحل من عمرته ثم توجه نحو الكوفة وتوجهنا نحو الناس إلى منى (قال أبو مخنف) عن أبى سعيد عقيصى عن بعض أصحابه قال سمعت الحسين بن على وهو بمكة وهو واقف مع عبد الله بن الزبير فقال له ابن الزبير إلى يا ابن فاطمة فأصغى إليه فساره قال ثم التفت إلينا الحسين فقال أتدرون ما يقول ابن الزبير فقلنا لا ندرى جعلنا الله فداك فقال قال أقم في هذا المسجد أجمع لك الناس ثم قال الحسين والله لان أقتل خارجا منها بشبر أحب إلى من أن أقتل داخلا منها بشبر وايم الله لو كنت في جحر هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتى يقضوا في حاجتهم ووالله ليعتدن على كما اعتدت اليهود في السبت (قال أبو مخنف) حدثنى الحارث بن كعب الوالبى عن عقبة بن سمعان قال لما خرج الحسين من مكة اعترضه رسل عمرو بن سعيد بن العاص عليهم يحيى بن سعيد فقالوا له انصرف أين تذهب فأبى عليهم ومضى وتدافع الفريقان فاضطربوا بالسياط ثم إن الحسين وأصحابه امتنعوا منهم امتناعا قويا ومضى الحسين عليه السلام على وجهه فنادوه يا حسين ألا تتقى الله تخرج من الجماعة وتفرق بين هذه الامة فتأول حسين قول الله عز وجل (لى عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا برئ مما تعملون) قال ثم إن الحسين أقبل حتى مر بالتنعيم فلقى بها عيرا قد أقبل بها من اليمن بعث بها بحير بن ريسان الحميرى إلى يزيد بن معاوية وكان عامله على

[ 290 ]

اليمن وعلى العير الورس والحلل ينطلق بها إلى يزيد فأخذها الحسين فانطلق بهم قال لاصحاب الابل لا أكرهكم من أحب أن يمضى معنا إلى العراق أو فينا كراءه وأحسنا صحبته ومن أحب أن يفارقنا من مكاننا هذا أعطيناه من الكراء على قدر ما قطع من الارض قال فمن فارقه منهم حوسب فأوفى حقه ومن مضى منهم معه أعطاه كراءه وكساه (قال أبو مخنف) عن أبى جناب عن عدى بن حرملة عن عبد الله بن سليم والمذرى قالا أقبلنا حتى انتهينا إلى الصفاح فلقينا الفرزدق بن غالب الشاعر فواقف حسينا فقال له أعطاك الله سؤلك وأملك فيما تحب فقال له الحسين بين لنا نبأ الناس خلفك فقال له الفرزدق من الخبير سألت قلوب الناس معك وسيوفهم مع بنى أمية والقضاء ينزل من السماء والله يفعل ما يشاء فقال له الحسين صدقت لله الامر والله يفعل ما يشاء وكل يوم ربنا في شأن إن نزل القضاء بما نحب فنحمد الله على نعمائه وهو المستعان على أداء الشكر وإن حال القضاء دون الرجاء فلم يعتد من كان الحق نيته والتقوى سريرته ثم حرك الحسين راحلته فقال السلام عليك ثم افترقا (قال هشام) عن عوانة بن الحكم عن لبطة بن الفرزدق ابن غالب عن أبيه قال حججت بأمى فأنا أسوق بعيرها حين دخلت الحرم في أيام الحج وذلك في سنة 60 إذ لقيت الحسين بن على خارجا من مكة معه أسيافه وتراسه فقلت لمن هذا القطار فقيل للحسين بن على فأتيته فقلت بأبى وأمى يا ابن رسول الله ما أعجلك عن الحج فقال لو لم أعجل لاخذت قال ثم سألني ممن أنت فقلت له امرؤ من العراق قال فوالله ما فتشني عن أكثر من ذلك واكتفى بها منى فقال أخبرني عن الناس خلفك قال فقلت له القلوب معك والسيوف مع بنى أمية والقضاء بيد الله قال فقال لى صدقت قال فسألته عن أشياء فأخبرني بها من نذور ومناك قال وإذا هو ثقيل اللسان من برسام أصابه بالعراق قال ثم مضيت فإذا بفسطاط مضروب في الحرم وهيئته حسنة فأتيته فإذا هو لعبدالله بن عمرو بن العاص فسألني فأخبرته بلقاء الحسين بن على فقال لى ويلك فهلا اتبعته فوالله ليملكن ولا يجوز السلاح فيه ولا في أصحابه قال فهممت والله أن ألحق به ووقع في قلبى مقالته ثم ذكرت الانبياء وقتلهم فصدني لك

[ 291 ]

عن اللحاق بهم فقدمت على أهلى بعسفان قال فوالله إنى لعندهم إذ أقبلت عير قد امتارت من الكوفة فلما سمعت بهم خرجت في آثارهم حتى إذا أسمعتهم الصوت وعجلت عن إتيانهم صرخت بهم ألا ما فعل الحسين بن على قال فردوا على ألا قد قتل قال فانصرفت وأنا ألعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال وكان أهل ذلك الزمان يقولون ذلك الامر وينتظرونه في كل يوم وليلة قال وكان عبد الله بن عمرو يقول لا تبلغ الشجرة ولا النخلة ولا الصغير حتى يظهر هذا الامر قال فقلت له فما يمنعك أن تبيع الوهط قال فقال لى لعنة الله على فلان يعنى معاوية وعليك قال فقلت لا بل عليك لعنة الله قال فزادني من اللعن ولم يكن عنده من حشمه أحد فألقى منهم شرا قال فخرجت وهو لا يعرفني والوهط حائط لعبدالله بن عمرو بالطائف قال وكان معاوية قد ساوم به عبد الله بن عمرو وأعطاه به مالا كثيرا فأبى أن يبيعه بشئ قال وأقبل الحسين مغذا لا يلوى على شئ حتى نزل ذات عرق (قال أبو مخنف) حدثنى الحارث بن كعب الوالبى عن على بن الحسين بن على بن أبى طالب قال لما خرجنا من مكة كتب عبد الله بن جعفر بن أبى طالب إلى الحسين ابن على مع ابنيه عون ومحمد أما بعد فانى أسألك بالله لما انصرفت حين تنظر في كتابي فإنى مشفق عليك من الوجه الذى توجه له أن يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك إن هلكت اليوم طفئ نور الارض فإنك علم المهتدين ورجاء المؤمنين فلا تعجل بالسير فإنى في أثر الكتاب والسلام قال وقام عبد الله بن جعفر إلى عمرو بن سعيد بن العاص فكلمه وقال اكتب إلى الحسين كتابا تجعل له فيه الامان وتمنيه فيه البر والصلة وتوثق له في كتابك وتسأله الرجوع لعله يطمئن إلى ذلك فيرجع فقال عمرو بن سعيد اكتب ما شئت وأتنى به حتى أختمه فكتب عبد الله ابن جعفر الكتاب ثم أتى به عمرو بن سعيد فقال له اختمه وابعث به مع أخيك يحيى بن سعيد فانه أحرى أن تطمئن نفسه إليه ويعلم أنه الجد منك ففعل وكان عمرو بن سعيد عامل يزيد بن معاوية على مكة قال فلحقه يحيى وعبد الله بن جعفر ثم انصرفا بعد أن أقرأه يحيى الكتاب فقالا أقرأناه الكتاب وجهدنا به وكان مما

[ 292 ]

اعتذر به إلينا أن قال إنى رأيت رؤيا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمرت فيها بأمر أنا ماض له على كان أولى فقالا له فما تلك الرؤيا قال ما حدثت أحدا بها وما أنا محدث بها حتى ألقى ربى قال وكان كتاب عمرو بن سعيد إلى الحسين بن على بسم الله الرحمن الرحيم من عمرو بن سعيد إلى الحسين بن على أما بعد فانى أسأل الله أن يصرفك عما يوبقك وأن يهديك لما يرشدك بلغني أنك قد توجهت إلى العراق وإنى أعيذك بالله من الشقاق فإنى أخاف عليك فيه الهلاك وقد بعثت اليك عبد الله بن جعفر ويحيى بن سعيد فأقبل إلى معهما فإن لك عندي الامان والصلة والبر وحسن الجوار لك الله على بذلك شهيد وكفيل ومراع ووكيل والسلام عليك قال وكتب إليه الحسين أما بعد فانه لم يشاقق الله ورسوله من دعا إلى الله عز وجل وعمل صالحا وقال إننى من المسلمين وقد دعوت إلى الامان والبر والصلة فخير الامان أمان الله ولن يؤمن الله يوم القيامة من لم يخفه في الدنيا فنسأل الله مخافة في الدنيا توجب لنا أمانة يوم القيامة فان كتت نويت بالكتاب صلتي وبرى فجزيت خيرا في الدنيا والآخرة والسلام رجع الحديث إلى حديث عمار الدهنى عن أبى جعفر * حدثنى زكرياء بن يحيى الضرير قال حدثنا أحمد بن جناب المصيصى قال حدثنا خالد بن يزيد بن عبد الله القسرى قال حدثنا عمار الدهنى قال قلت لابي جعفر حدثنى مقتل الحسين حتى كأنى حضرته قال فأقبل حسين بن على بكتاب مسلم بن عقيل كان إليه حتى إذا كان بينه وبين القادسية ثلاثة أميال لقيه الحر بن يزيد التميمي فقال له أين تريد قال أريد هذا المصر قال له ارجع فإنى لم أدع لك خلفي خيرا أرجوه فهم أن يرجع وكان معه إخوة مسلم بن عقيل فقالوا والله لا نرجع حتى نصيب بثأرنا أو نقتل فقال لا خير في الحياة بعدكم فسار فلقيته أوائل خيل عبيدالله فلما رأى ذلك عدل إلى كربلاء فأسند ظهره إلى قصباء وخلا كيلا يقاتل إلا من وجه واحد فنزل وضرب أبنيته وكان أصحابه خمسة وأربعين فارسا ومائة راجل وكان عمر بن سعد بن أبى وقاص قد ولاه عبيدالله بن زياد الرى

[ 293 ]

وعهد إليه عهده فقال اكفني هذا الرجل قال اعفنى فأبى أن يعفيه قال فأنظرنى الليلة فأخره فنظر في أمره فلما أصبح غدا عليه راضيا بما أمر به فتوجه إليه عمر بن سعد فلما أتاه قال له الحسين اختر واحدة من ثلاث إما ان تدعوني فانصرف من حيث جئت وإما أن تدعوني فأذهب إلى زيد وإما أن تدعوني فألحق بالثغور فقبل ذلك عمر فكتب إليه عبيد الله لا ولا كرامة حتى يضع يده في يدى فقال له الحسين لا والله لا يكون ذلك أبدا فقاتله فقتل أصحاب الحسين كلهم وفيهم بضعة عشر شابا من أهل بيته وجاء سهم فأصاب ابنا له معه في حجره فجعل يمسح الدم عنه ويقول اللهم احكم بيننا وبين قوم دعونا لينصرونا فقتلونا ثم أمر بحبرة فشققها ثم لبسها وخرج بسيفه فقاتل حتى قتل صلوات الله عليه قتله رجل من مذحج وحز رأسه وانطلق به إلى عبيد الله وقال أوقر ركابي فضة وذهبا * فقد قتلت الملك المحجبا قتلت خير الناس أما وأبا * وخيرهم إذ ينسبون نسبا وأوفده إلى يزيد بن معاوية ومعه الرأس فوضع رأسه بين يديه وعنده أبو برزة الاسلمي فجعل ينكت بالقضيب على فيه ويقول يفلقن هاما من رجال أعزة * علينا وهم كانوا أعق وأظلما فقال له أبو برزة ارفع قضيبك فوالله لربما رأيت فارسول الله صلى الله عليه وسلم على فيه يلثمه وسرح عمر بن سعد بحرمه وعياله إلى عبيد الله ولم يكن بقى من أهل بيت الحسين بن على عليه السلام إلا غلام كان مريضا مع النساء فأمر به عبيدالله ليقتل فطرحت زينب نفسها عليه وقالت والله لا يقتل حتى تقتلوني فرق لها فتركه وكف عنه قال فجهزهم وحملهم إلى يزيد فلما قدموا عليه جمع من كان بحضرته من أهل الشأم ثم أدخلوهم فهنؤه بالفتح قال رجل منهم أزرق أحمر ونظر إلى وصيفة من بناتهم فقال يا أمير المؤمنين هب لى هذه فقالت زينب لا والله ولا كرامة لك ولا له إلا أن يخرح من دين الله قال فأعادها الازرق فقال له يزيد كف عن هذا ثم أدخلهم على عياله فجهزهم وحملهم إلى المدينة فلما دخلوها خرجت امرأة من بنى عبد المطلب ناشرة شعرها واضعة كمها على رأسها تلقاهم وهى تبكى وتقول

[ 294 ]

ماذا تقولون إن قال النبي لكم * ماذا فعلتم وأنتم آخر الامم بعترتي وبأهلي بعد مفتقدى * منهم أسارى وقتلى ضرجوا بدم ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم * أن تخلفوني بسوء في ذوى رحمى * حدثنى الحسين بن نصر قال حدثنا أبو ربيعة قال حدثنا أبو عوانة عن حصين ابن عبد الرحمن قال بلغنا أن الحسين عله ا لسلام * وحدثنا محمد بن عمار الرازي قال حدثنا سعيد بن سليمان قال حدثنا عباد بن العوام قال حدثنا حصين أن الحسين ابن على عليه السلام كتب إليه أهل الكوفة انه معك مائة ألف فبعث إليهم مسلم ابن عقيل فقدم الكوفة فنزل دار هانئ بن عروة فاجتمع إليه الناس فأخبر ابن زياد بذلك زاد الحسين بن نصر في حديثه فأرسل إلى هانئ فأتاه فقال ألم أوقرك ألم أكرمك ألم أفعل بك قال بلى قال فما جزاء ذلك قال جزاؤه أن أمنعك قال تمنعني قال فأخذ قضيبا مكانه فضربه به وأمر فكتف ثم ضرب عنقه فبلغ ذلك مسلم ابن عقيل فخرج ومعه ناس كثير فبلغ ابن زياد ذلك فأمر بباب القصر فأغلق وأمر مناديا فنادى يا خيل الله اركبي فلا أحد يحيبه فظن أنه في ملا من الناس قال حصين فحدثني هلال بن يساف قال لقيتهم تلك الليلة في الطريق عند مسجد الانصار فلم يكونوا يمرون في طريق يمينا ولا شمالا إلا ان ذهبت منهم طائفة الثلاثون والاربعون ونحو ذلك قال فلما بلغ السوق وهى ليلة مظلمة ودخلوا المسجد قيل لابن زياد والله ما نرى كثير أحد ولا نسمع أصوات كثير أحد فأمر بسقف المسجد فقلع ثم أمر بحرادى فيها النيران فجعلوا ينظرون فإذا قريب خمسين رجلا قال فنزل فصعد المنبر وقال للناس تميزوا أرباعا أرباعا فانطلق كل قوم إلى رأس ربعهم فنهض إليهم قوم يقاتلونهم فجرح مسلم جراحة ثقيلة وقتل ناس من أصحابه وانهزموا فخرج مسلم فدخل دارا من دور كندة فجاء رجل إلى محمد بن الاشعث وهو جالس إلى ابن زياد فساره فقال له إن مسلما في دار فلان فقال ابن زياد ما قال لك قال قال إن مسلما في دار فلان قال ابن زياد لرجلين انطلقا فأتيانى به فدخلا عليه وهو عند امرأة قد أوقدت له النار فهو يغسل عنه الدماء فقالا له انطلق الامير يدعوك فقال

[ 295 ]

اعقدا لى عقدا فقالا ما نملك ذاك فانطلق معهما حتى أتاه فأمر به فكتف ثم قال هيه هيه يا ابن خلية قال الحسين في حديثه يا ابن كذا جئت لتنزع سلطاني ثم أمر به فضربت عنقه قال حصين فحدثني هلال بن يساف أن ابن زياد أمر بأخذ ما بين واقصة إلى طريق الشأم إلى طريق البصرة فلا يدعون أحدا يلج ولا أحدا يخرج فأقبل الحسين ولا يشعر بشئ حتى لقى الاعراب فسألهم فقالوا لا والله ما ندرى غير أنا لا نستطيع أن نلج ولا نخرج قال فانطلق يسير نحو طريق الشأم نحو يزيد فلقيته الخيول بكربلاء فنزل يناشدهم الله والاسلام قال وكان بعث إليه عمر بن سعد وشمر بن ذى الجوشن وحصين بن نمير فناشدهم الحسين الله والاسلام أن يسيروه إلى أمير المؤمنين فيضع يده في يد فقالوا لا إلا على حكم ابن زياد وكان فيمن بعث إليه الحر بن يزيد الحنظلي ثم النهشلي على خيل فلما سمع ما يقول الحسين قال لهم ألا تقبلون من هؤلاء ما يعرضون عليكم والله لو سألكم هذا الترك والديلم ما حل لكم أن تردوه فأبوا إلا على حكم ابن زياد فصرف الحر وجه فرسه وانطلق إلى الحسين وأصحابه فظنوا أنه إنما جاء ليقاتلهم فلما دنا منهم قلب ترسه وسلم عليهم ثم كر على أصحاب ابن زياد فقاتلهم فقتل منهم رجلين ثم قتل رحمة الله عليه وذكر أن زهير ابن القين البجلى لقى الحسين وكان حاجا فأقبل معه وخرج إليه ابن أبى بحرية المرادى ورجلان آخران وعمرو بن الحجاج ومعن السلمى قال الحصين وقد رأيتهما قال الحصين وحدثني سعد بن عبيدة قال إن أشياخا من أهل الكوفة لوقوف على التل يبكون ويقولون اللهم أنزل نصرك قال قلت يا أعداء الله ألا تنزلون فتنصرونه قال فأقبل الحسين يكلم من بعث إليه ابن زياد قال وإنى لانظر إليه وعليه جبة من برود فلما كلمهم انصرف فرماه رجل من بنى تميم يقال له عمر الطهوى بسهم فإنى لانظر إلى السهم بين كتفيه متعلقا في جبته فلما أبوا عليه رجع إلى مصافه وإنى لانظر إليهم وانهم لقريب من مائة رجل فهم لصلب على بن أبى طالب عليه السلام خمسة ومن بنى هاشم ستة عشر ورجل من بنى سليم حليف لهم ورجل من بنى كنانة حليف لهم وابن عمر بن زياد قال وحدثني سعد بن عبيدة قال إنا لمستنقعون في

[ 296 ]

الماء مع عمر بن سعد إذ أتاه رجل فساره وقال له قد بعث إليك ابن زياد جويرية ابن بدر التميمي وأمره إن لم تقاتل القوم أن يضرب عنقك قال فوثب إلى فرسه فركبه ثم دعا سلاحه فلبسه وانه على فرسه فنهض بالناس إليهم فقاتلوهم فجئ برأس الحسين إلى ابن زياد فوضع بين يديه فجعل يقول بقضيبه ويقول ان أبا عبد الله قد كان شمط قال وجئ بنسائه وبناته وأهله وكان أحسن شئ صنعه ان أمر لهم بمنزل في مكان معتزل وأجرى عليهم رزقا وأمر لهم بنفقة وكسوة قال فانطلق غلامان منهم لعبد الله بن جعفر أو ابن ابن جعفر فأتيا رجلا من طيئ فلجأ إليه فضرب أعناقهما وجاء برؤوسهما حتى وضعهما بين يدى ابن زياد قال فهم بضرب عنقه وأمر بداره فهدمت قال وحدثني مولى لمعاوية بن أبى سفيان قال لما أتى يزيد برأس الحسين فوضع بين يديه قال رأيته يبكى وقال لو كان بينه وبينه رحم ما فعل هذا قال حصين فلما قتل الحسين لبثوا شهرين أو ثلاثة كأنما تلطخ الحوائط بالدماء ساعة تطلع الشمس حتى ترتفع قال وحدثني العلاء بن أبى عاثة قال حدثنى رأس الجالوت عن أبيه قال ما مررت بكربلاء إلا وأنا أركض دابتي حتى أخلف المكان قال قلت لم قال كنا نتحدث أن ولد نبى مقتول في ذلك المكان قال وكنت أخاف أن أكون أنا فلما قتل الحسين قلنا هذا الذى نتحدث قال وكنت بعد ذلك إذا مررت بذلك المكان أسير ولا أركض * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال حدثنى على بن محمد عن جعفر بن سليمان الضبعى قال قال الحسين والله لا يدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفى فإذا فعلوا سلط الله عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل من فرم الامة فقدم للعراق فقتل بنينوى يوم عاشوراء سنة 61 قال الحارث قال ابن سعد أخبرنا محمد بن عمر قال قتل الحسين بن على عليه السلام في صفر سنة 61 وهو يومئذ ابن خمس وخمسين حدثنى بذلك أفلح بن سعيد عن ابن كعب القرظى قال الحارث حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر عن أبى معشر قال قتل الحسين لعشر خلون من المحرم قال الواقدي هذا أثبت قال الحارث قال ابن سعد أخبرنا محمد بن عمر قال أخبرنا عطاء بن مسلم عمن أخبره عن عاصم بن

[ 297 ]

أبى النجود عن زر بن حبيش قال أول رأس رفع على خشبة رأس الحسين رضى الله عن الحسين وصلى الله على روحه (قال أبو مخنف) عن هشام بن الوليد عمن شهد ذلك قال أقبل الحسين بن على بأهله من مكة ومحمد بن الحنفية بالمدينة قال فبلغه خبره وهو يتوضأ في طست قال فبكى حتى سمعت وكف دموعه في الطست (قال أبو مخنف) حدثنى يونس بن أبى إسحاق السبيعى قال ولما بلغ عبيدالله إقبال الحسين بن مكة إلى الكوفة بعث الحصين بن نمير صاحب شرطه حتى نزل القادسية ونظم الخيل ما بين القادسية إلى خفان وما بين القادسية إلى القطقطانة وإلى لعلع وقال الناس هذا الحسين يريد العراق (قال أبو مخنف) وحدثني محمد ابن قيس أن الحسين أقبل حتى إذا بلغ الحاجر من بطن الرمة بعث قيس بن مسهر الصيداوي إلى أهل الكوفة وكتب معه إليهم بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين ابن على إلى إخوانه من المؤمنين والمسلمين سلام عليكم فإنى أحمد إليكم الله الذى لا إله إلا هو أما بعد فإن كتاب مسلم بن عقيل جاءني يخبرني فيه بحسن رأيكم واجتماع ملئكم على نصرنا والطلب بحقنا فسألت الله أن يحسن لنا الصنع وأن يثيبكم على ذلك أعظم الاجر وقد شخصت إليكم من مكة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذى الحجة يوم التروية فإذا قدم عليكم رسولي فاكمشوا أمركم وجدوا فإنى قادم عليكم في أيامى هذه إن شاء الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وكان مسلم ابن عقيل قد كان كتب إلى الحسين قبل أن يقتل لسبع وعشرين ليلة أما بعد فان الرائد لا يكذب أهله إن جمع أهل الكوفة معك فأقبل حين تقرأ كتابي والسلام عليك قال فأقبل الحسين بالصبيان والنساء معه لا يلوى على شئ وأقبل قيس بن مسهر الصيداوي إلى الكوفة بكتاب الحسين حتى إذا انتهى إلى القادسية أخذه الحصين ابن نمير فبعث به إلى عبيدالله بن زياد فقال له عبيدالله اصعد إلى القصر فسب الكذاب ابن الكذاب فصعد ثم قال أيها الناس إن هذا الحسين بن على خير خلق الله ابن فاطمة بنت رسول الله وأنا رسوله إليكم وقد فارقته بالحاجر فأجيبوه ثم لعن عبيدالله بن زياد وأباه واستغفر لعلى بن أبى طالب قال فأمر به عبيدالله

[ 298 ]

ابن زياد أن يرمى به من فوق القصر فرمى به فتقطع فمات ثم أقبل الحسين سيرا إلى الكوفة فانتهى إلى ماء من مياه العرب فإذا عليه عبد الله بن مطيع العدوى وهو نازل ههنا فلما رأى الحسين قام إليه فقال بأبى أنت وأمى يا ابن رسول الله ما أقدمك واحتمله فأنزله فقال له الحسين كان من موت معاوية ما قد بلغك فكتب إلى أهل العراق يدعونني إلى أنفسهم فقال له عبد الله بن مطيع أذكرك الله يا ابن رسول الله وحرمة الاسلام أن تنتهك أنشدك الله في حرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنشدك الله في حرمة العرب فوالله لئن طلبت ما في أيدى بنى أمية ليقتلنك ولئن قتلوك لا يهابون بعدك أحدا أبدا والله إنها لحرمة الاسلام تنتهك وحرمة قريش وحرمة العرب فلا تفعل ولا تأت الكوفة ولا تعرض لبنى أمية قال فأبى إلا أن يمضى قال فأقبل الحسين حتى إذا كان بالماء فوق زرود (قال أبو مخنف) فحدثني السدى عن رجل من بنى فزارة قال لما كان زمن الحجاج بن يوسف كنا في دار الحارث بن أبى ربيعة التى في التمارين التى أقطعت بعد زهير بن القين من بنى عمرو ابن يشكر من بجيلة وكان أهل الشأم لا يدخلونها فكنا محتبين فيها قال فقلت للفزارى حدثنى عنكم حين أقبلتم مع الحسين بن على قال كنا مع زهير بن القين البجلى حين أقبلنا من مكة نساير الحسين فلم يكن شئ أبغض إلينا من أن نسايره في منزل فإذا سار الحسين تخلف زهير بن القين وإذا نزل الحسين تقدم زهير حتى نزلنا يومئذ في منزل لم نجد بدا من أن ننازله فيه فنزل الحسين في جانب ونزلنا في جانب فبينا نحن جلوس نتغدى من طعام لنا إذا أقبل رسول الحسين حتى سلم ثم دخل فقال يا زهير بن القين إن أبا عبد الله الحسين بن على بعثنى اليك لتأتيه قال فطرح كل انسان ما في يده حتى كأننا على رؤوسنا الطير (قال أبو مخنف) فحدثتني دلهم بنت عمرو امرأة زهير بن القين قالت فقلت له أيبعث اليك ابن رسول الله ثم لا تأتيه سبحان الله لو أتيته فسمعت من كلامه ثم انصرفت قالت فأتاه زهير بن القين فما لبث أن جاء مستبشرا قد أسفر وجهه قالت فأمر بفسطاطه وثقله ومتاعه فقدم وحمل إلى الحسين ثم قال لامرأته أنت طالق الحقى بأهلك فانى لا أحب أن

[ 299 ]

يصيبك من سببي إلا خير ثم قال لاصحابه من أحب منكم أن يتبعني وإلا فإنه آخر العهد إنى سأحدثكم حديثا غزونا بلنجر ففتح الله علينا وأصبنا غنائم فقال لنا سلمان الباهلى أفرحتم بما فتح الله عليكم وأصبتم من المغانم فقلنا نعم فقال لنا إذا أدركتم شباب آل محمد فكونوا أشد فرحا بقتالكم معهم بما أصبتم من الغنائم فأما أنا فإنى أستودعكم الله قال ثم والله ما زال في أول القوم حتى قتل (قال أبو مخنف) حدثنى أبو جناب الكلبى عن عدى بن حرملة الاسدي عن عبد الله بن سليم والمذرى بن المشمل الاسديين قالا لما قضينا حجنا لم يكن لنا همة اللحاق بالحسين في الطريق لننظر ما يكون من أمره وشأنه فأقبلنا ترقل بنا ناقتانا مسرعين حتى لحقناه بزرود فلما دنونا منه إذا نحن برجل من أهل الكوفة قد عدل عن الطريق حين رأى الحسين قالا فوقف الحسين كأنه يريده ثم تركه ومضى ومضينا نحوه فقال أحدنا لصاحبه اذهب بنا إلى هذا فلنسأله فإن كان عنده خبر الكوفة علمناه فمضينا حتى انتهينا إليه فقلنا السلام عليك قال وعليكم السلام ورحمة الله ثم قلنا فمن الرجل قال أسدى فقلنا فنحن أسديان فمن أنت قال أنا بكير بن المثعبة فانتسبنا له ثم قلنا أخبرنا عن الناس وراءك قال نعم لم أخرج من الكوفة حتى قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة فرأيتهما يجران بأرجلهما في السوق قالا فأقبلنا حتى لحقنا بالحسين فسايرناه حتى نزل الثعلبية ممسياه فجئناه حين نزل فسلمنا عليه فرد علينا فقلنا له يرحمك الله إن عندنا خبرا فإن شئت حدثنا علانية وإن شئت سرا قال فنظر إلى أصحابه وقال ما دون هؤلاء سر فقلنا له أرأيت الراكب الذى استقبلك عشاء أمس قال نعم وقد أردت مسألته فقلنا قد استبرأنا لك خبره وكفيناك مسألته وهو ابن امرئ من أسد منا ذو رأى وصدق وفضل وعقل إنه حدثنا أنه لم يخرج من الكوفة حتى قتل مسلم ابن عقيل وهانئ بن عروة وحتى رآهما يجران في السوق بأرجلهما فقال إنا لله وإنا إليه راجعون رحمة الله عليهما فردد ذلك مرارا فقلنا ننشدك الله في نفسك وأهل بيتك إلا انصرفت من مكانك هذا فإنه ليس لك بالكوفة ناصر ولا شيعة بل نتخوف أن تكون عليك قال فوثب عند ذلك بنو عقيل بن أبى طالب (قال

[ 300 ]

أبو مخنف) حدثنى عمر بن خالد عن زيد بن على بن حسين وعن داود بن على ابن عبد الله بن عباس أن بنى عقيل قالوا لا والله لا نبرح حتى ندرك ثأرنا أو نذوق ما ذاق أخونا (قال أبو مخنف) عن أبى جناب الكلبى عن عدى بن حرملة عن عبد الله بن سليم والمذرى بن المشعل الاسديين قالا فنظر الينا الحسين فقال لا خير في العيش بعد هؤلاء قالا فعلمنا أنه قد عزم له رأيه على المسير قالا فقلنا خار الله لك قالا فقال رحمكما الله قالا فقال له بعض أصحابه إنك والله ما أنت مثل مسلم بن عقيل ولو قدمت الكوفة لكان الناس اليك أسرع قال الاسديان ثم انتظر حتى إذا كان السحر قال لفتيانه وغلمانه أكثروا من الماء فاستقوا وأكثروا ثم ارتحلوا وساروا حتى انتهوا إلى زبالة (قال أبو مخنف) حدثنى أبو على الانصاري عن بكر بن مصعب المزني قال كان الحسين لا يمر بأهل ماء إلا اتبعوه حتى انتهى إلى زبالة سقط إليه مقتل أخيه من الرضاعة مقتل عبد الله بن بقطر وكان سرحه إلى مسلم بن عقيل من الطريق وهو لا يدرى أنه قد أصيب فتلقاه خيل الحصين بن نمير بالقادسية فسرح به إلى عبيدالله بن زياد فقال اصعد فوق القصر فالعن الكذاب ابن الكذاب ثم انزل حتى أرى فيك رأيى قال فصعد فلما أشرف على الناس قال أيها الناس إنى رسول الحسين ابن فاطمة بن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم لتنصروه وتوازروه على ابن مرجانة ابن سمية الدعى فأمر به عبيدالله فألقى من فوق القصر إلى الارض فكسرت عظامه وبقى به رمق فأتاه رجل يقال له عبد الملك ابن عمير اللخمى فذبحه فلما عيب ذلك عليه قال إنما أردت أن أريحه قال هشام حدثنا أبو بكر بن عياش عمن أخبره قال والله ما هو عبد الملك بن عمير الذى قام إليه فذبحه ولكنه قام إليه رجل جعد طوال يشبه عبد الملك بن عمير قال فأتى ذلك الخبر حصينا وهو بزبالة فأخرج للناس كتابا فقرأ عليهم بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فانه قد أتانا خبر فظيع قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة وعبد الله بن بقطر وقد خذلتنا شيعتنا فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف ليس عليه منا ذمام قال فتفرق الناس عنه تفرقا فأخذوا يمينا وشمالا حتى بقى في أصحابه الذين جاءوا

[ 301 ]

معه من المدينة وإنما فعل ذلك لانه ظن أنما اتبعه الاعراب لانهم ظنوا أنه يأتي بلدا قد استقامت له طاعة أهله فكره أن يسيروا معه إلا وهم يعلمون علام يقدمون وقد علم أنهم إذا بين لهم لم يصحبه إلا من يريد مواساته والموت معه قال فلما كان من السحر أمر فتيانه فاستقوا الماء وأكثروا ثم سار حتى مر بطن العقبة فنزل بها (قال أبو مخنف) فحدثني لوذان أحد بنى عكرمة أن أحد عمومته سأل الحسين عليه السلام أين تريد فحدثه فقال له إنى أنشدك الله لما انصرفت فوالله لا تقدم إلا على الاسنة وحد السيوف فإن هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤنة القتال ووطؤا لك الاشياء فقدمت عليهم كان ذلك رأيا فأما على هذه الحال التى تذكرها فإنى لا أرى لك أن تفعل قال فقال له يا عبد الله إنه ليس يخفى على الرأى ما رأيت ولكن الله لا يغلب على أمره ثم ارتحل منها * ونزع يزيد بن معاوية في هذه السنة الوليد بن عتبة عن مكة وولاها عمرو بن سعيد بن العاص وذلك في شهر رمضان منها فحج بالناس عمرو بن سعيد في هذه السنة حدثنى بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكان عامله على مكة والمدينة في هذه السنة بعد ما عزل الوليد بن عتبة عمرو بن سعيد وعلى الكوفة والبصرة وأعمالها عبيدالله بن زياد وعلى قضاء الكوفة شريح بن الحارث وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة. ثم دخلت سنة إحدى وستين ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمن ذلك مقتل الحسين رضوان الله عليه قتل فيها في المحرم لعشر خلون منه كذلك حدثنى أحمد بن ثابت قال حدثنى محدث عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر وكذلك قال الواقدي وهشام بن الكلبى وقد ذكرنا ابتداء أمر الحسين في مسيره نحو العراق وما كان منه في سنة 60 ونذكر الآن ما كان من أمره في سنة 61 وكيف كان مقتله * حدثت عن هشام عن أبى مخنف قال حدثنى أبو جناب عن

[ 302 ]

عدى بن حرملة عن عبد الله بن سليم والمذرى بن المشمعل الاسديين قالا أقبل الحسين عليه السلام حتى نزل شراف فلما كان في السحر أمر فتيانه فاستقوا من الماء فأكثروا ثم ساروا منها فرسموا صدر يومهم حتى انتصف النهار ثم إن رجلا قال الله أكبر فقال الحسين الله أكبر ما كبرت قال رأيت النخل فقال له الاسديان إن هذا المكان ما رأينا به نخلة قط قالا فقال لنا الحسين فما تريانه رأى قلنا نراه رأى هوادى الخيل فقال وأنا والله أرى ذلك فقال الحسين أما لنا ملجأ نلجأ إليه نجعله في ظهورنا ونستقبل القوم من وجه واحد فقلنا له بلى هذا ذو حسم إلى جنبك تميل إليه عن يسارك فإن سبقت القوم إليه فهو كما تريد قال فأخذ إليه ذات اليسار قال وملنا معه فما كان بأسرع من أن طلعت علينا هوادى الخيل فتبيناها وعدلنا فلما رأونا وقد عدلنا عن الطريق عدلوا إلينا كأن أسنتهم اليعاسيب وكأن راياتهم أجنحة الطير قال فاستبقنا إلى ذى حسم فسبقناهم إليه فنزل الحسين فأمر بأبنيته فضربت وجاء القوم وهم ألف فارس مع الحر بن يزيد التميمي اليربوعي حتى وقف هو وخيله مقابل الحسين في حر الظهيرة والحسين وأصحابه معتمون متقلد وأسيافهم فقال الحسين لفتيانه اسقوا القوم وارووهم من الماء ورشفوا الخيل ترشيفا فقام فتيانه فرشفوا الخيل ترشيفا فقام فتية وسقوا القوم من الماء حتى أرووهم وأقبلوا يملؤن القصاع والاتوار والطساس من الماء ثم يدنونها من الفرس فإذا عب فيه ثلاثا أو أربعا أو خمسا عزلت عنه وسقوا آخر حتى سقوا الخيل كلها * قال هشام حدثنى لقيط عن على بن الطعان المحاربي كنت مع الحر بن يزيد فجئت في آخر من جاء من أصحابه فلما رأى الحسين ما بى وبفرسى من العطش قال أنخ الراوية والراوية عندي السقاء ثم قال ابن أخى أنخ الجمل فأنخته فقال اشرب فجعلت كلما شربت سال الماء من السقاء فقال الحسين اخنث السقاء أي اعطفه قال فجعلت لا أدرى كيف أفعل قال فقام الحسين فخنثه فشربت وسقيت فرسى قال وكان مجئ الحر بن يزيد ومسيره إلى الحسين من القادسية وذلك أن عبيدالله بن زياد لما بلغه إقبال الحسين بعث الحصين بن نمير التميمي وكان على شرطه فأمره أن ينزل

[ 303 ]

القادسية وأن يضع المسالح فينظم ما بين القطقطانة إلى خفان وقدم الحر بن يزيد بين يديه في هذه الالف من القادسية فيستقبل حسينا قال فلم يزل موافقا حسينا حتى حضرت الصلاة صلاة الظهر فأمر الحسين الحجاج بن مسروق الجعفي أن يؤذن فأذن فلما حضرت الاقامة خرج الحسين في إزار ورداء ونعلين فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إنها معذرة إلى الله عز وجل وإليكم إنى لم آتكم حتى أتتنى كتبكم وقدمت على رسلكم أن اقدم علينا فإنه ليس لنا إمام لعل الله يجمعنا بك على الهدى فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم فإن تعطوني ما أطمئن إليه من عهودكم ومواثيقكم أقدم مصركم وإن لم تفعلوا وكنتم لمقدمي كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذى أقبلت منه اليكم قال فسكتوا عنه وقالوا للمؤذن أقم فأقام الصلاة فقال الحسين عليه السلام للحر أتريد أن تصلى بأصحابك قال لا بل تصلى أنت ونصلي بصلاتك قال فصلى بهم الحسين ثم إنه دخل واجتمع إليه أصحابه وانصرف الحر إلى مكانه الذى كان به فدخل خيمة قد ضربت له فاجتمع إليه جماعة من أصحابه وعاد أصحابه إلى صفهم الذى كانوا فيه فأعادوه ثم أخذ كل رجل منهم بعنان دابته وجلس في ظلها فلما كان وقت العصر أمر الحسين أن يتهيؤا للرحيل ثم إنه خرج فأمر مناديه فنادى بالعصر وأقام فاستقدم الحسين فصلى بالقوم ثم سلم وانصرف إلى القوم بوجهه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد أيها الناس فإنكم إن تتقوا وتعرفوا الحق لاهله يكن أرضى لله ونحن أهل البيت أولى بولايته هذا الامر عليكم من هؤلاء المدعين ما ليس لهم والسائرين فيكم بالجور والعدوان وإن أنتم كرهتمونا وجعلتم حقنا وكان رأيكم غير ما أتتنى كتبكم وقدمت به على رسلكم انصرفت عنكم فقال له الحر بن يزيد إنا والله ما ندرى ما هذه الكتب التى تذكر فقال الحسين يا عقبة بن سمعان أخرج الخرجين اللذين فيهما كتبهم إلى فأخرج خرجين مملوءين صحفا فنشرها بين أيديهم فقال الحر فإنا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك وقد أمرنا إذا نحن لقيناك ألا نفارقك حتى نقدمك على عبيدالله ابن زياد فقال له الحسين الموت أدنى إليك من ذلك ثم قال لاصحابه قوموا فاركبوا

[ 304 ]

فركبوا وانتظروا حتى ركبت نساؤهم فقال لاصحابه انصرفوا بنا فلما ذهبوا لينصرفوا حال القوم بينهم وبين الانصراف فقال الحسين للحر ثكلتك أمك ما تريد قال أما والله لو غيرك من العرب يقولها لى وهو على مثل الحال التى أنت عليها ما تركت ذكر أمه بالثكل أن أقوله كائنا من كان ولكن والله مالى إلى ذكر أمك من سبيل الا بأحسن ما يقدر عليه فقال له الحسين فما تريد قال الحر أريد والله أن أنطلق بك إلى عبيدالله بن زياد قال له الحسين إذن والله لا أتبعك فقال له الحر إذن والله لا أدعك فترادا القول ثلاث مرات ولما كثر الكلام بينهما قال له الحر إنى لم أومر بقتالك وإنما أمرت أن لا أفارقك حتى أقدمك الكوفة فإذا أبيت فخذ طريقا لا تدخلك الكوفة ولا تردك إلى المدينة لتكون بينى وبينك نصفا حتى أكتب إلى ابن زياد وتكتب أنت إلى يزيد بن معاوية إن أردت أن تكتب إليه أو إلى عبيدالله بن زياد إن شئت فلعل الله إلى ذاك أن يأتي بأمر يرزقنى فيه العافية من أن أبتلى بشئ من أمرك قال فخذ ههنا فتياسر عن طريق العذيب والقادسية وبينه وبين العذيب ثمانية وثلاثون ميلا ثم إن الحسين سار في أصحابه والحر يسايره (قال أبو مخنف) عن عقبة بن أبى العيزار إن الحسين خطب أصحابه وأصحاب الحر بالبيصة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله ناكثا لعهد الله مخالفا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل في عباد الله بالاثم والعدوان فلم يغير عليه بفعل ولا قول كان حقا على الله إن يدخله مدخله ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود واستأثروا بالفئ وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله وأنا أحق من غير وقد أتتنى كتبكم وقدمت على رسلكم ببيعتكم انكم لا تسلموني ولا تخذلونى فإن تممتم على بيعتكم تصيبوا رشدكم فأنا الحسين بن على وابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسي مع أنفسكم وأهلي مع أهليكم فلكم في أسوة وإن لم تفعلوا ونقضتم عهدكم وخلعتم بيعتى من أعناقكم فلعمري ما هي لكم بنكر لقد فعلتموها بأبى وأخى وابن

[ 305 ]

عمى مسلم والمغرور من اغتر بكم فحظكم أخطأتم ونصيبكم ضيعتم ومن نكث فإنما ينكث على نفسه وسيغنى الله عنك والسلام عليك ورحمة الله وبركاته (وقال عقبة) بن أبى العيزاز قام حسين عليه السلام بذى حسم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إنه قد نزل من الامر ما قد ترون وإن الدنيا قد تغيرت وتنكرت وأدبر معروفها واستمرت جدا فلم يبق منها إلا صبابة كصبابة الاناء وخسيس عيش كالمرعى الوبيل ألا ترون أن الحق لا يعمل به وأن الباطل لا يتناهى عنه ليرغب المؤمن في لقاء الله محقا فانى لا أرى الموت إلا شهادة ولا الحياة مع الظالمين إلا برما قال فقام زهير بن القين البجلى فقال لاصحابه تكلمون أم أتكلم قالوا لا بل تكلم فحمد الله فأثنى عليه ثم قال قد سمعنا هداك الله يا ابن رسول الله مقالتك والله لو كانت الدنيا لنا باقية وكنا فيها مخلدين إلا أن فراقها في نصرك ومواساتك لآثرنا الخروج معك على الاقامة فيها قال فدعا له الحسين ثم قال له خيرا وأقبل الحر يسايره وهو يقول له يا حسين إنى أذكرك الله في نفسك فانى أشهد لئن قاتلت لتقتلن ولئن قوتلت لتهلكن فيما أرى فقال له الحسين أفبالموت تخوفنى وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني ما أدرى ما أقول لك ولكن أقول كما قال أخو الاوس لابن عمه ولقيه وهو يريد نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له أين تذهب فانك مقتول فقال سأمضى وما بالموت عار على الفتى * إذا ما نوى حقا وجاهد مسلما وآسى الرجال الصالحين بنفسه * وفارق مثبورا يغش ويرغما قال فلما سمع ذلك منه الحر تنحى عنه وكان يسير بأصحابه في ناحية وحسين في ناحية أخرى حتى انتهوا إلى عذيب الهجانات وكان بها هجائن النعمان ترعى هنالك فإذا هم بأربعة نفر قد أقبلوا من الكوفة على رواحلهم يجنبون فرسا لنافع بن هلال يقال له الكامل ومعهم دليلهم الطرماح بن عدى على فرسه وهو يقول يا ناقتي لا تذعري من زجري * وشمرى قبل طلوع الفجر بخير ركبان وخير سفر * حتى تحلى بكريم النجر الماجد الحر رحيب الصدر * أتى به الله لخير أمر

[ 306 ]

ثمت أبقاه بقاء الدهر قال فلما انتهوا إلى الحسين أنشدوه هذه الابيات فقال أما والله انى لارجو أن يكون خيرا ما أراد الله بنا قتلنا أم ظفرنا قال وأقبل إليهم الحر بن يزيد فقال إن هؤلاء النفر الذين من أهل الكوفة ليسوا ممن أقبل معك وأنا حابسهم أو رادهم فقال له الحسين لامنعنهم مما أمنع منه نفسي إنما هؤلاء أنصارى وأعواني وقد كنت أعطيتني ألا تعرض لى بشئ حتى يأتيك كتاب من ابن زياد فقال أجل لكن لم يأتوا معك قال هم أصحابي وهم بمنزلة من جاء معى فان تممت على ما كان بينى وبينك وإلا ناجزتك قال فكف عنهم الحر قال ثم قال لهم الحسين أخبروني خبر الناس وراءكم فقال له مجمع بن عبد الله العائذى وهو أحد النفر الاربعة الذين جاءوه أما أشراف الناس فقد أعظمت رشوتهم وملئت غرائرهم يستمال ودهم ويستخلص به نصيحتهم فهم ألب واحد عليك وأما سائر الناس بعد فان أفئدتهم تهوى إليك وسيوفهم غدا مشهورة عليك قال أخبرني فهل لكم برسولى إليكم قالوا من هو قال قيس بن مسهر الصيداوي فقالوا نعم أخذه الحصين بن نمير فبعث به إلى ابن زياد فأمره ابن زياد أن يلعنك ويلعن أباك فصلى عليك وعلى أبيك ولعن ابن زياد وأباه ودعا إلى نصرتك وأخبرهم بقدومك فأمر به ابن زياد فألقى من طمار القصر فترقرقت عينا حسين عليه السلام ولم يملك دمعه ثم قال منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا. اللهم اجعل لنا ولهم الجنة نزلا واجمع بيننا وبينهم في مستقر من رحمتك ورغائب مذخور ثوابك (قال أبو مخنف) حدثنى جميل بن مرثد من بنى معن عن الطرماح بن عدى أنه دنا من الحسين فقال له والله إنى لانظر فما أرى معك أحدا ولو لم يقاتلك إلا هؤلاء الذين أراهم ملازميك لكان كفى بهم وقد رأيت قبل خروجي من الكوفة إليك بيوم ظهر الكوفة وفيه من الناس ما لم تر عيناى في صعيد واحد جمعا أكثر منه فسألت عنهم فقيل اجتمعوا ليعرضوا ثم يسرحون إلى الحسين فأنشدك الله ان قدرت على ألا تقدم عليهم شبرا إلا فعلت فان أردت أن تنزل بلدا يمنعك

[ 307 ]

الله به حتى ترى من رأيك ويستبين لك ما أنت صانع فسر حتى أنزلك مناع جبلنا الذى يدعى أجأ امتنعنا والله به من ملوك غسان وحمير ومن النعمان بن المنذر ومن الاسود والاحمر والله إن دخل علينا ذل قط فأسير معك حتى أنزلك القرية ثم نبعث إلى الرجال ممن بأجأ وسلمى من طيئ فوالله لا يأتي عليك عشرة أيام حتى يأتيك طيئ رجالا وركبانا ثم أقم فينا مابدا لك فإن هاجك هيج فأنا زعيم لك بعشرين ألف طائى يضربون بين يديك بأسيافهم والله لا يوصل إليك أبدا ومنهم عين تطرف فقال له جزاك الله وقومك خيرا إنه قد كان بيننا وبين هؤلاء القوم قول لسنا نقدر معه على الانصراف ولا ندرى علام تنصرف بنا وبهم الامور في عاقبه (قال أبو مخنف) فحدثني جميل بن مرثد قال حدثنى الطرماح ابن عدى قال فودعته وقلت له دفع الله عنك شر الجن والانس إنى قد امترت لاهلي من الكوفة ميرة ومعى نفقة لهم فأتيهم فأضع ذلك فيهم ثم أقبل اليك إن شاء الله فان ألحقك فوالله لاكونن من أنصارك قال فان كنت فاعلا فعجل رحمك الله قال فعلمت أنه مستوحش إلى الرجال حتى يسألنى التعجيل قال فلما بلغت أهلى وضعت عندهم ما يصلحهم وأوصيت فأخذ أهلى يقولون إنك لتصنع مرتك هذه شيئا ما كنت تصنعه قبل اليوم فأخبرتهم بما أريد وأقبلت في طريق بنى ثعل حتى إذا دنوت من عذيب الهجانات استقبلني سماعة بن بدر فنعاه إلى فرجعت قال ومضى الحسين عليه السلام حتى انتهى إلى قصر بنى مقاتل فنزل به فإذا هو بفسطاط مضروب (قال أبو مخنف) حدثنى المجالد بن سعيد عن عامر الشعبى أن الحسين ابن على رضى الله عنه قال لمن هذا الفسطاط فقيل لعبيد الله بن الحر الجعفي قال ادعوه لى وبعث إليه فلما أتاه الرسول قال هذا الحسين بن على يدعوك فقال عبيدالله بن الحر إنا لله وإنا إليه راجعون والله ما خرجت من الكوفة إلا كراهة أن يدخلها الحسين وأنا بها والله ما أريد أن أراه ولا يرانى فأتاه الرسول فأخبره فأخذ الحسين نعليه فانتعل ثم قام فجاءه حتى دخل عليه فسلم وجلس ثم دعاه إلى الخروج معه فأعاد إليه ابن الحر تلك المقالة فقال فإلا تنصرنا فاتق الله أن

[ 308 ]

تكون ممن يقاتلنا فوالله لا يسمع واعيتنا أحد ثم لا ينصرنا إلا هلك قال أما هذا فلا يكون أبدا إن شاء الله ثم قام الحسين عليه السلام من عنده حتى دخل رحله (قال أبو مخنف) حدثنى عبد الرحمن بن جندب عن عقبة بن سمعان قال لما كان في آخر الليل أمر الحسين بالاستقاء من الماء ثم أمرنا بالرحيل ففعلنا قال فلما ارتحلنا من قصر بنى مقاتل وسرنا سباعة خفق الحسين برأسه خفقة ثم انتبه وهو يقول إنا لله وإنا إليه راجعون والحمد لله رب العالمين قال ففعل ذلك مرتين أو ثلاثا قال فأقبل إليه ابنه على بن الحسين على فرس له فقال إنا لله وانا إليه راجعون والحمد لله رب العالمين يا أبت جعلت فداك مم حمدت الله واسترجعت قال يا بنى إنى خفقت برأسي خفقة فعن لى فارس على فرس فقال القوم يسيرون والمنايا تسرى إليهم فعلمت أنها أنفسنا نعيت الينا قال له يا أبت لا أراك الله سوءا ألسنا على الحق قال بلى والذى إليه مرجع العباد قال يا أبت إذا لا نبالي نموت محقين فقال له جزاك الله من ولد خير ما جزى ولدا عن والده قال فلما أصبح نزل فصلى الغداة ثم عجل الركوب فأخذ يتياسر بأصحابه يريد أن يفرقهم فيأتيه الحر بن يزيد فيردهم فيرده فجعل إذا ردهم إلى الكوفة ردا شديدا امتنعوا عليه فارتفعوا فلم يزالوا يتسايرون حتى انتهوا إلى نينوى المكان الذى نزل به الحسين قال فإذا راكب على نجيب له وعليه السلاح متنكب قوسا مقبل من الكوفة فوقفوا جميعا ينتظرونه فلما انتهى إليهم سلم على الحر بن يزيد وأصحابه ولم يسلم على الحسين عليه السلام وأصحابه فدفع إلى الحر كتابا من عبيدالله بن زياد فإذا فيه * أما بعد فجعجع بالحسين حين يبلغك كتابي ويقدم عليك رسولي فلا تنزله إلا بالعراء في غير حصن وعلى غير ماء وقد أمرت رسولي أن يلزمك ولا يفارقك حتى يأتيني بإنفاذك أمرى والسلام قال فلما قرأ الكتاب قال لهم الحر هذا كتاب الامير عبيدالله ابن زياد يأمرنى فيه أن أجعجع بكم في المكان الذى يأتيني فيه كتابه وهذا رسوله وقد أمره أن لا يفارقنى حتى أنفذ رأيه وأمره فنظر إلى رسول عبيدالله يزيد بن زياد بن المهاصر أبو الشعثاء الكندى ثم النهدي فعن له فقال أمالك بن النسير

[ 309 ]

البدى قال نعم وكان أحد كنده فقال له يزيد بن زياد ثكلتك أمك ماذا جئت فيه قال وما جئت فيه أطعت إمامى ووفيت ببيعتى فقال له أبو الشعثاء عصيت ربك وأطعت إمامك في هلاك نفسك كسبت العار والنار قال الله عز وجل (وجعلنا منهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون) فهو إمامك قال وأخذ الحر بن يزيد القوم بالنزول في ذلك المكان على غير ماء ولا في قرية فقالوا دعنا ننزل في هذه القرية يعنون نينوى أو هذه القرية يعنون الغاضرية أو هذه الاخرى يعنون شفية فقال لا والله ما أستطيع ذلك هذا رجل قد بعث إلى عينا فقال له زهير بن القين يا ابن رسول الله إن قتال هؤلاء أهون من قتال من يأتينا من بعدهم فلعمري ليأتينا من بعد ترى ما لا قبل لنا به فقال له الحسين ما كنت لابدأهم بالقتال فقال له زهير بن القين سر بنا إلى هذه القرية حتى تنزلها فانها حصينة وهى على شاطئ الفرات فإن منعونا قاتلناهم فقتالهم أهون علينا من قتال من يجئ من بعدهم فقال له الحسين وأية قرية هي قال هي العقر فقال الحسين اللهم انى أعوذ بك من العقر ثم نزل وذلك يوم الخميس وهو اليوم الثاني من المحرم سنة 61 فلما كان من الغد قدم عليهم عمر بن سعد بن أبى وقاص من الكوفة في أربعة آلاف قال وكان سبب خروج ابن سعد إلى الحسين عليه السلام أن عبيد الله بن زياد بعثه على أربعة آلاف من أهل الكوفة يسير بهم إلى دستبى وكانت الديلم قد خرجوا إليها وغلبوا عليها فكتب إليه ابن زياد عهده على الرى وأمره بالخروج فخرج معسكرا بالناس بحمام أعين فلما كان من أمر الحسين ما كان وأقبل إلى الكوفة دعا ابن زياد عمر بن سعد فقال سر إلى الحسين فإذا فرغنا مما بيننا وبينه سرت إلى عملك فقال له عمر بن سعد إن رأيت رحمك الله أن تعفيني فافعل فقال له عبيدالله نعم على أن ترد لنا عهدنا قال فلما قال له ذلك قال عمر بن سعد أمهلنى اليوم حتى أنظر قال فانصرف عمر يستشير نصحاءه فلم يكن يستشير أحدا إلا نهاه قال وجاء حمزة بن المغيرة بن شعبة وهو ابن أخته فقال أنشدك الله يا خال أن تسير إلى الحسين فتأثم بربك وتقطع رحمك فوالله لان تخرج من

[ 310 ]

دنياك ومالك وسلطان الارض كلها لو كان لك خير لك من أن تلقى الله بدم الحسين فقال له عمر بن سعد فانى أفعل إن شاء الله قال هشام حدثنى عوانة بن الحكم عن عمار بن عبد الله بن يسار الجهنى عن أبيه قال دخلت على عمر بن سعد وقد أمر بالمسير إلى الحسين فقال لى إن الامير أمرنى بالمسير إلى الحسين فأبيت ذلك عليه فقلت له أصاب الله بك أرشدك الله أحل فلا تفعل ولا تسر إليه قال فخرجت من عنده فأتاني آت وقال هذا عمر بن سعد يندب الناس إلى الحسين قال فأتيته فإذا هو جالس فلما رأني أعرض بوجهه فعرفت أنه قد عزم على المسير إليه فخرجت من عنده قال فأقبل عمر بن سعد إلى ابن زياد فقال أصلحك الله إنك وليتني هذا العمل وكتبت لى العهد وسمع به الناس فان رأيت أن تنفذ لى ذلك فافعل وابعث إلى الحسين في هذا الجيش من أشراف الكوفة من لست بأغنى ولا أجزأ عنك في الحرب منه فسمى له أناسا فقال له ابن زياد لا تعلمني بأشراف أهل الكوفة ولست أستأمرك فيمن أريد أن أبعث إن سرت بجندنا وإلا فابعث الينا بعهدنا فلما رآه قد لج قال فإنى سائر قال فأقبل في أربعة آلاف حتى نزل بالحسين من الغد من يوم نزل الحسين نينوى قال فبعث عمر بن سعد إلى الحسين عليه السلام عزرة بن قيس الاحمسي فقال ائته فسله ما الذى جاء به وماذا يريد وكان عزرة ممن كتب إلى الحسين فاستحيا منه أن يأتيه قال فعرض ذلك على الرؤساء الذين كاتبوه فكلهم أبى وكرهه قال وقام إليه كثير به عبد الله الشعبى وكان فارسا شجاعا ليس يرد وجهه شئ فقال أنا أذهب إليه والله لئن شئت لافتكن به فقال له عمر بن سعد ما أريد أن يفتك به ولكن ائته فسله ما الذى جاء به قال فأقبل إليه فلما رآه أبو ثمامة الصائدى قال للحسين أصلحك الله أبا عبد الله قد جاءك شر أهل الارض وأجرأه على دم وأفتكه فقام إليه فقال ضع سيفك قال لا والله ولا كرامة إنما أنا رسول فإن سمعتم منى أبلغتكم ما أرسلت به اليكم وإن أبيتم انصرفت عنكم فقال له فانى آخذ بقائم سيفك ثم تكلم بحاجتك قال لا والله لا تمسه فقال له أخبرني ما جئت به وأنا أبلغه عنك ولا أدعك تدنو منه فانك فاجر قال فاستبا ثم انصرف إلى عمر

[ 311 ]

ابن سعد فأخيره الخبر قال فدعا عمر قرة بن قيس الحنظلي فقال له ويحك يا قرة الق حسينا فسله ما جاء به وماذا يريد قال فأتاه قرة بن قيس فلما رآه الحسين مقبلا قال أتعرفون هذا فقال حبيب بن مظاهر نعم هذا رجل من حنظلة تميمي وهو ابن أختنا ولقد كنت أعرفه بحسن الرأى وما كنت أراه يشهد هذا المشهد قال فجاء حتى سلم على الحسين وأبلغه رسالة عمر بن سعد إليه له فقال الحسين كتب إلى أهل مصركم هذا إن أقدم فأما أذ كرهوني فأنا أنصرف عنهم قال ثم قال له حبيب ابن مظاهر ويحك يا قرة بن قيس أنى ترجع إلى القوم الظالمين انصر هذا الرجل الذى بآبائه أيدك الله بالكرامة وإيانا معك فقال له قرة أرجع إلى صاحبي بجواب رسالته وأرى رأيى قال فانصرف إلى عمر بن سعد فأخبره الخبر فقال له عمر بن سعد إنى لارجو أن يعافينى الله من حربه وقتاله (قال هشام) عن أبى مخنف قال حدثنى النضر بن صالح بن حبيب بن زهير العبسى عن حسان بن فائد ابن بكر العبسى قال أشهد أن كتاب عمر بن سعد جاء إلى عبيدالله بن زياد وأنا عنده فإذا فيه (بسم الله الرحمن الرحيم) أما بعد فانى حيث نزلت بالحسين بعثت إليه رسولي فسألته عما أقدمه وماذا يطلب ويسأل فقال كتب إلى أهل هذه البلاد وأتتنى رسلهم فسألوني القدوم ففعلت فأما إذ كرهوني فبدا لهم غير ما أتتنى به رسلهم فأنا منصرف عنهم فلما قرئ الكتاب على ابن زياد قال الآن إذ علقت مخالبنا به. يرجو النجاة ولات حين مناص قال وكتب إلى عمر بن سعد (بسم الله الرحمن الرحيم) أما بعد فقد بلغني كتابك وفهمت ما ذكرت فاعرض على الحسين أن يبايع ليزيد بن معاوية هو وجميع أصحابه فإذا فعل ذلك رأينا رأينا والسلام قال فلما أتى عمر بن سعد الكتاب قال قد حسبت ألا يقبل ابن زياد العافية (قال أبو مخنف) حدثنى سليمان بن أبى راشد عن حميد بن مسلم الازدي قال جاء من عبيد الله بن زياد كتاب إلى عمر بن سعد أما بعد فحل بين الحسين وأصحابه وبين الماء ولا يذوقوا منه قطرة كما صنع بالتقى الزكي المظلوم أمير المؤمنين عثمان ؟ ؟ عفان قال فبعث عمر بن سعد

[ 312 ]

عمرو بن الحجاج على خمسمائة فارس فنزلوا على الشريعة وحالوا بين حسين وأصحابه وبين الماء أن يسقوا منه قطرة وذلك قبل قتل الحسين بثلاث قال ونازله عبد الله ابن أبى حصين الازدي وعداده في بجيلة فقال يا حسين ألا تنظر إلى الماء كأنه كبد السماء والله لا تذوق منه قطرة حتى تموت عطشا فقال حسين اللهم اقتله عطشا ولا تغفر له أبدا قال حميد بن مسلم والله لعدته بعد ذلك في مرضه فوالله الذى لا إله إلا هو لقد رأيته يشرب حتى بغر ثم يقئ ثم يعود فيشرب حتى يبغر فما يروى فما زال ذلك دأبه حتى لفظ غصته يعنى نفسه قال ولما اشتد على الحسين وأصحابه العطش دعا العباس بن على بن أبى طالب أخاه فبعثه في ثلاثين فارسا وعشرين راجلا وبعث معهم بعشرين قربة فجاءوا حتى دنوا من الماء ليلا واستقدم إمامهم باللواء نافع بن هلال الجملى فقال عمرو بن الحجاج الزبيدى من الرجل فجئ ما جاء بك قال جئنا نشرب من هذا الماء الذى حلاتمونا عنه قال فاشرب هنيئا قال لا والله لا أشرب منه قطرة وحسين عطشان ومن ترى من أصحابه فطلعوا عليه فقال لا سبيل إلى سقى هؤلاء إنما وضعنا بهذا المكان لنمنعهم الماء فلما دنا منه أصحابه قال لرجاله املؤا قربكم فشد الرجالة فملؤا قربهم وثار إليهم عمرو بن الحجاج وأصحابه فحمل عليهم العباس ابن على ونافع بن هلال فكفوهم ثم انصرفوا إلى رحالهم فقالوا امضوا ووقفوا دونهم فعطف عليهم عمرو بن الحجاج وأصحابه واطردوا قليلا ثم إن رجلا من صداء طعن من أصحاب عمرو بن الحجاج طعنه نافع بن هلال فظن أنها ليست بشئ ثم إنها انتقضت بعد ذلك فمات منها وجاء أصحاب حسين بالقرب فأدخلوها عليه (قال أبو مخنف) حدثنى أبو جنا ب عن هانئ بن ثبيت الحضرمي وكان قد شهد قتل الحسين قال بعث الحسين عليه السلام إلى عمر بن سعد عمرو بن قرظة بن كعب الانصاري أن ألقنى الليل بين عسكري وعسكرك قال فخرج عمر بن سعد في نحو من عشرين فارسا وأقبل حسين في مثل ذلك فلما التقوا أمر حسين أصحابه أن يتنحوا عنه وأمر عمر بن سعد أصحابه بمثل ذلك قال فانكشفنا عنهما بحيث لا نسمع أصواتهما ولا كلامهما فتكلما فأطالا حتى ذهب من الليل هزيع ثم انصرف

[ 313 ]

كل واحد منهما إلى عسكره بأصحابه وتحدث الناس فيما بينهما ظنا يظنونه أن حسينا قال لعمر بن سعد اخرج معى إلى يزيد بن معاوية وندع العسكرين قال عمر إذن تهدم دارى قال أنا أبنيها لك قال إذن تؤخذ ضياعي قال إذن أعطيك خيرا منها من مالى بالحجاز قال فتكره ذلك عمر قال فتحدث الناس بذلك وشاع فيهم من غير أن يكونوا سمعوا من ذلك شيئا ولا علموه (قال أبو مخنف) وأما ما حدثنا به المجالد بن سعيد والصقعب ابن زهير الازدي وغيرهما من المحدثين فهو ما عليه جماعة المحدثين قالوا إنه قال اختاروا منى خصالا ثلاثا إما أن أرجع إلى المكان الذى أقبلت منه وإما أن أضع يدى في يد يزيد ابن معاوية فيرى فيما بينى وبينه رأيه وإما أن تسيروني إلى أي ثغر من ثغور المسلمين شئتم فأكون رجلا من أهله لى ما لهم وعلى ما عليهم (قال أبو مخنف) فأما عبد الرحمن ابن جندب فحدثني عن عقبة ابن سمعان قال صحبت حسينا فخرجت معه من المدينة إلى مكة ومن مكة إلى العراق ولم أفارقه حتى قتل وليس من مخاطبته الناس كلمة بالمدينة ولا بمكة ولا في الطريق ولا بالعراق ولا في عسكر إلى يوم مقتله إلا وقد سمعتها ألا والله ما أعطاهم ما يتذاكر الناس وما يزعمون من أن يضع يده في يد يزيد بن معاوية ولا أن يسيروه إلى ثغر من ثغور المسلمين ولكنه قال دعوني فلا ذهب في هذه الارض العريضة حتى ننظر ما يصير أمر الناس (قال أبو مخنف) حدثنى المجالد بن سعيد الهمداني والصقعب بن زهير أنهما كانا التقيا مرارا ثلاثا أو أربعا حسين وعمر بن سعد قال فكتب عمر بن سعد إلى عبيدالله بن زياد أما بعد فان الله قد أطفأ النائرة وجمع الكلمة وأصلح أمر الامة هذا حسين قد أعطاني أن يرجع إلى المكان الذى منه أتى أو أن نسيره إلى أي ثغر من ثغور المسلمين شئنا فيكون رجلا من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم أو أن يأتي يزيد أمير المؤمنين فيضع يده في يده فيرى فيما بينه وبينه رأيه وفى هذا لكم رضى وللامة صلاح قال فلما قرأ عبيدالله الكتاب قال هذا كتاب رجل ناصح لاميره مشفق على قومه نعم قد قبلت قال فقام إليه شمر بن ذى الجوشن فقال أتقبل هذا منه وقد نزل بأرضك إلى جنبك والله لئن رحل من بلدك ولم يضع يده في يدك ليكونن أولى بالقوة والعز

[ 314 ]

ولتكونن أولى بالضعف والعجز فلا تعطه هذه المنزلة فإنها من الوهن ولكن لينزل على حكمك هو وأصحابه فإن عاقبت فأنت ولى العقوبة وإن غفرت كان ذلك لك والله لقد بلغني أن حسينا وعمر بن سعد يجلسان بين العسكرين فيتحدثان عامة الليل فقال له ابن زياد نعم ما رأيت الرأى رأيك (قال أبو مخنف) فحدثني سليمان بن أبى راشد عن حميد بن مسلم قال ثم إن عبيدالله بن زياد دعا شمر بن ذى الجوشن فقال له اخرج بهذا الكتاب إلى عمر بن سعد فليعرض على الحسين وأصحابه النزول على حكمي فإن فعلوا فليبعث بهم إلى سلما وإن هم أبوا فليقاتلهم فإن فعل فاسمع له وأطع وإن هو أبى فقاتلهم فأنت أمير الناس وثب عليه فاضرب عنقه وابعث إلى برأسه (قال أبو مخنف) حدثنى أبو جناب الكلبى قال ثم كتب عبيدالله بن زياد إلى عمر بن سعد أما بعد فإنى لم أبعثك إلى حسين لتكف عنه ولا لتطاوله ولا لتمنيه السلامة والبقاء ولا لتقعد له عندي شافعا، انظر فإن نزل حسين وأصحابه على الحكم واستسلموا فابعث بهم إلى سلما وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم فإنهم لذلك مستحقون فان قتل حسين فأوط الخيل صدره وظهره فإنه عاق مشاق قاطع ظلوم وليس دهري في هذا أن يضر بعد الموت شيئا ولكن على قول لو قد قتلته فعلت هذا به إن أنت مضيت لامرنا فيه جزيناك جزاء السامع المطيع وإن أبيت فاعتزل عملنا وجندنا وخل بين شمر بن ذى الجوشن وبين العسكر فانا قد أمرناه بأمرنا والسلام (قال أبو مخنف) عن الحارث بن حصيرة عن عبد الله بن شريك العامري قال لما قبض شمر بن ذى الجوش الكتاب قام هو وعبد الله بن أبى المحل وكانت عمته أم البنين ابنة حزام عند على بن أبى طالب عليه السلام فولدت له العباس وعبد الله وجعفرا وعثمان فقال عبد الله بن أبى المحل بن حزام بن خالد بن ربيعة بن الوحيد بن كعب بن عامر بن كلاب أصلح الله الامير إن بنى اختنا مع الحسين فان رأيت أن تكتب لهم أمانا فعلت قال نعم ونعمة عين فأمر كاتبه فكتب له أمانا فبعث به عبد الله بن أبى المحل مع مولى له يقال له كزمان فلما قدم عليهم دعاهم فقال هذا أمان بعث به خالكم فقال له الفتية أقرئ خالنا السلام وقل له أن لا حاجة لنا في أمانكم أمان الله خير

[ 315 ]

من أمان ابن سمية قال فأقبل شمر بن ذى الجوشن بكتاب عبيدالله بن زياد إلى عمر بن سعد فلما قدم به عليه فقرأه قال له عمر مالك ويلك لا قرب الله دارك وقبح الله ما قدمت به على والله إنى لاظنك أنت ثنيته أن يقبل ما كتبت به إليه أفسدت علينا أمرا كنا رجونا أن يصلح لا يستسلم والله حسين إن نفسا أبية لبين جنبيه فقال له شمر أخبرني ما أنت صانع أتمضى لامر أميرك وتقتل عدوه وإلا فخل بينى وبين الجند والعسكر قال لا ولا كرامة لك وأنا أتولى ذلك قال فدونك وكن أنت على الرجال قال فنهض إليه عشية الخميس لتسع مضين من المحرم قال وجاء شمر حتى وقف على أصحاب الحسين فقال أين بنو أختنا فخرج إليه العباس وجعفر وعثمان بنو على فقالوا له مالك وما تريد قال أنتم يا بنى أختى آمنون قال له الفتية لعنك الله ولعن أمانك لئن كنت خالنا أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له قال ثم إن عمر بن سعد نادى يا خيل الله اركبي وأبشرى فركب في الناس ثم زحف نحوهم بعد صلاة العصر وحسين جالس أمام بيته محتبيا بسيفه إذ خفق برأسه على ركبتيه وسمعت أخته زينب الصيحة فدنت من أخيها فقالت يا أخى أما تسمع الاصوات قد اقتربت قال فرفع الحسين رأسه فقال إنى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال لى إنك تروح إلينا قال فلطمت أخته وجهها وقالت يا ويلتا فقال ليس لك الويل يا أخيتى اسكني رحمك الرحمن وقال العباس بن على يا أخى أتاك القوم قال فنهض ثم قال يا عباس اركب بنفسى أنت يا أخى حتى تلقاهم فتقول لهم ما لكم وما بدا لكم وتسألهم عما جاء بهم فأتاهم العباس فاستقبلهم في نحو من عشرين فارسا فيهم زهير بن القين وحبيب بن مظاهر فقال لهم العباس ما بدا لكم وما تريدون قالوا جاء أمر الامير بأن نعرض عليكم أن تنزلوا على حكمه أو ننازلكم قال فلا تعجلوا حتى أرجع إلى أبى عبد الله فأعرض عليه ما ذكرتم قال فوقفوا ثم قالوا القه فأعلمه ذلك ثم القنا بما يقول قال فانصرف العباس راجعا يركض إلى الحسين يخبره بالخبر وقف أصحابه يخاطبون القوم فقال حبيب بن مظاهر لزهير بن القين كلم القوم إن شئت وإن شئت كلمتهم فقال له زهير أنت بدأت بهذا فكن أنت

[ 316 ]

تكلمهم فقال له حبيب بن مظاهر أما والله لبئس القوم عند الله غدا قوم يقدمون عليه قد قتلوا ذرية نبيه عليه السلام وعترته وأهل بيته صلى الله عليه وسلم وعباد أهل هذا المصر المجتهدين بالاسحار والذاكرين الله كثيرا فقال له عزرة بن قيس إنك لتزكى نفسك ما استطعت فقال له زهير يا عزرة إن الله قد زكاها وهداها فاتق الله يا عزرة فإنى لك من الناصحين أنشدك الله يا عزرة أن تكون ممن يعين الضلال على قتل النفوس الزكية قال يا زهير ما كنت عندنا من شيعة أهل هذا البيت إنما كنت عثمانيا قال أفلست تستدل بموقفي هذا أنى منهم أما والله ما كتبت إليه كتابا قط ولا أرسلت إليه رسولا قط ولا وعدته نصرتي قط ولكن الطريق جمعى بينى وبينه فلما رأيته ذكرت به رسول اله صلى الله عليه وسلم ومكانه منه وعرفت ما يقدم عليه من عدوه وحزبكم فرأيت أن أنصره وأن أكون في حزبه وأن أجعل نفسي دون نفسه حفظا لما ضيعتم من حق الله وحق رسوله عليه السلام قال وأقبل العباس بن على يركض حتى انتهى إليهم فقال يا هؤلاء إن أبا عبد الله يسألكم أن تنصرفوا هذه العشية حتى ينظر في هذا الامر فإن هذا أمر لم يحر بينكم وبينه فيه منطق فإذا أصبحنا التقينا إن شاء الله فإما رضيناه فأتينا بالامر الذى تسألونه وتسومونه أو كرهنا فرددناه وإنما أراد بذلك أن يردهم عنه تلك العشية حتى يأمر بأمره ويوصى أهله فلما أتاهم العباس بن على بذلك قال عمر بن سعد ما ترى يا شمر قال ما ترى أنت أنت الامير والرأى رأيك قال قد أردت ألا أكون ثم أقبل على الناس فقال ماذا ترون فقال عمرو بن الحجاج بن سلمة الزبيدى سبحان الله والله لو كانوا من الديلم ثم سألوك هذه المنزلة لكان ينبغى لك أن تجيبهم إليها وقال قيس بن الاشعث أجبهم إلى ما سألوك فلعمري ليصبحنك بالقتال غدوة فقال والله لو أعلم أن يفعلوا ما أخرجتهم العشية قال وكان العباس بن على حين أتى حسينا بما عرض عليه عمر بن سعد قال ارجع إليهم فان استطعت أن تؤخرهم إلى غدوة وتدفعهم عند العشية لعنا نصلى لربنا الليلة وندعوه ونستغفره فهو يعلم أنى قد كنت أحب الصلاة له وتلاوة كتابه وكثرة

[ 317 ]

الدعاء والاستغفار (قال أبو مخنف) حدثنى الحارث بن حصيرة عن عبد الله بن شريك العامري عن على بن الحسين قال أتانا رسول من قبل عمر بن سعد فقام مثل حيث يسمع الصوت فقال إنا قد أجلناكم إلى غد فان استسلمتم سرحنا بكم إلى أميرنا عبيدالله بن زياد وإن أبيتم فلسنا تاركيكم (قال أبو مخنف) وحدثني عبد الله بن عاصم الفائشى عن الضحاك بن عبد الله المشرقي بطن من همدان أن الحسين بن على عليه السلام جمع أصحابه (قال أبو مخنف) وحدثني أيضا الحارث ابن حصيرة عن عبد الله بن شريك العامري عن على بن الحسين قالا جمع الحسين أصحابه بعد ما رجع عمر بن سعد وذلك عند قرب المساء قال على بن الحسين فدنوت منه لاسمع وأنا مريض فسمعت أبى وهو يقول لاصحابه: أثنى على الله تبارك وتعالى أحسن الثناء وأحمده على السراء والضراء اللهم إنى أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوة وعلمتنا القرآن وفقهتنا في الدين وجعلت لنا أسماعا وأبصارا وأفئدة ولم تجعلنا من المشركين أما بعد فإنى لا أعلم أصحابا أولى ولا خيرا من أصحابي ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتى فجزاكم الله عنى جميعا خيرا ألا وإنى أظن يومنا من هؤلاء الاعداء غدا ألا وإنى قد رأيت لكم فانطلقوا جميعا في حل ليس عليكم منى ذمام هذا ليل قد غشيكم فاتخذوه جملا (قال أبو مخنف) حدثنا عبد الله بن عاصم الفائشى بطن من همدان عن الضحاك بن عبد الله المشرقي قال قدمت ومالك بن النضر الارحبي على الحسين فسلمنا عليه ثم جلسنا إليه فرد علينا ورحب بنا وسألنا عما جئنا له فقلنا جئنا لنسلم عليك وندعو الله لك بالعافية ونحدث بك عهدا ونخبرك خبر الناس وإنا نحدثك أنهم قد جمعوا على حربك فر رأيك فقال الحسين عليه السلام حسبى الله ونعم الوكيل قال فتذممنا وسلمنا عليه ودعونا الله له قال فما يمنعكما من نصرتي فقال مالك بن النضر على دين ولى عيال فقلت له إن على دينا وإن لى لعيالا ولكنك إن جعلتني في حل من الانصراف إذا لم أجد مقاتلا قاتلت عنك ما كان لك نافعا وعنك دافعا قال قال فأنت في حل فأقمت معه فلما كان الليل قال هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا ثم ليأخذ كل رجل منكم بيد رجل

[ 318 ]

من أهل بيتى ثم تفرقوا في سوادكم ومدائنكم حتى يفرج الله فإن القوم إنما يطلبوني ولو قد أصابوني لهوا عن طلب غيرى فقال له إخوته وأبناؤه وبنو أخيه وابنا عبد الله ابن جعفر لم نفعل لنبقى بعدك لا أرانا الله ذلك أبدا بدأهم بهذا القول العباس ابن على ثم إنهم تكلموا بهذا ونحوه فقال الحسين عليه السلام يا بنى عقيل حسبكم من القتل بمسلم اذهبوا قد أذنت لكم قالوا فما يقول الناس يقولون إنا تركنا شيخنا وسيدنا وبنى عمومتنا خير الاعمام ولم نرم معهم بسهم ولم نطعن معهم برمح ولم فضرب معهم بسيف ولا ندرى ما صنعوا لا والله لا نفعل ولكن تفديك أنفسنا وأموالنا وأهلونا ونقاتل معك حتى نرد موردك فقبح الله العيش بعدك (قال أبو مخنف) حدثنى عبد الله بن عاصم عن الضحاك بن عبد الله المشرقي قال فقام إليه مسلم بن عوسجة الاسدي فقال أنحن نخلى عنك ولما نعذر إلى الله في أداء حقك أما والله حتى أكسر في صدورهم رمحي وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدى ولا أفارقك ولو لم يكن معى سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة دونك حتى أموت معك قال وقال سعد بن عبد الله الحنفي والله لا نخليك حتى يعلم الله أنا قد حفظنا غيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيك والله لو علمت أنى أقتل ثم أحيا ثم أحرق حيا ثم أذر يفعل ذلك بى سبعين مرة ما فارقتك حتى ألقى حمامى دونك فكيف لا أفعل ذلك وإنما هي قتلة واحدة ثم هي الكرامة التى لا انقضاء لها أبدا قال وقال زهير بن القين والله لوددت أنى قتلت ثم نشرت ثم قتلت حتى أقتل كذا ألف قتله وأن الله يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتية من أهل بيتك قال وتكلم جماعة أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضا في وجه واحد فقالوا والله لا نفارقك ولكن أنفسنا لك الفداء نقيك بنحورنا وجباهنا وأيدينا فإذا نحن قتلنا كنا وفينا وقضينا ما علينا (قال أبو مخنف) حدثنى الحارث بن كعب وأبو الضحاك عن على بن الحسين ابن على قال إنى جالس في تلك العشية التى قتل أبى صبيحتها وعمتي زينب عندي تمرضني إذ اعتزل أبى بأصحابه في خباء له وعنده حوى مولى أبى ذر الغفاري وهو يعالج سيفه ويصلحه وأبى يقول:

[ 319 ]

يا دهر أف لك من خليل * كم لك بالاشراق والاصيل من صاحب أو طالب قتيل * والدهر لا يقنع بالبديل وإنما الامر إلى الجليل * وكل حى سالك السبيل قال فأعادها مرتين أو ثلاثا حتى فهمتها فعرفت ما أراد فخنقتنى عبرتي فرددت دمعى ولزمت السكون فعلمت أن البلاء قد نزل فأما عمتى فإنها سمعت ما سمعت وهى امرأة وفى النساء الرقة والجزع فلم تملك نفسها أن وثبت تجر ثوبها وإنها لحاسرة حتى انتهت إليه فقالت واثكلاه ليت الموت أعدمنى الحياة اليوم ماتت فاطمة أمي وعلى أبى وحسن أخى يا خليفة الماضي وثمال الباقي قال فنظر إليها الحسين عليه السلام فقال يا أخية لا يذهبن حلمك الشيطان قالت بأبى أنت وأمى يا أبا عبد الله استقتلت نفسي فداك فرد غصته وترقوقت عيناه وقال لو ترك القطا ليلا لنام قالت يا ويلتى أفتغصب نفسك اغتصابا فذلك أقرح لقلبي وأشد على نفسي ولطمت وجهها وأهوت إلى جيبها وشقته وخرت مغشيا عليها فقام إليها الحسين فصب على وجهها الماء وقال لها يا أخية اتقى الله وتعزى بعزاء الله واعلمي أن أهل الارض يموتون وأن أهل السماء لا يبقون وأن كل شئ هالك إلا وجه الله الذى خلق الارض بقدرته ويبعث الخلق فيعودون وهو فرد وحده أبى خير منى وأمى خير منى وأخى خير منى ولى ولهم ولكل مسلم برسول الله أسوة قال فعزاها بهذا ونحوه وقال لها يا أخية إنى أقسم عليك فأبرى قسمي لا تشقى على جيبا ولا تخمشى على وجها ولا تدعى على بالويل والثبور إذا أنا هلكت قال ثم جاء بها حتى أجلسها عندي وخرج إلى أصحابه فأمرهم أن يقربوا بعض بيوتهم من بعض وأن يدخلوا الاطناب بعضها في بعض وأن يكونوا هم بين البيوت إلا الوجه الذى يأتيهم منه عدوهم (قال أبو مخنف) عن عبد الله بن عاصم عن الضحاك ابن عبد الله المشرقي قال فلما أمسى حسين وأصحابه قاموا الليل كله يصلون ويستغفرون ويدعون ويتضرعون قال فتمر بنا خيل لهم تحرسنا وإن حسينا ليقرأ ألا ليحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لانفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين

[ 320 ]

ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب، فسمعها رجل من تلك الخيل التى كانت تحرسنا فقال نحن ورب الكعبة الطيبون ميزنا منكم قال فعرفته فقلت لبرير بن حضير تدرى من هذا قال لا قلت هذا أبو حرب السبيعى عبد الله بن شهر وكان مضحاكا بطالا وكان شريفا شجاعا فاتكأ وكان سعيد ابن قيس ربما حبسه في جناية فقال له برير بن حضير يا فاسق أنت يجعلك الله في الطيبين فقال له من أنت قال أنا برير بن حضير قال إنا لله عز على هلكت والله هلكت والله يا برير قال يا أبا حرب هل لك أن تتوب إلى الله من ذنوبك العظام فوالله إنا لنحن الطيبون ولكنكم لانتم الخبيثون قال وأنا على ذلك من الشاهدين قلت ويحك أفلا ينفعك معرفتك قال جعلت فداك فمن ينادم يزيد بن عذرة العنزي من عنز بن وائل قال ها هو ذا معى قال قبح الله رأيك على كل حال أنت سفيه قال ثم انصرف عنا وكان الذى يحرسنا بالليل في الخيل عزرة بن قيس الاحمسي وكان على الخيل قال فلما صلى عمر بن سعد الغداة يوم السبت وقد بلغنا أيضا أنه كان يوم الجمعة وكان ذلك اليوم يوم عاشوراء خرج فيمن معه من الناس قال وعبأ الحسين أصحابه وصلى بهم صلاة الغداة وكان معه اثنان وثلاثون فارسا وأربعون راجلا فجعل زهير بن القين في ميمنة أصحابه وحبيب بن مظاهر في ميسرة أصحابه وأعطى رايته العباس ابن على أخاه وجعلوا البيوت في ظهورهم وأمر بحطب وقصب كان من وراء البيوت تحرق بالنار مخافة أن يأتوهم من ورائهم قال وكان الحسين عليه السلام أتى بقصب وحطب إلى مكان من ورائهم منخفض كأنه ساقية فحفروه في ساعة من الليل فجعلوه كالخندق ثم ألقوا فيه ذلك الحطب والقصب وقالوا إذا عدوا علينا فقاتلونا ألقينا فيه النار كيلا نؤتى من ورائنا وقاتلونا القوم من وجه واحد ففعلوا وكان لهم نافعا (قال أبو مخنف) حدثنى فضيل بن خديج الكندى عن محمد ابن بشر عن عمرو الحضرمي قال لما خرج عمر بن سعد بالناس كان على ربع أهل المدينة يومئذ عبد الله بن زهير بن سليم الازدي وعلى ربع مذحج وأسد عبد الرحمن ابن أبى سبرة الحنفي وعلى ربع ربيعة وكندة قيس بن الاشعث بن قيس وعلى

[ 321 ]

ربع تميم وهمدان الحر بن يزيد الرياحي فشهد هؤلاء كلهم مقتل الحسين إلا الحر ابن يزيد فإنه عدل إلى الحسين وقتل معه وجعل عمر على ميمنته عمرو بن الحجاج الزبيدى وعلى ميسرته شمر بن ذى الجوشن بن شرحبيل بن الاعور بن عمر بن معاوية وهو الضباب بن كلاب وعلى الخيل عزرة بن قيس الاحمسي وعلى الرجال شبث بن ربعى اليربوعي وأعطى الراية ذويدا مولاه (قال أبو مخنف) حدثنى عمرو بن مرة الجملى عن أبى صالح الحنفي عن غلام لعبد الرحمن بن عبد ربه الانصاري قال كنت مع مولاى فلما حضر الناس وأقبلوا إلى الحسين أمر الحسين بفسطاط فضرب ثم أمر بمسك فميث في جفنة عظيمة أو صحفة قال ثم دخل الحسين ذلك الفسطاط فتطلى بالنورة قال ومولاى عبد الرحمن بن عبد ربه وبرير ابن حضير الهمداني على باب الفسطاط تحتك مناكبهما فازدحما أيهما يطل على أثره فجعل برير يهازل عبد الرحمن فقال له عبد الرحمن دعنا فوالله ما هذه بساعة باطل فقال له برير والله لقد علم قومي أنى ما أحببت الباطل شابا ولا كهلا ولكن والله إنى لمستبشر بما نحن لاقون والله إن بيننا وبين الحور العين إلا أن يميل هؤلاء علينا بأسيافهم ولوددت أنهم قد مالوا علينا بأسيافهم قال فلما فرغ الحسين دخلنا فاطلينا قال ثم إن الحسين ركب دابته ودعا بمصحف فوضعه أمامه قال فاقتتل أصحابه بين يديه قتالا شديدا فلما رأيت القوم قد صرعوا أفلت وتركتهم (قال أبو مخنف) عن بعض أصحابه عن أبى خالد الكاهلى قال لما صبحت الخيل الحسين رفع الحسين يديه فقال اللهم أنت ثقتى في كل كرب ورجائي في كل شدة وأنت لى في كل أمر نزل بى ثقة وعدة كم من هم يضعف فيه الفؤاد وتقل فيه الحيلة ويخذل فيه الصديق ويشمت فيه العدو أنزلته بك وشكوته إليك رغبة منى إليك عمن سواك ففرجته وكشفته فأنت ولى كل نعمة وصاحب كل حسنة ومنتهى كل رغبة (قال أبو مخنف) فحدثني عبد الله بن عاصم قال حدثنى الضحاك المشرقي قال لما أقبلوا نحونا فنظروا إلى النار تضطرم في الحطب والقصب الذى كنا ألهبنا فيه النار من ورائنا لئلا يأتونا من خلفنا إذ أقبل إلينا منهم رجل يركض على فرس

[ 322 ]

كامل الاداة فلم يكلمنا حتى مر على أبياتنا فنظر إلى أبياتنا فإذا هو لا يرى إلا حطبا تلتهب النار فيه فرجع راجعا فنادى بأعلى صوته يا حسين استعجلت النار في الدنيا قبل يوم القيامة فقال الحسين من هذا كأنه شمر بن ذى الجوشن فقالوا نعم أصلحك الله هو هو فقال يا ابن راعية المعزى أنت أولى بها صليا فقال له مسلم بن عوسجة يا ابن رسول الله جعلت فداك ألا أرميه بسهم فانه قد أمكننى وليس يسقط سهم فالفاسق من أعظم الجبارين فقال له الحسين لا ترمه فإنى أكره أن أبدأهم وكان مع الحسين فرس له يدعى لاحقا حمل عليه ابنه على بن الحسين قال فلما دنا منه القوم عاد براحلته فركبها ثم نادى بأعلى صوته بصوت عال دعاء يسمع جل الناس أيها الناس اسمعوا قولى ولا تعجلوني حتى أعظكم بما لحق لكم على وحتى أعتذر اليكم من مقدمى عليكم فإن قبلتم عذرى وصدقتم قولى وأعطيتموني النصف كنتم بذلك أسعد ولم يكن لكم على سبيل وإن لم تقبلوا منى العذر ولم تعطوا النصف من أنفسكم فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلى ولا تنظرون إن وليى الله الذى نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين قال فلما سمع أخواته كلامه هذا صحن وبكين وبكى بناته فارتفعت أصواتهن فأرسل اليهن أخاه العباس بن على وعليا ابنه وقال لهما أسكتاهن فلعمري ليكثرن بكاؤهن قال فلما ذهبا ليسكتاهن قال لا يبعد ابن عباس قال فظننا أنه إنما قالها حين سمع بكاؤهن لانه قد كان نهاه أن يخرج بهن فلما سكتن حمد الله وأثنى عليه وذكر الله بما هو أهله وصلى على محمد صلى الله عليه وعلى ملائكته وأنبيائه فذكر من ذلك ما الله أعلم وما لا يحصى ذكره قال فوالله ما سمعت متكلما قط قبله ولا بعده أبلغ في منطق منه ثم قال أما بعد فانسبوني فانظروا من أنا ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها فانظروا هل يحل لكم قتلى وانتهاك حرمتي ألست ابن بنت نبيكم صلى الله عليه وسلم وابن وصيه وابن عمه وأول المؤمنين بالله والمصدق لرسوله بما جاء به من عند ربه أو ليس حمزة سيد الشهداء عم أبى أو ليس جعفر الشهيد الطيار ذو الجناحين عمى أولم يبلغكم قول مستفيض فيكم أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال لى ولاخى

[ 323 ]

هذان سيدا شباب أهل الجنة فإن صدقتموني بما أقول وهو الحق والله ما تعمدت كذبا مذ علمت أن الله يمقت عليه أهله ويضر به من اختلقه وإن كذبتموني فان فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم سلوا جابر بن عبد الله الانصاري أو أبا سعيد الخدرى أو سهل بن سعد الساعدي أو زيد بن أرقم أو أنس بن مالك يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لى ولاخى أفما في هذا حاجز لكم عن سفك دمى فقال له شمر بن ذى الجوشن هو يعبد الله على حرف إن كان يدرى ما تقول فقال له حبيب بن مظاهر والله إنى لاراك تعبد الله على سبعين حرفا وأنا أشهد أنك صادق ما تدرى ما يقول قد طبع الله على قلبك ثم قال لهم الحسين فإن كنتم في شك من هذا القول أفتشكون أثرا ما أنى ابن بنت نبيكم فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبى غيرى منكم ولا من غيركم أنا ابن بنت نبيكم خاصة أخبروني أتطلبوني بقتيل منكم قتلته أو مال لكم استهلكته أو بقصاص من جراحة قال فأخذوا لا يكلمونه قال فنادى يا شبث بن ربعى ويا حجار بن أبجر ويا قيس ابن الاشعث ويا يزيد بن الحارث ألم تكتبوا إلى أن قد أينعت الثمار واخضر الجناب وطمت الجمام وإنما تقدم على جندك لك مجند فأقبل قالوا له لم نفعل فقال سبحان الله بلى والله لقد فعلتم ثم قال أيها الناس إذ كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم إلى مأمنى من الارض فال فقال له قيس بن الاشعث أولا تنزل على حكم بنى عمك فإنهم لن يروك إلا ما تحب ولن يصل إليك منهم مكروه فقال له الحسين أنت أخو أخيك أتريد أن يطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل لا والله لا أعطيهم بيدى إعطاء الذليل ولا أقر اقرار العبيد عباد الله إنى عذت بربي وربكم أن ترجمون أعوذ بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب قال ثم إنه أناخ راحلته وأمر عقبة بن سمعان فعقلها وأقبلوا يزحفون نحوه (قال أبو مخنف) فحدثني على بن حنظلة بن أسعد الشامي عن رجل من قومه شهد مقتل الحسين حين قتل يقال له كثير بن عبد الله الشعبى قال لما زحفنا قبل الحسين خرج إلينا زهير بن القين على فرس له ذنوب شاك في السلاح فقال يا أهل الكوفة نذار لكم من عذاب

[ 324 ]

الله نذار إن حقا على المسلم نصيحة أخيه المسلم ونحن حتى الآن إخوة وعلى دين واحد وملة واحدة ما لم يقع بيننا وبينكم السيف وأنتم للنصيحة منا أهل فإذا وقع السيف انقطعت العصمة وكنا أمة وأنتم أمة إن الله قد ابتلانا وإياكم بذرية نبيه محمد صلى الله عليه وسلم لينظر ما نحن وأنتم عاملون إنا ندعوكم إلى نصرهم وخذلان الطاغية عبيدالله بن زياد فإنكم لا تدركون منهما إلا بسوء عمر سلطانهما كله ليسملان أعينكم ويقطعان أيديكم وأرجلكم ويمثلان بكم ويرقعانكم على جذوع النخل ويقتلان أماثلكم وقراءكم أمثال حجر بن عدى وأصحابه وهانئ بن عروة وأشباهه قال فسبوه وأثنوا على عبيدالله بن زياد ودعوا له وقالوا والله لا نبرح حتى نقتل صاحبك ومن معه أو نبعث به وبأصحابه إلى الامير عبيدالله سلما فقال لهم عباد الله إن ولد فاطمة رضوان الله عليها أحق بالود والنصر من ابن سمية فإن لم تنصروهم فأعيذكم بالله أن تقتلوهم فحلوا بين هذا الرجل وبين ابن عمه يزيد بن معاوية فلعمري ان يزيد ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين قال فرماه شمر بن ذى الجوشن بسهم وقال اسكت أسكت الله نأمتك أبرمتنا بكثرة كلامك فقال له زهير يا ابن البوال على عقبيه ما إياك أخاطب إنما أنت بهيمة والله ما أظنك تحكم من كتاب الله آيتين فأبشر بالخزى يوم القيامة والعذاب الاليم فقال له شمر إن الله قاتلك وصاحبك عن ساعة قال أفبألموت تخوفنى فوالله للموت معه أحب إلى من الخلد معكم قال ثم أقبل على الناس رافعا صوته فقال عباد الله لا يغرنكم من دينكم هذا الجلف الخافى وأشباهه فوالله لا تنال شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم قوما هراقوا دماء ذريته وأهل بيته وقتلوا من نصرهم وذب عن حريمهم قال فناداه رجل فقال له إن أبا عبد الله يقول لك أقبل فلعمري لئن كان مؤمن آل فرعون نصح لقومه وأبلغ في الدعاء لقد نصحت لهؤلاء وأبلغت لو نفع النصح والابلاغ (قال أبو مخنف) عن أبى جناب الكلبى عن عدى بن حرملة قال ثم إن الحر بن يزيد لما زحف عمر بن سعد قال له أصلحك الله مقاتل أنت هذا الرجل قال إى والله قتالا أيسره أن تسقط الرؤس وتطيح الايدى قال أفما لكم في واحدة من الخصال

[ 325 ]

التى عرض عليكم رضى قال عمر بن سعد أما والله لو كان الامر إلى لفعلت ولكن أميرك قد أبى ذلك قال فأقبل حتى وقف من الناس موقفا ومعه رجل من قومه يقال له قرة بن قيس فقال يا قرة هل سقيت فرسك اليوم قال لا قال إنما تريد أن تسقيه قال فظننت والله أنه يريد أن يتنحى فلا يشهد القتال وكره أن أراه حين يصنع ذلك فيخاف أن أرفعه عليه فقلت له لم أسقه وأنا منطلق فساقيه قال فاعتزلت ذلك المكان الذى كان فيه قال فوالله لو أنه أطلعني على الذى يريد لخرجت معه إلى الحسين قال فأخذ يدنو من حسين قليلا قليلا فقال له رجل من قومه يقال له المهاجر بن أوس ما تريد يا ابن تزيد أتريد أن تحمل فسكت وأخذه مثل العرواء فقال له يا ابن يزيد والله إن أمرك لمريب والله ما رأيت منك في موقف قط مثل شئ أراه الآن ولو قيل لى من أشجع أهل الكوفة رجلا ما عدوتك فما هذا الذى أرى منك قال إنى والله أخير نفسي بين الجنة والنار ووالله لا أختار على الجنة شيئا ولو قطعت وحرقت ثم ضرب فرسه فلحق بحسين عليه السلام فقال له جعلني الله فداك يا ابن رسول الله أنا صاحبك الدى حبستك عن الرجوع وسايرتك في الطريق وجعجعت بك في هذا المكان والله الذى لا إله إلا هو ما ظننت أن القوم يردون عليك ما عرضت عليهم أبدا ولا يبلغون منك هذه المنزلة فقلت في نفسي لا أبالى أن أضيع القوم في بعض أمرهم ولا يرون أنى خرجت من طاعتهم وأما هم فسيقبلون من حسين هذه الخصال التى يعرض عليهم ووالله لو ظننت أنهم لا يقبلونها منك ما ركبتها منك وإنى قد جئتك تائبا مما كان منى إلى ربى ومواسيا لك بنفسى حتى أموت بين يديك أفترى ذلك لى توبة قال نعم يتوب الله عليك ويغفر لك ما اسمك قال أنا الحر بن يزيد قال أنت الحر كما سمتك أمك أنت الحر إن شاء الله في الدنيا والآخرة انزل قال أنا لك فارسا خير منى راجلا أقاتلهم على فرس ساعة وإلى النزول ما يصير آخر أمرى قال الحسين فاصنع يرحمك الله ما بدا لك فاستقدم أمام أصحابه ثم قال أيها القوم ألا تقبلون من حسين خصلة من هذه الخصال التى عرض عليكم فيعافيكم الله من حربه وقتاله قالوا هذا الامير عمر بن سعد فكلمه فكلمه بمثل ما كلمه به قبل وبمثل

[ 326 ]

ما كلم به أصحابه قال عمر قد حرصت لو وجدت إلى ذلك سبيلا فعلت فقال يا أهل الكوفة لامكم الهبل والعبر إذ دعوتموه حتى إذا أتاكم أسلمتموه وزعمتم أنكم قاتلوا أنفسكم دونه ثم عدوتم عليه لتقتلوه أمسكتم بنفسه وأخذتم بكظمه وأحطتم به من كل جانب فمنعتموه التوجه في بلاد الله العريضة حتى يأمن ويأمن أهل بيته وأصبح في أيدكم كالاسير لا يملك لنفسه نفعا ولا يدفع ضرا وخلاتموه ونساءه واصيبيته وأصحابه عن ماء الفرات الجارى الذى يشربه اليهودي والمجوسي والنصراني وتمرغ فيه خنازير السواد وكلابه وهاهم قد صرعهم العطش بئسما خلفتم محمدا في ذريته لا أسقاكم الله يوم الظمإ ان لم تتوبوا وتنزعوا عما أنتم عليه من يومكم هذا في ساعتكم هذه فحملت عليه رجالة لهم ترميه بالنبل فأقبل حتى وقف أمام الحسين (قال أبو محنف) عن الصقعب بن زهير وسليمان بن أبى راشد عن حميد بن مسلم قال وزحف عمر بن سعد نحوهم ثم نادى يا زويد أدن رايتك قال فأدناها ثم وضع سهمه في كبد قوسه ثم رمى فقال اشهدوا أنى أول من رمى (قال أبو مخنف) حدثنى أبو جناب قال كان منا رجل يدعى عبد الله بن عمير من بنى عليم كان قد نزل الكوفة واتخذ عند بئر الجعد من همدان دارا وكانت معه امرأة له من النمر بن قاسط يقال لها أم وهب بنت عبد فرأى القوم بالنخيلة يعرضون ليسرحوا إلى الحسين قال فسأل عنهم فقيل له يسرحون إلى حسين بن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال والله لو قد كنت على جهاد أهل الشرك حريصا وإنى لارجو ألا يكون جهاد هؤلاء الذين يغزون ابن بنت نبيهم أيسر ثوابا عند الله من ثوابه إياى في جهاد المشركين فدخل إلى امرأته فأخبرها بما سمع وأعلمها بما يريد فقالت أصبت أصاب الله بك أرشد أمورك افعل وأخرجنى معك قال فخرج بها ليلا حتى أتى حسينا فأقام معه فلما دنا منه عمر بن سعد ورمى بسهم ارتمى الناس فلما ارتموا خرج يسار مولى زياد بن أبى سفيان وسالم مولى عبيد الله بن زياد فقالا من يبارز ليخرج الينا بعضكم قال فوثب حبيب بن مظاهر وبرير بن حضير فقال لهما حسين اجلسا فقام عبد الله بن عمير الكلبى فقال أبا عبد الله رحمك الله ائذن لى فلاخرج اليهما فرأى حسين رجلا آدم طويلا شديد الساعدين

[ 327 ]

بعيد ما بين المنكبين فقال حسين إنى لاحسبه للاقران قتالا اخرج إن شئت قال فخرج اليهما فقالا له من أنت فانتسب لهما فقالا لا نعرفك ليخرج الينا زهير بن القين أو حبيب بن مظاهر أو برير بن خضير ويسار مستنتل أمام سالم فقال له الكلبى يا ابن الزانية وبك رغبة عن مبارزة أحد من الناس ويخرج اليك أحد من الناس إلا وهو خير منك ثم شد عليه فضربه بسيفه حتى برد فإنه لمشتغل به يضربه بسيفه إذ شد عليه سالم فصاح به قد رهقك العبد قال فلم يأبه له حتى غشيه فبدره الصربة فاتقاه الكلبى بيده اليسرى فأطار أصابع كفه اليسرى ثم مال عليه الكلبى فضربه حتى قتله وأقبل الكلبى مرتجزا وهو يقول وقد قتلهما جميعا إن تنكروني فأنا ابن كلب * حسبى ببيتى في عليم حسبى إنى امرؤ ذو مرة وعصب * ولست بالخوار عند النكب إنى زعيم لك أم وهب * بالطعن فيهم مقدما والضرب ضرب غلام مؤمن بالرب فأخذت أم وهب امرأته عمودا ثم أقبلت نحو زوجها تقول له فداك أبى وأمى قاتل دون الطيبين ذرية محمد فأقبل إليها يردها نحو النساء فأخذت تجاذب ثوبه ثم قالت إنى لن أدعك دون أن أموت معك فناداها حسين فقال جزيتم من أهل بيت خيرا إرجعى رحمك الله إلى النساء فاجلسي معهن فانه ليس على النساء قتال فانصرفت اليهن قال وحمل عمرو بن الحجاج وهو على ميمنة الناس في الميمنة فلما أن دنا من حسين جثوا له على الركب وأشرعوا الرماح نحوهم فلم تقدم خيلهم على الرماح فذهبت الخيل لترجع فرشقوهم بالنبل فصرعوا منهم رجالا وجرحوا منهم آخرين (قال أبو مخنف) فحدثني حسين أبو جعفر قال ثم إن رجلا من بنى تميم يقال له عبد الله بن حوزة جاء حتى وقف امام الحسين فقال يا حسين يا حسين فقال حسين ما تشاء قال أبشر بالنار قال كلا إنى أقدم على رب رحيم وشفيع مطاع من هذا قال له أصحابه هذا ابن حوزة قال رب نحزه إلى النار قال فاضطرب به فرسه في جدول فوقع فيه وتعلقت رجله بالركاب ووقع رأسه في الارض ونفر الفرس فأخذه يمر به

[ 328 ]

فيضرب برأسه كل حجر وكل شجرة حتى مات (قال أبو مخنف) وأما سويد بن حية فزعم لى أن عبد الله بن حوزة حين وقع فرسه بقيت رجله اليسرى في الركاب وارتفعت اليمنى فطارت وعدا به فرسه يضرب رأسه كل حجر وأصل شجرة حتى مات (قال أبو مخنف) عن عطاء بن السائب عن عبد الجبار بن وائل الحضرمي عن أخيه مسروق بن وائل قال كنت في أوائل الخيل ممن سار إلى الحسين فقلت أكون في أوائلها لعلى أصيب رأس الحسين فأصيب به منزلة عند عبيد الله بن زياد قال فلما انتهينا إلى حسين تقدم رجل من القوم يقال له ابن حوزة فقال أفيكم حسين قال فسكت حسين فقالها ثانية فأسكت حتى إذا كانت الثالثة قال قولوا له نعم هذا حسين فما حاجتك قال يا حسين أبشر بالنار قال كذبت بل أقدم على رب غفور وشفيع مطاع فمن أنت قال ابن حوزة قال فرفع الحسين يديه حتى رأينا بياض إبطيه من فوق الثياب ثم قال اللهم حزه إلى النار قال فغضب ابن حوزة فذهب ليقحم إليه الفرس وبينه وبينه نهر قال فعلقت قدمه بالركاب وجالت به الفرس فسقط عنها قال فانقطعت قدمه وساقه وفخذه وبقى جانبه الآخر متعلقا بالركاب قال فرجع مسروق وترك الخيل من ورائه قال فسألته فقال لقد رأيت من أهل هذا البيت شيئا لا أقاتلهم أبدا قال ونشب القتال (قال أبو مخنف) وحدثني يوسف بن يزيد عن عفيف بن زهير بن أبى الاخنس وكان قد شهد مقتل الحسين قال وخرج يزيد بن معقل من بنى عميرة بن ربيعة وهو حليف لبنى سليمة من عبد القيس فقال يا برير بن حضير كيف ترى الله صنع بك قال صنع الله والله بى خيرا وصنع الله بك شرا قال كذبت وقبل اليوم ما كنت كذابا هل تذكر وانا أماشيك في بنى لوذان وأنت تقول ان عثمان بن عفان كان على نفسه مسرفا وان معاوية بن أبى سفيان ضال مضل وان امام الهدى والحق على بن أبى طالب فقال له برير اشهد أن هذا رأيى وقولى فقال له يزيد بن معقل فانى أشهد أنك من الضالين فقال له برير بن حضير هل لك فلا بأهلك ولندع الله أن يلعن الكاذب وأن يقتل المبطل ثم اخرج فلابارزك قال فخرجا فرفعا أيديهما إلى الله يدعوانه

[ 329 ]

أن يلعن الكاذب وأن يقتل المحق المبطل ثم برز كل واحد منهما لصاحبه فاختلفا ضربتين فضرب يزيد بن معقل برير بن حضير ضربة خفيفة لم تضره شيئا وضربه برير بن حضير ضربة قدت المغفر وبلغت الدماغ فخر كأنما هوى من حالق وإن سيف ابن حضير لثابت في رأسه فكأني أنظر إليه ينضنضه من رأسه وحمل عليه رضى بن منقذ العبدى فاعتنق بريرا فاعتركا ساعة ثم ان بريرا قعد على صدره فقال رضى أين أهل المصاع والدفاع قال فذهب كعب بن جابر بن عمرو الازدي ليحمل عليه فقلت إن هذا برير بن حضير القارئ الذى كان يقرئنا القرآن في المسجد فحمل عليه بالرمح حتى وضعه في ظهره فلما وجد مس الرمح برك عليه فعض بوجهه وقطع طرف أنفه فطعنه كعب بن جابر حتى ألقاه عنه وقد غيب السنان في ظهره ثم أقبل عليه يضربه بسيفه حتى قتله قال عفيف كأنى أنظر إلى العبدى الصريع قام ينفض التراب عن قبائه ويقول أنعمت على يا أخا الازد نعمة لن أنساها أبدا قال فقلت رأيت هذا قال نعم رأى عينى وسمع أذنى فلما رجع كعب بن جابر قالت له امرأته أو أخته النوار بنت جابر أعنت على ابن فاطمة وقتلت سيد القراء لقد أتيت عظيما من الامر والله لا أكلمك من رأسي كلمة أبدا وقال كعب بن جابر: سلى تخبرى عنى وأنت ذميمة * غداة حسين والرماح شوارع ألم آت أقصى ما كرهت ولم يخل * على غداة الروع ما أنا صانع معى يزنى لم تخنه كعوبه * وأبيض مخشوب الغرارين قاطع فجردته في عصبة ليس دينهم * بدينى وإنى بابن حرب لقانع ولم تر عينى مثلهم في زمانهم * ولا قبلهم في الناس إذ أنا يافع أشد قراعا بالسيوف لدى الوغا * ألا كل من يحمى الذمار مقارع وقد صبروا للطعن والضرب حسرا * وقد نازلوا لو أن ذلك نافع فأبلغ عبيدالله إما لقيته * بأنى مطيع للخليفة سامع قتلت بريرا ثم حملت نعمة * أبا منقذ لما دعا من يماصع

[ 330 ]

(قال أبو مخنف) حدثنى عبد الرحمن بن جندب قال سمعته في إمارة مصعب ابن الزبير وهو يقول يا رب إنا قد وفينا فلا تجعلنا يا رب كمن قد غدر فقال له أبى صدق ولقد وفى وكرم وكسبت لنفسك سوءا قال كلا إنى لم أكسب لنفسي شرا ولكني كسبت لها خيرا قال وزعموا أن رضى بن منقد العبدى رد بعد على كعب بن جابر جواب قوله فقال: لو شاء ربى ما شهدت قتالهم * ولا جعل النعماء عندي ابن جابر لقد كان ذاك اليوم عارا وسبة * يعيره الابناء بعد المعاشر فياليت أنى كنت من قبل قتله * ويوم حسين كنت في رمس قابر قال وخرج عمرو بن فرظة الانصاري يقاتل دون حسين وهو يقول: قد علمت كتيبة الانصار * أنى سأحمى حوزة الذمار ضرب غلام غير نكس شارى * دون حسين مهجتي ودارى (قال أبو مخنف) عن ثابت بن هبيرة فقتل عمرو بن فرظة بن كعب وكان مع الحسين وكان على أخوه مع عمر بن سعد فنادى على بن قريظة يا حسين يا كذاب ابن الكذاب أضللت أخى وغررته حتى قتلته قال إن الله لم يضل أخاك ولكنه هدى أخاك وأضلك قال قتلني الله إن لم أقتلك أو أموت دونك فحمل عليه فاعترضه نافع بن هلال المرادى فطعنه فصرعه فحمله أصحابه فاستنقذوه فدووي بعد فبرأ (قال أبو مخنف) حدثنى النضر بن صالح أبو زهير العبسى أن الحر بن يزيد لما لحق بحسين قال رجل من بنى تميم من بنى شقرة وهم بنو الحارث ابن تميم يقال له يزيد بن سفيان أما والله لو أنى رأيت الحر بن يزيد حين خرج لاتبعته السنان قال فبينا الناس يتجاولون ويقتتلون والحر بن يزيد يحمل على القوم مقدما ويتمثل قول عنترة: ما زلت أرميهم بثغرة نحره * ولبانه حتى تسربل بالدم قال وإن فرسه لمضروب على أذنيه وحاجبه وإن دماءه لتسيل فقال الحصين بن تميم وكان على شرطة عبيدالله فبعثه إلى الحسين وكان مع عمر بن سعد فولاه عمر مع

[ 331 ]

الشرطة المجففة ليزيد بن سفيان هذا الحر بن يزيد الذى كنت تتمنى قال نعم فخرج إليه فقال له هل لك يا حر بن يزيد في المبارزة قال نعم قد شئت فبرز له قال فأنا سمعت الحصين ابن تميم يقول والله لبرز له فكأنما كانت نفسه في يده فما لبثه الحر حين خرج إليه أن قتله (قال هشام) بن محمد عن أبى مخنف قال حدثنى يحيى بن هانئ بن عروة أن نافع ابن هلال كان يقاتل يومئذ وهو يقول * أنا الجملى أنا على دين على * قال فخرج إليه رجل يقال له مزاحم ابن حريث فقال أنا على دين عثمان فقال له أنت على دين شيطان ثم حمل عليه فقتله فصاح عمرو بن الحجاج بالناس يا حمقى أتدرون من تقاتلون فرسان المصر قوما مستميتين لا يبرزن لهم منكم أحد فإنهم قليل وقل ما يبقون والله لو لم ترموهم إلا بالحجارة لقتلتموهم فقال عمر بن سعد صدقت الرأى ما رأيت وأرسل إلى الناس يعزم عليهم ألا يبارز رجل منكم رجلا منهم (قال أبو مخنف) حدثنى الحسين بن عقبة المرادى قال الزبيدى إنه سمع عمرو بن الحجاج حين دنا من أصحاب الحسين يقول يا أهل الكوفة الزموا طاعتكم وجماعتكم ولا ترتابوا في قتل من مرق من الدين وخالف الامام فقال له الحسين يا عمرو بن الحجاج أعلى تحرض الناس أنحن مرقنا وأنتم ثبتم عليه أما والله لتعلمن لو قد قبضت أرواحكم ومتم على أعمالكم أينا مرق من الدين ومن هو أولى بصلى النار قال ثم إن عمرو بن الحجاج حمل على الحسين في ميمنة عمر بن سعد من نحو الفرات فاضربوا ساعة فصرع مسلم بن عوسجة الاسدي أول أصحاب الحسين ثم انصرف عمرو بن الحجاج وأصحابه وارتفعت الغبرة فإذا هم به صريع فمشى إليه الحسين فإذا به رمق فقال رحمك ربك يا مسلم ابن عوسجة منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ودنا منه حبيب ابن مظاهر فقال عز على مصرعك يا مسلم أبشر بالجنة فقال له مسلم قولا ضعيفا بشرك الله بخير فقال له حبيب لولا أنى أعلم أنى في أثرك لاحق بك من ساعتي هذه لاحببت أن توصيني بكل ما أهمك حتى أحفظك في كل ذلك بما أنت أهل له في القرابة والدين قال بل أنا أوصيك بهذا رحمك الله وأهوى بيده إلى الحسين أن

[ 332 ]

تموت دونه قال أفعل ورب الكعبة قال فما كان بأسرع من أن مات في أيديهم وصاحت جارية له فقالت يا ابن عوسجتاه يا سيداه فتنادى أصحاب عمرو بن الحجاج قتلنا مسلم ابن عوسجة الاسدي فقال شبث لبعض من حوله من أصحابه ثكلتكم أمهاتكم إنما تقتلون أنفسكم بأيديكم وتذللون أنفسكم لغيركم تفرحون أن يقتل مثل مسلم بن عوسجة أما والذى أسلمت له لرب موقف له قد رأيته في المسلمين كريم لقد رأيته يوم سلق آذربيجان قتل سنة من المشركين قبل تتام خيول المسلمين أفيقتل منكم مثله وتفرحون قال وكان الذى قتل مسلم بن عوسجة مسلم بن عبد الله الضبابى وعبد الرحمن ابن أبى خشكارة البجلى قال وحمل شمر بن ذى الجوشن في المسيرة على أهل الميسرة فثبتوا له فطاعنوه وأصحابه وحمل على حسين وأصحابه من كل جانب فقتل الكلبى وقد قتل رجلين بعد الرجلين الاولين وقاتل قتالا شديدا فحمل عليه هانئ بن ثبيت الحضرمي وبكير بن حى التيمى من تيم الله بن ثعلبة فقتلاه وكان القتيل الثاني من أصحاب الحسين وقاتلهم أصحاب الحسين قتالا شديدا وأخذت خيلهم تحمل وإنما هم اثنان وثلاثون فارسا وأخذت لا تحمل على جانب من خيل أهل الكوفة إلا كشفته فلما رأى ذلك عزرة بن قيس وهو على خيل أهل الكوفة أن خيله تنكشف من كل جانب بعث إلى عمر بن سعد عبد الرحمن بن حصن فقال أما ترى ما تلقى خيلى مذ اليوم من هذه العدة اليسيرة ابعث إليهم الرجال والرماة فقال لشبث بن ربعى ألا تقدم إليهم فقال سبحان الله أتعمد إلى شيخ مصر وأهل مصر عامة تبعثه في الرماة لم تجد من تندب لهذا ويجزى عنك غيرى قال وما زالوا يرون من شبث الكراهة لقتاله قال وقال أبو زهير العبسى فأنا سمعته في إمارة مصعب يقول لا يعطى الله أهل هذا المصر خيرا أبدا ولا يسددهم لرشد ألا تعجبون أنا قاتلنا مع على بن أبى طالب ومع ابنه من بعده آل أبى سفيان خمس سنين ثم عدونا على ابنه وهو خير أهل الارض نقاتله مع آل معاوية وابن سمية الزانية ضلال يالك من ضلال قال ودعا عمر بن الحصين بن تميم فبعث معه المجففة وخمسمائة من المرامية فأقبلوا حتى إذا دنوا من الحسين وأصحابه رشقوهم بالنبل فلم يلبثوا

[ 333 ]

أن عقروا خيولهم وصاروا رجالة كلهم (قال أبو مخنف) حدثنى نمير بن وعلة أن أيوب بن مشرح الخيوانى كان يقول أنا والله عقرت بالحر بن يزيد فرسه حشأته سهما فما لبث أن أرعد الفرس واضطرب وكبا فوثب عنه الحر كأنه ليث والسيف في يده وهو يقول إن تعقروا بى فأنا ابن الحر * أشجع من ذى لبد هزبر قال فما رأيت أحدا قط يفرى فريه قال فقال له أشياخ من الحى أنت قتلته قال لا والله ما أنا قتلته ولكن قتله غيرى وما أحب إنى قتلته فقال له أبو الوداك ولم قال أنه كان زعموا من الصالحين فوالله لئن كان ذلك إثما لان ألقى الله بإثم الجراحة والموقف أحب إلى من أن ألقاه بإثم قتل أحد منهم فقال له أبو الوداك ما اراك إلا ستلقى الله بإثم قتلهم أجمعين أرأيت لو أنك رميت ذا فعقرت ذا ورميت آخر ووقفت موقفا وكررت عليهم وحرضت أصحابك وكثرت أصحابك وحمل عليك فكرهت أن تفر وفعل آخر من اصحابك كفعلك وآخر وآخر كان هذا وأصحابه يقتلون أنتم شركاء كلكم في دمائهم فقال له يا أبا الوداك إنك لتقنطنا من رحمة الله إن كنت ولى حسابنا يوم القيامة فلا غفر الله لك إن غفرت لنا قال هو ما اقول لك قال وقاتلوهم حتى انتصف النهار راشد قتال خلقه الله وأخذوا لا يقدرون على أن يأتوهم إلا من وجه واحد لاجتماع أبنيتهم وتقارب بعضها من بعض قال فلما رأى ذلك عمر بن سعد أرسل رجال يقوضونها عن أيمانهم وعن شمائلهم ليحيطوا بهم قال فأخذ الثلاثة والاربعة من اصحاب الحسين يتخللون البيوت فيشدون على الرجل وهو يقوض وينتهب فيقتلونه ويرمونه من قريب ويعقرونه فأمر بها عمر بن سعد عند ذلك فقال احرقوها بالنار ولا تدخلوا بيتا ولا تقوضوه فجاءوا بالنار فأخذوا يحرقون فقال حسين دعوهم فليحرقوها فإنهم لو قد حرقوها لم يستطيعوا أن يجوزوا اليكم منها وكان ذلك كذلك وأخذوا لا يقاتلونهم إلا من وجه واحد قال وخرجت امرأة الكلبى تمشى إلى زوجها حتى جلست عند رأسه تمسح عنه التراب وتقول هنيئا لك الجنة فقال شمر بن ذى الجوشن

[ 334 ]

لغلام يسمى رستم اضرب رأسها بالعمود فضرب رأسها فشدخه فماتت مكانها قال وحمل شمر بن ذى الجوشن حتى طعن فسطاط الحسين برمحه ونادى على بالنار حتى أحرق هذا البيت على أهله قال فصاح النساء وخرجن من الفسطاط قال وصاح به الحسين يا ابن ذى الجوشن أنت تدعو بالنار لتحرق بيتى على أهلى حرقك الله بالنار (قال أبو مخنف) حدثنى سليمان بن أبى راشد عن حميد بن مسلم قال قلت لشمر ابن ذى الجوشن سبحان الله إن هذا لا يصلح لك أتريد أن تجمع على نفسك خصلتين تعذب بعذاب الله وتقتل الولدان والنساء والله إن في قتلك الرجال لما ترضى به أميرك قال فقال من أنت قال قلت لا أخبرك من أنا قال وخشيت والله أن لو عرفني أن يضرنى عند السلطان قال فجاءه رجل كان أطوع له منى شبث بن ربعى فقال ما رأيت مقالا أسوأ من قولك ولا موقفا أقبح من موقفك أمرعبا للنساء صرت قال فأشهد أنه استحيا فذهب لينصرف وحمل عليه زهير بن القين في رجال من أصحابه عشرة فشد على شمر بن ذى الجوشن وأصحابه فكشفهم عن البيوت حتى ارتفعوا عنها فصرعوا أبا عزة الضبابى فقتلوه فكان من أصحاب شمر وتعطف الناس عليهم فكثروهم فلا يزال الرجل من أصحاب الحسين قد قتل فإذا قتل منهم الرجل والرجلان تبين فيهم وأولئك كثير لا يتبين فيهم ما يقتل منهم قال فلما رأى ذلك أبو ثمامة عمرو ابن عبد الله الصائدى قال للحسين يا أبا عبد الله نفسي لك الفداء إنى أرى هؤلاء قد اقتربوا منك ولا والله لا تقتل حتى أقتل دونك إن شاء الله وأحب ان ألقى ربى وقد صليت هذه الصلاة التى قد دنا وقتها قال فرفع الحسين رأسه ثم قال ذكرت الصلاة جعلك الله من المصلين الذاكرين نعم هذا أول وقتها ثم قال سلوهم أن يكفوا عنا حتى نصلى فقال لهم الحصين بن تميم إنها لا تقبل فقال له حبيب بن مظاهر لا تقبل زعمت الصلاة من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقبل وتقبل منك يا حمار قال فحمل عليهم حصين بن تميم وخرج إليه حبيب بن مظاهر فضرب وجه فرسه بالسيف فشب ووقع عنه وحمله أصحابه فاستنقذوه وأخذ حبيب يقول أقسم لو كنا لكم أعدادا * أو شطركم وليتم أكتادا

[ 335 ]

يا شر قوم حسبا وآدا قال وجعل يقول يومئذ أنا حبيب وأبى مظاهر * فارس هيجاء وحرب تسعر أنتم أعد عدة وأكثر * ونحن أوفى منكم وأصبر ونحن أعلى حجة وأظهر * حقا وأتقى منكم وأعذر وقاتل قتالا شديدا فحمل عليه رجل من بنى تميم فضربه بالسيف على رأسه فقتله وكان يقال له بديل بن صريم من بنى عقفان وحمل عليه آخر من بنى تميم فطعنه فوقع فذهب ليقوم فضربه الحصين بن تميم على رأسه بالسيف فوقع ونزل إليه التميمي فاحتز رأسه فقال له الحصين إنى لشريكك في قتله فقال الآخر والله ما قتله غيرى فقال الحصين أعطنيه اعلقه في عنق فرسى كيما يرى الناس ويعلموا أنى شركت في قتله ثم خذه أنت بعد فامض به إلى عبيدالله بن زياد فلا حاجة لى فيما تعطاه على قتلك إياه قال فأبى عليه فأصلح قومه فيما بينهما على هذا فدفع إليه رأس حبيب بن مظاهر فجال به في العسكر قد علقه في عنق فرسه ثم دفعه بعد ذلك إليه فلما رجعوا إلى الكوفة أخذ الآخر رأس حبيب فعلقه في لبان فرسه ثم أقبل به إلى ابن زياد في القصر فبصر به ابنه القاسم بن حبيب وهو يومئذ قد راهق فأقبل مع الفارس لا يفارقه كلما دخل القصر دخل معه وإذا خرج خرج معه فارتاب به فقال مالك يا بنى تتبعني قال لا شئ قال بلى يا بنى أخبرني قال له ان هذا الرأس الذى معك رأس أبى أفتعطينيه حتى أدفنه قال يا بنى لا يرضى الامير أن يدفن وأنا أريد أن يثيبني الامير على قتله ثوابا حسنا قال له الغلام لكن الله لا يثيبك على ذلك إلا أسوأ الثواب أما والله لقد قتلته خيرا منك وبكا فمكث الغلام حتى إذا أدرك لم يكن له همة إلا اتباع أثر قاتل أبيه ليجد منه غرة فيقتله بأبيه فلما كان زمان مصعب بن الزبير وغزا مصعب باجمير ادخل عسكر مصعب فإذا قاتل أبيه في فسطاطه فأقبل يختلف في طلبه والتماس غرته فدخل عليه وهو قائل نصف النهار فضربه بسيفه حتى برد (قال أبو مخنف) حدثنى محمد بن قيس قال لما قتل حبيب

[ 336 ]

ابن مظاهر هد ذلك حسينا وقال عند ذلك أحتسب نفسي وحماة أصحابي قال فأخذ الحرير تجز ويقول آليت لا أقتل حتى أقتلا * ولن أصاب اليوم إلا مقبلا أضربهم بالسيف ضربا مقصلا * لا ناكلا عنهم ولا مهللا وأخذ يقول أيضا أضرب في أعراضهم بالسيف * عن خير من حل منى والخيف فقاتل هو وزهير بن القين قتالا شديدا فكان إذا شد أحدهما فان استلحم شد الآخر حتى يخلصه ففعلا ذلك ساعة ثم إن رجالة شدت على الحر بن يزيد فقتل وقتل ابو ثمامة الصائدى ابن عم له كان عدوا له ثم صلوا الظهر صلى بهم الحسين صلاة الخوف تم اقتتلوا بعد الظهر فاشتد قتالهم ووصل إلى الحسين فاستقدم الحنفي إمامه فاستهدف لهم يرمونه بالنبل يمينا وشمالا قائما بين يديه فما زال يرمى حتى سقط وقاتل زهير بن القين قتالا شديدا وأخذ يقول أنا زهير وأنا ابن القين * أذودهم بالسيف عن حسين قال وأخذ يضرب على منكب حسين ويقول أقدم هديت هاديا مهديا * فاليوم تلقى جدك النبيا وحسنا والمرتضى عليا * وذا الجناحين الفتى الكميا وأسد الله الشهيد الحيا قال فشد عليه كثير بن عبد الله الشعبى ومهاجر بن أوس فقتلاه قال وكان نافع بن هلال الجملى قد كتب اسمه على أفواق نبله فجعل يرمى بها مسمومة وهو يقول أنا الجملى أنا على دين على فقتل اثنى عشر من أصحاب عمر بن سعد سوى من جرح قال فضرب حتى كسرت عضداه وأخذ أسيرا قال فأخذه شمر بن ذى الجوشن ومعه أصحاب له يسوقون نافعا حتى أوتى به عمر بن سعد فقال له عمر بن سعد ويحك يا نافع ما حملك على ما صنعت بنفسك قال إن ربى يعلم ما أردت قال والدماء تسيل على لحيته

[ 337 ]

وهو يقول والله لقد قتلت منكم اثنى عشر سوى من جرحت وما ألوم نفسي على الجهد ولو بقيت لى عضد وساعد ما أسرتموني فقال له شمر اقتله أصلحك الله قال أنت جئت به فإن شئت فاقتله قال فانتضى شمر سيفه فقال له نافع أما والله ان لو كنت من المسلمين لعظم عليك أن تلقى الله بدمائنا فالحمد لله الذى جعل منايانا على يدى شرار خلقه فقتله قال ثم أقبل شمر يحمل عليهم وهو يقول خلوا عداة الله خلوا عن شمر * يضربهم بسيفه ولا يفر وهو لكم صاب وسم ومقر قال فلما رأى أصحاب الحسين أنهم قد كثروا وأنهم لا يقدرون على أن يمنعوا حسينا ولا أنفسهم تنافسوا في أن يقتلوا بين يديه فجاءه عبد الله وعبد الرحمن ابنا عزرة الغفاريان فقالا يا أبا عبد الله عليك السلام حازنا العدو إليك فأحببنا أن نقتل بين يديك نمنعك وندفع عنك قال مرحبا بكما ادنوا منى فدنوا منه فجعلا يقاتلان قريبا منه وأحدهما يقول قد علمت حقا بنو غفار * وخندف بعد بنى نزار لنضربن معشر الفجار * بكل عضب صارم بتار يا قوم ذودوا عن بنى الاحرار * بالمشرفى والقنا الخطار قال وجاء الفتيان الجابريان سيف بن الحارث بن سريع ومالك بن عبد بن سريع وهما ابنا عم وأخوان لام فأتيا حسينا فدنوا منه وهما يبكيان فقال أي ابني أخى ما يبكيكما فوالله إنى لارجو أن تكونا عن ساعة قريرى عين قالا جعلنا الله فداك لا والله ما على أنفسنا نبكى ولكنا نبكى عليك نراك قد أحيط بك ولا نقدر على أن نمنعك فقال جزاكما الله يا ابني أخى بوجدكما من ذلك ومواساتكما إياى بأنفسكما أحسن جزاء المتقين قال وجاء حنظلة بن أسعد الشبامى فقام بين يدى حسين فأخذ ينادى يا قوم إنى أخاف عليكم مثل يوم الاحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد ويا قوم إنى أخاف عليكم يوم التناد يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له

[ 338 ]

من هاد، يا قوم لا تقتلوا حسينا فيستحكم الله بعذاب وقذ خاب من افترى فقال له حسين يا ابن أسعد رحمك الله إنهم قد استوجبوا العذاب حين ردوا عليك ما دعوتهم إليه من الحق ونهضوا اليك ليستبيحوك وأصحابك فكيف بهم الآن وقد قتلوا إخوانك الصالحين قال صدقت جعلت فداك أنت أفقه منى وأحق بذلك أفلا نروح إلى الآخرة ونلحق بإخواننا فقال رح إلى خير من الدنيا وما فيها وإلى ملك لا يبلى فقال السلام عليك أبا عبد الله صلى الله عليك وعلى أهل بيتك وعرف بيننا وبينك في جنته فقال آمين آمين فاستقدم فقاتل حتى قتل قال ثم استقدم الفتيان الجابريان يلتفتان إلى حسين ويقولان السلام عليك يا ابن رسول الله فقال وعليكما السلام ورحمة الله فقاتلا حتى قتلا قال وجاء عابس بن أبى شبيب الشاكرى ومعه شوذب مولى شاكر فقال يا شوذب ما في نفسك أن تصنع قال ما أصنع أقاتل معك دون ابن بنت رسول الل صلى الله عليه وسلم حتى أقتل قال ذلك الظن بك إمالا فتقدم بين يدى أبى عبد الله حتى يحتسبك كما احتسب غيرك من اصحابه وحتى احتسبك انا فإنه لو كان معى الساعة أحد أنا أولى به منى بك لسرني أن يتقدم بين يدى حتى أحتسبه فإن هذا يوم ينبغى لنا أن نطلب الاجر فيه بكل ما قدرنا عليه فإنه لا عمل بعد اليوم وإنما هو الحساب قال فتقدم فسلم على الحسين ثم مضى فقاتل حتى قتل قال ثم قال عابس بن أبى شبيب يا أبا عبد الله أما والله ما أمسى على ظهر الارض قريب ولا بعيد أعز على ولا أحب إلى منك ولو قدرت على أن أدفع عنك الضيم والقتل بشئ أعز على من نفسي ودمى لفعلته السلام عليك يا أبا عبد الله أشهد الله أنى على هديك وهدى أبيك ثم مشى بالسيف مصلتا نحوهم وبه ضربة على جبينه (قال أبو مخنف) حدثنى نمير بن وعلة عن رجل من بنى عبد من همدان يقال له ربيع بن تميم شهد ذلك اليوم قال لما رأيته مقبلا عرفته وقد شاهدته في المغازى وكان أشجع الناس فقلت أيها الناس هذا الاسد الاسود هذا ابن أبى شبيب لا يخرجن إليه أحد منكم فأخذ ينادى ألا رجل لرجل فقال عمر بن سعد ارضخوه بالحجارة قال فرمى بالحجارة من كل جانب

[ 339 ]

فلما رأى ذلك ألقى درعه ومغفره ثم شد على الناس فوالله لرأيته يكرد أكثر من مائتين من الناس ثم إنهم تعطفوا عليه من كل جانب فقتل قال فرأيت رأسه في أيدى رجال ذوى عدة هذا يقول أنا قتلته وهذا يقول أنا قتلته فأتوا عمر بن سعد فقال لا تختصموا هذا لم يقتله سنان واحد ففرق بينهم بهذا القول (قال أبو مخنف) حدثنى عبد الله بن عاصم عن الضحاك بن عبد الله المشرقي قال لما رأيت أصحاب الحسين قد أصيبوا وقد خلص إليه وإلى أهل بيته ولم يبق معه غير سويد بن عمرو بن أبى المطاع الخثعمي وبشير بن عمرو الحضرمي قلت له يا ابن رسول الله قد علمت ما كان بينى وبينك قلت لك أقاتل عنك ما رأيت مقاتلا فإذا لم أر مقاتلا فأنا في حل من الانصراف فقلت لى نعم قال فقال صدقت وكيف لك بالنجاء إن قدرت على ذلك فأنت في حل قال فأقبلت إلى فرسى وقد كنت حيث رأيت خيل أصحابنا تعقر أقبلت بها حتى أدخلتها فسطاطا لاصحابنا بين البيوت وأقبلت أقاتل معهم راجلا فقتلت يومئذ بين يدى الحسين رجلين وقطعت يد آخر وقال لى الحسين يومئذ مرارا لا تشلل لا يقطع الله يدك جزاك الله خيرا عن أهل بيت نبيك صلى الله عليه وسلم فلما أذن لى استخرجت الفرس من الفسطاط ثم استويت على متنها ثم ضربتها حتى إذا قامت على السنابك رميت بها عرض القوم فأفرجوا لى وأتبعني منهم خمسة عشر رجلا حتى انتهيت إلى شفية قرية قريبة من شاطئ الفرات فلما لحقوني عطفت عليهم فعرفني كثير بن عبد الله الشعبى وأيوب بن مشرح الخيوانى وقيس بن عبد الله الصائدى فقالوا هذا الضحاك بن عبد الله المشرقي هذا ابن عمنا ننشدكم الله لما كففتم عنه فقال ثلاثة نفر من بنى تميم كانوا معهم بلى والله لنجيبن إخواننا وأهل دعوتنا إلى ما أحبوا من الكف عن صاحبهم قال فلما تابع التميميون أصحابي كف الآخرون قال فنجاني الله (قال أبو مخنف) حدثنى فضيل بن خديج الكندى أن يزيد بن زياد وهو أبو الشعثاء الكندى من بنى بهدلة جثى على ركبتيه بين يدى الحسين فرمى بمائة سهم ما سقط منها خمسة أسهم وكان راميا فكان كلما رمى قال أنا ابن بهدله فرسان

[ 340 ]

العرجله ويقول حسين اللهم سدد رميته واجعل ثوابه الجنة فلما رمى بها قام فقال ما سقط منها إلا خمسة أسهم ولقد تبين لى أنى قد قتلت خمسة نفر وكان في أول من قتل وكان رجزه يومئذ أنا يزيد وأبى مهاصر * أشجع من ليث بغيل خادر يا رب إنى للحسين ناصر * ولا بن سعد تارك وهاجر وكان يزيد بن زياد بن المهاصر ممن خرج مع عمر بن سعد إلى الحسين فلما ردوا الشروط على الحسين مال إليه فقاتل معه حتى قتل فأما الصيداوي عمرو بن خالد وجابر بن الحارث السلمانى وسعد مولى عمر بن خالد ومجمع بن عبد الله العائذى فانهم قاتلوا في أول القتال فشدوا مقدمين بأسيافهم على الناس فلما وغلوا عطف عليهم الناس فأخذوا يحوزونهم وقطعوهم من أصحابهم غير بعيد فحمل عليهم لعباس بن على فاستنقذهم فجاؤا قد جر حوا فلما دنا منهم عدوهم شدوا بأسيافهم فقاتلوا في أول الامر حتى قتلوا في مكان واحد (قال أبو مخنف) حدثنى زهير بن عبد الرحمن ابن زهير الخثعمي قال كان آخر من بقى مع الحسين من أصحابه سويد بن عمرو بن أبى المطاع الخثعمي قال وكان أولى قتيل من بنى أبى طالب يومئذ على الاكبر ابن الحسين بن على وأمه ليلى ابنة أبى مرة بن عروة بن مسعود الثقفى وذلك أنه أخذ يشد على الناس وهو يقول أنا على بن حسين بن على * نحن ورب البيت أولى بالنبي تالله لا يحكم فينا ابن الدعى قال ففعل ذلك مرارا فبصر به مرة بن منقذ بن النعمان العبدى ثم الليثى فقال على أثام العرب إن مر بى يفعل مثل ما كان يفعل إن لم أثكله أباه فمر يشد على الناس بسيفه فاعترضه مرة بن منقذ فطعنه فصرع واحتوله الناس فقطعوه بأسيافهم (قال أبو مخنف) حدثنى سليمان بن أبى راشد عن حميد بن مسلم الازدي قال سماع أذنى يومئذ من الحسين يقول قتل الله قوما قتلوك يا بنى ما أجرأهم على الرحمن وعلى انتهاك حرمة الرسول على الدنيا بعدك العفاء قال وكأني أنظر إلى

[ 341 ]

امرأة خرجت مسرعة كأنها الشمس الطالعة تنادى يا أخياه ويا ابن أخاه قال فسألت عليها فقيل هذه زينب ابنة فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءت حتى أكبت عليه فجاءها الحسين فأخذ بيدها فردها إلى الفسطاط وأقبل الحسين إلى ابنه وأقبل فتيانه إليه فقال احملوا أخاكم فحملوه من مصرعه حتى وضعوه بين يدى الفسطاط الذى كانوا يقاتلون أمامه قال ثم إن عمرو بن صبيح الصدائى رمى عبد الله بن مسلم بن عقيل بسهم فوضع كفه على جبهته فأخذ لا يستطيع أن يحرك كفيه ثم انتحى له بسهم آخر ففلق قلبه فاعتورهم الناس من كل جانب فحمل عبد الله بن قطبة الطائى ثم النبهاني على عون عبد الله بن جعفر بن أبى طالب فقتله وحمل عامر بن نهشل التيمى على محمد بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب فقتله قال وشد عثمان بن خالد بن أسير الجهنى وبشر بن سوط الهمداني ثم القابضى على عبد الرحمن بن عقيل بن أبى طالب فقتلاه ورمى عبد الله بن عزرة الخثعمي جعفر ابن عقيل بن أبى طالب قتله (قال أبو مخنف ف) حدثنى سليمان بن أبى راشد عن حميد بن مسلم قال خرج الينا غلام كأن وجهه شقة قمر في يده السيف عليه قميص وإزار ونعلان قد انقطع شسع أحدهما ما أنسى أنها اليسرى فقال لى عمرو بن سعد بن نفيل الازدي والله لاشدن عليه فقلت له سبحان الله وما تريد إلى ذلك يكفيك قتل هؤلاء الذين تراهم قد احتولوهم قال فقال والله لاشدن عليه فشد عليه فما ولى حتى ضرب رأسه بالسيف فوقع الغلام لوجهه فقال يا عماه قال فجلى الحسين كما يجلى الصقر ثم شد شدة ليث أغضب فضرب عمرا بالسيف فاتقاه بالساعد فأطنها من لدن المرفق فصاح ثم تنحى عنه وحملت خيل لاهل الكوفة ليستنقذوا عمرا من حسين فاستقبلت عمرا بصدورها فحركت حوافرها وجالت الخيل بفرسانها عليه فتوطأته حتى مات وانجلت الغبرة فإذا أنا بالحسين قائم على رأس الغلام والغلام يفحص برجليه وحسين يقول بعد القوم قتلوك ومن خصمهم يوم القيامة فيك جدك ثم قال عز والله على عمك أن تدعوه فلا يجيبك أو يجيبك ثم لا ينفعك صوت والله كثر واتره وقل

[ 342 ]

ناصره ثم احتمله فكأني أنظر إلى رجلى الغلام يخطان في الارض وقد وضع حسين صدره على صدره قال فقلت في نفسي ما يصنع به فجاء به حتى ألقاه مع ابنه على ابن الحسين وقتلى قد قتلت حوله من أهله بيته فسألت عن الغلام فقيل هو القاسم ابن الحسن بن على بن أبى طالب قال ومكث الحسين طويلا من النهار كلما انتهى إليه رجل من الناس انصرف عنه وكره أن يتولى قتله وعظيم إثمه عليه قال وإن رجلا من كندة يقال له مالك بن النسير من بنى بداء أتاه فضربه على رأسه بالسيف وعليه برنس له فقطع البرنس وأصاب السيف رأسه فأدمى رأسه فامتلا البرنس دما فقال له الحسين لا أكلت بها ولا شربت وحشرك الله مع الظالمين قال فألقى ذلك البرنس ثم دعا بقلنسوة فلبسها واعتم وقد أعيا وبلد وجاء الكندى حتى أخذ البرنس وكان من خز فلما قدم به بعد ذلك على امرأته أم عبد الله ابنة الحر أخت حسين بن الحر البدى أقبل يغسل البرنس من الدم فقالت له امرأته أسلب ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تدخل بيتى أخرجه عنى فذكر أصحابه أنه لم يزل فقيرا بشر حتى مات قال ولما قعد الحسين أتى بصبى له فأجلسه في حجره زعموا أنه عبد الله بن الحسين (قال أبو مخنف) قال عقبة بن بشير الاسدي قال لى أبو جعفر محمد بن على بن الحسين إن لنا فيكم يا بنى أسد دما قال قلت فما ذنبي أنا في ذلك رحمك الله يا أبا جعفر وما ذلك قال أتى الحسين بصبى له فهو في حجره إذ رماه أحدكم يا بنى أسد بسهم فذبحه فتلقى الحسين دمه فلما ملا كفيه صبه في الارض ثم قال رب إن تك حبست عنا النصر من السماء فاجعل ذلك لما هو خير وانتقم لنا من هؤلاء الظالمين قال ورمى عبد الله بن عقبة الغنوى أبا بكر بن الحسين ابن على بسهم فقتله فلذلك يقول الشاعر وهو ابن أبى عقب وعند غنى قطرة من دمائنا * وفى أسد أخرى تعد وتذكر قال وزعموا أن العباس بن على قال لاخوته من أمه عبد الله وجعفر وعثمان يا بنى أمي تقدموا حتى أرثكم فإنه لا ولد لكم ففعلوا فقتلوا وشد هانئ بن ثبيت الحضرمي على عبد الله بن على بن أبى طالب فقتله ثم شد على جعفر بن على فقتله

[ 343 ]

وجاء برأسه ورمى خولى بن يزيد الاصبحي عثمان بن على بن أبى طالب بسهم ثم شد عليه رجل من بنى أبان بن دارم فقتله وجاء برأسه ورمى رجل من بنى أبان بن دارم محمد بن على بن أبى طالب فقتله وجاء برأسه * قال هشام حدثنى أبو الهذيل رجل من السكون عن هانئ بن ثبيت الحضرمي قال رأيته جالسا في مجلس الحضرميين في زمان خالد بن عبد الله وهو شيخ كبير قال فسمعته وهو يقول كنت ممن شهد قتل الحسين قال فوالله إنى لواقف عاشر عشرة ليس منا رجل إلا على فرس وقد جالت الخيل وتصعصعت إذ خرج غلام من آل الحسين وهو ممسك بعود من تلك الابنية عليه إزار وقميص وهو مذعور يتلفت يمينا وشمالا فكأني أنظر إلى درتين في أذنيه تذبذبان كلما التفت إذ أقبل رجل يركض حتى إذا دنا منه مال عن فرسه ثم اقتصد الغلام فقطعه بالسيف قال هشام قال السكوني هانئ بن ثبيت هو صاحب الغلام فلما عتب عليه كنى عن نفسه قال هشام حدثنى عمرو بن شمر عن جابر الجعفي قال عطش الحسين حتى اشتد عليه العطش فدنا ليشرب من الماء فرماه حصين بن تميم بسهم فوقع في فمه فجعل يتلقى الدم من فمه ويرمى به إلى السماء ثم حمد الله وأثنى عليه ثم جمع يديه فقال اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تذر على الارض منهم أحدا * قال هشام عن أبيه محمد بن السائب عن القاسم بن الاصبغ بن نباتة قال حدثنى من شهد الحسين في عسكره أن حسينا حين غلب على عسكره ركب المسناة يريد الفرات قال فقال رجل من بنى أبان بن دارم ويلكم حولوا بينه وبين الماء لا تتام إليه شيعته قال وضرب فرسه وأتبعه الناس حتى حالوا بينه وبين الفرات فقال الحسين اللهم أظمه قال وينتزع الابانى بسهم فأثبته في حنك الحسين قال فانتزع الحسين السهم ثم بسط كفيه فامتلاتا دما ثم قال الحسين اللهم إنى أشكو إليك ما يفعل بابن بنت نبيك قال فوالله إن مكث الرجل إلا يسيرا حتى صب الله عليه الظمأ فجعل لا يروى قال القاسم بن الاصبغ لقد رأيتنى فيمن يروح عنه والماء يبرد له فيه السكر وعساس فيها اللبن وقلال فيها الماء وإنه ليقول ويلكم اسقوني قتلني الظمأ فيعطى القلة

[ 344 ]

أو العس كان مرويا أهل البيت فيشربه فإذا نزعه من فيه اضطجع الهنيهة ثم يقول ويلكم اسقوني قتلني الظمأ قال فوالله ما لبث إلا يسيرا حتى انقد بطنه انقداد بطن البعير (قال أبو مخنف) في حديثه ثم إن شمر بن ذى الجوشن أقبل في نفر نحو من عشرة من رجالة أهل الكوفة قبل منزل الحسين الذى فيه ثقله وعياله فمشى نحوه فحالوا بينه وبين رحله فقال الحسين ويلكم إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون يوم المعاد فكونوا في أمر دنياكم أحرارا ذوى أحساب امنعوا رحلى وأهلي من طغامكم وجهالكم فقال ابن ذى الجوشن ذلك لك يا ابن فاطمة قال وأقدم عليه بالرجالة منهم أبو الجنوب واسمه عبد الرحمن الجعفي والقشعم ابن عمرو بن يزيد الجعفي وصالح بن وهب اليزنى وسنان بن أنس النخعي وخولى ابن يزيد الاصبحي فجعل شمر بن ذى الجوشن يحرضهم فمر بأبى الجنوب وهو شاك في السلاح فقال له أقدم عليه قال وما يمنعك أن تقدم عليه أنت فقال له شمر ألى تقول ذا قال وأنت لى تقول ذا فاستبا فقال له أبو الجنوب وكان شجاعا والله لهممت أن أخضخض السنان في عينك قال فانصرف عنه شمر وقال والله لئن قدرت على أن أضرك لاضرنك قال ثم إن شمر بن ذى الجوشن أقبل في الرجالة نحو الحسين فأخذ الحسين يشد عليهم فينكشفون عنه ثم إنهم أحاطوا به إحاطة وأقبل إلى الحسين غلام من أهله فأخذته أخته زينب ابنة على لتحبسه فقال لها الحسين احبسيه فأبى الغلام وجاء يشتد إلى الحسين فقام إلى جنبه قال وقد أهوى بحر بن كعب ابن عبيد الله من بنى تيم الله بن ثعلبة بن عكابة إلى الحسين بالسيف فقال الغلام يا ابن الخبيثة أتقتل عمى فضربه بالسيف فاتقاه الغلام بيده فأطنها إلا الجلدة فإذا يده معلقة فنادى الغلام يا أمتاه فأخذه الحسين فضمه إلى صدره وقال ايا ابن أخى اصبر على ما نزل بك واحتسب في ذلك الخير فإن الله يلحقك بآبائك الصالحين برسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى بن أبى طالب وحمزة وجعفر والحسن بن على صلى الله عليهم أجمعين (قال أبو مخنف) حدثنى سليمان بن أبى راشد عن حميد بن مسلم قال سمعت الحسين يومئذ وهو يقول اللهم أمسك عنهم قطر السماء وامنعهم

[ 345 ]

بركات الارض اللهم فإن متعتهم إلى حين ففرقهم فرقا واجعلهم طرائق قددا ولا ترض عنهم الولاة أبدا فإنهم دعونا لينصرونا فعدوا علينا فقتلونا قال وضارب الرجالة حتى انكشفوا عنه قال ولما بقى الحسين في ثلاثة رهط أو أربعة دعا بسراويل محققة يلمع فيها البصر يمانى محقق ففزره ونكثه لكيلا يسلبه فقال له بعض أصحابه لو لبست تحته تبانا قال ذلك ثوب مذلة ولا ينبغى لى أن ألبسه قال فلما قتل أقبل بحر بن كعب فسلبه إياه فتركه مجردا (قال أبو مخنف) فحدثني عمرو ابن شعيب عن محمد بن عبد الرحمن أي يدى بحر بن كعب كانتا في الشتاء ينضحان الماء وفى الصيف ييبسان كأنهما عود (قال أبو مخنف) عن الحجاج بن عبد الله ابن عمار بن عبد يغوث البارقى وعتب على عبد الله به عمار بعد ذلك مشهده قتل الحسين فقال عبد الله بن عمار إن لى عند بنى هاشم ليدا قلنا له وما يدك عندهم قال حملت على حسين بالرمح فانتهيت إليه فوالله لو شئت لطعنته ثم انصرفت عنه غير بعيد وقلت ما أصنع بأن أتولى قتله يقتله غيرى قال فشد عليه رجالة ممن عن يمينه وشماله فحمل على من عن يمينه حتى ابذعروا وعلى من عن شماله حتى ابذعروا وعليه قميص له من خز وهو معتم قال فوالله ما رأيت مكسورا قط قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشا ولا أمضى جنانا منه ولا أجرأ مقدما والله ما رأيت قبله ولا بعده مثله إن كانت الرجالة لتنكشف من عن يمينه وشماله انكشاف المعزى إذا شد فيها الذئب قال فوالله إنه لكذلك إذ خرجت زينب ابنة فاطمة أخته وكأني أنظر إلى قرطها يجول بين أذنيها وعاتقها وهى تقول ليت السماء تطابقت على الارض وقد دنا عمر بن سعد من حسين فقالت يا عمر بن سعد أيقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه قال فكأني أنظر إلى دموع عمر وهى تسيل على خديه ولحيته قال وصرف بوجهه عنها (قال أبو مخنف) حدثنى الصقعب ابن زهير عن حميد بن مسلم قال كانت عليه جبة من خز وكان معتما وكان مخضوبا بالوسمة قال وسمعته يقول قبل أن يقتل وهو يقاتل على رجليه قتال الفارس الشجاع يتقى الرمية ويفترص العورة ويشد على الخيل وهو يقول

[ 346 ]

أعلى قتلى تحاثون أما والله لا تقتلون بعدى عبدا من عباد الله الله أسخط عليكم لقتله منى وايم الله إنى لارجو أن يكرمني الله بهوانكم ثم ينتقم لى منكم من حيث لا تشعرون أما والله ان لو قد قتلتموني لقد ألقى الله بأسكم بينكم وسفك دماءكم ثم لا يرضى لكم حتى يضاعف لكم العذاب الاليم قال ولقد مكث طويلا من النهار ولو شاء الناس ان يقتلوه لفعلوا ولكنهم كان يتقى بعضهم ببعض ويحب هؤلاء أن يكفيهم هؤلاء قال فنادى شمر في الناس ويحكم ماذا تنظرون بالرجل اقتلوه ثكلتكم امهاتكم قال فحمل عليه من كل جانب فضربت كفه اليسرى ضربة ضربها زرعة بن شريك التميمي وضرب على عاتقه ثم انصرفوا وهو ينوء ويكبو قال وحمل عليه في تلك الحال سنان بن أنس بن عمرو النخعي فطعنه بالرمح فوقع ثم قال لخولي بن يزيد الاصبحي احتز رأسه فأراد أن يفعل فضعف فأرعد فقال له سنان بن أنس فت الله عضديك وأبان يديك فنزل إليه فذبحه واحتز رأسه ثم دفع إلى خولى بن يزيد وقد ضرب قبل ذلك بالسيوف (قال أبو مخنف) عن جعفر ابن محمد بن على قال وجد بالحسين عليه السلام حين قتل ثلاث وثلاثون طعنة وأربع وثلاثون ضربة قال وجعل سنان بن أنس لا يدنو أحد من الحسين إلا شد عليه مخافة أن يغلب على رأسه حتى أخذ رأس الحسين فدفعه إلى خولى قال وسلب الحسين ما كان عليه فأخذ سراويله بحر بن كعب وأخذ قيس بن الاشعث قطيفته وكانت من خز وكان يسمى بعد قيس قطيفة وأخذ نعليه رجل من بنى أود يقال له الاسود وأخذ سيفه رجل من بنى نهشل بن دارم فوقع بعد ذلك إلى أهل حبيب بن بديل قال ومال الناس على الورس والحلل والابل وانتهبوها قال ومال الناس على نساء الحسين وثقله ومتاعه فإن كانت المرأة لتنازع ثوبها عن ظهرها حتى تغلب عليه فيذهب به منها (قال أبو مخنف) حدثنى زهير بن عبد الرحمن الخثعمي أن سويد بن عمرو بن أبى المطاع كان صرع فأثخن فوقع بين القتلى مثخنا فسمعهم يقولون قتل الحسين فوجد فاقة فإذا معه سكين وقد أخذ سيفه فقاتلهم بسكينه ساعة ثم إنه قتل قتله عروة بن بطار التغلبي وزيد

[ 347 ]

ابن رقاد الجنبى وكان آخر قتيل (قال أبو مخنف) حدثنى سليمان بن أبى راشد عن حميد بن مسلم قال انتهيت إلى على بن الحسين بن على الاصغر وهو منبسط على فراش له وهو مريض وإذا شمر بن ذى الجوشن في رجالة معه يقولون ألا نقتل هذا قال فقلت سبحان الله أنقتل الصبيان إنما هذا صبى قال فما زال ذلك دأبي أدفع عنه كل من جاء حتى جاء عمر بن سعد فقال ألا لا يدخلن بيت هؤلاء النسوة أحد ولا يعرضن لهذا الغلام المريض ومن أخذ من متاعهم شيئا فليرده عليهم قال فوالله ما رد أحد شيئا قال فقال على بن الحسين جزيت من رجل خيرا فوالله لقد دفع الله عنى بمقالتك شرا قال فقال الناس لسنان بن أنس قتلت حسين بن على وابن فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قتلت أعظم العرب خطرا جاء إلى هؤلاء يريد أن يزيلهم عن ملكهم فأت أمراءك فاطلب ثوابهم وإنهم لو أعطوك بيوت أموالهم في قتل الحسين كان قليلا فأقبل على فرسه وكان شجاعا شاعرا وكانت به لوثة فأقبل حتى وقف على باب فسطاط عمر بن سعد ثم نادى بأعلى صوته أوقر ركابي فضة وذهبا * أنا قتلت الملك المحجبا قتلت خير الناس أما وأبا * وخيرهم إذ ينسبون نسبا فقال عمر بن سعد أشهد أنك لمجنون ما صحوت قط أدخلوه على فلما أدخل حذفه بالقضيب ثم قال يا مجنون أتتكلم بهذا الكلام أما والله لو سمعك ابن زياد لضرب عنقك قال وأخذ عمر بن سعد عقبة بن سمعان وكان مولى للرباب بنت امرئ القيس الكلبية وهى أم سكينة بنت الحسين فقال له ما أنت قال أنا عبد مملوك فخلى سبيله فلم ينج منهم أحد عيره إلا أن المرقع بن ثمامة الاسدي كان قد نثر نبله وجثا على ركبتيه فقاتل فجاءه نفر من قومه فقالوا له أنت آمن اخرج الينا فخرج إليهم فلما قدم بهم عمر بن سعد على ابن زياد وأخبره خبره سيره إلى الزارة قال ثم ان عمر بن سعد نادى في أصحابه من ينتدب للحسين ويوطئه فرسه فانتدب عشرة منهم اسحاق بن حيوة الحضرمي وهو الذى سلب قميص الحسين فبرص بعد وأحبش بن مرثد بن علقمة بن سلامة الحضرمي فأتوا فداسوا الحسين بخيولهم حتى رضوا ظهره وصدره فبلغني أن أحبش

[ 348 ]

ابن مرثد بعد ذلك بزمان أتاه سهم غرب وهو واقف في قتال ففلق قلبه فمات قال فقتل من أصحاب الحسين عليه السلام اثنان وسبعون رجلا ودفن الحسين وأصحابه أهل الغاضرية من بنى أسد بعد ما قتلوا بيوم وقتل من أصحاب عمر بن سعد ثمانية وثمانون رجلا سوى الجرحى فصلى عليهم عمر بن سعد ودفنهم قال وما هو إلا أن قتل الحسين فسرح برأسه من يومه ذلك مع خولى بن يزيد وحميد بن مسلم الازدي إلى عبيدالله بن زياد فأقبل به خولى فأراد القصر فوجد باب القصر مغلقا فأتى منزله فوضعه تحت اجانة في منزله وله امرأتان امرأة من بنى أسد والاخرى من الحضرميين يقال لها النوار ابنة مالك بن عقرب وكانت تلك الليلة ليلة الحضرمية قال هشام فحدثني أبى عن النوار بنت مالك قالت أقبل خولى برأس الحسين فوضعه تحت اجانة في الدار ثم دخل البيت فأوى إلى فراشه فقلت له ما الخبر ما عندك قال جئتك بغنى الدهر هذا رأس الحسين معك في الدار قالت فقلت ويلك جاء الناس بالذهب والفصة وجئت برأس ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا والله لا يجمع رأسي ورأسك بيت أبدا قالت فقمت من فراشي فخرجت إلى الدار فدعا الاسدية فأدخلها إليه وجلست أنظر قالت فوالله ما زلت أنظر إلى نور يسطع مثل العمود من السماء إلى الاجانة ورأيت طيرا بيضا ترفوف حولها قال فلما أصبح غدا بالرأس إلى عبيدالله ابن زياد وأقام عمر بن سعد يومه ذلك والغد ثم أمر حميد بن بكير الاحمري فأذن في الناس بالرحيل إلى الكوفة وحمل معه بنات الحسين وأخواته ومن كان معه من الصبيان وعلى بن الحسين مريض (قال أبو مخنف) فحدثني أبو زهير العبسى عن قرة بن قيس التميمي قال نظرت إلى تلك النسوة لما مررن بحسين وأهله وولده صحن ولطمن وجوههن قال فاعترضتهن على فرس فما رأيت منظرا من نسوة قط كان أحسن من منظر رأيته منهن ذلك والله لهن أحسن من مهى يبرين قال فما نسيت من الاشياء لا أنسى قول زينب ابنة فاطمة حين مرت بأخيها الحسين صريعا وهى تقول يا محمداه يا محمداه صلى عليك ملائكة السماء هذا الحسين بالعرا مرمل بالدما مقطع الاعضا يا محمداه وبناتك سبايا وذريتك مقتلة تسفى عليها الصبا قال فأبكت

[ 349 ]

والله كل عدو وصديق قال وقطف رؤوس الباقين فسرح باثنين وسبعين رأسا مع شمر بن ذى الجوشن وقيس بن الاشعث وعمر بن الحجاج وعزرة بن قيس فأقبلوا حتى قدموا بها على عبيدالله بن زياد (قال أبو مخنف) حدثنى سليمان بن أبى راشد عن حميد بن مسلم قال دعاني عمر بن سعد فسرحني إلى أهله لابشرهم بفتح الله عليه وبعافيته فأقبلت حتى أتيت أهله فأعلمتهم ذلك ثم أقبلت حتى أدخل فأجد ابن زياد قد جلس للناس وأجد الوفد قد قدموا عليه فأدخلهم وأذن للناس فدخلت فيمن دخل فإذا رأس الحسين موضوع بين يديه وإذا هو ينكت بقضيب بين ثنيتيه ساعة فلما رآه زيد بن أرقم لا ينجم عن نكته بالقضيب قال له اعل بهذا القضيب عن هاتين الثنيتين فوالذي لا إله غيره لقد رأيت شفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم على هاتين الشفتين يقبلهما ثم انفضخ الشيخ يبكى فقال له ابن زياد أبكى الله عينيك فوالله لولا أنك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك قال فنهض فخرج فلما خرج سمعت الناس يقولون والله لقد قال زيد بن أرقم قولا لو سمعه ابن زياد لقتله قال فقلت ما قال قالوا مر بنا وهو يقول ملك عبد عبدا فاتخذهم تلدا أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم قتلتم ابن فاطمة وأمرتم ابن مرجانة فهو يقتل خياركم ويستعبد شراركم فرضيتم بالذل فبعدا لمن رضى بالذل قال فلما دخل برأس حسين وصبيانه وأخواته ونسائه على عبيدالله بن زياد لبست زينب ابنة فاطمة أرذل ثيابها وتنكرت وحف بها إماؤها فلما دخلت جلست فقال عبيدالله ابن زياد من هذه الجالسة فلم تكلمه فقال ذلك ثلاثا كل ذلك لا تكلمه فقال بعض إمائها هذه زينب ابنة فاطمة قال فقال لها عبيد الله الحمد لله الذى فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم فقالت الحمد لله الذى أكرمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم وطهرنا تطهيرا لا كما تقول أنت إنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر قال فكيف رأيت صنع الله بأهل بيتك قالت كتب عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجون إليه وتخاصمون عنده قال فغضب ابن زياد واستشاط قال فقال له عمرو بن حريث أصلح الله الامير إنما هي امرأة وهل تؤاخذ المرأة

[ 350 ]

بشئ من منطقها انها لا تؤاخذ بقول ولا تلام على خطل فقال لها ابن زياد قد أشفى الله نفسي من طاغيتك والعصاة المردة من أهل بيتك قال فبكت ثم قالت لعمري لقد قتلت كهلى وأبرت أهلى وقطعت فرعى واجثثت أصلى فان يشفك هذا فقد اشتفيت فقال لها عبيد الله هذه الشجاعة قد لعمري كان أبوك شاعرا شجاعا قالت ما للمرأة والشجاعة إن لى عن الشجاعة لشغلا ولكني نفثى ما أقول (قال أبو مخنف) عن المجالد بن سعيد إن عبيد الله بن زياد لما نظر إلى على بن الحسين قال لشرطي انظر هل أدرك هذا ما يدرك الرجال فكشط إزاره عنه فقال نعم قال انطلقوا به فاضربوا عنقه فقال له على إن كان بينك وبين هؤلاء النسوة قرابة فابعث معهن رجلا يخافظ عليهن فقال له ابن زياد تعال أنت فبعثه معهن (قال أبو مخنف) وأما سليمان بن أبى راشد فحدثني عن حميد بن مسلم قال إنى لقائم عند ابن زياد حين عرض عليه على بن الحسين فقال له ما اسمك قال أنا على بن الحسين قال أولم يقتل الله على بن الحسين فسكت فقال له ابن زياد مالك لا تتكلم قال قد كان لى أخ يقال له أيضا على فقتله الناس قال إن الله قد قتله قال فسكت على فقال له مالك لا تتكلم قال الله يتوفى الانفس حين موتها وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله قال أنت والله منهم ويحك انظروا هل أدرك والله إنى لاحسبه رجلا قال فكشف عنه مرى بن معاذ الاحمري فقال نعم قد أدرك فقال اقتله فقال على بن الحسين من توكل بهؤلاء النسوة وتعلقت به زينب عمته فقالت يا ابن زياد حسبك منا أما رويت من دمائنا وهل أبقيت منا أحدا قال فاعتنقته فقالت أسألك بالله إن كنت مؤمنا إن قتلته لما قتلتنى معه قال وناداه على فقال يا ابن زياد إن كنت بينك وبينهم قرابة فابعث معهن رجل تقيا يصحبهن بصحبة الاسلام قال فنظر إليها ساعة ثم نظر إلى القوم فقال عجبا للرحم والله إنى لاظنها ودت له أنى قتلته أنى قتلتها معه دعوا الغلام انطلق مع نسائك قال حميد بن مسلم لما دخل عبيدالله القصر ودخل الناس نودى الصلاة جامعة فاجتمع الناس في المسجد الاعظم فصعد المنبر ابن زياد فقال الحمد لله الذى أظهر الحق وأهله ونصر أمير المؤمنين يزيد بن معاوية وحزبه

[ 351 ]

وقتل الكذاب ابن الكذاب الحسين بن على وشيعته فلم يفرغ ابن زياد من مقالته حتى وثب إليه عبد الله بن عفيف الازدي ثم الغامدى ثم أحد بنى والبة وكان من شيعة على كرم الله وجهه وكانت عينه اليسرى ذهبت يوم الجمل مع على فلما كان يوم صفين ضرب على رأسه صربة وأخرى على حاجبه فذهبت عينه الاخرى فكان لا يكاد يفارق المسجد الاعظم يصلى فيه إلى الليل ثم ينصرف قال فلما سمع مقالة ابن زياد قال يا ابن مرجانة إن الكذاب ابن الكذاب أنت وأبوك والذى ولاك وأبوه يا ابن مرجانة أتقتلون ابناء النبيين وتكلمون بكلام الصديقين فقال ابن زياد على به قال فوثبت عليه الجلاوزة فأخذوه قال فنادى بشعار الازد يا مبرور قال وعبد الرحمن بن مخنف الازدي جالس فقال ويح غيرك أهلكت نفسك وأهلكت قومك قال وحاضر الكوفة يومئذ من الازد سبعمائة مقاتل قال فوثب إليه فتية من الازد فانتزعوه فأتوا به أهله فأرسل إليه من أتاه به فقتله وأمر بصلبه في السبخة فصلب هنالك (قال أبو مخنف) ثم إن عبيدالله بن زياد نصب رأس الحسين بالكوفة فجعل يدار به في الكوفة ثم دعا زحر بن قيس فسرح معه برأس الحسين ورؤس أصحابه إلى يزيد بن معاوية وكان مع زحر أبو بردة بن عوف الازدي وطارق بن أبى ظبيان الازدي فخرجوا حتى قدموا بها الشأم على يزيد بن معاوية قال هشام فحدثني عبد الله بن يزيد بن روح بن زنباع الجذامي عن أبيه عن الغاز بن ربيعة الجرشى من حمير قال والله إنا لعند يزيد بن معاوية بدمشق إذ أقبل زحر بن قيس حتى دخل على يزيد بن معاوية فقال له يزيد ويلك ما وراءك وما عندك فقال أبشر يا أمير المؤمنين بفتح الله ونصره ورد علينا الحسين بن على في ثمانية عشر من أهل بيته وستين من شيعته فسرنا إليهم فسألناهم أن يستسلموا وينزلوا على حكم الامير عبيد الله بن زياد أو القتال فاختاروا القتال على الاستسلام فعدونا عليهم مع شروق الشمس فأحطنا بهم من كل ناحية حتى إذا اخذت السيوف مأخذها من هام القوم يهربون إلى غير وزر ويلوذون منا بالآكام والحفر لواذا كما لاذ الحمائم من صقر فوالله يا أمير المؤمنين ما كان إلا جزر جزور أو نومة قائل

[ 352 ]

حتى أتينا على آخرهم فهاتيك أجسادهم مجردة وثيابهم مرملة وخدودهم معفرة تصهرهم الشمس وتسفى عليهم الريح زوارهم العقبان والرخم بقى سبسب قال فدمعت عين يزيد وقال قد كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين لعن الله ابن سمية أما والله لو أنى صاحبه لعفوت عنه فرحم الله الحسين ولم يصله بشئ قال ثم إن عبيد الله أمر بنساء الحسين وصبيانه فجهزن وأمر بعلى بن الحسين فغل بغل إلى عنقه ثم سرح بهم مع محفز بن ثعلبة العائذى عائذة قريش ومع شمر بن ذى الجوشن فانطلقا بهم حتى قدموا على يزيد فلم يكن على بن الحسين يكلم أحدا منهما في الطريق كلمة حتى بلغوا فلما انتهوا إلى باب يزيد رفع محفز بن ثعلبة صوته فقال هذا محفز بن ثعلبة أتى أمير المؤمنين باللئام الفجرة قال فأجابه يزيد بن معاوية ما ولدت أم محفز شر وألام (قال أبو مخنف) حدثنى الصقعب بن زهير عن القاسم ابن عبد الرحمن مولى يزيد بن معاوية قال لما وضعت الرؤوس بين يدى يزيد رأس الحسين وأهل بيته وأصحابه قال يزيد يفلقن هاما من رجال أعزة * علينا وهم كانوا اعق وأظلما أما والله يا حسين لو أنا صاحبك ما قتلتك (قال أبو مخنف) حدثنى أبو جعفر العبسى عن أبى عمارة العبسى قال فقال يحيى بن الحكم أخو مروان بن الحكم لهام بجنب الطف أدنى قرابة * من ابن زياد العبد ذى الحسب الوغل سمية أمسى نسلها عدد الحصى * وليس لآل المصطفى اليوم من نسل قال فضرب يزيد بن معاوية في صدر يحيى بن الحكم وقال اسكت قال ولما جلس يزيد بن معاوية دعا أشراف أهل الشأم فأجلسهم حوله ثم دعا بعلى بن الحسين وصبيان الحسين ونساءه فأدخلوا عليه والناس ينظرون فقال يزيد لعلى يا على أبوك الذى قطع رحمى وجهل حقى ونازعني سلطاني فصنع الله به ما قد رأيت قال فقال على ما أصاب من مصيبة في الارض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها فقال يزيد لابنه خالد اردد عليه قال فما درى خالد ما يرد عليه فقال له يزيد قل ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ثم سكت عنه قال ثم

[ 353 ]

دعا بالنساء والصبيان فأجلسوا بين يديه فرأى هيئة قبيحة فقال قبح الله ابن مرجانة لو كانت بينه وبينكم رحم أو قرابة ما فعل هذا بكم ولا بعث بكم هكذا (قال أبو مخنف) عن الحارث بن كعب عن فاطمة بنت على قالت لما أجلسنا بين يدى يزيد ابن معاوية رق لنا وأمر لنا بشئ وألطفنا قالت ثم إن رجلا من أهل الشأم أحمر قام إلى يزيد فقال يا أمير المؤمنين هب لى هذه يعنينى وكنت جارية وضيئة فأرعدت وفرقت وظننت أن ذلك جائز لهم وأخذت بثياب أختى زينب قالت وكانت أختى زينب أكبر منى وأعقل وكانت تعلم أن ذلك لا يكون فقالت كذبت والله ولؤمت ما ذلك لك وله فغضب يزيد فقال كذبت والله إن ذلك لى ولو شئت أن أفعله لفعلت قالت كلا والله ما جعل الله ذلك لك إلا أن تخرج من ملتنا وتدين بغير ديننا قالت فغضب يزيد واستطار ثم قال إياى تستقبلين بهذا إنما خرج من الدين أبوك وأخوك فقالت زينب بدين الله ودين أبى ودين أخى وجدى اهتديت أنت وأبوك وجدك قال كذبت يا عدوة الله قالت أنت أمير مسلط تشتم ظالما وتقهر بسلطانك قالت فوالله لكأنه استحيا فسكت ثم عاد الشامي فقال يا أمير المؤمنين هب لى هذه الجارية قال أعزب وهب الله لك حتفا قاضيا قالت ثم قال يزيد بن معاوية يا نعمان بن بشير جهزهم بما يصلحهم وابعث معهم رجلا من أهل الشأم أمينا صالحا وابعث معه خيلا وأعوانا فيسير بهم إلى المدينة ثم أمر بالنسوة أن ينزلن في دار على حدة معهن ما يصلحهن وأخوهن معهن على بن الحسين في الدار التى هن فيها قال فخرجن حتى دخلن دار يزيد فلم تبق من آل معاوية امرأة الا استقبلتهن تبكى وتنوح على الحسين فأقاموا عليه المناحة ثلاثا وكان يزيد لا يتغدى ولا يتعشى إلا دعا على بن الحسين إليه قال فدعاه ذات يوم ودعا عمرو بن الحسن بن على وهو غلام صغير فقال لعمرو بن الحسن أتقاتل هذا الفتى يعنى خالدا ابنه قال لا ولكن أعطني سكينا وأعطه سكينا ثم أقاتله فقال له يزيد وأخذه فضمه إليه ثم قال شنشنة أعرفها من أخزم هل تلد الحية إلا حية قال ولما أرادوا أن يخرجوا دعا يزيد على بن الحسين ثم قال لعن الله ابن مرجانة أما والله لو أنى صاحبه ما سألني خصلة أبدا الا أعطيتها

[ 354 ]

إياه ولدفعت الحتف عنه بكل ما استطعت ولو بهلاك بعض ولدى ولكن الله قضى ما رأيت كاتبني وأنه كل حاجة تكون لك قال وكساهم وأوصى بهم ذلك الرسول قال فخرج بهم وكان يسايرهم بالليل فيكونون أمامه حيث لا يفوتون طرفه فإذا نزلوا تنحى عنهم وتفرق هو وأصحابه حولهم كهيئة الحرس لهم وينزل منهم بحيث إذا أراد إنسان منهم وضوءا أو قضاء حاجة لم يحتشم فلم يزل ينازلهم في الطريق هكذا ويسألهم عن حوائجهم ويلطفهم حتى دخلوا المدينة وقال الحارث ابن كعب فقالت لى فاطمة بنت على قلت لاختى زينب يا أخية لقد أحسن هذا الرجل الشأمى الينا في صحبتنا فهل لك أن نصله فقالت والله ما معنا شئ نصله به إلا حلينا قالت لها فنعطيه حلينا قالت فأخذت سوارى ودملجى وأخذت أختى سوارها ودملجها فبعثنا بذلك إليه واعتذرنا إليه وقلنا له هذا جزاؤك بصحبتك إيانا بالحسن من الفعل قال فقال لو كان الذى صنعت إنما هو للدنيا كان في حليكن ما يرضينى ودونه ولكن والله ما فعلته إلا لله ولقرابتكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم (قال هشام) وأما عوانة بن الحكم الكلبى فإنه قال لما قتل الحسين وجئ بالاثقال والاسارى حتى وردوا بهم الكوفة إلى عبيدالله فبينا القوم محتبسون إذ وقع حجر في السجن معه كتاب مربوط وفى الكتاب خرج البريد بأمركم في يوم كذا وكذا إلى يزيد بن معاوية وهو سائر كذا وكذا يوما وراجع في كذا وكذا فان سمعتم التكبير فأيقنوا بالقتل وإن لم تسمعوا تكبيرا فهو الامان إن شاء الله قال فلما كان قبل قدوم البريد بيومين أو ثلاثة إذا حجر قد ألقى في السجن ومعه كتاب مربوط وموسى وفى الكتاب أوصوا واعهدوا فإنما ينتظر البريد يوم كذا وكذا فجاء البريد ولا يسمع الكتبير وجاء كتاب بأن سرح الاسارى إلى قال فدعا عبيد الله بن زياد محفز بن ثعلبة وشمر بن ذى الجوشن فقال انطلقوا بالثقل والرأس إلى أمير المؤمنين يزيد بن معاوية قال فخرجوا حتى قدموا على يزيد فقام محفز بن ثعلبة فنادى بأعلى صوته جئنا برأس أحمق الناس وألامهم فقال يزيد ما ولدت أم محفر ألام وأحمق ولكنه قاطع ظالم قال فلما

[ 355 ]

نظر يزيد إلى رأس الحسين قال يفلقن هاما من رجال أعزة * علينا وهم كانوا أعق وأظلما ثم قال أتدرون من أين أتى هذا قال أبى على خير من أبيه وأمى فاطمة خير من أمه وجدى رسول الله خير من جده وأنا خير منه وأحق بهذا الامر منه فأما قوله أبوه خير من أبى فقد حاج أبى أباه وعلم الناس أيهما حكم له وأما قوله أمي خير من أمه فلعمري فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من أمي وأما قوله جدى خير جده فلعمري ما أحد يؤمن بالله واليوم الآخر يرى لرسول الله فينا عدلا ولا ندا ولكنه إنما أنى من قبل فقهه ولم يقرأ (قل اللهم مالك الملك تؤت الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الحير إنك على كل شئ قدير) ثم أدخل نساء الحسين على يزيد فصاح نساء آل يزيد وبنات معاوية وأهله وولولن ثم إنهن أدخلن على يزيد فقالت فاطمة بنت الحسين وكانت أكبر من سكينة أبنات رسول الله سبايا يا يزيد فقال يزيد يا ابنة أخى أنا لهذا كنت أكره قالت والله ما ترك لنا خرص قال يا ابنة أخى ما آتى إليك أعظم مما أخذ منك ثم أخرجن فأدخلن دار يزيد بن معاوية فلم تبق امرأة من آل يزيد إلا أتتهن وأقمن المأتم وأرسل يزيد إلى كل امرأة ماذا أخذ لك وليس منهن امرأة تدعى شيئا بالعا ما بلغ إلا قد أضعفه لها فكانت سكينة تقول ما رأيت رجلا كافرا بالله خيرا من يزيد بن معاوية ثم أدخل الاسارى إليه وفيهم على بن الحسين فقال له يزيد إيه يا على فقال على ما أصاب من مصيبة في الارض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور فقال يزيد ما أصاب من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير ثم جهزه وأعطاه مالا وسرحه إلى المدينة (قال هشام) عن أبى مخنف قال حدثنى أبو حمزة الثمالى عن عبد الله الثمالى عن القاسم بن بخيت قال لما أقبل وفد أهل الكوفة برأس الحسين دخلوا مسجد دمشق فقال لهم مروان بن الحكم كيف صنعتم قالوا

[ 356 ]

ورد علينا منهم ثمانية عشر رجلا فأتينا والله على آخرهم وهذه الرؤوس والسبايا فوثب مروان فانصرف وأتاهم أخوه يحيى بن الحكم فقال ما صنعتم فأعادوا عليه الكلام فقال حجبتم عن محمد يوم القيامة لن أجامعكم على أمر أبدا ثم قام فانصرف ودخلوا على يزيد فوضعوا الرأس بين يديه وحدثوه الحديث قال فسمعت دور الحديث هند بنت عبد الله بن عامر بن كريز وكانت تحت يزيد بن معاوية فتقنعت بثوبها وخرجت فقالت يا أمير المؤمنين أرأس الحسين بن فاطمة بنت رسول الله قال نعم فاعولى عليه وحدي على ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصريحة قريش عجل عليه ابن زياد فقتله قتله الله ثم أذن للناس فدخلوا والرأس بين يديه ومع يزيد قضيب فهو ينكت به في ثغره ثم قال إن هذا وإيانا كما قال الحصين ابن الحمام المرى يفلقن هاما من رجال أحبة * إلينا وهم كانوا أعق وأظلما قال فقال رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له أبو برزة الاسلمي أتنكت بقضيبك في ثغر الحسين أما لقد أخذ قضيبك من ثغره مأخذا لربما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرشفه أما إنك يا يزيد تجئ يوم القيامة وابن زياد شفيعك ويجئ هذا يوم القيامة ومحمد صلى الله عليه وسلم شفيعه ثم قام فولى قال هشام حدثنى عوانة بن الحكم قال لما قتل عبيدالله بن زياد الحسين بن على وجئ برأسه إليه دعا عبد الملك بن أبى الحارث السلمى فقال انطلق حتى تقدم المدينة على عمرو بن سعيد بن العاص فبشره بقتل الحسين وكان عمرو بن سعيد ابن العاص أمير المدينة يومئذ قال فذهب ليعتل له فزجره وكان عبيدالله لا يصطلى بنارة فقال انطلق حتى تأتى المدينة ولا يسبقك الخبر وأعطاه دنانير وقال لا تعتل وإن قامت بك راحلتك فاشتر راحلة قال عبد الملك فقدمت المدينة فلقينى رجل من قريش فقال ما الخبر فقلت الخبر عند الامير فقال إنا لله وإنا إليه راجعون قتل الحسين بن على قال فدخلت على عمرو بن سعيد فقال ما وراءك فقلت ما سر الامير قتل الحسين بن على فقال نادى بقتله فناديت بقتله فلم أسمع والله واعية قط

[ 357 ]

مثل واعية نساء بنى هاشم في دورهن على الحسين فقال عمرو بن سعيد وضحك عجت نساء بنى زياد عجة * كعجيج نسوتنا غداة الارنب والارنب وقعة كانت لبنى زبيد على بنى زياد من بنى الحارث بن كعب من رهط عبد المدان وهذا البيت لعمرو بن معد يكرب ثم قال عمرو هذه واعية بواعية عثمان ابن عفان ثم صعد المنبر فأعلم الناس قتله (قال هشام) عن أبى مخنف عن سليمان ابن أبى راشد عن عبد الرحمن بن عبيد أبى الكنود قال لما بلغ عبد الله بن جعفر ابن أبى طالب مقتل ابنيه مع الحسين دخل عليه بعض مواليه والناس يعزونه قال ولا أظن مولاه ذلك إلا أبا اللسلاس فقال هذا مالقينا ودخل علينا من الحسين قال فخذفه عبد الله بن جعفر بنعله ثم قال يا ابن اللخناء أللحسين تقول هذا والله لو شهدته لاحببت أنا لا أفارقه حتى أقتل معه والله إنما لمما يسخى بنفسى عنهما ويهون على المصاب بهما إنهما أصيبا مع أخى وابن عمى مواسيين له صابرين معه ثم أقبل على جلسائه فقال الحمد لله عزوجل على بمصرع الحسين أن لا يكن آست حسينا يدى فقد آساه ولدى قال ولما أتى أهل المدينة مقتل الحسين خرجت ابنة عقيل بن أبى طالب ومعها نساؤها وهى حاسرة تلوى بثوبها وهى تقول ماذا تقولون إن قال النبي لكم * ماذا فعلتم وأنتم آخر الامم بعترتي وبأهلي بعد مفتقدى * منهم أسارى ومنهم ضرجوا بدم (قال هشام) عن عوانة قال قال عبيدالله بن زياد لعمر بن سعد بعد قتله الحسين يا عمر أين الكتاب الذى كتبت به إليك في قتل الحسين قال مضيت لامرك وضاع الكتاب قال لتجيئن به قال ضاع قال والله لتجيئني به قال ترك والله يقرأ على عجائز قريش اعتذارا إليهن بالمدينة أما والله لقد نصحتك في حسين نصيحة لو نصحتها أبى سعد بن أبى وقاص كنت قد أديت حقه قال عثمان ابن زياد أخو عبيدالله صدق والله لوددت أنه ليس من بنى زياد رجل الا وفى أنفه خزامة إلى يوم القيامة وأن حسينا لم يقتل قال فوالله ما أنكر ذلك عليه عبيدالله (قال هشام) حدثنى بعض أصحابنا عن عمرو بن أبى المقدام

[ 358 ]

قال حدثنى عمرو بن عكرمة قال أصبحنا صبيحة قتل الحسين بالمدينة فإذا مولى لنا يحدثنا قال سمعت البارحة مناديا ينادى وهو يقول أيها القائلون جهلا حسينا * أبشروا بالعذاب والتنكيل كل أهل السماء يدعو عليكم * من نبى وملك وقبيل قد لعنتم على لسان ابن داو * د وموسى وحامل الانجيل (قال هشام) حدثنى عمر بن حيزوم الكلبى عن أبيه قال سمعت هذا الصوت ذكر أسماء من قتل من بنى هاشم مع الحسين عليه السلام وعدد من قتل من كل قبيلة من القبائل التى قاتلته (قال هشام) قال أبو مخنف ولما قتل الحسين بن على عليه السلام جئ برؤوس من قتله معه من أهل بيته وشيعته وأنصاره إلى عبيدالله بن زياد فجاءت كندة بثلاثة عشر رأسا وصاحبهم قيس بن الاشعث وجاءت هوازن بعشرين رأسا وصاحبهم شمر بن ذى الجوشن وجاءت تميم بسبعة عشر رأسا وجاءت بنو أسد بستة أرؤس وجاءت مذحج بسبعة أرؤس وجاء سائر الجيش بسبعة أرؤس فذلك سبعون رأسا قال وقتل الحسين وأمه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قتله سنان بن أنس النخعي ثم الاصبحي وجاء برأسه خولى ابن يزيد وقتل العباس بن على بن أبى طالب وأمه أم البنين ابنة حزام بن خالد ابن ربيعة بن الوحيد قتله زيد بن رقاد رقاد الجنبى وحكيم بن الطفيل السنسى وقتل جعفر بن على بن أبى طالب وامه أم البنين ايضا وقتل عبد الله بن على بن أبى طالب وأمه أم البنين أيضا وقتل عثمان بن على بن أبى طالب وأمه أم البنين أيضا رماه خولى بن يزيد بسهم فقتله وقتل محمد بن على بن أبى طالب وأمه أم ولد قتله رجل منى بنى أبان بن دارم وقتل أبو بكر بن على بن أبى طالب وأمه ليلى ابنة مسعود بن خالد بن مالك بن ربعى بن سلمى بن جندل بن نهشل بن دارم وقد شك في قتله وقتل على بن الحسين بن على وأمه ليلى ابنة أبى مرة بن عروة بن مسعود بن معتب الثقفى وأمها ميمونة ابنة أبى سفيان بن حرب قتله مرة بن منقذ

[ 359 ]

ابن النعمان العبدى وقتل عبد الله بن الحسين بن على وأمه الرباب ابنة امرئ القيس ابن عدى بن أوس بن جابر بن كعب بن عليم من كلب قتله هانئ بن ثبيت الحضرمي واستصغر على بن الحسين بن على فلم يقتل وقتل أبو بكر بن الحسن ابن على بن أبى طالب وأمه أم ولد قتله عبد الله بن عقبة الغنوى وقتل عبد الله ابن الحسن ن على بن أبى طالب وأمه أم ولد قتله حرملة بن الكاهن رماه بسهم وقتل القاسم ابن الحسن بن على وأمه أم ولد قتله سعد بن عمرو بن نفيل الازدي وقتل عون بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب وأمه جمانة ابنة المسيب بن نجبة بن ربيعة بن رياح من بنى فزارة قتله عبد الله بن قطبة الطائى ثم النبهاني وقتل محمد ابن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب أمه الخوصاء ابنة خصفة بن ثقيف بن ربيعة ابن عائذ بن الحارث بن تيم الله بن ثعلبة من بكر بن وائل قتله عامر بن نهشل التيمى وقتل جعفر بن عقيل بن أبى طالب وأمه أم البنين ابنة الشقر بن الهضاب قتله بشر بن حوط الهمداني وقتل عبد الرحمن بن عقيل وأمه أم ولد قتله عثمان بن خالد بن أسير الجهنى وقتل عبد الله بن عقيل بن أبى طالب وأمه أم ولد رماه عمرو ابن صبيح الصدائى فقتله مسلم بن عقيل بن أبى طالب وأمه أم ولد ولد بالكوفة وقتل عبد الله بن مسلم بن عقيل بن أبى طالب وأمه رقية ابنة على بن أبى طالب وأمها أم ولد قتله عمرو بن صبيح الصدائى وقيل قتله أسيد بن مالك الحضرمي وقتل محمد بن أبى سعيد بن عقيل وأمه أم ولد قتله لقيط بن ياسر الجهنى واستصغر الحسن بن الحسن بن على وأمه خولة ابنة منظور بن زيان بن سيار الفزارى واستصغر عمرو بن الحسن بن على فترك فلم يقتل وأمه أم ولد وقتل من الموالى سليمان مولى الحسين بن على قتله سليمان بن عوف الحضرمي وقتل منجح مولى الحسين بن على وقتل عبد الله بن بقطر رضيع الحسين بن على (قال أبو مخنف) حدثنى عبد الرحمن بن جندب الازدي أن عبيدالله بن زياد بعد قتل الحسين تفقد أشراف أهل الكوفة فلم ير عبيدالله بن الحر ثم جاءه بعد أيام حتى دخل عليه فقال أين كنت يا ابن الحر قال كنت مريضا قال مريض القلب أو مريض البدن

[ 360 ]

قال أما قلبى فلم يمرض وأما بدنى فقد من الله على بالعافية فقال له ابن زياد كذبت ولكنك كنت مع عدونا قال لو كنت مع عدوك لرئ مكاني وما كان مثل مكاني يخفى قال وغفل عنه ابن زياد غفلة فخرج ابن الحر فقعد على فرسه فقال ابن زياد أين ابن الحر قالوا خرج الساعة قال على به فأحضرت الشرط فقالوا له أجب الامير فدفع فرسه ثم قال أبلغوه أنى لا آتيه والله طائعا أبدا ثم خرج حتى أتى منزل أحمر بن زياد الطائى فاجتمع إليه في منزله أصحابه ثم خرج حتى أتى كربلاء فنظر إلى مصارع القوم فاستغفر لهم هو وأصحابه ثم مضى حتى نزل المدائن وقال في ذلك يقول أمير غادر حق غادر * ألا كنت قاتلت الشهيد ابن فاطمة فيا ندمي أن لا أكون نصرته * ألا كل نفس لا تسدد نادمه وإنى لانى لم أكن من حماته * لذو حسرة ما إن تفارق لازمه سقى الله أرواح الذين تأزروا * على نصره سقيا من الغيث دائمه وقفت على أجداثهم ومجالهم * فكاد الحشى ينفض والعين ساجمه لعمري لقد كانوا مصاليت في الوغى * سراعا إلى الهيجا حماة خضارمه تأسوا على نصر ابن بنت نبيهم * بأسيافهم آساد غيل ضراغمه فإن يقتلوا فكل نفس تقية * على الارض قد أضحت لذلك واجمه وما إن رأى الراؤن أفضل منهم * لدى الموت سادات وزهرا قماقمه أتقتلهم ظلما وترجو ودادنا * فدع خطة ليست لنا بملائمه لعمري لقد راغمتمونا بقتلهم * فكم ناقم منا عليكم وناقمه أهم مرارا أن أسير بجحفل * إلى فئة زاغت عن الحق ظالمه فكفوا وإلا ذدتكم في كتائب * أشد عليكم من زحوف الديالمه (وفى هذه السنة) قتل أبو بلال مرداس بن عمرو بن حدير من ربيعة بن حنظلة ذكر سبب مقتله قال أبو جعفر الطيرى قد تقدم ذكر سبب خروجه وما كان من توجيه عبيدالله بن زياد إليه أسلم بن زرعة الكلابي في ألفى رجل والتقائهم بآسك

[ 361 ]

وهزيمة أسلم وجيشه منه ومن أصحابه فيما مضى من كتابنا هذا ولما هزم مرداس أبو بلال أسلم ابن زرعة وبلغ ذلك عبيدالله بن زياد سرح إليه فيما حدثت عن هشام بن محمد عن أبى مخنف قال حدثنى أبو المخارق الراسبى ثلاثة آلاف عليهم عباد بن الاخضر التميمي فأتبعه عباد يطلبه حتى لحقه بتوج فصف له فحمل عليهم أبو بلال وأصحابه فثبتوا وتعطف الناس عليهم فلم يكونوا شيئا وقال أبو بلال لاصحابه من كان منكم إنما خرج للدنيا فليذهب ومن كان منكم إنما أراد الآخرة ولقاء ربه فقد سبق ذلك إليه وقرأ من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب فنزل ونزل أصحابه معه لم يفارقه منهم إنسان فقتلوا من عند آخرهم ورجع عباد بن الاخضر وذلك الجيش الذى كان معه إلى البصرة وأقبل عبيدة بن هلال معه ثلاثة نفر هو رابعهم فرصد عباد بن الاخضر فأقبل يريد قصر الامارة وهو مردف ابنا له غلاما صغيرا فقالوا يا عبد الله قف حتى نستفتيك فوقف فقالوا نحن إخوة أربعة قتل أخونا فما ترى قال استعدوا الامير قالوا قد استعديناه فلم يعدنا قال فاقتلوه قتله الله فوثبوا عليه فحكموا وألقى ابنه فقتلوه (وفى هذه السنة) ولى يزيد بن معاوية سلم بن زياد سجستان وخراسان ذكر سبب توليته إياه * حدثنى عمر قال حدثنى على بن محمد قال حدثنا مسلمة بن محارب بن سلم ابن زياد قال وفد سلم بن زياد على يزيد بن معاوية وهو ابن أربع وعشرين سنة فقال له يزيد يا أبا حرب أوليك عمل أخويك عبد الرحمن وعباد فقال ما أحب أمير المؤمنين فولاه خراسان وسجستان فوجه سلم الحارث بن معاوية الحارثى جد عيسى بن شبيب من الشأم إلى خراسان وقد سلم البصرة فتجهز وسار إلى خراسان فأخذ الحارث بن قيس بن الهيثم السلمى فحبسه وضرب ابنه شبيبا وأقامه في سراويل ووجه أخاه يزيد بن زياد إلى سجستان فكتب عبيدالله بن زياد إلى عباد أخيه وكان له صديقا يخبره بولاية سلم فقسم عباد ما في بيت المال في عبيده وفضل فضل فنادى

[ 362 ]

مناديه من أراد سلفا فليأخذ فأسلف كل من أتاه وخرج عباد عن سجستان فلما كان بجيرفت بلغه مكان سلم وكان بينهما جبل فعدل عنه فذهب لعباد تلك الليلة ألف مملوك أقل ما مع أحدهم عشرة آلاف قال فأخذ عباد على فارس ثم قدم على يزيد فقال له يزيد أين المال قال كنت صاحب ثغر فقسمت ما أصبت بين الناس قال ولما شخص سلم إلى خراسان شخص معه عمران بن الفصيل البرجمى وعبد الله بن خازم السلمى وطلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعى والمهلب بن أبى صفرة وحنظلة بن عرادة وأبو حزابة الوليد بن نهيك أحد بنى ربيعة بن حنظلة ويحيى بن يعمر العدواني حليف هذيل وخلق كثير من فرسان البصرة وأشرافهم فقدم سلم بن زياد بكتاب يزيد بن معاوية إلى عبيدالله بن زياد بنخبة ألفى رجل ينتخبهم وقال غيره بل نخبة ستة آلاف قال فكان سلم ينتخب الوجوه والفرسان ورغب قوم في الجهاد فطلبوا إليه أن يخرجهم فكان أول من أخرجه سلم حنظلة بن عرادة فقال له عبيدالله بن زياد دعه لى قال هو بينى وبينك فان اختارك فهو لك وإن اختارني فهو لى قال فاختار سلمان وكان الناس يكلمون سلما ويطلبون إليه أن يكتبهم معه وكان صلة بن أشيم العدوى يأتي الديوان فيقول له الكاتب يا أبا الصهباء ألا أثبت اسمك فإنه وجه فيه جهاد وفضيل فيقول له أستخير الله وأنظر فلم يزل يدافع حتى فرغ من أمر الناس فقالت له امرأته معاذة ابنة عبد الله العدوية ألا تكتب نفسك قال حتى أنظر ثم صلى واستخار الله قال فرأى في منامه آتيا أتاه فقال له اخرج فإنك تربح وتفلح وتنجح فأتى الكاتب فقال له أثبتني قال قد فرغنا ولن أدعك فأثبته وابنه فخرج سلم فصيره سلم مع يزيد بن زياد فسار إلى سجستان * قال وخرج سلم وأخرج معه أم محمد ابنة عبد الله بن عثمان بن أبى العاص الثقفى وهى أول امرأة من العرب قطع بها النهر قال وذكر مسلمة بن محارب وأبو حفص الازدي عن عثمان بن حفص الكرماني أن عمال خراسان كانوا يغزون فإذا دخل الشتاء قفلوا من مغازيهم إلى مرو الشاهجان فإذا انصرف المسلمون اجتمع ملوك خراسان في مدينة من مدائن خراسان مما يلى خارزم فيتعاقدون أن لا يغزو

[ 363 ]

بعضهم بعضا ولا يهيج أحد أحدا ويتشاورون في أمورهم فكان المسلمون يطلبون إلى أمرائهم في غزو تلك المدينة فيأبون عليهم فلما قدم سلم خراسان غزا فشبا في بمعض مغازيه قال فألح عليه المهلب وسأله أن يوجهه إلى تلك المدينة فوجهه في ستة آلاف ويقال أربعة آلاف فحاصرهم فسألهم أن يذعنوا له بالطاعة فطلبوا إليه أن يصالحهم على أن يفدوا أنفسهم فأجابهم إلى ذلك فصالحوه على نيف وعشرين ألف ألف قال وكان في صلحهم أن يأخذ منهم عروضا فكان يأخذ الرأس بنصف ثمنه والدابة بنصف ثمنها والكميخت بنصف ثمنه فبلغت قيمة ما أخذ منهم خمسين ألف ألف فحظى بها المهلب عند سلم واصطفى سلم من ذلك ما أعجبه وبعث به إلى يزيد مع مرزبان مرو وأوفد في ذلك وفدا * قال مسلمة وإسحاق بن أيوب غزا سلم سمرقند بامرأته أم محمد ابنة عبد الله فولدت لسلم ابنا فسماه صغدى * قال على ابن محمد ذكر الحسن بن رشيد الجوزجانى عن شيخ من خزاعة عن أبيه عن جده قال غزوت مع سلم بن زياد خوارزم فصالحوه على مال كثير ثم عبر إلى سمرقند فصالحه أهلها وكانت معه امرأته أم محمد فولدت له في غزاته تلك ابنا وأرسلت إلى امرأة صاحب الصغد تستعير منها حليا فبعثت إليها بتاجها وقفلوا فذهبت بالتاج (وفى هذه السنة) عزل يزيد عمرو بن سعيد عن المدينة وولاها الوليد بن عتبة حدثنى بذلك أحمد بن ثابت عمن حدثه عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر قال نزع يزيد بن معاوية عمرو بن سعيد لهلال ذى الحجة وأمر الوليد بن عتبة على المدينة فحج بالناس حجتين سنة 61 وسنة 62 وكان عامل يزيد بن معاوية في هذه السنة على البصرة والكوفة عبيدالله بن زياد وعلى المدينة في آخرها الوليد بن عتبة وعلى خراسان وسجستان سلم بن زياد وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة وعلى قضاء الكوفة شريح (وفيها) أظهر ابن الزبير الخلاف على يزيد وخلعه (وفيها) بويع له ذكر سبب عزل يزيد عمرو بن سعيد عن المدينة وتوليته عليها الوليد بن عتبة وكان السبب في ذلك وسبب إظهار عبد الله بن الزبير الدعاء إلى نفسه فيما ذكر

[ 364 ]

هشام عن أبى مخنف عن عبد الملك بن نوفل قال حدثنى أبى قال لما قتل الحسين عليه السلام قام ابن الزبير في أهل مكة وعظم مقتله وعاب على أهل الكوفة خاصة ولام أهل العراق عامة فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد صلى الله عليه وسلم أن أهل العراق غدر فجر إلا قليلا وإن أهل الكوفة شرار أهل العراق وأنهم دعوا حسينا لينصروه ويولوه عليهم فلما قدم عليهم ثاروا إليه فقالوا له إما أن تضع يدك في أيدينا فنبعث بك إلى ابن زياد بن سمية سلما فيمضى فيك حكمه وإما أن تحارب فرأى والله إنه هو وأصحابه قليل في كثير وإن كان الله عز وجل لم يطلع على الغيب أحدا أنه مقتول ولكنه اختار الميتة الكريمة على الحياة الذميمة فرحم الله حسينا وأخزى قاتل حسين لعمري لقد كان من خلافهم إياه وعصيانهم ما كان في مثله واعظ وناه عنهم ولكنه ما حم نازل وإذا أراد الله أمرا لن يدفع أفبعد الحسين نطمئن إلى هؤلاء القوم ونصدق قولهم ونقبل لهم عهدا لا ولا نراهم لذلك أهلا أما والله لقد قتلوه طويلا بالليل قيامه كثيرا في النهار صيامه أحق بما هم فيه منهم وأولى به في الدين والفضل أما والله ما كان يبدل بالقران الغناء ولا بالبكاء من خشية الله الحداء ولا بالصيام شرب الحرام ولا بالمجالس في حلق الذكر الركض في تطلاب الصيد يعرض بيزيد فسوف يلقون غيا فثار إليه أصحابه فقالوا له أيها الرجل أظهر بيعتك فانه لم يبق أحدا ذهلك حسين ينازعك هذا الامر وقد كان يبايع الناس سرا ويظهر أنه عائذ بالبيت فقال لهم لا تعجلوا وعمرو بن سعيد بن العاص يومئذ عامل مكة وقد كان أشد شئ عليه وعلى أصحابه وكان مع شدته عليهم يدارى ويرفق فلما استقر عند يزيد بن معاوية ما قد جمع ابن الزبير من الجموع بمكة أعطى الله عهدا ليوثقنه في سلسلة فبعث بسلسلة من فضة فمر بها البريد على مروان بن الحكم بالمدينة فأخبر خبر ما قدم له وبالسلسلة التى معه فقال مروان: خذها فليست للعزيز بخطة * وفيها مقال لامرى متضعف ثم مضى من عنده حتى قدم على ابن الزبير فأتى ابن الزبير فأخبره بممر البريد

[ 365 ]

على مروان وتمثل مروان بهذا البيت فقال ابن الزبير لا والله لا أكون أنا ذلك المتضعف ورد ذلك البريد ردا رقيقا وعلا أمر ابن الزبير بمكة وكاتبه أهل المدينة وقال الناس أما أذهلك الحسين عليه السلام فليس أحد ينازع ابن الزبير * حدثنا نوح بن حبيب القومسى قال حدثنا هشام بن يوسف وحدثنا عبيدالله بن عبد الكريم قال حدثنا عبد الله بن جعفر المدينى قال حدثنا هشام بن يوسف واللفظ لحديث عبيدالله قال أخبرني عبد الله بن مصعب قال أخبرني موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال أخبرني عبد العزيز بن مروان قال لما بعث يزيد بن معاوية ابن عضاه الاشعري ومسعدة وأصحابهما إلى عبد الله بن الزبير بمكة ليؤتى به في جامعة لتبر يمين يزيد بعث معهم بجامعة من ورق وبرنس خز فأرسلني أبى وأخى معهم وقال إذا بلغته رسل يزيد الرسالة فتعرضا له ثم ليتمثل أحدكما: فخذها فليست للعزيز بخطة * وفيها مقال لامرئ متذلل أعامر إن القوم ساموك خطة * وذلك في الجيران غزل بمغزل أراك إذا ما كنت للقوم ناصحا * يقال له بالدلو أدبر وأقبل قال فلما بلغته الرسل الرسالة تعرضنا فقال لى أخى اكفنيها فسمعني فقال أي ابني مروان قد سمعت ما قلتما وعلمت ما ستقولانه فأخبرا أباكما: إنى لمن نبعة صم مكاسرها * إذا تناوحت القصباء والعشر فلا ألين لغير الحق أسأله * حتى يلين لضرس الماضغ الحجر قال فما أردى أيهما كان أعجب زاد عبد الله في حديثه عن أبى على قال فذاكرت بهذا الحديث مصعب بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير فقال قد سمعته من أبى على نحو الذي ذكرت له ولم أحفظ إسناده قال هشام عن خالد ابن سعيد عن أبيه سعيد بن عمرو بن سعيد أن عمرو بن سعيد لما رأى الناس قد أشرأبوا إلى ابن الزبير ومدوا إليه أعناقهم ظن أن تلك الامور تامة له فبعث إلى عبد الله بن عمرو بن العاص وكانت له صحبة وكان مع أبيه بمصر وكان قد قرأ كتب دنيال هنالك وكانت قريش إذ ذاك تعده عالما فقال له عمرو بن

[ 366 ]

سعيد أخبرني عن هذا الرجل أترى ما يطلب تاما له وأخبرني عن صاحبي إلى ما ترى أمره صائرا إليه فقال لا أرى صاحبك إلا أحد الملوك الذين تتم لهم أمورهم حتى يموتوا وهم ملوك فلم يزدد عند ذاك إلا شدة على الزبير وأصحابه مع الرفق بهم والمداراة لهم ثم إن الوليد بن عقبة وناسا معه من بنى أمية قالوا ليزيد بن معاوية لو شاء عمرو بن سعيد لاخذ ابن الزبير وبعث به إليك فسرح الوليد بن عتبة على الحجاز أميرا وعزل عمرا وكان عزل يزيد عمرا عن الحجاز وتأميره عليه الوليد بن عتبة في هذه السنة أعنى سنة 61 (قال أبو جعفر) حدثت عن محمد بن عمر قال نزع يزيد عمرو بن سعيد بن العاص لهلال ذى الحجة سنة 61 وولى الوليد ابن عتبة فأقام الحجة سن ة 61 بالناس وأعاد ابن ربيعة العامري على قضائه * وحدثني أحمد بن ثابت قال حدثت عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر قال حج بالناس في سنة 61 الوليد بن عتبة وهذا مما لا اختلاف فيه بين أهل السير وكان الوالى في هذه السنة على الكوفة والبصرة عبد الله بن زياد وعلى قضاء الكوفة شريح وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة وعلى خراسان سلم بن زياد ثم دخلت سنة اثنتين وستين ذكر الخبر عما كان في هذه السنة من الاحداث فمن ذلك مقدم وفد أهل المدينة على يزيد بن معاوية ذكر الخبر عن سبب مقدمهم عليه وكان السبب في ذلك فيما ذكر لوط بن يحيى عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق عن عبد الله بن عروة أن يزيد بن معاوية لما سرح الوليد بن عتبة على الحجاز أميرا وعزل عمرو بن سعيد قدم الوليد المدينة فأخذ غلمانا كثيرا لعمرو وموالى له فحبسهم فكلمه فيهم عمرو فأبى أن يخليهم وقال له لا تجزع يا عمرو فقال أخوه أبان بن سعيد ابن العاص أعمرو يجزع والله لو قبضتم على الجمر وقبض عليه ما تركه حتى تتركوه وخرج عمرو سائرا حتى نزل من المدينة على ليلتين وكتب إلى غلمانه ومواليه وهم

[ 367 ]

نحو من ثلثمائة رجل إنى باعث إلى كل رجل منكم جملا وحقيبة وأداته وتناخ لكم الابل في السوق فإذا أتاكم رسولي فاكسروا باب السجن ثم ليقم كل رجل منكم إلى جمله فليركبه ثم أقبلوا على حتى تأتوني فجاء رسوله حتى اشترى الابل ثم جهزها بما ينبغى لها ثم أناخها في السوق ثم أتاهم حتى أعلمهم ذلك فكسروا باب السجن ثم خرجوا إلى الابل فاستووا عليها ثم أقبلوا حتى انتهوا إلى عمرو بن سعيد فوجدوه حين قدم على يزيد بن معاوية فلما دخل عليه رحب به وأدنى مجلسه ثم أنه عاتبه في تقصيره في أشياء كان يأمره بها في ابن الزبير فلا ينفذ منها إلا ما أراد فقال يا أمير المؤمنين الشاهد يرى ما لا يرى الغائب وأن جل أهل مكة وأهل المدينة قد كانوا مالوا إليه وهووه وأعطوه الرضا ودعا بعضهم بعضا سرا وم لانية ولم يكن معى جند أقوى بهم عليه لو ناهضته وقد كان يحذرني ويتحرز منى وكنت أرفق به وأداريه لاستمكر منه فأثب عليه مع أنى قد ضيقت عليه ومنعته من أشياء كثيرة لو تركته وإياها ما كانت له إلا معونة وجعلت على مكة وطرقها وشعابها رجالا لا يدعون أحدا يدخلها حتى يكتبوا إلى باسمه واسم أبيه ومن أي بلاد الله هو وما جاء به وما يريد فإن كان من أصحابه أو ممن أرى أنه يريده رددته صاغرا وإن كان ممن لا أتهم خليت سبيله وقد بعثت الوليد وسيأتيك من عمله وأثره ما لعلك تعرف به فضل مبالغتي في أمرك ومناصحتي لك إن شاء الله والله يصنع لك ويكبت عدوك يا أمير المؤمنين فقال له يزيد أنت أصدق ممن رقى هذه الاشياء عنك وحملنى بها عليك وأنت ممن أثق به وأرجو معونته وأدخره لرأب الصدع وكفاية المهم وكشف نوازل الامور العظام فقال له عمرو وما أرى يا أمير المؤمنين أن أحدا أولى بالقيام بتشديد سلطانك وتوهين عدوك والشدة على من نابذك منى وأقام الوليد بن عتبة يريد ابن الزبير فلا يجده إلا متحذرا متمنعا وثار نجدة بن عامر الحنفي باليمامة حين قتل الحسين وثار ابن الزبير فكان الوليد يفيض من المعرف وتفيض معه عامة الناس وابن الزبير واقف وأصحابه ونجدة واقف في أصحابه ثم يفيض ابن الزبير بأصحابه ونجدة بأصحابه لا يفيض واحد منهم بإفاضة صاحبه وكان نجدة يلقى ابن الزبير فيكثر حتى ظن الناس أنه

[ 368 ]

سيبايعه ثم إن ابن الزبير عمل بالمكر في أمر الوليد بن عتبة فكتب إلى يزيد بن معاوية إنك بعثت إلينا رجلا أخرق لا يتجه لامر رشد ولا يرعوى لعظة الحكيم ولو بعثت إلينا رجلا سهل الخلق لين الكتف رجوت أن يسهل من الامور ما استوعر منها وأن يجتمع ما تفرق فانظر في ذلك فإن فيه صلاح خواصنا وعوامنا إن شاء الله والسلام فبعث يزيد بن معاوية إلى الوليد فعزله وبعث عثمان بن محمد بن أبى سفيان فيما ذكر أبو مخنف عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق عن حميد بن حمزة مولى لبنى أمية قال فقدم فتى غر حدث غمر لم يجرب الامور ولم يحنكه السن ولم تضرسه التجارب وكان لا يكاد ينظر في شئ من سلطانه ولا عمله وبعث إلى يزيد وفدا من أهل المدينة فيهم عبد الله بن حنظلة الغسيل الانصاري وعبد الله بن أبى عمرو ابن حفص بن المغيرة المخزومى والمنذر بن الزبير ورجالا كثيرا من أشراف أهل المدينة فقدموا على يزيد بن معاوية فأكرمهم وأحسن إليهم وأعظم جوائزهم ثم انصرفوا من عنده وقدموا المدينة كلهم إلا المنذر بن الزبير فإنه قدم على عبيدالله ابن زياد بالبصرة وكان يزيد قد أجازه بمائة ألف درهم فلما قدم أولئك النفر الوفد المدينة قاموا فيهم فأظهروا شتم يزيد وعتبه وقالوا إنا قدمنا من عند رجل ليس له دين يشرب الخمر ويعزف بالطنابير ويضرب عنده القيان ويلعب بالكلاب ويسامر الخراب والفتيان وإنا نشهدكم إنا قد خلعناه فتابعهم الناس (قال لوط) بن يحيى فحدثني عبد الملك بن نوفل بن مساحق أن الناس أتوا عبد الله بن حنظلة الغسيل فبايعوه وولوه عليهم قال لوط وحدثني أيضا محمد بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عوف ورجع المنذر من عند يزيد بن معاوية فقدم على عبيدالله بن زياد البصرة فأكرمه وأحسن ضيافته وكان لزياد صديقا إذ سقط إليه كتاب من يزيد بن معاوية حيث بلغه أمر أصحابه بالمدينة أن أوثق منذر بن الزبير واحبسه عندك حتى يأتيك فيه أمرى فكره ذلك عبيدالله بن زياد لانه ضيفه فدعاه فأخبره بالكتاب وأقرأه إياه وقال له إنك كنت لزياد ودا وقد أصبحت لى ضيفا وقد آتيت إليك معروفا فأنا أحب أن أسدى ذلك كله بإحسان فإذا اجتمع الناس عندي فقم فقل ائذن لى

[ 369 ]

فلانصرف إلى بلادي فإذا قلت لا بل أقم عندي فإن لك الكرامة والمواساة والاثرة فقل لى ضيعة وشغل لا أجد من الانصراف بدا فأذن لى فإنى آذن لك عند ذلك فالحق بأهلك فلما اجتمع الناس عند عبيدالله قام إليه فاستأذنه فقال لا بل أقم عندي فإنى مكرمك ومواسيك ومؤثرك فقال له إن لى ضيعة وشغلا ولا أجد من الانصراف بدا فأذن لى فأذن له فانطلق حتى لحق بالحجاز فأتى أهل المدينة فكان فيمن يحرض الناس على يزيد وكان من قوله يومئذ إن يزيد والله لقد أجازني بمائة ألف درهم وإنه لا يمنعنى ما صنع إلى أن أخبركم خبره وأصدقكم عنه والله إنه ليشرب الخمر وإنه ليسكر حتى يدع الصلاة وعابه بمثل ما عابه به أصحابه الذين كانوا معه وأشد فكان سعيد بن عمرو يحدث بالكوفة أن يزيد بن معاوية بلغه قوله فيه فقال اللهم إنى آثرته وأكرمته ففعل ما قد رأيت فاذكره بالكذب والقطيعة (قال أبو مخنف) فحدثني سعيد بن زيد أبو المثلم أن يزيد بن معاوية بعث النعمان بن بشير الانصاري فقال له آت الناس وقومك فافثأهم عما يريدون فانهم إن لم ينهضوا في هذا الامر لم يجترئ الناس على خلافى وبها من عشيرتي من لا أحب أن ينهض في هذه الفتنة فيهلك فأقبل النعمان بن بشير فأتى قومه ودعا الناس إليه عامة وأمرهم بالطاعة ولزوم الجماعة وخوفهم الفتنة وقال لهم إنه لا طاقة لكم بأهل الشأم فقال عبد الله ابن مطيع العدوى ما يحملك يا نعمان على تفريق جماعتنا وفساد ما أصلح الله من أمرنا فقال النعمان أما والله لكانى بك لو قد نزلت تلك التى تدعو إليها وقامت الرجال على الركب تضرب مفارق القوم وجباههم بالسيوف ودارت رحا الموت بين الفريقين قد هربت على بغلتك تضرب جنبيها إلى مكة وقد خلفت هؤلاء المساكين يعنى الانصار يقتلون في سككهم ومساجدهم وعلى أبواب دورهم فعصاه الناس فانصرف وكان والله كما قال وحج بالناس في هذه السنة الوليد بن عتبة وكانت العمال في هذه السنة على العراق وخراسان العمال الذين ذكرت في سنة 61 وفى هذه السنة ولد فيما ذكر محمد بن عبد الله بن العباس

[ 370 ]

ثم دخلت سنة ثلاث وستين ذكر الخبر عن الاحداث التى كانت فيها فمن ذلك ما كان من إخراج أهل المدينة عامل يزيد بن معاوية عثمان بن محمد ابن أبى سفيان من المدينة وإظهارهم خلع يزيد بن معاوية وحصارهم من كان بها من بنى أمية ذكر هشام بن محمد عن أبى مخنف عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق عن حبيب بن كرة أن أهل المدينة لما بايعوا عبد الله بن حنظلة الغسيل على خلع يزيد ابن معاوية وثبوا على عثمان بن محمد بن أبى سفيان ومن بالمدينة من بنى أمية ومواليهم ومن رأى رأيهم من قريش فكانوا نحوا من ألف رجل فخرجوا بجماعتهم حتى نزلوا دار مروان بن الحكم فحاصرهم الناس فيها حصارا ضعيفا قال فدعت بنو أمية حبيب بن كرة وكان الذى بعث إليه منهم مروان بن الحكم وعمرو بن عثمان ابن عفان وكان مروان هو يدبر أمرهم فأما عثمان بن محمد بن أبى سفيان فإنما كان غلاما حدثا لم يكن له رأى قال عبد الملك بن نوفل فحدثني حبيب بن كرة قال كنت مع مروان فكتب معى هو وجماعة من بنى أمية كتابا إلى يزيد بن معاوية فأخذ الكتاب عبد الملك بن مروان حتى خرج معى إلى ثنية الوداع فدفع إلى الكتاب وقال قد أجلتك اثنتى عشرة ليلة ذاهبا واثنتي عشر ليلة مقبلا فوافنى لاربع وعشرين ليلة في هذا المكان تجدني إن شاء الله في هذه الساعة جالسا أنتظرك وكان الكتاب (بسم الله الرحمن الرحيم) أما بعد فإنه قد حصرنا في دار مروان بن الحكم ومنعنا العذاب ورمينا بالحبوب فيا غوثاه يا غوثاه قال فأخذت الكتاب ومضيت به حتى قدمت على يزيد وهو جالس على كرسى واضع قدميه في ماء طست من وجع كان يجده فيهما ويقال كان به النقرس فقرأه ثم قال فيما بلغنا متمثلا لقد بدلوا الحلم الذى من سجيتي * فبدلت قومي غلظة بليان ثم قال أما يكون بنو أمية ومواليهم ألف رجل بالمدينة قال قلت بلى والله وأكثر قال فما استطاعوا أن يقاتلوا ساعة من نهار قال فقلت يا أمير المؤمنين أجمع

[ 371 ]

الناس كلهم عليهم فلم يكن لهم بجمع الناس طاقة فال فبعث إلى عمرو بن سعيد فأقرأه الكتاب وأخبره الخبر وأمره أن يسير إليهم في الناس فقال له قد كنت ضبطت لك البلاد وأحكمت لك الامور فأما الآن إذ صارت إنما هي دماء قريش تهراق بالصعيد فلا أحب أن أكون أنا أتولى ذلك يتولاها منهم من هو أبعد منهم منى قال فبعثني بذلك الكتاب إلى مسلم بن عقبة المرى وهو شيخ كبير ضعيف مريض فدفعت إليه الكتاب فقرأه وسألني عن الخبر فأخبرته فقال لى مثل مقالة يزيد أما يكون بنو أمية ومواليهم وأنصارهم بالمدينة ألف رجل قال قلت بلى يكونون قال فما استطاعوا أن يقاتلوا ساعة من نهار ليس هؤلاء بأهل أن ينصروا حتى يجهدوا أنفسهم في جهاد عدوهم وعز سلطانهم ثم جاء حتى دخل على يزيد فقال يا أمير المؤمنين لا تنصر هؤلاء فإنهم الاذلاء أما استطاعوا أن يقاتلوا يوما واحدا أو شطره أو ساعة منه دعهم يا أمير المؤمنين حتى يجهدوا أنفسهم في جهاد عدوهم وعز سلطانهم ويستبين لك من يقاتل منهم على طاعتك ويصبر عليها أو يستسلم قال ويحك إنه لا خير في العيش بعدهم فاخرج فأنبنى نبأك وسر بالناس فخرج مناديه فنادى أن سيروا إلى الحجاز على أخذ أعطياتكم كملا ومعونة مائة دينار توضع في يد الرجل من ساعته فانتدب لذلك اثنا عشر ألف رجل * حدثنا ابن حميد قال حدثنا جرير عن مغيرة قال كتب يريد إلى ابن مرجانة أن اغز ابن الزبير فقال لا أجمعهما للفاسق أبدا أقتل ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأغزو البيت قال وكانت مرجانة امرأة صدق فقالت لعبيد الله حين قتل الحسين عليه السلام ويلك ماذا صنعت وماذا ركبت (رجع الحديث إلى حديث حبيب بن كرة) قال فأقبلت حتى أوافي عبد الملك بن مروان في ذلك المكان في تلك الساعة أو بعيدها شيئا قال فوجدته جالسا متقنعا تحت شجرة فأخبرته بالذى كان فسر به فانطلقنا حتى دخلنا دار مروان على جماعة بنى أمية فنبأتهم بالذى قدمت به فحمدوا الله عز وجل قال عبد الملك بن نوفل حدثنى حبيب أنه بلغه في عشرة قال فلم أبرح حتى رأيت يزيد بن معاوية خرج إلى الخيل يتصفحها وينظر

[ 372 ]

إليها قال فسمعته وهو يقول وهو متقلد سيفا متنكب قوسا عربية أبلغ أبا بكر إذا الليل سرى * وهبط القوم على وادى القرى عشرون ألف بين كهل وفتى * أجمع سكران من القوم ترى أم جمع يقظان نفى عنه الكرى * يا عجبا من ملحد يا عجبا مخادع في الدين يقفو بالعرى قال عبد الملك بن نوفل وفصل ذلك الجيش من عند يزيد وعليهم مسلم بن عقبة وقال له إن حدث بك حدث فاستخلف على الجيش حصين بن نمير السكوني وقال له ادع القوم ثلاثا فإن هم أجابوك وإلا فقاتلهم فإدا أظهرت عليهم فأبحها ثلاثا فما فيها من مال أو رقة أو سلاح أو طعام فهو للجند فإذا مضت الثلاث فاكفف عن الناس وانظر على بن الحسين فاكفف عنه واستوص به خيرا وأدن مجلسه فانه لم يدخل في شئ مما دخلوا فيه وقد أتانى كتابه وعلى لا يعلم بشئ مما أوصى به يزيد ابن معاوية مسلم بن عقبة وقد كان على بن الحسين لما خرج بنو أمية نحو الشأم أوى إليه ثقل مروان بن الحكم وامرأته عائشة بنت عثمان بن عفان وهى أم أبان بن مروان وقد حدثت عن محمد بن سعد عن محمد بن عمر قال لما أخرج أهل المدينة عثمان ابن محمد من المدينة كلم مروان بن الحكم بن عمر أن يغيب أهله عنده فأبى ابن عمر أن يفعل وكلم على بن الحسين وقال يا أبا الحسن إن لى رحما وحرمى تكون مع حرمك فقال أفعل فبعث بحرمه إلى على بن الحسين فخرج بحرمه وحرم مروان حتى وضعهم ينبع وكان مروان شاكرا لعلى بن الحسين مع صداقة كانت بينهما قديمة (رجع الحديث إلى حديث أبى مخنف) عن عبد الملك بن نوفل قال وأقبل مسلم بن عقبة بالجيش حتى إذا بلغ أهل المدينة إقباله وثبوا على من معهم من بنى أمية فحصروهم في دار مروان وقالوا والله لا نكف عنكم حتى نستنزلكم ونضرب أعناقكم أو تعطونا عهد الله وميثاقه لا تبغونا غائلة ولا تدلوا لنا على عورة ولا تظاهروا علينا عدوا فنكف عنكم ونخرجكم عنا فأعطوهم عهد الله وميثاقه لا نبغيكم غائلة ولا ندل لكم على عورة فأخرجوهم من المدينة فخرجت بنو أمية بأثقالهم حتى لقوا مسلم بن

[ 373 ]

عقبة بوادي القرى وخرجت عائشة بنت عثمان بن عفان إلى الطائف فتمر بعلى ابن حسين وهو بمال له إلى جنب المدينة قد اعتزلها كراهية أن يشهد شيئا من أمرهم فقال لها احملي ابني عبد الله معك إلى الطائف فحملته إلى الطائف حتى نقضت أمور أهل المدينة * ولما قدمت بنو أمية على مسلم بن عقبة بوادي القرى دعا بعمرو بن عثمان بن عفان أول الناس فقال له أخبرني خبر ما وراءك وأشر على قال لا أستطيع أن أخبرك أخذ علينا العهود والمواثيق ألا ندل على عورة ولا نظاهر عدوا فانتهره ثم قال والله لولا أنك ابن عثمان لضربت عنقك وايم الله لا أقيلها قرشيا بعدك فخرج بما لقى من عنده إلى أصحابه فقال مروان بن الحكم لابنه عبد الملك ادخل قبلى لعله يجتزئ بك عنى فدخل عليه عبد الملك فقال هات ما عندك أخبرني خبر الناس وكيف ترى فقال له نعم أرى أن تسير بمن معك فتنكب هذا الطريق إلى المدينة حتى إذا انتهيت إلى أدنى نخل بها نزلت فاستظل الناس في ظله وأكلوا من صقره حتى إذا كان الليل اذكيت الحرس الليل كله عقبا بين أهل العسكر حتى إذا أصبحت صليت بالناس الغداة ثم مضيت بهم وتركت المدينة ذات اليسار ثم أردت بالمدينة حتى تأتيهم من قبل الحرة مشرقا ثم تستقبل القوم فإذا استقبلتهم وقد أشرقت عليهم وطلعت الشمس طلعت بين أكتاف أصحابك فلا تؤذيهم وتقع في وجوههم فيوذيهم حرها ويصيبهم أذاها ويرون ما دمتم مشرقين ائتلاف بيضكم وحرابكم وأسنة رماحكم وسيوفكم ودروعكم وسواعدكم ما لا ترونه أنتم لشئ من سلاحهم ما داموا مغربين ثم قاتلهم واستعن بالله عليهم فإن الله ناصرك إذ خالفوا الامام وخرجوا من الجماعة فقال له مسلم لله أبوك أي امرئ ولد إذ ولدك لقد رأى بك خلفا ثم إن مروان دخل عليه فقال له ايه قال أليس قد دخل عليك عبد الملك قال بلى وأى رجل عبد الما كلمت من رجال قريش رجلا به شبيها فقال له مروان إذا لقيت عبد الملك فقد لقيتني قال أجل ثم ارتحل من مكانه ذلك وارتحل الناس معه حتى نزل المنزل الذى أمره به عبد الملك فصنع فيه ما أمره به ثم مضى في الحرة حتى نزلها فأتاهم من قبل المشرق ثم دعاهم مسلم بن عقبة فقال

[ 374 ]

يا أهل المدينة إن أمير المؤمنين يزيد بن معاوية يزعم أنكم الاصل وإنى أكره هراقة دمائكم وإنى أؤجلكم ثلاثا فمن ارعوى وراجع الحق قبلنا منه وانصرفت عنكم وسرت إلى هذا الملحد الذى بمكة وإن أبيتم كنا قد أعذرنا اليكم وذلك في ذى الحجة من سنة 64 هكذا وجدته في كتابي وهو خطأ لان يزيد هلك في شهر ربيع الاول سنة 64 وكانت وقعة الحرة في ذى الحجة من سنة 63 يوم الاربعاء لليلتين بقيتا منه ولما مضت الايام الثلاثة قال يا أهل المدينة قد مضت الايام الثلاثة فما تصنعون أتسالمون أم تحاربون فقالوا بل نحارب فقال لهم لا تفعلوا بل ادخلوا في الطاعة ونجعل حدنا وشوكتنا على هذا الملحد الذى قد جمع إليه المراق والفساق من كل أوب فقالوا لهم يا أعداء الله والله لو أردتم أن تجوزوا إليهم ما تركناكم حتى نقاتلكم نحن ندعكم أن تأتوا بيت الله الحرام وتخيفوا أهله وتلحدوا فيه وتستحلوا حرمته ؟ لا والله لا نفعل وقد كان أهل المدينة اتخذوا خندقا في جانب المدينة ونزله جمع منهم عظيم وكان عليهم عبد الرحمن بن زهير بن عبد عوف بن عم عبد الرحمن بن عوف الزهري وكان عبد الله بن مطيع على ربع آخر في جانب المدينة وكان معقل بن سنان الاشجعى على ربع آخر في جانب المدينة وكان أمير جماعتهم عبد الله بن حنظلة الغسيل الانصاري في أعظم تلك الارباع وأكثره عددا (قال هشام) وأما عوانة بن الحكم الكلبى فذكر أن عبد الله بن مطيع كان على قريش من أهل المدينة وعبد الله بن حنظلة الغسيل على الانصار ومعقل بن سنان على المهاجرين (قال هشام) عن أبى مخنف قال عبد الملك بن نوفل وصمد مسلم بن عقبة بجميع من معه فأقبل من قبل الحرة حتى ضرب فسطاطه على طريق الكوفة ثم وجه الخيل نحو ابن الغسيل فحمل ابن الغسيل على الخيل في الرجال الذين معه حتى كشف الخيل حتى انتهوا إلى مسلم بن عقبة فنهض في وجوههم بالرجال وصاح بهم فانصرفوا فقاتلوا قتالا شديدا ثم إن الفضل بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب جاء إلى عبد الله بن حنظلة الغسيل فقاتل في نحو من عشرين فارسا قتالا شديدا حسنا ثم قال لعبدالله مر من معك فارسا فليأتني فليقف معى فإذا حملت فليحملوا فوالله لا أنتهى حتى أبلغ

[ 375 ]

مسلما فإما أن أقتله وإما أن أفتل دونه فقال عبد الله بن حنظلة لعبد الله بن الضحاك من بنى عبد الاشهل من الانصار ناد في الخيل فلتقف مع الفضل بن العباس فنادى فيهم الضحاك فجمعهم إلى الفضل فلما اجتمعت الخيل إليه حمل على أهل الشأم فانكشفوا فقال لاصحابه ألا ترونهم كشفا لياما ؟ ؟ أخرى جعلت فداكم فوالله لئن عاينت أميرهم لاقتلنه أو لاقتلن دونه إن صبر ساعة معقب سرورا انه ليس بعد لصبرنا إلا النصر ثم حمل وحمل أصحابه معه فانفرجت خيل أهل الشأم عن مسلم بن عقبة في نحو من خمسمائة راجل جثاة على الركب مشرعي الاسنة نحو القوم ومضى كما هو نحو رايته حتى يضرب رأس صاحب الراية وان عليه لمغفرا فقط المغفر وفلق هامته فخر ميتا فقال خذها منى وأنا ابن عبد المطلب فظن انه قتل مسلما فقال قتلت طاغية القوم ورب الكعبة فقال مسلم أخطأت أستك الحفرة وإنما كان ذلك غلاما له يقال له رومى وكان شجاعا فأخذ مسلم رايته ونادى يا أهل الشأم هذا القتال قتال قوم يريدون أن يدفعوا به عن دينهم وأن يعزوا نه نصر إمامهم قبح الله قتالكم منذ اليوم ما أوجعه لقلبي وأغيظه لنفسي أما والله ما جزاؤكم عليه إلا أن تحرموا العطاء وان تجمروا في أقاصى الثغور شدوا مع هذه الراية ترح الله وجوهكم إن لم تعتبوا فمشى برايته وشدت تلك الرجال أمام الراية فصرع الفضل بن عباس فقتل وما بينه وبين أطناب مسلم بن عقبة إلا نحو من عشر أذرع وقتل معه زيد بن عبد الرحمن بن عوف وقتل معه ابراهيم بن نعيم العدوى في رجال من أهل المدينة كثير (قال هشام) عن عوانة وقد بلغنا في حديث آخر أن مسلم بن عقبة كان مريضا يوم القتال وأنه أمر بسرير وكرسي فوضع بين الصفين ثم قال يا أهل الشأم قاتلوا عن أميركم أو دعوا ثم زحفوا نحوهم فأخذوا لا يصمدون لربع من تلك الارباع إلا هزموه ولا يقاتلون إلا قليلا حتى تولوا ثم إنه أقبل إلى عبد الله بن حنظلة فقاتله أشد القتال واجتمع من أراد القتال من تلك الارباع إلى عبد الله بن حنظلة فاقتتلوا قتالا شديدا فحمل الفضل بن العباس بن ربيعة في جماعة من وجوه الناس وفرسانهم ؟ يريد مسلم

[ 376 ]

عقبة ومسلم على سريره مريض فقال احملوني فضعونى في الصف فوضعوه بعد ما حملوه أمام فسطاطه في الصف وحمل الفضل بن العباس هو وأصحابه أولئك حتى انتهى إلى السرير وكان الفضل أحمر فلما رفع السيف ليضربه صاح بأصحابه إن العبد الاحمر قاتلي فأين أنتم يا بنى الحرائر اسجروه بالرماح فوثبوا إليه فطعنوه حتى سقط (قال هشام) قال أبو مخنف ثم إن خيل مسلم ورجاله أقبلت نحو عبد الله ابن حنظلة الغسيل ورجاله بعدة كما حدثنى عبد الله بن منقذ حتى دنوا منه وركب مسلم بن عقبة فرسا له فأخذ يسير في أهل الشأم ويحرضهم ويقول يا أهل الشأم انكم لستم بأفضل العرب في أحسابهم ولا أنسابها ولا أكثرها عددا ولا أوسعها بلدا ولم يخصصكم الله بالذى خصكم به من النصر على عدوكم وحسن المنزلة عند أئمتكم إلا بطاعتكم واستقامتكم وإن هؤلاء القوم وأشباههم من العرب غيروا فغير الله بهم فتموا على أحسن ما كنتم عليه من الطاعة يتمم الله لكم أحسن ما ينيلكم من النصر والفلج ثم جاء حتى انتهى إلى مكانه الذى كان فيه وأمر الخيل أن تقدم على ابن الغسيل وأصحابه فأخذت الخيل إذا أقدمت على الرجال فثاروا في وجوهها بالرماح والسيوف نفرت وابذعرت وأحجمت فنادى فيهم مسلم ابن عقبة يا أهل الشأم ما جعلهم الله أولى بالارض منكم يا حصين بن نمير انزل في جندك فنزل في أهل حمص فمشى إليهم فلما رآهم قد أقبلوا يمشوا تحت راياتهم نحو ابن الغسيل قام في أصحابه فقال يا هؤلاء ان عدوكم قد أصابوا وجه القتال الذى كان ينبغى أن تقاتلوهم به وأنى قد ظننت ألا تلبثوا إلا ساعة حتى يفصل الله بينكم وبينهم إمالكم وإما عليكم أما أنكم أهل البصيرة ودار الهجرة والله ما أظن ربكم أصبح عن أهل بلد من بلدان المسلمين بأرضى منه عنكم ولا على أهل بلد من بلدان العرب بأسخط منه على هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم إن لكل أمرئ منكم ميتة هو ميت بها والله ما من ميتة بأفضل من ميتة الشهادة وقد ساقها الله إليكم فإغتنموها فوالله ما كل ما أردتموها وجدتموها ثم مشى برايته غير بعيد ثم وقف وجاء ابن نمير برايته حتى أدناها وأمر مسلم بن عقبة عبد الله

[ 377 ]

ابن عضاه الاشعري فمشى في خمسمائه مرام حتى دنوا من ابن الغسيل وأصحابه فأخذوا ينضحونهم بالنبل فقال ابن الغسيل علام تستهدفون لهم من أراد التعجل إلى الجنة فليلزم هذه الراية فقام إليه كل مستميت فقال اتعدوا إلى ربكم فوالله إنى لارجو أن تكونوا عن ساعة قريرى عين فنهض القوم بعضهم إلى بعض فاقتتلوا أشد قتال رؤى في ذلك الزمان ساعة من نهار وأخذ يقدم بنيه أمامه واحدا واحدا حتى قتلوا بين يديه وابن الغسيل يضرب بسيفه ويقول بعدا لمن رام الفساد وطغى * وجانب الحق وآيات الهدى لا يبعد الرحمن إلا من عصى فقتل وقتل معه أخوه لامه محمد بن ثابت بن قيس بن شماس استقدم فقاتل حتى قتل وقال ما أحب أن الديلم قتلوني مكان هؤلاء القوم ثم قاتل حتى قتل وقتل معه محمد بن عمرو بن حزم الانصاري فمر عليه مروان بن الحكم وكأنه برطيل من فضة فقال رحمك الله فرب سارية قد رأيتك تطيل القيام في الصلاة إلى جنبها (قال هشام) فحدثني عوانة قال فبلغنا أن مسلم بن عقبة كان يجلس على كرسى ويحمله الرجال وهو يقاتل ابن الغسيل يوم الحرة وهو يقول أحيا أباه هاشم بن حرمله * يوم الهباتين ويوم اليعمله كل الملوك عنده مغربله * ورمحه للوالدات مثكله لا يلبث القتيل حتى يجد له * يقتل ذا الذنب ومن لا ذنب له (قال هشام) عن أبى مخنف وخرج محمد بن سعد بن أبى وقاص يومئذ يقاتل فلما انهزم الناس مال عليهم يضربهم بسيفه حتى غلبته الهزيمة فذهب فيمن ذهب من الناس وأباح مسلم المدينة ثلاثا يقتلون الناس ويأخذون الاموال فأفزع ذلك من كان بها من الصحابة فخرج أبو سعيد الخدرى حتى دخل في كهف في الجبل فبصر به رجل من أهل الشأم فجاء حتى اقتحم عليه الغار (قال أبو مخنف) فحدثني الحسن بن عطية العوفى عن أبى سعيد الخدرى قال دخل إلى الشامي يمشى بسيفه قال فانتضيت سيفى فمشيت إليه لارعبه لعله ينصرف عنى فأبى إلا الاقدام على فلما

[ 378 ]

رأيت أن قد جد شمت سيفى ثم قلت له لئن بسطت إلى يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدى اليك لاقتلك إنى أخاف الله رب العالمين فقال لى من أنت لله وأبوك فقلت أنا أبو سعيد الخدرى قال صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت نعم فانصرف عنى (قال هشام) حدثنى عوانة قال دعا الناس مسلم بن عقبة بقبا إلى البيعة وطلب الامان لرجلين من قريش ليزيد بن عبد الله بن زمعة بن الاسود بن المطلب بن أسد ابن عبد العزى ومحمد بن أبى الجهم بن حذيفة العدوى ولمعقل بن سنان الاشجعى فأتى بهم بعد الوقعة بيوم فقال بايعوا فقال القرشيان نبايعك على كتاب الله وسنة نبيه فقال لا والله لا أقيلكم هذا أبدا فقدمهما فضرب أعناقهما فقال له مروان سبحان الله أتقتل رجلين من قريش أتيا ليؤمنا فضربت أعناقهما فنخس بالقضيب في خاصرته ثم قال وأنت والله لو قلت بمقالتهما ما رأيت السماء إلا برقة (قال هشام) قال أبو مخنف وجاء معقل بن سنان فجلس مع القوم فدعا بشراب ليسقى فقال له مسلم أبى الشراب أحب إليك قال العسل قال اسقوه فشرب حتى ارتوى فقال له أقضيت ريك من شرابك قال نعم قال لا والله لا تشرب بعده شرابا أبدا إلا الحميم نار جهنم أتذكر مقالتك لامير المؤمنين سرت شهرا ورجعت شهرا وأصبحت صفرا اللهم غير تعنى يزيد فقدمه فضرب عنقه (قال هشام) وأما عوانة بن الحكم فذكر أن مسلم بن عقبة بعث عمرو بن محرز الاشجعى فأتاه بمعقل بن سنان فقال له مسلم مرحبا بأبى محمد أراك عطشان قال أجل قال شوبوا له عسلا بالثلج الذى حملتموه معنا وكان له صديقا قبل ذلك فشابوه له فلما شرب معقل قال له سقاك الله من شراب الجنة فقال له مسلم أما والله لا تشرب بعدها شرابا أبدا حتى تشرب من شراب الحميم قال أنشدك الله والرحم فقال له مسلم أنت الذى لقيتني بطبرية ليلة خرجت من عند يزيد فقلت سرنا شهرا ورجعنا من عند يزيد صفرا نرجع إلى المدينة فنخلع هذا الفاسق ونبايع لرجل من أبناء المهاجرين قيم غطفان وأشجع من الخلع والخلافة إنى آليت بيمين لا ألقاك في حرب أقدر فيه على ضرب عنقك إلا فعلت ثم أمر به فقتل (قال هشام) قال عوانة وأتى

[ 379 ]

يزيد بن وهب بن زمعة فقال بايع قال أبايعك على سنة عمر قال اقتلوه قال أنا أبايع قال لا والله لا أقيلك عثرتك فكلمه مروان بن الحكم لصهر كان بينهما فأمر بمروان فوجئت عنقه ثم قال بايعوا على أنكم خول ليزيد بن معاوية ثم أمر به فقتل (قال هشام) قال عوانة عن أبى مخنف قال قال عبد الملك بن نوفل بن مساحق ثم إن مروان أتى بعلى بن الحسين وقد كان على بن الحسين حين أخرجت بنو أمية منع ثقل مروان وامرأته وآواها ثم خرجت إلى الطائف فهى أم أبان ابنة عثمان بن عفان فبعت ابنه عبد الله معها فشكر ذلك له مروان وأقبل على بن الحسين يمشى بين مروان وعبد الملك يلتمس بهما عند مسلم الامان فجاء حتى جلس عنده بينهما فدعا مروان بشراب ليتحرم بذلك من مسلم فأتى له بشراب فشرب منه مروان شيئا يسيرا ثم ناوله عليا فلما وقع في يده قال له مسلم لا تشرب من شرابنا فأرعدت كفه ولم يأمنه على نفسه وأمسك القدح بكفه لا يشربه ولا يضعه فقال إنك إنما جئت تمشى بين هؤلاء لتأمن عندي والله لو كان هذا الامر إليهما لقتلتك ولكن أمير المؤمنين أوصاني بك وأخبرني أنك كاتبته فذلك نافعك عندي فإنى شئت فاشرب شرابك الذى في يدك وإن شئت دعونا بغيره فقال هذه التى في كفى أريد قال اشربها فشربها ثم قال إلى ههنا فأجلسه معه (قال هشام) قال وقال عوانة بن الحكم لما أتى بعلى بن الحسين إلى مسلم قال من هذا قالوا هذا على بن الحسين قال مرحبا وأهلا ثم أجلسه معه على السرير والطنفسة ثم قال إن أمير المؤمنين أوصاني بك قبلا وهو يقول إن هؤلاء الخبثاء شغلوني عنك وعن وصلتك ثم قال لعلى لعل أهلك فزعوا قال إى والله فأمر بدابته فأسرجت ثم حمله فرده عليها (قال هشام) وذكر عوانة أن عمرو بن عثمان لم يكن فيمن خرج من بنى أمية وأنه أتى به يومئذ إلى مسلم بن عقبة فقال يا أهل الشام تعرفون هذا قالوا لا قال هذا الخبيث ابن الطيب هذا عمرو بن عثمان بن عفان أمير المؤمنين هي يا عمرو إذا ظهر أهل المدينة قلت أنا رجل منكم وإن ظهر أهل الشام قلت أنا ابن أمير المؤمنين عثمان ابن عفان فأمر به فنتفت لحيته ثم قال يا أهل الشام إن أم هذا كانت تدخل الجعل

[ 380 ]

في فيها تقول يا أمير المؤمنين حاجيتك ما في فمى وفى فمها ما ساءها وناءها فخلى سبيله وكانت أمه من دوس (قال أبو جعفر الطبري) فحدثني احمد بن ثابت عمن حدثه عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر وحدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد عن محمد بن عمر قالا كانت وقعة الحرة يوم الابعاء لليلتين بقينا من ذى الحجة سنة 63 وقال بعضهم لثلاث ليال بقين منه (وحج بالناس في هذه السنة عبد الله بن الزبير) * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنى عبد الله بن جعفر عن ابن عوف قال حج ابن الزبير بالناس سنة 63 وكان يسمى يومئذ العائذ ويرون الامر شورى قال فلما كانت ليلة هلال المحرم ونحن في منزلنا إذ قدم علينا سعيد مولى المسور بن مخرمة فخبرنا بما أوقع مسلم بأهل المدينة ومانيل منهم فجاءهم أمر عظيم فرأيت القوم شهروا وجدوا واعدوا وعرفوا انه نازل بهم وقد ذكر من أمر وقعة الحرة ومقتل ابن الغسيل أمر غير الذى روى عن ابى مخنف عن الذين روى وذلك عنهم وذلك ما حدثنى أحمد بن زهير قال حدثنا أبى قال حدثنا وهب بن جرير قال حدثنا جويرية بن أسماء قال سمعت أشياخ أهل المدينة يحدثون أن معاوية لما حضرته الوفاة دعا يزيد فقال له إن لك من أهل المدينة يوما فإن فعلوا فارمهم بمسلم بن عقبة فانه رجل قد عرفت نصيحته فلما هلك معاوية وفد إليه وفد من أهل المدينة وكان ممن وفد عليه عبد الله بن حنظلة بن أبى عامر وكان شريفا فاضلا سيدا عابدا معه ثمانية بنين له فأعطاه مائة ألف درهم وأعطى بنيه لكل واحد منهم عشرة آلاف سوى كسوتهم وحملانهم فلما قدم المدينة عبد الله بن حنظلة أتاه الناس فقالوا ما وراءك قال جئتكم من عند رجل والله لو لم أجد إلا بنى هؤلاء لجاهدته بهم قالوا قد بلغنا أنه أجداك وأعطاك وأكرمك قال قد فعل وما قبلت منه إلا لا تقوى به وحضض الناس فبايعوه فبلغ ذلك يزيد فبعث مسلم بن عقبة إليهم وقد بعث أهل المدينة إلى كل ماء بينهم وبين الشأم فصبوا فيه زقا من قطران وعور فأرسل الله السماء عليهم فلم يستقوا بدلو حتى وردوا المدينة فخرج إليهم أهل المدينة بجموع كثير وهيئة لم ير مثلها

[ 381 ]

فلما رآهم أهل الشأم هابوهم وكرهوا قتالهم ومسلم شديد الوجع فبينما الناس في قتالهم إذ سمعوا التكبير من خلفهم في جوف المدينة وأقحم عليهم بنو حارثة أهل الشأم وهم على الجد فانهزم الناس فكان من أصيب في الخندق أكثر ممن قتل من الناس فدخلوا المدينة وهزم الناس وعبد الله بن حنظلة مستند إلى أحد بنيه يغط نوما فنبهه ابنه فلما فتح عينيه فرأى ما صنع الناس أمر أكبر بنيه فتقدم حتى قتل فدخل مسلم بن عقبة المدينة فدعا الناس للبيعة على أنهم خول ليزيد بن معاوية يحكم في دمائهم وأموالهم وأهليهم ما ساء ثم دخلت سنة أربع وستين ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث (قال أبو جعفر) فمن ذلك مسير أهل الشأم إلى مكة لحرب عبد الله بن الزبير ومن كان على مثل رأيه في الامتناع على يزيد بن معاوية ولما فرغ مسلم بن عقبة من قتال أهل المدينة وإنهاب جنده أموالهم ثلاثا شخص بمن معه من الجند متوجها إلى مكة كالذى ذكر هشام بن محمد عن أبى مخنف قال حدثنى عبد الملك بن نوفل أن مسلما خرج بالناس إلى مكة يريد ابن الزبير وخلف على المدينة روح بن زنباع الجذامي * وأما الواقدي فانه قال خلف عليها عمرو بن محرز الاشجعى قال ويقال خلف عليها روح بن زنباع الجذامي ذكر موت مسلم بن عقبة ورمى الكعبة وإحراقها (رجع الحديث إلى أبى مخنف) قال حتى إذا انتهى إلى المشلل ويقال إلى قفا المشلل نزل به الموت وذلك في آخر المحرم من سنة 64 فدعا حصين بن نمير السكوني فقال له يا ابن برذعة الحمار أما والله لو كان هذا الامر إلى ما وليتك هذا الجند ولكن أمير المؤمنين ولاك بعدى وليس لامر أمير المؤمنين مرد خذ عنى أربعا أسرع السير وعجل الوقاع وعم الاخبار ولا تمكن قرشيا من أذنك ثم إنه مات فدفن بقفا المشلل (قال هشام) بن محمد الكلبى وذكر عوانة أن مسلم

[ 382 ]

ابن عقبة شخص يريد ابن الزبير حتى إذا بلغ ثنية هرشا نزل به الموت فبعث إلى رؤس الاجناد فقال إن أمير المؤمنين عهد إلى إن حدث بى حدث الموت أن أستخلف عليكم حصين بن نمير السكوني والله لو كان الامر إلى ما فعلت ولكن أكره معصية أمر أمير المؤمنين عند الموت ثم دعا به فقال انظر يا برذعة الحمار فاحفظ ما أوصيك به عم الاخبار ولا ترع سمعك قريشا أبدا ولا تردن أهل الشأم عن عدوهم ولا تقيمن إلا ثلاثا حتى تناجز ابن الزبير الفاسق ثم قال اللهم إنى لم أعمل عملا قط بعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله أحب إلى من قتلى أهل المدينة ولا أرجى عندي في الآخرة ثم قال لبنى مرة زراعتي التى بحوران صدقة على مرة وما أغلقت عليه فلانة بابها فهو لها يعنى أم ولده ثم مات ولما مات خرج حصين بن نمير بالناس فقدم على ابن الزبير مكة وقد بايعه أهلها وأهل الحجاز (قال هشام) قال عوانة قال مسلم قبل الوصية ان ابني يزعم أن أم ولدى هذه سقتني الستم وهو كاذب هذا داء يصيبنا في بطوننا أهل البيت قال وقدم عليه يعنى ابن الزبير كل أهل المدينة وقد قدم عليه نجدة بن عامر الحنفي في أناس من الخوارج يمنعون البيت فقال لاخيه المنذر ما لهذا الامر ولدفع هؤلاء القوم غيرى وغيرك وأخوه المنذر ممن شهد الحرة ثم لحق به فجرذ إليهم أخاه في الناس فقاتلهم ساعة قتالا شديدا ثم إن رجلا من أهل الشأم دعا المنذر إلى المبارزة قال والشامي على بغلة له فخرج إليه المنذر فضرب كل واحد منهما صاحبه ضربة خر صاحبه لها ميتا فجثا عبد الله بن الزبير على ركبتيه وهو يقول يا رب أبرها من أصلها ولا تشدها وهو يدعو على الذى بارز أخاه ثم إن أهل الشأم شدوا عليهم شدة منكرة وانكشف أصحابه انكشافة وعثرت بغلته فقال تعسا ثم نزل وصاح بأصحابه إلى فأقبل إليه المسور بن مخرمة بن نوفل بن أهيب ابن عبد مناف بن زهرة ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف الزهري فقاتلوا حتى قتلوا جميعا وصابرهم ابن الزبير يجالدهم حتى الليل ثم انصرفوا عنه وهذا في الحصار الاول ثم إنهم أقاموا عليه يقاتلونه بقية المحرم وصفر كله حتى إذا مضت ثلاثة

[ 383 ]

أيام من شهر ربيع الاول يوم السبت سنة 64 قذفوا البيت بالمجانيق وحرقوه بالنار وأخذوا يرتجزون ويقولون خطارة مثل الفنيق المزبد * نرمى بها أعواد هذا المسجد (قال هشام) قال أبو عوانة جعل عمرو بن حوط السدوسى يقول كيف ترى صنيع أم فروة * تأخذهم بين الصفا والمروة يعنى بأم فروة المنجنيق (وقال الواقدي) سار الحصين بن نمير حين دفن مسلم ابن عقبة بالمشلل لسبع بقين من المحرم وقدم مكة لاربع بقين من المحرم فحاصر ابن الزبير أربعا وستين يوما حتى جاءهم نعى يزيد بن معاوية لهلال ربيع الآخر (وفى هذه السنة) حرقت الكعبة ذكر السبب في إحراقها قال محمد بن عمر احترقت الكعبة يوم السبت لثلاث ليال خلون من شهر ربيع الاول سنة 64 قبل أن يأتي نعى يزيد بن معاوية بتسعة وعشرين يوما وجاء نعيه لهلال ربيع الآخر ليلة الثلاثاء * قال محمد بن عمر حدثنا رياح بن مسلم عن أبيه قال كانوا يوقدون حول الكعبة فأقبلت شررة هبت بها الريح فاحترقت ثياب الكعبة واحترق خشب البيت يوم السبت لثلاث ليال خلون من ربيع الاول * قال محمد بن عمرو حدثنى عبد اله بن زيد قال حدثنى عروة بن أذينة قال قدمت مكة مع أمي يوم احترقت الكعبة قد خلصت إليها النار ورأيتها مجردة من بالحرير ورأيكم الركن قد اسود وانصدع في ثلاثة أمكنة فقلت ما أصاب الكعبة فأشاروا إلى رجل من أصحاب عبد الله بن الزبير قالوا هذا احترقت بسببه أخذ قبسا في رأس رمح له فطيرت الريح به فضرب أستار الكعبة ما بين الركن اليماني والاسود (وفيها) هلك يزيد بن معاوية وكانت وفاته بقرية من قرى حمص يقال لها حوارين من أرض الشأم لاربع عشرة ليلة خلت من ربيع الاول سنة 64 وهو ابن ثمان وثلاثين سنة في قول بعضهم * حدثنى عمر بن شبة قال حدثنا محمد بن يحيى عن هشام بن الوليد المخزومى أن الزهري كتب لجده أسنان الخلفاء فكان فيما كتب من ذلك ومات

[ 384 ]

يزيد بن معاوية وهو ابن تسع وثلاثين وكانت ولايته ثلاث سنين وستة أشهر في قول بعضهم ويقال ثمانية أشهر * وحدثني أحمد بن ثابت عمن حدثه عن اسحاق ابن عيسى عن أبى معشر أنه قال توفى يزيد بن معاوية يوم الثلاثاء لاربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الاول وكانت خلافته ثلاث سنين وثمانية أشهر إلا ثمان ليال وصلى على يزيد ابنه معاوية بن يزيد (وأما هشام) بن محمد الكلبى فانه قال في سن يزيد خلاف الذى ذكره الزهري والذى قال هشام في ذلك فيما حدثنا عنه استخلف أبو خالد يزيد بن معاوية بن أبى سفيان وهو ابن اثنين وثلاثين سنة وأشهر في هلال رجب سنة 60 وولى سنتين وثمانية أشهر وتوفى لاربع عشرة ليلة خلت من ربيع الاول سنة 63 وهو ابن خمس وثلاثين وأمه ميسون بنت بحدل بن أنيف ابن ولجة بن قنافة بن عدى بن زهير بن حارثة الكلبى ذكر عدد ولده فمنهم معاوية بن يزيد بن معاوية يكنى أبا ليلى وهو الذى يقول فيه الشاعر إنى أرى فتنة قد حان أولها * والملك بعد أبى ليلى لمن غلبا وخالد بن يزيد وكان يكنى أبا هاشم وكان يقال إنه أصاب عمل الكيمياء وأبو سفيان وأمهما أم هاشم بنت أبى هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس تزوجها بعد يزيد مروان وهى التى يقول لها الشاعر إنعمى أم خالد * رب ساع لقاعد وعبد الله بن يزيد قيل إنه من أرمى العرب في زمانه وأمه أم كلثوم بنت عبد الله بن عامر وهو الاسوار وله يقول الشاعر زعم الناس أن خير قريش * كلهم حين تذكر الاسوار وعبد الله الاصغر وعمر وأبو بكر وعتبة وحرب وعبد الرحمن والربيع ومحمد لامهات أولاد شتى

[ 385 ]

ثم دخلت سنة خمس وستين خلافة معاوية بن يزيد (وفى هذه السنة) بويع لمعاوية بن يزيد بن معاوية بن أبى سفيان بالشأم بالخلافة ولعبد الله بن الزبير بالحجاز * ولما هلك يزيد بن معاوية مكث الحصين بن نمير وأهل الشأم يقاتلون ابن الزبير وأصحابه بمكة فيما ذكر هشام عن عوانة أربعين يوما قد حصروهم حصارا شديدا وضيقوا عليهم ثم بلغ موته ابن الزبير وأصحابه ولم يبلغ الحصين بن نمير وأصحابه * فحدثنا اسحاق بن أبى اسرائيل قال حدثنا عبد العزيز ابن خالد بن رستم الصنعانى أبو محمد قال حدثنا زياد بن جبل قال بينا حصين بن نمير يقاتل ابن الزبير إذ جاء موت يزيد فصاح بهم ابن الزبير فقال إن طاغيتكم قد هلك فمن شاء منكم أن يدخل فيما دخل فيه الناس فليفعل فمن كره فليلحق بشأمه فغدوا عليه يقاتلونه قال فقال ابن الزبير للحصين بن نمير أدن منى أحدثك فدنا منه فحدثه فجعل فرس أحد هما يجفل والجفل الروث فجاء حمام الحرم يلتقط من الجفل فكف الحصين فرسه عنهن فقال له ابن الزبير مالك قال أخاف أن يقتل فرسى حمام الحرم فقال له ابن الزبير أتحرج من هذا وتريد أن تقتل المسلمين فقال له لا أقاتلك فأذن لنا نطف بالبيت وننصرف عنك ففعل فانصرفوا * وأما عوانة بن الحكم فإنه قال فيما ذكر هشام عنه قال لما بلغ ابن الزبير موت يزيد وأهل الشأم لا يعلمون بذلك قد حصروه حصارا شديدا وضيقوا عليه أخذ يناديهم هو وأهل مكة علام تقاتلون قد هلك طاغيتكم وأخذوا لا يصدقونه حتى قدم ثابت بن قيس بن المنفع النخعي من أهل الكوفة في رؤوس أهل العراق فمر بالحصين بن نمير وكان له صديقا وكان بينهما صهر وكان يراه عند معاوية فكان يعرف فضله وإسلامه وشرفه فسأل عن الخبر فأخبر بهلاك يزيد فبعث الحصين بن نمير على عبد الله بن الزبير فقال موعد ما بيننا وبينك الليلة الابطح فالتقيا فقال له الحصين إن يك هذا الرجل قد هلك فأنت أحق الناس بهذا الامر هلم فلنبايعك ثم اخرج معى إلى الشأم فإن هذا الجند الذين معى هم وجوه أهل الشأم وفرسانهم فوالله لا يختلف عليك اثنان

[ 386 ]

وتؤمن الناس وتهدر هذه الدماء التى كانت بيننا وبينك والتى كانت بيننا وبين أهل الحرة فكان سعيد بن عمرو يقول ما منعه أن يبايعهم ويخرج إلى الشأم إلا تطير لان مكة التى منعه الله بها وكان ذلك من جند مروان وأن عبد الله والله لو سار معهم حتى يدخل الشأم ما اختلف عليه منهم اثنان فزعم بعض قريش أنه قال أنا أهدر تلك الدماء أما والله لا أرضى أن أقتل بكل رجل منهم عشرة وأخذ الحصين يكلمه سرا وهو يجهر جهرا وأخذ يقول لا والله لا أفعل فقال له الحصين بن نمير قبح الله من يعدك بعد هذه داهيا قط أو أديبا قد كنت أظن أن لك رأيا ألا أرانى أكلمك سرا وتكلمني جهرا وأدعوك إلى الخلافة وتعدني القتل والهلكة ثم قام فخرج وصاح في الناس فأقبل فيهم نحو المدينة وندم ابن الزبير على الذى صنع فأرسل إليه أما أن أسير إلى الشأم فلست فاعلا وأكره الخروج من مكة ولكن بايعوا لى هنالك فإنى مؤمنكم وعادل فيكم فقال له الحصين أرأيت إن لم تقدم بنفسك ووجدت هنالك أناسا كثيرا من أهل هذا البيت يطلبونها يجيبهم الناس ما أنا صانع فأقبل بأصحابه ومن معه نحو المدينة فاستقبله على بن الحسين بن على بن أبى طالب ومعه قت وشعير وهو على راحلة له فسلم على الحصين فلم يكد يلتفت إليه ومع الحصين بن نمير فرس له عتيق وقد فنى قته وشعيره فهو غرض وهو يسب غلامه ويقول من أين نجد هنا لدابتنا علفا فقال له على ابن الحسين هذا علف عندنا فاعلف منه دابتك فأقبل على على عند ذلك بوجهه فأمر له بما كان عنده من علف واجترأ أهل المدينة وأهل الحجاز على أهل الشأم فذلوا حتى كان لا ينفرد منهم رجل إلا أخذ بلجام دابته ثم نكس عنها فكانوا يجتمعون في معسكرهم فلا يفترقون وقالت لهم بنو أمية لا تبرحوا حتى تحملونا معكم إلى الشأم ففعلوا ومضى ذلك الجيش حتى دخل الشأم وقد أوصى يزيد بن معاوية بالبيعة لابنه معاوية بن يزيد فلم يلبث إلا ثلاثة أشهر حتى مات * وقال عوانة استخلف يزيد بن معاوية ابنه معاوية بن يزيد فلم يمكث إلا أربعين يوما حتى مات * وحدثني عمر عن على بن محمد قال لما استخلف معاوية بن يزيد وجمع

[ 387 ]

عمال أبيه وبويع له بدمشق هلك بها بعد أربعين يوما من ولايته ويكنى أبا عبد الرحمن وهو أبو ليلى وأمه أم هاشم بنت أبى هاشم بن عتبة بن ربيعة وتوفى وهو ابن ثلاث عشرة سنة وثمانية عشر يوما (وفى هذه السنة) بايع أهل البصرة عبيدالله ابن زياد على أن يقوم لهم بأمرهم حتى يصطلح الناس على إمام يرتضونه لانفسهم ثم أرسل عبيدالله رسولا إلى الكوفة يدعوهم إلى مثل الذى فعل من ذلك أهل البصرة فأبوا عليه وحصبوا الوالى الذى كان عليهم ثم خالفه أهل البصرة أيضا فهاجت بالبصرة فتنة ولحق عبيدالله بن زياد بالشأم ذكر الخبر عما كان من أمر عبيدالله بن زياد وأمر أهل البصرة معه بها بعد موت يزيد * وحدثني عمر بن شبة قال حدثنى موسى بن إسماعيل قال حدثنا حماد بن سلمة عن على بن زيد عن الحسن قال كتب الضحاك بن قيس إلى قيس بن الهيثم حين مات يزيد بن معاوية سلام عليك أما بعد فإن يزيد بن معاوية قد مات وأنتم إخواننا فلا تسبقونا بشئ حتى نختار لانفسنا * حدثنى عمر قال حدثنا زهير بن حرب قال حدثنا وهب بن حماد قال حدثنا محمد بن أبى عيينة قال حدثنى شهرك قال شهدت عبيدالله بن زياد حين مات يزيد بن معاوية قام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يا أهل البصرة انسبوني فوالله لتجدني أهاجر والدى ومولدى فيكم ودارى ولقد وليتكم وما أحصى ديوان مقاتلتكم إلا سبعين ألف مقاتل ولقد أحصى اليوم ديوان مقاتلتكم ثمانين ألفا وما أحصى ديوان عمالكم إلا تسعين ألفا ولقد أحصى اليوم مائة وأربعين ألفا وما تركت لكم ذا ظنة أخافه عليكم إلا وهو في سجنكم هذا وإن أمير المؤمنين يزيد بن معاوية قد توفى وقد اختلف أهل الشأم وأنتم اليوم أكثر الناس عددا وأعرضه فناء وأغناه عن الناس وأوسعه بلادا فاختاروا لانفسكم رجلا ترضونه لدينكم وجماعتكم فأنا أول راض من رضيتموه وتابع فإن اجتمع أهل الشام على رجل ترتضونه دخلتم فيما دخل فيه المسلمون وإن كرهتم ذلك كنتم على جديلتكم حتى تعطوا حاجتكم فما بكم إلى

[ 388 ]

أحد من أهل البلدان حاجة وما يستغنى الناس عنكم فقامت خطباء أهل البصرة فقالوا قد سمعنا مقالتك أيها الامير وإنا والله ما نعلم أحدا أقوى عليها منك فهلم فلنبايعك فقال لا حاجة لى في ذلك فاختاروا لانفسكم فأبوا عليه وأبى عليهم حتى كرروا ذلك عليه ثلاث مرات فلما أبوا بسط يده فبايعوه ثم انصرفوا بعد البيعة وهم يقولون لا يظن ابن مرجانة أنا نستقاد له في الجماعة والفرقة كذب والله ثم وثبوا عليه * حدثنى عمر قال زهير قال حدثنا وهب قال وحدثنا الاسود بن شيبان عن خالد ابن سمير أن شقيق بن ثور ومالك بن مسمع وحصين بن المنذر أتوا عبيدالله ليلا وهو في دار الامارة فبلغ ذلك رجلا من الحى من بنى سدوس قال فانطلقت فلزمت دار الامارة فلبثوا معه حتى مضى عليه الليل ثم خرجوا ومعهم بغل موقر مالا قال فأتيت حصينا فقلت مر لى من هذا المال بشئ فقال عليك ببنى عمك فأتيت شقيقا فقلت مرلى من هذا المال بشئ قال وعلى المال مولى له يقال له أيوب فقال يا أيوب أعطه مائة درهم قلت أما مائة درهم والله لا أقبلها فسكت عنى ساعة وسار هنيهة فأقبلت عليه فقلت مر لى من هذا المال بشئ فقال يا أيوب أعطه مائتي درهم قلت لا أقبل والله مائتين ثم أمر لى بثلثمائة ثم أربعمائة فلما انتهينا إلى الطفاوة قلت مر لى بشئ قال أرأيت إن لم أفعل ما أنت صانع قلت أنطلق والله حتى إذا توسطت دور الحى وضعت إصبعى في أذنى ثم صرخت بأعلى صوتي يا معشر بكر بن وائل هذا شقيق ابن ثور وحصين بن المنذر ومالك بن المسمع قد انطلقوا إلى ابن زياد فاختلفوا في دمائكم قال ماله فعل الله به وفعل ويلك أعطه خمسمائة درهم قال فأخذتها ثم صبحت غاديا على مالك قال وهب فلم أحفظ ما أمر له به مالك قال ثم رأيت حصينا فدخلت عليه فقال ما صنع ابن عمك فأخبرته وقلت أعطني من هذا المال فقال إنا قد أخذنا هذا المال ونجونا به فلن نخشى من الناس شيئا فلم يعطنى شيئا (قال أبو جعفر) وحدثني أبو عبيدة معمر بن المثنى أن يونس بن حبيب الجرمى حدثه قال لما قتل عبيدالله بن زياد الحسين بن على عليه السلام وبنى أبيه بعث برؤوسهم إلى يزيد بن معاوية فسر بقتلهم أولا وحسنت بذلك منزلة عبيدالله

[ 389 ]

عنده ثم لم يلبث إلا قليلا حتى ندم على قتل الحسين فكان يقول وما كان على لو احتملت الازدي وأنزلته معى في دارى وحكمته فيما يريد وإن كان على في ذلك وكف ووهن في سلطاني حفظا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ورعاية لحقه وقرابته لعن الله ابن مرحانة فإنه أخرجه واضطره وقد كان سأله أن يخلى سبيله ويرجع فلم يفعل أو يضع يده في يدى أو يلحق بثغر من ثغور المسلمين يتوفاه الله عز وجل فلم يفعل فأبى ذلك ورده عليه وقتله فبغضني بقتله إلى المسلمين وزرع لى في قلوبهم العداوة فبغضني البر والفاجر لما استعظم الناس من قتلى حسينا مالى ولابن مرجانة لعنه الله وغضب عليه ثم إن عبيدالله بعث مولى له يقال له أيوب ابن حمران إلى الشأم ليأتيه بخبر يزيد فركب عبيدالله ذات يوم حتى إذا كان في رحبة القصابين إذا هو بأيوب بن حمران قد قدم فلحقه فأسر إليه موت يزيد بن معاوية فرجع عبيدالله من مسيره ذلك فأتى منزله وأمر عبد الله بن حصن أحد بنى ثعلبة بن يربوع فنادى الصلاة جامعة (قال أبو عبيدة) وأما عمير بن معن الكاتب فحدثني قال الذى بعثه عبيدالله بن حمران مولاه فعاد عبيدالله عبد الله ابن نافع أخا زياد لامه ثم خرج عبيدالله ماشيا من خوخة كانت في دار نافع إلى المسجد فلما كان في صحنه إذا هو بمولاه حمران أدنى ظلمة عند المساء وكان حمران رسول عبيدالله بن زياد إلى معاوية حياته وإلى يزيد فلما رآه ولم يكن له أن يقدم قال مهيم قال خير قال وما وراءك قال أدنو منك قال نعم وأسر إليه موت يزيد واختلاف أمر الناس بالشأم وكان يزيد مات يوم الخميس للنصف من شهر ربيع الاول سنة 64 فأقبل عبيدالله من فوره فأمر مناديا فنادى الصلاة جامعة فلما اجتمع الناس صعد المنبر فنعى يزيد وعرض بثلبه لفصد بزيد إياه قبل موته حتى يخافه عبيدالله فقال الاحنف لعبيد الله إنه قد كانت ليزيد في أعناقنا بيعة وكان يقال أعرض عن ذى فنن فأعرض عنه ثم قام عبيدالله يذكر اختلاف أهل الشأم وقال إنى قد وليتكم ثم ذكر نحو حديث عمر بن شبة عن زهير بن حرب إلى فبايعوه عن رضى منهم ومشورة ثم قال فلما خرجوا من عنده جعلوا يمسحون

[ 390 ]

أكفهم بباب الدار وحيطانه ويقولون ظن ابن مرجانة أنا نوليه أمرنا في الفرقة قال فأقام عبيدالله أميرا غير كثير حتى جعل سلطانه يضعف ويأمرنا بالامر فلا يقضى ويرى الرأى فيرد عليه ويأمر بحبس المخطئ فيحال بين أعوانه وبينه (قال أبو عبيدة) فسمعت غيلان بن محمد يحدث عن عثمان البتى قال حدثنى عبد الرحمن بن حوشب قال تبعت جنازة فلما كان في سوق الابل إذا رجل على فرس شهباء متقنع بسلاح وفى يده لواء وهو يقول أيها الناس هلموا إلى أدعكم إلى ما لم يدعكم إليه أحد أدعوكم إلى العائذ بالحرم يعنى عبد الله بن الزبير * قال فتجمع إليه نويس فجعلوا يصفقون على يديه ومضينا حتى صلينا على الجنازة فلما رجعنا إذا هو قد انضم إليه أكثر من الاولين ثم أخذ بين دار قيس بن الهيثم بن أسماء ابن الصلت السلمى ودار الحارثيين قبل بنى تميم في الطريق الذى يأخذ عليهم فقال ألا من أرادنى فأنا سلمة بن ذؤيب وهو سلمة بن ذؤيب بن عبد الله بن محكم بن زيد بن رياح بن يربوع بن حنظلة قال فلقينى عبد الرحمن بن بكر عند الرحبة فأخبرته بخبر سلمة بعد رجوعي فأتى عبد الرحمن عبيدالله فحدثه بالحديث عنى فبعث إلى فأتيته فقال ما هذا الذى خبر به عنك أبو بحر قال فاقتصصت عليه القصة حتى أتيت على آخرها فأمر فنودى على المكان الصلاة جامعة فتجمع الناس فأنشأ عبيدالله يقص أول أمره وأمرهم وما قد كان دعاهم إلى من يرتضونه فيبايعه معهم وإنكم أبيتم غيرى وإنه بلغني أنكم مسحتم أكفكم بالحيطان وباب الدار وقلتم ما قلتم وإنى آمر بالامر فلا ينفذ ويرد على رأيى وتحول القبائل بين أعواني وطلبتي ثم هذا سلمة بن ذؤيب يدعو إلى الخلاف عليكم إرادة أن يفرق جماعتكم ويضرب بعضكم جباه بعض بالسيف فقال الاحنف صخر بن قيس بن معاوية بن حصين ابن عبادة بن النزال بن مرة بن عبيد بن الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد ابن زيد مناة بن تميم والناس جميعا نحن نأتيك بسلمة فأتوا سلمة فإذا جمعه قد كثف وإذا الفتق قد اتسع على الراتق وامتنع عليهم فلما رأوا ذلك قعدوا عن عبيدالله ابن زياد فلم يأتوه (قال أبو عبيدة) فجدثنى غير واحد عن سبرة بن الجارود

[ 391 ]

الهذلى عن أبيه الجارود قال وقال عبيدالله في خطبته يا أهل البصرة والله لقد لبسنا الخز واليمنة واللين من الثياب حتى لقد أجمنا ذلك وأجمته جلودنا فما بنا إلى أن نعقبها الحديد يا أهل البصرة والله لو اجتمعتم على ذنب عير لتكسروه ما كسرتموه (قال الجارود) فوالله ما رمى بجماح حتى هرب فتوارى عند مسعود فلما قتل مسعود لحق بالشأم (قال يونس) وكان في بيت مال عبيدالله يوم خطب الناس قبل خروج سلمة ثمانية آلاف ألف أو أقل وقال على ابن محمد تسعة عشرة ألف ألف فقال للناس إن هذا فيؤكم فخذوا أعطياتكم وأرزاق ذراريكم منه وأمر الكتبة بتحصيل الناس وتخريج الاسماء واستعجل الكتاب في ذلك حتى وكل بهم من يحبسهم بالليل في الديوان وأسرجوا بالشمع * قال فلما صنعوا ما صنعوا وقعدوا عنه وكان من خلاف سلمة عليه ما كان كف عن ذلك ونقلها حين هرب فهى إلى اليوم تردد في آل زياد فيكون فيهم العرس أو المأتم فلا يرى في قريش مثلهم ولا في قريش أحسن منهم في الغضارة والكسوة فدعا عبيدالله رؤساء خاصة السلطان فأرادهم أن يقاتلوا معه فقالوا إن أمرنا قوادنا قاتلنا معك فقال إخوة عبيدالله لعبيد الله والله ما من خليفة فتقاتل عنه فإن هزمت فئت إليه وإن استمددته أمدك وقد علمت أن الحرب دول فلا ندرى لعلها تدول عليك وقد اتخذنا بين أظهر هؤلاء القوم أموالا فان ظفروا أهلكونا وهلكوها فلم تبق لك باقية وقال له أخوه عبد الله لابيه وأمه مرجانة والله لئن قاتلت القوم لاعتمدن على ظبة السيف حتى يخرج من صلبى فلما رأى ذلك عبيدالله أرسل إلى حارث بن قيس بن صهبان ابن عون بن علاج بن مازن بن أسود بن جهضم بن جذيمة بن مالك بن فهم فقال له يا حار إن أبى كان أوصاني إن احتجت إلى الهرب يوما أن أختاركم وإن نفسي تأبى غيركم فقال الحارث قد أبلوك في أبيك ما قد علمت وبلوه فلم يجدوا عنده ولا عندك مكافأة ومالك مرد إذا اخترتنا وما أدرى كيف إبائى لك إن أخرجتك نهارا إنى أخاف ألا أصل بك إلى قومي حتى تقتل واقتل ولكني

[ 392 ]

أقيم معك حتى إذا وارى دمس دمسا وهدأت القدم ردفت خلفي لئلا تعرف ثم أخذتك على أخوالى بنى ناجية قال عبيدالله نعم ما رأيت فأقام حتى إذا قلت أخوك أم الذئب حمله خلفه وقد نقل تلك الاموال فأحرزها ثم انطلق به يمر به على الناس وكانوا يتحارسون مخافة الحارورية فيسأل عبيدالله أين نحن فيخبره فلما كانوا في بنى سليم قال عبيدالله أين نحن قال في بنى سليم قال سلمنا إن شاء الله فلما أتى بنى ناجية قال أين نحن قال في بنى ناجية قال نجونا إن شاء الله فقال بنو ناجية من أنت قال الحارث بن قيس قالوا ابن أخيكم وعرف رجل منهم عبيدالله فقال ابن مرجانة فأرسل سهما فوقع في عمامته ومضى به الحارث حتى ينزله دار نفسه في الجهاضم ثم مضى إلى مسعود بن عمرو بن عدى بن محارب ابن صنيم بن مليح بن شرطان بن معن بن مالك بن فهم فقالت الازد ومحمد بن أبى عيينة فلما رآه مسعود قال يا حار قد كان يتعوذ من سوء طوارق الليل فنعوذ بالله من شر ما طرقتنا به قال الحارث لم أطرقك إلا بخير وقد علمت أن قومك قد أنجوا زيادا فوفوا له فصارت لهم مكرمة في العرب يفتخرون بها عليهم وقد بايعتم عبيدالله بيعة الرضا رضى من مشورة وبيعة اخرى قد كانت في أعناقكم قبل هذه البيعة يعنى بيعة الجماعة فقال له مسعود يا حار أترى لنا أن نعادي أهل مصرنا في عبيدالله وقد أبلينا في أبيه ما أبلينا ثم لم نكافي عليه ولم نشكر ما كنت احسب أن هذا من رأيك قال الحارث إنه لا يعاديك أحد على الوفاء ببيعتك حتى تبلغه مأمنه (قال أبو جعفر) وأما عمر فحدثني قال حدثنى زهير بن حرب قال حدثنا وهب ابن جرير قال حدثنا أبى عن الزبير بن الخريت عن أبى لبيد الجهضمى عن الحارث ابن قيس قال عرض نفسه يعنى عبيدالله بن زياد على فقال أما والله إنى لاعرف سوء رأى كان في قومك قال فرققت له فأردفته على بغلتي وذلك ليلا فأخذت على بنى سليم فقال من هؤلاء قلت بنو سليم قال سلمنا إن شاء الله ثم مررنا ببنى ناجية وهم جلوس ومعهم السلاح وكان الناس يتحارسون إذ ذاك في مجالسهم فقالوا من هذا قلت الحارث بن قيس قالوا امض راشدا فلما مضينا قال رجل منهم هذا

[ 393 ]

والله ابن مرجانة خلفه فرماه بسهم فوضعه في كور عمامته فقال يا أبا محمد من هؤلاء قال الذين كنت تزعم أنهم من قريش هؤلاء بنو ناجية قال نجونا إن شاء الله ثم قال يا حارث إنك قد أحسنت وأجملت فهل أنت صانع ما أشير به عليك قد علمت منزلة مسعود بن عمرو في قومه وشرفه وسنه وطاعة قومه له فهل لك أن تذهب بى إليه فأكون في داره فهى وسط الازد فإنك إن لم تفعل صدع عليك أمر قومك قلت نعم فانطلقت به فما شعر مسعود بشئ حتى دخلنا عليه وهو جالس ليلتئذ يوقد بقضيب على لبنة وهو يعالج خفيه قد خلع أحدهما وبقى الآخر فلما نظر في وجوهنا عرفنا وقال إنه كان يتعرذ من طوارق السوء فقلت له أفتخرجه بعد ما دخل عليك بيتك قال فأمره فدخل بيت عبد الغافر بن مسعود وامرأة عبد الغافر يومئذ خيرة بنت خفاف بن عمرو قال ثم ركب مسعود من ليلته ومعه الحارث وجماعة من قومه فطافوا في الازد ومجالسهم فقالوا إن ابن زياد قد فقد وإنا لا نأمن أن تلطخوا به فأصبحوا في السلاح وفقد الناس ابن زياد فقالوا أين توجه فقالوا ما هو إلا في الازد قال وهب فحدثنا أبو بكر بن الفضل عن قبيصة بن مروان أنهم جعلوا يقولون أين ترونه توجه فقالت عجوز من بنى عقيل أين ترونه توجه اندحس والله في أجمة أبيه وكانت وفاة يزيد حين جاءت ابن زياد وفى بيوت مال البصرة ستة عشر ألف ألف ففرق ابن زياد طائفة منها في بنى أبيه وحمل الباقي معه وقد كان دعا البخارية إلى القتال معه ودعا بنى زياد إلى ذلك فأبوا عليه * حدثنى عمر قال حدثنى زهير بن حرب قال حدثنا الاسود بن شيبان عن عبد الله بن جرير المازنى قال بعث إلى شقيق بن ثور فقال لى إنه قد بلغني إن ابن منجوف هذا وابن مسمع يدلجان بالليل إلى دار مسعود ليردا ابن زياد إلى الدار ليصلوا بين هذين الغارين فيهريقوا دماءكم ويعزوا أنفسهم ولقد هممت أن أبعث إلى ابن منجوف فأشده وثاقا وأخرجه عنى فاذهب إلى مسعود فاقرأ عليه السلام منى وقل له إن ابن منجوف وابن مسمع يفعلان كذا وكذا فأخرج هذين الرجلين عنك قال وكان معه عبيدالله وعبد الله ابنا زياد قال فدخلت على مسعود

[ 394 ]

وابنا زياد عنده أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله فقلت السلام عليك أبا قيس قال وعليك السلام قلت بعثنى اليك شقيق بن ثور يقرأ عليك السلام ويقول لك إنه بلغني فرد الكلام بعينه إلى فأخرجهما عنك قال مسعود والله قلت ذاك فقال عبيدالله كيف أبا ثور ونسى كنيته إنما كان يكنى أبا الفضل فقال أخوه عبد الله إنا والله لا نخرج عنكم قد أجرتمونا وعقدتم لنا ذمتكم فلا نخرج حتى نقتل بين أظهركم فيكون عارا عليكم إلى يوم القيامة قال وهب حدثنا الزبير بن الخريت عن أبى لبيد أن أهل البصرة اجتمعوا فقلدوا أمرهم النعمان بن صهبان الراسبى ورجلا من مضر ليختارا لهم رجلا فيولوه عليهم وقالوا من رضيتما لنا فقد رضيناه وقال غير أبى لبيد الرجل المضرى قيس بن الهيثم السلمى قال أبو لبيد ورأى المضرى في بنى أمية ورأى النعمان في بنى هاشم فقال النعمان ما أرى أحدا أحق بهذا الامر من فلان لرجل من بنى أمية قال وذلك رأيك قال نعم قال قد قلدتك أمرى ورضيت من رضيت ثم خرجا إلى الناس فقال المضرى قد رضيت من رضى النعمان فمن سمى لكم فأنا به راض فقالوا للنعمان ما تقول فقال ما أرى أحدا غير عبد الله بن الحارث وهو بببة فقال المضرى ما هذا الذى سميت لى قال بلى لعمري إنه لهو فرضى الناس بعبدالله وبايعوه قال أصحابنا دعت مضر إلى العباس بن الاسود بن عوف الزهري ابن أخى عبد الرحمن بن عوف ودعت اليمن إلى عبد الله بن الحارث بن نوفل فتراضى الناس أن حكموا قيس بن الهيثم والنعمان بن صهبان الراسبى لينظر في أمر الرجلين فاتفق رأيهما على أن يوليا المضرى الهاشمي إلى أن يجتمع أمر الناس على إمام فقيل في ذلك: نزعنا وولينا وبكر بن وائل * تجر خصاها تبتغى من تحالف فلما أمروا ببة على البصرة ولى شرطته هميان بن عدى السدوسى (قال أبو جعفر) وأما أبو عبيدة فيما حدثنى محمد بن على عن أبى سعدان عنه قص من خبر مسعود وعبيدالله ابن زياد وأخيه غير القصة التى قصها وهب بن جرير عمن روى عنهم خبرهم قال حدثنى مسلمة بن محارب بن سلم بن زياد وغيره من آل زياد عمن أدرك ذلك منهم ومن مواليهم

[ 395 ]

والقوم أعلم بحديثهم ان الحارث بن قيس لم يكلم مسعودا ولكنه آمن عبيد الله فحمل معه مائة ألف درهم ثم أتى بها إلى أم بسطام امرأة مسعود وهى بنت عمه ومعه عبيدالله وعبد الله ابنا زياد فاستأذن عليها فأذنت له فقال لها الحارث قد أتيتك بأمر تسودين به نساءك وتتمين به شرف قومك وتعجلين غنى ودنيا لك خاصة هذه مائة ألف درهم فاقبضها فهى لك وضمي عبيدالله قالت إنى أخاف ألا يرضى مسعود بذلك ولا يقبله فقال الحارث ألبسيه ثوبا من أثوابك وأدخليه بيتك وخلى بيننا وبين مسعود فقبضت المال وفعلت فلما جاء مسعود أخبرته فأخذ برأسها فخرج عبيدالله والحارث من حجلتها عليه فقال عبيدالله قد أجازتني ابنة عمك عليك وهذا ثوبك على وطعامك في بطني وقد التفت على بيتك وشهد له على ذلك الحارث وتلطفا له حتى رضى قال أبو عبيدة وأعطى عبيدالله الحارث نحوا من خمسين ألفا فلم يزل عبيدالله في بيت مسعود حتى قتل مسعود قال أبو عبيدة فحدثني يزيد بن سمير الجرمى عن سوار بن عبد الله بن سعيد الجرمى قال فلما هرب عبيدالله غير أهل البصرة بغير أمير فاختلفوا فيمن يؤمرون عليهم ثم تراضوا برجلين يختاران لهم خيرة فيرضون بها إذا اجتمعا عليها فتراضوا بقيس بن الهيثم السلمى وبنعمان بن سفيان الراسبى راسب بن جرم بن رباب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة أن يختارا من يرضيان لهم فذكرا عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وأمه هند بنت أبى سفيان بن حرب بن أمية وكان يلقب ببة وهو جد سليمان بن عبد الله بن الحارث وذكرا عبد الله بن الاسود الزهري فلما أطبقا عليهما اتعد المربد وواعد الناس أن يجتمع آراؤهم على أحد هذين قال فحضر الناس وحضرت معهم قارعة المربد أي أعلاه فجاء قيس بن الهيثم ثم جاء النعمان بعد فتجاول قيس والنعمان فأرى النعمان قيسا أن هواه في ابن الاسود ثم قال إنا لا نستطيع أن نتكلم معا وأراده أن يجعل الكلام إليه ففعل قيس وقد أعتقد احدهما على الآخر فأخذ النعمان على الناس عهدا ليرضون بما يختار قال ثم أتى النعمان عبد الله بن الاسود فأخذه بيده وجعل يشترط عليه شرائط حتى ظن الناس انه مبايعه ثم تركه وأخذ

[ 396 ]

بيد عبد الله بن الحارث فاشترط عليه مثل ذلك ثم حمد الله تعالى وأثنى عليه وذكر النبي صلى الله عليه وسلم وحق أهل بيته وقرابته ثم قال يا ايها الناس ما تنقمون من رجل من بنى عم نبيكم صلى الله عليه وسلم وأمه هند بنت أبى سفيان فإن كان فيهم فهو ابن أختكم ثم صفق على يده وقال ألا إنى قد رضيت لكم به فنادوا قد رضينا فأقبلوا بعبدالله بن الحارث إلى دار الامارة حتى نزلها وذلك في أول جمادى الآخرة سنة 64 واستعمل على شرطته هميان بن عدى السدوسى ونادى في الناس أن احضروا البيعة فحضروا فبايعوه فقال الفرزدق حين بايعه: وبايعت أقواما وفيت بعهدهم * وببة قد بايعته غير نادم قال أبو عبيدة فحدثني زهير بن هنيدة عن عمرو بن عيسى قال كان منزل مالك بن مسمع الجحدرى في الباطنة عند باب عبد الله الاصبهاني في خط بنى جحدر الذى عند مسجد الجامع فكان مالك يحضر المسجد فبينا هو قاعد فيه وذلك بعد يسير من أمر ببة وافى الحلقة رجل من ولد عبد الله عامر بن كريز القرشى يريد ببة ومعه رسالة من عبد الله بن خازم وبيعته بهراة فتنازعوا فأغلظ القرشى لمالك فلطم رجل من بكر بن وائل القرشى فتهايج من ثم من مضر وربيعة وكثرتهم ربيعة الذين في الحلقة فنادى رجل يال تميم فسمعت الدعوة عصبة من ضبة بن أد كانوا عند القاضى فأخذوا رماح حرس من المسجد وترستهم ثم شدوا على الربعيين فهزموهم وبلغ ذلك شقيق بن ثور السدوسى وهو يومئذ رئيس بكر بن وائل فأقبل إلى المسجد فقال لا تجدن مضريا إلا قتلتموه فبلغ ذلك مالك بن مسمع فأقبل متفضلا يسكن الناس فكف بعضهم عن بعض فمكث الناس شهرا أو أقل وكان رجل من بنى يشكر يجالس رجلا من بنى ضبة في المسجد فتذاكرا لطمة البكري القرشى ففخر اليشكرى قال ثم قال ذهبت طلقا فأحفظ الصبى بذلك فوجأ عنقه فوقذه الناس في الجمعة فحمل إلى أهله ميتا أعنى اليشكرى فثارت بكر إلى رأسهم أشيم بن شقيق فقالوا سر بنا فقال بل أبعث إليهم رسولا فإن سيبوا لنا حقنا وإلا سرنا إليهم فأبت ذلك بكر فأتوا مالك

[ 397 ]

ابن مسمع وقد كان قبل ذلك مملكا عليهم قبل أشيم فغلب أشيم على الرئاسة حين شخص أشيم إلى يزيد بن معاوية فكتب له إلى عبيدالله بن زياد أن ردوا الرئاسة إلى أشيم فأبت اللهازم وهم بنو قيس بن ثعلبة وحلفاؤهم عنزة وشيع اللات وحلفاؤها عجل حتى توافواهم وآل ذهل بن شيبان وحلفاؤها يشكر وذهل بن ثعلبة وحلفاؤها ضبيعة بن ربيعة بن نزار أربع قبائل وأربع قبائل وكان هذا الحلف في أهل الوبر في الجاهلية فكانت حنيفة بقيت من قبائل بكر لم تكن دخلت في الجاهلية في هذا الحلف لانهم أهل مدر فدخلوا في الاسلام مع أخيهم عجل فصاروا لهزمة ثم تراضوا بحكم عمران بن عصام العنزي أحد بنى هميم وردها إلى أشيم فلما كانت هذه الفتنة استخفت بكر مالك بن مسمع فخف وجمع وأعد فطلب إلى الازد أن يجددوا الحلف الذى كان بينهم قبل ذلك في الجماعة على يزيد ابن معاوية فقال حارثة بن بدر في ذلك: نزعنا وأمرنا وبكر بن وائل * تجر خصاها تبتغى من تحالف وما بات بكرى من الدهر ليلة * فيصبح إلى وهو للذل عارف قال فبلغ عبيدالله الخبر وهو في رحل مسعود من تباعد ما بين بكر وتميم فقال لمسعود الق مالكا فجدد الحلف الاول فلقيه فترادا ذلك وتأبى عليهما نفر من هولاء وأولئك فبعث عبيدالله أخاه عبد الله مع مسعود فأعطاه جزيلا من المال حتى أنفق في ذلك أكثر من مائتي ألف درهم على أن بايعوهما وقال عبيدالله لاخيه استوثق من القوم لاهل اليمن فجددوا الحلف وكتبوا بينهم كتابا سوى الكتابين اللذين كانا كتبا بينهما في الجماعة فوضعوا كتابا عند مسعود بن عمرو قال أبو عبيدة فحدثني بعض ولد مسعود أن أول تسمية من فيه الصلت بن حريث ابن جابر الحنفي ووضعوا كتابا عند الصلت بن حريث اول تسميته أابن رجاء العوذى من عوذ بن سود وقد كان بينهم قبل هذا حلف قال أبو عبيدة وزعم محمد ابن حفص ويونس بن حبيب وهبيرة بن جدير وزهير بن هنيد أن مضر كانت تكثر ربيعة بالبصرة وكانت جماعة الازد آخر من نزل بالبصرة كانوا حيث

[ 398 ]

مصرت البصرة فحول عمر بن الخطاب رحمه الله من تنوخ من المسلمين إلى البصرة وأقامت جماعة الازد لم يتحولوا ثم لحقوا بالبصرة بعد ذلك في آخر خلافة معاوية وأول خلافة يزيد بن معاوية فلما قدموا قالت بنو تميم للاحنف بادر إلى هؤلاء قبل أن تسبقنا إليهم ربيعة وقال الاحنف إن أتوكم فاقبلوهم وإلا لا تأتوهم فإنكم إن أتيتموهم صرتم لهم أتباعا فأتاهم مالك بن مسمع ورئيس الازد يومئذ مسعود ابن عمرو المعنى فقال مالك جددوا حلفنا وحلف كندة في الجاهلية وحلف بنى ذهل ابن ثعلبة في طيئ بن أدد من ثعل فقال الاحنف أما إذ أتوهم فلن يزالوا لهم أتباعا أذنابا قال أبو عبيدة فحدثني هبيرة بن جدير عن إسحاق بن سويد قال فلما أن جرت بكر إلى نصر الازد على مضر وجددوا الحلف الاول وأرادوا أن يسيروا قالت الازد لا نسير معكم إلا أن يكون الرئيس منا فرأسوا مسعودا عليهم قال أبو عبيدة فحدثني مسلمة بن محارب قال قال مسعود لعبيد الله سر معنا حتى نعيدك في الدار فقال ما أقدر على ذلك امض أنت وأمر برواحله فشدوا عليها أدواتها وسوادها وتزمل في أهبة السفر وألقوا له كرسيا على باب مسعود فقعد عليه وسار مسعود وبعث عبيدالله غلمانا له على الخيل مع مسعود وقال لهم إنى لا أدرى ما يحدث فأقول إذا كان كذا فليأتني بعضكم بالخبر ولكن لا يحدثنا خير ولا شر إلا أتانى بعضكم به فجعل مسعود لا يأتي على سكة ولا يتجاوز قبيلة إلا أتى بعض أولئك الغلمان بخبر ذلك وقدم مسعود ربيعة وعليهم مالك بن مسمع فأخذوا جميعا سكة المربد فجاء مسعود حتى دخل المسجد فصعد المنبر وعبد الله بن الحارث في دار الامارة فقيل له إن مسعودا وأهل اليمن وربيعة قد ساروا وسيهيج بين الناس شر فلو أصلحت بينهم أو ركبت في بنى تميم عليهم وقال أبعدهم الله لا والله لا أفسدت نفسي في إصلاحهم وجعل رجل من أصحاب مسعود يقول: لانكحن ببه * جارية في قبه * تمشط رأس لعبه فهذا قول الازد وربيعة فأما مضر فيقولون إن أمه هند بنت أبى سفيان كانت ترقصه وتقول هذا فلما لم يحل أحد بين مسعود وبين صعود المنبر خرج مالك بن

[ 399 ]

مسمع في كتيبته حتى علا الجبان من سكة المربد ثم جعل يمر بعداد دور بنى تميم حتى دخل سكة بنى العدوية من قبل الجبان فجعل يحرق دورهم للشحناء التى في صدورهم لقتل الضبى اليشكرى ولاستعراض ابن خازم ربيعة بهراة قال فبينا هو في ذلك إذ أتوه فقالوا قتلوا مسعودا وقالوا سارت بنو تميم إلى مسعود فأقبل حتى إذا كان عند مسجد بنى قيس في سكة المربد وبلغه قتل مسعود وقف قال أبو عبيدة فحدثني زهير بن هنيدة قال حدثنا الضحاك أو الوضاح بن خيثمة أحد بنى عبد الله بن دارم قال حدثنى مالك بن دينار قال ذهبت في الشباب الذين ذهبوا إلى الاحنف ينظرون قال فأتيته وأتته بنو تميم فقالوا إن مسعودا قد دخل الدار وأنت سيدنا فقال لست بسيدكم إنما سيدكم الشيطان وأما هبيرة بن جدير فحدثني عن إسحاق بن سويد العدوى قال أوتيت منزل الاحنف في النظارة فأتوا الاحنف فقالوا يا أبا بحر إن ربيعة والازد قد دخلوا الرحبة فقال لستم بأحق بالمسجد منهم ثم أتوه فقالوا قد دخلوا الدار فقال لستم بأحق بالدار منهم فتسرع سلمة بن ذؤيب الرياحي فقال إلى يا معشر الفتيان فإنما هذا جيش لا خير لكم عنده فبدرت ذؤبان بنى تميم فانتدب معه خمسمائة وهم مع ماه أفريذون فقال لهم سلمة أين تريدون قالوا إياكم أردنا قال فتقدموا قال أبو عبيدة فحدثني زهير بن هنيدة عن أبى نعامة عن ناشب بن الحسحاس وحميد بن هلال قالا أتينا منزل الاحنف بحضرة المسجد قالا فكنا فيمن ينظر فأتته امرأة بمجمر فقالت مالك وللرئاسة تجمر فإنما أنت امرأة فقال است المرأة أحق بالمجمر فأتوه فقالوا إن علية بنت ناجية الرياحي وهى أخت مطر وقال آخرون عزة بنت الحر الرياحية قد سلبت خلاخيلها من ساقيها وكان منزلها شارعا في رحبة بنى تميم على الميضاة وقالوا قتلوا الصباغ الذى على طريقك وقتلوا المقعد الذى كان على باب المسجد وقالوا إن مالك بن مسمع قد دخل سكة بنى العدوية من قبل الجبان فحرق دورا فقال الاحنف أقيموا البينة على هذا ففى دون هذا ما يحل قتالهم فشهدوا عنده على ذلك فقال الاحنف أجاء عباد وهو عباد ابن حصين بن يزيد بن عمرو بن أوس بن سيف بن عزم بن حلزة بن بيان بن سعد

[ 400 ]

ابن الحارث الحبطة بن عمرو بن تميم قالوا لا ثم مكث غير طويل فقال أجاء عباد قالوا لا قال فهل ههنا عبس بن طلق بن ربيعة بن عامر بن بسطام بن الحكم بن ظالم ابن صريم بن الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد فقالوا نعم فدعاه فانتزع معجرا في رأسه ثم جثا على ركبتيه فعقده في رمح ثم دفعه إليه فقال سر قالا فلما ولى قال اللهم لا تخزها اليوم فإنك لم تخزها فيما مضى وصالح الناس هاجت زيرا وزيرا امة للاحنف وإنما كنوا بها عنه قالا فلما سار عبس جاء عباد في ستين فارسا فسأل ما صنع الناس فقالوا ساروا قال ومن عليهم قالوا عبس بن طلق الصريمى فقال عباد أنا أسير تحت لواء عبس فرجع والفرسان إلى أهله فحدثني زهير قال حدثنا أبو ريحانة العرينى قال كنت يوم قتل مسعود تحت بطن فرس الزرد بن عبد الله السعدى أعدو حتى بلغنا شريعة القديم قال إسحاق بن سويد فأقبلوا فلما بلغوا أفواه السكك وقفوا فقال لهم ماه أفريذون بالفارسية ما لكم يا معشر الفتيان قالوا تلقونا بأسنة الرماح فقال لهم بالفارسية صكوهم بالفنجقان أي بخمس نشابات في رمية بالفارسية والاساورة أربعمائة فصكوهم بألفى نشابة في دفعة فأجلوا عن أبواب السكك وقاموا على باب المسجد ودلفت التميمة إليهم فلما بلغوا الابواب وقفوا فسألهم ماه أفريذون مالكم قالوا أسندوا إلينا أطراف رماحهم قال ارموهم أيضا فرموهم بألفى نشابة فأجلوهم عن الابواب فدخلوا المسجد فأقبلوا ومسعود يخطب على المنبر ويحضض فجعل غطفان بن أنيف بن يزيد بن فهدة أحد بنى كعب بن عمرو بن تميم وكان يزيد بن فهدة فارسا في الجاهلية يقاتل ويحض قومه ويرتحز يال تميم إنها مذكوره * إن فات مسعود بها مشهوره فاستمسكوا بجانب المقصورة أي لا يهرب فيفوت قال إسحاق بن يزيد فأتوا مسعودا وهو على المنبر يحض فاستنزلوه فقتلوه وذلك في أول شوال سنة 64 فلم يكن القوم شيئا فانهزموا وبادر أشيم بن شقيق القوم باب المقصورة هاربا فطعنه أحدهم فنجا بها ففى ذلك يقول الفرزدق

[ 401 ]

لو أن أشيم لم يسبق أسنتنا * وأخطأ الباب إذ نيراننا تقد إذا لصاحب مسعودا وصاحبه * وقد تهافتت الاعفاج والكبد قال أبو عبيدة فحدثني سلام بن أبى خيرة وسمعته أيضا من أبى الخنساء كسيب العنبري يحدث في حلقة يونس قالا سمعنا الحسن بن أبى الحسن يقول في مجلسه في مسجد الامير فأقبل مسعود من ههنا وأشار بيده إلى منازل الازد في أمثال الطير معلما بقباء ديباج أصفر مغير بسواد يأمر الناس بالسنة وينهى عن الفتنة ألا إن من السنة أن تأخذ فوق يديك وهم يقولون القمر القمر فوالله ما لبثوا إلا ساعة حتى صار قمرهم قميرا فأتوه فاستنزلوه عن المنبر وهو عليه قد علم الله فقتلوه (قال سلام في حديثه) قال الحسن وجاء الناس من ههنا وأشار بيده إلى دور بنى تميم قال أبو عبيدة فحدثني سلمة بن محارب قال فأتوا عبيدالله فقالوا قد صعد مسعود المنبر ولم يرم دون الدار بكتاب فبيناهم في ذلك يتهيأ ليجئ إلى الدار إذ جاؤا فقالوا قد قتل مسعود فاغترز في ركابه فلحق بالشأم وذلك في شوال سنة 64 قال أبو عبيدة فحدثني رواد الكعبي قال فأتى مالك بن مسمع أناس من مضر فحصروه في داره وحرقوا ففى ذلك يقول غطفان بن أنيف الكعبي في أرجوزة وأصبح ابن مسمع محصورا * يبغى قصورا دونه ودورا حتى شببنا حوله السعيرا ولما هرب عبيدالله بن زياد اتبعوه فأعجز الطلبة فانتهبوا ما وجدوا له ففى ذلك يقول وافد بن خليفة بن أسماء أحد بنى صخر بن منقر بن عبيد بن الحارث ابن عمرو بن كعب بن سعد يا رب جبار شديد كلبه * قد صارفينا تاجه وسلبه منهم عبيدالله حين نسلبه * جياده وبزه وننهبه يوم التقى مقنبنا ومقنبه * لو لم ينج ابن زياد هربه وقال جرهم بن عبد الله بن قيس أحد بنى العدوية في قتل مسعود في كلمة طويلة ومسعود بن عمرو إذ أتانا * صبحنا حد مطرور سنينا

[ 402 ]

رجا التأمير مسعود فأضحى * صريعا قد أزرناه المنونا (قال أبو جعفر) محمد بن جرير وأما عمر فانه حدثنى في أمر خروج عبيدالله إلى الشأم قال حدثنى زهير قال حدثنا وهب بن جرير بن حازم قال حدثنا الزبير ابن الخريت قال بعث مسعود مع ابن زياد مائة من الازد عليهم قرة بن عمرو بن قيس حتى قدموا به الشأم * وحدثني عمر قال حدثنا أبو عاصم النبيل عن عمرو بن الزبير وخلاد بن يزيد الباهلى والوليد بن هشام عن عمه عن أبيه عن عمرو بن هبيرة عن يساف بن شريح اليشكرى قال وحدثنيه على بن محمد قال قد اختلفوا فزاد بعضهم على بعض أن ابن زياد خرج من البصرة فقال ذات ليلة إنه قد ثقل على ركوب الابل فوطئوا لى على ذى حافر قال فألقيت له قطيفة على حمار فركبه وإن رجليه لتكاد أن تخدان في الارض قال اليشكرى فانه ليسير أمامى إذ سكت سكتة فأطالها فقلت في نفسي هذا عبيدالله أمير العراق أمس نائم الساعة على حمار لو قد سقط منه أعنته ثم قلت والله لئن كان نائما لانغصن عليه نومه فدنوت منه فقلت أنائم أنت قال لا قلت فما أسكتك قال كنت أحدث نفسي قلت أفلا أحدثك ما كنت تحدث به نفسك قال هات فوالله ما أراك تكيس ولا تصيب قال قلت كنت تقول ليتنى لم أقتل الحسين قال وماذا قلت تقول ليتنى لم أكن قتلت من قتلت قال وماذا قلت كنت تقول ليتنى لم أكن بنيت البيضاء قال وماذا قلت تقول ليتنى لم أكن استعملت الدهاقين قال وماذا قلت وتقول ليتنى كنت أسخى مما كنت قال فقال والله ما نطقت بصواب ولا سكت عن خطإ أما الحسين فانه سار إلى يريد قتلى فاخترت قتله على أن يقتلنى وأما البيضاء فانى اشتريتها من عبد الله بن عثمان الثقفى وأرسل يزيد بألف ألف فأنفقتها عليها فان بقيت فلاهلي وإن هلكت لم آس عليها مما لم أعنف فيه وأما استعمال الدهاقين فان عبد الرحمن بن ابى بكرة وزاذان فروخ وقعا في عند معاوية حتى ذكرا قشور الارز فبلغا بخراج العراق مائة ألف ألف فخيرني معاوية بين الضمان والعزل فكرهت العزل فكنت إذا استعملت الرجل من العرب فكسر الخراج فتقدمت

[ 403 ]

إليه أو أغرمت صدور قومه أو أغرمت عشيرته أضررت بهم وإن تركته تركت مال الله وأنا أعرف مكانه فوجدت الدهاقين أبصر بالجباية وأوفى بالامانة وأهون في المطالبة منكم مع أنى قد جعلتكم أمناء عليهم لئلا يظلموا أحدا وأما قولك في السخاء فوالله ما كان لى مال فأجود به عليكم ولو شئت لاخذت بعض مالكم فخصصت به بعضكم دون بعض فيقولون ما أسخاه ولكني عممتكم وكان عندي أنفع لكم وأما قولك ليتنى لم أكن قتلت من قتلت فما عملت بعد كلمة الاخلاص عملا هو أقرب إلى الله عندي من قتلى من قتلت من الخوارج ولكني سأخبرك بما حدثت به نفسي قلت ليتنى كنت قاتلت أهل البصرة فانهم بايعوني طائعين غير مكرهين وايم الله لقد حرصت على ذلك ولكن بنى زياد أتونى فقالوا انك إذا قاتلتهم فظهروا عليك لم يبقوا منا أحدا وإن تركتهم يغيب الرجل منا عند أخواله وأصهاره فرفقت لهم فلم أقاتل وكنت أقول ليتنى كنت أخرجت أهل السجن فضربت أعناقهم فأما إذ فاتت هاتان فليتني كنت أقدم الشأم ولم يبرموا أمرا قال بعضهم فقدم الشأم ولم يبرموا أمرا فكأنما كانوا معه صبيانا وقال بعضهم قدم الشأم وقد أبرموا فنقض ما أبرموا إلى رأيه (وفى هذه السنة) طرد أهل الكوفة عمرو بن حريث وعزلوه عنهم واجتمعوا على عامر بن مسعود ذكر الخبر عن عزلهم عمرو بن حريث وتأميرهم عامرا (قال أبو جعفر) ذكر الهيثم بن عدى قال حدثنا ابن عياش قال كان أول من جمع له المصران الكوفة والبصرة زيادا وابنه فقتلا من الخوارج ثلاثة عشر ألفا وحبس عبيدالله منهم أربعة آلاف فلما هلك يزيد قام خطيبا فقال إن الذى كنا نقاتل عن طاعته قد مات قإن أمرتموني جبيت فيئكم وقاتلت عدوكم وبعث بذلك إلى أهل الكوفة مقاتل بن مسمع وسعيد بن قرحا أحد بنى مازن وخليفتا على الكوفة عمرو بن حريث فقاما بذلك فقام يزيد بن الحارث بن رويم الشيباني فقال الحمد لله الذى أراحنا من ابن سمية لا ولا كرامة فأمر به عمر فلبب ومضى به إلى السجن فحالت بكر بينهم وبينه فانطلق يزيد إلى أهله خائفا فأرسل

[ 404 ]

إليه محمد بن الاشعث أنك على رأيك وتتابعت عليه الرسل بذلك وصعد عمرو المنبر فحصبوه فدخل داره واجتمع الناس في المسجد فقالوا نؤمر رجلا إلى أن يجتمع الناس على خليفة فأجمعوا على عمرو بن سعيد فجاءت نساء همدان يبكين حسينا ورجالهم متقلدو السيوف فأطافوا المنبر فقال محمد بن الاشعث جاء أمر غير ما كنا فيه وكانت كندة تقوم بأمر عمرو بن سعيد لانهم أخواله فاجتمعوا على عامر بن مسعود وكتبوا بذلك إلى ابن الزبير فأقره وأما عوانة بن الحكم فإنه قال فيما ذكر هشام بن محمد عنه لما بايع أهل البصرة عبيدالله بن زياد بعث وافدين من قبله إلى الكوفة عمرو بن مسمع وسعد بن القرحا التميمي ليعلم أهل الكوفة ما صنع أهل البصرة ويسألانهم البيعة لعبيد الله بن زياد حتى يصطلح الناس فجمع الناس عمرو بن حريث فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن هذين الرجلين قد أتياكم من قبل أميركم يدعوانكم إلى أمر يجمع الله به كلمتكم ويصلح به ذات بينكم فاسمعوا منهما واقبلوا عنهما فانهما برشد ما أتياكم فقام عمرو بن مسمع فحمد الله وأثنى عليه وذكر أهل البصرة واجتماع رأيهم على تأمير عبيدالله بن زياد حتى يرى الناس رأيهم فيمن يولون عليهم وقد جئناكم لنجمع أمرنا وأمركم فيكون أميرنا وأميركم واحدا فانما الكوفة من البصرة والبصرة من الكوفة وقام ابن القرحا فتكلم نحوا من كلام صاحبه قال فقام يزيد ابن الحارث بن يزيد الشيباني وهو ابن رويم فحصبهما أول الناس ثم حصبهما الناس بعد ثم قال أنحن نبايع لابن مرجانة لا ولا كرامة فشرفت تلك الفعلة يزيد في المصر ورفعته ورجع الوفد إلى البصرة فأعلم الناس الخبر فقالوا أهل الكوفة يخلعونه وأنتم تولونه وتبايعونه فوثب به الناس وقال ما كان في ابن زياد وصمة إلا استجارته بالازد قال فلما نابذه الناس استجار بمسعود بن عمرو الازدي فأجاره ومنعه فمكث تسعين يوما بعد موت يزيد ثم خرج إلى الشأم وبعث الازد وبكر بن وائل رجالا منهم معه حتى أوردوه الشأم فاستخلف حين توجه إلى الشأم مسعود بن عمرو على البصرة فقالت بنو تميم وقيس لا نرضى ولا

[ 405 ]

نجيز ولا نولي إلا رجلا ترضاه جماعتنا فقال مسعود فقد استخلفني فلا أدع ذلك أبدا فخرج في قومه حتى انتهى إلى القصر فدخله واجتمعت تميم إلى الاحنف بن قيس فقالوا له إن الازد قد دخلوا المسجد قال ودخل المسجد فمه إنما هو لكم ولهم وأنتم تدخلونه قالوا فانه قد دخل القصر فصعد المنبر وكانت خوارج قد خرجوا فنزلوا بنهر الاساورة حين خرج عبيدالله بن زياد إلى الشأم فزعم الناس أن الاحنف بعث إليهم أن هذا الرجل الذى قد دخل القصر لنا ولكم عدو فما يمنعكم من أن تبدؤا به فجاءت عصابة منهم حتى دخلوا المسجد ومسعود بن عمرو على المنبر يبايع من أتاه فيرميه علج يقال له مسلم من أهل فارس دخل البصرة فأسلم ثم دخل في الخوارج فأصاب قلبه فقتله وخرج وجال الناس بعضهم في بعض فقالوا قتل مسعود بن عمرو قتلته الخوارج فخرجت الازد إلى تلك الخوارج فقتلوا منهم وجرحوا وطردوهم عن البصرة ودفنوا مسعودا فجاءهم الناس فقالوا لهم تعلمون أن بنى تميم يزعمون أنهم قتلوا مسعود بن عمرو فبعثت الازد تسأل عن ذلك فإذا أناس منهم يقولونه فاجتمعت الازد عند ذلك فرأسوا عليهم زياد ابن عمرو العتكى ثم ازدلفوا إلى بنى تميم وخرجت مع بنى تميم قيس وخرج مع الازد مالك بن مسمع وبكر بن وائل فأقبلوا نحو بنى تميم وأقبلت تميم إلى الاحنف يقولون قد جاء القوم اخرج وهو متمكث إذ جاءته امرأة من قومه بمجمر فقالت يا أحنف اجلس على هذا أي إنما أنت امرأة فقال استك أحق بها فما سمع منه بعد كلمة كانت أرفث منها وكان يعرف بالحلم ثم إنه دعا برايته فقال اللهم انصرها ولا تذللها وإن نصرتها ألا يظهر بها ولا يظهر عليها اللهم احقن دماءنا وأصلح ذات بيننا ثم سار وسار ابن أخيه إياس بن معاوية بين يديه فالتقى القوم فاقتتلوا أشد القتال فقتل من الفريقين قتلى كثيرة فقالت لهم بنو تميم الله الله يا معشر الازد في دمائنا ودمائكم بيننا وبينكم القرآن ومن شئتم من أهل الاسلام فإن كانت لكم علينا بينة أنا قتلنا صاحبكم فاختاروا أفضل رجل فينا فاقتلوه بصاحبكم وإن لم تكن لكم بينة فإنا نحلف بالله ما قتلنا ولا أمرنا ولا نعلم

[ 406 ]

لصاحبكم قاتلا وإن لم تريدوا ذلك فنحن ندى صاحبكم بمائة ألف درهم فاصطلحوا فأتاهم الاحنف بن قيس في وجوه مضر إلى زياد بن عمرو العتكى فقال يا معشر الازدي أنتم جيرتنا في الدار وإخوتنا عند القتال وقد آتيناكم في رحالكم لاطفاء حشيشتكم وسل سخيمتكم ولكم الحكم مرسلا فقولوا على أحلامنا وأموالنا فانه لا يتعاظمنا ذهاب شئ من أموالنا كان فيه صلاح بيننا فقالوا أتدون صاحبنا عشر ديات قال هي لكم فانصرف الناس واصطلحوا فقال الهيثم بن الاسود أعلى بمسعود الناعي فقلت له * نعم اليماني تجرأ على الناعي أوفى ثمانين ما يسطيعه أحد * فتى دعاه لرأس العدة الداعي أدى ابن حرب وقد سدت مذاهبه * فأوسع السرب منه أي إيساع حتى توارث به أرض وعامرها * وكان ذا ناصر فيها وأشياع وقال عبد الله بن الحر ما زلت أجو الازد حتى رأيتها * تقصر عن بنيانها المتطاول أيقتل مسعود ولم يثأروا به * وصارت سيوف الازد مثل المناجل وما خير عقل أورث الازد ذلة * تسب به أحياؤهم في المحافل على أنهم شمط كأن لحاهم * ثعالب في أعناقها كالجلاجل واجتمع أهل البصرة على أن يجعلوا عليهم منهم أميرا يصلى بهم حتى يجتمع الناس على إمام فجعلوا عبد الملك بن عبد الله بن عامر شهرا ثم جعلوا ببة وهو عبد الله بن الحارث بن عبد المطلب فصلى بهم شهرين ثم قدم عليهم عمر بن عبد الله بن معمر بن قبل ابن الزبير فمكث شهرا ثم قدم الحارث بن عبد الله بن ربيعة الخزومى بعزله فوليها الحارث وهو القباع (قال أبو جعفر) وأما عمر بن شبة فانه حدثنى في أمر عبد الملك بن عبد الله بن عامر بن كريز وأمر ببة ومسعود وقتله وأمر عمر بن عبد الله غير ما قال هشام عن عوانة والذى حدئنى عمر بن شبة في ذلك أنه قال حدثنى على بن محمد عن أبى مقرن عبيدالله الدهنى قال لما

[ 407 ]

بايع الناس ببة ولى ببة شرطته هميان بن عدى وقدم على ببة بعض أهل المدينة وأمر هميان بن عدى بإنزاله قريبا منه فأتى هميان دارا للفيل مولى زياد التى في بنى سليم وهم بتفريغها ليننزلها إياه وقد كان هرب وأقفل أبوابه فمنعت بنو سليم هميان حتى قاتلوه واستصرخوا عبد الملك بن عبد الله بن عامر بن كريز فأرسل بخاريته ومواليه في السلاح حتى طردوا هميان ومنعوه الدار وغدا عبد الملك من الغد إلى دار الامارة ليسلم على ببة فلقيه على الباب رجل من بنى قيس بن ثعلبة فقال أنت المعين علينا بالامس فرفع يده فلطمه فضرب قوم من البخارية يد القيسي فأطارها ويقال بل سلم القيسي وغضب ابن عامر فرجع وغضبت له مضر فاجتمعت وأتت بكر بن وائل أشيم بن شقيق بن ثور فاستصرخوه فأقبل ومعه مالك بن مسمع حتى صعد المنبر فقال أي مضرى وجدتموه فاسلبوه وزعم بنو مسمع أن مالكا جاء يومئذ متفضلا في غير سلاح ليرد أشيم عن رأيه ثم انصرفت بكر وقد تحاجزوا هم والمضرية واغتنمت الازد ذلك فحالفوا بكرا وأقبلوا مع مسعود إلى المسجد الجامع وفزعت تميم إلى الاحنف فعقد عمامته على قناة ودفعها إلى سلمة بن ذؤيب الرياحي فأقبل بين يديه الاساورة حتى دخل المسجد ومسعود يخطب فاستنزلوه فقتلوه وزعمت الازد أن الازارقة قتلوه فكانت الفتنة وسفر بينهم عمر بن عبيدالله بن معمر وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام حتى رضيت الازد من مسعود بعشر ديات ولزم عبد الله بن الحارث بينته وكان يتدين وقال ما كنت لاصلح الناس بفساد نفسي قال عمر قال أبو الحسن فكتب أهل البصرة إلى ابن الزبير فكتب إلى أنس بن مالك يأمره بالصلاة بالناس فصلى بهم أربعين يوما * حدثنى عمر قال حدثنا على بن محمد قال كتب ابن الزبير إلى عمر ابن عبيدالله بن معمر التيمى بعهده على البصرة ووجه به إليه فوافقه وهو متوجه يريد العمرة فكتب إلى عبيدالله يأمره أن يصلى بالناس فصلى بهم حتى قدم عمر * حدثنى عمر قال حدثنى زهير بن حرب قال حدثنا وهب بن جرير قال حدثنى أبى قال سمعت محمد بن الزبير قال كان الناس اصطلحوا على عبد الله بن الحارث

[ 408 ]

الهاشمي فولى أمرهم أربعة أشهر وخرج نافع بن الازرق إلى الاهواز فقال الناس لعبد الله إن الناس قد أكل بعضهم بعضا تؤخذ المرأة من الطريق فلا يمنعها أحد حتى تفضح قال فتريدون ماذا قالوا تضع سيفك وتشد على الناس قال ما كنت لاصلحهم بفساد نفسي يا غلام ناولنى نعلي فانتعل ثم لحق بأهله وأمر الناس عليهم عمر بن عبيدالله بن معمر التيمى قال أبى عن الصعب بن زيد إن الجارف وقع وعبد الله على البصرة فماتت أمه في الجارف فما وجدوا لها من يحملها حتى استأجروا لها أربعة أعلاج فحملوها إلى حفرتها وهو الامير يومئذ * حدثنى عمر قال حدثنى على بن محمد قال كان ببة قد تناول في عمله على البصرة أربعين ألفا من بيت المال فاستودعها رجلا فلما قدم عمر بن عبيدالله أميرا أخذ عبد الله بن الحارث فحبسه وعذب مولى له في ذلك المال حتى أغرمه إياه * حدثنى عمر قال حدثنى على بن محمد عن القافلانى عن يزيد بن عبد الله بن الشخير قال قلت لعبد الله بن الحارث بن نوفل رأيتك زمان استملت علينا أصبت من المال واتقيت الدم فقال إن تبعة المال أهون من تبعة الدم (وفى هذه السنة) ولى أهل الكوفة عامر بن مسعود أمرهم فذكر هشام بن محمد الكلبى عن عوانة بن الحكم أنهم لما ردوا وافدي أهل البصرة اجتمع أشراف أهل الكوفة فاصطلحوا على أن يصلى بهم عامر بن مسعود وهو عامر بن مسعود بن خلف القرشى وهو دحرجة الجعل الذى يقول فيه عبد الله بن همام السلولى أشدد يديك بزيد إن ظفرت به. * واشف الارامل من دحروجة الجعل وكان قصيرا حتى يرى الناس رأيهم فمكث ثلاثة أشهر من مهلك يزيد بن معاوية ثم قدم عليهم عبد الله بن يزيد الانصاري ثم الخطمى على الصلاة وإبراهيم بن محمد ابن طلحة عبيدالله على الخراج فاجتمع لابن الزبير أهل الكوفة وأهل البصرة ومن بالقبلة من العرب وأهل الشأم وأهل الجزيرة إلا أهل الاردن (وفى هذه السنة) بويع لمروان بن الحكم بالخلافة بالشأم ذكر السبب في البيعة له * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال حدثنا محمد بن عمر قال لما بويع

[ 409 ]

عبد الله بن الزبير ولى المدينة عبيدة بن الزبير وعبد الرحمن بن جحدم الفهرى مصر وأخرج بنى أمية ومروان بن الحكم إلى الشأم وعبد الملك يومئذ ابن ثمان وعشرين فلما قدم حصين بن نمير ومن معه إلى الشأم أخبر مروان بما خلف عليه ابن الزبير وأنه دعاه إلى البيعة فأبى فقال له ولبنى أمية نحن نراكم في اختلاط شديد فأقيموا أمركم قبل أن يدخل عليكم شأمكم فتكون فتنة عمياء صماء فكان من رأى مروان أن يرحل فينطلق إلى ابن الزبير فيبايعه فقدم عبيدالله بن زياد واجتمعت عنده بنو أمية وكان قد بلغ عبيدالله ما يريد مروان فقال له استحييت لك مما تريد أنت كبير قريش وسيدها تصنع ما تصنعه فقال ما فات شئ بعد فقام معه بنو أمية ومواليهم وتجمع إليه أهل اليمن فسار وهو يقول ما فات شئ بعد فقدم دمشق ومن معه والضحاك بن قيس الفهرى قد بايعه أهل دمشق على أن يصلى بهم ويقيم لهم أمرهم حتى يجتمع أمر أمة محمد (وأما عوانة) فإنه قال فيما ذكر هشام عنه أن يزيد بن معاوية لما مات وابنه معاوية من بعده وكان معاوية بن يزيد ابن معاوية فيما بلغني أمر بعد ولايته فنودى بالشأم الصلاة جامعة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإنى قد نظرت في أمركم فضعفت عنه فابتغيت لكم رجلا مثل عمر بن الخطاب رحمة الله عليه حين فزع إليه أبو بكر فلم أجده فابتغيت لكم سنة في الشورى مثل سنة عمر فلم أجدها فأنتم أولى بأمركم فاختاروا له من أحببتم ثم دخل منزله ولم يخرج إلى الناس وتغيب حتى مات فقال بعض الناس دس إليه فسقى سما وقال بعضهم طعن (رجع الحديث إلى حديث عوانة) ثم قدم عبيدالله بن زياد دمشق وعليها الضحاك بن قيس الفهرى فثار زفر بن عبد الله الكلابي بقنسرين يبايع لعبدالله بن الزبير وبايع النعمان بن بشير الانصاري بحمص لابن الزبير وكان حسان بن مالك بن بحدل الكلبى بفلسطين عاملا لمعاوية بن أبى سفيان ثم ليزيد أبن معاوية بعده وكان يهوى بنى أمية وكان سيد أهل فلسطين فدعا حسان بن مالك بن بحدل الكلبى روح بن زنباع الجذامي فقال إنى مستخلفك على فلسطين وأدخل هذا الحى من لخم وجذام ولست بدون رجل إذ كنت عينهم قاتلت بمن معك

[ 410 ]

من قومك وخرج حسان بن مالك إلى الاردن واستخلف روح بن زنباع على فلسطين فثار تاثل بن قيس بروح بن زنباع فأخرجه فاستولى على فلسطين وبايع لابن الزبير وقد كان عبد الله ابن الزبير كتب إلى عامله بالمدينة أن ينفى بنى أمية من المدينة فنفوا بعيالاتهم ونسائهم لى الشأم فقدمت بنو أمية دمشق وفيها مروان ابن الحكم فكان الناس فريقين حسان بن مالك بالاردن يهوى هوى بنى أمية ويدعو إليهم والضحاك بن قيس الفهرى بدمشق يهوى هوى عبد الله بن الزبير ويدعو إليه قال فقام حسان بن مالك بالاردن فقال يا أهل الاردن ما شهادتكم على ابن الزبير وعلى قتلى أهل الحرة قالوا نشهد أن ابن الزبير منافق وأن قتلى أهل الحرة في النار قال فما شهادتكم على يزيد بن معاوية وقتلاكم بالحرة قالوا نشهد أن يزيد على الحق وأن قتلانا في الجنة قال وأنا أشهد لئن كان دين يزيد بن معاوية وهو حى حقا يومئذ إنه اليوم وشيعته على حق وإن كان ابن الزبير يومئذ وشيعته على باطل إنه اليوم على باطل وشيعته قالوا له قد صدقت نحن نبايعك على أن نقاتل من خالفك من الناس وأطاع ابن الزبير على أن تجنبنا هذين الغلامين فإنا نكره ذلك يعنون ابني يزيد بن معاوية عبد الله وخالدا فإنهما حديثه أسنانهما ونحن نكره أن يأتينا الناس بشيخ ونأتيهم بصبى وقد كان الضحاك بن قيس بدمشق يهوى هوى ابن الزبير وكان يمنعه من إظهار ذلك أن بنى أمية كانوا بحضرته وكان يعمل في ذلك سرا فبلغ ذلك حسان بن مالك بن بحدل فكتب إلى الضحاك كتابا يعظم فيه حق بنى أمية ويذكر الطاعة والجماعة وحسن بلاء بنى أمية عنده وصنيعهم إليه ويدعوه إلى طاعتهم ويذكر ابن الزبير ويقع فيه ويشتمه ويذكر أنه منافق قد خلع خليفتين وأمره أن يقرأ كتابه على الناس ودعا رجلا من كلب يدعى ناغضة فسرح بالكتاب معه إلى الضحاك بن قيس وكتب حسان بن مالك نسخة ذلك الكتاب ودفعه إلى ناغضة وقال إن قرأ الضحاك كتابي على الناس وإلا فقم فاقرأ هذا الكتاب على الناس وكتب حسان إلى بنى أمية يأمرهم أن يحضروا ذلك فقدم ناغضة بالكتاب على الضحاك فدفعه إليه ودفع كتاب بنى أمية

[ 411 ]

إليهم فلما كان يوم الجمعة صعد الضحاك المنبر فقام إليه ناغضة فقال أصلح الله الامير ادع بكتاب حسان فاقرأه على الناس فقال له الضحاك اجلس فجلس ثم قام إليه الثانية فقال له اجلس ثم قام إليه الثالثة فقال له اجلس فلما رآه ناغضة لا يفعل أخرج الكتاب الذى معه فقرأه على الناس فقام الوليد بن عتبة بن أبى سفيان فصدق حسانا وكذب ابن الزبير وشتمه وقام يزيد بن أبى النمس الغساني فصدق مقالة حسان وكتابه وشتم ابن الزبير وقام سفيان بن الابرد الكلبى فصدق مقالة حسان وكتابه وشتم ابن الزبير وقام عمرو بن يزيد الحكمى فشتم حسانا وأثنى على ابن الزبير واضطرب الناس تبعا لهم ثم أمر الضحاك الوليد بن عتبة ويزيد ابن أبى النمس وسفيان بن الابرد الذين كانوا صدقوا مقالة حسان وشتموا ابن الزبير فحبسوا وجال الناس بعضهم في بعض وثبت كلب على عمرو بن يزيد الحكمى فضربوه وحرقوه بالنار وخرقوا ثيابه وقام خالد بن يزيد بن معاوية فصعد مرقاتين من المنبر وهو يومئذ غلام والضحاك بن قيس على المنبر فتكلم خالد بن يزيد بكلام أو جز فيه لم يسمع مثله وسكن الناس ونزل الضحاك فصلى بالناس الجمعة ثم دخل فجاءت كلب فأخرجوا سفيان بن الابرد وجاءت غسان فأخرجوا يزيد بن أبى النمس فقال الوليد بن عتبة لو كنت من كلب أو غسان أخرجت قال فجاء ابنا يزيد بن معاوية خالد وعبد الله معهما أخوالهما من كلب فأخرجوه من السجن فكان ذلك اليوم يسميه أهل الشأم يوم جيرون الاول وأقام الناس بدمشق وخرج الضحاك إلى مسجد دمشق فجلس فيه فذكر يزيد بن معاوية فوقع فيه فقدم إليه شاب من كلب بعصا معه فضربه بها والناس جلوس في الحلق متقلدى السيوف فقام بعضهم إلى بعض في المسجد فاقتتلوا قيس تدعو إلى ابن الزبير ونصرة الضحاك وكلب تدعو إلى بنى أمية ثم إلى خالد بن يزيد ويتعصبون ليزيد ودخل الضحاك دار الامارة وأصبح الناس فلم يخرج إلى صلاة الفجر وكان من الاجناد ناس يهوون هوى بنى أمية وناس يهوون هوى ابن الزبير فبعث الضحاك إلى بنى أمية فدخلوا عليه من الغد فاعتذر إليهم وذكر حسن بلائهم عند مواليه وعنده وأنه ليس يريد شيئا يكرهونه قال فتكتبون إلى حسان ونكتب فيسير

[ 412 ]

من الاردن حتى ينزل الجابية ونسير نحن وأنتم حتى نوافيه بها فبايع لرجل منكم فرضيت بذلك بنو أمية وكتبوا إلى حسان وكتب إليه الضحاك وخرج الناس وخرجت بنو أمية واستقبلت الرايات وتوجهوا يريدون الجابية فجاء ثور بن معن بن يزيد بن الاخنس السلمى إلى الضحاك فقال دعوتنا إلى طاعة ابن الزبير فبايعناك على ذلك وأنت تسير إلى هذا الاعرابي من كلب تستخلف ابن أخيه خالد بن يزيد فقال له الضحاك فما الرأى قال الرأى أن نظهر ما كنا نسر وندعوا إلى طاعة ابن الزبير ونقاتل عليها فمال الضحاك بمن معه من الناس فعطفهم ثم أقبل يسير حتى نزل بمرج راهط واختلف في الوقعة التى كانت بمرج راهط بين الضحاك ابن قيس ومروان بن الحكم فقال محمد بن عمر الواقدي بويع مروان بن الحكم في المحرم سنة 65 وكان مروان بالشأم لا يحدث نفسه بهذا الامر حتى أطمعه فيه عبيد الله بن زياد حين قدم عليه من العراق فقال له أنت كبير قريش ورئيسها يلى عليك الضحاك بن قيس فذلك حين كان ما كان فخرج إلى الضحاك في جيش فقتلهم مروان والضحاك يومئذ في طاعة ابن الزبير وقتلت قيس بمرج راهط مقتلة لم يقتل مثلها في موطن قط قال محمد بن عمر حدثنى إبن أبى الزناد عن هشام بن عروة قال قتل الضحاك يوم مرج راهط على أن يدعو إلى عبد الله بن الزبير وكتب به إلى عبد الله لنا وذكر من طاعته عنه وحسن رأيه وقال غير واحد كانت الوقعة بمرج راهط بين الضحاك ومروان في سنة 64 وقد حدثت عن ابن سعد عن محمد بن عمر قال حدثنى موسى بن يعقوب عن بنى الحويرث قال قال أهل الاردن وغيرهم لمروان أنت شيخ كبير وابن يزيد غلام وابن الزبير كهل وإنما يقرع الحديد بعضه ببعض فلا تباره بهذا الغلام وارم بنحرك في نحره ونحن نبايعك ابسط يدك فبسطها فبايعوه بالجابية يوم الاربعاء لثلاث خلون من ذى القعدة سنة 64 قال محمد بن عمرو حدثنى مصعب بن ثابت عن عامر بن عبد الله أن الضحاك لما بلغه أن مروان قد بايعه من بايعه على الخلافة بايع من معه لابن الزبير ثم سار كل واحد منهما إلى صاحبه فاقتتلوا قتالا شديدا فقتل الضحاك وأصحابه

[ 413 ]

قال محمد بن عمرو حدثنى ابن أبى الزناد عن أبيه قال لما ولى المدينة عبد الرحمن بن الضحاك كان فتى شابا فقال إن الضحاك بن قيس قد كان دعا قيسا وغيرها إلى البيعة لنفسه فبايعهم يومئذ على الخلافة فقال له زفر بن عقيل الفهرى هذا الذى كنا نعرف ونسمع وإن بنى الزبير يقولون إنما كان بايع لعبدالله بن الزبير وخرج في طاعته حتى قتل الباطل والله يقولون كان أول ذاك أن قريشا دعته إليها فأبى عليها حتى دخل فيها كارها ذكر الخبر عن الوقعة بمرج راهط بين الضحاك بن قيس ومروان بن الحكم وتمام الخبر عن الكائن من جليل الاخبار والاحداث في سنة 64 (قال أبو جعفر) حدثنا نوح بن حبيب قال حدثنا هشام بن محمد عن عوانة بن الحكم الكلبى قال مال الضحاك بن قيس بمن معه من الناس حين سار يريد الجابية للقاء حسان بن مالك فعطفهم ثم أقبل يسير حتى نزل بمرج راهط وأظهر البيعة لابن الزبير وخلع بنى أميه وبايعه على ذلك جل أهل دمشق من أهل اليمن وغيرهم قال وسارت بنو أمية ومن تبعهم حتى وافوا حسان بالجابية فصلى بهم حسان أربعين يوما والناس يتشاورون وكتب الضحاك إلى النعمان بن بشير وهو على حمص وإلى زفر بن الحارث وهو على قنسرين وإلى ناتل بن قيس وهو على فلسطين يستمدهم وكانوا على طاعة ابن الزبير فأمده النعمان بشرحبيل بن ذى الكلاع وأمده زفر بأهل قنسرين وأمده ناتل بأهل فلسطين فاجتمعت الاجناد إلى الضحاك بالمرج وكان الناس بالجابية لهم أهواء مختلفة فأما مالك بن هبيرة السكوني فكان يهوى هوى بنى يزيد بن معاوية ويحب أن تكون الخلافة فيهم وأما الحصين بن نمير السكوني فكان يهوى أن تكون الخلافة لمروان بن الحكم فقال مالك بن هبيرة لحصين بن نمير هلم فلنبايع لهذا الغلام الذى نحن ولدنا أباه وهو ابن أختنا فقد عرفت منزلتنا كانت من أبيه فانه يحملنا على رقاب العرب غدا يعنى خالد بن يزيد فقال الحصين لا لعمر الله لا تأتينا العرب بشيخ ونأتيهم بصبى فقال مالك هذا ولم تردى تهامة ولما يبلغ الحزام الطبيين فقالوا مهلا يا أبا سليمان فقال له مالك والله لئن

[ 414 ]

استخلفت مروان وآل مروان ليحسدنك على سوطك وشراك نعلك وظل شجرة تستظل بها إن مروان أبو عشيرة وأخو عشيرة وعم عشيرة فإن بايعتموه كنتم عبيدا لهم ولكن عليكم بابن أختكم خالد فقال حصين إنى رأيت في المنام قنديلا معلقا من السماء وإن من يمد عنقه إلى الخلافة تناوله فلم ينله وتناوله مروان قناله والله لنستخلفنه فقال له مالك ويحك يا حصين أتبايع لمروان وآل مروان وأنت تعلم أنهم أهل بيت من قيس فلما اجتمع رأيهم للبيعة لمروان بن الحكم قام روح بن زنباع الجذامي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إنكم تذكرون عبد الله بن عمر بن الخطاب وصحبته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقدمه في الاسلام وهو كما تذكرون ولكن ابن عمر رجل ضعيف وليس بصاحب أمة محمد الضعيف وأما ما يذكر الناس من عبد الله بن الزبير ويدعون إليه من أمره فهو والله كما يذكرون بأنه لابن الزبير حوارى رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن أسماء ابنة أبى بكر الصديق ذات النطاقين وهو بغد كما تذكرون في قدمه وفضله ولكن ابن الزبير منافق قد خلع خليفتين يزيد وابنه معاوية بن يزيد وسفك الدماء وشق عصا المسلمين وليس صاحب أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم المنافق وأما مروان بن الحكم فوالله ما كان في الاسلام صدع قط إلا كان مروان ممن يشعب ذلك الصدع وهو الذى قاتل عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان يوم الدار والذى قاتل على بن أبى طالب يوم الجمل وإنا نرى للناس أن يبايعوا الكبير ويستشبوا الصغير يعنى بالكبير مروان بن الحكم وبالصغير خالد بن يزيد بن معاوية قال فأجمع رأى الناس على البيعة لمروان ثم لخالد بن يزيد من بعده ثم لعمرو بن سعيد بن العاص من بعد خالد على أن إمارة دمشق لعمرو ابن سعيد بن العاص وإمارة حمص لخالد بن يزيد بن معاوية قال فدعا حسان بن مالك ابن بحدل خالد بن يزيد فقال أبنى أختى إن الناس قد أبوك لحداثة سنك وإنى والله ما أريد هذا الامر إلا لك ولاهل بيتك وما أبايع مروان إلا نظرا لكم فقال له خالد بن يزيد بل عجزت عنا قال لا والله ما عجزت عنك ولكن الرأى لك ما رأيت ثم دعا حسان بمروان فقال يا مروان إن الناس والله ما كلهم يرضى بك فقال له مروان إن يرد الله أن

[ 415 ]

يعطنيها لا يمنعنى إياها أحد من خلقه وإن يرد أن يمنعنيها لا يعطنيها أحد من خلقه قال فقال له حسان صدقت وصعد حسان المنبر يوم الاثنين فقال يا أيها الناس إنا نستخلف يوم الخميس إن شاء الله فلما كان يوم الخميس بايع لمروان وبايع الناس له وسار مروان إلى الجابية في الناس حتى نزل مرج راهط على الضحاك في أهل الاردن من كلب وأتته السكاسك والسكون وغسان وربع حسان بن مالك بن بحدل إلى الاردن قال وعلى ميمنته أعنى مروان عمرو بن سيد بن العاص وعلى ميسرته عبيدالله ابن زياد وعلى ميمنة الضحاك زياد بن عمرو بن معاوية العقيلى وعلى ميسرته رجل آخر لم أحفظ اسمه وكان يزيد بن أبى النمس الغساني لم يشهد الجابية وكان مختبئا بدمشق فلما نزل مروان مرج راهط ثار يزيد بن أبى نمس بأهل دمشق في عبيدها فغلب عليها وأخرج عامل الضحاك منها وغلب على الخزائن وبيت المال وبايع لمروان وأمده بالاموال والرجال والسلاح فكان أول فتح فتح على بنى أمية قال وقاتل مروان الضحاك عشرين ليلة كان ثم هزم أهل المرج وقتلوا وقتل الضحاك وقتل يومئذ من أشراف الناس من أهل الشأم ممن كان مع الضحاك ثمانون رجلا كلهم كان يأخذ القطيفة والذى كان يأخذ القطيفة يأخذ ألفين في العطاء وقتل أهل الشأم يومئذ مقتلة عظيمة لم يقتلوا مثلها قط من القبائل كلها وقتل مع الضحاك يومئذ رجل من كلب من بنى عليم يقال له مالك بن يزيد بن مالك بن كعب وقتل يومئذ صاحب لواء قضاعة حيث دخلت قضاعة الشأم وهو جد مدلج ابن المقدام بن زمل بن عمرو بن ربيعة بن عمرو الجرشى وقتل ثور بن معن بن يزيد السلمى وهو الذي كان رد الضحاك رأيه قال وجاء برأس الضحاك رجل من كلب وذكروا أن مروان حين أتى برأسه ساءه ذلك وقال الآن حين كبرت سنى ودق عظمي وصرت في مثل ظم ء الحمار أقبلت بالكتائب أضرب بعضها ببعض قال وذكروا أنه مر يومئذ برجل قتيل فقال وما ضرهم غير حين النفو * س أي أميرى قريش غلب وقال مروان حين بويع له ودعا إلى نفسه

[ 416 ]

لما رأيت الامر أمرا نهبا * يسرت غسان لهم وكلبا والسكسكيين رجالا غلبا * وطيئا تأباه إلا ضربا والقين تمشى في الحديد نكبا * ومن تنوخ مشمخرا صعبا لا يأخذون الملك إلا غصبا * وإن دنت قيس فقل لا قربا (قال هشام بن محمد) حدثنى أبو مخنف لوط بن يحيى قال حدثنى رجل من بنى عبدود من أهل الشأم قال حدثنى من شهد مقتل الضحاك بن قيس قال مر بنا رجل من كلب يقال له زحنة بن عبد الله كأنما يرمى بالرجال الجداء ما يطعن رجلا إلا صرعه ولا يضرب رجلا إلا قتله فجعلت أنظر إليه أتعجب من فعله ومن قتله الرجال إذ حمل عليه رجل فصرعه زحنة وتركه فأتيته فنظرت إلى المقتول فإذا هو الضحاك بن قيس فأخذت رأسه فأتيت به إلى مروان فقال أنت قتلته فقلت لا ولكن قتله زحنة بن عبد الله الكلبى فأعجبه صدقي إياه وتركي ادعاءه فأمر لى بمعروف وأحسن إلى زحنة (قال أبو مخنف) وحدثني عبد الملك بن نوفل بن مساحق عن حبيب بن كرة وقال والله إن راية مروان بومئذ لمعى وإنه ليدفع بنعل سيفه في ظهرى وقال ادن برايتك لا أبالك إن هؤلاء لو قد وجدوا لهم حد السيوف انفرجوا انفراج الرأس وانفراج الغنم عن راعيها قال وكان مروان في ستة آلاف وكان على خيله عبيدالله بن زياد وكان على الرجال مالك بن هبيرة قال عبد الملك ابن نوفل وذكروا أن بشر بن مروان كانت معه يومئذ راية يقاتل بها وهو يقول إن على الرئيس حقا حقا * أن يخضب الصعدة أو تندقا فال وصرع يومئذ عبد العزيز بن مروان قال ومر مروان يومئذ برجل من محارب وهو نفر يسير تحت راية يقاتل عن مروان فقال مروان يرحمك الله لو أنك انضممت بأصحابك فإنى أراك في قلة فقال إنى معنا يا أمير المؤمنين من الملائكة مددا أضعاف من تأمرنا ننضم إليه قال فسر بذلك مروان وضحك وضم أناسا إليه ممن كان حوله قال وخرج الناس منهزمين من المرج إلى أجنادهم فانتهى أهل حمص إلى حمص والنعمان بن بشير عليها فلما بلغ النعمان الخبر خرج هاربا ليلا ومعه

[ 417 ]

امرأته نائلة بنت عمارة الكلبية ومعه ثقله وولده فتحير ليلته كلها وأصبح أهل حمص فطلبوه وكان الذى طلبه رجل من الكلاعيين يقال له عمرو بن الخلى فقتله وأقبل برأس النعمان بن بشير وبنائلة امرأته وولدها فألقى الرأس في حجر أم أبان ابنة النعمان التى كانت تحت الحجاج بن يوسف بعد قال فقالت نائلة القوا الرأس إلى فأنا أحق به منها فألقى الرأس في حجرها ثم أقبلوا بهم وبالرأس حتى انتهوا بهم إلى حمص فجاءت كلب من أهل حمص فأخذوا نائلة وولدها قال وخرج زفر ابن الحارث من قنسرين هاربا فلحق بقرقيسيا فلما انتهى إليها وعليها عياض الجرشى وهو ابن أسلم بن كعب بن مالك بن لغز بن أسود بن كعب بن حدس بن أسلم وكان يزيد بن معاوية ولاه قرقيسيا فحال عياض بين زفر وبين دخول قرقيسيا فقال له زفر أوثق لك بالطلاق والعتاق إذا أنا دخلت حمامها أن أخرج منها فلما انتهى إليها ودخلها لم يدخل حمامها وأقام بها وأخرج عياضا منها وتحصن زفر بها وثابت إليه قيس قال وخرج ناتل بن قيس الجذامي صاحب فلسطين هاربا فلحق بابن الزبير بمكة وأطبق أهل الشأم على مروان واستوثقوا له واستعمل عليها عماله (قال أبو مخنف) حدثنى رجل من بنى عبد ود من أهل الشأم يعنى الشرقي قال وخرج مروان حتى أتى مصر بعد ما اجتمع له أمر الشأم فقدم مصر وعليها عبد الرحمن بن جحدم القرشى يدعو إلى ابن الزبير فخرج إليه فيمن معه من بنى فهر وبعث مروان عمرو بن سعيد الاشدق من ورائه حتى دخل مصر وقام على منبرها يخطب الناس وقيل لهم قد دخل عمرو مصر فرجعوا وأمر الناس مروان وبايعوه ثم أقبل راجعا نحو دمشق حتى إذا دنا منها بلغه أن ابن الزبير قد بعث أخاه مصعب بن الزبير نحو فلسطين فسرح إليه مروان عمرو بن سعيد بن العاص في جيش واستقبله قبل أن يدخل الشأم فقاتله فهزم أصحاب مصعب وكان معه رجل من بنى عذرة يقال له محمد بن حريث بن سليم وهو خال بنى الاشدق فقال والله ما رأيت مثل مصعب ابن الزبير رجلا قط أشد قتالا فارسا وراجلا ولقد رأيته في الطريق يترجل فيطرد بأصحابه ويشد على رجليه حتى رأيتهما قد دميتا قال وانصرف مروان حتى استقرت به دمشق ورجع إليه عمرو بن سعيد قال ويقال إنه لما قدم عبيدالله

[ 418 ]

ابن زياد من العراق فنزل الشأم أصاب بنى أمية بتدمر قد نفاهم ابن الزبير من المدينة ومكة ومن الحجاز كله فنزلوا بتدمر وأصابوا الضحاك بن قيس أميرا على الشأم لعبد الله بن الزبير فقدم ابن زياد حين قدم ومروان يريد أن يركب إلى ابن الزبير فيبايعه بالخلافة فيأخذ منه الامان لبنى أمية فقال له ابن زياد أنشدك الله إن تفعل ليس هذا برأى أن تنطلق وأنت شيخ قريش إلى أبى خبيب بالخلافة ولكن ادع أهل تدمر فبايعهم ثم سر بهم وبمن معك من بنى أمية إلى الضحاك ابن قيس حتى تخرجه من الشأم فقال عمرو بن سعيد بن العاص صدق والله عبيد الله بن زياد ثم أنت سيد قريش وفرعها وأنت أحق الناس بالقيام بهذا الامر إنما ينظر الناس إلى هذا الغلام يعنى خالد بن يزيد بن معاوية فتزوج أمه فيكون في حجرك قال ففعل مروان ذلك فتزوج أم خالد بن يزيد وهى فاختة ابنة أبى هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ثم جمع بنى أمية فبايعوه بالامارة عليهم وبايعه أهل تدمر ثم سار في جمع عظيم إلى الضحاك بن قيس وهو يومئذ بدمشق فلما بلغ الضحاك ما صنع بنو أمية ومسيرتهم إليه خرج بمن تبعه من أهل دمشق وغيرهم فيهم زفر بن الحارث فالتقوا بمرج راهط فاقتتلوا قتالا شديدا فقتل الضحاك بن قيس الفهرى وعامة أصحابه وانهزم بقيتهم فتفرقوا وأخذ زفر ابن الحارث وجها من تلك الوجوه هو وشابان من بنى سليم فجاءت خيل مروان تطلبهم فلما خاف السلميان أن تلحقهم خيل مروان قالا لزفر يا هذا انج بنفسك فأما نحن فمقتولان فمضى زفر وتركهما حتى أتى قرقيسيا فاجتمعت إليه قيس فرأسوه عليهم فذلك حيث يقول زفر بن الحارث أريني سلاحي لا أبالك إننى * أرى الحرب لا تزداد إلا تماديا أتانى عن مروان بالغيب أنه * مقيد دمى أو قاطع من لسانيا ففى العيس منجاة وفى الارض مهرب * إذا نحن رفعنا لهن المثانيا فلا تحسبوني إن تغيبت غافلا * ولا تفرحوا إن جئتكم بلقائيا فقد ينبت المرعى على دمن الثرى * وتبقى حزازات النفوس كما هيا أتذهب كلب لم تنلها رماحنا * وتترك قتلى راهط هي ماهيا

[ 419 ]

لعمري لقد أبقت وقيعة راهط * لحسان صدعا بينا متنائيا أبعد عمرو وابن معن تتابعا * ومقتل همام أمنى الامانيا فلم تر منى نبوة قبل هذه * فرارى وتركي صاحبي ورائيا عشية أعدوا بالقران فلا أرى * من الناس إلا من على ولا ليا أيذهب يوم واحد إن أساته * بصالح أيامى وحسن بلائيا فلا صلح حتى تنحط الخيل بالقنا * وتثأر من نسوان كلب نسائيا ألا ليت شعرى هل تصيبن غارتي * تنوخا وحيى طيئ من شفائيا فأجابه جواس بن قعطل: لعمري لقد أبقت وقيعة راهط * على زفر داء من الداء باقيا مقيما ثوى بين الضلوع محله * وبين الحشا أعيا الطبيب المداويا تبكى على قتلى سليم وعامر * وذبيان معذورا وتبكى البواكيا دعا بسلاح ثم أحجم إذ رأى * سيوف جناب والطوال المذاكيا عليها كأسد الغاب فتيان نجدة * إذا شرعو نحو الطعان العواليا فأجابه عمر بن المخلاة الكلبى من تيم اللات بن رفيدة فقال: بكى زفز القيسي من هلاك قومه * بعبرة عين ما يجف سجومها يبكى على قتلى أصيبت براهط * تجاوبه هام القفار وبومها أبحنا حمى للحى قيس براهط * وولت شلالا واستبيح حريمها يبكيهم حران تجمرى دموعه * يرجى نزارا أن تؤب حلومها فمت كمدا أو عش ذليلا مهضما * بحسرة نفس لا تنام همومها إذا خطرت حولي قضاعة بالقنا * تخبط فعل المصعبات قرومها خبطت بهم من كادنى من قبيلة * فمن ذا إذا عز الخطوب يرومها وقال زفر بن الحارث أيضا: أفى الله أما بحدل وابن بحدل * فتحيى وأما ابن الزبير فيقتل كذبتم وبيت الله لا تقتلونه * ولما يكن يوم أغر محجل

[ 420 ]

ولما يكن للمشرفية فوقكم * شعاع كقرن الشمس حين ترجل فأجابه عبد الرحمن بن الحكم أخو مروان بن الحكم فقال: أتذهب كلب قد حمتها رماحها * وتترك قتلى راهط ما أجنت لحا الله قيسا قيس عيلان إنها * أضاعت ثغور المسلمين وولت فباه بقيس في الرخاء ولا تكن * أخاها إذا ما المشرفية سلت (قال أبو جعفر) ولما بايع حصين بن نمير مروان بن الحكم وعصا مالك بن هبيرة فيما أشاربه عليه من بيعة خالد بن يزيد بن معاوية واستقر لمروان بن الحكم الملك وقد كان الحصين بن نمير اشترط على مروان أن ينزل البلقاء من كان بالشأم من كندة وأن يجعلها لهم مأكلة فأعطاه ذلك وأن بنى الحكم لما استوثق الامر لمروان وقد كانوا اشترطوا لخالد بن يزيد بن معاوية شروطا قال مروان ذات يوم وهو جالس في مجلسه ومالك بن هبيرة جالس عنده أن قوما يدعون شروطا منهم عطارة مكحلة يعني مالك بن هبيرة وكان رجل يتطيب ويكتحل فقال مالك ابن هبيرة هذا ولما تردى تهامة ولما يبلغ الحزام الطبيين فقال مروان مهلا يا أبا سليمان إنما داعبناك فقال مالك هو ذاك وقال عويج الطائى يمتدح كلبا وحميد بن بحدل: لقد علم الاقوام وقع ابن بحدل * وأخرى عليهم أن بقى سيعيدها يقودون أولاد الوجيه ولاحق * من الريف شهرا ما ينى من يقودها فهذا لهذا ثم إنى لنافض * على الناس أقبالا ؟ كثيرا حدودها فلولا أمير المؤمنين لاصبحت * قضاعة أربابا وقيس عبيدها (وفى هذه السنة) بايع جند خراسان لسلم بن زياد بعد موت يزيد بن معاوية على أن يقوم بأمرهم حتى يجتمع الناس على خليفة (وفيها) كانت فتنة عبد الله بن خازم بخراسان ذكر الخبر عن ذلك * حدثنى عمر بن شبة قال حدثنا على بن محمد قال أخبرنا مسلمة بن محارب قال بعث سلم بن زياد بما أصاب من هدايا سمرقند وخوارزم إلى يزيد بن معاوية مع

[ 421 ]

عبد الله بن خازم وأقام سلم واليا على خراسان حتى مات يزيد بن معاوية ومعاوية ابن يزيد فبلغ سلما موته وأتاه مقتل يزيد بن زياد في سجستان وأسر أبى عبيدة بن زياد وكتم الخبر سلم فقال ابن عرادة: يا أيها الملك المغلق بابه * حدثت أمور شأنهن عظيم فتلى بجنزة والذين بكابل * ويزيد أعلن شأنه المكتوم أبنى أمية إن آخر ملككم * جسد بحوارين ثم مقيم طرقت منيته وعند وساده * كوب وزق راعف مرثوم ومرنة تبكى على نشوانه * بالصنج تقعد تارة وتقوم (قال مسلمة) فلما ظهر شعر ابن عرادة أظهر سلم موت يزيد بن معاوية ومعاوية ابن يزيد ودعا الناس إلى البيعة على الرضا حتى يستقيم أمر الناس على خليفة فبايعوه ثم مكثوا بذلك شهرين ثم نكثوا به * قال على بن محمد وحدثنا شيخ من أهل خراسان قال لم يحب أهل خراسان أميرا قط حبهم سلم بن زياد فسمى في تلك السنين التى كان بها سلم أكثر من عشرين ألف مولود بسلم من حبهم سلما قال وأخبرنا حفص الازدي عن عمه قال لما اختلف الناس بخراسان ونكثوا بيعة سلم خرج سلم عن خراسان وخلف عليها المهلب بن أبى صفرة فلما كان بسرخس لقيه سليمان ابن مرثد أحد بنى قيس بن ثعلبة فقال له من خلفت على خراسان قال المهلب فقال ضاقت عليك نزار حتى وليت رجلا من أهل اليمن فولاه مرو الروذ والفارياب والطالقان والجوزجان وولى أوس بن ثعلبة بن زفر وهو صاحب قصر أوس بالبصرة هراة ومضى فلما سار بنيسابور لقيه عبد الله بن خازم فقال من وليت خراسان فأخبره فقال أما وجدت في مضر رجلا تستعمله حتى فرقت خراسان بين بكر بن وائل ومزون عمان وقال له اكتب لى عهدا على خراسان قال أو إلى خراسان أنا قال اكتب لى عهدا وخلاك ذم قال فكتب له عهدا على خرسان قال فأعنى الآن بمائة ألف درهم فأمر له بها وأقبل إلى مرو وبلغ الخبر المهلب بن أبى صفرة فأقبل واستخلف رجلا من بنى جشم

[ 422 ]

ابن سعد بن زيد مناة بن تميم قال وأخبرنا المفضل بن محمد الضبى عن أبيه قال لما صار عبد الله بن خازم إلى مرو بعهد سلم بن زياد منعه الجشمى فكانت بينهما مناوشة فأصابت الجشمى رمية بحجر في جبهته وتحاجزوا وخلى الجشمى بين مرو الروذ وبينه فدخلها ابن خازم ومات الجشمى بعد ذلك بيومين * قال على بن محمد المدائني حدثنا الحسن بن رشيد الجوزجانى عن أبيه قال لما مات يزيد ابن معاوية ومعاوية بن يزيد وثب أهل خراسان بعمالهم فأخرجوهم وغلب كل قوم على ناحية ووقعت الفتنة وغلب ابن خازم على خراسان ووقعت الحرب (قال أبو جعفر) وأخبرنا أبو الذيال زهير بن هنيد عن أبى نعامة قال أقبل عبد الله بن خازم فغلب على مرو ثم سار إلى سليمان بن مرثدفلقيه بمرو الروذ فقاتله أياما فقتل سليمان بن مرثد ثم سار عبد الله بن حاز إلى عمرو بن مرثد وهو بالطالقان في سبعمائة وبلغ عمرا إقبال عبد الله إليه وقتله أخاه سليمان فأقبل إليه فالتقوا على نهر قبل أن يتوافي إلى ابن خازم أصحابه فأمر عبد الله من كان معه فنزلوا فنزل وسأل عن زهير بن ذؤيب العدوى فقالوا لم يجئ حتى أقبل وهو على حاله فلما أقبل قيل له هذا زهير قد جاء فقال له عبد الله تقدم فالتقوا فاقتتلوا طويلا فقتل عمرو بن مرثد وانهزم أصحابه فلحقوا بهراة بأوس بن ثعلبة ورجع عبد الله بن خازم إلى مرو * قال وكان الذى ولى قتل عمرو بن مرثد زهير بن حيان العدوى فيما يرون فقال الشاعر أتذهب أيام الحروب ولم تبئ * زهير بن حيان بعمرو بن مرثد قال وحدثنا أبو السرى الخراساني وكان من أهل هراة قال قتل عبد الله بن خازم سليمان وعمرا ابني مرثد المرثديين من بنى قيس بن ثعلبة ثم رجع إلى مرو وهرب من كان بمرو الروذ من بكر بن وائل إلى هراة وانضم إليها من كان بكور خراسان من بكر بن وائل فكان لهم بها جمع كثير عليهم أوس بن ثعلبة قال فقالوا له نبايعك على أن تسير إلى ابن خازم وتخرج مضر من خراسان كلها فقال لهم هذا بغى أهل البغى مخذولون أقيموا مكانكم هذا فان ترككم ابن خازم وما أراه يفعل

[ 423 ]

فارضوا بهذه الناحية وخلوه وما هو فيه فقال بنو صهيب وهم موالى بنى جحدر لا والله لا نرضى أن نكون نحن ومضر في بلد وقد قتلوا ابني مرثد فان أجبتنا إلى هذا وإلا أمرنا علينا غيرك قال انما أنا رجل منكم فاصنعوا ما بدا لكم فبايعوه وسار إليهم ابن خازم واستخلف ابنه موسى وأقبل حتى نزل على واد بين عسكره وبين هراة قال فقال البكريون لاوس اخرج فخندق خندقا دون المدينة فقاتلهم فيه وتكون المدينة من ورائنا فقال لهم أوس الزموا المدينة فانها حصينة وخلوا ابن خازم ومنزله الذى هو فيه فانه إن طال مقامه ضجر فأعطاكم ما ترضون به فان اضطررتم إلى القتال قاتلتم فأبوا وخرجوا من المدينة فخندقوا خندقا دونها فقاتلهم ابن خازم نحوا من سنة * قال وزعم الاحنف بن الاشهب الضبى وأخبرنا أبو الذيال زهير بن الهنيد سار ابن خازم إلى هراة وفيها جمع كثير لبكر بن وائل قد خندقوا عليهم وتعاقدوا على إخراج مضر إن ظفروا بخراسان فنزل بهم ابن خازم فقال له هلال الضبى أحد بنى ذهل ثم أحد بنى أوس إنما تقاتل إخوتك من بنى أبيك والله إن نلت منهم ما تريد ما في العيش بعدهم من خير وقد قتلت بمرو الروذ منهم من قتلت فلو أعطيتهم شيئا يرضون به أو أصلحت هذا الامر قال والله لو خرجت لهم عن خراسان ما رضوا به ولو استطاعوا أن يخرجوكم من الدنيا لاخرجوكم قال لا والله لا أرمى معك بسهم ولا رجل يطيعني من خندف حتى تعذر إليهم قال فأنت رسولي إليهم فأرضهم فأتى هلال إلى أوس بن ثعلبة فناشده الله والقرابة وقال أذكرك الله في نزار أن تسفك دماءها وتضرب بعضها ببعض قال لقيت بنى صهيب قال لا والله قال فالقهم فخرج فلقى أرقم بن مطرف الحنفي وضمضم بن يزيد أو عبد الله بن ضمضم بن يزيد وعاصم بن الصلت بن الحريث الحنفيين وجماعة من بكر بن وائل وكلمهم بمثل ما كلم به أوسا فقالوا هل لقيت بنى صهيب فقال لقد عظم الله أمر بنى صهيب عندكم لا ألم لقهم قالوا ألقهم فأتى بنى صهيب فكلمهم فقالوا لولا أنك رسول لقتلناك قال أفما يرضيكم شئ قالوا واحدة من اثنتين إما أن تخرجوا عن خراسان ولا يدعو فيها لمضر داع وإما أن تقيموا

[ 424 ]

وتنزلوا لنا عن كل كراع وسلاح وذهب وفضة قال أفما شئ غير هاتين قالوا لا قال حسبنا الله ونعم الوكيل فرجع إلى ابن خازم فقال ما عندك قال وجدت إخوتنا قطعا للرحم قال قد أخبرتك أن ربيعة لم تزل غضابا على ربها منذ بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم من مضر (قال أبو جعفر) وأخبرنا سليمان بن مجالد الضبى قال أغارت الترك على قصر اسفادو ابن خازم بهراة فحصروا أهله وفيه ناس من الازد هم أكثر من فيه فهزمتهم فبعثوا إلى من حولهم من الازد فجاؤا لينصروهم فهزمتهم الترك فأرسلوا إلى ابن خازم فوجه إليهم زهير بن حيان في بنى تميم وقال له إياك ومشاولة الترك إذا رأيتموهم فاحملوا عليهم فأقبل فوافاهم في يوم بارد قال فلما التقوا شدوا عليهم فلم يثبتوا لهم وانهزمت الترك واتبعوهم حتى مضى عامة الليل حتى انتهوا إلى قصر في المفازة فأقامت الجماعة ومضى زهير في فوارس يتبعهم وكان عالما بالطريق ثم رجع في نصف من الليل وقد يبست يده على رمحه من البرد فدعا غلامه كعبا فخرج إليه فأدخله وجعل يسخن له الشحم فيضعه على يده ودهنوه وأوقدوا له نارا حتى لان ودفئ ثم رجع إلى هراة فقال في ذلك كعب بن معدان الاشقري أتاك أتاك الغوث في برق عارض * دروع وبيض حشوهن تميم أبوا أن يضموا حشوما تجمع القرى * فضمهم يوم اللقاء صميم ورزقهم من رائحات تزينها * ضروع عريضات الخواصر كوم وقال ثابت قطنة فدت نفسي فوارس من تميم * على ما كان من ضنك المقام بقصر الباهلى وقد أرانى * أحامي حين قل به المحامي بسيفي بعد كسر الرمح فيهم * أذودهم بذى شطب حسام أكر عليهم اليحموم كرا * ككر الشرب آنية المدام فلولا الله ليس له شريك * وضربي قونس الملك الهمام إذا فاظت نساء بنى دثار * أمام الترك بادية الخدام

[ 425 ]

(قال أبو جعفر) وحدثني أبو الحسن الخراساني عن أبى حماد السلمى قال أقام ابن خازم بهراة يقاتل أوس بن ثعلبة أكثر من سنة فقال يوما لاصحابه قد طال مقامنا على هؤلاء فنادوهم يا معشر ربيعة إنكم قد اعتصمتم بخندقكم أفرضيتم من خراسان بهذا الخندق فاحفظهم ذلك فتنادى الناس للقتال فقال لهم أوس بن ثعلبة الزموا خندقكم وقاتلوهم كما كنتم تقاتلونهم ولا تخرجوا إليهم بجماعتكم قال فعصوه وخرجوا إليهم فالتقى الناس فقال ابن خازم لاصحابه اجعلوه يومكم فيكون الملك لمن غلب فان قتلت فأميركم شماس بن دثار العطاردي فان قتل فأميركم بكير ابن وشاح الثقفى * قال على وحدثنا أبو الذيال زهير بن هنيدة عن أبى نعامة العدوى عن عبيد بن نقيد عن إياس بن زهير بن حيان لما كان اليوم الذى هرب فيه أوس بن ثعلبة وظفر ابن خازم ببكر بن وائل قال ابن خازم لاصحابه حين التقوا إنى قلع فشدوني على السرجى واعلموا أن على من السلاح ما لا أقتل قدر جزر جزورين فان قيل لكم انى قد قتلت فلا تصدقوني قال وكانت راية بنى عدى مع أبى وأنا على فرس محزم وقد قال لنا ابن خازم إذا لقيتم الخيل فاطعنوها في مناخرها فانه لن يطعن فرس في نخرته إلا أدبر أو رمى بصاحبه فلما سمع فرسى قعقعة السلاح وثب بى واديا كان بينى وبينهم قال فتلقاني رجل من بكر بن وائل فطعنت فرسه في نخرته فصرعه وحمل أبى ببنى عدى وأتبعته بنو تميم من كل وجه فاقتتلوا ساعة فانهزمت بكر بن وائل حتى انتهوا إلى خندقهم وأخذوا يمينا وشمالا وسقط ناس في الخندق فقتلوا قتلا ذريعا وهرب أوس بن ثعلبة وبه جراحات وحلف ابن خازم لا يؤتى بأسير إلا قتله حتى يغيب الشمس فكان آخر من أتى به رجل من بنى حنيفة يقال له محمية فقالوا لابي خازم قد غابت الشمس قال وفوا به القتلى فقتل قال فأخبرني شيخ من بنى سعد بن زيد مناة أن أوس بن ثعلبة هرب وبه جراحات إلى سجستان فلما صار بها أو قريبا منها مات وفى مقتل ابن مرثد وأمر أوس بن ثعلبة يقول المغيرة بن حبناء أحد بنى ربيعة بن حنظلة وفى الحرب كنتم في خراسان كلها * قتيلا ومسجونا بها ومسيرا

[ 426 ]

ويوم احتواكم في الحفير ابن خازم * فلم تجدوا إلا الخنادق مقبرا ويوم تركتم في الغبار ابن مرثد * وأوسا تركتم حيث سار وعسكرا قال وأخبرني أبو الذيال زهير بن هنيد عن جده أبى أمه قال قتل من بكر ابن وائل يومئذ ثمانية آلاف * قال وحدثنا التميمي رجل من أهل خراسان عن مولى لا بن خازم قال قاتل ابن خازم أوس بن ثعلبة وبكر بن وائل فظفر بهراة وهرب أوس وغلبه ابن خازم على هراة واستعمل عليها ابنه محمدا وضم إليه شماس بن دثار العطاردي وجعل بكير بن وشاح على شرطته وقال لهما ربياه فانه ابن أختكما فكانت أمه من بنى سعد يقال لها صفية وقال له لا تخالفهما ورجع ابن خازم إلى مرو (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة تحركت الشيعة بالكوفة واتعدوا الاجتماع بالنخيلة في سنة 65 للمسير إلى أهل الشأم للطلب بدم الحسين بن على وتكاتبوا في ذلك ذكر الخبر عن مبدإ أمرهم في ذلك (قال هشام) بن محمد حدثنا أبو مخنف قال حدثنى يوسف بن يزيد عن عبد الله ابن عوف بن الاحمر الازدي قال لما قتل الحسين بن على ورجع ابن زياد من معسكره بالنخيلة فدخل الكوفة تلاقت الشيعة بالتلاوم والتندم ورأت أنها قد أخطأت خطأ كبيرا بدعائهم الحسين إلى النصرة وتركهم إجابته ومقتله إلى جانبهم لم ينصروه ورأوا أنه لا يغسل عارهم والاثم عنهم في مقتله إلا بقتل من قتله أو القتل فيه ففزعوا بالكوفة إلى خمسة نفر من رؤس الشيعة إلى سليمان بن صرد الخزاعى وكانت له صحبة مع النبي صلى الله عليه وسلم وإلى المسيب بن نجبة الفزارى وكان من أصحاب على وخيارهم وإلى عبد الله بن سعد بن نفيل الازدي وإلى عبد الله بن وال التيمى وإلى رفاعة بن شداد البجلى ثم إن هؤلاء النفر الحمسة اجتمعوا في منزل سليمان بن صرد وكانوا من خيار أصحاب على ومعهم أناس من الشيعة وخيارهم ووجوههم قال فلما اجتمعوا إلى منزل سليمان بن صرد بدأ المسيب بن نجبة القوم بالكلام فتكلم فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم ثم قال

[ 427 ]

أما بعد فإنا قد ابتلينا بطول العمر والتعرض لانواع الفتن فترغب إلى ربنا ألا تجعلنا ممن يقول له غدا أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فان أمير المؤمنين قال العمر الذى أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة وليس فينا رجل الا وقد بلغه وقد كنا مغرمين بتزكية أنفسنا وتقريظ شيعتنا حتى بلا الله أخيارنا فوجدنا كاذبين في موطنين من مواطن ابن ابنة نبينا صلى الله عليه وسلم وقد بلغتنا قبل ذلك كتبه وقدمت علينا رسله وأعذر إلينا يسألنا نصره عودا وبدءا وعلانية وسرا فبخلنا عنه بأنفسنا حتى قتل إلى جانبنا لا تحن نصرناه بأيدينا ولا جادلنا عنه بألسنتنا ولا قويناه بأموالنا ولا طلبنا له النصرة إلى عشائرنا فما عذرنا إلى ربنا وعند لقاء نبينا صلى الله عليه وسلم وقد قتل فينا ولده وحبيبه وذريته ونسله لا والله لا عذر دون أن تقتلوا قاتله والموالين عليه أو تقتلوا في طلب ذلك فعسى ربنا أن يرضى عنا عند ذلك وما أنا بعد لقائه لعقوبته بآمن أيها القوم ولوا عليكم رجلا منكم فانه لابد لكم من أمير تفزعون إليه وراية تحفون بها أقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم قال فبدر القوم رفاعة بن شداد بعد المسيب الكلام فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال أما بعد فان الله قد هداك لاصوب القول ودعوت إلى أرشد الامور بدأت بحمد الله الثناء عليه والصلاة على نبيه صلى الله عليه وسلم ودعوت إلى جهاد الفاسقين وإلى التوبة من الذنب العظيم فمسموع منك مستجاب لك مقبول قولك قلت ولوا أمركم رجلا منكم تفزعون إليه وتحفون برايته وذلك رأى قد رأينا مثل الذى رأيت فان تكن أنت ذلك الرجل تكن عندنا مرضيا وفينا متنصحا في جماعتنا محبا وإن رأيت ورأى أصحابنا ذلك ولينا هذا الامر شيخ الشيعة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وذا السابقة والقدم سليمان بن صرد المحمود في بأسه ودينه والموثوق بحزمه أقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم قال ثم تكلم عبد الله بن وال وعبد الله بن سعد فحمدا ربهما وأثنيا عليه وتكلما بنحو من كلام رفاعة بن شداد فذكرا المسيب بن نجبة بفضله وذكرا سليمان بن صرد بسابقته ورضاهما بتوليته فقال المسيب بن نجبة

[ 428 ]

أصبتم ووفقتم وأنا أرى مثل الذى رأيتم فولوا أمركم سليمان بن صرد (قال أبو مخنف) فحدثت سليمان بن أبى راشد بهذا الحديث فقال حدثنى حميد بن مسلم قال والله إنى لشاهد بهذا اليوم يوم ولوا سليمان بن صرد وإنا يومئذ لاكثر من مائة رجل من فرسان الشيعة ووجوههم في داره قال فتكلم سليمان بن صرد فشدد وما زال يردد ذلك القول في كل جمعة حتى حفظته بدأ فقال أثنى على الله خيرا وأحمد آلاءه وبلاءه وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسوله أما بعد فإنى والله لخائف ألا يكون آخرنا إلى هذا الدهر الذى نكدت فيه المعيشة وعظمت قيه الرزية وشمل فيه الجور أولى الفضل من هذه الشيعة لما هو خير إنا كنا نمد أعناقنا إلى قدوم آل نبينا ونمنيهم النصر ونحثهم على القدوم فلما قدموا ونينا وعجزنا وادهنا وتربصنا وانتظرنا ما يكون حتى قتل فينا ولدينا ولد نبينا وسلالته وعصارته وبضعة من لحمه ودمه إذ جعل يستصرخ ويسأل النصف فلا يعطاه اتخذه الفاسقون غرضا لنبل ودرية للرماح حتى أقصدوه وعدوا عليه فسلبوه ألا انهضوا فقد سخط ربكم ولا ترجعوا إلى الحلائل والابناء حتى يرضى الله والله ما أظنه رضيا دون أن تناجزوا من قتله أو تبيروا ألا لا تهابوا الموت فوالله ما هابه امرؤ قط إلا ذل كونوا كالاولى من بنى إسرائيل إذ قال لهم نبيهم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فما فعل القوم جثوا على الركب والله ومدوا الاعناق ورضوا بالقضاء حتى حين علموا أنه لا ينجيهم من عظيم الذنب إلا الصبر على القتل فكيف بكم لوقد دعيتم إلى مثل ما دعى القوم إليه أشحذوا السيوف وركبوا الاسنة وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل حتى تدعوا حين تدعوا وتستنفروا قال فقام خالد بن سعد بن نفيل فقال أما أنا فوالله لو أعلم أن قتلى نفسي يخرجني من ذنبي ويرضى عنى ربى لقتلتها ولكن هذا أمر به قوم كانوا قبلنا ونهينا عنه فأشهد الله ومن حضر من المسلمين ان كلما أصبحت أملكه سوى سلاحي الذى أقاتل به عدوى صدقة على المسلمين أقويهم به على قتال القاسطين وقام أبو المعتمر حنش بن

[ 429 ]

ربيعة الكنانى فقال وأنا أشهدكم على مثل ذلك فقال سليمان بن صرد حسبكم من أراد من هذا شيئا فليأت بماله عبد الله بن وال التيمى تيم بكر بن وائل فإذا اجتمع عنده كلما تريدون إخراجه من أموالكم جهزنا به ذوى الخلة والمسكنة من أشياعكم (قال أبو مخنف) لوط بن يحيى عن سليمان بن أبى راشد قال فحدثنا حميد ابن مسلم الازدي أن سليمان بن صرد قال لخالد بن سعد بن نفيل حين قال له والله لو علمت أن قتلى نفسي يخرحنى من ذنبي ويرضى عنى ربى لقتلتها ولكن هذا أمر به قوم غيرنا كانوا من قبلنا ونهينا عنه قال أخوكم هذا غدا فريس أول الاسنة قال فلما تصدق بماله على المسلمين قال له أبشر بجزيل ثواب الله الذين لانفسهم يمهدون (قال أبو مخنف) حدثنى الحصين بن يزيد بن عبد الله بن سعد بن نفيل قال أخذت كتابا كان سليمان بن صرد كتب به إلى سعد بن حذيفة بن اليمان بالمدائن فقرأته زمان ولى سليمان قال فلما قرأته أعجبني فتعلمته فما نسيته كتب إليه بسم الله الرحمن الرحيم من سليمان بن صرد إلى سعد بن حذيفة ومن قبله من المؤمنين سلام عليكم أما بعد فان الدنيا دار قد أدبر منها ما كان معروفا وأقبل منها ما كان منكرا وأصبحت قد تشنأت إلى ذوى الالباب وأزمع بالترحال منها عباد الله الاخيار وباعوا قليلا من الدنيا لا يبقى بجزيل مثوبة عند الله لا يفنى إن أولياء من إخوانكم وشيعة آل نبيكم نظروا لانفسهم فيما ابتلوا به من أمر ابن بنت نبيهم الذى دعى فأجاب ودعا فلم يجب وأراد الرجعة فحبس وسأل الامان فمنع وترك الناس فلم يتركوه وعدوا عليه فقتلوه ثم سلبوه وجردوه ظلما وعدوانا وغرة بالله وجهلا وبعبر الله ما يعملون وإلى الله ما يرجعون وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون فلما نظروا إخوانكم وتدبروا عواقب ما استقبلوا رأوا أن قد خطئوا بخذلان الزكي الطيب وإسلامه وترك مواساته والنصر له خطأ كبيرا ليس لهم منه مخرج ولا توبة دون قتل قاتليه أو قتلهم حتى تفنى على ذلك أرواحهم فقد جدوا إخوانكم فجدوا وأعدوا واستعدوا وقد ضربنا لاخواننا أجلا يوافوننا إليه وموطنا يلقوننا فيه فأما الاجل فغرة شهر ربيع الآخر سنة 65 وأما الموطن الذى يلقوننا فيه فالنخيلة أنتم الذين

[ 430 ]

لم تزالوا لنا شيعة وإخوانا وإلا وقد رأينا أن ندعوكم إلى هذا الامر الذى أراد الله به إخوانكم فيما يزعمون ويظهرون لنا أنهم يتوبون وأنكم جدراء بتطلاب الفضل والتماس الاجر والتوبة إلى ربكم من الذنب ولو كان في ذلك حز الرقاب وقتل الاولاد واستيفاء الاموال وهلاك العشائر ما ضر أهل عذراء الذين قتلوا ألا يكونوا اليوم أحياء وهم عند ربهم يرزقون شهداء قد لقوا الله صابرين محتسبين فأثابهم ثواب الصابرين يعنى حجرا وأصحابه وما ضر إخوانكم المقتلين صبرا المصلبين ظلما والممثول بهم المعتدى عليهم ألا يكونوا أحياء مبتلين بخطاياكم قد خير لهم فلقوا ربهم ووافاهم الله إن شاء الله آجرهم فاصبروا رحمكم الله على البأساء والضراء وحين البأس وتوبوا إلى الله عن قريب فوالله إنكم لاحرياء ألا يكون أحد من إخوانكم صبر على شئ من البلاء إرادة ثوابه الا صبرتم التماس الاجر فيه على مثله ولا يطلب رضاء الله طالب بشئ من الاشياء ولو أنه القتل إلا طلبتم رضاء الله به ان التقوى أفضل الزاد في الدنيا وما سوى ذلك يبور ويفنى فلتعزف عنها أنفسكم ولتكن رغبتكم في دار عافيتكم وجهاد عدو الله وعدوكم وعدو أهل بيت نبيكم حتى تقدموا على الله تائبين راغبين أحيانا الله وإياكم حياة طيبة وأجارنا وإياكم من النار وجعل منايانا قتلا في سبيله على يدى أبغض خلقه الله وأشدهم عداوة له انه القدير على ما يشاء والصانع لاوليائه في الاشياء والسلام عليكم قال وكتب ابن صرد الكتاب وبعث به إلى سعد بن حذيفة بن اليمان مع عبد الله بن مالك الطائى فبعث به سعد حين قرأ كتابه إلى من كان بالمدائن من الشيعة وكان بها أقوام من أهل الكوفة قد أعجبتهم فأوطنوها وهم يقدمون الكوفة في كل حين عطاء ورزق فيأخذون حقوقهم وينصرفون إلى أوطانهم فقرأ عليهم سعد كتاب سليمان بن صرد ثم إنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فانكم قد كنتم مجتمعين مزمعين على نصر الحسين وقتال عدوه فلم يفجأكم أول من قتله والله مثيبكم على حسن النية وما أجمعتم عليه من النصر أحسن المثوبة وقد بعث اليكم اخوانكم يستنجدونكم

[ 431 ]

ويستمدونكم ويدعونكم إلى الحق وإلى ما ترجون لكم به عند الله أفضل الاجر والحظ فماذا ترون وماذا تقولون فقال القوم بأجمعهم نجيبهم ونقاتل معهم ورأينا في ذلك مثل رأيهم فقام عبد الله بن الحنطل الطائى ثم الحزمرى فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإنا قد أجبنا إخواننا إلى ما دعونا إليه وقد رأينا مثل الذى قد رأوا فسرحني إليهم في الخيل فقال له رويدا لا تعجل استعدوا للعدو وأعدوا له الحرب ثم نسير وتسيرون وكتب سعد بن حذيفة بن اليمان إلى سليمان بن صرد مع عبد الله بن مالك الطائى بسم الله الرحمن الرحيم إلى سليمان بن صرد من سعد ابن حذيفة ومن قبله من المؤمنين سلام عليكم أما بعد فقد قرأنا كتابك وفهمنا الذى دعوتنا إليه من الامر الذى عليه رأى الملا من إخوانك فقد هديت لحظك ويسرت لرشدك ونحن جادون مجدون معدون مسرجون ملجمون ننتظر الامر ونستمع الداعي فإذا جاء الصريخ أقبلنا ولم نعرج إن شاء الله والسلام فلما قرأ كتابه سليمان بن صرد قرأه على أصحابه فسروا بذلك قال وكتب إلى المثنى بن محربة العبدى نسخة الكتاب الذى كان كتب به إلى سعد بن حذيفة بن اليمان وبعث به مع ظبيان بن عمارة التميمي من بنى سعد فكتب إليه المثنى أما بعد فقد قرأت كتابك وأقرأته إخوانك فحمدوا رأيك واستجابوا لك فنحن موافوك إن شاء الله للاجل الذى ضربت وفى الموطن الذى ذكرت والسلام عليك وكتب في أسفل كتابه تبصر كأنى قد أتيتك معلما * على أتلع الهادى أجش هزيم طويل القرى نهد الشواء مقلص * ملح على فأس اللجام أزوم بكل فتى لا يملا الروع نحره * محس لعض الحرب غير سؤوم أخى ثقة ينوى الاله بسعيه * ضروب بنصل السيف غير أثيم (قال أبو مخنف) لوط بن يحيى عن الحارث بن حصيرة عن عبد الله بن سعد ابن نفيل قال كان أول ما ابتدعوا به من أمرهم سنة 61 وهى السنة التى قتل فيها الحسين رضى الله عنه فلم يزل القوم في جمع آلة الحرب والاستعداد للقتال ودعاء

[ 432 ]

الناس في السر من الشيعة وغيرها إلى الطلب بدم الحسين فكان يجيبهم القوم بعد القوم والنفر بعد النفر فلم يزالوا كذلك وفى ذلك حتى مات يزيد بن معاوية يوم الخميس لاربع عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الاول سنة 64 وكان بين قتل الحسين وهلاك يزيد بن معاوية ثلاث سنين وشهران وأربعة أيام وهلك يزيد وأمير العراق عبيدالله بن زياد وهو بالبصرة وخليفته بالكوفة عمرو بن حريث المخزومى فجاء إلى سليمان أصحابه من الشيعة فقالوا قد مات هذا الطاغية والآمر الآن ضعيف فإن شئت وثبنا على عمرو بن حريث فأخرجناه من القصر ثم أظهرنا الطلب بدم الحسن وتتبعنا قتلته ودعونا الناس إلى أهل هذا البيت المستأثر عليهم المدفوعين عن حقهم فقالوا في ذلك فأكثروا فقال لهم سليمان بن صرد رويدا لا تعجلوا إنى قد نظرت فيما تذكرون فرأيت أن قتلة الحسين هم أشراف أهل الكوفة وفرسان العرب وهم المطالبون بدمه ومتى علموا ما تريدون وعلموا أنهم المطلوبون كانوا أشد عليكم ونظرت فيمن تبعني منكم فعلمت أنهم لو خرجوا لم يدركوا ثأرهم ولم يشفوا أنفسهم ولم ينكوا في عدوهم وكانوا لهم جزرا ولكن بثوا دعاتكم في المصر فادعوا إلى أمركم هذا شيعتكم وغير شيعتكم فإنى أرجو أن يكون الناس اليوم حيث هلك هذا الطاغية أسرع إلى أمركم استجابة منهم قبل هلاكه ففعلوا وخرجت طائفة منهم دعاة يدعون الناس فاستجاب لهم ناس كثير بعد هلاك يزيد بن معاوية أضعاف من كان استجاب لهم قبل ذلك (قال هشام) قال أبو مخنف وحدثنا الحصين بن يزيد عن رجل من مزينة قال ما رأيت من هذه الامة أحدا كان أبلغ من عبيدالله بن عبد الله المرى في منطق ولا عظة وكان من دعاة أهل المصر زمان سليمان بن صرد وكان إذا اجتمعت إليه جماعة من الناس فوعظهم بدأ بحمد الله والثناء عليه والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يقول أما بعد فإن الله اصطفى محمدا صلى الله عليه وسلم على خلقه بنبوته وخصه بالفضل كله وأعزكم باتباعه وأكرمكم بالايمان به فحقن به دماءكم المسفوكة وآمن به سبلكم المخوفة وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم

[ 433 ]

آياته لعلكم تهتدون فهل خلق ربكم في الاولين والآخرين أعظم حقا على هذه الامة من نبيها وهل ذرية أحد من النبيين والمرسلين أو غيرهم أعظم حقا على هذه الامة من ذرية رسولها ؟ لا والله ماكان ولا يكون لله أنتم ألم تروا ويبلغكم ما اجترم إلى ابن بنت نبيكم أما رأيتم إلى انتهاك القوم حرمته واستضعافهم وحدته وترميلهم إياه بالدم وتجرارهموه على الارض لم يرقبوا فيه ربهم ولا قرابته من الرسول صلى الله عليه وسلم اتخذوه للنبل غرضا وغادروه للضباع جزرا فلله عينا من رأى مثله ولله حسين بن على ماذا غادروا به ذا صدق وصبر وذا أمانة ونجدة وحزم ابن أول المسلمين إسلاما وأبن بنت رسول رب العالمين قلت حماته وكثرت عداته حوله فقتله عدوه وخذله وليه فويل للقاتل وملامة للخاذل إن الله لم يجعل لقاتله حجة ولا لخاذله معذرة إلا أن يناصح لله في التوبة فيجاهد القاتلين وينابذ القاسطين فعسى الله عند ذلك أن يقبل التوبة ويقيل العثرة إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه والطلب بدماء أهل بيته وإلى جهاد المحلين والمارقين فإن قتلنا فما عند الله خير للابرار وإن ظهرنا رددنا هذا الامر إلى أهل بيت نبينا قال وكان يعيد هذا الكلام علينا في كل يوم حتى حفظه عامتنا قال ووثب الناس على عمرو بن حريث عند هلاك يزيد بن معاوية فأخرجوه من القصر واصطلحوا على عامر بن مسعود ابن أمية بن خلف الجمحى وهو دحروجة الجعل الذى قال له ابن همام السلولى أشدد يديك بزيد إن ظفرت به * واشف الارامل من دحروجة الجعل وكان كأنه إيهام قصرا وزيد مولاه وخازنه فكان يصلى بالناس وبايع لابن الزبير ولم يزل أصحاب سليمان بن صرد يدعون شيعتهم وغيرهم من أهل مصرهم حتى كثر تبعهم وكان الناس إلى اتباعهم بعد هلاك يزيد بن معاوية أسرع منهم قبل ذلك فلما مضت ستة أشهر من هلاك يزيد بن معاوية قدم المختار بن أبى عبيد الكوفة فقدم في النصف من شهر رمضان يوم الجمعة قال وقدم عبد الله بن يزيد الانصاري ثم الخطمى من قبل عبد الله بن الزبير أميرا على الكوفة على حربها وثغرها وقدم معه من قبل ابن الزبير إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيدالله الاعرج

[ 434 ]

أميرا على خراج الكوفة وكان قدوم عبد الله بن يزيد الانصاري ثم الخطمى يوم الجمعة لثمان بقين من شهر رمضان سنة 64 قال وقدم المختار قبل عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بثمانية أيام ودخل المختار الكوفة وقد اجتمعت رؤوس الشيعة ووجوهها مع سليمان بن صرد فليس يعدلونه به فكان المختار إذا دعاهم إلى نفسه وإلى الطلب بدم الحسين قالت له الشيعة هذا سليمان بن صرد شيخ الشيعة قد انقادوا له واجتمعوا عليه فأخذ يقول للشيعة إنى قد جئتكم من قبل المهدى محمد بن على بن الحنفية مؤتمنا مأمونا منتجبا ووزيرا فوالله ما زال بالشيعة حتى انشعبت إليه طائفة تعظمه وتجيبه وتنتظر أمره وعظم الشيعة مع سليمان بن صرد فسليمان أثقل خلق الله على المختار وكان المختار يقول لاصحابه أتدرون ما يريد هذا يعنى سليمان بن صرد إنما يريد أن يخرج فيقتل نفسه ويقتلكم ليس له بصر بالحروب ولا له علم بها قال وأتى يزيد بن الحارث بن يزيد بن رويم الشيباني عبد الله بن يزيد الانصاري فقال إن الناس يتحدثون أن هذه الشيعة خارجة عليك مع ابن صرد ومنهم طائفة أخرى مع المختار وهى أقل الطائفتين عددا والمختار فيما يذكرون الناس لا يريد أن يخرج حتى ينظر إلى ما يصير إليه أمر سليمان بن صرد وقد اجتمع له أمره وهو خارج من أيامه هذه فان رأيت أن تجمع الشرط والمقاتلة ووجوه الناس ثم تنهض إليهم وننهض معك فإذا دفعت إلى منزله دعوته فان أجابك حسبه وإن قاتلك قاتلته وقد جمعت له وعبأت وهو مغتر فانى أخاف عليك إن هو بدأك وأقررته حتى يخرج عليك أن تشتد شوكته وأن يتفاقم أمره فقال عبد الله بن يزيد الله بيننا وبينهم إن هم قاتلونا قتلناهم وإن تركونا لم نطلبهم حدثنى ما يريدون الناس قال يذكر الناس أنهم يطلبون بدم الحسين بن على قال فأنا قتلت الحسين لعن الله قاتل الحسين قال وكان سليمان بن صرد وأصحابه يريدون أن يثبوا بالكوفة فخرج عبد الله بن يزيد حتى صعد المنبر ثم قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فقد بلغني أن طائفة من أهل هذا المصر أرادوا أن يخرجوا علينا فسألت عن الذى دعاهم إلى ذلك ما هو فقيل لى زعموا أنهم يطلبون بدم الحسين

[ 435 ]

ابن على فرحم الله هؤلاء القوم قد والله دللت على أماكنهم وأمرت بأخذهم وقيل ابدأهم قبل أن يبدؤك فأبيت ذلك فقلت إن قاتلوني قاتلتهم وإن تركوني لم أطلبهم وعلام يقاتلوني فوالله ما أنا قتلت حسينا ولا أنا ممن قاتله ولقد أصبت بمقتله رحمة الله عليه فان هؤلاء القوم آمنون فليخرجوا ولينتشروا ظاهرين ليسيروا إلى من قاتل الحسين فقد أقبل إليهم وأنالهم على قاتله ظهير هذا ابن زياد قاتل الحسين وقاتل خياركم وأماثلكم قد توحه إليكم عهد العاهد به على مسيرة ليلة من جسر منبج فقتاله والاستعداد له أولى وأرشد من أن تجعلوا بأسكم بينكم فيقتل بعضكم بعضا ويسفك بعضكم دماء بعض فيلقاكم ذلك العدو غدا وقد رققتم وتلك والله أمنية عدوكم وإنه قد أقبل اليكم أعدى خلق الله لكم من ولى عليكم هو وأبوه سبع سنين لا يقلعان عن قتل أهل العفاف والدين هو الذى قتلكم ومن قبله أوتيتم والذى قتل من تثأرون بدمه قد جاءكم فاستقبلوه بحدكم وشوكتكم واجعلوها به ولا تجعلوها بأنفسكم إنى لم الكم نصحا جمع الله لنا كلمتنا وأصلح لنا أئمتنا قال فقال إبراهيم بن محمد بن طلحة أيها الناس لا يغرنكم من السيف والغشم مقالة هذا المداهن الموادع والله لئن خرج علينا خارج لنقتلنه ولئن استيقنا أن قوما يريدون الخروج علينا لنأخذن الوالد بولده والمولود بوالده ولنأخذن الحميم بالحميم والعريف بما في عرافته حتى يدينوا للحق ويذلوا للطاعة فوثب إليه المسيب ابن نجبة فقطع عليه منطقه ثم قال يا ابن الناكثين أنت تهددنا بسيفك وغشمك أنت والله أذل من ذلك إنا لا نلومك على بغضنا وقد قتلنا أباك وجدك والله إنى لارجو ألا يخرجك الله من بين ظهرانى أهل هذا المصر حتى يثلثوا بك جدك وأباك وأما أنت أيها الامير فقد قلت قولا سديدا وإنى والله لاظن من يريد هذا الامر مستنصحا لك وقابلا قولك فقال ابراهيم بن محمد بن طلحة إى والله ليقتلن وقد أدهن ثم أعلن فقام إليه عبد الله بن وال التيمى فقال ما اعتراضك يا أخا بنى تيم بن مرة فيما بيننا وبين أميرنا فوالله ما أنت علينا بأمير ولا لك علينا سلطان إنما أنت أمير الجزية فأقبل على خراجك فلعمر الله لئن كنت مفسدا ما أفسد أمر هذه الامة

[ 436 ]

إلا والدك وجدك الناكثان فكانت بهما اليدان وكانت عليهما دائرة السوء قال ثم أقبل مسيب بن نجبة وعبد الله بن وال على عبد الله بن يزيد فقالا أما رأيك أيها الامير فوالله إنا لا نرجو أن تكون به عند العامة محمودا وأن تكون عند الذى عنيت واعتريت مقبولا فغضب أناس من عمال إبراهيم بن محمد بن طلحة وجماعة ممن كان معه فتشاتموا دونه فشتمهم الناس وخصموهم * فلما سمع ذلك عبد الله بن يزيد نزل ودخل وانطلق إبراهيم بن محمد وهو يقول قد داهن عبد الله بن يزيد أهل الكوفة والله لاكتبن بذلك إلى عبد الله بن الزبير فأتى شبث بن ربعى التميمي عبد الله بن يزيد فأخبره بذلك فركب به وبيزيد بن الحارث بن رويم حتى دخل على إبراهيم بن محمد بن طلحة فحلف له بالله ما أردت بالقول الذى سمعت إلا العافية وصلاح ذات البين إنما أتانى يزيد بن الحارث بكذا وكذا فرأيت أن أقوم فيهم بما سمعت إرادة ألا تختلف الكلمة ولا تتفرق الالفة وألا تقع بأس هؤلاء القوم بينهم فعذره وقبل منه قال ثم إن أصحاب سليمان بن صرد خرجوا ينشرون السلاح ظاهرين ويتجهزون يجاهرون بجهازهم وما يصلحهم (وفى هذه السنة) فارق عبد الله بن الزبير الخوارج الذين كانوا قدموا عليه مكة فقاتلوا معه حصين بن نمير السكوني فصاروا إلى البصرة ثم افترقت كلمتهم فصاروا أحزابا ذكر الخبر عن فراقهم ابن الزبير والسبب الذى من أجله فارقوه والذى من أجله افترقت كلمتهم * حدثت عن هشام بن محمد الكلبى عن أبى مخنف لوط بن يحيى قال حدثنى أبو المخارق الراسبى قال لما ركب ابن زياد من الخوارج بعد قتل أبى بلال ما ركب وقد كان قبل ذلك لا يكف عنهم ولا يستبقيهم غير أنه بعد قتل أبى بلال تجرد لاستئصالهم وهلاكهم واجتمعت الخوارج حين ثار ابن الزبير بمكة وسار إليه أهل الشأم فتذاكروا ما أتى إليهم فقال لهم نافع بن الازرق إن الله قد أنزل عليكم الكتاب وفرض عليكم فيه الجهاد واحتج عليكم بالبيان وقد جرد فيكم السيوف أهل الظلم وأولو العدى والغشم وهذا من قد ثار بمكة فاخرجوا بنا

[ 437 ]

نأت البيت ونلق هذا الرجل فإن يكن على رأينا جاهدنا معه العدو وإن يكن على غير رأينا دافعنا عن البيت ما استطعنا ونظرنا بعد ذلك في أمورنا فخرجوا حتى قدموا على عبد الله بن الزبير فسر بمقدمهم ونبأهم أنه على رأيهم وأعطاهم الرضا من غير توقف ولا تفتيش فقاتلوا معه حتى مات يزيد بن معاوية وانصرف أهل الشأم عن مكة ثم إن القوم لقى بعضهم بعضا فقالوا إن هذا الذى صنعتم أمس بغير رأى ولا صواب من الامر تقاتلون مع رجل لا تدرون لعله ليس على رأيكم إنما كان أمس يقاتلكم هو وأبوه ينادى يال ثأرات عثمان فاتوه وسلوه عن عثمان فإن برئ منه كان وليكم وإن أبى كان عدوكم فمشوا نحوه فقالوا له أيها الانسان إنا قد قاتلنا معك ولم نفتشك عن رأيك حتى نعلم أمنا أنت أم من عدونا خبرنا ما مقالتك في عثمان فنظر فإذا من حوله من أصحابه قليل فقال لهم إنكم أتيتموني فصادفتموني حين أردت القيام ولكن روحوا إلى العشية حتى أعلمكم من ذلك الذى تريدون فانصرفوا وبعث إلى أصحابه فقال البسوا السلاح واحضروني بأجمعكم العشية ففعلوا وجاءت الخوارج وقد أقام أصحابه حوله سماطين عليهم السلاح وقامت جماعة منهم عظيمة على رأسه بأيديهم الاعمدة فقال ابن الازرق لاصحابه خشى الرجل غائلتكم وقد أزمع بخلافكم واستعد لكم ما ترون فدنا منه ابن الازرق فقال له يا ابن الزبير اتق الله ربك وابغض الخائن المستأثر وعاد أول من سن الضلالة وأحدث الاحداث وخالف حكم الكتاب فإنك ان تفعل ذلك ترض ربك وتنج من العذاب الاليم نفسك وان تركت ذلك فأنت من الذين استمتعوا بخلاقهم وأذهبوا في الحياة الدنيا طيباتهم يا عبيدة ابن هلال صف لهذا الانسان ومن معه أمرنا الذى نحن عليه والذى ندعو الناس إليه فتقدم عبيدة بن هلال (قال هشام) قال أبو مخنف وحدثني أبو علقمة الخثعمي عن أبى قبيصة بن عبد الرحمن القحافى من خثعم قال أنا والله شاهد عبيدة بن هلال إذ تقدم فتكلم فما سمعت ناطقا قط ينطق كان أبلغ ولا أصوب قولا منه وكان يرى رأى الخوارج قال وان كان ليجمع القول الكثير في المعنى

[ 438 ]

الخطير في اللفظ اليسير قال فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم يدعو إلى عبادة الله وإخلاص الدين فدعا إلى ذلك فأجابه المسلمون فعمل فيهم بكتاب الله وأمره حتى قبضه الله إليه صلى الله عليه واستخلف الناس أبا بكر واستخلف أبو بكر عمر فكلاهما عملا بالكتاب وسنة رسول الله فالحمد لله رب العالمين ثم ان الناس استخلفوا عثمان بن عفان فحمى الاحماء فآثر القربى واستعمل الفتى ورفع الدرة ووضع السوط ومزق الكتاب وحقر المسلم وضرب منكري الجور وآوى طريد الرسول صلى الله عليه وضرب السابقين بالفضل وسيرهم وحرمهم ثم أخذ في الله الذى أفاءه عليهم فقسمه بن فساق قريش ومجان العرب فسارت إليه طائفة من المسلمين أخذ الله ميثاقهم على طاعته لا يبالون في الله لومة لائم فقتلوه فنحن لهم أولياء ومن ابن عفان وأوليائه برآء فما تقول أنت يا ابن الزبير قال فحمد الله ابن الزبير وأثنى عليه ثم قال أما بعد فقد فهمت الذى ذكرتم وذكرت به النبي صلى الله عليه وسلم فهو كما قلت صلى الله عليه وفوق ما وصفته وفهمت ما ذكرت به أبا بكر وعمر وقد وفقت وأصبت وقد فهمت الذى ذكرت به عثمان بن عفان رحمة الله عليه وإنى لا أعلم مكان أحد من خلق الله اليوم أعلم بابن عفان وأمره منى كنت معه حيث نقم القوم عليه واستعتبوه فلم يدع شيئا استعتبه القوم فيه إلا أعتبهم منه ثم إنهم رجعوا إليه بكتاب له يزعمون أنه كتبه فيهم يأمر فيه بقتلهم فقال لهم ما كتبته فإن شئتم فهاتوا بينتكم فإن لم تكن حلفت لكم فوالله ما جاؤه ببينة ولا استحلفوه ولوثبوا عليه فقتلوه وقد سمعت ما عبته به فليس كذلك بل هو لكل خير أهل وأنا أشهدكم ومن حضر أنى ولى لابن عفان في الدنيا والآخرة وولى أوليائه وعدو أعدائه قالوا فبرئ الله منك يا عدو الله قال فبرئ الله منكم يا أعداء الله وتفرق القوم فأقبل نافع بن الازرق الحنظلي وعبد الله بن صفار السعدى من بنى صريم بن مقاعس وعبد الله بن أباض أيضا من بنى صريم وحنظلة بن بيهس وبنو الماحوز عبد الله وعبيدالله والزبير من بنى سليط بن يربوع حتى أتو البصرة وانطلق أبو طالوت من

[ 439 ]

بنى زمان بن مالك بن صعب بن على بن مالك بن بكر بن وائل وعبد الله بن ثور أبو فديك من بنى قيس بن ثعلبة وعطية بن الاسود اليشكرى إلى اليمامة فوثبوا باليمامة مع أبى طالوت ثم أجمعوا بعد ذلك على نجدة ابن عامر الحنفي فأما البصريون منهم فإنهم قدموا البصرة وهم مجمعون على رأى أبى بلال (قال هشام) قال أبو مخنف لوط بن يحيى فحدثني أبو المثنى عن رجل من إخوانه من أهل البصرة أنهم اجتمعوا فقالت العامة منهم لو خرج منا خارجون في سبيل الله فقد كانت منا فترة منذ خرج أصحابنا فيقوم علماؤنا في الارض فيكونون مصابيح الناس يدعونهم إلى الدين ويخرج أهل الورع والاجتهاد فيلحقون بالرب فيكونون شهداء مرزوقين عند الله أحياء فانتدب لها نافع بن الازرق فاعتقد على ثلاثمائة رجل فخرج وذلك عند وثوب الناس بعبيد الله بن زياد وكسر الخوارج أبواب السجون وخروجهم منها واشتغل الناس بقتال الازدي وربيعة وبنى تميم وقيس في دم مسعود بن عمرو فاغتنمت الخوارج اشتغال الناس بعضهم ببعض فتهيؤا واجتمعوا فلما خرج نافع ابن الازرق تبعوه واصطلح أهل البصرة على عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب يصلى بهم وخرج ابن زياد إلى الشأم واصطلحت الازد وبنو تميم فتجرد الناس للخوارج فأتبعوهم وأخافوهم حتى خرج من بقى منهم بالبصرة فلحق بابن الازرق إلا قليلا منهم ممن لم يكن أراد الخروج يومه ذلك منهم عبد الله بن صفار وعبد الله بن أباض ورجال معهما على رأيهما ونظر نافع بن الازرق ورأى أن ولاية من تخلف عنه لا تنبغي وأن من تخلف عنه لا نجاة له فقال لاصحابه إن الله قد أكرمكم بمخرجكم بصركم ما عمى عنه غيركم ألستم تعلمون أنكم إنما خرجتم تطلبون شريعته وأمره فأمره لكم قائد والكتاب لكم إمام وإنما تتبعون سننه وأثره فقالوا بلى فقال أليس حكمكم في وليكم حكم النبي صلى الله عليه وسلم في وليه وحكمكم في عدوكم حكم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في عدوه وعدوكم اليوم عدو الله وعدو النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كما أن عدو النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ هو عدو الله وعدوكم اليوم فقالوا نعم قال فقد أنزل الله تبارك وتعالى (براءة من الله ورسوله إلى الذين

[ 440 ]

عاهدتم من المشركين) وقال (لا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) فقد حرم الله ولايتهم والمقام بين أظهرهم وإجازة شهادتهم وأكل ذبائحهم وقبول علم الدين عنهم ومناكحتهم ومواريثهم وقد احتج الله علينا بمعرفة هذا وحق علينا أن نعلم هذا الدين الذين خرجنا من عندهم ولا نكتم ما أنزل الله والله عز وجل يقول (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون) فاستجاب له إلى هذا الرأى جميع أصحابه فكتب من عبيدالله نافع بن الازرق إلى عبد الله بن صفار وعبد الله بن أباض ومن قبلهما من الناس سلام على أهله طاعة الله من عباد الله فإن من الامر كيت وكيت فقص هذه القصة ووصف هذه الصفة ثم بعث بالكتاب إليهما فأتيا به فقرأه عبد الله بن صفار فأخذه فوضعه خلفه فلم يقرأه على الناس خشية أن يتفرقوا ويختلفوا فقال له عبد الله بن أباض مالك لله أبوك أي شئ أصبت أن قد أصيب إخواننا أو أسر بعضهم فدفع الكتاب إليه فقرأه فقال قاتله الله أي رأى رأى صدق نافع بن الازرق لو كان القوم مشركين كان أصوب الناس رأيا وحكما فيما يشير به وكانت سيرته كسيرة النبي صلى الله عليه وسلم في المشركين ولكنه قد كذب وكذبنا فيما يقول إن القوم كفار بالنعم والاحكام وهم برآء من الشرك ولا يحل لنا إلا دماؤهم وما سوى ذلك من أموالهم فهو علينا حرام فقال ابن صفار برئ الله منك فقد قصرت وبرئ الله من ابن الازرق فقد غلا برئ الله منكما جميعا وقال الآخر فبرئ الله منك ومنه وتفرق القوم واشتدت شوكة ابن الازرق وكثرت جموعه وأقبل نحو البصرة حتى دنا من الجسر فبعث إليه عبد الله بن الحارث مسلم بن عبيس بن كريز بن ربيعة بن حبيب ابن عبد الشمس بن عبد مناف في أهل البصرة (قال أبو جعفر) وفى النصف من شهر رمضان من هذه السنة كان مقدم المختار بن أبى عبيد الكوفة ذكر الخبر عن سبب مقدمه إليها (قال هشام بن محمد الكلبى) قالوا أبو مخنف قال النضر بن صالح كانت الشيعة

[ 441 ]

تشتم المختار وتعتبه لما كان منه في أمر الحسن بن على يوم طعن في مظلم ساباط فحمل إلى أبيض المدائن حتى إذا كان زمن الحسين وبعث الحسين مسلم بن عقيل إلى الكوفة نزل دار المختار وهى اليوم دار سلم بن المسيب فبايعه المختار بن أبى عبيد فيمن بايعه من أهل الكوفة وناصحه ودعا إليه من أطاعه حتى خرج ابن عقيل يوم خرج والمختار في قرية له بخطرنية تدعى لقفا فجاءه خبر ابن عقيل عند الظهر أنه قد ظهر بالكوفة فلم يكن خروجه يوم خرج على ميعاد من أصحابه إنما خرج حين قيل له إن هانئ بن عروة المرادى قد ضرب وحبس فأقبل المختار في موال له حتى انتهى إلى باب الفيل بعد الغروب وقد عقد عبيدالله بن زياد لعمرو بن حريث راية على جميع الناس وأمره أن يقعد لهم في المسجد فلما كان المختار فوقف على باب الفيل مر به هانئ بن أبى حية الوادعى فقال للمختار ما وقوفك ههنا لا أنت مع الناس ولا أنت في رحلك قال أصبح رأيى مرتجا لعظم خطيئتكم فقال له أظنك والله قاتلا نفسك ثم دخل على عمرو بن حريث فأخبره بما قال للمختار وما رد عليه المختار (قال أبو مخنف) فأخبرني النضر بن صالح عن عبد الرحمن بن أبى عمير الثقفى قال كنت جالسا عند عمرو بن حريث حنى بلغه هانئ بن أبى حية عن المختار هذه المقالة فقال لى قم إلى ابن عمك فأخبره أن صاحبه لا يدرى أين هو فلا يجعلن على نفسه سبيلا فقمت لآتيه ووثب إليه زائدة بن قدامة بن مسعود فقال له يأتيك على أن آمن فقال له عمرو بن حريث أما منى فهو آمن إن رقى إلى الامير عبيدالله بن زياد شئ من أمره أقمت له بمحضره الشهادة وشفعت له أحسن الشفاعة فقال له زائدة بن قدامة ليكونن مع هذا إن شاء الله إلا خير * قال عبد الرحمن فخرجت وخرجت معى زائدة إلى المختار فأخبرناه بمقالة ابن أبى حية وبمقالة عمرو بن حريث وناشدناه بالله ألا يجعل على نفسه سبيلا فنزل إلى ابن حريث فسلم عليه وجلس تحت رايته حتى أصبح وتذاكر الناس أمر المختار وفعله فمشى عمارة بن عقبة بن أبى معيط بذلك إلى عبيدالله بن زياد فذكر له فلما ارتفع النهار فتح باب عبيدالله بن زياد وأذن للناس فدخل المختار فيمن دخل فدعاه عبيدالله فقال له أنت المقبل في الجموع لتنصر ابن

[ 442 ]

عقيل فقال له لم أفعل ولكني أقبلت ونزلت تحت راية عمرو بن حريث وبت معه وأصبحت فقال له عمرو صدق أصلحك الله قال فرفع القضيب فاعترض به وجه المختار فحبط به عينه فشترها وقال أولى لك أما والله لولا شهادة عمرو لك لضربت عنقك انطلقوا به إلى السجن فانطلقوا به إلى السجن فحبس فيه فلم يزل في السجن حتى قتل الحسين ثم إن المختار بعث إلى زائدة بن قدامة فسأله أن يسير إلى عبد الله بن عمر بالمدينة فيسأله أن يكتب له إلى يزيد بن معاوية فيكتب إلى عبيدالله بن زياد بتخلية سبيله فركب زائدة إلى عبد الله بن عمر فقدم عليه فبلغه رسالة المختار وعلمت صفية أخت المختار بمحبس أخيها وهى تحت عبد الله بن عمر فبكت وجزعت فلما رأى ذلك عبد الله بن عمر كتب مع زائدة إلى يزيد بن معاوية أما بعد فإن عبيدالله بن زياد حبس المختار وهو صهرى وأنا أحب أن يعافى ويصلح من حاله فإن رأيت رحمنا الله وإياك أن تكتب إلى ابن زياد فتأمره بتخليته فعلت والسلام عليك فمضى زائدة على رواحله بالكتاب حتى قدم به على يزيد بالشأم فلما قرأه ضحك ثم قال يشفع أبو عبد الرحمن وأهل ذلك هو فكتب له إلى ابن زياد أما بعد فخل سبيل المختار بن أبى عبيد حين تنظر في كتابي والسلام عليك فأقبل به زائدة حتى دفعه فدعا ابن زياد بالمختار فأخرجه ثم قال له قد أجلتك ثلاثا فان أدركتك بالكوفة بعدها قد برئت منك الذمة فخرج إلى رحله وقال ابن زياد والله لقد اجترأ على زائدة حين يرحل إلى أمير المؤمنين حتى يأتيني بالكتاب في تخلية رجل قد كان من شأني أن أطيل حبسه على به فممر به عمرو بن نافع أبو عثمان كاتب لابن زياد وهو يطلب وقال له النجاء بنفسك واذكرها يدا لى عندك * قال فخرج زائدة فتوارى يومه ذلك ثم إنه خرج في أناس من قومه حتى أتى القعقاع بن شور الذهلى ومسلم بن عمرو الباهلى فأخذا له من ابن زياد الامان (قال هشام) قال أبو مخنف ولما كان اليوم الثالث خرج المختار إلى الحجاز قال فحدثني الصقعب بن زهير عن ابن العرق مولى لثقيف قال أقبلت من الحجاز حتى إذا كنت بالبسيطة من وراء واقصة استقبلت المختار بن أبى عبيد خارجا يريد الحجاز حين خلى سبيله ابن زياد فلما استقبلته رحبت به وعطفت إليه

[ 443 ]

فلما رأيت شتر عينه استرجعت له وقلت له بعد ما توجعت له ما بال عينك صرف الله عنك السوء قال خبط عينى ابن الزانية بالقضيب خبطة صارت إلى ما ترى فقلت له ماله شلت أنامله فقال المختار قتلني الله إن لم أقطع أنامله وأباجله وأعضاءه إربا إربا قال فعجبت لمقالته فقلت له ما علمك بذلك رحمك الله فقال لى ما أقول لك فاحفظه عنى حتى ترى مصداقه قال ثم طفق يسألنى عن عبد الله بن الزبير فقلت له لجأ إلى البيت فقال إنما أنا عائذ برب هذه البنية الناس يتحدثون أنه يبايع سرا ولا أراه إلا لو قد اشتدت شوكته واستكثف من الرجال إلا سيظهر الخلاف قال أجل لا شك في ذلك أما انه رجل العرب اليوم أما انه ان يخطط في أثرى ويسمع قولى أكفه أمر الناس وإلا يفعل فوالله ما أنا بدون أحد من العرب يا ابن العرق ان الفتنة قد أرعدت وأبرقت وكأن قد انبعثت فوطئت في خطامها فإذا رأيت ذلك وسمعت به بمكان قد ظهرت فيه فقيل إن المختار في عصائبه من المسلمين يطلب بدم المظلوم الشهيد المقتول بالطف سيد المسلمين وابن سيدها الحسين بن على فوربك لاقتلن بقتله عده القتلى التى قتلت على دم يحيى بن زكرياء عليه السلام قال فقلت له سبحان الله وهذه أعجوبة مع الاحدوثة الاولى فقال هو ما أقول لك فاحفظه عنى حتى ترى مصداقه ثم حرك راحلته فمضى ومضيت معه ساعة أدعو الله له بالسلامة وحسن الصحابة قال ثم انه وقف فأقسم على لما انصرفت فأخذت بيده فودعته وسلمت عليه وانصرف عنه فقلت في نفسي هذا الذى يذكر لى هذا الانسان يعنى المختار مما يزعم أنه كائن أشئ حدث به نفسه فوالله ما أطلع الله على الغيب أحدا وانما هو شئ يتمناه فيرى أنه كائن فهو يوجب رأيه فهذا والله الرأى الشعاع فوالله ما كل ما يرى الانسان انه كائن يكون قال فوالله ما مت حتى رأيت كل ما قاله قال فوالله لئن كان ذلك من علم ألقى إليه لقد أثبت له ولئن كان ذلك رأيا رآه وشيئا تمناه لقد كان (قال أبو مخنف) فحدثني الصقعب بن زهير عن ابن العرق قال فحدثت بهذا الحديث للحجاج بن يوسف فضحك ثم قال لى انه كان يقول أيضا: ودافعة ذيلها وداعية ويلها بدجلة أو حولها

[ 444 ]

فقلت له أترى هذا شيئا كان يخترعه وتخرصا يتخرصه أم هو من علم كان أوتيه فقال والله ما أدرى ما هذا الذى تسألني عنه ولكن لله دره أي رجل دينا ومسعر حرب ومقارع أعداء كان (قال أبو مخنف) فحدثني أبو يوسف الانصاري من بنى الخزرج عن عباس بن سهل بن سعد قال قدم المختار علينا مكة فجاء إلى عبد الله ابن الزبير وأنا جالس عنده فسلم عليه فرد عليه ابن الزبير ورحب به وأوسع له ثم قال حدثنى عن حال الناس بالكوفة يا أبا اسحاق قال هم لسلطانهم في العلانية أولياء وفى السر أعداء فقال له ابن الزبير هذه صفة عبيد السوء إذا رأوا أربابهم خدموهم وأطاعوهم فإذا غابوا عنهم شتموهم ولعنوهم قال فجلس معنا ساعة ثم إنه قال إلى ابن الزبير كأنه يساره فقال له ما تنتظر ابسط يدك أبايعك وأعطنا ما يرضينا وثب على الحجاز فإن أهل الحجاز كلهم معك وقام المختار فخرج فلم ير حولا ثم إنى بينا أنا جالس مع ابن الزبير إذ قال لى ابن الزبير متى عهدك بالمختار ابن أبى عبيد فقلت له مالى به عهد منذ رأيته عندك عاما أول فقال أين تراه ذهب لو كان بمكة لقد رؤى بها بعد فقلت له إنى انصرفت إلى المدينة بعد إذ رأيته عندك بشهر أو شهرين فلبثت بالمدينة أشهرا ثم إنى قدمت عليك فسمعت نفرا من أهل الطائف جاءوا معتمرين يزعمون أنه قدم عليهم الطائف وهو يزعم أنه صاحب الغضب ومبير الجبارين قال قاتله الله لقد انبعث كذابا متكهنا إن الله إن يهلك الجبارين يكن المختار أحدهم فوالله ما كان إلا ريث فراغنا من منطقنا حتى عن لنا في جانب المسجد فقال ابن الزبير اذكر غائبا تره أين تظنه يهوى فقلت أظنه يريد البيت فأتى البيت فاستقبل الحجر ثم طاف بالبيت أسبوعا ثم صلى ركعتين عند الحجر ثم جلس فما لبث أن مر به رجال من معارفه من أهل الطائف وغيرهم من أهل الحجاز فجلسوا إليه واستبطأ ابن الزبير قيامه إليه فقال ما ترى شأنه لا يأتينا قلت لا أدرى وسأعلم لك علمه وقال ما شئت وكان ذلك أعجبه قال فقمت فمررت به كأنى أريد الخروج من المسجد ثم التفت إليه فأقبلت نحوه ثم سلمت عليه ثم جلست إليه وأخذت بيده فقلت له أين كنت وأين بلغت بعدى أبالطائف كنت فقال لى كنت بالطائف

[ 445 ]

وغير الطائف وعمس على أمره فملت إليه فناجيته فقلت له مثلك يغيب عن مثل ما قد اجتمع عليه أهل الشرف وبيوتات العرب من قريش والانصار وثقيف لم يبق أهل بيت ولا قبيلة إلا وقد جاء زعيمهم وعميدهم فبايع هذا الرجل فعجبا لك ولرأيك ألا تكون أتيته فبايعته وأخذت بحظك من هذا الامر وقال لى وما رأيتنى أتيته العام الماضي فأشرت عليه بالرأى فطوى أمره دوني وانى لما رأيته استغنى عنى أحببت أن أريه أنى مستغن عنه إنه والله لهو أحوج إلى منى إليه فقلت له إنك كلمته بالذى كلمته وهو ظاهر في المسجد وهذا الكلام لا ينبغى أن يكون إلا والستور دونه مرخاة والابواب دونه مغلقة القه الليلة إن شئت وأنا معك فقال لى فإنى فاعل إذا صلينا العتمة أتيناه واتعدنا الحجر قال فنهضت من عنده فخرجت ثم رجعت إلى ابن الزيبر فأخبرته بما كان من قولى وقوله فسر بذلك * فلما صلينا العتمة التقينا بالحجر ثم خرجنا حتى أتينا منزل ابن الزبير فاستأذنا عليه فأذن لنا فقلت أخليكما فقالا جميعا لا سر دونك فجلست فإذا ابن الزبير قد أخذ بيده فصافحه ورحب به فسأله عن حاله وأهل بيته وسكتا جميعا غير طويل فقال له المختار وأنا أسمع بعد أن تبدأ في أول منطقه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أنه لا خير في الاكثار من المنطق ولا في التقصير عن الحاجة إنى قد جئتك لابايعك على ألا تقضى الامور دوني وعلى أن أكون في أول من تأذن له وإذا ظهرت استعنت بى على أفضل عملك فقال له ابن الزبير أبايعك على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فقال وشر غلماني أنت مبايعه على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم مالى في هذا الامر من الحظ ما ليس لاقصى الخلق منك لا والله لا أبايعك أبدا إلا على هذه الخصال قال عباس بن سهل فالتقمت أذن ابن الزبير فقلت له اشتر منه دينه حتى ترى من رأيك فقال له ابن الزبير فإن لك ما سألته فبسط يده فبايعه ومكث معه حتى شاهد الحصار الاول حين قدم الحصين بن نمير السكوني مكة فقاتل في ذلك اليوم فكان من أحسن الناس يومئذ بلاء وأعظمهم غناء * فلما قتل المنذر بن الزبير والمسور بن مخرمة ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف الزهري نادى المختار يا أهل

[ 446 ]

الاسلام إلى إلى أنا ابن أبى عبيد بن مسعود وأنا ابن الكرار لا الفرار أنا ابن المقدمين غير المحجمين إلى يا أهل الحفاظ وحماة الاوتار فحمى الناس يومئذ وأبلى وقاتل قتالا حسنا ثم أقام مع ابن الزبير في ذلك الحصار حتى كان يوم أحرق البيت فإنه أحرق يوم السبت لثلاث مضين من شهر ربيع الاول سنة 64 فقاتل المختار يومئذ في عصابة معه نحو من ثلثمائة أحسن قتال قاتله أحد من الناس إن كان ليقاتل حتى يتبلد ثم يجلس ويحيط به أصحابه فإذا استراح نهض فقاتل فما كان يتوجه نحو طائفة من أهل الشأم إلا ضاربهم حتى يكشفهم (قال أبو مخنف) فحدثني أبو يوسف محمد بن ثابط عن عباس بن سهل بن سعد قال تولى قتال أهل الشأم يوم تحريق الكعبة عبد الله بن مطيع وأنا والمختار قافما كان فينا يومئذ رجل أحسن بلاء من المختار قال وقاتل قبل أن يطلع أهل الشأم على موت يزيد بن معاوية بيوم قتالا شديدا وذلك يوم الاحد لخمس عشرة ليلة مضت من ربيع الآخر سنة 64 وكان أهل الشأم قد رجوا أن يظفروا بنا وأخذوا علينا سكك مكة قال وخرج ابن الزبير فبايعه رجال كثير على الموت قال فخرجت في عصابة معى أقاتل في جانب والمختار في عصابة أخرى يقاتل في جمعية من أهل اليمامة في جانب وهم خوارج وإنما قاتلوا ليدفعوا عن البيت فهم في جانب وعبد الله بن المطيع في جانب قال فشد أهل الشأم على فحازوني في أصحابي حتى اجتمعت أنا والمختار وأصحابه في مكان واحدا فلم أكن أصنع شيئا إلا صنع مثله ولا يصنع شيئا إلا تكلفت أن أصنع مثله فما رأيت أشد منه قط قال فإنا لنقاتل إذ شدت علينا رجال وخيل من خيل أهل الشأم فاضطروني وإياه في نحو من سبعين رجلا من أهل الصبر إلى جانب دار من دور أهل مكة فقاتلهم المختار يومئذ وأخذ يقول رجل لرجل ولا وألت نفس امرئ يفر قال فخرج المختار وخرجت معه فقلت ليخرج منكم إلى رجل فخرج إلى رجل واليه رجل آخر فمشيت إلى صاحبي فأقتله ومشى المختار إلى صاحبه فقتله ثم صحنا بأصحابنا وشددنا عليهم فوالله لضربناهم حتى أخرجناهم من السكك كلها ثم رجعنا إلى صاحبينا اللذين قتلنا قال فإذا الذى قتلت رجل أحمر شديد الحمرة كأنه رومى وإذا الذى قتل

[ 447 ]

المختار رجل أسود شديد السواد فقال لى المختار تعلم والله إنى لاظن قتيلينا هذين عبدين ولو أن هذين قتلانا لفجع بنا عشائرنا ومن يرجونا وما هذان وكلبان من الكلاب عندي إلا سواء ولا أخرج بعد يومى هذا لرجل أبدا إلا لرجل أعرفه فقلت له وأنا والله لا أخرج إلا لرجل أعرفه وأقام المختار مع ابن الزبير حتى هلك يزيد بن معاوية وانقضى الحصار ورجع أهل الشأم إلى الشأم واصطلح أهل الكوفة على عامر بن مسعود بعد ما هلك يزيد يصلى بهم حتى يجتمع الناس على إمام يرضونه فلم يلبث عامر الا شهرا حتى بعث ببيعته وبيعة أهل الكوفة إلى ابن الزبير وأقام المختار مع ابن الزبير خمسة أشهر بعد مهلك يزيد وأياما (قال أبو مخنف) فحدثني عبد الملك بن نوفل بن مساحق عن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص قال والله إنى لمع عبد الله ابن الزبير ومع عبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف ونحن نطوف بالبيت إذ نظر ابن الزبير فإذا هو بالمختار فقال لابن صفوان انظر إليه فوالله لهو أحذر من ذئب قد أطافت به السباع قال فمضى ومضينا معه فلما قضينا طوافنا وصلينا الركعتين بعد الطواف لحقنا المختار فقال لابن صفوان ما الذى ذكرني به ابن الزبير قال قال فكتمه وقال لم يذكرك إلا بخير قال بلى ورب هذه البنية إن كنت لمن شأنكما أما والله ليخطن في أثرى أو لاقدنها عليه سعرا فأقام معه خمسة أشهر فلما رآه لا يستعمله جعل لا يقدم عليه أحد من الكوفة إلا سأله عن حال الناس وهيئتهم (قال أبو مخنف) فحدثني عطية بن الحارث أبو روق الهمداني أن هانئ بن أبى حية الوادعى قدم مكة يريد عمرة رمضان فسأله المختار عن حاله وحال الناس بالكوفة وهيئتهم فأخبره عنهم بصلاح واتساق على طاعة ابن الزبير إلا أن طائفة من الناس إليهم عدد أهل مصر لو كان لهم رجل يجمعهم على رأبهم أكل بهم الارض إلى يوم ما فقال له المختار أنا أبو إسحاق أنا والله لهم أنا أجمعهم على مر الحق وأنفى بهم ركبان الباطل وأقتل بهم كل جبار عنيد فقال له هانئ بن أبى حية ويحك يا ابن أبى عبيد إن استطعت ألا توضع في الظلال ليكن صاحبهم غيرك فان صاحب الفتنة أقرب شئ أجلا وأسوأ الناس عملا فقال له المختار أنى لا أدعو إلى الفتنة

[ 448 ]

إنما أدعو إلى الهدى والجماعة ثم وثب فخرج وركب رواحله فأقبل نحو الكوفة حتى إذا كان بالقرعاء فلقيه سلمة بن مرثد أخو بنت مرثد القابضى من همدان وكان من أشجع العرب وكان ناسكا فلما التقيا تصافحا وتساءلا لا فخبره المختار خبر الحجاز ثم قال لسلمة بن مرثد حدثنى عن الناس بالكوفة قال هم كغنم ضل راعيها فقال المختار بن أبى عبيد أنا الذى أحسن رعايتها وأبلغ نهايتها فقال له سلمة اتق الله واعلم أنك ميت ومبعوث ومحاسب ومجزى بعملك إن خيرا فخير وإن شرا فشر ثم افترقا وأقبل المختار حتى انتهى إلى بحر الحيرة يوم الجمعة فنزل فاغتسل فيه وادهن دهنا يسيرا ولبس ثيابه واعتم وتقلد سيفه ثم ركب راحلته فمر بمسجد السكون وجبانة كندة لا يمر بمجلس إلا سلم على أهله وقال أبشروا بالنصر والفلج أتاكم ما تحبون وأقبل حتى مر بمسجد بنى ذهل وبنى حجر فلم يجد ثم أحدا ووجد الناس قد راحوا إلى الجمعة فأقبل حتى مر ببنى بداء فوجد عبيدة بن عمرو البدى من كندة فسلم عليه ثم قال أبشر بالنصر واليسر والفلج إنك أبا عمرو على رأى حسن لن يدع الله لك معه مأثما إلا غفره ولا ذنبا إلا ستره قال وكان عبيدة من أشجع الناس وأشعرهم وأشدهم حبا لعلى رضى الله عنه وكان لا يصبر عن الشراب فلما قال له المختار هذا القول قال له عبيدة بشرك الله بخير إنك قد بشرتنا فهل أنت مفسر لنا قال نعم فالقني في الرحل الليلة ثم مضى (قال أبو مخنف) فحدثني فضيل ابن حديج عن عبيدة بن عمرو قال قال لى المختار هذه المقالة ثم قال لى القنى في الرحل وبلغ أهل مسجدكم هذا عنى أنهم قوم أخذ الله ميثاقهم على طاعته يقتلون المحلين ويطلبون بدماء أولاد النبيين ويهديهم للنور المبين ثم مضى فقال لى كيف الطريق إلى بنى هند فقلت له أنظرني أدلك فدعوت بفرسي وقد أسرج لى فركبته قال ومضيت معه إلى بنى هند فقال دلنى على منزل اسماعيل بن كثير قال فمضيت به إلى منزله فاستخرجته فحياه ورحب به وصافحه وبشره وقال له القنى أنت وأخوك الليلة وأبو عمرو فإنى قد أتيتكم بكل ما تحبون قال ثم مضى ومضينا معه حتى مر بمسجد جهينة الباطنة ثم مضى إلى باب الفيل فأناخ راحلته ثم دخل المسجد

[ 449 ]

واستشرف له الناس وقالوا هذا المختار قد قدم فقام المختار إلى جنب سارية من سوارى المسجد فصلى عندها حتى أقيمت الصلاة فصلى مع الناس ثم ركد إلى سارية أخرى فصلى ما بين الجمعة والعصر فلما صلى العصر مع الناس انصرف (قال أبو مخنف) فحدثني المجالد بن سعيد عن عامر الشعبى أن المختار مر عى حلقة همدان وعليه ثياب السفر فقال أبشروا فإنى قد قدمت عليكم بما يسركم ومضى حتى نزل داره وهى الدار التى تدعى دار سلم بن المسيب وكانت الشيعة تختلف إليها واليه فيها (قال أبو مخنف) فحدثني فضيل بن حديج عن عبيد بن عمرو واسماعيل بن كثير من بنى هند قالا أتيناه من الليل كما وعدنا فلما دخلنا عليه وجلسنا ساءلنا عن أمر الناس وعن حال الشيعة فقلنا له إن الشيعة قد اجتمعت لسليمان بن صرد الخزاعى وإنه لن يلبث إلا يسيرا حتى يخرج قال فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال أما بعد فإن المهدى ابن الوصي محمد بن على بعثنى اليكم أمينا ووزيرا ومنتخبا وأميرا وأمرني بقتال الملحدين والطلب بدماء أهل بيته والدفع عن الضعفاء (قال أبو مخنف) قال فضيل بن حديج فحدثني عبيدة بن عمرو واسماعيل بن كثير أنهما كانا أول خلق الله إجابة وضربا على يده وبايعاه قال وأقبل المختار يبعث إلى الشيعة وقد اجتمعت عند سليمان بن صرد فيقول لهم انى قد جئتكم من قبل ولى الامر ومعدن الفضل ووصى الوصي والامام المهدى بأمر فيه الشفاء وكشف الغطاء وقتل الاعداء وتمام النعماء إن سليمان ابن صرد يرحمنا الله وإياه إنما هو عشمة من العشم وحفش بال ليس بذى تجربة للامور ولا له علم بالحروب إنما يريد أن يخرجكم فيقتل نفسه ويقتلكم انى إنما أعمل على مثال قد مثل لى وأمر قد بين لى فيه عز وليكم وقتل عدوكم وشفاء صدوركم فاسمعوا منى قولى وأطيعوا أمرى ثم أبشروا وتباشروا فانى لكم بكل ما تأملون خير زعيم قال فوالله ما زال بهذا القول ونحوه حتى اسمال طائفة من الشيعة وكانوا يختلفون إليه ويعظمونه وينظرون أمره وعظم الشيعة يومئذ ورؤساؤهم مع سليمان بن صرد وهو شيخ الشيعة وأسنهم فليس يعدلون به أحدا إلا أن المختار قد استمال منهم طائفة ليسوا بالكثير فسليمان بن

[ 450 ]

صرد أثقل خلق الله على المختار وقد اجتمع لابن صرد يومئذ أمره وهو يريد الخروج والمختار لا يريد أن يتحرك ولا أن يهيج أمرا رجاء أن ينظر إلى ما يصير إليه أمر سليمان رجاء أن يستجمع له أمر الشيعة فيكون أقوى له على درك ما يطلب فلما خرح سليمان بن صرد ومضى نحو الجزيرة قال عمر بن سعد بن أبى وقاص وشبث بن ربعى ويزيد بن الحارث بن رويم لعبدالله بن يزيد الخطمى وابراهيم ابن محمد بن طلحة بن عبيدالله إن المختار أشد عليكم من سليمان بن صرد إن سليمان انما خرج يقاتل عدوكم ويذللهم لكم وقد خرج عن بلادكم وإن المختار انما يريد أن يثب عليكم في مصركم فسيروا إليه فأوثقوه في الحديد وخلدوه في السجن حتى يستقيم أمر الناس فخرجوا إليه في الناس فما شعر بشئ حتى أحاطوا به وبداره فاستخرجوه فلما رأى جماعتهم قال ما بالكم فوالله بعد ما ظفرت أكفكم قال فقال ابراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيدالله لعبد الله بن يزيد شده كتافا ومشه حافيا فقال له عبد الله بن يزيد سبحان الله ما كنت لامشيه ولا لاحفيه ولا كنت لافعل هذا برجل لم يظهر لنا عداوة ولا حربا وانما أخذناه على الظن فقال له ابراهيم بن محمد ليس بعشك فادرجي ما أنت وما يبلغنا عنك يا ابن أبى عبيد فقال له ما الذى بلغك عنى إلا باطل وأعوذ بالله من غش كغش أبيك وجدك قال قال فضيل فوالله انى لانظر إليه حين أخرج وأسمع هذا القول حين قال له غير أنى لا أدرى أسمعه منه إبراهيم أم لم يسمعه فسكت حين تكلم به قال وأتى المختار ببلغة دهماء يركبها فقال ابراهيم لعبدالله بن يزيد ألا تشد عليه القيود فقال كفى له بالسجن قيدا (قال أبو مخنف) وأما يحيى بن أبى عيسى فحدثني انه قال دخلت إليه مع حميد بن مسلم الازدي نزوره ونتعاهده فرأيته مقيدا قال فسمعته يقول أما ورب البحار والنخيل والاشجار والمهامه والقفار والملائكة الابرار والمصطفين الاخيار لاقتلن كل جبار بكل لدن خطار ومهند بتار في جموع من الانصار ليسوا بميل أغمار ولا بعزل أشرار حتى إذا أقمت عمود الدين ورأيت شعب صدع المسلمين وشفيت غليل صدور المؤمنين وأدركت بثأر النبيين لم يكبر على

[ 451 ]

زوال الدنيا ولم أحفل بالموت إذا أتى قال فكان إذا أتيناه وهو في السجن ردد علينا هذا القول حتى خرج منه قال وكان يتشجع لاصحابه بعد ما خرج ابن صرد (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة هدم ابن الزبير الكعبة وكانت قد مال حيطانها مما رميت به من حجارة المجانيق فذكر محمد بن عمر الواقدي أن ابراهيم بن موسى حدثه عن عكرمة بن خالد قال هدم ابن الزبير البيت حتى سواه بالارض وحفر أساسه وأدخل الحجر فيه وكان الناس يطوفون من وراء الاساس ويصلون إلى موضعه وجعل الركن الاسود عنده في تابوت في سرقة من حرير وجعل ما كان من حلى البيت وما وجد فيه من ثياب أو طيب عند الحجبة في خزانة البيت حتى أعاهدها لما أعاد بناءه * قال محمد بن عمرو حدثنى معقل بن عبد الله عن عطاء قال رأيت ابن الزبير هدم البيت كله حتى وضعه بالارض (وحج) بالناس في هذه السنة عبد الله بن الزبير وكان عامله على مدينة فيها أخوه عبيدة بن الزبير وعلى الكوفة عبد الله بن زيد الخطمى وعلى قضائها سعد بن نمران وأبى شريح أن يقضى فيها وقال فيما ذكر عنه أنا لا أقضى في الفتنة وعلى البصرة عمر بن عبيد الله ابن معمر التيمى وعلى قضائها هشام بن هبيرة وعلى خراسان عبد الله بن خازم ثم دخلت سنة خمس وستين ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث الجليلة فمن ذلك ما كان من أمر التوابين وشخوصهم للطلب بدم الحسين بن على إلى عبيد الله بن زياد (قال هشام) قال أبو مخنف حدثنى أبو يوسف عن عبد الله ابن عوف الاحمري قال بعث سليمان بن صرد إلى وجوه أصحابه حين أراد الشخوص وذلك في سنة 65 فأتوه فلما استهل الهلال هلال شهر ربيع الآخر خرج في وجوه أصحابه وقد كان واعدا أصحابه عامة للخروج في تلك الليلة للمعسكر بالنخيلة فخرج حتى أتى عسكره فدار في الناس ووجوه أصحابه فلم يعجبه عدة الناس فبعث حكيم بن منقذ الكندى في خيل وبعث الوليد بن غضين الكنانى

[ 452 ]

في خيل وقال اذهبا حتى تدخلا الكوفة فناديا يا لثأرات الحسين وابلغا المسجد الاعظم فناديا بذلك فخرجا وكانا أول خلق الله دعوا يا لثأرات الحسين قال فأقبل حكيم بن منقذ الكندى في خيل والوليد بن غضين في خيل حتى مرا ببنى كثير وإن رجلا من بنى كثير من الازد يقال له عبد الله بن خازم مع امرأته سهلة بنت سبرة بن عمرو من بنى كثير وكانت من أجمل الناس وأحبهم إليه سمع الصوت يا لثارات الحسين وما هو ممن كان يأتيهم ولا استجاب لهم فوثب إلى ثيابه فلبسها ودعا بسلاحه وأمر بإسراج فرسه فقالت له امرأته ويحك أجننت قال لا والله ولكني سمعت داعى الله فأنا مجيبه أنا طالب بدم هذا الرجل حتى أموت أو يقضى الله من أمرى ما هو أحب إليه فقالت له إلى من تدع بنيك هذا قال إلى الله وحده لا شريك له اللهم إنى أستودعك أهلى وولدى اللهم احفظني فيهم وكان ابنه ذلك يدعى عزرة فبقى حتى قتل بعد مع مصعب بن الزبير وخرج حتى لحق بهم فقعدت امرأته تبكيه واجتمع إليها نساؤها ومضى مع القوم وطافت تلك الليلة الخيل بالكوفة حتى جاء والمسجد بعد العتمة وفيه ناس كثير يصلون فنادوا يا لثأرات الحسين وفيهم أبو عزة القابضى وكرب بن نمران يصلى فقال يا لثأرات الحسين أين جماعة القوم قيل بالنخيلة فخرج حتى أتى أهله فأخذ سلاحه ودعا بفرسه ليركبه فجاءته ابنته الرواع وكانت تحت ثبيت بن مرثد القابضى فقالت يا أبت مالى أراك قد تقلدت سيفك ولبست سلاحك فقال لها يا بنية إن أباك يفر من ذنبه إلى ربه فأخذت تنتحب وتبكى وجاءه أصهاره وبنو عمه فودعهم ثم خرج فلحق بالقوم قال فلم يصبح سليمان ابن صرد حتى أتاه نحو ممن كان في عسكره حين دخله قال ثم دعا بديوانه لينظر فيه إلى عدة من بايعه حين أصبح فوجدهم ستة عشر ألفا فقال سبحان الله ما وافانا إلا أربعة آلاف من ستة عشر ألفا (قال أبو مخنف) عن عطية بن الحارث عن حميد بن مسلم قال قلت لسليمان بن صرد إن المختار والله يثبط الناس عنك إنى كنت عنده أول ثلاث فسمعت نفرا من أصحابه يقولون قد كملنا ألفى رجل فقال وهب أن ذلك كان فأقام عنا عشرة آلاف أما هؤلاء بمؤمنين أما يخافون الله أما

[ 453 ]

يذكرون الله وما أعطونا من أنفسهم من العهود والمواثيق ليجاهدن ولينصرن فأقام بالنخيلة ثلاثا يبعث ثقاته من أصحابه إلى من تخلف عنه يذكرهم الله وما أعطوه من أنفسهم فخرج إليه نحو من ألف رجل فقام المسيب بن نجبة إلى سليمان بن صرد فقال رحمك الله إنه لا ينفعك الكاره ولا يقاتل معك إلا من أخرجته النية فلا ننتظرن أحدا واكمش في أمرك قال فإنك والله لنعما رأيت فقام سليمان بن صرد في الناس متوكئا على قوس له عربية فقال أيها الناس من كان إنما أخرجته إرادة وجه الله وثواب الآخرة فذلك منا ونحن منه فرحمة الله عليه حيا وميتا ومن كان إنما يريد الدنيا وحرثها فوالله ما نأتى فيئا نستفيئه ولا غنيمة نغنمها ما خلا رضوان الله رب العالمين وما معنا من ذهب ولا فضة ولا خز ولا حرير وما هو إلا سيوفنا في عواتقنا ورماحنا في أكفنا وزاد قدر البلغة إلى لقاء عدونا فمن كان غير هذا ينوى فلا يصحبنا فقام صخير بن حذيفة بن هلال بن مالك المزني فقال أتاك الله رشدك ولقاك حجتك والله الذى لا إله غيره مالنا خير في صحبة من الدنيا همته ونيته أيها الناس إنما أخرجتنا التوبة من ذنبنا والطلب بدم ابن ابنة نبينا صلى الله عليه وسلم ليس معنا دينار ولا درهم إنما نقدم على حد السيوف وأطراف الرماح فتنادى الناس من كل جانب إنا لا نطلب الدنيا وليس لها خرجنا (قال أبو مخنف) عن إسماعيل بن يزيد الازدي عن السرى بن كعب الازدي قال أتينا صاحبنا عبد الله ابن سعد بن نفيل نودعه قال فقام فقمنا معه فدخل على سليمان ودخلنا معه وقد أجمع سليمان بالمسير فأشار عليه عبد الله بن سعد بن نفيل أن يسير إلى عبيد الله بن زياد فقال هو ورؤوس أصحابه الرأى ما أشار به عبد الله بن سعد بن نفيل أن نسير إلى عبيد الله بن زياد قاتل صاحبنا ومن قبله أتينا فقال له عبد الله بن سعد وعنده رؤوس أصحابه جلوس حوله إنى قد رأيت رأيا إن يكن صوابا فالله وفق وإن يكن ليس بصواب فمن قبلى فإنى ما آلوكم ونفسي نصحا خطأ كان أم صوابا إنما خرجنا نطلب بدم الحسين وقتلة الحسين كلهم بالكوفة منهم عمر بن سعد بن أبى وقاص ورؤوس الارباع وأشراف القبائل فأنى نذهب ههنا وندع الاقتال والاوتار فقال

[ 454 ]

سليمان بن صرد فماذا ترون فقالوا والله لقد جاء برأى وإن ما ذكر لكما ذكر والله ما نلقى من قتلة الحسين إن نحن مضينا نحو الشام غير ابن زياد وما طلبتنا إلا ههنا بالمصر فقال سليمان بن صرد لكن أنا ما أرى ذلك لكم إن الذى قتل صاحبكم وعبى الجنود إليه وقال لا أمان له عندي دون أن يستسلم فأمضى فيه حكمي هذا الفاسق ابن الفاسق ابن مرجانة عبيد الله بن زياد فسيروا إلى عدوكم على اسم الله فإن يظهركم الله عليه رجونا أنا يكون من بعده أهون شوكة منه ورجونا أن يدين لكم من وراءكم من أهل مصركم في عافية فتنظرون إلى كل من شرك في دم الحسين فتقاتلونه ولا تغشموا وإن تستشهدوا فإنما قاتلتم المحلين وما عند الله خير للابرار والصديقين إنى لاحب أن تجعلوا حدكم وشوكتكم بأول المحلين القاسطين والله لو قاتلتم غدا أهل مصركم ما عدم رجل أن يرى رجلا قد قتل أخاه وأباه وحميمه أو رجلا لم يكن يريد قتله فاستخيروا الله وسيروا فتهيأ الناس للشخوص قال وبلغ عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة خروج ابن صرد وأصحابه فنظرا في أمرهما فرأيا أن يأتياهم فيعرضا عليهم الاقامة وأن تكون أيديهم واحدة فإن أبوا إلا الشخوص سألوهم النظرة حتى يعبوا معهم جيشا فيقاتلوا عدوهم بكثف وحد فبعث عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة سويد بن عبد الرحمن إلى سليمان بن صرد فقال له إن عبد الله وإبراهيم يقولان إنا نريد أن نجيئك الآن لامر عسى الله أن يجعل لنا ولك فيه صلاحا فقال قل لهما فليأتيانا وقال سليمان لرفاعة بن شداد البجلى قم أنت فأحسن تعبية الناس فإن هذين الرجلين قد بعثا بكيت وكيت فدعا رؤس أصحابه فجلسوا حوله فلم يمكثوا إلا ساعة حتى جاء عبد الله بن يزيد في أشراف أهل الكوفة والشرط وكثير من المقاتلة وإبراهيم بن محمد بن طلحة في جماعة من أصحابه فقال عبد الله بن يزيد لكل رجل معروف قد علم أنه قد شرك في دم الحسين لا تصحبني إليهم مخافة أن ينظروا إليه فيعدوا عليه وكان عمر بن سعد تلك الايام التى كان سليمان معسكرا فيها بالنخيلة لا يبيت إلا في قصر الامارة مع عبد الله بن يزيد مخافة أن يأتيه القوم في داره ويذمروا عليه بيته وهو غافل لا يعلم

[ 455 ]

فيقتل وقال عبد الله بن يزيد يا عمرو بن حريث إن أنا أبطأت عنك فصل بالناس الظهر فلما انتهى عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد إلى سليمان بن صرد دخلا عليه فحمد الله عبد الله بن يزيد وأثنى عليه ثم قال إن المسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يغشه وأنتم إخواننا وأهل بلدنا وأحب أهل مصر خلقه الله إلينا فلا تفجعونا بأنفسكم ولا تستبدوا علينا برأيكم ولا تنقصوا عددنا بخروجكم من جماعتنا أقيموا معنا حتى نتيسر ونتهيأ فإذا علمنا أن عدونا قد شارف بلدنا خرجنا إليهم بجماعتنا فقاتلناهم وتكلم إبراهيم بن محمد بنحو من هذا الكلام قال فحمد الله سليمان بن صرد وأثنى عليه ثم قال لهما إنى قد علمت أنكما قد محضتما في النصيحة واجتهدتما في المشورة فنحن بالله وله وقد خرجنا لامر ونحن نسأل الله العزيمة على الرشد والتسديد لاصوبه ولا ترانا إلا شاخصين إن شاء الله ذلك فقال عبد الله بن يزيد فأقيموا حتى نعبى معكم جيشا كثيفا فتلقوا عدوكم بكثف وجمع وحد فقال له سليمان تنصرفون ونرى فيما بيننا وسيأتيكم إن شاء الله رأى (قال أبو مخنف) عن عبد الجبار يعنى ابن عباس الهمداني عن عون بن أبى جحيفة السوائى قال ثم ان عبد الله بن يزيد وإبراهيم ابن محمد بن طلحة عرضا على سليمان أن يقيم معهما حتى يلقوا جموع أهل الشأم على أن يخصاه وأصحابه بخراج جوخى خاصة لهم دون الناس فقال لهما سليمان إنا ليس للدنيا خرجنا وإنما فعلا ذلك لما قد كان بلغهما من إقبال عبيد الله بن زياد نحو العراق وانصرف إبراهيم بن محمد وعبد الله بن يزيد إلى الكوفة وأجمع القوم على الشخوص واستقبال ابن زياد ونظروا فإذا شيعتهم من أهل البصرة لم يوافوهم لميعادهم ولا أهل المدائن فأقبل ناس من أصحابه يلومونهم فقال سليمان لا تلوموهم فانى لا أراهم إلا سيسرعون اليكم لو قد انتهى اليكم خبركم وحين مسيركم ولا أراهم خلفهم ولا أقعدهم إلا قلة النفقة وسوء العدة فأقيموا ليتيسروا ويتجهزوا ويلحقوا بكم وبهم قوة وما أسرع القوم في آثاركم قال ثم إن سليمان بن صرد قام في الناس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد أيها الناس فان الله قد علم ما تنوون وما خرجتم تطلبون وان للدنيا تجارا وللآخرة تجارا فأما تاجر الآخرة فساع

[ 456 ]

إليها متنصب بتطلابها لا يشترى بها ثمنا لا يرى إلا قائما وقاعدا وراكعا وساجدا لا يطلب ذهبا ولا فضة ولا دنيا ولا لذة وأما تاجر الدنيا فمكب عليها راتع فيها لا يبتغى بها بدلا فعليكم يرحمكم الله في وجهكم هذا بطول الصلاة في جوف الليل وبذكر الله كثيرا على كل حال وتقربوا إلى الله جل ذكره بكل خير قدرتم عليه حتى تلقوا هذا العدو والمحل القاسط فتجاهدوه فانكم لن تتوسلوا إلى ربكم بشئ هو أعظم عنده ثوابا من الجهاد والصلاة فان الجهاد سنام العمل جعلنا الله وإياكم من العباد الصالحين المجاهدين الصابرين على اللاواء وإنا مدلجون الليلة من منزلنا هذا إن شاء الله فادلجوا فادلج عشية الجمعة لخمس مضين من شهر ربيع الآخر سنة 65 للهجرة قال فلما خرج سليمان وأصحابه من النخيلة دعا سليمان بن صرد حكيم بن منقذ فنادى في الناس ألا لا يبيتن رجل منكم دون دير الاعور فبات الناس بدير الاعور وتخلف عنه ناس كثير ثم سار حتى نزل الاقساس أقساس مالك على شاطئ الفرات فعرض الناس فسقط منهم نحو من ألف رجل فقال ابن صرد ما أحب أن من تخلف عنكم معكم ولو خرجوا معكم ما زادوكم إلا خبالا إن الله عز وجل كره انبعاثهم فثبطهم وخصكم بفضل ذلك فاحمدوا ربكم ثم خرج من منزله ذلك دلجة فصبحوا قبر الحسين فاقاموا به ليلة ويوما يصلون عليه ويستغفرون له قال فلما انتهى الناس إلى قبر الحسين صاحوا صيحة واحدة وبكوا فما رئى يوم كان أكثر باكيا منه (قال أبو مخنف) وقد حدث عبد الرحمن ابن جندب عن عبد الرحمن بن غزية قال لما انتهينا إلى قبر الحسين عليه السلام بكى الناس بأجمعهم وسمعت جل الناس يتمنون أنهم كانوا أصيبوا معه فقال سليمان اللهم ارحم حسينا الشهيد بن الشهيد المهدى بن المهدى الصديق بن الصديق اللهم إنا نشهدك أنا على دينهم وسبيلهم وأعداء قاتليهم وأولياء محبيهم ثم انصرف ونزل ونزل أصحابه (قال أبو مخنف) حدثنا الاعمش قال حدثنا سلمة بن كهيل عن أبى صادق قال لما انتهى سليمان بن صرد وأصحابه إلى قبر الحسين نادوا صيحة واحدة يا رب أنا قد خذلنا ابن بنت نبينا فاغفر لنا ما مضى منا وتب علينا إنك

[ 457 ]

أنت التواب الرحيم وارحم حسينا وأصحابه الشهداء الصديقين وإنا نشهدك يا رب أنا على مثل ما قتلوا عليه فان لم تغفره لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين قال فأقاموا عنده يوما وليلة يصلون عليه ويبكون ويتضرعون فما انفك الناس من يومهم دلك يترحمون عليه وعلى أصحابه حتى صلوا الغداة من الغد عند قبره وزادهم ذلك حنقا ثم ركبوا فأمر سليمان الناس بالمسير فجعل الرجل لا يمضى حتى يأتي قبر الحسين فيقوم عليه فيترحم عليه ويستغفر له قال فوالله لرأيتهم ازدحموا على قبره أكثر من ازدحام الناس على الحجر الاسود قال ووقف سليمان عند قبره فكلما دعا له قوم وترحموا عليه قال لهم المسيب بن نجبة وسليمان بن صرد الحقوا بإخوانكم رحمكم الله فما زال كذلك حتى بقى نحو من ثلاثين من أصحابه فأحاط سليمان بالقبر هو وأصحابه فقال سليمان الحمد لله الذى لو شاء أكرمنا بالشهادة مع الحسين اللهم إذ حرمتناها معه فلا تحرمناها فيه بعده وقال عبد الله بن وال أما والله إنى لاظن حسينا وأباه وأخاه أفضل أمة محمد صلى الله عليه وسلم وسيلة عند الله يوم القيامة أفما عجبتم لما ابتليت به هذه الامة منهم أنهم قتلوا اثنين وأشفوا بالثالث على القتل قال يقول المسيب بن نجبة فأنا من قتلتهم ومن كان على رأيهم برئ إياهم أعادي وأقاتل قال فأحسن الرؤوس كلهم المنطق وكان المثنى بن نجزية صاحب أحد الرؤوس والاشراف فساءنى حيث لم أسمعه تكلم مع القوم بنحو ما تكلموا به قال فوالله ما لبثت أن تكلم بكلمات ما كن بدون كلام أحد من القوم فقال إن الله جعل هؤلاء الذين ذكرتم بمكانهم من نبيهم صلى الله عليه وسلم أفضل ممن هو دون نبيهم وقد قتلهم قوم نحن لهم أعداء ومنهم برآء وقد خرجنا من الديار والاهلين والاموال إرادة استئصال من قتلهم فوالله لو أن القتال فيهم بمغرب الشمس أو بمنقطع التراب يحق علينا طلبه حتى نناله فإن ذلك هو الغنم وهى الشهادة التى ثوابها الجنة فقلنا له صدقت وأصبت ووفقت قال ثم إن سليمان بن صرد سار من موضع قبر الحسين وسرنا معه فأخذنا على الحصاصة ثم على الانبار ثم على الصدود ثم على القيارة (قال أبو مخنف) عن الحارث بن حصيرة وغيره أن سليمان بعث على

[ 458 ]

مقدمته كريب بن يزيد الحميرى (قال أبو مخنف) حدثنى الحصين بن يزيد عن السرى ابن كعب قال خرجنا مع رجال الحى نشيعهم فلما انتهينا إلى قبر الحسين وانصرف سليمان بن صرد وأصحابه عن القبر ولزموا الطريق استقدمهم عبد الله بن عوف ابن الاحمر على فرس له مهلوب كميت مربوع يتأكل تأكلا وهو يزتجز ويقول خرجن يلمعن بنا أرسالا * عوابسا يحملننا أبطالا نريد أن نلقى به الاقتالا * القاسطين الغدر الضلالا وقد رفضنا الاهل والاموالا * والخفرات البيض والحجالا نرضى به ذا النعم المفضالا (قال أبو مخنف) عن سعد بن مجاهد الطائى عن المحل بن خليفة الطائى أن عبد الله بن يزيد كتب إلى سليمان بن صرد أحسبه قال بعثنى به فلحقته بالقيارة واستقدم أصحابه حتى ظن أن قد سبقهم قال فوقف وأشار إلى الناس فوققوا عليه ثم أقرأهم كتابه فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله بن يزيد إلى سليمان بن صرد ومن معه من المسلمين سلام عليكم أما بعد فإن كتابي هذا إليكم كتاب ناصح ذى إرعاء وكم من ناصح مستغش وكم من غاش مستنصح محب إنه بلغني أنكم تريدون المسير بالعدد اليسير إلى الجمع الكثير وإنه من يرد أن ينقل الجبال عن مراتبها تكل معاوله وينزع وهو مذموم العقل والفعل يا قومنا لا تطمعوا عدوكم في أهل بلادكم فانكم خيار كلمكم ومتى ما يصبكم عدوكم يعلموا أنكم أعلام مصركم فيطمعهم ذلك فيمن وراءكم يا قومنا إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا يا قوم إن أيدينا وأيديكم اليوم واحدة وإن عدونا وعدوكم واحد ومتى تجتمع كلمتنا نظهر على عدونا ومتى تختلف تهن شوكتنا على من خالفنا يا قومنا لا تستغشوا نصحي ولا تخالفوا أمرى وأقبلوا حين يقرأ عليكم كتابي أقبل الله بكم إلى طاعته وأدبر بكم عن معصيته والسلام قال فلما قرئ الكتاب على ابن صرد وأصحابه قال للناس ما ترون قالوا ماذا ترى قد أبينا هذا عليكم وعليهم ونحن في مصرنا وأهلنا فالآن حين خرجنا ووطنا أنفسنا على الجهاد ودنونا من

[ 459 ]

أرض عدونا ما هذا برأى ثم نادوه أن أخبرنا برأيك قال رأيى والله إنكم لم تكونوا قط أقرب من إحدى الحسنيين منكم يومكم هذا الشهادة والفتح ولا أرى أن تنصرفوا عما جمعكم الله عليه من الحق وأردتم به من الفضل أنا وهؤلاء مختلفون إن هؤلاء لو ظهروا دعونا إلى الجهاد مع ابن الزبير ولا أرى الجهاد مع ابن الزبير إلا ضلالا وإنا إن نحن ظهرنا رددنا هذا الامر إلى أهله وإن أصبنا فعلى نياتنا تائبين من ذنوبنا إن لنا شكلا وإن لابن الزبير شكلا إنا وإياهم كما قال أخو بنى كنانة أرى لك شكلا غير شكلي فأقصري * عن اللوم إذ بدلت واختلف الشكل قال فانصرف الناس معه حتى نزل هيت فكتب سليمان: بسم الله الرحمن الرحيم للامير عبد الله بن يزيد من سليمان بن صرد ومن معه من المؤمنين سلام عليك أما بعد فقد قرأنا كتابك وفهمنا ما نويت فنعم والله الوالى ونعم الامير ونعم أخو العشيرة أنت والله من نأمنه بالغيب ونستنصحه في المشورة ونحمده على كل حال إنا سمعنا الله عز وجل يقول في كتابه " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة - إلى قوله - وبشر المؤمنين " إن القوم قد استبشروا ببيعتهم التى بايعوا إنهم قد تابوا من عظيم جرمهم وقد توجهوا إلى الله وتوكلوا عليه ورضوا بما قضى الله ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير والسلام عليك فلما أتاه هذا الكتاب قال استمات القوم أول خبر يأتيكم عنهم قتلهم وايم الله ليقتلن كراما مسلمين ولا والذى هو ربهم لا يقتلهم عدوهم حتى تشتد شوكتهم وتكثر القتلى فيما بينهم (قال أبو مخنف) فحدثني يوسف بن يزيد عن عبد الله بن عوف بن الاحمر وعبد الرحمن بن جندب عن عبد الرحمن بن غزية قال خرجنا من هيت حتى انتهينا إلى قرقيسيا فلما دنونا منها وقف سليمان بن صرد فعبانا تعبية حسنة حتى مررنا بجانب قرقيسبا فنزلنا قريبا منها وبها زفر بن الحارث الكلابي قد تحصن بها من القوم ولم يخرج إليهم فبعث سليمان المسيب بن نجبة فقال ائت ابن عمك هذا فقل له فليخرج إلينا سوقا فإنا لسنا إياه نريد إنما صمدنا لهؤلاء المحلين فخرج المسيب بن نجبة حتى انتهى إلى باب قرقيسيا فقال افتحوا ممن تحصنون فقالوا من أنت قال أنا

[ 460 ]

المسيب بن نجبة فأتى الهذيل بن زفر أباه فقال هذا رجل حسن الهيئة يستأذن عليك وسألناه من هو فقال المسيب بن نجبة قال وانا إذ ذاك لا علم لى بالناس ولا أعلم أي الناس هو فقال لى أبى أما تدرى أي بنى من هذا هذا فارس مضر الحمراء كلها وإذا عد من أشرافها عشرة كان أحدهم وهو بعد رجل ناسك له دين ائذن له فأذنت له فأجلسه أبى إلى جانبه وساء له وألطفه في المسألة فقال المسيب بن نجبة ممن تحصن إنا والله ما إياكم نريد وما اعتر بنا إلى شئ إلا أن تعيننا على هؤلاء القوم الظلمة المحلين فأخرج لنا سوقا فإنا لا نقيم بساحتكم إلا يوما أو بعض يوم فقال له زفر بن الحارث إنا لم نغلق أبواب هذه المدينة إلا لنعلم إيانا اعتريتم أم غيرنا والله ما بنا عجز من الناس ما لم تدهمنا حيلة وما نحب أنا بلينا بقتالكم وقد بلغنا عنكم صلاح وسيرة حسنة جميلة نم دعا ابنه فأمره أن يضع لهم سوقا وأمر للمسيب بألف درهم وفرس فقال له المسيب أما المال فلا حاحة لى فيه والله ما له خرجنا ولا إياه طلبنا وأما الفرس فإنى أقبله لعلى أحتاج إليه إن ظلع فرسى أو غمز تحتي فخرج به حتى أتى أصحابه وأخرجت لهم السوق فتسوقوا وبعث زفر بن الحارث إلى المسيب بن نجبة بعد إخراج الاسواق والاعلاف والطعام الكثير بعشرين جزورا وبعث إلى سليمان ابن صرد مثل ذلك وقد كان زفر أمر ابنه أن يسأل عن وجوه أهل العسكر فسمى له عبد الله بن سعد بن نفيل وعبد الله بن وال ورفاعة بن شداد وسمى له أمراء الارباع فبعث إلى هؤلاء الرؤوس الثلاثة بعشر جزائر عشر جزائر وعلف كثير وطعام وأخرج للعسكر عيرا عظيمة وشعيرا كثيرا فقال غلمان زفر هذه عير فاجتزروا منها ما أحببتم وهذا شعير فاحتملوا منه ما أردتم وهذا دقيق فتزودوا منه ما أطقتم فضل القوم يومهم ذلك مخصبين لم يحتاجوا إلى شراء شئ من هذه الاسواق التى وضعت وقد كفوا اللحم والدقيق الشعير إلا أن يشترى الرجل ثوبا أو سوطا ثم ارتحلوا من الغد وبعث إليهم زفر إنى خارج اليكم فمشيعكم فأتاهم وقد خرجوا على تعبية حسنة فسايرهم فقال زفر لسليمان إنه قد بعث خمسة أمراء قد فصلوا من الرقة فيهم الحصين بن نمير السكوني وشرحبيل بن ذى الكلاع وأدهم بن مجرز الباهلى وأبو مالك بن أدهم

[ 461 ]

وربيعة بن المخارق الغنوى وجبلة بن عبد الله الخثعمي وقد جاءوكم في مثل الشوك والشجر أتاكم عدد كثير وحد حديد وايم الله لقل ما رأيت رجالا هم أحسن هيئة ولا عدة ولا أخلق لكل خير من رجال أراهم معك ولكنه قد بلغني أنه قد أقبلت اليكم عدة لا تحصى فقال ابن صرد على الله توكلنا وعليه فليتوكل المتوكلون * ثم قال له زفر فهل لكم في أمر أعرضه عليكم لعل الله أن يجعل لنا ولكم فيه خيرا إن شئتم فتحنا لكم مدينتنا فدخلتموها فكان أمرنا واحدا وأيدينا واحدة وإن شئتم نزلتم على باب مدينتنا وخرجنا فعسكرنا إلى جانبكم فإذا جاءنا هذا العدو قاتلناهم جميعا فقال سليمان لزفز قد أرادنا أهل مصرنا على مثل ما أردتنا عليه وذكروا مثل الذى ذكرت وكتبوا الينا به بعد ما فصلنا فلم يوافقنا ذلك فلسنا فاعلين فقال زفر فانظروا ما أشير به عليكم فاقبلوه وخذوا به فإنى للقوم عدو وأجب أن يجعل الله عليهم الدائرة وأنا لكم واد أحب أن يحوطكم الله بالعافية إن القوم قد فصلوا من الرقة فبادروهم إلى عين الوردة فاجعلوا المدينة في ظهوركم ويكون الرستاق والماء والمادة في أيديكم وما بين مدينتنا ومدينتكم فأنتم له آمنون والله لو أن خيولي كرجالي لامددتكم أطووا المنازل الساعة إلى عين الوردة فان القوم يسيرون سبر العساكر وأنتم على خيول والله لقل ما رأيت جماعة خيل قط أكرم منها تأهبوا لها من يومكم هذا فإنى أرجو أن تسبقوهم إليها وإن بدرتموهم إلى عين الوردة فلا تقاتلوهم في فضاء ترامونهم وتطاعنونهم فإنهم أكثر منكم فلا آمن أن يحيطوا بكم فلا تقفوا لهم ترامونهم وتطاعنونهم فإنه ليس لكم مثل عددهم فإن استهدفتم لهم لم يلبثوكم أن يصرعوكم ولا تصفوا لهم حين تلقونهم فإنى لا أرى معكم رجالة ولا أراكم كلكم إلا فرسانا والقوم لا قوكم بالرجال والفرسان فالفرسان يحمى رجالها والرجال يحمى فرسانها وأنتم ليس لكم رجال يحمى فرسانكم فالقوهم في الكتائب والمقانب ثم بثوها ما بين ميمنتهم وميسرتهم واجعلوا مع كل كتيبة كتيبة إلى جانبها فإن حمل على إحدى الكتيبتين ترجلت الاخرى فنفست عنها الخيل والرجال ومتى ما شاءت كتيبة ارتفعت ومتى ما شاءت كتيبة انحطت ولو كنتم

[ 462 ]

في صف واحد فزحفت اليكم الرجال فدفعتم عن الصف انتقض وكانت الهزيمة ثم وقف فودعهم وسأل الله أن يصحبهم وينصرهم فأثنى الناس عليه ودعوا له فقال له سليمان بن صرد نعم المنزول به أنت أكرمت النزول وأحسنت الضيافة ونصحت في المشورة ثم إن القوم جدوا في المسير فجعلوا يجعلون كل مرحلتين مرحلة قال فمررنا بالمدن حتى بلغنا ساعا ثم إن سليمان بن صرد عبى الكتائب كما أمره زفر ثم أقبل حتى انتهى إلى عين الوردة فنزل في غربيها وسبق القوم إليها فعسكروا وأقام بها خمسا لا يبرح واستراحوا واطمأنوا وأراحوا خيلهم (قال هشام) قال أبو مخنف عن عطية بن الحارث عن عبد الله بن غزية قال أقبل أهل الشأم في عساكرهم حتى كانوا من عين الوردة على مسيرة يوم وليلة قال عبد الله ابن غزية فقام فينا سليمان فحمد الله فأطال وأثنى عليه فأطنب ثم ذكر السماء والارض والجبال والبحار وما فيهن من الآيات وذكر الاء الله ونعمه وذكر الدنيا فزهد فيها وذكر الآخرة فرغب فيها فذكر من هذا ما لم أحصه ولم أقدر على حفظه ثم قال أما بعد فقد أتاكم الله بعدوكم الذى دأبتم في المسير إليه آناء الليل والنهار تريدون فيما تظهرون التوبة النصوح ولقاء الله معذرين فقد جاءوكم بل جئتموهم أنتم في دارهم وحيزهم فإذا لقيتموهم فاصدقوهم واصبروا إن الله مع الصابرين ولا يولينهم امرؤ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة لا تقتلوا مدبرا ولا تجهزوا على جريح ولا تقتلوا أسيرا من أهل دعوتكم إلا أن يقاتلكم بعد أن تأسروه أو يكون من قتلة إخواننا بالطف رحمة الله عليهم فإن هذه كانت سيرة أمير المؤمنين على بن أبى طالب في أهل هذه الدعوة ثم قال سليمان إن أنا قتلت فأمير الناس المسيب بن نجبة فإن أصيب المسيب فأمير الناس عبد الله بن سعد ابن نفيل فإن قتل عبد الله بن سعد فأمير الناس عبد الله بن وال فان قتل عبد الله ابن وال فأمير الناس رفاعة بن شداد رحم الله امرء صدق ما عاهد الله عليه ثم بعث المسيب بن نجبة في أربعمائة فارس ثم قال سر حتى تلقى أول عسكر من عساكرهم فشن فيهم الغارة فإذا رأيت ما تحبه وإلا انصرفت إلى في أصحابك وإياك أن تنزل

[ 463 ]

أو تدع أحدا من أصحابك أن ينزل أو يستقبل آخر ذلك حتى لا تجد منه بدا (قال أبو مخنف) فحدثني أبى عن حميد بن مسلم أنه قال أشهد أنى في خيل المسيب ابن نجبة تلك إذ أقبلنا نسير آخر يومنا وليلتنا حتى إذا كان في آخر السحر نزلنا فعلقنا على دوابنا مخاليها ثم هومنا تهويمة بمقدار تكون مقدار قضمها ثم ركبناها حتى إذا انبلج لنا الصبح نزلنا فصلينا ثم ركب فركبنا فبعث أبا الجويرية العبدى ابن الاحمر في مائة من أصحابه وعبد الله بن عوف بن الاحمر في مائة وعشرين وحنش بن ربيعة أبا المعتمر الكنانى في مثلها وبقى هو في مائة ثم قال انظروا أول من تلقون فأتوني به فكان أول من لقينا أعرابي يطرد أحمرة وهو يقول يا مال لا تعجل إلى صحبى * واسرح فإنك آمن السرب قال يقول عبد الله بن عوف بن الاحمر يا حميد بن مسلم أبشر بشرى ورب الكعبة فقال له ابن عوف بن الاحمر ممن أنت يا أعرابي قال أنا من بنى تغلب قال غلبتم ورب الكعبة إن شاء الله فانتهى إلينا المسيب بن نجبة فأخبرناه بالذى سمعنا من الاعرابي وأتيناه به فقال المسيب بن نجبة أما لقد سررت بقولك أبشر وبقولك يا حميد بن مسلم وإنى لارجو أن تبشروا بما يسركم وإنما سركم أن تحمدوا أمركم وأن تسلموا من عدوكم وإن هذا الفأل هول الفأل الحسن وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه الفأل ثم قال المسيب بن نجبة للاعرابي كم بيننا وبين أدنى هؤلاء القوم منا قال أدنى عسكر من عساكرهم منك عسكر ابن ذى الكلاع وكان بينه وبين الحصين اختلاف ادعى الحصين أنه على جماعة الناس وقال ابن ذى الكلاع ما كنت لتولى على وقد تكاتبا إلى عبيدالله بن زياد فهما ينتظران أمره فهذا عسكر ابن ذى الكلاع منكم على رأس ميل قال فتركنا الرجل فخرجنا نحوهم مسرعين فوالله ما شعروا حتى أشرفنا عليهم وهم غارون فحملنا في جانب عسكرهم فوالله ما قاتلوا كثير قتال حتى انهزموا فأصبنا منهم رجالا وجرحنا فيهم فأكثرنا الجراح وأصبنا لهم دواب وخرجوا عن عسكرهم وخلوه لنا فأخذنا منه ما خف علينا فصاح المسيب فينا الرجعة إنكم قد نصرتم وغنمتم وسلمتم فانصرفوا فانصرفنا حتى أتينا

[ 464 ]

سليمان قال فأتى الخبر عبيدالله بن زياد فسرح إلينا الحصين بن نمير مسرعا حتى نزل في اثنى عشر ألفا فخرجنا إليهم يوم الاربعاء لثمان بقين من جمادى الاولى فجعل سليمان بن صرد عبد الله بن سعد بن نفيل على ميمنته وعلى ميسرته المسيب بن نجبة ووقف هو في القلب وجاء حصين بن نمير وقد عبأ لنا جنده فجعل على ميمنته جبلة ابن عبد الله وعلى ميسرته ربيعة بن المخارق الغنوى ثم زحفوا إلينا فلما دنوا دعونا إلى الجماعة على عبد الملك بن مروان وإلى الدخول في طاعته ودعوناهم إلى أن يدفعوا إلينا عبيدالله بن زياد فنقتله ببعض من قتل من إخواننا وأن يخلعوا عبد الملك ابن مروان وإلى أن يخرج من ببلادنا من آل ابن الزبير ثم نرد هذا الامر إلى أهل بيت نبينا الذين آتانا الله من قبلهم بالنعمة والكرامة فأبى القوم وأبينا قال حميد ابن مسلم فحملت ميمنتنا على ميسرتهم وهزمتهم وحملت ميسرتنا على ميمنتهم وحمل سليمان في القلب على جماعتهم فهزمناهم حتى اضطررناهم إلى عسكرهم فما زال الظفر لنا عليهم حتى حجز الليل بيننا وبينهم ثم انصرفنا عنهم وقد أحجزناهم في عسكرهم فلما كان الغد صبحهم ابن ذى الكلاع في ثمانية آلاف أمدهم بهم عبيدالله بن زياد وبعث إليه يشتمه ويقع فيه ويقول إنما عملت عمل الاغمار تضيع عسكرك ومسالحك سر إلى الحصين بن نمير حتى توافيه وهو على الناس فجاءه فغدوا علينا وغاديناهم فقاتلناهم قتالا لم ير الشيب والمرد مثله قط يومنا كله لا يحجز بيننا وبين القتال إلا الصلاة حتى أمسينا فتحاجزنا وقد والله أكثروا فينا الجراح وأفشيناها فيهم قال وكان فينا قصاص ثلاثة رفاعة بن شداد البجلى وصحير بن حذيفة بن هلال ابن مالك المرى وأبو الجويرية العبدى فكان رفاعة يقص ويحضض الناس في الميمنة لا يبرحها وجرح أبو الجريرية اليوم الثاني في أول النهار فلزم الرحال وكان صحير ليلته كلها يدور فينا ويقول أبشروا عباد الله بكرامة الله ورضوانه فحق والله لمن ليس بينه وبين لقاء الاحبة ودخول الجنة والراحة من إبرام الدنيا وأذاها إلا فراق هذه النفس الامارة بالسوء أن يكون بفراقها سخيا وبلقاء ربه مسرورا فمكثنا كذلك حتى أصبحنا وأصبح ابن نمير وأدهم بن محرز الباهلى في نحو من

[ 465 ]

عشرة آلاف فخرجوا إلينا فاقتتلنا اليوم الثالث يوم الجمعة قتالا شديدا إلى ارتفاع الضحى ثم إن أهل الشأم كثرونا وتعطفوا علينا من كل جانب ورأى سليمان ابن صرد ما لقى أصحابه فنزل فنادى عباد الله من أراد البكور إلى ربه والتوبة من ذنبه والوفاء بعهده فإلى ثم كسر جفن سيفه ونزل معه ناس كثير فكسروا جفون سيوفهم ومشوا معه وانزوت خيلهم حتى اختلطت مع الرجال فقاتلوهم حتى نزلت الرجال تشتد مصلتة بالسيوف وقد كسروا الجفون فحمل الفرسان على الخيل ولا يثبتون فقاتلوهم وقتلوا من أهل الشأم مقتلة عظيمة وجرحوا فيهم فأكثروا الجراح فلما رأى الحصين بن نمير صبر القوم وبأسهم بعث الرجال ترميهم بالنبل واكتنفتهم الخيل والرجال فقتل سليمان بن صرد رحمه الله رماه يزيد ابن الحصين بسهم فوفع ثم وثب ثم وقع قال فلما قتل سليمان بن صرد أخذ الراية المسيب بن نجبة وقال لسليمان بن صرد رحمك الله يا أخى فقد صدقت ووفيت بما عليك وبقى ما علينا ثم أخذ الراية فشد بها فقاتل ساعة ثم رجع ثم شد بها فقاتل ثم رجع ففعل ذلك مرارا يشد ثم يرجع ثم قتل رحمه الله (قال أبو مخنف) وحدثنا فروة بن لقيط عن مولى للمسيب بن نجبة الفزارى قال لقيته بالمدائن وهو مع شبيب بن يزيد الخارجي فجرى الحديث حتى ذكرنا أهل عين الوردة * قال هشام عن أبى مخنف قال حدثنا هذا الشيخ عن المسيب بن نجبة قال والله ما رأيت أشجع منه إنسانا قط ولا من العصابة التى كان فيهم ولقد رأيته يوم عين الوردة يقاتل قتالا شديدا ما ظننت أن رجلا واحدا يقدر أن يبلى مثل ما أبلى ولا ينكأ في عدوه مثل ما نكأ لقد قتل رجالا قال وسمعته يقول قبل أن يقتل وهو يقاتلهم قد علمت ميالة الذوائب * واضحة اللبات والترائب أنى غداة الروع والتغالب * أشجع من ذى لبد مواثب قطاع أقران مخوف الجانب قال أبو مخنف حدثنى أبى وخالى عن حميد بن مسلم وعبد الله بن غزية قال

[ 466 ]

أبو مخنف وحدثني يوسف بن يزيد عن عبد الله بن عوف قال لما قتل المسيب بن نجبة أخذ الراية عبد الله بن سعد بن نفيل ث‍ قال رحمه الله أخوى منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا وأقبل بمن كان معه من الازد فحفوا برايته فوالله إنا لكذلك إذ جاءنا فرسان ثلاثة عبد الله بن الخضل الطائى وكثير بن عمرو المزني وسعر بن أبى سعر الحنفي كانوا خرجوا مع سعد بن حذيفة بن اليمان في سبعين ومائة من أهل المدائن فسرحهم يوم خرج في آثارنا على خيول مقلمة مقدحة فقال لهم اطووا المنازل حتى تلحقوا بإخواننا فتبشروهم بخروجنا إليهم لتشتد بذلك ظهورهم وتخبروهم بمجئ أهل البصرة أيضا كان المثنى بن مخربة العبدى أقبل في ثلاثمائة من أهل البصرة فجاء حتى نزل مدينة بهرسير بعد خروج سعد بن حذيفة من المدائن لخمس ليال وكان خروجه من البصرة قبل ذلك قد بلغ سعد بن حذيفة قبل أن يخرج من المدائن فلما انتهوا الينا قالوا أبشروا فقد جاءكم إخوانكم من أهل المدائن وأهل البصرة فقال عبد الله بن سعد بن نفيل ذلك لو جاؤنا ونحن أحياء قال فنظروا الينا فلما رأوا مصارع إخوانهم وما بنا من الجراح بكى القوم وقالوا وقد بلغ منكم ما نرى إنا لله وإنا إليه راجعون قال فنظروا والله إلى ما ساء أعينهم فقال لهم عبد الله بن نفيل إنا لهذا خرجنا ثم اقتتلنا فما اضطربنا إلا ساعة حتى قتل المزني وطعن الحنفي فوقع بين القتلى ثم ارتث بعد ذلك فنجا وطعن الطائى فجزم أنفه فقاتل قتالا شديدا وكان فارسا شاعرا فأخذ يقول قد علمت ذات القوام الرود * أن لست بالوانى ولا الرعديد يوما ولا بالفرق الحيود قال فحمل علينا ربيعة بن المخارق حملة منكرة فاقتتلنا قتالا شديدا ثم إنه اختلف هو وعبد الله بن سعد بن نفيل ضربتين فلم يصنع سيفاهما شيئا واعتنق كل واحد منهما صاحبه فوقعا إلى الارض ثم قاما فاضطربا ويحمل ابن أخى ربيعة بن المخارق على عبد الله بن سعد فطعنه في ثغرة نحره فقتله ويحمل عبد الله بن عوف ابن الاحمر على ربيعة بن المخارق فطعنه فصرعه فلم يصب مقتلا فقام فكر عليه

[ 467 ]

الثانية فطعنه أصحاب ربيعة فصرعوه ثم إن أصحابه استنقذوه وقال خالد بن سعد ابن نفيل أرونى قاتل أخى فأريناه ابن أخى ربيعة بن المخارق فحمل عليه فقنعه بالسيف واعتنقه الآخر فخر إلى الارض فحمل أصحابه وحملنا وكانوا أكثر منا فاستنقذوا صاحبهم وقتلوا صاحبنا وبقيت الراية ليس عندها أحد قال فنادينا عبد الله بن وال بعد قتلهم فرساننا فإذا هو قد استلحم في عصابة معه إلى جانبنا فحمل عليه رفاعة بن شداد فكشفهم عنه ثم أقبل إلى رايته وقد أمسكها عبد الله ابن خازم الكندى فقال لابن وال أمسك عنى رايتك قال امسكها عنى رحمك الله فإنى بى مثل حالك فقال له أمسك عنى رايتك فانى أريد أن أجاهد قال فان هذا الذى أنت فيه جهاد وأجر قال فصحنا يا أبا عزة أطع أميرك يرحمك الله قال فأمسكها قليلا ثم إن ابن وال أخذها منه (قال أبو مخنف) قال أبو الصلت التيمى الاعور حدثنى شيخ للحى كان معه يومئذ قال قال لنا ابن وال من أراد الحياة التى ليس بعدها موت والراحة التى ليس بعدها نصب والسرور الذى ليس بعده حزن فليتقرب إلى ربه بجهاد هؤلاء المحلين والرواح إلى الجنة رحمكم الله وذلك عند العصر فشد عليهم وشددنا معه فأصبنا والله منهم رجالا وكشفناهم طويلا ثم إنهم بعد ذلك تعطفوا علينا من كل جانب فحازونا حتى بلغوا بنا المكان الذى كنا فيه وكنا بمكان لا يقدرون أن يأتونا فيه إلا من وجه واحد وولى قتالنا عند المساء أدهم بن محرز الباهلى فشد علينا في خيله ورجاله فقتل عبد الله بن وال التيمى (قال أبو مخنف) عن فروة بن لقيط قال سمعت أدهم بن محرز الباهلى في إمارة الحجاج بن يوسف وهو يحدث ناسا من أهل الشأم قال دفعت إلى أحد أمراء العراق رجل منهم يقولون له عبد الله بن وال وهو يقول لا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين الآيات الثلاث قال فغاظني فقلت في نفسي هؤلاء يعدوننا بمنزلة أهل الشرك يرون أن من قتلنا منهم كان شهيدا فحملت عليه فأضرب يده اليسرى فاطننتها وتنحيت قريبا فقلت له أما إنى أراك وددت أنك في أهلك فقال بئسما رأيت أما والله ما أحب أنها يدك

[ 468 ]

الآن إلا أن يكون لى فيها من الاجر مثل ما في يدى قال فقلت له لم قال لكيما يجعل الله عليك وزرها ويعظم لى أجرها قال فغاظني فجمعت خيلى ورجالى ثم حملنا عليه وعلى أصحابه فدفعت إليه فطعنته فقتلته وانه لمقبل إلى ما يزول فزعموا بعد أنه كان من فقهاء أهل العراق الذين كانوا يكثرون الصوم والصلاة ويفتون الناس (قال أبو مخنف) وحدثني الثقة عن حميد بن مسلم وعبد الله بن غزية قال لما هلك عبد الله بن وال نظرنا فإذا عبد الله بن خازم قتيلا إلى جنبه ونحن نرى أنه رفاعة بن شداد البجلى فقال رجل من بنى كنانة يقال له الوليد بن غضين امسك رايتك قال لا أريدها فقلت له إنا لله مالك فقال ارجعوا بنا لعل الله يجمعنا ليوم شر لهم فوثب عبد الله بن عوف بن الاحمر إليه فقال أهلكتنا والله لئن انصرفت ليركبن أكتافنا فلا نبلغ فرسخا حتى نهلك من عند آخرنا فإن نجا منا ناج أخذه الاعراب وأهل القرى فتقربوا إليهم به فيقتل صبرا أنشدك الله أن تفعل هذه الشمس قد طفلت للمغيب وهذا الليل قد غشينا فنقاتلهم على خيلنا هذه فإنا الآن ممتنعون فإذا غسق الليل ركبنا خيولنا أول الليل فرمينا بها فكان ذلك الشأن حتى نصبح ونسير ونحن على مهل فيحمل الرجل منا جريحه وينتظر صاحبه وتسير العشرة والعشرون معا ويعرف الناس الوجه الذى يأخذون فيتبع فيه بعضهم بعضا ولو كان الذى ذكرت لم تقف أم على ولدها ولم يعرف رجل وجهه ولا أين يسقط ولا أين يذهب ولم نصبح إلا ونحن بين مقتول ومأسور فقال له رفاعة بن شداد فإنك نعم ما رأيت قال ثم أقبل رفاعة على الكنانى فقال له أتمسكها أم آخذها منك فقال له الكنانى إنى لا أريد ما تريد إنى أريد لقاء ربى واللحاق بإخوانى والخروج من الدنيا إلى الآخرة وأنت تريد ورق الدنيا وتهوى البقاء وتكره فراق الدنيا أما والله إنى لا أحب لك أن ترشد ثم دفع إليه الراية وذهب ليستقدم فقال له ابن أحمر قاتل معنا ساعة رحمك الله ولا تلق بيدك إلى التهلكة فما زال به يناشده حتى احتبس عليه وأخذ أهل الشأم يتنادون أن الله قد أهلكهم فاقدموا عليهم فافرغوا منهم قبل الليل فأخذوا يقدمون عليهم فيقدمون على شوكة شديدة ويقاتلون فرسانا شجعانا ليس فيهم سقط رجل

[ 469 ]

وليسوا لهم بمضجرين فيتمكنوا منهم فقاتلوهم حتى العشاء قتالا شديدا وقتل الكنانى قبل المساء وخرج عبد الله بن عزيز الكندى ومعه ابنه محمد غلام صغير فقال يا أهل الشأم هل فيكم أحد من كندة فخرج إليهم منهم رجال فقالوا نعم نحن هؤلاء فقال لهم دونكم أخيكم فابعثوا به إلى قومكم بالكوفة فأنا عبد الله بن عزيز الكندى فقالوا له أنت ابن عمنا فإنك آمن فقال لهم والله لا أرغب عن مصارع إخوانى الذين كانوا للبلاد نورا والارض أوتادا وبمثلهم كان الله يذكر قال فأخذ ابنه يبكى في أثر أبيه فقال يا بنى لو أن شيئا كان آثر عندي من طاعة ربى إذا لكنت أنت وناشده قومه الشأميون لما رأوا من جزع ابنه وبكاءه في أثره وأروا الشأميون له ولابنه رقة شديدة حتى جزعوا وبكوا ثم اعتزل الجانب الذى خرج إليه منه قومه فشد على صفهم عند المساء فقاتل حتى قتل (قال أبو مخنف) حدثنى فضيل بن حديج قال حدثنى مسلم بن زحر الخولانى أن كريب بن زيد الحميرى مشى إليهم عند المساء ومعه راية بلقاء في جماعة قلما تنقص من مائة رجل إن نقصت وقد كانوا تحدثوا بما يريد رفاعة أن يصنع إذا أمسى فقال لهم الحميرى وجمع إليه رجالا من حمير وهمدان فقال عباد الله روحوا إلى ربكم والله ما في شئ من الدنيا خلف من رضاء الله والتوبة إليه إنا قد بلغني أن طائفة منكم يريدون أن يرجعوا إلى ما خرجوا منه إلى دنياهم وإن هم ركنوا إلى دنياهم رجعوا إلى خطاياهم فأما أنا فوالله لا أولى هذا العدو ظهرى حتى أرد موارد إخوانى فأجابوه وقالوا رأينا مثل رأيك ومضى برايته حتى دنا من القوم فقال ابن ذى الكلاع والله إنى لارى هذه الراية حميرية أو همدانية فدنا منهم فسألهم فأخبروه فقال لهم إنكم آمنون فقال له صاحبهم إنا قد كنا آمنين في الدنيا وإنما خرجنا نطلب أمان الآخرة فقاتلوا القوم حتى قتلوا ومشى صحير بن حذيفة بن هلال بن مالك المزني في ثلاثين من مزينة فقال لهم لا تهابوا الموت في الله فإنه لاقيكم ولا ترجعوا إلى الدنيا التى خرجتم منها إلى الله فإنها لا تبقى لكم ولا تزهدوا فيما رغبتم فيه من ثواب الله فإن ما عند الله خير لكم ثم مضوا فقاتلوا حتى قتلوا فلما أمسى الناس

[ 470 ]

ورجع أهل الشأم إلى معسكرهم نظر رفاعة إلى كل رجل قد عقر به والى كل جريح لا يعين على نفسه فدفعه إلى قومه ثم سار بالناس ليلته كلها حتى أصبح بالتنينير فعبر الخابور وقطع المعابر ثم مضى لا يمر بمعبر إلا قطعه وأصبح الحصين بن نمير فبعث فوجدهم قد ذهبوا فلم يبعث في آثارهم أحدا وسار بالناس فأسرع وخلف رفاعة وراءهم أبا الجويرية العبدى في سبعين فارسا يسترون الناس فإذا مروا برجل قد سقط حمله أو بمتاع قد سقط قبضه حتى يعرفه فان طلب أو ابتغى بعث إليه فأعلمه فلم يزالوا كذلك حتى مروا بقرقيسيا من جانب البر فبعث إليهم زفر من الطعام والعلف مثل ما كان بعث إليهم في المرة الاولى وأرسل إليهم الاطباء وقال أقيموا عندنا ما أحببتم فإن لكم الكرامة والمواساة فأقاموا ثلاثا ثم زود كل امرئ منهم ما أحب من الطعام والعلف قال وجاء سعد بن حذيفة بن اليمان حتى انتهى إلى هيت فاستقبله الاعراب فأخبروه بما لقى الناس فانصرف فتلقى المثنى بن مخربة العبدى بصندوداء فأخبروه فأقاموا حتى جاءهم الخبر أن رفاعة قد أظلكم فخرجوا حين دنا من القرية فاستقبلوه فسلم الناس بعضهم على بعض وبكى بعضها لى بعض وتناعوا إخوانهم فأقاموا بها يوما وليلة فانصرف أهل المدائن إلى المدائن وأهل البصرة إلى البصرة وأقبل أهل الكوفة إلى الكوفة فإذا المختار محبوس (قال هشام) قال أبو مخنف عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن أدهم بن محرز الباهلى أنه أتى عبد الملك بن مروان ببشارة الفتح قال فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإن الله قد أهلك من رؤوس أهل العراق ملقح فتنة ورأس ضلالة سليمان بن صرد ألا وإن السيوف تركت رأس المسيب بن نجبة خذاريف ألا وقد قتل الله من رؤسهم رأسين عظيمين ضالين مضلين عبد الله بن سعد أخا الازد وعبد الله بن وال أخا بكر بن وائل فلم يبق بعد هؤلاء أحد عنده دفاع ولا امتناع (قال هشام) عن أبى مخنف وحدثت أن المختار مكث نحوا من خمس عشرة ليلة ثم قال لاصحابه عدوا لغازيكم هذا أكثر من عشر ودون الشهر ثم يجيئكم نبأ هتر من طعن نتر وضرب هبر وقتل جم وأمر رجم فمن لها أنا لها لا تكذبن أنا لها (قال أبو مخنف) حدثنا الحصين

[ 471 ]

ابن يزيد عن أبان بن الوليد قال كتب المختار وهو في السجن إلى رفاعة بن شداد حين قدم من عين الوردة أما بعد فمرحبا بالعصب الذين عظم الله لهم الاجر حين انصرفوا ورضى انصرافهم حين قفلواا أما ورب البنية التى بنا ما خطا خاط منكم خطوة ولا رتا رتوة إلا كان ثواب الله له أعظم من ملك الدنيا إن سليمان قد قضى ما عليه وتوفاه اله فجعل روحه مع أرواح الانبياء والصديقين والشهداء والصالحين ولم يكن بصاحبكم الذى به تنصرون إنى أنا الامير المأمور والامين المأمون وأمير الجيش وقاتل الجبارين والمنتقم من أعداء الدين والمقيد من الاوتار فأعدوا واستعدوا وأبشروا واستبشروا أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وإلى الطلب بدماء أهل البيت والدفع عن الضعفاء وجهاد المحلين والسلام (قال أبو مخنف) وحدثني أبو زهير العبسى أن الناس تحدثوا بهذا من أمر المختار فبلغ ذلك عبد الله ابن يزيد وابراهيم بن محمد فخرجا في الناس حتى أتيا المختار فأخذاه (قال أبو مخنف) فحدثني سليمان بن أبى راشد عن حميد بن مسلم قال لما تهيأنا للانصراف قال عبد الله بن غزية ووقف على القتلى فقال يرحمكم الله فقد صدقتم وصبرتم وكذبنا وفررنا قال فلما سرنا وأصبحنا إذا عبد الله بن غزية في نحو من عشرين قد أرادوا الرجوع إلى العدو والاستقتال فجاء رفاعة وعبد الله بن عوف بن الاحمر وجماعة الناس فقالوا لهم ننشدكم الله أن تزيدونا فلولا ونقصانا فإنا لا نزال بخير ما كان فينا مثلكم من ذوى النيات فلم يزالوا بهم كذلك يناشدونهم حتى ردوهم غير رجل من مزينة يقال له عبيدة بن سفيان رحل مع الناس حتى إذا غفل عنه انصرف حتى لقى أهل الشأم فشد بسيفه يضاربهم حتى قتل (قال أبو مخنف) فحدثتى الحصين بن يزيد الازدي عن حميد بن مسلم الازدي قال كان ذلك المزني صديقا لى فلما ذهب لينصرف ناشدته الله فقال أما انك لم تكن لتسألني شيئا من الدنيا إلا رأيت لك من الحق على ايتاءكه وهذا الذى تسألني أريد الله به قال ففارقني حتى لقى القوم فقتل قال فوالله ما كان شئ بأحب إلى من أن ألقى إنسانا يحدثنى عنه كيف صنع حين لقى القوم قال فلقيت عبد الملك ابن جزء بن الحدرجان الازدي بمكة فجرى حديث بيننا جرى ذكر ذلك اليوم فقال

[ 472 ]

أعجب ما رأيت يوم عين الوردة بعد هلاك القوم أن رجلا أقبل حتى شد على بسيفه فخرجنا نحوه قال فانتهى إليه وقد عقر به وهو يقول: إنى من الله إلى الله أفر * رضوانك اللهم أبدى وأسر قال فقلنا له ممن أنت قال من بنى آدم قال فقلنا ممن قال لا أحب أن أعرفكم ولا أن تعرفوني يا مخربى البيت الحرام قال فنزل إليه سليمان بن عمرو بن محصن الازدي من بنى الخيار قال وهو يومئذ من أشد الناس قال فكلاهما أثخن صاحبه قال وشد الناس عليه من كل جانب فقتلوه قال فوالله ما رأيت واحدا قط هو أشد منه قال فلما ذكر لى وكنت أحب أن أعلم علمه دمعت عيناى فقال أبينك وبينه قرابة فقلت له لا ذلك رجل من مضر كان لى ودا وأخا فقال لى لا أرقأ الله دمعك أتبكى على رجل من مضر قتل على ضلالة قال قلت لا والله ما قتل على ضلالة ولكنه قتل على بينة من ربه وهدى فقال لى أدخلك الله مدخله قلت آمين وأدخلك الله مدخل حصين بن نمير ثم لا أرقا الله لك عليه دمعا ثم قمت وقام وكان مما قيل من الشعر في ذلك قول أعشى همدان وهى إحدى المكتمات كن يكتمن في ذلك الزمان ألم خيال منك يا أم غالب * فحبيت عنا من حبيب مجانب وما زلت لى شجوا وما زلت مقصدا * لهم عرانى من فراقك ناصب فما أنس لا أنس انفتالك في الضحى * إلينا مع البيض الوسام الخراعب تراءت لنا هيفاء مهضومة الحشا * لطيفة طى الكشح ريا الحقائب مبتلة غراء رود شبابها * كشمس الضحى تنكل بين السحائب فلما تغشاها السحاب وحوله * بدا حاجب منها وضنت بحاجب فتلك الهوى وهى الجوى لى والمنى * فأحسب ؟ بها من خلة لم تصاقب ولا يبعد الله الشباب وذكره * وحب تصافى المعصرات الكواعب ويزداد ما أحببته من عتابنا * لعابا وسقيا للخدين المقارب فإنى وإن لم أنسهن لذاكر * رزيئة مخبات كريم المناصب توسل بالتقوى إلى الله صادقا * وتقوى الاله خير تكساب كاسب

[ 473 ]

وخلى عن الدنيا فلم يلتبس بها * وتاب إلى الله الرفيع المراتب تخلى عن الدنيا وقال اطرحتها * فلست إليها ما حييت بآيب وما أنا فيما يكبر الناس فقده * ويسعى له الساعون فيها براغب فوجهه نحو الثوية سائرا * إلى ابن زياد في الجموع الكباكب بقوم هم أهل التقية والنهى * مصاليت أنجاد سراة مناجب مضوا تاركى رأى ابن طلحة حسبه * ولم يستجيبوا للامير المخاطب فساروا وهم من بين ملتمس التقى * وآخر مما جر بالامس تائب فلاقوا بعين الوردة الجيش فاصلا * إليهم فحسوهم ببيض قواضب يمانية تذر الاكف وتارة * بخيل عتاق مقربات سلاهب فجاءهم جمع من الشأم بعده * جموع كموج البحر من كل جانب فما برحوا حتى أبيدت سراتهم * فلم ينج منهم ثم غير عصائب وغودر أهل الصبر صرعى فأصبحوا * تعاورهم ريح الصبا والجنائب وأضحى الخزاعى الرئيس مجدلا * كأن لم يقاتل مرة ويحارب ورأس بنى شمخ وفارس قومه * شنوأة والتيمي هادى الكتائب وعمرو بن بشر والوليد وخالد * وزيد بن بكر والحليس بن غالب وضارب من همدان كل مشيع * إذا شد لم ينكل كريم المكاسب ومن كل قوم قد أصيب زعيمهم * وذو حسب في ذروة المجد ثاقب أبوا غير ضرب تفلق الهام وقعه * وطعن بأطراف الاسنة صائب وإن سعيدا يوم يدمر عامرا * لاشجع من ليث بدرنا مواثب فياخير جيش للعراق وأهله * سقيتم روايا كل أسحم ساكب فلا يبعدن فرساننا وحماتنا * إذا البيض أبدت عن خدام الكواعب فإن يقتلوا فالقتل أكرم ميتة * وكل فتى يوما لاحدى الشواعب وما قتلوا حتى أثاروا عصابة * محلين ثورا كالليوث الضوارب وقتل سليمان بن صرد ومن قتل معه بعين الوردة من التوابين في شهر ربيع

[ 474 ]

الآخر (وفى هذه السنة) أمر مروان بن الحكم أهل الشأم بالبيعة من بعده لابنيه عبد الملك وعبد العزيز وجعلهما وليى العهد ذكر الخبر عن سبب عقد مروان ذلك لها (قال هشام) عن عوانة قال لما هزم عمرو بن سعيد بن العاص الاشدق مصعب بن الزبير حين وجهه أخوه عبد الله إلى فلسطين وانصرف راجعا إلى مروان ومروان يومئذ بدمشق قد غلب على الشأم كلها ومصر وبلغ مروان أن عمرا يقول إن هذا الامر لى من بعد مروان ويدعى أنه قد كان وعده وعدا فدعا مروان حسان بن مالك بن بحدل فأخبره أنه يريد أن يبايع لعبد الملك وعبد العزيز ابنيه من بعده وأخبره بما بلغه عن عمرو بن سعيد فقال أنا أكفيك عمرا فلما اجتمع الناس عند مروان عشيا قام ابن بحدل فقال إنه قد بلغنا أن رجالا يتمنون أمانى قوموا فبايعوا لعبد الملك ولعبد العزيز من بعده فقام الناس فبايعوا من عند آخرهم (وفى هذه السنة) مات مروان بن الحكم بدمشق مستهل شهر رمضان ذكر الخبر عن سبب هلاكه * حدثنى الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنى موسى بن يعقوب عن أبى الحويرث قال لما حضرت معاوية بن يزيد أبا ليلى الوفاة أبى أن يستخلف أحدا وكان حسان بن مالك بن بحدل يريد أن يجعل الامر بعد معاوية بن يزيد لاخيه خالد بن يزيد بن معاوية وكان صغيرا وهو خال أبيه يزيد بن معاوية فبايع لمروان وهو يربد أن يجعل الامر بعده لخالد بن يزيد فلما بايع لمروان وبايعه معه أهل الشأم قيل لمروان تزوج أم خالد وأمه أم خالد ابنة أبى هشام بن عتبة حتى تصغر شأنه فلا يطلب الخلافة فتزوجها فدخل خالد يوما على مروان وعنده جماعة كثيرة وهو يمشى بين الصفين فقال إنه والله ما علمت لاحمق تعال يا ابن الرطبة الاست يقصر به ليسقطه من أعين أهل الشأم فرجع إلى أمه فأخبرها فقالت له أمه لا يعرفن ذلك منك واسكت فإنى أكفيكه فدخل عليها مروان فقال لها هل قال لك خالد في شيئا فقالت وخالد

[ 475 ]

يقول فيك شيئا خالد أشد لك إعظاما من أن يقول فيك شيئا فصدقها ثم مكث أياما ثم إن مروان نام عندها فغطته بالوسادة حتى قتلته (قال أبو جعفر) وكان هلاك مروان في شهر رمضان بدمشق وهو ابن ثلاث وستين سنة في قول الواقدي وأما هشام بن محمد الكلبى فإنه قال كان يوم هلك ابن إحدى وستين سنة وقيل توفى وهو ابن إحدى وسبعين سنة وقيل ابن إحدى وثمانين سنة وكان يكنى أبا عبد الملك وهو مروان بن الحكم بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس وأمه آمنة بنت علقمة بن صفوان بن أمية الكنانى وعاش بعد أن بويع له بالخلافة تسعة أشهر وقيل عاش بعد أن بويع له بالخلافة عشرة أشهر إلا ثلاث ليال وكان قبل هلاكه قد بعث بعثين أحدهما إلى المدينة عليهم حبيش بن دلجة القينى والآخر منهما إلى العراق عليهم عبيدالله بن زياد فأما عبيدالله بن زياد فسار حتى نزل الجزيرة فأتاه الخبر بها بموت مروان وخرج إليه التوابون من أهل الكوفة طالبين بدم الحسين فكان من أمرهم ما قد مضى ذكره وسنذكر إن شاء الله باقى خبره إلى أن قتل (وفى هذه السنة) قتل حبيش بن دجلة وأما حبيش بن دلجة فإنه سار حتى انتهى فيما ذكر عن هشام عن عوانة بن الحكم إلى المدينة وعليهم جابر بن الاسود بن عوف ابن أخى عبد الرحمن بن عوف من قبل عبد الله ابن الزبير فهرب جابر من حبيش ثم إن الحارث بن أبى ربيعة وهو أخو عمر ابن عبد الله بن أبى ربيعة وجه جيشا من البصرة وكان عبد الله بن الزبير قد ولاه البصرة عليهم الحنيف بن السجف التميمي لحرب حبيش بن دلجة فلما سمع حبيش ابن دلجة بهم سار إليهم من المدينة وسرح عبد الله بن الزبير عياش بن سهل بن سعد الانصاري على المدينة وأمره أن يسير في طلب حبيش بن دلجة حتى يوافي الجند من أهل البصرة الذين جاءوا ينصرون ابن الزبير عليهم الحنيف وأقبل عياش في آثارهم مسرعا حتى لحقهم بالربذة وقد قال أصحاب ابن دلجة له دعهم لا تعجل إلى قتالهم فقال لا أنزل حتى آكل من مقندهم يعنى السويق الذى فيه القند فجاءه سهم غرب فقتله وقتل معه المنذر بن قيس الجذامي وأبو عقاب مولى أبى سفيان

[ 476 ]

وكان معه يومئذ يوسف بن الحكم والحجاج بن يوسف وما نجوا يومئذ إلا على جمل واحد وتحرز منهم نحو من خمسمائة في عمود المدينة فقال لهم عياش انزلوا على حكمي فنزلوا على حكمه فضرب أعناقهم ورجل فل حبيش إلى الشام * حدثنى أحمد بن زهير عن على بن محمد أنه قال الذى قتل حبيش بن دلجة يوم الربذة يزيد بن سياه الاسوارى رماه بنشابة فقتله فلما دخلوا المدينة وقف يزيد بن سياه على برذون أشهب وعليه ثياب بياض فما لبث أن اسودت ثيابه ورأيته مما مسح الناس به ومما صبوا عليه من الطيب (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة وقع بالبصرة الطاعون الذين يقال له الطاعون الجارف فهلك به خلق كثير من أهل البصرة * حدثنى عمر بن شبة قال حدثنى زهير بن حرب قال حدثنا وهب بن جرير قال حدثنى أبى عن المصعب بن زيد ان الجارف وقع وعبيدالله بن عبيدالله بن معمر على البصرة فماتت أمه في الجارف فما وجدوا لها من يحملها حتى استأجروا لها أربعة علوج فحملوها إلى حفرتها وهو الامير يومئذ (وفى هذه السنة) اشتدت شوكة الخوارج بالبصرة وقتل فيها نافع ين الازرق ذكر الخبر عن مقتله * حدثنى عمر بن شبة قال حدثنا زهير بن حرب قال حدثنا وهب بن جرير قال حدثنا أبى عن محمد بن الزبير أن عبيدالله بن عبيدالله بن معمر بعث أخاه عثمان بن عبيدالله إلى نافع بن الازرق في جيش فلقيهم بدولاب فقتل عثمان وهزم جيشه * قال عمر قال زهير قال وهب وحدثنا محمد بن أبى عيينة عن سبرة ابن نخف أن ابن معمر عبيدالله بعث أخاه عثمان إلى ابن الازرق فهزم جنده وقتل قال وهب فحدثنا أبى أن أهل البصرة بعثوا جيشا عليهم حارثة بن بدر فلقيهم فقال لاصحابه كرنبوا ودولبوا * وحيث شئتم فاذهبوا حدثنا عمر قال حدثنا زهير قال حدثنا وهب قال حدثنا أبى ومحمد بن أبى عيينة قالا حدثنا معاوية بن قرة قال خرجنا مع ابن عبيس فلقيناهم فقتل ابن الازرق

[ 477 ]

وابنان أو ثلاثة للماحوز وقتل ابن عبيس (قال أبو جعفر) وأما هشام بن محمد فإنه ذكر عن أبى مخنف عن أبى المخارق الراسبى من قصة ابن الازرق وبنى الماحوز قصة هي غير ما ذكره عمر عن زهير بن حرب عن وهب بن جرير والذى ذكر من خبرهم أن نافع بن الازرق اشتدت شوكته باشتغال أهل البصرة بالاختلاف الذى كان بين الازد وربيعة وتميم بسبب مسعود بن عمرو وكثرت جموعه فأقبل نحو البصرة حتى دنا من الجسر فبعث إليه عبد الله بن الحارث مسلم ابن عبيس بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف في أهل البصرة فخرج إليه فأخذ يحوزه عن البصرة ويرفعه عن أرضها حتى بلغ مكانا من أرض الاهواز يقال له دولاب فتهيأ الناس بعضهم لبعض وتزاحفوا فجعل مسلم بن عبيس على ميمنته الحجاج بن باب الحميرى وعلى ميسرته حارثة بن بدر التميمي ثم الغدانى وجعل ابن الازرق على ميمنته عبيدة بن هلال اليشكرى وعلى ميسرته الزبير ابن الماحوز التميمي ثم التقوا فاضطربوا فاقتتل الناس قتالا لا ير قتال قط أشد منه فقتل مسلم بن عبيس أمير أهل البصرة وقتل نافع بن الازرق رأس الخوارج وأمر أهل البصرة عليهم الحجاج بن باب الحميرى وأمرت الازارقة عليهم عبد الله ابن الماحوز ثم عادوا فاقتتلوا أشد قتال فقتل الحجاج بن باب الحميرى أمير أهل البصرة وقتل عبد الله بن الماحوز أمير الازارقة ثم إن أهل البصرة أمروا عليهم ربيعة الاجذم التميمي وأمرت الخوارج عليهم عبيدالله بن الماحوز ثم عادوا فاقتتلوا حتى أمسوا وقد كره بعضهم بعضا وملوا القتال فإنهم لمتواقفون متحاجزون حتى جاءت الخوارج سرية لهم جامة لم تكن شهدت القتال فحملت على الناس من قبل عبد القيس فانهزم الناس وقاتل أمير البصرة ربيعة الاجذام فقتل وأخذ راية أهل البصرة حارثة بن بدر فقاتل ساعة وقد ذهب الناس عنه فقاتل من وراء الناس في حماتهم وأهل الصبر منهم ثم أقبل بالناس حتى نزل بهم منزلا بالاهواز ففى ذلك يقول الشاعر من الخوارج ياكبدا من غير جوع ولا ظما * ويا كبدي من حب أم حكيم

[ 478 ]

ولو شهدتني يوم دولاب أبصرت * طعان امرئ في الحرب غير لئيم غداة طفت في الماء بكر بن وائل * وعجنا صدور الخيل نحو تميم وكان لعبد القيس أول حدنا * وذلت شيوخ الازد وهى تعوم وبلغ ذلك أهل البصرة فها لهم وأفزعهم وبعث ابن الزبير الحارث بن عبد الله ابن أبى ربيعة القرشى على تلك الحزة فقدم وعزل عبد الله بن الحارث فأقبلت الخوارج نحو البصرة وقدم المهلب بن أبى صفرة على تلك من حا الناس من قبل عبد الله بن الزبير معه عهده على خراسان فقال الاحنف للحارث بن أبى ربيعة وللناس عامة لا والله ما لهذا الامر إلا المهلب فخرج أشراف الناس فكلموه أن يتولى قتال الخوارج فقال لا أفعل هذا عهد أمير المؤمنين معى على خراسان فلم أكن لادع عهده وأمره فدعاه ابن أبى ربيعة فكلمه في ذلك فقال له مثل ذلك فاتفق رأى ابن أبى ربيعة ورأى أهل البصرة على أن كتبوا على لسان ابن الزبير بسم الله الرحمن الرحمن من عبد الله بن الزبير إلى المهلب بن أبى صفرة سلام عليك فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو أما بعد فان الحارث بن عبد الله كتب إلى أن الازارقة المارقة أصابوا جندا للمسلمين كان عددهم كثيرا وأشرافهم كثيرا وذكر أنهم قد أقبلوا نحو البصرة وقد كنت وجهتك إلى خراسان وكتبت لك عليها عهدا وقد رأيت حيث ذكر أمر هذه الخوارج أن تكون أنت تلى فتالهم فقد رجوت أن يكون ميمونا طائرك مباركا على أهل مصرك والاجر في ذلك أفضل من المسير إلى خراسان فسر إليهم راشدا فقاتل عدو الله وعدوك ودافع عن حقك وحقوق أهل مصرك فانه لن يفوتك من سلطاننا خراسان ولا غير خراسان إن شاء الله والسلام عليكم ورحمة الله فأتى بذلك الكتاب فلما قرأه قال فإنى والله لا أسير إليهم إلا أن تجعلوا لى ما غلبت عليه وتعطوني من بيت المال ما أقوى به من معى وأنتخب من فرسان الناس ووجوههم وذوى الشرف من أحببت فقال جميع أهل البصرة ذلك لك قال فاكتبوا لى على الاخماس بذلك كتابا ففعلوا إلا ما كان من مالك بن مسمع وطائفة من بكر بن وائل فاضطغنها عليهم

[ 479 ]

المهلب وقال الاحنف وعبيدالله بن زياد بن ظييان وأشراف أهل البصرة للمهلب وما عليك ألا يكتب لك مالك بن مسمع ولا من تابعه من أصحابه إذا أعطاك الذى أردت من ذلك جميع أهل البصرة ويستطيع مالك خلاف جماعة الناس أوله ذلك انكمش أيها الرجل واعزم على أمرك وسر إلى عدوك ففعل ذلك المهلب وأمر على الاخماس فأمر عبيدالله بن زياد بن ظبيان على خمس بكر بن وائل وأمر الحريش ابن هلال السعدى على خمس بنى تميم أو جاءت الخوارج حتى انتهت إلى الجسر الاصغر عليهم عبيدالله بن الماحوز فخرج إليهم في أشراف الناس وفرسانهم ووجوههم فحازهم عن الجسر ودفعهم عنه فكان أول شئ دفعهم عنه أهل البصرة ولم يكن بقى لهم إلا أن يدخلوا فارتفعوا إلى الجسر الاكبر ثم إنه عبى لهم فسار إليهم في الخيل والرجال فلما أن رأوا أن قد أظل عليهم وانتهى إليهم ارتفعوا فوق ذلك مرحلة أخرى فلم يزل يحوزهم ويرفعهم مرحلة بعد مرحلة ومنزلة بعد منزلة حتى انتهوا إلى منزل من منازل الاهواز يقال له سلى وسلبرى فأقاموا به ولما بلغ حارثة بن بدر الغدانى أن المهلب قد أمر على قتال الازارقة قال لمن معه من الناس: كرنبوا ودولبوا وحيث شئتم فاذهبوا قد أمر المهلب فأقبل من كان معه نحو البصرة فصرفهم الحارث بن عبد الله بن أبى ربيعة إلى المهلب ولما نزل المهلب بالقوم خندق عليه ووضع المسالح وأذكى العيون وأقام الاحراس ولم يزل الجند على مصافهم والناس على راياتهم وأخماسهم وأبواب الخنادق عليها رجال موكلون بها فكانت الخوارج إذا أرادوا بيات المهلب وجدوا أمرا محكما فرجعوا فلم يقاتلهم إنسان قط كان أشد عليهم ولا أغيظ لقلوبهم منه (قال أبو مخنف) فحدثني يوسف بن يزيد عن عبد الله بن عوف بن الاحمر أن رجلا كان في تلك الخوارج حدثه أن الخوارج بعثت عبيدة بن هلال والزبير بن الماحوز في خيلين عظيمين ليلا إلى عسكر المهلب فجاء الزبير من جانبه الايمن وجاء عبيدة من جانبه الايسر ثم كبروا وصاحوا بالناس فوجدوهم على

[ 480 ]

تعبيتهم ومصافهم حذرين معدين فلم يصيبوا للقوم غرة ولم يظفروا منهم بشئ فلما ذهبوا ليرجعوا ناداهم عبيدالله بن زياد بن ظبيان فقال: وجدتمونا وقرا أنجادا * لا كشفا خورا ولا أوغادا هيهات إنا إذا صيح بنا أبينا يا أهل النار ألا ابكروا إليها غدا فإنها مأواكم ومثواكم قالوا يا فاسق وهل تذخر النار إلا لك ولاشباهك إنها أعدت للكافرين وأنت منهم قال أتسمعون كل مملوك لى حر إن دخلتم أنتم الجنة إن بقى فيما بين سفوان إلى أقصى حجر من أرض خراسان مجوسي ينكح أمه وابنته وأخته إلا دخلها قال له عبيدة اسكت يا فاسق فإنما أنت عبد للجبار العنيد ووزير للظالم الكفور قال يا فاسق وأنت عدو المؤمن التقى ووزير الشيطان الرجيم فقال الناس لابن ظبيان وفقك الله يا ابن ظبيان فقد والله أجبت الفاسق بجوابه وصدقته فلما أصبح الناس أخرجهم المهلب على تعبيتهم وأخماسهم ومواقفهم الازد وتميم ميمنة الناس وبكر بن وائل وعبد القيس ميسرة الناس وأهل العالية في القلب وسط الناس وخرجت الخوارج على ميمنتهم عبيدة بن هلال اليشكرى وعلى ميسرتهم الزبير بن الماحوز وجاؤا وهم أحسن عدة وأكرم خيولا وأكثر سلاحا من أهل البصرة وذلك لانهم مخروا الارض وجردوها وأكلوا ما بين كرمان إلى الاهواز فجاءوا عليهم مغافر تضرب إلى صدورهم وعليهم دروع يسحبونها وسوق من زرد يشدونها بكلاليب الحديد إلى مناطقهم فالتقى الناس فاقتتلوا كأشد القتال فصبر بعضهم لبعض عامة النهار ثم إن الخوارج شدت على الناس بأجمعها شدة منكرة فأجفل الناس وانصاعوا منهزمين لاتلوى أم على ولد حتى بلغ البصرة هزيمة الناس وخافوا السباء وأسرع المهلب حتى سبقهم إلى مكان يفاع في جانب عن سنن المنهزمين ثم إنه نادى الناس إلى إلى عباد الله فثاب إليه جماعة من قومه وثابت إليه سرية عمان فاجتمع إليه منهم نحو من ثلاثة آلاف فلما نظر إلى من قد اجتمع رضى جماعتهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإن الله ربما يكل الجمع الكثير إلى أنفسهم فيهزمون وينزل النصر على الجمع اليسير فيظهرون ولعمري

[ 481 ]

ما بكم الآن من قلة إنى لجماعتكم لراض وإنكم لانتم أهل البصر وفرسان أهل المصر وما أحب أن أحدا ممن انهزم معكم فإنهم لو كانوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا عزمت على كل امرئ منكم لما أخذ عشرة أحجار معه ثم امشوا بنا نحو عسكرهم فإنهم الآن آمنون وقد خرجت خيلهم في طلب اخوانكم فوالله إنى لارجو أن لا ترجع إليهم خيلهم حتى تستبيحوا عسكرهم وتقتلوا أميرهم ففعلوا ثم أقبل بهم راجعا فلا والله ما شعرت الخوارج إلا بالمهلب يضاربهم بالمسلمين في جانب عسكرهم ثم استقبلوا عبيدالله بن الماحوز وأصحابه وعليهم الدروع والسلاح كاملا فأخذ الرجل من أصحاب المهلب يستقبل الرجل منهم فيستعرض وجهه بالحجارة فيرميه حتى يثخنه ثم يطعنه بعد ذلك برمحه أو يضربه بسيفه فلم يقاتلهم إلا ساعة حتى قتل عبيدالله ابن الماحوز وضرب الله وجوه أصحابه وأخذ المهلب عسكر القوم وما فيه وقتل الازارقة قتلا ذريعا وأقبل من كان في طلب أهل البصرة منهم راجعا وقد وضع لهم المهلب خيلا ورجالا في الطريق تختطفهم وتقتلهم فانكفؤا راجعين مفلولين مقتولين محروبين مغلوبين فارتفعوا إلى كرمان وجانب أصفهان وأقام المهلب بالاهواز ففى ذلك اليوم يقول الصلتان العبدى: بسلى وسلبرى مصارع فتية * كرام وقتلى لم توسد خدودها وانصرفت الخوارج حين انصرفت وإن أصحاب النيران الخمس والست ليجتمعون على النار الواحدة من الفلول وقلة العدد حتى جاءتهم مادة لهم من قبل البحرين فخرجوا نحو كرمان وإصبهان فأقام المهلب بالاهواز فلم يزل ذلك مكانه حتى جاء مصعب البصرة وعزل الحارث بن عبد الله بن أبى ربيعة عنها ولما ظهر المهلب على الازارقة كتب بسم الله الرحمن الرحيم للامير الحارث بن عبد الله من المهلب بن أبى صفرة سلام عليك فانى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو أما بعد فالحمد لله الذى نصر أمير المؤمنين وهزم الفاسقين وأنزل بهم نقمته وقتلهم كل قتلة وشردهم كل مشرد أخبر الامير أصلحه الله أنا لقينا الازارقة بأرض من أرض الاهواز يقال لها سلى وسليرى فزحفنا إليهم ثم ناهضنناهم فاقتتلنا كأشد القتال مليا من النهار ثم إن كتائب

[ 482 ]

الازارقة اجتمع بعضها إلى بعض ثم حملوا على طائفة من المسلمين فهزموهم وكانت في المسلمين جولة قد كنت أشفقت أن تكون هي الاصرى منهم فلما رأيت ذلك عمدت إلى مكان يفاع فعلوته ثم دعوت إلى عشيرتي خاصة والمسلمين عامة فثاب إلى أقوام شروا أنفسهم ابتغاء مرضاة الله من أهل الدين والصبر والصدق والوفاء فقصدت بهم إلى عسكر القوم وفيه جماعتهم وحدهم وأميرهم قد أطاف به أولو فضلهم فيهم وذوو النيات منهم فاقتتلنا ساعة رمينا بالنبل وطعنا بالرماح ثم خلص الفريقان إلى السيوف فكان الجلاد بها ساعة من النهار مبالطة ومبالدة ثم إن الله عز وجل أنزل نصره على المؤمنين وضرب وجوه الكافرين ونزل طاغيتهم في رجال كثير من حماتهم وذوى نياتهم فقتلهم الله في المعركة ثم اتبعت الخيل شرادهم فقتلوا في الطريق والاخاذ والفرى والحمد لله رب العالمين والسلام عليك ورحمة الله فلما أتى هذا الكتاب الحارث بن عبد الله بن أبى ربيعة بعث به إلى الزبير فقرئ على الناس بمكة وكتب الحارث بن أبى ربيعة إلى المهلب أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر فيه نصر الله إياك وظفر المسلمين فهنيئا لك يا أخا الازد بشرف الدنيا وعزها وثواب الآخرة وفضلها والسلام عليك ورحمة الله فلما قرأ المهلب كتابه ضحك ثم قال أما تظنونه يعرفني إلا بأخى الازد ما أهل مكة إلا أعراب (قال أبو مخنف) فحدثتى أبو المخارق الراسبى أن أبا علقمة اليحمدى قاتل يوم سلى وسلبرى قتالا لم يقاتله أحد من الناس وأنه أخذ ينادى في شباب الازد وفتيان اليحمد أعيرونا جماجمكم ساعة من نهار فأخذ فتيان منهم يكرون فيقاتلون ثم يرجعون إليه يضحكون ويقولون يا أبا علقمة القدور تستعار فلما ظهر المهلب ورأى من بلائه ما رأى وفاه مائة ألف * وقد قيل إن أهل البصرة قد كانوا سألوا الاحنف قبل المهلب أن يقاتل الازارقة وأشار عليهم بالمهلب وقال هو أقوى على حربهم منى وأن المهلب إذ أجابهم إلى قتالهم شرط على أهل البصرة أن ما غلب عليه من الارض فهو له ولمن خف معه من قومه وغيرهم ثلاث سنين وأنه ليس لمن تخلف عنه منه شئ فأجابوه إلى ذلك وكتب بذلك عليهم كتابا وأوفدوا بذلك وفدا إلى ابن الزبير وأن ابن الزبير أمضى تلك الشروط كلها للمهلب

[ 483 ]

وأجازها له وأن المهلب لما أجيب إلى ما سأل وجه ابنه حبيبا في ستمائة فارس إلى عمرو القنا وهو معسكر خلف الجسر الاصغر في ستمائة فارس فأمر المهلب بعقد الجسر الاصغر فقطع حبيب الجسر إلى عمرو ومن معه فقاتلهم حتى نفاهم عما بين الجسر وانهزموا حتى صاروا من ناحية الفرات وتجهز المهلب فيمن خف من قومه معه وهم اثنا عشر ألف رجل ومن سائر الناس سبعون رجلا وسار المهلب حتى نزل الجسر الاكبر وعمرو القنا بإزائه في ستمائة فبعث المغيرة بن المهلب في الخيل والرجالة فهزمتهم الرجالة بالنبل واتبعتهم الخيل وأمر المهلب بالجسر فعقد فعبر هو وأصحابه فلحق عمرو القنا حينئذ بابن الماحوز وأصحابه وهو بالمفتح فأخبروهم الخبر فساروا فعسكروا دون الاهواز بثمانية فراسخ وأقام المهلب بقية سنته فجبى كور دجلة ورزق أصحابه وأتاه المدد من أهل البصرة لما بلغهم ذلك فأثبتهم في الديوان وأعطاهم حتى صاروا ثلاثين ألفا (قال أبو جعفر) فعلى قول هؤلاء كانت الوقعة التى كانت فيها هزيمة الازارقة وارتحالهم عن نواحى البصرة والاهواز إلى ناحية اصبهان وكرمان في سنة 66 وقيل إنهم ارتحلوا حين ارتحلوا عن الاهواز وهم ثلاثة آلاف وإنه قتل منهم في الوقعة التى كانت بينهم وبين المهلب بسلى وسلبرى سبعة آلاف (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة وجه مروان بن الحكم قبل مهلكه ابنه محمدا إلى الجزيرة وذلك قبل مسيره إلى مصر (وفى هذه السنة) عزل عبد الله بن الزبير عبد الله بن يزيد عن الكوفة وولاها عبد الله بن مطيع ونزع عن المدينة أخاه عبيدة بن الزبير وولاها أخاه مصعب بن الزبير وكان سبب عزله أخاه عبيدة عنهم أنه فيما ذكر الواقدي خطب الناس فقال لهم قد رأيتم ما صنع بقوم في ناقة قيمتها خمسمائة درهم فسمى مقوم الناقة وبلغ ذلك ابن الزبير فقال إن هذا لهو التكلف (وفى هذه السنة) بنى عبد الله بن الزبير البيت الحرام فأدخل الحجر فيه * أخبرنا إسحاق بن أبى اسرائيل قال حدثنى عبد العزيز بن خالد بن رستم الصنعانى أبو محمد قال حدثنى زياد بن جيل أنه كان بمكة يوم غلب ابن الزبير فسمعه يقول إن أمي أسماء بنت أبى بكر حدثتني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة لولا حداثة عهد قومك بالكفر رددت الكعبة على أساس ابراهيم فأزيد في الكعبة من الحجر

[ 484 ]

فأمر به ابن الزبير فحفر فوجدوا قلاعا أمثال الابل فحركوا منها صخرة فبرقت بارقة فقال أقروها على أساسها فبناها ابن الزبير وجعل لها بابين يدخل من أحدهما ويخرج من الآخر (قال أبو جعفر) وحج بالناس في هذه السنة عبد الله بن الزبير وكان على المدينة أخوه مصعب بن الزبير وعلى الكوفة في آخر السنة عبد الله بن مطيع وعلى البصرة الحارث بن عبد الله بن أبى ربيعة المخزومى وهو الذى يقال له القباع وعلى قضائها هشام بن هبيرة وعلى خراسان عبد الله بن خازم (وفى هذه السنة) خالف من كان بخراسان من بنى تميم عبد الله بن خازم حتى وقعت بينهم حروب (ذكر الخبر عن سبب ذلك) وكان السبب في ذلك فيما ذكر أن من كان بخراسان من بنى تميم أعانوا عبد الله ابن خازم على من كان بها من ربيعة وعلى حرب أوس بن ثعلبة حتى قتل من قتل منهم وظفر به وصفا له خراسان فلما صفا له ولم ينازعه به أحد جفاهم وكان قد ضم هراة إلى ابنه محمد واستعمله عليها وجعل بكير بن وشاح على شرطته وضم إليه شماس بن دثار العطاردي وكانت أم ابنه محمد امرأة من تميم تدعى صفية فلما جفا ابن خازم بنى تميم أتوا ابنه محمدا بهراة فكتب ابن حازم إلى بكير وشماس يأمرهما بمنع بنى تميم من دخول هراة فأما شماس بن دثار فأبى ذلك وخرج من هراة فصار من بنى تميم وأما بكير فمنعهم من الدخول * فذكر على بن محمد أن زهير بن الهنيد حدثه عن أشياخ من قومه أن بكير بن وشاح لما منع بنى تميم من دخول هراة أقاموا ببلاد هراة وخرج إليهم شماس بن دثار فأرسل بكير إلى شماس إنى أعطيك ثلاثين ألفا وأعطى كل رجل من بنى تميم ألفا على أن ينصرفوا فأبوا فدخلوا المدينة وقتلوا محمد بن عبد الله بن خازم قال على فأخبرنا الحسن بن رشيد عن محمد بن عزيز الكندى قال خرج محمد بن عبد الله بن خازم يتصيد بهراة وقد منع بنى تميم من دخولها فرصدوه فأخذوه فشدوه وثاقا وشربوا ليلتهم وجعل كلما أراد رجل منهم البول بال عليه فقال لهم شماس بن دثار أما إذ بلغتم هذا منه فاقتلوه بصاحبيكما اللذين قتلهما بالسياط قال وقد كان أخذ قبيل ذلك رجلين من بنى تميم فضربهما

[ 485 ]

بالسياط حتى ماتا قال فقتلوه قال فزعم لنا عمن شهد قتله من شيوخهم أن جيهان ابن مشجعة الضبى نهاهم عن قتله وألقى نفسه عليه فشكر له ابن خازم ذلك فلم بقتله فيمن قتل يوم فرتنا قال فزعم عامر بن أبى عمر أنه سمع أشياخهم من بنى تميم يزعمون أن الذى ولى قتل محمد بن عبد الله بن خازم رجلان من بنى مالك بن سعد يقال لاحدهما عجلة وللآخر كسيب فقال ابن خازم بئس ما اكتسب كسيب لقومه ولقد عجل عجلة لقومه شرا قال على وحدثنا أبو الذيال زهير بن هنيد العدوى قال لما قتل بنو تميم محمد بن عبد الله بن خازم انصرفوا إلى مرو فطلبهم بكير ابن وشاح فأدرك رجلا من بنى عطارد يقال له شميخ فقتله وأقبل شماس وأصحابه إلى مرو فقالوا لبنى سعد قد أدركنا لكم بثأركم قتلنا محمد بن عبد الله بن خازم بالجشمى الذى أصيب بمرو فأجمعوا على قتال ابن خازم وولوا عليهم الحريش بن هلال القريعى قال فأخبرني أبو الفوارس عن طفيل بن مرداس قال أجمع أكثر بنى تميم على قتال عبد الله بن خازم قال وكان مع الحريش فرسان لم يدرك مثلهم إنما الرجل منهم كتيبة منهم شماس بن دثار وبحير بن ورقاء الصريمى وشعبة بن ظهير النهشلي وورد بن الفلق العنبري والحجاج بن ناشب العدوى وكان من أرمى الناس وعاصم بن حبيب العدوى فقاتل الحريش بن هلال عبد الله بن خازم سنتين قال فلما طالت الحرب والشر بينهم ضجروا قال فخرج الحريش فنادى ابن خازم فخرج إليه فقال قد طالت الحرب بيننا فعلام تقتل قومي وقومك ابرز لى فأينا قتل صاحبه صارت الارض له فقال ابن خازم وأبيك لقد أنصفتني فبرز له فتصاولا تصاول الفحلين لا يقدر أحد منهما على ما يريد وتغفل ابن خازم غفلة وضربه الحريش على رأسه فرمى بفروة رأسه على وجهه وانقطع ركابا الحريش وانتزع السيف قال فلزم ابن خازم عنق فرسه راجعا إلى أصحابه وبه ضربة قد أخذت من رأسه ثم غاداهم القتال فمكثوا بذلك بعد الضربة أياما ثم مل الفريقان فتفرقوا ثلاث فرق فمضى بحير بن ورقاء إلى أبرشهر في جماعة وتوجه شماس بن دثار العطاردي ناحية أخرى وقيل أتى سجستان وأخد عثمان بن بشر بن المحتفز إلى

[ 486 ]

فرتنا فنزل قصرا بها ومضى الحريش إل ناحية مرو الروذ فاتبعه ابن خازم فلحقه بقرية من قراها يقال لها قرية الملحمة أو قصر الملحمة والحريش بن هلال في اثنى عشر رجلا وقد تفرق عنه أصحابه فهم في خربة وقد نصب رماحا كانت معه وترسة قال وانتهى إليه ابن خازم فخرج إليه في أصحابه ومع ابن خازم مولى له شديد البأس فحمل على الحريش فضربه فلم يصنع شيئا فقال رجل من بنى ضبة للحريش أما ترى ما يصنع العبد فقال له الحريش عليه سلاح كثير وسيفي لا يعمل في سلاحه ولكن انظر لى خشبة ثقيلة فقطع له عودا ثقيلا من عناب ويقال أصابه في القصر فأعطاه إياه فحمل به على مولى ابن خازم فضربه فسقط وقيذا ثم أقبل على ابن خازم فقال ما تريد إلى وقد خليتك والبلاد قال إنك تعود إليها قال فإنى لا أعود فصالحه على أن يخرج له من خراسان ولا يعود إلى قتاله فوصله ابن خازم بأربعين ألفا قال وفتح له الحريش باب القصر فدخل ابن خازم فوصله وضمن له قضاء دينه وتحدثا طويلا قال وطارت قطنة كانت على رأس ابن خازم ملصقة على الضربة التى كان الحريش ضربه فقام الحريش فتناولها فوضعها على رأسه فقال له ابن خازم مسك اليوم يا أبا قدامة ألين من مسك أمس قال معذرة إلى الله وإليك أما والله لولا أن ركابي انقطعا لخالط السيف أضراسك فضحك ابن خازم وانصرف عنه وتفرق جمع بنى تميم فقال بعض شعراء بنى تميم لو كنتم مثل الحريش صبرتم * وكنتم بقصر الملح خير فوارس إذا لسقيتم بالعوالى ابن خازم * سجال دم يورثن طول وساوس قال وكان الاشعث بن ذؤيب أخو زهير بن ذؤيب العدوى قتل في تلك الحرب فقال له أخوه زهير وبه رمق من قتلك قال لا أدرى طعننى رجل على برذون أصفر قال فكان زهير لا يرى أحدا على برذون أصفر إلا حمل عليه فمنهم من يقتله ومنهم من يهرب فتحامى أهل العسكر البراذين الصفر فكانت مخلاة في العسكر لا يركبها أحد وقال الحريش في قتاله ابن خازم أزال عظم يمينى عن مركبه * حمل الردينى في الادلاج والسحر

[ 487 ]

حولين ما اغتمضت عينى بمنزلة * إلا وكفى وساد لى على حجر بزى الحديد وسربالى إذا هجعت * عنى العيون مجال القارح الذكر ثم دخلت سنة ست وستين ذكر الخبر عن الكائن كان فيها من الامور الجليلة فمما كان فيها من ذلك وثوب المختار بن أبى عبيد بالكوفة طالبا بدم الحسين ابن على بن أبى طالب وإخراجه منها عامل ابن الزبير عبد الله بن مطيع العدوى ذكر الخبر عما كان من أمرهما في ذلك وظهور المختار للدعوة إلى ما دعا إليه الشيعة بالكوفة (ذكر هشام بن محمد) عن أبى مخنف أن فضيل بن خديج حدثه عن عبيدة ابن عمرو وإسماعيل بن كثير من بنى هند أن أصحاب سليمان بن صرد لما قدموا كتب إليهم المختار أما بعد فان الله أعظم لكم الاجر وحط عنكم الوزر بمفارقة القاسطين وجهاد المحلين إنكم لم تنفقوا نفقة ولم تقطعوا عقبة ولم تخطوا خطوة إلا رفع الله لكم بها درجة وكتب لكم بها حسنة إلى ما لا يحصيه إلا الله من التضعيف فأبشروا فانى لو قد خرجت اليكم قد جردت فيما بين المشرق والمغرب في عدوكم السيف بإذن الله فجعلتهم باذن الله ركاما وقتلتهم فذا وتؤاما فرحب الله بمن قارب منكم واهتدى ولا يبعد الله إلا من عصى وأبى والسلام يا أهل الهدى فجاءهم بهذا الكتاب سيحان بن عمرو من بنى ليث من عبد القيس قد أدخله في قلنسوته فيما بين الظهارة والبطانة فأتى بالكتاب رفاعة بن شداد والمثنى بن مخربية العبدى وسعد بن حذيفة بن اليمان ويزيد بن أنس وأحمر بن شميط الاحمسي وعبد الله بن شداد البجلى وعبد الله بن كامل فقرأ عليهم الكتاب فبعثوا إليه ابن كامل فقالوا قل له قد قرأنا الكتاب ونحن حيث يسرك فان شئت أن نأتيك حتى نخرجك فعلنا فأتاه فدخل عليه السجن فأخبر بما أرسل إليه به فسر باجتماع الشيعة له وقال لهم

[ 488 ]

لا تزيدوا هذا فإنى أخرج في أيامى هذه قال وكان المختار قد بعث ما غلا يدعى زربيا إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب وكتب إليه أما بعد فانى قد حبست مظلوما وظن بن الولاة ظنونا كاذبة فاكتب في يرحمك الله إلى هذين الظالمين كتابا لطيفا عسى الله أن يخلصنى من أيديهما بلطفك وبركتك وبمنك والسلام عليك فكتب اليهما عبد الله بن عمر أما بعد فقد علمتما الذى بينى وبين المختار بن أبى عبيد من الصهر والذى بينى وبينكما من الود فأقسمت عليكما بحق ما بينى وبينكما لما خليتما سبيله حين تنظران في كتابي هذا والسلام عليكما ورحمة الله فلما أتى عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة كتاب عبد الله بن عمر دعوا للمختار بكفلاء يضمنونه بنفسه فأتاه أناس من أصحابه كثير فقال يزيد بن الحارث بن يزيد بن رويم لعبدالله ابن يزيد ما تصنع بضمان هؤلاء كلهم ضمنه عشرة منهم أشرافا معروفين ودع سائرهم ففعل ذلك فلما ضمنوه ودعا به عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة فحلفاه بالله الذى لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم لا يبغيهما غائلة ولا يخرج عليهما ما كان لهما سلطان فإن هو فعل فعليه ألف بدنة ينحرها لدى رتاج الكعبة وممالكية كلهم ذكرهم وأنثاهم أحرار فحلف لهما بذلك ثم خرج فجاء داره فنزلها (قال أبو مخنف) فحدثني يحيى بن أبى عيسى عن حميد بن مسلم قال سمعت المختار بعد ذلك يقول قاتلهم الله ما أحمقهم حين يرون أنى أفى لهم بأيمانهم هذه أما حلفى لهم بالله فانه ينبغى لى إذا حلفت على يمين فرأيت ما هو خير منها أن أدع ما حلفت عليه وآتى الذى هو خير وأكفر يمينى وخروجي عليهم خير من كفى عنهم وأكفر يمينى وأما هدى ألف بدنة فهو أهون على من بصقة وما ثمن ألف بدنة فيهولنى وأما عتق مماليكى فوالله لوددت أنه قد استتب لى أمرى ثم لم أملك مملوكا أبدا قال ولما نزل المختار داره عند خروجه من السجن اختلف إليه الشيعة واجتمعت عليه واتفق رأيها على الرضى به وكان يبايع له الناس وهو في السجن خمسة نفر السائب بن مالك الاشعري ويزيد بن أنس وأحمر بن شميط ورفاعة بن شداد الفتيانى وعبد الله بن شداد الجشمى قال فلم تزل أصحابه يكثرون

[ 489 ]

وأمره يقوى ويشتد حتى عزل ابن الزبير عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة وبعث عبد الله بن مطيع على عملهما إلى الكوفة (قال أبو مخنف) فحدثني الصقعب بن زهير عن عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال دعا ابن الزبير عبد الله بن مطيع أخا بنى عدى بن كعب والحارث بن عبد الله بن أبى ربيعة المخزومى فبعث عبد الله بن مطيع على الكوفة وبعث الحارث بن عبد الله بن أبى ربيعة على البصرة قال فبلغ ذلك بحير بن ريسان الحميرى فلقيهما فقال لهما يا هذان إن القمر الليلة بالناطح فلا تسيرا فأما ابن أبى ربيعة فأطاعه فأقام يسيرا ثم شخص إلى عمله فسلم وأما عبد الله بن مطيع فقال له وهل نطلب إلا النطح قال فلقى والله نطحا وبطحا قال يقول عمر والبلاء موكل بالقول قال عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بلغ عبد الملك بن مروان أن ابن الزبير بعث عمالا على البلايا فقال من بعث على البصرة فقيل بعث عليها الحارث بن عبد الله بن أبى ربيعة قال لا حر بوادي عوف بعث عوفا وجلس ثم قال من بعث على الكوفة قالوا عبد الله بن مطيع قال حازم وكثيرا ما يسقط وشجاع وما يكره أن يفر قال من بعث على المدينة قالوا بعث أخاه مصعب بن الزبير قال ذاك الليث النهد وهو رجل أهل بيته (قال هشام) قال أبو مخنف وقدم عبد الله بن مطيع الكوفة في رمضان سنة 65 يوم الخميس لخمس بقين من شهر رمضان فقال لعبد الله بن يزيد إن أحببت أن تقيم معى أحسنت صحبتك وأكرمت مثواك وإن لحقت بأمير المؤمنين عبد الله بن الزبير فبك عليه كرامة وعلى من قبله من المسلمين وقال لابراهيم بن محمد بن طلحة الحق بأمير المؤمنين فخرج إبراهيم حتى قدم المدينة وكسر على ابن الزبير الخراج وقال إنما كانت فتنة فكف عنه ابن الزبير قال وأقام ابن مطيع على الكوفة على الصلاة والخراج وبعث على شرطته إياس بن مضارب العجلى وأمره أن يحسن السيرة والشدة على المريب (قال أبو مخنف) فحدثني حصيرة ابن عبد الله بن الحارث بن دريد الازدي وكان قد أدرك ذلك الزمان وشهد قتل مصعب بن الزبير قال إنى لشاهد المسجد حيث قدم عبد الله بن مطيع فصعد

[ 490 ]

المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال أما بعد فإن أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير بعثنى على مصركم وثغوركم وأمرني بجباية فيئكم وأن لا أحمل فضل فيئكم عنكم إلا برضى منكم ووصية عمر بن الخطاب التى أوصى بها عند وفاته وبسيرة عثمان ابن عفان التى سار بها في المسلمين فاتقوا الله واستقيموا ولا تختلفوا وخذوا على أيدى سفهائكم وإلا تفعلوا فلوموا أنفسكم ولا تلوموني فوالله لاوقعن بالسقيم العاصى ولاقيمن درأ إلا صعر المرتاب فقام إليه السائب بن مالك الاشعري فقال أما أمر ابن الزبير إياك أن لا تحمل فضل فيئنا عنا إلا برضانا فإنا نشهدك أنا لا نرضى أن تحمل فضل فيئنا عنا وأن لا يقسم إلا فينا وأن لا يسار فينا إلا بسيرة على بن أبى طالب التى سار بها في بلادنا هذه حتى هلك رحمة الله عليه ولا حاجة لنا في سيرة عثمان في فيئنا ولا في أنفسنا فإنها إنما كانت أثرة وهوى ولا في سيرة عمر بن الخطاب في فيئنا وإن كانت أهون السيرتين علينا ضرا وقد كان لا يألو الناس خيرا فقال يزيد بن أنس صدق السائب بن مالك وبر رأينا مثل رأيه وقولنا مثل قوله فقال ابن مطيع نسير فيكم بكل سيرة أحببتموها وهويتموها ثم نزل فقال يزيد بن أنس الاسدي ذهبت بفضلها يا سائب لا يعدمك المسلمون أما والله لقد قمت وإنى لاريد أن أقوم فأقول له نحوا من مقالتك وما أحب أن الله ولى الرد عليه رجلا من أهل المصر ليس من شيعتنا وجاء إياس بن مضارب إلى ابن مطيع فقال له ان السائب بن مالك من رؤوس أصحاب المختار ولست آمن المختار فابعث إليه فليأتك فإذا جاءك فاحبسه في سجنك حتى يستقيم أمر الناس فإن عيوني قد أتتنى فخبرتني أن أمره قد استجمع له وكأنه قد وثب بالمصر قال فبعث إليه ابن مطيع زائدة بن قدامة وحسين بن عبد الله البرسمى من همدان فدخل عليه فقالا أجب الامير فدعا بثيابه وأمر بإسراج دابته وتخشخش للذهاب معهما فلما رأى زائدة ؟ بن قدامة ذلك قرأ قول الله تبارك وتعالى (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) ففهمها المختار فجلس ثم ألقى ثيابه عنه ثم

[ 491 ]

قال القوا على القطيفة ما أرانى إلا قد وعكت انى لاجد قفقفة شديدة ثم تمثل قول عبد العزى بن صهل الازدي * إذا ما معشر تركوا نداهم * ولم يأتوا الكريهة لم يهابوا ارجعا إلى ابن مطيع فأعلماه حالى التى أنا عليها فقال له زائدة بن قدامة أما أنا ففاعل وأنت يا أخا همدان فاعذرني عنده فانه خير لك (قال أبو مخنف) فحدثني إسماعيل بن نعيم الهمداني عن حسين بن عبد الله قال قلت في نفسي والله إن أنا لم أبلغ عن هذا ما يرضيه ما أنا بآمن من أن يظهر غدا فيهلكني قال فقلت له نعم أنا أصنع عند ابن مطيع عذرك وأبلغه كل ما تحب فخرجنا من عنده فإذا أصحابه على بابه وفى داره منهم جماعة كثيرة قال فأقبلنا نحو ابن مطيع فقلت لزائدة بن قدامة أما انى قد فهمت قولك حين قرأت تلك الآية وعلمت ما أردت بها وقد علمت أنها هي ثبطته عن الخروج معنا بعد ما كان قد لبس ثيابه وأسرج دابته وعلمت حين تمثل البيت الذى تمثل إنما أراد يخبرك أنه قد فهم عنك ما أردت أن تفهمه وأنه لن يأتيه قال فجاحدني أن يكون أراد شيئا من ذلك فقلت له لا تحلف فوالله ما كنت لابلغ عنك ولا عنه شيئا تكرهانه ولقد علمت أنك مشفق عليه تجد له ما يجد المرء لابن عمه فأقبلنا إلى ابن مطيع فأخبرناه بعلته وشكواه فصدقنا ولهى عنه قال وبعث المختار إلى أصحابه فأخذ يجمعهم في الدور حوله وأراد أن يثب بالكوفة في المحرم فجاء رجل من أصحابه من شبام وكان عظيم الشرف يقال له عبد الرحمن ابن شريح فلقى سعيد بن منقذ الثوري وسعر بن أبى سعر الحنفي والاسود بن جراد الكندى وقدامة بن مالك الجشمى فاجتمعوا في منزل سعر الحنفي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فان المختار يريد أن يخرج بنا وقد بايعناه ولا ندرى أرسله إلينا ابن الحنفية أم لا فانهضوا بنا إلى ابن الحنفية فلنخبره بما قدم علينا به وبما دعانا إليه فان رخص لنا في اتباعه اتبعناه وإن نهانا عنه اجتنبناه فوالله ما ينبغى أن يكون شئ من أمر الدنيا آثر عندنا من سلامة ديننا فقالوا له أرشدك الله فقد أصبت ووفقت أخرج بنا إذا شئت فاجمع رأيهم على أن يخرجوا من أيامهم

[ 492 ]

فخرجوا فلحقوا بابن الحنفية وكان أمامهم عبد الرحمن بن شريح فلما قدموا عليه سألهم عن حال الناس فخبروه عن حالهم وما هم عليه (قال أبو مخنف) فحدثني خليفة بن ورقاء عن الاسود بن جراد الكندى قال قلنا لابن الحنفية إن لنا إليك حاجة قال فسر هي أم علانية قال قلنا لا بل سر قال فرويدا إذا قال فمكث قليلا ثم تنحى جانبا فدعانا فقمنا إليه فبدأ عبد الرحمن بن شريح فتكلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فانكم أهل بيت خصكم الله بالفضيلة وشرفكم بالنبوة وعظم حقكم على هذه الامة فلا يجهل حقكم إلا مغبون الرأى مخسوس النصيب قد أصبتم بحسين رحمة الله عليه عظمت مصيبة ما قد خصكم بها فقد عم بها المسلمون وقد قدم علينا المختار بن أبى عبيد يزعم لنا أنه قد جاءنا من تلقائكم وقد دعانا إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم والطلب بدماء أهل البيت والدفع عن الضعفاء فبايعناه على ذلك ثم إنا رأينا أن نأتيك فنذكر لك ما دعانا إليه وندبنا له فإن أمرتنا باتباعه اتبعناه وإن نهيتنا عنه اجتنبناه ثم تكلمنا واحدا واحدا بنحو مما تكلم به صاحبنا وهو يسمع حتى إذا فرغنا حمدالله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال أما بعد فأما ما ذكرتم مما خصصنا الله به من فضل فإن الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم فلله الحمد وأما ما ذكرتم من مصيبتنا بحسين فإن ذلك كان في الذكر الحكيم وهى ملحمة كتبت عليه وكرامة أهداها الله له رفع بما كان منها درجات قوم عنده ووضع بها آخرين وكان أمر الله مفعولا وكان أمر الله قدرا مقدورا وأما ما ذكرتم من دعاء من دعاكم إلى الطلب بدمائنا فوالله لوددت أن الله انتصر لنا من عدونا بمن شاء من خلقه أقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم قال فخرجنا من عنده ونحن نقول قد أذن لنا قد قال لوددت أن الله انتصر لنا من عدونا بمن شاء من خلقه ولو كره لقال لا تفعلوا قال فجئنا وأناس من الشيعة ينتظرون لقدومنا ممن كنا قد أعلمناه بمخرجنا وأطلعناه على ذات أنفسنا ممن كان على رأينا من إخواننا وقد كان بلغ المختار مخرجنا فشق ذلك عليه وخشى أن نأتيه بأمر يخذل الشيعة عنه فكان قد أرادهم على أن

[ 493 ]

ينهض بهم قبل قدومنا فلم يهيأ ذلك له فكان المختار يقول إن نفيرا منكم ارتابوا وتخيروا وخابوا فإن هم أصابوا أقبلوا وأنابوا وإن هم كبوا وهابوا واعترضوا وانجابوا فقد ثبروا وخابوا فلم يكن إلا شهرا وزيادة شئ حتى أقبل القوم على رواحلهم حتى دخلوا على المختار قبل دخولهم إلى رحالهم فقال لهم ما وراءكم فقد فتنتم وارتبتم فقالوا له قد أمرنا بنصرتك فقال الله أكبر أنا أبو إسحق اجمعوا إلى الشيعة فجمع له منهم من كان منه قريبا فقال يا معشر الشيعة إن نفرا منكم أحبوا أن يعلموا مصداق ما جئت به فرحلوا إلى إمام الهدى والنجيب المرتضى ابن خير من طشى ومشى حاشا النبي المجتبى فسألوه عما قدمت به عليكم فنبأهم أنى وزيره وظهيره ورسوله وخليله وأمركم باتباعى وطاعتي فيما دعوتكم إليه من قتال المحلين والطلب بدماء أهل بيت نبيكم المصطفين فقام عبد الرحمن بن شريح فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد يا معشر الشيعة فانا قد كنا أحببنا أن نستثبت لانفسنا خاصة ولجميع إخواننا عامة فقدمنا على المهدى بن على فسألناه عن حربنا هذه وعن ما دعانا إليه المختار منها فأمرنا بمظاهرته وموازرته وإجابته إلى ما دعانا إليه فأقبلنا طيبة أنفسنا منشرحة صدورنا قد أذهب الله منها الشك والغل والريب واستقامت لنا بصيرتنا في قتال عدونا فليبلغ ذلك شاهدكم غائبكم واستعدوا وتأهبوا ثم جلس وقمنا رجلا فرجلا فتكلمنا بنحو من كلامه فاستجمعت له الشيعة وحدبت عليه (قال أبو مخنف) فحدثني نمير بن وعلة والمشرقي عن عامر الشعبى قال كنت أنا وأبى أول من أجاب المختار قال فلما تهيأ أمره ودنا خروجه قال له أحمر بن شميط ويزيد بن أنس وعبد الله بن كامل وعبد الله بن شداد إن أشراف أهل الكوفة مجتمعون على قتالك مع ابن مطيع فان جامعنا على أمرنا ابراهيم بن الاشتر رجونا بإذن الله القوة على عدونا وأن لا يضرنا خلاف من خالفنا فانه فتى بئيس وابن رجل شريف بعيد الصيت وله عشيرة ذات عز وعدد قال لهم المختار فالقوه فادعوه وأعلموه الذى أمرنا به من الطلب بدم الحسين وأهل بيته قال الشعبى فخرجوا إليه وأنا فيهم وأبى فتكلم يزيد بن أنس فقال له إنا قد أتيناك في أمر

[ 494 ]

نعرضه عليك وندعوك إليه فان قبلته كان خيرا لك وان تركته فقد أدينا اليك فيه النصيحة ونحن نحب أن يكون عندك مستورا فقال لهم ابراهيم بن الاشتر وان مثلى لا تخاف غائلته ولا سعايته ولا التقرب إلى سلطانه باغتياب الناس انما أولئك الصغار الاخطار الدقاق همما فقال له انما ندعوك إلى أمر قد أجمع عليه رأى الملا من الشيعة إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه والطلب بدماء أهل البيت وقتال المحلين والدفع عن الضعفاء قال تكلم أحمر بن شميط فقال له انى لك ناصح ولحظك محب وان أباك قد هلك وهو سيد وفيك منه ان رعيت حق الله خلف قد دعوناك إلى أمر إن أجبتنا إليه عادت لك منزلة أبيك في الناس وأحييت من ذلك أمرا قد مات انما يكفى مثلك اليسير حتى تبلغ الغاية التى لا مذهب وراءها انه قد بنى لك أو لك فتحرى وأقبل القوم كلهم عليه يدعونه إلى أمرهم ويرغبونه فيه فقال لهم ابراهيم بن الاشتر فانى قد أجبتكم إلى ما دعوتموني إليه من الطلب بدم الحسين وأهل بيته على أن تولوني الامر فقالوا أنت لذلك أهل ولكن ليس إلى ذلك سبيل هذا المختار قد جاءنا من قبل المهدى وهو الرسول والمأمور بالقتال وقد أمرنا بطاعته فسكت عنهم ابن الاشتر ولم يجبهم فانصرفنا من عنده إلى المختار فأخبرناه بما رد علينا قال فغبر ثلاثا ثم ان المختار دعا بضعة عشر رجلا من وجوه أصحابه قال الشعبى أنا وأبى فيهم قال فسار بنا ومضى أمامنا يقد بنا بيوت الكوفة قدا لا ندرى أين يريد حتى وقف على باب ابراهيم بن الاشتر فاستأذنا عليه فأذن لنا وألقيت لنا وسائد فجلسنا عليها وجلس المختار معه على فراشه فقال المختار الحمد لله وأشهد أن لا اله الا الله وصلى الله على محمد والسلام عليه أما بعد فان هذا كتاب اليك من المهدى محمد ابن أمير المؤمنين الوصي وهو خير أهل الارض اليوم وابن خير أهل الارض كلها قبل اليوم بعد أنبياء الله ورسله وهو يسألك أن تنصرنا وتوازرنا فان فعلت اغتبطت وان لم تفعل فهذا الكتاب حجة عليك وسيغنى الله المهدى محمدا وأولياءه عنك قال الشعبى وكان المختار قد دفع الكتاب إلى حين خرج من منزله فلما قضى كلامه قال لى

[ 495 ]

ادفع الكتاب إليه فدفعته إليه فدعا بالمصباح وفض خاتمه وقرأه فإذا هو بسم الله الرحمن الرحيم من محمد المهدى إلى ابراهيم بن مالك الاشتر سلام عليك فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو أما بعد فإنى قد بعثت إليكم بوزيرى وأميني ونجيبي الذى ارتضيته لنفسي وقد أمرته بقتال عدوى والطلب بدماء أهل بيتى فانهض معك بنفسك وعشيرتك ومن أطاعك فإنك ان نصرتني وأجبت دعوتي وساعدت وزيرى كانت لك عندي بذلك فضيلة ولك بذلك أعنة الخيل وكل جيش غاز وكل مصر ومنبر وثغر ظهرت عليه فيما بين الكوفة وأقصى بلاد أهل الشأم على الوفاء بذلك على عهد الله فإن فعلت ذلك نلت به عند الله أفضل الكرامة وإن أبيت هلكت هلاكا لا تستقيله أبدا والسلام عليك فلما قضى ابراهيم قراءة الكتاب قال قد كتب إلى ابن الحنفية وقد كتبت إليه قبل اليوم فما كان يكتب إلى إلا باسمه واسم أبيه قال له المختار إن ذلك زمان وهذا زمان قال ابراهيم فمن يعلم أن هذا كتاب ابن الحنفية إلى فقال له يزيد بن أنس وأحمر بن شميط وعبد الله بن كامل وجماعتهم قال الشعبى إلا أنا وأبى فقالوا نشهد أن هذا كتاب محمد بن على إليك فتأخر ابراهيم عند ذلك عن صدر الفراش فأجلس المختار عليه فقال أبسط يدك أبايعك فبسط المختار يده فبايعه ابراهيم ودعا لنا بفاكهة فأصبنا منها ودعا لنا بشراب من عسل فشربنا ثم نهضنا وخرج معنا ابن الاشتر فركب مع المختار حتى دخل رحله فلما رجع ابراهيم منصرفا أخذ بيدى فقال انصرف بنا يا شعبى قال فانصرفت معه ومضى بى حتى دخل بى رحله فقال يا شعبى إنى قد حفظت انك لم تشهد أنت ولا أبوك أفترى هؤلاء شهدوا على حق قال قلت له قد شهدوا على ما رأيت وهم سادة القراء ومشيخة المصر وفرسان العرب ولا أرى مثل هؤلاء يقولون إلا حقا قال فقلت له هذه المقالة وأنا والله لهم على شهادتهم متهم غير أنى يعجبنى الخروج وأنا أرى رأى القوم وأحب تمام ذلك الامر فلم أطلعه على ما في نفسي من ذلك فقال لى ابن الاشتر اكتب لى أسماءهم فانى ليس كلهم أعرف ودعا بصحيفة ودواة وكتب فيها بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما شهد عليه السائب

[ 496 ]

ابن مالك الاشعري ويزيد بن أنس الاسدي وأحمر بن شميط الاحمسي ومالك ابن عمرو النهدي حتى أتى على أسماء القوم ثم كتب شهدوا أن محمد بن على كتب إلى ابراهيم بن الاشتر يأمره بموازرة المختار ومظاهرته على قتال المحلين والطلب بدماء أهل البيت وشهد على هؤلاء النفر الذين شهدوا على هذه الشهادة شراحيل ابن عبد وهو أبو عامر الشعبى الفقيه وعبد الرحمن بن عبد الله النخعي وعامر بن شراحيل الشعبى فقلت له ما تصنع بهذا رحمك الله فقال دعه يكون قال ودعا ابراهيم عشريته وإخوانه ومن أطاعه وأقبل يختلف إلى المختار (قال هشام بن محمد) قال أبو مخنف حدثنى يحيى بن أبى عيسى الازدي قال كان حميد بن مسلم الاسدي صديقا لابراهيم بن الاشتر وكان يختلف إليه ويذهب به معه وكان ابراهيم يروح في كل عشية عند المساء فيأتى المختار فيمكث عنده حتى تصوب النجوم ثم ينصرف فمكثوا بذلك يدبرون أمورهم حتى اجتمع رأيهم على أن يخرجوا ليلة الخميس لاربع عشرة من ربيع الاول سنة 66 ووطن على ذلك شيعتهم ومن أجابهم * فلما كان عند غروب الشمس قام ابراهيم بن الاشتر فأذن ثم إنه استقدم فصلى بنا المغرب ثم خرج بنا بعد المغرب حين قلت أخوك أو الذئب وهو يريد المختار فأقبلنا علينا السلاح وقد أتى إياس بن مضارب عبد الله بن مطيع فقال إن المختار خارج عليك إحدى الليلتين قال فخرج إياس في الشرط فبعث ابنه راشدا إلى الكناسة وأقبل يسير حول السوق في الشرط ثم إن إياس بن مضارب دخل على ابن مطيع فقال له انى قد بعثت ابني إلى الكناسة فلو بعثت في كل جبانة بالكوفة عظيمة رجلا من أصحابك في جماعة من أهل الطاعة هاب المريب الخروج عليك قال فبعث ابن مطيع عبد الرحمن بن سعيد بن قيس إلى جبانة السبيع وقال اكفني قومك لا أوتين من قبلك واحكم أمر الجبانة التى وجهتك إليها لا يحدثن بها حدث فأولئك العجز والوهن وبعث كعب بن أبى كعب الخثعمي إلى جبانة بشر وبعث زحر بن قيس إلى جبانة كندة وبعث شمر بن ذى الحوشن إلى جبانة سالم وبعث عبد الرحمن بن مخنف بن سليم إلى جبانة الصائديين وبعث

[ 497 ]

يزيد بن الحارث بن رؤيم أبا حوشب إلى جبانة مراد وأوصى كل رجل أن يكفيه قومه وأن لا يؤتى من قبله وأن يحكم الوجه الذى وجهه فيه وبعث شبث ابن ربعى إلى السبخة وقال إذا سمعت صوت القوم فوجه نحوهم فكان هؤلاء قد خرجوا يوم الاثنين فنزلوا هذه الجبابين وخرج إبراهيم بن الاشتر من رحله بعد المغرب يريد إتيان المختار وقد بلغه أن الجبابين قد حشيت رجالا وأن الشرط قد أحاطت بالسوق والقصر (قال أبو مخنف) فحدثني يحيى بن أبى عيسى عن حميد بن مسلم قال خرجت مع إبراهيم من منزله بعد المغرب ليلة الثلاثاء حتى مررنا بدار عمر بن حريث ونحن مع ابن الاشتر كتيبة نحو من مائة علينا الدروع قد كفرنا عليها بالاقبية ونحن متقلدو السيوف ليس معنا سلاح إلا السيوف في عواتقنا والدروع قد سترناها بأقبيتنا فلما مررنا بدار سعيد بن قيس فجزناها إلى دار أسامة قلنا مر بنا على دار خالد بن عرفطة ثم امض بنا إلى بجيلة فلنمر في دورهم حتى نخرج إلى دار المختار وكان إبراهيم فتى حدثا شجاعا فكان لا يكره أن يلقاهم فقال والله لامرن على دار عمرو بن حريث إلى جانب القصر وسط السوق ولارعبن به عدونا ولارينهم هوانهم علينا قال فأخذنا على باب الفيل على دار هبار ثم أخذ ذات اليمين على دار عمرو بن حريث حتى إذا جاوزها ألفينا إياس بن مضارب في الشرط مظهرين السلاح فقال لنا من أنتم ما أنتم فقال له إبراهيم أنا إبراهيم بن الاشتر فقال له ابن مضارب ما هذا الجمع معك وما تريد والله إن أمرك لمريب وقد بلغني أنك تمر كل عشية ههنا وما أنا بتاركك حتى آتى بك الامير فيرى فيك رأيه فقال إبراهيم لا أبا لغيرك خل سبيلنا فقال كلا والله لا أفعل ومع إياس بن مضارب رجل من همدان يقال له أبو قطن كان يكون مع امرة الشرطة فهم يكرمونه ويؤثرونه وكان لابن الاشتر صديقا فقال له ابن الاشتر يا أبا قطن ادن منى ومع أبى قطن رمح له طويل فدنا منه أبو قطن ومعه الرمح وهو يرى أن ابن الاشتر يطلب إليه أن يشفع له إلى ابن مضارب ليخلى سبيله فقال إبراهيم وتناول الرمح من يده إن رمحك هذا لطويل فحمل به إبراهيم

[ 498 ]

على ابن مضارب فطعنه في ثغرة نحره فصرعه وقال لرجل من قومه انزل فاحتز رأسه فنزل إليه فاحتز رأسه وتفرق أصحابه ورجعوا إلى ابن مطيع فبعث ابن مطيع ابنه راشد بن اياس مكان أبيه على الشرطة وبعث مكان راشد بن اياس إلى الكناسة تلك الليلة سويد بن عبد الرحمن المنقرى أبا القعقاع بن سويد وأقبل ابراهيم بن الاشتر إلى المختار ليلة الاربعاء فدخل عليه فقال له ابراهيم إنا اتعدنا للخروج للقابلة ليلة الخميس وقد حدث أمر لابد من الخروج الليلة قال المختار وما هو قال عرض لى إياس بن مضارب في الطريق ليحبسني بزعمه فقتلته وهذا رأسه مع أصحابي على الباب فقال المختار فبشرك الله بخير فهذا طير صالح وهذا أول الفتح إن شاء الله فقال المختار قم يا سعيد بن منقذ فاشعل في الهرادى النيران ثم ارفعها للمسلمين وقم أنت يا عبد الله بن شداد فناد يا منصور أمت وقم أنت يا سفيان بن ليل وأنت يا قدامة بن مالك فناد يا لثأرات الحسين ثم قال المختار على بدرعى وسلاحي فأتى به فأخذ يلبس سلاحه ويقول: قد علمت بيضاء حسناء الطلل * واضحة الخدين عجزاء الكفل أنى غداة الروع مقدام بطل ثم إن ابراهيم قال للمختار إن هؤلاء الرؤوس الذين وضعهم ابن مطيع في الجبابين يمنعون اخواننا أن يأتونا ويضيقون عليهم فلو أنى خرجت بمن معى من أصحابي حتى آتى قومي فيأتيني كل من قد بايعني من قومي ثم سرت بهم في نواحى الكوفة ودعوت بشعارنا فخرج إلى من أراد الخروج الينا ومن قدر على إتيانك من الناس فمن أتاك حبسته عندك إلى من معك ولم تفرقهم فإن عوجلت فأتيت كان معك من تمتنع به وأنا لو قد فرغت من هذا الامر عجلت اليك في الخيل والرجال قال له إمالا فاعجل وإياك أن تسير إلى أميرهم تقاتله ولا تقاتل أحدا وأنت تستطيع أن لا تقاتل واحفظ ما أوصيتك به إلا أن يبدأك أحد بقتال فخرج ابراهيم بن الاشتر من عنده في الكتيبة التى أقبل فيها حتى أتى قومه واجتمع إليه جل من كان بايعه وأجابه ثم إنه سار بهم في سكك الكوفة طويلا من الليل وهو في ذلك يتجنب

[ 499 ]

السكك التى فيها الامراء فجاء إلى الذين معهم الجماعات الذين وضع ابن مطيع في الجبابين وأفواه الطرق العظام حتى انتهى إلى مسجد السكون وعجلت إليه خيل من خيل زحر بن قيس الجعفي ليس لهم قائد ولا عليهم أمير فشد عليهم ابراهيم ابن الاشتر وأصحابه فكشفوهم حتى دخلوا جبانة كندة فقال ابراهيم من صاحب الخيل في جبانة كندة فشد ابراهيم وأصحابه عليهم وهو يقول اللهم انك تعلم انا غضبنا لاهل بيت نبيك وثرنا لهم فانصرنا عليهم وتمم لنا دعوتنا حتى انتهى إليهم هو وأصحابه فخالطوهم وكشفوهم فقيل له زحر بن قيس فقال انصرفوا بنا عنهم فركب بعضهم بعضا كلما لقيهم زقاق دخل منهم طائفة فانصرفوا يسيرون ثم خرج ابراهيم يسير حتى انتهى إلى جبانة أثير فوقف فيها طويلا ونادى أصحابه بشعارهم فبلغ سويد بن عبد الرحمن المنقرى مكانهم في جبانة أثير فرجا أن يصيبهم فيحظى بذلك عند ابن مطيع فلم يشعر ابن الاشتر الا وهم معه في الجبانة فلما رأى ذلك ابن الاشتر قال لاصحابه يا شرطة الله انزلوا فإنكم أولى بالنصر من الله من هؤلاء الفساق الذين خاضوا دماء أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلوا ثم شد عليهم ابراهيم فضربهم حتى أخرجهم من الصحراء وولوا منهزمين يركب بعضهم بعضا وهم يتلاومون فقال قائل منهم إن هذا الامر يراد ما يلقون لنا جماعة إلا هزموهم فلم يزل يهزمهم حتى أدخلهم الكناسة وقال أصحاب ابراهيم لابراهيم اتبعهم واغتنم ما قد دخلهم من الرعب فقد علم الله إلى من ندعو وما نطلب وإلى من يدعون وما يطلبون قال لا ولكن سيروا بنا إلى صاحبنا حتى يؤمن الله بنا وحشته ونكون من أمره على علم ويعلم هو أيضا ما كان من عنائنا فيزداد هو وأصحابه قوة وبصيرة إلى قواهم بصيرتهم مع أنى لا آمن أن يكون قد أتى فأقبل إبراهيم في أصحابه حتى مر بمسجد الاشعث فوقف به ساعة ثم مضى حتى أتى دار المختار فوجد الاصوات عالية والقوم يقتتلون وقد جاء شبث بن ربعى من قبل السبخة فعبى له المختار يزيد بن أنس وجاء حجار بن أبجر العجلى فجعل المختار في وجهه أحمر بن شميط فالناس يقتتلون وجاء إبراهيم من قبل القصر فبلغ حجارا وأصحابه أن

[ 500 ]

إبراهيم قد جاءهم من ورائهم فتفرقوا قبل أن يأتيهم إبراهيم وذهبوا في الازقة والسكك وجاء قيس بن طهفة في قريب من مائة رجل من بنى نهد من أصحاب المختار فحمل على شبث بن ربعى وهو يقاتل يزيد بن أنس فخلى لهم الطريق حتى اجتمعوا جميعا ثم إن شبث ابن ربعى ترك لهم السكة وأقبل حتى لقى ابن مطيع فقال ابعث إلى أمراء الجبابين فمرهم فليأتوك فاجمع اليك جميع الناس ثم انهد إلى هؤلاء القوم فقاتلهم وابعث إليهم من تثق به فليكفك قتالهم فإن أمر القوم قد قوى وقد خرج المختار وظهر واجتمع له أمره فلما بلغ ذلك المختار من مشورة شبث بن ربعى على ابن مطيع خرج المختار في جماعة من أصحابه حتى نزل في ظهر دير هند مما يلى بستان زائدة في السبخة قال وخرج أبو عثمان النهدي فنادى في شاكر وهم مجتمعون في دورهم يخافون أن يظهروا في الميدان لقرب كعب بن أبى كعب الخثعمي منهم وكان كعب في جبانة بشر فلما بلغه أن شاكر يخرج جاء يسير حتى نزل بالميدان وأخذ عليهم بأفواه سككهم وطرقهم قال فلما أتاهم أبو عثمان النهدي في عصابة من أصحابه نادى يا لثأرات الحسين يا منصور أمت يا أيها الحى المهتدون ألا إن أمير آل محمد ووزيرهم قد خرج فنزل دير هند وبعثنى اليكم داعيا ومبشرا فاخرجوا إليه رحمكم الله قال فخرجوا من الدور يتداعون يا لثأرات الحسين ثم ضاربوا كعب بن أبى كعب حتى خلى لهم الطريق فأقبلوا إلى المختار حتى نزلوا معه في عسكره وخرج عبد الله بن قراد الخثعمي في جماعة من خثعم نحو المائتين حتى لحق بالمختار فنزلوا معه في عسكره وقد كان عرض له كعب بن أبى كعب فصافه فلما عرفهم ورأى أنهم قومه خلى عنهم ولم يقاتلهم وخرجت شبام من آخر ليلتهم فاجتمعوا إلى جبانة مراد فلما بلغ ذلك عبد الرحمن ابن سعيد بن قيس بعث إليهم إن كنتم تريدون اللحاق بالمختار فلا تمروا على جبانة السبيع فلحقوا بالمختار فتوافى إلى المختار ثلاثة آلاف وثمانمائة من اثنى عشر ألفا كانوا بايعوه فاستجمعوا له قبل انفجار الفجر فأصبح قد فرغ من تعبيته (قال أبو مخنف) فحدثني الوالبى قال خرجت أنا وحميد بن مسلم والنعمان بن أبى الجعد إلى المختار ليلة خرج فأتيناه في داره وخرجنا معه إلى معسكره قال فوالله ما انفجر

[ 501 ]

الفجر حتى فرغ من تعبيته فلما أصبح استقدم فصلى بنا الغداة بغلس ثم قرأ والنازعات وعبس وتولى قال فما سمعنا إماما أم قوما أفصح لهجة منه (قال أبو مخنف) حدثنى حصيرة بن عبد الله أن ابن مطيع بعث إلى أهل الجبابين فأمرهم أن ينضموا إلى المسجد وقال لراشد بن إياس بن مضارب ناد في الناس فليأتوا المسجد فنادى المنادى ألا برئت الذمة من رجل لم يحضر المسجد الليلة فتوافى الناس في المسجد فلما اجتمعوا بعث ابن مطيع شبث بن ربعى في نحو من ثلاثة آلاف إلى المختار وبعث راشد بن إياس في أربعة آلاف من الشرط (قال أبو مخنف) فحدثني أبو الصلت التيمى عن أبى سعيد الصيقل قال لما صلى المختار الغداة ثم انصرف سمعنا أصواتا مرتفعة فيما بين بنى سليم وسكة البريد فقال المختار من يعلم لنا علم هؤلاء ما هم فقلت له أنا أصلحك الله فقال المختار إمالا فألق سلاحك وانطلق حتى تدخل فيهم كأنك نظار ثم تأتيني بخبرهم قال ففعلت فلما دنوت منهم إذا مؤذنهم يقيم فجئت حتى دنوت منهم فإذا شبث بن ربعى معه خيل عظيمة وعلى خيله شيبان بن حريث الضبى وهو في الرجالة معه منهم كثرة فلما أقام مؤذنهم تقدم فصلى بأصحابه فقرأ إذا زلزلت الارض زلزالها فقلت في نفسي أما والله إنى لارجو أن يزلزل الله بكم وقرأ والعاديات ضبحا فقال أناس من أصحابه لو كنت قرأت سورتين هما أطول من هاتين شيئا فقال شبث ترون الديلم قد نزلت بساحتكم وأنتم تقولون لو قرأت سورة البقرة وآل عمران قال وكانوا ثلاثة آلاف قال فأقبلت سريعا حتى أتيت المختار فأخبرته بخبر شبث وأصحابه وأتاه معى ساعة أتيته سعر بن أبى سعر الحنفي يركض من قبل مراد وكان ممن بايع المختار فلم يقدر على الخروج معه ليلة خرج مخافة الحرس فلما أصبح أقبل على فرسه فمر بجبانة مراد وفيها راشد بن إياس فقالوا كما أنت ومن أنت فراكضهم حتى جاء المختار فأخبره خبر راشد وأخبرته أنا خبر شبث قال فسرح إبراهيم بن الاشتر قبل راشد بن إياس في تسعمائة ويقال ستمائة فارس وستمائة راجل وبعث نعيم بن هبيرة أخا مصقلة بن هبيرة في ثلثمائة فارس وستمائة راجل وقال لهما امضيا حتى تلقيا عدوكما فإذا لقيتماهم فانزلا في الرجال وعجلا الفراغ

[ 502 ]

وابدآهم بالاقدام ولا تستهدفا لهم فإنهم أكثر منكم ولا ترجعا إلى حتى تظهرا أو تقتلا فتوجه إبراهيم إلى راشد وقدم المختار يزيد بن أنس في موضع مسجد شبث في تسعمائة أمامه وتوجه نعيم بن هبيرة قبل شبث (قال أبو مخنف) قال أبو سعيد الصيقل كن‍ ت أنا فيمن توجه مع نعيم بن هبيرة إلى شبث ومعى سعر بن أبى سعر الحنفي فلما انتهينا إليه قاتلناه قتالا شديدا فجعل نعيم بن هبيرة سعر بن أبى سعر الحنفي على الخيل ومشى هو في الرجال فقاتلهم حتى أشرقت الشمس وانبسطت فضربناهم حتى أدخلناهم البيوت ثم إن شبث بن ربعى ناداهم يا حماة السوء بئس فرسان الحقائق أنتم أمن عبيدكم تهربون قال فثابت إليه منهم جماعة فشد علينا وقد تفرقنا فهزمنا وصبر نعيم بن هبيرة فقتل ونزل معه سعر فأسر وأسرت أنا وخليد مولى حسان بن يخدج فقال شبث لخليد وكان وسيما جسيما من أنت فقال خليد مولى حسان بن يخدج الذهلى فقال له شبث يا ابن المتكاء تركت بيع الصحناة بالكناسة وكان جزاء من أعتقك أن تعدو عليه بسيفك تضرب رقابه اضربوا عنقه فقتل ورأى سعرا الحنفي فعرفه فقال أخو بنى حنيفة فقال له نعم فقال ويحك ما أردت إلى اتباع هذه السباية قبح الله رأيك دعوا ذا فقلت في نفسي قتل المولى وترك العربي إن علم والله إنى مولى قتلني فلما عرضت عليه قال من أنت فقلت من بنى تيم الله قال أعرابي أنت أو مولى فقلت لا بل عربي أنا من آل زياد بن خصفة فقال بخ بخ ذكرت الشريف المعروف الحق بأهلك قال فأقبلت حتى انتهيت إلى الحمراء وكانت لى في قتال القوم بصيرة فجئت حتى انتهيت إلى المختار وقلت في نفسي والله لآتين أصحابي فلاواسينهم بنفسى فقبح الله العيش بعدهم قال فأتيتهم وقد سبقني إليهم سعر الحنفي وأقبلت إليه خيل شبث وجاءه قتل نعيم بن هبيرة فدخل من ذلك أصحاب المختار أمر كبير قال فدنوت من المختار فأخبرته بالذى كان من أمرى فقال لى اسكت فليس هذا بمكان الحديث وجاء شبث حتى أحاط بالمختار وبيزيد بن أنس وبعث ابن مطيع يزيد بن الحارث بن رؤيم في ألفين من قبل سكة لحام جرير فوقفوا في أفواه تلك السكك وولى المختار يزيد بن أنس خيله وخرج

[ 503 ]

هو في الرجالة (قال أبو مخنف) فحدثني الحارث بن كعب الوالبى والبة الازد قال حملت علينا خيل شبث بن ربعى حملتين فما يزول منا رجل من مكانه فقال يزيد بن أنس لنا يا معشر الشيعة قد كنتم تقتلون وتقطع أيديكم وأرجلكم وتسمل أعينكم وترفعون على جذوع النخل في حب أهل بيت نبيكم وأنتم مقيمون في بيوتكم وطاعة عدوكم فما ظنكم بهؤلاء القوم إن ظهروا عليكم اليوم إذا والله لا يدعون منكم عينا تطرف وليقتلنكم صبرا ولترون منهم في أولادكم وأزواجكم وأموالكم ما الموت خير منه والله لا ينجيكم منه إلا الصدق والصبر والطعن الصائب في أعينهم والضرب الدراك على هامهم فتيسروا للشدة وتهيأوا للحملة فإذا حركت رايتى مرتين فاحملوا قال الحارث فتهيأنا وتيسرنا وجثونا على الركب وانتظرنا أمره (قال أبو مخنف) وحدثني فضيل بن خديج الكندى أن إبراهيم بن الاشتر كان حين توجه إلى راشد بن إياس مضى حتى لقيه في مراد فإذا معه أربعة آلاف فقال إبراهيم لاصحابه لا يهولنكم كثرة هؤلاء فوالله لرب رجل خير من عشرة ولرب فئة قليلة قد غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ثم قال يا خزيمة بن نصر سر إليهم في الخيل ونزل هو يمشى في الرجال ورايته مع مزاحم بن طفيل فأخذ إبراهيم يقول له ازدلف برايتك امض بها قدما قدما واقتتل الناس فاشتد قتالهم وبصر خزيمة بن نصر العبسى براشد بن إياس فحمل عليه فطعنه فقتله ثم نادى قتلت راشدا ورب الكعبة وانهزم أصحاب راشد وأقبل إبراهيم بن الاشتر وخزيمة بن نصر ومن كان معهم بعد قتل راشد نحو المختار وبعث النعمان بن أبى الجعد يبشر المختار بالفتح عليه وبقتل راشد فلما أن جاءهم البشير بذلك كبروا واشتدت أنفسهم ودخل أصحاب ابن مطيع الفشل وسرح ابن مطيع حسان بن قائد بن بكير العبسى ؟ ؟ جيش كثيف نحو من ألفين فاعترض إبراهيم بن الاشتر فويق الحمراء ليرده عن من في السبخة من أصحاب ابن مطيع فقدم إبراهيم خزيمة بن نصر إلى حسان بن فائد في الخيل ومشى إبراهيم نحوه في الرجال فقال والله ما اطعنا برمح ولا اضطربنا بسيف حتى انهزموا وتخلف حسان بن فائد في أخريات الناس يحميهم وحمل

[ 504 ]

عليه خزيمة بن نصر فلما رآه عرفه فقال له يا حسان بن فائد أما والله لولا القرابة لعرفت أنى سألتمس قتلك بحهدى ولكن النجاء فعثر بحسان فرسه فوقع فقال تعسا لك أبا عبد الله وابتدره الناس فأحاطوا به فضاربهم ساعة بسيفه فناداه خزيمة ابن نصر قال إنك آمن يا أبا عبد الله لا تقتل نفسك وجاء حتى وقف عليه ونهنه الناس عنه ومر به إبراهيم فقال له خزيمة هذا ابن عمى وقد آمنته فقال له إبراهيم أحسنت فأمر خزيمة بطلب فرسه حتى أتى به فحمله عليه وقال الحق بأهلك قال وأقبل إيراهيم نحو المختار وشبث محيط بالمختار ويزيد بن أنس فلما رآه يزيد بن الحارث وهو على أفواه سكك الكوفة التى تلى السبخة وإبراهيم مقبل نحو شبث أقبل نحوه ليصده عن شبث وأصحابه فبعث إبراهيم طائفة من أصحابه مع خزيمة بن نصر فقال اغن عنا يزيد بن الحارث وصمد هو في بقية أصحابه نحو شبث بن ربعى (قال أبو مخنف) فحدثني الحارث بن كعب أن ابراهيم لما أقبل نحونا رأينا شبثا وأصحابه ينكصون وراءهم رويدا رويدا فلما دنا ابراهيم من شبث وأصحابه حمل عليهم وأمرنا يزيد بن أنس بالحملة عليهم فحملنا عليهم فانكشفوا حتى انتهوا إلى أبيات الكوفة وحمل خزيمة بن نصر على يزيد بن الحارث بن رؤيم فهزمه وازدحموا على أفواه السكك وقد كان يزيد بن الحارث وضع رامية على أفواه السكك فوق البيوت وأقبل المختار في جماعة الناس إلى يزيد بن الحارث فلما ؟ انتهى أصحاب المختار إلى أفواه السكك رمته تلك الرامية بالنبل فصدوهم عن دخول الكوفة من ذلك الوجه ورجع الناس من السبخة منهزمين إلى ابن مطيع وجاءه قتل راشد بن إياس فأسقط في يده (قال أبو مخنف) فحدثني يحيى بن هانئ قال قال عمرو بن الحجاج الزبيدى لابن مطيع أيها الرجل لا يسقط في خلدك ولا تلق بيدك اخرج إلى الناس فاندبهم إلى عدوك فاغزهم فان الناس كثير عددهم وركلهم معك إلا هذه الطاغية التى خرجت على الناس والله مخزيها ومهلكها وأنا أول منتدب فاندب معى طائفة ومع غيرى طائفة قال فخرج ابن مطيع فقام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إن من أعجب العجب عجزكم عن عصبة منكم

[ 505 ]

قليل عددها خبيث دينها ضالة مضلة اخرجوا إليهم فامنعوا منهم حريمكم وقاتلوهم عن مصركم وامنعوا منهم فيئكم وإلا والله ليشاركنكم في فيئكم من لا حق له فيه والله لقد بلغني أن فيهم خمسمائة رجل من محرريكم عليهم أمير منهم وإنما ذهاب عزكم وسلطانكم وتغير دينكم حين يكثرون ثم نزل قال ومنعهم يزيد بن الحارث أن يدخلوا الكوفة قال ومضى المختار من السبخة حتى ظهر على الجبانة ثم ارتفع إلى البيوت بيوت مزينة وأحمس وبارق فنزل عند مسجدهم وبيوتهم وبيوتهم شاذة منفردة من بيوت أهل الكوفة فاستقبلوه بالماء فسقى أصحابه وأبى المختار أن يشرب قال فظن أصحابه أنه صائم وقال أحمر بن هديج من همدان لابن كامل أترى الامير صائما فقال له نعم هو صائم فقال له فلو أنه كان في هذا اليوم مفطرا كان أقوى له فقال له إنه معصوم وهو أعلم بما يصنع فقال له صدقت أستغفر الله وقال المختار نعم مكان المقاتل هذا فقال له إبراهيم بن الاشتر قد هزمهم الله وفلهم وأدخل الرعب قلوبهم وتنزل ههنا سربنا فوالله ما دون القصر أحد يمنع ولا يمتنع كبير امتناع فقال المختار ليقم ههنا كل شيخ ضعيف وذى علة وضعوا ما كان لكم من ثقل ومتاع بهذا الموضع حتى تسيروا إلى عدونا ففعلوا فاستخلف المختار عليهم أبا عثمان النهدي وقدم إبراهيم بن الاشتر أمامه وعبى أصحابه على الحال التى كانوا عليها في السبخة قال وبعث عبد الله بن مطيع عمرو بن الحجاج في ألفى رجل فخرج عليهم من سكة الثوريين فبعث المختار إلى إبراهيم أن اطوه ولا تقم عليه فطواه إبراهيم ودعا المختار يزيد بن أنس فأمره أن يصمد لعمرو بن الحجاج فمضى نحوه وذهب المختار في أثر إبراهيم فمضوا جميعا حتى إذا انتهى المختار إلى موضع مصلى خالد بن عبد الله وقف وأمر إبراهيم أن يمضى على وجهه حتى يدخل الكوفة من قبل الكناسة فمضى فخرج إليه من سكة ابن محرز وأقبل شمر بن ذى الجوشن في ألفين فسرح المختار إليه سعيد بن منقذ الهمداني فواقعه وبعث إلى ابراهيم أن اطوه وامض على وجهك فمضى حتى انتهى إلى سكة شبث وإذا نوفل بن مساحق ابن عبد الله بن مخرمة في نحو من ألفين أو قال خمسة آلاف وهو الصحيح وقد أمر ابن مطيع سويد بن عبد الرحمن فنادى في الناس أن الحقوا بابن مساحق قال واستخلف

[ 506 ]

شبث بن ربعى على القصر وخرج ابن مطيع حتى وقف بالكناسة (قال أبو مخنف) حدثنى حصيرة بن عبد الله قال إنى لانظر إلى ابن الاشتر حين أقبل في أصحابه حتى إذا دنا منهم قال لهم انزلوا فنزلوا فقال قربوا خيولكم بعضها إلى بعض ثم امشوا إليهم مصلتين بالسيوف ولا يهولنكم أن يقال جاءكم شبث بن ربعى وآل عتيبة بن النهاس وآل الاشعت وآل فلان وآل يزيد بن الحارث قال فسمى بيوتات من بيوتات أهل الكوفة ثم قال إن هؤلاء لو قد وجدوا لهم حر السيوف قد انصفقوا عن ابن مطيع انصفاق المعزى عن الذئب قال حصيرة فإنى لانظر إليه وإلى أصحابه حين قربوا خيولهم وحين أخذ ابن الاشتر أسفل قبائه فرفعه فأدخله في منطقة له حمراء من حواشى البرود وقد شد بها على القباء وقد كفر بالقباء على الدرع ثم قال لاصحابه شدوا عليهم فدى لكم عمى وخالى قال فوالله ما لبثهم أن هزمهم فركب بعضهم بعضا على فم السكة وازدحموا وانتهى ابن الاشتر إلى ابن مساحق فأخذ بلجام دابته ورفع السيف عليه فقال له ابن مساحق يا ابن الاشتر أنشدك الله أتطلبني بثأر هل بينى وبينك من إحنة فخلى ابن الاشتر سبيله وقال له اذكرها فكان بعد ذلك ابن مساحق يذكرها لابن الاشتر وأقبلوا يسيرون حتى دخلوا الكناسة ثم أثار القوم حتى دخلوا السوق والمسجد وحصروا ابن مطيع ثلاثا (قال أبو مخنف) وحدثني النضر بن صالح أن ابن مطيع مكث ثلاثا يرزق أصحابه في القصر حيث حصر الدقيق ومعه أشراف الناس إلا ما كان من عمرو بن حريث فإنه أتى داره ولم يلزم نفسه الحصار ثم خرج حتى نزل البر وجاء المختار حتى نزل جانب السوق وولى حصار القصر ابراهيم بن الاشتر ويزيد بن أنس وأحمر بن شميط فكان ابن الاشتر مما يلى المسجد وباب القصر ويزيد بن أنس مما يلى بنى حذيفة وسكة دار الروميين وأحمر بن شميط مما يلى دار عمارة ودار أبى موسى فلما اشتد الحصار على ابن مطيع وأصحابه كلمه الاشراف فقام إليه شبث فقال أصلح الله الامير انظر لن فسك ولمن معك فوالله ما عندهم غناء عنك ولا عن أنفسهم قال ابن مطيع هاتوا أشيروا على برأيكم قال شبث الرأى أن تأخذ لنفسك من هذا الرجل أمانا ولنا وتخرج ولا تهلك نفسك ومن معك قال ابن مطيع

[ 507 ]

والله إنى لاكره أن آخذ منه أمانا والامور مستقيمة لامير المؤمنين بالحجاز كله وبأرض البصرة قال فتخرج لا يشعر بك أحد حتى تنزل منزلا بالكوفة عند من تستنصحه وتثق به ولا يعلم بمكانك حتى تخرج فتلحق بصاحبك فقال لاسماء بن خارجة وعبد الرحمن بن مخنف وعبد الرحمن بن سعيد بن قيس وأشراف أهل الكوفة ما ترون في هذا الرأى الذى أشار به على شبث فقالوا ما نرى الرأى إلا ما أشار به عليك قال فرويدا حتى أمسى (قال أبو مخنف) فحدثني أبو المغلس الليثى أن عبد الله بن عبد الله الليثى أشرف على أصحاب المختار من القصر من العشى يشتمهم وينتحى له مالك بن عمر وأبو نمر النهدي بسهم فيمر بحلقه فقطع جلدة من حلقه فمال فوقع قال ثم إنه قام وبرأ بعد وقال النهدي حين أصابه خذها من مالك من فاعل كذا (قال أبو مخنف) وحدثني النضر بن صالح عن حسان بن فائد بن بكير قال لما أمسينا في القصر في اليوم الثالث دعانا ابن مطيع فذكر الله بما هو أصله وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم وقال أما بعد فقد علمت الذين صنعوا هذا منكم من هم وقد علمت أنما هم أراذلكم وسفهاؤكم وطغامكم وأخساؤكم ما عدا الرجل أو الرجلين وإن أشرافكم وأهل الفضل منكم لم يزالوا سامعين مطيعين مناصحين وأنا مبلغ ذلك صاحبي ومعلمه طاعتكم وجهادكم عدوه حتى كان الله الغالب على أمره وقد كان من رأيكم وما أشرتم به على ما قد علمتم وقد رأيت أن أخرج الساعة فقال له شبث جزاك الله من أمير خيرا فقد والله عففت عن أموالنا وأكرمت أشرافنا ونصحت لصاحبك وقضيت الذى عليك والله ما كنا لنفارقك أبدا إلا ونحن منك في إذن فقال جزاكم الله خيرا أخذ امرؤ حيث أحب ثم خرج من نحو دروب الروميين حتى أتى دار أبى موسى وخلى القصر وفتح أصحابه الباب فقالوا يا ابن الاشتر آمنون نحن قال أنتم آمنون فخرجوا فبايعوا المختار (قال أبو مخنف) فحدثني موسى ابن عامر العدوى من عدى جهينة وهو أبو الاشعر أن المختار جاء حتى دخل القصر فبات به وأصبح أشراف الناس في المسجد وعلى باب القصر وخرج المختار فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه فقال الحمد لله الذى وعد وليه النصر وعدوه الخسر

[ 508 ]

وجعله فيه إلى آخر الدهر وعدا مفعولا وقضاء مقضيا وقد خاب من افترى أيها الناس إنه رفعت لنا راية ومدت لنا غاية فقيل لنا في الراية أن ارفعوها ولا تضعوها وفى الغاية أن اجروا إليها ولا تعدوها فسمعنا دعوة الداعي ومقالة الواعي فكم من ناع وناعيه لقتلى في الواعية وبعدا لمن طغى وأدبر وعصى وكذب وتولى ألا فادخلوا أيها الناس فبايعوا بيعة هدى فلا والذى جعل السماء سقفا مكفوفا والارض فجاجا سبلا ما بايعتم بعد بيعة على بن أبى طالب وآل على أهدى منها ثم نزل فدخل ودخلنا عليه وأشراف الناس فبسط يده وابتدره الناس فبايعوه وجعل يقول تبايعوني على كتاب الله وسنة نبيه والطلب بدماء أهل البيت وجهاد المحلين والدفع عن الضعفاء وقتال من قاتلنا وسلم من سالمنا والوفاء ببيعتنا لا نقيلكم ولا نستقيلكم فإذا قال الرجل نعم بايعه قال فكأني والله أنظر إلى المنذر بن حسان بن ضرار الضبى إذ أتاه حتى سلم عليه بالامرة ثم بايعه وانصرف عنه فلما خرج من القصر استقبل سعيد بن منقذ الثوري في عصابة من الشيعة واقفا عند المصطبة فلما رأوه ومعه ابنه حيان بن المنذر قال رجل من سفائهم هذا والله من رؤوس الجبارين فشدوا عليه وعلى ابنه فقتلوهما فصاح بهم سعيد بن منقذ لا تعجلوا لا تعجلوا حتى ننظر ما رأى أميركم فيه قال وبلغ المختار ذلك فكرهه حتى رؤى ذلك في وجهه وأقبل المختار يمنى الناس ويستجر مودتهم ومودة الاشراف ويحسن السيرة جهده قال وجاءه ابن كامل فقال للمختار أعلمت أن ابن مطيع في دار أبى موسى فلم يجبه بشئ فأعادها عليه ثلاث مرات فلم يجبه ثم أعادها فلم يجبه فظن ابن كامل أن ذلك لا يوافقه وكان ابن مطيع قبل للمختار صديقا فلما أمسى بعث إلى ابن مطيع بمائة ألف درهم فقال له تجهز بهذه واخرج فإنى قد شعرت بمكانك وقد ظننت أنه لم يمنعك من الخروج إلا أنه ليس في يديك ما يقويك على الخروج وأصاب المختار تسعة آلاف ألف في بيت مال الكوفة فأعطى أصحابه الذين قاتل بهم حين حصر ابن مطيع في القصر وهم ثلاثة آلاف وثمانمائة رجل كل رجل خمسمائة درهم خمسمائة درهم وأعطى ستة آلاف من أصحابه أتوه بعد ما أحاط بالقصر فأقاموا معه

[ 509 ]

تلك الليلة وتلك الثلاثة الايام حتى دخل القصر مائتين مائتين واستقبل الناس بخير ومناهم العدل وحسن السيرة وأدنى الاشراف فكانوا جلساءه وحداثه واستعمل على شرطته عبد الله بن كامل الشاكرى وعلى حرسه كيسان أبا عمرة مولى عرينة فقام ذات يوم على رأسه فرأى الاشراف يحدثونه ورآه قد أقبل بوجهه وحديثه عليهم فقال لابي عمرة بعض أصحابه من الموالى أما ترى أبا إسحاق قد أقبل على العرب ما ينظر إلينا فدعاه المختار فقال له ما يقول لك أولئك الذين رأيتهم يكلمونك فقال له وأسر إليه شق عليهم أصلحك الله صرفك وجهك عنهم إلى العرب فقال له قل لهم لا يشقن ذلك عليكم فأنتم منى وأنا منكم ثم سكت طويلا ثم قرأ (إنا من المجرمين منتقمون) قال فحدثني أبو الاشعر موسى بن عامر قال ما هو إلا أن سمعها الموالى منه فقال بعضهم لبعض أبشروا كأنكم والله به قد قتلهم (قال أبو مخنف) حدثنى حصيرة بن عبد الله الازدي وفضيل بن خديج الكندى والنضر بن صالح العبسى قالوا أول رجل عقد له المختار راية عبد الله ابن الحارث أخو الاشتر عقد له على أرمينية وبعث محمد بن عمير بن عطارد على آذربيجان وبعث عبد الرحمن بن سعيد بن قيس على الموصل وبعث إسحاق بن مسعود على المدائن وأرض جوخى وبعث قدامة بن أبى عيسى بن ربيعة النصرى وهو حليف لثقيف على بهقباذ الاعلى وبعث محمد بن كعب بن قرظة على بهقاذ الاوسط وبعث حبيب بن منقذ الثوري على بهقباذ الاسفل وبعث سعد بن حذيفة بن اليمان على حلوان وكان مع سعد بن حذيفة ألفا فارس بحلوان قال ورزقه ألف درهم في كل شهر وأمره بقتال الاكراد وبإقامة الطرق وكتب إلى عماله على الجبال يأمرهم أن يحملوا أموال كورهم إلى سعد ابن حذيفة بحلوان وكان عبد الله بن الزبير قد بعث محمد بن الاشعث بن قيس على الموصل وأمره بمكاتبة ابن مطيع وبالسمع له والطاعة غير أن ابن مطيع لا يقدر على عزله إلا بأمر ابن الزبير وكان قبل ذلك في إمارة عبد الله بن يزيد وإبراهيم ابن محمد منقطعا بإمارة الموصل لا يكاتب أحدا دون ابن الزبير * فلما قدم عليه عبد الرحمن بن سعيد بن قيس من قبل المختار أميرا تنحى له عن الموصل وأقبل

[ 510 ]

حتى نزل تكريت وأقام بها مع أناس من أشراف قومه وغيرهم وهو معتزل ينظر ما يصنع الناس وإلى ما يصير أمرهم ثم شخص إلى المختار فبايع له ودخل فيما دخل فيه أهل بلده (قال أبو مخنف) وحدثني صلة بن زهير النهدي عن مسلم بن عبد الله الضبابى قال لما ظهر المختار واستمكن ونفى ابن مطيع وبعث عماله أقبل يجلس للناس غدوة وعشية فيقضى بين الخصمين ثم قال والله إن لى فيما أزاول وأحاول لشغلا عن القضاء بين الناس قال فأجلس للناس شريحا وقضى بين الناس ثم إنه خافهم فتمارض وكانوا يقولون إنه عثماني وإنه ممن شهد على حجر بن عدى وإنه لم يبلغ عن هانئ بن عروة ما أرسله به وقد كان على بن أبى طالب عزله عن القضاء فلما أن سمع بذلك ورآهم يذمونه ويسندون إليه مثل هذا القول تمارض وجعل المختار مكانه عبد الله بن عتبة بن مسعود ثم إن عبد الله مرض فجعل مكانه عبد الله ابن مالك الطائى قاضيا قال مسلم بن عبد الله وكان عبد الله بن همام سمع أبا عمرة يذكر الشيعة وينال من عثمان بن عفان فقنعه بالسوط فلما ظهر المختار كان معتزلا حتى استأمن له عبد الله بن شداد فجاء إلى المختار ذات يوم فقال ألا انتسأت بالود عنك وأدبرت * معالنة بالهجر أم سريع وحملها واش سعى غير مؤتل * فأبت بهم في الفؤاد جميع فخفض عليك الشأن لا يردك الهوى * فليس انتقال خلة ببديع وفى ليلة المختار ما يذهل الفتى * ويلهيه عن رؤد الشباب شموع دعا يا لثأرات الحسين فأقبلت * كتائب من همدان بعد هزيع ومن مذحج جاء الرئيس ابن مالك * يقود جموعا عبيت بجموع ومن أسد وافى يزيد لنصره * بكل فتى حامى الذمار منيع وجاء نعبم خير شيبان كلها * بأمر لدى الهيجا أحد جميع وما ابن شميط إذ يحرض قومه * هناك بمخذول ولا بمضيع ولا قيس نهد لا ولا ابن هوازن * وكل أخو إخباتة وخشوع وسار أبو النعمان لله سعيه * إلى ابن إياس مصحرا لوقوع

[ 511 ]

بخيل عليها يوم هيجا دروعها * وأخرى حسورا غير ذات دروع فكر الخيول كرة ثقفتهم * وشد بأولاها على ابن مطيع فولى بضرب يشدخ الهام وقعه * وطعن غداة السكتين وجيع فحوصر في دار الامارة بائيا * بذل وارغا له وخضوع فمن وزير ابن الوصي عليهم * وكان لهم في الناس خير شفيع وآب الهدى حقا إلى مستقره * بخير إياب آبه ورجوع إلى الهاشمي المهتدى المهتدى به * فنحن له من سامع ومطيع قال فلما أنشدها المختار قال المختار لاصحابه قد أثنى عليكم كما تسمعون وقد أحسن الثناء عليكم فأحسنوا له الجزاء ثم قام المختار فدخل وقال لاصحابه لا تبرحوا حتى أخرج إليكم قال وقال عبد الله بن شداد الجشمى يا ابن همام إن لك عندي فرسا ومطرفا وقال قيس بن طهفة النهدي وكانت عنده الرباب بنت الاشعث فإن لك عندي فرسا ومطرفا واستحيا أن يعطيه صاحبه شيئا لا يعطى مثله فقال ليزيد بن أنس فما تعطيه فقال يزيد إن كان ثواب الله أراد بقوله فما عند الله خير له وإن كان إنما اعترى بهذا القول أموالنا فوالله ما في أموالنا ما يسعه قد كانت بقيت من عطائي بقية فقويت بها إخوانى فقال أحمر بن شميط مبادرا لهم قبل أن يكلموه يا ابن همام إن كنت أردت بهذا القول جه الله فاطلب ثوابك من الله وإن كنت إنما اعتريت به رضى الناس وطلب أموالهم فاكدم الجندل فوالله من قال قولا لغير الله وفى غير ذات الله بأهل أن ينحل ولا يوصل فقال له عضضت بأير أبيك فرفع يزيد بن أنس السوط وقال لابن شميط تقول هذا القول يا فاسق وقال لابن شميط اضربه السيف فرفع ابن شميط عليه السيف ووثب ووثب أصحابهما يتفلتون على ابن همام وأخذ بيده إبراهيم بن الاشتر فألقاه وراءه وقال أنا له جار لم تأتون إليه ما أرى فوالله إنه لواصل الولاية راض بما نحن عليه حسن الثناء فإن أنتم لم تكافئوه بحسن ثنائه فلا تشتموا عرضه ولا تسفكوا دمه ووثبت مذحج فحالت دونه وقالوا أجاره ابن الاشتر لا والله لا يوصل إليه قال وسمع لغطهم المختار

[ 512 ]

فخرج إليهم وأومأ بيده إليهم أن اجلسوا فجلسوا فقال لهم إذا قيل لكم خير فاقبلوه وإن قدرتم على مكافأة فافعلوا وإن لم تقدروا على مكافأة فتنصلوا واتقوا لسان الشاعر فإن شره حاضر وقوله فاجر وسعيه بائر وهو بكم غدا غادر فقالوا أفلا نقتله قال لا إنا قد آمناه وأجرناه وقد أجاره أخوكم إبراهيم بن الاشتر فجلس مع الناس قال إن إبراهيم قام فانصرف إلى منزله فأعطاه ألفا وفرسا ومطرفا فرجع بها وقال لا والله لا جاورت هؤلاء أبدا وأقبلت هوازن وغضبت واجتمعت في المسجد غضبا لا بن همام فبعث إليهم المختار فسألهم أن يصفحوا عما اجتمعوا له ففعلوا وقال ابن همام لابن الاشتر يمدحه أطفأ عن نار كلبين ألبا * على الكلاب ذو الفعال ابن مالك فتى حين يلقى الخيل يفرق بينها * بطعن دراك أو بضرب مواشك وقد غضبت لى من هوازن عصبة * طوال الذرى فيها عراض المبارك إذا ابن شميط أو يزيد تعرضا * لها وقعا في مستحار المهالك وثبتم علينا يا موالى طيئ * مع ابن شميط شر ماش وراتك وأعظم ديار على الله فرية * وما مفتر طاغ كآخر ناسك فيا عجبا من أحمس ابنة أحمس * توثب حولي بالقنا والنيازك كأنكم في العز قيس وخثعم * وهل أنتم إلا لثام عوارك وأقبل عبد الله بن شداد من الغد فجلس في المسجد يقول علينا توثب بنو أسد وأحمس والله لا نرضى بهذا أبدا فبلغ ذلك المختار فبعث إليه فدعاه ودعا بيزيد بن أنس وبابن شميط فحمد الله وأثنى عليه وقال يا ابن شداد إن الذى فعلت نزغة من نزغات الشيطان فتب إلى الله قال قد تبت وقال إن هذين أخواك فأقبل إليهما واقبل منهما وهب لى هذا الامر قال فهو لك وكان ابن همام قد قال قصيدة أخرى في أمر المختار فقال أضحت سليمى بعد طول عتاب * وتجرم ونفاد غرب شباب

[ 513 ]

قد أزمعت بصريمتى وتجنبى * وتهوك من ذاك في إعتاب لما رأيت القصر أغلق بابه * وتوكلت همدان بالاسباب ورأيت أصحاب الدقيق كأنهم * حول البيوت ثعالب الاسراب ورأيت أبواب الازقة حولنا * دربت بكل هراوة ودباب أيقنت أن خيول شيعة راشد * لم يبق منها فيش أير ذباب (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة وثب المختار بمن كان بالكوفة من قتلة الحسين والمشايعين على قتله فقتل من قدر عليه منهم وهرب من الكوفة بعضهم فلم يقدر عليه ذكر الخبر عن سبب وثوبه بهم وتسمية من قتل منهم ومن هرب فلم يقدر عليه منهم وكان سبب ذلك فيما ذكره هشام بن محمد عن عوانة بن الحكم أن مروان بن الحكم لما استوثقت له الشأم بالطاعة بعث جيشين أحدهما إلى الحجاز عليه حبيش بن دلجة القينى وقد ذكرنا أمره وخبر مهلكه قبل والآخر منهما إلى العراق عليهم عبيدالله بن زياد وقد ذكرنا ما كان من أمره وأمر التوابين من الشيعة بعين الوردة وكان مروان جعل لعبيدالله بن زياد إذ وجهه إلى العراق ما غلب عليه وأمره أن ينهب الكوفة إذا هو ظفر بأهلها ثلاثا قال عوانة فمر بأرض الجزيرة فاحتبس بها وبها قيس عيلان على طاعة ابن الزبير وقد كان مروان أصاب قيسا يوم مرج راهط وهم مع الضحاك بن قيس مخالفين على مروان وعلى ابنه عبد الملك من بعده فلم يزل عبيدالله مشتغلا بهم عن العراق نحوا من سنة ثم إنه أقبل إلى الموصل فكتب عبد الرحمن بن سعيد بن قيس عامل المختار على الموصل إلى المختار أما بعد فإنى أخبرك أيها الامير أن عبيدالله بن زياد قد دخل أرض الموصل وقد وجه قبلى خيله ورجاله وإنى انحزت إلى تكريت حتى يأتيني رأيك ؟ وأمرك والسلام عليك فكتب إليه المختار أما بعد فقد بلغني كتابك وفهمت كل ما ذكرت فيه فقد أصبت بانحيازك إلى تكريت فلا تبرحن مكانك الذى أنت به حتى يأتيك أمرى إن شاء الله

[ 514 ]

والسلام عليك (قال هشام) عن أبى مخنف حدثنى موسى بن عامر أن كتاب عبد الرحمن بن سعيد لما ورد على المختار بعث إلى يزيد بن أنس فدعاه فقال له يا يزيد بن أنس إن العالم ليس كالجاهل وإن الحق ليس كالباطل وإنى أخبرك خبر من لم يكذب ولم يكذب ولم يخالف ولم يرتب وإنا المؤمنون الميامين الغالبون المساليم وإنك صاحب الخيل التى تجر جعابها وتضفر أذنابها حتى توردها منابت الزيتون غائرة عيونها لاحقة بطونها اخرج إلى الموصل حتى تنزل أدانيها فإنى ممدك بالرجال بعد الرجال فقال له يزيد بن أنس سرح معى ثلاثة آلاف فارس أنتخبهم وخلنى والفرج الذى توجهنا إليه فان احتجت إلى الرجال فسأكتب اليك قال له المختار فاخرج فانتخب على اسم الله من أحببت فخرج فانتخب ثلاثة آلاف فارس فجعل على ربع المدينة النعمان بن عوف بن أبى جابر الازدي وعلى ربع تميم وهمدان عاصم بن قيس بن حبيب الهمداني وعلى مذحج وأسد ورقاء بن عازب الاسدي وعلى ربع ربيعة وكندة سعر بن أبى سعر الحنفي ثم إنه فصل من الكوفة فخرج وخرج معه المختار والناس يشيعونه فلما بلغ دير أبى موسى ودعه المختار وانصرف ثم قال له إذا لقيت عدوك فلا تناظرهم وإذا أمكنتك الفرصة فلا تؤخرها وليكن خبرك في كل يوم عندي وإن احتجت إلى مدد فاكتب إلى مع أنى ممدك ولو لم تستمدد فإنه أشد لعضدك وأعز لجندك وأرعب لعدوك فقال له يزيد بن أنس لا تمدني إلا بدعائك فكفى به مددا وقال له الناس صحبك الله وأداك وأيدك وودعوه فقال لهم يزيد سلوا الله لى الشهادة وايم الله لئن لقيتهم ففاتنى النصر لا تفتني الشهادة إن شاء الله فكتب المختار إلى عبد الرحمن بن سعيد بن قيس أما بعد فخل بين يزيد وبين البلاد إن شاء الله والسلام عليك فخرج يزيد بن أنس بالناس حتى بات بسورا ثم غدا بهم سائرا حتى بات بالمدائن فشكا الناس إليه ما دخلهم من شدة السير عليهم فأقام بها يوما وليلة ثم إنه اعترض بهم أرض جوخى حتى خرج بهم في الراذانات حتى قطع بهم إلى أرض الموصل فنزل ببنات تلى وبلغ مكانه ومنزله الذى نزل به عبيدالله بن زياد فسأل عن عدتهم فأخبرته عيونه أنه

[ 515 ]

خرج معه من الكوفة ثلاثة آلاف فارس فقال عبيدالله فأنا أبعث إلى كل ألف ألفين ودعا ربيعة بن المخارق الغنوى وعبد الله بن حملة الخثعمي فبعثهما في ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف وبعث ربيعة بن المخارق أولا ثم مكث يوما ثم بعث خلفه عبد الله بن حملة ثم كتب اليهما أيكما سبق فهو أمير على صاحبه وإن انتهيتما جميعا فأكبر كما سنا أمير على صاحبه والجماعة قال فسبق ربيعة بن المخارق فنزل بيزيد ابن أنس وهو ببنات تلى فخرج إليه يزيد بن أنس وهو مريض مضنى (قال أبو مخنف) فحدثني أبو الصلت عن أبى سعيد الصيقل قال خرج علينا يزيد بن أنس وهو مريض على حمار يمشى معه الرجال يمسكونه عن يمينه وعن شماله بفخديه وعضديه وجنبيه فجعل يقف على الارباع ربع ربع ويقول يا شرطة الله اصبروا تؤجروا وصابروا عدوكم تظفروا وقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا إن هلكت فأميركم ورقاء بن عازب الاسدي فإن هلك فأميركم عبد الله بن ضمرة العذري فإن هلك فأميركم سعر بن أبى سعر الحنفي قال وأنا والله فيمن يمشى معه ويمسك بعضده ويده وإنى لاعرف في وجهه أن الموت قد نزل به قال فجعل يزيد بن أنس عبد الله ابن ضمرة العذري على ميمنته وسعر بن أبى سعر على ميسرته وجعل ورقاء بن عازب الاسدي على الخيل ونزل هو فوضع بين الرجال على السرير ثم قال لهم ابرزوا لهم بالعراء وقدموني في الرجال ثم إن شئتم فقاتلوا عن أميركم وإن شئتم ففروا عنه قال فأخرجناه في ذى الحجة يوم عرفة سنة 66 فأخذنا نمسك أحيانا بظهره فيقول اصنعوا كذا اصنعوا كذا وافعلوا كذا فيأمر بأمره ثم لا يكون بأسرع من أن يغلبه الوجع فيوضع هنيهة ويقتتل الناس وذلك عند شفق الصبح قبل شروق الشمس قال فحملت ميسرتهم على ميمنتنا فاشتد قتالهم وتحمل ميسرتنا على ميمنتهم فتهزمها ويحمل ورقاء بن عازب الاسدي في الخيل فهزمهم فلم يرتفع الضحى حتى هزمناهم وحوينا عسكرهم (قال أبو مخنف) وحدثني موسى بن عامر العدوى قال انتهينا إلى ربيعة بن المخارق صاحبهم وقد انهزم عنه أصحابه وهو نازل ينادى يا أولياء الحق ويا أهل السمع والطاعة إلى أنا ابن المخارق قال

[ 516 ]

موسى فأما أنا فكنت غلاما حدثا فهبته ووقفت ويحمل عليه عبد الله بن ورقاء الاسدي وعبد الله بن ضمرة العذري فقتلاه (قال أبو مخنف) وحدثني عمرو بن مالك أبو كبشة القينى قال كنت غلاما حين راهقت مع أحد عمومتي في ذلك العسكر فلما نزلنا بعسكر الكوفيين عبانا ربيعة بن المخارق فأحسن التعبية وجعل على ميمنته ابن أخيه وعلى ميسرته عبدربه السلمى وخرج هو في الخيل والرجال وقال يا أهل الشأم إنكم إنما تقاتلون العبيد الاباق وقوما قد تركوا الاسلام وخرجوا منه ليست لهم تقية ولا ينطقون بالعربية قال فوالله إن كنت لاحسب أن ذلك كذلك حتى قاتلناهم قال فوالله ما هو إلا أن اقتتل الناس إذا رجل من أهل العراق يعترض الناس بسيفه وهو يقول برئت من دين المحكمينا * وذاك فينا شر دين دينا ثم إن قتالنا وقتالهم اشتد ساعة من النهار ثم انهم هزمونا حين ارتفع الضحى فقتلوا صاحبنا وحووا عسكرنا فخرجنا منهزمين حتى تلقانا عبد الله بن حملة على مسيرة ساعة من تلك القرية التى يقال لها ببنات تلى فردنا فأقبلنا معه حتى نزل بيزيد ابن أنس فبتنا متحارسين حتى أصبحنا فصلينا الغداة ثم خرجنا على تعبية حسنة فجعل على ميمنته الزبير بن حريمة من خثعم وعلى ميسرته ابن أقيصر القحافى من خثعم وتقدم في الخيل والرجال وذلك يوم الاضحى فاقتتلنا قتالا شديدا ثم إنهم هزمونا هزيمة قبيحة وقتلونا قتلا ذريعا وحووا عسكرنا وأقبلنا حتى انتهينا إلى عبيدالله بن زياد فحدثناه بما لقينا (قال أبو مخنف) وحدثني موسى بن عامر قال أقبل إلينا عبد الله بن حملة الخثعمي فاستقبل فل ربيعة بن المخارق الغنوى فردهم ثم جاء حتى نزل ببنات تلى فلما أصبح غادوا وغادينا فتطارت الخيلان من أول النهار ثم انصرفوا وانصرفنا حتى إذا صلينا الظهر خرجنا فاقتتلنا ثم هزمناهم قال ونزل عبد الله بن حملة فأخذ ينادى أصحابه الكرة بعد الفرة يا أهل السمع والطاعة فحمل عليه عبد الله بن قراد الخثعمي فقتله وحوينا عسكرهم وما فيه وأتى يزيد بن أنس بثلثمائة أسير وهو في السوق فأخذ يومئ بيده أن اضربوا أعناقهم فقتلوا من عند آخرهم وقال يزيد

[ 517 ]

ابن أنس إن هلكت فأميركم ورقاء بن عازب الاسدي فما أمسى حتى مات فصلى عليه ورقاء بن عازب ودفنه فلما رأى ذلك أصحابه أسقط في أيديهم وكسر موته قلوب أصحابه وأخذوا في دفنه فقال لهم ورقاء يا قوم ماذا ترون إنه قد بلغني أن عبيدالله بن زياد قد أقبل إلينا في ثمانين ألفا من أهل الشأم فأخذوا يتسللون ويرجعون ثم إن ورقاء دعا رؤوس الارباع وفرسان أصحابه فقال لهم يا هؤلاء ماذا ترون فيما أخبرتكم إنما أن رجل منكم ولست بأفضلكم رأيا فأشيروا على فان ابن زياد قد جاءكم في جند أهل الشأم الاعظم وبجلتهم وفرسانهم وأشرافهم ولا أرى لنا ولكم بهم طاقة على هذه الحال وقد هلك يزيد بن أنس أميرنا وتفرقت عنا طائفة منا فلو انصرفنا اليوم من تلقاء أنفسنا قبل أن نلقاهم وقبل أن نبلغهم فيعلموا أنا إنما ردنا عنهم هلاك صاحبنا فلا يزالوا لنا هائبين لقتلنا منهم أميرهم ولانا إنما نعتل لانصرافنا يموت صاحبنا وأنا إن لقيناهم اليوم كنا مخاطرين فإن هزمنا اليوم لم تنفعنا هزيمتنا إياهم من قبل اليوم قالوا فإنك نعما رأيت انصرف رحمك الله فانصرف فبلغ منصرفهم ذلك المختار وأهل الكوفة فأوجف الناس ولم يعلموا كيف كان الامر أن يزيد بن أنس هلك وأن الناس هزموا فبعث إلى المختار عامله على المدائن عينا له من أنباط السواد فأخبره الخبر فدعا المختار إبراهيم بن الاشتر فعقدله على سبعة آلاف رجل ثم قال له سر حتى إذا أنت لقيت جيش ابن أنس فارددهم معك ثم سر حتى تلقى عدوك فتناجزهم فخرج إبراهيم فوضع عسكره بحمام أعين (قال أبو مخنف) فحدثني أبو زهير النضر بن صالح قال لما ما ت يزيد بن أنس التقى أشراف الناس بالكوفة فأرجفوا بالمختار وقالوا قتل يزيد بن أنس ولم يصدقوا أنه مات وأخذوا يقولون والله لقد تأمر علينا هذا الرجل بغير رضى منا ولقد أدنى موالينا فحملهم على الدواب وأعطاهم وأطعمهم فيئنا ولقد عصتنا عبيدنا فحرب بذلك أيتامنا وأراملنا فاتعدوا منزل شبث بن ربعى وقالوا نجتمع في منزل شيخنا وكان شبث جاهليا اسلاميا فاجتمعوا فأتوا منزله فصلى بأصحابه ثم تذاكروا هذا النحو من الحديث قال ولم يكن فيما أحدث المختار عليهم شئ هو أعظم من

[ 518 ]

أن جعل للموالي من الفئ نصيبا فقال لهم شبث دعوني حتى ألقاه فذهب فلقيه فلم يدع شيئا مما أنكره أصحاب إلا وقد ذاكره إياه فأخذ لا يذكر خصلة الا قال له المختار أرضيهم في هذه الخصلة وآتى كل شئ أحبوا قال فذكر المماليك قال فأنا أرد عليهم عبيدهم فذكر له الموالى فقال عمدت إلى موالينا وهم في أفاءه الله علينا وهذه البلاد جميعا فأعتقنا رقابهم نأمل الاجر في ذلك والثواب والشكر فلم ترض لهم بذلك حتى جعلتهم شركاءنا في فيئنا فقال لهم المختار إن أنا تركت لكم مواليكم وجعلت فيأكم فيكم أتقاتلون معى بنى أمية وابن الزبير وتعطون على الوفاء بذلك عهد الله وميثاقه وما أطمئن إليه من الايمان فقال شبث ما أدرى حتى أخرج إلى أصحابي فأذاكرهم ذلك فخرج فلم يرجع إلى المختار قال وأجمع رأى أشراف أهل الكوفة على قتال المختار (قال أبو مخنف) فحدثني قدامة بن حوشب قال جاء شبث ابن ربعى وشمر بن ذى الجوشن ومحمد بن الاشعث وعبد الرحمن بن سعيد بن قيس حتى دخلوا على كعب بن أبى كعب الخثعمي فتكلم شبث فحمد الله وأثنى عليه ثم أخبره باجتماع رأيهم على قتال المختار وسأله أن يجيبهم إلى ذلك وقال فيما يعتب المختار إنه تأمر علينا بغير رضى منا وزعم أن ابن الحنفية بعثه إلينا وقد علمنا أن ابن الحنفية لم يفعل وأطعم موالينا فيئنا وأخذ عبيدنا فحرب بهم يتامانا وأراملنا وأظهر هو وسبايته البراءة من أسلافنا الصالحين قال فرحب بهم كعب بن أبى كعب وأجابهم إلى ما دعوه إليه (قال أبو مخنف) فحدثني أبى يحيى بن سعيد أن أشراف أهل الكوفة قد كانوا دخلوا على عبد الرحمن بن مخنف فدعوه إلى أن يجيبهم إلى قتال المختار فقال لهم يا هؤلاء إنكم إن أبيتم الا أن تخرجوا لم أخذلكم وإن أنتم أطعتموني لم تخرجوا فقالوا لم قال لانى أخاف أن تتفرقوا وتختلفوا وتتخاذلوا ومع الرجل والله شجعاؤكم وفرسانكم من أنفسكم أليس معه فلان وفلان ثم معه عبدكم ومواليكم وكلمة هؤلاء واحدة وعبيدكم ومواليكم أشد حنقا عليكم من عدوكم فهو مقاتلكم بشجاعة العرب وعداوة العجم وإن انتظرتموه قليلا كفيتموه بقدوم أهل الشأم أو بمجئ أهل البصرة فتكونوا قد كفيتموه

[ 519 ]

بغيركم ولم تجعلوا بأسكم بينكم قالوا ننشدك الله أن تخالفنا وأن تفسد علينا رأينا وما قد اجتمعت عليه جماعتنا قال فأنا رجل منكم فإذا شئتم فاخرجوا فسار بعضهم إلى بعض وقالوا انتظروا حتى يذهب عنه إبراهيم بن الاشتر قال فأمهلوا حتى إذا بلغ ابن الاشتر ساباط وثبوا بالمختار قال فخرج عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني في همدان في جبانة السبيع وخرج زحر بن قيس الجعفي واسحاق ابن محمد بن الاشعث في جبانة كندة (قال هشام) فحدثني سليمان بن محمد الحضرمي قال خرج اليهما جبير الحضرمي فقال لهما اخرجا عن جبانتنا فإنا نكره أن نعرى بشر فقال له إسحاق بن محمد وجبانتكم هي قال نعم فانصرفوا عنه وخرج كعب بن أبى كعب الخثعمي في جبانة بشر وسار بشير بن جرير بن عبد الله إليهم في بجيلة وخرج عبد الرحمن بن مخنف في جبانة مخنف وسار إسحاق بن محمد وزحر ابن قيس إلى عبد الرحمن بن سعيد بن قيس بجبانة السبيع وسارت بجيلة وخثعم إلى عبد الرحمن بن مخنف وهو بالازد وبلغ الذين في جبانة السبيع أن المختار قدعبى لهم خيلا ليسير إليهم فبعثوا الرسل يتلو بعضها بعضا إلى الازد وبجيلة وخثعم يسألونهم بالله والرحم لما عجلوا إليهم فساروا إليهم واجتمعوا جميعا في جبانة السبيع ولما أن بلغ ذلك المختار سره اجتماعهم في مكان واحد وخرج شمر بن ذى الجوشن حتى نزل بجبانة بنى سلول في قيس ونزل شبث بن ربعى وحسان بن فائد العبسى وربيعة بن ثروان الضبى في مضر بالكناسة ونزل حجار بن أبحر ويزيد بن الحارث بن رؤيم في ربيعة فيما بين التمارين والسبخة ونزل عمرو بن الحجاج الزبيدى في جبانة مراد بمن تبعه من مذحج فبعث إليهم أهل اليمن أن ائتنا فأبى أن يأتيهم وقال لهم جدوا فكأني قد أتيتكم قال وبعث المختار رسولا من يومه يقال له عمرو بن توبة بالركض إلى ابراهيم بن الاشتر وهو بساباط أن لا تضع كتابي من يدك جتى تقبل بجميع من معك إلى قال وبعث إليهم المختار في ذلك اليوم أخبروني ما تريدون فإنى صانع كل ما أحببتم قالوا فإنا نريد أن تعتزلنا فانك زعمت أن ابن الحنفية بعثك ولم يبعثك فأرسل

[ 520 ]

إليهم المختار أن ابعثوا إليه من قبلكم وفدا وأبعث إليه من قبلى وفدا ثم انظروا في ذلك حتى تتبينوه وهو يريد أن يريثهم بهذه المقالة ليقدم عليه إبراهيم بن الاشتر وقد أمر أصحابه فكفوا أيديهم وقد أخذ أهل الكوفة عليهم بأفواه السكك فليس شئ يصل إلى المختار ولا إلى أصحابه من الماء إلا القيل الوتح يجيئهم إذا غفلوا عنه قال وخرج عبد الله بن سبيع في الميدان فقاتله شاكر قتالا شديدا فجاءه عقبة بن طارق الجشمى فقاتل معه ساعة حتى رد عاديتهم عنه ثم أقبلا على حاميتهما يسيران حتى نزل عقبة بن طارق مع قيس في جبانة بنى سلول وجاء عبد الله بن سييع حتى نزل مع أهل اليمن في جبانة السبيع (قال أبو مخنف) حدثنى يونس بن أبى إسحاق أن شمر بن ذى الجوشن أتى أهل اليمن فقال لهم إن اجتمعتم في مكان نجعل فيه مجنبتين ونقاتل من وجه واحد فأنا صاحبكم وإلا فلا والله لا أقاتل في مثل هذا المكان في سكك ضيقة ونقاتل من غير وجه فانصرف إلى جماعة قومه في جبانة بنى سلول قال ولما خرج رسول المختار إلى ابن الاشتر بلغه من يومه عشية فنادى في الناس أن ارجعوا إلى الكوفة فسار بقية عشيته تلك ثم نزل حين أمسى فتعشى أصحابه وأراحوا الدواب شيئا كلا شئ ثم نادى في الناس فسار ليلته كلها ثم صلى الغداة بسورا ثم سار من يومه فصلى العصر على باب الجسر من الغد ثم إنه جاء حتى بات ليلة في المسجد ومعه من أصحابه أهل القوة والجلد حتى إذا كان صبيحة اليوم الثالث من مخرجهم على المختار خرج المختار إلى المنبر فصعده (قال أبو مخنف) فحدثني أبو جناب الكلبى إن شبث بن ربعى بعث إليه ابنه عبد المؤمن فقال له انما نحن عشيرتك وكف يمينك لا والله لا نقاتلك فثق بذلك منا وكان رأيه قتاله ولكنه كاده ولما أن اجتمع أهل اليمن بجبانة السبيع حضرت الصلاة فكره كل رأس من رؤس أهل اليمن أن يتقدمه صاحبه فقال لهم عبد الرحمن بن مخنف هذا أول الاختلاف قدموا الرضى فيكم فان في عشيرتكم سيد قراء أهل المصر فليصل بكم رفاعة بن شداد الفتيانى من بجيلة ففعلوا فلم يزل يصلى بهم حتى كانت الوقعة (قال أبو مخنف) وحدثني وازع

[ 521 ]

ابن السرى أن أنس بن عمرو الازدي انطلق فدخل في أهل اليمن وسمعهم وهم يقولون إن سار المختار إلى اخواننا من مضر سرنا إليهم وإن سار الينا ساروا الينا فسمعها منهم رجل وأقبل جوادا حتى صعد إلى المختار على المنبر فأخبره بمقالتهم فقال أما هم فخلقاء لو سرت إلى مضر أن يسيروا إليهم وأما أهل اليمن فأشهد لئن سرت إليهم لا تسير إليهم مضر فكان بعد ذلك يدعو ذلك الرجل ويكرمه ثم إن المختار نزل فعبى أصحابه في السوق والسوق إذ ذاك ليس فيها هذا البناء فقال لابراهيم بن الاشتر إلى أي الفريقين أحب اليك أن تسير فقال إلى أي الفريقين أحببت فنظر المختار وكان ذا رأى فكره أن يسير إلى قومه فلا يبالغ في قتالهم فقال سر إلى مضر بالكناسة وعليهم شبث بن ربعى ومحمد بن عمير بن عطارد وأنا أسير إلى أهل اليمن * قال ولم يزل المختار يعرف بشدة النفس وقلة البقيا على أهل اليمن وغيرهم إذا ظفر فسار إبراهيم بن الاشتر إلى الكناسة وسار المختار إلى جبانة السبيع فوقف المختار عند دار عمر بن سعد بن أبى وقاص وسرح بين يديه أحمر بن شميط البجلى ثم الاحمسي وسرح عبد الله بن كامل الشاكرى وقال لابن شميط الزم هذه السكة حتى تخرج إلى أهل جبانة السبيع من بين دور قومك وقال لعبدالله ابن كامل الزم هذه السكة حتى تخرج على جبانة السبيع من دار آل الاخنس بن شريق ودعاهما فأسر اليهما أن شباما قد بعثت تخبرني أنهم قد أتوا القوم من ورائهم فمضيا فسلكا الطريقين اللذين أمرهما بهما وبلغ أهل اليمن مسير هذين الرجلين إليهم فاقتسموا تينك السكتين فأما السكة التى في دبر المسجد أحمس فانه وقف فيها عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني وإسحاق بن الاشعث وزحر بن قيس وأما السكة التى تلى الفرات فانه وقف فيها عبد الرحمن بن مخنف وبشير بن جرير بن عبد الله وكعب بن أبى كعب ثم إن القوم اقتتلوا كأشد قتال اقتتله قوم ثم إن أصحاب أحمر بن شميم انكشفوا وأصحاب عبد الله بن كامل أيضا فلم يرع المختار إلا وقد جاءه الفل قد أقبل فقال ما وراءكم قالوا هزمنا قال فما فعل أحمر ابن شميط قالوا تركناه قد نزل عند مسجد القصاص يعنون مسجد أبى داود في

[ 522 ]

وادعة وكان يعتاده رجال أهل ذلك الزمان يقصون فيه وقد نزل معه أناس من أصحابه وقال أصحاب عبد الله ما ندرى ما فعل ابن كامل فصاح بهم أن انصرفوا ثم أقبل بهم حتى انتهى إلى دار أبى عبد الله الجدلي وبعث عبد الله بن قراد الخثعمي وكان على أربعمائة رجل من أصحابه فقال سر في أصحابك إلى ابن كامل فان يك هلك فأنت مكانه فقاتل القوم بأصحابك وأصحابه وإن تجده حيا صالحا فسر في مائة من أصحابك كلهم فارس وادفع إليه بقية أصحابك ومر بالجد معه والمناصحة له فانهم إنما يناصحونني ومن ناصحنى فليبشر ثم امض في المائة حتى تأتى أهل جبانة السبيع مما يلى حمام قطن بن عبد الله فمضى فوجدا بن كامل واقفا عند حمام عمرو بن حريث معه أناس من أصحابه قد صبروا وهو يقاتل القوم فدفع إليه ثلثمائة من أصحابه ثم مضى حتى نزل إلى جبانة السبيع ثم أخذ في تلك السكك حتى انتهى إلى مسجد عبد القيس فوقف عنده وقال لاصحابه ما ترون قالوا أمرنا لامرك تبع وكل من كان معه من حاشد من قومه وهم مائة فقال لهم والله إنى لاحب أن يظهر المختار ووالله إنى لكاره أن يهلك أشراف عشيرتي اليوم ووالله لان أموت أحب إلى من أن يحل بهم الهلاك على يدى ولكن قفوا قليلا فانى قد سمعت شباما يزعمون أنهم سيأتونهم من ورائهم فلعل شباما تكون هي تفعل ذلك ونعافى نحن منه قال له أصحابه فرأيك فثبت كما هو عند مسجد عبد القيس وبعث المختار مالك بن عمرو النهدي في مائتي رجل وكان من أشد الناس بأسا وبعث عبد الله بن شريك النهدي في مائتي فارس إلى أحمر بن شميط وثبت مكانه فانتهوا إليه وقد علاه القوم وكثروه فاقتتلوا عند ذلك كأشد القتال ومضى ابن الاشتر حتى لقى شبث بن ربعى وأناسا معه من مضر كثيرا وفيهم حسان بن فائد العبسى فقال لهم إبراهيم ويحكم انصرفوا فوالله ما أحب أن يصاب أحد من مضر على يدى فلا تهلكوا أنفسكم فأبوا فقاتلوه فهزمهم واحتمل حسان بن فائد إلى أهله فمات حين أدخل إليهم وقد كان وهو على فراشه قبل موته أفاق إفاقة فقال أما والله ما كنت أحب أن أعيش من جراحتى هذه وما كنت أحب أن تكون منيتى إلا بطعنة رمح أو بضربة

[ 523 ]

بالسيف فلم يتكلم بعدها كلمة حتى مات وجاءت البشرى إلى المختار من قبل إبراهيم بهزيمة مضر فبعث المختار البشرى من قبله إلى أحمر بن شميط وإلى ابن كامل فالناس على أحوالهم كل أهل سكة منهم قد أعنت ما يليها قال فاجتمعت شبام وقد رأسوا عليهم أبا القلوص وقد أجمعوا واجتمعوا بأن يأتوا أهل اليمن من ورائهم فقال بعضهم لبعض أما والله لو جعلتم جدكم هذا على من خالفكم من غيركم لكان أصوب فسيروا إلى مضر أو إلى ربيعة فقاتلوهم وشيخهم أبو القلوص ساكت لا يتكلم فقالوا يا أبا القلوص ما رأيك فقال قال الله جل ثناؤه (قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة) قوموا فقاموا فمشى بهم قيس رمحين أو ثلاثة ثم قال لهم اجلسوا فجلسوا ثم مشى بهم أنفس من ذلك شيئا ثم قعد بعد ثم قال لهم قوموا ثم مشى بهم الثالثة أنفس من ذلك شيئا ثم قعد بهم فقالوا له يا أبا القلوص والله إنك عندنا لاشجع العرب فما يحملك على الذى تصنع قال إن المجرب ليس كمن لم يجرب إنى أردت أن ترجع اليكم أفئدتكم وأن توطنوا على القتال أنفسكم وكرهت أن أقحمكم على القتال وأنتم على حال دهش قالوا أنت أبصر بما صنعت فلما خرجوا إلى جبانة السبيع استقبلهم على فم السكة الاعسر الشاكرى فحمل عليه الجندعى وأبو الزبير بن كريب فصرعاه ودخلا الجبانة ودخل الناس الجبانة في آثارهم وهم ينادون يا لثأرات الحسين فأجابهم أصحاب ابن شميط يا لثأرات الحسين فسمعها يزيد بن عمير بن ذى مران من همدان فقال يا لثأرات عثمان فقال لهم رفاعة بن شداد مالنا ولعثمان لا أقاتل مع قوم يبغون دم عثمان فقال له أناس من قومه جئت بنا وأطعناك حتى إذا رأينا قومنا تأخذهم السيوف قلت انصرفوا ودعوهم فعطف عليهم وهو يقول أنا ابن شداد على دين على * لست لعثمان بن أروى بولي لاصلين اليوم فيمن يصطلى * بحر نار الحرب غير مؤتلى فقاتل حتى قتل وقتل يزيد بن عمير بن ذى مران وقتل النعمان بن صهبان الجرمى ثم الراسبى وكان ناسكا ورفاعة بن شداد بن عوسجة الفتيانى عند حمام

[ 524 ]

المهبذان الذى بالسبخة وكان ناسكا وقتل الفرات بن زحر بن قيس الجعفي وارتث زحر بن قيس وقتل عبد الرحمن بن سعيد بن قيس وقتل عمر بن مخنف وقاتل عبد الرحمن بن مخنف حتى ارتث وحملته الرجال على أيديها وما يشعر وقاتل حوله رجال من الازد فقال حميد بن مسلم لاضربن عن أبى حكيم * مفارق الاعبد والصميم وقال سراقة بن مرداس البارقى يا نفس إلا تصبري تلبمى * لا نتولى عن أبى حكيم واستخرج من دور الوادعيين خمسمائة أسير فأتى بهم المختار مكتفين فأخذ رجل من بنى نهد وهو من رؤساء أصحاب المختار يقال له عبد الله بن شريك لا يخلو بعربي إلا خلى سبيله فرفع ذلك المختار درهم مولى لبنى نهد فقال له المختار اعرضوهم على وانظروا كل من شهد منهم قتل الحسين فأعلموني به فأخذوا لا يمر عليه برجل قد شهد قتل الحسين إلا قيل له هذا ممن شهد قتله فيقدمه فيضرب عنقه حتى قتل منهم قبل أن يخرج مائتين وثمانية وأربعين قتيلا وأخذ أصحابه كلما رأوا رجلا قد كان يؤذيهم أو يماريهم أو يضربهم خلوا به فقتلوه حتى قتل ناس كثير منهم وما يشعر بهم المختار فأخبر بذلك المختار بعد فدعى بمن بقى من الاسارى فأعتقهم وأخذ عليهم المواثيق أن لا يجامعوا عليه عدوا ولا يبغوه ولا أصحابه غائلة إلا سراقة بن مرداس البارقى فإنه أمر به أن يساق معه إلى المسجد قال ونادى منادى المختار إنه من أغلق بابه فهو آمن إلا رجلا شرك في دم آل محمد صلى الله عليه وسلم (قال أبو مخنف) حدثنى المجالد بن سعيد عن عامر الشعبى أن يزيد بن الحارث بن يزيد بن رؤيم وحجار بن أبجر بعثار سلالهما فقالا لهم كونوا من أهل اليمن قريبا فإن رأيتموهم قد ظهر وافأيكم سبق إلينا فليقل صرفان وإن كانوا هزموا فليقل جمزان فلما هزم أهل اليمن أتتهم رسلهم فقال لهم أول من انتهى إليهم جمزان فقام الرجلان فقالا لقومهما انصرفوا إلى بيوتكم فانصرفوا وخرج عمرو بن الحجاج الزبيدى وكان ممن شهد قتل الحسين فركب راحلته ثم ذهب عليها فأخذ طريق شراف وواقصة فلم ير حتى الساعة

[ 525 ]

ولا يدرى أرض بخسته أم سماء حصبته وأما فرات به زحر بن قيس فإنه لما قتل بعثت عائشة بنت خليفة بن عبد الله الجعفية وكانت امرأة الحسين بن على إلى المختار تسأله أن يأذن لها أن توارى جسده ففعل فدفنته وبعث المختار غلاما له يدعى زربيا في طلب شمر بن ذى الجوشن (قال أبو مخنف) فحدثني يونس بن أبى إسحاق عن مسلم بن عبد الله الضبابى قال تبعنا زربى غلام المختار فلحقنا وقد خرجنا من الكوفة على خيول لنا ضمر فأقبل يتمطر به فرسه فلما دنا منا قال لنا شمر اركضوا وتباعدوا عنى لعل العبد يطمع في قال فركضنا فأمعنا وطمع العبد في شمر وأخذ شمر ما يستطرد له حتى إذا انقطع من أصحابه حمل عليه شمر فدق ظهره وأتى المختار فأخبر بذلك فقال بؤسا لزربى أما لو يستشيرنى ما أمرته أن يخرج لابي السابغة (قال أبو مخنف) حدثنى أبو محمد الهمداني عن مسلم بن عبد الله الضبابى قال لما خرج شمر بن ذى الجوشن وأنا معه حين هزمنا المختار وقتل أهل اليمن بجبانة السبيع ووجه غلاما زربيا في طلب شمر وكان من قتل شمر إياه ما كان مضى شمر حتى ينزل ساتيدما ثم مضى حتى ينزل إلى جانب قرية يقال لها الكلتانية على شاطئ نهر إلى جانب تل ثم أرسل إلى تلك القرية فأخذ منها علجا فضربه ثم قال النجاء بكتابي هذا إلى المصعب بن الزبير وكتب عنوانه للامير المصعب بن الزبير من شمر بن ذى الجوشن قال فمضى العلج حتى يدخل قرية فيها بيوت وفيها أبو عمرة وقد كان المختار بعثه في تلك الايام إلى تلك القرية ليكون مسلحة فيما بينه وبين أهل البصرة فلقى ذلك العلج علجا من تلك القرية فأقبل يشكو إليه ما لقى من شمر فانه لقائم معه يكلمه إذ مر به رجل من أصحاب أبى عمرة فرأى الكتاب مع العلج وعنوانه لمصعب من شمر فسألوا العلج عن مكانه الذى هو به فأخبرهم فذا ليس بينهم وبينه إلا ثلاثة فراسخ قال فأقبلوا يسيرون إليه (قال أبو مخنف) فحدثني مسلم ابن عبد الله قال وأنا والله مع شمر تلك الليلة فقلنا لو أنك ارتحلت بنا من هذا المكان فانا نتخوف به فقال أو كل هذا فرقا من الكذاب والله لا أتحول منه ثلاثة أيام ملا الله قلوبكم رعبا قال

[ 526 ]

وكان بذلك المكان الذى كنا فيه دبى كثير فوالله إنى لبين اليقظان والنائم إذ سمعت وقع حوافر الخيل فقلت في نفسي هذا صوت الدبى ثم إنى سمعته أشد من ذلك فانتهبت ومسحت عينى وقلت لا والله ما هذا بالدبى قال وذهبت لاقوم فإذا أنا بهم قد أشرفوا علينا من التل فكبروا ثم أحاطوا بأبياتنا وخرجنا نشتد على أرجلنا وتركنا خيلنا قال فأمر على شمر وإنه لمتزر ببرد محقق وكان أبرص فكأني أنظر إلى بياض كشحيه من فوق البرد فإنه ليطاعنهم بالرمح قد أعجلوه أن يلبس سلاحه وثيابه فمضينا وتركناه قال فما هو إلا أن أمعنت ساعة إذ سمعت الله أكبر قتل الله الخبيث (قال أبو مخنف) حدثنى المشرقي عن عبد الرحمن بن عبيد أبى الكنود قال أنا والله صاحب الكتاب الذى رأيته مع العلج وأتيت به أبا عمرة وأنا قتلت شمرا قال قلت هل سمعته يقول شيئا ليلتئذ قال نعم خرج علينا فطاعننا برمحه ساعة ثم ألقى رمحه ثم دخل بيته فأخذ سيفه ثم خرج علينا وهو يقول نبهتم ليث عرين باسلا * حهما محياه يدق الكاهلا لم ير يوما عن عدو ناكلا * إلا كذا مقاتلا أو قاتلا يبرحهم ضربا ويروى العاملا (قال أبو مخنف) عن يونس بن أبى إسحاق ولما خرج المختار من جبانة السبيع وأقبل إلى القصر أخذ سراقة بن مرداس يناديه بأعلى صوته امنن على اليوم يا خير معد * وخير من حل بشحر والجند وخير من حيى ولبى وسجد فبعث به المختار إلى السجن فحبسه ليلة ثم أرسل إليه من الغد فأخرجه فدعا سراقة فأقبل إلى المختار وهو يقول ألا أبلغ أبا إسحاق أنا * نزونا نزوة كانت علينا خرجنا لا نرى الضعفاء شيئا * وكان خروجنا بطرا وحينا نراهم في مصافهم قليلا * وهم مثل الدبى حين التقينا برزنا إذ رأيناهم فلما * رأينا القوم قد برزوا إلينا

[ 527 ]

لقينا منهم ضربا طلحفا * وطعنا صائبا حتى انثنينا نصرت على عدوك كل يوم * بكل كتيبة تنعى حسينا كنصر محمد في يوم بدر * ويوم الشعب إذ لاقى حنينا فاسجح إذ ملكت فلو ملكنا * لجرنا في الحكومة واعتدينا تقبل توبة منى فإنى * سأشكر إن جعلت النقد دينا قال فلما انتهى إلى المختار قال له أصلحك الله أيها الامير سراقة بن مرداس يحلف بالله الذى لا إله إلا هو لقد رأى الملائكة تقاتل على الخيول البلق بين السماء والارض فقال له المختار فاصعد المنبر فأعلم ذلك المسلمين فصعد فأخبرهم بذلك ثم نزل فخلا به المختار فقال إنى قد علمت أنك لم تر الملائكة وإنما أردت ما قد عرفت أن لا أقتلك فاذهب عنى حيث أحببت لا تفسد على أصحابي (قال أبو مخنف) فحدثني الحجاج بن على البارقى عن سراقة بن مرداس قال ما كنت في أيمان حلفت بها فط أشد اجتهادا ولا مبالغة في الكذب منى في أيماني هذه التى حلفت لهم بها أنى قد رأيت الملائكة معهم تقاتل فخلوا سبيله فهرب فلحق بعبد الرحمن بن مخنف عند المصعب بن الزبير بالبصرة وخرج أشراف أهل الكوفة والوجوه فلحقوا بمصعب بن الزبير بالبصرة وخرج سراقة بن مرداس من الكوفة وهو يقول ألا أبلغ أبا إسحاق أنى * رأيت البلق دهما مصمتات كفرت بوحيكم وجعلت نذرا * على قتالكم حتى الممات أرى عينى ما لم تبصراه * كلانا عالم بالترهات إذا قالوا أقول لهم كذبتم * وإن خرجوا لبست لهم أداتى * حدثنى أبو السائب سلم بن جنادة قال حدثنا محمد بن براد من ولد أبى موسى الاشعري عن شيخ قال لما أسر سراقة البارقى قال وأنتم أسرتموني ما أسرني إلا قوم على دواب بلق عليهم ثياب بيض قال فقال المختار أولئك الملائكة فأطلقه فقال ألا أبلغ أبا إسحاق أنى * رأيت البلق دهما مصمتات

[ 528 ]

أرى عينى ما لم يرأياه * كلانا عالم بالترهات (قال أبو مخنف) حدثنى عمير بن زياد أن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني قال يوم جبانة السبيع ويحكم من هؤلاء الذين أتونا من ورائنا قيل له شبام فقال يا عجبا يقاتلني بقومي من لا قوم له (قال أبو مخنف) وحدثني أبو روق أن شرحبيل بن ذى بقلان من الناعطيين قتل يومئذ وكان من بيوتات همدان فقال يومئذ قبل أن يقتل يالها قتلة ما أضل مقتولها قتال مع غير إمام وقتال على غير نية وتعجيل فراق الاحبة ولو قتلناهم إذا لم نسلم منهم إنا لله وإنا إليه راجعون أما والله ما خرجت إلا مواسيا لقومي بنفسى مخافة أن يضطهدوا وايم الله ما نجوت من ذلك ولا أنجوا ولا أغنيت عنهم ولا أغنوا قال ويرميه رجل من الفائشيين من همدان يقال له أحمر بن هديج بسهم فيقتله قال واختصم في عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني نفر ثلاثة سعر بن أبى سعر الحنفي وأبو الزبير الشبامى ورجل آخر فقال سعر طعنته طعنة وقال أبو الزبير لكن ضربته أنا عشر ضربات أو أكثر وقال لى ابنه يا أبا الزبير أثقتل عبد الرحمن بن سعيد سيد قومك فقلت لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا أباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم فقال المختار كلكم محسن وانجلت الوقعة عن سبعمائة وثمانين قتيلا من قومه (قال أبو مخنف) حدثنى النضر بن صالح أن القتل إذ ذاك كان استحر في أهل اليمن وأن مضر أصيب منهم بالكناسة بضعة عشر رجلا ثم مضوا حتى مروا بربيعة فرجع حجار بن أبجر ويزيد بن الحارث بن رؤيم وشداد بن المنذر أخو حصين وعكرمة بن ربعى فانصرف جميع هؤلاء إلى رحالهم وعطف عليهم عكرمة فقاتلهم قتالا شديدا ثم انصرف عنهم وقد خرج فجاء حتى دخل منزله فقيل له قد مرت خيل في ناحية الحى فخرج فأراد أن يثب من حائط داره إلى دار أخرى إلى جانبه فلم يستطع حتى حمله غلام له وكانت وقعة جبانة السبيع يوم الاربعاء لست ليال بقين من ذى الحجة سنة 66 قال وخرج أشراف الناس فلحقوا بالبصرة وتجرد المختار لقتلة الحسين فقال

[ 529 ]

ما من ديننا ترك قوم قتلوا الحسين يمشون أحياء في الدنيا آمنين بئس ناصر آل محمد أنا إذا الكذاب كما سموني فانى بالله أستعين عليهم الحمد لله الذى جعلني سيفا ضربهم به ورمحا طعنهم به وطالب وترهم والقائم بحقهم انه كان حقا على الله أن يقتل من قتلهم وأن يذل من جهل حقهم فسموهم لى ثم اتبعوهم حتى تفنوهم (قال أبو مخنف) فحدثني موسى بن عامر أن المختار قال لهم اطلبوا لى قتلة الحسين فانه لا يسوغ لى الطعام والشراب حتى أطهر الارض منهم وأنفى المصر منهم (قال أبو مخنف) وحدثني مالك بن أعين الجهنى أن عبد الله بن دباس وهو الذى قتل محمد بن عمار بن ياسر الذى قال الشاعر قتيل ابن دباس أصاب قذا له هو الذى دل المختار على نفر ممن قتل الحسين منهم عبد الله بن أسيد بن النزال الجهنى من حرقة ومالك بن النسير البدى وحمل بن مالك المحاربي فبعث إليهم المختار أبا نمر مالك بن عمرو النهدي وكان من رؤساء أصحاب المختار فأتاهم وهم بالقادسية فأخذهم فأقبل بهم حتى أدخلهم عليه عشاء فقال لهم المختار يا أعداء الله وأعداء كتابه وأعداء رسوله وآل رسوله أين الحسين ابن على أدوا إلى الحسين قتلتم من أمرتم بالصلاة عليه في الصلاة فقالوا رحمك الله بعثنا ونحن كارهون فامنن علينا واستبقنا قال المختار فهلا مننتم على الحسين بن بنت نبيكم واستبقيتموه وسقيتموه ثم قال المختار للبدى أنت صاحب برنسه فقال له عبد الله ابن كامل نعم هو هو فقال المختار اقطعوا يدى هذا ورجليه ودعوه فليضطرب حتى يموت ففعل ذلك به وترك فلم يزل ينزف الدم حتى مات وأمر بالآخرين فقدما فقتل عبد الله بن كامل عبد الله الجهنى وقتل سعر بن أبى سعر حمل بن مالك المحاربي (قال أبو مخنف) وحدثني أبو الصلت التيمى قال حدثنى أبو سعيد الصيقل أن المختار دل على رجال من قتلة الحسين دله عليهم سعر الحنفي قال فبعث المختار عبد الله بن كامل فخرجنا معه حتى مر ببنى ضبيعة فأخذ منهم رجلا يقال له زياد بن مالك قال ثم مضى إلى عنزة فأخذ منهم رجلا يقال له عمران بن خالد قال ثم بعثنى في رجال معه يقال

[ 530 ]

لهم الدبابة إلى دار في الحمراء فيها عبد الرحمن بن أبى خشكارة البجلى وعبد الله بن قيس الخولانى فجئنا بهم حتى أدخلناهم عليه فقال لهم ياقتلة الصالحين وقتلة سيد شباب أهل الجنة ألا ترون الله قد أقاد منكم اليوم لقد جاءكم الورس بيوم نحس وكانوا قد أصابوا من الورس الذى كان مع الحسين أخرجوهم إلى السوق فضربوا رقابهم ففعل ذلك بهم فهؤلاء أربعة نفر (قال أبو مخنف) وحدثني سليمان بن أبى راشد عن حميد ابن مسلم قال جاءنا السائب بن مالك الاشعري في خيل المختار فخرجت نحو عبد القيس وخرج عبد الله وعبد الرحمن ابنا صلخب في أثرى وشغلوا بالاحتباس عليهما عنى فنجوت وأخذوهما ثم مضوا بهما حتى مروا على منزل رجل يقال له عبد الله بن وهب ابن عمرو ابن عم أعشى همدان من بنى عبد فأخذوه فانتهوا بهم إلى المختار فأمر بهم فقتلوا في السوق فهؤلاء ثلاثة فقال حميد بن مسلم في ذلك حيث نجا منهم ألم ترنى على دهش * نجوت ولم أكد أنجو رجاء الله أنقذني * ولم أك غيره أرجو (قال أبو مخنف) حدثنى موسى بن عامر العدوى من جهينة وقد عرف ذلك الحديث شهم بن عبد الرحمن الجهنى قال بعث المختار عبد الله بن كامل إلى عثمان بن خالد بن أسير الدهمانى من جهينة وإلى أبى أسماء بشر بن سوط القابضى وكانا ممن شهدا قتل الحسين وكانا اشتركا في دم عبد الرحمن بن عقيل بن أبى طالب وفى سلبه فأحاط عبد الله بن كامل عند العصر بمسجد بنى دهمان ثم قال على مثل خطايا بنى دهمان منذ يوم خلقوا إلى يوم يبعثون إن لم أوت بعثمان بن خالد بن أسير إن لم أضرب أعناقكم من عند آخركم فقلنا له أمهلنا نطلبه فخرجوا معه الخيل في طلبه فوجدوهما جالسين في الجبانة وكانا يريدان أن يخرجا إلى الجزيرة فأتى بهما عبد الله بن كامل فقال الحمد لله الذى كفى المؤمنين القتال لو لم يجدوا هذا مع هذا عنانا إلى منزله في طلبه فالحمد لله الذى حينك حتى أمكن منك فخرج بهما حتى إذا كان في موضع بئر الجعد ضرب أعناقهما ثم رجع فأخبر المختار خبرهما فأمره أن يرجع اليهما فيحرقهما بالنار وقال لا يدفنان حتى يحرقا فهذان رجلان فقال أعشى همدان يرثى عثمان الجهنى

[ 531 ]

يا عين بكى فتى الفتيان عثمانا * لا يبعدن الفتى من آل دهمانا واذكر فتى ماجدا حلوا شمائله * ما مثله فارس في آل همدانا قال موسى بن عامر وبعث معاذ بن هانئ بن عدى الكندى بن أخى حجر وبعث أبا عمرة صاحب حرسه فساروا حتى أحاطوا بدار خولى بن يزيد الاصبحي وهو صاحب رأس الحسين الذى جاء به فاختبى في مخرجه فأمر معاذ أبا عمرة أن يطلبه في الدار فخرجت امرأته إليهم فقالوا لها أين زوجك فقالت لا أدرى أين هو وأشارت بيدها إلى المخرج فدخلوا فوجدوه قد وضع على رأسه قوصرة فأخرجوه وكان المختار يسير بالكوفة ثم إنه أقبل في أثر أصحابه وقد بعث أبو عمرة إليه رسولا فاستقبل المختار الرسول عند دار أبى بلال ومعه ابن كامل فأخبره الخبر فأقبل المختار نحوهم فاستقبل به فردده حتى قتله إلى جانب أهله ثم دعا بنار فحرقه ثم لم يبرح حتى عاد رمادا ثم انصرف عنه وكانت امرأته من حضرت موت يقال لها العيوف بنت مالك بن نهار بن عقرب وكانت نصبت له العداوة حين جاء برأس الحسين (قال أبو مخنف) وحدثني موسى بن عامر أبو الاشعر أن المختار قال ذات يوم وهو يحدث جلساءه لاقتلن غدا رجلا عظيم القدمين غائر العينين مشرف الحاجبين يسر مقتله المؤمنين والملائكة المقربين قال وكان الهيثم بن الاسود النخعي عند المختار حين سمع هذه المقالة فوقع في نفسه أن الذى يريد عمر بن سعد بن أبى وقاص فلما رجع إلى منزله دعا ابنه العريان فقال الق ابن سعد الليلة فخبره بكذا وكذا وقل له خذ حذرك فانه لا يريد غيرك قال فأتاه فاستخلاه ثم حدثه الحديث فقال له عمر بن سعد جزى الله أباك والاخاء خيرا كيف يريد هذا بى بعد الذى أعطاني من العهود والمواثيق وكان المختار أول ما ظهر أحسن شئ سيرة وتألفا للناس وكان عبد الله بن جعدة بن هبيرة أكرم خلق الله على المختار لقرابته بعلى فكلم عمر بن سعد عبد الله بن جعدة وقال له إنى لا آمن هذا الرجل يعنى المختار فخذ لى منه أمانا ففعل قال فأنا رأيت أمانه وقرأته بسم الله الرحمن الرحيم هذا أمان من المختار بن أبى عبيد لعمر بن سعد بن أبى وقاص إنك آمن بأمان الله على نفسك ومالك وأهلك وأهل بيتك وولدك لا تؤاخذ بحدث كان منك قديما

[ 532 ]

ما سمعت وأطعت ولزمت رحلك وأهلك ومصرك فمن لقى عمر بن سعد من شرطة الله وشيعة آل محمد ومن غيرهم من الناس فلا يعرض له إلا بخير شهد السائب بن مالك وأحمر بن شميط وعبد الله بن شداد وعبد الله بن كامل وجعل المختار على نفسه عهد الله وميثاقه ليفين لعمر بن سعد بما أعطاه من الامان إلا أن يحدث حدثا وأشهد الله على نفسه وكفى بالله شهيدا قال فكان أبو جعفر محمد بن على يقول أما أمان المختار لعمر بن سعد إلا أن يحدث حدثا فإنه كان يريد به إذا دخل الخلاء فأحدث قال فلما جاءه العريان بهذا خرج من تحت ليلته حتى أتى حمامه ثم قال في نفسه أنزل دارى فرجع فعبر الروحاء ثم أتى داره غدوة وقد أتى حمامه فأخبر مولى له بما كان من أمانه وبما أريد به فقال له مولاه وأى حدث أعظم مما صنعت إنك تركت رحلك وأهلك وأقبلت إلى ههنا ارجع إلى رحلك لا تجعلن للرجل عليك سبيلا فرجع إلى منزله وأتى المختار بانطلاقه فقال كلا إن في عنقه سلسلة سترده لو جهد أن ينطلق ما استطاع قال وأصبح المختار فبعث إليه أبا عمرة وأمره أن يأتيه به فجاءه حتى دخل عليه فقال أجب الامير فقام عمر فعثر في جبة له ويضربه أبو عمرة بسيفه فقتله وجاء برأسه في أسفل قبائه حتى وضعه بين يدى المختار فقال المختار لابنه حفص بن عمر بن سعد وهو جالس عنده أتعرف هذا الرجل فاسترجع وقال نعم ولا خير في العيش بعده قال له المختار صدقت فإنك لا تعيش بعده فأمر به فقتل وإذا رأسه مع رأس أبيه ثم إن المختار قال هذا بحسين وهذا بعلى بن حسين ولا سواء والله لو قتلت به ثلاثة أرباع قريش ما وفوا أنملة من أنامله فقالت حميدة بنت عمر بن سعد تبكى أباها لو كان غير أخى قسى غره * أو غير ذى يمن وغير الاعجم سخى بنفسى ذاك شيئا فاعلموا * عنه وما البطريق مثل الالام أعطى ابن سعد في الصحيفة وابنه * عهدا يلين له جناح الارقم فلما قتل المختار عمر بن سعد وابنه بعث برأسيهما مع مسافر بن سعيد بن نمران الناعطى وظبيان بن عمارة التميمي حتى قدما بهما على محمد بن الحنفية وكتب إلى

[ 533 ]

ابن الحنفية في ذلك بكتاب (قال أبو مخنف) وحدثني موسى بن عامر قال إنما كان هيج المختار على قتل عمر بن سعد أن يزيد بن شراحيل الانصاري أتى محمد بن الحنفية فسلم عليه فخري الحديث إلى أن تذاكروا المختار وخروجه وما يدعو إليه من الطلب بدماء أهل البيت فقال محمد بن الحنفية على أهون رسله يزعم أنه لنا شعة وقتلة الحسين جلساؤه على الكراسي يحدثونه قال فوعاها الآخر منه فلما قدم الكوفة أتاه فسلم عليه فسأله المختار هل لقيت المهدى فقال له نعم فقال ما قال لك وما ذاكرك قال فخبره الخبر قال فما لبث المختار عمر بن سعد وابنه أن قتلهما ثم بعث برؤوسهما إلى ابن الحنفية مع الرسولين اللذين سمينا وكتب معهما إلى ابن الحنفية بسم الله الرحمن الرحيم للمهدى محمد بن على من المختار بن أبى عبيد سلام عليك يا أيها المهدى فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو أما بعد فان الله بعثنى نقمة على أعدائكم فهم بين قتيل وأسير وطريد وشريد فالحمد لله الذى قتل قاتليكم ونصر مؤازريكم وقد بعثت إليك برأس عمر بن سعد وابنه وقد قتلنا من شرك في دم الحسين وأهل بيته رحمة الله عليهم كل من قدرنا عليه ولن يعجز الله من بقى ولست بمنجم عنهم حتى لا يبلغني أن على أديم الارض منهم أرميا فاكتب إلى أيها المهدى برأيك أتبعه وأكون عليه والسلام عليك أيها المهدى ورحمة الله وبركاته ثم إن المختار بعث عبد الله بن كامل إلى حكيم بن طفيل الطائى السنبسى وقد كان أصاب صلب العباس ابن على ورمى حسينا بسهم فكان يقول تعلق سهمي بسرباله وما ضره فأتاه عبد الله بن كامل فأخذه ثم أقبل به وذهب أهله فاستغاثوا بعدى بن حاتم فلحقهم في الطريق فكلم عبد الله بن كامل فيه فقال ما إلى من أمره شئ إنما ذلك إلى الامير المختار قال فإنى آتيه قال فأته راشدا فمضى عدى نحو المختار وكان المختار قد شفعه في نفر من قومه أصابهم يوم جبانة السبيع لم يكونوا نطقوا بشئ من أمر الحسين ولا أهل بيته فقالت الشيعة لابن كامل إنا نخاف أن يشفع الامير عدى بن حاتم في هذا الخبيث وله من الذنب ما قد علمت فدعنا نقتله قال شأنكم به فلما انتهوا به إلى دار العنزيين وهو مكتوف نصبوه غرضا ثم قالوا له سلبت ابن على ثيابه والله

[ 534 ]

لنسلبن ثيابك وأنت حى تنظر فنزعوا ثيابه ثم قالوا له رميت حسينا واتخذته غرضا لنبلك وقلت تعلق سهمي بسرباله ولم يضره وايم الله لنرمينك كما رميته بنبال ما تعلق بك منها أجزاك قال فرموه رشقا واحدا فوقعت به منهم نبال كثيرة فخر ميتا (قال أبو مخنف) فحدثني أبو الجارود عمن رآه قتيلا كأنه قنفذ لما فيه من كثرة النبل ودخل عدى بن حاتم على المختار فأجلسه معه على مجلسه فأخبره عدى عما جاء له فقال له المختار أتستحل يا أبا طريف أن تطلب في قتلة الحسين قال إنه مكذوب عليه أصلحك الله قال إذا ندعه لك قال فلم يكن بأسرع من أن دخل ابن كامل فقال له المختار ما فعل الرجل قال قتلته الشيعة قال وما أعجلك إلى قتله قبل أن تأتيني به وهو لا يسره أنه لم يقتله وهذا عدى قد جاء فيه وهو أهل أن يشفع ويؤتى ما سره قال غلبتني والله الشيعة قال له عدى كذبت يا عدو الله ولكن ظننت أن من هو خير منك سيشفعنى فيه فبادرتني فقتلته ولم يكن خطر يدفعك عما صنعت قال فاسحنفر إليه ابن كامل بالشتيمة فوضع المختار أصبعه على فيه يأمر ابن كامل بالسكوت والكف عن عدى فقام عدى راضيا عن المختار ساخطا على ابن كامل يشكوه عند من لقى من قومه وبعث المختار إلى قاتل على ابن الحسين عبد الله بن كامل وهو رجل من عبد القيس يقال له مرة بن منقذ بن النعمان العبدى وكان شجاعا فأتاه ابن كامل فأحاط بداره فخرج إليهم وبيده الرمخ وهو على فرس جواد فطعن عبيدالله بن ناجية الشبامى فصرعه ولم يضره قال ويضربه ابن كامل بالسيف فيتقيه بيده اليسرى فأسرع فيها السيف وتمطرت به الفرس فأفلت ولحق بمصعب وشلت يده بعد ذلك قال وبعث المختار أيضا عبد الله الشاكرى إلى رجل من جنب يقال له زيد بن رقاد كان يقول لقد رميت فتى منهم بسهم وإنه لواضع كفه على جبهته يتقى النبل فأثبت كفه في جبهته فما استطاع أن يزيل كفه عن جبهته (قال أبو مخنف) فحدثني أبو عبد الاعلى الزبيدى أن ذلك الفتى عبد الله بن مسلم بن عقيل وأنه قال حيث أثبت كفه في جبهته اللهم إنهم استقلونا واستذلونا اللهم فاقتلهم كما قتلونا وأذلهم كما استذلونا ثم إنه رمى الغلام بسهم آخر فقتله فكان

[ 535 ]

يقول جئته ميتا فنزعت سهمي الذى قتله به من جوفه فلم أزل أنضنض السهم من جبهته حتى نزعته وبقى النصل في جبهته مثبتا ما قدرت على نزعه قال فلما أتى ابن كامل داره أحاط بها واقتحم الرجال عليه فخرج مصلتا بسيفه وكان شجاعا فقال ابن كامل لا تضربوه بسيف ولا تطعنوه برمح ولكن ارموه بالنبل وارجموه بالحجارة ففعلوا ذلك به فسقط فقال ابن كامل إن كان به رمق فأخرجوه فأخرجوه وبه رمق فدعا بنار فحرقه بها وهو حى لم تخرج روحه وطلب المختار سنان بن أنس الذى كان يدعى قتل الحسين فوجده قد هرب إلى البصرة فهدم داره وطلب المختار عبد الله بن عقبة الغنوى فوجده قد هرب ولحق بالجزيرة فهدم داره وكان ذلك الغنوى قد قتل منهم غلاما وقتل رجل آخر من بنى أسد يقال له حرملة بن كاهل رجلا من آل الحسين ففيهما يقول ابن أبى عقب الليثى وعند غنى قطرة من دمائنا * وفى أسد أخرى تعد وتذكر وطلب رجلا من خثعم يقال له عبد الله بن عروة الخثعمي كان يقول رميت فيهم باثنى عشر سهما ضيعة ففاته ولحق بصعب فهدم داره وطلب رجلا من صداء يقال له عمرو بن صبيح وكان يقول لقد طعنت بعضهم وجرجت فيهم وما قتلت منهم أحدا فأتى ليلا وهو على سطحه وهو لا يشعر بعد ما هدأت العيون وسيفه تحت رأسه فأخذوه أخذا وأخذوا سيفه فقال قبحك الله سيفا ما أقربك وأبعدك فجئ به إلى المختار فحبسه معه في القصر فلما أن أصبح أذن لاصحابه وقيل ليدخل من شاء أن يدخل ودخل الناس وجئ به مقيدا فقال أما والله يا معشر الكفرة الفجرة أن لو بيدى سيفى لعلمتم أنى بنصل السيف غير رعش ولا رعديد ما يسرنى إذ كانت منيتى قتلا أنه قتلني من الخلق أحد غيركم لقد عملت أنكم شرار خلق الله غير أنى وددت أن بيدى سيفا أضرب به فيكم ساعة ثم رفع يده فلطم عين ابن كامل وهو إلى جنبه فضحك ابن كامل ثم أخذ بيده وأمسكها ثم قال إنه يزعم أنه قد جرح في آل محمد وطعن فمرنا بأمرك فيه فقال المختار على بالرماح فأتى بها فقال اطعنوه حتى يموت فطعن بالرماح حتى مات (قال أبو مخنف)

[ 536 ]

حدثنى هشام بن عبد الرحمن وابنه الحكم بن هشام ان أصحاب المختار مروا بدار بنى أبى زرعة بن مسعود فرموهم من فوقها فأقبلوا حتى دخلوا الدار فقتلوا الهبياط ابن عثمان بن أبى زرعة الثقفى وعبد الرحمن بن عثمان بن أبى زرعة الثقفى وأفلتهم عبد المالك بن أبى زرعة بضربة في رأسه فجاء يشتد حتى دخل على المختار فأمر امرأته أم ثابت ابنة سمرة بن جندب فداوت شجته ثم دعاه فقال لا ذنب لى انكم رميتم القوم فأغضبتموهم وكان محمد بن الاشعث بن قيس في قرية الاشعث إلى جنب القادسية فبعث المختار إليه حوشبا سادن الكرسي في مائة فقال انطلق إليه فإنك تجده لاهيا متصيدا أو قائما متلبدا أو خائفا متلددا أو كامنا متغمدا فإن قدرت عليه فأتني برأسه فخرج حتى أتى قصره فأحاط به وخرج منه محمد بن الاشعث فلحق بمصعب وأقاموا على القصر وهم يرون أنه فيه ثم إنهم دخلوا فعلموا أنه قد فاتهم فانصرفوا إلى المختار فبعث إلى داره فهدمها وبنى بلبنها وطينها دار حجر بن عدى الكندى وكان زياد بن سمية قد هدمها (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة دعى المثنى به مخربة العبدى إلى البيعة للمختار بالبصرة أهلها * فحدثني أحمد بن زهير عن على بن محمد عن عبد الله بن عطية الليثى وعامر بن الاسود أن المثنى بن مخربة العبدى كان ممن شهد عين الوردة مع سليمان بن صرد ثم رجع مع من رجع ممن بقى من التوابين إلى الكوفة والمختار محبوس فأقام حتى خرج المختار من السجن فبايعه المثنى سرا وقال له المختار الحق ببلدك بالبصرة فارع الناس وأسر أمرك فقدم البصرة فدعا فأجابه رجال من قومه وغيرهم فلما أخرج المختار ابن مطيع من الكوفة ومنع عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام من الكوفة خرج المثنى بن مخربة فاتخذ مسجدا واجتمع إليه قومه ودعا إلى المختار ثم أتى مدينة الرزق فعسكر عندها وجمعوا الطعام في المدينة ونحروا الجزر فوجه إليهم القباع عباد بن حصين وهو على شرطته وقيس بن الهيثم في الشرط والمقاتلة فأخذوا في سكة الموالى حتى خرجوا إلى السبخة فوقفوا ولزم الناس دورهم فلم يخرج أحد فجعل عباد ينظر هل يرى أحدا يسأله فلم ير أحدا فقال أما ههنا رجل من بنى تميم

[ 537 ]

فقال خليفة الاعور مولى بنى عدى عدى الرباب هذه دار وراد مولى بنى عبد شمس قال دق الباب فدقه فخرج إليه وراد فشتمه عباد وقال ويحك أنا واقف ههنا لم تخرج إلى قال لم أدر ما يوافقك قال شد عليك سلاحك واركب ففعل ووقفوا وأقبل أصحاب المثنى فواقفوهم فقال عباد لوراد قف مكانك مع قيس فوقف قيس بن الهيثم ووراد ورجع عباد فأخذ في طريق الذباحين والناس وقوف في السبخة حتى أتى الكلا ولمدينة الرزق أربعة أبواب باب مما يلى البصرة وباب إلى الخلالين وباب إلى المسجد وباب إلى مهب الشمال فأتى الباب الذى يلى النهر مما يلى أصحاب السقط وهو باب صغير فوقف ودعا بسلم فوضعه مع حائط المدينة فصعد ثلاثون رجلا وقال لهم الزموا السطح فإذا سمعتم التكبير فكبروا على السطوح ورجع عباد إلى قيس بن الهيثم وقال لو راد حرش القوم نطاردهم وراد ثم ؟ ؟ القتال فقتل أربعون رجلا من أصحاب المثنى وقتل رجل من أصحاب عباد وسمع الذين على السطوح في دار الرزق الضجة والتكبير فكبروا فهرب من كان في المدينة وسمع المثنى وأصحابه التكبير من ورائهم فانهزموا وأمر عباد وقيس بن الهيثم الناس بالكف عن اتباعهم وأخذوا مدينة الرزق وما كان فيها واتى المثنى وأصحابه عبد القيس ورجع عباد وقيس ومن معهم إلى القباع فوجههما إلى عبد القيس فأخذ قيس بن الهيثم من ناحية الجسر وأتاهم عباد من طريق المربد فالتقوا فأقبل زياد بن عمرو العتكى إلى القباع وهو في المسجد جالس على المنبر فدخل زياد المسجد على فرسه فقال أيها الرجل لتردن خيلك عن إخواننا أو لنقاتلنها فأرسل القباع الاحنف بن قيس وعمر بن عبد الرحمن المخزومى ليصلحا أمر الناس فأتيا عبد القيس فقال الاحنف لبكر والازد وللعامة ألستم على بيعة ابن الزبير قالوا بلى ولكنا لا نسلم إخواننا قال فمروهم فليخرجوا إلى أي بلاد أحبوا ولا يفسدوا هذا المصر على أهله وهم آمنون فليخرجوا حيث شاؤا ؟ فمشى مالك بن مسمع وزياد بن عمرو ووجوه أصحابهم لى المثنى فقالوا له ولاصحابه إنا والله ما نحن على رأيكم ولكنا كرهنا أن تضاموا لحقوا بصاحبكم فان من أجابكم إلى رأيكم قليل وأنتم آمنون فقبل المثنى قولهما

[ 538 ]

وما أشارا به وانصرف ورجع الاحنف وقال ما غبنت رأيى إلا يومى هذا إنى أتيت هؤلاء القوم وخلفت بكرا والازد ورائي ورجع عباد وقيس إلى القباع وشخص المثنى إلى المختار بالكوفة في نفر يسير من أصحابه وأصيب في تلك الحرب سويد بن رئاب الشنى وعقبة بن عشيرة الشنى قتله رجل من بنى تميم وقتل التميمي فولغ أخوه عقبة بن عشيرة في دم التميمي وقال ثأري وأخبر المثنى المختار حين قدم عليه بما كان من أمر مالك بن مسمع وزياد بن عمرو ومسيرهما إليه وذبهما عنه حتى شخص عن البصرة فطمع المختار فيهما فكتب إليهما أما بعد فاسمعا وأطيعا أوتكما من الدنيا ما شئتما وأضمن لكما الجنة فقال مالك لزياد يا أبا المغيرة قد أكثر لنا أبو إسحاق إعطاءنا الدنيا والآخرة فقال زياد مازحا لمالك يا أبا غسان أما أنا فلا أقاتل نسيئة من أعطانا الدراهم قاتلنا معه وكتب المختار إلى الاحنف بن قيس من المختار إلى الاحنف ومن قبله فسلم أنتم أما بعد فويل أم ربيعة من مضر فإن الاحنف مورد قومه سقر حيث لا يستطيع لهم الصدر وإنى لا أملك ما خط في القدر وقد بلغني أنكم تسموننى كذابا وقد كذب الانبياء من قبلى ولست نجبر من كثير منهم وكتب إلى الاحنف إذا اشتريت فرسا من مالكا * ثم أخذت الجوب في شمالكا فاجعل مصاعا حذما من بالكا * حدثنى أبو السائب سلم بن جنادة قال حدثنا الحسن بن حماد عن حيان بن على عن المجالد عن الشعبى قال دخلت البصرة فقعدت إلى حلقة فيها الاحنف بن قيس فقال لى بعض القوم من أنت قلت رجل من أهل الكوفة قال أنتم موال لنا قلت وكيف قال قد أنقذناكم من أيدى عبيدكم من أصحاب المختار قلت تدرى ما قال شيخ همدان فينا وفيكم فقال الاحنف بن قيس وما قال قلت قال أفخرتم إن قتلتم أعبدا * وهزمتم مرة آل عزل وإذا فاخرتمونا فاذكروا * ما فعلنا بكم يوم الجمل بين شيخ خاضب عثنونه * وفتى أبيض وضاح رفل

[ 539 ]

جاءنا يهدج في سابغة * فذبحناه ضحى ذبح الحمل وعفونا فنسيتم عفونا * وكفرتم نعمة الله الاجل وقتلتم خشبيين بهم * بدلا من قومكم شر بدل فغضب الاحنف فقال يا غلام هات تلك الصحيفة فأتى بصحيفة فيها بسم الله الرحمن الرحيم من المختار بن أبى عبيد إلى الاحنف بن قيس أما بعد فويل أم ربيعة ومضر فإن الاحنف مورد قومه سقر حيث لا يقدرون على الصدر وقد بلغني أنكم تكذبوني وإن كذبت فقد كذب رسول من قبلى ولست أنا خيرا منهم فقال هذا منا أو منكم (وقال هشام) بن محمد عن أبى مخنف قال حدثنى منيع بن العلاء السعدى أن مسكين بن عامر بن أنيف بن شريح بن عمرو بن عدس كان فيمن قاتل المختار فلما هزم الناس لحق بآذربيجان بمحمد بن عمير بن عطارد وقال عجبت دختنوس لما رأتنى * قد علانى من المشيب خمار فأهلت بصوتها وأرنت * لا تهالى قد شاب منى العذار إن ترينى قد بان غرب شبابى * وأتى دون مولدي أعصار فابن عامين وابن خمسين عاما * أي دهر إلا له أدهار ليت سيفى لها وجوبتها لى * يوم قالت ألا كريم يغار ليتنا قبل ذلك اليوم متنا * أو فعلنا ما تفعل الاحرار فعل قوم تقاذف الخير عنهم * لم نقاتل وقاتل العيزار وتوليت عنهم وأصيبوا * ونفاني عنهم شنار وعار لهف نفسي على شهاب قريش * يوم يؤتى برأسه المختار وقال المتوكل قتلوا حسينا ثم هم ينعونه * إن الزمان بأهله أطوار لا تبعدن بالطف قتلى ضيعت * وسقى مساكن هامها الامطار ما شرطة الدجال تحت لوائه * بأضل ممن غره المختار أبنى قسى أوثقوا دجالكم * يجلى الغبار وأنتم أحرار

[ 540 ]

لو كان علم الغيب عند أخيكم * لتوطأت لكم به الاحبار ولكان أمرا بينا فيما مضى * تأتى به الانباء والاخبار إنى لارجو أن يكذب وحيكم * طعن يشق عصاكم وحصار ويجيئكم قوم كأن سيوفهم * بأكفهم تحت العجاجة نار لا ينثنون إذا هم لاقوكم * إلا وهام كماتكم أعشار (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة بعث المختار جيشا إلى المدينة للمكر بابن الزبير وهو مظهر له أنه وجههم معونة له لحرب الجيش الذى كان عبد الملك بن مروان وجهه إليه لحربه فنزلوا وادى القرى ذكر الخبر عن السبب الداعي كان للمختار إلى توجيه ذلك الجيش وإلى ما صار أمرهم (قال هشام بن محمد) قال أبو مخنف حدثنى موسى بن عامر قال لما أخرج المختار ابن مطيع من الكوفة لحق بالبصرة وكره أن يقدم على ابن الزبير بمكة وهو مهزوم مفلول فكان بالبصرة مقيما حتى قدم عليه عمر بن عبد الرحمن بن هشام فصارا جميعا بالبصرة وكان سبب قدوم عمر البصرة أن المختار حين ظهر بالكوفة واستجمع له الامر وهو عند الشيعة إنما يدعو إلى ابن الحنفية والطلب بدماء أهل البيت أخذ يخادع ابن الزبير ويكتب إليه فكتب إليه أما بعد فقد عرفت مناصحتى إياك وجهدي على أهلى عداوتك وما كنت أعطيتني إذا أنا فعلت ذلك من نفسك فلما وفيت لك وقضيت الذى كان لك على خست بى ولم تف بما عاهدتني عليه ورأيت منى ما قد رأيت فإن ترد مراجعتي أراجعك وإن ترد مناصحتى أنصح لك وهو يريد بذلك كفه عنه حتى يستجمع له الامر وهو لا يطلع الشيعة على شئ من هذا الامر وإذا بلغهم شئ منه أراهم أنه أبعد الناس عن ذلك قال فأراد ابن الزبير أن يعلم أسلم هو أم حرب فدعا عمر بن عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام المخزومى فقال له تجهز إلى الكوفة فقد وليناكها فقال كيف وبها المختار قال إنه يزعم إنه سامع مطيع قال فتجهز بما بين الثلاثين الالف درهم إلى

[ 541 ]

الاربعين ألفا ثم خرج مقبلا إلى الكوفة قال ويجئ عين المختار من مكة حتى أخبره الخبر فقال له بكم تجهز قال بما بين الثلاثين ألفا إلى الاربعين ألفا قال فدعا المختار زائدة بن قدامة وقال له احمل معك سبعين ألف درهم ضعف ما أنفق هذا في مسيره الينا وتلقه في المفاوز وأخرج معك بمسافر بن سعيد بن نمران الناعطى في خمسمائة فارس دارع رامح عليهم البيض ثم قل له خذ هذه النفقة فانها ضعف نفقتك فانه قد بلغنا أنك تجهزت وتكلفت قدر ذلك فكرهنا أن تغرم فخذها وانصرف فان فعل وإلا فأره الخيل وقل له إن وراء هؤلاء مثهلم مائة كتيبة قال فأخذ زائدة المال وأخرج معه الخيل وتلقاه بالمفاوز وعرض عليه المال وأمره بالانصراف فقال له ان أمير المؤمنين قد ولانى الكوفة ولابد من إنفاذ أمره فدعا زائدة بالخيل وقد أكمنها في جانب فلما رآها قد أقبلت قال هذا الآن أعذر لي وأجمل بى هات المال فقال له زائدة أما انه لم يبعث به اليك إلا لما بينك وبينه فدفعه إليه فأخذه ثم مضى راجعا نحو البصرة فاجتمع بها هو وابن مطيع في إمارة الحارث بن عبد الله بن أبى ربيعة وذلك قبل وثوب المثنى بن مخربة العبدى بالبصرة (قال أبو مخنف) فحدثني إسماعيل بن نعيم أن المختار أخبر أن أهل الشأم قد أقبلوا نحو العراق فعرف أنه به يبدأ فخشى أن يأتيه أهل الشأم من قبل المغرب ويأتيه مصعب بن الزبير من قبل البصرة فوادع ابن الزبير وداراه وكايده وكان عبد الملك بن مروان قد بعث عبد الملك بن الحارث بن الحكم بن أبى العاص إلى وادى القرى والمختار لابن الزبير مكايد موادع فكتب المختار إلى ابن الزبير أما بعد فقد بلغني أن عبد الملك بن مروان قد بعث إليك جيشا فان أحببت أن أمدك بمدد أمددتك فكتب إليه عبد الله بن الزبير أما بعد فان كنت على طاعتي فلست أكره أن تبعث الجيش إلى بلادي وتبايع لى الناس قبلك فإذا أتتنى بيعتك صدقت مقالتك وكففت جنودي عن بلادك وعجل على بتسريح الجيش الذى أنت باعثه ومرهم فليسيروا إلى من بوادي القرى من جند ابن مروان فليقاتلوهم والسلام فدعا المختار شرحبيل بن ورس من همدان فسرحه في ثلاثة آلاف أكثرهم

[ 542 ]

الموالى ليس فيهم من العرب إلا سبعمائة رجل فقال له سر حتى تدخل المدينة فإذا دخلتها فاكتب إلى بذلك حتى يأتيك أمرى وهو يريد إذا دخلوا المدينة أن يبعث عليهم أميرا من قبله ويأمر ابن ورس أن يمضى إلى مكة حتى يحاصر ابن الزبير ويقاتله بمكة فخرج الآخر يسير قبل المدينة وخشى ابن الزبير أن يكون المختار إنما يكيده فبعث من مكة إلى المدينة عباس بن سهل بن سعد في ألفين وأمره أن يستنفر الاعراب وقال له ابن الزبير ان رأيت القوم في طاعتي فاقبل منهم وإلا فكايدهم حتى تهلكهم ففعلوا وأقبل عباس بن سهل حتى لقى ابن ورس بالرقيم وقد عبى ابن ورس أصحابه فجعل على ميمنته سلمان بن حمير الثوري من همدان وعلى ميسرته عياش بن جعدة الجدلي وكانت خيله كلها في الميمنة والميسرة فدنا فسلم عليه ونزل هو يمشى في الرجالة وجاء عباس في أصحابه وهم منقطعون على غير تعبية فيجد ابن ورس على الماء قد عبى أصحابه تعبية القتال فدنا منهم فسلم عليهم ثم قال أخل معى ههنا فخلا به فقال له رحمك الله ألست في طاعة ابن الزبير فقال له ابن ورس بلى قال فسر بنا إلى عدوه هذا الذى بوادي القرى فان ابن الزبير حدثنى أنه إنما أشخصكم صاحبكم إليهم قال ابن ورس ما أمرت بطاعتك إنما أمرت أن أسير حتى آتى المدينة فإذا نزلتها رأيت رأيى قال له عباس ابن سهل فان كنت في طاعة ابن الزبير فقد أمرنى أن أسير بك وبأصحابك إلى عدونا الذين بوادي القرى فقال له ابن ورس ما أمرت بطاعتك وما أنا بمتبعك دون أن أدخل المدينة ثم اكتب إلى صاحبي فيأمرني بأمره فلما رأى عباس بن سهل لجاجته عرف خلافه فكره أن يعلمه أنه قد فطن له فقال فرأيك أفضل اعمل بما بدا لك فأما أنا فإنى سائر إلى وادى القرى ثم جاء عباس بن سهل فنزل بالماء وبعث إلى ابن ورس بجزائر كانت معه فأهداها له وبعث إليه بدقيق وغنم مسلخة وكان ابن ورس وأصحابه قد هلكوا جوعا فبعث عباس بن سهل إلى كل عشرة منهم شاة فذبحوها واشتغلوا بها واختلطوا على الماء وترك القوم تعبيتهم وأمن بعضهم بعضا فلما رأى عباس بن سهل ما هم فيه من الشغل جمع من أصحابه

[ 543 ]

نحوا من ألف رجل من ذوى البأس والنجدة ثم أقبل نحو فسطاط شرحبيل بن ورس فلما رآهم ابن ورس مقبلين إليه نادى في أصحابه فلم يتواف إليه مائة رجل حتى انتهى إليه عباس بن سهل وهو يقول يا شرطة الله إلى إلى قاتلوا المحلين أولياء الشيطان الرجيم فإنكم على الحق والهدى وقد غدروا وفجروا (قال أبو مخنف) فحدثني أبو يوسف أن عباسا انتهى إليهم وهو يقول: أنا ابن سهل فارس غير وكل * أروع مقدام إذا الكبش نكل وأعتلى رأس الطرماح البطل * بالسيف يوم الروع حتى ينخزل قال فوالله ما اقتتلنا إلا شيئا ليس بشئ حتى قتل ابن ورس في سبعين من أهل الحفاظ ورفع عباس بن سهل راية أمان لاصحاب ابن ورس فأتوها إلا نحوا من ثلثمائة رجل انصرفوا مع سلمان بن حمير الهمداني وعياش بن جعدة الجدلي فلما وقعوا في يد عباس بن سهل أمر بهم فقتلوا إلا نحوا من مائتي رجل كره ناس من الناس ممن دفعوا إليهم قتلهم فخلوا سبيلهم فرجعوا فمات أكثرهم في الطريق فلما بلغ المختار أمرهم ورجع من رجع منهم قام خطيبا فقال ألا إن الفجار الاشرار قتلوا الابرار الاخيار ألا إنه كان أمرا مأتيا وقضاء مقضيا وكتب المختار إلى ابن الحنفية مع صالح بن مسعود الخثعمي (بسم الله الرحمن الرحيم) أما بعد فإنى كنت بعثت اليك جندا ليذلوا لك الاعداء وليحوزوا لك البلاد فساروا اليك حتى إذا أظلوا على طيبة لقيهم جند الملحد فحدعوهم بالله وغروهم بعهد الله فلما اطمأنوا إليهم ووثقوا بذلك منهم وثبوا عليهم فقتلوهم فإن رأيت أن أبعث إلى أهل المدينة من قبلى جيشا كثيفا وتبعث إليهم من قبلك رسلا حتى يعلم أهل المدينة أنى في طاعتك وإنما بعثت الجند إليهم عن أمرك فافعل فإنك ستجد عظمهم بحقكم أعرف وبكم أهل البيت أرأف منهم بآل الزبير الظلمة الملخدين والسلام عليك فكتب إليه ابن الحنفية أما بعد فإن كتابك لما بلغني قرأته وفهمت تعظيمك لحقي وما تنوى به من سروري وإن أحب الامور كلها إلى ما أطيع الله فيه فأطع الله ما استطعت فيما أعلنت وأسررت واعلم أنى لو أردت القتال لوجدت الناس إلى

[ 544 ]

سراعا والاعوان لى كثيرا ولكني أعتزلهم وأصبر حتى يحكم الله لى وهو خير الحاكمين فأقبل صالح بن مسعود إلى ابن الحنفية فودعه وسلم عليه وأعطاه الكتاب وقال له قل للمختار فليتق الله وليكفف عن الدماء قال فقلت له أصلحك الله أو لم تكتب بهذا إليه قال ابن الحنفية قد أمرته بطاعة الله وطاعة الله تجمع الخير كله وتنهى عن الشر كله فلما قدم كتابه على المختار أظهر للناس أنى قد أمرت بأمر يجمع البر واليسر ويضرح الكفر والغدر (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة قدمت الخشبية مكة ووافوا الحج وأميرهم أبو عبد الله الجدلي ذكر الخبر عن سبب قدومهم مكة وكان السبب في ذلك فيما ذكر هشام عن أبى مخنف وعلى بن محمد عن مسلمة ابن محارب أن عبد الله بن الزبير حبس محمد بن الحنفية ومن معه من أهل بيته وسبعة عشر رجلا من وجوه أهل الكوفة بزمزم وكرهوا البيعة لمن لم تجتمع عليه الامة وهربوا إلى الحرم وتوعدهم بالقتل والاحراق وأعطى الله عهدا إن لم يبايعوا أن ينفذ فيهم ما توعدهم به وضرب لهم في ذلك أجلا فأشار بعض من كان مع ابن الحنفية عليه أن يبعث إلى المختار وإلى من بالكوفة رسولا يعلمهم حالهم وحال من معهم وما توعدهم به ابن الزبير فوجه ثلاثة نفر من أهل الكوفة حين نام الحرس على باب زمرم وكتب معهم إلى المختار وأهل الكوفة يعلمهم حاله وحال من معه وما توعدهم به ابن الزبير من القتل والتحريق بالنار ويسألهم أن لا يخذلوه كما خذلوا الحسين وأهل بيته فقدموا على المختار فدفعوا إليه الكتاب فنادى في الناس وقرأ عليهم الكتاب وقال هذا كتاب مهديكم وصريح أهل بيت نييكم وقد تركوا محظورا عليهم كما يحظر على الغنم ينتظرون القتل والتحريق بالنار في آناء الليل وتارات النهار ولست أبا اسحاق ان لم أنصرهم نصرا مؤزرا وان لم أسرب إليهم الخيل في أثرا لخيل كالسيل يتلوه السيل حتى يحل بابن الكاهلية الويل ووجه أبا عبد الله الجدلي في سبعين راكبا من أهل القوة ووجه ظبيان ابن عثمان أخا بنى تميم ومعه أربعمائة وأبا المعتمر في مائة وهانئ بن قيس في مائة

[ 545 ]

وعمير بن طارق في أربعين ويونس بن عمران في أربعين وكتب إلى محمد بن على مع الطفيل بن عامر ومحمد بن قيس بتوجيه الجنود إليه فخرج الناس بعضهم في أثر بعض وجاء أبو عبد الله حتى نزل ذات عرق في سبعين راكبا ثم لحقه عمير بن طارق في أربعين راكبا ويونس بن عمران في أربعين راكبا فتموا خمسين ومائة فسار بهم حتى دخلوا المسجد الحرام ومعهم الكافر كوبات وهم ينادون يا لثأرات الحسين حتى انتهوا إلى زمزم وقد أعد ابن الزبير الحطب ليحرقهم وكان قد بقى من الاجل يومان فطردوا الحرس وكسروا أعواد زمزم ودخلوا على ابن الحنفية فقالوا له خل بيننا وبين عدو الله ابن الزبير فقال لهم انى لا أستحل القتال في حرم الله فقال ابن الزبير أتحسبون انى مخل سبيلهم دون أن يبايع ويبايعوا فقال أبو عبد الله الجدلي أي ور ب الركن والمقام ورب الحل والحرام لتخلين سبيله أو لنجالدنك بأسيافنا جلادا يرتاب منه المبطلون فقال ابن الزبير والله ما هؤلاء إلا أكلة رأس والله لو أذنت لاصحابي ما مضت ساعة حتى تقطف رؤوسهم فقال له قيس بن مالك أما والله إنى لارجو إن رمت ذلك أن يوصل إليك قبل أن ترى فينا ما تحب فكف ابن الحنفية أصحابه وحذرهم الفتنة ثم قدم أبو المعتمر في مائة وهانئ بن قيس في مائة وظبيان بن عمارة في مائتين ومعه المال حتى دخلوا المسجد فكبروا يا لثأرات الحسين فلما رآهم ابن الزبير خافهم فخرج محمد بن الحنفية ومن معه إلى شعب على وهم يسبون ابن الزبير ويستأذنون ابن الحنفية فيه فيأبى عليهم فاجتمع مع محمد بن على في الشعب أربعة آلاف رجل فقسم بينهم ذلك المال (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة كان حصار عبد الله بن خازم من كان بخراسان من رجال بنى تميم بسبب قتل من قتل منهم ابنه محمدا قال على بن محمد حدثنا الحسين بن رشيد الجوزجانى عن الطفيل ابن مرداس العمى قال لما تفرقت بنو تميم بخراسان أيام ابن خازم أتى قصر فرتنا عدة من فرسانهم ما بين السبعين إلى الثمانين فولوا أمرهم عثمان بن بشر بن المحتفز المزني ومعه شعبة بن ظهير النهشلي وورد بن الفلق العنبري وزهير بن ذؤيب العدوى وجيهان بن مشجعة الضبى والحجاج بن ناشب العدوى ورقبة بن

[ 546 ]

الحر في فرسان بنى تميم قال فأتاهم ابن خازم فحصرهم وخندق خندقا حصينا قال وكانوا يخرجون إليه فيقاتلونه ثم يرجعون إلى القصر قال فخرج ابن خازم يوما على تعبية من خندقه في ستة آلاف وخرج أهل القصر إليه فقال لهم عثمان بن بشر بن المحتفز انصرفوا اليوم عن ابن خازم فلا أظن لكم به طاقة فقال زهير بن ذؤيب العدوى امرأته طالق إن رجع حتى ينقض صفوفهم إلى جنبهم نهر يدخله الماء في الشتاء ولم يكن يومئذ فيه ماء فاستبطنه زهير فسار فيه فلم يشعر به أصحاب ابن خازم حتى حمل عليهم فحطم أولهم على آخرهم واستداروا وكر راجعا وأتبعوه على جنبتى النهر يصيحون به لا ينزل إليه أحد حتى انتهى إلى الموضع الذى انحدر فيه فخرج فحمل عليهم فأفرجوا له حتى رجع قال فقال ابن خازم لاصحابه إذا طاعنتم زهيرا فاجعلوا في رماحكم كلاليب فأعلقوها في أداته إن قدرتم عليه فخرج إليهم يوما وفى رماحهم كلاليب قد هيؤوها له فطاعنوه فأعلقوا في درعه أربعة أرماح فالتفت إليهم ليحمل عليهم فاضطربت أيديهم فخلوا رماحهم فجاء يجر أربعة أرماح حتى دخل القصر قال فأرسل ابن خازم غزوان بن جزء العدوى إلى زهير فقال قل له أرأيتك إن آمنتك وأعطيتك مائة ألف وجعلت لك باسان طعمة تناصحني فقال زهير لغزوان ويحك كيف أناصح قوما قتلوا الاشعث بن ذؤيب فأسقط بها غزوان عند موسى بن عبد الله بن خازم قال فلما طال عليهم الحصار أرسلوا إلى ابن خازم أنا خلنا نخرج فنتفرق فقال لا إلا أن تنزلوا على حكمي قالوا فإنا ننزل على حكمك فقال لهم زهير ثكلتكم أمهاتكم والله ليقتلنكم عن آخركم فإن طبتم بالموت أنفسا فموتوا كراما اخرجوا بنا جميعا فإما أن تموتوا جميعا وإما أن ينجو بعضكم ويهلك بعضكم وايم الله لئن شددتم عليهم شدة صادقة ليفرجن لكم عن مثل طريق المربد فان شئتم كنت أما مكم وإن شئتم كنت خلفكم قال فأبوا عليه فقال أما إنى سأريكم ثم خرج هو ورقبة بن الحر ومع رقبة غلام له تركي وشعبة بن ظهير قال فحملوا على القوم حملة منكرة فأخرجوا لهم فمضوا فأما زهير فرجع إلى أصحابه حتى دخل القصر فقال لاصحابه قد رأيتم فأطيعوني ومضى رقبة

[ 547 ]

وغلامه وشعبة قالوا إن فينا من يضعف عن هذا ويطمع في الحياة قال أبعدكم الله أتخلون عن أصحابكم والله لا أكون أجزعكم عند الموت قال ففتحوا القصر ونزلوا فأرسل إليهم فقيدهم ثم حملوا إليه رجلا رجلا فأراد أن يمن عليهم فأبى ابنه موسى وقال والله لئن عفوت عنهم لاتكئن على سيفى حتى يخرج من ظهرى فقال له عبد الله أما والله إنى لاعلم أن الغى فيما تأمرني به ثم قتلهم جميعا إلا ثلاثة قال أحدهم الحجاج بن ناشب العدوى وكان رمى ابن خازم وهو محاصرهم فكسر ضرسه فحلف لئن ظفر به ليقتلنه أو ليقطعن يده وكان حدثا فكلمه فيه رجال من بنى تميم كانوا معتزلين من عمرو بن حنظلة فقال رجل منهم ابن عمى وهو غلام حدث جاهل هبه لى قال فوهبه له وقال النجاء لا أرينك قال وجيهان بن مشجعة الضبى الذى ألقى نفسه على ابنه محمد يوم قتل فقال ابن خازم خلوا عن هذا البغل الدارج ورجل من بنى سعد وهو الذى قال يوم لحقوا ابن خازم انصرفوا عن فارس مضر قال وجاءوا بزهير بن ذؤيب فأرادوا حمله وهو مقيد فأبى وأقبل يحجل حتى جلس بين يديه فقال له ابن خازم كيف شكرك إن أطلقتك وجعلت لك باسان طعمة قال لو لم تصنع بى إلا حقن دمى لشكرتك فقام ابنه موسى فقال تقتل الضبع وتترك الذبح تقتل اللبوة وتترك الليث قال ويحك تقتل مثل زهير من لقتال عدو المسلمين من لنساء العرب قال والله لو شركت في دم أخى أنت لقتلتك فقام رجل من بنى سليم إلى ابن خازم فقال أذكرك الله في زهير فقال له موسى اتخذة فحلا لبناتك فغضب ابن خازم فأمر بقتله فقال له زهير إن لى حاجة قال وما هي قال تقتلني على حدة ولا تخلط دمى بدماء هؤلاء اللئام فقد نهيتهم عما صنعوا وأمرتهم أن يموتوا كراما وأن يخرجوا عليكم مصلتين وايم الله أن لو فعلوا لذعروا بنيك هذا وشغلوه بنفسه عن طلب الثأر بأخيه فأبوا ولو فعلوا ما قتل منهم رجل حتى يقتل رجالا فأمر به فنحى ناحية فقتل قال مسلمة بن محارب فكان الاحنف بن قيس إذا ذكرهم قال قبح الله ابن خازم قتل رجالا من بنى تميم بابنه صبى وغد أحمق لا يساوى علقا ولو قتل منهم رجلا به لكان وفى قال وزعمت

[ 548 ]

بنو عدى أنهم لما أرادوا حمل زهير بن ذؤيب أبى واعتمد على رمحه وجمع رجليه فوثب الخندق فلما بلغ الحريش بن هلال قتلهم قال أعاذل إنى لم ألم في قتالهم * وقد عض سيفى كبشهم ثم صمما أعاذل ما وليت حتى تبددت * رجال وحتى لم أجد متقدما أعاذل أفنانى السلاح ومن يطل * مقارعة الابطال يرجع مكلما أعيني إن أنزفتما الدمع فاسكبا * دما لازما لى دون أن تسكبا الدما أبعد زهير وابن بشر تتابعا * وورد أرجى في خراسان مغنما أعاذل كم من يوم حرب شهدته * أكر إذا ما فارس السوء أحجما يعنى بقوله أبعد زهير زهير بن ذؤيب وابن بشر عثمان بن بشر المحتفز المازنى وورد بن الفلق العنبري قتلوا يومئذ وقتل سليمان بن المحتفز أخو بشر (قال أبو جعفر) وحج بالناس في هذه السنة عبد الله بن الزبير وكان على المدينة مصعب بن الزبير من قبل أخيه عبد الله وعلى البصرة الحارث بن عبد الله بن أبى ربيعة وعلى قضائها هشام بن هبيرة وكانت الكوفة بها المختار غالبا عليها وبخراسان عبد الله بن خازم (وفى هذه السنة) شخص إبراهيم بن الاشتر متوجها إلى عبيدالله ابن زياد لحربه وذلك لثمان بقين من ذى الحجة (قال هشام بن محمد) حدثنى أبو مخنف قال حدثنى النضر بن صالح وكان قد أدرك ذلك قال حدثنى فضيل بن خديج وكان قد شهد ذلك وغيرهما قالوا ما هو إلا أن فرغ المختار من أهل السبيع وأهل الكناسة فما نزل إبراهيم بن الاشتر إلا يومين حتى أشخصه إلى الوجه الذى كان وجهه له لقتال أهل الشأم فخرج يوم السبت لثمان بقين من ذى الحجة سنة 66 وأخرج المختار معه من وجوه أصحابه وفرسانهم وذوى البصائر منهم ممن قد شهد الحرب وجربها وخرج معه قيس بن طهفة النهدي على ربع أهل المدينة وأمر عبد الله بن حية الاسدي على ربع مذحج وأسد وبعث الاسود بن جراد الكندى على ربع كندة وربيعة وبعث حبيب بن منقذ الثوري من همدان على ربع تميم وهمدان وخرج معه المختار يشيعه حتى إذا بلغ دير عبد الرحمن بن أم الحكم إذا

[ 549 ]

أصحاب المختار قد استقبلوه قد حملوا الكرسي على بغل أشهب كانوا يحملونه عليه فوقفوا به على القنطرة وصاحب أمر الكرسي حوشب البرسمى وهو يقول يا رب عمرنا في طاعتك وانصرنا على الاعداء واذكرنا ولا تنسنا واسترنا قال وأصحابه يقولون آمين آمين قال فضيل فأنا سمعت ابن نوف الهمداني يقول قال المختار أما ورب المرسلات عرفا * لنقتلن بعد صف صفا وبعد ألف قاسطين ألفا قال فلما انتهى إليهم المختار وابن الاشتر ازدحموا ازدحاما شديدا على القنطرة ومضى المختار مع إبراهيم إلى قناطر رأس الجالوت وهى إلى جنب دير عبد الرحمن فإذا أصحاب الكرسي قد وقفوا على قناطر رأس الجالوت يستنصرون فلما صار المختار بين قنطرة دير عبد الرحمن وقناطر رأس الجالوت وقف وذلك حين أراد أن ينصرف فقال لابن الاشتر خذ عنى ثلاثا خف الله في سر أمرك وعلانيته وعجل السير وإذا لقيت عدوك فناجزهم ساعة تلقاهم وإن لقيتهم ليلا فاستطعت أن لا تصبح حتى تناجزهم وإن لقيتهم نهارا فلا تنتظر بهم الليل حتى تحاكمهم إلى الله ثم قال هل حفظت ما أوصيتك به قال نعم قال صحبك الله ثم انصرف وكان موضع عسكر إبراهيم بموضع حمام أعين ومنه شخص بعسكره (قال أبو مخنف) فحدثني فضيل بن خديج قال لما انصرف المختار مضى إبراهيم ومعه أصحابه حتى انتهى إلى أصحاب الكرسي وقد عكفوا حوله وهم رافعوا أيديهم إلى السماء يستنصرون فقال إبراهيم اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء ستة بنى إسرائيل والذى نفسي بيده إذ عكفوا على عجلهم فلما جاز القنطرة إبراهيم وأصحابه انصرف أصحاب الكرسي ذكر الخبر عن سبب كرسى المختار الذى يستنصر به هو وأصحابه (قال أبو جعفر) وكان بدء سببه ما حدثنى به عبد الله بن أحمد بن شبويه قال حدثنى أبى قال حدثنى سليمان قال حدثنى عبد الله بن المبارك عن إسحاق بن يحيى بن طلحة قال حدثنى معبد بن خالد قال حدثنى طفيل بن جعدة بن هبيرة قال أعدمت مرة من الورق فإنى لكذلك إذ خرجت يوما فإذا زيات جار لى له

[ 550 ]

كرسى قد ركبه وسخ شديد فحطر على بالى أن لو قلت للمختار في هذا فرجعت فأرسلت إلى الزيات أرسل إلى بالكرسي فأرسل إلى به فأتيت المختار فقلت إنى كنت أكتمك شيئا لم أستحل ذلك فقد بدا لى أن أذكره لك قال وما هو قلت كرسى كان جعدة بن هبيرة يجلس عليه كأنه يرى أن فيه أثرة من علم قال سبحان الله فأخرت هذا إلى اليوم ابعث إليه قال وقد غسل وخرج عود نضار وقد تشرب الزيت فخرج يبص فجئ به وقد غشى فأمر لى باثنى عشر ألفا ثم دعا الصلاة جامعة * فحدثني معبد بن خالد الجدلي قال انطلق بى وبإسماعيل بن طلحة بن عبيدالله وشبث بن ربعى والناس يجرون إلى المسجد فقال المختار إنه لم يكن في الامم الخالية أمر إلا وهو كائن في هذه الامة مثله وإنه كان في بنى إسرائيل التابوت فيه بقية مما ترك آل موسى وآل هارون وإن هذا فينا مثل التابوت اكشفوا عنه فكشفوا عنه أثوابه وقامت السبائية فرفعوا أيديهم وكبروا ثلاثا فقام شبث بن ربعى وقال يا معشر مضر لا تكفرن فنحوه فذبوه وصدوه وأخرجوه قال إسحاق فوالله إنى لارجو أنها لشبث ثم لم يلبث أن قيل هذا عبيدالله بن زياد قد نزل بأهل الشأم باجميرا فخرج بالكرسي على بغل وقد غشى يمسكه عن يمينه سبعة وعن يساره سبعة فقتل أهل الشأم مقتلة لم يقتلوا مثلها فزادهم ذلك فتنة فارتفعوا فيه حتى تعاطوا الكفر فقلت إنا لله وندمت على ما صنعت فتكلم الناس في ذلك فغيب فلم أره بعد * حدثنى عبد الله قال حدثنى أبى قال قال أبو صالح فقال في ذلك أعشى همدان كما حدثنى غير عبد الله شهدت عليكم أنكم سبائية * وإنى بكم يا شرطة الشرك عارف وأقسم ما كرسيكم بسكينة * وإن كان قد لفت عليه اللفائف وأن ليس كالتابوت فينا وإن سعت * شبام حواليه ونهد وخارف وإنى امرؤ أحببت آل محمد * وتابعت وحيا ضمنته المصاحف وتابعت عبد الله لما تتابعت * عليه قريش شمطها والغطارف وقال المتوكل الليثى:

[ 551 ]

أبلغ أبا إسحاق إن جئته * إنى بكرسيكم كافر تنز وشبام حول أعواده * وتحمل الوحى له شاكر محمرة أعينهم حوله * كأنهن الحمص الحادر (فأما أبو مخنف) فانه ذكر عن بعض شيوخه قصة هذا الكرسي غير الذى ذكره عبد الله بن أحمد بالاسناد الذى حدثنا به عن طفيل بن جعدة والذى ذكر من ذلك ما حدثنا به عن هشام بن محمد عنه قال حدثنا هشام بن عبد الرحمن وابنه الحكم بن هشام أن المختار قال لآل جعدة بن هبيرة بن أبى وهب المخزومى وكانت أم جعدة أم هانئ بنت أبى طالب أخت على بن أبى طالب عليه السلام لابيه وأمه ائتونى بكرسى على بن أبى طالب فقالوا لا والله ما هو عندنا وما ندرى من أين نجئ به قال لا تكونن حمقى اذهبوا فأتوني به قال فظن القوم عند ذلك أنهم لا يأتون بكرسى فيقولون هو هذا إلا قبله منهم فجاؤا بكرسى فقالوا هو هذا فقبله قال فخرجت شبام وشاكرو رؤس أصحاب المختار وقد عصبوه بالحرير والديباج (قال أبو مخنف) عن موسى بن عامر أبى الاشعر الجهنى أن الكرسي لما بلغ ابن الزبير أمره قال أين بعض جنادبة الازد عنه (قال أبو الاشعر) لما جئ بالكرسي كان أول من سدنه موسى بن أبى موسى الاشعري وكان يأتي المختار أول ما جاء ويحف به لان أمه أم كلثوم بنت الفضل بن العباس بن عبد المطلب ثم إنه بعد ذلك عتب عليه فاستحيا منه فدفعه إلى حوشب البرسمى فكان صاحبه حتى هلك المختار قال وكان أحد عمومة الاعشى رجلا يكنى أبا أمامة يأتي مجلس أصحابه فيقول قد وضع لنا اليوم وحى ما سمع الناس بمثله فيه نبأ ما يكون من شئ (قال أبو مخنف) حدثنا موسى ابن عامر أنه إنما كان يصنع ذلك لهم عبد الله بن نوف ويقول المختار أمرنى به ويتبرأ المختار منه ثم دخلت سنة سبع وستين ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمما كان فيها من ذلك مقتل عبيدالله بن زياد ومن كان معه من أهل الشأم

[ 552 ]

ذكر الخبر عن صفة مقتله ذكر هشام بن محمد عن أبى مخنف قال حدثنى أبو الصلت عن أبى سعيد الصيقل قال مضينا مع ابراهيم بن الاشتر ونحن نريد عبيدالله بن زياد ومن معه من أهل الشأم فخرجنا مسرعين لا ننثني نريد أن نلقاه قبل أن يدخل أرض العراق قال فسبقناه إلى تخوم أرض العراق سبقا بعيدا ووغلنا في أرض الموصل فتعجلنا إليه وأسرعنا السير فنلقاه بخازر إلى جنب قرية يقال لها باربيثا بينها وبين مدينة الموصل خمسة فراسخ وقد كان ابن الاشتر جعل على مقدمته الطفيل بن لقيط من وهبيل من النخع رجلا من قومه وكان شجاعا بئيسا فلما أن دنا من ابن زياد ضم حميد بن حريث إليه وأخذ ابن الاشتر لا يسير إلا على تعبية وضم أصحابه كلهم إليه بخيله ورجاله فأخذ يسير بهم جميعا لا يفرقهم إلا أنه يبعث الطفيل بن لقيط في الطلائع حتى نزل تلك القرية قال وجاء عبيدالله بن زياد حتى نزل قريبا منهم على شاطئ خازر وأرسل عمير بن الحباب السلمى إلى ابن الاشتر إنى معك وأنا أريد الليلة لقاءك فأرسل إليه ابن الاشتر أن القنى إذا شئت وكانت قيس كلها بالجزيرة فهم أهل خلاف لمروان وآل مروان وجند مروان يومئذ كلب وصاحبهم ابن بحدل فأتاه عمير ليلا فبايعوه وأخبره أنه على ميسرة صاحبه وواعده أن ينهزم بالناس وقال ابن الاشتر ما رأيك أخندق على وأتلوم يومين أو ثلاثة قال عمير بن الحباب لا تفعل إنا لله هل يريد القوم إلا هذه إن طاولوك وما طلوك فهو خير لهم هم كثير أضعافكم وليس يطيق القليل الكثير في المطاولة ولكن ناجز القوم فانهم قد ملئوا منكم رعبا فأتهم فانهم إن شاموا أصحابك وقاتلوهم يوما بعد يوم ومرة بعد مرة أنسوا بهم واجترأوا عليهم قال ابراهيم الآن علمت أنك لى مناصح صدقت الرأى ما رأيت أما إن صاحبي بهذا أوصاني وبهذا الرأى أمرنى قال عمير فلا تعدون رأيه فان الشيخ قد ضرسته الحروب وقاسى منها ما لم نقاس اصبح فناهض الرجل ثم إن عميرا انصرف وأذكى ابن الاشتر حرسه تلك الليلة الليل كله ولم يدخل عينه غمض حتى إذا كان في السحر الاول عبى

[ 553 ]

أصحابه وكتب كتائبه وأمر أمراءه فبعث سفيان بن يزيد بن المغفل الازدي على ميمنته وعلى بن مالك الجشمى على ميسرته وهو أخو أبى الاحوص وبعث عبد الرحمن ابن عبد الله وهو أخو ابراهيم بن الاشتر لامه على الخيل وكانت خيله قليلة فضمها إليه وكانت في الميمنة والقلب وجعل على رجالته الطفيل بن لقيط وكانت رايته مع مزاحم بن مالك قال فلما انفجر الفجر صلى بهم الغداة بغاس ثم خرج بهم فصفهم ووضع أمراء الارباع في مواضعهم وألحق أمير الميمنة بالميمنة وأمير الميسرة بالميسرة وأمير الرجالة بالرجالة وضم الخيل إليه وعليها أخوه لامه عبد الرحمن بن عبد الله فكان‍ ت وسطا من الناس ونزل ابراهيم يمشى وقال للناس ازحفوا فزحف الناس معه على رسلهم رويدا رويدا حتى أشرف على تل عظيم مشرف على القوم فجلس عليه وإذا أولئك لم يتحرك منهم أحد بعد فسرح عبد الله بن زهير السلولى وهو على فرس له يتأكل تأكلا فقال قرب على فرسك حتى تأتيني بخبر هؤلاء فانطلق فلم يلبث إلا يسيرا حتى جاء فقال قد خرج القوم على دهش وفشل لقيني رجل منهم فما كان له هجيرى إلا يا شيعة أبى تراب يا شيعة المختار الكذاب فقلت ما بيننا وبينكم أجل من الشتم فقال لى يا عدو الله إلام تدعونا أنتم تقاتلونا مع غير إمام فقلت له بل يا لثأرات الحسين ابن رسول الله ادفعوا الينا عبيدالله بن زياد فانه قتل ابن رسول الله وسيد شباب أهل الجنة حتى نقتله ببعض موالينا الذين قتلهم مع الحسين فانا لا نراه لحسين ندا فنرضى أن يكون منه قودا وإذا دفعتموه الينا فقتلناه ببعض موالينا الذين قتلهم جعلنا بيننا وبينكم كتاب الله أو أي صالح من المسلمين شئتم حكما فقال لى قد جربناكم مرة أخرى في مثل هذا يعنى الحكمين فغدرتم فقلت له وما هو فقال قد جعلنا بيننا وبينكم حكمين فلم ترضوا بحكمهما فقلت له ما جئت بحجة إنما كان صلحنا على أنهما إذا اجتمعا على رجل تبعنا حكمهما ورضينا به وبايعناه فلم يجتمعا على واحد وتفرقا فكلاهما لم يوفقه الله لخير ولم يسدده فقال من أنت فأخبرته فقلت له من أنت فقال عدس لبغلته يزجرها فقلت له ما أنصفتني هذا أول غدرك قال ودعا ابن الاشتر بفرس له فركبه ثم مر بأصحاب الرايات

[ 554 ]

كلها فكلما مر على راية وقف عليها ثم قال يا أنصار الدين وشيعة الحق وشرطة الله هذا عبيدالله بن مرجانة قاتل الحسين بن على ابن فاطمة بنت رسول الله حال بينه وبين بناته ونسائه وشيعته وبين ماء الفرات أن يشربوا منه وهم ينظرون إليه ومنعه أن يأتي ابن عمه فيصالحه ومنعه أن ينصرف إلى رحله وأهله ومنعه الذهاب في الارض العريضة حتى قتله وقتل أهل بيته فوالله ما عمل فرعون بنجباء بنى إسرائيل ما عمل ابن مرجانة بأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا قد جاءكم الله به وجاءه بكم فوالله إنى لارجو أن لا يكون الله جمع بينكم في هذا الموطن وبينه إلا ليشفى صدوركم بسفك دمه على أيديكم فقد علم الله أنكم خرجتم غضبا لاهل بيت نبيكم فسار فيما بين الميمنة والميسرة وسار في الناس كلهم فرغبهم في الجهاد وحرضهم على القتال ثم رجع حتى نزل تحت رايته وزحف القوم إليه وقد جعل ابن زياد على ميمنته الحصين ابن نمير السكوني وعلى ميسرته عمير بن الحباب السلمى وشرحبيل بن ذى الكلاع على الخيل وهو يمشى في الرجال فلما تدانى الصفان حمل الحصين بن نمير في ميمنة أهل الشأم على ميسرة أهل الكوفة وعليها على بن مالك الجشمى فثبت له هو بنفسه فقتل ثم أخذ رايته قرة بن على فقال أيضا في رجال من أهل الحفاظ قتلوا وانهزمت الميسرة فأخذ راية على بن مالك الجشمى عبد الله بن ورقاء بن جنادة السلولى ابن أخى حبشي بن جنادة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقبل أهل الميسرة حين انهزموا فقال إلى يا شرطة الله فأقبل إليه جلهم فقال هذا أميركم يقاتل سيروا بنا إليه فأقبل حتى أتاه وإذا هو كاشف عن رأسه ينادى يا شرطة الله إلى أنا ابن الاشتر إن خير فراركم كراركم ليس مسيئا من أعتب فثاب إليه أصحابه وأرسل إلى صاحب الميمنة احمل على ميسرتهم وهو يرجو حينئذ أن ينهزم لهم عمير بن الحباب كما زعم فحمل عليهم صاحب الميمنة وهو سفيان بن يزيد ابن المغفل فثبت له عمير بن الحباب وقاتله قتالا شديدا فلما رأى إبراهيم ذلك قال لاصحابه أموا هذا السواد الاعظم فوالله لو قد فضضناه لا نجفل من ترون منهم يمنة

[ 555 ]

ويسرة انجفال طير ذعرته فطارت (قال أبو مخنف) فحدثني إبراهيم بن عبد الرحمن الانصاري عن ورقاء بن عازب قال مشينا إليهم حتى إذا دنونا منهم اطعنا بالرماح قليلا ثم صرنا إلى السيوف والعمد فاضطربنا بها مليا من النهار فوالله ما شبهت ما سمعت بيننا وبينهم من وقع الحديد على الحديد إلا مياجن قصارى دار الوليد ابن عقبة بن أبى معيط قال فكان ذلك كذلك ثم إن الله هزمهم ومنحنا أكتافهم (قال أبو مخنف) وحدثني الحارث بن حصيرة عن أبى صادق أن إبراهيم بن الاشتر كان يقول لصاحب رايته انغمس برايتك فيهم فيقول له إنه جعلت فداك ليس لى متقدم فيقول بلى فان أصحابك يقاتلون وإن هؤلاء لا يهربون إن شاء الله فإذا تقدم صاحب رايته برايته شد ابراهيم بسيفه فلا يضرب به رجلا إلا صرعه وكرد ابراهيم الرجال من بين يديه كأنهم الحملان وإذا حمل برايته شد أصحابه شدة رجل واحد (قال أبو مخنف) حدثنى المشرقي أنه كان مع عبيدالله ابن زياد يومئذ حديدة لا تليق شيئا مرت به وأنه لما هزم أصحابه حمل عيينة ابن أسماء أخته هند بنت أسماء وكانت امرأة عبيدالله بن زياد فذهب بها وأخذ يرتجز ويقول إن تصرمى حبالنا فربما * أرديت في الهيجا الكمى المعلما (قال أبو مخنف) وحدثني فضيل بن خديج أن ابراهيم لما شد على ابن زياد وأصحابه انهزموا بعد قتال شديد وقتلى كثيرة بين الفريقين وأن عمير بن الحباب لما رأى أصحاب ابراهيم قد هزموا أصحاب عبيدالله بعث إليه أجيئك الآن فقال لا تأتيني حتى تسكن فورة شرطة الله فانى أخاف عليك عاديتهم وقال ابن الاشتر قتلت رجلا وجدت منه رائحة المسك شرقت يداه وغربت رجلاه تحت راية منفردة على شاطئ نهر خازز فالتمسوه فإذا هو عبيدالله بن زياد قتيلا ضربه فقده بنصفين فذهبت رجلاه في المشرق ويداه في المغرب وحمل شريك بن جدير التغلبي على الحصين بن نمير السكوني وهو يحسبه عبيدالله بن زياد فاعتنق كل واحد منهما صاحبه ونادى التغلبي اقتلوني وابن الزانية فقتل ابن نمير * حدثنى عبد الله بن أحمد

[ 556 ]

قال حدثنى أبى قال حدثنى سليمان قال حدثنى عبد الله بن المبارك قال حدثنى الحسن بن كثير قال كان شريك بن جدير التغلبي مع على عليه السلام صيبت عينه معه فلما انقضت حرب على لحق ببيت المقدس فكان به فلما جاءه قتل الحسين قال أعاهد الله إن قدرت على كذا وكذا يطلب بدم الحسين لاقتلن ابن مرجانة أو لاموتن دونه فلما بلغه أن المختار خرج يطلب بدم الحسين أقبل إليه قال فكان وجهه مع إبراهيم بن الاشتر وجعل على خيل ربيعة فقال لاصحابه إنى عاهدت الله على كذا وكذا فبايعه ثلثمائة على الموت فلما التقوا حمل فجعل يهتكها صفا صفا مع أصحابه حتى وصلوا إليه وثار الرهج فلا يسمع إلا وقع الحديد والسيوف فانفرجت عن الناس وهما قتيلان ليس بينهما أحد التغلبي وعبيدالله بن زياد قال وهو الذى يقول كل عيش قد أراه قذرا * غير ركز الرمح في ظل الفرس (قال هشام) قال أبو مخنف حدثنى فضيل بن خديج قال قتل شرحبيل بن ذى الكلاع فادعى قتله ثلاثة سفيان بن يزيد بن المغفل الازدي وورقاء بن عازب الاسدي وعبيدالله بن زهير السلمى قال ولما هزم أصحاب عبيدالله تبعهم أصحاب إبراهيم بن الاشتر فكان من غرق أكثر ممن قتل وأصابوا عسكرهم فيه من كل شئ وبلغ المختار وهو يقول لاصحابه يأتيكم الفتح أحد اليومين إن شاء الله من قبل إبراهيم بن الاشتر وأصحابه قد هزموا أصحاب عبيدالله بن مرجانة قال فخرج المختار من الكوفة واستخلف عليها السائب من مالك الاشعري وخرج بالناس ونزل ساباط (قال أبو مخنف) حدثنى المشرقي عن الشعبى قال كنت أنا وأبى ممن خرج معه قال فلما جزنا ساباط قال للناس أبشروا فإن شرطة الله قد حسوهم بالسيوف يوما إلى الليل بنصيبين أو قريبا من نصيبين ودوين منازلهم إلا أن جلهم محصور بنصيبين قال ودخلنا المدائن واجتمعنا إليه فصعد المنبر فوالله إنه ليخطبنا ويأمرنا بالجد وحسن الرأى والاجتهاد والثبات على الطاعة والطلب بدماء أهل البيت عليهم السلام إذ جاءته البشرى تترى يتبع بعضها بعضا بقتل عبيد الله بن زياد وهزيمة أصحابه وأخذ عسكره وقتل أشراف أهل الشأم فقال المختار باشرطة الله ألم أبشركم

[ 557 ]

بهذا قبل أن يكون قالوا بلى والله لقد قلت ذلك قال فيقول لى رجل من بعض جيراننا من الهمدانيين أتؤمن الآن يا شعيى قال قلت بأى شئ أو من أو من بأن المختار يعلم الغيب لا أو من بذلك أبدا قال أولم يقل لنا إنهم قد هزموا فقلت له إنما زعم لنا أنهم هزموا بنصيبين من أرض الجزيرة وإنما هو بخازر من أرض الموصل فقال والله لا تؤمن يا شعبى حتى ترى العذاب الاليم فقلت له من هذا الهمداني الذى يقول لك هذا فقال رجل لعمري كان شجاعا قتل مع المختار بعد ذلك يوم حروراء يقال له سلمان بن حمير من الثوريين من همدان قال وانصرف المختار إلى الكوفة ومضى ابن الاشتر من عسكره إلى الموصل وبعث عماله عليها فبعث أخاه عبد الرحمن ابن عبد الله على نصيبين وغلب على سنجار ودارا وما والاها من أرض الجزيرة وخرج أهل الكوفة الذين كان المختار قاتلهم فهزمهم فلحقوا بمصعب بن الزبير بالبصرة وكان فيمن قدم على مصعب شبث بن ربعى فقال سراقة بن مرداس البارقى يمدح إبراهيم بن الاشتر وأصحابه في قتل عبيدالله بن زياد أتاكم غلام من عرانين مذحج * جرى على الاعداء غير نكول فيا ابن زياد بؤ بأعظم مالك * وذق حد ماضى الشفرتين صقيل ضربناك بالعضب الحسام بحدة * إذا ما أبأنا قاتلا بقتيل جزى الله خيرا شرطة الله إنهم * شفوا من عبيد الله أمس غليلي (وفى هذه السنة) عزل عبد الله بن الزبير القباع عن البصرة وبعث عليها أخاه مصعب بن الزبير * فحدثني عمر بن شبة قال حدثتى على بن محمد قال حدثنا الشعبى قال حدثنى وافد بن أبى ياسر قال كان عمرو بن سرح مولى الزبير يأتينا فيحدثنا قال كنت والله في الرهط الذين قدموا مع المصعب بن الزبير من مكة إلى البصرة قال فقدم متلثما حتى أناخ على باب المسجد ثم دخل فصعد المنبر فقال الناس أمير أمير قال وجاء الحارث بن عبد الله بن أبى ربيعة وهو أميرها قبله فسفر المصعب فعرفوه وقالوا مصعب بن الزبير قال للحارث اظهر اظهر فصعد حتى جلس تحته من المنبر درجة قال ثم قام المصعب فحمد الله وأثنى عليه قال فوالله ما أكثر الكلام

[ 558 ]

ثم قال بسم الله الرحمن الرحيم (طسم تلك آيات الكتاب المبين نتلوا عليك من نبإ موسى) إلى قوله (إنه كان من المفسدين) وأشار بيده نحو الشأم (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين) وأشار بيده نحو الحجاز (ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون) وأشار بيده نحو الشأم * حدثنى عمر بن شبة قال حدثنى على بن محمد عن عوانة قال لما قدم مصعب البصرة خطبهم فقال يا أهل البصرة بلغني أنكم تلقبون أمراءكم وقد سميت نفسي الجزار (وفى هذه السنة) سار مصعب بن الزبير إلى المختار فقتله ذكر الخبر عن سبب مسير مصعب إليه والخبر عن مقتل المختار قال هشام بن محمد عن أبى مخنف حدثنى حبيب بن بديل قال لما قدم شبث على مصعب بن الزبير البصرة وتحته بغلة له قد قطع ذنبها وقطع طرف أذنها وشق قباءه وهو ينادى يا غوثاه يا غوثاه فأتى مصعب فقيل له إن بالباب رجلا ينادى يا غوثاه يا غوثاه مشقوق القباء من صفته كذا وكذا فقال لهم نعم هذا شبث ابن ربعى لم يكن ليفعل هذا غيره فأدخلوه فأدخل عليه وجاءه أشراف الناس من أهل الكوفة فدخلوا عليه فأخبروه بما اجتمعوا له وبما أصيبوا به ووثوب عبيدهم ومواليهم عليهم وشكوا إليه وسألوه النصر لهم والمسير إلى المختار معهم وقدم عليهم محمد ابن الاشعث بن قيس ولم يكن شهد وقعة الكوفة كان في قصر له مما يلى القادسية بطيزناباذا فلما بلغه هزيمة الناس تهيأ للشخوص وسأل عنه المختار فأخبر بمكانه فسرح إليه عبد الله ابن قراد الخثعمي في مائة فلما ساروا إليه وبلغه أن قد دنوا منه خرج في البرية نحو المصعب حتى لحق به فلما قدم على المصعب استحثه بالخروج وأدناه مصعب وأكرمه لشرفه قال وبعث المختار إلى دار محمد بن الاشعث فهدمها (قال أبو مخنف) فحدثني أبو يوسف بن يزيد أن المصعب لما أراد المسير إلى الكوفة حين أكثر الناس عليه قال لمحمد بن الاشعث إنى لا أسير حين يأتيني المهلب بن أبى صفرة فكتب المصعب إلى المهلب وهو عامله على فارس أن أقبل إلينا لتشهد

[ 559 ]

أمرنا فإنا نريد المسير إلى الكوفة فأبطأ عليه المهلب وأصحابه واعتل بشئ من الخراج لكراهة الخروج فأمر مصعب محمد بن الاشعث في بعض ما يستحثه أن يأتي المهلب فيقبل به وأعلمه أنه لا يشخص دون أن يأتي المهلب فذهب محمد بن الاشعث بكتاب المصعب إلى المهلب فلما قرأه قال له مثلك يا محمد يأتي بريدا أما وجد المصعب بريدا غيرك قال محمد إنى والله ما أنا ببريد أحد غير أن نساءنا وأبناءنا وحرمنا غلبنا عليهم عبداننا وموالينا فخرج المهلب وأقبل بجموع كثيرة وأموال عظيمة معه في جموع وهيئة ليس بها أحد من أهل البصرة ولما دخل المهلب البصرة أتى باب المصعب ليدخل عليه وقد أذن للناس فحجبه الحاجب وهو لا يعرفه فرفع المهلب يده فكسر أنفه فدخل إلى المصعب وأنفه يسيل دما فقال له مالك فقال ضربني رجل ما أعرفه ودخل المهلب فلما رآه الحاجب قال هوذا قال له المصعب عد إلى مكانك وأمر المصعب الناس بالمعسكر عند الجسر الاكبر ودعا عبد الرحمن ابن مخنف فقال له ائت الكوفة فأخرج إلى جميع من قدرت عليه أن تخرجه وادعهم إلى بيعتى سرا وخذل أصحاب المختار فانسل من عنده حتى جلس في بيته مستترا لا يظهر وخرج المصعب فقدم أمامه عباد بن الحصين الحبطى من بنى تميم على مقدمته وبعث عمر بن عبيدالله بن معمر على ميمنته وبعث المهلب بن أبى صفرة على ميسرته وجعل مالك بن مسمع على خمس بكر بن وائل ومالك بن المنذر على خمس عبد القيس والاحنف بن قيس على خمس تميم وزياد بن عمرو الازدي على خمس الازد وقيس بن الهيثم على خمس أهل العالية وبلغ ذلك المختار فقام في أصحابه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يا أهل الكوفة يا أهل الدين وأعوان الحق وأنصار الضعيف وشيعة الرسول وآل الرسول إن فراركم الذين بغوا عليكم أتوا أشباههم من الفاسقين فاستغووهم عليكم ليمصح الحق وينتعش الباطل ويقتل أولياء الله والله لو تهلكون ما عبد الله في الارض إلا بالفرى على الله واللعن لاهل بيت نبيه انتدبوا مع أحمر بن شميط فانكم لو قد لقيتموهم لقد قتلتموهم إن شاء الله قتل عاد وإرم فخرج أحمر بن شميط فعسكر بحمام أعين ودعا المختار

[ 560 ]

رؤس الارباع الذين كانوا مع ابن الاشتر فبعثهم مع أحمر بن شميط كما كانوا مع ابن الاشتر فانهم إنما فارقوا ابن الاشتر لانهم رأوه كالمتهاون بأمر المختار فانصرفوا عنه وبعثهم المختار مع ابن شميط وبعث معه جيشا كثيفا فخرج ابن شميط فبعث على مقدمته ابن كامل الشاكرى وسار أحمر بن شميط حتى ورد المذار وجاء المصعب حتى عسكر منه قريبا ثم إن كل واحد منهما عبى جنده ثم تزاحفا فجعل أحمر بن شميط على ميمنته عبد الله بن كامل الشاكرى وعلى ميسرته عبد الله بن وهب بن نضلة الجشمى وعلى الخيل رزين عبد السلولى وعلى الرجالة كثير بن إسماعيل الكندى وكان يوم خازر مع ابن الاشتر وجعل كيسان أبا عمرة وكان مولى لعرينة على الموالى فجاء عبد الله بن وهب بن أنس الجشمى إلى ابن شميط وقد جعله على ميسرته فقال له إن الموالى والعبيد آل خور عند المصدوقة وإن معهم رجالا كثيرا على الخيل وأنت تمشى فمرهم فلينزلوا معك فإن لهم بك أسوة فإنى أتخوف إن طوردوا ساعة وطوعنوا وضوربوا أن يطيروا على متونها ويسلموك وإنك إن أرجلتهم لم يجدوا من الصبر بدا وإنما كان هذا منه غشا للموالي والعبيد لما كانوا لقوا منهم بالكوفة فأحب إن كانت عليهم الدبرة أن يكونوا رجالا لا ينجو منهم أحد ولم يتهمه ابن شميط وظن أنه إنما أراد بذلك نصحه ليصبروا ويقاتلوا فقال يا معشر الموالى انزلوا معى فقاتلوا فنزلوا معه ثم مشوا بين يديه وبين يدى رايته وجاء مصعب بن الزبير وقد جعل عباد بن الحصين على الخيل فجاء عباد حتى دنا من ابن شميط وأصحابه فقال إنما ندعوكم إلى كتاب الله وسنة رسوله وإلى بيعة أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير وقال الآخرون إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة رسوله وإلى بيعة الامير المختار وإلى أن نجعل هذا الامر شورى في آل الرسول فمن زعم من الناس أن أحدا ينبغى له أن يتولى عليهم برئنا منه وجاهدناه فانصرف عباد إلى المصعب فأخبره فقال له ارجع فاحمل عليهم فرجع فحمل على ابن شميط وأصحابه فلم يزل منهم أحد ثم انصرف إلى موقفه وحمل المهلب على ابن كامل فجال أصحابه بعضهم في بعض فنزل ابن كامل ثم انصرف عنه المهلب فقام مكانه فوقفوا ساعة

[ 561 ]

ثم قال المهلب لاصحابه كروا كرة صادقة فإن القوم قد أطمعوكم وذلك بجولتهم التى جالوا فحمل عليهم حملة منكرة فولوا وصبر ابن كامل في رجال من همدان فأخذ المهلب يسمع شعار القوم أنا الغلام الشاكرى أنا الغلام الشبامى أنا الغلام الثوري فما كان إلا ساعة حتى هزموا وحمل عمر بن عبيدالله بن معمر على عبد الله ابن أنس فقاتل ساعة ثم انصرف وحمل الناس جميعا على ابن شميط فقاتل حتى قتل وتنادوا يا معشر بجيلة وخثعم الصبر الصبر فناداهم المهلب الفرار الفرار اليوم أنجى لكم علام تقتلون أنفسكم مع هذه العبدان أضل الله سعيكم ثم نظر إلى أصحابه فقال والله ما أرى استحرار القتل اليوم إلا في قومي ومالت الخيل على رجالة ابن شميط فافترقت فانهزمت وأخذت الصحراء فبعث المصعب عباد بن الحصين على الخيل فقال أيما أسير أخذته فاضرب عنقه وسرح محمد بن الاشعث في خيل عظيمة من خيل أهل الكوفة ممن كان المختار طردهم فقال دونكم ثأركم فكانوا حيث انهزموا أشد عليهم من أهل البصرة لا يدركون منهزما إلا قتلوه ولا يأخذون أسيرا فيعفون عنه قال فلم ينج من ذلك الجيش إلا طائفة من أصحاب الخيل وأما رجالتهم فأبيدوا إلا قليلا (قال أبو مخنف) حدثنى ابن عياش المنتوف عن معاوية بن قرة المزني قال انتهيت إلى رجل منهم فأدخلت سنان الرمح في عينه فأخذت أخضخض عينه بسنان رمحي فقلت له وفعلت به هذا قال نعم إنهم كانوا أحل عندنا دماء من الترك والديلم وكان معاوية بن قرة قاضيا لاهل البصرة ففى ذلك يقول الاعشى ألا هل أتاك والانباء تنمى * بما لاقت بحيلة بالمذار أتيح لهم بها ضرب طلخف * وطعن صائب وجه النهار كأن سحابة صعقت عليهم * فعمتهم هنالك بالدمار فبشر شيعة المختار إما * مررت على الكويفة بالصغار أقر العين صرعاهم وفل * لهم جم يقتل بالصحارى وما إن سرنى إهلاك قومي * وإن كانوا وجدك في خيار

[ 562 ]

ولكني سررت بما يلاقى * أبو إسحاق من خزى وعار وأقبل المصعب حتى قطع من تلقاء واسط القصب ولم تك واسط هذه بنيت حينئذ بعد فأخذ في كسكر ثم حمل الرجال وأثقالهم وضعفاء الناس في السفن فأخذوا في نهر يقال له نهر خرشاذ ثم خرجوا من ذلك النهر إلى نهر يقال له قوسان ثم أخرجهم من ذلك النهر إلى الفرات (قال أبو مخنف) وحدثني فضيل بن خديج الكندى أن أهل البصرة كانوا يخرجون فيجرون سفنهم ويقولون عودنا المصعب جر القلس * والزنبريات الطوال القعس قال فلما بلغ من مع المختار من تلك الاعاجم ما لقى إخوانهم مع ابن شميط قالوا بالفارسية اين بار دروغ كفت يقولون هذه المرة كذب (قال أبو مخنف) وحدثني هشام بن عبد الرحمن الثقفى عن عبد الرحمن بن أبى عمير الثقفى قال والله إنى لجالس عند المختار حين أتاه هزيمة القوم ومالقوا قال فأصغى إلى فقال قتلت والله العبيد قتلة ما سمعت بمثلها قط ثم قال وقتل ابن شميط وابن كامل وفلان وفلان فسمى رجالا من العرب أصيبوا كان الرجل منهم في الحرب خيرا من فئام من الناس قال فقلت له فهذه والله مصيبة فقال لى ما من الموت بد وما من ميتة أموتها أحب إلى من مثل ميتة ابن شميط حبذا مصارع الكرام قال فعلمت أن الرجل قد حدث نفسه إن لم يصب حاجته أن يقاتل حتى يموت * ولما بلغ المختار أنهم قد أقبلوا إليه في البحر وعلى الظهر سار حتى نزل بهم السيلحين ونظر إلى مجتمع الانهار نهر الحيرة ونهر السيلحين ونهر القادسية ونهر برسف فسكر الفرات على مجتمع الانهار فذهب ماء الفرات كله في هذه الانهار وبقيت سفن أهل البصرة في الطين فلما رأوا ذلك خرجوا من السفن يمشون وأقبلت خيلهم تركض أتوا ذلك السكر فكسروه وصمدوا صمد الكوفة * فلما رأى ذلك المختار أقبل إليهم حتى نزل حروراء وحال بينهم وبين الكوفة وقد كان حصن قصره والمسجد وأدخل في قصره عدة الحصار وجاء المصعب يسير إليه وهو بحروراء وقد استعمل على الكوفة عبد الله بن شداد وخرج إليه المختار وقد جعل على ميمنته سليم بن يزيد

[ 563 ]

الكندى وجعل على ميسرته سعيد بن منقذ الهمداني ثم الثوري وكان على شرطته يومئذ عبد الله بن قراد الخثعمي وبعث على الخيل عمر بن عبد الله النهدي وعلى الرجال مالك بن عمرو النهدي وجعل مصعب على ميمنته المهلب بن أبى صفرة وعلى ميسرته عمر بن عبيدالله بن معمر التيمى وعلى الخيل عباد بن الحصين الحبطى وعلى الرجال مقاتل بن مسمع البكري ونزل هو يمشى متنكبا قوسا له قال وجعل على أهل الكوفة محمد بن الاشعث فجاء محمد حتى نزل بين المصعب والمختار مغربا ميامنا قال فلما رأى ذلك المختار بعث إلى كل خمس من أخماس أهل البصرة رجلا من أصحابه فبعث إلى بكر بن وائل سعيد بن منقذ صاحب ميسرته وعليهم مالك ابن مسمع البكري وبعث إلى عبد القيس وعليهم مالك بن المنذر عبد الله بن شريح الشبامى وكان على بيت ماله وبعث إلى أهل العالية وعليهم قيس بن الهيثم السلمى عبد الله بن جعدة القرشى ثم المخزومى وبعث إلى الازد وعليهم زياد بن عمرو العتكى: مسافر بن سعيد بن نمران الناعطى وبعث إلى بنى تميم وعليهم الاحنف ابن قيس: سليم بن يزيد الكندى وكان صاحب ميمنته وبعث إلى محمد بن الاشعث السائب بن مالك الاشعري ووقف في بقية أصحابه وتزاحف الناس ودنا بعضهم من بعض ويحمل سعيد بن منقذ وعبد الله بن شريح على بكر بن وائل وعبد القيس وهم في الميسرة وعليهم عمر بن عبيد الله بن معمر فقاتلتهم ربيعة قتالا شديدا وصبروا لهم وأخذ سعيد بن منقذ وعبد الرحمن بن شريح لا يقلعان إذا حمل واحد فانصرف حمل الآخر وربما حملا جميعا قال فبعث المصعب إلى المهلب ما تنتظر أن تحمل على من بإزائك ألا ترى ما يلقى هذان الخمسان منذ اليوم احمل بأصحابك فقال إى لعمري ما كنت لاجزر الازد وتميما خشية أهل الكوفة حتى أرى فرصتي قال وبعث المختار إلى عبد الله بن جعدة أن احمل على من بإزائك فحمل على أهل العالية فكشفهم حتى انتهوا إلى المصعب فجثا المصعب على ركبتيه ولم يكن فرارا فرمى بأسهمه ونزل الناس عنده فقاتلوا ساعة ثم تحاجزوا قال وبعث المصعب إلى المهلب وهو في خمسين جامين كثيرى العدد والفرسان لا أبالك ما تنتظر

[ 564 ]

أن تحمل على القوم فمكث غير بعيد ثم إنه قال لاصحابه قد قاتل الناس منذ اليوم وأنتم وقوف وقد أحسنوا وقد بقى ما عليكم احملوا واستعينوا بالله واصبروا فحمل على من يليه حملة منكرة فحطموا أصحاب المختار حطمة منكرة فكشفوهم وقال عبد الله بن عمرو النهدي وكان من أصحاب صفين اللهم إنى على ما كنت عليه ليلة الخميس بصفين اللهم إنى أبرأ اليك من فعل هؤلاء لاصحابه حين انهزموا وأبرأ إليك من أنفس هؤلاء يعنى أصحاب المصعب ثم جالد بسيفه حتى قتل وأتى مالك ابن عمرو أبو نمران النهدي وهو على الرجالة بفرسه فركبه وانقصف أصحاب المختار انقصافة شديدة كأنهم أجمة فيها حريق فقال مالك حين ركب ما أصنع بالركوب والله لان اقتل ههنا أحب إلى من أن أقتل في بيتى أين أهل البصائر أين أهل الصبر فثاب إليه نحو من خمسين رجلا وذلك عند المساء فكر على أصحاب محمد بن الاشعث فقتل محمد بن الاشعث إلى جانبه هو وعامة أصحابه فبعض الناس يقول هو قتل محمد بن الاشعث ووجد أبو نمران قتيلا إلى جانبه وكندة تزعم أن عبد الملك بن أشاءة الكندى هو الذى قتله فلما مر المختار في أصحابه على محمد بن الاشعث قتيلا قال يا معشر الانصار كروا على الثعالب الرواغة فحملوا عليهم فقتل فخثعم تزعم أن عبد الله بن قراد هو الذى قتله (قال أبو مخنف) وسمعت عوف بن عمرو الجشمى يزعم أن مولى لهم قتله فادعى قتله أربعة نفر كلهم يزعم أنه قتله وانكشف أصحاب سعيد بن منقذ فقاتل في عصابة من قومه نحو من سبعين رجلا فقتلوا وقاتل سليم بن يزيد الكندى في تسعين رجلا من قومه وغيرهم ضارب حتى قتل وقاتل المختار على فم سكة شبث ونزل وهو يريد أن لا يبرح فقاتل عامة ليلته حتى انصرف عنه القوم وقتل معه ليلتئذ رجال من أصحابه من أهل الحفاظ منهم عاصم بن عبد الله الازدي وعياش بن خازم الهمداني ثم الثوري وأحمر بن هديج الهمداني ثم الفايشى (قال أبو مخنف) حدثنا أبو الزبير أن همدان تنادوا ليلتئذ يا معشر همدان سيفوهم فقاتلوهم أشد القتال فلما أن تفرقوا عن المختار قال له أصحابه أيها الامير قد ذهب القوم فانصرف إلى

[ 565 ]

منزلك إلى القصر فقال المختار أما والله ما نزلت وأنا أريد أن آتى القصر فأما إذا انصرفوا فاركبوها بنا على اسم الله فجاء حتى دخل القصر فقال الاعشى في قتل محمد بن الاشعث: تأوب عينك عوارها * وعاد لنفسك تذكارها وإحدى لياليك راجعتها * أرقت ونوم سمارها وما ذاقت العين طعم الرقا * د حتى تبلج إسفارها وقام نعاة أبى قاسم * فأسبل بالدمع تحدارها فحق العيون على ابن الاش‍ * ج أن لا يفتر تقطارها وألا تزال تبكى له * وتبتل بالدمع أشفارها عليك محمد لما ثوي‍ * ت تبكى البلاد وأشجارها وما يذكرونك إلا بكوا * إذا ذمة خانها جارها وعارية من ليالى الشتا * ء لا يتمنح أيسارها ولا ينبح الكلب فيها العقو * ر إلا الهرير وتختارها فأنت محمد في مثلها * مهين الجزائر نحارها ولا ينفع الثوب فيها الفتى * ولا رية الخدر تخدارها تظل جفانك موضوعة * تسيل من الشحم أصبارها وما في سقائك مستنطق * إذا الشول روح أغبارها فيا واهب الوصفاء الصبا * ح إن شبرت تم أشبارها ويا واهب الجرد مثل القدا * ح قد يعجب الصف شوارها ويا واهب البكرات الهجا * ن عوذا تجاوب أبكارها وكنت كدجلة إذ ترتمى * فيقذف في البحر تيارها وكنت جليدا وذا مرة * إذا يبتغى منك إمرارها وكنت إذا بلدة أصفقت * وآذن بالحرب جبارها بعثت عليها ذواكى العيو * ن حتى تواصل أخبارها بإذن من الله والخيل قد * أعد لذلك مضمارها

[ 566 ]

وقد تطعم الخيل منك الوجي‍ * ف حتى تنبذ أمهارها وقد تعلم البازل العيسجو * ر أنك بالخبت حسارها فيا أسفى يوم لاقيتهم * وخانت رجالك فرارها وأقبلت الخيل مهزومة * عثارا تضرب أدبارها بشط حروراء واستجمعت * عليك الموالى وسحارها فأخطرت نفسك من دونهم * فحاز الرزبئة أخطارها فلا تبعدن أبا قاسم * فقد يبلغ النفس مقدارها وأفنى الحوادث ساداتنا * ومر الليالى وتكرارها (قال هشام) قال أبى كان السائب أتى مع مصعب بن الزبير فقتله ورقاء النخعي من وهبيل فقال ورقاء: من مبلغ عنى عبيدا بأننى * علوت أخاه بالحسام المهند فإن كنت تبغى العلم عنه فإنه * صريع لدى الديرين غير موسد وعمدا علوت الرأس منه بصارم * قأثكلته سفيان بعد محمد (قال هشام) عن أبى مخنف قال حدثنى حصيرة بن عبد الله أن هند بنت المتكلفة الناعطية كان يجتمع إليها كل غال من الشيعة فيتحدث في بيتها وفى بيت ليلى بنت قمامة المزنية وكان أخوها رفاعة بن قمامة من شيعة على وكان مقتصدا فكانت لا تحبه فكان أبو عبد الله الجدلي ويزيد بن شراحيل قد أخبرا ابن الحنفية خبر هاتين المرأتين وغلوهما وخبر أبى الاحراس المرادى والبطين الليثى وأبى الحارث الكندى (قال هشام) عن أبى مخنف قال حدثنى يحيى بن أبى عيسى قال فكان ابن الحنفية قد كتب مع يزيد بن شراحيل إلى الشيعة بالكوفة تحذرهم هؤلاء فكتب إليهم من محمد بن على إلى من بالكوفة من شيعتنا أما بعد فاخرجوا إلى المجالس والمساجد فاذكروا الله علانية وسرا ولا تتخذوا من دون المؤمنين بطانة فإن خشيتم على أنفسكم فاحذروا على دينكم الكذابين وأكثروا الصلاة والصيام والدعاء فإنه ليس أحد من الخلق يملك لاحد ضرا ولا نفعا إلا ما شاء

[ 567 ]

الله وكل نفس بما كسبت رهينة ولا تزر واررة وزر أخرى والله قائم على كل نفس بما كسبت فاعلموا صالحا وقدموا لانفسكم حسنا ولا تكونوا من الغافلين والسلام عليكم (قال أبو مخنف) فحدثني حصيرة بن عبد الله أن عبد الله ابن نوف خرج من بيت هند بنت المتكلفة حين خرج الناس إلى حروراء وهو يقول يوم الاربعاء ترفعت السما ونزل القضا بهزيمة الاعدا فاخرجوا على اسم الله إلى حرورا فخرج فلما التفى الناس للقتال ضرب على وجهه ضربة ورجع الناس منهزمين ولقيه عبد الله بن شريك النهدي وقد سمع مقالته فقال له ألم تزعم لنا يا ابن نوف أنا سنهزمهم قال أو ما قرأت في كتاب الله يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب قال فلما أصبح المصعب أقبل يسير بمن معه من أهل البصرة ومن خرج إليه من أهل الكوفة فأخذ بهم نحو السبخة فمر بالمهلب فقال له المهلب ياله فتحا ما أهناه لو لم يكن محمد بن الاشعث قتل قال صدقت فرحم الله محمدا ثم سار غير بعيد ثم قال يا مهلب قال لبيك أيها الامير قال هل علمت أن عبيد الله بن على بن أبى طالب قد قتل قال إنا لله وإنا إليه راجعون قال المصعب أما إنه كان ممن أحب أن يرى هذا الفتح ثم لا نجعل أنفسنا أحق بشى مما نحن فيه منه أتدرى من قتله قال لا قال إنما قتله من يزعم أنه لابيه شيعة أما إنهم قد قتلوه وهم يعرفونه قال ثم مضى حتى نزل السبخة فقطع عنهم الماء والمادة وبعث عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث فنزل الكناسة وبعث عبد الرحمن بن مخنف سليم إلى جبانة السبيع وقد كان قال لعبد الرحمن بن مخنف ما كنت صنعت فيما كنت وكلتك به قال أصلحك الله جدت الناس صنفين أما من كان له فيك هوى فخرج اليك وأما من كان يرى رأى والمختار فلم يكن ليدعه ولا ليؤثر أحدا عليه فلم أبرح بيتى حتى قدمت قال صدقت وبعث عباد بن الحصين إلى جبانة كندة فكل هؤلاء كان يقطع عن المختار وأصحابه الماء والمادة وهم في قصر المختار وبعث زحر بن قيس إلى جبانة مراد وبعث عبيد الله بن الحر إلى جبانة الصائديين (قال أبو مخنف) وحدثني فضيل بن خديج قال لقد رأيت عبيد الله بن الحر وإنه ليطارد أصحاب خيل المختار يقاتلهم في جبانة الصائديين

[ 568 ]

ولربما رأيت خيلهم تطرد خيله وإنه لوراء خيله يحميها حتى ينتهى إلى دار عكرمة ثم يكر راجعا هو وخيله فيطردهم حتى يلحقهم بجبانة الصائديين ولربما رأيت خيل عبيد الله قد أخذت السقاء والسقاءين فيضربون وإنما كانوا يأتونهم بالماء أنهم كانوا يعطونهم بالراوية الدينار والدينارين لما أصابهم من الجهد وكان المختار ربما خرج هو وأصحابه فقاتلوا قتالا ضعيفا ولا نكاية لهم وكانت لا تخرج له خيل إلا رميت بالحجارة من فوق البيوت ويصب عليهم الماء القذر واجترأ عليهم الناس فكانت معايشهم أفضلها من نسائهم فكانت المرأة تخرج من منزلها معها الطعام واللطف والماء قد التحفت عليه فتخرج كأنما تريد المسجد الاعظم للصلاة وكأنها تأتى أهلها وتزور ذات قرابة لها فإذا دنت من القصر فتح لها فدخلت على زوجها وحميمها بطعامه وشرابه ولطفه وإن ذلك بلغ المصعب وأصحابه فقال له المهلب وكان مجربا اجعل عليهم دروبا حتى تمنع من يأتيهم من أهليهم وأبنائهم وتدعهم في حصنهم حتى يموتوا فيه وكان القوم إذا اشتد عليهم العطش في قصرهم استقوا من ماء البثر ثم أمر لهم المختار بعسل فصب فيه ليغير طعمه فيشربوا منه فكان ذلك أيضا مما يروى أكثرهم ثم إن مصعبا أمر أصحابه فاقتربوا من القصر فجاء عباد بن الحصين الحبطى حتى نزل عند مسجد جهينة وكان ربما تقدم حتى ينتهى إلى مسجد بنى مخزوم وحتى يرمى أصحابه من أشرف عليهم من أصحاب المختار من القصر وكان لا يلقى امرأة قريبا من القصر إلا قال لها من أنت ومن أين جئت وما تريدين فأخذ في يوم ثلاث نسوة للشباميين وشاكر أتين أزواجهن في القصر فبعث بهن إلى مصعب وان الطعام لمعهن فردهن مصعب ولم يعرض لهن وبعث زحر بن قيس فنزل عند الحدادين حيث تكرى الدواب وبعث عبيد الله بن الحر فكان موقفه عند دار بلال وبعث محمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس فكان موقفه عند دار أبيه وبعث حوشب بن يزيد فوقف عند زقاق البصريين عند فم سكة بنى جذيمة بن مالك من بنى أسد بن خزيمة وجاء المهلب يسير حتى نزل جهارسوج خنيس وجاء عبد الرحمن بن مخنف من قبل دار السقاية

[ 569 ]

وابتدر السوق أناس من شباب أهل الكوفة وأهل البصرة أغمار ليس لهم علم بالحرب فأخذوا يصيحون وليس لهم أمير يا ابن دومة يا ابن دومة فأشرف عليهم المختار فقال أما والله لو أن الذى يعيرنى بدومة كان من القريتين عظيما ما عيرني بها وبصر بهم وبتفرقهم وهيئتهم وانتشارهم فطمع فيهم فقال لطائفة من أصحابه اخرجوا معى فخرج معه منهم نحو من مائتي رجل فكر عليهم فشدخ نحوا من مائة وهزمهم فركب بعضهم بعضا وأخذوا على دار فرات بن حيان العجلى ثم إن رجلا من بنى ضبة من أهل البصرة يقال له يحيى بن ضمضم كانت رجلاه تكاد أن تخطان الارض إذا ركب من طوله وكان أقتل شئ للرجال وأهيبه عندهم إذا رأوه فأخذ يحمل على أصحاب المختار فلا يثبت له رجل صمد صمده وبصر به المختار فحمل عليه فضربه ضربة على جبهته فأطار جبهته وقحف رأسه وخر ميتا ثم ان تلك الامراء وتلك الرؤوس أقبلوا من كل جانب فلم تكن لاصحابه بهم طاقة فدخلوا القصر فكانوا فيه فاشتد عليهم الحصار فقال لهم المختار ويحكم إن الحصار لا يزيدكم إلا ضعفا انزلوا بنا فلنقاتل حتى نقتل كراما ان نحن قتلنا والله ما أنا بآيس ان صدقتموهم أن ينصركم الله فضعفوا وعجزوا فقال لهم المختار أما أنا فوالله لا أعطى بيدى ولا أحكمهم في نفسي ولما رأى عبد الله بن جعدة بن هبيرة ابن أبى وهب ما يريد المختار تدلى من القصر بحبل فلحق بأناس من إخوانه فاختبى عندهم ثم إن المختار أزمع بالخروج إلى القوم حين رأى من أصحابه الضعف ورأى ما بأصحابه من الفشل فأرسل إلى امرأته أم ثابت بنت سمرة بن جندب الفزارى فأرسلت إليه بطيب كثير فاغتسل وتحنط ثم وضع ذلك الطيب على رأسه ولحيته ثم خرج في تسعة عشر رجلا فيهم السائب بن مالك الاشعري وكان خليفته على الكوفة إذا خرج إلى المدائن وكانت تحته عمرة بنت أبى موسى الاشعري فولدت له غلاما فسماه محمدا فكان مع أبيه في القصر فلما قتل أبوه وأخذ من في القصر وجد صبيا فترك ولما خرج المختار من القصر قال للسائب ماذا ترى قال الرأى لك فماذا ترى قال أنا أرى أم الله يرى قال بل الله يرى قال ويحك

[ 570 ]

أحمق أنت إنما أنا رجل من العرب رأيت ابن الزبير انتزى على الحجاز ورأيت نجدة انتزى على اليمامة ومروان على الشأم فلم أكن دون أحد من رجال العرب فأخذت هذه البلاد فكنت كأحدهم إلا أنى قد طلبت بثأر أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم إذ نامت عنه العرب فقتلت من شرك في دمائهم وبالغت في ذلك إلى يومى هذا فقاتل على حسبك إن لم تكن لك نية فقال إنا لله وإنا إليه راجعون وما كنت أصنع أن أقاتل على حسبى فقال المختار عند ذلك يتمثل بقول غيلان ابن سلمة بن معتب الثقفى ولو يرانى أبو غيلان إذ حسرت * عنى الهموم بأمر ماله طبق لقال رهبا ورعبا يجمعان معا * غنم الحياة وهول النفس والشفق إما تسف على مجد ومكرمة * أو إسوة لك فيمن تهلك الورق فخرج في تسعة عشر رجلا فقال لهم أتؤمنوني وأخرج إليكم فقالوا لا إلا على الحكم فقال لا أحكمكم في نفسي أبدا فضارب بسيفه حتى قتل وقد كان قال لاصحابه حين أبوا أن يتابعوه على الخروج معه إذا أنا خرجت إليهم فقتلت لم تزدادوا إلا ضعفا وذلا فان نزلتم على حكمهم وثب أعداؤكم الذين قد وترتموهم فقال كل رجل منهم لبعضكم هذا عنده ثأري فيقتل وبعضكم ينظر إلى مصارع بعض فتقولون يا ليتنا أطعنا المختار وعملنا برأيه ولو أنكم خرجتم معى كنتم إن أخطأتم الظفر متم كراما وإن هرب منكم هارب فدخل في عشيرته اشتملت عليه عشيرته أنتم غدا هذه الساعة أذل من على ظهر الارض فكان كما قال وزعم الناس أن المختار قتل عند موضع الزياتين اليوم قتله رجلان من بنى حنيفة اخوان يدعى أحدهما طرفة والآخر طرافا ابنا عبد الله بن دجاجة من بنى حنيفة ولما كان من الغد من قتل المختار قال بجير بن عبد الله المسلى يا قوم قد كان صاحبكم أمس أشار عليكم بالرأى لو أطعتموه يا قوم انكم إن نزلتم على حكم القوم ذبحتم كما تذبح الغنم اخرجوا بأسيافكم فقاتلوا حتى تموتوا كراما فعصوه وقالوا لقد أمرنا بهذا من كان أطوع عندنا وأنصح لنا منك فعصيناه أفنحن نطيعك فأمكن

[ 571 ]

القوم من أنفسهم ونزلوا على الحكم فبعث إليهم مصعب عباد بن الحصين الحبطى فكان هو يخرجهم مكتفين وأوصى عبد الله بن شداد الجشمى إلى عباد بن الحصين وطلب عبد الله بن قراد عصا أو حديدة أو شيئا يقاتل به فلم يجده وذلك ان الندامة أدركته بعد ما دخلوا عليه فأخذوا سيفه وأخرجوه مكتوفا فمر به عبد الرحمن وهو يقول ما كنت أخشى أن أرى أسيرا * إن الذين خالفوا الاميرا قد رغموا وتبروا تتبيرا فقال عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث على بذا قدموه إلى أضرب عنقه فقال له أما إنى على دين جدك الذى آمن ثم كفر ان لم أكن ضربت أباك بسيفي حتى فاظ فنزل ثم قال أدنوه منى فأدنوه منه فقتله فغضب عباد فقال قتلته ولم تؤمر بقتله ومر بعبدالله بن شداد الجشمى وكان شريفا فطلب عبد الرحمن إلى عباد أن يحبسه حتى يكلم فيه الامير فأتى مصعبا فقال إنى أحب أن تدفع إلى عبد الله بن شداد فأقتله فانه من الثأر فأمر له به فلما جاءه أخذه فضرب عنقه فكان عباد يقول أما والله لو علمت أنك إنما تريد قتله لدفعته إلى عيرك فقتله ولكني حسبت انك تكلمه فيه فتخلى سبيله وأتى بابن عبد الله بن شداد وإذا اسمه شداد وهو رجل محتلم وقد اطلى بنورة فقال اكشفوا عنه هل أدرك فقالوا لا إنما هو غلام فخلوا سبيله وكان الاسود بن سعيد قد طلب إلى مصعب ان يعرض على أخيه الامان فان نزل تركه له فأتاه فعرض عليه الامان فأبى أن ينزل وقال أموت مع أصحابي أحب إلى من حياة معكم وكان يقال له قيس فأخرج فقتل فيمن قتل وقال بجير بن عبد الله المسلى ويقال كان مولى لهم حين أتى به مصعب ومعه منهم ناس كثير فقال له المسلى الحمد لله الذى ابتلانا بالاسار وابتلاك بأن تعفو عنا وهما منزلتان إحداهما رضا الله والاخرى سخطه من عفا عفا الله عنه وزاده عزا ومن عاقب لم يأمن القصاص يا ابن الزبير نحن أهل قبلتكم وعلى ملتكم ولسانا تركا ولا ديلما فان خالفنا اخواننا من أهل مصرنا فإما أن نكون أصبنا وأخطؤا وإما أن

[ 572 ]

نكون أخطأنا وأصابوا فاقتتلنا كما اقتتل أهل الشأم بينهم فقد اختلفوا واقتتلوا ثم اجتمعوا وكما اقتتل أهل البصرة بينهم فقد اختلفوا واقتتلوا ثم اصطلحوا واجتمعوا وقد ملكتم فأسجحوا وقد قدرتم فاعفوا فما زال بهذا القول ونحوه حتى رق لهم الناس ورق لهم مصعب وأراد أن يخلى سبيلهم فقام عبد الرحمن ابن محمد بن الاشعث فقال تخلى سبيلهم اخترنا يا ابن الزبير أو اخترهم ووثب محمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني فقال قتل أبى وخمسمائة من همدان وأشراف العشيرة وأهل المصر ثم تخلى سبيلهم ودماؤنا ترقرق في أجوافهم اخترنا أو اخترهم ووثب كل قوم وأهل بيت كان أصيب منهم رجل فقالوا نحوا من هذا القول فلما رأى مصعب بن الزبير ذلك أمر بقتلهم فنادوه بأجمعهم يا ابن الزبير لا تقتلنا اجعلنا مقدمتك إلى أهل الشأم غدا فوالله ما بك ولا بأصحابك عنا غدا غنى إذا لقيتم عدوكم فان قتلنا لم نقتل نرقهم لكم وإن ظفرنا بهم كان ذلك لك ولمن معك فأبى عليهم وتبع رضا العامة فقال بجير المسلى إن حاجتى اليك ألا أقتل مع هؤلاء إنى أمرتهم أن يخرجوا بأسيافهم فيقاتلوا حتى يموتوا كراما فعصوني فقدم فقتل (قال أبو مخنف) وحدثني أبى قال حدثنى أبو روق أن مسافر بن سعيد بن نمران قال لمصعب بن الزبير يا ابن الزبير ما تقول لله إذا قدمت عليه وقد قتلت أمة من المسلمين صبرا حكموك في دمائهم فكان الحق في دمائهم أن لا تقتل نفسا مسلمة بغير نفس مسلمة فان كان قتلنا عدة رجال منكم فاقتلوا عدة من قتلنا منكم وخلوا سبيل بقيتنا وفينا الآن رجال كثير لم يشهدوا موطنا من حربنا وحربكم يوما واحدا كانوا في الجبال والسواد يجبون الخراج ويؤمنون السبيل فلم يستمع له فقال قبح الله قوما أمرتهم أن يخرجوا ليلا على حرس سكة من هذه السكك فنطردهم ثم نلحق بعشائرنا فعصوني حتى حملوني على أن أعطيت التى هي أنقص وأدنى وأوضع وأبوا أن يموتوا إلا ميتة العبيد فأنا أسألك ألا تخلط دمى بدمائهم فقدم فقتل ناحية ثم إن المصعب أمر بكف المختار فقطعت ثم سمرت بمسمار ؟ حديد إلى جنب المسجد فلم يزل على ذلك حتى قدم الحجاج بن

[ 573 ]

يوسف فنظر إليها فقال ما هذه قالوا كف المختار فأمر بنزعها وبعث مصعب عماله على الجبال والسواد ثم انه كتب إلى ابن الاشتر يدعوه إلى طاعته ويقول له ان أنت أجبتني ودخلت في طاعتي فلك الشأم وأعنة الخيل وما غلبت عليه من أرض المغرب ما دام لآل الزبير سلطان وكتب عبد الملك بن مروان من الشأم إليه يدعوه إلى طاعته ويقول ان أنت أجبتني ودخلت في طاعتي فلك العراق فدعا ابراهيم أصحابه فقال ما ترون فقال بعضهم تدخل في طاعة عبد الملك وقال بعضهم تدخل مع ابن الزبير في طاعته فقال ابن الاشتر ذاك لو لم أكن أصبت عبيد الله ابن زياد ولا رؤساء أهل الشأم تبعت عبد الملك مع انى لا أحب أن أختار على أهل مصرى مصرا ولا على عشيرتي عشيرة فكتب إلى مصعب فكتب إليه مصعب أن أقبل فأقبل إليه بالطاعة (قال أبو مخنف) حدثنى أبو جناب الكلبى أن كتاب مصعب قدم على ابن الاشتر وفيه أما بعد فان الله قد قتل المختار الكذاب وشيعته الذين دانوا بالكفر وكادوا بالسحر وانا ندعوك إلى كتاب الله وسنة نبيه وإلى بيعة أمير المؤمنين فان أجبت إلى ذلك فأقبل إلى فان لك أرض الجزيرة وأرض المغرب كلها ما بقيت وبقى سلطان آل الزبير لك بذلك عهد الله وميثاقه وأشد ما أخذ الله على النبيين من عهد أو عقد والسلام وكتب إليه عبد الملك بن مروان أما بعد فان آل الزبير انتزوا على أئمة الهدى ونازعوا الامر أهله وألحدوا في بيت الله الحرام والله ممكن منهم وجاعل دائرة السوء عليهم وانى أدعوك إلى الله وإلى سنة نبيه فان قبلت وأجبت فلك سلطان العراق ما بقيت وبقيت لك على بالوفاء بذلك عهد الله وميثاقه قال فدعا أصحابه فأقرأهم الكتاب واستشارهم في الرأى فقائل يقول عبد الملك وقائل يقول ابن الزبير فقال لهم ورأيى اتباع أهل الشأم كيف لى بذلك ولكن ليس قبيلة تسكن الشأم الا وقد وترتها ولست بتارك عشيرتي وأهل مصرى فأقبل إلى مصعب فلما بلغ مصعبا إقباله بعث المهلب إلى عمله وهى السنة التى نزل فيها المهلب على الفرات (قال أبو مخنف) حدثنى أبو علقمة الخثعمي أن المصعب بعث إلى أم ثابت بنت سمرة بن جندب امرأة المختار والى

[ 574 ]

عمرة بنت النعمان بن بشير الانصاري وهى امرأة المختار فقال لهما ما تقولان في المختار فقالت أم ثابت ما عسينا أن نقول ما نقول فيه الا ما تقولون فيه أنتم فقالوا لها اذهبي وأما عمرة فقالت رحمة الله عليه ان كان عبدا من عباد الله الصالحين فرفعها مصعب إلى السجن وكتب فيها إلى عبد الله بن الزبير انها تزعم انه نبى فكتب إليه أن أخرجها فاقتلها فأخرجها بين الحيرة والكوفة بعد العتمة فضربها مطر ثلاث ضربات بالسيف ومطر تابع لآل قفل من بنى تيم الله بن ثعلبة كان يكون مع الشرط فقالت يا أبتاه يا أهلاه يا عشيرتاه فسمع بها بعض الانصار وهو أبان ابن النعمان بن بشير فأتاه فلطمه وقال له يا ابن الزانية قطعت نفسها قطع الله يمينك فلزمه حتى رفعه إلى مصعب فقال ان أمي مسلمة وادعى شهادة بنى قفل فلم يشهد له أحد فقال مصعب خلوا سبيل الفتى فانه رأى امرا فظيعا فقال عمر بن أبى ربيعة القرشى في قتل مصعب عمرة بنت النعمان بن بشير إن من أعجب العجائب عندي * قتل بيضاء حرة عطبول قتلت هكذا على غير جرم * إن لله درها من قتيل كتب القتل والقتال علينا * وعلى المحصنات جر الذيول (قال أبو مخنف) وحدثني محمد بن يوسف ان مصعبا لقى عبد الله بن عمر فسلم عليه وقال له أنا ابن أخيك مصعب فقال له ابن عمر نعم أنت القاتل سبعة آلاف من أهل القبلة في غداة واحدة عش ما استطعت فقال مصعب انهم كانوا كفرة سحرة فقال ابن عمر والله لو قتلت عدتهم غنما من تراث ابيك لكان ذلك سرفا فقال سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت في ذلك أتى راكب بالامر ذى النبإ العجب * بقتل ابنة النعمان ذى الدين والحسب بقتل فتاة ذات دل ستيرة * مهذبة الاخلاق والخيم والنسب مطهرة من نسل قوم أكارم * من المؤثرين الخير في سالف الحقب خليل النبي المصطفى ونصيره * وصاحبه في الحرب والنكب والكرب أتانى بأن الملحدين توافقوا * على قتلها لاجنبوا القتل والسلب

[ 575 ]

فلا هنات آل الزبير معيشة * وذاقوا لباس الذل والخوف والحرب كأنهم إذ أبرزوها وقطعت * بأسيافهم فازوا بمملكة العرب ألم تعجب الاقوام من قتل حرة * من المحصنات الدين محمودة الادب من الغافلات المؤمنات بريئة * من الذم والبهتان والشك والكذب علينا كتاب القتل والبأس واجب * وهن العفاف في الحجال وفى الحجب على دين أجداد لها وأبوة * كرام مضت لم تخز أهلا ولم ترب من الخفرات لا خروج بذية * ملايمة تبغى على جارها الجنب ولا الجار ذى القربى ولم تدر ما الخنا * ولم تزدلف يوما بسوء ولم تحب عجبت لها إذ كفنت وهى حية * ألا إن هذا الخطب من أعجب العجب * حدثت عن على بن حرب الموصلي قال حدثنى ابراهيم بن سليمان الحنفي بن أخى أبى الاحوص قال حدثنا محمد بن أبان عن علقمة بن مرثد عن سويد بن غفلة قال نينا أبا أسير بظهر النجف إذ لحقني رجل فطعننى بمخصره من خلفي فالتفت إليه فقال ما قولك في الشيخ قلت أي الشيوخ قال على بن أبى طالب قلت انى أشهد انى أحبه بسمعي وبصرى وقلبي ولساني قال وأنا أشهدك انى أبغضه بسمعي وبصرى وقلبي ولساني فسرنا حتى دخلنا الكوفة فافترقنا فمكث بعد ذلك سنين أو قال زمانا قال ثم انى لفى المسجد الاعظم إذ دخل رجل معتم يتصفح وجوه الخلق فلم يزل ينظر فلم ير لحى أحمق من لحى همدان فجلس إليهم فتحولت فجلست معهم فقالوا من أين أقبلت قال من عند أهل بيت نبيكم قالوا فماذا جئتنا به قال ليس هذا موضع ذلك فوعدهم من الغد موعدا فغدا وغدوت فإذا قد أخرج كتابا معه في أسفله طابع من رصاص فدفعه إلى غلام فقال له يا غلام اقرأه وكان أميا لا يكتب فقال الغلام بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب للمختار بن أبى عبيد كتبه له وصى آل محمد أما بعد فكذا وكذا فاستفرغ القوم البكاء فقال يا غلام ارفع كتابك حتى يفيق القوم قلت معاشر همدان أنا أشهد بالله لقد أدركني هذا بظهر النجف فقصصت عليهم قصته فقالوا أبيت والله إلا تثبيطا عن آل محمد وتزيينا لنعثل شقاق المصاحف قال قلت

[ 576 ]

معاشر همدان لا أحدثكم إلا ما سمعته أذناى ووعاه قلبى من على بن أبى طالب عليه السلام سمعته يقول لا تسموا عثمان شقاق المصاحف فوالله ما شققها إلا عن ملا منا أصحاب محمد ولو وليتها لعملت فيها مثل الذى عمل قالوا آلله أنت سمعت هذا من على قلت والله لانا سمعته منه قال فتفرقوا عنه فعند ذلك مال إلى العبيد واستعان بهم وصنع ما صنع (قال أبو جعفر) واقتص الواقدي من خبر المختار بن أبى عبيد بعض ما ذكرنا فخالف فيه من ذكرنا خبره فزعم أن المختار إنما أظهرا لخلاف لابن الزبير عند قدوم مصعب البصرة وأن مصعبا لما سار إليه فبلغه مسيره إليه بعث إليه أحمر بن شميط البجلى وأمره أن يواقعه بالمذار وقال إن الفتح بالمذار قال وإنما قال ذلك المختار لانه قيل إن رجلا من ثقيف يفتح عليه بالمذار فتح عظيم فظن أنه هو وإنما كان ذلك للحجاج بن يوسف في قتاله عبد الرحمن بن الاشعث وأمر مصعب صاحب مقدمته عبادا الحبطى أن يسير إلى جمع المختار فتقدم وتقدم معه عبيد الله بن على بن أبى طالب ونزل مصعب نهر البصريين على شط الفرات وحفر هنالك نهرا فسمى نهر البصريين من أجل ذلك قال وخرج المختار في عشرين ألفا حتى وقف بإزائهم وزحف مصعب ومن معه فوافوه مع الليل على تعبية فأرسل إلى أصحابه حين أمسى لا يبرحن أحد منكم موقفه حتى يسمع مناديا ينادى يا محمد فإذا سمعتموه فاحملوا فقال رجل من القوم من أصحاب المختار هذا والله كذاب على الله وانحاز ومن معه إلى المصعب فأمهل المختار حتى إذا طلع القمر أمر مناديا فنادى يا محمد ثم حملوا على مصعب وأصحابه فهزموهم فأدخلوه عسكره فلم يزالوا يقاتلونهم حتى أصبحوا وأصبح المختار وليس عنده أحد وإذا أصحابه قد وغلوا في أصحاب مصعب فانصرف المختار منهزما حتى دخل قصر الكوفة فجاء أصحاب المختار حين أصبحوا فوقفوا مليا فلم يروا المختار فقالوا قد قتل فهرب منهم من أطاق الهرب واختفوا في دور الكوفة وتوجه منهم نحو القصر ثمانية آلاف لم يجدوا من يقاتل بهم ووجدوا المختار في القصر فدخلوا معه وكان أصحاب المختار قتلوا في تلك الليلة من أصحاب مصعب بشرا كثيرا فيهم محمد بن الاشعث وأقبل مصعب حين أصبح حتى أحاط بالقصر فأقام مصعب يحاصره أربعة أشهر يخرج إليهم

[ 577 ]

في كل يوم فيقاتلهم في سوق الكوفة من وجه واحد ولا يقدر عليه حتى قتل المختار فلما قتل المختار بعث من في القصر يطلب الامان فأبى مصعب حتى نزلوا على حكمه فلما نزلوا على حكمه قتل من العرب سبعمائة أو نحو ذلك وسائرهم من العجم قال فلما خرجوا أراد مصعب أن يقتل العجم ويترك العرب فكلمه من معه فقالوا أي دين هذا وكيف ترجو النصر وأنت تقتل العجم وتترك العرب ودينهم واحد فقدمهم فضرب أعناقهم (قال أبو جعفر) وحدثني عمر بن شبة قال حدثنا على بن محمد قال لما قتل المختار شاور مصعب أصحابه في المحصورين الذين نزلوا على حكمه فقال عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث ومحمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس وأشباههم ممن وترهم المختار اقتلهم وضجت ضبة وقالوا دم منذر بن حسان فقال عبيد الله ابن الحر أيها الامير ادفع كل رجل في يديك إلى عشيرته تمن عليهم بهم فإنهم إن كانوا قتلونا فقد قتلناهم ولا غنى بنا عنهم في ثغورنا وادفع عبيدنا الذين في يديك إلى مواليهم فإنهم لايتامنا وأراملنا وضعفائنا يردونهم إلى أعمالهم واقتل هؤلاء الموالى فانهم قد بدا كفرهم وعظم كبرهم وقل شكرهم فضحك مصعب وقال للاحنف ما ترى يا أبا بحر قال قد أرادنى زياد فعصيته يعرض بهم فأمر مصعب بالقوم جميعا فقتلوا وكانوا ستة آلاف فقال عقبة الاسدي قتلتم ستة الآلاف صبرا * مع العهد الموثق مكتفينا جعلتم ذمة الحبطى جسرا * ذلولا ظهره للواطئينا وما كاتوا غداة دعوا فغروا * بعهدهم بأول خائنينا وكنت أمرتهم لو طاوعوني * بضرب في الازقة مصلتينا وقتل المختار فيما قيل وهو ابن سبع وستين سنة لاربع عشرة خلت من شهر رمضان في سنة 67 فلما فرغ مصعب من أمر المختار وأصحابه وصار إليه إبراهيم ابن الاشتر وجه المهلب بن أبى صفرة على الموصل والجزيرة وآذربيجان وأرمينية وأقام بالكوفة (وفى هذه السنة) عزل عبد الله بن الزبير أخاه مصعب بن الزبير عن البصرة وبعث بابنه حمزة بن عبد الله إليها فاختلف في سبب عزله إياه عنها

[ 578 ]

وكيف كان الامر في ذلك فقال بعضهم في ذلك ما حدثنى به عمر * قال حدثنى على بن محمد قال لم يزل المصعب على البصرة حتى سار منها إلى المختار واستخلف على البصرة عبيد الله بن عبيد الله بن معمر فقتل المختار ثم وفد إلى عبد الله بن الزبير فعزله وحبسه عنده واعتذر إليه من عزله وقال والله إنى لاعلم أنك أحرى وأكفى من حمزة ولكني رأيت فيه رأى عثمان في عبد الله بن عامر حين عزل أبا موسى الاشعري وولاه * وحدثني عمر قال حدثنى على بن محمد قال قدم حمزة البصرة واليا وكان جوادا سخيا مخلطا يجود أحيانا حتى لا يدع شيئا يملكه ويمنع أحيانا ما لا يمنع مثله فظهرت منه بالبصرة خفة وضعف فيقال إنه ركب يوما إلى فيض البصرة فلما رآه قال إن هذا الغدير إن رفقوا به ليكفينهم صيفهم فلما كان بعد ذلك ركب إليه فوافقه جازرا فقال قد رأيت هذا ذات يوم وظننت أن لن يكفيهم فقال له الاحنف إن هذا ماء يأتينا ثم يغيض عنا وشخص إلى الاهواز فلما رأى جبلها قال هذا قعيقعان لموضع بمكة فسمى الجبل قعيقعان وبعث إلى مرادنشاه فاستحثه بالخراج فأبطأ به فقام إليه بسيفه فضربه فقتله فقال الاحنف ما أحد سيف الامير * حدثنى عمر قال حدثنى على بن محمد قال لما خلط حمزة بالبصرة وظهر منه ما ظهر وهم بعبد العزيز بن بشر أن يضربه كتب الاحنف إلى ابن الزبير بذلك وسأله أن يعيد مصعبا قال وحمزة الذى عقد لعبدالله بن عمير الليثى على قتال النجدية بالبحرين * حدثنى عمر قال حدثنا على بن محمد قال لما عزل ابن الزبير حمزة احتمل مالا كثيرا من مال البصرة فعرض له مالك بن مسمع فقال لا ندعك تخرج بأعطياتنا فضمن له عبيد الله بن عبيد بن معمر العطاء فكف وشخص حمزة بالمال فترك أباه وأتى المدينة فأودع ذلك المال رجالا فذهبوا به إلا يهوديا كان أودعه فوفى له وعلم ابن الزبير بما صنع فقال أبعده الله أردت أن أباهى به بنى مروان فنكص (وأما هشام) بن محمد فانه ذكر عن أبى مخنف في أمر مصعب وعزل أخيه إياه عن البصرة ورده إياه إليها غير هذه القصة والذى ذكر من ذلك عنه في سياق خبر حدثت به عنه عن أبى المخارق الراسبى أن مصعبا لما ظهر على

[ 579 ]

الكوفة أقام بها سنة معزولا عن البصرة عزله عنها عبد الله وبعث ابنه حمزة فمكث بذلك سنة ثم إنه وفد على أخيه عبد الله بمكة فرده على البصرة وقيل إن مصعبا لما فرغ من أمر المختار انصرف إلى البصرة وولى الكوفة الحارث بن عبد الله بن أبى ربيعة قال وقال محمد بن عمر لما قتل مصعب المختار ملك الكوفة والبصرة (وحج) بالناس في هذه السنة عبد الله بن الزبير وكان عامله على الكوفة مصعب وقد ذكرت اختلاف أهل السير في العامل على البصرة وكان على قضاء الكوفة عبد الله بن عتبة بن مسعود وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة وبالشأم عبد الملك ابن مروان وكان على خراسان عبد الله بن حازم السلمى ثم دخلت سنة ثمان وستين ذكر الخبر عما كان فيها من الامور الجليلة فمن ذلك ما كان من رد عبد الله أخاه مصعبا إلى العراق أميرا وقد ذكرنا السبب في رد عبد الله أخاه مصعبا إلى العراق أميرا بعد عزله إياه ولما رده عليها أميرا بعث مصعب الحارث بن أبى ربيعة على الكوفة أميرا وذلك أنه بدأ بالبصرة مرجعه إلى العراق أميرا بعد العزل فصار إليها (وفى هذه السنة) كان مرجع الازارقة من فارس إلى العراق حتى صاروا إلى قرب الكوفة ودخلوا المدائن ذكر الخبر عن أمرهم ومسيرهم ومرجعهم إلى العراق ذكر هشام عن أبى مخنف قال حدثنى أبو المخارق الراسبى أن مصعبا وجه عمربن عبيد الله بن معمر على فارس أميرا وكانت الازارقة لحقت بفارس وكرمان ونواحى اصبهان بعد ما أوقع بهم المهلب بالاهواز فلما شخص المهلب عن ذلك الوجه ووجه إلى الموصل ونواحيها عاملا عليها وعمر بن عبيد الله بن معمر على فارس انحطت الازارقة مع الزبير بن الماحوز على عمر بن عبيد الله بفارس فلقيهم بسابور فقاتلهم قتالا شديدا ثم إنه ظفر بهم ظفرا بينا غير أنه لم يكن بينهم كثير قتلى وذهبوا كأنهم على حامية وقد تركوا على ذلك المعركة (قال أبو

[ 580 ]

مخنف) فحدثني شيخ للحى بالبصرة قال إنى لاسمع قراءة كتاب عمر بن عبيد الله بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإنى أخبر الامير أصلحه الله أنى لقيت الازارقة التى مرقت من الدين واتبعت أهواءها بغير هدى من الله فقاتلتهم بالمسلمين ساعة من النهار أشد القتال ثم إن الله ضرب وجوههم وأدبارهم ومنحنا أكتافهم فقتل الله منهم من خاب وخسر وكل إلى خسران فكتبت إلى الامير كتابي هذا وأنا على ظهر فرسى في طلب القوم أرجو أن يجذهم الله إن شاء الله والسلام ثم إنه تبعهم ومضوا من فورهم ذلك حتى نزلوا اصطخر فسار إليهم حتى لقيهم على قنطرة طمستان فقاتلهم قتالا شديدا وقتل ابنه ثم إنه ظفر بهم فقطعوا قنطرة طمستان وارتفعوا إلى نحو من أصبهان وكرمان فأقاموا بها حتى اجتبروا وقووا واستعدوا وكثروا ثم إنهم أقبلوا حتى مروا بفارس وبها عمر بن عبيد الله بن معمر فقطعوا أرضه من غير الوجه الذى كان فيه أخذوا على سابور ثم خرجوا على أرجان فلما رأى عمر بن عبيد الله أن قد قطعت الخوارج أرضه متوجهة إلى البصرة خشى ألا يحتملها له مصعب بن الزبير فشمر في آثارهم مسرعا حتى أتى أرجان فوجدهم حين خرجوا منها متوجهين قبل الاهواز وبلغ مصعبا إقبالهم فخرج فعسكر بالناس بالجسر الاكبر وقال والله ما أدرى ما الذى أغنى عنى أن وضعت عمر بن عبيد الله بفارس وجعلت معه جندا أجرى عليهم أرزاقهم في كل شهر وأوفيهم أعطياتهم في كل سنة وآمر لهم من المعاون في كل سنة بمثل الاعطيات تقطع أرضه الخوارج إلى وقد قطعت علته فأمددته بالرجال وقويتهم والله لو قاتلهم ثم فر كان أعذر له عندي وإن كان الفار غير مقبول العذر ولا كريم الفعل وأقبلت الخوارج وعليهم الزبير ابن الماحوز حتى نزلوا الاهواز فأتتهم عيونهم أن عمر بن عبيد الله في أثرهم وأن مصعب بن الزبير قد خرج من البصرة إليهم فقام فيهم الزبير فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإن من سوء الرأى والحيرة وقوعكم فيما بين هاتين الشوكتين انهضوا بنا إلى عدونا نلقهم من وجه واحد فسار بهم حتى قطع بهم أرض جوخى ثم أخذ على النهروانات ثم لزم شاطئ دجلة حتى خرج على المدائن وبها كردم بن مرثد

[ 581 ]

ابن نجبة الفزارى فشنوا الغارة على أهل المدائن يقتلون الوالدن والنساء والرجال ويبقرون الحبالى وهرب كردم فأقبلوا إلى سابطا فوضعوا أسيافهم في الناس فقتلوا أم ولد لربيعة بن ناجد وقتلوا بنانة ابنة أبى يزيد بن عاصم الازدي وكانت قد قرأت القرآن وكانت من أجمل الناس فلما غشوها بالسيوف قالت ويحكم هل سمعتم بأن الرجال كانوا يقتلون النساء ويحكم تقتلون من لا يبسط إليكم يدا ولا يريد بكم ضرا ولا يملك لنفسه نفعا أتقتلون من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين فقال بعضهم اقتلوها وقال رجل منهم لو أنكم تركتموها فقال بعضهم أعجبك جمالها يا عدو الله قد كفرت وافتتنت فانصرف الآخر عنهم وتركهم فظننا أنه فارقهم وحملوا عليها فقتلوها فقالت ريطة بنت يزيد سبحان الله أترون الله يرضى بما تصنعون تقتلون النساء والصبيان ومن لم يذنب إليكم ذنبا ثم انصرفت وحملوا عليها وبين يديها الرواع بنت إياس بن شريح الهمداني وهى ابنة أخيها لامها فحملوا عليها فضربوها على رأسها بالسيف ويصيب ذباب السيف رأس الرواع فسقطتا جميعا إلى الارض وقاتلهم إياس بن شريح ساعة ثم صرع فوقع بين القتلى فنزعوا عنه وهم يرون أنهم قد قتلوه وصرع منهم رجل من بكر بن وائل يقال له رزين بن المتوكل * فلما انصرفوا عنهم لم يمت غير بنانة بنت أبى يزيد وأم ولد ربيعة بن ناجذ وأفاق سائرهم فسقى بعضهم بعضا من الماء وعصبوا جراحاتهم ثم استأجروا دواب ثم أقبلوا نحو الكوفة (قال أبو مخنف) فحدثتني الرواع ابنة إياس قالت ما رأيت رجلا قط كان أجبن من رجل كان معنا وكانت معه ابنته فلما غشينا ألقاها إلينا وهرب عنها وعنا ولا رأينا رجلا قط كان أكرم من رجل كان معنا ما نعرفه ولا يعرفنا لما غشينا قاتل دوننا حتى صرع بيننا وهو رزين بن المتوكل البكري وكان بعد ذلك يزورنا ويواصلنا نم إنه هلك في إمارة الحجاج فكانت ورثته الاعراب وكان من العباد الصالحين (قال هشام بن محمد) وذكره عن أبى مخنف قال حدثنى أبى عن عمه أن مصعب بن الزبير كان بعث أبا بكر بن مخنف على إسنان العال فلما قدم الحارث بن أبى ربيعة أقصاه ثم أقره بعد ذلك على عمله السنة الثانية فلما قدمت

[ 582 ]

الخوارج المدائن سرحوا إليه عصابة منهم عليها صالح بن مخراق فلقيه بالكوخ فقاتله ساعة ثم تنازلوا فنزل أبو بكر ونزلت الخوارج فقتل أبو بكر ويسار مولاه وعبد الرحمن بن أبى جعال ورجل من قومه وانهزم سائر أصحابه فقال سراقة بن مرداس البارقى في بطن من الازد ألا يا لقوم للهوم الطوارق * وللحدث الجائى بإحدى الصفائق ومقتل غطريف كريم نجاره * من المقدمين الذائدين الاصادق أتانى دوين الخيف قتل ابن مخنف * وقد غورت أولى النجوم الخوافق فقلت تلقاك الاله برحمة * وصلى عليك الله رب المشارق لحا الله قوما عردوا عنك بكرة * ولم يصبروا للامعات البوارق تولوا فأجلوا بالضحى عن زعيمنا * وسيدنا في المارق المتضايق فأنت متى ما جئتنا في بيوتنا * سمعت عويلا من عوان وعاتق يبكين محمود الضريبة ماجدا * صبورا لدى الهيجاء عند الحقائق فقد أصبحت نفسي لذاك حزينة * وشابت لما حملت منه مفارقي (قال أبو مخنف) فحدثني حدرة بن عبد الله لازدى والنضر بن صالح العبسى وفضيل بن خديج كلهم أخبرنيه أن الحارث بن أبى ربيعة أتاه أهل الكوفة فصاحوا إليه وقالوا له اخرج فإن هذا عدو لنا قد أظل علينا ليست له بقية فخرج وهو يكد كدا حتى نزل النخيلة فأقام بها أياما فوثب إليه إبراهيم بن الاشتر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإنه سار إلينا عدو ليست له بقية يقتل الرجل والمرأة والمولود ويخيف السبيل ويخرب البلاد فانهض بنا إليه فأمر بالرحيل فخرج فنزل دير عبد الرحمن فأقام فيه حتى دخل إليه شبث بن ربعى فكلمه بنحو مما كلمه به ابن الاشتر فارتحل ولم يكد فلما رأى الناس بطء سيره رجزوا به فقالوا سار بنا القباع سيرا نكرا * يسير يوما ويقيم شهرا فأشخصوه من ذلك المكان فكلما نزل بهم منزلا أقام بهم حتى يضج الناس به من ذلك ويصيحوا به حول فسطاطه فلم يبلغ الصراة إلا في بعضه عشر يوما فأتى

[ 583 ]

الصراة وقد انتهى إليها طلائع العدو وأوائل الخيول فلما أتتهم العيون بأنه قد أتاهم جماعة أهل المصر قطعوا الجسر بينهم وبين الناس وأخذ الناس يرتجزون إن القباع سار سيرا ملسا * بين دبيرى ودباها خمسا (قال أبو مخنف) وحدثني يونس بن أبى إسحاق عن أبيه أن رجلا من السبيع كان به لمم وكان بقرية يقال لها جوبر عند الخرارة وكان يدعى سماك بن يزيد فأتت الخوارج قريته فأخذوه وأخذوا ابنته فقدموا ابنته فقتلوها وزعم لى أبو الربيع السلولى أن اسم ابنته أم يزيد وأنها كانت تقول لهم يا أهل الاسلام إن أبى مصاب فلا تقتلوه وأما أنا فإنما أنا جارية والله ما أتيت فاحشة قط ولا آذيت جارة لى ولا تطلعت ولا تشرفت قط فقدموها ليقتلوها فأخذت تنادى ما ذنبي ما ذنبي ثم سقطت مغشيا عليها أو ميتة ثم قطعوها بأسيافهم قال أبو الربيع حدثتني بهذا الحديث ظئر لها نصرانية من أهل الخورنق كانت معها حين قتلت (قال أبو مخنف) حدثنى يونس بن أبى إسحق عن أبيه أن الازارقة جاءت بسماك بن يزيد معهم حتى أشرفوا على الصراة قال فاستقبل عسكرنا فرأى جماعة الناس وكثرتهم فأخذ ينادينا ويرفع صوته اعبروا إليهم فإنهم قليل خبيث فضربوا عند ذلك عنقه وصلبوه ونحن ننظر إليه قال فلما كان الليل عبرت إليه وأنا رجل من الحى فأنزلناه فدفناه (قال أبو مخنف) حدثنى أبى أن إبراهيم بن الاشتر قال للحارث بن أبى ربيعة اندب معى الناس حتى أعبر إلى هؤلاء الاكلب فأجيئك برؤوسهم الساعة فقال شبث بن ربعى وأسماء بن خارجة ويزيد بن الحارث ومحمد بن الحارث ومحمد بن عمير أصلح الله الامير دعهم فليذهبوا لا تبدأهم قال وكأنهم حسدوا إبراهيم بن الاشتر (قال أبو مخنف) وحدثني حصيرة بن عبدا لله وأبو زهير العبسى أن الازارقة لما انتهوا إلى جسر الصراة فرأوا أن جماعة أهل المصر قد خرجوا إليهم قطعوا الجسر واغتنم ذلك الحارث فتحبس ثم إنه جلس للناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإن أول القتال الرميا بالنبل ثم اشراع الرماح ثم الطعن بها شزرا ثم الشلة آخر ذلك كله قال فقام إليه رجل فقال قد أحسن الامير أصلحه الله الصفة

[ 584 ]

ولكن حتى ما نصنع هذا وهذا البحر بيننا وبين عدونا مر بهذا الجسر فليعد كما كان ثم اعبر بنا إليهم فإن الله سيريك فيهم ما تحبه فأمر بالجسر فأعيد ثم عبر الناس إليهم فطاروا حتى انتهوا إلى المدائن وجاء المسلمون حتى انتهوا إلى المدائن وجاءت خيل لهم فطاردت خيلا للسلمين طردا ضعيفا عند الجسر ثم انهم خرجوا منها فأتبعهم الحارث بن أبى ربيعة عبد الرحمن بن مخنف في ستة آلاف ليخرجهم من أرض الكوفة فإذا وقعوا في أرض البصرة خلاهم فأتبعهم حتى إذا خرجوا من أرض الكوفة ووقعوا إلى أصبهان انصرف عنهم ولم يقاتلهم ولم يكن بينه وبينهم قتال ومضوا حتى نزلوا بعتاب بن ورقاء بجى فأقاموا عليه وحاصروه فخرج إليهم فقاتلهم فلم يطقهم وشدوا على أصحابه حتى دخلوا المدينة وكانت أصبهان يومئذ طعمة لاسماعيل بن طلحة بن مصعب بن الزبير فبعث عليها عتابا فصبر لهم عتاب وأخذ يخرج إليهم في كل أيام فيقاتلهم على باب المدينة ويرمون من السور بالنبل والنشاب والحجارة وكان مع عتاب رجل من حضرموت يقال له أبو هريرة ابن شريح فكان يخرج مع عتاب وكان شجاعا فكان يحمل عليهم ويقول كيف ترون يا كلاب النار * شد أبى هريرة الهرار يهركم بالليل والنهار * يا ابن أبى الماحوز والاشرار كيف ترى جى على المضمار فلما طال ذلك على الخوارج من قوله كمن له رجل من الخوارج يظنون أنه عبيدة بن هلال فخرح ذات يوم فصنع كما كان يصنع ويقول كما كان يقول إذ حمل عليه عبيد بن هلال فضربه بالسيف ضربة على حبل عاتقه فصرعه وحمل أصحابه عليه فاحتملوه فأدخلوه وداووه وأخذت الازارقة بعد ذلك تناديهم يقولون يا أعداء الله ما فعل أبو هريرة الهرار فينا دونهم يا أعداء الله والله ما عليه من بأس ولم يلبث أبو هريرة أن برئ ثم خوج عليهم بعد فأخذوا يقولون يا عدو الله أما والله لقد رجونا أن نكون قد أزرناك أمك فقال لهم يا فساق ما ذكركم أمي فأخذوا يقولون إنه ليغضب لامه وهو آتيها عاجلا فقال له أصحابه ويحك انما يعنون النار ففطن فقال

[ 585 ]

يا أعداء الله ما أعقكم بأمكم حين تنتفون منها إنما تلك أمكم واليها مصيركم ثم إن الخوارج أقامت عليهم أشهرا حتى هلك كراعهم ونفدت أطعمتهم واشتد عليهم الحصار وأصابهم الجهد الشديد فدعاهم عتاب بن ورقاء فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد أيها الناس فانه قد أصابكم من الجهد ما قد ترون فوالله إن بقى إلا أن يموت أحدكم على فراشه فيجئ أخوه فيدفنه إن استطاع وبالحرى أن يضعف عن ذلك ثم يموت هو فلا يجد من يدفنه ولا يصلى عليه فاتقوا الله فوالله ما أنتم بالقليل الذين تهون شوكتهم على عدوهم وإن فيكم لفرسان أهل المصر وإنكم لصلحاء من أنتم منه أخرجوا بنا إلى هؤلاء القوم وبكم حياة وقوة قبل أن لا يستطيع رجل منكم أن يمشى إلى عدوه من الجهد وقبل أن لا يستطيع رجل أن يمتنع من امرأة لو جاءته فقاتل رجل عن نفسه وصبر وصدق فوالله إنى لارجو إن صدقتموه أن يظفركم الله بهم وأن يظهركم عليهم فناداه الناس من كل جانب وفقت وأصبت اخرج بنا إليهم فجمع إليه الناس من الليل فأمر لهم بعشاء كثير فعشى الناس عنده ثم إنه خرج بهم حين أصبح على راياتهم فصبحهم في عسكرهم وهم آمنون من أن يؤتوا في عسكرهم فشدوا عليهم في جانبه فضاربوهم فأخلوا عن وجه العسكر حتى انتهوا إلى الزبير بن الماحوز فنزل في عصابة من أصحابه فقاتل حتى قتل وانحازت الازارقة إلى قطرى فبايعوه وجاء عتاب حتى دخل مدينته وقد أصاب من عسكرهم ما شاء وجاء قطرى في أثره كأنه يريد أن يقاتله فجاء حتى نزل في عسكر الزبير بن الماحوز فتزعم الخوارج أن عينا لقطرى جاءه فقال سمعت عتابا يقول إن هؤلاء القوم إن ركبوا بنات شحاج وقاذوا بنات صهال ونزلوا اليوم أرضا وغدا أخرى فبالحرى أن يبقوا فلما بلغ ذلك قطريا خرج فذهب وخلاهم (قال أبو مخنف) قال أبو زهير العبسى وكان معهم خرجنا إلى قطرى من الغد مشاة مصلتين بالسيوف قال فارتحلوا والله فكان آخر العهد بهم قال ثم ذهب قطرى حتى أتى ناحية كرمان فأقام بها حتى اجتمعت إليه جموع كثيرة وأكل الارض واجتى المال وقوى ثم أقبل حتى أخذ في أرض أصبهان ثم إنه خرج من شعب

[ 586 ]

ناشط إلى أيذج فأقام بأرض الاهواز والحارث بن أبى ربيعة عامل لمصعب بن الزبير على البصرة فكتب إلى مصعب يخبره أن الخوارج قد تحد رت إلى الاهواز وأنه ليس لهم إلا المهلب فبعث إلى المهلب وهو على الموصل والجزيرة فأمره بقتال الخوارج والمسير إليهم وبعث إلى عمله إبراهيم بن الاشتر وجاء المهلب حتى قدم البصرة وانتخب الناس وسار بمن أحب ثم توجه نحو الخوارج وأقبلوا إليه حتى التقوا بسولاف فاقتتلوا بها ثمانية أشهر أشد قتال رآه الناس لا ينقع بعضهم لبعض من الطعن والضرب ما يصد بعضهم عن بعض (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة كان القحط الشديد بالشأم حتى لم يقدروا من شدته على الغزو (وفيها) عسكر عبد الملك بن مروان ببطنان حبيب من أرض قنسرين فمطروا بها فكثر الوحل فسموها بطنان الطين وشتا بها عبد الملك ثم انصرف منها إلى دمشق (وفيها) قتل عبيد الله بن الحر ذكر الخبر عن مقتله والسبب الذى جر ذلك عليه (روى) أحمد بن زهير عن على بن محمد عن على بن مجاهد أن عبيد الله ابن الحر كان رجلا من خيار قومه صلاحا وفضلا وصلاة واجتهادا فلما قتل عثمان وهاج الهيج بين على ومعاوية قال أما إن الله ليعلم أنى أحب عثمان ولانصرنه ميتا فخرج إلى الشأم فكان مع معاوية وخرج مالك بن مسمع إلى معاوية على مثل ذلك الرأى في العثمانية فأقام عبيد الله عند معاوية وشهد معه صفين ولم يزل معه حتى قتل على عليه السلام * فلما قتل على قدم الكوفة فأتى إخوانه ومن قد خف في الفتنة فقال لهم يا هؤلاء ما أرى أحدا ينفعه اعتزاله كنا بالشأم فكان من أمر معاوية كيت وكيت فقال له القوم وكان من أمر على كيت وكيت فقال يا هؤلاء إن تمكننا الاشياء فاخلعوا عذركم واملكوا أمركم قالوا سنلتقي فكانوا يلتقون على ذلك * فلما مات معاوية هاج ذلك الهيج في فتنة ابن الزبير قال ما أرى قريشا تنصف أين أبناء الحرائر فأتاه خليع كل قبيلة فكان معه سبعمائة فارس فقالوا مرنا بأمرك * فلما هرب عبيد الله بن زياد ومات يزيد بن معاوية قال عبيد الله

[ 587 ]

ابن الحر لفتيانه قد بين الصبح لذى عينين فإذا شئتم فخرج إلى المدائن فلم يدع مالا قدم من الجبل للسلطان إلا أخذه فأخذ منه عطاءه وأعطية أصحابه ثم قال إن لكم شركاء بالكوفة في هذا المال قد استوجبوه ولكن تعجلوا عطاء قابل سلفا ثم كتب لصاحب المال براءة بما قبض من المال ثم جعل يتقصى الكور على مثل ذلك قال قلت فهل كان يتناول أموال الناس والتجار قال لى إنك لغير عالم بأبى الاشرس والله ما كان في الارض عربي أغير عند حرة ولا أكف عن قبيح وعن شراب منه ولكن إنما وضعه عند الناس شعره وهو من أشعر الفتيان فلم يزل على ذلك من الامر حتى ظهر المختار وبلغه ما يصنع بالسواد فأمر بامرأته أم سلمة الجعفية فحبست وقال والله لاقتلته أو لاقتلن أصحابه * فلما بلغ ذلك عبيد الله بن الحر أقبل في فتيانه حتى دخل الكوفة ليلا فكسر باب السجن وأخرج امرأته وكل امرأة ورجل كان فيه فبعث إليه المختار من يقاتله فقاتلهم حتى خرج من المصر فقال حين أخرج امرأته من السجن ألم تعلمي يا أم توبة أننى * أنا الفارس الحامى حقائق مذحج وأنى صبحت السجن في سورة الضحى * بكل فتى حامى الذمار مدجج فما إن برحن السجن حتى بدا لنا * جبين كقرن الشمس غير مشنج وخد أسيل عن فتاة حبيبة * إلينا سقاها كل دان مثجج فما العيش إلا أن أزورك آمنا * كعادتنا من قبل حربى ومخرجي وما أنت إلا همة النفس والهوى * عليك السلام من خليط مسحج وما زلت محبوسا لحبسك واجما * وإنى بما تلقين من بعده شج فبالله هل أبصرت مثلى فارسا * وقد ولجوا في السجن من كل مولج ومثلى يحامى دون مثلك إننى * أشد إذا ما غمرة لم تفرج أضاربهم بالسيف عنك لترجعي * إلى الامن والعيش الرفيع المخرفج إذا ما أحاطوا بى كررت عليهم * ككر أبى شبلين في الخيس محرج دعوت إلى الشاكرى ابن كامل * فولى حثيثا ركضه لم يعرج

[ 588 ]

وإن هتفوا باسمى عطفت عليهم * خيول كرام الضرب أكثرها الوجى فلا غرو إلا قول سلمى ظعينتي * أما أنت ابن الحر بالمتحرج دع القوم لا تقتلهم وانج سالما * وشمر هداك الله بالخيل فاخرج وإنى لارجو يا ابنة الخير أن أرى * على خير أحوال المؤمل فارتجي ألا حبذا قولى لاحمر طيئ * ولابن خبيب قد دنا الصبح فادلج وقولى لهذا سر وقولى لذا ارتحل * وقولى لذا من بعد ذلك أسرجى وجعل يعبث بعمال المختار وأصحابه ووثبت همدان مع المختار فأحرقوا داره وانتهبوا ضيعته بالجبة والبداة فلما بلغه ذلك سار إلى ماه إلى ضياع عبد الرحمن بن سعيد بن قيس فأنهبها وأنهب ما كان لهمدان بها ثم أقبل إلى السواد فلم يدع مالا لهمداني إلا أخذه ففى ذلك يقول وما ترك الكذاب من جل مالنا * ولا الزرق من همدان غير شريد أفى الحق أن ينهب ضياعي شاكر * وتأمن عندي ضيعة ابن سعيد ألم تعلمي يا أم توبة أننى * على حدثان الدهر غير بليد أشد حيازيمي لكل كريهة * وإنى على ما ناب جد جليد فإن لم أصبح شاكرا بكتيبة * فعالجت بالكفين غل حديدي هم هدموا دارى وقادوا حليلتي * إلى سجنهم والمسلمون شهودي وهم أعجلوها أن تشد خمارها * فيا عجبا هل الزمان مقيدى فما أنا بابن الحر إن لم أرعهم * بخيل تعادى بالكماة أسود وما جبنت خيلى ولكن حملتها * على جحفل ذى عدة وعديد وهى طويلة قال وكان يأتي المدائن فيمر بعمال جوخى فيأخذ ما معهم من الاموال ثم يميل إلى الجبل فلم يزل على ذلك حتى قتل المختار فلما قتل المختار قال الناس لمصعب في ولايته الثانية إن ابن الحرشاق ابن زياد والمختار ولا نأمنه أن يثب بالسواد كما كان يفعل فحبسه مصعب فقال ابن الحر من مبلغ الفتيان أن أخاهم * أتى دونه باب شديد وحاجبه

[ 589 ]

بمنزلة ما كان يرضى بمثلها * إذا قام غنته كبول تحاوبه على الساق فوق الكعب أسود صامت * شديد يدانى خطوة ويقاربه وما كان ذا من عظم جرم جنيته * ولكن سعى الساعي بما هو كاذبه وقد كان في الارض العريضة مسلك * وأى امرئ ضاقت عليه مذاهبه وفى الدهر والايام للمرء عبرة * وفيما مضى إن ناب يوما نوائبه فكلم عبيد الله قوما من مذحج أن يأتوا مصعبا في أمره وأرسل إلى وجوههم فقال ائتوا مصعبا فكلموه في أمرى في ذاته فإنه حبسني على غير جرم سعى بى قوم كذبة وخوفوه ما لم أكن لافعله وما لم يكن من شأني وأرسل إلى فتيان من مذحج وقال البسوا السلاح وخذوا عدة القتال فقد أرسلت قوما إلى مصعب يكلمونه في أمرى فأقيموا بالباب فإن خرج القوم وقد شفعهم فلا تعرضوا لاحد وليكن سلاحكم مكفرا بالثياب فجاء قوم من مذحج فدخلوا على مصعب فكلموه فشفعهم فأطلقه وكان ابن الحر قال لاصحابه إن خرجوا ولم يشفعهم فكابروا السجن فإنى أعينكم من داخل فلما خرج ابن الحر قال لهم أظهروا السلاح فأظهروه ومضى لم يعرض له أحد فأتى منزله وندم مصعب على إخراجه فأظهر ابن الحر الخلاف وأتاه الناس يهنئونه فقال هذا الامر لا يصلح إلا لمثل خلفائكم الماضين وما نرى لهم فينا ندا ولا شبيها فنلقى إليه أزمتنا ونمحضه نصيحتنا فان كان إنما هو من عز بز فعلام نعقد لهم في أعناقنا بيعة وليسوا بأشجع منا لقاء ولا أعظم منا غنى وقد عهد الينا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وما رأينا بعد الاربعة الماضين إماما صالحا ولا وزيرا تقيا كلهم عاص مخالف قوى الدنيا ضعيف الآخرة فعلام تستحل حرمتنا ونحن أصحاب النخيلة والقادسية وجلولاء ونهاوند نلقى الاسنة بنحورنا والسيوف بجباهنا ثم لا يعرف لنا حقنا وفضلنا فقاتلوا عن حريمكم فأى الامر ما كان فلكم فيه الفضل وإنى قد قلبت ظهر المجن وأظهرت لهم العداوة ولا قوة إلا بالله وحاربهم فأغار فأرسل إليه مصعب سيف بن هانئ المرادى فقال له إن مصعبا يعطيك خراج بادوريا

[ 590 ]

على أن تبايع وتدخل في طاعته قال أو ليس لى خراح بادوريا وغيرها لست قابلا شيئا ولا آمنهم على شئ ولكني أراك يافتى - وسيف يومئذ حدث - حدثا عاقلا فهل لك أن تتبعني وأمولك فأبى عليه فقال ابن الحر حين خرج من الحبس لا كوفة أمي ولا بصرة أبى * ولا أنا يثنينى عن الرحلة الكسل قال أبو الحسن يروى هذا البيت لسحيم بن وثيل الرياحي فلا تحسبني ابن الزبير كناعس * إذا حل أغفى أو يقال له ارتحل فإن لم أزرك الخيل تردى عوابسا * بفرسانها لا أدع بالحازم البطل وإن لم تر الغارات من كل جانب * عليك فتندم عاجلا أيها الرجل فلا وضعت عندي حصان قناعها * ولا عشت إلا بالآماني والعلل وهى طويلة فبعث إليه مصعب الابرد بن قرة الرياحي في نفر فقاتله فهزمه ابن الحر وضربه ضربة على وجهه فبعث إليه مصعب حريث بن زيد أو يزيد فبارزه فقتله عبيد الله بن الحر فبعث إليه مصعب الحجاج بن حارثة الخثعمي ومسلم بن عمرو فلقياه بنهر صرصر فقاتلهم فهزمهم فأرسل مصعب قوما يدعونه إلى أن يؤمنه ويصله ويوليه أي بلد شاء فلم يقبل وأتى نرسى ففر دهقانها ظيزجشنس بمال الفلوجة فتبعه ابن الحر حتى مر بعين التمر وعليها بسطام بن مصقلة بن هبيرة الشيباني فتعوذ بهم الدهقان فخرجوا إليه فقاتلوه وكانت خيل بسطام خمسين ومائة فارس فقال يونس بن هاعان الهمداني من خيوان ودعاه ابن الحر إلى المبارزة شردهر آخره ما كنت أحسبنى أعيش حتى يدعوني إنسان إلى المبارزة فبارزه فضربه ابن الحر ضربة أثخنته ثم اعتنقا فخرا جميعا عن فرسيهما وأخذ ابن الحر عمامة يونس وكتفه بها ثم ركب ووافاهم الحجاج بن حارثة الخثعمي فحمل عليه الحجاج فأسره أيضا عبيد الله وبارز بسطام بن مصقلة المجشر فاضطربا حتى كره كل واحد منهما صاحبه وعلاه بسطام فلما رأى ذلك ابن الحر حمل على بسطام واعتنقه بسطام فسقطا إلى الارض وسقط ابن الحر على صدر بسطام فأسره وأسر يومئذ ناسا كثيرا فكان الرجل يقول أنا صاحبك يوم كذا ويقول الآخر أنا

[ 591 ]

نازل فيكم ويمت كل واحد منهم بما يرى أنه ينفعه فيخلى سبيله وبعث فوارس من أصحابه عليهم دلهم المرادى يطلبون الدهقان فأصابوه فأخذوا المال قبل القتال فقال ابن الحر لو أن لى مثل جرير أربعه * صبحت بيت المال حتى أجمعه ولم يهلنى مصعب ومن معه * نعم الفتى ذلكم ابن مشجعه ثم إن عبيد الله أتى تكريت فهرب عامل المهلب عن تكريت فأقام عبد الله يجبى الخراج فوجه إليه مصعب الابرد بن قرة الرياحي والجون بن كعب الهمداني في ألف وأمدهما المهلب بيزيد بن المغفل في خمسمائة فقال رجل من جعفى لعبيدالله قد أتاك عدد كثير فلا تقاتلهم فقال يخوفني بالقتل قومي وإنما * أموت إذا جاء الكتاب المؤجل لعل القنا تدنى بأطرافها الغنى * فنحيا كراما أو نكر فنقتل فقال للمجشر ودفع إليه رايته وقدم معه دلهما المرادى فقاتلهم يومين وهو في ثلاثمائة فجرح جرير بن كريب وقتل عمرو بن جندب الازدي وفرسان كثير من فرسانه وتحاجزوا عند المساء وخرج عبيد الله من تكريت فقال لاصحابه إنى سائر بكم إلى عبد الملك بن مروان فتهيأوا وقال إنى أخاف أن أفارق الحياة ولم أذعر مصعبا وأصحابه فارجعوا بنا إلى الكوفة قال فسار إلى كسكر فنفى عاملها وأخذ بيت مالها ثم أتى الكوفة فنزل لحام جرير فبعث إليه مصعب عمر بن عبيد الله بن معمر فقاتله فخرج إلى دير الاعور فبعث إليه مصعب حجار بن أبجر فانهزم حجار فشتمه مصعب ورده وضم إليه الجون بن كعب الهمداني وعمر بن عبيد الله بن معمر فقاتلوه بأجمعهم وكثرت الجراحات في أصحاب ابن الحر وعقرت خيولهم وجرح المجشر وكان معه لواء ابن الحر فدفعه إلى أحمر طيئ فانهزم حجار بن أبجر ثم كر فاقتتلوا قتالا شديدا حتى أمسوا فقال ابن الحر لو أن لى مثل الفتى المجشر * ثلاثة بيتهم لا أمترى ساعدني ليلة دير الاعور * بالطعن والضرب وعند المعبر لطاح فيها عمر بن معمر

[ 592 ]

وخرج ابن الحر من الكوفة فكتب مصعب إلى يزيد بن الحارث بن رؤيم الشيباني وهو بالمدائن يأمره بقتال ابن الحر فقدم ابنه حوشبا فلقيه بباجسرى فهزمه عبيد الله وقتل فيهم وأقبل ابن الحر فدخل المدائن فتحصنوا فخرج عبيد الله فوجه إليه الجون بن كعب الهمداني وبشر بن عبد الله الاسدي فنزل الجون حولايا وقدم بشر إلى تأمرا فلقى ابن الحر فقتله ابن الحر وهزم أصحابه ثم لقى الجون بن كعب بحولايا فخرج إليه عبد الرحمن بن عبد الله فحمل عليه ابن الحر فطعنه فقتله وهزم أصحابه وتبعهم فخرج إليه بشير بن عبد الرحمن بن بشير العجلى فالتقوا بسورا فاقتتلوا قتالا شديدا فانحاز بشير عنه فرجع إلى عمله وقال قد هزمت ابن الحر فبلغ قوله مصعبا فقال هذا من الذين يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا وأقام عبيد الله في السواد يغير ويجبى الخراج قال ابن الحر في ذلك سلوا ابن رؤيم عن جلادي وموقفي * بإيوان كسرى لا أوليهم ظهرى أكر عليهم معلما وتراهم * كمعزى تحنى خشية الذئب بالصخر وبيتهم في حصن كسرى بن هرمز * بمشحوذة بيض وخطية سمر فأجديتهم طعنا وضربا تراهم * يلوذون منا موهنا بذرى القصر يلوذون منى رهبة ومخافة * لواذا كما لاذ الحمائم من صقر ثم إن عبيد الله بن الحر فيما ذكر لحق بعبد الملك بن مروان فلما صار إليه وجهه في عشرة نفر نحو الكوفة وأمره بالمسير نحوها حتى تلحقه الجنود فسار بهم فلما بلغ الانبار وجه إلى الكوفة من يخبر أصحابه بقدومه ويسألهم أن يخرجوا إليه فبلغ ذلك القيسية فأتوا الحارث بن عبد الله بن أبى ربيعة عامل ابن الزبير على الكوفة فسألوه أن يبعث معهم جيشا فوجه معهم فلما لقوا عبيد الله قاتلهم ساعة ثم غرقت فرسه وركب معبرا فوثب عليه رجل من الانباط فأخذ بعضديه وضربه الباقون بالمرادى وصاحوا إن هذا طلبة أمير المؤمنين فاعتنقا فغرقا ثم استخرجوه فحزوا رأسه فبعثوا به إلى الكوفة ثم إلى البصرة (قال

[ 593 ]

أبو جعفر) وقد قيل في مقتله غير ذلك من القول قيل كان سبب مقتل عبيد الله ابن الحر أنه كان يغشى بالكوفة مصعبا فرآه يقدم عليه أهل البصرة فكتب إلى عبد الله بن الزبير فيما ذكر قصيدة يعاتب بها مصعبا ويخوفه مسيره إلى عبد الملك ابن مروان يقول فيها أبلغ أمير المؤمنين رسالة * فلست على رأى قبيح أو اربه أفى الحق أن أجفى ويجعل مصعب * وزيريه من قد كنت فيه أحاربه فكيف وقد أبليتكم حق بيعتى * وحقى يلوى عندكم وأطالبه وأبليتكم مالا يضيع مثله * وآسيتكم والامر صعب مراتبه فلما استنار الملك وانقادت العدى * وأدرك من مال العراق رغائبه جفا مصعب عنى ولو كان غيره * لاصبح فيما بيننا لا أعاتبه لقد رابنى من مصعب أن مصعبا * أرى كل ذى غش لنا هو صاحبه وما أنا إن حلاتمونى بوارد * على كدر قد حص بالصفو شاربه وما لامرئ إلا الذى الله سائق * إليه وما قد حط في الزبر كاتبه إذا قمت عند الباب أدخل مسلم * ويمنعنى أن أدخل الباب حاجبه وهى طويلة وقال لمصعب وهو في حبسه وكان قد حبس معه عطية بن عمرو البكري فخرج عطية فقال عبيد الله أقول له صبرا عطى فإنما * هو السجن حتى يجعل الله مخرجا أرى الدهر لى يومين يوما مطردا * شريدا ويوما في الملوك متوجا أتطعن في دينى غداة أتيتكم * وللدين تدنى الباهلى وحشرجا ألم تر أن الملك قد شين وجهه * ونبع بلاد الله قد صار عوسجا وهى طويلة وقال أيضا يعاتب مصعبا في ذلك ويذكر له تقريبه سويد بن منجوف وكان سويد خفيف اللحية بأى بلاء أم بأية نعمة * تقدم قبلى مسلم والمهلب ويدعى ابن منجوف أمامى كأنه * خصى أتى للماء والعسير يسرب

[ 594 ]

وشيخ تميم كالثغامة رأسه * وعيلان عنا خائف مترقب جعلت قصور الازد ما بين منبج * إلى الغاف من وادى عمان تصوب بلاد نفى عنها العدو سيوفنا * وصفرة عنها نازح الدار أجنب وقال قصيدة يهجو فيها قيس عيلان يقول فيها أنا ابن بنى قيس فإن كنت سائلا * بقيس تجدهم ذروة في القبائل ألم تر قيسا قيس عيلان برقعت * لحاها وباعت نبلها بالمغازل وما زلت أرجو الازد حتى رأيتها * تقصر عن بنيانها المتطاول فكتب زفر بن الحارث إلى مصعب قد كفيتك قتال ابن الزرقاء وابن الحر يهجو قيسا ثم إن نفرا من بنى سليم أخذوا ابن الحر فأسروه فقال إنى إنما قلت ألم تر قيسا قيس عيلان أقبلت * إلينا وسارت بالقنا والقنابل فقتله رجل منهم يقال له عياش بن زفر بن الحارث لما رأيت الناس أولاد علة * وأغرق فينا نزغة كل قائل تكلم عنا مشينا بسيوفنا * إلى الموت واستنشاط حبل المراكل فلو يسأل ابن الحر أخبر أنها * يمانية لا تشترى بالمغازل وأخبر أنا ذات علم سيوفنا * بأعناق ما بين الطلى والكواهل وقال عبد الله بن همام ترنمت يا ابن الحر وحدك خاليا * بقول امرئ نشوان أو قول ساقط أتذكر قوما أوجعتك رماحهم * وذبوا عن الاحساب عند المآقط وتبكى لما لاقت ربيعة منهم * وما أنت في أحساب بكر بواسط فهلا بجعفى طلبت ذحولها * ورهطك دينا في السنين الفوارط تركناهم يوم الثرى أذلة * يلوذون من أسيافنا بالعرافط وخالطكم يوم النخيل بجمعه * عمير فما استبشرتم بالمخالط ويوم شراحيل جدعنا أنوفكم * وليس علينا يوم ذاك بقاسط ضربنا بحد السيف مفرق رأسه * وكان حديثا عهده بالمواشط

[ 595 ]

فإن رغمت من ذاك آنف مذحج * فرغما وسخطا للانوف السواخط (قال أبو جعفر) وفى هذه السنة وافت عرفات أربعة ألوية قال محمد بن عمر حدثنى شرحبيل بن أبى عون عن أبيه قال وقفت في سنة 68 بعرفات أربعة ألوية ابن الحنفية في أصحابه في لواء قام عند جبل المشاة وابن الزبير في لواء فقام مقام الامام اليوم ثم تقدم ابن الحنفية بأصحابه حتى وقفوا حذاء ابن الزبير ونجدة الحروري خلفهما ولواء بنى أميه عن يسارهما فكان أول لواء انفض لواء محمد بن الحنفية ثم تبعه نجدة ثم لواء بنى أمية ثم لواء ابن الزبير واتبعه الناس قال محمد حدثنى ابن نافع عن أبيه قال كان ابن عمر لم يدفع تلك العشية إلا بدفعة ابن الزبير فلما أبطأ ابن الزبير وقد مضى ابن الحنفية ونجدة وبنو أمية قال ابن عمر ينتظر ابن الزبير أمر الجاهلية ثم دفع فدفع ابن الزبير على أثره قال محمد حدثنى هشام بن عمارة عن سعيد بن محمد بن جبير عن أبيه قال خفت الفتنة فمشيت إليهم جميعا فجئت محمد بن على في الشعب فقلت يا أبا القاسم اتق الله فإنا في مشعر حرام وبلد حرام والناس وفد الله إلى هذا البيت فلا تفسد عليهم حجهم فقال والله ما أريد ذلك وما أحول بين أحد وبين هذا البيت ولا يؤتى أحد من الحاج من قبلى ولكني رجل أدفع عن نفسي من ابن الزبير وما يروم منى وما أطلب هذا الامر إلا أن لا يختلف على فيه اثنان ولكن ائت ابن الزبير فكلمه وعليك بنجدة قال محمد فجئت ابن الزبير فكلمته بنحو ما كلمت به ابن الحنفية فقال أنا رجل قد اجتمع على الناس وبايعوني وهؤلاء أهل خلاف فقلت أرى خيرا لك الكف قال أفعل ثم جئت نجدة الحروري فأجده في أصحابه وأجد عكرمة غلام ابن عباس عنده فقلت له استأذن لى على صاحبك قال فدخل فلم ينشب أن أذن لى فدخلت فعظمت عليه وكلمته كما كلمت الرجلين فقال أما أن أبتدئ أحدا بقتال فلا ولكن من بدأ بقتال قاتلته قلت فانى رأيت الرجلين لا يريدان قتالك ثم جئت شيعة بنى أمية فكلمتهم بنحو ما كلمت به القوم فقالوا نحن على أن لا نقابل أحدا إلا أن يقاتلنا فلم أر في تلك الالوية قوما أسكن ولا أسلم دفعة من ابن الحنفية (قال أبو جعفر) وكان العامل لابن

[ 596 ]

الزبير في هذه السنة على المدينة جابر بن الاسود بن عوف الزهري وعلى البصرة والكوفة أخوه مصعب وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة وعلى قضاء الكوفة عبد الله بن عقبة بن مسعود وعلى خراسان عبد الله بن خازم السلمى وبالشأم عبد الملك بن مروان ثم دخلت سنة تسع وستين (ففيها) كان خروج عبد الملك بن مروان فيما زعم الواقدي إلى عين وردة واستخلف عمرو بن سعيد بن العاص على دمشق فتحصن بها فبلغ ذلك عبد الملك فرجع إلى دمشق فحاصره قال ويقال خرج معه فلما كان ببطنان حبيب رجع إلى دمشق فتحصن فيها ورجع عبد الملك إلى دمشق وأما عوانة بن الحكم فإنه قال فيما ذكر هشام بن محمد عنه أن عبد الملك بن مروان لما رجع من بطنان حبيب إلى دمشق مكث بدمشق ما شاء الله ثم سار يريد قرقيسياء وفيها زفر بن الحارث الكلابي ومعه عمرو بن سعيد حتى إذا كان ببطنان حبيب فتك عمرو بن سعيد فرجع ليلا ومعه حميد بن حريث بن بحدل الكلبى وزهير بن الابرد الكلبى حتى أتى دمشق وعليها عبد الرحمن بن أم الحكم الثقفى قد استخلفه عبد الملك فلما بلغه رجوع عمرو بن سعيد هرب وترك عمله ودخلها عمرو فغلب عليها وعلى خزائنها وقال غيرهما كانت هذه القصة في سنة 70 وقال كان مسير عبد الملك من دمشق نحو العراق يريد مصعب بن الزبير فقال له عمرو بن سعيد بن العاص إنك تخرج إلى العراق وقد كان أبوك وعدني هذا الامر من بعده وعلى ذلك جاهدت معه وقد كان من بلائى معه ما لم يخف عليك فاجعل لى هذا الامر من بعدك فلم يجبه عبد الملك إلى شئ فانصرف عنه عمرو راجعا إلى دمشق فرجع عبد الملك في أثره حتى انتهى إلى دمشق (رجع الحديث) إلى حديث هشام عن عوانة قال ولما غلب عمرو على دمشق طلب عبد الرحمن بن أم الحكم فلم يصبه فأمر بداره فهدمت واجتمع الناس وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إنه لم يقم أحد

[ 597 ]

من قريش قبلى على هذا المنبر إلا زعم أن له جنة ونارا يدخل الجنة من أطاعه والنار من عصاه وإنى أخبركم أن الجنة والنار بيد الله وأنه ليس إلى من ذلك شئ غير أن لكم على حسن المؤاساة والعطية ونزل وأصبح عبد الملك ففقد عمرو بن سعيد فسأل عنه فأخبر خبره فرجع عبد الملك إلى دمشق فإذا عمرو قد جلل دمشق المسوح فقاتله بها أياما وكان عمرو بن سعيد إذا أخرج حميد بن حريث الكلبى على الخيل أخرج إليه عبد الملك سفيان بن الابرد الكلبى وإذا أخرج عمرو بن سعيد زهير ابن الابرد الكلبى أخرج إليه عبد الملك حسان بن مالك بن بحدل الكلبى (قال هشام) حدثنى عوانة أن الخيلين تواقفتا ذات يوم وكان مع عمرو بن سعيد رجل من كلب يقال له رجاء بن سراج فقال رجاء يا عبد الرحمن بن سليم ابرز وكان عبد الرحمن مع عبد الملك فقال عبد الرحمن قد أنصف القارة من راماها وبرز له فاطعنا وانقطع ركاب عبد الرحمن فنجا منه ابن سراج فقال عبد الرحمن والله لولا انقطاع الركاب لرميت بما في بطنك من تبن وما اصطلح عمرو وعبد الملك أبدا فلما طال قتالهم جاء نساء كلب وصبيانهم فبكين وقلن لسفيان بن الابرد ولابن بحدل الكلبى علام تقتلون أنفسكم لسلطان قريش فحلف كل واحد منهما أن لا يرجع حتى يرجع صاحبه فلما أجمعوا على الرجوع نظروا فوجدوا سفيان أكبر من حريث فطلبوا إلى حريث فرجع ثم إن عبد الملك وعمرا اصطلحا وكتبا بينهما كتابا وآمنه عبد الملك وذلك عشية الخميس * قال هشام فحدثني عوانة أن عمرو بن سعيد خرج في الخيل متقلدا قوسا سوداء فأقبل حتى أوطأ فرسه أطناب سرادق عبد الملك فانقطعت الاطناب وسقط السرادق ونزل عمرو فجلس وعبد الملك مغضب فقال لعمرو يا أبا أمية كأنك ؟ ؟ بتقلدك هذه القوس بهذا الحى من قيس قال لا ولكني أتشبه بمن هو خير منهم العاص بن أمية ثم قام مغضبا والخيل معه حتى دخل دمشق ودخل عبد الملك دمشق يوم الخميس فبعث إلى عمرو أن أعط الناس أرزاقهم فأرسل إليه عمرو إن هذا لك ليس ببلد فاشخص عنه فلما كان يوم الاثنين ووذلك بعد دخول عبد الملك دمشق بأربع بعث إلى عمرو أن ائتنى وهو عند امرأته الكلبية وقد كان عبد الملك دعا كريب بن أبرهة بن الصباح الحميرى فاستشاره في أمر عمرو بن سعيد

[ 598 ]

فقال له في هذا هلكت حمير لا أرى لك ذلك لا ناقتي في ذا ولا جملى فلما أتى رسول عبد الملك عمرا يدعوه صادف الرسول عبد الله بن يزيد بن معاوية عند عمرو فقال عبد الله لعمرو بن سعيد يا أبا أمية والله لانت أحب إلى من سمعي ونصرى وقد أرى هذا الرجل قد بعث إليك أن تأتيه وأنا أرى لك أن لا تفعل فقال له عمرو ولم قال لان تبيع ابن امرأة كعب الاحبار قال إن عظيما من عظماء ولد اسماعيل يرجع فيغلق أبواب دمشق ثم يخرج منها فلا يلبث أن يقتل فقال له عمرو والله لو كنت نائما ما تخوفت أن ينتبهنى ابن الزرقاء ولا كان ليجترئ على ذلك منى مع أن عثمان بن عفان أتانى البارحة في المنام فألبسني قميصه وكان عبد الله بن يزيد زوج أم موسى بنت عمرو بن سعيد فقال عمرو للرسول أبلغه السلام وقل له أنا رائح اليك العشية ان شاء الله فلما كان العشى لبس عمرو درعا حصينة بين قباء قوهى وقميص قوهى وتقلد سيفه وعنده امرأته الكلبية وحميد ابن حريث بن بحدل الكلبى فلما نهض متوجها عثر بالبساط فقال له حميد أما والله لئن أطعتني لم تأته وقالت له امرأته تلك المقالة فلم يلتفت إلى قولهم ومضى في مائة رجل من مواليه وقد بعث عبد الملك إلى بنى مروان فاجتمعوا عنده فلما بلغ عبد الملك انه بالباب أمر أن يحبس من كان معه وأذن له فدخل ولم تزل أصحابه يحبسون عند كل باب حتى دخل عمرو قاعة الدار وما معه الا وصيف له فرمى عمرو ببصره نحو عبد الملك فإذا حوله بنو مروان وفيهم حسان بن مالك بن بحدل الكلبى وقبيصة بن ذؤيب الخزاعى فلما رأى جماعتهم أحس بالشر فالتفت إلى وصيفه فقال انطلق ويحك إلى يحيى بن سعيد فقل له يأتيني فقال له الوصيف ولم يفهم ما قال له لبيك فقال له اغرب عنى في حرق الله وناره وقال عبد الملك لحسان وقبيصة إذا شئتما فقوما فالتقيا وعمرا في الدار فقال عبد الملك لهما كالمازح ليطمئن عمرو بن سعيد أيكما أطول فقال حسان قبيصة يا أمير المؤمنين أطول منى بالامرة وكان قبيصة على الخاتم ثم التفت عمرو إلى وصيفه فقال انطلق إلى يحيى فمره أن يأتيني فقال له لبيك ولم يفهم عنه فقال له عمرو اغرب عنى فلما خرج حسان وقبيصة

[ 599 ]

أمر بالابواب فغلفت ودخل عمرو فرحب به عبد الملك وقال ههنا يا أبا أمية يرحمك الله فأجلسه معه على السرير وجعل يحدثه طويلا ثم قال يا غلام خذ السيف عنه فقال عمرو إنا لله يا أمير المؤمنين فقال عبد الملك أو تطمع أن تجلس معى متقلدا سيفك فأخذ السيف عنه ثم تحدثا ما شاء الله ثم قال له عبد الملك يا أبا أمية قال لبيك يا أمير المؤمنين فقال إنك حيث خلعتني آليت بيمين ان أنا ملات عينى منك وأنا مالك لك أن أجمعك في جامعة فقال له بنو مروان ثم تطلقه يا أمير المؤمنين قال ثم أطلقه وما عسيت أن أصنع بأبى أمية فقال بنو مروان أبر قسم أمير المؤمنين فقال عمرو قد أبر الله قسمك يا أمير المؤمنين فاخرج من تحت فراشه جامعة فطرحها إليه ثم قال يا غلام قم فاجمعه فيها فقام الغلام فجمعه فيها فقال عمرو أذكرك الله يا أمير المؤمنين أن تخرجني فيها على رؤس الناس فقال عبد الملك أمكرا أبا أمية عند الموت لاها لله إذا ما كنا لنخرجك في جامعة على رؤوس الناس ولما نخرجها منك إلا صعدا ثم اجتبذه اجتباذة أصاب فمه السرير فكسر ثنيته فقال عمرو أذكرك الله يا أمير المؤمنين ان يدعوك إلى كسر عظم منى أن تركب ما هو أعظم من ذلك فقال له عبد الملك والله لو أعلم أنك تبقى على ان أبقى عليك وتصلح قريش لاطلقتك ولكن ما اجتمع رجلان قط في بلدة على مثل ما نحن عليه إلا أخرج أحدهما صاحبه فلما رأى عمرو أن ثنيته قد اندقت وعرف الذى يريد عبد الملك قال أغدرا يا ابن الزرقاء وقيل إن عبد الملك لما جذب عمرا فسقطت ثنيتة جعل عمرو يمسها فقال عبد الملك له أرى ثنيتك قد وقعت منك موقعا لا تطيب نفسك لى بعدها فأمر به فضرب عنقه (رجع الحديث إلى حديث عوانة) وأذن المؤذن العصر فخرج عبد الملك يصلى بالناس وأمر عبد العزيز بن مروان أن يقتله فقام إليه عبد العزيز بالسيف فقال له عمرو أذكرك الله والرحم أن تلى أنت قتلى وليتول ذلك من هو أبعد رحما منك فألقى عبد العزيز السيف وجلس وصلى عبد الملك صلاة خفيفة ودخل وغلقت الابواب ورأى الناس عبد الملك حيث خرج وليس عمرو معه فذكروا ذلك ليحيى بن سعيد

[ 600 ]

فاقبل في الناس حتى حل بباب عبد الملك ومعه ألف عبد لعمرو وأناس بعد من أصحابه كثير فجعل من كان معه يصيحون أسمعنا صوتك يا أبا أمية وأقبل مع يحيى بن سعيد حميد بن حريث وزهير بن الابرد فكسروا باب المقصورة وضربوا الناس بالسيوف وضرب عبد لعمرو بن سعيد يقال له مصقلة الوليد بن عبد الملك ضربة على رأسه واحتمله ابراهيم بن عربي صاحب الديوان فأدخله بيت القراطيس ودخل عبد الملك حين صلى فوجد عمرا حيا فقال لعبد العزيز ما منعك من أن تقتله قال منعنى أنه ناشدنى الله والرحم فرققت له فقال له عبد الملك أخزى الله أمك البوالة على عقبيها فإنك لم تشبه غيرها وأم عبد الملك عائشة بنت معاوية بن المغيرة ابن أبى العاص بن أمية وكانت أم عبد العزيز ليلى وذلك قول ابن الرقيات ذاك ابن ليلى عبد العزيز ببا * ب اليون تغدو جفانه رذما ثم إن عبد الملك قال يا غلام ائتنى بالحربة فأتاه بالحربة فهزها ثم طعنه بها فلم تجز ثم ثنى فلم تجز فضرب بيده إلى عضد عمرو فوجد مس الضرع فضحك ثم قال ودارع أيضا يا أبا أمية إن كنت لمعدا يا غلام ائتنى بالصمصامة فأتاه بسيفه ثم أمر بعمرو فصرع وجلس على صدره فذبحه وهو يقول يا عمرو إن لا تدعى شتمى ومنقصتي * أضربك حيث تقول الهامة اسقوني وانتفض عبد الملك رعدة وكذلك الرجل زعموا يصيبه إذا قتل ذا قرابة له فحمل عبد الملك عن صدره فوضع على سريره فقال ما رأيت مثل هذا قط قتله صاحب دنيا ولا طالب آخرة ودخل يحيى بن سعيد ومن معه على بنى مروان الدار فجرحوهم ومن كان معهم من مواليهم فقاتلوا يحيى وأصحابه وجاء عبد الرحمن بن أم الحكم الثقفى فدفع إليه الرأس فألقاه إلى الناس وقام عبد العزيز بن مروان فأخذ المال في البدور فجعل يلقيها إلى الناس فلما نظر الناس إلى الاموال ورأوا الرأس انتهبوا الاموال وتفرقوا وقد قيل إن عبد الملك بن مروان لما خرج إلى الصلاة أمر غلامه أبا الزعيزعة بقتل عمرو فقتله وألقى رأسه إلى الناس وإلى أصحابه (قال هشام) قال عوانة فحدثت أن عبد الملك أمر بتلك الاموال

[ 601 ]

التى طرحت إلى الناس فجبيت حتى عادت كلها إلى بيت المال ورمى يحيى بن سعيد يومئذ في رأسه بصخرة وأمر عبد الملك بسريره فأبرز إلى المسجد وخرج فجلس عليه وفقد الوليد بن عبد الملك فجعل يقول ويحكم أين الوليد وأبيهم لئن كانوا قتلوه لقد أدركوا ثأرهم فأتاه إبراهيم بن عربي الكنانى فقال هذا الوليد عندي قد أصابته جراحة وليس عليه بأس فأتى عبد الملك بيحيى بن سعيد فأمر به أن يقتل فقام إليه عبد العزيز فقال جعلني الله فداك يا أمير المؤمنين أنراك قاتلا بنى أمية في يوم واحد فأمر بيحيى فحبس ثم أتى بعنبسة بن سعيد فأمر به أن يقتل فقام إليه عبد العزيز فقال أذكرك الله يا أمير المؤمنين في استئصال بنى أمية وهلاكها فأمر بعنبسة فحبس ثم أتى بعامر بن الاسود الكلبى فضرب رأسه عبد الملك بقضيب خيزران كان معه ثم قال أتقاتلني مع عمرو وتكون معه على ثم قال نعم لان عمرا أكرمنى وأهنتني وأدناني وأقصيتني وقربني وأبعدتني وأحسن إلى وأسأت إلى فكنت معه عليك فأمر به عبد الملك أن يقتل فقام عبد العزيز فقال أذكرك الله يا أمير المؤمنين في خالي فوهبه له وأمر ببنى سعيد فحبسوا ومكث يحيى في الحبس شهرا أو أكثر ثم ان عبد الملك صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم استشار الناس في قتله فقام بعض خطباء الناس فقال يا أمير المؤمنين هل تلد الحية إلا حية نرى والله أن تقتله فإنه منافق عدو ثم قام عبد الله بن مسعدة الفزارى فقال يا أمير المؤمنين ان يحيى ابن عمك وقرابته ما قد علمت وقد صنعوا ما صنعوا وصنعت بهم ما قد صنعت ولست لهم بآمن ولا أرى لك قتلهم ولكن سيرهم إلى عدوك فإن هم قتلوا كنت قد كفيت أمرهم بيد غيرك وان هم سلموا ورجعوا رأيت فيهم رأيك فأخذ برأيه وأخرج آل سعيد فألحقهم بمصعب بن الزبير فلما قدموا عليه دخل عليه يحيى بن سعيد فقال له ابن الزبير انفلت وانحص الذنب فقال ولله إن الذنب لبهلبه ثم ان عبد الملك بعث إلى امرأة عمر الكلبية ابعثى إلى بالصلح الذى كنت كتبته لعمرو فقالت لرسوله ارجع إليه فأعلمه انى قد لففت ذلك الصلح معه في أكفانه ليخاصمك به عند ربه وكان عمرو بن سعيد وعبد الملك

[ 602 ]

يلتقيان في النسب إلى أمية وكانت أم عمرو أم البنين ابنة الحكم بن أبى العاص عمة عبد الملك (قال هشام) فحدثنا عوانة أن الذى كان بين عبد الملك وعمرو كان شرا قديما وكان ابنا سعيد أمهما أم البنين وكان عبد الملك ومعاوية ابني مروان فكانوا وهم غلمان لا يزالون يأتون أم مروان بن الحكم الكنانية يتحدثون عندها فكان ينطلق مع عبد الملك ومعاوية غلام لهم أسود وكانت أم مروان إذا أتوها هيأت لهم طعاما ثم تأتيهم به فتضع بين يدى كل رجل صحفة على حدة وكانت لا تزال تؤرش بين معاوية بن مروان ومحمد بن سعيد وبين عبد الملك وعمرو بن سعيد فيقتتلون ويتصارمون الحين لا يكلم بعضهم بعضا وكانت تقول إن لم يكن عند هذين عقل فعند هذين فكان ذلك دأبها كلما أتوها حتى أثبتت الشحناء في صدورهم وذكر أن عبد الله بن يزيد القسرى أبا خالد كان مع يحيى بن سعيد حيث دخل المسجد فكسر باب المقصورة فقاتل بنى مروان فلما قتل عمرو وأخرج رأسه إلى الناس ركب عبد الله وأخوه خالد فلحقوا بالعراق فأقام مع ولد سعيد وهم مع مصعب حتى اجتمعت الجماعة على عبد الملك وقد كانت عين عبد الله بن يزيد فقئت يوم المرج وكان مع ابن الزبير يقاتل بنى أمية وأنه دخل على عبد الملك بعد الجماعة فقال كيف أنتم آل يزيد فقال عبد الله حرباء حرباء فقال عبد الملك بما قدمت أيديكم وما الله بظلام للعبيد (قال هشام) عن عوانة أن ولد عمرو بن سعيد دخلوا على عبد الملك بعد الجماعة وهم أربعة أمية وسعيد وإسماعيل ومحمد فلما نظر إليهم عبد الملك قال لهم إنكم أهل بيت لم تزالوا ترون لكم على جميع قومكم فضلا لم يجعله الله لكم وان الذى كان بينى وبين أبيكم لم يكن حديثا بل كان قديما في نفس أوليكم على أولينا في الجاهلية فأقطع بأمية بن عمرو وكان أكبرهم فلم يقدر أن يتكلم وكان أنبلهم وأعقلهم فقام سعيد بن عمرو وكان الاوسط فقال يا أمير المؤمنين ما تنعى علينا أمرا كان في الجاهلية وقد جاء الله بالاسلام فهدم ذلك فوعد جنة وحذرنا نارا وأما الذى كان بينك وبين عمرو فإن عمرا ابن عمك وأنت أعلم وما صنعت وقد وصل عمرو إلى الله وكفى بالله حسيبا ولعمري

[ 603 ]

لئن أخذتنا بما كان بينك وبينه لبطن الارض خير لنا من ظهرها فرق لهم عبد الملك رقة شديدة وقال إن أباكم حيرنى بين أن يقتلنى أو أقتله فاخترت قتله على قتلى وأما أنتم فما أرغبني فيكم وأوصلني لقرابتكم وأرعانى لحقكم فأحسن جائزتهم ووصلهم وقربهم * وذكر أن خالد بن يزيد بن معاوية قال لعبد الملك ذات يوم عجب منك ومن عمرو بن سعيد كيف أصبت غرته فقتلته فقال عبد الملك دانيته منى ليسكن روعه * فأصول صولة حازم مستمكن غضبا ومحمية لدينى إنه * ليس المسئ سبيله كالمحسن قال عوانة لقى رجل سعيد بن عمرو بن سعيد بمكة فقال له ورب هذه البنية ما كان في القوم مثل أبيك ولكنه نازع القوم ما في أيديهم فعطب * وكان الواقدي يقول إنما كان في سنة 69 بين عبد الملك بن مروان وعمرو بن سعيد الحصار وذلك أن عمرو ابن سعيد تحصن بدمشق فرجع عبد الملك إليه من بطنان حبيب فحاصره فيها وأما قتله إياه فإنه كان في سنة 70 (وفى هذه السنة) حكم محكم من الخوارج بالخيف من منى فقتل عند الجمرة ذكر محمد بن عمر أن يحيى بن سعيد بن دينار حدثه عن أبيه قال رأيته عند الجمرة سل سيفه وكانوا جماعة فأمسك الله بأيديهم وبدر هو من بينهم فحكم فمال الناس عليه فقتلوه * وأقام الحج للناس في هذه السنة عبد الله بن الزبير وكان عامله فيها على المصرين الكوفة والبصرة أخوه مصعب ابن الزبير وكان على قضاء الكوفة شريح وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة وعلى خراسان عبد الله بن خازم (تم الجزء الرابع، ويليه الجزء الخامس وأوله " سنة سبعين ") لئن أخذتنا بما كان بينك وبينه لبطن الارض خير لنا من ظهرها فرق لهم عبد الملك رقة شديدة وقال إن أباكم حيرنى بين أن يقتلنى أو أقتله فاخترت قتله على قتلى وأما أنتم فما أرغبني فيكم وأوصلني لقرابتكم وأرعانى لحقكم فأحسن جائزتهم ووصلهم وقربهم * وذكر أن خالد بن يزيد بن معاوية قال لعبد الملك ذات يوم عجب منك ومن عمرو بن سعيد كيف أصبت غرته فقتلته فقال عبد الملك دانيته منى ليسكن روعه * فأصول صولة حازم مستمكن غضبا ومحمية لدينى إنه * ليس المسئ سبيله كالمحسن قال عوانة لقى رجل سعيد بن عمرو بن سعيد بمكة فقال له ورب هذه البنية ما كان في القوم مثل أبيك ولكنه نازع القوم ما في أيديهم فعطب * وكان الواقدي يقول إنما كان في سنة 69 بين عبد الملك بن مروان وعمرو بن سعيد الحصار وذلك أن عمرو ابن سعيد تحصن بدمشق فرجع عبد الملك إليه من بطنان حبيب فحاصره فيها وأما قتله إياه فإنه كان في سنة 70 (وفى هذه السنة) حكم محكم من الخوارج بالخيف من منى فقتل عند الجمرة ذكر محمد بن عمر أن يحيى بن سعيد بن دينار حدثه عن أبيه قال رأيته عند الجمرة سل سيفه وكانوا جماعة فأمسك الله بأيديهم وبدر هو من بينهم فحكم فمال الناس عليه فقتلوه * وأقام الحج للناس في هذه السنة عبد الله بن الزبير وكان عامله فيها على المصرين الكوفة والبصرة أخوه مصعب ابن الزبير وكان على قضاء الكوفة شريح وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة وعلى خراسان عبد الله بن خازم (تم الجزء الرابع، ويليه الجزء الخامس وأوله " سنة سبعين ") استدراك وقع بهذا الجزء في رؤوس صفحات 4 و 6 و 8 و 10 و 12 و 14 و 16 لفظ " الجزء الثالث " والصواب " الجزء الرابع "

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية