الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




سبل الهدى والرشاد - الصالحي الشامي ج 1

سبل الهدى والرشاد

الصالحي الشامي ج 1


[ 1 ]

سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد للإمام محمد بن يوسف الصالحي الشامي المتوفي سنة 942 ه‍ تحقيق وتعليق الشيخ عادل احمد عبد الموجود الشيخ علي محمد معوض الجزء الاول دار الكتب العلمية بيروت - لبنان جميع الحقوق محفوظة لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان الطبعة الأولى 1414 ه‍ - 1993 م دار الكتب العلمية بيروت - لبنان ص. ب: 9424 / 11 - تلكس: - 4125 LE NASHER هاتف: 366135 - 602133 - 868051 - 815573 فاكس: 478373 / 1212 / 00 - 602133 / 9611 / 00

[ 1 ]

بسم الله الرحمن الرحيم تقديم اللهم إنا نحمدك حمدا يوافي جليل نعمك، ويكافئ مزيد آلائك ونسألك توبة محاءة وسترا لا ينكشف، ونبرأ اليك من الحول والقوة، ونرغب إليك في أن تجعل كل ما نتصرف فيه منصرفا إلى ما يتصل برضاك، ومصروفا عما يؤدي إلى سخطك. ونصلي ونسلم على النبي الأمي وعلى أبويه الكريمين إبراهيم وإسماعيل أما بعد. فأمر لا ريب فيه أننا مأمورون باتباع النبي صلى الله عليه وسلم فعلا وقولا وتقريرا كما أشار إلى ذلك الذكر الحكيم في قوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر) وذلك أيضا أمر الله الواجب في قوله: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب). ولما كان الرسول صلى الله عليه وسلم مناط الاتباع، كما أمر بذلك الشارع الحكيم، وجب على فريق من الأمة أن تنفر لجمع وتصنيف وتوصيف حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وإلا فقد صغيت الأمة بيان الكتاب وأسوتها في تنفيذه، وذلك مما تعوذ أئمة الأمة بالله من التقصير فيه فضلا عن تركه فقد كانوا - رحمهم الله - أبصر الناس بققه أوامر الكتاب، وبالتقرب إلى الله بخدمته. لذلك فقد عكفوا على تدوين سيرة النبي صلى الله عليه وسلم رواية ودراية ونقدا وتمحيصا. ولا في تراث هذه الأمة - الذي يعد ذخيرتها، وسبب حياتها - أجمع ولا أوعى من هذا الكتاب في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وذلك العمل الجليل باد بالرجوع إلى كتب السنة على اتساعها واكتنازها بالذخائر النبوية والجواهر المحمدية، فحقت بذلك كلمة مصنفه - رحمه الله - وناظم درره وسالك جواهره، ومعطف أفنانه ومشبك أغصانه، فخرج الكتاب شجرة يانعة، جمعت أطايب الثمار ويانع الأزهار وكان الكتاب كما قال رحمه الله تعالى وأثابه في خطبة الكتاب " فهذا كتاب اقتضبته من أكثر من ثلاثمائة كتاب، وتحريب فيه الصواب، ذكرت فيه قطرات من بحار فضائل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من مبدأ خلقه قبل خلقه سيدنا آدم صلى الله عليه وسلم وأعلام نبوته وشمائله وسيرته وأفعاله وأحواله وتقلباته، إلى أن نقله الله - تعالى - إلى أعلى جناته، وما أعده له فيها من الإنعام والتعطيم، عليه من الله أفضل الصلاة وأزكى التسليم ". ولم أذكر فيه شيئا من الأحاديث موضوعا، وختمت كل باب بإيضاح ما أشكل فيه، وبعض ما اشتمل عليه من النفائس المستجادات، مع بيان غريب الألفاظ وضبط المشكلات، والجمع بين الأحاديث التي يظن بها أنها من المتناقضات، وإذا ذكرت حديثا من عند الأئمة

[ 2 ]

فإني أجمع بين ألفاظ رواته إذا اتفقوا... إلى آخر ما أبان به عن منهجه - رحمه الله - ودراسة سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ضرورة حضارية وإيمانية. فالناس من لدن خلقهم الله - تبارك وتعالى - فريقان فريق يتعشق الحق ويموت دونه وينافح عنه، وفريق يلج في الباطل، ويتأكل به ويعيش له، ذلك ما قررته قصة ابني آدم (قابيل وهابيل) ورفض قول الحق على وضوحه وجلاله وارتضائه أن يبوء باثمه وإثم أخيه وذلك يقتضينا كمسلمين دراسة السيرة لفقه حق الله وبيان حال من اتبعه من الدنيا واستمسك به وديدنه تجاه الباطل في سيرة النبيين والمرسلين ذلك الوجه الحق في التاريخ والسير، لذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقص لأمته سيرة النبيين فقال تعالى: (واتل عليهم نبأ نوح) (يونس 71) وقال: (واتل عليهم نبأ إبراهيم) (الشعراء 66) وقوله: (واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب) (ص 17) وقوله: (واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار) (ص 45). وبين الذكر الحكيم هدف القصص فقال (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شئ وهدى ورحمة لقوم يؤمنون) (يوسف 111) فقد أشار القرآن الكريم إلى أن قصص النبيين هدى ورحمة فاستوجب ذلك تفصيل سير الأنبياء، للاهتداء بها وذلك أمر واضح من توزع قصص النبيين على شتى سور الذكر الحكيم، في كل سورة جزء من قصة نبي من المرسلين، حسبما تقتضيه طبيعتها، وحسبما تتوفر عليه من معالجة قضايا تختص به دون غيرها. حتى أوشك القرآن الكريم أن يكون كله قصصا. تلك هي ضرورة دراسته الدراسة التي ينبه إليها الذكر الحكيم. أما ترى ما صنع الله بفرعون، وما علل به سبحانه لصنيعه (فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلقك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون) (يونس 92). ولا أدل من كون دراسة السير ضرورة حضارية من توفر الغرب على درس تاريخ الأمم لبيان المزايا والمساوئ. وتمتاز السيرة النبوية على غيرها من السير بأنها حظيت بالنقد الممحص لكل ما أضيف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأنه لم يكتب عن هوى، ولا عن حقد وسوء قصد إلا ما ندر من كتابات المستشرقين وأعقابهم، وقد نبه صلى الله عليه وآله وسلم لذلك فقال " لا تطردوني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم ولكن قولوا عبد الله ورسوله " فكان في ذلك كما وصفه ربه سبحانه (وإنك لعلى خلق عظيم.

[ 3 ]

والسيرة إذ تتصل بالنبي صلى الله عليه وسلم ويقوم درسها على صحيح الثقة تباين منهج التاريخ ولما يتوافر لها من أسباب الحيطة والتوثيق لما تهيأ لمصادرها من النقل الصحيح. ولا شك أن للصحابة دورا رائدا في حقل سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وهم على بصيرة بما ينقلون كما شهد لهم القرآن الكريم في قوله تعالى (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما) (الفتح 29). وما نبه إليه من احترامهم وتوقيرهم وتجنب سبهم في قوله " لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه " وذلك مما يوقع مفارقة هائلة بين السيرة والتاريخ لاختلاف النزعات في تناول أحداث التاريخ وتغير ظواهره ومن بين تلك النزعات نزعة التفسير المادي للتاريخ تلك التي سيطرت على أفكار دعاة الشيوعية.. من أصل كل ذلك كانت دراسة السيرة على هذا الوجه الجامع من خيرة أعمال الأئمة. وهذا الكتاب الجامع لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم يبين للقارئ جوانب عدة من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم يحسن عدها: ما يتصل بنسبه الشريف صلى الله عليه وسلم. وقد اقتضاه ذلك الجانب الرجوع بنسبه لبيان صفاء معدنه وكرم أصله، فهو الحسيب النسيب الشريف المنزه فالعرب مقسمون عند المؤرخين إلى سلالات ينحدرون منها. العرب البائدة: وهم العرب القدامى الذين لم يمكن الحصول على تفاصيل كافية عن تاريخهم، مثل: عاد وثمود وطسم وجديس وعملاق وسواها. ثم العرب العاربة: هم أولئك الذين يضربون بنسبهم إلى يعرب بن يشجب بن قحطان، وهم يسمون بين أهل العلم بالعرب القحطانية. ثم العرب المستعربة: وهم أولئك الذين ينحدرون من صلب سيدنا إسماعيل - عليه السلام - ويطلق عليهم أيضا " العرب العدنانية " وإنما أطلق عليهم هذا الاسم، لأن إسماعيل أباهم لم يكن عربي العصب والصلب، وإنما صاهر العرب وعايشهم وآكلهم وشاربهم، وتشارب اللغة من أفواههم، ومع أنهم عرب مستعربة إلا أنهم غدوا أفضل العرب برسول الله صلى الله عليه وسلم كما قيل.

[ 4 ]

وكم أب قد علا بابن له شرف كما علا برسول الله عدنان فعلى ما بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين عدنان من عدد اختلف فيه ما بين مقل ومكثر، وعلم الحق في ذلك عند الله سبحانه، فقد روي أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا انتهى في النسب إلى معد بن عدنان أمسك، وقال كذب النسابون. واستدل لذلك بقول سبحانه: (وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا). فهو صلى الله عليه وسلم خيار من خيار كما قال: " إن الله خلق الخلق فجعلني من خير فرقهم وخير الفريقين، ثم تخير القبائل فجعلني من خير القبيلة، ثم تخير البيوت فجعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفسا وخيرهم بيتا " ودونك عمه أبا طالب يفاخر بنسبه فيقول: إذا اجتمعت يوما قريش لمفخر * * فعبد مناف سرها وصميمها وإن حصلت أنساب عبد منافها * * ففي هاشم أشرافها وقديمها وإن فخرت يوما فإن محمدا * * هو المصطفى من سرها وكريمها ومؤلف هذا الكتاب يجمع ما تناثر في كتب السيرة والسنة من حيث نسبه الشريف، وينظم هذه اللآلئ بيد صناع. يخرج أسانيدها، ويفصل ويشرح غريبها، ويتعقب ضعيفها، ويقدح من منكسرها وموضوعها، فيريك بدائع من الزهر ويجنيك الحلو اليانع من الثمر. فيما يتصل بمولوده الشريف وقد قدمت إرهاصات لمولده الشريف، أفزعت كسرى وقيصر واهتز لمقدمه الوجود. فقد رووا - رحمهم الله - أنه " لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتجس إيوان كسرى وسقطت منه أربع عشرة شرفة، وخمدت نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، وغاصت بحيرة ساوة، ورأى الموبذان إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادهم. فلما أصبح كسرى أفزعه ذلك فتصبر عليه تشجعا، ثم رأى أنه لا يدخر ذلك عن مرازبته، فجمعهم، ولبس تاجه وجلس على سريره ثم بعث إليهم فلما اجتمعوا عنده قال: أتدرون فيما بعثت إليكم ؟ قالوا: لا، إلا أن يخبرنا الملك، فبينما هم كذلك إذ ورد عليهم كتاب خمود النيران فازداد غما إلى غمه، ثم أخبرهم بما رأى وما هاله فقال الموبذان: وأنا - أصلح الله الملك - قد رأيت في هذه الليلة رؤيا، ثم قص عليه رؤياه في الإبل، فقال: أي شئ يكون هذا يا موبذان ؟ قال: حدث يكون في ناحية العرب - وكان أعلمهم من أنفسهم - فكتب عند ذلك: من كسرى ملك الملوك إلى النعمان بن المنذر، أما بعد فوجه إلي برجل عالم بما أريد أن أساله عنه، فوجه إليه بعبد المسيح بن عمرو بن حيان بن نفيلة الغساني، فلما ورد عليه، قال له: ألك علم بما أريد أن أسألك عنه ؟ فقال: لتخبرني، أو ليسألني الملك عما أحب، فإن كان عندي منه علم، وإلا أخبرته بمن يعلم - فأخبره بالذي وجه به إليه فيه، قال:

[ 5 ]

علم ذلك عند خال لي يسكن مشارف الشام، يقال له: سطيح، قال: فأته فاسأله عما سألتك عنه، ثم ائتني بتفسيره، فخرج عبد المسيح، حتى انتهى إلى سطيح، وقد أشفى على الضريح. فسلم عليه، وكلمه فلم يرد إليه سطيح جوابا فأنشأ يقول: أصم أم يسمع غطريف اليمن * * أم فاد فاز لم به شأو العنن وأمه من آل ذئب بن حجن * * أزرق نهم النياب صرار الأذن أبيض فضفاض الرداء والبدن * * رسول قيل العجم يسري للوسن يجوب بي الأرض علنداة شزن * * لا يرهب الرعد ولا ريب الزمن ترفعني وجنا وتهوي بي وجن * * حتى أتى عاري الجآجي والقطن تلفه في الريح بوغاء الدمن * * كأنما حثحت من حضني ثكن قال: فلما سمع سطيح شعره رفع رأسه يقول: عبد المسيح على جمل مشيح، أتى سطيح، وقد أوفى على الضريح، بعثك ملك بني ساسان، لارتجاس الإيوان، وخمود النيران، ورؤيا الموبذان، رأى إبلا صعابا، تقود خيلا عرابا، قد قطعت دجلة، وانتشرت في بلادها، يا عبد المسيح، إذا كثرت التلاوة، وظهر صاحب الهراوة، وفاض وادي السماوة، وغاصت بحيرة ساوة، وخمدت نار فارس، فليس الشام لسطيح شاما. يملك منهم ملوك وملكات، على عدد الشرفات، وكل ما هو آت آت. ثم قضى سطيح مكانه فنهض عبد المسيح إلى راحلته وهو يقول: شمر فإنك ماضي العزم شمير * * لا يفزعنك تفريق وتغيير إن تمسي ملك بني ساسان أفرطهم * * فإن ذا الدهر أطوار دهارير فربما ربما أضحوا بمنزلة * * يخاف صولهم الأشد المهاصير منهم أخو الصرح بهرام وإخوته * * والهر مزان وشابور وسابور والناس أولاد علات فمن علموا * * أن قد أقل فمحقور ومهجور ورب قوم لهم صحبان ذي أذن * * بدت تلهيهم فيه المزامير وهم بنو الأم إما إن رأوا نشبا * * فذاك بالغيب محفوظ ومنصور والخير والشر مقرونان في قرن * * فالخير متبع والشر محذور قال: فلما قدم عبد المسيح على كسرى أضجره بما قال له سطيح، فقال كسرى إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكا كانت أمور وأمور، فملك منهم عشرة في أربع سنين، وملك الباقون إلى خلافة عثمان - رضي الله عنه..

[ 6 ]

ومشتهرة حادثة الفيل تلك التي واكبت مولد النبي صلى الله عليه وسلم وغير ذلك، ذلك المولد الذي كانت ثمرة الالتقاء القصير بين عبد الله بن عبد المطلب، وآمنة بنت وهب ومما يمتاز به هذا الكتاب، جمع آراء الأئمة في مصير أبوي النبي صلى الله عليه وسلم وتفصيل أدلة كل فريق بما يرنو على أربعين صحيفة. وكان مولده صلى الله عليه وسلم في التاسع أو الثاني عشر شهر ربيع الأول (20 إبريل 571 م)، وقد أقيمت مكتبة في المكان الذي ولد فيه - عليه السلام - ويؤمها كثير من الحجاج لعيشوا في رياض المكان الذي شهد مولد المصطفى صلى الله عليه وسلم ذلك الصفي يتيم الأبوين الذي مات أبواه فكفله جده، ومن بعد جده عمه. فيما يتصل برضاعه وقد ذكروا أن أول من أرضعته من المراضع - بعد أمه صلى الله عليه وسلم - ثويبة مولاة أبي لهب، وكان ذلك بلبن ابن لها يقال له: مسروح، وكانت قد أرضعت قبله حمزة بن عبد المطلب، وأرضعت بعده أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي. وكانت السيدة حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية - أم رسول الله من الرضاعة - تذكر أنها خرجت في طلب مرضع مع زوج، وابن لها صغير ترضعه، مع جملة من نساء ينتسبن لبني سعد بن بكر، لطلب الرضعاء في سنة تذكر أنها كانت سنة جدب وقحط، على أتان لها ومعها ناقة كبيرة السن قد جف ضرعها من شدة القحط وقحط السنة، وكان صوت صبيها يتعالى من بكائه من شدة الجوع وخواء ثديها مما يرويه، وجفاف ضرع ناقتها، وذلك المركب الذي امتطوه يتباطأ بهم عن السير، لما يجده من الجوع. ذلك حال أم النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الرضاعة، تصفه بنفسها عندما جاءت لتطلب الرضعاء، وتذكر هذه السيدة أنه ما منهن امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه، إذا قيل لها: إنه يتيم، نظرا لما كن يؤملنه من نوال والد الصبي، فذلك عائد المطلوب لهن، فكن يقلن: يتيم، وما عسى أن تصنع أمه وجده ؟ فكرهن الرضى به لذلك، وحظيت نسوة بني سعد برضعاء، خلا السيدة حليمة، فكرهت السيدة حليمة الرجوع من بين صواحبها، فعادت إلى تلك الصبي اليتيم، بعد ما كانت قد أجمعت على الانطلاق، فقال لها زوجها: لا عليك أن تفعلي عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة ! فذهبت إليه فأخذته، وما حملها على أخذه سوى عدم وجود غيره، فأخذته ورجعت به إلى رحلها، ووضعته في حجرها، فأقبل على ثديها، فشرب حتى روي وشرب معه أخوه حتى روي، ثم ناما، ولعلك تذكر أن صوت أخيه كان يتعالى بالبكاء، فيطرد من أجفان والديه النوم. وأعجب من ذلك أنها نهضت لناقتها تلك التي كان ضرعها جافا في مقدمها لطلب الرضعاء، فإذا بهذا الضرع يدر اللبن، فشربت وزوجها حتى انتهيا وقد صدرا عن الضرع ريا وشبعا وباتا بخير ليلة.

[ 7 ]

فأخبرها زوجها بأنها حظيت بنسمة مباركة إذ لم تكن السيدة حليمة يوما تطمع في أن تذكر هذا الذكر بين الناس، وأن تحظى بذلك التشريف فحسبها من شرف أنها أمه، وشئ آخر هو أن أرض بني سعد ما كان أجدب منها أرض في ذلك العام، فكانت أغنام بني سعد تروح جياعا، وأغنام هذه السيدة تروح شباعا. وانتشر ذكر بني سعد بين الناس إلى اليوم، لتشرفهم بإرضاع النبي صلى الله عليه وسلم وحسبهم من شرف ما كان يقوله محمد صلى الله عليه وسلم لأصحابه: " أنا أعربكم، أنا قرشي، واسترضعت من بني سعد بن بكر ". وإخوته صلى الله عليه وسلم من الرضاعة من بني سعد (عبد الله بن الحارث، وأنيسة بنت الحارث، وحذافة أو جذامة بنت الحارث، الملقبة بالشيماء، تلك التي كانت تحضن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم). وحمزة بن عبد المطلب عمه صلى الله عليه وسلم أخو النبي من الرضاعة من وجهين، من جهة ثويبة، ومن جهة السعدية. وقد بقي الرسول صلى الله عليه وسلم مع بني سعد حتى إذا كانت السنة الرابعة أو الخامسة من مولده، وقع حادث شق صدره، ففي مسلم عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه ثم أعاده إلى مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه - يعني ظئره - فقالوا: إن محمدا قد قتل، فاستقبلوه وهو ممتقع اللون، وخشيت عليه حليمة بعد هذه الوقعة حتى ردته إلى أمه، فكان عند أمه. كفالته صلى الله عليه وسلم كان لعبد الله بن عبد المطلب مكانة خاصة في فؤاد عبد المطلب ظهر ذلك في معاملة عبد المطلب حفيده محمدا صلى الله عليه وسلم فرق عليه رقة لم يرقها على أحد من أولاده، فكان لا يدعه لوحدته المفروضة، بل يفضله على أولاده. قال ابن هشام: كان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه، لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي وهو غلام جفر حتى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم: دعوا ابني هذا فوالله إن له لشأنا ثم يجلسه معه على فراشه، ويمسح ظهره بيده ويسره ما يراه يصنع.

[ 8 ]

وقد مات جده عبد المطلب وعمره حينئذ ثماني سنوات وشهران وعشرة أيام، وقبل أن يموت عهد بكفالته إلى عمه أبي طالب وقد استسقى أبو طالب بوجه النبي صلى الله عليه وسلم فقد أخرج ابن عساكر قال: " قدمت مكة، وهم في قحط، فقال قريش: يا أبا طالب أقحط الوادي، وأجدب العيال، فهلم فإستعد ! فخرج أبو طالب، ومعه غلام، كأنه شمس دجن، تجلت عنه سحابة قثماء، حوله أغيلمة، فأخذه أبو طالب، فألصق ظهره بالكعبة، ولاذ بإصبعه الغلام، وما في السماء قزعة، فأقبل السحاب من ههنا وههنا، وأغدق واغدودق، وانفجر الوادي، وأخصب النادي والبادي وإلى هذا أشار أبو طالب حين قال: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * * ثمال اليتامى عصمة للأرامل ونهض أبو طالب بحق ابن أخيه على أكمل وجه، وضمه إلى ولده وقدمه عليهم، وظل فوقه أربعين سنة يعز جانبه ويبسط عليه حمايته، ويناضل الخصوم من أجله. وقد تبدى ذلك جليا عندما بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم اثنتي عشرة سنة، وارتحل به عمه أبو طالب تاجرا إلى الشام، فإذا ما وصل به إلى بصرى، وبها راهب يقال له: بحيرى في صومعة له، وكان إليه علم أخل النصرانية، إليه يصير علمهم عن كتاب فيما يزعمون يتوارثونه كابرا عن كابر، فلما نزلوا ذلك العام ببحيرى - وكانوا كثيرا ما يمرون به فلا يكلمهم ولا يعرض لهم حتى كان ذلك العام فلما نزلوا قريبا من صومعته صنع لهم طعاما كثيرا وذلك فيما يزعمون عن شئ رآه وهو في صومعته. يزعمون أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الركب حتى أقبل وغمامة تظلله من بين القوم. ثم أقبلوا فنزلوا في ظل شجرة قريبا منه. فنظر إلى الغمامة حين أظلت الشجرة وتهصرت أغصان الشجرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استظل تحتها. فلما رأى ذلك بحيرى نزل من صومعته وقد أمر بطعام فصنع. ثم أرسل إليهم. فقال إني صنعت لكم طعاما يا معشر قريش فأنا أحب أن تحضروا كلكم، كبيركم وصغيركم، وعبدكم وحركم. فقال له رجل منهم والله يا بحيرى إن لك لشأنا اليوم. ما كنت تصنع هذا بنا وقد كنا نمر بك كثيرا فما شأنك اليوم ؟ قال له بحيرى صدقت قد كان ما تقول ولكنكم ضيف وقد أحببت أن أكرمكم طعاما فتأكلون منه كلكم فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين القوم لحداثة سنه في رحال القوم تحت الشجرة فلما رآهم بحيرى لم ير الصفة التي يعرف ويجده عنده فقال يا معشر قريش لا يتخلفن أحد منكم عن طعامي قالوا يا بحيرى ما تخلف أحد ينبغي له أن يأتيك إلا غلام وهو أحدثنا سنا، فتخلف في رحالنا. قال لا تفعلوا ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم. قال فقال رجل من قريش مع القوم، واللات والعزى إن كان للؤم بنا أن يتخلف محمد بن عبد الله بن عبد المطلب عن طعام من بيننا. ثم قام إليه فاحتضنه وأجلسه مع القوم فلما رآه بحيرى جعل يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء من جسده، وقد كان يجدها عنده من صفته، حتى إذا

[ 9 ]

فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا قام إليه بحيرى وقال له يا: غلام أسألك بحق اللات والعزى إلا أخبرتني عما أسألك عنه. وإنما قال له بحيرى ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: لا تسألني باللات والعزى شيئا. فوالله ما أبغضت شيئا قط بغضهما. فقال له بحيرى: فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه ؟ فقال له سلني عما بدا لك. فجعل يسأله عن أشياء من حاله ونومه وهيئته وأموره. فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره فوافق ذلك ما عند بحيرى من صفته. ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه موضعه من صفته التي عنده، فلما فرغ أقبل على عمه أبو طالب فقال ما هذا الغلام منك ؟ قال ابني قال بحيرى ما هو بابنك وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا، قال فإنه ابن أخي. قال فما فعل أبوه ؟ قال مات وأمه حبلى به قال صدقت ارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه اليهود. فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم فأسرع به إلى بلاده، فخرج به عمه أبو طالب سريعا حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام. في هذا الوقت اشتد حرص أبي طالب على محمد صلى الله عليه وسلم. زواجه من خديجة كان عند زواجه منها في الخامسة وعشرين من عمره، لما اشتهر عندها من أمره وصدقه وأمانته، حيث كانت تستأجر الرجال في مالها، وتضاربهم إياه بشئ يجعله لهم، وكانت قريش قوما تجارا، فلما بلغها عن رسول الله ما بلغها من صدق حديثه، وعظم أمانته، وكرم أخلاقه بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجرا، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار، فقبل رسول الله وخرج في مالها، وخرج معه غلامها ميسرة حتى قدم الشام، ثم باع سلعته التي خرج بها واشترى ما أراد أن يشتري ثم أقبل قافلا إلى مكة، ومعه ميسرة، فلما قدم على خديجه بمالها باعت ما جاء به، فأضعف، وبلغها من ميسرة من سيرة محمد صلى الله عليه وسلم بما ترتب عليه أن بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا ابن عمي إني قد رغبت فيك لقرابتك وشرفك في قومك وأمانتك وصدق حديثك، ثم عرضت عليه الزواج منها، وكانت حينئذ أوسط نساء قريش نسبا، وأعظمهن شرفا، وأكثرهن مالا، كل قومها كان حريصا على الزواج منها لو يقدر عليه، فلما قالت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذكره لأعمامه وخطبها وتزوجها وكان صداقها عشرين بكرة، وكانت أول امرأة تزوجها ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت رضي الله عنها. وقد ولدت لرسول الله أولاده كلهم - إلا إبراهيم والقاسم - وبه كان يكنى صلى الله عليه وسلم والطاهر والطيب ورقية وزينب وأم كلثوم وفاطمة، أما القاسم والطيب والطاهر فهلكوا في الجاهلية،

[ 10 ]

وأما بناته فكلهن أدركن الإسلام فأسلمن وهاجرن، وأما إبراهيم فأمه مارية القبطية التي أهداها إليه المقوقس عظيم قبط مصر. وقد توفي أبناؤه جميعا صلى الله عليه وسلم في حياته سوى فاطمة - رضى الله عنها - فقد تأخرت بعده بستة أشهر ثم لحقت به. في كسبه - صلى الله عليه وسلم - لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم عمل معين في أول شبابه، إلا أن المشتهر عنه أنه كان يرعى الغنم وكان قد رعاها في بني سعد فيما يروي، وكان يرعاها في مكة على قراريط، وقد عمل بالتجارة في مال خديجة رضي الله عنها، وذلك ما ينبئ به الرسول عن نفسه. في ما كان يشتغل به رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يتزوج خديجة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما بعث الله نبيا إلا راعي غنم " فقال له أصحابه وأنت يارسول الله ؟ قال: " وأنا رعيتها لأهل مكة بالقراريط " رواه البخاري عن أحمد بن محمد المكي عن عمرة بن يحيى به. ثم روى البيهقي من طريق الربيع بن بدر - وهو ضعيف - عن أبي الزبير عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " آجرت نفسي من خديجة سفرتين بقلوص " وروى البيهقي من طريق حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن عمار بن أبي عمار عن ابن عباس أن أبا خديجة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو - أظنه - قال سكران ثم قال البيهقي: أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان أنا عبد الله بن جعفر حدثنا يعقوب بن سفيان قال حدثني إبراهيم بن المنذر حدثني عمر بن أبي بكر المؤملي حدثني عبد الله بن أبي عبيد بن محمد بن عمار بن ياسر عن أبيه عن مقسم بن أبي القاسم مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل أن عبد الله بن الحارث حدثه أن عمار بن ياسر كان إذا سمع ما يتحدث به الناس عن تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة وما يكثرون فيه يقول: أنا أعلم الناس بتزويجه إياها، إني كنت له تربا وكنت له إلفا وخدنا، وإني خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم حتى إذا كنا بالحزورة أجزنا على أخت خديجة وهي جالسة على أدم تبيعها، فنادتني فانصرفت إليها ووقف لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: أما بصاحبك هذا من حاجة في تزويج خديجة ؟ قال عمار فرجعت إليه فأخبرته فقال " بلى لعمري " فذكرت لها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت اغدوا علينا إذا أصبحنا، فغدونا عليهم فوجدناهم قد ذبحوا بقرة وألبسوا أبا خديجة حلة، وصفرت لحيته، وكلمت أخاها فكلم أباه وقد سقي خمرا فذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم ومكانه وسألته أن يزوجه فزوجه خديجة وصنعوا من البقرة طعاما فأكلنا منه ونام أبوها ثم استيقظ صاحيا. فقال: ما هذه الحلة وما هذه الصفرة وهذا الطعام فقالت له ابنته التي كانت قد كلمت عمارا هذه حلة

[ 11 ]

كساكها محمد بن عبد الله ختنك وبقرة أهداها لك فذبحناها حين زوجته خديجة، فأنكر أن يكون زوجه، وخرج يصيح حتى جاء الحجر، وخرج بنو هاشم برسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءوه فكلموه. فقال أين صاحبكم الذي تزعمون أني زوجته خديجة ؟ فبرز له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما نظر إليه قال إن كنت زوجته فسبيل ذاك وإن لم أكن فعلت فقد زوجته. وقد ذكر الزهري في سيرة أن أباها زوجها منه وهو سكران نحو ما تقدم حكاه السهيلي، قال المؤملي: المجتمع عليه أن عمها عمرو بن أسد هو الذي زوجها منه وهذا هو الذي رجحه السهيلي. وحكاه عن ابن عباس وعائشة قالت وكان خويلد مات قبل الفجار، وهو الذي نازع تبعا حين أراد أخذ الحجر الأسود إلى اليمن، فقام في ذلك خويلد، وقام معه جماعة من قريش ثم رأى تبع في منامه ما روعه، فنزع عن ذلك وترك الحجر الأسود مكانه. في شهادة الخصوم له صلى الله عليه وسلم قديما وجديدا وشهادة الخصوم في هذا الباب لها وزنها الكبير إذ تدلك على مبلغ الثقة التي كان يتمتع بها رسول الله عند الجميع، ولكن بعض الناس استغرب واستكبر فأنكر دون وجود مبرر لهذا الإنكار وهذه نصوص تؤكد لك هذا الذي قلناه. " أخرج البيهقي عن المغيرة بن شعبة قال: إن أول يوم عرفت فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أمشي أنا وأبو جهل في بعض أزقة مكة إذ لقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي جهل: " يا أبا الحكم هلم إلى الله ورسوله أدعوك إلى الله ". فقال أبو جهل: يا محمد هل أنت منته عن سبب آلهتنا ؟ هل تريد إلا أن نشهد أنك قد بلغت ؟ فنحن نشهد أن قد بلغت، فوالله لو أني أعلم أنا ما نقول حق لاتبعتك فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل علي فقال: والله إني لأعلم أن ما يقول حق ولكن يمنعني شئ. إن بني قصى قالوا: فينا الحجابة. قلنا نعم ثم قالوا: فينا السقاية قلنا نعم، ثم قالوا فينا الندوة فقلنا نعم، ثم قالوا فينا اللواء فقلنا نعم، ثم أطعموا وأطعمنا حتى إذا تحاكت الركب قالوا: منا نبي، والله لا أفعل " وأخرجه ابن أبي شيبة بنحوه. وأخرج الترمذي عن علي أن أبا جهل قال للنبي صلى الله عليه وسلم إنا لا نكذبك ولكن نكذب ما جئت به فأنزل الله تعالى (فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون). " وأخرج ابن عساكر عن معاوية (رضي الله عنه) قال: خرج أبو سفيان إلى بادية له مردفا هندا وخرجت أسير أمامهما وأنا غلام على حمارة لي إذ سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو سفيان: انزل يا معاوية حتى يركب محمد فنزلت عن الحمارة وركبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسار أمامنا هنيهة ثم التفت إلينا فقال: يا أبا سفيان بن حرب ويا هند بنت عتبة والله لتموتن ث م لتبعثن ثم ليدخلن المحسن الجنة والمسئ النار، وأنا أقول لكم بحق وإنكم لأول من أنذرتكم

[ 12 ]

ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم " حم تنزيل من الرحمن الرحيم.. حتى بلغ - قالتا أتينا طائعين " فقال له أبو سفيان: أفرغت يا محمد ؟ قال نعم ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحمارة وركبتها وأقبلت هند على أبي سفيان: ألهذا الساحر أنزلت ابني قا ل: لا والله ما هو بساحر ولا كذاب " وأخرجه الطبراني أيضا. وروى البخاري ومسلم قصة أبي سفيان عند هرقل كما حدث بها أبو سفيان ابن عباس ومنها سؤاله لأبي سفيان هذا: " قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال. قال: قلت لا " وفي آخر القصة يقول هرقل لأبي سفيان: " وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال، فزعمت أن لا فعرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله تعالى ". وأخرج الشيخان والترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت (وأنذر عشيرتك الأقربين) صعد صلى الله عليه وسلم على الصفا فجعل ينادي يا بني فهر يا بني عدي لبطون قريش حتى اجتمعوا فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي ؟ قالوا: نعم جربنا عليك إلا صدقا قال فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ! قال أبو لهب: تبا لك يا محمد ألهذا جمعتنا فنزلت: (تبت يدا أبا لهب وتب). من هذه النصوص يتبين لك أن الثقة بصدق محمد صلى الله عليه وسلم كانت متوفرة ولم يكن هذا الموضوع فيه شك أبدا وهذا الذي يعلل لنا: ظاهرة الإيمان به من قبل حاربوه واحدا فواحدا طوعا لا إكراها أمثال خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعمر بن الخطاب... ذلك لأنهم ما كانوا يشكون في أن محمدا صادق، ولكن فاجأهم بشئ لم يسمعوا به هم ولا آباؤهم فأنكروه، حتى إذا ذهب هول المفاجأة وحكموا عقولهم التقى صدق الفكر بالثقة الأساسية بشخص محمد صلى الله عليه وسلم فتولد عن ذلك إيمان. ظاهرة الإخلاص له بعد الإيمان: فبعضهم لم يؤمن إلا آخرا بعد أن غلب كبقايا قريش فإنهم أخيرا غلبوا للإسلام، وكان يمنعهم من ذلك ثارات وأحقاد وشبهات وشهوات، حتى إذا دخلوا فيه تسليما للأمر الواقع وإذا بهم مخلصون لرسول الله صلى الله عليه وسلم كأتم ما يكون الإخلاص، ومتفانون في الإسلام بعد أن زالت عن أعينهم غشاوات، من بعدها تبينوا أن محمدا هو الأخ الكريم والابن الكريم فكانت معرفتهم به وثقتهم بشخصيته أساسا لإخلاصهم في طريقهم الجديد الذي ساروا به بعد ذلك فرحين. وبعد فهذه شهادة خصوم: بعضهم أسلم بعد خصومة شديدة وبعضهم مات على كفره ولكن الجميع حتى في أشد حالات الخصومة كانوا مؤمنين أن محمدا صلى الله عليه وسلم صادق.

[ 13 ]

في تعبده قبل البعثة يذكر أهل السير أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعبد قبل البعثة على دين الحنيفية وذلك في غار حراء قال ابن كثير: وإنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الخلاء والانفراد عن قومه، لما يراهم عليه من الضلال المبين عن عبادة الأوثان والسجود للأصنام، وقويت محبته للخلوة عند مقاربة إيحاء الله إليه صلوات الله عليه وسلامه عليه. وقد ذكر محمد بن إسحاق عن عبد الملك بن عبد الله بن أبي سفيان بن العلاء بن حارثة - قال: وكان واعية - عن بعض أهل العلم قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج إلى حراء في كل عام شهرا من السنة يتنسك فيه وكان من نسك قريش في الجاهلية، يطعم من جاءه من المساكين حتى إذا انصرف من مجاورته لم يدخل بيته حتى يطوف بالكعبة. هكذا روي عن وهب بن كيسان أنه سمع عبيد بن عمير يحدث عبد الله بن الزبير مثل ذلك، وهذا يدل على أن هذا من عادة المتعبدين في قريش أنهم يجاورون في حراء للعبادة ولهذا قال أبو طالب في قصيدته المشهورة: وثور ومن أرسى ثبيرا مكانه * * وراق ليرقى في حراء ونازل وهكذا صوبه على رواية هذا البيت كما ذكره السهيلي وأبو شامة وشيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي رحمهم الله، وقد تصحف على بعض الرواة فقال فيه: وراق ليرى في حر ونازل - وهذا ركيك ومخالف للصواب والله أعلم. وحراء يقصر ويمد ويصرف ويمنع، وهو جبل بأعلى مكة على ثلاثة أميال منها عن يسار المار إلى منى، له قلة شرفة على الكعبة منحنية والغار في تلك الحنية وما أحسن ما قال رؤبة من العجاج: فلا ورب الآمنيات القطن * * ورب ركن من حراء منحني وقوله في الحديث: والتحنث التعبد، تفسير بالمعنى، وإلا فحقيقة التحنث من حنث البنية فيما قاله السهيلي الدخول في الحنث ولكن سمعت ألفاظا قليلة في اللغة معناها الخروج من ذلك الشئ كحنث أي خرج من الحنث وتحوب وتحرج وتأثم وتهجد هو ترك الهجود وهو النوم للصلاة وتنجس وتقذر أوردها أبو شامة. وقد سئل ابن الأعرابي عن قوله يتحنث أي يتعبد. فقال: لا أعرف هذا إنما هو يتحنف من الحنيفية دين إبراهيم عليه السلام. قال ابن هشام: والعرب تقول التحنث والتحنف يبدلون الفاء من الثاء، كما قالوا جدف وجذف كما قال رؤبة: لو كان أحجاري مع الأجداف

[ 14 ]

يريد الأجداث. قال وحدثني أبو عبيدة أن العرب تقول فم في موضع ثم - قلت: ومن ذلك قول بعض المفسرين وفومها أن المراد ثومها. وقد اختلف العلماء في تعبده عليه السلام قبل البعثة هل كان على شرع أم لا ؟ وما ذلك الشرع ؟ فقيل شرع نوح وقيل شرع إبراهيم. وهو الأشبه الأقوى. وقيل موسى، وقيل عيسى، وقيل كل ما ثبت أنه شرع عنده اتبعه وعمل به. ولبسط هذه الأقوال ومناسباتها مواضع أخر في أصول الفقه والله أعلم. الجبل الذي يقع في قمته هذا الغار يسمى جبل النور، وهو يقع إلى الشمال الشرقي من مكة، ويبعد عنها حوالي خمسة كيلومترات ويذهب إليه الآن كثير من الناس للتبرك والزيارة، وصعود هذاالجبل شاق للغاية، وقد يحتاج الصاعد إلى استعمال يديه ورجليه في بعض الأحايين ليتقي السقوط، وفي قمة هذاالجبل بركة من ماء لا ينقطع ماؤها صيفا ولا شتاء، وهذا المكان جوه جميل للغاية ونقي من الأتربة، وجميل الهواء، والغار يشبه حجرة صغيرة مدخلها إلى الأمام وفي خلفها الجبل الشاهق وأمر عجيب كيف كان يصعد الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الجبل ويختلي بهذا الغار. في بعثة - صلى الله عليه وسلم - وبدء الوحي من المعلوم بالضرورة أن جميع الرسل الذين اصطفاهم الله من عباده لم ينطقوا فيما بلغوه عن ربهم عن الهوى. وعلى هذا النحو كان التكليف بالصلوات الخمس إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج، دع عنك ما يلوكه المستشرقون الماديون من أنهم لا يكذبون محمدا صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به عن الوحي ولكنهم يقولون: إن منبع ذلك من نفسه، وليس فيه شئ جاء من عالم الغيب، لأن الغيب لم يثبت عندهم وجوده وأيسر ما يرد به افتراؤهم أمران: أولهما: ما استفاص من أمر أمانة النبي صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه. ثانيهما: أن الله تعالى حرم على رسول صلى الله عليه وسلم أن يخوض فيما خاض قومه من قرض الشعر والتعمل له على ما يشهد به قوله سبحانه (وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين) (سورة يس 69). ولقد كان وحيا ذلك الذي يصدر عنه النبي صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا وتقريرا. يذكر أهل السنة أن عمره عند البعثة كان أربعين سنة وينقلون واقعة بدء الوحي. قال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا

[ 15 ]

الصادقة في النوم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء. فجاءه الملك فقال اقرأ. فقال: ما أنا بقارئ. قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: (اقرأ بسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق إقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم) فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: " زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة - وأخبرها الخبر - لقد خشيت على نفسي. فقالت خديجة: كلا والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم وتقري الضيف. وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة، وكان أمرا قد تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الأنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب. وكان شيخا كبيرا قد عمي. فقالت له خديجة: يا ابن عم ! سمع من ابن أخيك فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى. فقال له ورقة: هذا الناموس الذي كان ينزل على موسى، يا ليتني فيها جدعا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أو مخرجي هم ؟ " فقال: نعم. لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا. ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي فترة. حتى حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم: - فيما بلغنا - حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه تبدى له جبريل فقال: يا محمد إنك رسول الله حقا فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه فيرجع فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا كمثل ذلك. قال فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك. هكذا وقع مطولا في باب التعبير من البخاري. قال ابن شهاب: وأخبرني أبو سلمة عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله الأنصاري قال - وهو يحدث عن فترة الوحي - فقال في حديثه: " بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض. فرعبت منه. فرجعت فقلت: زملوني، زملوني فأنزل الله: (يا أيها المدثر، قم فأنذر، وربك فكبر، وثيابك فطهر، والرجس فاهجر) فحمي الوحي وتتابع، ثم قال البخاري تابعه عبد الله بن يوسف، وأبو صالح، يعني عن الليث، وتابعه هلال بن داود عن الزهري، وقال يونس ومعمر: - بوادره - وهذا الحديث قد رواه الإمام البخاري رحمه الله في كتابه في مواضع منه.

[ 16 ]

وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث الليث به، ومن طريق يونس ومعمر عن الزهري كما علقه البخاري عنهما، وقد رمزنا في الحواشي على زيادات مسلم ورواياته ولله الحمد وانتهى سياقه إلى قول ورقة: أنصرك نصرا مؤزرا. فقول أم المؤمنين عائشة أول ما بدئ به الوحي الرؤيا الصادقة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، يقوي ما ذكره محمد بن إسحاق بن يسار عن عبيد بن عمر الليثي أن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: " فجاءني جبريل وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب. فقال: اقرأ، فقلت ما أقرأ ؟ فغطني، حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني " وذكر نحو حديث عائشة سواء، فكان هذا كالتوطئة لما يأتي بعده من اليقظة، وقد جاء مصرحا بهذا في مغازي موسى بن عقبة عن الزهري أنه رأى ذلك في المنام ثم جاءه الملك في اليقظة. وقد قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتابه دلائل النبوة: حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة حدثنا جناب بن الحارث حدثنا عبد الله بن الأجلح عن إبراهيم عن علقمة بن قيس. قال: إن أول ما يؤتى به الأنبياء في المنام حتى تهدأ قلوبهم ثم ينزل الوحي بعد وهذا من قبل علقمة بن قيس نفسه وهو كلام حسن يؤيده ما قبله ويؤيده ما بعده. في أطوار دعوته - صلى الله عليه وسلم - وقد مرت بثلاثة مراحل: المرحلة الفردية: وقد آمن في هذه المرحلة زوجه وابن عمه علي، وزيد مولاه ثم دعا الرسول أبا بكر، وكانت له به صلة فآمن به، وعن طريق أبي بكر أسلم السابقون الأولون، عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبيد الله وأبو عبيدة بن الجراح والأرقم، الذي اتخذت داره لتكون مقرا للدعوة السرية للدين الجديد، ودخل مع هؤلاء مجموعة من الموالي والفقراء، وقد استمرت هذه الدعوة ثلاث سنوات. دعوة بني عبد المطلب وهي المرحلة التي تلت المرحلة الأولى، وكانت تنفيذا لقول الله تعالى (وأنذر عشيرتك الأقربين) (الشعراء 214). وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب ليجتمعوا به، فلما حضروا قال لهم: أني ما أعلم

[ 17 ]

شابا جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، فلقد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وبلغهم دعوته، فصدق به بعضهم وكذب آخرون، وكان عمه أبو لهب هو وزوجته من أشد الناس قسوة عليه، فقد هتف به أبو لهب قائلا: تبا لك، ألهذا دعوتنا ؟ فنزل قوله تعالى: (تبت يدا أبي لهب...) (إلى آخر سورة المسد). الدعوة العامة وكانت هذه الخطوة في الدعوة تنفيذا لقول الله تعالى: (فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين) (الحجر 94) فانطلق الرسول صلى الله عليه وسلم على إثر نزول هذه الآية يجاهر بالدعوة، يدعو السادة والعبيد، والغرباء والأقربين، ثم يتجاوز مكة إلى البلاد الأخرى. وقد تناول الكتاب كل جوانب حياة المصطفى صلى الله عليه وسلم من حيث حياته البشرية وحياة أزواجه وحياة نبيه وحياة صحابته، ومن حيث تعبده وصلاته وصفاته الخلقية والخلقية وقد جمع في ذلك فأوعى. وصلى على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. السيرة بين السلف والخلف لقد نالت حياة النبي صلى الله عليه وسلم بما حفلت به من أقوال وأفعال وتقريرات عناية العلماء قديما وحديثا، وكان تأليف العلماء في السيرة قديما يحمل طابعا يرغب عنه الجم الغفير من مسلمي العصر الحديث الذين لم يكن لهم إلمام علمي واسع رغبة في مطالعة أحوال النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجدوا بدا من اللجوء إلى الكتابات العصرية في السيرة النبوية وكان من أفضل بما نبه على ذلك المفكر الإسلامي الكبير أنور الجندي مبينا ما لها من مميزات وعيوب، وقد آثرنا إثبات ما نشر عنه في مؤتمر السيرة النبوية برمته تتميما للفائدة "، فقال: إن العمل الذي قام به الكتاب العصريون لتقديم السيرة النبوية. قد أدى دورا لا بأس به، وأحدث آثارا طيبة في نفوس المسلمين. ولكنه لم يكن عملا أصيلا على طريق التطور الطبيعي لكتابة السيرة من منطق المفهوم الإسلامي الجامع القائم على أساس التقدير الكامل للوحي والنبوة والغيبات والمعجزات. ومن هنا كان عجزه وقصوره الذي جعله في تقدير الباحثين قائما على التبعية والاحتواء للمناهج الغربية التي لم تكن عمليتها إلا مظهرا خادعا يخفي من ورائه الأهواء والخلافات بين الأديان ونزعة الاستعلاء الغربية ومطابع النفوذ الغربي في السيطرة على الفكر الإسلامي والتاريخ الإسلامي حتى لا يحقق ابتعاثه الأصيل هدفا يجدد حضارة الإسلام ويفتح الطريق لقيام المجتمع الإسلامي.

[ 18 ]

لقد احتوى هذا العمل على مجموعة من الأخطاء الأساسية التي كان مصدرها تبني أسلوب المستشرقين وتبني وجهات نظرهم وهم أساسا لا يعترفون بالإسلام دينا خاتما ولا بالنبي محمد. ولا يؤمنون بالوحي ولا يفرقون كما يفرق المسلمون بين الألوهية والنبوة. وفي مقدمة هذا البحث، نؤكد أن كتابات العصريين في السيرة النبوية كانت في عصرها أمرا محببا أقبل الناس عليه وقدمت سيرة الرسول وعظمة الإسلام للجماهير التي كانت لا تلم بالدراسات العلمية إلا قليلا. فقد كتبت هذه الفصول أول الأمر في المجلات الأسبوعية، الذائعة (السياسية الأسبوعية. والرسالة) مما كان لها أثرها في الانتشار والذيوع. وقد اختلفت فعلا عما سبقها من كتابات السيرة التي نشرت في مؤلفات لغلبة الأسلوب الصحفي الميسر. ولقد كانت هذه الكتابات في تقدير المؤرخين والباحثين على حالتين: الحالة الأولى: العامل القريب والمباشر وهو ظهور حركة التبشير المسيحي الضخمة في القاهرة عن طريق الجامعة الأمريكية عام 1932 وتنصير عدد من الطلاب المسلمين بها وكان ذلك جزءا من موجة ضخمة قام بها الغرب بعد أن استردت الفاتيكان الأموال الطائلة التي كانت قد احتجزتها الحكومة الإيطالية عنها. الحالة الثانية: أثر الحرب العالمية الثانية في نفوس الناس بالدعوة إلى الرجعة إلى الدين والتطلع إلى آفاق جديدة تقدمها رسالا ت السماء وفي مقدمتها الإسلام. غير أن هناك عوامل أخرى خفية وراء ظواهر الأحداث تحدثت عنها كتابات الباحثين والمراقبين لهذه الأحداث منها: أولا: رغبة حزب الأحرار الدستوريين في كسب مشاعر الوطنيين بعد أن عرف عنه أنه الحزب الذي يجمع دعاة التغريب وأساطينه والذي صدرت من تحت عباءته الكتب التي أثارت الضجة وخالفت مفاهيم الإسلام الأساسية وهزت مشاعر الناس وفي مقدمتها (الشعر الجاهلي لطه حسين) و (الإسلام وأصول الحكم لعلي عبد الرزاق). وكانت الفكرة التي استقر عليها الرأي هو الدخول إلى مشاعر المسلمين من طريق الكتابة عن الرسول صلى الله عليه وسلم (هذا بالنسبة لكتاب حياة محمد للدكتور هيكل). ثانيا: الموقف الذي أحدثته الحرب العالمية من ائتلاف بين البلاشفة والرأسماليين في

[ 19 ]

وجه النازية وما تسرب إلى البلاد العربية من دعايات شيوعية ورغبة العرب في مواجهتها عن طريق تزييف مفهوم الماركسية عن البطولة الجماعية ورد الاعتبار للبطولة الفردية التي كانت عنوانا على الفكر الليبرالي الغربي. ومن هنا كانت الكتابة عن البطولات الإسلامية من منطلق غربي " هذا بالنسبة للعبقريات ". وقد ظهرت هذه الكتابات متفرقة في الصحف: حياة محمد في ملاحق السياسة 1932 على أنها ترجمة وتلخيص لكتاب إميل در منجم وكانت تنشر تحت هذا العنوان (حياة محمد. تأليف إميل درمنجم. تلخيص وتعليق الدكتور محمد حسين هيكل) ثم ظهرت فصول (على هامش السيرة) في الأعداد الأولى من مجلة الرسالة التي صدرت 1933 بقلم الدكتور طه حسين. أما فصول (عبقرية محمد) فقد بدأت عام 1942 بقلم الأستاذ العقاد في أحد الأعداد السنوية الخاصة بالهجرة بعد أن اشتعلت الحرب العالمية الثانية بعامين. وكان الكتاب الثلاثة من المعروفين في مجال الدراسات الأدبية والسياسية بأنهم عصريون ليبراليون علمانيون، قليلو الاهتمام بالدراسات الإسلامية. بل كانت جريدة السياسة تحمل حملات ضخمة على الإسلام (هيكل - طه حسين - علي عبد الرازق - محمد عبد الله عنان) وتؤازر الغزو الثقافي، بل لقد حمل الأستاذ العقاد حملة ضارية على الكتب الإسلامية التي صدرت عام 1935 في جريدة روز اليوسف اليومية وعدها ظاهرة خطيرة وقال: إن هذه الكتابات بمثابة مؤامرة على القضية الوطنية، وتردد يومها أن الدكتور محمد حسين هكيل قد أحرز قدرا ضخما من الكسب المادي من كتابه ومن ثم أصبحت الكتابة الإسلامية موضع تقدير في نظر الكتاب، غير أن أخطر ما هنالك أن الدكتور هيكل وعلي عبد الرزاق أعلنا موقفا خطيرا في مجلس الشيوخ عندما أثير النقاش في كتابات طه حسين ووقفا للدفاع عنه وتبين من ذلك أن الكتابة عن الإسلام لم تكن تصدر عن إيمان برسالة الإسلام (دينا ودولة) وإنما كانت من الأعمال السياسية والحزبية. وإذا كانت كتب: حياة محمد، وعلى هامش السيرة، والعبقريات، قد هزت وجدان الشعب المسلم وقتها وأحدثت نوعا من الإعجاب والتقدير فإن هذا كان هدفا مقصودا من الجهات التي شجعت ذلك وهو: أولا. مواجهة حركة اليقظة الإسلامية التي كانت تهدف إلى تقديم الإسلام كمنهج حياة ونظام مجتمع بكتابات إسلامية من أقلام لها مكانتها السياسية في الجماهير لتحويل التيار نحو المفاهيم العلمانية والليبرالية وهو ما يسمى (تقديم البديل) المتشابه ظاهريا والمختلف جوهرا وهو بهذا استجابة ظاهرية للموجة الإسلامية ومحاولة لاحتوائها. ثانيا: فرض المفهوم الغربي على السيرة والتاريخ الإسلامي وهو المفهوم المفرغ من الوحي والغيبيات والمعجزات.

[ 20 ]

ولكن هذه الظاهرة بالإعجاب بكتب الليبراليين عن السيرة لم تدم طويلا فقد تكشفت خفاياها وظهر أن منهج الكتابة في هذه المؤلفات لم يكن إسلاميا أصيلا وإنما تشوبه التبعية لمفاهيم الاستشراق والتغريب حتى يمكن أن يقال في غير ما حرج: إن المؤلفات الثلاثة الكبرى (حياة محمد - على هامش السيرة - عبقرية محمد) هي نتاج غربي يعتمد على مذاهب الكتابة الغربية ويخضع لكثير من أخطائها ويسقط بحسن نية وراء مفاهيمها الكنسية والمادية. ويختلف اختلافا واضحا عن مفهوم الإسلام الجامع. ولقد تطورت الدراسات الإسلامية في ظل حركة اليقظة الإسلامية واستطاعت أن تتحرر من هذه المرحلة التي كانت تمثل التبعية للفكر الغربي في دراسات التاريخ الإسلامي وكتابة السيرة وهي التي قامت على مفهوم يتسم بالتأويل للمعجزات ومحاولة حجب الكثير من وجوه الإعجاز ومتابعة المستشرقين في مفاهيمهم لسيرة النبي الكريم. وفي الكتب الثلاثة نجد أن العمل يبدأ غربيا ثم يفرض على سيرة الرسول. فالدكتور هيكل يبدأ عمله في كتابة السيرة بترجمة كتاب (أميل درمنجم) الكاثوليكي الفرنسي ويتبنى كثيرا من آرائه التي يمكن أن توصف بالخطأ أو عدم القدرة على فهم الإسلام أو تبني عقائد النصارى أو متابعة هدف يرمي إلى التقريب بين الأديان أو الدعوة إلى وحدة الأديان (وهو هدف ضال). والأستاذ العقاد يبدأ عمله بمنطق غربي محض هو فكرة (العبقرية) التي تناولتها كتابات الغربيين شوطا طويلا عن نوع من الامتياز أو الذكاء في مجال الفن والموسيقى والشعر والقصة في الغرب ويسحب هذا الوصف على النبي المؤيد بالوحي وعلى العظماء من الصحابة دون تفرقة واضحة بين النبي والصحابي. والدكتور طه حسين يعلن في غير ما حرج أنه استوحى (هامش السيرة) من كتاب جيل لومتير عنوانه (على هامش الكتب القديمة) وأنه يحشد فيه كل ما استطاع من أساطير اليونان والمسيحية واليهودية والإسرائيليات وهكذا يتبين تبعية هذه الدراسات أصلا للفكر الاستشراقي. ويمكن تصنيف الأخطاء التي وقعت فيها المدرسة التغريبية في كتابة السيرة على هذا النحو: أولا: متابعة مناهج ودراسات كتاب الاستشراق فقد عمد الكتاب الكبار الثلاثة إلى البدء في كتابة السيرة من منطلق غربي استشراقي.

[ 21 ]

فالدكتور هيكل معجب بكتاب إميل درمنجم وما يحويه من آراء تقرب مسافة الخلاف بين الإسلام والنصرانية ومن ذلك نراه يتابعه في مجموعة من الآراء تختلف مع مفهوم الإسلام الأصيل وإن كان هيكل قد رد على آراء المستشرقين في مسائل الإ أنه قد خضع لمناهج المستشرقين ولمفهومهم في الفلسفة، بالنسبة للمعجزات وبالنسبة للإسراء والمعراج وبالرغم من نوايا الدكتور هيكل الطيبة في تقديم صورة بارعة للرسول صلى الله عليه وسلم فإن موقفه من إنكار المعجزات والغيبيات وتجاهلها حتى وإن وردت في القرآن والسنة - على حد قوله - كان مأخذا كبيرا في تعليل قيمة العمل الذي قام به. فقد أنكر عددا من المعجزات الثابتة بصريح القرآن ومتواتر السنة، كنزول الملائكة في بدر، وطير الأبابيل، وشق الصدر والإسراء وأن (اقرأ) كانت مناما وأول ذلك كله إرضاء للمنهج العلمي الغربي الذي أعلنه وأعلن التزامه به فاعتبر الإسراء سياحة الروح في عالم الرؤى، ووصف الملائكة الذين أمد الله بهم المسلمين في غزوة بدر بالدعم المعنوي، ووصف طير الأبابيل بداء الجدري، واعتبر شق الصدر شيئا معنويا، واعتبر لقاء جبريل بالنبي في حراء مناما، وبذلك عمد إلى تفريغ تاريخ النبي من الحقائق الغيبية والمعجزات وقصر موقفه على أن للنبي معجزة واحدة هي القرآن الكريم مع أن الخوارق والمعجزات لا يمكن إن تتنافى في جوهرها مع حقائق العلم وموازينه وقد سميت خوارق لخرقها لما هو مألوف أمام الناس، وما كان للمألوف أو العادة أن يكون مقياسا علميا لما هو ممكن وغير ممكن، ولما كان الله تبارك وتعالى هو صانع النواميس فإنه هو وحده القادر على خرقها متى شاء. يقول الشيخ محمد زهران: ولقد علل الدكتور هيكل إنكاره جميع المعجزات المحمدية (غير القرآن) بأنها مخالفة للسنة الإلهية، وزعم أن روايات معجزاته صلى الله عليه وسلم موضوعة، قصد واضعها إما أن يجعل لنبينا مثل ما لموسى وعيسى عليهما السلام، وإما أن يشكك الناس في صحة آية (ولن تجد لسنة الله تبديلا). ولا شك أن دعوى استحالة خرق العادات المعبر عنه كتابه بمخالفة السنن يستلزم التسليم بها إنكار الإسلام من أصله وتكذيب الأديان كلها ومنها إنكار الأحاديث التي أطبق على قبوله أئمة الحديث وغيرهم مع تواتزها والإجماع على مضامينها. موقف النبي - صلى الله عليه وسلم - من وفاة إبراهيم: كذلك فقد كانت الصورة التي رسمها الدكتور هيكل عن حزن الرسول صلى الله عليه وسلم لوفاة ابنه إبراهيم مما لا يتفق مع جلال النبوة وعظمة الرسالة إذ صوره - صلوات الله وسلامه عليه - واضعا ولد ه في حجره وعيناه تذرفان الدموع مدرارا ولسانه ينطق بألفاظ يشيع منها الحزن والأسى

[ 22 ]

وتقطر غما وتأثرا مما يشبه أن يكون ضعفا عن احتمال صدمة الحادث... والحقيقة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمى قدرا من أن يصدر منه ما صوره الدكتور هيكل هياما في الخيال والشعر والقصص. وإنما أظهر رسول الله ما أظهر من حزن سام وذرفت عيناه دموعا مطهرة لا يذرفها إلا الله. ولا يمكن أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد بدت منه الألفاظ التي نسبها إليه الدكتور هيكل منساقا مع شعوره حين حزن هو على فقد ولده ولأجل هذا غير اسم كتاب رحلته إلى أوربا إلى عنوان (ولدي). إن رسول الله يعلم علم اليقين وحق اليقين أن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وأن ولده إبراهيم لن يعيش طويلا حيث يقول الله تبارك وتعالى (ما كا ن محمدا أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين) ولقد مات له ولدان من قبل احتسبهما في رضى وإيمان. تقبل وجهات نظر درمنجم في مسائل أساسية: وقد أخذ على الدكتور هيكل تقبل وجهات نظر إميل درمنجم في تصوره أن النبي قد تأثر بأهل الكتاب في الجزيرة العربية أو في ذهابه إلى الشام أو في إرسال بعض أصحابه إلى الحبشة المسيحية، فقد جرى هيكل وراء عبارات درمنجم دون أن يتبين مكره وخبثه حين حاول أن يصور دعوة النبي أصحابه إلى الهجرة إلى الحبشة لأنها مسيحية، ويتساءل الدكتور حسين الهراوي الذي ناقش هيكلا في هذه النقطة: هل حقيقة كانت الهجرة إلى الحبشة لأنها مسيحية. ويقول إن دمرنجم شأن المستشرقين بتر هذه القصة بصفة مشوهة للحقيقة. فلم يكن الدافع للنجاشي ورعه وتقواه ولم يكن سبب عطفه ورحمته ذلك الدافع الديني بل الدافع الحقيقي أن هذا النجاشي كان عادلا وهذه هي الخلة التي ذكرها النبي حين قال: " لأن فيها ملكا لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق ". ومن مراوغات درمنجم تفسيره للآية الكريمة: (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك). يريد درمنجم أن يقول: إن القرآن طلب إلى النبي سؤال أهل الكتاب وأن الله تعالى رضي للناس الإسلام دينا مع بقاء الأديان التي سبقت، وحدة مندمجة. فيما أسماه الكمال الروحي. ولا ريب أن هذه مراوغة خطيرة من الاستشراق يحاول بها أن يفسر الآيات القرآنية تفسيرا يخدم بها أهدافه، والحقيقة أن الإسلام جاء ليظهره الله على الدين كله وأن الأديان كلها التي سبقت كانت موصلة إليه لولا أن قادتها حرفوها. ثانيا: ظاهرة إنكار المعجزات وتأويلها إرضاء للمنهج الغربي وباسم إعلاء نظرة العقل: هذه الظاهرة واضحة تماما في كتابات هيكل وطه حسين والعقاد وقد قامت عليها

[ 23 ]

كتاباتهم في (حياة محمد وهامش السيرة والعبقريات) وكانت لها جذور ممتدة في كتابات الشيخ محمد عبده وفريد وجدي وقد هاجمها الشيخ مصطفى صبري شيخ الإسلام في الدولة العثمانية في كتابه الضخم (موقف العلم والعالم من رب العالمين). وقد جرى الكتاب الثلاثة هذا المجرى باسم (المنهج العلمي الغربي). والحقيقة أن المنهج العلمي هو منهج إسلامي الأصل والمصدر على خلاف دعوى بعض المتأثرين بالدراسات الغربية. ولقد كان من أبرز أهداف التغريب التأثير في أسلوب كتابة التاريخ الإسلامي وفي مقدمة ذلك (سيرة النبي الأعظم) إيمانا منهم بأن هذه الصفحات الباهرة من شأنها إذا عرضت عرضا صحيحا أن تبعث الأحاسيس العميقة في قلوب شباب المسلمين ومن هنا كانت محاولتهم المسمومة في إدخال أسلوب عصري له طابع براق ولكنه يخفي من وراء ذلك إطفاء الأضواء التي يقدمها هذا التاريخ من حيث الصلة بالله تبارك وتعالى والإعجاز الرباني الواضح في كل مواقف حياة النبي صلى الله عليه وسلم وفي تاريخ الإسلام وفتوحاته. ولما كان هذا العمل هو بمثابة هدف واضح الدلالة في مخطط الاحتواء الغربي الذي يرمي إلى التقليل من شأن البطولات الإسلامية ووضعها موضع المقارنة مع البطولات الغربية من خلال النواحي المادية وحدها فقد حجبت هذه الدراسات جانبا كبيرا من أثرها المعنوي والروحي الذي يهز النفوس ويملؤها بالثقة واليقين في عظمة هذا الدين الخاتم وفي سعة العطاء الرباني لنبيه. ومن هنا كان ذلك الأسلوب المسمى بالعلمي الذي اصطنعه كتاب لهم أسماء لامعة ولم تكن سابقة في الدراسات الإسلامية بل كانوا غارقين في دراسات الغرب وبطولات رجاله (جان جاك روسو، فولتير، مونتسكيو، أرسطو الخ) في محاولة للتقليل من قدر أحداث السيرة النبوية تحت اسم العقلانية وإنكار المعجزات والجوانب الغيبية والإعراض عن الجوانب ذات الصلة بالإيمان والعقيدة واليقين والتقوى وغيرها. ولقد استطال الدكتور هيكل في مقدمة كتابه بإعجابه وتبنيه للطريقة العلمية الحديثة وأشار إلى ميزاتها وأفضليتها. ولكن الشيخ محمد مصطفى المراغي في مقدمته لكتاب حياة محمد لم يخف عليه هدف هذا فقال: " أما أن هذه الطريقة حديثة فهذا ما يعتذر عنه وقد ساير الدكتور (هيكل) غيره من العلماء في هذا، ذلك لأنها طريقة القرآن كما اعترف هو ولأنها طريقة علماء سلف المسلمين. انظر كتب الكلام تراهم يقررون أن أول واجب على المكلف معرفة الله. فيقول آخرون: لا، إن أول واجب هو الشك، ثم إنه لا طريق للمعرفة إلا البرهان وقد جرى الإمام الغزالي على الطريقة نفسها، وقد قرر في أحد كتبه أنه جرد نفسه من جميع الآراء ثم فكر وقدر ورتب ووازن وقرب وباعد ثم اهتدى بعد ذلك كله إلى أن الإسلام حق وإلى ما

[ 24 ]

اهتدى إليه من الآراء. وأنت واجد في كتب الكلام في مواضع كثيرة حكاية (تجريد النفس) عما ألفته من العقائد. ثم البحث والنظر فطريق التجريد طريق قديم وطريق التجربة والاستقراء طريق قديم، والتجربة والاستقراء التام وليدا الملاحظة فليس هناك جديد عندنا. ولكن هذه الطريقة القديمة بعد أن نسيت في التطبيق العلمي والعملي في الشرق وبعد أن فشا التقليد وأهدر العقل وبعد أن أبرزها الغربيون في ثوب ناصع وأفادوا منها في العلم والعمل رجعنا نأخذها ونراها طريقا في العلم جديدة " 1 ه‍. وهكذا تبين للمدرسة الحديثة أن الإسلام هو واضع الأسس لهذا المنهج العلمي الذي أخذوا به، وإن لم يعطوه حقه من الأصالة الإسلامية بل قصروه على الجوانب المادية ففاتهم خير كثير، نظرا لأن خلفياتهم مع الأسف كانت عربية ولم يكونوا قد قرأوا من التراث الإسلامي ما يمكنهم من معرفة الحقيقة كاملة. لقد كتبت هذه الدراسات بالرغم من حسن النية عند البعض بصورة قاصرة خالية من الإيمان اليقين تحت اسم العلم الذي لا يعترف للنبي صلى الله عليه وسلم إلا بمعجزة واحدة هي القرآن، وكان من رأي فريد وجدي وهيكل الإعراض عن الخير الصادق الذي ثبت في الكتاب والسنة إذا عارض طريق العلم وبذلك حجبوا عن السيرة النبوية أهم جوانبها وأخطرها على الإطلاق وهو (جانب معجزة الوحي الإلهي وعالم الغيب). ولطالما ردد هيكل وطه حسين وغيرهما كلمة العلم والمنهج العلمي. والحقيقة أنهم ما كانوا يقصدون (العلم التجريبي) الذي يقوم في المعامل على أساس الأنابيق. وإنما العلم الذي قصدوا إليه والذي لقن لهم هو الفلسفة المادية التي قدمها التلموديون وكانت قد استفحلت في الغرب بعد القضاء على الفلسفة المثالية المسيحية، وهي فلسفة التنوير كما يقولون. قامت على إنكار جوانب الإنسان الروحية والمعنوية وتصويره بصورة الحيوان والحيوان الناطق والخاضع لشهوتي الطعام والجنس (ماركس وفرويد) وقد امتد هذا الأثر إلى علوم الاجتماع والأخلاق والتربية والأدب والسياسة جميعا ولم يكن هذا في الحقيقة هو العلم، وما كانت هذه الصيحات تساوي شيئا لأن هذه المفاهيم كانت سرعان ما تتعثر وتسقط أمام المتغيرات فضلا عن أنه قد ثبت - من بعد - عجز العلم التجريبي عن أن يقول (كيف) وعجز الدراسات المادية أن تكشف سرائر العلوم الإنسانية. ولقد كانت هذه الدراسات مع الأسف خاضعة لفكرتين مسمومتين قائمتين في نفوس وعقول كتاب الغرب والتغريب هما: 1 - فكرة (إخضاع الدين لمقاييس العلم) في أفق الفكر الإسلامي كما فعل الغرب وهي

[ 25 ]

فكرة مردودة لعمق الفوارق بين الإسلام وبين المسيحية وقد تبين من بعد أنه ليس في الإمكان إخضاع الدين لمقاييس العلم. 2 - تخليص الفكر الإسلامي من سائر الغيبيات التي لا تخضع لمقاييس العلم الحديث. ومن هنا كانت محاولة إخضاع السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي لهذا المفهوم وهو ما جرى عليه كتاب التغريب من استبدال السند والرواية وقواعد التحديث وشروطه بأسلوب جديد (زائف) من الاستنتاج الشخصي المتصل بذوق ومزاج كل كاتب على حدة. فطه حسين تابع لمذهب العلوم الاجتماعي،. والعقاد تابع لمذهب العلوم النفسية، وهيكل تابع لمذهب تين وبرونتير الخ. هذا الأسلوب الذاتي خطير جدا لأنه لا يقوم على قواعد أساسية علمية وإنما يقوم على أساس (الظن وما تهوي الأنفس) هذا الأسلوب يتيح لأصحابه أن يقبلوا وقائع وأحداثا وأن يغضوا عن غيرها ما يختلف مع وجهتهم المسبقة، من هنا كان خطورة هذا المذهب في (استبعاد ما يخالف المألوف مما يدخل في باب المعجزات والغيبات) في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم. كذلك فقد حاول دعاة التغريب الاستفادة من هذا الاتجاه ملحظا خطيرا هو القول بأن الغاية منها هو ما أطلق عليه (فكرة الاندماج الكلي في الكمال الروحي) وأنها جميعا وحدة متصلة تربط البشرية في فكرة واحدة. وهذه محاولة مضللة لأن الأديان مترابطة من حيث أن أولها يوصل إلى آخرها ولكن رؤساء الأديان غيروا وبدلوا وبذلك جاء الإسلام مرة أخرى يربط نفسه بدين إبراهيم ليعيد هذه الوحدة في مفهومها الصحيح. ثالثا: إنكار معطيات الرسالة الخاتمة: ومن ذلك ما أورده الدكتور زكي مبارك في كتابه (النشر الفني) من أنه كان للعرب في الجاهلية نهضة علمية وأدبية وسياسية وأخلاقية واجتماعية وفلسفية كان الإسلام تاجا لها أي أن الإسلام كان نتيجة وتاجا لتلك النهضة لا سببا لها. يقول: لأنه لا يمكن لرجل فرد مثل النبي محمد صلى الله عليه وسلم أن ينقل أمة كاملة من العدم إلى الوجود ومن الظلمات إلى النور ومن العبودية إلى السيادة القاهرة، كل هذا لا يمكن أن يقع من دون أن تكون هذه الأمة قد استعدت في أعماقها وفي ضمائرها وفي عقولها بحيث استطاع (رجل واحد) أن يكون منها (أمة متحدة) وكانت قبائل متفرقة وأن ينظم علومها وآدابها بحيث تستطيع أن تفرض سيادتها وتجاربها وعلومها على أجزاء مهمة من آسيا وأفريقيا وأوروبا في زمن وجيز ولو كان يكفي أن يكون الإنسان نبيا ليفعل ما فعله النبي محمد لما رأينا أنبياء أخففقوا ولم يصلوا لأن أممهم لم تكن صالحة للبعث والنهوض.

[ 26 ]

وهذا واحد من اتهامات التغريب والاستشراق المسمومة حملها قلم رجل مسلم اعتقد هذا الاعتقاد وتعلم في الغرب يحاول أن يرد نهضة العرب بعد الإسلام لا إلى النبوة والرسالة وما أنزل الله على الرسول من دين ولكن إلى علوم وآداب وتجارب كانت عند العرب وأن كل ما فعله النبي هو أنه نظمها حتى استطاع أهلها أن يسودوا في القارات الثلاث في زمن وجيز. يقول الدكتور محمد أحمد الغمراوي: إن تاريخ العلوم في الأمة العربية بعد الإسلام معروف كما أن مقاومة العرب للنبي ودعوته ومحاربتهم له ولها معروفة ولكن الرجل ينكر التاريخ ويفتري تاريخا آخر، ويزعم زعما لا يجوز ولا يستقيم في منطق أو تفكير إلا إذا كان القرآن كلام النبي، كلام محمد العربي، لا كلام الله. عندئذ فقط يعقل أن يكون العرب على ما وصف الدكتور من نهضة وعلم وأدب لأن القرآن أكثر من نهضة وعلم وأدب ولا يعقل إن كان كلام بشر أن يأتي صاحبه في أمة جاهلة كالتي أجمع على وجودها قبل الإسلام مؤرخو اللغة العربية من شرقيين ومستشرقين ومؤرخو الإسلام. وهكذا نجد الدكتور زكي مبارك يهدر مقام النبوة الإسلامية بمقاييس المادية البحتة التي صورت له كما صورت للمستشرقين أنه من المستحيل أن تؤدي رسالة النبي محمد في خلال بضعة عشر عاما إلى قيام هذا الملك الباذخ، وهذا هو إنكار المعجزات والغيبات في فهم السيرة النبوية وتاريخ الإسلام. رابعا: إحياء الأساطير في سيرة النبي: يقول الدكتور طه حسين في بحث نشره في كتاب (الإسلام والغرب) الصادر عام 1946 في باريس: لقد حاولت أن أقص بعض الأساطير المتصلة بالفترة التي سبقت ظهور النبي صلى الله عليه وسلم ثم قصصت مولده وطفولته. ونشرت هذه السلسلة بعنوان مقتبس من جيل لوميتر وهو (على هامش السيرة). ويتحتم أن نعترف بأن كتابين فرنسيين كانا بمثابة الشرارتين اللتين أشعلت موقدين كبيرين: أحد الكتابين لجيل لوميتر عنوانه (على هامش الكتب القديمة) والثاني: (حياة محمد لاميل درمنجم). أما كتاب جيل لوميتر فإني بعد أن شغفت به كثيرا وضعت في نفسي الأسئلة الآتية: هل يمكن إعادة كتابة مآثر الفترة البطولية في تاريخ الإسلام في أسلوب جديد أم أنه يتعذر ذلك ؟ وهل تصلح اللغة العربية لإحياء هذه المآثر ؟ وقال عن كتاب (على هامش السيرة): هذا الكتاب من عمل المخيلة. اعتمدت فيه على جوهر بعض الأساطير ثم أعطيت

[ 27 ]

نفسي حرية كبيرة في أن أشرح الأحداث وأخترع الإطار الذي يتحدث عن قرب إلى العقول الحديثة مع الاحتفاظ بالطابع القديم. وكان الدكتور طه يتحدث بهذا إلى المستشرقين في أول مؤتمر للحوار بين المسيحية والإسلام ويعد كتابه هذا خطوة في السبيل من حيث دمج الأديان كلها في كتاب واحد وفي اختراع أخطر بدعة من إحياء الأساطير في الأدب العربي. هذا ما كشف عنه طه حسين بعد سنوات طويلة من ظهور (على هامش السيرة) فماذا كان موقف الباحثين منه ؟ يقول صديقه وزميل دربه الدكتور محمد حسين هيكل: أستميح طه العذر إن خالفته في اتخاذ النبي صلى الله عليه وسلم وعصره مادة لأدب الأسطورة. وأشار إلى ما يتصل بسيرة صلى الله عليه وسلم ساعة مولده وما روي عما حدث له من إسرائيليات روجت بعد النبي ثم قال: ولهذا وما إليه يجب في رأيي ألا تتخذ حياة النبي صلى الله عليه وسلم مادة الأدب الأسطوري، وإنما يتخذ من التاريخ وأقاصيصه مادة لهذا الأدب، وما اندثر أو ما هو حكم المندثر، وما لا يترك صدقة أو كذبة في حياة النفوس والعقائد أثرا ما والنبي صلى الله عليه وسلم وسيرته وعصره يتصل بحياة ملايين المسلمين جميعا بل في فلذة من هذه الحيا. ومن أعز فلذاتها عليها وأكبرها أثرا. وأعلم أن هذه (الإسرائيليات) قد أريد بها إقامة ميثولوجية إسلامية لإفساد العقول والقلوب من سواد الشعب. ولتشكيك المستنيرين ودفع الريبة إلى نفوسهم في شأن الإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم فقد كانت هذه غاية الأساطير الذي وضعت عن الأديان الأخرى. من أجل ذلك ارتفعت صيحة المصلحين الدينيين في جميع العصور لتطهير العقائد من هذه الأوهام. ولا ريب أن كلام الدكتور محمد حسين هيكل هذا هو اتهام صريح لطه حسين في اتجاهه وتحميله مسؤولية من أخطر المسؤوليات، وهي: إعادة إضافة الأساطير التي حرر المفكرون المسلمون سيرة النبي صلى الله عليه وسلم منها طوال العصور. وإعادتها مرة أخرى لخلق جو معين يؤدي إلى إفساد العقول في سواد الشعب وتشكيك المستنيرين ودفع الريبة إلى نفوسهم في شأن الإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم. وهذا الذي كشفه هيكل ما زال كثيرون يجلهونه، وما زال المتابعون لحياة الدكتور طه حسين وتحولاته يرون أن هذا أخطر تحول له وأن هذا التحول جاء ليخدع الناس عن ماضيه وسابقته في إذاعة مذهب الشك وطارت الدعوات تقول: إن طه حسين عاد إلى الإسلام وإنه يكتب حياة الرسول، ولم يكن هذا صحيحا على الإطلاق ولكنه كان تحولا خطيرا وفق أسلوب جديد لضرب الإسلام في أعز فلذات حياته وهي سيرة الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم ولقد دمغه

[ 28 ]

هيكل حين قال: لقد تحول طه الرجل الذي لا يخضع لغير محكمة النقد والعقل إلى رجل كلف بالأساطير يعمل على إحيائها وإن هذا ليثير كثيرا من التساؤل، إذ إن طه وقد فشل في تثبيت أغراضه عن طريق العقل والبحث العلمي لجأ إلى الأساطير ينمقها ويقدمها للشعب إظهارا لما فيها من أوهام في ظاهرها تفتن الناس. وقد كان هذا مصدرا لما أورده الأستاذ محمد النايف في كتابه دراسات عن السيرة حيث قال: إن (على هامش السيرة) هو في حقيقته على هامش الشعر الجاهلي ومتمم له. فهو على طريق تطاوله على الإسلام ولكن مع المراوغة والمداهنة. ومن أبرز ما يلاحظ أنه خلط تاريخ الإسلام بأساطير المسيحية واليهودية وقساوسة مصر والشام وخيبر ونصارى اليمن، كما عنى عناية كبيرة بأساطير اليونان والرمان، وخلط هذا كله خلطا شديدا مع سيرة النبي وأراد بذلك إثارة جو من الاضطراب بين الإسلام المتميز بذاتيته الخاصة وبين ما كان قبل الإسلام من أساطير وخرافات وقد اهتم بتراث اليهود فقدم لهم قصة (مخيرق) اليهودي... وقد أخذ في كتابه بالأحاديث الموضوعة وفي نفس الوقت رد أحاديث صحيحة لأنها خالفت هواه، وعول كثيرا على الإسرائيليات التي جاءت في تاريخ الطبري وأكثر من إيرادها وحشد قدرا كبيرا من الأساطير في قصة (حفر زمزم) على يد عبد المطلب، وبالغ في قصة ولادة الرسول صلى الله عليه وسلم مع أنه لم يثبت منها إلا حديث واحد وأخذ بالأخبار الموضوعة في قصة (زينب بنت جحش) وجسم بعض المعجزات التي حدثت للرسول صلى الله عليه وسلم عند مرضعته حليمة السعدية وأثناء سفر النبي في تجارة خديجة رضي الله عنها. وقد خص الشياطين باهتمام بالغ فتوسع في الحديث عنهم وصور مؤتمرا يتصدره إبليس للشياطين ورسم صورة للشيطان الذي حضر خلاف قريش على الحجر الأسود وكان على شكل شيخ نجدي. وعلى ندرة الصفحات التي خصصها لسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم - جاءت هذه الصفحات - مملوءة بالمغالطات والذي سلم من التحريف كان للمتعة والتسلية. ومن أخطر مزاعمه أن النبي قد أحب زينب وهي زوجة لزيد وهذا بهتان عظيم. وإذا كان طه حسين قد أشار في المقدمة إلى أنه اهتم باختراع الأحاديث فإن الحرية التي أباحها لنفسه لم تكن إلا لهوى معين وهدف واضح هو أن يقدم عن طريق القصص من السموم ما عجز عنه عن طريق النقد والكتابة الأدبية. يقول (غازي التوبة) في دراسته عن طه حسين وهامش السيرة: إن طه حسين ينصب نفسه إماما للأساطير اليونانية ويضع السيرة في مصاف الإلياذة

[ 29 ]

ويطلب من المؤلفين والكتاب أن يفتنوا في الحديث عنها أفتنان أوروبا بأساطير اليونان كي يرضوا ميول الناس إلى السذاجة ويمتعوا عواطفهم وأخيلتهم. ولكن هل يتساوى الأثران في المجتمعين (الإلباذة في المجتمع اليوناني والسيرة في المجتمع الإسلامي ؟ وهل كانت السيرة يوما في التاريخ موضوعا لتسلية قصصية أو مباراة لفظية ؟). ولم تكن السيرة يوما من الأيام وسيلة للتسلية والترفيه كما يهدف طه حسين ولكنها كانت مصدرا لابتعاث الهمم ودفع النفوس المؤمنة إلى النهوض بالمجتمعات في ضوء حياة النبي وسننه. ولقد تحدث كثيرون عن الشبهات الواردة في (على هامش السيرة) ووصفها الأستاذ مصطفى صادق الرافعي بأنها " تهكم صريح " وقالت صحيفة الشبهات الجزائرية (ذو القعدة 1352) الموافق 1934 تحت عنوان: دسائس طه حسين: ألف كتابا أسماه على هامش السيرة (يعني السيرة النبوية الطاهرة) فملأه من الأساطير اليونانية الوثنية وكتب ما كتب في السيرة الكريمة على منوالها فأظهرها بمظهر الخرافات الباطلة وأساطير الخيال حتى يخيل للقارئ أن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ما هي إلا أسطورة من الأساطير وفي هذا من الدس والبهت ما فيه. والدكتور طه الذي كان يقول في الإسلام ما شاء ولا يبالي بالمسلمين أصبح اليوم يحسب للمسلمين حسابا فلا يكتب إلا ويقول: إنه مسلم وإنه يعظم الإسلام ولكن ما انطوى عليه صدره يأبى إلا الظهور كما بدا جليا في كتابه هذا (على هامش السيرة). وقال الدكتور زكي مبارك (البلاغ - يناير 1934): وأنا أوصي قرائي أن يقرأوا هذا الكتاب (على هامش السيرة) بروية فإن فيه نواحي مستورة من حرية العقل عرف الدكتور كيف يكتمها على الناس بعد أن راضته الأيام على إيثار الرمز على التأليف (بعد ضربة الشعر الجاهلي) آثر أسلوب الرمز لتغطية أهدافه. وقال الذكتور هيكل في دراسة لهامش السيرة الجزء الثاني (ملحق السياسة 25 / 12 / 37): إن اليهود لهم باع طويل في دس الإسرائيليات في الإسلام. والحق أنني كنت أشعر أثناء قراءتي هذا الجزء الثاني من هامش السيرة وكأنما أقرأ في كتاب من كتب الأساطير اليونانية وليس فصل (نادي الشياطين) بأشد إمعانا في أدب الأسطورة من سائر فصول الكتاب وقد عرف تبعية الدكتور طه حسين لمفهوم الإسرائيليات ووجهة نظر اليهود في قضايا كثيرة مثل موقفه من عبد الله بن سبأ في كتاب الفتنة الكبرى. خامسا: الفوارق العميقة بين النبوة والعبقرية: إن التفرقة بين (النبوة) و (العبقرية) هي من أخطر ما تعرضت له كتابات العصريين للسيرة

[ 30 ]

النبوية فليس من المعقول أن تطلق تسمية (العبقرية) على الرسول صلى الله عليه وسلم المؤيد بالوحي وعلى صحابته أمثال أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وقد وصف الرسول صلى الله عليه وسلم بالعبقرية في كتابات العقاد والبطولة في كتابات عبد الرحمن عزام، وبطل الحرية في كتابات عبد الرحمن الشرقاوي، وكل هذه مسميات تحجب عن القارئ المسلم الصفة البارزة والمهمة الأساسية وهي " النبوة " المؤيدة بالوحي. إن دراسة حياة النبي صلى الله عليه وسلم تحت أي اسم من شأنها أن تعجز عن استيفاء جوانب هذه الشخصية العظيمة، وليس ثمة غير منهج واحد هو أنه نبي مرسل من قبل الله تبارك وتعالى، فإن هذا الفهم وحده هو الذي يكشف عن الحقائق الناصعة ويكشف عن صفحات السمو والكمال الخلقي والعقلي والنفسي. إن كلمة (العبقرية): هي مصطلح عرف في الفكر الغربي وتناولته الأقلام ودارت حوله المعارك والمساجلات، وفي عام 1935 انتقلت هذه المعارك إلى المجلات العربية فدارت مناقشة طويلة بين محمد فريد وجدي والدكتور أمير بقطر. والتقطها الأستاذ العقاد واختزنها في ذاكرته ليجعلها عنوانا لدراسة عن الرسول التي بدأها عام 1942. ومن مجمل الدراسات التي دارت يتكشف أن هذه النظرية تجري حول التميز والذكاء والتفوق في مجال الفن والموسيقى والتصوير ولم يرد في الأسماء التي تناولتها الأبحاث أي اسم من أسماء المصلحين أو أصحاب الرسالات. ولقد قصر الدكتور أمير بقطر العبقرية على الذكاء. وقال إنها تجئ عن طريق الوراثة وإنها غير مكتسبة. وأوردت دوائر المعارف وصفا للعبقرية بأنها لغة الكامل في كل شئ. ويكون مبلغ رقم قياس ذكاء العبقري فوق المعتاد. وبينما يقصر أمير بقطر العبقرية على حالة اختيار الذكاء فإن (فريد وجدي) يرى أنها (هبة إلهية ثمرتها فوق القدرة البشرية يمنحها الله لبعض الأفذاذ لتبرز على ألسنتهم أو على أيديهم أمور لا يستطيع العقل البشري أن يستقل بإيجادها). ولعل هذا هو المعنى الذي جعل العقاد يختارها ليصف بها الرسول مع أن جميع علماء الغرب لم يصفوا بها أحدا من الأنبياء المسيح أو موسى عليهما السلام. والحقيقة أن مقاييس الجاه والثروة والعظمة التي جاءت بها العلوم المادية الحديثة تختلف تماما عن التقديرات التي جاءت بها النبوة.

[ 31 ]

وإن أي قدر من الموهبة الإلهية التي توصف بها العبقرية يختلف اختلافا واضحا عن النبوة. وبالرغم من الاختلاف في فهم العبقرية وبين كتابات العشرات من الباحثين الغربيين فإن أحدا لا في الغرب ولا في الشرق أدخل النبوة والأنبياء في هذه الدوائر. ولكن يبدو أن الأستاذ العقاد أراد أن يتفوق على صاحبيه (هيكل وطه) وقد سبقاه بعشر سنوات في كتابة السيرة باتخاذ هذا المصطلح. يقول الدكتور محمد أحمد الغمراوي: يجب أن يقرأ للعقاد باحتياط وهو يكتب عن الإسلام فالعقاد ابن العصر الحديث أخذ ثقافته مما قرأ لأدبائه وعلمائه وهو شئ كثير وليس كل ما كتبه المستشرق يقبله المسلم ولا كل نظريات الغرب متفق وما قرره القرآن. ولكن العقاد اعتقد من هذه النظريات ما اعتقد، فهو ينظر إلى القرآن من خلال ما اعتقد منها ويبدو أن من بين ما اعتقده العقاد نظرية (فريزر) في نشوء الأديان فهي عنده ليست سماوية ولكنها أرضية نشأت بالتطور والترقي إلى الأحسن، ومن هنا تفضيل العقاد للإسلام على غيره من الأديان فهو آخرها وإذن فهو خيرها ويقول: إن لم يكن هذا هو تفسير إطلاق اسميه الغربيين على كتابيه (عبقرية محمد، والفلسفة القرآنية) فهذه التسمية خطأ منه ينبغي أن يتنبه إليه قارئ الكتابين من المسلمين لينجو ما أمكن مما توحي به التسميات من أن محمدا صلى الله عليه وسلم عبقري من العباقرة لا نبي ولا رسول بالمعنى الديني المعروف في الأديان المنزلة. ويؤكد هذا الإيحاء أن جاء الكتاب واحدا من سلسلة كتب العبقريات الإسلامية ولن يكون أولها. فالناشئ الذي يقرأ بعد عبقرية محمد وعبقرية أبي بكر وعبقرية عمر مثلا لا يمكن أن يسلم من إيحاء خفي إلى نفسه أن محمدا وأبا بكر وعمر من قبيل واحد، عبقري من عباقرة وإن لم يكن أكبرهم جميعا. كالذي سمى النبي صلى الله عليه وسلم بطل الأبطال فأوهم أنه واحد من صنف ممتاز من الناس متجدد على العصور بدلا من صنف اختتم به صلى الله عليه وسلم صنف الأنبياء والمرسلين من عند الله فالنبي والرسول يأتيه الملك من عند الله بما شاء الله من وحي ومن كتاب. ولا كذلك العبقري ولا البطل. فالنبوة والرسالة فوق البطولة والعبقرية بكثير. وكم في الصحابة رضوان الله عليهم من بطل ومن عبقري وكلهم يدين له صلى الله عليه وسلم بأنه رسول الله إلى الناس كافة ذلك العصر وما بعده وأنه خاتم النبيين. ويقول الأستاذ غازي التوبة: كتب العقاد العبقريات دفاعا عن العظمة الإنسانية في وجه المتطاولين والحاقدين والمشوهين. هذه العظمة الإنسانية التي تجتاج إلى رد الاعتبار في عصره ودفاع العقاد عن العظمة الإنسانية هي حلقة من دفاعه عن الفرد وإيمانه به. ولكن ما هي

[ 32 ]

الأخطار التي هددت الفرد والعظمة وجعلته يستل قلمه سنة 1942 ليكتب أول عبقرية من عبقرياته ؟ في الحقيقة أن الأخطار المباشرة التي هددت الوجه الآخر من إيمان العقاد بالفرد هي النظام الديمقراطي. هددته ثلاثة أخطار هي الفاشية والشيوعية والمد الإسلامي. تصدى للفاشية في (هتلر في الميزان) وتصدى للشيوعية في كتابيه (الشيوعية والإنسانية) و (أفيون الشعوب). أما تيار المد الإسلامي فحاربه بسلاح الشخصيات فكتب العبقريات ليؤكد صحة أفكاره في أولية الفرد في التاريخ وأحقيته كمحرك له وليطعن ويشوه الإيمان بالجانب الجماعي في الإسلام ويشكك في دور العقائد والتربية في توجيه الأشخاص، فالعظيم عظيم بفطرته والعبقري عبقري منذ نشأته، كذلك فقد ركز العقاد على العوامل الوراثية والتكوين الجسماني والعصبي، ووضع هذه الأسباب في المرتبة الأولى في توجيه الشخصية بحيث تأتي العقيدة الإسلامية والتربية في المرتبة الثانية إن كان هناك دور للعقيدة أو التربية. والعقاد في موقفه هذا متأثر ببعض المدارس الأوربية التي تقدس الفرد والفردية وتفسير مختلف حوادث التاريخ على هذين الأساسين، وقد أورد العقاد ذكرا لإحدى هذه المدارس التي تحدد صفات العبقري انطلاقا من تكوينه الجسدي وهي مدرسة (لومبروزو). وهكذا قولب العقاد الشخصيات الإسلامية ضمن نظرياته الجاهزة في الفرد والطوابع الفردية. وهو في هذا قد حجب الجانب الرباني المعجز، وحجب الغيبيات. فهو في موقفه من انتصار الرسول صلى الله عليه وسلم في غزواته لا يعرض مطلقا لوعد الله تبارك وتعالى لرسوله ورعايته والملائكة المقاتلين والنعاس الذي تغشى المسلمين أمنة والمطر الذي طهرهم والرياح التي اقتعلت خيام المشركين وتثبيته لأفئدة المقاتلين وقذفه الرعب في قلوب الكافرين، فليست العوامل المادية هي قوام مكانة الرسول العسكرية ولكن العوامل الربانية يجب أن تضاف إلى ملكات الرسول في التخطيط. كذلك فهو لم يكشف عن دور الإسلام في بناء شخصية الرسول، فالإسلام هو الذي أعطى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الإيمان بالله تبارك وتعالى والإيمان بأحقية الموت في سبيل الله وذلك القدر من الثبات والتضحية والإقدام والعزم والصبر. هذا الجانب الذي تجاهله العقاد واكتفى بالمقارنة بين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وبين نابليون في النواحي المادية والعسكرية. كذلك لم يتبين الفارق بين حروب محمد صلى الله عليه وسلم وبين حروب نابليون وأنها كانت خالصة في سبيل الله ونشر الإسلام وليست في سبيل المطامع والسيطرة. ذلك أنه ناقش عبقرية الرسول العسكرية في ضوء العبقريات البشرية، ولم يتنبه للفوارق

[ 33 ]

العميقة التي تتميز بها شخصية الرسول بوصفه نبيا مرسلا أو تلك التي هداه إليها الإسلام، وأن تميزه هذا يختلف عن البطولات والعبقريات البشرية الأخرى. ومن هنا يبدو النقص في وزن النبي صلى الله عليه وسلم بالعبقريات البشرية الأخرى. كذلك فإن هذا التميز الذي عرفت به شخصية محمد صلى الله عليه وسلم " نبيا ومرسلا وهاديا ". تختلف في المقارنة بينه وبين الأبطال العالميين الآخرين من ناحيد كما أن شخصيته تختلف بينه وبين أبي بكر وعمر وغيرهم. لقد تحدث العقاد عن الجانب المادي في شخصية الرسول وحجب تماما الجانب الروحي المتصل بالوحي وأظهره كمجرد إنسان يعمل بمواهب ممتازة وملكات خاصة وهكذا فإن (العبقرية) التي حاول العقاد أن يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلالها، كان حجمها ضيقا ومجالها ناقصا، وأخطر ما أخذ عليه هو أنه لم يظهر أثر الإسلام في بناء شخصية الرسول وهو العامل الأكبر في حياته وتصرفاته على النحو الذي وصفته السيدة عائشة رضي الله عنها بقولها (كان خلقه القرآن) هذه الربانية الخالصة التي تعلو على طوابع البشر. وقد وصفها القرآن في قوله تعالى: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له). كذلك فقد تحدث عن افتتان المسلمين بشخص الرسول وانبهارهم بمواهبة واعتبر إعجابهم به سببا وحيدا لدخولهم في الإسلام وعزا اجتماع الصداقات المتنوعة حوله بأنه كان نتيجة لمزاياه النفسية، وبذلك أنكر عظمة الإسلام نفسه في إيمان أصحاب النبي، وليس من شك أن إعجاب المسلمين بالرسول له أهميته في مرحلة الدخول في الإسلام ولكن تقدير المسلمين للإسلام هو العامل الذي ثبتهم بعد ذلك على الإيمان بالإسلام وحفزهم للدفاع عنه. إن الأستاذ العقاد وقد حارب مذهب التفسير المادي للتاريخ الذي قدمه ماركس والشيوعية حربا لا هوادة لها خضع مع الأسف للمذهب النفسي المادي الذي لا يعترف بالآثار المعنوية المترتبة على الأيمان والعقيدة في بناء الشخصية كما تجاهل جانب الغيبيات ولم يفهم النبوة فهما صحيحا، لذلك فإن الجانب الروحي القادر على العطاء في بناء الشخصيات والذي صنع شخصية رسول الإسلام تراه باهتا غائما عنده، وذلك لأنه اعتمد في دراسة الشخصيات والبطولات على مذاهب غربية تتجاهل النبوة والوحي والغيبيات والمعجزات، ولا تجعل هذه العوامل الروحية والمعنوية أي وزن وأي اعتبار وإنما قامت على جوانب الحس وتركيب الإنسان المادي والوراثيات وغيرها.

[ 34 ]

سادسا: تطور جديد التفسير الماركسي للسيرة: ثم جاء بعد ذلك تطور جديد في كتابة السيرة العصرية، وهو إخضاعها للتفسير الماركسي على النحو الذي عبد الرحمن الشرقاوي تحت اسم (محمد رسول الحرية). وقد قال الشيخ محمد أبو زهرة في توصيف هذا العمل: إن الكتاب كان له اتجاه غير ديني في دراسته فهو ما درس محمدا صلى الله عليه وسلم على أنه رسول يوحى إليه بل على أنه رجل عظيم له آراء اجتماعية فسرها الكاتب على ما يريد، وقد تبين أن الكاتب يقطع النبي صلى الله عليه وسلم عن الوحي فكل ما كان من النبي من مبادئ وجهاد في سبيله إنما هي من عنده لا بوحي من الله تعالى. وهي بمقتضى بشريته لا بمقتضى رسالته والعنوان (إنما أنا بشر مثلكم) يعلن أن ما وصل إليه النبي صلى الله عليه وسلم من مبادئ جاهد من أجلها إنما هو صادر عن بشرية كاملة لا عن نبوة، وقد اقتطع هذه الجملة مما قبلها وما بعدها ونصها الصحيح (قل إنما بشر مثلكم يوحي إلى أنما إلهكم إله واحد) وهو بهذا الاقتطاع ينفي الوحي عن الحياة المحمدية. كذلك فهو ينفي الخطاب السماوي للرسول ولا يذكر أن جبريل خاطب النبي صلى الله عليه وسلم في العيان. وتصويره للوحي بأنه حلم في النوم يخالف ما أجمع عليه المسلمون من أن جبريل كان يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم بالعيان لا في المنام، الأمر الذي تردد ذكره في القرآن على أنه رسول الله إلى الذين يصطفيهم من الأنبياء ليبلغ الرسالة الإلهية لأهل الأرض. كذلك فهو يقطع الرسالة عن الرسول ويقطع الوحي عنه ويتجه إلى القرآن فيذكر عباراته أحيانا منسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم على أنها من تفكيره ومن قوله لا أنها قرآن موحى بها وقائله هو الله سبحانه وأن ذلك مبثوث في الكتاب بكثرة وهو ينسب بعض آي القرآن إلى النبي، وكذلك ينسب إبطال التبني إلى النبي ولا ينسبه إلى الله تبارك وتعالى، وكذلك ينسب تحريم الخمر إلى النبي، كما أنه يذكر قصص القرآن على أنه نتيجة تجارب النبي صلى الله عليه وسلم وما كانت قصص النبي إلا من القرآن وما كانت له رحلات في بلاد العرب بل إنه لم يخرج من الحجاز إلا مرتين إحداهما في الثانية عشرة والثانية في الخامسة والعشرين. ويرى الكاتب أن القرآن من كلام محمد ولم يذكر قط على وجه التصريح أن الله تبارك وتعالى هو منزل القرآن وباعث محمد بالرسالة بل إن ذكر الله تبارك وتعالى يندر في الكتاب بل لا تجد له ذكرا قط ولم يذكر القرآن إلا نادرا بل لا تكاد تجد له ذكرا قط، وإذا ذكر أنها همهمة نفس النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يذكر كلمة القرآن على أنه منسوب لله، في مقام يومئ بالتشكيك في صدقه ويوهم بأن به تحريفا وتبديلا ومحاولة التقاط من واحد ممن كانوا يشتركون مع العشرات في كتابة الوحي لإثارة هذه الشبهة. ولقد كان هذا التطور في كتابة السيرة نتيجة للأدوار التي مرت بها على أيدي السابقين.

[ 35 ]

سقوط المدرسة المادية في السيرة: قامت هذه المدرسة على إنكار الغيب والمعجزات في آن وإنكار الوحي والنبوة في آن آخر، وحاولت أن تفسر الإسلام وسيرة الرسول تفسيرا ماديا وجرت في خضوع منكسر وراء العقلية الأوربية وتحت لواء ما زعموه من المنهج العلمي الحديث، وكانت هذه المدرسة رد فعل أثاره الانبهار والشعور بالضعف لدى طائفة من المسلمين ترى أن تتابع الأوروبيين في فهم الدين والعقيدة. ولكن سرعان ما تكشفت هذه النزعة وسقطت وجهتها، وبرزت كتابات مدرسة الأصالة التي أنكرت هذا الأسلوب الفلسفي المادي، وأقامت مفاهيمها على الأساس القرآني الأصيل. وظهرت تلك الكتابات بأقلام حسن البنا ومحمد الغزالي وسعيد رمضان البوطي وأبو الحسن الندوي وكثيرون غيرهم فردت إلى السيرة النبوية وأعادت تقدير جانب معجزة الوحي الإلهي والغيبيات والمعجزات. وقد جاءت كتابات مدرسة الأصالة في السيرة النبوية مصححة لأغلاط كثيرين ممن كتبوا عن السيرة في هذا العصر وأماطت اللثام عن المغالطات التي كانت ولا تزال تدسها أقلام كثير من المستشرقين والتغريبيين وهي أغلاط ومغالطات قامت لتغذيتها وترويجها مدرسة التبعية. إن هذه المدرسة لم تعد تخدم إلا قلة من بقايا المفتونين باسمها وإن الحقائق الناصعة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ستظل هي المشرقة والسائدة. وليس أدل على ذلك من هذه المؤتمرات للسيرة التي حشدت عشرات من الأعلام للكشف عن الجوانب المختلفة في حياة هذا النبي الكريم الذي هدى البشرية إلى طريقها وأخرجها من الظلمات إلى النور. حال العالم في القرن العاشر الهجري يمتد القرن العاشر الهجري من سنة 1496 م إلى سنة 1591 م، وكانت الدولة العثمانية التركية أقوى دولة إسلامية فيه، وكان على رأسها في أوله السلطان بايزيد الثاني ابن السلطان محمد الفاتح، وكان ملكا محبا للسلم، فوقفت هذه الدولة في عهده عند فتوح أبيه، وقد خرج عليه ابنه سليم الأول، فانضم إليه جيش الانكشارية، فترك له الحكم سنة 918 ه‍ = 1512 م، فقام السلطان سليم بعد أبيه بالحكم، وابتدأه بقتال يالطامعين فيه من إخوته وأبنائهم إلى أن قضى عليهم، ثم توجه إلى قتال الشاه إسماعيل مؤسس الدول الصفوية بفارس، وكان

[ 36 ]

شيعيا علويا ينتهي إلى علي بن أبي طالب، فحاربه السلطان سليم واستوى على مدينة تبريز قاعدة ملكه، وانتزع منه العراق وما إليه من البلاد ثم توجه بعد هذا إلى قتال المماليك بمصر، فحاربهم حتى أسقط دولتهم سنة 923 ه‍ = 1517 م، وانتزع لنفسه الخلافة الصورية من آخر خلفاء بني العباس بمصر، وبهذا صار ملوك الدولة العثمانية التركية خلفاء المسلمين بعد أن كانوا ملوكا على دولتهم فقط، وفاتهم أن الخلافة الإسلامية لا تنعقد بهذا الشكل، وإنما تنعقد بالشورى ومبايعة المسلمين باختيارهم، ثم توفي السلطان سليم سنة 926 ه‍ = 1520 م، فخلفه ابنه السلطان سليمان الأول القانوني، وفي عهده وصلت هذه الدولة إلى نهاية عظمتها، فاستولت على بلاد الصرب والمجر، ووصلت فتوحاتها إلى فينا قاعدة النمسا، واستولت على الجزائر وغيرها من بلاد المغرب وقد انتهت باستيلائها على تلمسان دولة بني زيان سنة 952 ه‍ - 1545 م، واستولت على اليمن وغيره من بلاد العرب، وكان لهذا السلطان إصلاحات دينية ومدينة عديدة، ثم توفي سنة 974 ه‍ = 1566 م، فخلفه ابنه سليم الثاني، وكان ضعيفا لا يتحلى بالصفات التي تمكنه من إدارة هذه المملكة الواسعة، ولكنه كان له وزير عظيم هو محمد باشا الصقلي، فاعتمد عليه في تدبير أمور هذه الدولة، وإليه يرجع الفضل في المحافظة عليها في عهده، وقد تم في عهده الاستيلاء على مدينة تونس من بلاد المغرب، فانتهت بهذا الدولة الحفصية سنة 981 ه‍ = 1573 م، وتوثقت العلاقة في عهد هذا السلطان بين فرنسا والدولة العثمانية التركية، حتى أباح لفرنسا أن ترسل بعوثا دينية إلى البلاد الإسلامية، فأرسلت إليها كثيرا من هذه البعوث، مع أنها كانت تقصد تربية الطوائف المسيحية الموجودة بين المسلمين على الإخلاص لها، وسيكون لهذا من العواقب السيئة ما سيأتي بيانه في القرون الآتية، ثم توفي هذا السلطان سنة 982 ه‍ = 1574، فخلفه ابنه مراد الثالث، وابتدأ حكمه بعادتهم السيئة، فقتل إخوته لئلا ينازعوه في الملك، ثم أعلن تحريم شرب الخمر، وكان قد شاع في عهد أبيه، وأفرط فيه الانكشارية، فثاروا عليه واضطروه إلى إباحته بالمقدار الذي لا يسكر، وفي عهده كانت علاقة الدولة حسنة مع فرنسا والبندقية وانجلترا، وقد حصلت هذه الدول على كثير من الامتيازات التجارية في بلاد الدولة سبب هذه العلاقة وسيكون لهذه الامتيازات أثرها السيئ في القرون الآتية، وقد وقعت في عهد هذا السلطان حروب كثيرة بينه وبين الدولة الصفوية، فازدادت بها العلاقة سوءا بينهما، وكانت أولى بحسن العلاقة من الدول الأوروبية السابقة، وفي عهده أعلنت الفلاخ والبغدان وترنسلفانيا العصيان على الدولة، وأمكنها بمساعدة ملك النمسا وألمانيا الاستيلاء على مدن كثيرة من هذه البلاد، وكانت وفاة هذا السلطان سنة 1003 ه‍ = 1594 م. وكان للمسلمين في هذا القرن دولتان شرقيتان غير الدولة العثمانية التركية: أولاهما:

[ 37 ]

الدولة الصفوية ببلاد فارس، وقد أنشأها الشاه إسماعيل ابن الشيخ صفي الدين العلوي الحسني سنة 906 ه‍ = 1500 م، واتخذ مدينة تبريز قاعدة له، وقد اتسعت بعد هذا حتى شملت جميع بلاد فارس والعراق العربي وديار بكر، وامتدت من الخليج الفارسي إلى بحر الخزر، وكانت العلاقة سيئة بينها وبين الدولة العثمانية التركية طول هذا القرن، ومن أهم أسباب هذا العداء أن الدولة الصفوية كانت شيعية، والدولة العثمانية التركية كانت سنية. والثانية: الدولة المغولية ببلاد الهند، وقد أنشأها بابر شاه من نسل تيمور لنك سنة 911 ه‍ = 1505 م، وكانت وفاته سنة 937 ه‍ = 1530 م، فخلفه ابنه همايون، وقد استمر حكمه إلى سنة 964 ه‍ = 1556 م، فخلفه ابنه أكبر خان إلى سنة 1014 ه‍ = 1605 م، وكان لأكبر خان أفكار جريئة في التجديد خرج في بعضهما عن دائرة التجديد الإسلامي، وسنذكرها في موضعها من هذا القرن. أما المغرب فقد ظهر ضعفه في هذا القرن، وكادت بلاده تسقط في يد الأسبانيين والبرتغاليين، وقد ذهبت فيه دولة بني حفص ودولة بني زيان باستيلاء الدولة العثمانية التركية على تونس والجزائر، وسقطت فيه بمراكش دولة بني وطاس سنة 956 ه‍ = 1549 م، وقامت دولة السعديين الحسنية العلوية مكانها، ولكنها لم تكن من القوة بحيث يمكنها دفع عدوان أوروبا على المسلمين من هذه الناحية، وقد خرج على سلطانها بعض أهلها، واستعانوا عليه بالبرتغاليين، فلم يقو وحده على حربهم، واستنجد بالدولة العثمانية التركية، فأمرت واليها بطرابلس أن يرسل إليه مددا من جنوده، فأرسل إليه مددا منها، وكان هذا سنة 986 ه‍ = 1578 م، فتمكن بهذا المدد من الانتصار على الثائرين ومن ساعدهم من البرتغاليين. وقد رجع هذا المدد إلى طرابلس بعد انتصاره عليهم، وترك مراكش وحدها تعاني ما تعاني من طمع أوروبا فيها. وبهذا يمكننا أن نحكم بأن المسلمين في هذا القرن كانوا على شئ من القوة إذ كانت الدولة العثمانية التركية فيه لا تزال مرهوبة الجانب عند أمم أوروبا، ولكن الحالة العلمية بين المسلمين في هذا القرن لم تكن مضاهية لقوتهم، فقد فشا الجهل فيهم إلى الحد الذي سيأتي في شكاية بعضهم، وكانوا في القرون السابقة يعادون العلوم الفلسفية وحدها، فأضاقوا إليها في هذا القرن معاداة العلوم الأدبية، لأن العامية أخذت تطغى عليهم بعد استيلاء الدولة العثمانية التركية على معظم البلاد العربية، وجعلها اللغة التركية هي اللغة الديوانية، وممن شكا من معاداة العلوم الأدبية في هذا القرن صاحب كتاب - العقد المنظوم في ذكر أفاضل الروم - وكان معاصرا للسلطان سليمان القانوني، فقال مشيرا إلى موضوع كتابه في التاريخ: ولعمري إن ذلك

[ 38 ]

يعد عند الأكثرين من تضييع الأوقات، لأن المعارف عندهم خرافات، فإنا قد انتهينا إلى زمان يرون الأدب عيبا، ويعدون التضلع من الفنون ذنبا، وإلى الله الحنان المشتكي من هذا الزمان، قد سل سيف بغيه وعدوانه، على من تحلى بالفضائل وتقدم على أقرانه، وأوفق نبله لكل ذي نبل ظاهر وشرف باهر، فالتبس الدر بالزجاج، واشتبه العذب بالأجاج، وضاع أرباب الألباب كالذباب في الضباب، فصارت المعارف طيف خيال، أو ضيفا على شرف ارتحال، وضعف أساس العلم وبنيانه، وتضعضعت أركانه، وخمدت ناره، وكادت أن تمحى آثاره: وكان سرير العلم صريحا ممردا * * يناغي القباب السبع وهي عظام متينا رفيعا لا يطار غرابه * * عزيزا منيعا لا يكاد يرام يلوح سنا برق الهدى من بروحه * * كبرق بدا بين السحاب يشام فجرت عليها الرامسات ذيولها * * فخرت عروش منه ثم دعام محا الذاريات اليوم آيات حسنه * * فلم يبق منه آية ووسام وممن شكا حال العلوم الفلسفية في هذا القرن الحكيم داود الأنطاكي صاحب التذكرة في الطب، وكان قد نزل بمصر فقال فيها: ثم لم ألبث أن هبطت مصر هبوط آدم من الجنة، لما وجدتها كما قال أبو الطيب ملاعب جنة، فكأنها مغاني الشعب، وأنا المعني فيها بقوله: ولكن الفتى العربي فيها * * غريب الوجه واليد واللسان تنبو عن قبول الحكمة فيها طباع الرجال، نبو قيناتهم الحسان لحى شيب القذال، ثم تمثل: ما مقامي بأرض نخلة إلا * * كمقام المسيح بين اليهود أنا في أمة تداركها الل‍ * * ه غريب كصالح في ثمود وقد طعن أهل مصر في عقيدته لاشتغاله بعلوم الفلسفة، فلما كثر كلام الناس في اعتقاده ارتحل منها إلى مكة. وبهذا ازداد العلم هوانا في هذا القرن أمام جهله المتصوفة. المؤلف والكتاب اسمه وكنيته وهو شمس الدين أبو عبد الله محمد بن يوسف الصالحي الشامي. قال الشعراني في ذيل طبقاته. * " كان عالما صالحا مفننا في العلوم، وألف السيرة النبوية التي جمعها من ألف

[ 39 ]

كتاب، وأقبل الناس على كتابتها، ومشى فيها على أنموذج لم يسبقه إليه أحد. وكان عزبا لم يتزوج قط، وإذا قدم عليه الضيف يعلق القدر ويطبخ له. وكان حلو المنطق مهيب النظر كثير الصيام والقيام، بت عنده الليالي فما كنت أراه ينام إلا قليلا. وكان إذا مات أحد من طلبة العلم وخلف أولادا قاصرين، وله وظائف، يذهب إلى القاضي ويتقرر فيها ويباشرها ويعطي معلومها للأيتام حتى يصلحوا للمباشرة. وكان لا يقبل من مال الولاة وأعوانهم شيئا، ولا يأكل من طعامهم ". مصنفاته لقد أثرى مصنفنا - رحمه الله تعالى - مكتبتنا الإسلامية بذخائر ونفائس التراث الإسلامي فنذكر منها ما يأتي: * الآيات الباهرة في معراج سيد أهل الدنيا والآخرة. * الإتحاف بتمييز ما تبع فيه البيضاوي صاحب الكشاف. * إتحاف الراغب الولي في ترجمة الأوزاعي. * إتحاف الأريب بخلاصة الأعاريب. * تفضيل الاستفادة من بيان كلمتي الشهادة. * الجامع الوجيز الخادم للغات القرآن العزيز. * الجواهر النفائس في تحبير كتاب العرائس. * رفع القدر ومجمع الفتوة في شرح الصدر وخاتم النبوة. * سبل الهدى والرشاد في سير خير العباد. وهو الذي نحن بصدد تحقيقه. * شرح الأجرومية. * عقود الجمان في مناقب أبي حنيفة النعمان. * عين الإصابة في معرفة الصحابة. * الفتح الرحماني في شرح أبيات الجرجاني في الكلام. * الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة. * كشف اللبس في رد الشمس. * مختصره المسمى بالآيات البينات. * مرشد السالك إلى ألفية ابن مالك.

[ 40 ]

* النكت على الألفية. * النكت المهمات من الكلام على الأبناء والبنين والبنات. * وجوب فتح همزة " إن " وكسرها وجواز الأمرين. وفاته توفي المصنف رحمه الله سنة 942 ه‍ أسكنه الله تعالى فسيح جناته اللهم آمين ولله الأمر من قبل ومن بعد. كلمة شكر ونحن إذ نقدم للمسلمين هذا العمل العلمي، الذي نعتقد أننا خدمنا به هذا الكتاب - يجب علينا الثناء والشكر والتقدير للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، إذ قام - أدامه الله خادما للتراث الإسلامي - بتحقيق الأجزاء الأولى من هذا الكنز النفيس، وذلك من باب إحقاق الحق، ونسبة الفضل لذويه، إذ الأمر - كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم من لم يشكر الناس لم يشكر الله، فقد أسهم إخراج هذه الأجزاء على الرغم من عملنا فيها ومقابلتها بمخطوطاتها المشار إليها أسهم عمل المجلس في إخراج الكتاب منقحا صحيح النص. وقد قمنا بإخراجه كاملا خدمة لسيرة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم ونفعا للأئمة المسلمين وطلاب العلم، ونسأل الله تعالى أن نكون قد وفقنا في ذلك. وصف المخطوط اعتمدنا في تحقيق كتاب سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد للإمام الصالحي على المخطوطات التالية: الأولى: هي المحفوظة بمكتبة المتوكلية اليمنية بصنعاء تحت رقم 207 - 210 (تاريخ)، وهي تقع في أربعة أجزاء وهي نسخة كاملة للكتاب من أوله إلى آخره من أجل ذلك جعلناها أصلا للكتاب ورمزنا لها بالرمز (أ). الثانية: هي المحفوظة بمعهد المخطوطات العربية بالقاهرة والموجود منها الجزء الرابع فقط وهو الجزء الأخير من الكتاب. رمزنا لها بالرمز (ب). الثالثة: هي المحفوظة بدار الكتب المصرية في مكتبة مصطفى فاضل تحت رقم (50 م - تاريخ) وهي تشتمل على الجزء الثالث والرابع وقد رمزنا لها بالرمز (ج‍). الرابعة: هي المحفوظة بدار الكتب المصرية بمكتبة التيمورية تحت رقم (925) تاريخ.

[ 41 ]

الخامسة: هي المحفوظة بدار الكتب المصرية بمكتبة طلعت تحت رقم (2100) تاريخ وتشتمل على المجلد الأول والثاني والثالث. السادسة: هي المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم 130 تاريخ وتقع في أجزاء متفرقة. السابعة: هي المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم 4511 وتقع في أجزاء متفرقة. هذا، وقد وضع المؤلف في مقدمة كتابه فهرسا مشتمل على أبواب الكتاب غير أنه لم يلتزم ما عنون له في مقدمة كتابه لذلك وجد بمخطوطات الكتاب بياض كثير وقد بذلنا الوسع في سد كثير من هذا النقص واضعين له بين معكوفين هكذا (). وقد كان من أشد العنت والعناء الذي لقيناه كذلك صعوبة الخط مما يخبره أهل فن التحقيق والعالمون به والبتر الكثير وعدم اتصال الكلام بعضه ببعض. وقد قمنا بنسخ الكتاب ومقابلة النسخ غافلين ما بينها من فروق إلا ما ندر حرصين على سلامة النص بالرجوع إلى مصادر التاريخ والسيرة وقد قمنا بتخريج كثير من أحاديث الكتاب إلا ما تكرر منها في آخره فأغفلنا تخريجه لعزو المصنف له وسبق تخريجه، ولم يلتزم المصنف بما صح أو غيره من أحاديث السنة المشرقة فقط بل ذكر بعض الموضوعات في كتابه تبعا في ذلك لابن السبكي والقاضي عياض وغيره دون توضيح وإشارة إلى وضعه إلا أن ذلك لا يقلل في قيمة الكتاب في جملته وما اشتمل عليه من موضوعات وأبواب جامعة لسيرة خير العباد صلى الله عليه وسلم حتى عده بعض أهل العلم من موسوعات التخريج لأحاديث سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهو كذلك. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. المحققان

[ 43 ]

- صورة بداية الجزء الاول من نسخة " أ "

[ 44 ]

- صورة آخر الجزء الاول من نسخة " أ "

[ 45 ]

- صورة بداية الجزء الثالث من نسخة " أ "

[ 46 ]

- صورة آخر الجزء الثالثث من نسخة " أ "

[ 47 ]

- صورة بداية الجزء الثالث من نسخة " ج "

[ 48 ]

- صورة آخر الجزء الثالث من نسخة الثالث من نسخة " ج "

[ 49 ]

- صورة بداية الجزء الرابع من نسخة " أ "

[ 50 ]

- صورة آخر الجزء الرابع من نسخة " أ "

[ 51 ]

- صورة بداية الجزء الرابع من نسخة " ج "

[ 52 ]

- صورة آخر الجزء الرابع من نسخة " ج "

[ 1 ]

سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد للامام محمد بن يوسف الصالحي الشامي المتوفى سنة 942 ه‍ تحقيق وتعليق الشيخ عادل أحمد عبد الموجود الشيخ علي محمد معوض الجزء الاول

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم قال سيدنا ومولانا وشيخنا شيخ الإسلام خاتمة المحدثين والأعلام، أبو عبد الله محمد ابن يوسف الشامي، رحمه الله تعالى ورحمنا به، وجزاه خيرا عن تعبه ونصبه. آمين. الحمد لله الذي خص سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم بأسنى المناقب، ورفعه في الشرف إلى أعلى المراتب، وأيده بالمعجزات الباهرات العجائب، التي فاقت ضوء النيرين وزادت على عدد النجوم الثواقب، وجعل سيرته الزكية أمنا لمن تمسك بها ونجاة من المعاطب أحمده سبحانه وتعالى حمدا أنال به رضاه وبلوغ المآرب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب المشارق والمغارب، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله المبعوث بالدين الواصب، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه الذين نالوا أشرف المناصب. أما بعد: فهذا كتاب اقتضبته من أكثر من ثلاثمائة كتاب، وتحريت فيه الصواب، ذكرت فيه قطرات من بحار فضائل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من مبدأ خلقه قبل خلق سيدنا آدم صلى الله عليه وسلم وأعلام نبوته وشمائله وسيرته وأفعاله وأحواله وتقلباته، إلى أن نقله الله تعالى إلى أعلى جناته، وما أعده له فيها من الإنعام والتعظيم، عليه من الله أفضل الصلاة وأزكى التسليم. ولم أذكر فيه شيئا من الأحاديث الموضوعات، وختمت كل باب بإيضاح ما أشكل فيه وبعض ما اشتمل عليه من النفائس المستجادات، مع بيان غريب الألفاظ وضبط المشكلات، والجمع بين الأحاديث التي قد يظن أنها من المتناقضات. وإذا ذكرت حديثا من عند أحد من الأئمة فإني أجمع بين ألفاظ رواته إذا اتفقوا، (وإذا عزوته لمخرجين فأكثر فإني أجمع بين ألفاظهم إذا اتفقوا) فلا يعترض علي إذا عزوت الحديث للبخاري ومسلم وذكرت معهما غيرهما، فإن ذلك لأجل الزيادة التي عندهما غالبا. وإذا كان الراوي عن النبي صلى الله عليه وسلم صحابيا قلت: رضي الله تعالى عنه.

[ 4 ]

وإن كان تابعيا أو من أتباع التابعين قلت: رحمه الله تعالى. وإذا أطلقت الشيخين: فالبخاري ومسلم، أو قلت: متفق عليه: فما روياه، أو الأربعة فأبو داود والترمذي وابن ماجه والنسائي، أو الستة: فالشيخان والأربعة، أو الخمسة فالستة إلا ماجه أو الثلاثة: فالأربعة إلا هو، أو الأئمة: فالإمام مالك والإمام الشافعي والإمام أحمد والستة والدارقطني. ولم أقف على شئ من الأسانيد المخرجة للإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان رضوان الله تعالى عليه فلذلك لم أذكره. (أو: الجماعة): فالإمام أحمد والستة. أو: أبو عمر: فالحافظ يوسف بن عبد البر أو القاضي: فأبو الفضل عياض، أو الأمير: فالإمام الحافظ أبو نصر علي بن هبة اله، الوزيري البغدادي المعروف بابن ماكولا. أو السهيلي: فالإمام أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله الخثعمي. أو الروض. فالروض الأنف له. أو: أبو الفرج: فالحافظ عبد الرحمن بن الجوزي. أو أبو الخطاب: فالحافظ عمر بن الحسن بن دحية. أو: أبو ذر: فالحافظ أبو ذر: مصعب بن محمد بن مسعود الخشني، أو الإملاء: فما أملاه على سيرة ابن هشام. أو زاد المعاد: فزاد المعاد في هدي خير العباد للإمام العلامة أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن القيم. أو أبو الربيع: فالثقة الثبت سليمان بن سالم الكلاعي، أو الاكتفاء: فكتاب " الاكتفاء " له. أو: أبو الفتح: فالحافظ محمد ابن محمد بن سيد الناس، أو العيون: فعيون الأثر له. أو القطب: فالحافظ: قطب الدين الحلبي، أو المورد: فالمورد العذب له. أو الزهر: فالزهر الباسم. أو الإشارة: فالإشارة إلى سيرة سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كلاهما للحافظ علاء الدين مغلطاي أو الإمتاع: فكتاب: إمتاع الأسماع للإمام العلامة مؤرخ الديار المصرية الشيخ تقي الدين المقريزي. أو المصباح: فالمصباح المنير للإمام العلامة أبي العباس أحمد ابن محمد بن علي الفيومي، أو التقريب: فالتقريب في علم الغريب لولده محمود الشهير بابن خطيب الدهشة. أو الحافظ: فشيخ الإسلام أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر أو الفتح: ففتح الباري له. أو شرح الدرر: فشرحه على ألفية السيرة لشيخه العراقي. أو النور: فنور النبراس للحافظ برهان الدين الحلبي. أو الغرر: فالغرر المضية للعلامة محب الدين بن الإمام العلامة شهاب الدين بن الهائم أو السيد: فشيخ الشافعية بطيبة نور الدين السمهودي أو: الشيخ، أو: شيخنا: فحافظ الإسلام بقية المجتهدين من الأعلام جلال الدين أبو الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي. رحمهم الله تعالى. وحيث أطلقت الموحدة: فهي ثاني الحروف. أو المثلثة: فهي الرابعة. أو التحتية: فهي آخر الحروف.

[ 5 ]

وسميت هذا الكتاب: " سبل الهدى والرشاد، في سيرة خير العباد، وذكر فضائله وأعلام نبوته وأفعاله وأحواله في المبدأ والمعاد ". وإذا تأملت هذا الكتاب علمت أنه نتيجة عمري وذخيرة دهري، والله سبحانه وتعالى أسأل أن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن يمن علي بالنظر إليه في دار النعيم، وهو حسبي ونعم الوكيل، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وقبل الشروع في مقاصد الكتاب أثبت ما فيه من الأبواب، وهي نحو ألف باب. والله الهادي للصواب.

[ 6 ]

جماع أبواب بعض الفضائل والآيات الواقعة قبل مولده صلى الله عليه وسلم باب: تشريف الله تعالى له بكونه أول الأنبياء خلقا صلى الله عليه وسلم باب: خلق آدم وجميع المخلوقات لأجله صلى الله عليه وسلم. باب: تقدم نبوته على نفخ الروح في آدم عليهما السلام. باب: تقدم أخذ الميثاق عليه صلى الله عليه وسلم. باب: في كتابة اسمه الشريف محمد مع اسم الله تعالى على العرش وسائر ما في الملكوت وما وجد على الحجارة القديمة من نقش اسمه صلى الله عليه وسلم. باب: في أخذ الميثاق على الأنبياء، آدم فمن دونه من الأنبياء أن يؤمنوا به وينصروه إذا بعث فيهم محمد صلى الله عليه وسلم. باب: في دعاء إبراهيم عليه السلام وعلى نبينا به وإعلام الله به إبراهيم وآله صلى الله عليه وسلم. باب: في بعض ما ورد في الكتب القديمة من ذكر فضائله ومناقبه العظيمة صلى الله عليه وسلم. باب: فيما أخبر به الأحبار والرهبان والكهان بأنه النبي المبعوث في آخر الزمان صلى الله عليه وسلم. باب: بعض منامات رؤيت تدل على بعثته صلى الله عليه وسلم. باب: فيما وجد من صورة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مقرونة بصور الأنبياء قبله صلى الله على نبينا وعليهم. جماع أبواب فضائل بلده المنيف ومسقط رأسه الشريف صلى الله عليه وسلم باب: بدء أمر الكعبة المشرفة. باب: عدد المرات التي بنيها البيت. باب: أسماء البيت الشريف. باب: بعض فضائل دخول الكعبة والصلاة فيها وآداب ذلك. باب: فضل النظر إلى البيت الشريف باب: بعض فضائل الحجر الأسود والمقام. باب: بعض فضائل زمزم.

[ 7 ]

باب: تجديد حفر زمزم على يد عبد المطلب بن هاشم. باب: بعض أسماء البلد والحرم المنيف. باب: دخول حرم مكة وسبب تحريمه. باب: تعظيم مكة وحرمها وتعظيم الذنب فيها. باب: حج الملائكة وآدم والأنبياء وتعظيمهم للحرم. باب: قصة إهلاك أصحاب الفيل. جماع أبواب نسبه الشريف صلى الله عليه وسلم باب: بعض فضائل العرب وحبهم. باب: طهارة أصله وشرف محتده غير ما تقدم. باب: سرد أسماء آبائه إلى آدم صلى الله عليه وسلم. باب: شرح أسماء آبائه وبعض أحوالهم على وجه الاختصار. باب: معنى قوله - صلى الله عليه وسلم: " أنا ابن العواتك والفواطم ". جماع أبواب مولده عبد المطلب ابنه عبد الله امرأة من بني زهرة. باب: حمل آمنة برسول الله صلى الله عليه وسلم وما وقع في ذلك من الآيات. باب: وفاة عبد الله بن عبد المطلب. باب: تاريخ مولده صلى الله عليه وسلم ومكانه. باب: ما جاء في إخبار الأحبار وغيرهم بليلة ولادته صلى الله عليه وسلم. باب: في وضعه والنور الذي خرج معه وتدلي النجوم ونزوله صلى الله عليه وسلم ساجدا معتمدا على الأرض بيديه وما رأته قابلته الشفاء أم عبد الرحمن بن عوف وما وقع في ذلك من الآيات. باب: انفلاق البرمة عنه حين وضع تحتها صلى الله عليه وسلم. باب: ولادته مختونا مقطوع السرة صلى الله عليه وسلم. باب: مناغاته للقمر في مهده، وكلامه فيه صلى الله عليه وسلم. باب: حزن إبليس وحجبه من السموات وما سمع من الهواتف لما ولد رسول الله عليه السلام. باب: في انبثاق دجلة وارتجاس الإيوان وسقوط الشرفات وخمود النيران وغير ذلك مما يذكر ليلة ولادته صلى الله عليه وسلم. باب: فرح جده عبد المطلب وتسميته له محمدا صلى الله عليه وسلم.

[ 8 ]

باب: أقاويل العلماء في عمل المولد الشريف واجتماع الناس له وما يحمد من ذلك وما يذم. جماع أبواب رضاعه صلى الله عليه وسلم باب: مراضعه صلى الله عليه وسلم، جملة من قيل إنهن أرضعنه عشر نسوة. باب: إخوته من الرضاعة عليه السلام. باب: إيمان السيدة حليمة وزوجها رضي الله عنهما. باب: سياق قصة الرضاع وما وقع فيها من الآيات. جماع أبواب أسمائه صلى الله عليه وسلم وكناه باب: في فوائد كالمقدمة للأسماء الآتية: باب: في الكلام على قوله صلى الله عليه وسلم: " لي خمسة أسماء " وبيان طرقه. باب: في ذكر ما وقفت عليه من أسمائه الشريفة وشرحها وما يتعلق بها من الفوائد. باب: في كناه صلى الله عليه وسلم وزاده فضلا وشرفا لديه. جماع أبواب صفات جسده الشريف صلى الله عليه وسلم باب: حسنه صلى الله عليه وسلم. باب: صفة لونه صلى الله عليه وسلم. باب: صفة رأسه وشعره صلى الله عليه وسلم. باب: صفة جبينه وحاجبيه صلى الله عليه وسلم. باب: صفة عينيه صلى الله عليه وسلم وبعض ما فيها من الآيات. باب: في سمعه الشريف صلى الله عليه وسلم. باب: صفة أنفه وخديه صلى الله عليه وسلم. باب: صفة فمه وأسنانه وطيب ريقه وبعض الآيات فيه صلى الله عليه وسلم. باب: صفة لحيته الشريفة وشيبه صلى الله عليه وسلم. باب: صفة وجهه الأنوار صلى الله عليه وسلم. باب: صفة عنقه وبعد ما بين منكبيه وغلظ كتده صلى الله عليه وسلم. باب: صفة ظهره صلى الله عليه وسلم وما جاء في صفة خاتم النبوة. باب: صفة صدره وبطنه صلى الله عليه وسلم. باب: ما جاء في شق صدره وقلبه الشريفين صلى الله عليه وسلم. باب: صفة يديه وإبطيه صلى الله عليه وسلم.

[ 9 ]

باب: صفة ساقيه وفخذيه وقدميه صلى الله عليه وسلم. باب: ضخامة كراديسه صلى الله عليه وسلم. باب: طوله واعتدال خلقه ورقة بشرته صلى الله عليه وسلم. باب: عرقه وطيب ريحه صلى الله عليه وسلم. باب: مشيه وأنه لم يكن يرى له ظل صلى الله عليه وسلم. باب: الآية في صوته وبلوغه حيث لا يبلغ صوته غيره صلى الله عليه وسلم. باب: فصاحته صلى الله عليه وسلم. باب: معرفة أسماء الذين كانت صفات أجسادهم تقرب من صفات جسده صلى الله عليه وسلم. جماع أبواب الأمور الكائنة بعد مولده وقبل بعثه صلى الله عليه وسلم باب: وفاة أمه آمنه بنت وهب وحضانة أم أيمن له صلى الله عليه وسلم. باب: كفالة عبد المطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعرفته بشأنه. باب: استسقاء أهل مكة بجده وهو معهم وسقياهم ببركة صلى الله عليه وسلم. باب: ما حصل له في سنة سبع من مولده صلى الله عليه وسلم. باب: وفاة عبد المطلب ووصيته لأبي طالب برسول الله صلى الله عليه وسلم وما ظهر في ذلك من الآيات. باب: استسقاء أبي طالب برسول الله صلى الله عليه وسلم وعطش أبي طالب وشكواه ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم. باب: سفره صلى الله عليه وسلم مع عمه الزبير بن عبد المطلب إلى اليمن. باب: سفره صلى الله عليه وسلم مع عمه أبي طالب إلى الشام. باب: في حفظ الله إياه في شبابه عما كان عليه أهل الجاهلية واشتهاره بالأخلاق الفاضلة والخصال الحميدة قبل بعثته، وتعظيم قومه له، صلى الله عليه وسلم. باب: شهوده صلى الله عليه وسلم حرب الفجار. باب: شهوده صلى الله عليه وسلم حلف الفضول. باب: رعيه صلى الله عليه وسلم الغنم. باب: سفره صلى الله عليه وسلم مرة ثانية إلى الشام. باب: نكاحه صلى الله عليه وسلم خديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها وأرضاها. باب: بنيان قريش الكعبة شرفها الله تعالى. جماع أبواب مبعثه صلى الله عليه وسلم باب: بدء عبادة الأصنام والإشراك بالله تعالى.

[ 10 ]

باب: باب إخبار الأحبار والرهبان والكهان بمبعث حبيب الرحمن صلى الله عليه وسلم وتقدمت في أوائل الكتاب وزادت هناك. باب: حدوث الرجم وحجب الشياطين من استراق السمع عند مبعثه صلى الله عليه وسلم. باب: بعض ما سمع من الهواتف وتنكس الأصنام. باب: قدر عمره صلى الله عليه وسلم وقت بعثته وتاريخها. باب: ابتدائه صلى الله عليه وسلم بالرؤيا الصادقة وسلام الحجر والشجر عليه، زاده الله تعالى فضلا وشرفا لديه. باب: ما ذكر أن إسرافيل قرن به قبل جبريل، صلى الله وسلم عليهم. باب: كيفية بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. باب: كيفية إنزال الوحي إليه صلى الله عليه وسلم. باب: شدة الوحي وثقله عليه زاده الله فضلا وشرفا لديه. باب: أنواع الوحي إليه صلى الله عليه وسلم. باب: فترة الوحي وتشريف نبيه صلى الله عليه وسلم بالرسالة بعد النبوة. باب: معنى الوحي والنبي والرسول، والنبوة والرسالة. باب: مثله ومثل ما بعثه الله تعالى به من الهدى صلى الله عليه وسلم. باب: مثله ومثل الأنبياء من قبله صلى الله عليه وسلم. باب: الوقت الذي كتب فيه نبيا صلى الله عليه وسلم. باب: في إعلام الوحش برسالته صلى الله عليه وسلم. باب: شهادة الرضيع والأبكم برسالته صلى الله عليه وسلم. جماع أبواب بعض الأمور الكائنة بعد بعثته صلى الله عليه وسلم. باب: باب تعليم جبريل النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء والصلاة. باب: في إسلام خديجة بنت خويلد وعلي بن أبي طالب وزيد بن حارثة وأبي بكر الصديق رضي الله عنهم أجمعين. باب: ذكر متقدمي الإسلام من الصحابة رضي الله تعالى عنهم واختلاف الناس فيمن أسلم أولا. باب: في ذكر متقدمي الإسلام من الصحابة رضي الله عنهم تقدم علي وزيد. باب: قصة إسلام أبي ذر وأخيه أنيس رضي الله عنهما. باب: سبب دخول النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم بن أبي الأرقم واستخفاء المسلمين حال عبادتهم ربهم تبارك وتعنالى.

[ 11 ]

باب: أمر الله تعالى رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بإظهار الدعوة إلى الإسلام. باب: مشي قريش إلى أبي طالب ليكف عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. باب: إسلام حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنهما. باب: في إرسال قريش عتبة بن ربيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليعرض عليه أشياء ليكف عنهم. باب: في أسئلة المشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم أنواعا من الآيات وخرق العادات على وجه العناد لا على وجه الهدى والرشاد، فلهذا لم يجابوا إلى كثير مما سألوا. باب: امتحانهم إياه بأشياء لا يعرفهاإلا نبي. باب: سبب نزول قوله: تعالى: (ولا تجهر بصوتك) الآية. باب: اعتراف أبي جهل وغيره بصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. باب: تحير الوليد بن المغيرة فيما يصف به القرآن والآيات التي نزلت فيه. باب: عدوان المشركين على المستصعفين ممن أسلم بالأذى والفتنة. باب: الهجرة الأولى إلى الحبشة وسبب رجوع من هاجر إليها من المسلمين في شهر رجب سنة خمس من المبعث. باب: إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه. باب: دخول بني هاشم وبني المطلب ابني عبد مناف الشعب وكتابة قريش الصحيفة الظالمة. باب: في رجوع القادمين من الحبشة إليها والهجرة الثانية إلى أرض الحبشة وفيه مكتوب النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي وأسماء الذين هاجروا الهجرة الثانية. باب: إرادة أبي بكر رضي الله عنه الهجرة إلى الحبشة أو إلى المدينة. باب: نقض الصحيفة الظالمة. باب: إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه. باب: قصتي الأراشي والزبيدي اللذين ابتاع أبو جهل إبلهما. باب: وفد النصارى الذين أسلموا. باب: سبب نزول أول سورة (عبس). باب سبب نزول (قل يا أيها الكافرون). باب: سبب نزول أول سورة (الروم). باب: وفاة أبي طالب ومشي قريش إليه ليكف عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

[ 12 ]

باب: وفاة أم المؤمنين خديجة الكبرى رضي الله عنها. باب: في بعض ما لاقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش بعد موت أبي طالب. باب: سفر النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف. باب: في إيمان الجن به صلى الله عليه وسلم. باب: عرض النبي نفسه الكريمة على القبائل ليؤووه وينصروه ودعائه الناس إلى التوحيد. باب: خبر بعض المستهزئين برسول الله صلى الله عليه وسلم وكيف كان هلاكهم. جماع أبواب معراجه صلى الله عليه وسلم باب: تفسير قوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده) الآية. باب: تفسير أول سورة (والنجم). باب: اختلاف العلماء في رؤية النبي لربه تبارك وتعالى ليلة المعراج. باب: في أي زمان ومكان وقع الإسراء. باب: كيفية الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم وهل تكرر أم لا. باب: دفع شبه أهل الزيغ في استحالة المعراج. باب: أسماء الصحابة الذين رووا القصة عن النبي صلى الله عليه وسلم. باب: سياق القصة. باب: تنبهات على بعض فوائد تتعلق بقصة المعراج. باب: صلاة جبريل عليه السلام بالنبي الجليل صلى الله عليه وسلم يوم ليلة الإسراء وكيفية فرض الصلاة. جماع أبواب بدء إسلام الأنصار رضي الله عنهم أجمعين باب: نسبهم رضي الله تعالى عنهم. باب: فضلهم وحبهم والوصية بهم والتجاوز عن مسيئهم والنهي عن بغضهم. باب: بدء إسلامهم رضي الله تعالى عنهم. باب: ذكر يوم بعاث. باب: بيعة العقبة الأولى وكانت في رجب. باب: بيعة العقبة الثانية. باب: إسلام سعد بن معاذ وأسيد بن حضير رضي الله تعالى عنهما. باب: بيعة العقبة الثانية. باب: إسلام عمرو بن الجموع - بفتح الجيم وبالحاء المهملة - رضي الله عنه.

[ 13 ]

جماع أبواب الهجرة إلى المدينة الشريفة باب: إذن النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة إلى المدينة للمسلمين. باب: سبب هجرته بنفسه الكريمة وكفاية الله ورسوله مكر المشركين حين أرادوا به ما أرادوا. باب: قدر إقامة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه الكريمة وما وقع في ذلك من الآيات. باب: تلقي أهل المدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزوله بقباء وتأسيسه لمسجد قباء. باب: قدومه صلى الله عليه وسلم باطن المدينة وسكناه بدار أبي أيوب. جماع أبواب بعض فضائل المدينة الشريفة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام جماع أبواب بعض فضائل المدينة الشريفة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. باب: بدء نشأتها. باب: سرد أسمائها مرتبة على حروف المعجم. باب: النهي عن تسميتها يثرب. باب: في محبته صلى الله عليه وسلم ودعائه لها ولأهلها ورفع الوباء عنها بدعائه. باب: عصمتها من الدجال والطاعون ببركته صلى الله عليه وسلم. باب: الحث على الإقامة بها والموت بها والصبر على لأوائها ونفيها الخبث والذنوب واتخاذ الأصول بها والنهي عن هدم بنيانها. باب: وعيد من أحدث بها حدثا أو آوى بها محدثا أو أرادها وأهلها بسوء أو أخافهم والوصية بهم. باب: تفضيلها على البلاد بحلوله صلى الله عليه وسلم بها. باب: تحريمها على لسانه صلى الله عليه وسلم. باب: ذكر بعض خصائصها شرفها الله تعالى. جماع أبواب بعض حوادث من السنة الأولى والثانية من الهجرة باب: صلاته الجمعة ببني سالم بن عوف. صلى الله عليه وسلم. باب: بناء مسجده الأعظم صلى الله عليه وسلم. باب: بنائه حجر نسائه صلى الله عليه وسلم. باب: بدء الأذان. باب: مؤاخاته صلى الله عليه وسلم بين الصحابة. باب: قصة تحويل القبلة.

[ 14 ]

جماع أبواب أمور دارت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين اليهود والمنافقين. ونزول صدر سورة البقرة وغيرها من القرآن في ذلك باب: أخذ الله تعالى العهد عليهم في كتبهم أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم إذاجاءهم، واعتراف جماعة منهم بنوته، ثم كفر كثير بغيا وعنادا به صلى الله عليه وسلم. باب: موادعة اليهود وكتبه بينه وبينهم كتابا بذلك ونصبهم العدوة له ولأصحابه حسدا وعدوانا ونقضهم العهد. باب: سؤال اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح. باب: تحيرهم في مدة مكث هذه الأمة لما سمعوا الحروف المقطعة في أوائل السور. باب: سبب نزول سورة الإخلاص. باب: إرادة شأس إيقاع الفتنة بين الأوس والخزرج. باب: سبب نزول قوله تعالى: (لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير). الآية. با ب: سؤالهم إياه عن أشياء لا يعرفها إلا نبي، وجوابه لهم وتصديقهم إياه. باب: إخبارهم إياه بأنه أصاب، وتمردهم عن الإيمان به صلى الله عليه وسلم. باب: رجوعهم إليه في عقوبة الزاني منهم وما ظهر في ذلك من كتمانهم ما أنزل الله عز وجل في التوراة من حكمه وصفة نبيه صلى الله عليه وسلم. باب: سؤاله لهم أن يتمنوا الموت إن كانوا صادقين في دعاوى ادعوها. باب: سحرهم إياه وإعلام الله له بذلك وإنزال سورة الفلق والناس. باب: معرفة صفات المنافقين الذين انضافوا ليهود وبعض أمور دارت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبينهم. جماع أبواب المغازي التي غزا فيها صلى الله عليه وسلم بنفسه الكريم صلى الله عليه وسلم باب: الإذن بالقتال ونسخ العفو عن المشركين وأهل الكتاب. باب: اختلاف الناس في عدد المغازي التي عزا فيها بنفسه الشريفة صلى الله عليه وسلم. باب: غزوة الأبواء وهي ودان. باب: غزوة بواط. باب: غزوة سفوان، وهي بدر الأولى.

[ 15 ]

باب: غزوة العشيرة. باب: غزوة بدر الكبرى. باب: غزوة بني سليم ويقال لها قرقرة الكدر. باب: غزوة السويق. باب: غزوة غطفان، وهي ذو أمر. باب: غزوة الفرع. باب: غزوة بني قينقاع. باب: غزوة أحد. باب: غزوة حمراء الأسد. باب: غزوة بني النضير. باب: غزوة بدر الموعد. باب: غزوة دومة الجندل. باب: غزوة الخنذق. وهي الأحزاب. باب: غزوة بني المصطلق وهي المريسيع. باب: غزوة بني قريظة. باب: غزوة بني لحيان. باب: غزوة الحديبية. باب: غزوة ذي قرد وهي الغابة. باب: غزوة خيبر ووادي القرى. باب: غزوة ذات الرقاع. باب: غزوة عمرة القضية. باب: غزوة الفتح الأعظم فتح مكة شرفها الله تعالى. باب: غزوة حنين وهي هوازن. باب: غزوة الطائف. باب: غزوة تبوك. جماع أبواب بعض سراياه وبعوثه وبعض فتوحاته صلى الله عليه وسلم باب: عدد سراياه وبعوثه ومعنى السرية. باب: أي وقت كان يبعث سراياه ووداعه إياهم ومشية مع بعضهم وهو راكب إلى خارج المدينة صلى الله عليه وسلم ووصيته لأمير السرايا.

[ 16 ]

باب: عذره عن تخلفه عن صحبة السرايا. باب: سرية عبيدة بن الحارث بن المطلب رضي الله عنه إلى بطن رابغ. باب: سرية حمزة بن عبد المطلب إلى سيف البحر. باب: سرية سعد بن أبي وقاص إلى الخرار. باب: سرية سعد بن أبي وقاص أيضا إلى بني كنانة. باب: سرية أمير المؤمنين المجدع في الله، عبد الله بن جحش إلى نخلة. باب: بعث عمير بن عدي الخطمي رضي الله عنه إلى عصماء بنت مروان. باب: بعث سالم بن عمير رضي الله عنه إلى أبي عفك اليهودي. باب: سرية محمد بن مسلمة رضي الله عنه إلى كعب بن الأشرف. باب: سرية زيد بن حارثة إلى القردة. باب: سرية أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد رضي الله عنه إلى ذي قطن. باب: بعثه عبد الله بن أنيس رضي الله عنه إلى سفيان بن خالد الهذلي. باب: سرية مرثد بن أبي مرثد الغنوي رضي الله عنه إلى الرجيع. باب: سرية المنذر بن عمرو رضي الله عنه إلى بئر معونة، وهي سرية القراء. باب: سرية محمد بن مسلمة رضي الله عنه إلى القرطاء. باب: سرية عكاشة بن محصن رضي الله عنه إلى غرو مرزوق. باب: سرية محمد بن مسلمة إلى نبي معاوية وبني عوال بذي القصة. باب: أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة أيضا. باب: سرية زيد بن حارثة رضي الله عنه إلى بني سليم بالجموم. باب: سرية زيد أيضا إلى العيص. باب: سرية زيد أيضا إلى الطراف. باب: سرية زيد أيضا إلى حسمى. باب: سرية زيد أيضا إلى وادي القرى. باب: سرية عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه إلى دومد الجندل. باب: سرية زيد بن حارثة إلى مدين. باب: سرية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إلى بني سعد بن بكر بفدك. باب: سرية أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى بني فزارة بناحية وادي القرى. باب: سرية زيد بن حارثة رضي الله عنه إلى بني فزارة. باب: سرية عبد الله بن عتيك رضي الله عنه إلى أبي رافع بن الحقيق.

[ 17 ]

باب: سرية عبد الله بن رواحة رضي الله عنه إلى أسير بن رزام بخيبر. باب: سرية كرز بن جابر أو سعيد بن زيد رضي الله عنه إلى العرنيين. باب: بعثه صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري رضي الله عنه ليفتك بأبي سفيان. باب: سرية أبان بن سعد رضي الله عنه قبل نجد. باب: سرية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى تربة. باب: سرية أمير المؤمنين أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى بني كلاب بنجد. باب: سرية بشير بن سعد رضي الله عنه إلى بني مرة بفدك. باب: سرية غالب بن عبد الله رضي الله عنه إلى ميفعة. باب: سرية بشير بن سعد إلى يمن وجبار. باب: سرية الأحزم بن أبي العوجاء السلمي رضي الله عنه إلى بني سليم. باب: سرية غالب بن عبد الله عنه إلى بني الملوح بالكديد. باب: سرية غالب بن عبد الله أيضا إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد بفدك. باب: سرية شجاع بن وهب رضي الله عنه إلى بني عامر. باب: سرية كعب بن عمير الغفاري رضي الله عنه إلى ذات أطلاح. باب: سرية مؤتة من عمل البلقاء. باب: سرية أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه إلى حي من جهينة، وتعرف بسرية الخبط. باب: سرية أبي قتادة الأنصاري إلى خضرة وقصة ابن أبي حدرد. باب: سرية أبي قتادة أيضا رضي الله عنه إلى بطن إضم. باب: بعث أسامة بن زيد رضي الله عنهما إلى الحرقات. باب: سرية خالد بن الوليد رضي الله عنه لهدم العزى. باب: سرية عمرو بن العاص لهدم سواع. باب: سرية سعيد بن زيد الأشهلي رضي الله عنه لهدم مناة. باب: سرية خالد بن الوليد إلى بني جذيمة بناحية يلملم. باب: سرية أبي عامر الأشعري إلى أوطاس. باب: سرية الطفيل بن عمرو الدوسي لهدم ذي الكفين. باب: سرية قيس بن سعد بن عبادة إلى ناحية اليمن لصداء. باب: سرية عيينة بن حصن الفزاري إلى بني تميم. باب: بعثه صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عوسجة رضي الله عنه إلى بني حارثة بن عمرو.

[ 18 ]

باب: سرية قطبة بن عامر رضي الله عنه إلى خثعم. باب: سرية الضحاك بن سفيان الكلابي رضي الله عنه إلى بني كلاب. باب: سرية علقمة بن مجزر المدلجي رضي الله عنه إلى الحبشة. باب: سرية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لهدم الفلس. باب: بعث عكاشة بن محصن رضي الله عنه إلى الجباب. باب: سرية خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى أكدر بن عبد الملك. باب: بعثه صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة لهدم الطاغية. باب: بعثه صلى الله عليه وسلم أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل قبل حجة الوداع إلى اليمن المرة الثانية. باب: بعثه صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني عبد المدان بنجران. باب: سرية المقداد بن الأسود رضي الله عنه إلى ناس من العرب. باب: بعثه صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى همدان ثم بعثه عليا إليهم. باب: سرية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه إلى اليمن المرة الثانية. باب: سرية بني عبس إلى قريش. باب: بعثه صلى الله عليه وسلم سرية إلى رعية السحيمي الجهني. باب: بعثه صلى الله عليه وسلم أبا أمامة صدي بن عجلان إلى باهلة. باب: سرية جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه إلى ذي الخلصة. باب: بعثه صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وخالد بن سعيد بن العاص إلى اليمن. باب: بعثه صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى خثعم. باب: بعثه صلى الله عليه وسلم عمرو بن مرة الجهني إلى أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قبل إسلامه. باب: سرية أسامة بن زيد رضي الله عنهما إلى أهل مؤته بناحية البلقاء. باب: ذكر بعض ما فتحه صلى الله عليه وسلم من البلاد. جماع أبواب بعض الوفود إليه صلى الله عليه وسلم باب: الكلام على بعض فوائد سورة النصر. باب: تجمله صلى الله عليه وسلم للوفود وإجازتهم، ومعنى الوفد. باب: وفود أحمس إليه. باب: وفود أزد شنوءة إليه صلى الله عليه وسلم.

[ 19 ]

باب: وفود أزد عمان إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود بني أسد إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود أشجع إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود الأشعريين إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود أعشى بن مازن عليه. باب: وفود بارق إلى النبي صلى الله عليه وسلم. باب: وفود باهلة إليه. باب: وفود بني البكاء إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود بني بكر بن وائل إليه. باب: وفود بلي إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود بهراء إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود تجيب إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود بني ثعلبة إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود بني تميم إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود بني ثقيف إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود ثمالة والحدان إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود الجارود بن المعلى إليه. باب: وفود جذام إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود جرم إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود جرير بن عبد الله إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود جعدة إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود جعفي إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود جهينة إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود جيشان إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود الحارث بن حسان إليه صلى الله عليه. باب: وفود بني الحارث بن كعب إليه صلى الله عليه وسلم. باب: قدوم الحجاج بن علاط وما وقع في ذلك من الآيات. باب: وفود حضرموت إليه صلى الله عليه وسلم.

[ 20 ]

باب: وفود الحكم بن حزم إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود حمير إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود بني حنيفة إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود خفاف بن نضلة إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود خثعم إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود خولان إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود خشين إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود الداريين إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود دوس إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود ذباب بن الحارث عليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود الرهاويين إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود بني رؤاس بن كلاب إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود زييد إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود بني سحيم إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود بني سعد إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود سدوس إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود بني سلامان إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود سليم إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود بني شيبان إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود صداء إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود الصدف إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود أبي صفرة إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود ضماد بن ثعلبة إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود طارق إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود طيئ إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود بني عامر بن صعصعة إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود عبد الرحمن بن أبي عقيل إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود بني عبد بن عدي إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود عبد القيس إليه صلى الله عليه وسلم.

[ 21 ]

باب: وفود عدي بن حاتم إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود بني عبس إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود بني عذرة إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود بني عقيل إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود عمرو بن معدي كرب إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود عنزة إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود عنس، بالنون، إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود غافق إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود غامد إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود غسان إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود قاصد فروة بن عمرو إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود فروة بن مسيك إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود فزارة إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود بني قرة بن عبس إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود قدد بن عمار إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود بني قشير إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود قيس بن عاصم إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود بني كلاب إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود بني كلب إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود بني كنانة إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود بني كندة إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود لقيط بن عامر إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود محارب إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود بني مرة إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود مزينة إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود معاوية بن حيدة إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود مهرة إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود نافع بن زيد الحميري إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود النخع إليه صلى الله عليه وسلم.

[ 22 ]

باب: وفود بني هلال بن عامر إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود همدان إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود وائل بن حجر إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود واثلة بن الأشقع إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود الجن إليه صلى الله عليه وسلم. باب: ما قيل في اجتماع الياس به، إن صح الخير بذلك صلى الله عليه وسلم. باب: ما روى من اجتماع الحضر به، إن صح الخبر صلى الله عليه وسلم. باب: ما روى من قدوم هامة بن الهيم بن لاقيس بن إبليس وإسلامه إن صح الخبر. باب: وفود السباع إليه صلى الله عليه وسلم. جماع أبواب صفاته المعنوية عليه الصلاة والسلام باب: وفور عقله عليه السلام. باب: حسن خلقه صلى الله عليه وسلم. باب: حلمه وعفوه مع القدرة. باب: حيائه صلى الله عليه وسلم. باب: مداراته وصبره على ما يكره. باب: بره وشفقته ورحمته صلى الله عليه وسلم. باب: تواضعه صلى الله عليه وسلم. باب: كراهيته للإطراء وقيام الناس له. باب: شجاعته وقوته عليه السلام. باب: كرمه وجوده صلى الله عليه وسلم. باب: خوفه وتضرعه عليه السلام. باب: استغفاره وتوبته صلى الله عليه وسلم. باب: قصر أمله صلى الله عليه وسلم. باب: إعطائه القود من نفسه الكريمة. باب: بكائه عليه السلام. باب: زهده وورعه صلى الله عليه وسلم. باب: اقتناعه باليسير.

[ 23 ]

باب: ما جاء أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يدخر شيئا لغد. وما جاء أنه كان يدخر قوت سنة لعياله صلى الله عليه وسلم. باب: نفقته صلى الله عليه وسلم. باب: صفة عيشه في الدنيا. باب: هيبته ووقاره. باب: مزاحه ومداعبته. باب: ضحكه وتبسمه. باب: معرفة رضاه وسخطه. جماع أبواب سيرته في كلامه وتحريك يده حين يتكلم أو يعجب ونكته في الأرض بعود، وتشبيكه أصابعه وتسبيحه وتحريكه رأسه. وعضه لشفته، وضربه يده على فخذه عند التعجب صلى الله عليه وسلم. باب: صفة كلامه وفيه أنواع. باب: تكلمه بغير لغة العرب عليه السلام. باب: تحريك يده حين يتكلم أو يتعجب، وتسبيحه، وتحريك رأسه وعض شفته وضربه يده على فخذه عند التعجب، ونكته الأرض بعود ومسحه الأرض بيده وإشارته بإصبعه السبابة والوسطى وتشبيكه أصابعه صلى الله عليه وسلم. باب: ما ضربه من الأمثال صلى الله عليه وسلم. باب: قوله صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه: ويحك وويلك وتربت يداك ولله در أبيك وغير ذلك مما يذكر عنه صلى الله عليه وسلم. جماع أبواب سيرته صلى الله عليه وسلم في السلام والاستذان والمصافحة والمعانقة والتقبيل باب: آدابه صلى الله عليه وسلم في الاستئذان والمصافحة. باب: آدابه صلى الله عليه وسلم في السلام. باب: آدابه صلى الله عليه وسلم في مصافحته ومعانقته وتقبيله. جماع أبواب سيرته صلى الله عليه وسلم في جلوسه واتكائه وقيامه ومشيه باب: في آدابه في جلوس واتكائه. باب: آدابه عليه السلام في قيامه. باب: آدابه في مشيه صلى الله عليه وسلم. جماع أبواب سيرته في أكله وذكر ماكولاته عليه الصلاة والسلام باب: آداب جامعة وفيه أنواع.

[ 24 ]

باب: صفة خبزه وأمره بإكرام الخبز ونهيه عن إلقائه. باب: ما أكله صلى الله عليه وسلم من لحوم الحيوانات وفيه أنواع. باب: ما أكله صلى الله عليه وسلم من أطعمة مختلفة وفيه أنواع. باب: ما أكله صلى الله عليه وسلم من الفواكه والقلويات وفيه أنواع. باب: ما أكله صلى الله عليه وسلم من الخضروات وفيه أنواع. باب: فيما كان أحبه صلى الله عليه وسلم وفيه أنواع. باب: ما كان يعافه صلى الله عليه وسلم من الأطعمة وفيه أنواع. جماع أبواب سيرته صلى الله عليه وسلم في مشربه وذكر مشروباته باب: ما جاء أنه كان يستعذب له الماء، وذكر الآبار التي شرب منها وبصق فيها ودعا فيها بالبركة وفيه أيضا أنواع. باب: الآنية التي شرب منها. وفيه أنواع. باب: شربه قاعدا أو قائما. وفيه أنواع. باب: آدابه صلى الله عليه وسلم في شربه. باب: ذكر مشروباته صلى الله عليه وسلم وفيه أنواع. جماع أبواب سيرته صلى الله عليه وسلم في نومه وانتباهه باب: سيرته قبل نومه وفيه أنواع. باب: ما كان رسول الله يقوله ويفعله إذا أراد النوم. باب: ما كان صلى الله عليه وسلم يقوله إذا أصبح وإذا أمسى. باب: ما كان يقوله ويفعله إذا استيقظ. جماع أبواب سيرته صلى الله عليه وسلم في الرؤيا وذكر بعض مناماته باب: تفسيره عليه السلام الرؤيا وأن الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء من النبوة وأنها من المبشرات وما يتعلق بذلك من الآداب وفيه أنواع. باب: ما عبر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرؤيا أو عبر بين يديه وأقره. باب: ذكر بعض مناماته. جماع أبواب سيرته في لباسه وذكر ملبوساته صلى الله عليه وسلم باب: آدابه صلى الله عليه وسلم في لباسه وفيه أنواع. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في العمامة والعذبة والتلحي وفيه أنواع. باب: قلنسوته عليه السلام. باب: تقنعه وقناعته صلى الله عليه وسلم. باب: قميصه وإزاره وجيبه.

[ 25 ]

باب: لبسه الجبة وفيه نوعان. باب: لبسه الحلة وفيه نوعان. باب: لبسه العباء وفيه نوعان. باب: إزاره وكسائه وردائه وبردته وخميصته وشملته صلى الله عليه وسلم. باب: سراويله صلى الله عليه وسلم. باب: أنواع من ملابسه غير ما تقدم وفيه أنواع. باب: ألوان الثياب التي لبسها صلى الله عليه وسلم وفيه أنواع. باب: ما كرهه صلى الله عليه وسلم من الألوان والملابس. باب: خفيه ونعليه صلى الله عليه وسلم وفيه نوعان. جماع أبواب سيرته صلى الله عليه وسلم في خاتمه الذي في يده باب: في أمر الله تعالى له باتخاذ الخاتم إن صح الخبر بسبب اتخاذه الخاتم. باب: في لبسه صلى الله عليه وسلم خاتم الذهب ثم تركه له وتحريم لبسه. باب: في أي يد كان يتختم صلى الله عليه وسلم. باب: فيما روى في أي جهة من يده صلى الله عليه وسلم كان يجعل فص خاتمه. باب: فيما قيل إنه صلى الله عليه وسلم إنما لبس الخاتم يوما واحدا ثم تركه. باب: في آداب تتعلق بالخاتم. جماع أبواب سيرته في زينته وخصال الفطرة باب: خاتمه صلى الله عليه وسلم وفيه أنواع غير ما تقدم. باب: استعماله صلى الله عليه وسلم الطيب ومحبته له وفيه أنواع. باب: خضابه صلى الله عليه وسلم وفيه نوعان. باب: استعماله صلى الله عليه وسلم المشط وادهانه ونظره في المرآة واكتحاله. باب: قصة ظفره وشاربه وكذا أخذه من لحيته الشريفة إن صح الخبر وسيرته في شعر رأسه. باب: تفلية أم حرام رضي الله عنها رأسه صلى الله عليه وسلم. جماع أبواب آلات بيته صلى الله عليه وسلم وزاده تشريفا وفضلا باب: سريره وكرسيه صلى الله عليه وسلم. باب: حصيره وفراشه ولحافه وقطيفته ووسادته صلى الله عليه وسلم. باب: كراهيته صلى الله عليه وسلم ستر الجدار أو الباب بشئ فيه صورة حيوان. باب: آنيته وأثاثه صلى الله عليه وسلم.

[ 26 ]

جماع أبواب حروبه صلى الله عليه وسلم باب: قسيه صلى الله عليه وسلم وفيه نوعان. باب: سيوفه صلى الله عليه وسلم وفيه نوعان. باب: رماحه صلى الله عليه وسلم وحرابه وعنزته ومحجنه وقضيبه ومخصرته وعصاه وفيه أنواع. باب: درعه ومغفره وبيضته ومنطقته صلى الله عليه وسلم. باب: أتراسه وجعبته وسهامه صلى الله عليه وسلم. باب: ألويته وراياته وفسطاطه وقبته صلى الله عليه وسلم. باب: سرجه وإكافه وميثرته وغرزه صلى الله عليه وسلم. جماع أبواب سيرته صلى الله عليه وسلم في ركوبه باب: آدابه صلى الله عليه وسلم في ركوبه وفيه أنواع. باب: حمله معه على الدابة واحدا خلفه وآخر أمامه. باب: معرفة من أردفه صلى الله عليه وسلم وراءه. جماع أبواب دوابه صلى الله عليه وسلم باب: محبته صلى الله عليه وسلم الخيل وإكرامه لها ومدحه لها ووصيته بها ونهيه عن جز نواصيها وأذنابها وما حمده أو ذمه من صفاتها وفيه أنواع. باب: رهانه عليها ومسابقته بها صلى الله عليه وسلم. باب: عدد خيله صلى الله عليه وسلم وفيه نوعان. باب: بغاله وحميره صلى الله عليه وسلم وفيه نوعان. باب: لقاحه وركائبه وجماله صلى الله عليه وسلم وفيه أنواع. باب: شياهه ومنائحه وفيه نوعان. باب: ديكه صلى الله عليه وسلم وفيه أنواع. جماع أبواب سيرته صلى الله عليه وسلم في السفر والرجوع منه باب: اليوم الذي كان يختاره للسفر صلى الله عليه وسلم وما كان يقوله إذا أراد السفر. وإذا ركب دابته. باب: صفة سيره وشفقته على الضعيف صلى الله عليه وسلم. باب: ما كان يقوله إذا أدركه الليل في السفر وما كان يقوله ويفعله إذا نزل منزلا وصفه قومه في السفر وما كان يقوله في السحر وفيه أنواع. باب: ما كان يقوله ويفعله إذا رجع من سفره، وما كان يفعله إذا قدم، وما كان يقوله إذا دخل على أهله صلى الله عليه وسلم. باب: آداب متفرقة تتعلق بالسفر، وفيه أنواع.

[ 27 ]

جماع أبواب سيرته صلى الله عليه وسلم في الطهارة للصلاة باب: المياه التي توضأ أو اغتسل منها صلى الله عليه وسلم وفيه أنواع. باب: آدابه صلى الله عليه وسلم عند قضاء الحاجة وفيه أنواع. باب: إزالته النجاسة وفيه أنواع. باب: سواكه صلى الله عليه وسلم وفيه أنواع. باب: آدابه صلى الله عليه وسلم في وضوئه وفيه أنواع. باب: مسحه على الخفين والجبائر وفيه أنواع. باب: تيممه صلى الله عليه وسلم وفيه أنواع. باب: غسله صلى الله عليه وسلم وفيه أنواع. باب: استمتاعه بما بين السرة والركبة من امرأته الحائض واستخدامه ومجالسته لها. جماع أبواب سيرته صلى الله عليه وسلم في صلاة الفرائض باب: اختلاف العلماء فيما كان يتعبد به قبل البعثة: هل كان بشرع من تقدم أم لا ؟ باب: مواقيت صلواته الفرائض صلى الله عليه وسلم وفيه أنواع. باب: امتناعه صلى الله عليه وسلم من الصلاة في الأوقات المكروهة. باب: ما جاء أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد العصر ركعتين. باب: سيرته في الأذان والإقامة. باب: ما ورد أنه صلى الله عليه وسلم أذن مرة وذكر مؤذنيه وما كان يقوله إذا سمع الأذان والإقامة وآدابه في ذلك وفيه أنواع. باب: آدابه صلى الله عليه وسلم المتعلقة بالمساجد وفيه أنواع. باب: صلاته صلى الله عليه وسلم في الكعبة ومرابض الغنم ومحبته الصلاة في الحيطان. باب: آدابه صلى الله عليه وسلم قبل الدخول في الصلاة وفيه أنواع. باب: ما كان يصلي عليه وإليه صلى الله عليه وسلم وفيه أنواع. باب: سيرته في استقبال القبلة وهو يصلي وفيه أنواع. باب: صفة صلاته صلى الله عليه وسلم وفيه فروع. باب: أحاديث جامعة لأوصاف من أعمال صلاته غير ما تقدم وفيه أنواع. باب: آدابه بعد السلام وفيه أنواع. باب: صلاته صلى الله عليه وسلم في الفرض قاعدا لعذر وإيمائه في النفل إن صح الخبر.

[ 28 ]

باب: أذكاره ودعواته بعد صلواته من غير تعيين صلاة. باب: ما كان يقوله ويفعله بعد الصبح والعصر والمغرب. باب: آداب صدرت منه صلى الله عليه وسلم تتعلق بالصلاة غير ما مر. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في صلاة الجماعة وفيه أنواع. جماع أبواب سيرته صلى الله عليه وسلم في السجدات التي ليست بركن باب: سجوده للسهو وفيه أنواع. باب: بيان سجداته للتلاوة على سبيل الإجمال. باب: بيان عدد سجداته على سبيل التفصيل. باب: سجوده صلى الله عليه وسلم لقراءة غيره إذا سجد القارئ، وتركه السجود إذا لم يسجد القارئ، وسجوده للتلاوة في الصلاة المكتوبة وما كان يقوله في سجود التلاوة. باب: سجوده صلى الله عليه وسلم سجدة الشكر وصلاته ركعتين لذلك. جماع أبواب سيرته صلى الله عليه وسلم في يوم الجمعة وليلته باب: آدابه صلى الله عليه وسلم قبل الصلاة وفيه أنواع. باب: وقت صلاته الجمعة والنداء لها. باب: موضع خطبته وفيه أنواع. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في خطبته وما وقفت عليه من خطبه صلى الله عليه وسلم وفيه أنواع. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في صلاة الجمعة وفيه نوعان. باب: سيرته بعد الخروج من الصلاة صلى الله عليه وسلم. جماع أبواب سيرته في صلاة الفرض في السفر صلى الله عليه وسلم باب: إباحته صلى الله عليه وسلم القصر وأنه رخصة. باب: تقديره مسافة القصر وابتدائه والقصر مع الإقامة ببلد الحاجة. باب: جمعه صلى الله عليه وسلم بين الصلاتين وفيه أنواع. باب: صلاته صلى الله عليه وسلم النوافل في السفر وفيه نوعان. جماع أبواب سيرته صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف باب: بيان عدد المرات والكيفيات التي صدرت منه صلى الله عليه وسلم لصلاة الخوف على سبيل الإجمال. باب: صلاته صلى الله عليه وسلم النوافل في السفر وفيه نوعان. باب: كيفيات صلاته صلى الله عليه وسلم لصلاة الخوف على سبيل التفصيل. باب: فوائد وتنبيهات تتعلق بصلاته صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف.

[ 29 ]

جماع أبواب سيرته صلى الله عليه وسلم في صلاة النوافل التي لم تشرع لها الجماعة باب: صلاته صلى الله عليه وسلم السنن المقرونة بالفرائض وفيه نوعان. باب: صلاته صلى الله عليه الصبح ومحافطته عليها. باب: صلاته قبل الظهر والعصر وبعدهما. باب: صلاته بعد المغرب والعشاء وفيه أنواع. باب: صلاته صلاة الاستخارة. باب: أحاديث جامعة لرواتب مشتركة. باب: صلاته صلى الله عليه وسلم الوتر وفيه أنواع. جماع أبواب سيرته صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل باب: شدة اجتهاده في العبادة. باب: إيقاظه أهله لصلاة الليل. باب: وقت قيامه لصلاة الليل وقدره وقدر نومه وصفة قراءته. باب: افتتاحه صلاة الليل ودعائه قبل تهجده. باب: صفة صلاته بالليل. باب: بيان عدد ركعات صلاته باليل. باب: دعائه صلى الله عليه وسلم بعد تهجده. باب: قيامه الليل بآية يرددها، وقضائه له إذا تركه. باب: قيامه صلى الله وعليه وسلم في شهر رمضان. جماع أبواب سيرته في صلاة الضحى وصلاة الزوال باب: استنباط صلاة الضحى من القرآن وبعض ما ورد في فضلها والأمر. باب: صلاته صلاة الضحى وفيه نوعان. باب: الجواب عما ورد أنه لم يصلها. باب: فوائد تتعلق بصلاة الضحى. باب: صلاته صلى الله عليه وسلم قبيل الزوال وبعده. جماع أبواب صلاته صلى الله عليه وسلم في صلاة العيدين. باب: آدابه قبل الصلاة وفيه أنواع. باب: آدابه صلى الله عليه وسلم في صلاة العيدين وفيه أنواع. باب: آدابه صلى الله عليه وسلم في خطبة العيدين وفيه أنواع. باب: آدابه في رجوعه وفيه أنواع.

[ 30 ]

باب: آداب متفرقة تتعلق بالعيدين وفيه أنواع. جماع أبواب سيرته صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف باب: آداب متفرقة. باب: بيان كيفيات صلاته صلى الله عليه وسلم صلاة الكسوف. باب: صفة قراءته في كسوف الشمس وفيه نوعان. باب: صلاته صلى الله عليه وسلم في خسوف القمر. جماع أبواب سيرته في الاستسقاء والمطر والريح والسحاب والرعد والصواعق باب: آدابه صلى الله عليه وسلم قبل الصلاة وفيه أنواع. باب: استسقائه صلى الله عليه وسلم بخطبتين على المنبر وصلاة ركعتين بلا أذان وبلا إقامة وفيه أنواع. باب: استسقائه صلى الله عليه وسلم في خطبة الجمعة وبالدعاء بغير صلاة. باب: استسقائه لأهل إقليم آخر بالدعاء من غير صلاة. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في المطر والسحاب والريح والرعد والصواعق. جماع أبواب سيرته في المرضى والمحتضرين والموتى باب: سيرته في عيادة المرضى. باب: سيرته في المحتضرين. باب: حزنه وبكائه إذا مات أحد من أصحابه. باب: سيرته في غسل الميت وتكفينه وفيه نوعان. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في الجنازة وفيه أنواع. باب: سيرته في الصلاة على الميت وفيه أنواع. باب: من كان يصلي عليه وفيه أنواع. باب: من ترك الصلاة عليه وفيه أنواع. باب: سيرته في دفن الميت وما يلتحق بذلك وفيه أنواع. باب: سيرته في زيارة القبور وفيه أنواع. باب: سيرته في الشهداء والموتى. جماع أبواب سيرته صلى الله عليه وسلم في الصدقة باب: بعثه العمال لأخذها من الأغنياء وردها على الفقراء ووصيته عماله بالعدل. باب: وصيته لأرباب الأموال ودعائه لمن أحسن وعلى من أساء في الصدقة. باب: في الحول. باب: أفرضة الزكاة المالية وأنواعها على التعيين وفيه أنواع.

[ 31 ]

باب: أخذه الزكاة ممن عجلها. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في زكاة الفطر. باب: سيرته في المد والصاع والوسق. باب: من حرم الصدقة ومن أحلت له وفيه أنواع. باب: حثه على صدقة التطوع إذا نظر المحتاج. باب: تصدقه بقليل وكثير. باب: أوقافه وصدقاته صلى الله عليه وسلم. باب: سيرته في السائلين وفيه أنواع. جماع أبواب سيرته في الصوم والاعتكاف باب: ابتداء فرضه ودعائه ببلوغ رمضان وبشارة أصحابه بقدومه. باب: فرحه صلى الله عليه وسلم برؤية الهلال وما كان يقول إذا رآه وصومه بشهادة عدل واحد. باب: وقت إفطاره وما كان يفطر عليه وما كان يقول عند إفطاره وما كان يقول إذا أفطر عند أحد وسحوره وإتمامه للصوم إذا رأى الهلال يوم الثلاثين نهارا. باب: ما كان يفعله صلى الله عليه وسلم وهو صائم وفيه أنواع. باب: إفطاره صلى الله عليه وسلم في السفر وصومه فيه. باب: صومه صلى الله عليه وسلم التطوع وفيه أنواع. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في الاعتكاف. جماع أبواب حجه وعمره صلى الله عليه وسلم باب: بيان أي وقت فرض الحج، وسبب تأخيره صلى الله عليه وسلم الحج إلى السنة العاشرة. باب: بيان عدد حجاته قبل الهجرة وعمره وفيه نوعان. باب: بيان حجة الوداع. باب: تنبيهات وفوائد تتعلق بحجة الوداع. جماع أبواب سيرته صلى الله عليه وسلم في قراءة القرآن باب: قراءة كان كثيرا ما يقرأ بها. باب: آدابه صلى الله عليه وسلم في تلاوة القرآن وفيه أنواع. باب: محبته صلى الله عليه وسلم لسماع القرآن من غيره. باب: قراءته على أبي بن كعب سورة (لم يكن الذين كفروا) بأمر الله تعالى. باب: عرضه القرآن على جبريل في شهر رمضان في كل سنة مرة وفي آخر رمضان صامه عرضه مرتين.

[ 32 ]

جماع أبواب أذكاره ودعواته صلى الله عليه وسلم باب: آدابه في الدعاء. باب: ما كان يقوله إذا طلع الفجر وإذا طلعت الشمس. باب: ما كان يقوله ويفعله إذا أوى إلى فراشه. باب: استعاذته المطلقة صلى الله عليه وسلم. باب: أذكاره ودعواته المقترنة بالأسباب غير ما سبق في الأبواب المتقدمة. باب: أذكاره ودعواته المطلقة صلى الله عليه وسلم. جماع سيرته في المعاملات وما يلتحق بها باب: الكلام على النقود التي كانت تستعمل في أيامه صلى الله عليه وسلم. باب: شرائه وبيعه وفيه أنواع. باب: إيجاره واستئجاره وفيه نوعان. باب: استعارته وإعارته وفيه نوعان. باب: مشاركته - صلى الله عليه وسلم - باب: وكالته وتوكيله صلى الله عليه وسلم. باب: شرائه بالثمن الحال والمؤجل. باب: استدانة برهن وبغيره وحسن وفائه. باب: ضمانة وفيه أنواع. جماع أبواب سيرته في الهدايا والعطايا والاقطاعات باب: سيرته في الهدية وفيه أنواع. باب: سيرته في العطايا وفيه أنواع. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في الإقطاع وفيه أنواع. جماع أبواب سيرته في النكاح والصلاق والإبلاء باب: آداب متفرقة وفيه أنواع. باب: سيرته في الصداق وفيه أنواع. باب: سيرته في الولائم وفيه أنواع. باب: طلاقه وإيلائه.... باب: محبته صلى الله عليه وسلم للنساء. باب: عدله صلى الله عليه وسلم بين نسائه. باب: حسن خلقه معهن ومداراته لهن وحثه على برهن والصبر عليهن. باب: محادثته لهن وسمره معهن.

[ 33 ]

باب: آدابه عند الجماع وقوته على كثرة الوطء وفيه أنواع. جماع أبواب سيرته في الصيد والذبائح باب: آدابه في الذبائح وما أرشد إليه منها. باب: صيد البر والبحر والسهم والحيوان. باب: إباحته اقتناء كلب الصيد والحراسة. باب: ما أباح قتله من الحيوان وما نهى عن قتله. باب: سيرته في الهدي وفيه أنواع. باب: سيرته في الأضحية وفيه أنواع. باب: سيرته في العقيقة وفيه أنواع. جماع أبواب سيرته في الإيمان والنذور باب: ألفاظ حلف رسول الله صلى الله عليه وسلم غيره بها وتحذيره الحالف من اليمين الفاجرة وألفاظ حلف هو بها، وما نهى عن الحلف به. باب: استثنائه في يمنيه ونقضه يمينه ورجوعه عنها وكفارته وفيه أنواع. باب: آداب جامعة تتعلق بالأيمان وفيه أنواع. باب: سيرته في النذور وفيه أنواع. جماع أبواب سيرته في الجهاد وما يلحق به باب: آداب متفرقة وفيه أنواع. باب: مصالحته المحاربين وهدنته وأمانته ووفائه بالعهد والذمة لهم. باب: قسمة الغنائم بين الغانمين وتنفيله بعضهم على بعض وفيه أنواع. باب: صرفه الخمس والفئ. باب: نهيه عن الغلول وتركه أخذ المغلول من الغال إذا جاء به بعد القسمة، وتركه الصلاة على الغال وإحراقه متاع الغال وإكفائه قدور لحم نهبت من الغنيمة وفيه أنواع. باب: أخذه الجزية ممن أبى الإسلام. جماع أبواب سيرته في العلم وذكر بعض مروياته وفتاويه باب: آدابه في العلم وفيه أنواع. باب: بعض ما فسره من القرآن. باب: بعض مروياته عن ربه تبارك وتعالى، وتسمى الأحاديث القدسية. باب: روايته عن أبيه إبراهيم الخليل عليه السلام. باب: روايته عن بعض أصحابه قصة مشاهدة الدجال والدابة.

[ 34 ]

جماع أبواب سيرته في احكامه وأقضيته وفتاويه باب: أحكامه وأقضيته في المعاملات وما يتعلق بها وفيه أنواع. باب: أحكامه وأقضيته في الفرائض والوصايا. باب: أحكامه وأقضيته في النكاح والطلاق والخلع والرجعة والإيلاء والظهار واللعان وإلحاق الولد، وغير ذلك مما يذكر وفيه أنواع. باب: أحكامه وأقضيته في الحدود وفيه أنواع. باب: أحكامه في الجنايات والقصاص والديات والجراحات وفيه أنواع. باب: سيرته في الدعاوي والبينات وفصل الخصومات. باب: أحكامه وأقضيته في قضايا شتى غير ما سبق. باب: فتاويه صلى الله عليه وسلم وفيه أنواع. جماع أبواب سيرته في الشعر عليه الصلاة والسلام باب: مدحه لحسنه وذمه لقبيحه وتنفيره من الإكثار منه. باب: استماعه شعر بعض أصحابه في المسجد وخارجه. باب: أمره بعض أصحابه بهجاء المشركين. باب: ما تمثل به من الشعر. باب: ما طلب إنشاده من غيره صلى الله عليه وسلم. جماع أبواب هديه وسمته ودله غير ما سبق باب: استحبابه صلى الله عليه وسلم التيامن. باب: محبته للفأل الحسن وتركه الطيرة. باب: سيرته في الأسماء والكنى وتسميته بعض أولاد أصحابه وتغييرة الاسم القبيح. وفيه أنواع. باب: آدابه عند العطاس والبزاق والتثاؤب. باب: سيرته في الأطفال ومحبته لهم ومداعبته إياهم وسيرته في النساء غير نسائه صلى الله عليه وسلم وفيه أنواع. باب: سيرته عند الغضب وفيه أنواع. باب: شفاعته والشفاعة إليه وفيه أنواع. باب: زيارته أصحابه وإصلاحه بينهم. باب: سؤاله الدعاء من بعض أصحابه وتأمينه على دعاء بعضهم.

[ 35 ]

باب: تهنئته وفيه أنواع. باب: سيرته في الاعتذار والعذر وفيه أنواع. باب: سيرته في دخوله بيته وخروجه منه ومخالطته للناس وفيه أنواع. باب: وفائه بالعهد والوعد صلى الله عليه وسلم. باب: إكرامه من يستحق إكرامه وتألفه أهل الشرف. باب: ربطه الخيط في إصبعه أو خاتمه إذا أراد أن يتذكر حاجة إن صح الخبر. باب: احتياطه في نفي التهمة عنه. باب: خروجه لبساتين بعض أصحابه ومحبته لرؤية الخضرة وإعجابه النظر للأترج والحمام الأحمر. إن صح الخبر. باب: عومه عليه السلام. باب: مسابقته على الأقدام بنفسه. باب: جلوسه على شفير البئر وتدليته رجليه وكشفه عن فخذيه. باب: آداب متفرقة صدرت منه غير ما تقدم وفيه أنواع. جماع أبواب معجزاته السماوية صلى الله عليه وسلم باب: الكلام على المعجزة والكرامة والسحر. باب: إعجاز القرآن، واعتراف المشركين بإعجازة وأنه لا يشبه شيئا من كلام البشر، ومن أسلم لذلك وفيه أنواع. باب: سؤال قريش رسول لله أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر. باب: حبس الشمس له صلى الله عليه وسلم. باب: رد الشمس بعد غروبها بدعائه صلى الله عليه وسلم. باب: استسقائه ربه عز وجل لأمته حين تأخر عنهم المطر وكذلك استصحاؤه. جماع أبواب معجزاته في المياه وعذوبة ما كان منها مالحا باب: نبع الماء الطهور من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم. باب: تكثيره ماء الميضأة والقدح. باب: تكثيره ماء عين تبوك. باب: تكثيره ماء بئر بقباء. باب: تكثيره ماء بئر باليمن. باب: تكثيره ماء قطيعة برهاط اليمن. باب: تكثيره ماء بئر الحديبية.

[ 36 ]

باب: تكثيره ماء بئر أنس بن مالك رضي الله عنه. باب: تكثيره ماء بئر غريس. باب: تكثيره ماء المزادتين. باب: عذوبة ماء بئر باليمن ببركته. باب: نبع الماء له من الأرض صلى الله عليه وسلم. جماع معجزاته صلى الله عليه وسلم في الأطعمة باب: تكثيره صلى الله عليه وسلم اللبن في القدح. باب: تكثيره صلى الله عليه وسلم لبن الشاة. باب: معجزاته في عكة أم سليم وأم أوس البهزية وأم شريك الدوسية ونحى حمزة الأسلمي وأم مالك البهزية. باب: تكثيره صلى الله عليه وسلم الشعير. باب: تكثيره صلى الله عليه وسلم التمر. باب: تكثيره صلى الله عليه وسلم البيض. باب: تكثيره صلى الله عليه وسلم اللحم. باب: تكثيره صلى الله عليه وسلم طعام أبي طلحة رضي الله عنه. باب: تكثيره صلى الله عليه وسلم طعام جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. باب: تكثيره صلى الله عليه وسلم حيس أم سليم رضي الله عنها. باب: تكثيره صلى الله عليه وسلم طعام أبي أيوب رضي الله عنه. باب: تكثيره صلى الله عليه وسلم طعام ابنته فاطمة رضي الله عنها. باب: تكثيره صلى الله عليه وسلم فضلة أزواد أصحابه رضي الله عنها. باب: تكثيره صلى الله عليه وسلم أطعمة مختلفة غير ما تقدم. باب: قصة الذراع. باب: تكثيره صلى الله عليه وسلم سواد البطن. باب: الطعام الذي أتاه صلى الله عليه وسلم من السماء. باب: تسبيح الطعام والشراب بين يديه صلى الله عليه وسلم. جماع أبواب معجزاته صلى الله عليه وسلم في الأشجار باب: حنين الجذع شوقا إليه صلى الله عليه وسلم. باب: انقياد الشجر له صلى الله عليه وسلم. باب: نزول العذق من الشجرة له ومشي شجرة أخرى إليه وشهادتهما له بالرسالة.

[ 37 ]

باب: إعلام الشجرة بمجئ الجن إليه شجرة أخرى عليه زاده الله فضلا وشرفا لديه. باب: الآية في النخل الذي غرسه صلى الله عليه وسلم لسلمان رضي الله تعالى عنه لما كاتب سيده عليه. جماع أبواب معجزاته صلى الله عليه وسلم في الجمادات باب: تسبيح الحصا في كفه صلى الله عليه وسلم. باب: تكثيره الذهب الذي دفعه لسلمان. باب: تأمين أسكفة الباب وحوائط البيت على دعائه عليه الصلاة والسلام. باب: تحرك الجبل فرحا به صلى الله عليه وسلم. باب: تنكيس الأصنام حين أشار إليها صلى الله عليه وسلم. باب: تحرك المنبر حين أمعن في وعظه الناس عليه. باب: في إلانة الصخرة التي عجز الناس عنها له صلى الله عليه وسلم. باب: سلام الأحجار عليه زاده الله تعالى فضلا وشرفا لديه. جماع أبواب معجزاته صلى الله عليه وسلم في الحيوانات باب: انقياد الإبل له. باب: سجود الإبل له وشكواها إليه. باب: بركته في جمل جابر وناقة الحكم بن أيوب وناقة رجل آخر. باب: بركته في ظهر المسلمين في غزوة تبوك. باب: سجود الغنم له صلى الله عليه وسلم. باب: شهادة الذئب له صلى الله عليه وسلم بالرسالة. باب: خشية الوحش الداجن إياه. باب: خدمة الأسد لسفينة مولاه صلى الله عليه وسلم. باب: استجارة الغزالة به وشهادتها له بالرسالة صلى الله عليه وسلم. باب: شهادة الضب له بالرسالة صلى الله عليه وسلم. باب: شكوى الحمرة إليه صلى الله عليه وسلم. باب: قصة مجئ الشاة في البرية إليه صلى الله عليه وسلم. باب: قصة الكلب الأسود معه صلى الله عليه وسلم. باب: بركته في فرس جعيل وفرس أبي طلحة رضي الله عنهما. باب: بركته في حماري عصمة بن مالك وأبي طلحة رضي الله عنهما.

[ 38 ]

باب: قصة الطائر الذي حلق بإحدى خفيه صلى الله عليه وسلم. باب: ازدلاف البدنات إليه لما أراد نحرهن. جماع أبواب معجزاته في رؤيته المعاني في صورة المحسوسات باب: رؤيته الرحمة والسكينة وإجابة الدعاء. باب: رؤيته الحمى وسماع كلامها. باب: رؤيته الفتن. باب: رؤيته الدنيا وسماع كلامها. باب: رؤية الجمعة والساعة. جماع أبواب معجزاته صلى الله عليه وسلم في انقلاب الأعيان له باب: انقلاب الماء لبنا وزبدا ببركته صلى الله عليه وسلم. باب: انقلاب العصا سيفا ببركته صلى الله عليه وسلم. باب: انقلاب العرجون سيفا ببركته صلى الله عليه وسلم. جماع أبواب معجزاته في تجلي ملكوت السموات والأرض واطلاعه على أحوال البرزخ والجنة والنساء وأحوال يوم القيامة. باب: تجلي ملكوت السموات والأرض له صلى الله عليه وسلم. باب: ما اطلع عليه من أحوال البرزخ في الجنة والنار. جماع أبواب معجزاته في إحياء الموتى وإبراء المرضى باب: معجزاته في إحياء الموتى وسماع كلامهم. باب: معجزاته في إبراء الأعمى والأرمد ومن فقئت عينه. باب: معجزاته في إبراء الأبكم والرتة واللقوة. باب: معجزاته في إبراء القرحة والسلعة والحرارة والدميلة. باب: معجزاته في إبراء الحرق. باب: معجزاته في إبراء وجع الضرس والرأس. باب: معجزاته في إبراء الجراحة والكسر. باب: معجزاته في إذهاب التعب وحصول القوة في الرمي. باب: معجزاته في ذهاب النسيان وحصول العلم والفهم وإذهاب البذاء وحصول الحياء. باب: معجزاته في إبراء الجنون. باب: معجزاته في إبراء أمراض شتى.

[ 39 ]

جماع أبواب معجزاته في أثر يده الشريفة وريقه الطيب غير ما تقدم باب: بركة يده صلى الله عليه وسلم في شياه أبي قرصافة. باب: بركة يده الشريفة في نبات الشعر والشعر الذي لم ينبت. باب: بركة يده الشريفة في مسحه وجه بعض أصحابه. باب: تبرك أصحابه رضي الله عنهم بكل شئ منه أو اتصل به ومحافظتهم على ذلك كله واغتباطهم به وتعظيهم له صلى الله عليه وسلم. باب: بركة ريقه الطيب صلى الله عليه وسلم. باب: بركة يده صلى الله عليه وسلم. جماع أبواب معجزاته في إضاءة العرجون والعصا والأصابع والبرقة باب: معجزاته صلى الله عليه وسلم في إضاءة العرجون. باب: معجزاته في إضاءة العصا. باب: معجزاته في إضاءة الأصابع. باب: معجزاته صلى الله عليه وسلم في البرقة التي برقت للحسن والحسين. جماع أبواب معجزاته في رؤية بعض أصحابه الجن والملائكة وسماع له كلامهما باب: معجزاته في رؤية بعض أصحابه الملائكة وسماع كلامهم إكرامهم له صلى الله عليه وسلم. باب: معجزاته في رؤية بعض أصحابه الجن وسماع كلامهم إكراما له. جماع أبواب معجزاته في إخباره رجالا بما حدثوا به انفسهم وغير ذلك باب: إخباره من حدث نفسه بالفتك به صلى الله عليه وسلم. باب: إخباره من حدث نفسه بأنه ليس في القوم أحد خيرا منه وما وقع في ذلك من الآيات. باب: إخباره وابصة بن معبد بأنه جاء يسأل عن البر والإثم. باب: إخباره الثقفي والأنصاري بما جاءا يسألان عنه. باب: أمره صلى الله عليه وسلم أبا سعيد الخدري بالاستعفاف لما أراد أن يسأله شيئا من الدنيا وما وقع في ذلك من الآيات. باب: إخباره من قال في نفسه شعرا به. باب: إخباره بالشاة التي أخذت بغير إذن أهلها. باب: إخباره بنزول جماعة بالجابية وأخذ الطاعون إياهم فكان كما أخبر.

[ 40 ]

باب: إخباره شداد بن أوس بأنه يعافى من مرضه وأنه يسكن الشام. فكان كذلك صلى الله عليه وسلم. باب: إخباره من أرسله إلى ابنته بما حبسه. باب: إخباره صلى الله عليه وسلم عمن قاتل الكفار قتالا شديدا أنه من أهل النار، فقتل نفسه. باب: أخباره بسبب اللحم الذي صار حجرا. باب: إخباره بما سحر به صلى الله عليه وسلم. باب: إخباره معاذا بأن ناقته تبرك بالجند. باب: إخباره من سأل أهل رجل عن حاله بما سأل عنه. باب: إخباره بأن الأرضة أكلت الصحيفة الظالمة التي كتبتها قريش. باب: إخباره قريشا ليلة الإسراء بصفة بيت المقدس، ولم يكن رآه قبل ليلة الإسراء. باب: إخباره نوفل بن الحارث بماله الذي خبأه بجدة. باب: إخباره بقتل مجدر بن زياد. باب: إخباره بقتل أصحابه يوم الرجيع. باب: إخباره بقتل أصحابه يوم بئر معونة. باب: إخباره بأن خيبر تفتح على يد علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. باب: إخباره عن رجل قاتل الكفار قتالا شديدا أنه من أهل النار فمات فوجدوه قد غل من الغنيمة وما في ذلك من الآيات. باب: إخباره بقتل من قتل في غزوة مؤته يوم أصيبوا. باب: إخباره بكتاب حاطب إلى أهل مكة. باب: إخباره الأنصار بما قالوه يوم غزوة الفتح. باب: إخباره عثمان بن طلحة بأنه سيصير مفتاح البيت إليه يضعه حيث شاء. باب: إخباره شيبة بن عثمان بأنه لم يسلم بعد. باب: إخباره بقتل كسرى يوم قتل. باب: إخباره صلى الله عليه وسلم بأن جعل بأس هذه الأمة بينها. باب: إخباره صلى الله عليه وسلم عبد الله بن بسر أنه يعيش قرنا. باب: إخباره صلى الله عليه وسلم أبا ركانة بما..... باب: إخباره بأناس يسمون الخمر بغير اسمها. باب: إخباره أن الأذان في آخر الزمان يليه سفلة الناس ويرغب عنه سادتهم.

[ 41 ]

باب: إخباره أن الأمر سيعود في حمير. باب: إخباره بحال الدجال. باب: إخباره بأنه لا يبقى أحد من أصحابه بعد المائة من الهجرة. باب: إخباره بمن أخذ بكشح المرأة بما فعل. باب: إخباره صلى الله عليه وسلم بأنه لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان. باب: إخباره صلى الله عليه وسلم أخا ثقيف بما جاء يسأل عنه. باب: إخباره صلى الله عليه وسلم بأن الأرض لا تقبل الرجل الذي كان يكتب له ويغير ما يأمر به. جماع أبواب معجزاته فيما أخبر به من الكوائن بعد، فكان كما أخبرت، غير ما تقدم. باب: إخباره صلى الله عليه وسلم بما يفتح على أصحابه وأمته من الدنيا وأنه سيكون لهم أنماط وأنهم يتحاسدون ويقتتلون. باب: إخباره بفتح الحيرة. باب: إخباره بفتح اليمن والعراق والشام. باب: إخباره بفتح بيت المقدس وما معه. باب: إخباره بفتح مصر وما يحدث فيها. باب: إخباره بغزاة البحر وأن أم حرام منهم. باب: إخباره بقتال خوز وكرمان وقوم نعالهم الشعر. باب: إخباره بغزو الهند وبفتح فارس والروم. باب: إخباره بهلاك كسرى وقيصر وإنفاق كنوزهما وأنه لا يكون بعدهما كسرى ولا قيصر فكان ذلك. باب: إخباره بالخلفاء بعده بالملوك والأمراء. باب: إخباره بخلفائه الأربعة رضي الله عنه. باب: إخباره بولاية معاوية رضي الله عنه. باب: إخباره بولاية يزيد وأنه أول من يغير أمر هذه الأمة. باب: إخباره بولاية بني أمية. باب: إخباره بولاية بني العباس. باب: إخباره بأن الترك تسلب الأمر من قريش إذا لم يقيموا الدين. باب: إخباره بقوم يأخذون الملك يقتل بعضهم بعضا. باب: إخباره بالشهادة لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.

[ 42 ]

باب: إخباره بالشهادة لثابت بن قيس بن شماس. باب: إخباره بأن جزيرة العرب لا تعبد فيها الأصنام أبدا. باب: إخباره صلى الله عليه وسلم بالردة بعده. باب: إخباره بأن سهيل بن عمرو يقوم مقاما حسنا. باب: إخباره بأن البراء بن مالك لو أقسم على الله لأبره. باب: إخباره الأقرع بن شفي بأنه يدفن بالربوة من أرض فلسطين. باب: إخباره بأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه من المحدثين. باب: إخباره بأول أزواجه لحوقا به عليه السلام. باب: إخباره بكتابة المصاحف. باب: إخباره بأويس القرني رضي الله عنه. باب: إخباره بحال أبي ذر رضي الله عنه. باب: إخباره بقتل الأعرابي قبل أن يتخرق سقاؤه. باب: إخباره برجل من أمته يدخل الجنة في الدنيا. باب: إخباره بمحمد بن الحنفية رحمه الله تعالى. باب: إخباره بصلة بن أشيم رحمه الله ووهب والقرظي وغيلان والوليد. باب: إخباره بالطاعون الذي وقع بالشام وبأن فناء أمته بالطعن والطاعون. باب: إخباره أم ورقة بالشهادة. باب: إخباره بأن عبد الله بن بسر يعيش قرنا. باب: إخباره بعالم المدينة المنورة. باب: إخباره بعالم المدينة المنورة. باب: إخباره صلى الله عليه وسلم بعالم قريش. باب: إخباره بحال زيد بن صوحان وجندب بن كعب. باب: إخباره بعمى زيد بن أرقم رضي الله عنه. باب: إخباره بعمر جماعة وانخرام القرن. باب: إخباره بالشهادة للنعمان بن بشير. باب: إخباره بتغيير الناس من القرن الرابع. باب: إخباره بأن الدنيا لا تذهب حتى تصير للكع بن لكع. باب: إشارته إلى حال الوليد بن عقبة. باب: إخباره بحال ابن عباس رضي الله عنهما. باب: إخباره بحال أبي هريرة رضي الله عنه.

[ 43 ]

باب: إخباره بأشياء تتعلق بعمرو بن الحمق رضي الله عنه فكان كما أخبر. باب: إخباره ميمونة رضي الله عنها بأنها لا تموت بمكة. باب: إخباره أبا ريحانة بما غيبته. باب: إخباره صلى الله عليه وسلم بكلام الميت بعده. باب: إخباره بمن يرد سنته ولا يحتج بها وبمن يجادل ويحتج بمتشابه القرآن. باب: إخباره الأنصار بأنهم سيلقون بعده أثرة. باب: إشارته إلى دولة عمر بن عبد العزيز رحمه الله. باب: إشارته إلى وجود الإمام أبي حنيفة والإمام مالك والإمام الشافعي. باب: إخباره بقوم يأتون بعده يحبونه حبا شديدا. باب: إخباره بالنار التي تخرج من أرض الحجاز تضئ لها أعناق الإبل ببصرى. باب: إخباره بحال قيس بن مطاطية. باب: إخباره بأنه سيكون قوم في هذه الأمة يعتدون في الطهور والدعاء. باب: إخباره بحال قيس بن خرشة رضي الله تعالى عنه. باب: إخباره باتخاذ أمته الخصيان. باب: إخباره بأن طائفة من أمته لا تزال على الحق حتى تقوم الساعة لا يردها عنه شئ. باب: إخباره بمن يجدد لهذه الأمة أمر دينها كل مائة سنة. باب: إخباره بأنه لا يأتي زمان إلا والذي يليه شر منه. باب: إخباره بأن الخطباء يغفلون عن ذكر الدجال على المنابر. باب: إخباره بالكذابين بعده وبالحجاج. باب: إخباره بكذابين في الحديث وشياطين يحدثون الناس. باب: إخباره بأول الأرض خرابا وأول الناس هلاكا. باب: إخباره بظهور المعدن بأرض بني سليم. باب: إخباره بصفته رجال ونساء يكونون في آخر الزمان. باب: إخباره بأقوام يأكلون بألسنتهم كما تأكل البقر. باب: إخباره بذهاب العلم والخشوع وعلم الفرائض ورفع الأمانة. باب: إخباره بأن محمد بن مسلمة لا تضره الفتنة. باب: إخباره بموت أبي الدرداء قبل الفتنة. باب: إخباره بفتح القسطنطينية وأنها تفتح قبل رومية.

[ 44 ]

باب: إخباره بحال القراء في آخر الزمان فكان كما أخبر. باب: إخباره بأن المساجد والبيوت ستزخرف والمباهاة بها. باب: إخباره صلى الله عليه وسلم عن مكان سيصير سوقا. باب: إخباره بإتيان قوم يقرأون القرآن يسألون به الناس. باب: إخباره بزخرفة البيوت. باب: إخباره بأنه سيكون في أمته رجال نساؤهم على رؤوسهن كأسنمة البخت كاسيات عاريات. باب: إخباره بأن السلطان والقرآن سيفترقان. باب: إخباره بحال الولاة بعده. باب: ما أخبر به صلى الله عليه وسلم على سبيل الإجمال. جماع أبواب معجزاته في إخباره بالفتن والملاحم الواقعة بعده باب: إخباره بالفتن وإقبالها ونزولها كمواقع القطر والظلل ومن أين تجئ وفيه أنواع. باب: إخباره عن بدء دوران رحى الإسلام. باب: إخباره بأن الرجل يمر بقبر أخيه فيقول: " ياليتني مكانك " من كثرة الفتن. باب: إخباره بأنه ستكون فتن النائم فيها خير من اليقظان والقاعد فيها خير من القائم وفي ذلك أنواع. باب: إخباره بمن يبيع دينه في الفتنة بعرض يسير. باب: إخباره صلى الله عليه وسلم بكثرة الهرج. باب: إخباره بأن مبدأ الفتنة قتل عمر رضي الله عنه. باب: إخباره بقتل عمر رضي الله عنه. باب: إخباره بوقعة الجمل وصفين والنهروان وقتال عائشة والزبير عليا رضي الله تعالى عنهم وبعث الحكمين. باب: إخباره بقتل عمار بن ياسر رضي الله عنه. باب: إخباره بأن الحسن بن علي سيد يصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين. باب: إخباره بقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما.

[ 45 ]

باب: إخباره بأغيلمة من قريش وبرأس الستين وبأن هذا الحي من مضر لا يدع مصليا إلا فتنه. باب: إخباره بقتل أهل الحرة. باب: إخباره بالمقتولين ظلما بعذراء من أرض دمشق. باب: إخباره بقتل عمرو بن الحمق رضي الله عنه. باب: إخباره بأئمة يصلون الصلاة في غير وقتها فكان كما قال وذلك في زمن بني أمية. باب: إخباره بالخوارج فكان كما أخبر. باب: إخباره بالرافضة والقدرية والمرجئة والزنادقة. باب: إخباره بافتراق أمته على ثلاث وسبعين فرقة. باب: إخباره بأن الناس يغربلون ويتغير حالهم. باب: إخباره بأن الله تعالى جعل بأس هذه الأمة بينها. باب: إخباره بظهور كنز الفرات. باب: إخباره بنقض عرى الإسلام وأنه سيعود غريبا كما بدأ وأنه يدرس كما يدرس وشي الثوب. باب: إخباره بإحراق البيت العتيق. باب: إخباره بأن الإيمان بالشام حين تقع الفتن. باب: إخباره بملاحم الروم وتواترها وأن الساعة لا تقوم حتى تكون الروم ذات قرون وتداعي الأمم على أهل الإسلام. باب: إخباره بتكليم السباع الإنس وغير ذلك مما يذكر. باب: إخباره بأنه ستكون هجرة بعد هجرة إلى مهاجر إبراهيم عليه السلام. باب: إخباره بأنه لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت ويرتفع الركن والمقام. باب: إخباره بأن أمته تفتح عليهم مشارق الأرض ومغاربها. باب: إخباره بأن مجئ الفتن من قبل المشرق. باب: في بعض ما أخبر به من الشدائد والفتن. جماع أبواب معجزاته في بعض ما أخبر من علامات الساعة وأشراطها غير ما تقدم باب: أحاديث جامعة لأشراط الساعة أخبر بها صلى الله عليه وسلم وجد غالبها وفيه أنواع. باب: إخباره بخروج المهدي عليه السلام.

[ 46 ]

باب: إخباره بخروج الدجال وفيه أنواع. باب: إخباره بنزول عيسى ابن مريم عليه السلام. باب: إخباره بخروج يأجوج ومأجوج وفيه أنواع. باب: إخباره صلى الله عليه وسلم بأن الحبشة تهدم الكعبة. باب: إخباره صلى الله عليه وسلم بخروج الدابة وفيه أنواع. باب: إخباره بطلوع الشمس والقمر من المغرب. باب: إخباره بأنه سيقع في هذه الأمة مسخ وخسف وقذف وإرسال صواعق وشياطين وغير ذلك مما يذكر وفيه أنواع. باب: إخباره بما يصير إليه أمر المدينة الشريفة. باب: إخباره بالريح التي تقبض أرواح المؤمنين في آخر الزمان ورفع القرآن. باب: إخباره بمن تقوم عليه الساعة وأنها تقوم نهارا وأنها لا تقوم على أحد يقول في الأرض الله وأنها لا تقوم حتى تعبد الأوثان وأنه لا يعرف معروف ولا ينكر منكر وفيه أنواع. جماع أبواب معجزاته في اجابة دعواته لأقوام بأصياء فحصلت لهم باب: إجابة دعائه لآله رضي الله عنهم. باب: إجابة دعائه لابنته فاطمة رضي الله عنها. باب: إجابة دعائه لعلي رضي الله عنه. باب: إجابة دعائه لعمر بن الخطاب رضي الله عنه. باب: إجابة دعائه لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه. باب: إجابة دعائه لغلام من تجيب رضي الله عنه. باب: إجابة دعائه للنابغة رضي الله عنه. باب: إجابة دعائه لعبد الله بن عتبة رضي الله عنه. باب: إجابة دعائه لثابت بن يزيد رضي الله عنه. باب: إجابة دعائه للمقداد بن الأسود رضي الله عنه. باب: إجابة دعائه لعمرو بن الحمق رضي الله عنه. باب: إجابة دعائه لأولاد أبي سبرة رضي الله عنه. باب: إجابة دعائه لضمرة بن ثعلبه رضي الله عنهما. باب: إجابة دعائه لأبي بن كعب رضي الله عنه. باب: إجابة دعائه لابن عباس رضي الله عنهما.

[ 47 ]

باب: إجابة دعائه لأنس بن مالك رضي الله تعالى عنه. باب: إجابة دعائه لبهيه بنت عبد الله البكرية رضي الله عنهما. باب: إجابة دعائه لأم أبي هريرة وأخته رضي الله تعالى عنهما. باب: إجابة دعائه للسائب بن يزيد رضي الله عنه. باب: إجابة دعائه لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما. باب: إجابة دعائه لعروة البارقي رضي الله عنه. باب: إجابة دعائه لمعاوية بن أبي سفيان. باب: إجابة دعائه لأم قيس رضي الله عنها. باب: إجابة دعائه لرجل من اليهود. باب: إجابة دعائه لأبي زيد وعمرو بن أخطب الأنصاري رضي الله عنه. باب: إجابة دعائه صلى الله عليه وسلم لحمل أم سليم رضي الله عنها. باب: إجابة دعائه لعبد الله بن هشام رضي الله عنه. باب: إجابة دعائه لحكيم بن حزام رضي الله عنه. باب: إجابة دعائه لجرير بن عبد الله رضي الله عنه. باب: إجابة دعائه للسوداء التي كانت تصرع رضي الله عنهما. باب: إجابة دعائه لأمته في بكورها. باب: إجابة دعائه بالمحبة بين رجل وامرأته كانا متباغضين. باب: إجابة دعائه بإقبال أهل اليمن وأهل الشام على الإسلام. باب: إجابة دعائه لأبي أمامة رضي الله عنه وأهل بيته. باب: إجابة دعائه بن شداخ الليثي رضي الله عنه. باب: إجابة دعائه لثعلبة بن حاطب. باب: إجابة دعائه للزبير بن العوام رضي الله عنه. باب: إجابة دعائه لمن بلغ سنته من أمته. باب: إجابة دعائه للقيط بن أرطاة رضي الله عنه. باب: إجابة دعائه للوليد بن قيس رضي الله عنه. باب: إجابة دعائه لرجل من الأنصار رضي الله عنهم. باب: إجابة دعائه في إذهاب الحر والبرد. باب: إجابة دعائه في إذهاب الغيرة. باب: إجابة دعائه لحنظلة بن حذيم رضي الله عنه.

[ 48 ]

جماع أبواب معجزاته في إجابة دعواته على أقوام بأصياء فحصلت لهم باب: إجابة دعائه على من رآه يأكل بشماله. باب: إجابة دعائه على قيس بن (......). باب: إجابة دعائه صلى الله عليه وسلم بأن لا يشبع بطن معاوية رضي الله عنه. باب: إجابة دعائه على من كفى شعره عن التراب في الصلاة. باب: إجابة دعائه على رجل أن تضرب عنقه. باب: إجابة دعائه على عتبة بن أبي لهب. باب: إجابة دعائه على رجل خالفه في الصلاة. باب: إجابة دعائه على من احتكر طعاما. باب: إجابة دعائه على شعر رجل عبث به في الصلاة. باب: إجابة دعائه صلى الله عليه وسلم على أبي ثروان. باب: إجابة دعائه بالحمى على بني عصية. باب: إجابة دعائه على ليلى بنت الخطيم رضي الله عنها. باب: إجابة دعائه على امرأة كانت تفشي السر بين أزواجه. باب: إجابة دعائه صلى الله عليه وسلم على قريش بالسنة. باب: إجابة دعائه على رجل ممن شهد هوازن بأن يخيس سهمه. باب: إجابة دعائه على بني حارثة بن عمرو. باب: إجابة دعائه على سرافة بن مالك بن جعشم. باب: إجابة دعائه على أبي القين. باب: إجابة دعائه على لهب بن أبي لهب. باب: إجابة دعائه على الحكم بن أبي العاص. باب: إجابة دعائه على معاوية بن حيدة قبل إسلامه. باب: إجابة دعائه على من مر بين يديه أن يقطع أثره. باب: إجابة دعائه على كسرى حين مزق كتابه. باب: إجابة دعائه على محلم بن جثامة. جماع أبواب ما علمه لأصحابه من الدعوات والرقى فظهرت آثاره باب: ما علمه صلى الله عليه وسلم لعائشة لما وعكت. باب: ما علمه صلى الله عليه وسلم لعائشة في قضاء الدين. باب: ما علمه صلى الله عليه وسلم لخالد بن الوليد رضي الله عنه لما كاده بعض الجن.

[ 49 ]

باب: ما علمه صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه ليأمن من لدغة العقرب. باب: ما علمه صلى الله عليه وسلم لخالد بن الوليد رضي الله عنه لما حصل له الأرق. باب: ما علمه صلى الله عليه وسلم لرجل أدبرت عنه الدنيا. باب: ما علمه لأمته للأمان من السرقة. باب: ما علمه لفاطمة الزهراء رضي الله عنها. باب: ما علمه لأبي بكر الصديق. باب: ما علمه لأبي مالك الأشعري رضي الله عنه. باب: ما علمه لأبي بن كعب رضي الله تعالى عنه. باب: ما علمه لبعض بناته رضي الله عنهن. جماع أبواب آيات في منامات رؤيت في عهده صلى الله عليه وسلم باب: ما رآه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. باب: ما رآه عبد الله بن سلام رضي الله عنه. باب: ما رآه ابن زميل الجهني رضي الله عنه. باب: ما رآه طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه. باب: ما رآه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه. باب: ما رآه زيد بن ثابت رضي الله عنه. باب: ما رآه الطفيل بن عمرو رضي الله عنه. باب: ما رآه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه. باب: ما رآه رجال من الصحابة رضي الله عنهم في شأن ليلة القدر. جماع أبواب بعض آيات وقعت لأصحابه واتباعهم فهي من معجزاته صلى الله عليه وسلم باب: وجوب اعتقاد إثبات كرامات الأولياء رحمهم الله. باب: فوائد تتعلق بكرامات الأولياء رحمهم الله. باب: بعض آيات وقعت لأمير المؤمنين أبي بكر الصديق رضي الله عنه وفيه أنواع. باب: بعض آيات وقعت لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لأمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لسيدنا الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما.

[ 50 ]

باب: بعض آيات وقعت لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لعبد الله بن جحش رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لسيدنا العباس رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لخبيب بن عدي رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لأبي بن كعب رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لأبي الدرداء رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لسلمان الفارسي رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لأهبان بن صيفي رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت للعلاء بن الحضرمي رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لعامر بن فهيرة رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لعاصم بن ثابت رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لزيد بن حارثة رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت للبراء بن مالك رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لأنس بن مالك رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لتميم الداري رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لأبي أمامة رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لجنادة بن أبي أمية رضي الله تعالى عنه. باب: بعض آيات وقعت لأبي ريحانة رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لحجر بن عدي أو قيس بن مكشوح رضي الله عنهما. باب: بعض آيات وقعت لحمزة بن عمر رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لعمران بن حصين رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لخالد بن الوليد رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لسفينة رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لعمار بن ياسر رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لأبي قرصافة رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لعقبة بن نافع رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لرجل من أهل اليمن. باب: بعض آيات وقعت لأبي مسلم الخولاني وعثمان. باب: بعض آيات وقعت لحبيب بن مسلمة رضي الله عنه.

[ 51 ]

باب: بعض آيات وقعت لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها. باب: بعض آيات وقعت لأم مالك رضي الله عنها. باب: بعض آيات لأم أيمن رضي الله عنها. باب: بعض آيات وقعت لامرأة مهاجرة رضي الله عنها. باب: بعض آيات وقعت للربيع بنت معوذ رضي الله عنها. باب: بعض آيات وقعت لعمرة بنت عبد الرحمن رحمهما الله. باب: بعض آيات وقعت لخبيب رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لأويس القرني وطلب عمر منه الدعاء. باب: بعض آيات وقعت لعامر بن ربيعة رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت للطفيل رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لأحمد بن أبي الحواري رحمه الله تعالى. باب: بعض آيات وقعت لبعض الصحابة رضي الله عنهم أجمعين. باب: بعض آيات وقعت لذيب بن كلب. جماع أبواب معجزاته عليه الصلاة والسلام في عصمته من الناس باب: كفاية الله تعالى رسوله أمر المستهزئين والكلام على قوله: (والله يعصمك من الناس). باب: عصمته صلى الله عليه وسلم من أبي جهل. باب: عصمته صلى الله عليه وسلم من العوراء بنت حرب. باب: عصمته صلى الله عليه وسلم من المخزوميين. باب: عصمته صلى الله عليه وسلم من دعثور بن الحارث الغطفاني. باب: عصمته صلى الله عليه وسلم من النضر بن الحارث. باب: عصمته صلى الله عليه وسلم من غورث بن الحارث. باب: عصمته صلى الله عليه وسلم من سراقة بن مالك قبل إسلامه. باب: عصمته صلى الله عليه وسلم من اليهود حين أرادوا الفتك به. باب: عصمته صلى الله عليه وسلم من أربد وعامر بن الطفيل. باب: عصمته صلى الله عليه وسلم ممن أراد الفتك به. باب: عصمته صلى الله عليه وسلم من شيبة بن عثمان قبل أن يسلم. باب: عصمته صلى الله عليه وسلم من المنافقين حين أرادوا الفتك به.

[ 52 ]

باب: عصمته صلى الله عليه وسلم ممن قصد أذاه من الشياطين. باب: دفع أذى الهوام عنه صلى الله عليه وسلم. جماع أبواب موازاة الأنبياء في فضائلهم بفضائل نبينا صلى الله عليه وعليهم وسلم باب: فوائد جليلة تتعلق بالكلام على ذلك. باب: موازاته ما أتيه آدم عليه السلام. باب: موازاته ما أوتيه إدريس عليه السلام. باب: موازاته ما أوتيه نوح عليهما الصلاة والسلام. باب: موازاته ما أوتيه هود عليه السلام. باب: موازاته ما أوتيه صالح عليه السلام. باب: موازاته ما أوتيه إبراهيم عليه السلام. باب: ما أوتيه إسماعيل عليه السلام. باب: موازاته ما أوتيه يعقوب عليه السلام. باب: موازاته ما أوتيه يوسف عليه السلام. باب: موازاته ما أوتيه موسى عليه السلام. باب: موازاته ما أوتيه هارون عليه السلام. باب: موازاته ما أوتيه يوشع عليه السلام. باب: موازاته ما أوتيه داود عليه السلام. باب: موازاته ما أوتيه سليمان عليه السلام. باب: موازاته ما أوتيه يحيى بن زكريا عليه السلام. باب: موازاته ما أوتيه عيسى بن مريم عليه السلام. جماع أبواب خصائصه عليه افضل الصلاة والسلام باب: فوائد تتعلق بالكلام على الخصائص الشريفة. باب: ما اختص به عن الأنبياء في ذاته في الدنيا وما يتصل بذلك وفيه مسائل. باب: ما اختص به الأنبياء في شرعه وأمته. باب: ما اختص به عن الأنبياء صلى الله عليه وسلم وعليهم في ذاته في الآخرة. باب: ما اختص به في أمته في الآخرة وفيه مسائل. باب: ما اختص به عن أمته من الواجبات وفيه نوعان.

[ 53 ]

باب: ما اختص به عن أمته من المحرمات وفيه نوعان. باب: ما اختص به عن أمته من المباحات والتخفيفات وفيه نوعان. باب: ما اختص به عن أمته من الفضائل والكرامات وفيه نوعان. جماع أبواب فضائل آل رسول الله والوصية بهم ومحبتهم والتحذير من بغضهم وذكر أولاده صلى الله عليه وسلم وأولادهم رضي الله عنهم باب: بعض فضائل قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونفعها والحث على محبتهم. باب: بعض فضائل أهل بيت رسول الله وفيه أنواع. باب: عدد أولاده ومواليدهم وما اتفق عليه منهم وما اختلف فيه، وفيه أنواع. باب: ذكر سيدنا القاسم ابن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. باب: بعض مناقب سيدنا إبراهيم ابن سيدنا رسول الله عليه السلام وفيه أنواع. باب: بعض مناقب السيدة زينب بنت رسول الله وفيه أنواع. باب: بعض مناقب السيدة رقية بنت سيدنا رسول الله وفيه أنواع. باب: بعض مناقب السيدة أم كلثوم بنت سيدنا رسول الله وفيه أنواع. باب: بعض مناقب السيدة فاطمة بنت سيدنا رسول الله وفيه أنواع. باب: في بعض مناقب سيدي شباب أهل الجنة أبي محمد الحسن وأبي عبد الله الحسين سبطي رسول الله صلى الله عليه وسلم على سبيل الاشتراك وفيه أنواع. باب: بعض ما ورد مختصا بالحسنين رضي الله عنه وفيه أنواع. باب: بعض ما ورد مختصا بالحسن رضي الله عنه وفيه أنواع. جماع أبواب بيان أعمامه وعماته وأولادهم وأحواله باب: ذكر أعمامه وعماته صلى الله عليه وسلم على سبيل الإجمال. باب: بعض مناقب حمزة رضي الله عنه وفيه أنواع. باب: بعض مناقب العباس رضي الله عنه وفيه أنواع. باب: بعض مناقب جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وفيه أنواع. باب: بعض مناقب عبد الله بن جعفر رضي الله عنه. باب: بعض مناقب عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه وفيه أنواع. باب: بعض مناقب الإناث من أولاد أبي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. باب: بعض مناقب الفضل بن العباس رضي الله عنهما وفيه أنواع. باب: بعض مناقب عبيد الله بن العباس رضي الله عنه. باب: بعض مناقب قثم بن العباس.

[ 54 ]

باب: بعض مناقب ترجمان القرآن عبد الله بن عباس وفيه أنواع. باب: بعض مناقب بني العباس غير من تقدم وفيه أنواع. باب: بعض مناقب أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وفيه أنواع. باب: بعض مناقب نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وفيه أنواع. باب: بعض مناقب بقية أولاد الحارث بن عبد المطلب. باب: معرفة أولاد الزبير بن عبد المطلب وحمزة وأبي لهب على سبيل التفصيل. باب: أخواله صلى الله عليه وسلم. جماع أبواب ذكر أزواجه صلى الله عليه وسلم باب: الكلام على أزواجه اللاتي دخل بهن صلى الله عليه وسلم على سبيل الإجمال وترتيب زواجهن وفيه أنواع. باب: بعض فضائل أم المؤمنين خديجة بنت خويلد وفيه أنواع. باب: بعض فضائل أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق وفيه أنواع. باب: بعض فضائل أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب وفيه أنواع. باب: بعض فضائل أم المؤمنين أم سلمة وفيه أنواع. باب: بعض فضائل أم المؤمنين حبيبة بنت أبي سفيان وفيه أنواع. باب: بعض فضائل أم المؤمنين سودة بنت زمعة وفيه أنواع. باب: بعض فضائل أم المؤمنين زينب بنت جحش وفيه أنواع. باب: بعض فضائل أم المؤمنين زينت بنت خزيمة الهلالية وفيه أنواع. باب: بعض فضائل أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث وفيه أنواع. باب: بعض فضائل أم المؤمنين جويرية بنت الحارث الخزاعية ثم المصطلقية وفيه أنواع. باب: بعض فضائل أم المؤمنين صفية بنت حيي وفيه أنواع. باب: ذكر سرارية صلى الله عليه وسلم. باب: ذكر من خطبها ولم يعقد عليها صلى الله عليه وسلم. باب: ذكر من عقد عليها ولم يدخل بها صلى الله عليه وسلم. جماع ذكر أبواب العشرة الذين شهد لهم رسول الله بالجنة وبعض فضائلهم باب: بعض فضائلهم على سبيل الاشتراك وفيه أنواع. باب: بعض فضائلهم على سبيل التفضيل وفيه أنواع. باب: بعض فضائل الخلفاء الأربعة على سبيل الأشتراك وفيه أنواع.

[ 55 ]

باب: بعض فضائل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما على سبيل الاشتراك. باب: بعض فضائل أمير المؤمنين أبي بكر الصديق على سبيل الانفراد وفيه أنواع. باب: بعض فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وفيه أنواع. باب: بعض فضائل أمير المؤمنين عثمان بن عفان وفيه أنواع. باب: بعض فضائل أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب وفيه أنواع. باب: بعض فضائل طلحة بن عبد الله وفيه أنواع. باب: بعض فضائل الزبير بن العوام وفيه أنواع. باب: بعض فضائل عبد الرحمن بن عوف وفيه أنواع. باب: بعض فضائل سعد بن مالك وفيه أنواع. باب: بعض فضائل سعيد بن زيد وفيه أنواع. باب: بعض فضائل أبي عبيدة بن الجراح وفيه أنواع. جماع أبواب ذكر القضاة والفقهاء والمفتين وحفاظ القرآن في أيامه عليه الصلاة والسلام وذكر وزرائه وأمرائه على البلاد وخلفائه على المدينة المنورة إذا سافر صلى الله عليه وسلم باب: ذكر قضائه صلى الله عليه وسلم. باب: ذكر المفتين في زمانه عليه السلام. باب: ذكر حفاظ القرآن في حياته من أصحابه صلى الله عليه وسلم. باب: ذكر وزرائه صلى الله عليه وسلم. باب: ذكر سيرته صلى الله عليه وسلم في الإمارة. باب: ذكر تأميره أبا بكر الصديق على الحج. باب: ذكر تأميره صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب الأخماس باليمين والقضاء بها. باب: ذكر تأميره صلى الله عليه وسلم باذان بن ساسان على اليمن كله. باب: ذكر تأميره صلى الله عليه وسلم شهر بن باذان على صنعاء اليمن وأعمالها. باب: ذكر تأميره خالد بن العاص على صنعاء بعد قتل شهر. باب: ذكر تأميره المهاجر بن أبي أميه المخزومي على كندة والصدف. باب: تأميره زياد بن لبيد على حضرموت. باب: تأمير أبا موسى الأشعري على زبيد وزمع والساحل. باب: تأميره معاذ بن جبل على الجند. باب: تأميره أبا سفيان بن الحارث على نجران.

[ 56 ]

باب: تأميره زيد بن أبي سفيان على تيماء. باب: تأميره عتاب بن أسيد على مكة وإقامة المواسم والحج بالمسلمين. باب: تأميره عمرو بن العاص على عمان. باب: ذكر خلفائه على المدينة إذا سافر صلى الله عليه وسلم. باب: ذكر بعض تراجم أمرائه على السريا. جماع أبواب ذكر رسله إلى الملوك ونحوهم وذكر بعض مكاتباته وما وقع في ذلك من الآيات باب: أي وقت فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم باب: إرساله الأقرع بن حابس بن عبد الله الحميري إلى ذي مران. باب: إرساله أبي بن كعب إلى سعد هذيم. باب: إرساله صلى الله عليه وسلم جرير بن عبد الله رضي الله عنه إلى ذي الكلاع وذي رعين. باب: إرساله حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس. باب: إرساله حسان بن سلمة إلى قيصر مع دحية. باب: إرساله الحارث بن عمير إلى ملك الروم وقيل إلى صابح بصرى. باب: إرساله حريث بن زيد الخيل إلى يحنة بن رؤبة الأيلي. باب: إرساله حرملة بن حريث رضي الله عنه إلى يحنة. باب: إرساله خالد بن الوليد إلى نجران. باب: إرساله دحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر. باب: إرساله رفاعة بن زيد الجذامي إلى قومه. باب: إرساله زياد بن حنظلة إلى قيس بن عاصم والزبرقان بن بدر. باب: إرساله سليط بن عمرو إلى هوذة وثمامة بن أثال. باب: إرساله السائب بن العوام إلى مسيلمة. باب: إرساله شجاع بن وهب الأسدي إلى الحارث بن أبي شمر. باب: إرساله أبا أمامة صدي بن عجلان إلى جبلة بن الأيهم. باب: إرساله الصلصل بن شرحبيل إلى صفوان بن أمية. باب: إرساله ضرار بن الأزور إلى الأسود وطليحة. باب: إرساله ظبيان بن مرثد إلى بني بكر بن وائل. باب: إرساله عبد الله بن حذافة إلى كسرى. باب: إرساله عبد الله بن بديل إلى اليمن.

[ 57 ]

باب: إرساله عبد الله بن عبد الخالق رضي الله عنه إلى الروم. باب: إرساله عبد الله بن عوسجة رضي الله عنه إلى سمعان. باب: إرساله العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه إلى المنذر بن ساوى. باب: إرساله عمرو بن العاص رضي الله عنه إلى ملكي عمان. باب: إرساله عمرو بن أمية الضمري رضي الله عنه إلى النجاشي. باب: إرساله عمرو بن حزم رضي الله عنه إلى اليمن. باب: إرساله أبا هريرة رضي الله عنه مع العلاء بن الحضرمي إلى هجر. باب: إرساله عبد الله بن ورقاء رضي الله مع أخيه إلى اليمن. باب: إرساله عقبة بن عمرو رضي الله عنه إلى صنعاء. باب: إرساله عياش بن أبي ربيعة رضي الله عنه إلى اليمن. باب: إرساله فرات بن حيان رضي الله عنه إلى ثمالة بن أثال. باب: إرساله قدامة بن مظعون إلى المنذر بن ساوى. باب: إرساله قيس بن نمط إلى أبي زيد قيس بن عمرو. باب: إرساله معاذ بن جبل رضي الله عنه إلى اليمن. باب: إرساله مالك بن مرارة مع معاذ بن جبل رضي الله عنهما إلى اليمن. باب: إرساله مالك بن عبد الله إلى اليمن. باب: إرساله مالك بن عقبة أو عقبة بن مالك مع معاذ إلى اليمن. باب: إرساله المهاجر بن أبي أمية رضي الله عنه إلى الحارث بن عبد كلال. باب: إرساله نمير بن خرشة رضي الله عنه إلى ثقيف. باب: إرساله نعيم بن مسعود الأشجعي إلى ذي الكلحبة. باب: إرساله واثلة بن الأسقع مع خالد بن الوليد إلى أكيدر. باب: إرساله وبرة وقيل وبر بن بحيس إلى ذاذويه. باب: إرساله الوليد بن بحر الجرهمي إلى أقيال اليمن. باب: إرساله أبا أمامة صدى بن عجلان إلى قومه باهلة. جماع أبواب ذكر كتابه وأن منهم الخلفاء الأربعة وطلحة بن عبيد الله والزبير ابن العوام وتقدمت تراجمهم في تراجم العشرة وأبو سفيان بن حرب وعمرو بن العاص ويزيد بن أبي سفيان وخالد بن الوليد وتقدمت تراجمهم في الأمراء رضي الله عنهم أجمعين باب: استكتابه صلى الله عليه وسلم أبان بن سعيد بن العاص رضي الله عنه.

[ 58 ]

باب: استكتابه أبي بن كعب رضي الله عنه. باب: استكتابه الأرقم بن أبي الأرقم رضي الله عنه. باب: استكتابه بريدة بن الحصين رضي الله عنه. باب: استكتابه صلى الله عليه وسلم ثابت بن قيس. باب: استكتابه جهيم بن أبي الصلت رضي الله عنه. باب: استكتابه: جهم بن سعد رضي الله عنه. باب: استكتابه حنظلة بن الربيع رضي الله عنه. باب: استكتابه حويطب بن عبد العزى رضي الله عنه. باب: استكتابه الحصين بن عمير رضي الله عنه. باب: استكتابه حاطب بن عمرو رضي الله عنه. باب: استكتابه حذيفة بن اليمان رضي الله عنه. باب: استكتابه خالد بن زيد أبا أيوب رضي الله عنه. باب: استكتابة خالد بن سعيد رضي الله عنه. باب: استكتابه خالد بن الوليد رضي الله عنه. باب: استكتابه زيد بن ثابت رضي الله عنه. باب: استكتابه سعيد بن سعيد بن العاص رضي الله عنه. باب: استكتابه السجل رضي الله عنه. باب: استكتابه شرحبيل بن حسنة رضي الله عنه. باب: استكتابه عامر بن فهيرة رضي الله عنه. باب: استكتابه عبد الله بن الأرقم رضي الله عنه. باب: استكتابه عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول رضي الله تعالى عنه. باب: استكتابه عبد الله بن رواحه رضي الله عنه. باب: استكتابه عبد الله بن زيد رضي الله عنه. باب: استكتابه عبد الله بن سعد بن أبي سرح رضي الله عنه. باب: استكتابه عبد الله بن أسد رضي الله عنه. باب: استكتابه العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه. باب: استكتابه العلاء بن عقبة رضي الله عنه. باب: استكتابه عبد العزى بن حنظل قبل ارتداده. باب: استكتابه محمد بن مسلمة رضي الله عنه.

[ 59 ]

باب: استكتابه معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه. باب: استكتابه معيقيب بن أبي فاطمة رضي الله عنه. باب: استكتابه المغيرة بن شعبة رضي الله عنه. باب: استكتابه رجلا من بني النجار ارتد فهلك فألقته الأرض ولم تقبله. جماع أبواب ذكر خطبائه وشعرائه وحداته وحراسه وسيافه ومن كان يضرب الأعناق بين يديه ومن كان يلي نفقاته وخاتمه وسواكه ونعله وترجله، ومن كان يقود به في الأسفار، ورعاه إبله وصياهه وثقله والآذن عليه باب: ذكر خطيبه صلى الله عليه وسلم ثابت بن قيس رضي الله عنه. باب: ذكر شعرائه صلى الله عليه وسلم. باب: ذكر حداته صلى الله عليه وسلم. باب: ذكر حراسه صلى الله عليه وسلم. باب: ذكر سيافه ومن كان يضرب الأعناق بين يديه صلى الله عليه وسلم. باب: ذكر من كان يلي نفقته وخاتمه وسواكه ونعله والآذن عليه صلى الله عليه وسلم. باب: ذكر رعاة إبله وشياهه صلى الله عليه وسلم. باب: ذكر من كان على ثقله ورحله ومن كان يقود به في الأسفار صلى الله عليه وسلم. جماع أبواب ذكر عبيده وإمائه وخدمه من غير مواليه صلى الله عليه وسلم باب: ذكر عبيده صلى الله عليه وسلم. باب: ذكر إمائه صلى الله عليه وسلم. باب: ذكر خدمه صلى الله عليه وسلم من غير مواليه. جماع أبواب ذكر دوابه ونعمه وغير ذلك مما يذكر باب: عدد خيله صلى الله عليه وسلم. باب: عدد بغاله وحميره صلى الله عليه وسلم. باب: نعاجه وركابه وجماله صلى الله عليه وسلم. باب: شياهه صلى الله عليه وسلم. باب: ذكر ديكه صلى الله عليه وسلم. جماع أبواب ذكر ما يجب على الأنام من حقوقه عليه الصلاة والسلام باب: وجوب الإيمان به صلى الله عليه وسلم. باب: وجوب طاعته صلى الله عليه وسلم. باب: وجوب اتباعه صلى الله عليه وسلم وامتثال سنته والأخذ بهديه صلى الله عليه وسلم. باب: التحذير من مخالفة أمره وتبديل سنته.

[ 60 ]

باب: لزوم محبته وثوابها وبعض ما ورد عن السلف في ذلك. باب: وجوب مناصحته صلى الله عليه وسلم. باب: وجوب تعظيم أمره صلى الله عليه وسلم وتوقيره وبره وبعض ما ورد عن السلف في ذلك. باب: كون حرمته بعد موته وتوقيره وتعظيمه لازما كما كان في حال حياته. باب: سيرة السلف رحمهم الله تعالى في تعظيم رواة حديثه صلى الله عليه وسلم. باب: من بره وتوقيره: صلى الله عليه وسلم بر آله وذريته. باب: من بره وتوقيره صلى الله عليه وسلم: توقير أصحابه وبرهم ومعرفة حقوقهم وحسن الثناء عليهم والاستغفار لهم والإمساك عما شجر بينهم. باب: من إعظامه وإجلاله صلى الله عليه وسلم إعظام جميع أصحابه وأشباهه. باب: إكرام مشاهدة وأمكنته وما لمسه وما عرف به صلى الله عليه وسلم. جماع أبواب الكلام على النبي والرسول والملك وعصمتهم وما يعرف به كون النبي نبيا صلى الله عليه وسلم. باب: الكلام على النبي والرسول غير ما تقدم. باب: ما يعرف به كون النبي نبيا. باب: عصمته قبل النبوة وبعدها. باب: فوائد كالمقدمة للأبواب الآتية. باب: عصمته من الشيطان صلى الله عليه وسلم. باب: حكم عقد قلب النبي صلى الله عليه وسلم من وقت نبوته. باب: عصمته في أقواله البلاغية. باب: عصمته في جوارحه صلى الله عليه وسلم. جماع أبواب الكلام على السهو والنسيان هل يصدران منه ام لا باب: الرد على من أجاز على الأنبياء الصغائر. باب: الكلام على الآيات والأحاديث التي تمسك بها من قال بعدم عصمتهم. باب: الكلام على الملائكة وفيه أنواع. جماع أبواب ما يخصه من الأمور الدنيوية ويطرأ عليه من العوارض البشرية وكذا سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام باب: حاله في جمسه صلى الله عليه وسلم. باب: حكم عقد قلبه صلى الله عليه وسلم في الأمور الدنيوية. باب: حكم عقد قلبه في أمور البشر الجارية على يديه ومعرفته المحق من المبطل وعلمه المصلح من المفسد.

[ 61 ]

باب: حكم أقواله الدنيوية من إخباره عن أحواله وأحوال غيره وما يفعله أو فعله صلى الله عليه وسلم. باب: حكم أفعاله الدنيوية صلى الله عليه وسلم. باب: الحكمة في إجراء الأمراض وشدتها عليه. وكذا سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. جماع أبواب حكم من سبه أو انتقصه وكذا سائر الأنبياء عليهم السلام باب: ذكر فوائد كالمقدمة للأبواب الآتية. باب: بيان ما هو في حقه سب من المسلم. باب: بيان ما هو في حقه صلى الله عليه وسلم سب من الكافر. باب: بيان قتل الساب إذا كان ممن يدعي الإسلام ولم يتب. باب: الكلام على توبة المسلم واستتابته. باب: انتقاض عهد الذمي إذا ذم المقام الشريف ووجوب قتله والنص على ذلك. باب: عدم قبول توبته إذا سب مع بقائه على كفره. باب: الخلاف في توبته هل هي بالإسلام صحيحة مسقطة للقتل أم لا ؟ وهل يستتاب بالإسلام ويدعي الندم. باب: الخلاف في أن الحاكم بسقوط القتل عن الساب مع بقائه على الكفر صحيح أم لا ؟. جماع أبواب بعض الحوادث الكائنة بالمدينة في سني الهجرة غير ما تقدم باب: مبدأ التاريخ الإسلامي. وأسقطت ذكر بقية الأبواب لكثرتها. جماع أبواب سيرته صلى الله عليه وسلم في الرقى والتمائم باب: إذنه صلى الله عليه وسلم في الرقى المفهومة المعنى. باب: نهيه صلى الله عليه وسلم عن التمائم. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في لدغة العقرب بالرقية. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في رقية النملة. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في رقية الحية. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في رقية القرحة والجرح. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في رقى عامة. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في علاج داء الحريق وإطفائه.

[ 62 ]

باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في علاج الفزع والأرق المانع من النوم. باب: سيرته في علاج حر المصيبة. باب: سيرته في علاج الكرب والهم والحزن. باب: سيرته في علاج الصرع. باب: سيرته في علاج الغيراء. جماع أبواب سيرته صلى الله عليه وسلم في الطب باب: فوائد كالمقدمة للأبواب الآتية وفيه أنواع. باب: أمره بالتداوي وإخباره بأن الله جعل لكل داء دواء إلا الهرم والموت. باب: نهيه عن التداوي بالخمر وغيرها مما يذكر. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في التطبب. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في حفظ الصحة بالصوم والسفر ونفي الهموم وتعديل الغذاء والطيب. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في الحمية. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في تدبير المأكول والمشروب وفيه أنواع. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في تدبير الحركة والسكون البدنيين. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في تدبير الحركة والسكون النفسانيين. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في تدبير النوم واليقظة. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في تدبير النكاح. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في تدبير فصول السنة. باب: سيرته في تدبير أمر المسكن. باب: أمره صلى الله عليه وسلم باختيار البلدان الصحيحة التربة وتوقي الوبيئة. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في الجلوس في الشمس. باب: إرشاده لدفع مضار الأغذية بالحركة والأشربة. باب: إرشاده إلى استعمال المعاجين والجوارش. باب: إرشاده إلى تعهد العادات. باب: سيرته في الصداع والشقيقة. باب: سيرته في السعوط واللدود. باب: سيرته في الحجامة والفصد والقشط البحري. باب: سيرته في الإسهال والقئ.

[ 63 ]

باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في الكي وفيه أنواع. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في الحمى. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في المعيون وفيه أنواع. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في المجذومين. باب: علاج البدن المقمل وكذا الرأس. باب: علاجه صلى الله عليه وسلم البخر. باب: علاجه في الرمد وضعف البصر. باب: علاجه من عرق الكلبة. باب: علاجه صلى الله عليه وسلم عرق النساء. باب: علاجه المفؤود صلى الله عليه وسلم. باب: علاجه البثرة صلى الله عليه وسلم. باب: علاجه صلى الله عليه وسلم الباسور. باب: علاجه الورم. باب: علاجه الخنازير. باب: علاجه الدوخة. باب: علاجه العذرة. باب: علاجه العشق. باب: علاجه وجع الصدر. باب: علاجه ذات الجنب. باب: علاجه الاستسقاء والمعدة ويبس الطبيعة. باب: علاجه الإسهال. باب: علاجه القولنج. باب: علاجه الدود في الجوف. باب: علاجه الباه. باب: علاجه السل. باب: علاجه الجراح. باب: علاجه الخراج والكحة ونحوهما. باب: علاجه الكسر والخلع والوثى. باب: علاجه الخدران الكلي.

[ 64 ]

باب: إرشاده إلى دفع مضرات السموم بأضدادها. باب: سيرته في السم. باب: سيرته في لدغ الهوام. باب: سيرته في الزكام. باب: علاجه الشوكة. باب: علاجه بعض أمراض الفم. باب: سيرته في الأسنان. باب: علاجه الدبيلة. باب: سيرته في غمز الظهر في السقطة والقدمين من الإعياء. باب: سيرته في الإعياء من شدة المشي. باب: علاجه الحائض والمستحاضة والنفساء. باب: إطعامه المزورات للناقة. باب: تغذيته المريض بألطف ما اعتاده من الأغذية. باب: بعض فوائد تتعلق بالأبواب السابقة. باب: الكلام على بعض المفردات التي جاءت على لسانه صلى الله عليه وسلم. جماع أبواب مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ووفاته باب: كثرة أمراضه صلى الله عليه وسلم. باب: نعى الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم نفسه. باب: عرضه صلى الله عليه وسلم القرآن على جبريل في العام الذي مات فيه مرتين ونعيه نفسه لأصحابه. باب: ما جاء أنه خير بين أن يبقى حتى يرى ما يفتح على أمته وبين التعجيل واستغفاره صلى الله عليه وسلم لأهل البقيع. باب: ابتداء مرضه وسؤال أبي بكر أن يمرضه في بيته. باب: ما جاء أنه كان يدور على بيوت أزواجه في مرضه صلى الله عليه وسلم. باب: اشتداد الوجع عليه صلى الله عليه وسلم. باب: أمره أن يصب عليه الماء لتقوى نفسه فيعهد إلى الناس. باب: ما روى أنه طلب من أصحابه القود من نفسه. باب: مدة مرضه واستخلافه أبا بكر في الصلاة بالناس. باب: إرادته أن يكتب لأبي بكر كتابا فلم يكتب.

[ 65 ]

باب: إرادته أن يكتب لأصحابه كتابا ثم اختلفوا فلم يكتب. باب: إخراجه شيئا من المال كان عنده وعتق عبيده. باب: إعلامه ابنته فاطمة رضي الله عنها بموته صلى الله عليه وسلم. باب: وصيته بالأنصار رضي الله عنهم عند موته. باب: جمعه أصحابه في بيت عائشة ووصيته لهم رضي الله عنهم. باب: وصيته بالصلاة وغيرها من أمور الدين وأنه لم يوص بشئ من أمور الدنيا. باب: تحذيره أن يتخذ قبره مسجدا. باب: بعض ما يؤثر عنه صلى الله عليه وسلم من ألفاظه في مرض موته وآخر ما تكلم به. باب: آخر صلاة صلاها بالناس صلى الله عليه وسلم. باب: استعماله السواك قبل موته صلى الله عليه وسلم. باب: معاتبته صلى الله عليه وسلم نفسه على كراهة الموت. باب: ما جاء أنه قبض ثم أري مقعده من الجنة ثم ردت إليه روحه ثم خير. باب: تردد جبريل إلى الله واستئذان ملك الموت عليه وزيارة إسماعيل صاحب سماء الدنيا له صلى الله عليه وسلم وعليهم وقبض روحه الشريفة وصفة خروجها وصفة الثياب التي قبض فيها. باب: إخبار أهل الكتاب بموته صلى الله عليه وسلم يوم مات وهم باليمن. باب: بيان معنى قوله صلى الله عليه وسلم: " حياتي خير لكم وموتي خير لكم ". باب: عظم المصيبة وما نزل بالمسلمين بموته والظلمة التي غشيت المدينة، وتغيير قلوب الناس وأحوالهم، وبعض ما رثي به من الشعر. باب: بلوغ هذا الخطب الجسيم إلى الصديق الكريم وثباته في هذا الأمر. باب: اختيار الله تعالى له بأن يجمع له مع النبوة الشهادة صلى الله عليه وسلم. باب: تاريخ وفاته صلى الله عليه وسلم. باب: مبلغ سنه صلى الله عليه وسلم. باب: عدم استخلافه أحدا بعينه وأنه لم يوص لأحد بعينه. باب: ذكر خبر السقيفة وبيعة أبي بكر رضي الله عنه بالخلافة بعد موته صلى الله عليه وسلم. جماع أبواب غسله وتكفينه ووضع الصلاة عليه ودفنه وموضع قبره والاستسقاء به وفضل ما بين القبر وما بين المنبر وفضل مسجده، وحياته في قبره وعرض أعمال أمته عليه، وحكم تركته وما خلف صلى الله عليه وسلم باب: غسله ومن غسله وما وقع في ذلك من الآيات.

[ 66 ]

باب: صفة كفنه عليه الصلاة والسلام. باب: الصلاة عليه. باب: دفنه ومن دفنه. باب: ذكر من كان آخر الناس عهدا به صلى الله عليه وسلم في قبره. باب: ذكر ما سمع من التعزية به صلى الله عليه وسلم. باب: موضع قبره الشريف وصفته وصفة حجرته وبعض أخبارها. باب: الاستسقاء بقبره الشريف صلى الله عليه وسلم. باب: فضل ما بين قبره ومنبره عليه السلام. باب: فضل مسجده صلى الله عليه وسلم غير ما تقدم. باب: حياته في قبره وكذا سائر الأنبياء عليهم السلام. باب: صلاته في قبره وكذلك سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. باب: عرض أعمال أمته عليه زاده الله فضلا وشرفا لديه. باب: حكم تركته وما خلف صلى الله عليه وسلم. جماع أبواب زيارته صلى الله عليه وسلم بعد موته. باب: فضل زيارته صلى الله عليه وسلم. باب: الرد على من زعم أن شد الرحل لزيارته صلى الله عليه وسلم معصية. باب: آداب زيارته صلى الله عليه وسلم. جماع أبواب التوسل به بعد موته صلى الله عليه وسلم باب: مشروعية التوسل به إلى الله تعالى. باب: ذكر من توسل به قبل خلقه من الأنبياء صلى الله عليه وسلم. باب: ذكر من توسل به في حياته من الإنس. باب: ذكر من توسل به في حياته من الحيوانات. باب: ذكر من توسل به بعد موته صلى الله عليه وسلم. جماع أبواب الصلاة والسلام عليه زاده فضلا وشرفا لديه باب: فوائد تتعلق بالآية الكريمة في ذلك. باب: الأمر بالصلاة والسلام عليه. باب: التحذير من ترك الصلاة والسلام عليه. باب: فضل الصلاة والسلام عليه. باب: كيفية الصلاة والسلام عليه.

[ 67 ]

باب: المواطن التي يستحب فيها الصلاة والسلام عليه وفيه أنواع. جماع أبواب بعثه وحشره وأحواله يوم القيامة صلى الله عليه وسلم باب: ما جاء أنه أول من يفيق من الصعقة وأول من يقوم من قبره واختصاصه بركوب البراق يومئذ وكيفيه حشره صلى الله عليه وسلم. باب: كسوته صلى الله عليه وسلم في الموقف ومكانه وأمته وكون لواء الحمد ولواء الكرم بيده صلى الله عليه وسلم. باب: كونه أول من يدعى يوم القيامة صلى الله عليه وسلم. باب: اختصاصه صلى الله عليه وسلم بالسجود يومئذ. باب: طمأنينته إذا جئ بجهنم وفزع غيره صلى الله عليه وسلم. باب: شفاعته العظمى لفصل القضاء والإراحة من طول الوقوف. باب: الكلام على المقام المحمود والكلام على بقية شفاعاته صلى الله عليه وسلم. باب: دخوله صلى الله عليه وسلم جهنم لإخراج أناس من أمته. باب: الكلام على حوضه صلى الله عليه وسلم. باب: ما جاء أنه أول من يجوز على الصراط وأن مفاتيح الجنة بيده صلى الله عليه وسلم. باب: ما جاء أنه أول من يستفتح باب الجنة وأنه أول من يدخلها وقيام خازن الجنة له صلى الله عليه وسلم. باب: ما جاء أن جنة عدن مسكنه، وعلو منزلته في الجنة، وتزويج الله له مريم بنت عمران وكلثوم أخت موسى وأسية امرأة فرعون، وكثرة خدمه صلى الله عليه وسلم وغير ذلك. مما يذكر إن شاء الله تعالى وبالله تعالى التوفيق. هذا جميع ما تضمنه الكتاب من الأبواب والله المسؤول في التوفيق في ذلك كله للصواب * * *

[ 68 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين جماع أبواب بعض الفضائل والآيات الواقعة قبل مولده صلى الله عليه وسلم الباب الأول في تشريف الله تعالى له صلى الله عليه وسلم بكونه أول الأنبياء خلقا روى أبو إسحاق الجوزجاني (1) - بجيمين الأولى مضمومة وبينهما زاي مفتوحة، وقبل ياء النسب نون - في تاريخه، وابن أبي حاتم (2)، في تفسيره عن أبي هريرة (3) رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كنت أول الأنبياء خلقا وآخرهم بعثا " (4). وروى ابن إسحاق (5) عن قتادة (6) مرسلا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، " كنت أول الناس في الخلق وآخرهم في البعث " (7). وروى أبو سعد النيسابوري في " الشرف "، وابن الجوزي (8) في " الوفا " عن كعب الأحبار (9)، قال: لما أراد لله سبحانه وتعالى أن يخلق محمدا - صلى الله عليه وسلم أمر جبريل أن يأتيه بالطينة التي هي قلب الأرض وبهاؤها ونورها، فهبط جبريل في ملائكة الفردوس وملائكة الرفيق


(1) أبو إسحاق الجوزجاني هو إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق الجوزجاني قال الدار قطني: كان من الحفاظ المصنفين توفى سنة تسع وخمسين ومائتين. (انظر الخلاصة 1 / 60 / 61). (2) هو عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران أبو محمد التميمي الحنظلي، من تصانيفه " التفسير المسند " و " الجرح والتعديل " وغيرهما، مات في المحرم سنة سبع وعشرين وثلاثمائة وهو في عشر التسعين، انظر شذرات الذهب 2 / 308، وطبقات الشافعية للسبكي 3 / 324، طبقات المفسرين للسيوطي ترجمة 52. (3) هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي الحافظ، له خمسة آلاف وثلثمائة وأربعة وسبعون حديثا قال ابن سعد: كان يسبح كل يوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة، مات سنة تسع وخمسين عن ثمان وسبعين سنة، انظر الخلاصة 3 / 252 (529). (4) أخرجه بن عدي في الكامل 3 / 1209 وأبو نعيم في الدلائل 1 / 6 وابن كثير في البدية والنهاية 4 / 307 والثعالبي في التفسير 3 / 93 / 1 وذكره السيوطي في الدر 5 / 184 والمتقي الهندي في الكنز (32126). (5) هو محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي مؤلى قيس بن مخرمة أبو عبد الله المدني، قال أحمد: حسن الحديث وقال البخاري: رأيت علي بن عبد الله يحتج به وقال يعقوب بن شبه: لم أر لابن إسحاق إلا حديثين منكرين، مات سنة إحدى وخمسين ومائة، انظر الخلاصة (2 / 379 (6049). (6) هو قتادة بن دعامة بن قتادة السدوسي، أبو الخطاب البصري، ثقة ثبت، يقال: ولد أكمه، وهو رأس الطبقة الرابعة مات سنة بضع عشرة، انظر التقريب (2 / 123 (81)). (7) أخرجه ابن عدي في الكامل 3 / 919، وابن سعد في الطبقات 1 - 1 / 96، وذكره المتقي الهندي في الكنز (31916). (8) هو عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن عبيد الله بن عبد الله البكري من ولد الإمام أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه الإمام أبو الفرج ابن الجوزي قال الذهبي: كان مبرزا في التفسير وفي الوعظ والتاريخ ولد تقريبا سنة ثمان - أو عشر - وخمسمائة، انظر طبقات المفسرين للسيوطي 50 (50). (9) هو كعب بن مانع الحميري أبو إسحاق الحبر من مسلمة أهل الكتاب، عنه أبو هريرة وابن عباس ومعاوية وجماعة من التابعين. قال ابن سعد: توفي سنة اثنتين وثلاثين، انظر الخلاصة 2 / 366 (5964). (*)

[ 69 ]

الأعلى، فقبض قبضة رسول الله صلى الله عليه وسلم من موضع قبره الشريف، وهي بيضاء نيرة، فعجنت بماء التسنيم في معين أنهار الجنة، حتى صارت كالدرة البيضاء لها شعاع عظيم، ثم طافت بها الملائكة حول العرش والكرسي والسماوات والأرض، فعرفت الملائكة محمدا صلى الله عليه وسلم قبل أن تعرف آدم أبا البشر، ثم كان نور محمد صلى الله عليه وسلم - يرى في غرة جبهة آدم وقيل له: يا آدم هذا سيد ولدك من المرسلين. فلما حملت حواء بشيث انتقل النور عن آدم إلى حواء، وكانت تلد في كل بطن ولدين إلا شيثا فإنها ولدته وحده كرامة لمحمد صلى الله عليه وسلم، ثم لم يزل النور ينتقل من طاهر إلى طاهر إلى أن ولد صلى الله عليه وسلم. وفي كتاب الأحكام للحافظ الناقد أبي الحسن بن القطان (1): روى علي بن الحسين (2)، عن أبيه عن جده مرفوعا: " كنت نورا بين يدي ربي عز وجل قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام (3) ". وروى الحافظ محمد بن عمر العدني (4) شيخ مسلم (5) في مسنده عن ابن عباس (6) رضي الله عنهما أن قريشا - أي المسعدة بالإسلام - كانت نورا بين يدي الله تعالى قبل أن يخلق آدم بألفي عام يسبح ذلك النور وتسبح الملائكة بتسبيحه. قال ابن القطان: فيجتمع من هذا مع ما في حديث علي: أن النور النبوي جسم بعد


(1) هو علي بن محمد بن عبد الملك الكتامي الحميري الفاسي، أبو الحسن بن القطان، من حفاظ الحديث ونقدته، قال ابن القاضي: رأس طلبة العلم بمراكش من مصنفاته " بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام " وغيره توفي سنة 628 ه‍، انظر الأعلام 4 / 331. (2) علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي أبو الحسين زين العابدين المدني، عن جده مرسلا، وعن أبيه وعائشة وصفية بنت حيي وأبي هريرة وابن عباس وطائفة. وعنه بنوه محمد وعمر وعبد الله وزيد والزهري والحكم بن عتيبة. قال الزهري: ما رأيت قرشيا أفضل منه، وما رأيت أفقه منه قال أبو نعيم: مات سنة اثنتين وتسعين، وقيل غير ذلك، انظر الخلاصة 2 / 245 - 246. (3) ذكره العجلوني في كشف الخفا 1 / 312 وعزاه لابن القطان في الأحكام ثم قال نقلا عن الشبراملسي: ليس المراد بقوله من نوره ظاهره من أن الله تعالى له نور قائم بذاته لاستحالته عليه تعالى، لأن النور لا يقوم إلا بالأجسام بل المراد خلق من نور مخلوق له قبل نور محمد وأضافه إليه تعالى لكونه تولى خلقه، ثم قال ويحتمل أن الإضافة بيانية، أي خلقه نور نبيه منها، بل بمعنى أنه تعالى تعلقت إرادته بإيجاد نور بلا توسط شئ في وجوده، قال هذا أول الأجوبة نظير ما ذكره البيضاوي في قوله تعالى (ثم سواه ونفخ فيه من روحه) حيث قال إضافة إلى نفسه تشريفا وإشعارا بأنه خلق عجيب وأن له مناسبة إلى حضرة الربوبية انتهى ملخصا. (4) محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني أبو عبد الله الحافظ نزيل مكة. وثقه ابن حبان وقال أبو حاتم: صدوق حدث بحديث موضوع. عن ابن عيينة. قال البخاري: مات سنة ثلاث وأربعين ومائتين، انظر الخلاصة 2 / 468. (5) مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، ثقة حافظ إمام مصنف، عالم الفقه مات سنة إحدى وستين وله سبع وخمسون سنة، انظر التقريب 2 / 245. (6) عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، ودعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفهم في القرآن، فكان يسمى البحر، والحبر، لسعة علمه، مات سنة ثمان وستين بالطائف، انظر التقريب 1 / 425. (*)

[ 70 ]

خلقه باثني عشر ألف عام وزيد فيه سائر قريش وأنطق بالتسبيح. انتهى. وقد أشار عمه العباس (1) رضي الله تعالى عنه إلى ذلك فيما رواه الطبراني (2) أن سيدنا العباس رضي الله عنه قال: يا رسول الله إني أريد أن أمتدحك. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: قل: لا يفضض الله فاك. فقال الله تعالى عنه: من قبلها طبت في الظلال وفي * * مستودع حيث يخصف الورق ثم هبطت البلاد لا بشر * * أنت ولا مضغة ولا علق بل نطفة تركب السفين وقد * * ألجم نسرا وأهله الغرق وردت نار الخليل مكتتما * * تجول فيها وليس تحترق تنقل من صالب إلى رحم * * إذا مضى عالم بدا طبق حتى احتوى بيتك المهيمن من * * خندف علياء تحتها نطق وأنت لما ولدت أشرقت الأر * * ض وضاءت بنورك الأفق ونحن في ذلك الضياء وفي النو * * ر وسبل الرشاد نخترق وروى سعيد بن منصور (3) وابن المنذر (4) وابن أبي حاتم والبيهقي (5) وابن عساكر (6)،


(1) عباس بن عبد المطلب، بن هاشم، عم النبي صلى الله عليه وسلم مشهور، مات سنة اثنتين وثلاثين، أو بعدها، وهو ابن ثمان وثمانين، انظر التقريب 1 / 397 - 398. (2) هو سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي أبو القاسم: من كبار المحدثين. أصله من طبرية الشام وإليها نسبته. له ثلاثة " معاجم " في الحديث، منها " المعجم الصغير "، وله كتب في " التفسير " و " الأوائل " و " دلائل النبوة ". وغير ذلك، توفي سنة 360 ه‍، انظر الأعلام 3 / 121. (3) سعيد بن منصور بن شعبة النسائي أبو عثمان ولد بجوزجان ونشأ ببلخ، وكان حافظا جوالا صنف السنن جمع فيها ما لم يجمعه غيره، قال أبو حاتم: متقن ثبت مصنف، قال حرب الكرماني: أملى علينا عشرة آلاف حديث من حفظه، قال ابن سعد: مات سنة سبع وعشرين ومائتين. انظر الخلاصة 1 / 391. (4) محمد بن إبراهيم بن المنذر، أبو بكر النيسابوري الفقيه، نزيل مكة. أحد الأئمة الأعلام، وممن يقتدى بنقله في الحلال والحرام، صنف كتبا معتبرة عند أئمة الإسلام، منها الإشراف في معرفة الخلاف، والأوسط هو أصل الإشراف، والإجماع والإقناع والتفسير وغير ذلك وكان مجتهدا لا يقلد أحدا، قال الشيخ أبو إسحاق: توفي سنة تسع - أو: عشر - وثلاثمائة، وحدث ابن القطان نقل وفاته سنة ثمان عشرة، انظر طبقات ابن قاضي شهبة 1 / 98 شذرات الذهب 2 / 280. (5) هو أحمد بن الحسين بن علي، أبو بكر: من أئمة الحديث. رحل إلى بغداد ثم إلى الكوفة ومكة وغيرهما، وطلب إلى نيسابور، فلم يزل فيها إلى أن مات قال إمام الحرمين: ما من شافعي إلا وللشافعي فضل عليه غير البيهقي، صنف زهاء ألف جزء، منها " السنن الكبرى " و " السنن الصغرى " " ودلائل النبوة " " الترغيب والترهيب " توفى سنة 458، انظر الأعلام 1 / 116، شذرات الذهب 3 / 304. (6) علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله أبو القاسم بن عساكر فخر الشافعية وإمام أهل الحديث في زمانه صاحب تاريخ دمشق وغيره من المصنفات النافعة توفي في رجب سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، انظر طبقات ابن قاضي شبهة 2 / 14، وفيات الأعيان 2 / 471. (*)

[ 71 ]

عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لما خلق الله تعالى آدم خبره ببنيه، فجعل يرى فضائل بعضهم على بعض، فرأى نورا ساطعا في أسفلهم، فقال: يا رب من هذا ؟ قال: هذا نبيك أحمد وهو أول وهو آخر " (1). ولفظ سعيد والبيهقي: " هو أول من يدخل الجنة. فقال: الحمد لله الذي جعل من ذريتي من يسبقني إلى الجنة ولا أحسده ". ويرحم الله تعالى صالح بن الحسين الشافعي رحمه الله تعالى حيث قال في قصيدته: وكان لدى الفردوس في زمن الرضا * * وأثواب شمل الأنس محكمة الشذى يشاهد في عدن ضياء مشعشعا * * يزيد على الأنوار في النور والهدى فقال: إلهي ما الضياء الذي أرى * * جنود السماء تعشو إليه ترددا فقال نبي خير من وطئ الثرى * * وأفضل من في الخير راح أو اغتدى تخيرته من قبل خلقك سيدا * * وألبسته قبل النبيين سؤددا تنبيهان الأول: قال الغزالي (2) في كتاب النفخ والتسوية: في قوله صلى الله عليه وسلم: " كنت أول النبيين خلقا ": أن المراد بالخلق هنا التقدير دون الإيجاد فإنه قبل أن ولدته أمه لم يكن موجودا، ولكن الغايات والكمالات سابقة في التقدير لاحقة في الوجود. وبسط الكلام على ذلك. ورد عليه السبكي (3) بكلام شاف يأتي في الباب الثالث، ولم يقف على أثر كعب السابق وهو أقوى من الأدلة التي استدل بها. الثاني: في بيان غريب ما سبق: " التسنيم " (4): قال العزيزي رحمه الله تعالى: يقال هو أرفع شراب أهل الجنة. ويقال:


(1) ذكره المتقي الهندي في كنز العمال (32056). (2) وهو محمد بن محمد، الإمام حجة الإسلام، زين الدين، أبو حامد الطوسي الغزالي. ولد بطوس سنة خمسين وأربعمائة، جلس للإقراء وصنف، ومن تصانيفه " الإحياء " و " البسيط " و " الوجيز " و " الخلاصة " وغير ذلك توفي في جمادي الآخرة سنة خمس وخمسمائة، انظر ابن قاضي شهبة 1 / 293، وفيات الأعيان 3 / 353. (3) هو تقي الدين أبو الحسن، علي بن عبد الكافي بن علي السبكي أخذ العلم عن كبار مشايخ أهل الفن واشتغل بالطلب والتصنيف والإفتاء وتخرج به فضلاء عصره مات يوم الاثنين رابع جمادي الآخرة سنة ست وخمسين وأربعمائة، انظر طبقات الأسنوي 1 / 350، طبقات الشافعية 6 / 146. (4) سنم: قال: (ومزاجه من تسنيم) قيل: هو عين في الجنة رفيعة القدر وفسر بقوله: عينا يشرب بها المقربون، انظر المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني ص 245. ففي اللسان قالوا: هو ماء في الجنة سمي بذلك لأنه يجري فوق الغرف والقصور، انظر اللسان مادة (س ن م) 2120، المعجم الوسيط 1 / 455. (*)

[ 72 ]

تسنيم: عين تجري من فوقهم تسنمهم في منازلهم أي تنزل عليهم من عال. ويقال تسنم الفحل الناقة إذا علاها. وضياء مشعشع (1): أي منتشر. وقول سيدنا العباس: " من قبلها " الضمير فيه إما للدنيا، أو للنبوة أو للولادة " الظلال ": جمع ظل. المراد به هنا: ظل الجنة. " مستودع " (2): بفتح الدال المهملة. " حيث يخصف الورق " (3): أشار إلى قوله تعالى: " وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ". وأشار إلى كونه في صلب آدم كما كان نطفة في صلب سام بن نوح، وهو في السفينة حين أغرق الله تعالى نسرا. المضغة: قطعة لحم قدر ما يمضغ في الفم. والعلق: جمع علقة، وهي قطعة من دم غليظ. وإنما جمع العلق هنا لأجل القافية أو للتعظيم. والسفين (4): جمع سفينة كما في الصحاح. ونسر: هو المذكور في سورة نوح. ونسر ويغوث ويعوق وود وسواع: أسماء لجماعة عباد كانوا بنين لآدم، فماتوا فحزن عليهم أهل عصرهم فصور لهم إبليس اللعين أمثالهم من طفر ونحاس ليستأنسوا بهم، فجعلوها في مؤخر المسجد، فلما هلك أهل ذلك العصر قال اللعين لأولادهم، هذه آلهة آبائكم فعبدوهم. ثم إن الطوفان دفنها فأخرجها اللعين للعرب فكانت ود لكلب بدومة الجندل، وسواع لهذيل بساحل البحر، ويغوث لغطيف من مراد، ويعوق لهمدان، ونسر لذي الكلاع من حمير. " وتنقل " بضم المثناة الفوقية أوله. " ومن صالب ": أي من صلب يقال صلب وصلب وصالب ثلاث لغات. " وإذا مضى عالم " بفتح اللام. " بدا " بترك الهمزة. أي ظهر. و " الطبق " بفتح الطاء والباء الموحدة. والمعنى: إذا مضى قرن بدا قرن. وقيل للقرن طبق لأنه طبق


(1) في اللسان " وظل شعشع " أي ليس بكثيف، ومشعشع أيضا كذلك، ويقال: الشعشع الظل الذي لم يظلك كله ففيه مزج والشعشاع أيضا المتفرق، انظر اللسان (ش ع ع) (2279) والوسيط 1 / 485، شعشع الضوء: انتشر خفيفا. (2) انظر اللسان ودع (4799)، انظر اللسان (ودع) 4799، والوسيط 2 / 1021. (3) قال تعالى: (وطفقا يخصفان عليهما) أي يجعلان عليها خصفة وهي أوراق ومنه قيل لجلة التمر خصفة وللثياب الغليظة جمعه خصف، انظر المفردات للراغب ص 149، المصباح المنير 171، اللسان 2 / 1174. (4) في المصباح المنير السفينة معروفة والجمع سفين، وسفائن ويجمع السفين على سفن وجمع السفينة على سفين شاذ لأن الجمع الذي بينه وبين واحده الهاء بابه المخلوقات مثل ثمره وثمر وأما في المصنوعات مثل سفينة وسفين فمسموع من ألفاظ قليلة ومنهم من يقول: السفين لغة في الواحدة، المصباح المنير 279. (*)

[ 73 ]

الأرض. ويطلق الطبق أيضا على الجماعة من الناس. و (خندف) بكسر الخاء وسكون النون وكسر الدال المهملة بعدها فاء: من الخندفة وهي في الأصل مشية كالهرولة ثم سميت بها ليلى امرأة الياس بن مضر (1). و " النطق " (2) بضم النون والطاء المهملة جمع نطاق: حبال يشد بعضها فوق بعض يشد بها أوسط الناس، يعني أنه صلى الله عليه وسلم مرتفع ومتوسط في عشيرته صلى الله عليه وسلم حتى جعلهم تحته بمنزلة أوساط الحبال. والمراد ببيته صلى الله عليه وسلم شرفه، أي حتى احتوى شرفك الشاهد بفضلك على مكان من بيت خندف. والأفق بضم الهمزة والفاء وسكون الفاء أيضا وهو الناحية. وسبل الرشاد: طرقه وهو مجرور عطفا على ما قبله.


(1) إلياس بن مضر بن نزار، أبو عمر: جاهلي من سلسلة النسب قيل: هو أول من أهدى البدن إلى البيت الحرام، انظر الأعلام 2 / 10. (2) النطاق جمعه نطق مثل كتاب وكتب وهو مثل إزار فيه تكة تلبسه المرأة، وقيل هو حبل تشد به وسطها للهمضة وعليه بيت الحماسة: كرها وحبل نطاقها لم يحلل اللسان 5 / 4463، المصباح المنير 611، الوسيط 2 / 931، انظر البداية والنهاية 2 / 258. (*)

[ 74 ]

الباب الثاني في خلق آدم وجميع المخلوقات لأجله صلى الله عليه وسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أوحى الله تعالى إلى عيسى: " آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وأمر أمتك أن يؤمنوا به، فلولا محمد ما خلقت آدم ولا الجنة ولا النار، ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب فكتبت عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله فسكن ". رواه أبو الشيخ (1) في طبقات الأطبهانيين، والحاكم (2) وصححه، وأقره السبكي في شفاء السقام، والبلقيني (3) في فتاويه. قال الذهبي (4): في سنده عمرو بن أوس (5) لا يدري من هو انتهى. ولبعضه شاهد من حديث عمر بن الخطاب (6) رواه الحاكم وسيأتي. قال الإمام جمال الدين محمود بن جملة (7): ليس مثل هذا للملائكة ولا لمن سواه من الأنبياء.


(1) هو عبد الله بن محمد بن جعفر بن حبان الأصبهاني أبو محمد من حفاظ الحديث، يقال له: أبو الشيخ من تصانيفه " طبقات المحدثين بأصبهان " وأخلاق النبي وآدابه، وغير ذلك توفي سنة 369 ه‍، انظر الأعلام 4 / 120. (2) هو محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم بن الحكم الحافظ أبو عبد الله الحاكم النيسابوري المعروف بابن البيع صاحب المستدرك وغيره من الكتب المشهورة توفي في صفر سنة خمس وأربعمائة، انظر وفيات الأعيان 3 / 408، طبقات ابن قاضي شهبة 1 / 193. (3) هو عمر بن رسلان بن نصير بن صالح بن شهاب بن عبد الخالق بن عبد الحق شيخ الإسلام سراج الدين أبو حفص البلقيني تخرج على مشايخ عصره واجتمعت الطلبة للاشتغال عليه بكرة وعشيا توفي في ذي القعدة سنة خمس وثمانمائة من تصانيفه كتاب محاسن الاصطلاح وتضمين كتاب ابن الصلاح في علوم الحديث، كتاب تصحيح المنهاج وغير ذلك، انظر طبقات ابن قاضي شهبة 4 / 36، شذرات الذهب 7 / 51. (4) هو محمد بن أحمد بن عثمان الحافظ مؤرخ الإسلام أبو عبد الله المعروف بالذهبي سمع ببلاد كثيرة من خلائق يزيدون على ألف ومائتين قال السبكي: محدث العصر، وخاتم الحفاظ القائم بأعباء هذه الصناعة، وحامل راية أهل السنة والجماعة إمام عصره حفظا واتقانا، توفي في ذي القعدة سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، انظر طبقات ابن هداية 90، طبقات ابن قاضي شبهة 3 / 56. (5) عمرو بن أوس. يجهل حاله. أتى بخبر منكر. أخرجه الحاكم في مستدركه، وأظنه موضوعا من طريق جندل بن والق، ميزان الاعتدال 3 / 246. (6) عمربن الخطاب بن نفيل، بنون وفاء، مصغرا، ابن عبد العزى بن رياح، بتحتانية، ابن عبد الله بن قرط، بضم القاف، ابن رزاح، براء ثم زاي خفيفة، ابن عدي بن كعب القرشي، العدوي، أمير المؤمنين، مشهور، جم المناقب، استشهد في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وولي الخلافة عشر سنين ونصفا. التقريب 2 / 54 وسيأتي في المناقب. (7) محمود بن محمد بن إبراهيم بن جملة بن مسلم بن تمام بن حسين بن يوسف، الخطيب، العالم، العابد، جمال الدين أبو الثناء المحجي الدمشقي. قيل: إن مولده سنة سبع وسبعمائة، وسمع من جماعة وحفظ التعجيز لابن يونس، وتفقه على عمه القاضي جمال الدين، وتصدر بالجامع الأموي، شغل بالعلم، وأفتى، ودرس بالظاهرية. ذكره الذهبي في المعجم المختص وقال: وشارك في الفضائل، وعني بالرجال، ودرس، واشتغل، وتقدم مع الدين والتصون. وقال ابن رافع. كان دينا، خيرا، شغل بالعلم، وجمع. وقال السبكي في الطبقات الكبرى كان متعففا، متصوفا، دينا، مجموعا على طلب العلم، وذكر أن له تعاليق في الفقه والحديث، قل أن رأيت نظيره. توفي في شهر رمضان سنة أربع وستين وسبعمائة، ودفن بسفح قاسيون. ابن قاضي شبهة 3 / 137، وطبقات الشافعية للسبكي 6 / 248. (*)

[ 75 ]

وما عجب إكرام ألف لواحد * * لعين تفدى ألف عين وتكرم وروى الديلمي (1) في مسنده عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أتاني جبريل فقال: يا محمد إن الله يقول لولاك ما خلقت الجنة، ولولاك ما خلقت النار ". ويروى عن سلمان (2) رضي الله تعالى عنه قال: " هبط جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن ربك يقول لك: " إن كنت اتخذت إبراهيم خليلا فقد اتخذتك حبيبا، وما خلقت خلقا أكرم علي منك، ولقد خلقت الدنيا وأهلها لأعرفهم كرامتك ومنزلتك، ولولاك ما خلقت الدنيا ". رواه ابن عساكر وسنده واه جدا. وفي فتاوي شيخ الإسلام البلقيني أن في مولد العزفي (3) - بعين مهملة وزاي مفتوحتين وقبل ياء النسب فاء - و " شفاء الصدور " لابن سبع، عن علي (4) رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل أنه قال: " يا محمد وعزتي وجلالي لولاك ما خلقت أرضي ولا سمائي ولا رفعت هذه الخضراء، ولا بسطت هذه الغبراء ". قال: وذكر المصنفان المذكوران في رواية أخرى، عن علي رضي الله تعالى عنه أن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: " من أجلك أبطح البطحاء وأموج الماء وأرفع السماء وأجعل الثواب والعقاب والجنة والنار ". ولله در العارف بالله سيدي علي بن أبي الوفا (5) نفعنا الله تعالى بهم حيث قال:


(1) هو أبو شجاع شيرويه بن شهردار بن شيرويه بن فناخسرو الديلمي الهمداني (445 - 509 ه‍) كان محدثا حافظا مؤخرا، من آثاره تاريخ همذان، وفردوس الأخبار بمأثور الخطاب المخرج على كتاب الشهاب في الحديث، ورياض الأنس لعقلاء الإنس في معرفة أحوال النبي صلى الله عليه وسلم وتاريخ الخلفاء بعده، انظر طبقات الشافعية للسبكي 4 / 229، وشذرات الذهب 4 / 23، وتذكرة الحفاظ 4 / 1259، ومرآة الجنان 3 / 198، راجع معجم المؤلفين 4 / 313. (2) سلمان الفارسي أبو عبد الله بن الإسلام. له ستون حديثا، أسلم مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وشهد الخندق. روى عنه أبو عثمان النهدي وشرحبيل بن السمط وغيرهما. قال الحسن: كان سلمان أميرا على ثلاثين ألفا يخطب بهم في عباءة يفترش نصفها، ويلبس نصفها، وكان يأكل من سعف يده. توفي في خلافة عثمان وقال أبو عبيدة: سنة ست وثلاثين. عن ثلثمائة وخمسين سنة، الخلاصة 1 / 401. (3) عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد بن أحمد، أبو القاسم بن أبي طالب العزفي اللخمي: فاضل، من المشتغلين بالحديث، من أهل المغرب. أصله من ستة، ووفاته بفاس. له كتاب " الإشادة " بذكر المشتهرين من المتأخرين بالإفادة " تراجم. انظر الأعلام 3 / 313. (4) علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوج ابنته، من السابقين الأولين، المرجح أنه أول من أسلم، وهو أحد العشرة، مات في رمضان سنة أربعين، وهو يومئذ أفضل الأحياء من بني آدم بالأرض، بأجماع أهل السنة، وله ثلاث وستون على الأرجح. التقريب 2 / 39 وسيأتي في المناقب. (5) علي بن أبي الوفا كان من الصالحين العباد المشهود لهم بالتقوى ومعرفة أسرار أهل الطريقة الصوفية وانظر ترجمته في الطبقات الكبرى للشعراني 2 / 20، 21. (*)

[ 76 ]

سكن الفؤاد فعش هنيئا يا جسد * * هذا النعيم هو المقيم إلى الأبد روح الوجود حياة من هو واحد * * لولاه ما تم الوجود لمن وجد عيسى وآدم والصدور جميعهم * * هم أعين هو نورها لما ورد لو أبصر الشيطان طلعة نوره * * في وجه آدم كان أول من سجد أو لو رأى النمروذ نور جماله * * عبد الجليل مع الخليل وما عند لكن جمال الله جل فلا يرى * * إلا بتوفيق من الله الصمد

[ 77 ]

الباب الثالث في تقدم نبوته صلى الله عليه وسلم على نفخ الروح في آدم صلى الله عليهما وسلم عن عبد الله بن عمرو (1) رضي الله تعالى عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن الله عز وجل كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة " (2) (وكان عرشه على الماء). رواه مسلم. زاد صاحب اللطائف: ومن جملة ما كتب في الذكر وهو أم الكتاب: أن محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين. وعن العرباض - بكسر العين المهملة - ابن سارية (3) رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إني عند الله في أم الكتاب لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته (4). رواه الإمام أحمد (5) والحاكم وصححه. قال الطيبي (6) في " شرح المشكاة ": " نجدل " مطاوع جدله إذا ألقاه على الأرض، وأصله الإلقاء على الجدالة - بفتح الجيم والدال المهملة - وهي الأرض الصلبة وهذا على سبيل إنابة فعل مناب فعل، يعني لا يجوز إجزاء منجدل على أن تكون مطاوعا لجدل لما يلزم منه أن يكون آدم منفصلا من الأرض الصلبة، بل هو ملقى عليها. والطينة: الخلقة من قولهم: طانه الله على طينتك. والجار الذي هو " في " ليس بمتعلق بمنجدل، لما يلزم منه أن يكون آدم مظروفا في طينته إنما هو خبر ثان لأن، والواو وما بعدها في محل نصب على الحال من المكتوب،


(1) عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سعد بن سهم السهمي، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن أحد السابقين المكثرين، من الصحابة وأحد العبادلة الفقهاء، مات في ذي الحجة ليال الحرة على الأصح، بالطائف على الراجح. تقريب التهذيب 1 / 436. (2) أخرجه مسلم 4 / 2044 في كتاب القدر باب حجاج آدم وموسى عليهما السلام (16 - 2653). (3) عرباض، بكسر أوله وسكون الراء بعدها موحدة وآخره معجمة، ابن سارية السلمي، أبو نجيح، صحابي، كان من أهل الصفة، ونزل حمص، مات بعد سبعين. تقريب التهذيب 2 / 17. (4) أخرجه أحمد في المسند 4 / 66، 128 وأبو نعيم في الدلائل 1 / 9 وابن كثير في البداية والنهاية 2 / 321 وذكره الهيثمي في المجمع 8 / 226 وزاد نسبته للطبراني والبزار. (5) أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني المروزي نزيل بغداد أبو عبد الله، أحد الأئمة، ثقة حافظ، فقيه حجة، وهو رأس الطبقة العاشرة، مات سنة إحدى وأربعين، وله سبع وسبعون سنة. التقريب 1 / 24. (6) الحسين بن محمد بن عبد الله الطيبي الإمام المشهور صاحب شرح المشكاة وحاشية الكشاف وغيرهما. كان في مبادئ عمره صاحب ثروة كبيرة فليم يزل ينفق ذلك في وجوه الخيرات إلى أن كان في آخر عمره فقيرا وكان كريما متواضعا حسن المعتقد شديد الرد على الفلاسفة والمبتدعة مظهرا فضائحهم مع استيلائهم على بلاد المسلمين في عصره شديد المحبة لله ولرسوله كثير الحياء ملازما للجمعة والجماعة ملازما لتدريس الطلبة في العلوم الإسلامية. انظر البدر الطالع 1 / 229. (*)

[ 78 ]

والمعنى: كتبت خاتم الأنبياء في الحال الذي آدم مطروح على الأرض حاصل في أثناء تخلقه لما يفرغ من تصويره وإجراء الروح. وقال الحافظ أبو الفرج ابن رجب (1) رحمه الله تعالى في اللطائف: المقصود من هذا الحديث أن نبوة النبي صلى الله عليه وسلم كانت مذكورة معروفة من قبل أن يخلقه الله تعالى ويخرجه إلى دار الدنيا حيا، وأن ذلك كان مكتوبا في أم الكتاب من قبل نفخ الروح في آدم صلى الله عليه وسلم، وفسرأم الكتاب باللوح المحفوظ وبالذكر في قوله تعالى: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب). وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه سأل عن أم الكتاب فقال: علم الله ما هو خالق وما خلقه عاملون، فقال لعلمه كن كتابا. فكان كتابا. ولا ريب أن علم الله تعالى قديم أزلي لم يزل عالما بما يحدثه من خلقه، ثم إن الله تعالى كتب ذلك عنده في كتاب عنده قبل أن يخلق السماوات والأرض كما قال تعالى: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير). وفي صحيح البخاري (2) عن عمران بن حصين (3) رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كان الله ولا شئ قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شئ، ثم خلق السماوات والأرض " (4). وقوله في هذا الحديث: " إني عند الله في أم الكتاب " ليس المراد به - والله أعلم - أنه حينئذ كتب في أم الكتاب ختمه للنبيين وإنما المراد الإخبار عن كون ذلك مكتوبا في أم الكتاب في ذلك الحال قبل نفخ الروح في آدم وهو أول ما خلق الله تعالى من النوع الإنساني. وجاء في أحاديث أخر أنه في تلك الحالة وجبت له صلى الله عليه وسلم النبوة. وهذه مرتبة ثالثة وهو


(1) عبد الرحمن بن أحمد بن رجب السلامي البغدادي ثم الدمشقي، أبو الفرج، زين الدين: حافظ للحديث، من العلماء. ولد في بغداد ونشأ وتوفي في دمشق. من كتبه " شرح جامع الترمذي " و " جامع العلوم والحكم " و " فضائل الشام - خ " و " الاستخراج لأحكام الخراج " و " القواعد الفقهية " و " لطائف المعارف " و " فتح الباري، شرح صحيح البخاري " لم يتمه، و " ذيل طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى " و " الاقتباس من مشكاة وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس " و " أهوال القبور " و " كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة - ط " وغير ذلك توفي سنة 795 ه‍. الأعلام 3 / 295. (2) محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي، أبو عبد الله البخاري، جبل الحفظ وإمام الدنيا، ثقة الحديث، من الحادية عشرة، مات سنة ست وخمسين، في شوال وله اثنتان وستون سنة التقريب 2 / 144. (3) عمران بن حصين بن عبيد بن خلف الخزاعي، أبو نجيد، أسلم عام خيبر، وصحب، وكان فاضلا، مات سنة اثنتين وخمسين بالبصرة. التقريب 2 / 82. (4) أخرجه البخاري 4 / 222، كتاب بدء الخلق باب في قول الله تعالى (وهو الذي) (3191). (*)

[ 79 ]

انتقاله صلى الله عليه وسلم من رتبة العلم والكتابة إلى رتبة الوجود العيني الخارجي. فإنه صلى الله عليه وسلم استخرج من ظهر آدم ونبئ فصارت نبوته موجودة في الخارج بعد كونها كانت مكتوبة مقدرة في أم الكتاب. فعن ميسرة - بفتح الميم وسكون المثناة التحتية - الفجر (1) - بفتح الفاء وسكون الجيم - رضي الله تعالى عنه قال: " يارسول الله، متى كنت نبيا ؟ قال: " وآدم بين الروح والجسد ". رواه الإمام أحمد والبخاري في تاريخه والحاكم وصححه. قال الإمام أحمد في رواية منها: وبعضهم يرويه متى كتبت من الكتابة ؟ قال: " كتبت نبيا وآدم بين الروح والجسد ". رواه ابن عساكر فتحمل هذه الرواية مع حديث العرباض السابق على وجوب نبوته صلى الله عليه وسلم وثبوتها وظهورها في الخارج، فإن الكتابة إنما تستعمل فيما هو واجب شرعا كقوله تعالى: (كتب عليكم الصيام) أو قدرا كقوله تعالى: (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي). وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قالوا يا رسول الله متى وجبت لك النبوة ؟ قال: " وآدم بين الروح والجسد " (2). رواه الترمذي (3) وحسنه. وعن الصنا بحي (4) مرسلا - وهو بضم الصاد المهملة وفتح النون وكسر الموحدة ومهملة - عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال: يا رسول الله متى جعلت نبيا ؟ قال: " وآدم بين الروح والجسد " (5). رواه أبو نعيم (6).


(1) ميسرة الفجر وهو أبو بديل بن ميسرة العقيلي الذي روى عن عبد الله بن شقيق، الطبقات الكبرى لابن سعد 7 / 42. (2) أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة 5 / 585 كتاب المناقب باب في فضل النبي صلى الله عليه وسلم (3609) قال: هذا حديث المستدرك 2 / 609 كتاب التاريخ باب ذكر مراكبه صلى الله عليه وسلم، والبيهقي في دلائل النبوة 2 / 130. (3) محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك السلمي الترمذي أبو عيسى، صاحب الجامع، أحد الأئمة، ثقة حافظ من الثانية عشرة، مات سنة تسع وسبعين، التقريب 2 / 198. (4) عبد الرحمن بن عسيلة، بمهملة، مصغرا، المرادي، أبو عبد الله الصنابحي، ثقة، من كبار التابعين، قدم المدينة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بخمسة أيام، مات في خلافة عبد الملك، التقريب 1 / 491. (5) أخرجه أبو نعيم في الدلائل 17. (6) أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران، الحافظ الكبير، أبو نعيم، الأصبهاني. الجامع بين الفقه والتصوف والنهاية في الحديث وله التصانيف المشهورة، منها كتاب " الحلية " وهو كتاب جليل حفيل، وكتاب " معرفة الصحابة "، وكتاب " دلائل النبوة " وكتاب " تاريخ أصفهان ". قال الخطيب البغدادي: لم ألق في شيوخي أحفظ منه ومن أبي حازم الأعرج. ولد في رجب سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، وتوفي في المحرم سنة ثلاثين وأربعمائة = (*)

[ 80 ]

وروى الآجري (1) في كتاب الشريعة، عن سعيد بن أبي راشد (2) قال: سألت عطاء (3) رحمه الله تعالى: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم نبيا قبل أن يخلق الخلق ؟ قال: إي والله وقبل أن تخلق الدنيا بألفي عام. قال الحافظ ابن رجب: عطاء هذا الظاهر أنه الخراساني، وهذا إشارة إلى ما ذكرناه من كتابة نبوته صلى الله عليه وسلم في أم الكتاب عند تقدير المقادير. ويرحم الله القائل حيث قال: سبقت نبوته وآدم طينة * * فله الفخار على جميع الناس سبحان من خص النبي محمدا * * بفضائل تتلى بغير قياس ! تنبيهان الأول: ما اشتهر على الألسنة بلفظ: " كنت نبيا وآدم بين الماء والطين " قال ابن تميمة (4) والزركشي (5) والشيخ وغيرهم من الحفاظ: لا أصل له. وكذا: " كنت ولا آدم ولا ماء ولا طين ".


= الطبقات لابن قاضي شبهة 1 / 202 - 203، والأعلام 1 / 150، وميزان الاعتدال 1 / 52. (1) محمد بن الحسين بن عبد الله، أبو بكر الآجري: فقيه شافعي محدث. نسبته إلى آجر (من قرى بغداد) ولد فيها، وحدث ببغداد، قبل سنة 330 ثم انتقل إلى مكة، فتنسك، وتوفي فيها. له تصانيف كثيرة، منها " أخبار عمر بن عبد العزيز " و " أخلاق حملة القرآن " و " أخلاق العلماء " و " التفرد والعزلة " و " حسن الخلق " و " الشبهات " و " تغير الأزمنة " و " النصيحة " و " كتاب الأربعين حديثا " و " كتاب الشريعة " وغير ذلك. الأعلام 6 / 97، ووفيات الأعيان 1 / 488. (2) سعيد بن أبي عن يعلى بن مرة وعنه عبد الله بن عثمان بن حثيم له عندهما حديثان، الخلاصة 1 / 378. (3) عطاء بن أبي رباح القرشي، مولاهم أبو محمد الجندي اليماني، نزيل مكة وأحد الفقهاء والأئمة. عن عثمان، وعتاب بن أسيد مرسلا، وعن أسامة بن زيد، وعائشة، وأبي هريرة وأم سلمة وعروة بن الزبير وطائفة. وعنه أيوب وحبيب بن أبي ثابت، وجعفر بن محمد وجرير بن حازم، وانب جريج وخلق. قال ابن سعد: كان ثقة عالما كثير الحديث، انتهت إليه الفتوى بمكة وقال أبو حنيفة: ما لقيت أفضل من عطاء. وقال ابن عباس - وقد سئل عن شئ - يا أهل مكة تجتمعون علي وعندكم عطاء. وقيل: إنه حج أكثر من سبعين حجة. قال حماد بن سلمة: حججت سنة مات عطاء سنة أربع عشرة ومائة، انظر الخلاصة 2 / 230. (4) أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الخضر النميري الحراني الدمشقي الحنبلي، أبو العباس، تقي الدين ابن تيمية: الإمام، شيخ الإسلام. ولد في حران وتحول به أبوه إلى دمشق فنبغ واشتهر. وطلب إلى مصر من أجل فتوى أفتى بها، فقصدها، فتعصب عليه جماعة من أهلها فسجن مدة، ونقل إلى الإسكندرية. ثم أطلق فسافر إلى دمشق سنة 712 ه‍، وأطلق، ثم أعيد، ومات معتقلا بقلعة دمشق، فخرجت دمشق كلها في جنازته. كان كثير البحث في فنون الحكمة، داعية إصلاح في الدين. آية في التفسير والأصول، فصيح اللسان، قلمه ولسانه متقاربان. وفي الدرر الكامنة أنه ناظر العلماء واستدل وبرع في العلم والتفسير وأفتى ودرس وهو دون العشرين. أما تصانيفه ففي الدرر أنها ربما تزيد على أربعة آلاف كراسيه، وفي فوات الوفيات أنها تبلغ ثلاثمائة مجلد، منها " الجوامع " في السياسة الإلهية والآيات النبوية، ويسمى " السياسة الشرعية " و " الفتاوى " خمسة مجلدات، و " الإيمان " و " الجمع بين النقل والعقل " " منهاج السنة " و " الفرقان بين أولياء الله وأولياء الشيطان " وغير ذلك توفي سنة 728 ه‍، الأعلام 1 / 144. (5) محمد بن بهادر بن عبد الله، العالم العلامة، المصنف المحرر، بدر الدين أبو عبد الله المصري، الزركشي. مولده سنة خمس وأربعين أخذ عن الشيخين جمال الدين الإسنوي وسراج الدين البلقيني، ورحل إلى حلب إلى شهاب الدين = *

[ 81 ]

الثاني: قال الإمام العلامة الحافظ شيخ الإسلام تقي الدين السبكي قدس الله تعالى روحه: لم يصب من فسر قوله صلى الله عليه وسلم: " كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد " (بأنه) سيصير نبيا، لأن علم الله تعالى محيط بجميع الأشياء، ووصف النبي صلى الله عليه وسلم بالنبوة في ذلك الوقت ينبغي أن يفهم منه أنه أمر ثابت له في ذلك الوقت، ولو كان المراد بذلك مجرد العلم بما سيصير إليه في المستقبل لم تكن له خصوصية بأنه نبي وآدم بين الروح والجسد، لأن جميع الأنبياء يعلم الله نبوتهم في ذلك الوقت وقبله، فلا بد من خصوصية للنبي صلى الله عليه وسلم لأجلها أخبر أمته الخبر إعلاما لأمته، ليعرفوا قدره عند الله تعالى ثم قال: فإن قلت: النبوة وصف لازم أن يكون الموصوف به موجودا، وإنما يكون بعد بلوغ أربعين سنة، فكيف يوصف به قبل وجوده وقبل إرساله وإن صح ذلك فغيره كذلك ؟. قلت: قد جاء أن الله خلق الأرواح قبل الأجساد، فقد تكون الإشارة بقوله: " كنت نبيا " إلى روحه الشريفة أو إلى حقيقة من الحقائق، والحقائق تقصر عقولنا عن معرفتها وإنما يعلمها خالقها ومن أمده الله تعالى بنور إلهي، ثم إن تلك الحقائق يؤتي الله تعالى كل حقيقة منها ما يشاء في الوقت الذي يشاء، فحقيقة النبي صلى الله عليه وسلم قد تكون من قبل خلق آدم آتاها الله ذلك الوصف بأن يكون خلقها، مهيأة لذلك فأفاضه عليه من ذلك الوقت فصار نبيا وكتب اسمه على العرش وأخبر عنه بالرسالة ليعلم ملائكته وغيرهم كرامته عنده، فحقيقته موجودة في ذلك الوقت وإن تأخر جسده الشريف المتصف بها. واتصاف حقيقته بالأوصاف الشريفة المضافة عليه من الحضرة الإلهية إنما يتأخر البعث والتبليغ وكل ما له من جهة الله تعالى ومن جهة تأهل ذاته الشريفة صلى الله عليه وسلم وحقيقته معجل لا تأخر فيه، وكذا استنباؤه وإيتاؤه الحكم والنبوة، وإنما المتأخر تكونه وتنقله إلى أن ظهر صلى الله عليه وسلم. انتهى ملخصا. وأثر كعب السابق أول الباب الأول يؤيد ما قاله. وقال بعض العارفين: لما خلق الله الأرواح المدبرة للأجسام عند وجود حركة الفلك أول ما خلق الله الزمان بحركة، كان أول ما خلق روح محمد صلى الله عليه وسلم، ثم صدرت الأرواح عن الحركات الفلكية (1) فكان لها وجود في عالم الغيب دون عالم الشهادة، وأعلمه بالنبوة وآدم * (هامش 1) * = الأذرعي بمغلطاي في الحديث، وسمع الحديث بدمشق وغيرها. قال بعض المؤرخين: كان فقيها أصوليا، أدبيا، وولي مشيخة خانقاه كريم الدين بالقرافة الصغرى، توفى في رجب سنة أربع وتسعين وسبعمائة. انظر ابن قاضي شبهة 3 / 167، 168. * (هامش 2) * (1) هذا الكلام لا دليل عليه وهذه مجرد دعوى جاء العلم ببطلانها. (*)

[ 82 ]

لم يكن، كما قال: " بين الروح والجسد " فاقتضى قوله: " كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد " أن يكون حقيقة، فإنه لا يكون العدم بين أمرين موجودين لانحصاره، والمعدوم لا يوصف بالحصر في شئ، ثم انتهى الزمان إلى وجود جسمه صلى الله عليه وسلم وارتباط الروح به، فظهر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بكليته جسما وروحا، فكان له الحكم أولا باطنا في جميع ما ظهر من الشرائع على يدي الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم، ثم صار له الحكم ظاهرا فنسخ كل شرع وإن كان الشرع واحدا وهو صاحب الشرع، فإنه قال: " كنت نبيا " ما قال: كنت إنسانا ولا كنت موجودا، وليست النبوة إلا بالشرع المقرر من عند الله تعالى، فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه صاحب النبوة قبل وجود الأنبياء في الدنيا.

[ 83 ]

الباب الرابع في تقدم أخذ الميثاق عليه، زاده الله تعالى شرفا وفضلا لديه روى ابن سعد (1) عن الشعبي (2) مرسلا قال: قال رجل: يارسول الله متى آستنبئت ؟ قال: " وآدم بين الروح والجسد حين أخذ مني الميثاق " (3). وروى أبو سهل القطان (4) في أماليه، عن سهل بن صالح الهمذاني، قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي: كيف صار محمد صلى الله عليه وسلم يتقدم الأنبياء وهو آخر من بعث ؟ قال: إن الله لما أخذ من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم، كان محمد صلى الله عليه وسلم أول من قال بلى. ولذلك صار يتقدم الأنبياء وهو آخر من بعث. قال الحافظ ابن رجب في اللطائف: وخبر الشعبي يدل على أنه من حين صور آدم طينا أستخرج وأخذ منه صلى الله عليه وسلم ونبئ وأخذ منه الميثاق، ثم أعيد إلى ظهر آدم حتى يخرج وقت خروجه الذي قد رأيت خروجه فيه، فهو أولهم خلقا، وآخرهم بعثا، وهو آخر النبيين باعتبار أن زمانه تأخر عنهم. لا يقال: خلق آدم قبله، لأن آدم كان حينئذ هواء لا روح فيه، ومحمد صلى الله عليه وسلم كان حيا حين استخرج ونبئ وأخذ منه الميثاق، ولا يقال إن استخراج ذرية آدم منه كان بعد نفخ الروح فيه، كما دل عليه أكثر الأحاديث والذي تقرر أنه استخرج ونبئ قبل نفخ الروح في آدم، لأنه صلى الله عليه وسلم خص باستخراجه من ظهر آدم قبل نفخ الروح فيه فإن محمدا صلى الله عليه وسلم هو المقصود من خلق النوع الإنساني، وهو عينه وخلاصته. ويستدل بخبر الشعبي وغيره مما تقدم في الباب السابق على أنه صلى الله عليه وسلم ولد نبيا، فإن نبوته وجبت له حين أخذ الميثاق حيث استخرج من صلب آدم فكان نبيا حينئذ، ولكن كانت مدة خروجه إلى الدنيا متأخرة عن ذلك، وذلك لا يمنع كونه


(1) محمد بن سعد بن منيع الهاشمي مولاهم أبو عبد الله البصري، كاتب الواقدي، ونزيل بغداد، وصاحب الطبقات، وأحد الحفاظ الكبار الثقات المتحرين. عن الوليد بن مسلم وهشيم ومعن بن عيسى وابن عليه وخلق. وعنه (د) وابن أبي الدنيا وأحمد بن يحيى البلاذزي. قال الخطيب: كان من أهل العلم والفهم والعدالة، وحديثه يدل على صدقه فإنه يتحرى في كثير من روايته. قال ابن قهم: توفي ببغداد سنة ثلاثين ومائتين. الخلاصة 2 / 406. (2) عامر بن شراحيل الشعبي، أبو عمرو، ثقة مشهور فقيه فاضل، قال مكحول: ما رأيت أفقه منه، مات بعد المائة وله نحو من ثمانين. التقريب 1 / 387. (3) أخرجه ابن سعد 1 / 118. (4) أبو سهل القطان، الإمام المحدث الثقة، مسند العراق، أبو سهل، أحمد بن محمد بن عبد الله بن زياد بن عباد، القطان البغدادي. قال الخطيب: كان صدوقا أدبيا شاعرا، توفى في شعبان سنة خمسين وثلاثمائة وكان مولده في سنة تسع وخمسين ومائتين. انظر سير أعلام النبلاء 15 / 521 - 522. (*)

[ 84 ]

نبيا كمن تولى ولاية ويؤمر بالتصرف فيها في زمن مستقبل، فحكم الولاية ثابت له من حين ولايته وإن كان تصرفه يتأخر إلى حين مجئ الوقت. والأحاديث السابقة في باب تقدم نبوته صلى الله عليه وسلم صريحة في ذلك. والله سبحانه وتعالى أعلم.

[ 85 ]

الباب الخامس في كتابة أسمه الشريف مع اسم الله تعالى على العرش وسائر ما في الملكوت وما وجد على الحجارة القديمة في نقش اسمه صلى الله عليه وسلم قال الإمام العلامة خالد بن محمود بن جملة رحمه الله تعالى: لم يثبت أن غيره صلى الله عليه وسلم أثبت اسمه على العرش. روى الحاكم والطبراني عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي. قال وكيف عرفت محمدا ؟ قال: لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبا: لا إله إلا الله محمد رسول الله. فقلت: إنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك. قال: صدقت يا آدم ولولا محمد ما خلقتك " (1). قال الإمام الزاهد الشيخ إبراهيم الرقي رحمه الله تعالى: لو لم يتب عليه لبقي هو وذريته في دار السخط أبد الأبد. فما ظنك برجل واحد شمل العالمين كلهم بركته، حتى صولح به المتمردون ورزق به المحرمون وجبر به المنكسرون وأنقذ به المعذبون، ومن العجب أن ننتظر شفاعته في القيامة وقد سبقت شفاعته فينا وفي أبينا من أول دنيانا، فهو مطهر الباطن والظاهر مبارك الأول والآخر. وروى ابن أبي عاصم (2) في المسند وأبو نعيم عن أنس (3) رضي الله تعالى عنه أن الله سبحانه تعالى قال لموسى: " يا موسى إن من لقيني وهو جاحد بمحمد صلى الله عليه وسلم أدخلته النار. فقال: من محمد ؟ قال يا موسى وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أكرم علي منه، كتبت اسمه مع اسمي في العرش قبل أن أخلق السماوات والأرض والشمس والقمر بألفي عام ".


(1) أخرجه الحاكم في المستدرك 2 / 615، والبيهقي في دلائل النبوة 5 / 489، والبداية والنهاية لابن كثير 1 / 81، 2 / 322. (2) أحمد بن عمرو بن أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني، أبو بكر بن أبي عاصم، ويقال له ابن النبيل: عالم بالحديث، زاهد رحالة، من أهل البصرة. ولي قضاء أصبهان سنة 269 - 282 ه‍. له نحو 300 مصنف، منها " المسند الكبير " نحو 50 ألف حديث، و " الآحاد والمثاني " نحو 20 ألف حديث، و " كتاب السنة " و " الديات " و " الأوائل " قيل: ذهبت كتبه بالبصرة في فتنة الزنج فأعاد من حفظه خمسين ألف حديث ! وقال الذهبي: وقع لنا جملة من كتبه، توفي سنة 287 ه‍. الأعلام 1 / 189. (3) أنس بن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجي، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، خدمه عشر سنين، صحابي مشهور، مات سنة اثنتين، وقيل ثلاث وتسعين، وقد جاوز المائة. التقريب 1 / 84. (*)

[ 86 ]

وروى ابن المنذر، عن محمد بن علي بن الحسين بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، أن آدم لما أكل من الشجرة عظم كربه واشتد ندمه علمه جبريل أن يقول دعاء ومنه: اللهم إني أسألك بجاه محمد عندك وكرامته عليك أن تغفر لي حطيئتي. ففعل آدم، فقال الله: يا آدم من علمك هذا ؟ قال: يا رب إنك لما نفخت في الروح. فذكر نحو الحديث الأول. وروي ابن أبي الدنيا (1) عن سعيد بن جبير (2) رحمه الله تعالى قال: اختصم ولد آدم: أي الخلق أكرم على الله ؟ فقال بعضهم: آدم خلقه الله بيده وأسجد له ملائكته. وقال آخر: بل الملائكة الذين لم يعصوا الله. فذكروا الكلام لآدم فقال: لما نفخ في الروح لم تبلغ قدمي. فاستويت جالسا فبرق العرش فنظرت فيه: محمد رسول لله. فذاك أكرم الخلق على الله عز وجل. وروى ابن الجوزي بسند جيد لا بأس به، عن ميسرة رضي الله تعالى عنه قال: قلت يا رسول الله، متى كنت نبيا ؟ قال: " لما خلق الله الأرض واستوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وخلق العرش كتب على ساق العرش: محمد رسول الله خاتم الأنبياء. وخلق الله تعالى الجنة التي أسكنها آدم وحواء، فكتب اسمي على الأوراق والأبواب والقباب والخيام، وآدم بين الروح والجسد، فلما أحياه الله تعالى نظر إلى العرش فرأى اسمي، فأخبره الله تعالى أنه سيد ولدك. فلما غرهما الشيطان تابا واستشفعا باسمي إليه ". وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن يونس القرشي، حدثنا قريش بن أنس (3) حدثنا كليب أبو وائل (4) قال: غزونا في صدر هذا الزمان الهند، فوقعت في غيضة فإذا فيها شجر عليه ورد أحمر مكتوب فيه بالبياض: لا إله إلا الله محمد رسول الله. وروى ابن عساكر عن كعب الأحبار قال: إن الله أنزل على آدم عصيا بعدد الأنبياء


(1) عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان، ابن أبي الدنيا القرشي الأموي، مولاهم، البغدادي، أبو بكر: حافظ للحديث، مكثر من التصنيف. أدب الخليفة المعتضد العباسي، في حداثته، ثم أدب ابنه المكتفي. له مصنفات اطلع الذهبي على 20 كتابا منها، ثم ذكر أسماءها كلها، فبلغت 164 كتابا، منها " الفرج بعد الشدة " و " مكارم الأخلاق " و " ذم الملاهي " و " اليقين " و " الشكر " و " قرى الضيف " و " العقل وفضله " و " قصر الأمل " و " الإشراف في منازل الأشراف " و " العظمة " في عجائب الخلق، و " من عاش بعد الموت " و " ذم الدنيا " وكتاب " الجوع " و " ذم المسكر " و " الرقة والبكاء " و " الصمت " وغير ذلك. مولده ووفاته ببغداد الأعلام 4 / 118، تذكرة 2 / 18 وتاريخ بغداد 10 / 89. (2) سعيد بن جبير الأسدي مولاهم، الكوفي، ثقة ثبت فقيه، من الثالثة، وروايته عن عائشة وأبي موسى ونحوهما مرسله، قتل بين يدي الحجاج، سنة خمس وتسعين، ولم يكمل الخمسين، التقريب 1 / 292. (3) قريش بن أنس الأنصاري، ويقال الأموي، أبو أنس البصري، صدوق تغير بآخره: قدر ست سنين، من التاسعة، مات سنة ثمان ومائتين. التقريب 2 / 125. (4) كليب بن وائل البكري. عن عمه قيس. وعنه الثوري، وحفص بن غياث. وثقة ابن معين وضعفه أبو زرعة. له في (خ) فرد حديث. الخلاصة 2 / 368. (*)

[ 87 ]

والرسل، ثم أقبل على ابنه شيث فقال يا بني أنت خليفتي من بعدي، فحذها بعمارة التقوى والعروة الوثقى، وكلما ذكرت الله فاذكر إلى جنبه اسم محمد صلى الله عليه وسلم، فإني رأيت اسمه مكتوبا على ساق العرش وأنا بين الروح والطين، ثم طفت في السماوات فلم أر في السماوات موضعا إلا رأيت اسم محمد مكتوبا عليه، وإن ربي أسكنني الجنة فلم أر في الجنة قصرا ولا غرفة إلا واسم محمد مكتوب عليه، ولقد رأيت اسم محمد على نحور الحور العين وعلى ورق قصب آجام الجنة، وعلى ورق شجرة طوبى وعلى ورق سدرة المنتهى، وعلى أطراف الحجب وبين أعين الملائكة، فأكثر ذكره فإن الملائكة تذكره في كل ساعاتها. وروى ابن عساكر في تاريخ دمشق وابن العديم (1) في تاريخ حلب، عن أبي الحسين على بن عبد الله الهاشمي الرقي، رحمه الله تعالى قال: دخلت بلاد الهند فرأيت في بعض قراها شجر ورد أسود فيفتح عن وردة كبيرة طيبة الرائحة سوداء مكتوب عليها بخط أبيض: لا إله إلا الله محمد رسول الله. أبو بكر الصديق. عمر الفاروق. فشككت في ذلك وقلت إنه معمول، فعمدت إلى حبة لم تفتح فرأيت فيها كما رأيت في سائر الورد، وفي البلد منه شئ كثير وأهل تلك القرية يعبدون الحجارة. وفي مسالك الأبصار ذكر ابن سعيد المغربي (2) أنه أخبره من دخل الهند رأى في غيضة بنواحي بالكين، وهي قصبة الهند، شجرة عظيمة لها ورد أحمر فيه مكتوب ببياض: لا إله إلا الله محمد رسول الله. ونقل القاضي عن السمطاوي رحمه الله تعالى أنه شاهد في بعض بلاد خراسان مولودا ولد على أحد جنبيه مكتوب: لا إله إلا الله، وعلى الآخر: محمد رسول الله. وقال الشيخ عبد الله اليافعي في كتاب " روض الرياحين " قال بعض الشيوخ: دخلت


(1) عمر بن أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة العقيلي، كمال الدين بن العديم: مؤرخ، محدث، من الكتاب. ولد بحلب، ورحل إلى دمشق وفلسطين والحجاز والعراق، وتوفى بالقاهرة. من كتبه " بغية الطلب في تاريخ حلب " كبير جدا، اختصره في كتاب آخر سماه " زبدة الحلب في تاريخ حلب " المجلد الأول منه، و " سوق الفاضل " وغير ذلك. توفي سنة 660 ه‍. الأعلام 5 / 40. (2) عبد الله بن أسعد بن علي بن سليمان بن فلاح، الشيخ الإمام القدوة، العارف، الفقيه، العالم، شيخ الحجاز، عفيف الدين أبو محمد اليافعي، اليمني، ثم المكي. ولد قبل السبعمائة بقليل، وكان من صغره ملازما لبته، تاركا لما يشتغل به الأطفال من اللعب، فلما رأى والده آثار الفلاح ظاهرة، بعث به إلى عدن فاشتغل بالعلم. أخذ عن العلامة أبي عبد الله البصال وشرف الدين الحرازي قاضي عدن ومفتيها، وعاد إلى بلاده وحبب إليه الخلوة والانقطاع والسياحة في الجبال. وصحب شيخه الشيخ علي المعروف بالطواشي، وهو الذي سلكه الطريق. ثم لازم العلم وحفظ الحاوي الصغير، والجمل للزجاجي، ثم جاور بمكة وتزوج بها، وقرأ الحاوي على قاضيها القاضي نجم الدين الطبري، وسمع الحديث. توفى بمكة في جمادى الآخرة سنة ثمان وستين وسبعمائة، ودفن بمقبرة باب المعلى جوار الفضيل بن عياض. واليافعي نسبة إلى قبيلة من قبائل اليمن من حمير. الطبقات لابن قاضي شهبة 3 / 95 - 96، والأعلام 4 / 198. (*)

[ 88 ]

بلاد الهند فرأيت فيها شجرة تحمل ثمرا يشبه اللوز له قشران، فإذا كسر خرج منه ورقة خضراء مكتوب عليها بالحمرة: لا إله إلا الله. كتابة جلية، وهم يتبركون بها ويستقون بها إذا منعوا من الغيث. فحدثت بها أبا يعقوب الصياد فقال لي: ما أستعظم هذا، كنت أصطاد على نهر الأبلة فاصطدت سمكة مكتوب على جنبها الأيمن: لا إله إلا الله. وعلى جنبها الأيسر: محمد رسول الله. فلما رأيتها قذفتها في الماء احتراما لها. الأبلة بضم الهمزة والباء الموحدة وتشديد اللام: بلد معروف قرب البصرة. وروى الخطيب (1) في تاريخه، عن عبد الرحمن بن هارون المغربي رحمه الله تعالى قال: ركبت بحر المغرب فوصلنا إلى موضع يقال له السوطون، وكان معنا غلام صقلي ومعه سنارة فدلاها في البحر فصاد سمكة قدر شبر، فنظرنا فإذا مكتوب على أذنها الواحدة: لا إله إلا الله. وفي قفاها وخلف أذنها الأخرى: محمد رسول الله. وكان أبين من نقش على حجر، وكانت السمكة بيضاء والكتابة سوداء كأنها كتابة بحبر. فقذفناها في البحر. وروى أبو الشيخ في العظمة عن جعفر بن عرفة رحمه الله تعالى قال: كنت في البحر في مركب فظهرت لنا سمكة بيضاء وإذا على قفاها مكتوب بسواد أشد سوادا من الحبر: لا إله إلا الله محمد رسول الله. وروى ابن عساكر من طريق الحسن (2) عن سلمان قال: قال عمر بن الخطاب رضي


(1) أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي. أحد حفاظ الحديث وضابطيه المتقنين. ولد في جمادى الآخرة سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، تفقه على القاضي أبي الطيب الطبري وأبي الحسن المحاملي، واستفاد من الشيخ أبي إسحاق الشيرازي وأبي نصر بن الصباغ. وشهرته في الحديث تغني عن الإطناب في ذكر مشايخه فيه وتعداد البلدان التي رحل إليها وسمع فيها، وذكر مصنفاته في ذلك فإنها تزيد على ستين مصنفا، منها تأريخ بغداد. وقال ابن ماكولا: كان أحد الأعيان ممن شاهدناه معرفة، وحفظا، وإتقانا، وضبطا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفننا في علله وعلما بصحيحه، وغريبه، وفرده، ومنكره. قال: ولم يكن للبغداديين بعد الدار قطني مثله. وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: كان أبو بكر الخطيب يشبه الدار قطني ونظرائه في معرفة الحديث وحفظه. وقال ابن السمعاني: كان مهيبا، وقورا، ثقة، متحريا، حجة، حسن الخط، كثير الضبط، فصيحا، ختم به الحفاظ. وقال غيره: كان يتلو في كل يوم وليلة ختمة. وكان حسن القراءة، جهوري الصوت. توفي في ذي الحجة سنة ثلاث وستين وأربعمائة. ودفن إلى جانب بشر الحافي. وقال ابن خلكان: سمعت أن الشيخ أبا إسحاق ممن حمل جنازته لأنه انتفع به كثيرا، وكان يراجعه في الأحاديث التي يودعها كتبه. الطبقات لابن قاضي شهبة 1 / 240 - 241، والأعلام 1 / 166، ووفيات الأعيان 1 / 76، وتذكرة الحفاظ 3 / 1135. (2) الحسن بن أبي الحسن البصري مولى أم سلمة والربيع بنت النضر أو زيد بن ثابت أبو سعيد الإمام أحد أئمة الهدى والسنة، رمي بالقدر، ولا يصح. عن جندب بن عبد الله وأنس وعبد الرحمن بن سمرة ومعقل بن يسار وأبي بكرة وسمرة. قال سعيد: لم يسمع منه وأرسل عن خلق من الصحابة. وروى عنه أيوب وحميد ويونس وقتادة ومطر الوراق وخلائق. قال ابن سعد: كان عالما جامعا رفيعا ثقة مأمونا عابدا ناسكا كثير العلم فصيحا جميلا وسيما، ما أرسله فليس بحجة. وكان الحسن شجاعا من أشجع أهل زمانه، وكان عرض زنده شبرا. قال ابن علية: مات سنة عشر ومائة. قيل: ولد سنة إحدى وعشرين لسنتين بقيتا من خلافة عمر. الخلاصة 1 / 211. (*)

[ 89 ]

الله عنه لكعب الأحبار: أخبرنا عن فضائل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مولده. قال: نعم يا أمير المؤمنين قرأت إن إبراهيم الخليل وجد حجرا مكتوبا عليه أربعة أسطر: الأول: أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني. والثاني: أنا الله لا إله إلا أنا محمد رسولي طوبى لمن آمن به واتبعه. والثالث: إني أنا الله لا إله إلا أنا من اعتصم بي نجا. والرابع: إني أنا الله لا إله إلا أنا الحرم لي والكعبة بيتي، من دخل بيتي أمن من عذابي. وروى أبو نعيم عن طلحة رضي الله تعالى عنه قال: وجد في البيت حجر منقور في الهدمة الأولى، فدعي رجل فقرأه فإذا فيه: عبدي المنتخب المتوكل المنيب المختار، مولده بمكة ومهاجره طيبة، لا يذهب حتى يقيم السنة العوجاء ويشهد أن لا إله إلا الله، أمته الحمادون يحمدون الله بكل أكمة يأتزرون على أوساطهم ويطهرون أطرافهم. وروى البيهقي عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: بلغني في قول الله تعالى: (وكان تحته كنز لهما) أن الكنز كان لوحا من ذهب مكتوب فيه: عجبا لمن أيقن بالموت كيف يفرح، عجبا لمن أيقن بالحساب كيف يضحك، عجبا لمن أيقن بالقدر كيف يحزن، عجبا لمن يرى الدنيا وزوالها وتقلبها بأهلها كيف يطمئن لها، لا إله إلا الله محمد رسول الله. وروى البزار (1) عن أبي ذر (2) نحوه، ولهذا تتمة في باب شرح أسمائه صلى الله عليه وسلم.


(1) أحمد بن عمرو بن عبد الخالق أبو بكر البزار: حافظ من العلماء بالحديث. من أهل البصرة. حدث في آخر عمره بأصبهان وبغداد والشام، وتوفي في الرملة. له مسندان أحدهما كبير سماه " البحر الزاخر " والثاني صغير. الأعلام 1 / 189، ميزان الاعتدال 1 / 59. (2) أبو ذر الغفاري، أحد النجباء. في اسمه أقوال أشهرها جندب بن جنادة له مائتا حديث وأحد وثمانون حديثا، اتفقا على اثني عشر، وانفرد (خ) بحديثين، و (م) بتسعة عشر. وعنه ابن عباس وأنس والأحنف وأبو عثمان النهدي وخلق. وقال أبو داود: كان يوازي ابن مسعود في العلم. ومناقبه كثيرة. قال ابن المدائني: مات بالربذة سنة اثنتين وثلاثين. الخلاصة 3 / 215. (*)

[ 90 ]

الباب السادس في أخذ الميثاق على النبيين، آدم فمن دونه من الأنبياء أن يومنوا به صلى الله عليه وسلم وينصروه إذا بعث فيهم قال الله تعالى: و (إذ) نصب بمصدر محذوف (أخذ الله ميثاق النبيين) عهدهم (لما) بفتح اللام للابتداء أو دخلت لتوكيد معنى القسم، لأن أخذ الميثاق قسم في المعنى. وبكسرها متعلقة بأخذ، وما موصولة على الوجهين أي الذي (آتيتكم) وفي قراءة: آتيناكم (من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم) أي من الكتاب والحكمة، وهو محمد صلى الله عليه وسلم (لتؤمنن به ولتنصرنه) جواب القسم، أي إن أدركتموه، وأممهم تبع لهم في ذلك. قال الله تعالى لهم: (أأقررتم) بذلك (وأخذتم) قبلتم ووافقتم (على ذلكم إصري) عهدي (قالوا أقررنا. قال فاشهدوا) أي فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار واشهدوا: خطاب للملائكة (وأنا معكم من الشاهدين) عليكم وعليهم (فمن تولى) أعرض (بعد ذلك) الثبات (فأولئك هم الفاسقون) أي الخارجون عن طاعة. روى ابن ابي حاتم عن السدي (1) في الآية قال: لم يبعث الله نبيا قط من لدن نوح إلا أخذ ميثاقه ليؤمنن بمحمد صلى الله عليه وسلم وينصره إن أرد كه وخرج وهم أحياء. وروى ابن جرير (2)، عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في الآية قال: لم يبعث الله نبيا، آدم فمن بعده، إلا أخذ عليه العهد في محمد صلى الله عليه وسلم: لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره بأخذ العهد على قومه. وروى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: ما بعث الله نبيا قط إلا أخذ عليه العهد: لئن بعث محمد صلى الله عليه وسلم وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره بأخذ الميثاق على أمته إن بعث محمد صلى الله عليه وسلم وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه.


(1) إسماعيل بن عبد الرحمن السدي: تابعي، حجازي الأصل، سكن الكوفة. قال فيه ابن تغري بردي: " صاحب التفسير والمغازي والسير، وكان إماما عارفا بالوقائع وأيام الناس ". توفي سنة 128 ه‍. الأعلام 1 / 317. (2) محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب، أبو جعفر الطبري الآملي البغدادي. الإمام العلم صاحب التصانيف العظيمة والتفسير المشهور، مولده سنة أربع وعشرين ومائتين. أخذ الفقه عن الزعفراني والربيع المرادي. قال الخطيب: سمعت علي بن عبد الله اللغوي يقول: مكث ابن جرير أربعين سنة يكتب كل يوم أربعين ورقة. توفي في شوال سنة عشر وثلاثمائة عن ست وثمانين. الطبقات لابن قاضي شهبة 1 / 100 - 101. (*)

[ 91 ]

رواه البخاري في صحيحه. كما نقله الزركشي في شرح البردة، والحافظ ابن كثير (1) في تاريخه وأول كتابه جامع المسانيد، والحافظ في الفتح في باب حديث الخضر مع موسى، ولم أظفر به فيه، ورواه ابن عساكر بنحوه. قال الإمام العلامة الحافظ شيخ الإسلام تقي الدين السبكي قدس الله سره في هذه الآية من التنويه بالنبي صلى الله عليه وسلم وعظيم قدره ما لا يخفى أنه على تقدير مجيئه في زمانهم يكون مرسلا إليهم. فتكون نبوته ورسالته عامة لجميع الخلق من زمن آدم إلى يوم القيامة وتكون الأنبياء وأممهم كلهم من أمته، ويكون قوله صلى الله عليه وسلم: " بعثت إلى الناس كافة " (2) لا يختص به الناس في زمانه إلى يوم القيامة بل يتناول من قبلهم أيضا. وإنما أخذ المواثيق على الأنبياء ليعلموا أنه المقدم عليهم وأنه نبيهم ورسولهم. وفي (أخذ) وهي في معنى الاستخلاف، ولذلك دخلت لام القسم في (لتؤمنن به ولتنصرنه) لطيفة أخرى، وهي كأنها البيعة التي تؤخذ للخلفاء ولعل إيمان الخلفاء أخذت من هذا، فانظر إلى هذا التعظيم للنبي صلى الله عليه وسلم من ربه. فإذا عرفت هذا فالنبي صلى الله عليه وسلم نبي الأنبياء، ولهذا أظهر ذلك في الآخرة جميع الأنبياء تحت لوائه. وفي الدنيا كذلك ليلة الإسراء صلى بهم، ولو اتفق مجيئه في زمن آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى وجب عليهم وعلى أممهم الإيمان به صلى الله عليه وسلم ونصرته. ولذلك أخذ الله الميثاق عليهم، فنبوته صلى الله عليه وسلم ورسالته إليهم معنى حاصل له. وإنما أمره يتوقف على اجتماعهم معه، فتأخر الأمر راجع إلى وجودههم لا إلى اتصافه بما يقتضيه. وفرق بين توقف الفعل


(1) إسماعيل بن كثير بن ضوء بن كثير بن ضوء بن ذرع، القرشي، البصروي، الدمشقي. مولده سنة إحدى وسبعمائة، وتفقه على الشيخين برهان الدين الفزاري وكمال الدين بن قاضي شهبة، ثم صاهر الحافظ أبا الحجاج المزي ولازمه، وأخذ عنه، وأقبل على علم الحديث، وأخذ الكثير عن ابن تيمية، وقرأ الأصول على الأصفهاني، وسمع الكثير، وأقبل على حفظ المتون، ومعرفة الأسانيد والعلل والرجال والتأريخ، حتى برع في ذلك وهو شاب. وصنف في صغره " كتاب الأحكام على أبواب التنبيه "، ووقف عليه شيخه برهان الدين وأعجبه، وصنف التأريخ المسمى بالبداية والنهاية والتفسير. وصنف كتابا في جمع المسانيد العشرة، واختصر تهذيب الكمال وأضاف إليه ما تأخر في الميزان سماه التكميل، وطبقات الشافعية ورتبه على الطبقات، وله تصانيف مفيدة. وقال تلميذه الحافظ شهاب الدين بن حجي: كان أحفظ من أدركناه لمتون الأحاديث، وأعرفهم بجرحها، ورجالها، وصحيحها وسقيمها. وكان أقرانه وشيوخه يعترفون له بذلك. وكان يستحضر شيئا كثيرا من التفسير والتأريخ، قليل النسيان. وكان فقيها جيد الفهم، صحيح الذهن، يستحضر شيئا كثيرا، ويحفظ التنبيه إلى آخر وقت، ويشارك في العربية مشاركة جيدة، وينظم الشعر. وما أعرف أني اجتمعت به على كثرة ترددي إليه إلا وأفدت منه. توفي في شعبان سنة أربع وسبعين وسبعمائة، ودفن بمقبرة الصوفية عند شيخه ابن تيمية. الطبقات لابن قاضي شهبة 3 / 85 - 86، والدارس 1 / 36، والبدر الطالع 1 / 153، وشذرات الذهب 6 / 231. (2) أخرجه أحمد في المسند 3 / 304، والبيهقي 2 / 433، ومجمع الزوائد 8 / 259، 261، والطبراني في الكبير 12 / 413، وابن سعد في الطبقات 1 / 1 / 128. (*)

[ 92 ]

على قبول المحمل وتوقف أهلية الفاعل، فهنا لا توقف من جهة الفاعل ولا من جهة ذات النبي صلى الله عليه وسلم الشريفة، وإنما هو من جهة وجود العصر المشتمل عليه، فلو وجد في عصرهم لزمهم أتباعه بلا شك، ولهذا يأتي عيسى صلى الله عليه وسلم في آخر الزمان على شريعته صلى الله عليه وسلم، وهو نبي كريم، لا كما يظن بعض الناس أنه يأتي واحدا من هذه الأمة، نعم هو واحد من هذه الأمة لما قلنا من اتباعه للنبي صلى الله عليه وسلم وإنما يحكم بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن والسنة، فكل ما فيهما من أمر ونهي فهو متعلق به كما يتعلق بسائر هذه الأمة، وهو نبي كريم على حاله لم ينقص منه شئ ولذلك لو بعث النبي صلى الله عليه وسلم في زمانه أو زمان موسى وإبراهيم ونوح وآدم كانوا مستمرين على نبوتهم ورسالتهم إلى أممهم، والنبي صلى الله عليه وسلم نبي الله ورسوله إلى جميعهم، فنبوته ورسالته أعم وأشمل وأعظم، ويتفق مع شرائعهم في الأصول لأنها لا تختلف، وتقدم شريعته فيما عساه يقع الاختلاف فيه من الفروع، إما على سبيل التخصيص وإما على سبيل النسخ أو لا نسخ ولا تخصيص بل تكون شريعة النبي في تلك الأوقات بالنسبة إلى تلك الأمم مما جاءت به أنبياؤهم، وفي هذا الوقت بالنسبة إلى هذه الأمة الشريفة، والأحكام تختلف باختلاف الأشخاص والأوقات. انتهى كلامه رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فإن قيل: قال الله سبحانه وتعالى: (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتدة). فالجواب: بأن هداهم من الله وهو شرعه صلى الله عليه وسلم، أي الزم شرعك الذي ظهر به نوابك، من إقامة الدين وعدم التفرقة فيه ولم يقل الله بهم اقتدة وكذا قال تعالى (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا) وهو الدين، فهو صلى الله عليه وسلم مأمور باتباع الدين، فإن أصل الدين إنما هو من الله تعالى لا من غيره، وأين هذا من قوله صلى الله عليه وسلم باتباع الدين لا باتباع الأنبياء، فإن السلطان الأعظم إذا حضر لا يبقى لنائب من نوابه حكم إلا له، فإذا غاب حكم النواب بمراسيمه، فهو الحاكم في الحقيقة غيبة وشهادة. فإنك شمس والملوك كواكب * * إذا ظهرت لم يبد منهن كوكب (1) وقد أشار إلى ذلك المعنى البوصيري (2)، وتوفي قبل مولد السبكي رحمهما الله تعالى.


(1) القصيدة مطلعها: أتاني - أبيت اللعن - أنك لمتني * * وتلك التي أهتم منها وأنصب (2) محمد بن سعيد بن حماد بن عبد الله الصنهاجي البوصيري المصري، شرف الدين، أبو عبد الله: شاعر، حسن الديباجة، مليح المعاني، ووفاته بالإسكندرية. له " ديوان شعر " توفي سنة 696 ه‍، الأعلام 6 / 139، وفوات الوفيات 2 / 205. (*)

[ 93 ]

وكل آي أتى الرسل الكرام بها * * فإنما اتصلت من نوره بهم فإنه شمس فضل هم كواكبها * * يظهرون أنوارها للناس في الظلم

[ 94 ]

الباب السابع في دعاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام به صلى الله عليه وسلم وإعلام الله به إبراهيم وآله قال الله سبحانه وتعالى حاكيا عن إبراهيم: (ربنا وابعث فيهم رسولا) أي في جماعة الأمة المسلمة من أولادهما، أو هم أهل مكة (رسولا منهم) من أنفسهم يعني محمدا صلى الله عليه وسلم (يتلو) يقرأ (عليهم آياتك) كتابك يعني القرآن (ويعلمهم الكتاب) أي القرآن (الحكمة) أي مواعظه وما فيه من الأحكام، أو هي العلم والعمل (ويزكيهم) يطهرهم من الذنوب ويشهد لهم بالعدالة إذا شهدوا للأنبياء بالبلاغ (إنك أنت العزيز) الغالب (الحكيم) في صنعه. روى ابن جرير عن أبي العالية (1) رحمه الله تعالى قال: لما قال إبراهيم: (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم) قيل له قد: استجيب لك، وهو كائن في آخر الزمان. وروى الإمام أحمد والحاكم عن العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنا دعوة (أبي) إبراهيم وبشارة عيسى " (2). وروى ابن عساكر عن عبادة بن الصامت (3) رضي الله تعالى عنه قال، قيل يا رسول الله أخبرنا عن نفسك. قال: " نعم أنا دعوة أبي إبراهيم، وكان آخر من بشر بي عيسى ابن مريم " (4). وروى الإمام أحمد وابن سعد والطبراني وابن مردويه (5) عن أبي أمامة (6) رضي الله


(1) رفيع بضم أوله مصغرا ابن مهران الرياحي بكسر المهملة مولاهم أبو العالية البصري مخضرم إمام من الأئمة، صلى خلف عمر، ودخل على أبي بكر. عن أبي وعلي وحذيفة، وعلية وخلق. وعنه قتادة وثابت وداود بن أبي هند بصريون وخلق. قال عاصم الأحول: كان إذا اجتمع عليه أكثر من أربعة قام وتركهم. قال مغيرة: أول من أذن بما وراء النهر أبو العالية. قال أبو خلدة: مات سنة تسعين وهو الصحيح. الخلاصة 1 / 331. (2) أخرجه الطبري في التفسير 1 / 435، والبيهقي في دلائل النبوة 1 / 69، وابن سعد في الطبقات 1 / 1 / 96، وابن كثير في البداية والنهاية 2 / 275، والبغوي في التفسير 1 / 111. (3) عبادة بن الصامت بن قيس الأنصاري الخزرجي، أبو الوليد المدني، أحد النقباء، بدري مشهور، مات بالرملة، سنة أربع وثلاثين وله اثنتان وسبعون، وقيل عاش إلى خلافة معاوية، التقريب 1 / 395. (4) أخرجه ابن عساكر في التاريخ 1 / 39، وذكره المتقي الهندي في كنز العمال (35479). (5) أحمد بن موسى بن مردوية الأصبهاني أبو بكر، ويقال له ابن مردوية الكبير: حافظ مؤرخ مفسر، من أهل أصبهان، له كتاب " التاريخ " وكتاب في " تفسير القرآن " و " مسند " و " مستخرج " في الحديث. توفي سنة 410 ه‍. الأعلام 1 / 261، وشذرات الذهب 3 / 190. (6) صدي بن عجلان الباهلي أبو أمامة، صحابي مشهور، له مائتا حديث وخمسون حديثا. وعنه شهر بن حوشب، وخالد بن معدان، وسالم بن الجعد، ومحمد بن زياد الألهاني، وقال: كان لا يمر بصغير ولا كبير إلا سلم عليه. قال أبو اليمان مات سنة إحدى وثمانين بحمص. الخلاصة 1 / 473، 474. (*)

[ 95 ]

تعالى عنه قال: قلت: يا رسول الله ما كان بدء أمرك ؟ قال: " دعوة أبي إبراهيم، وبشر بي عيسى ابن مريم " (1). وروى ابن سعد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: لما أمر إبراهيم بإخراج هاجر حمل على البراق، فكان لا يمر بأرض عذبة سهلة إلا قال: أنزل ها هنا يا جبريل ؟ فيقول: لا. حتى أتى مكة فقال جبريل: إنزل يا إبراهيم. قال: حيث لا ضرع ولا زرع ؟ ! قال: نعم، ها هنا يخرج النبي الكريم الذي من ذرية ابنك إسماعيل الذي تتم به الكلمة العليا. وروي أيضا عن محمد بن كعب القرظي (2) رحمه الله تعالى قال: لما خرجت هاجر بابنها إسماعيل تلقاها متلق فقال: يا هاجر إن ابنك أبو شعوب كثيرة، ومن شعبه النبي الأمي ساكن الحرم.


(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات 1 / 119. (2) محمد بن كعب القرظي المدني ثم الكوفي أحد العلماء. عن أبي الدرداء مرسلا وعن فضالة بن عبيد وعائشة وأبي هريرة. وعنه ابن المنكدر، ويزيد بن الهاد والحكم بن عتيبة. قال ابن عون: ما رأيت أحدا أعلم بتأويل القرآن من القرظي. وقال ابن سعد: كان ثقة ورعا كثير الحديث قيل: مات سنة تسع عشرة ومائة. وقيل: سنة عشرين. الخلاصة 2 / 453. (*)

[ 96 ]

الباب الثامن في بعض ما ورد في الكتب القديمة من ذكر فضائله صلى الله عليه وسلم ومناقبه العظيمة قال الله تعالى: (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل). وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: إنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم الموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: " يأيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله. ويفتح به أعينا عميا وقلوبا غلفا وآذانا صما " (1). رواه الإمام أحمد والبخاري. وروى نحوه ابن عساكر وابن الجوزي عن عبد الله بن سلام (2)، والدارمي (3) عن كعب. " شاهدا " حال مقدرة من الكاف أو من الفاعل، أي مقدرا أو مقدرين شهادتك على من بعثت إليهم، أي مقبولا قولك عند الله فيهم وعليهم، كما يقبل قول الشاهد العدل في الحكم. " حرزا " بالمهملة المكسورة فالراء الساكنة فالزاي - أي حفظا " للأميين " أي للعرب لأن الكتابة عندهم قليلة. والأمي من لا يحسن الكتابة. وليس لليهود أن يتمسكوا بقوله " حرزا للأميين " على ما زعموا أنه صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى العرب خاصة، لأن قوله: " حتى يقيم الملة العوجاء " يشملهم لأنهم بدلوا وحرفوا وغيروا، فأرسل صلى الله عليه وسلم إليهم ليقيم عوجهم، وهل أحد أولى منهم بإقامة عوجهم ؟ !. " ليس بفظ " أي سيئ الخلق " ولا غليظ " أي شديد القول " ولا سخاب " بالسين


(1) أخرجه البخاري 4 / 402، كتاب البيوع باب كراهية السخب في الأسواق (2125). (2) عبد الله بن سلام مخفف ابن الحارث الإسرائيلي اليوسفي أبو يوسف حليف القواقل الخزرجي. أسلم مقدم النبي صلى الله عليه وسلم وشهد فتح بيت المقدس مع عمر، وروى خمسة وعشرين حديثا، شهد اله النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة. ونزل فيه (وشهد شاهد من بني إسرائيل)، وقوله تعالى: (ومن عنده علم الكتاب). وعنه ابنه يوسف وأبو هريرة وأنس. اتفقوا على أنه مات سنة ثلاث وأربعين بالمدينة. رضي الله عنه. الخلاصة 2 / 64. (3) عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام التميمي الدارمي السمرقندي، أبو محمد: من حفاظ الحديث. سمع بالحجاز والشام ومصر والعراق وخراسان من خلق كثير. واستقضي على سمرقند، فقضى قضية واحدة، واستعفى فأعفي. وكان عاقلا فاضلا مفسرا فقيها أظهر علم الحديث والآثار بسمرقند. له " المسند " في الحديث، الأعلام 95، وتذكرة الحفاظ 2 / 105. (*)

[ 97 ]

المهملة والخاء المعجمة المشددة من السخب وهو لغة ربيعة في الصخب، وهو رفع الصوت، أي لا كثيره بل ولا قليله، إذا المراد نفيه مطلقا. " الملة العوجاء " يعني ملة إبراهيم، لأن العرب غيرتها عن استقامتها فصارت كالعوجاء. " غلفا " بضم الغين المعجمة وسكون اللام جمع أغلف وهو الشئ في غلاف وغشاء بحيث لا يوصل إليه. وعن رجل من الأعراب رضي الله تعالى عنه قال: قدمت المدينة حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت لألقين هذا الرجل فلأسمعن منه. فتلقاني بين أبي بكر وعمر يمشون، فتبعتهم حتى أتوا على رجل من اليهود ناشر التوراة يقرؤها يعزي بها نفسه عن ابن له في الموت كان من أحسن الفتيان وأجملهم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنشدك بالذي أنزل التوراة هل تجد في كتابك صفتي ومخرجي ". ؟ فقال برأسه هكذا. أي لا. فقال ابنه: والذي أنزل التوراة إنا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك، أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فقال: أقيموا اليهود عن أخيكم. ثم ولي كفنه والصلاة عليه. رواه الإمام أحمد (1). وعن عبد الله بن مسعود (2) رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل كنيسة فإذا هو بيهودي يقرأ عليهم التوراة، فلما أتوا على صفة النبي صلى الله عليه وسلم أمسكوا وفي ناحيتها مريض، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ما لكم أمسكتم " ؟ فقال المريض: إنهم أتوا على صفة نبي فأمسكوا. ثم جاء المريض حتى أخذ التوراة فقرأ حتى أتى على صفة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هذه صفتك وصفة أمتك، أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. ثم مات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لوا أخاكم " (3). رواه الإمام أحمد. وقال يعقوب بن سفيان (4): حدثنا فيض البجلي، حدثنا سلام بن مسكين (5)، عن مقاتل


(1) ذكره الهيثمي في المجمع 8 / 237 وعزاه لأحمد وقال أبو صخر لم أعرفه وبقية رجاله رجال الصحيح. (2) عبد الله بن مسعود بن غافل: بمعجمه وفاء، ابن حبيب الهذلي، أبو عبد الرحمن، من السابقين الأولين، ومن كبار العلماء من الصحابة، مناقبه جمة، وأمره عمر على الكوفة، ومات سنة اثنتين وثلاثين، أو في التي بعدها بالمدينة التقريب 1 / 450. (3) أخرجه في المسند 1 / 416، والبيهقي في دلائل النبوة 7 / 273، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 8 / 234، وزاد نسبته للطبراني وقال: وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط. (4) هو يعقوب بن سفيان بن حسوان الفارسي والفسوي أبو يوسف: من كبار حفاظ الحديث من أهل فسا بإيران عاش بعيدا عن وطنه في طلب الحديث نحو ثلاث سنين وروى عن أكثر من ألف شيخ وتوفي بالبصرة له التاريخ الكبير توفي سنة 277 ه‍، الأعلام 8 / 198. (5) سلام بن مشكين بن ربيعة الأزدي أبو روح البصري محدث إمام عن الحسن وقتادة وثابت. وعنه يحيى القطان وابن مهدي، وأبو الوليد الطيالسي وأبو سلمة التبوذكي وثقة أحمد، وابن معين. مات سنة سبع وستين ومائة. الخلاصة 1 / 434. (*)

[ 98 ]

ابن حيان (1)، رحمه الله تعالى قال: أوحى الله تعالى إلى عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام: جد في بني إسرائيل ولا تهزل واسمع وأطع يا بن الطاهرة البكر البتول، إني خلقتك من غير فحل فجعلتك آية للعالمين، فإياي فاعبد وعلي فتوكل، فسر إلى أهل سورانية، بلغ (2) من بين يديك أني أنا الله الحي القائم الذي لا يزول، صدقوا النبي الأمي العربي صاحب الجمل والمدرعة والعمامة، وهي التاج، والنعلين والهراوة وهي القضيب، الجعد الرأس، الصلت الجبين، المقرون الحاجبين، الأكحل العينين، الأقنى الأنف، الواضح الخدين، الكث اللحية، عرقه في وجهه كاللؤلؤ، ريح المسك ينفح منه، كأن عنقه إبريق فضة، وكأن الذهب يجري في تراقيه، له شعرات من لبنه إلى سرته تجري كالقضيب ليس على صدره ولا على بطنه شعر غيره، شئن الكفين والقدمين إذا جامع الناس غمرهم، وإذا مشى كأنما يتقلع من الصخر ويتحدر في صبب ذو النسل القليل. " غمرهم " أي علاهم شرفا. وقوله: " ذو النسل القليل " أراد الذكور من صلبه صلى الله عليه وسلم. وروى البيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قدم الجارود بن عبد الله فأسلم وقال: والذي بعثك بالحق لقد وجدت وصفك في الإنجيل، ولقد بشر بك ابن البتول. وسميت مريم بذلك من قولهم: امرأة بتول أي منقطعة عن الرجال لا شهوة لها فيهم. وعن أبي موسى الأشعري (3) رضي الله عنه قال: سمعت النجاشي يقول: أشهد أن محمدا رسول الله وأنه الذي بشر به عيسى، لولا ما أنا فيه من أمر الملك وما تحملت من أمر الناس لأتيته حتى أحمل نعليه (4). رواه أبو داود (5). وروى الترمذي في الشمائل عن كعب رحمه الله تعالى قال: نجد نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة: محمد بن عبد الله يولد بمكة ويهاجر إلى طابة، ويكون ملكه بالشام، وليس بفحاش ولا سخاب في الأسواق ولا يكافئ بالسيئة، ولكن يعفو ويغفر، أمته الحمادون


(1) مقاتل بن حيان بتحتانية البكري، مولاهم النبطي أبو بشطام البلخي الخراز أوله معجمة ثم مهملة. عن مجاهد وعروة وسالم. وعنه إبراهيم بن أدهم وابن المبارك. وثقه ابن معين. الخلاصة 3 / 53. (2) في أ: فبلغ. (3) عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار، أبو موسى الأشعري صحابي مشهور، أمره عمر ثم عثمان، وهو أحد الحكمين بصفين، مات سنة خمسين. وقيل بعدها. التقريب 1 / 441. (4) أخرجه أبو داود 2 / 230، كتاب الجنائز (3205). (5) سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد الأزدي، السجستاني، أبو داود، ثقة حافظ، مصنف السنن وغيرها، من كبار العلماء، من الحادية عشرة، مات سنة خمس وسبعين. التقريب 1 / 321. (*)

[ 99 ]

يحمدون الله في كل أمر ويكبرون الله على كل نجد، ويوضئون أطرافهم ويأتزرون في أوساطهم، يصفون في صلاتهم كما يصفون في قتالهم، دويهم في مساجدهم كدوي النحل يسمع مناديهم في جو السماء. النجد: ما ارتفع من الأرض. وروى أبو نعيم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن موسى لما نزلت عليه التوراة وقرأها فوجد فيها ذكر هذه الأمة قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة هم المستجيبون المستجاب لهم فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال يا رب أمة أحمد، قال: يا رب إني أجد أمة يأكلون الفئ فاجعلها أمتي قال: تلك أمة أحمد قال: أمتي. قال: تلك أمة أحمد قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة إذا هم أحدهم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة واحدة، وإن عملها كتبت له عشر حسنات، فاجعلها أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة إذا هم أحدهم بسيئة فلم يعلمها يا رب إني أجد في الألواح أمة يؤتون العلم الأول والعلم الآخر، فيقتلون قرن الضلال المسيح الدجال فاجعلها أمتي قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب فاجعلني من أمة أحمد، فأعطي عند ذلك خصلتين. قال: (إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين) قال له قد رضيت " (1). وروى ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي قال أوحى الله تعالى إلى يعقوب عليه الصلاة والسلام: أني أبعث من ذريتك ملوكا وأنبياء حتى أبعث النبي الحرمي الذي تبني أمته هيكل بيت المقدس وهو خاتم الأنبياء واسمه أحمد. وروى أيضا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: أوحى الله تعالى إلى بعض أنبياء بني إسرائيل: اشتد غضبي علكيم من أجل ما ضيعتم من أمري، فإني حلفت لا يأتيكم روح القدس حتى أبعث النبي الأمي من أرض العرب الذي يأتيه روح القدس. وروى أبو نعيم عن كعب رحمه الله تعالى قال: كان أبي من أعلم الناس بما أنزل الله على موسى، وكان لم يدخر عني شيئا مما كان يعلم، فلما حضره الموت دعاني فقال لي: يا بني إنك قد علمت أني لم أدخر عنك شيئا أعلمه إلا أني قد حبست عنك ورقتين فيهما


(1) أخرجه أبو نعيم في الدلائل 1 / 14، وذكره السيوطي في الدر المنثور 1 / 124 وعزاه له. (*)

[ 100 ]

نبي يبعث قد أطل زمانه، فكرهت أن أخبرك بذلك، ف‍ آمن عليك أن يخرج بعض هؤلاء الكذابين فتطيعه، وقد جعلتهما في هذه الكوة التي ترى وطينت عليهما فلا تتعرض لهما ولا تنظر فيهما حينك هذا، فإن الله إن يرد بك خيرا ويخرج ذلك النبي تبعته. ثم إنه مات فدفناه، فلم يكن شئ أحب إلي من أن أنظر في الورقتين، ففتحت الكوة ثم استخرجت الورقتين فإذا فيهما: محمد رسول الله خاتم الأنبياء، لا نبي بعده، مولده بمكة ومهاجره بطيبة، ولا فظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ويجزي بالسيئة الحسنة، ويعفو ويصفح أمته الحمادون الذين يحمدون الله على كل حال، تذلل ألسنتهم بالتكبير، وينصر نبيهم على كل من ناوأه، ويغسلون فروجهم ويأتزرون على أوساطهم، أناجيلهم في صدورهم، وتراحمهم بينهم كتراحم بني الأم، وهم أول من يدخل الجنة يوم القيامة من الأمم. فمكثت ما شاء الله ثم بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قد خرج بمكة، فأخذت أستثبت ثم بلغني أنه توفي وأن خليفته قد قام مقامه، وجاءتنا جنوده، فقلت: لا أدخل في الدين حتى أنظر سيرتهم وأعمالهم، فلم أزل أدافع ذلك وأؤخره لأستثبت حتى قدم علينا عمال عمر بن الخطاب، فلما رأيتهم رأيت وفاءهم بالعهد وما صنع الله لهم على الأعداء، فعلمت أنهم هم الذين كنت أنتظر. فو الله إني ذات ليلة فوق سطحي فإذا رجل من المسلمين يتلو قول الله تعالى: (يأيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها) الآية. فلما سمعت هذه الآية خشيت أن لا أصبح حتى يحول وجهي في قفاي، فما كان شئ أحب إلي من الصباح فغدوت في المسلمين. ناوأه: أي ناهضه وعاداه. وروى ابن سعد عن سهل مولى عثمة إنه كان نصرانيا وكان يتيما في حجر أمه وعمه، وأنه كان يقرأ الإنجيل قال: فأخذت مصحفا لعمي فقرأته حتى مر بي ورقة فأنكرت كثافتها حين مرت بي، ومسستها بيدي ونظرت فإذا فضول الورقة ملصقة بغرا قال ففتشتها فوجدت فيها نعت محمد صلى الله عليه وسلم: أنه لا قصير ولا طويل أبيض ذو ضفيرتين بين كتفيه خاتم النبوة، يكثر الاحتباء (1)، ولا يقبل الصدقة، ويركب الحمار والبعير ويحلب الشاة، ويلبس قميصا مرفوعا، ومن فعل ذلك برئ من الكبر وهو من ذرية إسماعيل، اسمه أحمد. قال سهل: فلما انتهيت إلى هذا من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم جاء عمي فلما رأى الورقة


(1) يقال: احتبى بالثوب: أداره على ساقيه وظهره وهو جالس، انظر المعجم الوسيط 1 / 154. (*)

[ 101 ]

ضربني وقال لي: مالك وفتح هذه الورقة وقراءتها ؟ ! فقلت: فيها نعت النبي أحمد صلى الله عليه وسلم فقال: إنه لم يأت بعد. وروي أيضا عن عبد الحميد بن جعفر (1)، عن أبيه، قال: كان الزبير بن باطا، وكان أعلم يهود يقول: إني وجدت سفرا وكان أبي يختمه علي فيه ذكر أحمد حتى يخرج بأرض القرظ صفته كذا وكذا، فتحدث به الزبير بعد أبيه والنبي صلى الله عليه وسلم لم يبعث، فما هو إلا أن سمع بالنبي صلى الله عليه وسلم قد خرج بمكة عمد إلى ذلك السفر فمحاه وكتم شأن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: ليس به. الزبير، بفتح الزاي كما هو ظاهر كلام القاموس. وروي أيضا عن وهب بن منبه (2) رحمه الله تعالى قال: أوحى الله إلى شعيا: إني باعث نبيا أميا أفتح به آذانا صما وقلوبا غلفا وأعينا عميا، مولده بمكة، ومهاجره بطيبة، وملكه بالشام، عبدي المتوكل المصطفى المرفوع، الحبيب المنتخب المختار، لا يجزى بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح ويغفر، رحيما بالمؤمنين، يبكي للبهيمة المثقلة، ويبكي لليتيم في حجر الأرملة، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ولا متزين بالفحش ولا قوال بالخنا لو يمر إلى جنب السراج لم يطفئه من سكينته، ولو يمشي على القصب الرعراع، يعني اليابس، لم يسمع من تحت قدميه، أبعثه مبشرا ونذيرا، أسدده لكل جميل وأهب له كل خلق كريم، أجعل السكينة لباسه والبر شعاره، والتقوى ضميره والحكمة معقوله، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمغفرة والمعروف خلقه، والعدل سيرته والحق شريعته، والهدى إمامه، والإسلام ملته وأحمد اسمه، أهدي به بعد الضلالة وأعلم به بعد الجهالة، وأرفع به بعد الخمالة، وأسمي به بعد النكرة، وأكثر به بعد القلة، وأغني به بعد العيلة وأجمع به بعد الفرقة، واؤلف به بين قلوب وأهواء متشتتة وأمم مختلفة، واجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر، وتوحيدا لي وإيمانا بي وإخلاصا لي، وتصديقا بما جاءت به رسلي، وهم رعاة الشمس، طوبى لتلك القلوب والوجوه والأرواح التي أخلصت لي، ألهمهم التسبيح والتكبير والتحميد والتوحيد في مساجدهم ومجالسهم ومضاجعهم ومنقلبهم ومثواهم، يصفون في


(1) عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع الأنصاري المديني، الإمام المحدث الثقة، أبو سعد حدث عن: أبيه ونافع ومحمد بن عدن بن عطاء وسعيد المقبري وعم أبيه عمر بن الحكم ويزيد بن أبي حبيب وجماعة وعنه: يحيى القطان، وابن وهب، وغيرهم، مات عبد الحميد في سنة ثلاث وخمسين ومائة احتج به الجماعة سوى البخاري وهو حسن الحديث. انظر سير أعلام النبلاء 7 / 20، 21، 22. (2) وهب بن منبه بن كامل الأبناوي الصنعاني أبو عبد الله الأخباري. عن ابن عباس وجابر وأبي سعيد وطائفة. وعنه سماك بن الفضل وهمام بن نافع وخلق. وثقه النسائي. قال مسلم بن خالد: لبث وهب أربعين سنة لم يرقد على فراشه. قتله يوسف بن عمر سنة عشر ومائة. له في (خ) حديث. الخلاصة 3 / 138. (*)

[ 102 ]

مساجدهم كما تصف الملائكة حول عرشي، هم أوليائي وأنصاري، أنتقم بهم من أعدائي عبدة الأوثان، يصلون لي قياما وقعودا وسجودا، ويخرجون من ديارهم وأموالهم ابتغاء مرضاتي ألوفا فيقاتلون في سبيلي صفوفا وزحوفا، أختم بكتابهم الكتب وبشريعتهم الشرائع وبدينهم الأديان، فمن أدركهم فلم يؤمن بكتابهم ويدخل في دينهم وشريعتهم فليس مني وهو مني برئ، وأجعلهم أفضل الأمم وأجعلهم أمة وسطا شهداء على الناس، إذا غضبوا هللوني، وإذا قبضوا كبروني، وإذا تنازعوا سبحوني، يطهرون الوجوه والأطراف ويشدون الثياب إلى الأنصاف، ويهللون على التلال والأشراف، قربانهم دماؤهم، وأناجيلهم صدورهم، رهبان بالليل ليوثا بالنهار، ويناديهم مناديهم في جو السماء لهم دوي كدوي النحل. طوبى لمن كان معهم وعلى دينهم ومناهجهم وشريعتهم، ذلك فضلي أوتيه من أشاء وأنا ذو الفضل العظيم. " القصب " بالقاف والصاد معروف. الرعراع: الطويل. قال ابن قتيبة (1): إذا طال القصب فهبت عليه أدنى ريح، أو مر به ألطف شخص: تحرك وصوت، فأراد عز وجل أن النبي صلى الله عليه وسلم وقور ساكن الطائر. " الخنا ": بفتح المعجمة والقصر: الفحش. وأعلم بهمزة مضمومة ولا م مشددة مكسورة. وروى البيهقي عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى قال: أوحى الله في الزبور إلى داود: يا داود إنه سيأتي من بعدك نبي اسمه أحمد ومحمد، صادقا لا أغضب عليه أبدا ولا يعصيني أبدا، وقد غفرت له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. الحديث. الأحاديث والآثار في ذلك كثيرة، أفردها بالتصنيف خلائق.


(1) عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، أبو محمد: من أئمة الأدب، ومن المصنفين المكثرين. ولد ببغداد وسكن الكوفة. ثم ولي قضاء الدينور مدة، فنسب إليها. وتوفي ببغداد. من كتبه " تأويل مختلف الحديث " و " أدب الكاتب " و " المعارف " وكتاب " المعاني " ثلاثة مجلدات، و " عيون الأخبار " و " الشعر والشعراء " و " الإمامة والسياسة " وللعلماء نظر في نسبته إليه، و " الأشربة " و " الرد على الشعوبية " و " فضل العرب على العجم " وغريب القرآن وغير ذلك توفي سنة 276، انظر الأعلام 4 / 137. (*)

[ 103 ]

الباب التاسع فيما أخبر به الأخبار والرهبان والكهان بأنه النبي المبعوث في آخر الزمان عن سلمان رضي الله تعالى عنه قال: كنت رجلا من أهل فارس، وفي رواية من أهل جي، وكان أبي دهقان رامهرمز، أي رئيسها، وكان يحبني حبا شديدا، حتى حبسني في البيت كما تحبس الجارية، واجتهدت في المجوسية حتى كنت قطن النار، أي خازنها وخادمها. وفي لفظ: وكان أهل قريتي يعبدون الخيل البلق، فكنت كذلك لا أعلم من أمر الناس شيئا إلا ما أنا فيه، وأعرف أنهم ليسوا على شئ، وكان لي أخ أكبر مني. وفي لفظ: ابن صاحب رامهرمز، فكان إذا قام من مجلسه خرج فتقنع بثوبه ثم صعد الجبل، وكان يفعل ذلك غير مرة متنكرا، فقلت: أما إنك تفعل كذا وكذا، فلم لا تذهب بي معك ؟ قال: إنك غلام وأخاف أن يظهر منك شئ. قلت: لا تخف. قال: فإن في الجبل قوما في برطيل لهم عبادة وصلاح، يذكرون الله تعالى ويذكرون الآخرة، ويزعمون أنا عبدة الأوثان والأصنام وعبدة النيران على غير دين. قلت: فاذهب بي معك. قال: حتى استأمرهم وأنا أخاف أن يظهر منك شئ فيعلم أبي فيقتلهم فيجري هلاكهم على يدي. قال: قلت لا يظهر مني ذلك. فاستأمرهم. فقالوا جئ به فذهبت معه فانتبهت إليهم فإذا هم ستة أو سبعة، وكأن الروح خرجت منهم من العبادة، يصومون النهار ويقومون الليل يأكلون الشجر وما وجدوا، فقعدنا إليهم فحمدوا الله وأثنوا عليه وذكروا من مضى من الرسل والأنبياء حتى خلصوا إلى عيسى ابن مريم فقالوا: بعثه الله وولد بغير ذكر، بعثه رسولا وسخر له ما كان يفعل من إحياء الموتى وخلق الطير وإبراء الأكمة والأبرص، فكفر به قوم وتبعه قوم، وإنما كان عبد الله ورسوله ابتلى به خلقه. ثم قالوا: يا غلام إن لك ربا وإن لك معادا، وإن بين يديك جنة ونارا إليها تصير، وإن هؤلاء القوم الذين يعبدون النيران أهل كفر وضلالة لا يرضى الله بما يصنعون، وليسوا على دين. ثم انصرفنا ثم عدنا إليهم فقالوا مثل ذلك وأحسن، فلزمتهم فقالوا لي: يا سلمان إنك غلام، وإنك لا تستطيع أن تصنع ما نصنع، فصل ونم وكل واشرب. قال: فاطلع الملك على صنيع ابنه فركب في الخيل حتى أتاهم في برطيلهم فقال: يا هؤلاء قد جاورتموني فأحسنت جواركم ولم تروا مني سوءا فعمدتم (1) إلى ابني فأفسدتموه علي قد أجلتكم ثلاثا، فإن قدرت عليكم بعد ثلاث أحرقت عليكم برطيلكم هذا،


(1) في أ: فعهدتم. (*)

[ 104 ]

فالحقوا ببلادكم فإني أكره أن يكون مني إليكم سوء. قالوا: نعم ما تعمدنا مساءتك، وما أردنا إلا الخير. فكف ابنه عن إتيانهم فقلت له: اتق الله، إنك تعرف أن هذا الدين دين الله، وأن أباك ونحن على غير دين، إنما هو عبدة النيران لا يعرفون الله، ولا تبع آخرتك بدنيا غيرك. قال: يا سلمان هو كما تقول، وإنما أتخلف عن القوم بقيا عليهم، إن تبعت القوم طلبني أبي في الخيل، وقد جزع من إتياني إياهم حتى طردهم، وقد أعرف أن الحق في أيديهم. قلت: أنت أعلم. ثم لقيت أخي فعرضت عليه فقال: أنا مشتغل بنفسي في طلب المعيشة. فأتيتهم في اليوم الذي يريدون أن يرتحلوا فيه فقالوا: يا سلمان قد كنا نحذر فكان ما رأيت، فأتق الله واعلم أن الدين ما أوصيناك به، وأن هؤلاء عبدة الأوثان لا يعرفون الله ولا يذكرونه ولا يخدعنك أحد عن ذلك. وفي رواية: وكان لأبي ضيعة عظيمة فشغل في بنيان له يوما فقال لي: يا بني إني قد شغلت في بنياني هذا اليوم عن ضيعتي، ولا بد لي من أطلاعها، فانطلق إليها فمرهم بكذا وكذا ولا تحتبس عني تشغلني عن كل شئ. فخرجت أريد ضيعته فمررت بكنيسة النصارى فسمعت أصواتهم فيها، فقلت ما هذا ؟ فقالوا: هؤلاء النصارى يصلون. فدخلت أنظر فأعجبني ما رأيت من حالهم، فوالله ما زلت جالسا عندهم حتى غربت الشمس وبعث أبي في طلبي في كل وجه حتى جئته حين أمسيت، ولم أذهب إلى ضيعته، فقال: أين كنت ؟ فقلت: يا أبتاه مررت بناس يقال لهم النصارى فأعجبني صلاتهم ودعاؤهم فجلست أنظر كيف يفعلون: فقال: أي بني دينك ودين آبائك خير من دينهم. فقلت: لا والله ما هو بخير من دينهم، وهؤلاء قوم يعبدون الله ويدعونه ونحن إنما نعبد نارا نوقدها بأيدينا إذا تركناها ماتت. فخافني فجعل في رجلي حديدا وحبسني عنده، فبعثت إلى النصارى فقلت لهم: أين أصل هذا الدين الذي أراكم عليه ؟ قالوا بالشام. فقلت: إذا قدم عليكم من هناك ناس وقضوا حوائجهم فآذنوني أي أعلموني: فلما قدم عليهم ناس وقضوا حوائجهم بعثوا إلي بذلك فطرحت الحديد الذي كان في رجلي ولحقت بهم. ثم إن الملك أطلع على القوم الذين في الجبل فأمرهم بالخروج من بلاده فقلت: ما أنا بمفارقكم. فقالوا إنك لا تقدر أن تكون معنا نحن نصوم النهار ونقوم الليل ونأكل الشجر وما أصبنا، وأنت لا تستطيع ذلك. قلت: لا أفارقكم. قالوا: أنت أعلم، قد أعلمناك حالنا فإذا جئت

[ 105 ]

فاطلب أحدا يكون معك واحمل معك شيئا تأكله، فإنك لن تستطيع ما نستطيع نحن. ففعلت ولقيت أخي فعرضت عليه فأبى، فأتيتهم فتحملوا، فكانوا يمشون وأمشي معهم، فرزق الله السلامة حتى قدمنا الموصل، فأتينا بيعة بالموصل، فلما دخلوا حفوا بهم وقالوا: أين كنتم ؟ قالوا: كنا في بلاد لا يذكرون الله تعالى عبدة النيران، فطردونا فقدمنا عليكم. فلما كان بعد قالوا: يا شلمان إن ها هنا قوما في هذه الجبال هم أهل دين وإنا نريد لقاءهم فكن أنت ها هنا مع هؤلاء فإنهم أهل دين وستري منهم ما تحب. قلت: ما أنا بمفارقكم قال: وأوصوا بي أهل البيعة فقال أهل البيعة: أقم معنا يا غلام فإنه لا يعجزك شئ ببيعتنا. قال: قلت ما أنا بمفارقكم. فخرجوا وأنا معهم فأصبحنا بين جبال، فإنه صخرة وماء كثير في جرار وخبر كثير، فقعدنا عند الصخرة، فلما طلعت الشمس خرجوا من بين تلك الجبال: يخرج رجل رجلا من مكانه، كأن الأرواح انترعت منهم حتى كثروا فرحبوا بهم وحفوا وقالوا: أين كنتم ؟ قالوا: كنا ببلاد لا يذكرون الله تعالى، فيها عبدة النار وما يعبدون الله فيها، فطردونا. فقالوا: ما هذا الغلام ؟ فطفقوا يثنون علي وقالوا صحبنا من تلك البلاد فلم نر منه إلا خيرا. قال: فوالله إنهم لكذلك إذ طلع عليهم رجل من كهف طوال، فجاء حتى سلم عليهم وجلس فحفوا به وعظمه أصحابي الذين كنت معهم وأحدقوا به، فقال لهم: أين كنتم ؟ فأخبروه. فقال: ما هذا الغلام معكم ؟ فأثنوا علي خيرا وأخبروه باتباعي إياهم، ولم أر مثل إعظامهم إياه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر من أرسله الله تعالى من رسله وأنبيائه وما لقوا وما صنع بهم حتى ذكر عيسى ابن مريم وأنه ولد بغير ذكر، فبعثه الله رسولا وأجرى على يديه إحياء الموتى وإبراء الأعمى والأبرص، وأنه يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله، وأنزل عليه الإنجيل وعلمه التوراة، وبعثه رسولا إلى بني إسرائيل فكفر به قوم وآمن به قوم. وذكر بعض ما لقي عيسى ابن مريم، وأنه إنما كان عبدا أنعم الله عليه فشكره ذلك له ورضي عنه. ثم وعظهم وقال: اتقوا الله والزموا ما جاء به عيسى ولا تخالفوا فيخالف بكم. ثم أراد أن يقوم فقلت: ما أنا بمفارقك فقال: يا غلام إنك لا تستطيع أن تكون معي، إني لا أخرج من كهفي هذا إلا كل يوم أحد. قلت: ما أنا بمفارقك. قال: فتبعته حتى دخل الكهف فما رأيته نائما ولا طاعما، إلا راكعا وساجدا إلى الأحد الآخر، فلما أصبحنا خرجنا واجتمعوا إليه، فتكلم نحو المرة الأولى ثم رجع إلى كهفه ورجعت معه. فلبثت ما شاء الله، يخرج كل يوم أحد ويخرجون إليه ويعظهم، ويوصيهم. فخرج في أحد فقال مثل ما كان يقول ثم قال: يا هؤلاء إني كبرت سني ورق عظمي واقترب أجلي وإنه لا عهد لي بهذا البيت من منذ كذا كذا، ولا بد لي من إتيانه. فقلت: ما أنا بمفارقك.

[ 106 ]

وخرجت معه حتى انتهيت إلى بيت المقدس فدخل فجعل يصلي، وكا فيما يقول لي: يا سلمان إن الله سوف يبعث رسولا اسمه أحمد يخرج بتهامة، وإنه يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة وهذا زمانه الذي يخرج فيه قد تقارب، فأما أنا فإني شيخ كبير ولا أحسبني أدركه، فإذا أدركته أنت فصدقه واتبعه. قلت وإن أمرني بترك دينك وما أنت عليه ؟ قال: نعم. ثم خرج من بيت المقدس، وعلى بابه مقعد، فقال: ناولني يدك. فناوله، فقال: قم باسم الله. فقام كأنما نشط من عقال فخلى عن يده، فانطلق ذاهبا وكان لا يلوي على أحد. فقال المقعد: يا غلام احمل علي ثيابي حتى أنطلق. فحملت عليه ثيابه وانطلق الراهب. فكلما سألت عنه قالوا: أمامك فسرت حتى قدمت الشام، فقلت: من أفضل هذا الدين ؟ فقيل الأسقف صاحب الكنيسة، فجئته فقلت له: إني أحببت أن أكون معك في كنيستك وأعبد الله فيها معك وأتعلم منك الخير. قال: فكن معي، فكنت معه، وكان رجل سوء، كان يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها حتى إذا جمعوها إليه لم يعطها للمساكين، فأبغضته بغضا شديدا لما رأيت من حاله، فلم ينشب أن مات، فلما جاؤوا ليدفنوه قلت لهم: إن هذا رجل سوء كان يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها حتى إذا جمعتموها إليه اكتنزها ولم يعطها للمساكين، فقالوا: وما علامة ذلك ؟ قلت: أنا أخرج لكم كنزه. فقالوا: هاته. فأخرجت لهم سبع قلال مملوءة ذهبا وورقا، فلما رأوا ذلك رجموه بالحجارة وقالوا: لا ندفنه أبدا فصلبوه على خشبة ورموه بالحجارة. وجاؤوا برجل آخر فجعلوه مكانه، فلا والله ما رأيت رجلا قط يصلي الخمس أرى أنه أفضل منه وأشد اجتهادا ولا زهادة في الدنيا، ولا أدأب ليلا أو نهارا منه وما أعلمني أحببت شيئا قط حبه، فلم أزل معه حتى حضرته الوفاة فقلت له يا فلان قد حضرك ما ترى، وإني والله ما أحببت شيئا قط حبك فماذا تأمرني وإلى من توصيني ؟ فقال لي: أي بني والله ما أعلمه إلا رجلا بالموصل فائته فإنك ستجده على مثل حالي. فلما مات لحقت بالموصل فأتيت صاحبه فوجدته على مثل حاله من الاجتهاد والزهادة في الدنيا، فقلت له: إن فلانا أوصى بي إليك أن آتيك وأكون معك. فقال: فأقم عندي. فأقمت عنده على مثل أمر صاحبه، حتى حضرته الوفاة فقلت: إن فلانا أوصى بي إليك وقد حضرك من أمر الله ما ترى فإلى من توصيني ؟ قال: والله ما أعلمه أي بني إلا رجلا بنصيبين، وهو على مثل ما نحن عليه فالحق به. فلما دفناه لحقت بالآخر فقلت له: يا فلان إن فلانا أوصى بي إلى فلان وفلانا أوصى بي إليك. قال: فأقم عندي فأقمت عنده على مثل حالهم حتى حضرته الوفاة فقلت له: يا فلان إنه قد حضرك من أمر الله ما ترى، وقد كان فلان أوصى بي إلى فلان وأوصى بي فلان إلى فلان، وأوصى بي فلان إليك، فإلى من توصيني ؟

[ 107 ]

فقال: أي بني، والله ما أعلم أحدا على مثل ما كنا عليه إلا رجلا بعمورية من أرض الروم ائته فإنك ستجده على مثل ما كنا عليه. فلما مات وواريته خرجت حتى قدمت على صاحب عمورية، فوجدته على مثل حالهم فأقمت عنده واكتسبت حتى كانت لي غنيمة وبقرات، ثم حضرته الوفاة، فقلت: يا فلان إن فلانا أوصى بي إلى فلان، وفلان أوصى بي إلى فلان، وفلان إلى فلان، وفلان إليك وقد حضرك ما ترى من أمر الله تعالى، فإلى من توصيني ؟ فقال: أي بني والله ما أعلم بقي أحد على مثل ما كنا عليه أمرك أن تأتيه، ولكنه قد أظلك زمان نبي يبعث من الحرم، مهاجره بين حرتين إلى أرض سبخة ذات نخل، وإن فيه علامات لا تخفى: بين كتفيه خاتم النبوة، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، فإن استطعت أن تخلص إلى تلك البلاد فافعل، فإنه قد أظلك زمانه. فلما واريناه أقمت حتى مرت رجال من تجار العرب من كلب، فقلت لهم: احملوني معكم حتى تقدموا بي أرض العرب فأعطيكم غنيمتي هذه وبقراتي ؟ قالوا: نعم. فأعطيتهم إياها فحملوني حتى إذا جاؤوا بي وادي القرى ظلموني فباعوني عبدا من يهودي بوادي القرى. فوالله لقد رأيت النخل وطمعت أن تكون البلد الذي نعت لي صاحبي، وما خفيت عني، حتى قدم رجل من بني قريظة من يهود بوادي القرى فابتاعني من صاحبي الذي كنت عنده، فخرج بي حتى قدم بي المدينة. وفي لفظ: فاشترتني امرأة من الأنصار فجعلتني في حائط لها. وفي رواية: اسمها خليسة بنت فلان حليف بني النجار. فو الله ما هو إلا أن رأيتها عرفتها، فعرفت نعته فأقمت في رقي مع صاحبي في نخلة. وفي رواية أنه مكث كذلك ستة عشر شهرا. قال: فوالله إني لفيها إذ جاء ابن عم له فقال: يا فلان، قاتل الله بني قيلة، فوالله إنهم الآن لفي قباء يجتمعون على رجل جاءهم من مكة يزعمون أنه نبي. فو الله ما هو إلا أن سمعتها فأخذتني العرواء يعني الرعدة حتى ظننت لأسقطن على صاحبي ونزلت أقول: ما هذا الخبر ؟ ما هو ؟ فرفع مولاي يده فلكمني لكمة شديدة وقال: ما لك ولهذا ؟ أقبل على عملك. فقلت: لا شي إلا أنني سمعت خبرا فأحببت أن أعلمه. فخرجت وسألت فلقيت امرأة من أهل بلادي فسألتها، فإذا أهل بيتها قد أسلموا، فدلتني على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمسيت وكان عندي شئ من طعام فحملته وذهبت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بقباء فقلت: بلغني أنك رجل صالح، وأن معك أصحابا غرباء، وقد كان عندي شئ من الصدقة، فرأيتكم أحق من هذه البلاد فها هو ذا فكل. فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم يده وقال: لأصحابه كلوا ولم يأكل. فقلت في نفسي: هذه خلة مما وصف لي صاحبي.

[ 108 ]

وفي حديث بريدة عند أحمد أن سلمان جاء بمائدة بط وفي رواية: بلحم جزور مثرود وفي رواية: بخلال. فوضعها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما هذا يا سلمان ؟ " قال: صدقة عليك وعلى أصحابك. قال: " ارفعها فإنا لا نأكل الصدقة ". وجاءه من الغد بمثله فوضعه بين يديه فقال: " ما هذا يا سلمان قال: هدية لك " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: " انشطوا ". وذكر ابن إسحاق أنه جاءه بتمر وأخبره بأنه صدقة يأكله. قال: رجعت وتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فجمعت شيئا كان عندي أن تهب لي يوما، فعملت في ذلك اليوم على صاع أو صاعين من تمر، فجئت به النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رأيت أنه لا يأكل الصدقة سألت سيدتي أن تهب لي يوما آخر، فعملت فيه على ذلك ثم جئت به هدية للنبي صلى الله عليه وسلم فقبله وأكل منه. وفي الشمائل للترمذي أنه أتى بمائدة عليها رطب. فأكل رسول الله صلى عليه وسلم فقلت: هذه خلتان. ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتبع جنازة رجل من أصحابه وعليه شملتان وهو في أصحابه فاستدرت لأنظر الخاتم الذي في ظهره، وآني رسول الله صلى الله عليه وسلم استدبرته عرف أني أستثبت شيئا قد وصف لي، فرفع رداءه عن ظهره فنظرت إلى الخاتم بين كتفيه كما وصف لي صاحبي، فأكببت عليه أقبله وأبكي، فقال: تحول يا سلمان هكذا فتحولت فجلست بين يديه فأحب أن يسمع أصحابه حديثي. فحدثته بمنزل كلثوم بن الهدم رضي الله تعالى عنه فقال: حدثني. فحدثته. ثم شغل سلمان الرق حتى فاته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدر وأحد. قال النووي رحمه الله تعالى: وأول مشاهده الخندق. قال سلمان: ثم قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: كاتب يا سلمان. فكاتبت على خمسمائة فسيلة (1). وفي رواية على ثلاثمائة ودية (2) أغرسها بالفقير وأقوم عليها حتى تطعم، وأربعين أوقية وأعانني أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنخل ثلاثين ودية وعشرين ودية وعشرا كل رجل على قدر.


(1) الفسيلة: النخلة الصغيرة تقطع من الأم أو تقلع من الأرض فتغرس، انظر المعجم الوسيط 2 / 696. (2) الودي: صغار الفسيل، انظر المعجم الوسيط 2 / 1034. (*)

[ 109 ]

ما عنده. فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فقر لها " فإذا فرغت فآذني حتى أكون أنا الذي أضعها بيدي ففقرت لها وأعانني أصحابي حت‍ فرغنا منها، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فكنا نحمل إليه الودي ويضعه بيديه ويسوي عليها التراب، فغرسها كلها إلا نخلة واحدة غرستها بيدي. وفي رواية: غرسها عمر. فأطعم النخل كلها من سنته إلا تلك النخلة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من غرسها " ؟ قالوا: عمر فنزعها وغرسها بيده فحملت من عامها. فوالذي بعثه بالحق ما ماتت منها ودية واحدة. وبقيت علي الدراهم، فأتاه رجل من بعض المعادن بمثل بيضة الحمامة من ذهب، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خذ هذه يا سلمان فأدها عنك دينك ". فقلت: يارسول الله وأين تقع هذه مما علي ؟ فقلبها على لسانه ثم قذفها إلي ثم قال: " انطلق بها، فإن الله سيؤدي بها عنك. فو الذي نفسي بيده لوزنت لهم منها أربعين من ذهب فأديتها وبقي عندي مثل ما أعطيتهم ". رواه الإمام أحمد وابن سعد والبزاز والطبراني وأبو نعيم وغيرهم (1)، من طرق أدخلت بعضها في بعض وسقتها كما تقدم. تنبيهات الأول: في رواية: أن سلمان من فارس. وفي رواية: من أهل إصبهان بكسر الهمزة وفتحها. وفي رواية: أنه من أهل جي بجيم مفتوحة فمثناة تحتية مشددة. وفي رواية: أنه من رامهرمز. والجمع بين هذه الروايات: أن جي مدينة أصبهان، وأنه ولد برامهرمز، وأصله من فارس كما صرح بذلك في رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن (2) كما في تاريخ أبي نعيم ودلائله. الثاني: في رواية: أنه قدم للنبي صلى الله عليه وسلم تمرا. وفي رواية: رطبا. وفي رواية: خلالا بفتح الخاء المعجمة، وهو البلح. وفي رواية: لحم جزور. وفي رواية: لحم بط. وليس بمنكر أن يكون سلمان قدم ذلك إما في مجلس واحد فحدث بهذا مرة وبهذا مرة، وإما في مجالس، كل واحد مما ذكر في مجلس، احتياطا واستظهارا.


(1) أخرجه أحمد في المسند 5 / 441، وأبو نعيم في الدلائل 213، وابن سعد في الطبقات 4 / 56. وما بعدها. (2) أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني أحد الأعلام. قال عمرو بن علي: ليس له اسم. عن أبيه وأسامة بن زيد وأبي أيوب وخلق. وعنه ابنه عمر وعروة والأعرج والشعبي والزهري وخلق. قال ابن سعد: كان ثقة فقيها كثير الحديث، ونقل الحاكم أبو عبد الله أنه أحد الفقهاء السبعة عن أكثر أهل الأخبار. مات سنة أربع وتسعين وقال الفلاس: سنة أربع ومائة. الخلاصة 3 / 221. (*)

[ 110 ]

الثالث: في بيان غريب ما سبق: الدهقان (1): بكسر الدال المهملة وضمها: شيخ القرية العارف بالفلاحة وما يصلح الأرض من الشجر، يلجأ إليه في معرفة ذلك وهو معرب. رامهرمز: بفتح الميم الأولى وضم الهاء وفتح الميم الثانية وسكون الراء بعدهما زاي: كورة بالأهواز. البرطيل (2): بكسر الباء الموحدة: حجر عظيم مستطيل. الأسقف: بالتشديد: عالم النصارى الذي يقيم لهم أمر دينهم، ويقال أسقف بالتخفيف أيضا. العذق (3): بفتح العين المهملة وسكون الذال المعجمة: النخلة. وبكسر العين الكباسة بكسر الكاف، وهو عنقود النخلة. بنو قيلة: بفتح القاف فمثناة تحتية ساكنة فلام مفتوحة، هي أم الأوس والخزرج العروراء (4)، بعين مهملة مضمومة فراء مفتوحة فواو فراء مشددة فألف: الرعدة من البرد والانتفاض. العرقاء: بعين مهملة مضمونة فراء مفتوحة فقاف وألف ممدودة. لكمني: ضربني بجمعة واللكم: شبيه اللكر. الشملة: الكساء الغليظ يشتمل به الإنسان، أي يلتحف به. الرق: العبودية. الفقير: بفاء مفتوحة فقاف مكسورة فياء: اسم لحديقة بالعالية بقرب بني قريظة. وقد خفي ذلك على بعضهم فقال كما نقله أبو الفتح: (5): قوله: " بالفقير " الوجه: إنما بالتفقير. قال السيد: والصواب بالفقير وهو اسم موضع. الودي: بكسر الدال المهملة وتشديد الياء: فراخ النخل. فقرت: حفرت.


(1) الدهقان الدهقان: التاجر فارسي معرب... وهم الدهاقنة والدهاقين قال: إذا شئت غشني دهاقين قرية * * وصناجة تحد وعلى كل منسم انظر السان 2 / 1442. (2) والبرطيل: حجر أو حديد طويل صلب خلقة ليس مما يطوله الناس ولا يحددونه تنقر به الرحا اللسان 1 / 259، والوسيط 1 / 50. (3) انظر اللسان 4 / 2861، المصباح المنير 339، والوسيط 2 / 590. (4) انظر اللسان 4 / 2918، والوسيط 2 / 597. (5) عثمان بن جني الموصلي، أبو الفتح: من أئمة الأدب والنحو، وله شعر. ولد بالموصل وتوفي ببغداد، عن نحو 65 عاما. وكان أبوه مملوكا روميا لسليمان بن فهد الأزدي الموصلي. من تصانيفه رسالة في " من نسب إلى أمه من الشعراء " و " شرح ديوان المتنبي " و " المبهج " في اشتقاق أسماء رجال الحماسة، و " المحتسب " في شواذ القراآت، وغير ذلك وهو كثير. وكان المتنبي يقول: ابن جني أعرف بشعري مني. توفي سنة 392 ه‍. الأعلام 4 / 204. (*)

[ 111 ]

قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى: عن عمر بن عبد العزيز (1) قال: حدثت عن سلمان أن صاحب عمورية قال لسلمان حين حضرته الوفاة: ائت غيضتين من غيض الشام، فإن رجلا يخرج من إحداهما إلى الأخرى في كل سنة ليلة يعترضه ذوو الأسقام فلا يدعو لأحد به مرض إلا شفي، فاسأله عن هذا الذي تسألني عنه. فخرجت حتى أقمت بها سنة حتى خرج تلك الليلة، فأخذت بمنكبه فقلت: رحمك الله (أخبرني عن) الحنيفية دين إبراهيم قال: قد أظلك زمان نبي يخرج عند هذا البيت بهذا الحرم يبعث بذلك الدين. فلما ذكر ذلك سلمان للنبي صلى الله عليه وسلم قال: لئن كنت صدقتني يا سلمان لقد رأيت عيسى بن مريم. غيضتين: الغيضة: الشجر الملتف. قال السهيلي (2) رحمه الله تعالى: وإسناد هذا الحديث مقطوع، وفيه رجل مجهول ويقال هو الحسن بن عمارة (3)، وهو ضيعف. فإن صح الحديث فلا نكارة في متنه. فقد ذكر الطبراني أن المسيح صلى الله عليه وسلم نزل بعدما رفع وأمه وامرأة أخرى عند الجذع الذي فيه الصليب تبكيان عليه، فكلمهما وأخبرهما أنه لم يقتل وأن الله تعالى رفعه، وأرسل إلى الحواريين ووجههم إلى البلاد. وإذا جاز أن ينزل مرة جاز أن ينزل مرارا، ولكن لا يعلم أنه هو حتى ينزل النزول الظاهر يكسر الصليب ويقتل الخنزير كما جاء في الصحيح. قال الحافظ أبو الخير السخاوي في كتابه: " التحصيل والبيان في سياق قصة السيد سلمان ": وما نقله ابن جرير يحتاج إلى دليل. انتهى.


(1) عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي، أمير المؤمنين، أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، ولي إمرة المدينة للوليد، وكان مع سليمان كالوزير، وولي الخلافة بعده، فعد مع الخلفاء الراشدين، من الرابعة، مات في رجب سنة إحدى ومائة، وله أربعون سنة، ومدة خلافة سنتان ونصف. التقريب 2 / 59 - 60. (2) عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد الخثعمي السهيلي: حافظ، عالم باللغة والسير، ضرير. ولد في مالقة، وعمي وعمره 17 سنة. ونبغ، فاتصل خبره بصاحب مراكش فطلبه إليها وأكرمه، فأقام يصنف كتبه إلى أن توفي بها. من كتبه " الروض الأنف - ط " في شرح السيرة النبوية لابن هشام، و " تفسير الكتاب المبين " و " نتائج الفكر " بتحقيقنا توفي سنة 581 ه‍ - الأعلام 3 / 313. (3) الحسن بن عمارة البجلي، ضعيف إلى حد اتهامه بالوضع، كما روي ذلك عن علي بن المديني، وتركه أحمد، وقال ابن معين: ليس بشئ، وقال الجوزجاني: ساقط، وتركه مسلم، وأبو حاتم، والدار قطني. الميزان 1 / 513، التهذيب 2 / 304. (*)

[ 112 ]

قلت: ما ذكره ابن جرير رواه في تفسيره عبد بن حميد (1) وابن المنذر من طريق آخر عن وهب بن منبه. وروى البخاري والبيهقي عن سلمان رضي الله تعالى عنه أنه تداوله بضعة عشر ربا من رب إلى رب. ونقل السيهلي عن منصف حماد بن سلمة (2) رحمه الله تعالى أن الذين صحب سلمان من النصارى كانوا على الحق، على دين عيسى ابن مريم، وكانوا ثلاثين يداولونه سيدا بعد سيد. قال الذهبي رحمه الله تعالى: وجدت الأقوال من سن سلمان كلها دالة على أنه جاوز المائة والخمسين، والاختلاف إنما هو في الزائد. قال: ثم رجعت عن ذلك وظهر لي أنه ما جاوز الثمانين. قال الحافظ: لم يذكر مستنده في ذلك، وأظنه أخذه من شهود سلمان الفتوح بعد إعلامه النبي صلى الله عليه وسلم وتزوجه امرأة من كندة وغير ذلك، مما يدل على بقاء بعض النشاط. لكن إن ثبت ما ذكره يكون ذلك من خوارق العادات في حقه، وما المانع من ذلك ؟. فقد روى أبو الشيخ في طبقات الأصبهانيين من حديث العباس بن يزيد قال: أهل العلم يقولون: عاش سلمان ثلاثمائة وخمسين سنة فأما مائتين وخمسين فلا يشكون فيها. انتهى. وروى ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة (3) قال: حدثنا أشياخ شتى قالوا: لم يكن أحد من العرب أعلم بشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم منا، كان معنا يهود، وكانوا أهل كتاب وكنا أهل وثن، وكنا إذا بلغنا منهم ما يكرهون قالوا: إن نبيا مبعوثا الآن قد أظل زمانه نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم. فلما بعث الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم اتبعناه وكفروا به، ففيهم أنزل الله (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين). وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كانت يهود خيبر تقاتل يهود غطفان، فلما


(1) عبد بن حميد بن نصر الكسي، أبو محمد: من حفاظ الحديث. قيل اسمه عبد الحميد، وخفف. من كتبه " تفسير " للقرآن الكريم، و " مسنده ". توفي سنة 249 ه‍. الأعلام 3 / 269. (2) حماد بن سلمة بن دينار الربعي أو التميمي أو القرشي مولاهم أبو سلمة البصري أحد الأعلام. عن ثابت وسماك وسلمة بن كهيل وابن أبي مليكة وقتادة وحميد وخلق. وعنه ابن جريح وابن إسحاق شيخاه وشعبة ومالك وحبان بن هلال والقعنبي وأمم. قال القطان: إذا رأيت الرجل يقع في حماد فاتهمه على الإسلام. وقال ابن المبارك: ما رأيت أشبه بمسالك الأول من حماد. وقال وهيب بن خالد: كان حماد بن سلمة سيدنا وأعلمنا. قال: حماد من طلب العلم لغير الله مكر به. توفي سنة سبع وستين ومائة. الخلاصة 1 / 252. (3) عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان الأوسي الأنصاري، أبو عمر المدني ثقة عالم بالمغازي، مات بعد العشرين ومائة، انظر التقريب 1 / 385. (*)

[ 113 ]

التقوا انهزمت يهود خيبر. فعاذت اليهود بهذا الدعاء فقالوا: اللهم إنا نسألك بحق محمد النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء فهزموا غطفان، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كفروا به، فأنزل الله عز وجل: (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين). رواه الحاكم والبيهقي. وعن سلمة بن سلامة بن وقش (1) بفتح الواو والقاف وإسكانها وبالشين المعجمة رضي الله تعالى عنه قال: كان بيننا يهودي فخرج على نادي قومه بني عبد الأشهل ذات غداة فذكر البعث والقيامة والجنة والنار والحساب والميزان، فقال ذلك لأصحاب وثن لا يرون أن بعثا كائن بعد الموت، وذلك قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ويحك يا فلان ! وهذا كائن أن الناس مبعوثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار ويجزون من أعمالهم ؟ قال: نعم والذي يحلف به لوددت أن يكون حظي من تلك النار أن توقدوا أعظم تنور في داركم فتحموه ثم تقذفوني فيه ثم تطينوا علي وأن أنجو من تلك النار غدا. قالوا: فما علامة ذلك ؟ قال: نبي يبعث من ناحية هذه البلاد. وأشار بيده نحو مكة واليمن. قالوا: فما الذي تراه. فرمى بطرفه إلي وأنا أحدث القوم فقال: إن يستنفذ هذا الغلام عمره يدركه. فما ذهب الليل والنهار حتى بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنه لحي بين أظهرنا، فآمنا به وصدقناه وكفر به بغيا وعنادا، فقلنا له: يا فلان ألست الذي قلت لنا فيه ما قلت وأخبرتنا به ؟ قال: ليس به. رواه ابن إسحاق، والبخاري في التاريخ وصححه الحاكم. قوله: إن يستنفذ بكسر الفاء ودال مهملة أي يستكمل. وروى عن محمد بن عدي (2) أنه سأل أباه كيف سماه في الجاهلية محمدا ؟ فقال: خرجت مع جماعة من بني تميم، فلما وردنا الشام نزلنا على غدير عليه شجر، فأشرف علينا


(1) سلمة بن سلامة بن وقش بن زغبة بن زعوراء بن عبد الأشهل الأنصاري الأشهلي أبو عوف.. قال إبراهيم بن المنذر مات سنة أربع وثلاثين وقال غيره بل تأخر إلى سنة خمس وأربعين وبه جزم الطبري قال ومات وهو ابن أربع وسبعين سنة بالمدينة. الإصابة 3 / 116، 117. (2) محمد بن عدي بن ربيعة بن سواءة بن جشم بن سعد المنقري.. ذكره ابن سعد والبغوي والبلوري وابن السكن وغيرهم في الصحابة وقال ابن سعد عداده في أهل الكوفة وقال ابن شاهين له صحبة وأورد من طريق العلاء بن الفضل بن أبي سوية المنقري حدثني أبي الفضل بن عبد الملك عن أبيه عبد الملك بن أبي سوية عن أبيه خليفة بن عبدة المنقري قال سألت محمد بن عدي بن ربيعة كيف سماك أبوك في الجاهلية محمدا قال: أما أني سألت أبي عما سألتني عنه فقال خرجت رابع أربعة من بني تميم أنا أحدهم وسفيان بن مجاشع ويزيد بن عمرو بن ربيعة بن = (*)

[ 114 ]

ديراني (1) فقال: من أنتم ؟ قلنا: من مضر. فقال: أما إنه سوف يبعث منكم وشيكا نبي فسارعوا إليه وخذوا بحظكم منه ترشدوا، فإنه خاتم النبيين. فقلنا: ما اسمه ؟ فقال: محمد. فلما صرنا إلى أهلنا ولد لكل واحد منا غلام فسماه محمدا. رواه الطبراني والبيهقي وأبو نعيم (2). وشيكا: أي قريبا. وروى ابن سعد عن سعيد بن المسيب (3) رحمه الله تعالى قال: كانت العرب تسمع من أهل الكتاب ومن الكهان أن نبيا يبعث من العرب اسمه محمد، فسمى من بلغه ذلك من ولد له محمدا، طمعا في النبوة. وروى الطبراني والبيهقي عن أبي سفيان بن حرب (4) رضي الله تعالى عنه قال: خرجت أنا وأمية بن أبي الصلت (5) إلى الشام، فمررنا بقرية فيها نصارى، فلما رأوا أمية عظموه وأكرموه


= حرقوص بن مازن وأسامة بن مالك بن جندب بن العنبر ويزيد بن جفنة الغساني بالشام فلما وردنا الشام ونزلنا على غدير وعليه سمرات وقربه قائم الديراني فقلنا: لو اغتسلنا من هذا الماء وأدهنا ولبسنا ثياينا ثم أتينا صاحبنا ففعلنا فأشرف علينا الديراني فقال: إن هذه للغة قوم ما هي بلغة أهل هذا البلد فقلنا: نحن قوم من مضر قال: من أي المضائر قال: قلنا: من خندف فقال: أما أنه سيبعث منكم وشيكا نبي فسارعوا إليه وخذوا حظكم منه ترشدوا فإنه خاتم النبيين فقلنا: ما اسمه قال: محمد فلما انصرفنا من عند ابن جفنة ولد لكل واحد منا غلام فسماه محمدا لذلك وأخرجه أبو نعيم من طريق أبي بكر بن خزيمة حدثني صالح بن مسمار املاء حدثنا العلاء بن الفضل قال أبو نعيم وحدثناه عاليا الطبراني حدثنا العلاء. الإصابة 6 / 59 - 60. (1) الديرني: الراهب الذي يسكن الدير. (2) أخرجه أبو نعيم في الدلائل 55. (3) سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عابد بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات، الفقهاء الكبار، من كبار الثانية، اتفقوا على أن مرسلاته أصح المراسيل، وقال ابن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علما منه، مات بعد التسعين، وقد ناهز الثمانين. التقريب 1 / 306. (4) صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس الأموي أبو سفيان، من مسلمة الفتح، وشهد حنينا وأعطي من غنائمها مائة بعير وأربعين أوقية، وشهد الطائف واليرموك، وأبلى فيه بلاء حسنا، وذهبت عينه في ذلك اليوم، له أحاديث، وعندهم حديث هرقل، ومنهم من ذكر عن ابن عباس، وقيس بن أبي حازم. قال ابن سعد: مات سنة اثنتين وثلاثين. وقال المدائني: سنة أربع وثلاثين الخلاصة 1 / 466. (5) أمية بن عبد الله أبي الصلت بن أبي ربيعة بن عوف الثقفي: شاعر جاهلي حكيم، من أهل الطائف. قدم دمشق قبل الإسلام. وكان مطلعا على الكتب القديمة، يلبس المسوح تعبدا. وهو ممن حرموا على أنفسهم الخمر ونبذوا عبادة الأوثان في الجاهلية. ورحل إلى البحرين فأقام ثماني سنين ظهر في أثنائها الإسلام، وعاد إلى الطائف، فسأل عن خبر محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم فقيل له: يزعم أنه نبي. فخرج حتى قدم عليه بمكة وسمع منه آيات من القرآن، وانصرف عنه، فتبعته قريش تسأله عن رأيه فيه، فقال: أشهد أنه على الحق، قالوا: فهل تتبعه ؟ فقال: حتى أنظر في أمره. وخرج إلى الشام، وهاجر رسول الله إلى المدينة، وحدثت وقعة بدر، وعاد أمية من الشام، يريد الإسلام، فعلم بمقتل أهل بدر وفيهم ابنا خال له، فامتنع. وأقام في الطائف إلى أن مات. وهو أول من جعل في أول الكتب: باسمك اللهم. فكتبتها قريش. قال الأصمعي: ذهب أمية في شعره بعامة ذكر الآخرة، وذهب عنترة بعامة ذكر الحرب، وذهب عمر بن أبي ربيعة بعامة ذكر الشباب. توفي سنة 5 ه‍. الأعلام 2 / 23. (*)

[ 115 ]

وأرادوه على أن ينطلق معهم، فقال لي أمية: يا أبا سفيان انطلق معي فإنك تمضي إلى رجل قد انتهى إليه علم النصرانية فقلت: لست أنطلق معك. فذهب ورجع وقال: تكتم علي ما أحدثك به ؟ قال: نعم قال: حدثني هذا الرجل الذي انتهى إليه علم الكتاب: أن نبيا مبعوث، فظننت أنني هو، فقال: ليس منكم، هو من أهل مكة. قلت: ما نسبه ؟ قال: وسط قومه. وقال لي: إن آية ذلك أن الشام قد رجفت بعد عيسى ثمانين رجفة، وبقيت رجفة يدخل على أهل الشام منها شر ومصيبة: فلما صرنا قريبا من ثنية إذا راكب قلنا: من أين ؟ قال: من الشام. قلنا: هل كان من حدث ؟ قال: نعم، رجفت الشام رجفة دخل على الشام منها شر ومصيبة. وروى ابن عساكر عن أبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - قال: كنت جالسا بفناء الكعبة وزيد بن عمرو بن نفيل (1) قاعد، فمر به أمية بن أبي الصلت فقال: أما إن هذا النبي الذي - ينتظر منا أو منكم أو من أهل فلسطين. قال: ولم أكن سمعت قبل ذلك بني ينتظر فلا يبعث. فخرجت أريد ورقة بن نوفل (2) فقصصت عليه الحديث فقال: نعم يا بن أخي، أخبرنا أهل الكتاب والعلماء، أن هذا النبي الذي ينتظر من أوسط العرب نسبا، ولي علم بالنسب فقومك أوسط العرب نسبا. قال: يا عم وما يقول النبي ؟ قال يقول ما قيل له، إلا أنه لا يظلم ولا يظالم. قال: فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنت وصدقت. فلسطين بكسر الفاء وفتح اللام: ناحية من الشام.


(1) زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى، القرشي العدوي: نصير المرأة في الجاهلية، وأحد الحكماء. وهو ابن عم عمر بن الخطاب. لم يدرك الإسلام، وكان يكره عبادة الأوثان ولا يأكل مما ذبح عليها. ورحل إلى الشام باحثا عن عبادات أهلها، فلم تستمله اليهودية ولا النصرانية، فعاد إلى مكة يعبد الله على دين إبراهيم. وجاهر بعداء الأوثان، فتألب عليه جمع من قريش، فأخرجوه من مكة، فانصرف إلى " حراء " فسلط عليه عمه الخطاب شبانا لا يدعونه يدخل مكة، فكان لا يدخلها إلا سرا. توفي قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بخمس سنين. وله شعر قليل، منه البيت المشهور: " أربا واحدا أم ألف رب * * أدين إذا تقسمت الأمور ؟ ". توفي 17 ق ه‍، الأعلام 3 / 60. (2) ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، من قريش: حكيم جاهلي، اعتزل الأوثان قبل الإسلام، وامتنع من أكل ذبائحها، وتنصر، وقرأ كتب الأديان. وكان يكتب اللغة العربية بالحرف العبراني. أدرك أوائل عصر النبوة، ولم يدرك الدعوة. وهو ابن عم خديجة أم المؤمنين، وفي حديث ابتداء الوحي، بغار حراء، أن النبي صلى الله عليه وسلم رجع إلى خديجة، وفؤاده يرتجف، فأخبرها، فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل " وكان شيخا كبيرا قد عمي " فقالت له خديجة: يابن عم اسمع من ابن اخيك، فقال له ورقة: يا بن أخي ماذا ترى ؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، ياليتني فيها جذع ! ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله: أو مخرجي هم ؟ قال: نعم ! لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا. توفي سنة 12 ق ه‍. الأعلام 8 / 114، 115. (*)

[ 116 ]

وعن زيد بن حارثة (1) - رضي الله تعالى عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي زيد بن عمرو بن نفيل، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " ما لي أرى قومك قد شنفوك ؟ " قال: أما والله إن ذلك لبغير ثائرة كانت مني إليهم، ولكن أراهم على ضلالة فخرجت أبتغي هذا الدين حتى أتيت على شيخ بالجزيرة فأخبرته بالذي خرجت له، قال: ممن أنت ؟ قلت: من أهل بيت الله. قال: فإنه قد خرج في بلدك نبي أو خارج قد طلع نجمه، فارجع فصدقه وآمن به. فرجعت فلم أحس بشئ بعد. قال: ومات زيد بن عمرو قبل أن يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه أبو يعلى (2) والطبراني والحاكم وصححه (3). شنفوك بفتح الشين المعجمة وكسر النون: أي أبغضوك. ولغير ثائرة: أي لم أصنع لهم شرا. وعن عامر بن ربيعة (4) - رضي الله عنه - أن زيد بن عمرو بن نفيل قال: خالفت قومي واتبعت ملة إبراهيم وما كان يعبد، فأنا أنتظر نبيا من ولد إسماعيل اسمه أحمد، ولا أراني أدركه، فأنا أؤمن به وأصدقه وأشهد أنه نبي، فإن طالت بك مدة فأقره مني السلام، وأخبرك يا عامر ما نعته حتى لا يخفى عليك: هو رجل ليس بالطويل ولا بالقصير، ولا بكثير الشعر ولا بقليله، وليس يفارق عينيه حمرة، وخاتم النبوة بين كتفيه، واسمه أحمد، وهذا البلد مولده ومبعثه، ثم يخرجه قومه منها ويكرهون ما جاء به حتى يهاجر إلى يثرب فيظهره أمره فإياك أن تخدع عنه فإني بلغت البلاد كلها أطلب دين إبراهيم وكل من أسأله من اليهود والنصارى والمجوس يقول: هذا الدين وراءك. وينعتونه مثل ما نعته لك، ويقولون: لم يبق نبي غيره. قال عامر: فلما تنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرته، فقال: قد رأيته في الجنة يسحب ذيله. رواه ابن سعد وأبو نعيم (5).


(1) زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي اليماني، حب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومولاه، كان ممن بادر فأسلم من أول يوم، وشهد بدرا، وقتل بمؤتة أميرا سنة ثمان. قالت عائشة: لو كان حيا لاستخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم. روى محمد بن إسحاق بسنده إلى أسامة بن زيد. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي: أنت مني وإلي وأحب القوم إلي. له أربعة أحاديث. وعنه أنس وابن عباس وغيرهما. الخلاصة 1 / 350. (2) أحمد بن علي بن المثنى التميمي الموصلي، أبو يعلى: حافظ من علماء الحديث. ثقة مشهور، نعته الذهبي بمحدث الموصل. عمر طويلا حتى ناهز المئة. وتفرد ورحل الناس إليه وتوفى بالموصل. له كتب منها " المعجم " في الحديث، و " مسندان " كبير وصغير، توفي سنة 307 ه‍. الأعلام 1 / 171. (3) أخرجه الحاكم 3 / 216، والطبراني في الكبير 5 / 87. (4) عامر بن ربيعة بن كعب بن مالك بن ربيعة العنزي بإسكان النون، أسلم قديما، وهاجر إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، وشهد بدرا والمشاهد. له اثنان وعشرون حديثا، اتفقا على حديثين. وعنه ابنه عبد الله، وابن عمر، وابن الزبير. قال المدائني: مات سنة ثلاث وثلاثين. الخلاصة 2 / 21. (5) أخرجه ابن سعد في الطبقات 1 / 1 / 106، وابن كثير في البداية والنهاية 2 / 240، بلفظ يحب ذيولا. (*)

[ 117 ]

وروى ابن عساكر عن ابن إسحاق - رحمه الله تعالى - قال: إن ربيعة بن نصر اللخمي رأى رؤيا هالته وفظع بها، فلم يدع كاهنا ولا ساحرا ولا عائفا ولا منجما من أهل مملكته إلا جمعه إليه، فقال لهم: إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها فأخبروني بتأويلها. قالوا: اقصصها علينا نخبرك بتأويلها. قال: إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم عن تأويلها، إنه لا يعرف تأويلها إلا من عرفها قبل أن أخبره بها. فقيل له: إن كنت تريد هذا فابعث إلى سطيح (1) وشق (2)، فإنه ليس أحد أعلم منهما، فهما يخبرانك بما تسأل عنه. فبعث إليهما، فقدم عليه سطيح قبل شق، فقال: إني رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها، فأخبرني بها فإنك إن أصبتها أصبت تأويلها. فقال: رأيت حممه خرجت من ظلمة فوقعت بأرض تهمة، فأكلت كل ذات جمجمة. فقال الملك: ما أخطأت منها شيئا ياسطيح، فما عندك في تأويلها ؟ فقال: أحلف بما بين بين الحرتين من حنش، ليهبطن أرضكم الحبش فليهلكن ما بين أبين إلى جرش. فقال الملك: وأبيك يا سطيح إن هذا لنا لغائظ موجع، فمتى هو كائن ؟ أفي زماني أم بعده ؟ قال: بل بعده بحين أكثر من ستين أو سبعين من السنين. قال: أفيدوم ذلك من ملكهم أم ينقطع ؟ قال: بل ينقطع لبضع وسبعين من السنين، ثم يقتلون ويخرجون منها هاربين قال: ومن يلي ذلك من قتلهم وإخراجهم ؟ قال: يليه إرم ذي يزن، يخرج عليهم من عدن، فلا يترك منهم أحدا باليمن: قال أفيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع ؟ قال بل ينقطع. قال: ومن يقطعه ؟ قال: نبي زكي يأتيه الوحي من قبل العلي. قال: وممن هذا النبي ؟ قال: رجل من بني غالب بن فهر بن مالك بن النضر، يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر. قال: وهل للدهر من آخر ؟ قال: نعم يوم يجمع فيه الأولون والآخرون، يسعد به المحسنون ويشقى به المسيئون. قال: أحق ما تخبرني به ؟ قال: نعم والشفق والغسق، والفلق إذا اتسق إن ما أنبأتك به لحق.


(1) ربيع بن ربيعة بن مسعود بن عدي بن الذئب، من بني مازن، من الأزد: كاهن جاهلي غساني. من المعمرين، يعرف بسطح. كان العرب يحتكمون إليه ويرضون بقضائه، حتى أن عبد المطلب بن هاشم - على جلالة قدره في أيامه - رضي به حكما بينه وبين جماعة من قيس عيلان، في خلاف على ماء بالطائف، كانوا يقولون: إنه لهم. وكان يضرب المثل بجودة رأيه، قال ابن الرومي: " تبدي له سر العيون كهانة * * يوحي بها رأي كرأي سطيح " وقال الفيروز آبادي: سطيح، كاهن بني ذئب، ما كان فيه عظم سوى رأسه. وزاد الزبيدي: كان أبدا منبسطا منسطحا على الأرض لا يقدر على قيام ولا قعود، ويقال: كان يطوى الحصيرة ويتكلم بكل أعجوبة. توفي سنة 52 ق. ه‍ الأعلام 3 / 14. (2) شق بن صعب بن يشكر بن رهم القسري البجلي الأنماري الأزدي: كاهن جاهلي، من عجائب المخلوقات. وعاش شق إلى ما بعد ولادة النبي صلى الله عليه وسلم فيما يقال. وقد عمر طويلا. ويذكرون أنه كان نصف إنسان: له يد واحدة، ورجل واحدة وعين واحدة. وقال ابن حزم إن له نسلا، اشتهر منه في العصر المرواني " خالد " و " أسد " القسريان، وكان أولهما أمير العراقين لهشام بن عبد الملك، والثاني والي خراسان. توفي سنة 55 ق. ه‍. الأعلام 3 / 170. (*)

[ 118 ]

ثم قدم عليه شق فقال له كقوله لسطيح، وكتم ما قاله سطيح، لينظر أيتفقان أم يخلتفان. قال: نعم رأيت حممة خرجت من ظلمة فوقعت بين روضة وأكمة فأكلت منها كل ذات نسمة. فلما قال ذلك عرف أنهما قد اتفقا، فقال الملك: ما أخطأت منها شيئا يا شق، فما عندك في تأويلها ؟. قال: أحلف بما بين الحرتين من إنسان، لينزلن أرضكم السودان، فليغلبن على كل طفلة (1) البنان، وليملكن ما بين أبين إلى نجران. فقال له: الملك: فمتى هو كائن ؟ في زماني أم بعده ؟ قال: بل بعده بزمان، ثم يستنقذكم منهم عظيم ذو شأن، ويذيقهم كأس الهوان. قال: ومن هذا العظيم الشأن ؟ قال: غلام ليس بدني ولا مدن، يخرج عليهم من بيت ذي يزن. قال: أفيدوم سلطانه أم ينقطع ؟ قال: بل ينقطع برسول مرسل يأتي بالحق والعدل، بين أهل الدين والفضل يكون الملك فيه إلى يوم الفصل. قال: وما يوم الفصل ؟ قال: يوم تجزى فيه الولاة، يدعى فيه من السماء بدعوات يستمع، منها الأحياء والأموات ويجمع فيه الناس للميقات يكون فيه لمن اتقى الفوز والخيرات. فقال: أحق ما تقول / قال إي ورب السماء والأرض وما بينهما من رفع وخفض إن ما أنبأتك به لحق ما فيه أمض. قوله: فظع بها. الرواية بضم وفتحها. وصوب أبو ذر الخشني الفتح بوزن علم يقال: فظع بالشئ إذا رآه أمرا عظيما. والعيافة (2): زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وممرها. والحممة (3): بضم الحاء وفتح الميمين وجمعها حمم وإنما أراد فحمة فيها نار، ولذلك قال: فأكلت منها كل ذات جمجمة أي رأس. وظلمة: أصلها مسكن وإنما حركت للسجع قال السهيلي رحمه الله تعالى: وذلك أن الحممة قطعة من نار، وخروجها من ظلمة يشبه خروج عسكر الجيش من أرض السودان. أرض تهمة بفتح التاء وكسر الهاء يعني واسعة منخفضة، وأكلت منها كل ذات جمجمة أي رأس، ولم يقل ذي جمجمة لأن القصد النفس والنسمة، فهي أعم، ولو جاء بالتذكير لكان مختصا بالإنسان.


(1) في أ: ذي طفل. (2) وعاف الشئ يعافه عيفا وعيافة وعيفانا كرهه وقيل العياف المصدر واليافة الاسم، انظر اللسان 4 / 3192. (3) الحممد وزان رطبة ما أحرق من خشب ونحوه والجمع بحذف الهاء المصباح 152. (*)

[ 119 ]

والحرة: بفتح الحاء المهملة: أرض غليظة تركبها حجارة سود وإنما حلف بالحنش وهي من الحيات لما يحكى أن الجن تتشكل وتتصور فيها. أبين بفتح الهمزة فباء موحدة ساكنة فمثناة تحتية فنون: موضع باليمن - جرش بضم الجيم وفتح الراء وشين معجمة: أرض باليمن أيضا. عدن: اسم بلد بها. الغسق (1): الظلمة. الفلق (2) الصبح. اتسق: تتابع وتوالى. الأكمة: الكدية. ويروي: كل ذات نسمة بالرفع هنا وفي الأولى. قال الخشني: والصواب النصب، لأن الجمجمة هنا هي الآكلة وليست المأكولة، ولذلك فسرها بالحبشة الذين غلبوا على اليمن. طفلة بفتح الطاء واللام وسكون الفاء بينهما. ابنان: أطراف الأصابع، وقد يعبر بها عن الأصابع كلها. قال في الصحاح: الطفل بالفتح: الناعم. يقال: جارية طفلة أي ناعمة. وبنان طفل وإنما جاز أن يوصف البنان وهو جمع بالطفل وهو واحد: لأن كل جمع ليس بينه وبين واحده إلا الهاء فإنه يوحد ويذكر. نجران (3)، بنون مفتوحة وجيم ساكنة: قال أبو عبيد البكري (4): مدينة بالحجاز من شق اليمن معروفة، سميت بنجران بن زيد بن يشجب بن يعرب، وهو أول من نزلها وقال في النهاية: موضع معروف بين الحجاز والشام واليمن. وبغلام ليس بدني ولا مدن بضم الميم وفتح الدال المهملة - وهو بنون، وسكنه هنا للسجع، قال الخشني: هو المقصر في الأمور. وقال غيره: هو الذي جمع الضعف مع الدناءة. وما فيه أمض (5): بفتح الهمزة وسكون الميم والضاد المعجمة أي ما فيه شك ولا ارتياب.


(1) غسق الليل: شدة ظلمته المفردات في غريب القرآن 360. (2) الفلق: أي الصبح وقيل الأنهار المذكورة في قوله تعالى: " أم من جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا) وقيل: هو الكلمة التي علم الله تعالى موسى ففلق بها البحر، المفردات في غريب القرآن 385. (3) نجران بالفتح، ثم السكون، وآخره نون، وهو في عدة مواضع: منها نجران من مخاليف اليمن من ناحية مكة وبها كان خبر الأخدود، وإليها تنسب كعبة نجران، وكانت ربيعة بها أساقفة مقيمون، منهم السيد والعاقب اللذين جاءا إلى النبي عليه السلام في أصحابهما، ودعاهم إلى المباهلة، وبقوا بها حتى أجلاهم عمر رضي الله تعالى عنه. مراصد الاطلاع 3 / 1359. (4) عبد الله بن عبد العزيز بن محمد البكري الأندلسي، أبو عبيد: مؤرخ جغرافي، ثقة. علامة بالأدب، له معرفة بالنبات. من تصانيفه " معجم ما استعجم " أربعة أجزاء، و " أعلام النبوة " و " شرح أمالي القالي " و " التنبيه على أغلاط أبي علي القالي في أماليه " و " فضل المقال في شرح كتاب الأمثال، لابن سلام، وغير ذلك، توفي سنة 487 ه‍. الأعلام 4 / 98. (5) انظر لسان العرب 1 / 131. (*)

[ 120 ]

قال السهيلي رحمه الله تعالى: كان سطيح جسدا ملقى لا جوارح له فيما يذكرون. قال وكذلك شق إنما له يد واحدة ورجل واحدة وعين واحدة ويروى عن وهب بن منبه - رحمه الله تعالى - أنه قال: قيل لسطيح: أنى لك هذا العلم ؟ فقال لي صاحب من الجن استمع أخبار السماء من طور سيناء حين كلم الله تعالى فيه موسى فهو يؤدي إلى من ذلك ما يؤديه. وولد شق وسطيح في اليوم الذي ماتت فيه طريفة الكاهنة (1)، ودعت بسطيح قبل أن تموت، فأتيت به فتفلت في فيه وأخبرت أنه سيخلفها في علمها وكهانتها، وكان وجهه في صدره، ولم يكن له رأس ولا عنق. ودعت بشق ففعلت به مثل ما فعلت بسطيح ثم ماتت وعمر سطيح زمانا طويلا حتى أدرك مولد النبي صلى الله عليه وسلم ورأى كسرى أنوشروان. قلت: روى أبو نعيم وابن عساكر عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: خلق الله سطيحا لحما على وضم، وكان يحمل على وضمة فيؤتى به حيث يشاء، ولم يكن فيه عظم ولا عصب إلا الجمجمة والعنق والكفين. وكان يطوى من رجليه إلى ترقوته كما يطوي الثوب، ولم يكن فيه شئ يتحرك إلا لسانه. الوضم بفتحتين: كل شئ يحمل عليه اللحم من خشب أو بارية. وروى ابن عساكر: بلغني أن سطيحا ولد في أيام سيل العرم وتوفي في العام الذي ولد فيه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حسدوه وبغوا وأنكروا (2). وروى ابن سعد عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - عن أبي بن كعب - رضي الله تعالى عنه - قال: لما قدم تبع المدينة ونزل بقناة بعث إلى أخبار يهود فقال: إني مخرب هذا البلد. فقال له سامول اليهودي وهو يومئذ أعلمهم: أيها الملك إن هذا البلد يكون إليه مهاجر نبي من نبي إسماعيل مولده بمكة اسمه أحمد، وهذه دار هجرته، إن منزلك هذا الذي أنت به يكون به من القتلى والجراح أمر يكثر في اصحابه وفي عدوهم. قال تبع: ومن يقاتله يومئذ ؟ قال: يسير إليه قومه فيقتتلون ها هنا. قال: فأين قبره ؟ قال: بهذا البلد. قال: فإذا قوتل لمن تكون الدبرة ؟ قال: تكون مرة له ومرة عليه، وبهذا الذي أنت به


(1) طريفة بنت الخير الحميرية: كاهنة يمانية، من الفصيحات البليغات. كان زوجة للملك عمر مزيقياء بن ماء السماء الأزدي الكهلاني. قيل إنها تنبأت له بانهيار " السد " فاستعد، هو وقومه، للهجرة. الأعلام 3 / 226. (2) أخرجه ابن سعد في الطبقات 1 / 104، وأبو نعيم في دلائل النبوة 40. (*)

[ 121 ]

تكون عليه ويقتل أصحابه مقتلة لم يقتلوا في مواطن مثلها، ثم تكون له العاقبة ثم يظهر فلا ينازعه في هذا الأمر أحد. قال: وما صفته ؟ قال: رجل لا بالطويل ولا بالقصير، في عينيه حمرة، يركب البعير ويلبس الشملة سيفه على عاتقه، لا يبالي من لاقى أخا أو ابن عم أو عما حتى يظهر أمره. قناة بقاف مفتوحة بعدها نون: قال البكري: واد من أودية المدينة. وذكر ابن ظفر (1) عن سفيان بن مجاشع أنه رأى قوما من تميم اجتمعوا على كاهنة لهم فسمعها تقول: العزيز من والاه، والذليل من خالاه، والموفور من مالاه، والموتور من عاداه. فقال سفيان: من تذكرين لله أبوك ؟ فقالت: صاحب حل وحرم وهدى وعلم، وبطش وحلم، وحرب وسلم، رأس رؤوس وأبيض شموس وماحي بوس وماهد وعوس، وناعش متعوس. فقال سفيان: لله أبوك من هو ؟ قالت: نبي مؤيد، قد أتى حين يوجد. ودنا أوان يولد، يبعث إلى الأحمر والأسود بكتاب لا يفند، اسمه محمد. فقال سفيان: لله أبوك أعرابي هو أم عجمي ؟ أما والسماء ذات العنان والشجرات ذات الأفنان إنه لمن معد بن عدنان. فقدك يا سفيان. فأمسك عنها ثم ولد له غلام فسماه محمدا رجاء أن يكون الموصوف. تفسير الغريب خالاه: بالخاء المعجمة: برئ منه وتركه. حل وحرم: أي حلال وحرام رأس رؤوس: أي سيد سادة. والرأس: السيد. ماحي بوس: أي مذهبه. والمحو: القشر. وبه سميت الممحاة (2). الوعوس (3): جمع وعس وهو من صفة الرمل الذي يشق السير فيه. ناعش: بالنون والشين المعجمة من نعشه الله نعشا: رفعه. المتعوس: العاثر، والمستعمل في هذا: تعس وأتعسه الله فجاء على مثال مسعود.


(1) محمد بن عبد الله أبي محمد بن محمد بن ظفر الصقلي المكي، أبو عبد الله، حجة الدين: أديب رحالة مفسر. ولد في صقلية، ونشأ بمكة. وتنقل في البلاد، فدخل المغرب وجال في إفريقية والأندلس، وعاد إلى الشام فاستوطن " حماة " وتوفي بها. له تصانيف، منها " ينبوع الحياة " في تفسير القرآن، اثنا عشر مجلدا، قال الصفدي: رأيت بعضهم يقول (ابن ظفر) بضم الظاء والفاء والفتح أشهر، توفي سنة 565 ه‍. الأعلام 6 / 230. (2) الممحاة: خرقة يزال بها الوسخ، الوسيط 2 / 856. (3) الوعساء والأوعس والوعس والوعسة كله: السهل اللين من الرمل وقيل: هي الرمل تغيب فيه الأرجل، اللسان 5 / 4873. (*)

[ 122 ]

لا يفند: أي لا يخطأ ولا يضعف رأيه. العنان بفتح العين المهملة بعدها نون: السحاب، الواحدة عنانة. الأفنان: ه‍ الأغصان، الواحدة: فنن. فقدك يا سفيان: أي حسبك وكفاك. وروي عن عمرو بن عبسة (1) - بعين وبسين مهملتين بينهما باء موحدة مفتوحات - رضي الله تعالى عنه: قال رغبت عن آلهة قومي في الجاهلية، ورأيت الباطل يعبدون الحجارة، فلقيت رجلا من أهل الكتاب فسألته عن أفضل الدين فقال: يخرج رجل بمكة ويرغب عن آلهة قومه ويدعو إلى غيرها، وهو يأتي بأفضل الدين فإذا سمعت به فاتبعه. فلم يكن بي هم إلا مكة آتيها فأسأل: هل حدث فيها أمر ؟ فيقولون لا. فإني لقاعد على الطريق إذا مر بي راكب فقلت: من أين جئت ؟ قال: من مكة. قلت: هل حدث فيها خبر ؟ قال: نعم، رجل رغب عن آلهة قومه ودعا إلى غيرها. فقلت: صاحبي الذي أريد. فأتيته فوجدته مستخفيا، فقلت: ما أنت ؟ قال: نبي. قلت: وما النبي ؟ قال: رسول. قلت: من أرسلك ؟ قال: الله. قلت: بماذا أرسلك ؟ قال: أن توصل الأرحام وتحقن الدماء وتؤمن السبل وتكسر الأوثان ويعبد الله ولا يشرك به شيئا. قلت: نعم ما أرسلك به، أشهدك أني قد آمنت بك وصدقتك أفأمكث معك ما ترى ؟ قال: ترى كراهة الناس لما جئت به فامكث في أهلك، فإذا سمعت أني قد خرجت مخرجا فاتبعني. فلما سمعت به صلى الله عليه وسلم خرج إلى المدينة سرت حتى قدمت عليه. رواه ابن سعد وأبو نعيم وابن عساكر (2). وروى أبو نعيم وابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: بلغني أن بني إسرائيل لما أصابهم ما أصابهم من ظهور بختنصر - وفرقتهم وذلهم تفرقوا، وكانوا يجدون محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم مبعوثا في كتبهم وأنه سيظهر في بعض القرى العربية في أرض ذات نخل، ولما خرجوا من أرض الشام جعلوا يتقرون كل قرية من تلك القرى العربية بين الشام واليمن يجدون نعتها نعت يثرب، فنزل بها طائفة منهم ويرجون أن يلقوا محمدا صلى الله عليه وسلم فيتبعونه، حتى نزل من بني هارون بيثرب منهم طائفة، فمات أولئك الآباء وهم مؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم أنه جاء ويحثون أبناءهم على اتباعه إذا جاء، فأدركه من أدركه من أبنائهم فكفروا به وهم يعرفونه. بخت بضم الموحدة وإسكان الخاء المعجمة ثم مثناة فوقية ونصر بفتح النون والصاد


(1) عمرو بن عبسة بفتح أوله والموحدة السلمي أبو نجيح، صحابي مشهور. له ثمانية وأربعون حديثا. وعنه أبو أمامة وشرحبيل بن السمط. قال الواقدي: أسلم بمكة ثم رجع إلى بلاد قومه حتى مضت بدر وأحد والخندق والحديبية وخيبر، ثم قدم المدينة. قال أبو سعيد: يقولون إنه رابع أو خامس في الإسلام. الخلاصة 2 / 290. (2) أخرجه أبو نعيم في الدلائل 210، وابن سعد في الطبقات 1 / 157. (*)

[ 123 ]

المهملة المشددة. قال في القاموس: بخت معناه: ابن - ونصر كبقم كان عند الصنم ولم يوجد له أب فنسب إليه. وروى أبو نعيم عن حسان بن ثابت (1) - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: والله إني لفي منزلي وأنا ابن سبع سنين وأنا أحفظ ما أرى وأعي ما أسمع وأنا مع أبي إذ دخل علينا فتى منا يقال له ثابت بن الضحاك، فتحدث فقال: زعم يهودي في بني قريظة الساعة وهو يلاحيني: قد أظل زمان خروج نبي يأتي بكتاب مثل كتابنا يقتلكم قتل عاد وإرم. قال حسان: فوالله إني لعلى فارع، يعني أطما، في السحر إذ سمعت صوتا لم أسمع قط صوتا أنفذ منه، فإذا يهودي على ظهر أطم من آطام المدينة معه شعلة من نار، فاجتمع إليه الناس فقالوا: مالك ويلك: قال: هذا كوكب أحمد قد طلع، هذا كوكب لا يطلع إلا للنبوة، ولم يبق من الأنبياء إلا أحمد. قال: فجعل الناس يضحكون ويعجبون بما يأتي به. وكان حسان - رضي الله تعالى عنه - عاش مائة وعشرين سنة، ستين في الجاهلية وستين في الإسلام. يلاحيني: أي يخاصمني وينازعني. الفارع بالفاء والراء والعين المهملتين: المرتفع العالي. والأطم بالضم: بناء مرتفع. وروى الواقدي وأبو نعيم عن حويصة بن مسعود (2) - رضي الله تعالى عنه - وهو بضم الحاء المهملة وتشديد المثناة التحتية، وقيل يجوز تخفيفها، قال: كنا ويهود فينا كانوا يذكرون نبيا يبعث بمكة اسمه أحمد، ولم يبق من الأنبياء غيره، وهو في كتبنا وما أخذ علينا صفته كذا وكذا. حتى يأتوا على نعته. قال: وأنا غلام وما أرى أحفظ وما أسمع أعي إذ سمعت صياحا من ناحية بني عبد الأشهل، فإذا قوم فزعوا وخافوا أن يكون أمر حدث، ثم خفي الصوت ثم عاد فصاح ففهمنا صياحه: يا أهل يثرب هذا كوكب أحمد الذي ولد به. قال:


(1) حسان بن ثابت بن المنذر الأنصاري النجاري شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو عبد الرحمن أو أبو الوليد. وعنه ابنه عبد الرحمن وابن المسيب. قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن روح القدس مع حسان ما دام ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ". قال أبو عبيد: توفي سنة أربع وخمسين. قال ابن إسحاق: عاش مائة وعشرين سنة. له فرد حديث عندهم، وليس له عن النبي صلى الله عليه وسلم سواه. الخلاصة 1 / 206. (2) حويصة بن مسعود بن كعب بن عامر بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري... شهد أحدا والخندق وسائر المشاهد روى ابن إسحاق من حديث محيصة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال بعد قتل كعب بن الأشرف: من ظفرتم به من يهود فاقتلوه فوثب محيصة على تاجر يهودي فقتله فجعل حويصة بضربه وكان أسن منه وذلك قبل أن يسلم حويصة وثبت ذكره في الصحيحين في حديث سهل بن أبي خيثمة في قصة قتل عبد الله بن سهل وفيه ذكر القسامة وفيه فذهب عبد الرحمن بن سهل يتكلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم كبر كبر فتكلم حويصة الحديث. الإصابة 2 / 48. (*)

[ 124 ]

فجعلنا نعجب من ذلك، ثم أقمنا دهرا طويلا ونسينا ذلك، فهلك قوم وحدث آخرون وصرت رجلا كبيرا، فإذا مثل ذلك الصياح بعينة: يا أهل يثرب قد خرج محمد وتنبأ وجاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى عليه الصلاة والسلام. فلم أنشب أن سمعت أن بمكة رجلا خرج يدعي النبوة، وخرج من قومنا وتأخر وأسلم فتيان منا أحداث ولم يقض لي أن أسلم، حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة (1). أنشب: أي لم ألبث. وروى أبو نعيم عن أبي سعيد مالك بن سنان الخدري (2) بالخاء المعجمة والدال المهملة - رضي الله تعالى عنه - قال: سمعت أبي يقول: جئت بني عبد الأشهل يوما لأتحدث فيهم، فسمعت يوشع اليهودي يقول: أظل خروج نبي يقال له أحمد يخرج من الحرم. فقيل له: ما صفته ؟ قال: رجل ليس بالقصير ولا بالطويل، في عينيه حمرة يلبس الشملة ويركب الحمار، سيفه على عاتقه، وهذه البلد مهاجره. فرجعت إلى قومي بني خدرة وأنا أتعجب مما قال، فأسمع رجلا منا يقول: ويوشع يقول هذا وحده ؟ كل يهود يثرب تقول هذا. فخرجت حتى جئت بني قريظة فأجد جمعا فتذاكروا النبي صلى الله عليه وسلم فقال الزبير بن باطا: قد طلع الكوكب الأحمر الذي لم يطل إلا لخروج نبي وظهوره، ولم يبق من الأنبياء أحد إلا أحمد وهذه مهاجره. أظل: قرب. وروى ابن عساكر عن كعب - رحمه الله تعالى - قال: كان إسلام أبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - سببه وحي من السماء وذلك أنه كان تاجرا بالشام فرأى رؤيا فقصها على بحيرى الراهب فقال له: من أين أنت ؟ قال: من مكة. قال: من أيها ؟ قال: من قريش. قال: فأي شئ أنت ؟ قال: تاجر. قال: صدق الله تعالى رؤياك، فإنه يبعث نبي من قومك تكون وزيره في حياته وخليفته بعد موته. فأسرها أبو بكر حتى بعث النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد ما الدليل على ما تدعي ؟ قال: الرؤيا التي رأيت بالشام. فعانقه وقبل بين عينيه وقال: أشهد أنك رسول الله.


(1) أخرجه أبو نعيم في الدلائل 38. (2) سعد بن مالك بن سنان بنونين ابن عبد بن ثعلبة بن عبيد بن خدرة بضم المعجمة الخدري أبو سعيد، بايع تحت الشجرة، وشهد ما بعد أحد، وكان من علماء الصحابة، له ألف ومائة حديث وسبعون حديثا، اتفقا على ثلاثة وأربعين وانفرد (خ) بستة وعشرين، و (م) باثنين وخمسين. وعنه طارق بن شهاب، وابن المسيب، والشعبي، ونافع، وخلق. قال الواقدي: مات سنة أربع وسبعين. الخلاصة 1 / 371. (*)

[ 125 ]

وروى أبو نعيم واليهقي من طريق عفير بن زرعة بن سيف بن ذي يزن عن أبيه قالى: لما ظهر سيف ذي يزن على الحبشة، وذلك بعد مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين، أتاه وفود العرب وأشرافها وشعراؤها لتهنئه وتذكر ما كان من بلائه وطلبه بثأر قومه. وأتاه وفد قريش منهم عبد المطلب بن هاشم (1) وأمية بن عبد شمس (2) وعبد الله بن جدعان (3) وأسد بن عبد العزى (4) ووهب بن عبد مناف (5) وقصي بن عبد الدار (6)، فدخل عليه آذنه وهو في رأس قصر يقال له غمدان، وهو الذي قال فيه أمية بن أبي الصلت الثقفي: اشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا * * في رأس غمدان دار منك مهلالا


(1) عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، أبو الحارث: زعيم قريش في الجاهلية، وأحد سادات العرب ومقدميهم. مولده في المدينة ومنشأه بمكة. كان عاقلا، ذا أناة ونجدة، فصيح اللسان، حاضر القلب. وهو جد رسول الله صلى الله عليه وسلم. مات بمكة عن نحو ثمانين عاما أو أكثر. توفى سنة 45. ه‍ الأعلام 4 / 154. (2) أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، من قريش: جد الأمويين بالشام والأندلس، جاهلي كان من سكان مكة وكانت له قيادة الحرب في قريش بعد أبيه وعاش إلى ما بعد مولد النبي صلى الله عليه وسلم. الأعلام 2 / 23. (3) عبد الله بن جدعان التيمي القرشي: أحد الأجواد المشهورين في الجاهلية. أدرك النبي صلى الله عليه وسلم قبل النبوة. وكانت له جفنة يأكل منها الطعام القائم والراكب، فوقع فيها صبي، فغرق ! وهو الذي خاطبه أمية بن أبي الصلت بأبيات اشتهر منها قوله: " أأذكر حاجتي أم قد كفاني * * حياؤك ؟ إن شيمتك الحياء " الأعلام 4 / 76. (4) أسد بن عبد العزى بن قصي: من أجداد العرب في الجاهلية. بنوه حي كبير من قريش، منهم حكيم بن حزام الصحابي وخديجة (أم المؤمنين) وورقة بن نوفل. وكانت تلبية " بني أسد " في الجاهلية إذا حجوا: لبيك اللهم لبيك، يا رب أقبلت بنو أسد، أهل الوفاء والجلد إليك ". ولابن السائب الكلبي النسابة كتاب " أخبار أسد بن عبد العزى " وقال ابن حزم: لا عقب لعبد العزى إلا من أسد هذا. الأعلام 1 / 298. (5) وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة، من قريش: سيد بني زهرة، قبيل الإسلام. وهو أبو " آمنة " أم رسول الله. كانت كنيته أبا كبشة، فلما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم وناوأته قريش كانوا ينسبونه إليه، فيقولون: قال ابن أبي كبشة، وفعل ابن أبي كبشة. وفي " وهب " يقول أحد معاصريه: " يا وهب، يابن الماجدين زهره * * سدت كلابا - كلها - ابن مره * * بحسب زاك، وأم حره " الأعلام 8 / 25. (6) قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي: سيد قريش في عصره، ورئيسهم. قيل: هو أول من كان له ملك من بني كنانة. وهو الأب الخامس في سلسلة النسب النبوي. مات أبوه وهو طفل فتزوجت أمه برجل من بني عذرة فانتقل بها إلى أطراف الشام، فشب في حجره، وسمي " قصيا " لبعده عن دار قومه. وأكثر المؤرخين على أن اسمه " زيد " أو " يزيد " ولما كبر عاد إلى الحجاز. وكان موصوفا بالدهاء. وولي البيت الحرام. فهدم الكعبة وجدد بنيانها كما في تاريخ الكعبة وحاربته القبائل فجمع قومه من الشعاب والأودية وأسكنهم مكة، لتقوى بهم عصبيته، فلقبوه " مجمعا " وكانت له الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء. وكان قريش تتيمن برأيه، فلا يبرم أمرا إلا في داره. وهو الذي أحدث وقود النار في " المزدلفة " ليراها من دفع من " عرفة " قال ابن هشام: غلب على مكة وجميع أمر قريش، وساعدته قضاعة. وقال ابن حبيب: كان الشرف والرياسة من قريش في الجاهلية في بني " قصي " لا ينازعونه ولا يفخر عليهم فاخر إلى أن تفرقت الرياسة في بني عبد مناف. الأعلام 5 / 198. (*)

[ 126 ]

واشرب هنيئا فقد شالت نعامتهم * * وأشبل اليوم في برديك إشبالا تلك المكارم لا قعبا من لبن * * شيبا بماء فعادا برديك بعد أبوالا (1) قال: والملك متضمخ بالعبير يلصف وبيص المسك في مفرق رأسه، وعليه بردان أخضران مرتديا بأحدهما مؤتزرا بالآخر، سيفه بين يديه، وعن يمينه وعن شماله الملوك والمقاول. وأخبر بمكانهم فأذن لهم فدخلوا عليه، ودنا منه عبد المطلب فاستأذنه في الكلام فقال: إن كنت ممن يتكلم بين يدي الملوك فقد أذنا لك. فقال: إن الله عز وجل قد أحللت أيها الملك محلا رفيعا شامخا باذخا منيعا، وأنبتك نباتا طابت أرومته وعظمت جرثومته، وثبت أصله وبسق فرعه، في أطيب موضع وأكرم معدن، وأنت أبيت اللعن ملك العرب الذي إليه تنقاد وعمودها الذي عليه العماد ومعقلها الذي تلجأ إليه العباد، سلفك خير سلف، وأنت لنا منهم خير خلف فلن يهلك ذكر من أنت خلفه، ولن يخمل ذكر من أنت سلفه، نحن أهل حرم الله وسدنة بيته، أشخصنا إليك الذي أبهجنا من كشفك الكرب الذي فدحنا، فنحن وفد التهنئة لا وفد المرزئة. قال له الملك: من أنت أيها المتكلم ؟ قال: أنا عبد المطلب بن هاشم. قال: ابن أختنا ؟ قال: نعم. قال: أدنه. ثم أقبل عليه وعلى القوم فقال: مرحبا وأهلا - فأرسلها مثلا، وكان أول من تكلم بها - وناقة ورحلا ومتناخا سهلا وملكا ربحلا يعطي عطاء جزلا، قد سمع الملك مقالتكم وعرف قرابتكم وقبل وسيلتكم، فإنكم أهل الليل والنهار ولكم الكرامة ما أقمتم والحباء إذا ظعنتم. ثم أنهضوا إلى دار الضيافة والوفود وأجري عليهم الأنزال، فأقاموا بذلك شهرا لا يصلون إليه ولا يؤذن لهم بالانصراف. ثم انتبه لهم انتباهة فأرسل إلى عبد المطلب فأدناه ثم قال له: يا عبد المطلب إني مقض إليك من سرعلمي أمرا لو غيرك يكون لم أبح له به، ولكن رأيتك معدنه فأطلعتك طلعه، فليكن عندك مخبأ حتى يأذن الله عز وجل فيه، إني أجد في الكتاب المكتوب والعلم المخزون الذي ادخرناه لأنفسنا واحتجيناه دون غيرنا خبرا عظيما وخطرا جسيما فيه شرف الحياة وفضيلة الوفاة للناس عامة ولرهطك كافة ولك خاصة. فقال له عبد المطل: مثلك أيها الملك سر وبر: فما هو ؟ فداك أهل الوبر زمرا بعد زمر. قال: إذا ولد بتهامة غلام بين كتفيه


(1) الأبيات من قصيدة مطلعها: ليطلب الوتر أمثال ابن ذي يزن * * زيم في البحر للأعداء أحوالا وهي تروى لأبي الصلت بن أبي ربيعة الثقفي أيضا، ينظر السيرة النبوية والروض الأنف 1 / 84، 85. (*)

[ 127 ]

شامة، كانت له الإمامة ولكم به الزعامة إلى يوم القيامة. فقال له عبد المطلب: أيها الملك أبت بخير ما آب بمثله وافد قوم، ولولا هيبة الملك وإجلاله وإعظامه لسألته من ساره إياي كيما أزداد به سرورا. فقال له الملك: هذا حينه الذي يولد فيه أوقد ولد، اسمه محمد، يموت أبوه وأمه ويكفله جده وعمه، ولدناه مرارا والله باعثه جهارا وجاعل له منا أنصارا، يعز بهم أولياءه ويذل بهم أعداءه، ويضرب بهم الناس عن عرض ويستفتح بهم كرائم أهل الأرض، يعبد الرحمن ويدحض أو يدحر الشيطان ويخمد النيران ويكسر الأوثان. قوله فصل وحكمه عدل، ويأمر بالمعروف ويفعله وينهى عن المنكر ويبطله. قال له عبد المطلب: عز جدك ودام ملكك وعلا كعبك، فهل الملك ساري بإفصاح فقد وضح لي بعض الإيضاح قال له سيف بن ذي يزن: والبيت ذي الحجب والعلامات على النقب إنك لجده يا عبد المطلب غير كذب. قال: فخر عبد المطلب ساجدا، فقال له سيف بن ذي يزن: ارفع رأسك ثلج صدرك وعلا كعبك، فهل أحسست بشئ مما ذكرته لك ؟ قال: نعم أيها الملك إنه كان لي ابن وكنت به معجبا وعليه رفيقا وإني زوجته كريمة من كرائم قومي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة (1)، فجاءت بغلام فسميته محمدا مات أبوه وأمه وكفلته أنا وعمه. فقال له سيف بن يزن: إن الذي قلت كما قلت فاحتفظ من ابنك واحذر عليه اليهود فإنهم له أعداء ولن يجعل الله لهم عليه سبيلا واطو ما ذكرته لك عن هؤلاء الرهط الذين معك فإني لست آمن أن تتداخلهم النفاسة من أن يكون لهم الرياسة، فينصبون له الحبائل ويبغون له الغوائل، وهم فاعلون ذلك أو أبناؤهم غير شك، لولا أني أعلم أن الموت مجتاحي قبل مبعثه لسرت بخيلي ورجلي حتى أصير بيثرب دار ملكه فإني أجد في الكتاب الناطق والعلم السابق أن بيثرب استحكام أمره وأهل نصرته وموضع قبره، ولولا إني أقيه من الآفات وأحذر عليه العاهات لأعلنت على حداثة سنه أمره ولأوطأت على أسنان العرب كعبه، ولكني سأصرف ذلك إليك عن غير تقصير بمن معك. ثم دعا بالقوم وأمر لكل واحد منهم بعشرة أعبد سود وعشرة إماء سود وحلتين من حلل


(1) آمنة بنت وهب بن عبد مناف، من قريش: أم النبي صلى الله عليه وسلم كانت أفضل امرأة في قريش نسبا ومكانة. امتازت بالذكاء وحسن البيان. رباها عمها وهيب بن عبد مناف. و تزوجها عبد الله بن عبد المطلب فحملت منه بمحمد صلى الله عليه وسلم ورحل عبد الله بتجارة إلى غزة فلما كان في المدينة عائدا مرض فمات بها. وولدت آمنة بعد وفاته. فكانت تخرج كل عام من مكة إلى المدينة فتزور قبره وأخوال أبيه (بني عدي بن النجار) وتعود. فمرضت في إحدى رحلاتها هذه فتوفيت بموضع يقال له " الأيواء " بين مكة والمدينة، ولابنها من العمر ست سنين وقيل أربع. توفيت سنة 45 ق. م. الأعلام 1 / 26. (*)

[ 128 ]

البرود، وعشرة أرطال ذهب وعشرة أرطال فضة ومائة من الإبل، وكرش مملوءا عنبرا، وأمر لعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك. ثم قال: إذا حال الحول فأتني بخبره وما يكون من أمره. قال: فمات سيف بن ذي يزن قبل أن يحول عليه الحول. قال: وكان كثيرا ما يقول عبد المطلب: يا معشر قريش لا يغبطني رجل منكم بجزيل عطاء الملك وإن كثر فإنه إلى نفاد، ولكن ليغبطني بما يبقى لي ولعقبي ذكره وفخره. فإذا قيل: وما هو ؟ سيعلم ما أقول ولو بعد حين. قال البيهقي - رحمه الله تعالى -: وقد روي هذا الحديث أيضا عن الكلبي (1) عن أبي صالح (2) عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. تفسير الغريب بلاؤه: أي إحسانه. مرتفقا: أي متكئا أو من الرفق. غمدان بضم الغين المعجمة: قصر باليمن. محلالا من الحلول ويروي مهلالا أي متهللا. شالت نعامتهم: قال في النهاية: النعامة: الجماعة إذا تفرقوا. وفي الصحاح: يقال للقوم إذا ارتحلوا عن مياههم أو تفرقوا: قد شالت نعامتهم. متضمخ: متلطخ. العبير بعين مهملة فباء موحدة فمثناة تحتية: نوع من الطيب. يلصف بالصاد المهملة والفاء: مضارع لصف لصفا ولصيفا إذا برق. الوبيص: البرق أيضا. المقاول: جمع قيل وهو الملك من ملوك حمير: دون الملك الأعظم. شامخا: مرتفعا باذخا بالذال والخاء المعجمتين: أي عاليا. الأرومة وزن الأكولة: الأصل. الجرثومة بضم الجيم والثاء المثلثة الأصل أيضا. بسق: طال أبيت اللعن: أي أبيت أن تأتي من الأمور ما تلعن عليه. فدحنا بفاء فدال فحاء مهملتين فنون مفتوحات. أثقلنا. السدنة: بسين فدال مهملتين فنون: الخدمة. ربحلا: براء مكسورة فموحدة فحاء مهملة مفتوحة: الكثير العطاء. أهل الليل والنهار: أي لا يحجبون ليلا ولا نهارا. الحباء بكسر الحاء المهملة وبالمد: العطاء. احتجيناه بحاء مهملة فمثناة فوقية فجيم فتحتية فنون أي أكتتمناه. أبت بكسر أوله رجعت: ساره إياي: أي مساررته لي. النقب بضم النون جمع نقب وهو الطريق. الزعامة بفتح الزاي: أي السيادة.


(1) محمد بن السائب بن بشر بن عمرو الكلبي أبو النضر الكوفي. عن أبي صالح باذام والشعبي وغيرهما. وعنه ابن المبارك وابن فضيل ويزيد بن هارون وخلق، قال ابن عدي: رضوه في التفسير. وقال أبو حاتم: أجمعوا على ترك حديثه. واتهمه جماعة بالوضع. قال مطبن: مات سنة ست وأربعين ومائة. الخلاصة 2 / 405. (2) ميزان البصري، أبو صالح ما مقبول وهو مشهور بكنيته. التقريب 2 / 291. (*)

[ 129 ]

عن عرض: بضم العين المهملة أي لا يبالون من لقوا دونه ولا يخافون أحدا بل يضربون كل من عرض لهم دونه بشر. وعرض الشئ ناحية منه. علا كعبك: هو دعاء له بالشرف والعلو، والأصل فيه كعب القناة وهو أنبوبتها، وما بين كل عقدتين منها كعب، وكل شئ علا وارتفع فهو كعب. مجتاحي بجيم فمثناة فوقية وحاء مهملة: أي مستأصلي ومهلكي. وروى أبو نعيم عن طريق محمد بن عمر الأسلمي عن شيوخه. قالوا: بينما عبد المطلب يوما في الحجر وعنده أسقف نجران، وكان صديقا له وهو يحادثه ويقول: إنا نجد صفة نبي بقي من ولد إسماعيل، هذا البلد مولده، من صفته كذا وكذا. وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إليه الأسقف وإلى عينه وإلى ظهره وإلى قدميه فقال: هو هذا، ما هو منك ؟ قال: ابني. قال: لا، ما نجد أباه حيا. قال: هو ابن ابني وقد مات أبوه وأمه حبلى به. فقال: صدقت. قال عبد المطلب لبنيه: تحفظوا بابن أخيكم، ألا تسمعون ما يقال فيه. والأحاديث والآثار في هذا الباب كثيرة وفيما ذكر كفاية.

[ 130 ]

الباب العاشر في بعض منامات رئيت تدل على بعثته صلى عليه وسلم روى أبو نعيم من طريق أبي بكر بن عبد الله بن أبي الجهم عن أبيه عن جده قال: سمعت أبا طالب (1) يحدث عن عبد المطلب قال: بينما أنا نائم في الحجر رأيت رؤيا هالتني ففزعت منها فزعا شديدا، فأتيت كاهنة قريش وعلي مطرف خز وجمتي تضرب منكبي فقلت لها إني رأيت الليلة كأن شجرة نبتت قد نال رأسها السماء وضربت بأغصانها المشرق والمغرب وما رأيت نورا أزهر منها أعظم من نور الشمس بسبعين ضعفا، ورأيت العرب والعجم لها ساجدين وهي تزداد كل ساعة - عظما ونورا وارتفاعا، ساعة تخفى وساعة تظهر، ورأيت رهطا من قريش قد تعلقوا بأغصانها ورأيت قوما من قريش يريدون قطعها فإذا دنوا منها أخذهم شاب لم أر قط أحسن منه وجها ولا أطيب منه ريحا فيكسر أظهرهم ويقلع أعينهم، فرفعت يدي لأتناول منها نصيبا فلم أقدر فقلت: لمن النصيب ؟ قال: النصيب لهؤلاء الذين تعلقوا بها. وسبقوك. فانتبهت مذعورا. فرأيت وجه الكاهنة قد تغير ثم قالت: لئن صدقت رؤياك ليخرجن من صلبك رجل يملك المشرق والمغرب ويدين له الناس. فقال عبد المطلب لأبي طالب: لعلك أن تكون عم هذا المولود. فكان أبو طالب يحدث بهذا الحديث والنبي صلى الله عليه وسلم قد خرج ويقول: كانت الشجرة والله أبا القاسم الأمين. فيقال له: ألا تؤمن به ؟ فيقول السبة والعار (2). وذكر ابن ظفر أن مرثد بن عبد كلال رأى رؤيا أخافته وأذعرته وهالته في حال منامه فلما انتبه نسيها حتى ما يذكر منها شيئا، ثم إنه أحضر الكهان فجعل يخلو بكاهن كاهن ثم يقول: أخبرني عما أريد أن أسالك عنه. فيجيبه الكاهن بأنه لا علم عنده عنها. فلم يكن عند واحد منهم جوابها، ثم إنه خرج يتصيد بعد ذلك فأوغل في طلب الصيد وانفرد عن أصحابه، فرفعت له أبيات في ذرى جبل فقصد بيتا منها، فبرزت له عجوز فقالت له: بالرحب والسعة والجفنة المدعدعة والعلبة المترعة. فنزل فلما احتجب عن الشمس نام فلم يستيقظ حتى تصرم الهجير، فإذا بين يديه فتاة لم ير مثلها جمالا فقالت له: أبيت اللعن أيها الملك الهمام هل لك في الطعام ؟ فخاف على نفسه لما رأى أنها عرفته فقالت: لا حذر فداك البشر. وقربت إليه


(1) عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم، من قريش، أبو طالب: والد علي رضي الله عليه وعم النبي صلى الله عليه وسلم وكافله ومربيه ومناصره. كان من أبطال بني هاشم ورؤسائهم، ومن الخطباء العقلاء الأباة. وله تجارة كسائر قريش. نشأ النبي صلى الله عليه وسلم في بيته، ولما أظهر الدعوة إلى الإسلام هم أقرباؤه بنو قريش بقتله، فحماه أبو طالب وصدهم عنه، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، فامتنع خوفا من أن تعيره العرب بتركه دين آبائه، ووعد بنصرته وحمايته. الأعلام 4 / 166. (2) أخرجه أبو نعيم في الدلائل (60). (*)

[ 131 ]

ثريدا وقامت تذب عنه انتهى أكله، ثم سقته لبنا صريفا وضريبا، فشرب ما شاء وجعل يتأملها مقبلة ومدبرة فملأت عينيه حسنا وقلبه هوى فسألها عن اسمها فقالت: عفيراء. فقال: ياعفيراء من الذي دعوتيه بالملك الهمام ؟ فقالت: مثرد العظيم الشأن حاشر الكواهن والكهان، لمعضلت بعل بها الجان. قال ياعفيراء أتعلمين ما تلك المعضلة ؟ فقالت: نعم أيها الملك، إنها رؤيا منام ليس بأضغاث أحلام، رأيت أعاصير زوابع بعضها لبعض تابع، فيها لهب لامع، ولها دخان ساطع، يقفوها نهر متدافع روي جارع وغرق كارع، وسمعت فيما أنت سامع دعاء ذي جرس صادع هلموا إلى المشارع. قال الملك: نعم هذه رؤياي فما تأويلها ؟ قالت: الزوابع: ملوك تتابع. والنهر علم واسع. والداعي: نبي شافع. والجارع ولي له تابع. والكارع: عدو له منازع فقال الملك: أسلم هذا النبي أم حرب ؟ فقالت: أقسم برافع السماء ومن أنزل الماء من العماء إنه لمبطل الدماء ومنطق العقائل نطق الإماء. قال الملك: إلى ماذا يدعو ؟ قالت: إلى صيام وصلاة وصلة أرحام، وكسر أصنام، وتعطيل أزلام، واجتناب آثام. قال الملك: من قومه ؟ قالت: مضر بن نزار (1) ولهم نقع مثار يجلى عن قتل وإسار. قال: يا عفيراء إذا ذبح قومه فمن أعضاده ؟ قالت: أعضاده غطاريف يمانون طائرهم به ميمون يعزيهم فيعزون ويدمث بهم الحزون وإلى نصر يعتزون. فأطرق الملك يؤامر نفسه في خطبتها فقالت أبيت اللعن إن تابعي غيور، ولأمري صيور وناكحي مقبور، والكلف بي تبور. فنهض الملك مبادرا فجال في صهوة جواده وانطلق فبعث إليها بمائة ناقة كوماء. تفسير الغريب أوغل في طلب كذا: تابع في ذلك. والوغول: الدخول في الشئ بالقوة. الذرى: بوزن الحصى: كل ما يستتر به الشخص. والذروة بالكسر والضم من كل شئ أعلاه. والجفنة المدعدعة (2): هي التي ملئت ثم حركت حتى تراص ما فيها ثم ملئت بعد ذلك والعلبة المترعة: هي إناء من جلد والإتراع: الامتلاء. الأرواح: الرياح. الصريف: اللبن المحض يحلب أوان الحلاب يصرف عن الضرع إلى


(1) مضر بن نزار بن معد بن عدنان: جد جاهلي، من سلسلة النسب النبوي. من أهل الحجاز. قيل إنه أول من سن الحداء للإبل في العرب، وكان من أحسن الناس صوتا. أما بنوه فهم أهل الكثرة والغلبة في الحجاز، من دون سائر بني عدنان، كانت الرياسة لهم بمكة والحرم. الأعلام 7 / 249. (2) انظر المعجم الوسيط 1 / 285. (*)

[ 132 ]

الشارب. الضريب من اللبن. الرائب يحلب عليه فيستضرب أي يغلظ. بعل بها الجان: بفتح الباء وكسر العين المهملة بعدها لام، قال في النهاية: بعل بالأمر إذا دهش. أعاصير زوابع: هي من الرياح ما يثير التراب فيعليه في الجو ويثيره. ساطع: مرتفع. الجرس: الصوت. المشارع: المداخل إلى النهر. روي جارع: أي من شرب منه جرعا روي. وغرق كارع: أي من أمعن غرق. تتابع: جمع تبع، وهو لقب كان لملوك اليمن وهو من الاتباع، لأن بعضهم كان يتبع في الملك والسيرة بعضا. والتبع زعموا أنه اسم للظل. العماء: الغيم والغمام. العقائل: الكرائم من النساء يسبيهن فيشددن النطق على أوساطهن للمهنة والخدمة. النقع: الغبار يثيره المتحاربون والخيل وغيرها. الأعضاد: الأنصار الغطاريف (1): السادة والتغطرف: التكبر. يدمث: يسهل يعتزون: ينتسبون. يؤامر نفسه: هكذا يقال ويراد به يعارض الرأيين المتضادين في النفس. ولأمري صيور: أي عاقبة يصير إليها، يقولونه على جهة التعظيم. جال: وثب. الصهوة: مقعد الفارس من ظهر الفرس. كوماء (2): عظيمة السنام. وروى ابن سعد وابن الجوزي عن أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص (3) رضي الله تعالى عنها قالت، قبيل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم: كان خالد بن سعيد بن العاص (4) ذات ليلة نائما فقال: رأيت كأنه قد غشيت مكة ظلمة عظيمة حتى لا يبصر امرؤ كفه، فبينما هو كذلك إذ خرج نور من زمزم ثم علا في السماء فأضاء في البيت، ثم أضاءت مكة كلها ثم ضرب إلى نخل يثرب فأضاءها حتى إني لأنظر إلى البسر في النخل. فاستيقظت فقصصتها على أخي


(1) انظر اللسان 5 / 3270. (2) من كوم كومة بالضم إذا جمع قطعة من تراب ورفع رأسها ونظيره الصبرة من الطعام، انظر مختار الصحاح 357. (3) أمة بنت خالد بن سعيد بن العاصي بن أمية، صحابية بنت صحابي، ولدت بأرض الحبشة، وتزوجها الزبير بن العوام، وعمرت حتى لحقها موسى بن عقبة. التقريب 2 / 590. (4) خالد بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص الأموي. عن أبيه. وعنه ابن المبارك فرد حديث في (خ) وغيره. وثقه أبو بشر العبدي. الخلاصة 1 / 278. (*)

[ 133 ]

عمرو بن سعيد (1) وكان جزل الرأي فقال: يا أخي إن هذا لأمر يكون في بني عبد المطلب، ألا ترى أنه خرج من حفرة أبيهم. قال خالد: فإنه لمما هداني الله للإسلام. قالت أم خالد: فأول من أسلم ابني وذلك أنه ذكر رؤياه لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا خالد: أنا والله ذلك النور وأنا رسول الله. فقص عليه ما بعثه الله به فأسلم خالد وأسلم عمرو بعده. وروى ابن سعد عن حرام بن عثمان الأنصاري (2) - رضي الله تعالى عنه - قال: قدم أسعد بن زرارة (3) من الشام تاجرا في أربعين رجلا من قومه، فرأى رؤيا أن آتيا أتاه فقال: إن نبيا يخرج بمكة يا أبا أمامة فاتبعه وآية ذلك أنكم تنزلون منزلا فيصاب أصحابك فتنجو أنت وفلان يطعن في عينه. فنزلوا منزلا فبيتهم فيه الطاعون فأصيبوا جيمعا غير أبي أمامة وصاحب له طعن في عينه. وروى أيضا وابن الجوزي، عن عمرو بن مرة الجهني (4) رضي الله تعالى عنه قال: خرجت حاجا في جماعة من قومي في الجاهلية فرأيت في المنام وأنا بمكة نورا ساطعا خرج من الكعبة حتى أضاء لي من الكعبة إلى جبل يثرب وأشعر جهينة فسمعت صوتا في النور وهو يقول: انقشعت الظلم وسطع الضياء وبعث خاتم الأنبياء. ثم أضاء إضاءة أخرى حتى نظرت إلى قصور الحيرة وأبيض المدائن فسمعت صوتا في النور وهو يقول: ظهر الإسلام وكسرت الأصنام ووصلت الأرحام. فانتبهت فزعا فقلت لقومي: والله ليحدثن في هذا الحي من قريش حدث. وأخبرتهم بما رأيت. فلما انتهينا إلى بلادنا جاءنا خبر أن رجلا يقال له أحمد قد بعث. فخرجت حتى أتيته فأخبرته بما رأيت فقال: يا عمرو بن مرة أنا النبي المرسل إلى العباد كافة أدعوهم إلى الإسلام وآمرهم بحقن الدماء وصلة الأرحام وعبادة الله ورفض الأصنام وحج بيت الله وصيام


(1) عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس الأموي أبو أمية الأشدق أحد الأشراف. قيل: له رؤية. عن أبيه وعمر وعثمان. وعنه بنوه أمية وموسى وسعيد، تغلب على دمشق سنة تسع وستين ثم لاطفه عبد الملك ثم قتله غدرا سنة تسع وستين أو سبعين، قيل: ذبحه بيده. انظر الخلاصة 2 / 285. (2) حرام بن عثمان الأنصاري، أحد بني سلمة. مات بعد خروج محمد بن عبد الله بن حسن، وقيل سنة خمسين ومائة بالمدينة وكان كثير الحديث ضعيفا. الطبقات لابن سعد 5 / 455. (3) أسعد بن زرارة بن عدي بن عبيد بن ثعلبة بن غنيم بن مالك بن النجار أبو أمامة الأنصاري الخزرجي النجاري.. قديم الإسلام يقال إنه أول من بايع ليلة القضية قال البغوي: بلغني أنه أول من مات من الصحابة بعد الهجرة وأنه أول ميت صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم الإصابة 1 / 32. (4) عمرو بن مرة بن صعصعة، من سلوك، من عدنان: جد جاهلي من نسله " قردة بن نفاثة " من الصحابة، وعبد الله بن همام من الشعراء. الأعلام 5 / 85 - 86. (*)

[ 134 ]

شهر رمضان شهر من اثني عشر شهرا، فمن أجاب فله الجنة ومن عصى فله النار، فآمن بالله يا عمرو بن مرة يؤمنك الله من هول جهنم. فقلت يا رسول الله، آمنت بما جئت به من حلال وحرام. ثم أنشدته أبياتا قلتها حين سمعت به وهي: شهدت بأن الله حق وأنني * * لآلهة الأصنام أول تارك لأصحب خير الناس نفسا ووالدا * * رسول مليك الناس فوق الحبائك وروى أبو نعيم عن كعب ووهب بن منبه رحمهما الله تعالى قالا: رأى بختنصر في منامه رؤيا عظيمة أفزعته فلما استقيظ أنسيها، فدعا كهنته وسحرته فأخبرهم بما أصابه من الكرب في رؤياه وسألهم أن يعبروها له، فقالوا: قصها علينا. فقال: قد نسيتها. قالوا: فإنا لا نقدر على تأويلها حتى تقصها. فدعا دانيال فأخبره بها فقال إنك قد رأيت صنما عظيما رجلاه في الأرض ورأسه في السماء أعلاه من ذهب ووسطه من فضة وأسفله من نحاس وساقاه من حديد ورجلاه من فخار، فبينما أنت تنظر إليه قد أعجبك حسنه وإحكام صنعته قذفه الله بحجر من السماء فوقع على قنة رأسه، قذفه حتى طحنه فاختلط ذهبه وفضته ونحاسه وحديده وفخاره، حتى تخيل إليك أنه لو اجتمع الإنس والجن على أن يميزوا بعضه من بعض لم يقدروا على ذلك ولو هبت ريح لاذرته، ونظرت إلى الحجر الذي قذف به يربو ويعظم وينتشر حتى ملأ الأرض كلها، فصرت لا ترى إلا السماء. والحجر. قال بختنصر: صدقت، هذه الرؤيا التي رأيتها فما تأويلها ؟ قال: أما الصنم. فأمم مختلفة في أول الزمان وفي وسطه وفي آخره. وأما الحجر الذي قذف الله به الصنم فدين الله تعالى يقذف به هذه الأمم في آخر الزمان ليظهره عليها، فيبعث الله تعالى نبيا أميا من العرب فيدوخ الله تعالى به الأمم والأديان كما رأيت الحجر دوخ أصناف الصنم، ويظهر على الأديان كما رأيت الحجر ظهر على وجه الأرض. قال في الصحاح: داخ البلاد يدوخها قهرها واستولى على أهلها وكذلك دوخ البلاد.

[ 135 ]

الباب الحادي عشر فيما وجد من صورة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مقرونة بصور الأنبياء قبله صلى الله عليه وسلم روى البيهقي وأبو نعيم عن هشام بن العاص (1) رضي الله تعالى عنه قال: بعثت أنا ورجل من قريش زمن أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى هرقل صاحب الروم ندعوه إلى الإسلام، فخرجنا حتى قدمنا الغوطة، يعني دمشق، فنزلنا على جبلة بن الأبهم الغساني (2)، فدخلنا عليه وإذا هو على سرير له، فأرسل إلينا برسول نكلمه، فقلنا: والله إنا لا نكلم رسولا إنما بعثنا إلى الملك فإن أذن لنا كلمناه وإلا لم نكلم الرسول. فرجع إليه الرسول فأخبره فأذن، فكلمه هشام ودعاه إلى الإسلام وإذا عليه ثياب سود، فقال له هشام: ما هذه الثياب التي عليك ؟ قال: لبستها وحلفت أن لا أنزعها حتى أخرجكم من الشام. فقلنا: ومجلسك هذا والله لنأخذنه منك ولنأخذن ذلك الملك الأعظم إن شاء الله تعالى، أخبرنا بذلك نبينا صلى الله عليه وسلم. (قال: فأنتم إذا السمراء. قلنا: السمراء ؟) (3) قال لستم بهم هم قوم يصومون بالنهار ويفطرون بالليل، فكيف صومكم ؟ فأخبرناه فملئ وجهه سوادا فقال: قوموا. وبعث معنا رسولا إلى الملك فخرجنا حتى إذا جاء بقرب المدينة قال الذين أرسلهم معنا: إن دوابكم هذه لا تدخل المدينة فإن شئتم حملناكم على براذين أو بغال. فقلنا: والله لا ندخل إلا عليها. فأرسلوا إلى الملك بذلك بأنهم يأبون. فدخلنا على رواحلنا متقلدين سيوفنا حتى انتهينا إلى غرفة له فأنخنا في أصلها وهو ينظر إلينا، فقلنا: لا إله إلا الله والله أكبر. فلقد تنفضت الغرفة حتى صارت كأنها عذق تعصفه الرياح. ثم دخلنا عليه فقال: ما كان عليكم لو جئتموني بتحيتكم فيما بينكم ؟ قلنا: إن تحيتنا فيما بيننا لا تحل لك وتحيتك التي أنت بها لا يحل لنا أن نحييك بها. قال: كيف تحيتكم ؟ قلنا: السلام. قال: كيف تحيون ملككم. قلنا: بها. قال: وكيف يرد عليكم ؟ قلنا: بها. قال: فما أعظم كلامكم ؟ قلنا: لا إله إلا الله والله أكبر. فلما تكلمنا بها تنفضت الغرفة حتى رفع رأسه إليها. قال: فهذه الكلمة التي قلتموها حيث تنفضت الغرفة كلما


(1) هشام بن العاص بن وائل بن هاشم: صحابي، هو أخو عمرو بن العاص. أسلم بمكة قديما، وهاجر إلى بلاد الحبشة في الهجرة الثانية، ثم عاد إلى مكة حين بلغته هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، يريد اللحاق به، فحبسه أبوه وقومه، بمكة. فأقام إلى ما بعد وقعة " الخندق " ورحل إلى المدينة، فشهد الوقائع. وقتل في أجنادين، وقيل: في اليرموك. وكان صالحا شجاعا. توفي 13 ه‍. انظر الأعلام 8 / 86. (2) جبلة بن الأيهم بن جبلة الغساني من آل جفنة: آخر ملوك الغساسنة في بادية الشام. عاش زمنا في العصر الجاهلي وحضر وقعه اليرموك في جيش الروم، ثم أسلم وهاجر إلى المدينة فيها وخرج إلى بلاد الروم وتوفي بها سنة عشرين. (3) سقط في أ. (*)

[ 136 ]

قلتموها في بيوتكم تنفضت هكذا ؟ قلنا: لا. وما رأيناها فعلت هذا قط إلا عندك. قال: وددت أنكم كلما قلتم تنفض عليكم كل شئ وأني خرجت من نصف ملكي قلنا لم ؟ قال: لأنه كان أيسر لشأنها وأجدر أن لا يكون من أمر النبوة وأن يكون من حيل الناس. ثم سألناعما أراده فأخبرناه. قال: قوموا. فقمنا فأمر لنا بمنزل حسن ونزل كثير، فأقمنا ثلاثا ثم أرسل إلينا ليلا فدخلنا عليه فاستعاد قولنا فأعدناه ثم دعا بشئ كهيئة الربعة العظيمة مذهبة فيها بيوت صغار عليها أبواب، ثم فتح بابا فاستخرج حريرة سوداء فنثرها فإذا فيها صورة حمراء وإذا فيها رجل ضخم العينين عظيم الأليتين لم أر مثل طول عنقه وإذا ليست له لحية وإذا له ضفرتان أحسن ما خلق الله تعالى. فقال: أتعرفون هذا ؟ فقلنا: لا. قال: هذا آدم عليه الصلاة والسلام وإذا هو أكثر الناس شعرا، ثم فتح بابا آخر واستخرج منه حريرة سوداء وإذا فيها صورة بيضاء وإذا فيها رجل ذو شعر كشعر القطط أحمر العينين ضخم القامة حسن اللحية قال: هل تعرفون هذا ؟ قلنا: لا. قال: هذا نوح. ثم فتح بابا آخر واستخرج منه حريرة سوداء وإذا فيها رجل شديد البياض حسن العينين صلت الجبين طويل الخدين أبيض الليحية كأنه يتبسم، فقال: أتعرفون هذا ؟ قلنا: لا. قال: هذا إبراهيم. ثم فتح بابا آخر واستخرج منه حريرة سوداء وإذا فيها صورة بيضاء وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: أتعرفون هذا ؟ قلنا: نعم، هذا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بكينا. فوالله لقد قام لها قائما ثم جلس وقال: والله إنه لهو ؟ قلنا: نعم إنه لهو. فأمسك ساعة ثم قال: أما إنه آخر البيوت، ولكن عجلته لأنظر أتعرفون ذلك أم لا. ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة سوداء فإذا فيها صورة آدماء شحماء وإذا رجل جعد قطط غائر العينين حديد النظر عابس متراكب الاسنان مقلص الشفة كأنه عضبان. فقال: أتعرفون هذا ؟ قلنا لا. قال: هذا موسى بن عمران. وإلى جنبه صورة تشبهه إلا أنه مدهان الرأس عريض الجبين في عينيه قبل، قال: هل تعرفون هذا ؟ قلنا: لا. قال: هذا هارون. ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فإذا فيها صورة رجل سبط آدم ربعة كأنه عضبان. فقال: هل تعرفون هذا ؟ قلنا: لا. قال: هذا لوط. ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة فإذا فيها صورة رجل مشرب بحمرة أقنى الأنف خفيف العارضين حسن الوجه. قال: هل تعرفون هذا ؟ قلنا: لا. قال: هذا إسحاق، ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فإذا فيها صورة تشبه إسحاق إلا أنه على شفتيه خال. فقال: هل تعرفون هذا ؟ قلنا: لا. قال: هذا يعقوب ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة سوداء فإذا فيها صورة رجل أبيض حسن الوجه أقنى الأنف حسن القامة يعلو وجهه نور يعرف في وجهه الخشوع يقرب إلى الحمرة فقال: هل تعرفون هذا ؟ قلنا: لا. قال: هذا إسماعيل جد نبيكم، ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة سوداء فإذا فيها صورة كأنها صورة آدم كأن وجهه الشمس فقال: هل تعرفون هذا ؟ قلنا: لا. قال هذا يوسف عليه الصلاة والسلام.

[ 137 ]

ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فيها صورة رجل أحمر حمش الساقين أخفش العينين ضخم البطن ربعة متقلد سيفا قال: هل تعرفون هذا ؟ قلنا: لا. قال: هذا داود. ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فإذا فيها صورة رجل متخم الأليتين طويل الرجلين راكب فرسا، فقال: هل تعرفون هذا ؟ قلنا: لا. قال: هذا سليمان عليه السلام ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة سوداء فيها صورة بيضاء وإذا رجل شاب شديد سواد اللحية كثير الشعر حسن الوجه فقال: هل تعرفون هذا ؟ قلنا: لا. قال: عيسى ابن مريم. قلنا: من أين لك هذه الصور لأنا نعلم أنها صورت على ما صورت عليه الأنبياء لأنا رأينا صورة نبينا صلى الله عليه وسلم مثله فقال: إن آدم صلى الله عليه وسلم سأل ربه أن يريه الأنبياء من ولده فأنزل عليه صورهم وكانت في خزانة آدم عند مغرب الشمس فاستخرجها ذو القرنين فدفعها إلى دانيال. ثم قال: أما والله وددت أن نفسي طابت بالخروج من ملكي وإني كنت عبدا لأشركم ملكة حتى أموت. ثم أجزنا فأحسن جائزتنا وسرحنا. فلما أتينا أبا بكر رضي الله تعالى عنه أخبرناه بما رأيناه وبما قال لنا فبكى أبو بكر وقال: مسكين ! لو أراد الله تعالى به خيرا لفعل. ثم قال: أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اليهود يجدون نعت محمد صلى الله عليه وسلم عندهم. وروى ابن عساكر نحوه عن دحية (1) - رضي الله تعالى عنه - وذكر ابن ظفر في " خير البشر " بحوه عن حكيم بن حزام (2) رضي الله تعالى عنه. وروى البخاري في التاريخ والبيهقي عن جبير بن مطعم (3) - رضي الله تعالى عنه - قال:


(1) دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة بن زيد بن امرئ القيس بن الخزرج بفتح المعجمة وسكون الزاي ثم جيم ابن عامر بن بكر بن عامر الأكبر بن عوف الكلبي.. صحابي مشهور أول مشاهده الخندق وقيل أحد ولم يشهد بدرا وكان يضرب به المثل في حسن الصورة وكان جبرائيل عليه السلام ينزل على صورته جاء ذلك من حديث أم سلمة ومن حديث عائشة وورى النسائي بإسناد صحيح عن يحيى بن معمر عن أبي عمر رضي الله عنهما: كان جبرائيل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في صورة دحية الكلبي وروى الطبراني من حديث عفير بن معدان عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كان جبرائيل يأتيني على صورة دحية الكلبي وكان دحية رجلا جميلا وروى العجلي في تاريخه عن عوانة بن الحكم قال: أجمل الناس من كان جبرائيل ينزل على صورته. قال ابن قتيبة في غريب الحديث: فأما حديث ابن عباس كان دحية إذا قدم المدينة لم تبق معصر إلا خرجت تنظر إليه فالمعنى بالمعصر العاتق قال ابن البرقي: له حديثان عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد شهد دحية اليرموك وكان على كردوس وقد نزل دمشق وسكن المزة وعاش إلى خلافة معاوية. الإصابة 2 / 161 - 162. (2) حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى الأسدي أبو خالد المكي، ابن أخي خديجة أم المؤمنين، أسلم يوم الفتح، وصحب، وله أربع وسبعون سنة، ثم عاش إلى سنة أربع وخمسين أو بعدها وكان عالما بالنسب التقريب 1 / 194. (3) جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف النوفلي، أبو محمد أو أبو عدي المدني، أسلم قبل حنين أو يوم الفتح، له ستون حديثا اتفقا على ستة، وانفرد (خ) بحديث، و (م) بآخر. روى عنه ابناه محمد ونافع وسليمان بن صرد وابن =

[ 138 ]

لما بعث الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم وظهر أمره بمكة. خرجت إلى الشام فلما كنت ببصرى أتتني جماعة من النصارى فقالوا: أمن الحرم أنت ؟ قلت: نعم. قالوا: أفتعرف هذا الذي تنبأ فيكم ؟ قلت: نعم. قال: فأخذوا بيدي وأدخلوني ديرا فيه تماثيل وصور فقالوا: انظر هل ترى صورته ؟ فنظرت فإذا أنا بصورة النبي صلى الله عليه وسلم وإذا أنا بصفة أبي بكر وصورته وهو آخذ يعقب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: هل ترى صفته ؟ قلت: نعم. قالوا: هو هذا، وأشاروا إلى صفته رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: اللهم نعم، أشهد أنه هو. قالوا: أتعرف هذا الذي أخذ بعقبة ؟ قلت: نعم. قالوا: نشهد أن هذا صاحبكم وأن هذا الخليفة من بعده (1). تفسير الغريب تنفضت الغرفة بالفاء والضاد المعجمة: أي تحركت. صلت الجبين (2): أي واسعة. وقيل: الصلت: الأملس. وقيل: البارز. قاله في النهاية. وفي الصحاح: هو الواضح. وصورة أدماء: أي سمراء. شحماء سوداء. وشعر جعد: ضد السبط، فإن وصف بالقطط بفتحتين فهو شديد الجعودة كشعر السودان. وفي عينيه قبل: بفتح القاف وهو إقبال السواد على الأنف. وشعر رجل بفتح الراء وكسر الجيم وفتحها وسكونها. وسبط بفتح أوله وسكون ثانيه وكسره وفتحه: هو المسترسل. وربعة: براء مفتوحة وموحدة ساكنة: أي مربوع الخلق لا قصير ولا طويل. وحمش الساقين (3): بحاء مهملة وشين معجمة دقيقهما. وأخفش العينين: صغيرهما. والله أعلم.


= المسيب وطائفة، وكان حليما وقورا عارفا بالنسب. وذكر ابن إسحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه مائة من الإبل توفي سنة تسع أو ثمان وخمسين بالمدينة. الخلاصة 1 / 161. (1) أخرجه أبو نعيم في الدلائل (18). (2) يقال أصبح صلت الجبين يبرق قال: فلا يكون الأسود صلتا... وقال ابن شميل: الصلت الواسع المستوى الجميل وفي حديث آخر: كان سهل الخدين صلتهما اللسان 3 / 2478. (3) انظر الوسيط 1 / 197. (*)

[ 139 ]

جماع أبواب بعض فضائل بلده المنيف ومسقط رأسه الشريف زاده الله تعالى فضلا وشرفا لما كان صلى الله عليه وسلم حاويا للفضائل ومنه كون بلد مولده صلى الله عليه وسلم أفضل من غيرها حسن ذكر بعض أخباره وفضائله - وأيضا فإن جماعة ممن ألف في السير منهم أبو الربيع (1) رحمه الله تعالى تعرضوا لبعض ذلك فتبعتهم وبالله التوفيق. الباب الأول في بدء أمر الكعبة المشرفة " قال الله تعالى: (إن أول بيت وضع للناس ببكة). وروى ابن أبي شيبة (2) والإمام أحمد وعبد بن حميد والشيخان وابن جرير والبيهقي في الشعب عن أبي ذر - رضي الله تعالى عنه - قال: قلت يا رسول الله أي مسجد وضع أول ؟ قال: المسجد الحرام. قلت: ثم أي ؟ قال: المسجد الأقصى. قلت: كم بينهما ؟ قال أربعون سنة (3). وروى ابن المنذر وابن أبي حاتم بإسناد صحيح عن علي - رضي الله تعالى عنه - في الآية قال: كانت البيوت قبله ولكنه أول بيت وضع لعبادة الله تعالى. وروى ابن جرير عن الحسن في الآية قال: إن أول بيت وضع للناس يعبد الله تعالى للذي ببكة.


(1) سليمان بن موسى بن سالم بن حسان الكلاعي الحميري، أبو الربيع: محدث الأندلس وبليغها في عصره. من أهل بلنسية، ولي قضاءها، وحمدت سيرته. قال النباهي: " وكان هو المتكلم عن الملوك في مجالسهم، والمبين عنهم لما يريدونه، على المنبر في المحافل " له شعر رقيق أكثره في الوصف، وكان فردا في الإنشاء. وصنف كتبا، منها " الاكتفا بسيرة المصطفى والثلاثة الخلفاء " و " أخبار البخاري وترجمته " وكتاب حافل في " معرفة الصحابة والتابعين ". وله " جهد النصيح وحظ المنيح من مساجلة المعري في خطبة الفصيح ". توفي سنة 634 ه‍. الأعلام 3 / 136. (2) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة العبسي، مولاهم، الكوفي، أبو بكر: حافظ للحديث. له فيه كتب، منها " المسند " و " المصنف في الأحاديث والآثار " خمسة أجزاء، و " الإيمان " وكتاب " الزكاة ". توفي سنة 235 ه‍. الأعلام 4 / 17، 18. (3) أخرجه البخاري 6 / 528 كتاب أحاديث الأنبياء (3425)، ومسلم 1 / 370 كتاب المساجد (1 - 520)، وأحمد في المسند (5 / 50) وابن ماجة (753)، والنسائي 2 / 32، والبيهقي 2 / 433، وابن أبي شيبة 14 / 116، وعبد الرزاق (1578). (*)

[ 140 ]

وروى ابن أبي حاتم والأزرقي (1) عن كعب الأحبار - رضي الله تعالى عنه قال -: كان البيت غثاء على الماء قبل أن يخلق الله تعالى الأرض بأربعين عاما ومنه دحيت الأرض. الغثاء كغراب: ما جاء به السيل من نبات قد يبس. وروى ابن جرير وأبو الشيخ في العظمة، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: وضع البيت على الماء على أربعة أركان قبل أن تخلق الدنيا بألفي عام، ثم دحيت الأرض من تحت البيت. وروى عبد الرزاق (2) والأزرقي والجندي (3) في تاريخهما عن مجاهد (4) - رحمه الله تعالى - قال: خلق الله تعالى موضع البيت الحرام من قبل أن يخلق شيئا من الأرض بألفي سنة وأركانه في الأرض السابعة: زاد عبد بن حميد: ودحيت الأرض من تحت الكعبة. وروى ابن جرير وابن المنذر والطبراني والبيهقي في الشعب عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: خلق الله تعالى البيت قبل الأرض بألفي سنة، وكان إذ كان عرشه على الماء زبدة بيضاء، وكانت الأرض تحته كأنها خشفة، فدحيت الأرض من تحته. الخشفة بمعجمتين: واحدة الخشف وهي حجارة تنبت بالأرض نباتا ويروي: بحاء مهملة والعين بدل الفاء، وهي أكمة لاطئة بالأرض والجمع خشف. وقيل: هو ما غلبت عليه السهولة، أي ليس بحجر ولا طين. ويروى حشفة بالحاء المهملة والفاء، وهو اليابس الفاسد من التمر. وروى ابن المنذر عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: إن الكعبة خلقت قبل


(1) محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن الوليد بن عقبة بن الأزرق. أبو الوليد الأزرقي: مؤرخ يماني الأصل، من أهل مكة. له " أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار ". توفي 250 ه‍. الأعلام 6 / 122. (2) عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري، مولاهم، أبو بكر الصنعاني: من حفاظ الحديث الثقات، من أهل صنعاء. كان يحفظ نحوا من سبعة عشر ألف حديث. له " الجامع الكبير " في الحديث، قال الذهبي: وهو خزانة علم، وكتاب في " تفسير القرآن " و " المصنف في الحديث ". توفي 211 ه‍. الأعلام 3 / 355. (3) محمد بن يوسف بن يعقوب، أبو عبد الله، بهاء الدين الجندي: من ثقات مؤرخي اليمن. من أهل الجند (بينه وبين صنعاء 58 فرسخا) ولي " الحسبة " بعدن. واشتهر بكتابه " السلوك في طبقات العلماء والملوك " ويعرف بطبقات الجندي. توفي 732 ه‍. الأعلام 7 / 151. (4) مجاهد بن جبر بإسكان الموحدة مولى السائب بن أبي السائب أبو الحجاج المكي المقرئ الإمام المفسر. عن ابن عباس وقرأ عليه. قال مجاهد: عرضت عليه ثلاثين مرة، وأم سلمة وأبي هريرة وجابر وعن عائشة في (خ م). قال شعبة والقطان وابن معين وأبو حاتم الرازي: لم يسمع منها. لكن قد صرح مجاهد في بعض رواياته بسماعة منه. وعنه عكرمة وعطاء وقتادة والحكم بن عتيبة وأيوب وخلق. وثقة ابن معين وأبو زرعة قال ابن حيان: مات بمكة سنة اثنتين أو ثلاث ومائة وهو ساجد ومولده سنة إحدى وعشرين. الخلاصة 3 / 10، 11. (*)

[ 141 ]

الأرض بألفي سنة وهي من الأرض إنما كانت خشفة على الماء عليها ملكان من الملائكة يسبحان، فلما أراد الله تعالى أن يخلق الأرض دحاها منها فجعلها وسط الأرض. وروى البيهقي في الشعب عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أول بقعة وضعت في الأرض موضع البيت ثم مدت منها الأرض: وإن أول جبل وضعه الله - تعالى - على وجه الأرض أبو قبيس ثم مدت منه الجبال " (1). وروى ابن أبي حاتم عن عطاء وعمرو بن دينار (2) - رحمهما الله تعالى - قالا: بعث الله تعالى ريحا فسفقت الماء فأبرزت موضع البيت على خشفة بيضاء فمد الله تعالى الأرض منها فلذلك هي أم القرى. وروى ابن مردويه عن بريدة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، " أم القرى مكة ". قال السهيلي رحمه الله تعالى: وفي التفسير أن الله - سبحانه وتعالى - لمات قال للسماوات والأرض (ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين) لم يجبه بهذا الإ أرض الحرم. وروى عبد بن حميد والأزرقي واللفظ له عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: لما كان العرش على الماء قبل أن يخلق الله عز وجل السماوات والأرض بعث الله - تعالى - ريحا صفاقة فصفقت الريح الماء فأبرزت عن حشفة في موضع البيت كأنها قبة، فدحا الله تعالى الأرض من تحتها فمادت ثم مادت فأوتدها الله تعالى بالجبال، فكان أول جبل وضع فيها أبو قبيس فلذلك سميت (مكة) (3) أم القرى. سفقت يقال بالسين والصاد المهملتين: أي ضرب بعضه ببعض. وروى الأزرقي من طريق ابن جريج عن مجاهد رحمه الله تعالى قال: بلغني أنه لما خلق الله تعالى السماوات والأرض كان أول شئ وضعه فيها البيت الحرام، وهو يومئذ ياقوتة حمراء جوفاء لها بابان أحدهما شرقي والآخر غربي، فجعله مستقبل البيت المعمور، فلما كان زمن الغرق في ديباجتين فهو فيهما إلى يوم القيامة واستودع الله تعالى الركن أبا قبيس.


(1) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان 3 / 431 باب في المناسك (3984). (2) عمرو بن دينار الجمحي مولاهم أبو محمد المكي الأثرم، أحد الأعلام. عن العبادلة وكريب ومجاهد وخلق. وعنه قتادة وأيوب وشعبة والسفيانان والحمادان وخلق. قال ابن المديني: له خمسمائة حديث. قال مسعر: كان ثقة ثقة ثقة. قال الواقدي: مات سنة خمس عشرة ومائة. وقال ابن عيينة: في أول سنة ست عشرة. الخلاصة 2 / 284. (3) سقط في أ. (*)

[ 142 ]

وروى عبد الرزاق في المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر عن عطاء بن أبي رباح - رحمه الله تعالى - قال: لما أهبط الله تعالى آدم كان رجلاه في الأرض ورأسه في السماء يسمع دعاء أهل السماء فأنس بهم، فهابت الملائكة منه حتى شكت إلى الله - تعالى - في دعائها وفي صلاتها فأخفضه الله إلى الأرض، فلما فقد ما كان يسمع منهم استوحش حتى شكا إلى الله عز وجل - في دعائه وفي صلاته فتوجه إلى مكة فكان موضع قدميه قرية وخطوه مفازة حتى انتهى إلى مكة، وأنزل الله - تعالى - عليه ياقوتة من ياقوت الجنة فكان على موضع البيت الآن فلم يزل يطاف به حتى أنزل الله - تعالى - الطوفان فرفعت تلك الياقوتة. وروى عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر من طريق معمر عن قتادة وابن المنذر والأزرقي عن وهب بن منبه - رحمه الله تعالى - قال: وضع الله تعالى البيت مع آدم، أهبط الله تعالى آدم إلى الأرض وكان مهبطه بأرض الهند وكان رأسه في السماء ورجلاه في الأرض، وكانت الملائكة تهابه فنقص إلى ستين ذراعا، فحزن آدم إذ فقد أصوات الملائكة وتسبيحهم. فشكا ذلك إلى الله تعالى فقال الله تعالى: يا آدم إني قد أهبطت بيتا يطاف به كما يطاف حول عرشي ويصلي عنده كما يصلى عند عرشي فاخرج إليه. فخرج إليه آدم ومد له في خطوه وقبض له ما كان فيها من مخاض أو بحر، فجعله خطوة فلم يضع قدميه في شئ من الأرض إلا صار عمرانا وبركة حتى انتهى إلى مكة، وكان قبل ذلك قد اشتد بكاؤه وحزنه لما كان من عظم المصيبة حتى إن كانت الملائكة لتبكي لبكائه وتحزن لحزنه، فعزاه الله - تعالى - بخيمة من خيام الجنة وضعها الله - تعالى - له بمكة في موضع الكعبة قبل أن تكون الكعبة، وتلك الخيمة ياقوتة حمراء من ياقوت الجنة فيها ثلاث قناديل من ذهب فيها نور يلتهب من نور الجنة، ونزل معها يومئذ الركن وهو ياقوتة بيضاء من ربض الجنة وكان كرسيا لآدم صلى الله عليه وسلم يجلس عليه، فلما كان آدم صلى الله عليه وسلم بمكة حرسه الله - تعالى - له وحرس له تلك الخيمة بالملائكة. كانوا يحرسونها ويدرأون عنها سكان الأرض، وساكنوها يومئذ الجن والشياطين ولا ينبغي لهم أن ينظروا إلى شئ من الجنة، والأرض يومئذ طاهرة طيبة نقية لم تنجس ولم يسفك فيها الدم ولم تعمل فيها الخطايا فلذلك جعلها الله تعالى مسكن الملائكة وجعلهم فيها كما كانوا في السماء يسبحون الله - تعالى - بالليل والنهار لا يفترون، وكان وقوفهم على أعلام الحرم صفا واحدا مستديرين بالحرم كله، الحل من خلفهم والحرم كله من أمامهم، ولا يجوزهم جن ولا شيطان من أجل مقام الملائكة حرم الحرم حتى اليوم. وكان آدم صلى الله عليه وسلم إذا أراد


(1) معمر بن راشد الأزدي، مولى عبد السلام بن عبد القدوس، أبو عروة البصري ثم اليماني أحد الأعلام. عن الزهري وهمام بن منبه وقتادة وخلق. وعنه أيوب من شيوخه والثوري من أقرانه وابن المبارك وخلق. قال العجلي: ثقة صالح. وقال النسائي: ثقة مأمون. وضعفه ابن معين في ثابت. توفي سنة ثلاث وخمسين ومائة. الخلاصة 3 / 47. (*)

[ 143 ]

لقاء حواء ليلم بها لأجل الولد خرج من الحرم حتى يلقاها، فلم تزل خيمة آدم مكانها حتى قبض آدم، ورفعها الله تعالى إليه. وذكر الحديث. تفسير الغريب قال الحافظ: رحمه الله تعالى: أول بضم اللام. قال أبو البقاء (1): وهي ضمة بناء لقطعه عن الإضافة مثل قبل وبعد، والتقدير: أول كل شئ ويجوز الفتح مصروفا وغير مصروف ثم أي: بالتنوين وتركه. وهذا الحديث يفسر المراد بقوله تعالى: (أن أول بيت وضع للناس للذي ببكة) ويدل على أن المراد بالبيت بيت العبادة لا مطلق البيوت وقد ورد ذلك صريحا عن علي - رضي الله تعالى عنه - أخرجه إسحاق بن راهويه (2) وابن أبي حاتم بإسناد صحيح عنه قال: كانت البيوت قبله ولكنه أول بيت وضع لعبادة الله تعالى. وتقدم في أول الباب وسيأتي الكلام على الأقصى في الكلام على تفسير أول سورة الإسراء في أبواب المعراج. قوله: (أربعون سنة) قال ابن الجوزي: فيه إشكال، لأن إبراهيم بنى الكعبة وسليمان بنى بيت المقدس، وبينهما أكثر من ألف سنة. قال الحافظ رحمه الله تعالى: ومستنده في أن العاص - رضي الله تعالى عنهما - مرفوعا بإسناد صحيح أن سليمان صلى الله عليه وسلم لما بنى بيت المقدس سأل الله تعالى خلالا ثلاثا. الحديث. وروى الطبراني من حديث رافع بن عمير أن داود - عليه الصلاة والسلام - ابتدأ بناء


(1) عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبري البغدادي، أبو البقاء، محب الدين: عالم بالأدب واللغة والفرائض والحساب. أصله من عكبرا (بليدة على دجلة) ومولده ووفاته ببغداد. أصيب في صباه بالجدري، فعمي. وكانت طريقته في التأليف أن يطلب ما صنف من الكتب في الموضوع، فيقرأها عليه بعض تلاميذه، ثم يملي من آرائه وتمحيصه وما علق في ذهنه. من كتبه " شرح ديوان المتنبي " و " اللباب في علل البناء والإعراب " و " شرح اللمع لابن جني " و " التبيان في إعراب القرآن - ط " ويسمى " إملاء ما من به الرحمن من وجوه الإعراب ولقراآت في جميع القرآن " و " الترصيف في التصريف " و " ترتيب إصلاح المنطق " وغير ذلك. و " التلقين - خ " في النحو، و " شرح المقامات الحريرية - خ " و " الموجز في إيضاح الشعر الملغز - خ " و " الاستيعاب في علم الحساب " 4 / 80 / ت 616. (2) إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم بن مطر الحنظلي أبو محمد بن راهويه الإمام الفقيه الحافظ العلم. ولد سنة إحدى وستين ومائة. عن معتمر بن سليمان والدراوردي وابن عيينة وبقية وابن علية وخلق بالحجاز والشام والعراق وخراسان. وعن (خ م د ت س) وقال: ثقة مأمون أحد الأئمة. قال أحمد: لا أعلم لإسحاق نظيرا، إسحاق عندنا من أئمة المسلمين وإذا حدثك أبو يعقوب أمير المؤمنين فتمسك به. وقال الخفاف: أملى علينا إسحاق أحد عشر ألف حديث من حفظه ثم قرأها يعني في كتابه فما زاد ولا نقص. وقال إبراهيم بن أبي طالب: أملى إسحاق المسند كله من حفظه. قال البخاري: توفي سنة ثمان وثلاثين ومائتين. الخلاصة 1 / 69. (*)

[ 144 ]

بيت المقدس، ثم أوحى الله - تعالى - إليه: إني لأقضي بناءه على يد سليمان. وفي الحديث قصة. قال ابن الجوزي - رحمه الله تعالى -: أن الإشارة إلى أول البناء ووضع أساس المسجد وليس إبراهيم أول من بنى الكعبة ولا سليمان أول من بنى بيت المقدس، فقد روينا أن أول من بنى الكعبة آدم ثم انتشر ولده في الأرض فجائز أن يكون بعضهم قد وضع بيت المقدس ثم بنى إبراهيم عليه السلام الكعبة بنص القرآن. وكذا قال القرطبي: إن الحديث لا يدل على أن إبراهيم وسليمان عليهما الصلاة والسلام لما بنيا المسجدين ابتدا وضعهما لهما بل ذلك تجديد لما كان غيرهما أسسه. قال الحافظ: وقد مشى ابن حبان (1) في صحيحه على ظاهر هذا الحديث فقال: في هذا الخبر رد على من زعم أن بين إسماعيل وداود - عليهما الصلاة والسلام - ألف سنة. ولو كان كما قال لكان بينهما أربعون سنة وهذا عين المحال لطول الزمان بالاتفاق بين بناء إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - البيت وبين موسى - عليه الصلاة والسلام. ثم إن في نص القرآن أن قصة داود في قتل جالوت كانت بعد موسى بمدة. وقد تعقبه الحافظ ضياء الدين المقدسي (2) بنحو ما أجاب به ابن الجوزي. قال الخطابي (3): يشبه أن يكون المسجد الأقصى أول ما وضع بناءه بعض أولياء الله تعالى قبل بناء داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام، ثم داود وسليمان، فزادا فيه وسعا


(1) محمد بن حيان بن أحمد بن حيان بن معاذ بن معبد التميمي، أبو حاتم البستي، ويقال له ابن حبان: مؤرخ، علامة، جغرافي، محدث. ولد في بست (من بلاد سجستان) وتنقل في الأقطار، فرحل إلى خراسان والشام ومصر والعراق والجزيرة. وتولى قضاء سمرقند مدة، ثم عاد إلى نيسابور، ومنها إلى بلده، حيث توفي في عشر الثمانين من عمره. وهو أحد المكثرين من التصنيف. قال ياقوت: أخرج من علوم الحديث ما عجز عنه غيره، وكانت الرحلة في خراسان إلى مصنفاته. من كتبه " المسند الصحيح " في الحديث، يقال: إنه أصح من سنن ابن ماجة، و " روضة العقلاء - ط " في الأدب و " الأنواع والتقاسيم ". توفي 354. الأعلام 6 / 78. (2) محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن السعدي، المقدسي الأصل، الصالحي الحنبلي، أبو عبد الله، ضياء الدين: عالم بالحديث، مؤرخ. من أهل دمشق، مولدا ووفاة. بنى فيها مدرسة دار الحديث الضيائية المحمدية بسفح قاسيون، شرقي الجامع المظفري، ووقف بها كتبه. ورحل إلى بغداد ومصر وفارس، وروى عن أكثر من 500 شيخ. من كتبه " الأحكام " في الحديث، لم يتمه. توفي 643. الأعلام 6 / 255. (3) حمد - بفتح الحاء وسكون الميم، وقيل: اسمه أحمد - بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب، أبو سليمان البستي المعروف بالخطابي، قيل إنه من ولد زيد بن الخطاب بن نفيل العدوي. قال الذهبي: ولم يثبت. كان رأسا في علم العربية والفقه والأدب وغير ذلك. أخذ الفقه عن أبي علي بن أبي هريرة وأبي بكر القفال وغيرهما، وأخذ اللغة عن أبي عمر الزاهد. وصنف التصانيف النافعة المشهورة، منها " معالم السنن " تكلم فيها على سنن أبي داود، و " أعلام البخاري " و " غريب الحديث " و " شرح أسماء الله الحسنى " و " كتاب الغنية عن الكلام وأهله " و " كتاب العزلة "، وله شعر حسن. نقل عنه النووي في التهذيب شيئا في اللغة ثم قال: ومحله من العلم مطلقا خصوصا الغاية العليا. توفي ببست في ربيع الآخر سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة. انظر الطبقات لابن قاضي شهبة 1 / 156، 157. (*)

[ 145 ]

فأضيف إليهما بناؤه. قال: وقد ينسب هذا المسجد الأقصى إلى إيلياء، فيحتمل إن يكون هو بانيه أو غيره ولست أحقق لم أضيف إليه. قال الحافظ: الاحتمال الذي ذكره أولا موجه. وقد رأيت لغيره أن أول من أسس المسجد الأقصى آدم صلى الله عليه وسلم. وقيل: الملائكة عليهم الصلاة والسلام وقيل: سام بن نوح صلى الله عليه وسلم وقيل: يعقوب صلى الله عليه وسلم فعلى الأولين يكون ما وقع ممن بعدهما تجديدا كما وقع في الكعبة. وعلى الأخيرين يكون الواقع من إبراهيم صلى الله عليه وسلم أو يعقوب صلى الله عليه وسلم أصلا وتأسيسا، ومن داود صلى الله عليه وسلم تجديدا لذلك أو ابتداء بناء، فلم يكمل على يديه حتى كمله سليمان. لكن الاحتمال الذي ذكره ابن الجوزي أوجه. وقد وجدت ما يشهد له. ويؤيده قول من قال: إن آدم هو الذي أسس كلا من المسجدين. وذكر ابن هشام (1) في كتاب التيجان أن آدم لما بنى الكعبة أمره الله تعالى بالمسير إلى بيت المقدس وأن يبنيه فبناه ونسك فيه. وبناء آدم البيت مشهور. وقيل إنه لما صلى إلى الكعبة أمر بالتوجه إلى بيت المقدس فاتخذ فيه مسجدا وصلى فيه ليكون قبلة لبعض ذريته. وأما ظن الخطابي أن إيلياء اسم رجل ففيه نظر، بل هو اسم البلد فأضيف إليه المسجد كما يقال مسجد المدينة ومسجد مكة. وقال أبو عبيد البكري في معجم البلدان إن إيلياء مدينة بيت المقدس فيها ثلاث لغات: مد آخره. وقصره. وحذف الياء الأولى. وعلى ما قاله الخطابي يمكن الجمع بأن يقال إنها سميت باسم بانيها كغيرها.


(1) عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري، أبو محمد، جمال الدين: مؤرخ، كان عالما بالأنساب واللغة وأخبار العرب. ولد ونشأ في البصرة، وتوفي بمصر. أشهر كتبه " السيرة النبوية " المعروف بسيرة ابن هشام، رواه عن ابن إسحاق. وله " القصائد الحميرية " في أخبار اليمن وملوكها في الجاهلية، و " التيجان في ملوك حمير " رواه عن أسد بن موسى، عن ابن سنان، عن وهب بن منبه، و " شرح ما وقع في أشعار السير من الغريب " وغير ذلك. توفي 312 ه‍. الأعلام 4 / 166. (*)

[ 146 ]

الباب الثاني في عدد المرات التي بنيها البيت الأولى: عمارة الملائكة روى الأزرقي عن علي بن الحسين - رضي الله تعالى عنهما - أن رجلا سأله: ما بدء هذا الطواف بهذا البيت لم كان ؟ وأنى كان ؟ وحيث كان: فقال: أما بدء هذا الطواف بهذا البيت فإن الله تعالى قال للملائكة: (إني جاعل في الأرض خليفة) فقال الملائكة: أي رب خليفة من غيرنا ممن يفسد فيها ويسفك الدماء ويتحاسدون ويتباغضون ويتباعدون أي رب اجعل ذلك الخليفة منا، فنحن لا نفسد فيها ولا نسفك الدماء ولا نتباغض ولا نتحاسد، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ونطيعك ولا نعصيك. قال الله سبحانه وتعالى: (إني أعلم ما لا تعلمون). قال: فظنت الملائكة أن ما قالوا رد على ربهم عز وجل، وأنه قد غضب عليهم من قولهم، فلاذوا بالعرش ورفعوا رؤوسهم وأشاروا بالأصابع يتضرعون ويبكون إشفاقا لغضبه فطافوا بالعرش ثلاث ساعات، فنظر الله تعالى إلهيم فنزلت الرحمة عليهم، فوضع الله سبحانه الضراح ثم قال للملائكة: طوفوا بهذا البيت ودعوا العرش. فطافت الملائكة بالبيت وتركوا العرش فصار أهون عليهم، وهو البيت المعمور الذي ذكره الله تعالى، يدخله كل يوم وليلة سبعون ألف ملك لا يعودون إليه أبدا. ثم إن الله سبحانه وتعالى بعث ملائكة فقال: ابنوا لي بيتا في الأرض بمثاله وقدره. فأمر الله سبحانه وتعالى من في الأرض من خلقه أن يطوفوا بهذا البيت كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور. الضراح بضم الضاد المعجمة فرائ‍ فألف فحاء مهملة. ويأتي لهذا مزيد بيان في باب حج الملائكة. المرة الثانية: عمارة آدم صلى الله عليه وسلم روى البيهقي في الدلائل عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بعث الله تعالى جبريل إلى آدم وحواء فقال لهما: ابنيا لي بيتا. فخط لهما جبريل - فجعل آدم يحفر وحواء تنقل - حتى أجابه الماء ونودي من تحته: حسبك يا آدم. فلما بناه أوحى الله تعالى إليه أن يطوف به وقيل له: أنت أول الناس، وهذا أول

[ 147 ]

بيت وضع ثم تناسخت القرون حتى حجة نوح، ثم تناسخت القرون، حتى رفع إبراهيم القواعد من البيت " (1). ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير والطبراني موقوفا. وزادوا: زعم الناس أن آدم بناه من خمسة أجبل من حراء ولبنان وطور زيتا وطور سيناء والجودي. وروى الأزرقي وأبو الشيخ في العظمة وابن عساكر عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: لما أهبط الله تعالى آدم إلى الأرض من الجنة كان رأسه في السماء ورجلاه في الأرض وهو مثل الفلك من رعدته فطأطأ الله عز وجل منه إلى ستين ذراعا فقال: يا رب مالي لا أسمع أصوات الملائكة ولا أحسهم ؟ قال: خطيئتك يا آدم، ولكن اذهب فابن لي بيتا فطف به واذكرني حوله كما رأيت الملائكة تصنع حول عرشي. فأقبل آدم يتخطى فطويت له الأرض وقبض الله تعالى له المفازة فصارت كل مفازة يمر بها خطوة وقبض الله تعالى ما كان فيها من مخاض أو بحر فجعله له خطوة ولم يقع قدمه في شئ من الأرض إلا صار عمرانا وبركة، حتى انتهى إلى مكة فبنى البيت الحرام وإن جبريل عليه السلام ضرب بجناحه الأرض فأبرز عن أس ثابت على الأرض السابعة فقذفت فيه الملائكة الصخر ما يطيق الصخرة منها ثلاثون رجلا، وإنه بناه من خمسة أجبل: من لبنان، وطور زيتا، وطور سيناء، والجودي، وحراء، حتى استوى على وجه الأرض، فكان أول من أسس البيت وصلى فيه وطاف به آدم صلى الله عليه وسلم حتى بعث الله تعالى الطوفان وكان غضبا. ورجسا فحيثما انتهى الطوفان ذهب ريح آدم صلى الله عليه وسلم ولم يقرب الطوفان أرضي السند والهند، فدرس موضع البيت في الطوفان حتى بعث الله تعالى إبراهيم وإسماعيل فرفعا قواعده وأعلامه. الفلك: قيل موج البحر الضطرب وقيل أراد فلكة المغزل حال دورانها. وروى الأزرقي عن عبد الله بن أبي زياد رحمه الله تعالى قال: لما أهبط الله تعالى آدم من الجنة قال: يا آدم ابن لي بيتا بحذاء بيتي الذي في السماء تتعبد فيه أنت وولدك كما تتعبد ملائكتي حول عرشي، فهبطت عليه الملائكة فحفر حتى بلغ الأرض السابعة، فقذفت فيه الملائكة الصخر حتى أشرف على وجه الأرض، وهبط آدم بياقوتة حمراء مجوفة لها أربعة أركان بيض. فوضعها على الأساس، فلم تزل الياقوتة كذلك حتى كان زمن الغرق فرفعها الله تعالى.


(1) ذكره السيوطي في الدر المنثور 1 / 129 وعزاه للبيهقي في الدلائل وذكره ابن كثير في البداية والنهاية 2 / 299 والمتقي الهندي في كنز العمال 34718. (*)

[ 148 ]

المرة الثالثة: عمارة أولاد آدم صلى الله عليه وسلم روى ابن المنذر والأزرقي عن وهب بن منبه - رحمه الله تعالى - أن آدم صلى الله عليه وسلم لما توفي رفعه الله تعالى إلى الجنة ورفع الله تعالى إليه الخيمة التي تقدم ذكرها. قال: وبنى بنو آدم من بعدها مكانها بيتا بالطين والحجارة فلم يزل معمورا يعمرونه ومن بعدهم حتى كان زمن نوح فنسفه الغرق وخفي مكانه. وذكر السيهلي - رحمه الله تعالى - أن الذي بناه شيث بن آدم صلى الله عليه وسلم. المرة الرابعة: عمارة سيدنا إبراهيم وإسماعيل صلى الله عليه وسلم وجزم ابن كثير بأن الخليل أول من بنى البيت مطلقا، وقال إنه لم يثبت خبر عن معصوم أن البيت كان مبنيا قبل الخليل. انتهى. وفيه نظر لما ذكر من الآثار السابقة واللاحقة. وروى ابن سعد عن أبي جهم بن حذيفة بن غانم رضي الله تعالى عنه والإمام أحمد وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن أبي حاتم والجندي وابن شيبة وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس. - رضي الله تعالى عنهما - واللفظ له: أن أول ما اتخذ النساء المناطق من قبل أم إسماعيل اتخذت منطقا لتعفي أثرها عن سارة. وفي لفظ: أول ما اتخذت العرب جر الذيول عن أم إسماعيل. قال الحافظ: والسبب في ذلك أن سارة كانت وهبت هاجر لإبراهيم صلى الله عليه وسلم فحملت منه بإسماعيل. قال أبو جهم (1) وكان سن إبراهيم حينئذ سبعون وكان إسماعيل بكر أبيه. انتهى. فلما ولدته غارت منها سارة فحلفت لتقطعن منها ثلاثة أعضاء فاتخذت هاجر منطقا فشدت به وسطها وهربت وجرت ذيلها لتخفي أثرها على سارة. ويقال: إن إبراهيم صلى الله عليه وسلم شفع فيها، وقال لسارة: حللي عن يمينك بأن تثقبي أذنيها وتخفضيها وكانت أول من فعل ذلك. ويقال أن سارة اشتدت بها الغيرة فخرج إبراهيم بإسماعيل وأمه إلى مكة. انتهى كلام الحافظ. وفي حديث أبي جهم أن الله سبحانه وتعالى أوحى إلى إبراهيم صلى الله عليه وسلم يأمره بالمسير إلى بلده الحرام فركب إبراهيم البراق وجعل إسماعيل أمامه - وهو ابن سنتين - وهاجر خلفه ومعه جبريل يدله على موضع البيت ومعالم الحرم، فكان لا يمر بقرية إلا قال إبراهيم: بهذه أمرت يا جبريل ؟ فيقول: لا حتى قدم مكة، وهي إذ ذاك عضاه وسلم وسمر، والعماليق يومئذ حول


(1) أبو جهم بن حذيفة بن غانم بن عامر بن عبد الله بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب، وأمه بشيرة بنت عبد الله من بني عدي بن كعب. أسلم يوم فتح مكة ومات بعد قتل عمر بن الخطاب. انظر طبقات ابن سعد 6 / 8. (*)

[ 149 ]

الحرم، وهم أول من نزل مكة ويكونون بعرفة، وكانت المياة يومئذ قليلة وكان موضع البيت قد دثر وهو ربوة حمراء مدرة، وهو يشرف على ما حوله، فقال جبريل صلى الله عليه وسلم حين دخل من كداء، وهو الجبل الذي يطلعك على الحجون والمقبرة: بهذا أمرت. قال إبراهيم بهذا أمرت ؟ قال نعم. فانتهى إبراهيم إلى موضع البيت فعمد إلى موضع الحجر فآوى فيه هاجر وإسماعيل وأمرها أن تتخذ فيه عريشا. انتهى. وفي حديث ابن عباس أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم جاء بهاجر وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد. قلت: ولا مخالفة بين الكلامين كما زعمه في شفاء الغرام، لاحتمال أن يكون إبراهيم صلى الله عليه وسلم أنزلهما أولا عند الدوحة، ثم نقلهما إلى موضع الحجر، أو بالعكس والله - تعالى - أعلم. وليس بمكة أحد وليس بها ماء فوضعهما هنالك ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء. ثم قفل إبراهيم. وفي حديث أبي جهم: ثم انصرف إبراهيم راجعا إلى أهله بالشام. انتهى. وترك إسماعيل وأمه عند البيت. فتبعته أم إسماعيل فأدركته بكداء، فنادته ثلاثا: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا في هذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شئ ؟ إلى من تدعنا ؟ فقالت ذلك مرارا وجعل لا يلتفت إليها، فأجابها في الثالثة: إلى الله تعالى. قالت: الله أمرك بهذا ؟ قال: نعم. قالت: إذا لا يضيعنا حسبي. وفي لفظ: رضيت تركتنا إلى كاف. ثم رجعت. وفي حديث: أبي جهم: فجعلت عريشا في موضع الحجر من سمر وثمام، وانطلق إبراهيم صلى الله عليه وسلم حتى وقف على كداء ولا بناء ولا ظل ولا شئ يحول دون ابنه فنظر إليه فأدركه ما يدرك الولد من الرحمة. وفي حديث ابن عباس: أنه لما تواري عنهما استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الكلمات ورفع يديه، قال: (رب إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وأرزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون). وجعلت أم إسماعيل ترضعه وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت فانقطع لبنها، وعطش إسماعيل، وجعلت تنظر إليه يتلوى. وفي لفظ: يتلبط. وفي لفظ يتلمط. وفي لفظ: فلما ظمئ جعل يضرب بعقبيه كأنه ينشغ للموت، فانطلقت كراهية أن

[ 150 ]

تنظر إليه، وقالت: يموت وأنا غائبة عنه أهون علي وعسى الله أن يجعل في ممشاي خيرا، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض إليها، فقامت عليه والوادي يومئذ عميق، فقامت تستغيث ربها وتدعوه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا فلم ترى أحدا فهبطت من الصفا حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة فقامت عليها. ونظرت هل تر أحدا ففعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلذلك سعى الناس بينهما وكان ذلك أول ما سعى بين الصفا والمروة. وفي حديث أبي جهم: وكان من قبها يطوفون بالبيت ولا يسعون بين الصفا والمروة ولا يقفون بالمواقف انتهى. وكانت في كل مرة تتفقد إسماعيل وتنظر ما حدث له بعدها فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت: صه، تريد نفسها، ثم تسمعت فسمعت أيضا فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك. وفي لفظ: جبريل. وفي حديث علي عند الطبراني بإسناد حسن: فناداها جبريل: من أنت ؟ قالت: هاجر أم ولد إبراهيم. قال فإلى من وكلكما ؟ قالت: إلى الله تعالى. قال: وكلكما إلى كاف. وفي حديث أبي جهم: فلما كان الشوط السابع ويئست سمعت صوتا فاستمعت فلم تسمع إلا الأول: فظنت أنه شئ عرض لسمعها من الظمأ والجهد، فنظرت إلى ابنها وهو يتحرك، فأقامت على المروة مليا، ثم سمعت الصوت الأول فقالت: إني سمعت صوتك فأعجبني، إن كان عندك خير فأغثني، فإني قد هلكت وهلك ما عندي. فخرج الصوت يصوت بين يديها وخرجت تتلوه قد قويت له نفسها حتى انتهى الصوت عند رأس إسماعيل ثم بذا لها جبريل عليه السلام فانطلق بها حتى وقف على موضع زمزم. انتهى. فبحث بعقبه أو قال: بجناحه. وفي لفظ: فقال بعقبه هكذا: وغمز عقبه في الأرض، وفي لفظ: فركض جبريل برجله. وفي لفظ: ففحص الأرض بإصبعه. فنبعث زمزم حتى ظهر الماء وفي لفظ: ففاض الماء، وفي لفظ: فانبثق الماء فوق الأرض. فدهشت أم إسماعيل فجعلت تحفر وفي لفظ تحوضه. وفي لفظ: فجعلت تفحص الأرض بيديها وتقول: هكذا وهكذا. وفي لفظ، تحظر الماء بالتراب خشية أن يفوتها قبل أن تأتي بشنتها وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف. قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم أو قال: لو لم تغرف من الماء - كانت زمزم عينا معينا ". وفي لفظ: ظاهرا. فشربت وأرضعت ولدها فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة فإن ها هنا بيت الله يبنيه

[ 151 ]

هذا الغلام وأبوه. وأشار لها إلى موضع البيت. وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله وإن الله لا يضيع أهله. وفي حديث أبي جهم: فكان ثدياها يقطران لبنا وكان ذلك اللبن طعاما وشرابا لإسماعيل وكانت تجتزئ بماء زمزم وقال لها الملك: لا تخافي أن ينفد هذا الماء وأبشري فإن ابنك سيشب ويأتي أبوه من أرض الشام فيبنيان ها هنا بيتا يأتيه عباد الله تعالى من أقطار الأرض ملبين الله جل ثناؤه شعثا غبرا فيطوفون به، ويكون هذا الماء شرابا لضيفان الله تعالى الذين يزورون بيته. فقالت: بشرك الله تعالى بخير. وطابت نفسها وحمدت الله تعالى. وأقبل غلامان من العماليق يريدان بعيرا لهما أخطأهما وقد عطشا، وأهلهما بعرفة فنظرا إلى طير تهوي قبل الكعبة فاستنكرا ذلك وقالا: أنى يكون الطير على غير ماء ؟ ! فقال أحدهما لصاحبه: أمهل حتى نبرد ثم نسلك في مهوى الطير. فأبردا ثم تروحا فإذا الطير ترد وتصدر فاتبعا الواردة منها حتى وقفا على أبي قبيس فنظرا إلى الماء وإلى العريش فنزلا وكلما هاجر وسألاها متى نزلت فأخبرتهما. وقالا لمن هذا الماء ؟ فقالت: لي ولولدي فقالا: من حفره ؟ فقالت: سقيا من الله تعالى. فعرفا أن أحدا لا يقدر أن يحفر هناك ماء وعهدهما بماء هناك قريب وليس به ماء، فرجعا إلى أهلهما من ليلتهما فأخبراهم فتحولوا حتى نزلوا معهما على الماء فأنست بهم ومعهم الذرية فنشأ إسماعيل بين ولدانهم. وكان إبراهيم صلى الله عليه وسلم يزور هاجر في كل شهر على البراق يغدو غدوة فيأتي مكة ثم يرجع فيقيل في منزله بالشام. فزارها بعد ونظر إلى من هناك من العماليق وإلى كثرتهم وغمارة الماء فسره بذلك. ولما بلغ إسماعيل تزوج امرأة منهم من العماليق فجاء إبراهيم زائرا لإسماعيل وإسماعيل في ماشية يرعاها ويخرج متنكبا قوسه فيرمي الصيد مع رعيته، فجاء إبراهيم إلى منزله فقال: السلام عليكم يا أهل البيت. فسكتت امرأة إسماعيل فلم ترد إلا أن تكون ردت في نفسها. فقال: هل من منزل ؟ فقالت: لاها الله إذن. قال: فكيف طعامكم وشرابكم ؟ فذكرت جهدا فقالت: أما الطعام فلا طعام وأما الشراب فإنما نحلب الشاة المصر أي الشخب وأما الماء فعلى ما ترى من الغلظ. قال: فأين رب البيت ؟ قالت: في حاجته. قال: فإذا جاء فأقرئيه السلام وقولي له: غير عتبة بابك. ورجع إبراهيم إلى منزله. وأقبل إسماعيل راجعا إلى منزله بعد ذلك بما شاء الله عز وجل، فلما انتهى إلى منزله سأل امرأته: هل جاءك أحد: فأخبرته بإبراهيم وقوله وما قالت له ففارقها وأقام ما شاء الله أن يقيم.

[ 152 ]

وكانت العماليق هم ولاة الحكم بمكة فضيعوا حرمة الحرم، واستحلوا فيه أمورا عظيمة، ونالوا ما لم يكونوا ينالون. فقام فيهم رجل منهم يقال له عموق فقال: يا قوم أبقوا على أنفسكم، فقد رأيتم وسمعتم من أهلك من هذه الأمم، فلا تفعلوا وتواصلوا ولا تستخفوا بحرم الله تعالى وموضع بيته. فلم يقبلوا ذلك منه وتمادوا في هلكة أنفسهم. ثم إن جرهما وقطوراء وهما أبناء عم خرجوا سيارة من اليمن أجدبت عليهم بلادهم فساروا بذراريهم وأموالهم، فلما قدموا مكة رأوا فيها ماء معينا، وشجرا ملتفا، وبناء كثيرا، وسعة من المال ودفئا في الشتاء. فقالوا: إن هذا الموضع يجمع لنا ما نريد فأعجبهم ونزلوا به. وكان لا يخرج من اليمن قوم إلا وعليهم ملك يقيم أمرهم، سنة فيهم جروا عليها واعتادوها ولو كانوا نفرا يسيرا. وكان مضاض بن عمرو (1) على قومه من جرهم، وكان على قطوراء السميدع رجل منهم، فنزل مضاض بمن معه من جرهم على مكة بقعيقعان فما (حاز (2)، ونزل السميدع بقطوراء أسفل مكة بأجياد فما حاز. وذهب العماليق إلى أن ينازعوهم، فعلت أيديهم على العماليق. فأخرجوهم من الحرم كله فصاروا في أطرافه ولا يدخلونه، وكل على قومه لا يدخل أحدهما على صاحبه. وكانوا قوما عربا، وكان اللسان عربيا. وكان إبراهيم يزور إسماعيل. ونظر إسماعيل إلى رعلة بنت مضاض (3) فأعجبته، فخطبها إلى أبيها. انتهى. هكذا في حديث أبي جهم ذكر العماليق وأن إسماعيل تزوج منهم الأولى، وأن الثانية من جرهم، وليس ذلك في حديث ابن عباس، بل فيه: أن الأولى والثانية من جرهم، ونصه - بعد أن ذكر قصة زمزم: وكانت أم إسماعيل كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم أو أهل بيت من جرهم مقبلين من طريق كداء، فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائرا عائفا فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء. وفي لفظ: كانت جرهم يومئذ بواد قريب من مكة، فأرسلوا جريا أو جريين، فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا وأم


(1) مضاض بن عمرو بن نفيلة الجرهمي: من ملوك العرب في الجاهلية. كان محبا للغزو، كثير المعارك، مقيما في الحجاز، تابعا لليمن. وكان قبل الميلاد بزمن بعيد. ويقال: إن إسماعيل النبي تزوج بنته وجميع ولد إسماعيل منها. انظر الأعلام 7 / 249. (2) في أ: فما جاوز. (3) رعلة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي: امرأة إسماعيل بن إبراهيم، وأم " العرب المستعربة " وهم الطبقة الثالثة بعد العرب البائدة والعرب العاربة. وإن صحت رواية من جعل قحطان من نسل إسماعيل، فتكون رعلة أم القحطانيين والعدنانيين جميعا. وفي أصحاب الأنساب من يسميها " السيدة بنت مضاض " قال أبو الفداء: تزوج إسماعيل امرأة من جرهم، ورزق منها اثني عشر ولدا. وقال القلقشندي: لما نزل إسماعيل مكة، تزوج من جرهم وتعلم لغتهم. الأعلام 3 / 28. (*)

[ 153 ]

إسماعيل عند الماء فقالوا: تأذنين لنا أن ننزل عندك ؟ قالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء. قالوا: نعم. قال ابن عباس: - رضي الله تعالى عنهما - قال: النبي صلى الله عليه وسلم: فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس، فنزلوا فأرسلوا إلى أهلهم فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم وشب الغلام ونشأ بين ولدانهم، وتعلم العربية منهم وألفهم وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم، وماتت أم إسماعيل. فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل يطالع تركته فلم يجد إسماعيل، فسأل زوجته عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا. وفي لفظ: وكان عيش إسماعيل الصيد، يخرج يتصيد، فسألها عن عيشهم، فقالت: بشر نحن في ضيق وشده. وشكت إليه. قال: إذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام وقولي له: يغير عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل كأنه آنس بشئ فقال: هال جاءكم أحد ؟ قالت: نعم جاءنا شيخ كذا وكذا، كالمستخفة بشأنه، فسألنا عنك فأجبرته وسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا في جهد وشدة فقال لها: هل أوصاك بشئ ؟ قالت نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام ويقول لك: غير عتبة بابك. قال: ذاك أبي وأمرني أن أفارقك فالحقي بأهلك. فطلقها وتزوج منهم امرأة اخرى. فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله تعالى، ثم أتاهم بعد ذلك، فلم يجده، فسأل امرأته عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا. قال: كيف أنتم ؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله تعالى. قال: ما طعامكم ؟ قالت: اللحم واللبن: قال: فما شرابكم ؟ قالت: الماء. اللهم بارك لهم في اللحم واللبن والماء. وفي لفظ: في طعامهم وشرابهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ولم يكن لهم يومئذ حب، ولو حب لدعا لهم فيه ". قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه. وفي حديث أبي جهم: فجاء إبراهيم زائرا لإسماعيل فجاء إلى بيته فقال: السلام عليكم يا أهل البيت ورحمة الله. فقامت إليه المرأة فردت عليه ورحبت به، فقال: كيف عيشكم ؟ فقالت: خير عيش بحمد الله عز وجل، نحن في لبن كثير، ولحم كثير، وماؤنا طيب. قال: هل من حب ؟ قالت: يكون إن شاء الله تعالى، ونحن في نعم. قال: بارك الله لكم. قالت: فانزل رحمك الله فاطعم واشرب. قال: لا أستطيع النزول. قالت فإني أراك شعثا أفلا أغسل رأسك وأدهنه ؟ قال: بلى إن شئت. فجاءت بالمقام وهو يومئذ حجر رطب أبيض مثل المهاة ملقى في بيت إسماعيل، فوضع عليه قدمه اليمنى وقدم إليها شق رأسه وهو على دابته، فغسلت شق رأسه الأيمن، فلما فرغ حولت له المقام حتى وضع قدمه اليسرى عليه وقدم إليها

[ 154 ]

رأسه وهو على دابته فغسلت شق رأسه الأيسر، فالأثر الذي في المقام من ذلك. قال: أبو الجهم: فلقد رأيت موضع العقب والأصابع. ثم اتفقا فقالا: فلما فرغت المرأة تغسل رأسه قال لها: إذا جاء إسماعيل فاقرئي عليه السلام. وقولي له: ثبت عتبة بابك، فإن بها صلاح المنزل. فلما جاء إسماعيل وجد ريح أبيه فقال: هل أتاكم من أحد بعدي ؟ قالت: نعم، جاءنا شيخ حسن الهيئة. وأثنت عليه. فسألني عنك فأخبرته، وسألني كيف عيشنا ؟ فأخبرته أنا بخير. قال: ما أوصاك بشئ ؟ قالت: نعم هو يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك. قال: ذاك أبي وأنت العتبة أمرني أن أمسكك. وفي حديث أبي جهم: ولقد كنت علي كريمة ولقد ازددت كرامة. فصاحت وبكت، فقال: مالك ؟ فقالت: ألا أكون علمت من هو فأكرمه وأصنع به غير الذي صنعت فقال لها: لا تبكي ولا تجزعي، فقد أحسنت ولم تكوني تقدرين أن تفعلي فوق الذي فعلت، ولم يكن ليزيدك على الذي صنع بك. فولدت لإسماعيل عشرة ذكور أحدهم نابت. بناء إبراهيم للبيت فلما بلغ إسماعيل ثلاثين سنة وإبراهيم يومئذ ابن مائة سنة أوحى الله تعالى إلى إبراهيم أن ابن لي بيتا. فقال إبراهيم: أي رب أين أبنيه ؟ فأوحى الله - تعالى - إليه: أن اتبع السكينة، وهي ريح لها وجه وجناحان، ومع إبراهيم الملك والصرد، فانتهوا إلى مكة. وفي حديث ابن عباس: ثم لبث عنهم إبراهيم ما شاء الله تعالى ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلا له تحت دوحة قريبا من زمزم، فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الولد بالوالد والوالد بالولد. قال معمر الراوي لحديث ابن عباس: وسمعت رجلا يقول: إنهما بكيا حتى أجابتهما الطير. انتهى. ثم قال: يا إسماعيل إن الله تعالى أمرني بأمر. فقال: اصنع ما أمرك به. قال: وتعينني ؟ قال: وأعينك قال: فإن الله أمرني أن أبني ها هنا بيتا. وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها قال: فعند ذلك رفع القواعد من البيت. وفي حديث أبي جهم: فنزل إسماعيل إلى موضع البيت الذي بوأه الله تعالى لإبراهيم وموضع البيت ربوة حمراء مدرة مشرفة على ما حولها، فحفر إبراهيم وإسماعيل صلى الله عليه وسلم وليس معهما غيرهما أساس البيت يريدان أساس آدم الأول، فحفرا عن ربض البيت، يعني حوله، فوجدا صخرة لا يطيقها إلا ثلاثون رجلا، وحفرا حتى بلغا أساس آدم صلى الله عليه وسلم.

[ 155 ]

وفي حديث ابن عباس عند الإمام أحمد بسند صحيح: أن القواعد التي رفعها إبراهيم كانت قواعد البيت قبل ذلك. وفي لفظ آخر: أن القواعد كانت في الأرض السابعة. رواه ابن أبي حاتم. انتهى. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء، جاء بهذا الحجر، أي المقام، فوضعه له فقام عليه إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان: (ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم). وفي حديث: أبي جهم: وحلقت السكينة كأنها سحابة على موضع البيت فقالت: ابن علي. فلذلك لا يطوف بالبيت أحد أبدا كافر ولا جبار إلا رأيت عليه السكينة. فبنى إبراهيم البيت فجعل طوله في السماء تسعة أذرع وعرضه ثلاثين ذراعا وطوله في الأرض اثنين وعشرين ذراعا، وأذخل الحجر وهو سبعة أذرع في البيت، وكان قبل ذلك زربا لغنم إسماعيل، وإنما بناه بحجارة بعضها على بعض ولم يجعل له سقفا، وجعل له بابين وحفر له بئرا بابه خزانة للبيت يلقى فيها ما يهدى للبيت، وجعل الركن علما للناس. فذهب إسماعيل إلى الوادي يطلب حجرا، ونزل جبريل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام بالحجر الأسود، وكان قد رفع إلى السماء حين غرقت الأرض لما رفع البيت، فنزل به جبريل فوضعه إبراهيم موضع الركن، وجاء إسماعيل بحجر من الوادي فوجد إبراهيم قد وضع الركن، فقال: من أين هذا الحجر ؟ من جاءك به ؟ قال إبراهيم: من لم يكلني إليك ولا إلى حجرك. ولما فرغ إبراهيم من بناء البيت وأدخل الحجر في البيت جعل المقام لاصقا بالبيت عن يمين الداخل. وروى البيهقي عن وهب بن منبه - رحمه الله تعالى - قال: لما أغرق الله الأرض رفع البيت فوضع تحت العرش، ومكثت الأرض خرابا ألفي سنة، فلم تزل على ذلك حتى كان إبراهيم صلى الله عليه وسلم فأمره الله سبحانه وتعالى أن يبني بيته، فجاءت السكينة كأنها سحابة فيها رأس يتكلم، ولها وجه كوجه الإنسان، فقالت: يا إبراهيم، خذ قدر ظلي فابن عليه ولا تزد شيئا ولا تنقص. فأخذ إبراهيم قدر ظلها ثم بنى هو وإسماعيل البيت، ولم يجعل له سقفا، وكان الناس يلقون فيه الحلي والمتاع، حتى إذا كان أن يمتلئ اتعد له خمسة نفر ليسرقوا ما فيه، فقام كل واحد على زاوية واقتحم الخامس فسقط على رأسه فهلك، وبعث الله سبحانه - عند ذلك حية

[ 156 ]

بيضاء سوداء الرأس والذنب، فحرست البيت خمسمائة عام لا يقربه أحد إلا أهلكته، فلم تزل كذلك حتى بنته قريش. وروى الأزرقي عن عثمان بن ساج (1) - رحمه الله تعالى - قال: بلغنا - والله تعالى أعلم - أن خليل الله - سبحانه وتعالى - عرج به إلى السماء فنظر إلى الأرض: مشارقها ومغاربها، فاختار موضع الكعبة، فقالت له الملائكة: يا خليل الله اخترت حرم الله في الأرض فبناه من سبعة أجبل، ويقولون خمسة، فكانت الملائكة تأتي بالحجارة إلى إبراهيم من تلك الجبال. وروى الأزرقي عن علي - رضي الله تعالى عنه - وعن مجاهد، وعن بشر بن عاصم (2) متفرقين، أن إبراهيم - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - أقبل من إرمينية - وقال مجاهد: من الشام. ومعه السكينة والملك والصرد ليلا، يتبوأ البيت كما تتبوأ العنكبوت بيتها، فحفر فأبرز عن أسها أمثال خلفة الإبل لا يحرك الصخرة إلا ثلاثون رجلا ثم قال الله تعالى: " قم فابن لي بيتا " قال: يا رب وأين أبني ؟ فبعث الله - سبحانه وتعالى سحابة فيها رأس تكلم إبراهيم، فقالت: يا إبراهيم إن ربك يأمرك أن تخط قدر هذه السحابة، فجعل ينظر إليها ويأخذ قدرها، فقال له الرأس: قد فعلت. وفي لفظ: فقالت السكينة: يا إبراهيم ربضت على البيت ؟ قال: نعم. فارتفعت السحابة، فأبرز عن أس ثابت في الأرض، فبناه إبراهيم، فلذلك لا يطوف بالبيت ملك من جبابرة الملوك ولا أعرابي جلف إلا وعليه السكينة والوقار. وروى الأزرقي عن قتادة رحمه الله تعالى قال: ذكر لنا أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم بنى البيت من خمسة أجبل: من طور سيناء، وطور زيتا، ولبنان، والجودي، وحراء. قال السهيلي رحمه الله تعالى: انتبه لحكمة الله تعالى كيف بناها من خمسة أجبل، فشاكل ذلك معناها، إذ هي قبلة الصلوات الخمس عمود الإسلام الذي بني على خمس، وكيف دلت عليه السكينة إذ هي قبلة الصلوات الخمس والسكينة من شأن الصلاة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: " وائتوها وعليكم السكينة " (3). وروى الأزرقي عن ابن إسحاق أن الخليل صلى الله عليه وسلم لما بنى البيت، جعل طوله في السماء


(1) عثمان بن عمرو بن ساج الأموي مولاهم. عن الزهري مرسلا. وعن سهيل بن أبي صالح. وعنه سعيد بن سالم القداح. قال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج به. قال ابن حبان. ثقة. الخلاصة 2 / 219. (2) بشر بن عاصم بن سفيان بن عبد الله الثقفي. عن أبيه وابن المسيب. وعنه ابن جريح ونافع بن عمر. وثقه ابن معين. توفي بعد الزهري. (3) أخرجه البخاري 2 / 390 كتاب الجمعة (908)، ومسلم 1 / 420 - 421 كتاب المساجد ومواضع الصلاة (151 / 602). (*)

[ 157 ]

تسعة أذرع، وعرضه في الأرض اثنين وثلاثين ذراعا من الركن الأسود إلى الركن الشامي الذي عنده الحجر، وجعل عرض ما بين الركن الشامي إلى الركن الغربي اثنين وعشرين ذراعا، وجعل طول ظهرها من الركن الغربي إلى الركن اليماني أحدا وثلاثين ذراعا، وجعل عرض سقفها اليماني من الركن الأسود إلى الركن اليماني عشرين ذراعا، وجعل بابها بالأرض غير مبوب، وجعل جبا على يمين من دخله يكون خزانة للبيت. وذكر ابن الحاج المالكي (1) - رحمه الله تعالى - في مناسكه شيئا من خبر بناء إبراهيم البيت، ثم قال: وكان صفة بناء إبراهيم البيت أنه كان مدورا من ورائه، وكان له ركنان وهما اليمانيان، فجعلت له قريش حين بنوه أربعة أركان. انتهى. إبراهيم يؤذن بالحج قال أبو جهم: وأمر إبراهيم بعد فراغه من البناء أن يؤذن في الناس بالحج، فقال: يا رب، وما يبلغ صوتي ؟ قال الله جل ثناؤه: " أذن وعلي البلاغ ". فارتفع على المقام - وهو يومئذ ملصق بالبيت - فارتفع به المقام حتى كان أطول الجبال، فنادى وأدخل إصبعيه في أذنيه، وأقبل بوجه شرقا وغربا يقول: أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق، فأجيبوا ربكم عز وجل. فأجابه من تحت البحور السبعة ومن بين المشرق والمغرب إلى منقطع التراب من أطراف البيت كلها: لبيك اللهم لبيك. أفلا تراهم يأتون يلبون ؟ فمن حج من يومئذ إلى يوم القيامة فهو ممن استجاب لله عز وجل وذلك قوله تعالى: (فيه آيات بينات مقام إبراهيم) يعني نداء إبراهيم على المقام بالحج، فهي الآية. قال محمد بن عمر الأسلمي راويه رحمه الله تعالى: وقد روى أن الآية هي أثر إبراهيم على المقام. وروى الفاكهي (2) بإسناد صحيح عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: قام إبراهيم على الحجر فقال: يأيها الناس، كتب عليكم الحج. فاستمع من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فأجابه من كان سبق في علم الله أنه يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك.


(1) محمد بن محمد بن الحاج، أبو عبد الله العبدري المالكي آ الفاسي، نزيل مصر: فاضل. تفقه في بلاده، وقدم مصر، وحج. وكف بصره في آخر عمره وأقعد. توفي بالقاهرة، عن نحو 80 عاما. له " مدخل الشرع الشريف "، قال فيه ابن حجر: كثير الفوائد، كشف فيه عن معايب وبدع يفعلها الناس ويتساهلون فهيا، وأكثرها مما ينكر، وبعضها مما يحتمل. وله " شموس الأنوار وكنوز الأسرار " و " بلوغ القصد والمنى في خواص أسماء الله الحسنى. توفي سنة 737 ه‍. الأعلام 7 / 35. (2) محمد بن إسحاق بن العباس الفاكهي: مؤرخ. من أهل مكة. كان معاصرا للأزرقي، متأخرا عنه في الوفاة له " تاريخ مكة ". توفي 272 ه‍. الأعلام 6 / 28. (*)

[ 158 ]

وروي أيضا عنه قال: والله ما بناه بقصة ولا مدر، ولا كان لهما من السعة والأعوان ما يسقفانه. وروي أيضا عن علي - رضي الله تعالى عنه - قال: كان إبراهيم يبني كل يوم ساقا. القصة بالفتح: الجير. الساق: العرق من الحائط. وروى ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم - وصححه - والبيهقي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: لما فرغ إبراهيم صلى الله عليه وسلم من بناء البيت قال: يا رب، قد فرغت. قال: أذن في الناس بالحج. قال: يا رب، وما يبلغ صوتي ؟ قال: أذن وعلي البلاغ. قال: يا رب كيف أقول ؟ قال: قل: يأيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق. فسمعه من في السماء ومن في الأرض، ألا ترى أنهم يأتون من أقصى الأرض يلبون ؟ وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: لما أمر الله - سبحانه وتعالى - إبراهيم أن يؤذن بالحج صعد أبا قبيس فوضع إصبعيه في أذنيه، ثم نادى: يأيها الناس، إن الله كتب عليكم الحج، فأجيبوا ربكم. فأجابوه بالتلبية في أصلاب الرجال وأرحام النساء، وأول من أجاب أهل اليمن، فما من حاج يحج من يومئذ إلى أن تقوم الساعة إلا من كان أجاب يومئذ إبراهيم. إبراهيم يتعلم مناسك الحج قال أبو جهم: فلما فرغ إبراهيم من الأذان ذهب به جبريل فأراه الصفا والمروة، وأقامه على حدود الحرم، وأمره أن ينصب عليه الحجارة، ففعل ذلك إبراهيم وكان أول من أقام أنصاب الحرم ويريه إياها جبريل. فلما كان اليوم السابع من ذي الحجة خطب إبراهيم صلى الله عليه وسلم بمكة حين زاغت الشمس قائما وإسماعيل جالس، ثم خرجا من الغد يمشيان على أقدامهما يلبيان محرمين مع كل واحد منهما إداوة يحملها وعصا يتوكأ عليها، فسمى ذلك اليوم يوم التروية. وأتيا منى فصليا بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، وكانا نزلا من الجانب الأيمن ثم أقاما حتى طلعت الشمس على ثبير، ثم خرج إبراهيم يمشي هو وإسماعيل حتى أتيا عرفة وجبريل معهما، يريهما الأعلام حتى نزلا بنمرة، وجعل يريه أعلام عرفات، وكان إبراهيم قد عرفها قبل ذلك، فقال إبراهيم: عرفت. فسميت عرفات. فلما زاغت الشمس خرج بهما جبريل حتى انتهى بهما إلى موضع المسجد اليوم، فقام إبراهيم فتكلم بكلمات وإسماعيل جالس، ثم جمع بين الظهر والعصر ثم ارتفع بهما جبريل إلى

[ 159 ]

الهضبات فقاما على أرجلهما يدعوان إلى أن غابت الشمس وذهب الشعاع، ثم دفعا من عرفة على أقدامهما حتى انتهيا إلى جمع، فنزلا فصليا المغرب والعشاء في ذلك الموضع الذي يصلى فيه اليوم، ثم باتا فيه حتى إذا طلع الفجر وقفا على قزح، فلما أسفرا قبل طلوع الشمس وقفا على أرجلهما حتى انتهيا إلى محسر، فأسرعا حتى قطعاه ثم عادا إلى مشيهما الأول، ثم رميا جمرة العقبة بسبع حصيات حملاها من جمع، ثم نزلا من منى فجرا في الجانب الأيمن، ثم ذبحا في المنحر اليوم وحلقا رؤوسهما، ثم أقاما أيام منى يرميان الجمار حين ترتفع الشمس ماشين وراجعين، وصدرا يوم الصدر فصليا الظهر بالأبطح، وكل هذا يريه جبريل صلى الله عليه وسلم. فلما فرغ إبراهيم من الحج انطلق إلى منزله بالشام، وكان يحج البيت كل عام، وحجته سارة، وحجه إسحاق ويعقوب والأسباط والأنبياء وهلم جرا، وحجه موسى بن عمران. ثم توفى الله - تعالى - خليله بعد أن وجه إليه ملك الموت فاستنظره إبراهيم، ثم أعاده إليه لما أراد الله تعالى قبضه، فأخبره بما أمر به فسلم لأمر ربه. فقال له ملك الموت: يا خليل الله على أي حال تحب أن أقبضك ؟ قال: تقبضني وأنا ساجد. فقبضه وهو ساجد. ودفن إبراهيم صلى الله عليه وسلم بالشام. وعاش إسماعيل بعد أبيه ما عاش وتوفي بمكة فدفن بالحجون مما يلي باب الكعبة، وهناك قبر أمه هاجر دفن معها، وكانت توفيت قبله. انتهى حديث أبي جهم. تنبيه في بيان غريب ما سبق المناطق: جمع منطق بكسر الميم وسكون النون وفتح الطاء هو ما يشد به الوسط وفي لفظ: النطق بضم النون والطاء وهو جمع نطاق، مثل كتاب وكتب. قال في النهاية: وهو أن تلبس المرأة ثوبها ثم تشد وسطها بشئ وترفع ثوبها وترسله إلى الأسفل عند معاناة الأشغال لئلا تعثر في ذيلها. تخفضيها: أي تختنيها، يقال خفضت الجارية خفاضا: ختنتها، فالجارية مخفوضة، ولا يطلق الخفض إلا على الجارية دون الغلام. العضاة: بعين مهملة مكسورة فضاد معجمة: شجر الشوك كالطلح والعوسج والهاء أصلية، الواحدة عضة بالهاء وبالتاء كعدة والأصل عضهة كعنبة. السلم بفتحتين: شجر من العضاة واحدثه سلمة بفتحتين. السمر بفتح المهملة وضم الميم من شجر الطلح والواحدة سمرة. الربوة مثلثة الراء: المكان المرتفع. مدرة بفتحات جمعها مدر مثل قصب، وقصبة، وهو

[ 160 ]

التراب المتلبد. وقال الأزهري (1): المدر: القطع من الطين. الثمام بضم المثلثة نبت ضعيف قصير لا يطول. الحجون بحاء مهملة مفتوحة فجيم مضمومة: موضع بأعلى مكة. السقاء بكسر السين المهملة قربة صغيرة. وفي لفظ معها شنة بفتح المعجمة وتشديد النون وهي القربة العتيقة. الدوحة بفتح الدال المهملة وسكون الواو وفتح الحاء المهملة هي الشجر الكبيرة. في أعلى المسجد: أي مكان المسجد، لأنه لم يكن يومئذ بناء. قف بقاف مشددة: أي ذهب موليا وكأنه من القفا أي أعطاه قفاه وظهره. الثنية بفتح المثلثة وكسر النون وتشديد التحتانية. كداء بفتح الكاف ممدود: مكان في أعلى مكة. يتلوى: يتقلب. يتلبط بمثناة تحتية فمثناة فوقية فلام فموحدة فطاء مهملة: أي يتمرغ ويضرب نفسه بالأرض. يتلمظ بوزن الذي قبله وبعد اللام ميم فظاء معجمة: أي يدير لسانه في فيه ويحركه ينشغ بمثناة تحتية مفتوحة فنون ساكنة فشين معجمة فغين معجمة أي يشهق ويعلو صوته وتنخفض كالذي ينازع. المجهود: الذي أصابه الجهد وهو الأمر الذي يشق. تقرها نفسها. بضم أوله وكسر القاف ونفسها برفع الفاعل أي لم تتركها نفسها مستقرة فتشاهده في حال الموت. صه صه، بفتح المهملة وسكون الهاء وبكسرها منونة: كأنها خاطبت نفسها فقالت لها: اسكتي. غواث: بفتح أوله عند أكثر رواة الصحيح وتخفيف الواو مثلثة، وحكى ابن الأثير (2) ضم أوله، والمراد به هنا: المستغيث. وحكى ابن قرقول (3) كسرها أيضا، وجزاء الشرط محذوف تقديره: فأغثني.


(1) محمد بن أحمد بن الأزهر الهروي، أبو منصور: أحد الأئمة في اللغة والأدب. مولده ووفاته في هراة بخراسان. نسبته إلى جده " الأزهر ". عني بالفقه فاشتهر به أولا، ثم غلب عليه التبحر في العربية، فرحل في طلبها وقصد القبائل وتوسع في أخبارهم. له " تهذيب اللغة " و " غريب الألفاظ التي استعملها الفقهاء " و " تفسير القرآن " و " فوائد منقولة من تفسير للمزني ". توفي 370 ه‍. الأعلام 5 / 311. (2) المبارك بن محمد بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجزري، أبو السعادات، مجد الدين: المحدث اللغوي الأصولي. ولد ونشأ في جزيرة ابن عمر. وانتقل إلى الموصل، فاتصل بصاحبها، فكان من أخصائه. وأصيب بالنقرس فبطلت حركة يديه ورجليه ولازمة هذا المرض إلى أن توفي في إحدى قرى الموصل. قيل: إن تصانيفه كلها ألفها في زمن مرضه، إملاء على طلبته، وهم يعينونه بالنسخ والمراجعة. من كتبه " النهاية " في غريب الحديث، و " جامع الأصول في أحاديث الرسول " و " الإنصاف في الجمع بين الكشف والكشاف " في التفسير، و " المرصع في الآباء والأمهات والبنات " توفي 606 ه‍. الأعلام 5 / 272. (3) إبراهيم بن يوسف بن أدهم الوهراني الحمزي، أبو إسحاق بن قرقول: عالم بالحديث، من أدباء الأندلس. أصله من موضع يسمى " حمزة " بناحية المسيلة من عمل بجاية، رحل في طلب الحديث، واستقر بمالقة ثم انتقل إلى سبتة ومنها إلى سلا، وتوفي بفاس. قال ابن الأبار: " كان نظارا أدبيا حافظا يبصر الحديث ورجاله، وقد صنف وألف مع براعة الخط وحسن الوراقة ". من كتبه " مطالع الأنوار على صحاح الآثار ". توفي 569 ه‍. الأعلام 1 / 81، 82. (*)

[ 161 ]

غمز الأرض بغين معجمة فميم فزاي أي كبسها. انبثق: بنون فباء موحدة فثاء مثلثة فقاف: أي انفجر. تحوضه، بحاء مهملة فضاد معجمة وتشديد الواو: أي تجعله مثل الحوض. عينا معينا: أي ظاهرا جاريا على وجه الأرض. وفي لفظ: لكان الماء ظاهرا. فعلى هذا فقوله: عينا معينا: صفة للماء. فلذلك نكره قال ابن الجوزي: كان ظهور زمزم نعمة من الله تعالى محضة بغير عمل جليل، فلما خالطها تحويض هاجر داخلها كسب البشر فقصرت على ذلك. العماليق: ذرية عملاق ويقال عمليق بن لاوذ ويقال الود بن إرم بن سام بن نوح. مضاض بميم مكسورة، وحكى ضمها وضادين معجمتين. الضيعة، بفتح المعجمة وسكون التحتانية: أي الهلاك. الرابية، بالموحدة ثم المثناة التحيتة: ما ارتفع من الأرض. أقطار الأرض، جمع قطر بضم القاف: الجانب والناحية. ترد: الماء: تبلغه. تصدر: ترجع. غمارة الماء بغين معجمة مفتوحة: أي كثرته. متنكبا قوسه: ملقيا لها عليه منكبه رفقة، بضم الراء وسكون الفاء فقاف: وهم الجماعة المختلطون سواء كانوا في سفر أم لا. جرهم (1)، بضم الجيم وسكون الراء وضم الهاء: وهو ابن قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح. وقال ابن إسحاق: كان جرهم وقطوراء أخوة أول من تكلم بالعربية عند تبلبل الألسن. وقوله: مقبلين من كداء بفتح الكاف في جميع نسخ الصحيح والمد. واستشكله بعضهم أن كداء بالفتح والمد في أعلى مكة وأما الذي في أسفلها فبالضم والقصر. يعني فيكون الصواب هنا بالضم والقصر. قال الحافظ: وفيه نظر، لأنه لا مانع أن يدخلوها من الجهة العليا وينزلوا من الجهة السفلى. عائفا، بالمهملة والفاء: وهو الذي يحوم على الماء فيتردد ولا يمضي عنه. جريا، بفتح الجيم وكسر الراء وتشديد التحتانية: أي رسولا. وقد يطلق على الوكيل والأجير قيل سمي بذلك لأنه يجري مجرى مرسله أو موكله، أو لأنه يجري مسرعا في حوائجه. أو جريين: شك من الراوي: هل أرسلوا واحدا أو اثنين ؟ وفي بعض الروايات فأرسلوا


(1) جرهم بن قحطان: جد جاهلي يماني قديم. كان له ولبنيه ملك الحجاز. ولما بني البيت الحرام بمكة كان لهم أمره، وأول من وليه منهم الحارث بن مضاض، إلى أن غلبتهم عليه خزاعة، فهاجروا عائدين إلى اليمن. ولهشام الكلبي النسابة كتاب " أخبار جرهم ". (*)

[ 162 ]

رسولا. ويحتمل الزيادة على الواحد، ويكون الإفراد باعتبار الجنس لقوله: فإذا هم بالماؤ بصيغة الجمع، ويحتمل أن يكون الإفراد باعتبار المقصود بالإرسال، والجمع باعتبار من تبعه من خادم ونحوه. ألفى: بالفاء: أي وجد. أم إسماعيل: بالنصب على المفعولية. الأنس، بضم الهمزة: ضد الوحشة. ويجوز الكسر أي تحب جنسها. وتعلم العربية منهم: فيه إشعار بأن لسان أمه وأبيه لم يكن عربيا، ولهذا مزيد يأتي في ترجمة إسماعيل في النسب النبوي. أنفسهم بفتح الفاء بلفظ أفعل التفضيل من النفاسة: أي رغبتهم في مصاهرة لنفاسته عندهم. وقال ابن الأثير: أنفسهم عطف على قوله تعلم العربية منهم. وزوجوه امرأة منهم: ذكروا في اسمها واسم أبيها قوالا لا طائل بذكرها. يطالع تركته: قال في المصباح المنير: التركة بفتح التاء وكسر الراء وتخفف بكسر الأول وسكون الراء مثل كلمة وكلمة، أي يتفقد حال ما تركه هناك. الشخب، بفتح الشين وسكون الخاء المعجمتين ثم موحدة: السيلان. عتبة بابك: بفتح العين المهملة والمثناة الفوقية والباء الموحدة: كناية عن المرأة، وسماها بذلك لما فيها من الصفات الموافقة لها، وهي حفظ الباب وصون ما هو داخله، وكونها محلا للوطء. وتزوج امرأة أخرى: ذكروا في اسمها ثمانية أقوال. وفي اسم أبيها أربعة ولا حاجة لنا إلى ذلك. نابت، بالنون من النبات. فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه: ولفظ الكشميهني (1) لا يخلوان بالتثنية. قال ابن القوطية (2): خلوت بالشئ واختلوت به: إذا لم أخلط به غيره. يبرى، بفتح أوله وسكون الموحدة. النبل، بفتح النون وسكون الموحدة: السهم قبل أن يركب فيه نصله وريشه، وهو السهم العربي. الأكمة، بفتح الهمزة والكاف: وهي الرابية: إرمينية بكسر أوله وإسكان ثانيه بعده ميم مكسورة فتحتية فنون: بلد معروف بالروم.


(1) الكشميهني: بالضم والسكون والكسر وتحتية وفتح الهاء ونون إلى كشميهن قرية بمرو. لب اللباب 2 / 209. (2) محمد بن عمر بن عبد العزيز بن إبراهيم الأندلسي، أبو بكر، المعروف بابن القوطية: مؤرخ، من أعلم أهل زمانه باللغة والأدب. أصله من إشبيلية، مولده ووفاته بقرطبة. له كتاب " الأفعال الثلاثية والرباعية " وهو الذي فتح هذا الباب، و " المقصود والممدود " و " تاريخ فتح الأندلس " و " شرح رسالة أدب الكتاب " وكان شاعرا صحيح الألفاظ واضح المعاني، إلا أنه ترك الشعر في كبره. توفي 367 ه‍. الأعلام 6 / 311، 312. (*)

[ 163 ]

الصرد، وزان عمر: قال في المصباح: نوع من الغربان، الأنثى صردة والجمع صردان. ويقال له الواق، وكانت العرب تتطير من صوته وتقتله فنهي عن قتله دفعا للطيرة ومنه نوع أسبد (1) يسميه أهل العراق العقعق، وأما الصرد الهمهام فهو البري الذي لا يرى في الأرض ويقفز من شجرة إلى شجرة، وإذا اضطر وأضجر أدرك وأخذ ويصرصر كالصقر، ويصيد العصافير. قال أبو حاتم: الصرد: طائر أبقع أبيض البطن أخضر الظهر ضخم الرأس والمنقار، له ريش ويصطاد العصافير وصغار الطير. وزاد بعضهم على هذا فقال: ويسمى المجوف لبياض بطنه، والأخطب لخضرة ظهره، والأخيل لاختلاف لونه. خلفة بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام: الحامل من النوق. ربضت: أسست. طور زيتا، بلفظ الزيت: علم لجبل بالبيت المقدس. لبنان، بضم أوله وإسكان ثانية: جبل الشام. جمع: بفتح أوله وإسكان ثانية: اسم لمزدلفة، سمي بذلك للجمع بين صلاتي المغرب والعشاء فيها. قاله البكري. وقال في النهاية: لأن آدم وحواء لما أهبطا اجتمعا بها. زاد صاحب التقريب: أو لاجتماع الناس فيها. قزح، بضم أوله وفتح الزاي: جبل بمزدلفة غير منصرف للعلمية والعدل عن قازح، تقديرا. محسر، بلفظ اسم الفاعل: موضع بين منى ومزدلفة، سمي بذلك، لأن فيل أبرهة كل فيه وأعيا، فحسر أصحابه بفعله، وأوقعهم في الحسرات. المرة الخامسة والسادسة: عمارة العمالقة وجرهم روى ابن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه في مسنده وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن علي - رضي الله تعالى عنه - أن بناء إبراهيم صلى الله عليه وسلم لبث ما شاء الله ان يلبث ثم انهدم، فبنته العمالقة، ثم انهدم فبنته جرهم. قال السهيلي: وقد قيل إنه بني في أيام جرهم مرة أو مرتين، لأن السيل قد صدع حائطه، ولم يكن ذلك بنيانا وإنما كان إصلاحا لما وهي وجدار ابني بينه وبين السيل. قلت: في حديث أبي جهم عن حذيفة - رضي الله تعالى عنه - أن البيت في زمن


(1) الأسبد: القليل الشعر. انظر المعجم الوسيط 1 / 414. (*)

[ 164 ]

جرهم دخله السيل من أعلى مكة فانهدم، فأعادته جرهم على بناء إبراهيم صلى الله عليه وسلم وجعلت له مصراعين وقفلا. انتهى. فهذا نقل صريح يشهد لما في حديث سيدنا علي - رضي الله تعالى عنه. المرة السابعة: عمارة قصي بن كلاب نقله الزبير بن بكار (1) في كتاب النسب، وجزم به الإمام أبو إسحاق الماوردي في الأحكام السلطانية. المرة الثامنة: عمارة قريش وستأتي. المرة التاسعة: عمارة عبد الله بن الزبير (2) - رضي الله عنهما عن عائشة (3) - رضي الله تعالى عنها - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: " ألم تري أن قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم ؟ " فقلت: يا رسول الله ألا تردها على قواعد إبراهيم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لولا حدثان قومك بالكفر ". فقال عبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهما - لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك استلام الركنين الشاميين اللذين يليان الحجر، إلا لأن البيت لم يتم على قواعد إبراهيم صلى الله عليه وسلم. وفي رواية قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لولا حداثة عهد قومك بالكفر لنقضت الكعبة وأعدتها على بناء إبراهيم، فإن قريشا اقتصرت بناءه، وجعلت له خلفا ". قال هشام: يعني بابا.


(1) الزبير بن بكار بن عبد الله القرشي الأسدي المكي، من أحفاد الزبير بن العوام، أبو عبد الله: عالم بالأنساب وأخبار العرب، رواية. ولد في المدينة، وولي قضاء مكة فتوفي فيها. له تصانيف، منها " أخبار العرب، وأيامها " و " نسب قريش وأخبارها " باسم " جمهرة نسب قريش " و " الأوس والخزرج " و " وفود النعمان على كسرى " و " أخبار ابن ميادة " و " أخبار حسان " و " أخبار عمر بن أبي ربيعة " و " أخبار جميل " و " أخبار نصيب " و " أخبار كثير " و " أخبار ابن الدمينة " وله مجموع في الأخبار ونوادر التاريخ، سماه " الموافقيات ". توفي 256 ه‍. الأعلام 3 / 42. (2) عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي أبو خبيب بمعجمة مضمومة، المكي ثم المدني، أول مولود في الإسلام وفارس قريش. له ثلاثة وثلاثون حديثا، اتفقا على حديث، وانفرد (خ) بستة، وانفرد (م) بحديثين. وعنه بنوه عباد وعامر، وأخوه عروة وعطاء وطاوس. شهد اليرموك وبويع بعد موت يزيد، وغلب على اليمن والحجاز والعراق وخراسان، وكان فصيحا شريفا شجاعا لسنا أطلس. قتل بمكة سنة ثلاث وسبعين، ومولده بعد الهجرة بعشرين شهرا، الخلاصة 2 / 56. (3) عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما التيمية، أم عبد الله الفقيهة أم المؤمنين الربانية، حبيبة النبي صلى الله عليه وسلم لها ألفان ومائتان وعشرة أحاديث، اتفقا على مائة وأربعة وسبعين، وانفرد (خ) بأربعة وخمسين، و (م) بثمانية وستين. وعنها مسروق والأسود وابن المسيب وعروة، والقاسم وخلق. قال عليه السلام " فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " وقال عروة: ما رأيت أعلم بالشعر من عائشة. وقال القاسم: كانت تصوم الدهر. وقال هشام بن عروة: توفيت سنة سبع وخمسين. ودفعت بالبقيع. الخلاصة 3 / 387 وسيأتي لها ترجمة مفصلة. (*)

[ 165 ]

متفق عليه (1). وفي رواية للبخاري: لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت ما خرج منه وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين: بابا شرقيا وبابا غربيا، فبلغت به أساس إبراهيم. فذلك الذي حمل ابن الزبير على هدمه. قال يزيد - هو ابن رومان (2): وشهدت ابن الزبير حين هدمه وبناه فأدخل فيه من الحجر، وقد رأيت أساس إبراهيم حجارة كأسنمة الإبل. قال جرير بن أبي حازم (3): فقلت له - يعني ليزيد بن رومان: أين موضعه ؟ قال: أريكه الآن. فدخلت مع الحجر فأشار إلى مكان وقال: ها هنا. قال جرير: فحزرت من الحجر ستة أذرع أو نحوها. وفي رواية عن سعيد بن مينا (4) قال: سمعت عبد الله بن الزبير يقول: حدثتني خالتي - يعني عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقها بالأرض ولجعلت لها بابين: بابا شرقيا وبابا غربيا، وزدت فيها ستة أذرع من الحجر، فإن قريشا اقتصرتها حيث بنت الكعبة ". ولمسلم بن عطاء بن أبي رباح - رحمه الله تعالى - قال: لما احترق البيت زمن يزيد بن معاوية (5) حين غزاها أهل الشام فكان من أمره ما كان، تركه ابن الزبير حتى قدم الناس الموسم يريد أن يحربهم على أن أهل الشام، فلما صدر الناس قال: يا أيها الناس أشيروا علي في الكعبة أنقضها ثم أبني بناءها أو أصلح ما وهي منها ؟ قال ابن عباس: إني قد فرق لي فيها رأي أن تصلح ما وهي منها وتدع بيتا أسلم عليه الناس، وأحجارا أسلم عليها الناس وبعث عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال ابن الزبير: لو كان أحدكم احترق بيته ما رضي حتى يجدده فكيف ببيت ربكم ؟ وإني مستخير ربي ثلاثا ثم عازم على أمري. فلما مضى الثلاث أجمع أمره على


(1) أخرجه البخاري 2 / 287 كتاب الحج (1585)، ومسلم 2 / 968 كتاب الحج (398 / 1333). (2) يزيد بن رومان مولى آل الزبير أبو روح المدني. عن ابن الزبير وعروة. وعنه جرير بن حازم وابن إسحاق ونافع القارئ وطائفة. قال ابن سعد: كان عالما ثقة كثير الحديث. توفي سنة ثلاثين ومائة. الخلاصة 3 / 169. (3) جرير بن حازم الأزدي أبو النضر البصري أحد الأعلام. عن الحسن وابن سيرين وطاوس وابن أبي مليكة وخلق، وعنه أيوب وابن عون وابنه وهب بن جرير وهدبة بن خالد وخلق. وثقه ابن معين إلا في قتادة. وقال أبو حاتم: صدوق صالح. مات سنة سبعين ومائة بعد أن اختلط، ولم يحدث في حال اختلاطه. الخلاصة 1 / 162. (4) سعيد بن مينا بكسر الميم ومد النون مولى أبي ذباب أبو الوليد المكي. عن أبي هريرة وجابر. وعنه أيوب وابن إسحاق. وثقه ابن معين، وأبو حاتم. الخلاصة 1 / 391. (5) يزيد بن معاوية بن أبي سفيان. ولي بعهد من أبيه واستباح المدينة. فلمى يمهله الله تعالى. هلك سنة أربع وستين. الخلاصة 3 / 177. (*)

[ 166 ]

أن ينقضوها فتحاماها الناس أن ينزل بأول الناس يصعد فيها أمر من السماء، حتى صعد رجل فألقى منه حجارة، فلما لم يره الناس أصابه شئ تابعوه، فنقضوه حتى بلغوا به الأرض فجعل ابن الزبير أعمدة فستر عليها الستور حتى ارتفع بناؤه. قال السهيلي، رحمه الله تعالى: وطاف الناس بتلك الأستار فلم تخل من طائف حتى لقد ذكر أن يوم قتل ابن الزبير اشتدت الحرب واشتغل الناس فلم ير طائف يطوف بالكعبة إلا جمل يطوف بها. انتهى. وقال ابن الزبير: إني سمعت عائشة تقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لولا أن الناس حديث عهدهم بكفر وليس عندي من النفقة ما أنفق على بنيانه لكنت أدخلت فيه من الحجر خمسة أذرع، وجعلت له بابا يدخل الناس منه وبابا يخرج الناس منه " قال: فأنا اليوم أجد ما أنفق، ولست أخاف الناس. قال: فزاد فيه خمسة أذرع حتى أبدى أساسا نظر الناس إليه فبنى عليه البنيان. وكان طول الكعبة ثمانية عشر ذراعا، فلما زاد فيه استقصره فزاد في طوله عشرة أذرع، وجعل له بابين: أحدهما يدخل منه، والآخر يخرج منه. فلما قتل ابن الزبير كتب الحجاج (1) إلى عبد الملك (2) يخبره بذلك ويخبره أن ابن الزبير وضع البناء على أس قد نظر إليه العدول من أهل مكة فكتب إليه عبد الملك: إنا لسنا من تخليط ابن الزبير في شئ أما ما زاده في طوله فأقره، وأما ما زاد فيه من الحجر فرده إلى بنائه وسد الباب الذي فتحه. فنقضه وأعاده إلى بنائه. وفي تاريخ مكة للأزرقي، أن ابن الزبير لما هدم الكعبة وسواها بالأرض كشف عن أساس إبراهيم صلى الله عليه وسلم فوجده داخلا في الحجر ستة أذرع وشيئا وأحجار ذلك الأساس كأنها أعناق الإبل، حجارة حمراء آخذ بعضها في بعض مشبكة كتشبيك الأصابع وأصاب فيه قبرا،


(1) الحجاج بن يوسف بن الحكم الثقفي، أبو محمد: قائد، داهية، سفاك، خطيب. ولد ونشأ في الطائف بالحجاز وانتقل إلى الشام فلحق بروح بن زنباع نائب عبد الملك بن مروان فكان في عديد شرطته، ثم ما زال يظهر حتى قلده عبد الملك أمر عسكره، وأمره بقتال عبد الله بن الزبير، فزحف إلى الحجاز بجيش كبير وقتل عبد الله وفرق جموعه، فولاه عبد الملك مكة والمدينة والطائف، ثم أضاف إليها العراق والثورة قائمة فيه، فانصرف إلى بغداد في ثمانية أو تسعة رجال على النجائب، فقمع الثورة وثبتت له الإمارة عشرين سنة. وبنى مدينة واسط بين الكوفة والبصرة. توفي 95 ه‍. الأعلام 2 / 168. (2) عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي القرشي، أبو الوليد: من أعاظم الخلفاء ودهاتهم. نشأ في المدينة، فقيها واسع العلم، متعبدا، ناسكا. وشهد يوم الدار مع أبيه. واستعمله معاوية على المدينة وهو ابن 16 سنة. وانتقلت إليه الخلافة بموت أبيه (سنة 65 ه‍) فضبط أمورها وظهر بمظهر القوة، فكان جبارا على معانديه، قوي الهيبة. واجتمعت عليه كلمة المسلمين بعد مقتل مصعب وعبد الله ابني الزبير في حربهما مع الحجاج الثقفي. وهو أول من صك الدنانير في الإسلام، وأول من نقش بالعربية على الدراهم، وكان عمر بن الخطاب قد صك الدراهم. توفي سنة 86 ه‍. الأعلام 4 / 165. (*)

[ 167 ]

فقال: هذا قبر أم إسماعيل صلى الله عليه وسلم، فدعا ابن الزبير خمسين رجلا من وجوه الناس وأشرافهم فأشهدهم على ذلك، وأدخل عبد الله بن مطيع العدوي (1) عتلة كانت بيده في ركن من أركان البيت فزعزعت الأركان كلها وارتجت جوانب البيت ورجفت مكة بأسرها رجفة شديدة وخافوا خوفا شديدا، وطارت من الحجر قطعة فأخذها بيده، فإذا فيها نور مثل نار، فطارت منه برقة فلم يبق دار من دور مكة إلا دخله، ففزعوا، فقال ابن الزبير: اشهدوا. ثم وضع البناء على ذلك الأساس، وجعل لها بابين ملصقين بالأرض، فلما ارتفع البنيان إلى موضع الركن، وكان وقت الهدم قد جعله ابن الزبير في ديباجة وأدخله في تابوت وأقفل عليه وأدخله دار الندوة، وعمد إلى ما كان في الكعبة من حلى وثياب وطيب فوضعه في خزانة الكعبة في دار شيبة بن عثمان، فلما انتهى البناء إلى موضع الحجر أمر فنقر بين حجرتين أحدهما من المدماك الذي تحته والآخر من الذي فوقه وطبق ما بينهما. ثم أمر ابن الزبير ابنه عبادا وجبير بن شيبة بن عثمان أن يجعلا الركن في ثوب وقال لهما: إذا فرغتما فكبرا حتى أسمعكما فأخف صلاتي فلما وضعاه في موضعه كبرا فتسامع الناس بذلك. فغضب رجال من قريش لذلك حيث لم يحضرهم ابن الزبير، وقالوا: ما رفعته قريش في الجاهلية حتى حكموا أول من يدخل عليهم، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول داخل. وكان الحجر قد انصدع بسبب الحريق فشده ابن الزبير بالفضة. قال ابن عون (2): فنظرت إلى جوف الحجر حين انفلق كأنه الفضة. وكانت الكعبة يوم هدمها ابن الزبير ثمانية عشر ذراعا في السماء، فلما بلغ البنيان هذا المبلغ قصرت لحال الزيادة في العرض من الحجر، فقال ابن الزبير: قد كانت تسعة أذرع في السماء قبل بناء قريش فزادت قريش تسعة أذرع، وأنا أزيد تسعة أذرع. فجعلها سبعة وعشرين ذراعا في السماء ! وهي سبعة وعشرون مدماكا، وعرض جدارها ذراعان. وجعل داخلها ثلاثة دعائم. وكانت قبل ذلك على ست دعائم صفين، وأرسل إلى صنعاء فأتى برخام فجعله في الروازن لأجل الضوء، وجعل لبابها مصراعين طولهما أحد عشر ذراعا، وجعل الباب الآخر بإزائه على هيئته وجعل لها درجا من خشب معوجة يصعد منها إلى ظهرها. فلما فرغ من بنائها


(1) عبد الله بن مطيع بن الأسود العدوي المدني، له رؤية، وكان رأس قريش يوم الحرة، وأمره ابن الزبير على الكوفة، ثم قتل معه سنة ثلاث وسبعين. التقريب 1 / 452. (2) عبد الله بن عون بن أرطبان المزني مولاهم أبو عون الخراز بفتح المعجمة والمهملة البصري أحد الأعلام. عن عطاء ومجاهد، وسالم، والحسن، والشعبي، وخلق. وعنه شعبة، والثوري، وابن علية، ويحيى القطان وخلائق. قال ابن مهدي: ما أحد أعلم بالسنة بالعراق من ابن عون وقال روح بن عبادة: ما رأيت أعبد منه. قال يحيى القطان: مات سنة إحدى وخمسين ومائة. الخلاصة 2 / 86. (*)

[ 168 ]

خلقها من داخلها ومن خارجها بالطيب والزعفران وكساها القباطي وقال: من كانت لي عليه طاعة فليخرج فليعتمر من التنعيم، ومن قدر أن ينحر بدنة فليفعل، فإن لم يقدر فشاة، ومن لم يقدر فليتصدق بما تيسر. وأخرج ابن الزبير مائة بدنة، فلما طاف بالبيت استلم الأركان الأربعة جميعا. فلم يزل البيت على بناء ابن الزبير تستلم الأركان كلها، ويدخل من باب ويخرج من باب حتى قتل ابن الزبير وقتل ودخل الحجاج مكة، فكتب إلى عبد الملك بكل ما فعله ابن الزبير. فكتب إليه عبد الملك بن مروان أن اهدم ما زاده فيها من الحجر وردها على ما كانت عليه وسد الباب الغربي الذي فتح واترك سائرها. فكل البيت اليوم على بنيان ابن الزبير، إلا الجدار الذي في الحجر وموضع سد الباب الغربي، فإنه من بنيان الحجاج، وغير تلك الدرج التي في جوفها، ونقص من طول الباب خمسة أذرع. فلما حج عبد الملك قال له الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي (1): أنا أشهد لابن الزبير بالحديث الذي سمعه من عائشة فقد سمعته أنا أيضا منها. قال: أنت سمعته منها ؟ قال: نعم، فجعل ينكث بقضيب كان في يده في الأرض ساعة ثم قال: وددت أني كنت تركته وما تحمل. المرة العاشرة: عمارة الحجاج. وتقدم بيانها ذكره السهيلي والنووي رحمهما الله تعالى. قال في شفاء الغرام: وفي إطلاق العبارة بأنه بنى الكعبة تجوز لأنه لم يبن إلا بعضها.


(1) الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي القباع بضم القاف وتخفيف الموحدة ولي البصرة، أرسل. وعن عمر وعائشة. وعنه أبو قزعة والزهري. مات بعد الستين. الخلاصة 1 / 183. (*)

[ 169 ]

الباب الثالث في أسماء البيت الشريف منها: الكعبة. قال الله سبحانه وتعالى: (جعل الله الكعبة الحرام قياما للناس). قال مجاهد رحمه الله تعالى: إنما سميت الكعبة لأنها مربعة. رواه ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وكذا قال عكرمة. رواه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد. وقال القاضي في " المشارق ": الكعبة هو البيت نفسه لا غير، سمي بذلك لتكعبه وهو تربيعه، وكل بناء مرتفع مربع كعبة. وقال: النووي سميت بذلك لاستدارتها وعلوها، وقيل لتربيعها. قال في شفاء الغرام: وممن قال: إنها سميت بالكعبة لكونها على خلقة الكعب، ابن أبي نجيح (1) وابن جريح (2) رحمهما الله تعالى. ومنها: بكة. قال أبو مالك الغفاري (3) رحمه الله تعالى بكة: موضع البيت، ومكة ما سوى ذلك. رواه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: مكة من الفج إلى التنعيم. وبكة من البيت إلى البطحاء. رواه ابن أبي حاتم. وقال عكرمة رحمه الله تعالى: البيت وما حوله بكة وما وراء ذلك مكة. رواه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد. وقال مجاهد رحمه الله تعالى: بكة الكعبة، ومكة ما حولها. رواه عبد بن حميد. وقال ابن شهاب رحمه الله تعالى: بكة البيت. ومكة الحرم كله. رواه ابن جرير. وسمي البيت بذلك لما رواه ابن أبي حاتم عن محمد بن يزيد بن المهاجر قال: إنما سميت بكة لأنها كانت تبك الظلمة. ولهذا مزيد بيان في باب أسماء الحرم. ومنها: البيت الحرام. وتقدم في الآية السابقة.


(1) عبد الله بن يسار الجهني الكوفي. عن حذيفة وسليمان بن صرد. وعنه منصور والأعمش. وثقه النسائي. الخلاصة 2 / 113. (2) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم أبو الوليد وأبو خالد المكي الفقيه أحد الأعلام. عن ابن أبي مليكة وعكرمة مرسلا. وعن طاوس مسألة ومجاهد ونافع وخلق. وعنه يحيى بن سعيد الأنصاري أكبر منه والأوزاعي والسفيانان وخلق. قال ابن المديني: لم يكن في الأرض أحد أعلم بعطاء من ابن جريج. وقال أحمد: إذا قال أخبرنا وسمعت حسبك به. وقال ابن معين: ثقة إذا روي من الكتاب. قال أبو نعيم: مات سنة خمسين ومائة. الخلاصة 2 / 178. (3) غزوان الغفاري أبو مالك الكوفي. عن البرا وابن عباس. وعنه سلمة بن كهيل والسدي. وثقه ابن معين. الخلاصة 2 / 330. (*)

[ 170 ]

ومنها: المسجد الحرام. قال تعالى: (فول وجهك شطر المسجد الحرام) والمراد به هنا الكعبة بلا خوف. وقد ورد إطلاق المسجد الحرام على غير الكعبة كما سيأتي. ومنها: قادس. ذكره في شفاء الغرام ولم يتكلم عليه. وقال أبو عبيد البكري رحمه الله تعالى في معجمه نقلا عن كراع: القادس: اسم للبيت الحرام. قال غير كراع: سميت بذلك من التقديس وهو التطهير لأنها تطهر من الذنوب. ومنها: ناذر. ذكره في شفاء الغرام. ولم يتكلم على ضبطه ولا على معناه. وذكره في القاموس في مادة نذر بالذال وقال إنه من أسماء مكة. ومنها القرية القديمة. ذكره في شفاء الغرام. ومنها البيت العتيق قال الله تعالى: (وليطوفوا بالبيت العتيق). روى البخاري في تاريخه والترمذي - وحسنه - وابن جرير والحاكم - وصححه - عن عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنما سمى الله البيت العتيق لأنه أعتقه من الجبابرة فلم يظهر عليه جبار قط " (1). وروى عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس مثله وقال مجاهد: إنما سمي البيت العتيق لأنه أعتقه من الجبابرة لم يدعه جبار قط. وفي لفظ: فليس في الأرض جبار يدعي أنه له. رواه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير. وروى ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه قال: إنما سمي البيت العتيق لأنه لم يرده أحد بسوء إلا هلك. وعن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: لأنه أول بيت وضع. رواه ابن أبي حاتم. وما رواه عبد الله بن الزبير أولى وصححه ابن جماعة في مناسكه. ومنها: البنية. بموحدة فنون فمثناة تحتية مشددة في حديث البراء بن معرور: " رأيت ألا أجعل هذه البنية مني بظهر "، يعني الكعبة وقد كثر قسمهم برب هذه البنية. ومنها الدوار: بضم الدال المهملة وفتحها وتشديد الواو وبعدها ألف وراء. ذكره ياقوت في المشترك وضعا والمختلف صقعا.


(1) أخرجه الترمذي (3170)، والحاكم في المستدرك 2 / 389، والبيهقي في الدلائل 1 / 125، وذكره المتقي الهندي في الكنز (34638). (*)

[ 171 ]

الباب الرابع في بعض فضائل دخول الكعبة والصلاة فيها وآداب ذلك روى ابن خزيمة (1) والطيراني والبيهقي من طريق عبد الله بن المؤمل (2)، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من دخل البيت فصلى فيه دخل في حسنة وخرج من سيئة مغفورا له " (3). وفي لفظ: خرج مغفورا له. وروى الفاكهي عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال في دخول البيت: دخول في حسنه وخروج من سيئة. وروى الفاكهي عن مجاهد رحمه الله تعالى قال: دخول البيت حسنة وخروج من سيئة ويخرج مغفورا له. وروى الفاكهي عن عبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أنه قال لهند بن أوس: أرأيت الكعبة ؟ من دخلها فصلى فيها خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. وروى الفاكهي عن عطاء رحمه الله تعالى قال: لأن أصلي في البيت ركعتين أحب إلى أن أصلي أربعا في المسجد الحرام. وروى الفاكهي عن الحسن لأهل مكة: من دخل البيت دخل في رحمة الله عز وجل، وفي حمى الله عز وجل، وفي أمن الله عز وجل، ومن خرج خرج مغفورا له.


(1) محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح، أبو بكر السلمي النيسابوري الحافظ إمام الأئمة. أخذ عن المزني والربيع. وقال فيه الربيع. وقال فيه الربيع: استفدنا منه أكثر مما استفاد منا. قال أبو علي الحافظ: كان ابن خزيمة يحفظ الفقهيات من حديثه كما يحفظ القارئ السورة. وقال ابن حبان: ما رأيت على وجه الأرض من يحسن السنن ويحفظ ألفاظها الصحاح وزياداتها حتى كأنها بين عينيه إلا محمد بن إسحاق بن خزيمة فقط، وقال الدار قطني: كان إماما ثبتا معدوم النظير، وقال ابن سريج: كان ابن خزيمة يستخرج النكت من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمنقاش، وقال الحاكم: ومصنفاته تزيد على مائة وأربعين كتابا سوى المسائل، والمسائل المصنفة أكثر من مائة جزء، ولد سنة ثلاث وعشرين ومائين، وتوفي في ذي القعدة سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، وقيل: سنة اثنتي عشرة. الطبقات لابن قاضي شهبة 1 / 99، 100، والأعلام 6 / 253، وشذرات الذهب 2 / 262. (2) عبد الله بن المؤمل المخزومي العابدي بواحدة. عن ابن أبي مليكة وعطاء. وعنه الشافعي وأبو نعيم. قال أبو داود: منكر الحديث. وضعفه ابن عدي، وأما ابن حبان فوثقه. مات سنة سبع وستين ومائة. الخلاصة 2 / 104. (3) أخرجه البيهقي 5 / 158 وابن خزيمة 3 / 30 وذكره الهيثمي في المجمع 3 / 296 وعزاه للطبراني في الكبير والبزار بنحوه. وفيه عبد الله بن المؤمل وثقه ابن سعد وغيره وفيه ضعف. (*)

[ 172 ]

وروى عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن يحيى بن جعدة بن هبيرة (1) في قوله تعالى: (ومن دخله كان آمنا). قال: آمنا من النار. وما أحسن ما أنشده الحافظ أبو طاهر السلفي (2) رحمه الله تعالى لنفسه بعد دخول البيت زاده الله تعالى تشريفا وتكريما: أبعد دخول البيت والله ضامن * * أيبقى قبيح والخطايا كوامن فحاشا وكلا بل تسامح كلها * * ويرجع كل وهو جذلان آمن فائدتان: الأولى: قال في شفاء الغرام: دخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت أربع مرات بعد الهجرة: الأولى يوم الفتح. رواه مسلم (3) عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، الثانية: ثاني الفتح. رواه الإمام أحمد بن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما (4) الثالثة: في عمرة القضية. نقله المحب الطبري في القرى عن عروة وسعيد بن المسيب. وفي ذلك نظر لما سيأتي عن عبد الله بن أبي أوفى (5) رضي الله تعالى عنه. الرابعة: في حجة الوداع، رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة (6). الثانية: اتفق الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى على استحباب دخول الكعبة، واستحسن الإمام مالك رضي الله تعالى عنه كثرة دخولها، وأما حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندي وهو قرير العين طيب النفس، ثم رجع وهو حزين فقلت له فقال: " إني دخلت الكعبة ووددت أني لم أكن فعلت، إني أخاف أن أكون أتعبت امتي من بعدي "، رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه (7). فلا دلالة فيه لعدم الاستحباب، بل


(1) يحيى بن جعدة بن هبيرة، بن أبي وهب المخزومي، ثقة وقد أرسل عن ابن مسعود ونحوه، من الثالثة. التقريب 2 / 344. (2) السلفي: بفتحتين وفاء إلى مذهب السلف وبضم أوله إلى سلف بطن من الكلاع وبكسره إلى سلفة جد الحافظ أبي طاهر. لب اللباب 2 / 22. (3) أخرجه مسلم 2 / 966 كتاب الحج (389 / 1329). (4) أخرجه أحمد في المسند 6 / 207. (5) عبد الله بن أبي أوفى علقمة بن خالد الأسلمي أبو إبراهيم، صحابي ابن صحابي. شهد بيعة الرضوان وروى خمسة وتسعين حديثا، اتفقا على عشرة، وانفرد (خ) بخمسة، و (م) بواحد. وعنه عمرو بن مرة، وطلحة بن مصرف وعدي بن ثابت والأعمش. قال الذهبي: قيل حديثه عنه مرسل وقد سمع الأعمش ممن مات قبله، فما المانع من أن يكون سمع منه. قال الواقدي: مات سنة وثمانين. وقال أبو نعيم: سنة سبع. قال عمرو بن علي: هو آخر من مات بالكوفة من الصحابة. الخلاصة 2 / 41. (6) أخرجه أبو داود 1 / 619 كتاب المناسك باب في دخول الكعبة والترمذي 3 / 223 كتاب الحج. (7) أخرجه الترمذي 3 / 223 كتاب الحج باب ما جاء في دخول مكة (873) وقال: هذا حديث حسن صحيح وابن ماجة 2 / 1018 كتاب المناسك باب دخول الكعبة (3064). (*)

[ 173 ]

دخوله صلى الله عليه وسلم دليل على استحبابه، وتمنيه عدم الدخول قد علله النبي صلى الله عليه وسلم بالشفقة على أمته، وذلك لا يدفع الاستحباب. وحديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنه: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت وصلى خلف المقام ركعتين ومعه من يستره من الناس، قال له رجل: أدخل النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة ؟ قال: لا. رواه الشيخان (1). فكذلك لا دليل فيه لعدم الاستحباب. قال النووي: قال العلماء رحمهم الله تعالى: سبب ترك دخوله صلى الله عليه وسلم ما كان في البيت من الأصنام والصور ولم يكن المشركون يتركونه يغيرها. فلما كان يوم الفتح أمر بإزالة الصور ثم دخلها كما في حديث ابن عباس في الصحيح. وأما آداب الدخول فكثيرة، منها: الغسل، ومنها: نزع الحف والنعل، ومنها: ألا يرفع بصره إلى السقف لأن، ذلك يؤدي إلى الغفلة واللهو عن القصد. روى الحاكم عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها كانت تقول: عجبا للمرء المسلم إذا دخل الكعبة حين يرفع بصره قبل السقف يدع ذلك إجلالا لله تعالى وإعظاما، دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة ما خلف بصره موضع سجوده حتى خرج منها. ومنها: ألا يزاحم أحدا زحمة شديدة يتأذى بها أو يؤذي بها أحدا. كما ذكره النووي رحمه الله تعالى: ومنها: إن يلزم قلبه الخشوع والخضوع، وعينيه الدموع إن استطاع ذلك، وإلا حاول صورتهما. ومنها: ألا يسأل مخلوقا. قال سفيان بن وعيينة (2) رحمه الله تعالى: دخل هشام بن عبد الملك الكعبة فرأى سالم بن عبد الله بن عمر، فقال: سلني حاجتك. فقال: استحي من الله تعالى أن أسأل في بيته غيره. وأما ما يطلب في الكعبة من الأمور التي صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو: التسبيح والتكبير والتهليل والتحميد والثناء على الله تعالى والدعاء والاستغفار والصلاة. لأحاديث وردت في ذلك يأتي بيانها في غزوة الفتح إن شاء الله تعالى.


(1) أخرجه البخاري 3 / 546 (1600) (1791، 4188، 4255). (2) سفيان بن عيينة بن أبي عمر بن الهلالي مولاهم أبو محمد الأعور الكوفي، أحد أئمة الإسلام. عن عمرو بن دينار والزهري، وزيد بن أسلم وصفوان بن سليم، وخلق كثير. وعنه شعبة ومسعر من شيوخه وابن المبارك من أقرانه وأحمد وإسحاق وابن معين وابن المديني وأمم. قال العجلي: هو أثبتهم في الزهري، كان حديثه نحو سبعة آلاف. وقال ابن عيينة: سمعت من عمرو بن دينار ما لبث نوح في قومه. وقال ابن وهب: ما رأيت أعلم بكتاب الله من ابن عيينة. وقال الشافعي: لولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز. مات سنة ثمان وتسعين ومائة، ومولده سنة سبع. الخلاصة 1 / 397. (*)

[ 174 ]

الباب الخامس في فضل النظر إلى البيت الشريف قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: النظر إلى الكعبة محض الإيمان. وقال حماد بن أبي سلمة رحمه الله تعالى: الناظر إلى الكعبة كالمجتهد في العبادة في غيرها. وقال يونس بن خباب رحمه الله تعالى: النظر إلى الكعبة عبادة فيما سواها من الأرض عبادة الصائم القائم الدائم القانت. وقال مجاهد رحمه الله تعالى: النظر إلى الكعبة عبادة. وقال سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى: من نظر إلى الكعبة إيمانا وتصديقا خرج من الخطايا كيوم ولدته أمه. وقال أبو السائب المدني رحمه الله تعالى: من نظر إلى الكعبة إيمانا وتصديقا تحاتت عنه الذنوب كما يتحات الورق من الشجر. وقال زهير بن محمد رحمه الله تعالى: الجالس في المسجد ينظر إلى البيت لا يطوف به ولا يصلي أفضل من المصلي في بيته لا ينظر إلى البيت. وقال عطاء رحمه الله تعالى: النظر إلى البيت عبادة، والناظر إلى البيت بمنزلة الصائم القائم القانت الدائم المخبت المجاهد في سبيل الله. روى الجميع الأزرقي والجندي.

[ 175 ]

الباب السادس في بعض فضائل الحجر الأسود والمقام روى الترمذي وابن ماجة وابن حبان والحاكم والبيهقي في الدلائل عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة طمس الله تعالى نورهما، ولولا ذلك لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب " (1). وروى الحاكم عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة " (2). وروى البيهقي في الشعب عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن الركن والمقام من يواقيت الجنة، ولولا ما مسهما من خطايا بني آدم لأضاءا ما بين المشرق والمغرب، وما مسهما من ذي عاهة ولا سقيم إلا شفي. وروى الترمذي - وصححه واللفظ له - والإمام أحمد وابن خزيمة عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضا من اللبن فسودته خطايا بني آدم " (3). وروى ابن خزيمة عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الحجر ياقوتة بيضاء من ياقوت الجنة، وإنما سودته خطايا المشركين، يبعث يوم القيامة مثل أحد يشهد لمن استلمه وقبله من أهل الدنيا " (4). لطيفة: قال الإمام بدر الدين أحمد بن محمد الشهير بابن الصاحب رحمه الله تعالى: فإن قلت: ما الحكمة في كون الحجر من ياقوت الجنة دون غيره من جواهرها ؟ قلت: سر غريب نبهت عليه في كتاب " الرموز في كشف أغطية الكنوز " وأنا ضنين بذلك ولكني أبوح (5) هنا بشئ من قشوره، وذلك أن الشمس في الفلك الرابع المتوسط: لو لم يكن وسط الأشياء أحسنها * * ما اختارت الشمس من أفلاكها الوسطا وهي الممدة لما فوقها وما تحتها من الأفلاك، والمعدة في الفلك الرابع من الأنفس وهي الممدة لما فوقها وما تحتها مستقرها النار، وخلق الله تعالى فيها عينا نباعة بحمض معينة على الهضم والتبريد، ومكة في الفلك المتوسط من الدنيا وهو محل النار، وهي الممدة للدنيا، قال الله تعالى:


(1) أخرجه البيهقي 5 / 75، وابن حبان 1004، وذكره السيوطي في الدر المنثور 1 / 119، والمتقي الهندي في الكنز 34740. (2) أخرجه ابن خزيمة (2731). (3) أخرجه الترمذي (877)، وأحمد في المسند 1 / 307، 373. (4) أخرجه ابن خزيمة 4 / 220 (2734) وفي إسناده أبو الجنيد وهو الحسين خالد الضرير قال ابن معين: ليس بثقة. (5) في أ: ألوح. (*)

[ 176 ]

(جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس) أي: قياما لدينهم ودنياهم، وجعل الحجر من ياقوت الجنة الذي لا يبالي بالنار ويحصل منه التبريد المعنوي والحسي: وطالما أصلي الياقوت جمرا غضا * * ثم انطفا الجمر والياقوت ياقوت ثم سر آخر: وهو أنه نقطة الدائرة الياقوتية. ذكر ما قبل في أسوداد الحجر بعد بياضه قال السهيلي - رحمه الله تعالى - بعد أن ذكر شيئا يتعلق بالحجر الأسود: وانتبه من ها هنا إلى الحكمة في أنه سودته خطايا بني آدم دون غيره من أحجار الكعبة وأستارها وذلك أن العهد الذي فيه هو الفطرة التي فطر الناس عليها من توحيد الله تعالى، فكل مولود يولد على تلك الفطرة وعلى ذلك الميثاق، فلولا أن أبويه يهودانه وينصرانه ويمجسانه حتى يسود قلبه بالشرك لما حال عن العهد، فلما صار قلب ابن آدم محلا لذلك العهد والميثاق وصار الحجر محلا لما كتب فيه من ذلك العهد والميثاق فتناسبا، فاسود من الخطايا قلب ابن آدم بعدما كان ولد عليه من ذلك العهد، واسود الحجر الأسود بعد ابيضاضه، وكانت الخطايا سببا في ذلك حكمة من الله تعالى. وروى أبو الشيخ عن جعفر بن محمد رحمه الله تعالى قال: كنت مع أبي محمد بن علي، فقال له رجل: يا أبا جعفر ما بدء خلق هذا الركن ؟ فقال: إن الله - تعالى - لما خلق الخلق قال لبني آدم: ألست بربكم ؟ قالوا: بلى، فأقروا فأجرى نهرا أحلى من العسل وألين من الزبد، ثم أمر القلم فاستمد من ذلك النهر، فكتب إقرارهم وما هو كائن إلى يوم القيامة، ثم ألقم ذلك الكتاب هذا القلم الحجر، فهذا الاستلام الذي يرى إنما هو تبعية على إقرارهم الذي كانوا أقروا به. وروى عبد الرازق في المنصف وأبو الشيخ عن فاطمة بنت حسن - رضي الله تعالى عنها - قالت: لما أخذ الله الميثاق من بني آدم جعله الله - تعالى - في الركن، فمن الوفاء بعهد الله تعالى استلام الحجر. وروى الجندي في فضائل مكة وأبو الحسن القطان في المطولات والحاكم والبيهقي في الشعب عن أبي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه - قال: حججنا مع عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - فلما دخل في الطواف استقبل الحجر فقال: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك ثم قبله (1)، فقال له علي


(1) أخرجه البخاري 3 / 540 كتاب الحج (1597، 1605، 1610) ومسلم 2 / 925، 926 كتاب الحج (251 / 1270) وما ذكر عن علي لم يرد في الصحيحين. (*)

[ 177 ]

- رضي الله تعالى عنه -: إنه يضر وينفع يا أمير المؤمنين. قال: بم ؟ قال: بكتاب الله تعالى. قال وأين ذلك من كتاب الله قال: قال الله عز وجل: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم) إلى قوله: (بلى)، خلق آدم ومسح على ظهره فقررهم بأنه الرب وأنهم العبيد، وأخذ عهودهم ومواثيقهم وكتب ذلك في رق، وكان لهذا الحجر عينان ولسان، فقال له: افتح فاك، ففتح فاه فألقمه ذلك الرق وقال: اشهد لمن وافاك بالموافاة يوم القيامة، وإني أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " يؤتى بالحجر الأسود يوم القيامة وله لسان ذلق يشهد لمن يستلمه بالتوحيد " فهو يا أمير المؤمنين يضر وينفع. فقال عمر: أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا الحسن. تنبيه: قال المحب الطبري رحمه الله تعالى: وقد اعترض بعض الملحدة، فقال: كيف يسود الحجر خطايا أهل الشرك ولا يبيضه توحيد أهل الإيمان ؟. والجواب عنه من ثلاثة أوجه: الأول: ما تضمنه حديث ابن عباس الذي رواه الجندي: أن الله - تعالى - إنما طمس نوره بالسواد ليستر زينة الجنة عن الظلمة وكأنه لما تغيرت صفته التي كانت كالزينة له بالسواد كان ذلك السواد له كالحجاب المانع من الرؤية وإن رئي جرمه، إذ يجوز أن يطلق عليه غير مرئي، كما يطلق على المرأة المستترة بثوب أنها غير مرئية. الثاني: أجاب به ابن حبيب (1) رحمه الله - تعالى - فقال: لو شاء الله - تعالى - لكان ذلك، وما علمت أيها المعترض أن الله - تعالى - أجرى العادة بأن السواد يصبغ ولا يصبغ، والبياض ينصبغ ولا يصبغ. والثالث: وهو منقاس، أن يقال: بقاؤه أسود - والله تعالى أعلم -: إنما كان للاعتبار، وليعلم أن الخطايا إذا أثرت في الحجر فتأثيرها في القلوب أعظم. والله أعلم. شهادة الحجر الأسود يوم القيامة لمن استلمه بحق روى الدارمي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ليبعثن الله الحجر يوم القيامة له عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به، يشهد لمن استلمه بحق " (2).


(1) عبد الملك بن حبيب بن سليمان بن هارون السلمي الإليبري القرطبي، أبو مروان: عالم الأندلس وفقيهها في عصره. أصله من طليطلة، من بني سليم، أو من مواليهم. ولد في إلبيرة، وسكن قرطبة. وزار مصر، ثم عاد إلى الأندلس فتوفي بقرطبة. كان عالما بالتاريخ والأدب، رأسا في فقه المالكية. له تصانيف كثيرة، قيل: تزيد على ألف. منها " حروب الإسلام " و " طبقات الفقهاء والتابعين " و " طبقات المحدثين " و " تفسير موطا مالك " توفي سنة 238 ه‍. الأعلام 4 / 175. (2) أخرجه أحمد 1 / 291، 371، والبيهقي 5 / 75، والطبراني في الكبير 12 / 63، وذكره المتقي الهندي في الكنز 34748، والدارمي 2 / 42. (*)

[ 178 ]

وورد من حديث أنس رواه الحاكم، ومن حديث سلمان رواه الأزرقي، ومن حديث عبد الله بن عمر، ورواه ابن خزيمة والطبراني والبيهقي في الأسماء والصفات. ما جاء في تقبيل النبي صلى الله عليه وسلم الحجر واستلامه له وسجوده عليه قال ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما -: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلم الحجر ويقبله. رواه الشيخان (1). وقال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحجر رواه الترمذي. وقال أيضا: رأيت عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - قبله وسجد عليه، ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك. رواه البيهقي. وقال جابر بن عبد الله - رضي الله تعالى عنهما -: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن مسحهما - يعني الركنين - كفارة للخطايا " (2). رواه الترمذي. وقال عابس - بالباء الموحدة والمهملة - بن ربيعة: رأيت عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - يقبل الحجر، ويقول إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك. رواه الشيخان (3). قال المحب الطبري رحمه الله تعالى: إنما قال ذلك عمر لأن الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام، فخشي عمر أن يظن الجهال أن استلام الحجر من باب تعظيم بعض الأحجار كما كانت العرب تفعل في الجاهلية، فأراد عمر - رضي الله تعالى عنه - أن يعلم الناس أن استلامه اتباع لفعل النبي صلى الله عليه وسلم لا أن الحجر ينفع ويضر بذاته كما كانت الجاهلية تعتقده في الأوثان. ما جاء أن الحجر الأسود يمين الله تعالى في الأرض يصافح به عباده روى الطبراني عن عبد الله بن عمرو بن العاص (4) - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال


(1) أخرجه البخاري 3 / 555 (1611)، ومسلم 2 / 924 (246 / 1268). (2) أخرجه الترمذي 3 / 292 كتاب الحج (959)، والنسائي 5 / 221، والبيهقي 5 / 80. (3) أخرجه البخاري 3 / 540 (1597)، ومسلم (2 / 925 - 926). (4) عبد الله بن عمرو بن العاص السهمي أبو محمد، بينه وبين أبيه إحدى عشرة سنة. له سبعمائة حديث. كان يلوم أباه على القتال في الفتنة بأدب وتؤدة ويقول: ما لي ولصفين، ما لي ولقتال المسلمين لوددت أني مت قبلها بعشرين سنة. قال يحيى بن بكير: مات سنة خمس وستين. وقال الليث: سنة ثمان. الخلاصة 2 / 83. (*)

[ 179 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يأتي الركن يوم القيامة أعظم من أبي قبيس، له لسان وشفتان يشهد لمن استلمه بحق، وهو يمين الله - تعالى - في الأرض، يصافح به خلقه " (1). رجاله رجال الصحيح، إلا عبد الله بن المؤمل، وهو ضعيف. وروى الطبراني وابو عبيد القاسم بن سلام (2) عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الحجر يمين الله تعالى في الأرض " (3). ورواه الأزرقي وأبو طاهر المخلص (4) عنه موقوفا بلفظ: الحجر الأسود يمين الله تعالى في الأرض، فمن لم يدرك بيعة النبي صلى الله عليه وسلم فمسح الحجر فقد بايع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. ورواه الأزرقي أيضا عنه موقوفا بلفظ: الركن يمين الله تعالى في الأرض، يصافح به عباده كما يصافح أحدكم أخاه. وفي لفظ رواه محمد بن أبي عمر العدني والأزرقي أن هذا الركن الأسود يمين الله تعالى في الأرض يصافح بها خلقه، والذي نفس ابن عباس بيده ما من مسلم يسأل الله تعالى عنده شيئا إلا أعطاه إياه (5). قال الحافظ في المطالب العالية: موقوف صحيح الإسناد، زاد تلميذه الحافظ السخاوي في المقاصد الحسنة فقال: وله شواهد، منها ما رواه الديلمي عن أنس مرفوعا: الحجر الأسود يمين الله في الأرض. فمن مسح يده على الحجرفقد بايع الله تعالى ألا بعصيه (6)، ومنها: ما رواه الحارث بن أبي أسامة (7) والخطيب وابن عساكر عن جابر بن عبد


(1) أخرجه الحاكم في المستدرك 1 / 457 وابن الجوزي في العلل 2 / 85. (2) القاسم بن سلام أبو عبيد البغدادي. أحد أئمة الإسلام فقها، ولغة وأدبا، صاحب التصانيف المشهورة والعلوم المذكورة، أخذ العلم عن الشافعي والقرآآت عن الكسائي وغيره. قال الإمام أحمد: أبو عبيد ممن يزداد كل يوم خيرا. توفي بمكة سنة أربع وعشرين ومائتين. الطبقات لابن قاضي شهبة 1 / 67، 68، 69، والأعلام 6 / 10 وابن سعد 7 / 355، وتذكرة الحفاظ 2 / 417، ووفيات الأعيان 3 / 225. (3) أخرجه ابن عدي في الكامل 1 / 336 وذكره العجلوني في كشف الخفا 1 / 417، وعزاه للطبراني في معجمه وأبي عبيد القاسم بن سلام عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. (4) محمد بن عبد الرحمن بن العباس، أبو طاهر، المخلص الذهبي البغدادي: من حفاظ الحديث. كان مسند بغداد في عصره. له " منتقى سبعة أجزاء " في الحديث، لعله " الفوائد المنتقاة الغرائب الحسان " توفي 393 ه‍. الأعلام 6 / 190. (5) انظر كشف الخفا الموضع السابق. (6) أخرجه الخطيب في التاريخ 6 / 328، وابن الجوزي في العلل 2 / 575، وذكره المتقي الهندي في الكنز (34744). (7) الحارث بن محمد بن أبي أسامة داهر الإمام أبو محمد التميمي البغدادي الحافظ صاحب المسند، ومسنده لم يرتبه ولد سنة ست وثمانين ومائة. وثقه إبراهيم الحربي مع علمه بأنه يأخذ الدراهم، وأبو حاتم بن حبان، وقال الدار قطني: صدوق وأما أخذ الدراهم على الرواية فكان فقيرا كثير البنات، وقال أبو الفتح الأزدي وابن حزم: ضعيف عاش سبعا وتسعين سنة. وتوفي يوم عرفة سنة اثنتين وثمانين ومائتين. تذكرة الحفاظ 2 / 619، 620. (*)

[ 180 ]

الله - رضي الله تعالى عنها -. مرفوعا: " الحجر يمين الله في الأرض يصافح بها عباده ". قال الإمام الخطابي رضي الله تعالى عنه: معنى أنه يمين الله في الأرض أن من صافحه: أي الحجر - كان له عند الله عهد، وجرت العادة بأن العهد يعقده الملك بالمصافحة لمن يريد مولاته والاختصاص به، فخاطبهم بما يعهدونه. وقال في النهاية: هذا كلام تمثيل وتخييل، أن الملك إذا صافح رجلا قبل الرجل يده، فكان الحجر الأسود لله بمنزلة اليمين للملك حيث يستلم ويلثم. وقال المحب: الطبري (1): معناه أن كل ملك قدم عليه الوافد قبل يمينه، فلما كان الحاج أول ما يقدم يسن له تقبيله بمنزلة يمين الملك ولله المثل الأعلى.


(1) أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن إبراهيم، شيخ الحرم. محب الدين، أبو العباس الطبري المكي. ولد في جمادي الآخرة سنة خمس عشرة وستمائة. وسمع من جماعة، وتفقه، ودرس، وأفتى، وصنف كتابا كبيرا إلى الغاية في الأحكام في ستة مجلدات، وتعب عليه مدة، ورحل إلى اليمن وأسمعه للسلطان صاحب اليمن. روى عنه الدمياطي وابن العطار وابن الخباز والبرزالي وجماعة. قال الذهبي: الفقيه، الزاهد، المحدث، وكان شيخ الشافعية ومحدث الحجاز. وقال ابن كثير: مصنف الأحكام المسبوطة، أجاد فيها وأفاد، وأكثر وأطنب، وجمع الصحيح والحسن، ولكن ربما أورد الأحاديث الضعيفة ولا ينبه عليه ضعفها. وله كتاب ترتيب جامع المسانيد. توفي في جمادي الآخرة، وقيل في رمضان، وقيل في ذي القعدة سنة أربع وتسعين وستمائة. وحكى البرزالي عن بعض علماء الحجاز أن الشيخ محب الدين توفي في جمادي الآخرة، وولده توفي بعده في ذي القعدة. الطبقات لابن قاضي شهبة 2 / 162، 163، والأعلام 1 / 156، وتذكرة الحفاظ 4 / 1475 والطبقات للأسنوي 312، وشذرات الذهب 5 / 425. (*)

[ 181 ]

الباب السابع في فضائل زمزم اختلفوا لم سميت بذلك ؟ فقيل: لكثرة مائها. قال أبو عبيد البكري يقال ماء زمزم وزمزام: أي كثير. وفي " الموعب " لابن التيان (1): ماء زمزم وزمزام وهو الكثير. وقيل: لتزمزم الماء فيها، وهو حركته. والزمزمة: الصوت يسمع له دوي. وقيل: لاجتماعها. نقل عن ابن هشام. وقال مجاهد رحمه الله تعالى: سميت زمزم، لأنها مشتقة من الهزمة. والهزمة: الغمز بالعقب في الأرض. رواه الفاكهي بسند صحيح. وقيل: لأنها بالميزان لئلا تأخذ يمينا وشمالا. وقال البكري في معجمه: في زمزم لغات: زمزم بفتح أوله وإسكان ثانية وفتح الزاي الثانية، وزمزم بضم أوله وفتح ثانيه وتشديده وكسر الزاي الثانية، وزمزم بضم أوله وفتح ثانيه بلا تشديد وكسر الزاي الثانية. قال أبو ذر رضي الله تعالى عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنها طعام طعم وشفاء سقم " (2). رواه أبو داود الطيالسي (3) والطبراني والبزار، ورجاله رجال الصحيح، ورواه مسلم بدون " وشفاء سقم ". وقال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ماء زمزم لما شرب له ". رجاله موثقون، إلا أنه اختلف في إرساله ووصله، وإرساله أصح كما قاله الحافظ. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم، فيه طعام وشفاء سقم " (4).


(1) تمام بن غالب بن عمر المرسي أديب لغوي، من أهل مرسية بالأندلس. توفي في المرية له كتاب " الموعب " في اللغة، قيل: لم يؤلف مثله اختصارا واكتنازا، و " تلقيح العين " لغة. توفي 36 ه‍. الأعلام 2 / 86. (2) أخرجه مسلم 4 / 1919 كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل أبي ذر رضي الله عنه (132 - 2473)، وأحمد في المسند 5 / 175، والبيهقي في السنن 5 / 147، وابن سعد في الطبقات 4 / 1 / 162، وابن أبي شيبة 14 / 318. (3) سليمان بن داود بن الجارود مولى قريش، أبو داود الطيالسي: من كبار حفاظ الحديث. فارسي الأصل. سكن البصرة وتوفي بها. كان يحدث من حفظه. سمع يقول: أسرد ثلاثين ألف حديث ولا فخرا له " مسند - ط " جمعه بعض الحفاظ الخراسانيين. توفي 204 ه‍. الأعلام 3 / 125. (4) أخرجه الطبراني في الكبير 11 / 98 وذكره الهيثمي في المجمع 3 / 289، ونسبه للبزار والطبراني في الصغير وقال: ورجال البزار رجال الصحيح. (*)

[ 182 ]

رواه الطبراني، ورجاله ثقاة وصححه ابن حبان. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: " كنا نسميها شباعة، يعني زمزم، ونجدها نعم العون على العيال ". رواه الطبراني ورجاله ثقات. وقال أيضا: اشربوا من شراب الأبرار يعني زمزم. رواه الأزرقي. وقال أيضا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يتحف الرجل بتحفة سقاه من ماء زمزم. رواه أبو نعيم في الحلية وصحح الدمياطي (1) إسناده. وقال عباد بن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهم: لما حج معاوية حججنا معه، فلما طاف بالبيت صلى عند المقام ركعتين، ثم مر بزمزم وهو خارج إلى الصفا، فقال: إنزع لي منها دلوا يا غلام، قال: فنزع له منها دلوا، فأتي به. فشرب، وصب على وجهه ورأسه، وهو يقول: زمزم شفاء وهي لما شرب له. قال الفاكهي. قال الحافظ: هذا إسناد حسن مع كونه موقوفا، وهو أحسن من كل إسناد وقفت عليه لهذا الحديث. وروى الإمام أحمد وابن ماجة عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله (2) رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله: " ماء زمزم لما شرب له " (3) ولفظ أحمد " لما شرب منه ".


(1) عبد المؤمن بن خلف الدمياطي، أبو محمد، شرف الدين: حافظ للحديث، من أكابر الشافعية. ولد بدمياط. وتنقل في البلاد، وتوفي فجأة في القاهرة. قال الذهبي: كان مليح الهيأة، حسن الخلق، بساما، فصيحا لغويا مقرئا، جيد العبارة كبير النفس، صحيح الكتب، مفيدا جدا في المذاكرة. وقال المزي: ما رأيت أحفظ منه. من كتبه " معجم " ضمنه أسماء شيوخه وهم نحو ألف وثلاثمائة، في أربعة مجلدات، و " كشف المغطى في تبيين الصلاة الوسطى " و " المتجر الرابح في ثواب العمل الصالح " و " قبائل الخزرج " و " العقد المثمن " توفي سنة 705 ه‍. الأعلام 4 / 169. (2) جابر بن عبد الله بن عمر بن حرام: بمهملة وراء، الأنصاري، ثم السلمي: بفتحتين، صحابي ابن صحابي، غزا تسع عشرة غزوة، ومات بالمدينة، بعد السبعين، وهو ابن أربع وتسعين. التقريب 1 / 122. (3) أخرجه ابن ماجة 2 / 1018 كتاب المناسك (3062). قال السيوطي: هذا الحديث مشهور على الألسنة كثيرا، واختلف الحفاظ فيه، فمنهم من صححه، ومنهم من حسنه، ومنهم من ضعفه والمعتمد الأول. قال في الزوائد 3 / 34: هذا إسناد ضعيف لضعف عبد الله بن المؤمل رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث جابر بن عبد الله ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده عن زيد بن الخباب وسعيد بن زكريا عن عبد الله بن المؤمل به. ورواه أبو يعلى الموصلي من طريق عبد الله بن المؤمل به لكن لم ينفرد ابن ماجة بإخراج هذا المتن فقد رواه الحاكم في المستدرك كذلك من طريق سعيد بن سليمان عن ابن عباس وقال: هذا حديث صحيح الإسناد وكذا رواه الدار قطني في سننه من حديث ابن عباس ولم يضعفه. (*)

[ 183 ]

تنبيهان: الأول: قد صح عن جماعة من الأئمة أنهم جربوا هذا الحديث فوجدوه صحيحا. الثاني: يذكر على بعض الألسنة أن فضيلته ما دام في محله، فإذا نقل تغير. قال في المقاصد الحسنة: وهذا شئ لا أصل له، فقد كتب صلى الله عليه وسلم إلى سهيل بن عمرو " إن جاءك كتابي ليلا فلا تصبحن أو نهارا فلا تمسين حتى تبعث إلى بماء زمزم ". وفيه: أنه بعث له بمزادتين، وكان حينئذ بالمدينة قبل أن تفتح مكة، وهو حديث حسن لشواهده. وروى الترمذي - وحسنه - وابن خزيمة في صحيحه والحاكم والبيهقي عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنها حملت ماء زمزم في القوارير، وقالت: حمله رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأداوي والقرب، وكان يصب منه على المرضى ويسقيهم. وروى الطبراني عن حبيب ابن أبي ثابت (1) قالت: سألت عطاء رحمه الله تعالى عن حمل ماء زمزم، فقال قد حمله رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمله الحسن (2) وحمله الحسين (3)، رضي الله تعالى عنهما (4). فائدة: يجوز نقل ماء زمزم باتفاق الأئمة الأربعة، بل هو مستحب عند الشافعية والمالكية، والفرق عند الشافعية بينه وبين حجارة الحرم في عدم جواز نقلها وجواز نقل ماء زمزم أن الماء ليس شيئا يزول فلا يعود. أشار إلى هذا الفرق الإمام الشافعي (5) كما حكاه عنه البيهقي.


(1) حبيب بن أبي ثابت: قيس، ويقال: هند بن دينار الأسدي، مولاهم، أبو يحيى الكوفي، ثقة فقيه جليل، وكان كثير الإرسال والتدليس، من الثالثة، مات سنة تسع عشرة ومائة. التقريب 1 / 148. (2) الحسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي، سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم، وريحانته، وقد صحبه وحفظ عنه، مات شهيدا بالسم، سنة تسع وأربعين وهو ابن سبع وأربعين، وقيل: بل مات سنة خمسين، وقيل: بعدها، التقريب 1 / 168. (3) الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو عبد الله المدني، سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم، وريحانته، حفظ عنه، استشهد يوم عاشوراء سنة إحدى وستين، وله ست وخمسون سنة. التقريب 1 / 177. (4) ذكره الهيثمي في المجمع 3 / 290 وعزاه للطبراني في الكبير وقال: فيه من لم أعرفه. (5) محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد المطلبي أبو عبد الله الشافعي الإمام العلم. عن مالك وإبراهيم بن سعد وابن عيينة ومحمد بن علي بن شافع وخلق. وعنه أبو بكر الحميدي وأحمد بن حنبل والبويطي وأبو ثور وحرملة وطائفة. حفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، والموطأ وهو ابن عشر سنين. قال الربيع: كان الشافعي يختم القرآن ستين مرة في صلاة رمضان. وقال بحر بن نصر: كنا إذا أردنا أن نبكي قلنا بعضنا لبعض: قوموا بنا إلى هذا الفتى المطلبي يقرأ القرآن، فإذا أتيناه استفتح القران حتى يتساقط الناس من بين يديه ويكثر عجيجهم بالبكاء من حسن صوته. وقال ابن مهدي: كان الشافعي شابا منهما. وقال أحمد: ستة أدعو لهم سحرا أحدهم الشافعي. وقال: إن الشافعي للناس كالشمس للعالم. وقال أبو عبيد: ما رأيت أعقل من الشافعي. انظر الخلاصة 2 / 377. (*)

[ 184 ]

ذكر بعض خواص ماء زمزم غير ما تقدم منها: أنه يبرد الحمى لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك كما في سنن النسائي من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (1). ومنها: أنه يذهب الصداع. قاله الضحاك رحمه الله تعالى. ومنها: أنه لا يرفع ولا يغور إذا رفعت المياه أو غارت قبل يوم القيامة. قاله الضحاك أيضا ومنها: أنه يفضل مياه الأرض كلها طبا وشرعا. قال الشيخ بدر الدين بن الصاحب رحمه الله تعالى: وازنت ماء زمزم بماء عين مكة فوجدت زمزم أثقل من العين بنحو الربع، ثم اعتبرتها بميزان الطب فوجدتها تفضل مياه الأرض كلها طبا وشرعا. بل قال شيخ الإسلام البلقيني رحمه الله تعالى: إنه أفضل من ماء الجنة ولهذا مزيد بيان يأتي في باب شق صدره صلى الله عليه وسلم. ومنها: أنه يحلو ليلة النصف من شعبان ويطيب. ذكر ذلك ابن الحاج في مناسكه، نقلا عن مكي بن أبي طالب (2) ونص كلامه: قال الشيخ مكي بن أبي طالب رحمه الله تعالى: وفي ليلة النصف من شعبان يحلو ماء زمزم ويطيب ماؤها، يقول أهل مكة: إن عين سلوان تتصل بها تلك الليلة، ويبذل على أخذ الماء في تلك الليلة الأموال ويقع الزحام فلا يصل إلى الماء إلا ذو جاه وشرف. قال: وعانيت ذلك ثلاث سنين. انتهى. ومنها: أنه يكثر في ليلة النصف من شعبان كل سنة بحيث أن البئر تفيض بالماء على ما قيل، لكن لا يشاهد ذلك إلا العارفون. وقد شاهد ذلك الشيخ صالح أبو الحسن المعروف بكرباج رحمه الله تعالى. ومنها: أن الاطلاع فيها يجلو البصر. قاله الضحاك. ومنها: أنه يحط الأوزار والخطايا. ذكر ذلك أبو الحسن محمد بن مرزوق الزعفراني الشافعي رحمه الله تعالى في مناسكه. وروى الأزرقي عن مكحول (3) مرسلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " النظر في زمزم عبادة وهي تحط الخطايا ".


(1) أخرجه أحمد في المسند 1 / 291. (2) مكي بن أبي طالب حموش بن محمد بن مختار الأندلسي القيسي، أبو محمد: مقرئ، عالم بالتفسير والعربية. من أهل القيروان. ولد فيها، وطاف في بعض بلاد المشرق، وعاد إلى بلده، وأقرأ بها. ثم سكن قرطبة (سنة 393) وخطب وأقرأ بجامعها وتوفي فيها. له كتب كثيرة، منها " مشكل إعراب القرآن " و " الكشف عن وجوه القرآآت وعللها ". توفي سنة 437 ه‍. الأعلام 7 / 286. (3) مكحول الشامي، أبو عبد الله، ثقة، فقيه كثير الإرسال، مشهور، من الخامسة، مات سنة بضع عشرة ومائة. التقريب 2 / 273. (*)

[ 185 ]

ومنها: أن الله تعالى خصه بالملوحة ليكون الباعث عليها الملح الإيماني، ولو جعله عذبا جدا لغلب الطبع البشري، وبهذا يرد على أبي العلاء المعري (1) قوله: لك الحمد أمواه البلاد بأسرها * * عذاب وخصت بالملوحة زمزم ومنها: أن من حثى على رأسه منها ثلاث حثيات لم تصبه ذلة أبدا. رواه الفاكهي عن بعض ملوك الروم أنه وجد ذلك في كتبهم. ذكر بعض أسماء زمزم قال الفاكهي رحمه الله تعالى: أعطاني أحمد بن محمد بن إبراهيم كتابا ذكر أنه عن أشياخه من أهل مكة فكتبته من كتابه فقالوا: هذه تسمية أسماء زمزم. هي: زمزم وهزمة جبريل، وسقيا إسماعيل، لا تنزف ولا تذم، وبركة، وسيدة، ونافعة، ومضنونة وعونة، وبشرى، وصافية، وبرة، وعصمة، وسالمة، وميمونة، ومباركة، وكافية، وعافية، ومعذبة، وطاهرة، وحرمة، ومروية، ومؤنة، وطعام طعم، وشفاء سقم. انتهى. زاد غيره: طيبة، وتكتم وشباعة العيال، وشراب الأبرار، وقرية النمل، ونقرة الغراب الأعصم، وهزمة إسماعيل، قال البكري: الهزمة تطامن في الأرض، وهزمة الأرض: حفرتها، والهزائم: الآبار. انتهى. وحفرة العباس. ذكر هذا الاسم ياقوت في المشترك. وهمزة جبريل بتقديم الميم على الزاي ذكره السيهلي، وسابق. قلت: وزاد البكري: الشياعة. قال: بتشديد الشين المعجمة وتشديد الياء أخت الواو وبالعين المهملة. هذا نصه ولم يتعرض لحركات الحروف وهي في خط مغلطاي في " الزهرة " بثلاث فتحات. وذكره الزمخشري كذلك في أسماء الأماكن والمياه ثم نقل عن الخارزنجي: شياعة بضم الشين وفتح الياء مخففتين. وركضة جبريل، وحفيرة عبد المطلب ونقل ذلك عن أبي عمر الزاهد رحمه الله تعالى.


(1) أحمد بن عبد الله بن سليمان، التنوخي المعري: شاعر فيلسوف. ولد ومات في معرة النعمان. كان نحيف الجسم، أصيب بالجدري صغيرا فعمي في السنة الرابعة من عمره. وقال الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة. ورحل إلى بغداد سنة 398 ه‍ فأقام بها سنة وسبعة أشهر وهو من بيت علم كبير في بلده. ولما مات وقف على قبره 84 شاعرا يرثونه. وإذا أراد التأليف أملى على كاتبه علي بن عبد الله بن أبي هاشم. وكان يحرم إيلام الحيوان، أما شعره وهو ديوان حكتمه وفلسفته، فثلاثة أقسام: " لزوم ما لا يلزم " ويعرف باللزوميات، و " سقط الزند " و " ضوء السقط " وقد ترجم كثير من شعره إلى غير العربية وأما كتبه فكثيرة. توفي سنة 449 ه‍. الأعلام 1 / 157. (*)

[ 186 ]

وزاد في " الزهر " نقلا عن ابن السيد (1) في المثلث: زمم بفتح الميم الأولى وبضمها مشددة فيهما. وشيعة بفتح الشين المعجمة وسكون المثناة وفتح العين المهملة. وحفيرة عبد المطلب وزاد ابن خالويه (2) في كتاب " ليس ": مكنونة بنونين. ومكتومة بمثناة فوقية وميم. والله تعالى أعلم.


(1) علي بن عبد الله بن أحمد الحسني الشافعي، نور الدين أبو الحسن: مؤرخ المدينة المنورة ومفتيها. ولد في سمهود بصعيد مصر ونشأ في القاهرة. واستوطن المدينة سنة 873 ه‍، وتوفي بها. من كتبه " وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى "، و " خلاصة الوفا " و " جواهر العقدين " في فضل العلم والنسب، و " الفتاوي " مجموع فتاواه، و " الغماز على اللماز " توفي سنة 911 ه‍. الأعلام 4 / 307. (2) الحسين بن أحمد بن خالويه، أبو عبد الله: لغوي، من كبار النحاة. أصله من همذان. زار اليمن وأقام بذمار، مدة، وانتقل إلى الشام فاستوطن حلب. وعظمت بها شهرته، فأحله بنو حمدان منزلة رفيعة. وكانت له مع المتنبي مجالس ومباحث عند سيف الدولة. وعهد إليه سيف الدولة بتأديب أولاده. وتوفي في حلب. من كتبه " شرح مقصورة ابن دريد " و " مختصر في شواذ القرآن " و " إعراب ثلاثين سورة من القرآن العزيز ". توفي سنة 370 ه‍. الأعلام 2 / 231. (*)

[ 187 ]

الباب الثامن في تجديد حفر زمزم على يد عبد المطلب بن هاشم قال السهيلي: وكانت زمزم كما تقدم سقيا إسماعيل صلى الله عليه وسلم فحفرها له روح القدس بعقبه. وفي تحفيره إياها بالعقب دون أن يحفرها باليد أو غيره: إشارة إلى أنها لعقبه وراثة وهو محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، كما قال تعالى: (وجعلها كلمة باقية في عقبه) أي في أمة محمد صلى الله عليه وسلم. انتهى. ولم يزل ماء زمزم ظاهرا ينتفع به سكان مكة. ولما توفي الله سبحانه وتعالى إسماعيل بن إبراهيم صلى الله عليه وسلم ولي البيت بعده ابنه نابت بن إسماعيل ما شاء الله تعالى أن يليه، ثم ولي البيت مضاض بن عمرو الجرهمي وبنو إسماعيل وبنو نابت مع جدهم مضاض وأخوالهم من جرهم. ثم نشر الله تعالى ولد إسماعيل بمكة، وأخوالهم من جرهم ولاة البيت والحكام بمكة لا ينازعهم ولد إسماعيل في ذلك لخؤولتهم وقرابتهم، وإعظاما للحرمة أن يكون بها بغي أو قتال. ثم إن جرهما بغوا بمكة واستحلوا حلالا من الحرم، فظلموا من دخلها من غير أهلها وأكلوا مال الكعبة الذي يهدى لها فرق أمرهم، فلما رأت بنو بكر بن عبد مناة من كنانة وغبشان من خزاعة ذلك أجمعوا لحربهم وإخراجهم من مكة، فأذنوهم، أي أعلموهم، بالحرب، فاقتتلوا، فغلبهم بنو بكر وغبشان فنفوهم من مكة، وكانت مكة في الجاهلية لا تقر فيها ظلما ولا بغيا، ولا يبغي فيها أحد إلا أخرجته، ولا يريدها ملك يستحل حرمتها إلا أهلكته مكانه. فخرج عمرو بن الحارث بن مضاض بغزالي الكعبة وبحجر الركن، فدفن الغزالين في زمزم وردمها، ومرت عليها السنون عصرا بعد عصر إلى أن صار موضعها لا يعرف حتى بوأها الله تعالى لعبد المطلب. وانطلق عمرو بن الحارث بن مضاض ومن معه من جرهم إلى اليمن. حفر عبد المطلب وروى قصة حفر عبد المطلب لزمزم ابن إسحاق عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، والبيهقي عن الزهري: أن عبد المطلب بينا هو نائم في الحجر أتي فقيل له: أحفر برة. قال: وما برة ؟ فذهب عنه، حتى إذا كان الغد فنام في مضجعه ذلك فأتي فقيل: له: احفر المضنونة. قال: وما المضنونة ؟ فذهب عنه، حتى إذا كان الغد فنام في مضجعه ذلك فقيل له:

[ 188 ]

احفر ظبية. قال: وما ظبية ؟ فذهب عنه فلما كان من الغد عاد إلى مضجعه فنام فيه فأتي فقيل له: احفر زمزم. قال: وما زمزم ؟ قال: لا تنزف ولا تذم تسقي الحجيج الأعظم. ثم ادع بالماء الروى غير الكدر * * تسقي حجيج الله في كل مبر (1) ليس يخاف منه شئ ما عمر فخرج عبد المطلب حين قيل له ذلك إلى قريش فقال: تعلموا أني قد أمرت بحفر زمزم. فقالوا: فهل بين لك أين هي ؟ قال: لا. قالوا: فارجع إلى مضجعك الذي رأيت فيه ما رأيت، فإن يك حقا من الله يبين لك، وإن يك من الشيطان فلن يعود إليك. فرجع عبد المطلب إلى مضجعه فنام فيه وقال " اللهم بين لي. فأرى في المنام: احفرتكتم. وفي لفظ: فقيل له: احفر زمزم إن حفرتها لم تذم، وهي تراث من أبيك الأعظم، لا تنزف ولا تذم، تسقي الحجيج الأعظم، مثل نعام جافل لم يقسم، ينفذ فيها ناذر لمغنم، تكون ميراثا وعقدا محكم، ليست كبعض ما قد تعلم. فقال: وأين هي ؟ فقيل له: بين الفرث والدم، في مبحث الغراب الأعصم، في قرية النمل. فقام عبد المطلب فمشى حتى جلس في المسجد الحرام ينتظر ما سمي له من الآيات، فنحرت بقرة بالحزورة فانفلتت من جازرها بحشاشة نفسها حتى غلبها الموت في المسجد في موضع زمزم بين الوثنين إساف ونائلة فنحرت تلك البقرة في مكانها حتى احتمل لحمها، فأقبل غراب يهوي حتى وقع في الفرث، فبحث عن قرية النمل. فقام عبد المطلب فحفر هنالك ومعه ابنه الحارث وليس له يومئذ ولد غيره، فجاءته قريش فقالت له: ما هذا الصنيع ؟ قال: أمرت بحفر زمزم، فلما كشف عنه وبصروا بالطي كبر، فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته، فقاموا إليه فقالوا: يا عبد المطلب إنها بئر أبينا إسماعيل وإن لنا فيها حقا فأشركنا معك فيها. قال: ما أنا بفاعل، إن هذا الأمر خصصت به دونكم. قالوا: تحاكمنا ؟ قال: نعم. قالوا: بيننا وبينك كاهنة بني سعد بن هذيم، وكانت بأشراف الشام. فركب عبد المطلب في نفر من بني أمية وركب من كل بطن من أفناء قريش نفر، وكانت الأرض مفاوز فيما بين الشام والحجاز، حتى إذا كانوا بمفازة من تلك البلاد فني ما عند عبد المطلب وأصحابه من الماء حتى أيقنوا بالهلكة، ثم استسقوا القوم قالوا: ما نستطيع أن نسقيكم، وإنا نخاف مثل الذي أصابكم. فقال عبد المطلب لأصحابه: ماذا ترون ؟ قالوا: ما رأينا إلا تبع لرأيك. قال: فإني أرى أن يحفر كل رجل منكم حفرته، وكلما مات رجل منكم دفعه أصحابه في حفرته حتى يكون آخركم يدفعه صاحبه، فضيعة رجل أهون من ضيعة


(1) الأبيات في البداية والنهاية 2 / 243، والسيرة النبوية في الروض الأنف 1 / 168. (*)

[ 189 ]

جميعكم. ففعلوا. ثقال: والله إن إلقاءنا للموت بأيدينا لا نضرب في الأرض ونبتغي لعل الله تعالى يسقينا لعجز. فقال لأصحابه: ارتحلوا. فارتحلوا وارتحل، فلما جلس على ناقته فانبعثت به انفجرت عين من تحت خفها بماء عذب، فكبر عبد المطلب، وكبر أصحابه ثم نزل فشرب وشرب أصحابه وآستقوا وأسقوا، ثم دعا القبائل من قريش فقال: هلموا إلى الماء فقد سقانا الله تعالى. فجاؤوا وآستقوا وأسقوا، قالوا: عبد المطلب قد والله قضي لك علينا، لا نخاصمك في زمزم أبدا إن الذي أسقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشدا. ولم يصلوا إلى الكاهنة وخلوا بينه وبينها. فلما رجع عبد المطلب أكمل حفر زمزم وجعل عليها حوضا يملأه ويشرب الحاج منه، فيكسره أناس من حسدة قريش بالليل فيصلحه عبد المطلب، فلما أكثروا إفساده دعا عبد المطلب ربه، فأري في المنام فقيل له: قل: اللهم إني لا أحلها لمغتسل، ولكن هي لشارب حل وبل. ثم كفيتهم. فقام عبد المطلب فنادى بالذي أري، ثم انصرف فلم يكن يفسد حوضه عليه أحد إلا رمي في جسده بداء حتى تركوا حوضه وسقايته. وذكر ابن إسحاق - رحمه الله تعالى - أن عبد المطلب وجد في زمزم غزالين من ذهب وهما الغزالان اللذان دفنتهما جرهم حين خرجت، ووجد فيها أسيافا قلعية وأدرعا. فقالت له قريش: يا عبد المطلب لنا معك في هذا شرك وحق. قال: لا، ولكن هلموا إلى أمر نصف بيني وبينكم، نضرب عليها بالقداح. قالوا: وكيف نصنع ؟ قال: إجعل للكعبة قدحين، ولي قدحين، ولكم قدحين، فمن خرج قدحاه على شئ كان له، ومن تخلف قدحاه فلا شئ له. قالوا: أنصفت. فجعل قدحين أصفرين للكعبة وقدحين أسودين لعبد المطلب وقدحين ابيضين لقريش. ثم أعطوا صاحب القداح الذي يضرب بها عند هبل، وهبل صنم في جوف الكعبة، وقام عبد المطلب يدعو وصاحب القداح يضرب القداح، فخرج الأصفران على الغزالين، وخرج الأسودان على الأسياف والأدرع، وتخلف قدحا قريش. فضرب عبد المطلب الأسياف بابا للكعبة وضرب في الباب الغزالين من ذهب، فكان أول ذهب حليته الكعبة. قال ابن إسحاق - رحمه الله تعالى -: فلما حفر عبد المطلب زمزم ودله الله تعالى عليها وخصه الله بها زاده الله بها شرفا وخطرا في قومه، وعطلت كل سقاية كانت بمكة حين ظهرت وأقبل الناس عليها التماس بركتها ومعرفة فضلها، لمكانها من البيت وأنها سقاية الله عز وجل لإسماعيل صلى الله عليه وسلم. فوائد الأولى: قال السهيلي - رحمه الله تعالى: الأسياف والغزلان، كان ساسان ملك الفرس

[ 190 ]

أهداها للكعبة، وقيل سابور. وكانت الأوائل من ملوك الفرس تحجها إلى ساسان أو سابور. الثانية: قال السهيلي أيضا: دل عبد المطلب على زمزم بعلامات ثلاث: بنقرة الغراب الأعصم، وأنها بين الفرث والدم، وعند قرية النمل، ولم يخص هذه العلامات الثلاث إلا بحكمة إلهية وفائدة مشاكلة لطيفة في علم التعبير والتوسم الصادق لمعنى زمزم ومائها. أما الفرث والدم: فإن ماءها طعام طعم وشفاء سقم. وهي لما شربت له، وقد تقوت من مائها أبو ذر - رضي الله تعالى عنه - ثلاثين ما بين ليلة ويوم فسمن حتى تكسرت عكن بطنه، فهي إذا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في اللبن: " إذا شرب أحدكم اللبن فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه فإنه ليس شئ يسد مسد الطعام والشراب إلا اللبن " وقد قال الله تعالى: " (من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين) فظهرت هذه السقيا المباركة بين الفرث والدم، وكانت تلك من دلائلها المشاكلة لمعناها. وأما الغراب: فهو في التأويل فاسق، وهو أسود، فذلت تقرته عند الكعبة على نقرة الأسود الحبشي بمعوله في أساس الكعبة بهدمها آخر الزمان، فكأن نقرة الغراب في ذلك المكان تؤذن بما يفعله الفاسق في آخر الزمان بقبلة الرحمن وسقيا اهل الإيمان، وذلك عندما يرفع القرآن. وتحيا عبادة الأوثان. وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليخربن الكعبة ذو السويقتين من الحبشة " (1) وفيه أيضا من صفته أنه أفحج، وهذا ينظر إلى كون الغراب أعصم، إذ الفحج: تباعد في الرجلين، كما أن العصم اختلاف فيهما، والاختلاف تباعد، وقد عرف بذي السويقتين، كما نعت الغراب بصفة في ساقيه. فتأمله. وهذا من خفي علم التعبير، لأنها كانت رؤيا. وأما قرية النمل ففيها من المشاكلة أيضا والمناسبة: أن زمزم عين مكة التي يردها الحجيج والعمار من كل جانب، فيحملون لها البر والشعير وغير ذلك، وهي لا تزرع ولا تحرث، كما قال سبحانه وتعالى خبرا عن إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام: (ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع) الآية. وقرية النمل كذلك، لأن النمل لا تحرث ولا تزرع وتجلب الحبوب إلى قريتها من كل جانب، ومكة كذلك، كما قال تعالى: (وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان) مع أن لفظ قرية النمل مأخوذ من قريت الماء في الحوض إذا جمعته، والرؤيا تعبر على اللفظ تارة وعلى المعنى أخرى، فقد اجتمع اللفظ والمعنى في هذا التأويل. والله تعالى أعلم.


(1) أخرجه البخاري 3 / 531 كتاب الحج (1591)، ومسلم 4 / 2232 كتاب الفتن (57 - 2909). (*)

[ 191 ]

الثالثة: ذكر الزمخشري (1) - رحمه الله تعالى - في ربيع الأبرار أن جبريل صلى الله عليه وسلم أنبط ماء زمزم مرتين: مرة لآدم صلى الله عليه وسلم حتى انقطعت زمن الطوفان، ومرة لإسماعيل. وفي الزهر: ويعضد ما قاله قول خويلد بن أسد بن عبد العزى في عبد المطلب: أقول وما قولي عليهم بسبة * * إليك ابن سلمى أنت حافر زمزم ركية إبراهيم يوم ابن هاجر * * وركضة جبريل على عهد آدم الرابعة: في شرح غريب ما تقدم: روح القدس بضم القاف والدال، وسكون الدال: المطهر، والمراد به جبريل صلى الله عليه وسلم، لأنه خلق من طهارة، فالإضافة بيانية. العقب (2): ما فضل من مؤخر الرجل عن الساق، والمراد به في الآية الولد. وولد الولد. نابت: بنون ومثناة فوقية. مضاض بميم مكسورة وحكى ضمها وضادين معجمتين. جرهم: بضم الجيم وسكون الراء وضم الهاء. نشر الله ولد إسماعيل: أي كثرهم. رق أمرهم: أي ساءت حالهم. برة بفتح الباء الموحدة وتشديد الراء المهملة، سميت بذلك لكثرة منافعها وسعة مائها المضنونة: قال وهب بن منبه - رحمه الله تعالى -: سميت بذلك لأنها ضن بها على غير المؤمنين، فلا يتضلع منها منافق. روى البخاري في التاريخ وابن ماجة والطبراني والحاكم والبيهقي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم " (3). له طرق وهو بمجموعها حسن.


(1) محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشري، جار الله، أبو القاسم: من أئمة العلم بالدين والتفسير واللغة والآداب. ولد في زمخشر (من قرى خوارزم) وسافر إلى مكة فجاور بها زمنا فلقب بجار الله. وتنقل في البلدان، ثم عاد إلى الجرجانية (من قرى خوارزم) فتوفي فيها. أشهر كتبه " الكشاف " في تفسير القرآن، و " أساس البلاغة " و " المفصل " ومن كتبه " المقامات " و " الجبال والأمكنة والمياه " و " المقدمة " معجم عربي فارسي، مجلدان، و " مقدمة الأدب " في اللغة، والفائق " في غريب الحديث، و " المستقصى " في الأمثال، مجلدان، وكان معتزلي المذهب، مجاهرا، شديد الإنكار على المتصوفة، أكثر من التشنيع عليهم في الكشاف وغيره. توفي سنة 538 ه‍. الأعلام 7 / 178. (2) انظر المفردات في غريب القرآن (340). (3) أخرجه البيهقي 5 / 147 والحاكم في المستدرك 1 / 472، والبخاري في التاريخ 1 / 158، والدار قطني 2 / 288، والطبراني في الكبير 11 / 124. (*)

[ 192 ]

وروى الأزرقي عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " التضلع من ماء زمزم براءة من النفاق " (1). وقيل سميت بذلك لأنه قيل لعبد المطلب: احفر المضنونة، ضنت بها على الناس إلا عليك. ظبية: بظاء معجمة فباء فمثناة تحتية، سميت بذلك تشبيها بالظبية وهي الخريطة لجمعها ما فيها. قاله في النهاية تبعا لأبي موسى المديني: والذي جرى عليه السهيلي والخشني: أنها بطاء مهملة فمثناة تحتية، فباء، قال الخشني: من الطيب. وقال السهيلي: لأنها للطيبين والطيبات. تكتم بمثناتين فوقيتين تبنى للمفعول. لا تنزف: أي لا يفرغ ماؤها ولا يلحق قعرها. قال السهيلي - رحمه الله تعالى - وهذا برهان عظيم، لأنها لم تنزف من ذلك الحين إلى اليوم قط، وقد وقع فيها حبشي فنزحت من أجله فوجد ماؤها يفور من ثلاثة أعين اقواها وأكثرها ماء عين من ناحية الحجر الأسود. ولا تذم: قال الخشني: أي لا توجد قليلة الماء يقال أذممت البئر إذا وجدتها ذمة أي قليلة الماء. زاد السهيلي: وليس معناه على ما يبدو من ظاهر اللفظ من أنها لا يذمها أحد، ولو كان من الذم لكان ماؤها أعذب المياه ولتضلع كل من شرب منه، وقد تقدم أنه لا يتضلع منها منافق، فماؤها إذا مذموم عندهم. وفي النهاية: لا تذم أي لا تعاب أو لا تلفى مذمومة، من قولك: أدممته إذا وجدته مذموما. وقيل: لا يوجد ماؤها قليلا من قولهم: بئر ذمة إذا كانت قليلة الماء. الفرث: ما يكون في كرش ذي الكرش. الأعصم من الغربان: الذي في ساقيه بياض. قاله الخشني - رحمه الله تعالى -. قرية النمل: الموضع الذي يجتمع فيه. الروى: يقال: ماء روى بالكسر والقصر ورواء بالفتح والمد: أي عذب. ما عمر: بفتح العين المهملة أي ما عمر هذا الماء فإنه لا يؤذي ولا يخاف منه ما يخاف من سائد المياه إذا أفرط في شربها بل هو بركة على كل حال. نعام جافل: لم يقسم الجافل: من جفلت الغنم إذا انفلتت بجملتها، ولم يقسم: أي لم يتوزع ولم يتفرق، وعلى هذا يجوز أن يحمل قوله: لا تذم أي لا تذم عاقبة شربها. وهذا تأويل سائغ إلى ما قدمناه من التأويل، وكلاهما صحيح في صفتها. وفي كل مبر: مفعل من البر، يريد في مناسك الحج ومواضع الطاعة. الحزورة بفتح


(1) ذكره العجلوني في كشف الخفا 1 / 364 وعزاه لابن ماجة عن ابن عباس رضي الله عنهما ورواه أبو نعيم عن عبد الله بن ثعلبة الحنثي من كلامه، وذكره في الكنز (34778) والسيوطي في الدر المنثور 3 / 221. (*)

[ 193 ]

الحاء المهملة ثم زاي ساكنة فواو فراء فهاء بوزن قسورة. قال الإمام الشافعي - رضي الله تعالى عنه -: الناس يشدونه وهو مخفف. وقال الدار قطني: التشديد تصحيف وإنما هو بالتخفيف. موضع بمكة داخل المسجد. الحشاشة (1) بقية الروح إساف: بكسر الهمزة وفتح المهملة المخففة. نائلة بنون وبعد الألف مثناة تحتية. الطئ: قال ابن هشام: ويقال: الطوى: وكل واحد. قال الخشني: وليس بظاهر، لأن الطي للحجارة التي يطوى أي يبنى بها البئر سميت بالمصدر، والطوى هو البئر نفسها. كاهنة بني سعد بن هذيم: كذا روي، ورواه ابن سراج: سعد هذيم. بإسقاط ابن. قال الخشني: وهو الصواب لأن هذيما لم يكن أباه وإنما كفله بعد أبيه فأضيف إليه. أشراف الشام بالفاء أخت القاف: وهو ما ارتفع من الأرض، واحدة شرف. تقول قعدت على شرف من الأرض أي على مكان مرتفع، من أفناء قريش. الأفناء جمع فنو كأحمال وحمل، أي أخلاطهم. المفاوز: القفار واحدها مفازة، وفي اشتقاق اسمها ثلاثة أقوال: فقيل لأن راكبها إذا قطعها فقد فاز: وقيل: معناها: مهلكة، يقال: فاز الرجل، وفوز مشددا، وفاد بالدال المهملة: إذا هلك. وقيل سميت مفازة على جهة التفاؤل. ظمئوا: عطشوا. ضيعة رجل: هو في الأصل المرة من الضياع. نضرب في الأرض: نسافر. انبعث به راحلته: قامت من بروكها. حل بكسر الحاء: الحلال ضد الحرام وبل بكسر الباء الموحدة: المباح. وقيل: الشفاء من قولهم: بل من مرضه وأبل. وبعضهم يجعله إتباعا لحل. قال في النهاية: ويمنع من جواز الإتباع الواو. أسيافا قليعة: منسوبة إلى بلد بالهند من جهة الصين. والقلعة بفتح اللام وسكونها: الموضع المرتفع. النصف بكسر النون وسكون الصاد المهملة وبفتحها: النصفة بفتحات، وهو الاسم من الإنصاف. القداح: جمع قدح بكسر القاف فيهما، وهو السهم الذي كانوا يستقسمون به. هبل: بضم الهاء وفتح الباء. الخطر: بفتح الخاء المعجمة والطاء المهملة. قال في المصباح: خطر الرجل يخطر خطرا، وزان شرفا إذا ارتفع قدره ومنزلته فهو خطير.


(1) والحشاشة: روح القلب ورمق حياة النفس قال: وما المرء ما دامت حشاشة نفسه * * بمدرك أطراف الخطوب ولا آل اللسان 2 / 886. (*)

[ 194 ]

الباب التاسع في بعض أسماء البلد الشريف والحرم المنيف قال الإمام النووي - رحمه الله تعالى -: ولا يرى في البلاد بلدة أكثر أسماء من مكة والمدينة، لكونهما أشرف الأرض. انتهى. الباسة: بالباء الموحدة والسين المهملة. قال مجاهد - رحمه الله تعالى -: سميت بذلك، لأنها تبس من الحد فيها أي تهلكه وتحطمه. برة: نقله الزركشي عن ابن خليل - رحمهما الله تعالى -. بساق: ذكره ابن رشيق (1) - رحمه الله تعالى - في " العمدة ". قال في شفاء الغرام: وهو بباء موحدة فسين مهملة فألف فقاف. انتهى. وفي الصحاح: بسق فلان على أصحابه أي علاهم. وفي القاموس: أنه كغراب: جبل بعرفات وواد في الحجاز. وفي المشترك لياقوت وربما قالوه بالصاد جبل بعرفات، فيه واد بين المدينة والحجاز وعقبة بين التيه وأيلة. بكة بالباء. قال: أبو عبيد البكري: وهي مكة تبدل الميم من الباء قال تعالى: (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة) وقال: (ببطن مكة) وقال عطية: بكة موضع البيت، ومكة ما حواليه. وهو قول إبراهيم النخعي. وقال عكرمة: بكة: ما ولي البيت. ومكة ما وراء ذلك. وقال القتبي: قال أبو عبيدة: بكة بالباء، اسم لبطن مكة. قال البكري: والذي عليه أهل اللغة أن مكة وبكة شئ واحد، كما يقال سبد رأسه وسمده، وضربة لازم ولازب. قال: وقيل بل هما اسمان لمعنيين واقعان على شئ واحد، فاشتقاق مكة لقلة مائها وذكر ما سيأتي في مكة. ثم قال، قالوا: وسميت بكة لأن الناس يتباكون فيها أي يزدحمون. انتهى. زاد الزركشي في الإعلام، والفاسي (2) في شفاء الغرام: وقيل: لأنها تبك أعناق الجبابرة إذا ألحدوا فيها، أي تدقها. والبك: الدق. ولفظ الزركشي: أي تكسرهم فيذلون بها


(1) الحسن بن رشيق القيرواني، أبو علي: أديب، نقاد، باحث. وكان أبوه من موالي الأزد. ولد في المسيلة (بالمغرب) وتعلم الصياغة، ثم مال إلى الأدب وقال الشعر، فرحل إلى القيروان سنة 406 ومدح ملكها، واشتهر فيها. وحدثت فتنة فانتقل إلى جزيرة صقلية، وأقام بمازر إحدى مدنها، إلى أن توفى. من كتبه " العمدة في صناعة الشعر ونقده " و " قراضة الذهب - ط " في النقد، و " الشذوذ في اللغة ". توفي سنة 463 ه‍. الأعلام 2 / 191. (2) محمد بن أحمد بن علي، تقي الدين، أبو الطيب المكي الحسني: مؤرخ، عالم بالأصوال، حافظ للحديث. أصله من فاس، ومولده ووفاته بمكة. دخل اليمن والشام ومصر مرارا. وولي قضاء المالكية بمكة مدة. وكان أعشى يملي تصانيفه على من يكتب له، ثم عمي سنة 828 قال المقريزي: كان بحر علم لم يخلف بالحجاز بعده مثله. من كتبه " العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين " و " شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام " وغير ذلك، واشترط في وقف كتبه ألا تعار لمكي، فسرق أكثرها وضاع. توفي 382 ه‍. الأعلام 5 / 331. (*)

[ 195 ]

ويخضعون. وقيل: إنها تضع من نخوة المتكبرين فيها. قاله - الترمذي - رحمه الله تعالى. البلد: قال الله تعالى: (لا أقسم بهذا البلد) وروى ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: (لا أقسم بهذا البلد) قال: مكة. (وأنت حل بهذا البلد) يعني النبي صلى الله عليه وسلم، أحل الله تعالى له يوم دخول مكة أن يقتل من شاء ويستحبي من شاء. بلد الله تعالى: لاختياره لها على غيرها. البلدة. قال تعالى: (بلدة طيبة ورب غفور) قال ياقوت في " المشترك ": هي مكة. وقال تعالى: (إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة) قال الواحدي (1) في الوسيط وابن برجان (2) في تفسيره: هي مكة. وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: هي مكة. وروى عبد بن حميد عن قتادة مثله. وروى ابن المنذر عن ابن جريج قال: زعم الناس أنها مكة. البلد الحرام: لحرمة مكة (3). وسيأتي لهذا مزيد بيان في حجة الوداع. البلد الأمين: لتحريم القتال فيه، قال تعالى: (وهذا البلد الأمين) قال خزيمة بن ثابت (4)، وليس بالأنصاري: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فقال: " مكة ". رواه الطبراني في الأوسط. وبه قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما. رواه أيضا ابن جرير، وابن أبي حاتم. ولا خلاف في ذلك بين المفسرين. الثنية: ذكره الزركشي. وقال في شفاء الغرام: هذه عن ياقوت. انتهى. والذي ذكره ياقوت في المشترك بعد أن ذكر الكلام على الثنية: فالأول: الثنية البيضاء،


(1) علي بن أحمد بن محمد، أبو الحسن الواحدي. كان فقيها إماما في النحو واللغة وغيرهما، شاعرا، وأما التفسير فهو إمام عصره فيه. أخذ التفسير عن أبي إسحاق الثعلبي، واللغة عن أبي الفضل العروضي صاحب أبي منصور الأزهري والنحو عن أبي الحسن القهندري الضرير، صنف " البسيط " و " الوسيط " و " الوجيز " و " أسباب النزول " وكتاب نفي التحريف عن القرآن الشريف، وكتاب الدعوات، وكتاب التنجيز في شرح أسماء الله الحسنى، وكتاب تفسير أسماء النبي صلى الله عليه وسلم وكتاب " المغازي " وكتاب الإغراب في الإعراب، وشرح ديوان المتنبي. وأصله من ساوه. من أولاد التجار، وولد بنيسابور، ومات بها بعد مرض طويل في جمادي الآخرة سنة ثمان وستين وأربعمائة. الطبقات لابن قاضي شهبة 1 / 256، 257، والأعلام 5 / 59، ووفيات الأعيان 2 / 464، وبغية الوعاة 327. (2) هو عبد السلام بن عبد الرحمن بن محمد اللخمي الإشبيلي، أبو الحكم: متصوف، من مشاهير الصالحين. له كتاب في " تفسير القرآن " أكثر كلامه فيه على طريق الصوفية لم يكمله، و " شرح أسماء الله الحسنى " توفي بمراكش سنة 536 ه‍. الأعلام 4 / 6. (3) في أ: لحرم مكة. (4) خزيمة بن ثابت بن الفاكة بن ثعلبة بن ساعدة بن عمار الأنصاري الخطمي ذو الشهادتين، شهد بدرا وأحدا، له ثمانية وثلاثون حديثا. تفرد له (م) بحديث. روى عنه ابنه عمارة وإبراهيم بن سعد بن أبي وقاص. قتل مع علي بصفين. الخلاصة 1 / 289. (*)

[ 196 ]

وهي عقبة تهبطك إلى فخ بالخاء المعجمة وأنت مقبل إلى المدينة، تريد أسفل من مكة قبل ذي طوى، ولم يذكر أن مكة نفسها اسمها الثنية. فالله تعالى أعلم. الحاطمة: ذكره الأزرقي والنووي وغيرهما، لحطمها الملحدين. الحرم: بحاء وراء مهملتين ذكره سليمان بن خليل في مناسكه. الحرمة بالضم. الحرمة بالكسر. ذكرهما عديس في الباهر. الرأس: قال النووي: لأنه أشرف الأرض كرأس الإنسان. وأنشد كراع (1): وفي الرأس آيات لمن كان ذا حجى * * وفي مدين العليا وفي موضع الحجر الرباح: براء مكسورة فمثناه فوقية فألف فجيم. ذكره المحب الطبري، وقال الزركشي المعروف أن الرتاج: الباب. قال الخليل: وربما أريد به الكعبة. ومنه الحديث: " جعل ماله في رتاج الكعبة " أي لها، فكنى عنها بالباب، لأن منه يدخل إليها. سبوحة: ذكره في شفاء الغرام. وقال في الصحاح: وهي بفتح السين مخففة: البلد الحرام. ويقال: واد بعرفات. وذكرها الفارابي (2) في فعولة بفتح الفاء وضم العين. سلام: بالكسر بلا تنوين ذكره في شفاء الغرام. السبل. ذكره صاحب القاموس (3) في التحبير. صلاح: بفتح الصاد وكسر الحاء المهملة بلا تنوين. قال النووي: سميت بذلك لأمنها. زاد الزركشي في الإعلام: ولأن فيها صلاح الخلق، أو لأنها تعمل فيها الأعمال الصالحة. صلاح: منونة. طيبة: بالتشديد لطيبها. العذراء: لأنها لم تنل بمكروه.


(1) علي بن الحسن الهنائي الأزدي أبو الحسن عالم بالعربية مصري لقب " كراع النمل " لقصره أو لدمامته. له كتب منها " المنضدة " في اللغة توفي بعد 309 ه‍. الأعلام 4 / 272. (2) إسحاق بن إبراهيم بن الحسين الفارابي، أبو إبراهيم، أديب، غزير مادة العلم، من أهل فاراب (وراء نهر سيحون) وهو خال الجوهري صاحب الصحاح. انتقل إلى اليمن، وأقام في زبيد، وصنف كتابا سماه " ديوان الأدب " عرفه بقوله: وهو ميزان اللغة ومعيار الكلام. وهو غير الفارابي الحكيم. توفي سنة 350 ه‍. الأعلام 1 / 293. (3) محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم بن عمر، أبو طاهر، مجد الدين الشيرازي الفيروزآبادي: من أئمة اللغة والأدب. ولد بكارزين (بكسر الراء وتفتح) من أعمال شيراز. وانتقل إلى العراق، وجال في مصر والشام، ودخل بلاد الروم والهند. ورحل إلى زبيد (سنة 796 ه‍) فأكرمه ملكها الأشرف إسماعيل وقرأ عليه، فسكنها وولي قضاءها. وانتشر اسمه في الآفاق، حتى كان مرجع عصره في اللغة والحديث والتفسير، وتوفي في زبيد. أشهر كتبه " القاموس المحيط " و " المغانم المطابة في معالم طابة " و " تنوير المقباس في تفسير ابن عباس " وله " بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز " و " نزهة الأذهان في تاريخ أصبهان " توفي سنة 817 ه‍. الأعلام 7 / 146. (*)

[ 197 ]

العرش، بوزن بدر. قاله كراع - رحمه الله تعالى - وبضمتين. قاله البكري. العريش: بزيادة مثناة تحتية ذكره ابن سيده (1)، لأن أبياتها عيدان تنصب وتظلل. قال الزركشي: قالوا: ويقال فيها عروش واحدها عرش. العروض: ذكره في التحبير. ولم يزد على ذلك. وفي الصحاح: عرض الرجل إذا أتى العروض وهي مكة والمدينة وما حولهما. وذكره الفارابي في ديوانه في مادة فعول بفتح الفاء وضم العين. فاران: بفاء فألف فراء فألف فنون، نقله في شفاء الغرام عن ياقوت والذي في " المشترك " له: فاران اسم جبال مكة، وقيل اسم جبال الحجاز، ولها ذكر في التوراة يجئ في أعلام نبوة النبي صلى الله عليه وسلم. المقدسة والقادس والقادسة والقادسية: أسماء لها من القدس وهو الطهر نصيب لأنها تطهر من الذنوب، ذكر الأول ابن جماعة. والثاني والثالث ابن قرقول، وذكر الزركشي الثلاثة والرابع الفاسي. قرية الحمس: بحاء مهملة مضمونة فميم ساكنة فسين مهملة جمع أحمس. وهم قريش ومن ولدته قريش وكنانة وجديلة وقيس، سموا حمسا لأنهم تحمسوا في دينهم أي تشددوا. والحماسة أيضا: الشجاعة. ولهذا مزيد بيان في باب حفظ الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم في حال طفوليته. وقرية النمل: ذكر هذين الاسمين صاحب القاموس في تحبير الموشى. قال في شفاء الغرام: قرية النمل ونقرة الغراب. علامتان لموضع زمزم حين أمر عبد المطلب بحفرها. وعدها بعضهم اسمين لزمزم مجازا. فإن كان شيخنا - رحمه الله تعالى - لحظ كونهما اسمين وسمى بها مكة من باب تسمية الكل باسم البعض، وهو مجاز شائع، فيصح على هذا أن يذكر في أسماء مكة والصفا والمروة والحزورة وغير ذلك. وقوله: قرية الحمس: إن كان شيخنا لحظ في تسمية مكة بذلك أن الحمس كانوا سكان مكة، فيصح على هذا أن يذكر في أسماء مكة قرية العماليق وقرية جرهم، لكونهم كانوا سكان مكة قبل الحمس، اللهم إلا أن تكون سميت مكة بقرية النمل ونقرة الغراب وقرية الحمس منقولا عن كتب اللغة، فلا يقاس عليه غيره.


(1) علي بن إسماعيل، المعروف بابن سيده، أبو الحسن: إمام في اللغة وآدابها. ولد بمرسية (في شرق الأندلس) وانتقل إلى دانية فتوفي بها. كان ضريرا (وكذلك أبوه) واشتغل بنظم الشعر مدة، وانقطع للأمير أبي الجيش مجاهد العامري. توفي سنة 458 ه‍. الأعلام 4 / 263. (*)

[ 198 ]

القرية: قال الله تعالى: (ضرب الله مثلا قرية) قال مجاهد - رحمه الله تعالى -: يعني مكة. كوثى: بكاف مضمومة وثاء مثلثة مفتوحة. نقله الأزرقي عن مجاهد وجزم به السهيلي وفي المطالع: سميت باسم بقعة فيها. وأفاد الفاكهي أن كوثى في ناحية قعيقعان. وقيل: كوثى جبل بمنى. المأمون: ذكره الزركشي ونقله الشيخ عن ابن دحية لتحريم القتال فيه. مخرج صدق: روى الزبير بن بكار في أخبار المدينة عن زيد بن أسلم (1) - رحمه الله تعالى - قال: جعل الله تعالى مدخل صدق: المدينة ومخرج صدق: مكة. المسجد الحرام: قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -: الحرم كله هو المسجد الحرام. رواه سعيد بن منصور. ولهذا مزيد بيان يأتي في تفسير أول سورة الإسراء في أبواب الإسراء إن شاء الله تعالى. المعاد: قال الله تعالى: (إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد) قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -: يعني مكة. رواه البخاري. المكتان: ذكره الشيخ برهان الدين القيراطي - رحمه الله تعالى - في قصيدة في أسماء مكة. قال في شفاء الغرام: ولعله أخذه من قول ورقة بن نوفل: أرى الأمر لا يزداد إلا تفاقما * * وأنصارنا بالمكتين قليل ولهذا مزيد بيان يأتي في باب البعثة إن شاء الله تعالى. مكة: اختلف في سبب تسميتها مكة بالميم، فقيل: لأنها تمك الجبارين، أي تذهب نخوتهم. وقيل: لأنها تمك الفاجر عنها، أي تخرجه. وقيل: لأنها تجذب الناس إليها من قولهم: امتك الفصيل ما في ضرع أمه إذا لم يبق فيه شيئا. وقيل: لقلة مائها. وقيل: لأنها تمك الذنوب أي تستخرجها وتذهب بها كلها. وقيل لأنها لما كانت في بطن واد تمك الماء من جبالها عند نزول المطر وتنحدر إليها السيول. نادر: نقله في " الزهر " عن منتخب كراع. وهو بخط مغلطاي - رحمه الله تعالى - بنون ودال مهملة. الناسة: بالنون والسين المهملة المشددة ذكره الماوردي وغيره، لأنها تنس من ألحد


(1) زيد بن أسلم العدوي، مولى عمر، أبو عبد الله، أو أبو أسامة، المدني، ثقة عالم، وكان يرسل، من الثالثة، مات سنة ست وثلاثين. التقريب 1 / 272. (*)

[ 199 ]

فيها، أي تطرده وتنفيه. وقيل: من نس الشئ إذا يبس من العطش. قال في الصحاح: يقال لمكة الناسة لقلة الماء بها من النس وهو اليبس. النساسة: بنون وسينين مهملتين: الأولى مشددة ذكره ابن جماعة. ومعناها كمعنى الاسم الذي قبلها، وقيل لقلة مائها من النس وهو اليبس. الناشة بالشين العجمة. نقله في " الزهر " عن الخطابي لأنها تنش من ألحد فيها أي تطرده وتنفيه. الوادي: ورد في كلام عمر - رضي الله تعالى عنه -: أم راحم: ذكره في " شفاء الغرام " ونقله في الزهر عن كراع. ومعناه معنى الاسم الذي بعده. أم راحم: براء وحاء مهملتين قال في الزهر نقلا عن ابن السيد: بضم الراء والحاء ويقال بتسكين الحاء ونقله الماوردي وغيره عن مجاهد، لأن الناس يتراحمون فيها ويتواصلون. أم الراحم: معناه معنى الاسم الذي قبله. أم الرحمات: عزاه الشيخ عبد الله المرجاني (1) لابن العربي (2) - رحمه الله تعالى -. أم روح: بفتح الراء من الروح وهو الرحمة ذكره ابن الأثير في المرضع. أم زحم: بزاي من الزحام. ذكره الرشاطي (3) - رحمه الله تعالى -. أم صبيح: ذكره ابن الاثير في كتاب المرصع. وهو بضم الصاد كما في القاموس.


(1) محمد بن أبي بكر بن علي، نجم الدين المرجاني، الذروي الأصل المكي المولد والوفاة: نحوي مكة في عصره. له معرفة بالأدب، ونظم ونثر. من كتبه " مساعد الطلاب في الكشف عن قواعد الإعراب " قصيدة من نظمه، وشرحها، و " طبقات فقهاء الشافعية " ومنظومة في " دماء الحج " وشرحها. توفي 827 ه‍. الأعلام 6 / 57. (2) محمد بن عبد الله بن محمد المعافري الإشبيلي المالكي، أبو بكر بن العربي: قاض، من حفاظ الحديث. ولد في إشبيلية، ورحل إلى المشرق، وبرع في الأدب، وبلغ رتبة الاجتهاد في علوم الدين. وصنف كتبا في الحديث والفقه والأصول والتفسير والأدب والتاريخ. وولي قضاء إشبيلية، ومات بقرب فاس، ودفن بها. قال ابن بشكوال: ختام علماء الأندلس وآخر أئمتها وحفاظها. من كتبه " العواصم من القواصم " و " عارضة الأحوذي في شرح الترمذي " و " أحكام القرآن " توفي سنة 543 ه‍. الأعلام 6 / 230، ووفيات الأعيان 1 / 489. (3) عبد الله بن علي بن عبد الله اللخمي الأندلسي، أبو محمد، المعروف بالرشاطي: عالم بالأنساب والحديث، من أهل أوريولة سكن المرية، وتعلم بها. من كتبه " اقتباس الأنوار والتماس الأزهار في أنساب الصحابة ورواة الآثار " قال ابن كثير: هو من أحسن التصانيف الكبار، وقال حاجي خليفة: هو من الكتب القديمة في الأنساب، لخصه مجد الدين إسماعيل بن إبراهيم البلبيسي المتوفى سنة 802 وأضاف إليه ما زاده ابن الأثير على أنساب السمعاني وسماه " القبس " استشهد بالمرية عند تغلب الروم عليها 542 ه‍. الأعلام 4 / 105. (*)

[ 200 ]

أم القرى: قال الله سبحانه وتعالى: (لتنذر أم القرى ومن حولها) قال الضحاك - رحمه الله تعالى: يعني مكة. واختلف في سبب تسميتها بذلك. فقيل: لأن الأرض دحيت من تحتها قاله ابن عباس وتقدم في باب بدء أمر البيت، وقيل لأنها أعظم القرى، وقيل لأن فيها بيت الله تعالى. ولما جرت العادة بأن الملك وبلده مقدمان على جميع الأماكن سمي أما لأن الأم متقدمة، وقيل لأنها قبلة تؤمها جميع الأمة، وقيل لأن أهل القرى يرجعون إليها في الدين والدنيا. أم كوثى: ذكره ابن المرجاني - رحمه الله تعالى - ولم يتكلم عليه والله أعلم.

[ 201 ]

الباب العاشر في ذكر حرم مكة وسبب تحريمه حرم مكة: ما أحاط بها وأطاف بها من جوانبها، جعل الله تعالى لها حكمها في الحرمة تشريفا لها. قال الإمام النووي - رحمه الله تعالى - في الإيضاح: وحده من طريق المدينة دون التنعيم عند بيوت نفار على ثلاثة أميال من مكة، ومن طريق اليمن طرف أضاة لبن في ثنية لبن على سبعة أميال. ومن طريق العراق على ثنية جبل بالمقطع على سبعة أميال. ومن طريق الجعرانة في - شعب آل عبد الله بن خالد على تسعة أميال بمثناة فوقية فسين مهملة. وليس في الحدود تسعة بتاء فسين غير هذا الموضع. ومن طريق الطائف على عرفات من بطن نمرة على سبعة أميال، ومن طريق جدة منقطع الأعشاش على عشرة أميال. فهذا حد ما جعله الله تعالى حرما لما اختص به من التحريم وباين بحكمه سائر البلاد وهكذا ذكر حدوده أبو الوليد الأزرقي في كتاب مكة وأصحابنا في كتب الفقه، ومنهم الماوردي في الأحكام السلطانية. إلا أن الأزرقي قال في حده من طريق الطائف: أحد عشر ميلا. والجمهور قالوا: سبعة كما ذكرنا وقال في شفاء الغرام: وتبعه عليه الفاكهي وأبو القاسم عبيد الله بن عبد الله بن خردذابه (1) في كتابه " المسالك " ولا يعرف للأزرقي فيما قاله مخالف قبله ولا معاصر له ولا بعده غير الماوردي وصاحب المهذب ومن تبعهما - رحمهم الله تعالى -. وقد نظم ذلك بعضهم فقال: وللحرم التحديد من أرض طيبة * * ثلاثة أميال إذا رمت إتقانه وسبعة أميال عراق وطائف * * وجدة عشر ثم تسع جعرانه ومن يمن سبع بتقديم سينها * * لذلك سيل الحل لم يعد بنيانه يعني أن سيل الحل لا يدخل الحرم، كما ذكره جماعة. قال الأزرقي: إلا من موضع واحد عند التنعيم. التنعيم بفتح المثناة الفوقية وسكون النون وكسر العين المهملة بعدها مثناة تحتية، وهو من الحل.


(1) عبيد الله بن أحمد بن خرداذبه، أبو القاسم: مؤرخ جغرافي، فارسي الأصل. من أهل بغداد. كان جده خرداذبه مجوسيا أسلم على يد البرامكة. واتصل عبيد الله بالمعتمد العباسي، فولاه البريد والخبر بنواحي الجبل، وجعله من ندمائه. له نصانيف، منها " المسالك والممالك " و " جمهرة أنساب الفرس " و " اللهو والملاهي "، و " الشاب " و " الندماء والجلساء " و " أدب السماع ". توفي سنة 280 ه‍. الأعلام 4 / 190. (*)

[ 202 ]

نفار: بنون مكسورة ففاء فراء. أضاة بفتح الهمزة وبالضاد المعجمة على وزن قناة. لبن بكسر اللام وسكون النون. قاله الحازمي - رحمه الله تعالى -. المقطع ضبطه ابن خليل بضم الميم وفتح الطاء المشددة. وفي خط الطبري، بفتح الميم وإسكان القاف. الجعرانة بكسر الجيم وسكون العين وتخفيف الراء، وتشدد. نمرة بفتح النون وكسر الميم: موضع: قيل من عرفات وقيل بقربها. الجدة بضم الجيم ساحل مكة معروفة سميت بذلك لأنها حاضرة البحر، والجدة من البحر والنهر ما ولي البر، وأصل الجدة: الطريق الممتد. منقطع الأعشاش: بفتح الهمزة وبالشينين المعجمتين جمع عش. قال المحب الطبري في " القرى " في سبب تحديد الحرم واختلاف حدوده أربعة أوجه: الأول: ما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: لما أهبط آدم صلى الله عليه وسلم خر ساجدا معتذرا، فأرسل الله تعالى إليه جبريل بعد أربعين سنة فقال: ارفع رأسك فقد قبلت توبتك. فقال: يا رب إنما أتلهف على ما فاتني من الطواف بعرشك مع ملائكتك. فأوحى الله تعالى إليه: إني سأنزل لك بيتا أجعله قبلة. فأهبط الله تعالى إليه البيت المعمور وكان ياقوتة حمراء تلتهب التهابا، وله بابان شرقي وغربي قد نظمت حيطانه بكواكب بيض من ياقوت الجنة، فلما استقر البيت في الأرض أضاء نوره ما بين المشرق والمغرب، فنفرت لذلك الجن والشياطين وفزعوا، فصعدوا في الجو ينظرون من أين ذلك النور، فلما رأوه من مكة أقبلوا يريدون الاقتراب إليه، فأرسل الله تعالى ملائكة فقاموا حول الحرم في مكان الأعلام اليوم، فمنعتهم، فمن ثم ابتدئ اسم الحرم. الثاني: ما رواه وهب بن منبه رحمه الله تعالى فقال: إن آدم صلى الله عليه وسلم لما نزل إلى الأرض اشتد بكاؤه، فوضع الله تعالى له خيمة بمكة موضع الكعبة، وكانت الخيمة ياقوتة حمراء من الجنة، فيها ثلاثة قناديل فيها نور يتلهب من الجنة، وكان ضوء النور ينتهي إلى مواضع الحرم، وحرس الله تعالى تلك الخيمة بملائكة فكانوا يقفون على مواضع أنصاب الحرم يحرسونه ويذودون عنه سكان الأرض من الجن، فلما قبض الله تعالى آدم رفعها إليه. الثالث: روي أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم لما بنى البيت قال لإسماعيل: ابغني حجرا أجعله للناس آية. فذهب إسماعيل ولم يأته بشئ ووجد الركن عنده فقال: من أين لك هذا ؟ قال: جاء به من لا يكلني إلى حجرك، جاء به جبريل. فوضعه إبراهيم موضعه هذا، فأنار الحجر شرقا وغربا ويمينا وشمالا، فحرم الله الحرم حيث انتهى إليه نور الحجر وإشراقه من كل جانب. الرابع: أن آدم صلى الله عليه وسلم لما أهبط إلى الأرض خاف على نفسه من الشياطين واستعاذ بالله تعالى، فأرسل الله تعالى ملائكة حفوا بمكة من كل جانب ووقفوا حواليها، فحرم الله تعالى الحرم حيث وقفت الملائكة. انتهى.

[ 203 ]

وزاد في شفاء الغرام تبعا للسهيلي: وقيل: لأن الله تعالى حين قال للسماوات والأرض، (ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين) (فصلت: 11) لم يجبه بهذه المقالة من الأرض إلا أرض الحرم، ولذلك حرمها. وقال الزركشي رحمه الله تعالى في الإعلام: فإن قيل: ما الحكمة في تحديد الحرم ؟ قيل فيه وجوه: أحدهما التزام ما ثبت له من الأحكام وتبيين ما اختص به من البركات. الثاني: ذكر أن الحجر الأسود لما أتي به في الجنة كان أبيض مستنيرا أضاء منه نور، فحيثما انتهى ذلك النور كانت حدود الحرم. هذا معنى مناسب والأمر فوق ذلك. الثالث: أنه أنوار موضوعة من العالم الأعلى رباني، وسر روحاني، توجه إلى تلك البقاع. ويذكر أهل المشاهدات أنهم يشاهدون تلك الأنوار واصلة إلى حدود الحرم، ولها منار ينبع منها ويكون عنها في الحرمين والأرض المقدسة. ذكر علامات الحرم قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أول من نصب أنصاب الحرم إبراهيم يريه ذلك جبريل، فلما كان يوم الفتح بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم تميم بن أسد الخزاعي فجدد ما رث منها. رواه ابن سعد والأزرقي. وروى الأزرقي عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة (1) رحمه الله تعالى قال: إن إبراهيم صلى الله عليه وسلم نصب أنصاب الحرم يريه جبريل صلى الله عليه وسلم ثم لم تحرك حتى كان قصى فجددها، ثم لم تحرك حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فبعث عام الفتح تميم بن أسد الخزاعي فجددها. رث الشئ يرث بالكسر وأرث: خلق.


(1) عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، أبو عبد الله، المدني، ثقة فقيه، ثبت، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين، وقيل سنة ثمان، وقيل غير ذلك. التقريب 1 / 535. (*)

[ 204 ]

الباب الحادي عشر في تعظيم مكة وحرمها، وتعظيم الذنب فيها عن أبي شريح العدوي رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام الغد من يوم الفتح فقال: " إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دما ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها فقولوا له: إن الله تعالى قد أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلغ الشاهد الغائب ". رواه الإمام الشافعي والشيخان (1). وعنه أيضا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله حرم هذا البيت يوم خلق السموات والأرض وصاغه يوم صاغ الشمس والقمر وما حياله من السماء حرام، وإنه لا يحل لأحد بعدي وإنما أحل لي ساعة من النهار ثم عاد كما كان ". رواه الطبراني (2). وعن عياش بن أبي ربيعة (3) رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تزال هذه الأمة بخير ما عظموا هذه الحرمة حق تعظيمها فإذا ضيعوا ذلك هلكوا ". رواه ابن ماجة (4). وعن صفية بنت شيبة (5) - رضي الله تعالى عنها - قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " يا أيها الناس إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، وهي حرام إلى يوم القيامة، لا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها ولا تؤخذ لقطتها إلا لمنشد ". فقال العباس: إلا الإذخر فإنه للبيوت والقبور. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إلا إلاذخر ".


(1) أخرجه الشافعي في المسند 1 / 295 (769)، والبخاري 4 / 50 كتاب جزاء الصيد (1832)، ومسلم 2 / 987 كتاب الحج (446 - 1354). (2) ذكره الهيثمي في المجمع 3 / 286 وعزاه للطبراني في الأوسط وقال فيه عطاء بن السائب وقد اختلط. (3) عياش بن أبي ربيعة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي، المخزومي، واسم أبيه عمرو، يلقب ذا الرمحين، أسلم قديما، وهاجر الهجرتين، وكان أحد من يدعو له النبي صلى الله عليه وسلم، من المستصعفين، واستشهد باليمامة، وقيل باليرموك، وقيل مات سنة خمس عشرة. التقريب 2 / 95. (4) أخرجه ابن ماجة (3110) قال في الزوائد وفي إسناده يزيد بن أبي زياد، واختلط بآخره. (5) صفية بنت شيبة بن عثمان العبدرية. قال البرقاني: ليست بصحابية. ورثقها ابن حبان. الخلاصة 3 / 385. (*)

[ 205 ]

رواه البخاري تعليقا. ووصله ابن ماجة (1). وعن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: " إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض والشمس والقمر ووضع هذين الأخشبين، فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولا يحل لأحد بعدي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يختلى خلاؤها ولا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط لقطتها إلا لمن عرفها إلى أخره ". رواه ابن أبي شيبة والخمسة (2). وروى الأزرقي عن الزهري مرسلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الناس لم يحرموا مكة ولكن الله تعالى حرمها فهي حرام إلى يوم القيامة، وإن من أعتى الناس على الله تعالى رجلا قتل في الحرم ورجلا قتل غير قاتله، ورجلا أخذ بذخول الجاهلية " (3). الذحول جمع ذحل بذال معجمة فحاء مهملة، وزان فلس: الحقد والعداوة. وطلب بذحله أي بثأره، وهو المراد هنا. وروى الأزرقي عن قتادة رحمه الله تعالى قال: ذكر لنا أن الحرم حرم بحياله إلى العرش. وروى أيضا عن مجاهد قال: إن هذا الحرم حرم مناه وقصده من السموات السبع. والأرضيين السبع، وإن هذا البيت رابع أربعة عشر بيتا في كل سماء بيت، وفي كل أرض بيت، ولو وقعن بعضهن على بعض. وروى الأزرقي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " البيت المعمور الذي في السماء يقال له الضراح وهو على منا الكعبة، يعمره كل يوم سبعون ألف ملك لم يزره قط، وإن للسماء السابعة لحرما على منا حرم الكعبة " (4). وروى الأزرقي والطبراني والبيهقي في الشعب عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ستة لعنتهم وكل نبي مجاب الدعوة: الزائد في كتاب الله، والمكذب بقدر الله، والمتسلط بالجبروت ليذل من أعز الله ويعز من أذل الله، والتارك لسنتي، والمستحل من عترتي ما حرم الله، والمستحل لحرم الله " (5).


(1) أخرجه البخاري 3 / 253 كتاب الجنائز باب الإذخر والحشيش في العنبر وابن ماجة (3109). (2) أخرجه البخاري 4 / 56 (1834) ومسلم 2 / 986 (445 - 1353). (3) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (9188) وذكره السيوطي في الدر 1 / 122 وعزاه للأزرقي في تاريخ مكة عن الزهري. (4) ذكره السيوطي في الدر 1 / 22 وعزاه للأزرقي عن ابن عباس وذكره صاحب الكنز (8874). (5) ذكره السيوطي في الدر 1 / 122 وعزاه للأزرقي والطبراني والبيهقي في الشعب عن عائشة. (*)

[ 206 ]

ذكر تعظيم ما (1) لا يعقل للحرم روى ابن أبي الدنيا في " ذم الملاهي " عن جويرية بن أسماء (2) عن عمه رحمهما الله تعالى قال: حججت مع قوم فنزلنا منزلا ومعنا امرأة، فنامت فانتبهت وحية منطوية عليها جمعت رأسها مع ذنبها بين ثدييها فهالنا ذلك وارتحلنا فلم تزل مطوية عليها لا تضرها شيئا، حتى دخلنا أنصاب الحرم فانسابت فدخلنا مكة فقضينا نسكنا وانصرفنا، حتى إذا كنا بالمكان الذي تطوقت عليها فيه الحية، وهو المنزل الذي نزلنا فنامت فاستيقظت والحية منطوية عليها، ثم صفرت الحية فإذا بالوادي يسيل علينا حيات فنهشنها حتى بقيت عظاما، فقلت لجارية لها: ويحك أخبرينا عن هذه المرأة. قالت: بغت ثلاث مرات، كل مرة تلد ولدا فإذا وضعته سجرت التنور ثم ألقته فيه. وروى الأزرقي عن ابن أبي نجيح - رحمه الله تعالى - قال: لم تكن كبار الحيتان تأكل صغارها في الحرم زمن الطوفان. وروى ابن أبي شيبة عن ابن سابط (3) - رحمه الله تعالى - قال: كان الناس إذا كان الموسم في الجاهلية خرجوا ولم يبق أحد بمكة، وإنه تخلف رجل سارق فعمد إلى قطعة من ذهب فوضعها ليأخذ أخرى، فلما أدخل رأسه همزه البيت فوجدوا رأسه في البيت واسته خارج البيت فألقوه للكلاب. وروى الجندي عن طاوس (4) - رحمه الله تعالى - قال: إن أهل الجاهلية لم يكونوا يصيبون في الحرم شيئا إلا عجل لهم ويوشك أن يرجع إلى ذلك. والأحاديث والآثار في تعظيم حرمة الحرم أكثر من أن تحصر. وروى الأزرقي عن حويطب بن عبد العزى (5) رضي الله تعالى عنه - قال: كنا جلوسا بفناء الكعبة في الجاهلية فجاءت امرأة إلى البيت تعوذ به من زوجها فجاء زوجها فمد يده إليها فيبست يده، فلقد رأيته في الإسلام وإنه لأشل.


(1) في أ: من لا. (2) جويرية بن أسماء بن عبيد الضبعي بضم المعجمة البصري. عن نافع والزهري. وعنه ابن أخيه عبد الله بن محمد، وحبان بن هلال. وثقه أحمد. توفي سنة ثلاث وسبعين ومائة. الخلاصة 1 / 174. (3) عبد الرحمن بن سابط، ويقال ابن عبد الله بن سابط وهو الصحيح، ويقال ابن عبد الله بن عبد الرحمن الجمحي المكي، ثقة كثير الإرسال، من الثالثة، مات سنة ثمان عشرة. التقريب 1 / 48. (4) طاوس بن كيسان اليماني، أبو عبد الرحمن، الحميري مولاهم، الفارسي يقال اسمه ذكوان، وطاوس لقب، ثقة فقيه، فاضل، من الثالثة، مات سنة ست ومائة، وقيل بعد ذلك. التقريب 1 / 377. (5) حويطب بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ود، من بني عامر بن لؤي: صحابي قرشي، من المعمرين، تجاوز المئة. حارب الإسلام إلى أن فتحت مكة، فأسلم. وشهد مع النبي صلى الله عليه حنينا والطائف. وكان من أهل مكة فانتقل إلى المدينة ومات بها. توفي سنة 54 ه‍. الأعلام 2 / 289. (*)

[ 207 ]

وروى الأزرقي عن ابن جريج - رحمه الله تعالى - قال: الحطيم ما بين الركن والمقام وزمزم والحجر، وكان إساف ونائلة (رجل وامرأة) دخلا الكعبة فقبلها فيها فمسخا حجرين فأخرجا من الكعبة فنصب أحدهما في مكان زمزم والآخر في وجه الكعبة يعتبر بهما الناس ويزدجروا عن مثل ما ارتكبا، فسمي هذا الموضع الحطيم لأن الناس كانوا يحطمون هنالك بالأيمان ويستجاب فيه الدعاء على الظالم للمظلوم، فقل من دعا هنالك على ظالم هلك، وقل من حلف هنالك إثما إلا عجلت عليه العقوبة، وكان ذلك يحجز بين الناس عن الظلم ويتهيب الناس الأيمان هنالك، فلم يزل ذلك حتى جاء الله تعالى بالإسلام فأخر الله تعالى ذلك لما أراد إلى يوم القيامة. تنبيه: في الأحاديث السابقة أن الله تعالى حرم مكة. ولا يخاف ذلك ما رواه الإمام أحمد ومسلم والنسائي وغيرهم، عن جابر بن عبد الله - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن " إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة " (1) لأن المعنى: أن ابراهيم حرم مكة بأمر الله تعالى لا باجتهاده، أو أن الله قضى يوم خلق السموات والأرض أن إبراهيم سيحرم مكة. أو المعنى: أن إبراهيم أول من أظهر تحريمها بين الناس وكانت قبل ذلك عند الله حراما، وأول من أظهره بعد الطوفان. وقال القرطبي (2) معنى الأحاديث السابقة: أن الله تعالى حرم مكة ابتداء من غير سبب ينسب لأحد. ولا لأحد فيه مدخل، ولأجل هذا أكد هذا المعنى بقوله: " ولم يحرمها الناس ". والمراد بقوله: ولم يحرمها الناى أن تحريمها ثابت بالشرع لا مدخل للعقل فيه. أو المراد: أنها من محرمات الله تعالى فيجب امتثال ذلك، وليس ذلك من محرمات الناس، يعني في الجاهلية كما حرموا أشياء من عند أنفسهم، فلا يسوغ الاجتهاد في تركه. وقيل معناه: أن حرمتها مستمرة من أول الخلق وليس مما اختصت به شريعة النبي صلى الله عليه وسلم.


(1) أخرجه مسلم 2 / 992 كتاب الحج (458 - 1362). (2) محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي الأندلسي، أبو عبد الله، القرطبي: من كبار المفسرين، صالح متعبد. من أهل قرطبة. رحل إلى الشرق واستقر بمنية بن خصيب في شمالي أسيوط، بمصر / وتوفي فيها. من كتبه " الجامع لأحكام القرآن " وكان ورعا متعبدا، طارحا للتكلف، يمشي بثوب واحد وعلى رأسه طاقية. / توفي سنة 671 ه‍. الأعلام 5 / 322. (*)

[ 208 ]

الباب الثاني عشر في حج الملائكة وآدم والأنبياء وتعظيمهم للحرم روى الأزرقي عن عثمان بن ساج رحمه الله تعالى قال: أخبرني سعيد أن آدم لما فرغ من حجته لقيته الملائكة بالمأزمين فقالوا: " يا آدم فلقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام ". المأزمين: تثنية مأزم بالهمز والزاي: المضيق في الجبال. وروى الأزرقي عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن آدم صلى الله عليه وسلم لما فرغ من حجه لقيته الملائكة بالردم فقالوا: بر حجك يا آدم، إنا قد حججما هذا البيت قبلك بألفي عام. قال: فما كنتم تقولون حوله ؟ فقالوا: كنا نقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. فكان آدم إذا طاف قال هذه الكلمات. الردم بفتح الراء وسكون الدال المهملتين: موضع بمكة. وروى الأزرقي عن عمرو بن يسار المكي - رحمه الله تعالى - قال: بلغني أن الله تعالى إذا أراد أن يبعث ملكا من الملائكة لبعض اموره في الأرض استأذنه ذلك الملك في الطواف بيته، فهبط الملك مهللا. وروى الأزرقي وابن المنذر والجندي عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى قال: قرأت في كتاب من الكتب الأول ذكر فيه أمر الكعبة وأنه ليس من ملك بعثه الله تعالى إلى الأرض إلا أمره بزيارة البيت فينقض من عند العرش محرما ملبيا حتى يستلم الحجر، ثم يطوف سبعا بالبيت ويصلي في جوفه ركعتين. وروى الطبراني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: أول من طاف بالبيت الملائكة. وروى الأزرقي عنه أن جبريل عليه السلام وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم عصابة خضراء قد علاها الغبار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما هذا الغبار الذي أرى عليك ؟ قال: إني زرت البيت فازدحمت الملائكة على الركن فهذا الغبار الذي ترى مما تثير (1) بأجنحتها (2). فائدة: قول الملائكة: بر حجك. قال في النهاية: الحج المبرور الذي ليس له ثواب إلا الجنة هو الذي لا يخالطه شئ من الإثم. وقيل: هو المقبول المقابل بالبر وهو الثواب يقال بر حجة وبر حجه، وبر الله حجه وأبره برا بالكسر وإبرارا.


(1) في أ: تنثر. (2) ذكره السيوطي في الدر 1 / 132 وعزاه للأزرقي عن ابن عباس. (*)

[ 209 ]

حج آدم صلى الله عليه وسلم روى سعيد بن منصور عن عطاء بن أبي رباح رحمه الله تعالى أن آدم صلى الله عليه وسلم هبط بأرض الهند ومعه أربعة أعواد من الجنة، فهي هذه التي يتطيب بها الناس، وأنه حج هذا البيت وطاف بين الصفا والمروة وقضى مناسك الحج. وروى الأزرقي عن عثمان بن ساج قال: أخبرني سعيد رحمه الله تعالى أن آدم صلى الله عليه وسلم حج على رجليه سبعين حجة ماشيا. وروى أيضا عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: حج آدم صلى الله عليه وسلم فقضى المناسك، فلما فرغ قال: يا رب إن لكل عامل أجرا. قال الله تعالى: يا آدم أما أنت فقد غفرت لك، وأما ذريتك فمن جاء منهم هذا البيت فباء بذنبه فقد غفرت له. باء بذبنه: اعترف به. وروى ابن خزيمة وأبو الشيخ في العظمة والديلمي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن آدم أتى هذا البيت ألف أتية لم يركب قط فيهن من الهند على رجليه، ثلاثمائة حجة وسبعمائة عمرة، وأول حجة حجها آدم وهو واقف بعرفة أتاه جبريل فقال: يا آدم بر نسكك، أما نحن فقد طفنا بهذا البيت قبل أن تخلق بخمسين ألف سنة " (1). وروى الأزرقي والجندي وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: حج آدم فطاف بالبيت سبعا فلقيته الملائكة في الطواف فقالوا: بر حجك يا آدم، إنا قد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام. قال: فماذا كنتم تقولون في الطواف ؟ قالوا: كنا نقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. قال آدم: فزيدوا فيها: ولا حول ولا قوة إلا بالله. فزدات الملائكة فيها ذلك. ثم حج إبراهيم بعد بنائه البيت فلقيته الملائكة في الطواف فسلموا عليه فقال لهم: ماذا كنتم تقولون في طوافكم ؟ قالوا: كنا نقول قبل أبيك آدم: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. فأعلمناه بذلك فقال: زيدوا: " ولا حول ولا قوة إلا بالله " فقالوها. فقال إبراهيم: زيدوا فيها: العلي العظيم. فقالت الملائكة ذلك. حج إبراهيم واسماعيل وإسحاق صلى الله وسلم عليهم تقدم ذلك في قصة بناء إبراهيم البيت صلى الله عليه وسلم حج نوح وهود وصالح وشعيب عليهم الصلاة والسلام.


(1) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (2792) وذكره السيوطي في الدر 1 / 130. (*)

[ 210 ]

روى الأزرقي عن عبد الرحمن بن سابط مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كان النبي من الأنبياء إذا هلكت أمته لحق بمكة فيعبد الله تعالى فيها ومن معه حتى يموت، فمات فيها نوح وهود وصالح وشعيب. وقبورهم بين زمزم والحجر ". وروى ابن الجوزي في " مثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن " عن عروة بن الزبير رحمه الله تعالى أن نوحا صلى الله عليه وسلم حج البيت قبل الغرق. وروى الأزرقي عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى أن هودا وصالحا وشعيبا حجوا البيت بمن آمن معهم، وأنهم ماتوا بمكة، وأن قبورهم غربي الكعبة بين دار الندوة ودار بني هاشم. تنبيه: وردت أحاديث وآثار بحج هود وصالح عليهما الصلاة والسلام. وهو أقوى اسانيد من حديث: " ما من نبي إلا وقد حج البيت إلا ما كان من هود وصالح " (1) قال: الشيخ رحمه الله تعالى: فإن إسناده ضعيف. حج موسى ويونس صلى الله عليهما وسلم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة فمررنا بواد فقال: " أي واذ هذا ؟ " قالوا: وادي الأزرق. فقال: " كأني أنظر إلى موسى واضعا إصبعه في أذنه له جؤار إلى الله تعالى بالتلبية مارا بهذا الوادي ". قال: ثم سرنا بالوادي حتى أتينا إلى ثنية فقال: ما هذه الثنية ؟ قيل: ثنية هرشى. فقال: " كأني أنظر إلى يونس على ناقة حمراء خطام ناقته ليف خلبة، وعليه جبة له من صوف يهل نهارا بهذه الثنية ملبيا ". رواه الشيخان وابن حبان (2). الجؤار بجيم مضمومة فهمزة مفتوحة: رفع الصوت بالاستعاذة. ليف خلبة: بخاء معجمة مضمومة فلام ساكنة فباء موحدة مفتوحة. يروى بتنوين الكلمتين على البدل، وبإضافة الأول للثاني. قال في التقريب: وكأنه على الإضافة مقلوب. قال في الصحاح: الخلب حبل رقيق من ليف أو قنب (3)، فالوجه بخلبة ليف. هرشى بهاء مفتوحة فراء ساكنة فشين معجمة مفتوحة فألف مقصورة: جبل قريب من الجحفة. وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كأني أنظر


(1) أخرجه البيهقي في المسند 5 / 177. (2) أخرجه مسلم 2 / 152 كتاب الإيمان (268 - 166)، وابن ماجة (2891)، وأحمد في المسند 1 / 216. (3) في أ: نسب. (*)

[ 211 ]

إلى موسى بن عمران في هذا الوادي محرما يلبي بين قطوانيتين " (1). رواه أبو ذر الهروي في مناسكه. قطوانيتين: تثنية قطوانية، وهي عباءة بيضاء قصيرة. وعن مجاهد رحمه الله تعالى قال: حج موسى صلى الله عليه وسلم على جمل أحمر فمر بالروحاء عليه عباءتان قطوانيتان مؤتزرا بإحداهما مرتديا بالأخرى، فطاف بالبيت ثم طاف بين الصفا والمروة إذ سمع صوتا من السماء وهو يقول: لبيك عبدي وأنا معك. فخر موسى ساجدا. رواه الأزرقي. وعن مجاهد رحمه الله تعالى قال: حج البيت سبعون نبيا فيهم موسى صلى الله عليه وسلم عليه عباءتان قطوانيتان، وفيهم يونس يقول: لبيك كاشف الكرب. رواه سعيد بن منصور. حج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام غير من سمي روى ابن أبي شيبة عن مجاهد رحمه الله تعالى قال: كانت الأنبياء إذا أتت حكم الحرم نزعوا نعالهم. وروى أبو ذر الخشنى في مناسكه عن عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما قال: حج البيت ألف نبي من بني إسرائيل لم يدخلوا مكة حتى وضعوا نعالهم بذي طوى. ذو طوى بضم الطاء المهملة وفتح الواو وألف مقصورة: وإذا معروف عند باب مكة. وعن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: مر بصفاح الروحاء سبعون نبيا حجاجا عليهم لباس الصوف إبلهم مخطمة بالليف. وفي رواية: لقد سلك فج الروحاء سبعون نبيا حجاجا عليهم لباس الصوف خطم إبلهم الليف. رواه الأزرقي. صفاح الروحاء: جانبها. الروحاء: بفتح الراء وبالحاء المهملة: ممدود: اسم قرية. الفج بفتح الفاء والجيم: الطريق الواسع. وروى أيضا عن عثمان بن ساج قال: أخبرني صادق أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " مر بفج الروحاء سبعون نبيا على نوق حمر خطمهم الليف لبوسهم العباء وتلبيتهم شتى. أي متفرقة ".


(1) ذكره الهيثمي في المجمع 8 / 207 وعزاه للطبراني وقال فيه يزيد بن سنان الرهاوي وهو متروك. (*)

[ 212 ]

وروى أيضا عن مجاهد قال: حج خمسة وسبعون نبيا كل قد طاف بالبيت وصلى في مسجد منى، فإن استطعت أن لا يفوتك الصلاة في مسجد منى فافعل. وروى أيضا عن عبد الرحمن بن سابط رحمه الله تعالى قال: سمعت عبد الرحمن بن ضمرة السلولي يقول: ما بين الركن إلى المقام إلى زمزم قبر سبعين نبيا جاؤوا حجاجا فقبروا هنالك. حج بني إسرائيل وغيرهم روى أبو نعيم عن مجاهد رحمه الله تعالى قال: كان يحج من بني إسرائيل مائة ألف فإذا بلغوا أنصاب الحرم خلعوا نعالهم ثم دخلوا الحرم حفاة. وروى ابن أبي شيبة والأزرقي عن عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما قال: إن كانت الأمة من بني إسرائيل لتقدم مكة فإذا بلغت ذا طوى خلعت نعالها تعظيما للحرم. وروى الأزرقي وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: حج الحواريون فلما دخلوا الحرم مشوا حفاة تعظيما للحرم. حج ذي القرنين رضي الله تعالى عنه روى الأزرقي عن عطاء بن السائب رحمه الله تعالى أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يطوف بالبيت فأنكره فسأله ممن أنت ؟ قال من أصحاب ذي القرنين. قال: وأين هو ؟ قال: بالأبطح. فتلقاه إبراهيم فاعتنقه فقيل لذي القرنين: ألا تركب ؟ قال: ما كنت لأركب وهذا يمشي. فحج ماشيا. وروى ابن أبي حاتم عن علباء بن أحمر (1) رضي الله تعالى عنه أن ذا القرنين قدم مكة فوجد إبراهيم وإسماعيل يبنيان الكعبة فاستفهمهما عن ذلك فقالا: نحن عبدان مأموران. فقال: من يشهد لكما ؟ فقامت خمسة أكبش فشهدت فقال: قد صدقتما. ولهذا تتمة تأتي في باب أسئلة المشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم أشياء على وجه العناد. حج عيسى صلى الله عليه وسلم بعد نزوله وأصحاب الكهف روى ابن أبي حاتم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليهلن ابن مريم بفج الروحاء حاجا أو معتمرا " (2).


(1) علباء بن أحمر اليشكري. عن أبي زيد عمرو بن أخطب الأنصاري. وعن عكرمة وعنه عزرة بن ثابت وحسين بن واقد. وثقه ابن معين. الخلاصة 2 / 240. (2) أخرجه 2 / 915 كتاب الحج (216 - 1252) وأحمد في المسند 2 / 540. (*)

[ 213 ]

وروى سعيد بن منصور رحمه الله تعالى قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا تقوم الساعة حتى يمر عيسى بن مريم ببطن الروحاء حاجا أو معتمرا يلبي: لبيك اللهم لبيك ". وروى ابن الجوزي في " المثير " عن عطاف بن خالد رحمه الله تعالى قال: " يحج عيسى ابن مريم إذا نزل في سبعين ألفا فيهم أصحاب الكهف فإنهم ماتوا ولم يحجوا ".

[ 214 ]

الباب الثالث عشر في قصة إهلاك أصحاب الفيل وذلك عام ولادته صلى الله عليه وسلم على الصحيح الذي عليه أكثر العلماء. وكان إهلاكهم تشريفا له صلى الله عليه وسلم ولبلده، وإلا فأصحاب الفيل كانوا نصارى أهل كتاب، وكان دينهم إذ ذاك أقرب حالا مما كان عليه أهل مكة، لأن أهل مكة كانوا عباد أوثان، فنصرهم الله تعالى نصرا لاصنع للبشر فيه، ولسان حال القدر يقول: لم ننصركم يا معشر قريش على الحبشة لخيريتكم عليهم، ولكن صيانة للبيت العتيق الذي نشرفه ونعظمه ونوقره ببعثة النبي الأمي خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم. قال الله سبحانه وتعالى. بسم الله الرحمن الرحيم (ألم تر) الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. أي: ألم تعلم. قدره على وجود علمه بما يذكر. وقيل: الاستفهام هنا للتعجب إذ هو أمر منقول نقل المتواتر. فكأنه قيل: قد علمت أو تعجب (كيف فعل ربك) عبر بكيف دون ما. لأن المراد تذكير ما فيها من وجوه الدلالة على كمال علم الله تعالى وقدرته وعزة بيته وشرف رسوله صلى الله عليه وسلم فإنها من الإرهاصات لنبوته، إذ مجئ تلك الطيور على الوصف المنقول من خوارق العادات والمعجزات المتقدمة بين أيدي الأنبياء صلى الله عليه وسلم (بأصحاب الفيل) محمود. (ألم يجعل) أي يجعل كيدهم في هدم الكعبة (في تضليل) خسار وهلاك بأن أحرق البيت الذي بنوه قاصدين أن يرجع حج العرب إليه، وبأن أهلكهم لما قصدوا هدم الكعبة بيت الله تعالى (وأرسل عليهم طيرا) اسم جمع يجوز تأنيثه وتذكيره (أبابيل) جماعات قيل لا واحد له وقيل واحدة: أبول. أو إبال. أو إبيل كعجول. ومفتاح، ومسكين. وعلى تذكير الطير قرى: (ترميهم) بالمثناة التحتية. وقيل الضمير للرب سبحانه (بحجارة) فوق العدسة ودون الحمصة، كما في أكثر الأخبار، مكتوب على كل حجر اسم مرمية، يحمل كل طائر ثلاثة أحجار: واحدا بمنقاره وحجرين برجليه (من سجيل) طين مطبوخ (فجعلهم كعصف مأكول) كورق زرع أكلته الدواب وراثته فيبس وتفرقت أجزاؤه شبه تفرق أجزائهم بتفرق أجزاء الروث. الإشارة إلى القصة على وجه الاختصار كان ذو نواس (1) آخر ملوك اليمن مشركا، وهو الذي قتل أصحاب الأخدود، وكانوا


(1) ذو نواس الحميري: آخر ملوك حمير في اليمن. وهو صاحب الأخدود المذكور في القرآن الكريم. كان يدين باليهودية، وبلغه أن أهل نجران مقبلون على النصرانية، فسار إليهم وحفر أخاديد وملأها جمرا وجمع أعيان المنتصرين منهم، فعرضهم على النار، فمن رجع إلى اليهودية نجا، ومن أبى هوى. واتفق الرومان والحبشة على قتاله، فزحف النجاشي = (*)

[ 215 ]

نصارى قريبا من عشرين ألفا فنجا منهم دوس ذو ثلعبان، فذهب فاستغاث بقيصر ملك الروم وكان نصرانيا فكتب له إلى النجاشي ملك الحبشة لكونه أقرب إليهم، فبعث معه أميرين: أرياط وأبرهة بن الصباح أبا يكسوم في جيش كثيف، فدخلوا اليمن فجاسوا خلال الديار واستلبوا الملك من حمير، وهلك ذو نواس غريقا في البحر. واستقل الحبشة بملك اليمن وعليهم هذان الأميران أرياط وأبرهة، فاختلفا في أمرهما وتصاولا وتقاتلا، وتصافا، فقال أبرهة لأرياط: إنه لا حاجة بنا إلى اصطلام الجيش بيننا، ولكن ابرز إلي وأبرز إليك، فأينا قتل الآخر استقل بالملك بعده، فأجابه إلى ذلك، فتبارزا وخلف كل واحد منهما فتاه، فحمل أرياط على أبرهة فضربه بالسيف فشرم أنفه وشق وجهه وحمل عتودة مولى أبرهة على أرياط فقتله، ورجع أبرهة جريحا، فداوى جرحه فبرئ واستقل بملك الحبشة باليمن. فكتب إليه النجاشي يلومه على ما كان منه ويتوعده وحلف ليطأن بلاده وليجزن ناصيته، فأرسل إليه أبرهة يترفق له ويصانعه، وبعث مع رسوله بهدايا وتحف وبجراب فيه تراب اليمن، وجز ناصيته وأرسلها معه ويقول في كتابه: ليطأ الملك على هذا التراب فيبر قسمه، وهذه ناصيتي قد بعثت بها إليك، وأنا عبد الملك. فلما وصل ذلك إليه أعجبه ورضي عنه وأقره. ثم إن أبرهة رأى الناس يتجهزون ايام الموسم للحج إلى بيت الله الحرام فسأل: أين يذهب الناس ؟ فقيل له: يحجون إلى بيت الله بمكة. قال: ما هو ؟ قالوا من حجارة ؟ قال: فما كسوته ؟ قالوا: ما يأتي من ها هنا من الوصائل. قال: والمسيح لأبنين لكم خيرا منه. فبنى لهم كنيسة هائلة بصنعاء رفيعة البناء مزخرفة الأرجاء، فسمتها العرب القليس لارتفاعها لأن الناظر إليها، يكاد تسقط قلنسوته عن رأسه لارتفاع بنائها، ونقل من قصر بلقيس ما تحتاج إليه، واستذل أهل اليمن في بنيان هذه الكنيسة، وبناها بالرخام المجزع والأبيض والأحمر والأصفر والأسود، وحلاه بالذهب والفضة وفصل بينهما بالجواهر، وجعل فيها ياقوتة حمراء عظيمة ونصب فيها صلبانا من الذهب والفضة ومنابر من العاج والآبنس، وكان يوقد فيها بالمندل ويلطخ جدرها بالمسك، وكان حكمه في العامل إذا طلعت عليه الشمس قبل أن يأخذ في عمله أن يقطع يده، فنام رجل منهم ذات يوم حتى طلعت الشمس فجاءت معه أمه


= وكان على النصرانية، بجيش كبير، فقاتله ذو نواس على ساحل البحر الأحمر عند عدن، فكان الظفر للنجاشي، وخاف ذو نواس الأسر فأطلق جواده نحو البحر، فألقى نفسه راكبا فمات غريقا. قال النويري: وهو آخر من ملك اليمن من قحطان، فجميع ما ملكوا من السنين ثلاثة آلاف سنة واثنتان وثمانون سنة. توفي 102 ق. ه‍. الأعلام 3 / 928. (*)

[ 216 ]

وهي امرأة عجوز فتضرعت إليه تشفع لابنها وأبى إلا أن يقطع يده، فقالت: اضرب بمعولك اليوم لك وغدا لغيرك. فقال: ويحك ما قلت ؟ قالت: نعم، صار هذا الملك من غيرك إليك، وكذلك يصير إلى غيرك: فأخذته موعظتها وأعفى الناس من ذلك. ثم كتب إلى النجاشي: إني قد بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يبن مثلها لملك قبلك، ولست بمنته حتى أصرف حج العرب إليها. فأمر الناس فحجوها، فحجه كثير من قبائل العرب سنين، ومكث فيها رجال يتعبدون ويتألهون ونسكوا له. قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى: فلما تحدثت العرب بكتاب أبرهة ذلك إلى النجاشي غضب رجل من النسأة أحد بني فقيم فخرج إلى القليس فقعد فيها، يعني أحدث، ثم خرج فلحق بأرضه. وقال ابن سعد رحمه الله تعالى: وكان نفيل بن حبيب الخثعمي يورض له ما يكره، فأمهل حتى إذا كان ليلة من الليالي لم ير أحدا يتحرك فقام فجاء بعذرة فلطخ بها قبلته وجمع جيفا فألقاها فيها. وقال مقاتل رحمه الله تعالى: إن فتية من قريش دخلوها فأطلقوا فيها نارا وكان يوما فيه هواء شديد فاحترقت وسقطت. انتهى. فأخبر بذلك أبرهة فقال: من صنع هذا: قيل: صنعه رجال من أهل هذا البيت الذي يحجه العرب، يعني أنها ليست لذلك بأهل. فغضب غضبا شديدا وحلف ليسيرن حتى يهدم الكعبة وينقضها حجرا حجرا، وكتب إلى النجاشي يخبره بذلك ويسأله أن يبعث إليه بفيله، وكان له فيل يقال له محمود، وكان فيلا عظيما لم ير مثله في الأرض عظما وقوة، فبعث به إليه فأمر الحبشة فتجهزت في ستين ألفا ثم سار نحو أرض مكة. فلما سمعت العرب ذلك أعظموه وفظعوا به ورأوا جهاده حقا عليهم حين سمعوا أنه يريد هدم الكعبة. فخرج له رجل من أشراف اليمن يقال له ذو نفر، فدعا قومه ومن أطاعه من سائر العرب إلى حرب أبرهة وجهاده عن بيت الله تعالى وما يريد من هدمه وخرابه، فأجابه من أجابه إلى ذلك، ثم عرض له فقاتله، فهزم ذو نفر وأصحابه وأخذ له ذو نفر فأتي به إليه أسيرا، فلما أراد فتله قال له ذو نفر: أيها الملك لا تقتلني فإنه عسى أن يكون بقائي معك خيرا لك من القتل. فتركه وحبسه عنده في وثاق. ثم سار أبرهة يريد ما خرج له، حتى إذا كان بأرض خثعم عرض له نفيل بن حبيب الخثعمي في قومه ومن أطاعه من قبائل العرب فقاتله، فهزمه أبرهة وأخذ له نفيل أسيرا فأتي به،

[ 217 ]

فلما هم بقتله قال له نفيل: أيها الملك لا تقتلني فإني دليلك بأرض العرب. فخلى سبيله. وخرج أبرهة يريد مكة، حتى مر بالطائف فخرج إليه مسعود بن معتب في رجال من ثقيف فقالوا: أيها الملك إنما نحن عبيدك سامعون لك مطيعون، وليس لك عندنا خلاف وليس بيتنا البيت الذي تريد يعنون اللات، وهو بيت الطائف كانوا يعظمونه نحو تعظيم الكعبة، إنما تريد البيت الذي بمكة، ونحن نبعث معك من يدلك عليه. فتجاوز عنهم فبعثوا معه أبا رغال يدله على الطريق إلى مكة، فخرج أبرهة ومعه أبو رغال حتى أنزله بالمغمس، فلما أنزله به مات أبو رغال فرجمعت العرب قبره، فهو القبر الذي يرجم الناس بالمغمس. فلما نزل أبرهة بالمغمس بعث رجلا من الحبشة يقال له الأسود بن مقصود على خيل له حتى انتهى إلى مكة فساق أموال تهامة من قريش وغيرها، وأصاب فيها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم، وهو يومئذ كبير قريش وسيدها فهمت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بذلك الحرم بقتاله، ثم عرفواا أنه لا طاقة لهم بحربه. وبعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة وقال له: سل عن سيد أهل البلد وشريفهم، ثم قل له: إن الملك يقول: إني لم آت لحربكم، إنما جئت لهدم هذا البيت، فإن لم تعرضوا دونه بحرب فلا حاجة لي بدمائكم، فإن هو لم يرد حربي فأتني به. فلما دخل حناطة مكة سأل عن سيد قريش وشريفها، فقيل: عبد المطلب بن هاشم. فجاءه فقال له ما أمره به أبرهة، فقال عبد المطلب: والله ما نريد حربه وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - فإن يمنعه فهو بيته وحرمه وإن يخل بينه وبينه فوالله ما عندنا دفع عنه. قال حناطة: فانطلق إليه فإنه قد أمرني أن آتيه بك. فانطلق معه عبد المطلب ومعه بعض بنيه حتى أتى العسكر فسأل عن ذي نفر وكان صديقا له، فدخل عليه وهو في مجلسه فقال له: يا ذا نفر هل عندك غناء من شئ مما نزل بنا ؟ فقال له ذو نفر: ما غناء أسير بيد ملك ينتظر قتله غدوا وعشيا، والله ما عندي غناء من شئ مما نزل بكم إلا أن أنيسا سائس الفيل صديق لي فأرسل إليه فأوصيه بك وأعظم عليه حقك وأسأله أن يستأذن لك على الملك فتكلمه بما بدا لك ويشفع لك عنده بخير إن قدر عليه. فقال حسبي. فبعث ذو نفر إلى أنيس فجاء فقال: هذا عبد المطلب سيد قريش وصاحب عين مكة، يطعم الناس بالسهل والوحوش في رؤوس الجبال، قد أصاب الملك له مائتي بعير، فاستأذن له عليه وانفعه عنده بما استطعت. قال: أفعل. فكلم أنيس أبرهة فقال: أيها الملك هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك، وهو صاحب عين مكة، يطعم الناس بالسهل والوحوش في رؤوس الجبال فائذن له عليك فليكلمك في

[ 218 ]

حاجته. فأذن له أبرهة. وكان عبد المطلب أوسم الناس وأجملهم وأعظمهم، فلما رآه أبرهة أجله وأكرمه عن أن يجلسه تحته وكره أن تراه الحبشة يجلسه معه على سريره، فجلس على بساطه وأجلس عبد المطلب معه إلى جنبه. وفي " الدر المنظم " أن عبد المطلب لما دخل على أبرهة سجد له فيل من الفيلة، وكان لا يسجد لأبرهة كغيره من الفيلة، فتعجب أبرهة من ذلك ودعا بالسحرة والكهان فسألهم عن ذلك فقالوا: إنه لم يسجد له وإنما سجد للنور الذي بين عينيه. انتهى. ثم قال لترجمانه: قل له ما حاجتك ؟ ففعل الترجمان، قال: حاجتي أن يرد علي الملك مائتي بعير أصابها لي. فلما قال له ذلك قال أبرهة لترجمانه: قل له: قد كنت أعجبتني حين رأيتك ثم قد زهدت فيك حين كلمتني في مائتي بعير أصبتها لك وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك جئت لهدمه لا تكلمني فيه ؟ !. قال عبد المطلب: أنا رب الإبل وإن للبيت ربا سيمنعه. قال: ماكان ليمتنع مني. قال: أنت وذاك. قال ابن السائب ومقاتل رحمهما الله تعالى: ثم إن عبد المطلب عرض على أبرهة أموال تهامة ويرجع عن خراب البيت، فأبى ورد أبرهة على عبد المطلب الإبل التي أصاب فقلدها وأشعرها وجللها وجعلها هديا للبيت وبثها في الحرم، فعمد القوم إليها فحملوا عليها وعقروا بعضها، فدعا عليهم عبد المطلب. قال مقاتل: فقال عبد المطلب: لا هم أخز الأسود بن مقصود * * الآخذ الهجمة بعد التقليد فتلها إلى طماطم سود * * بين ثبير وحرا والبيد والمروتين والمساعي السود * * يهدم البيت الحرام المقصود قد أجمعوا أن لا يكون لك عيد * * أخفرهم ربي وأنت المحمود (1) وذكر ابن إسحاق - رحمه الله تعالى - نحوها لعكرمة بن عامر وهو من مسلمة الفتح. فالله تعالى أعلم.


(1) انظر الروض الأنف 1 / 70، ورواية الأبيات هناك هكذا: لا هم أخز الأسود بن مقصود * * الآخذ الهجمة فيها التقليد بين حراء وثبير فالبيد * * يحبسها وهي أولات التطريد فضمها إلى طماطم سود * * أخفره يا رب وأنت محمود (*)

[ 219 ]

ثم انصرف عبد المطلب إلى قريش فأخبرهم الخبر وأمرهم بالخروج من مكة والتحرز في شعف الجبال والشعاب خوفا عليهم من معرة الجيش. ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة ومعه نفر من قريش يدعون الله تعالى ويستنصرونه على أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب: لا هم إن المرء يم‍ * * نع رحله فامنع حلالك لا يغلبن صليبهم * * ومحالهم عدوا محالك انصر على آل الصلي‍ * * ب وعابديه اليوم آلك إن كنت تاركهم وكع‍ * * بتنا فأمر ما بدا لك (1) وعند البيهقي رحمه الله تعالى -: ثم إن عبد المطلب انطلق هو ومن معه من قريش إلى شغف الجبال فتحرزوا فيها ينظرون ما أبرهة فاعل بمكة إذا دخلها. وذكر مقاتل - رحمه الله تعالى - أن عبد المطلب لم يخرج معهم بل أقام بمكة وقال: لا أبرح حتى يقضي الله تعالى قضاءه. ثم صعد هو وأبو مسعود الثقفي على مكان عال لينظر ما يفعله أبرهة. فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة وهيأ فيله وعبأ جيشه. قال ابن جرير - رحمه الله تعالى -: ويقال كان معه ثلاثة عشر فيلا هلكت كلها. ونقل الماوردي عن الأكثرين أنه لم يكن معهم إلا فيل واحد اسمه محمود. وعن الضحاك كان معه ثمانية أفيلة. وأبرهة مجمع لهدم البيت. زاد مقاتل: وجعل الفيل مقابل الكعبة ليعظم ويعبد كتعظيم الكعبة. وقال غيره: بل ليجعل السلاسل في أركان الكعبة وتوضع في عنق الفيل ثم يزجر ليلقي الحائط جملة واحدة. فلما وجهوا الفيل نحو الكعبة أقبل نفيل بن حبيب فأخذ بأذنه وقال: يا محمود أنت بحرم الله. ثم خرج نفيل يشتد حتى أصعد في الجبل فبرك الفيل فضربوه بالطبرزين ليقوم فأبى فأدخلوا محاجن لهم في مراقه فبزغوه بها ليقوم فأبى، فوجهوه جهة اليمن فقام يهرول،


(1) انظر الروض الأنف 1 / 70، ورواية البيت الثالث: وقبلتنا بدل كعبتنا وهي رواية ابن كثير أيضا. انظر البداية والنهاية 2 / 173، ورواية البيت الأول في البداية والنهاية فامنع رحالك. (*)

[ 220 ]

ووجهوه نحو الشام ففعل مثل ذلك، ووجهوه نحو المشرق ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى جهة مكة فبرك وألقى جرانه إلى الأرض وجعل يعج عجا. وفي رواية يونس بن بكير (1) عن ابن إسحاق أن الفيل لما ربض جعلوا يقسمون له بالله أنهم رادوه إلى اليمن فيحرك لهم أذنيه - كأنه يأخذ عليهم بذلك عهدا - فإذا أقسموا عليه قام يهرول فيردوه إلى مكة فيربض، فيحلفون له فيحرك أذنيه كالمؤكد عليهم القسم، ففعلوا ذلك مرارا. وفي معاني القرآن للزجاج أن دوابهم لم تسر نحو البيت، فإذا عطفوها راجعين سارت، فوعظهم الله تعالى بأبلغ موعظة. فأقوموا على قصد أن يخربوا البيت فلم يزالوا يعالجون الفيل حتى غشيهم الليل. وفي رواية يونس عن ابن إسحاق أنهم استشعروا العذاب في تلك الليلة، لأنهم نظروا إلى النجوم كالحة إليهم تكاد تكلمهم من اقترابها منهم، فلما كان السحر أرسل الله الطير الأبابيل من البحر أمثال الخطاطيف مع كل طير منها ثلاثة أحجار يحملها، حجر في منقاره وحجران في رجليه أمثال العدس والحمص، ثم جاءت حتى صفت على رؤوسهم، فلما رأوها أشفقوا منها وسقط في أيديهم، فصاحت وألقت ما في أرجلها ومناقيرها، فما من حجر وقع على جنب رجل إلا خرج من الجنب الآخر، وإن وقع على رأسه خرج من دبره ولا تصيب شيئا إلا هشمته وإلا سقط ذلك الموضع. فكان أول ما رئي الجدري والحصبة، وبعث الله تعالى ريحا شديدة فضربت بأرجلها فزادتها قوة. وروى أبو نعيم عن عطاء بن يسار رحمه الله تعالى قال: حدثني من كلم قائد الفيل وسائسه قال: إنهما أخبراني خبر الفيل قالا: أقبلنا ومعنا فيل الملك الأكبر لم يسر به قط إلى جمع إلا هزمهم، فلما دنونا من الحرم جعلنا كلما نوجهه إلى الحرم يربض، فتارة نضربه فيهبط وتارة نضربه حتى نمل ثم نتركه. فلما بلغ المغمس ربض فلم يقم فطلع العذاب، فقلت: نجا غيركما ؟ نعم ليس كلهم أصابهم العذاب. وولى أبرهة ومن تبعه يريد بلاده، فكلما دخل أرضا وقع منه عضو حتى انتهى إلى بلاد خثعم وليس عليه غير رأسه فمات. وأفلت وزيره وطائره يتبعه حتى وصل إلى النجاشي فأخبره بما جرى للقوم، فلما فرغ رماه الطير بحجره فمات بين يدي الملك. وروى سعيد بن منصور عن عكرمة رحمه الله تعالى أن رؤوس هذه الطيور مثل رؤوس


(1) يونس بن بكير بن واصل الشيباني، أبو بكر الجمال الكوفي، يخطئ، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين. التقريب 2 / 384. (*)

[ 221 ]

السباع لم تر قبل ذلك ولا بعده، فأثرت في جلودهم فإنه لأول ما رئي الجدري. وروي أيضا عن عبيد بن عمير (1) رحمه الله تعالى أنها كالخطاطيف بلق. وروى عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: دعا الله تعالى الطير الأبابيل فأعطاها حجارة سودا عليها الطين، فلما حاذتهم صفت عليهم ثم رمتهم، فما بقي منهم أحد إلا أخذته الحكة فكان لا يحك إنسان منهم جلده إلا تساقط لحمه. وروى الفريابي (2) وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عبيد بن عمير رحمه الله تعالى أنها خرجت من قبل البحر كأنها رجال الهند معها حجارة أمثال الإبل البوارك، وأصغرها مثل رؤوس الرجال، لا تريد أحدا منهم إلا أصابته ولا أصابته إلا قتلته. والأبابيل: المتتابعة. وروى أبو نعيم عن نوفل بن معاوية الديلي (3) رضي الله تعالى عنه قال: رأيت الحصى التي رمي بها أصحاب الفيل، حصى مثل الحمص وأكبر من العدس حمر مختمة كأنها جزع ظفار. وروي أيضا عن حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه قال: كانت في المقدار بين الحمصة والعدسة حصى به نضح أحمر مختم كالجزع. وروى ابن إسحاق والواقدي وأبو نعيم والبيهقي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لقد رأيت قائد الفيل وسائسه أعميين مقعدين يستطعمان الناس. وروى أبو نعيم وابن مردويه عن أبي صالح رحمه الله تعالى أنه رأى عند أم هانئ بنت أبي لهب من تلك الحجارة نحوا من قفيز مخططة كأنها جزع ظفار مكتوب في الحجر اسمه واسم أبيه. قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى: وليس كلهم أصيب. وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذي جاؤوا منه يسألون عن نفيل بن حبيب ليدلهم على الطريق، فقال نفيل بن حبيب في ذلك: أين المفر والإله الغالب * * والأشرم المغلوب ليس الغالب


(1) عبيد بن عمير بن قتادة الليثي أبو عاصم المكي القاص مخضرم. عن أبي وعمر وعلي وعائشة وأبي موسى. وعنه ابنه عبيد الله وابن أبي مليكة ومجاهد وعطاء وعمرو بن دينار. قال ثابت: أول من قص عبيد بن عمير. وثقه أبو زرعة. قيل: توفي سنة أربع وستين. الخلاصة 2 / 203. (2) محمد بن يوسف بن واقد الضبي بالولاء، التركي الأصل، أبو عبد الله الفريابي: عالم بالحديث. من الحفاظ أخذ بالكوفة عن سفيان، وقرئ عليه بمكة، ونزل قيسارية وتوفي بها. روى عنه البخاري 26 حديثا. وله " مسند " في الحديث. توفي سنة 212 ه‍. الأعلام 7 / 147، 148. (3) نوفل بن معاوية بن عروة (أو عمرو) الديلي الكناني: معمر، من الصحابة. له أحاديث. شهد بدرا والخندق مع المشركين، وكان له ذكر ونكاية. ثم أسلم وشهد الفتح وحنينا والطائف. ونزل المدينة، ومات بها، في خلافة معاوية، أو أيام يزيد. قيل: عاش ستين سنة في الجاهلية ومثلها في الإسلام. توفي سنة 60 ه‍. الأعلام 8 / 55. (*)

[ 222 ]

وخرجوا يتساقطون بكل طريق ويهلكون على كل منهل. وأصيب أبرهة في جسده وخرجوا به معهم يسقط منه أنملة أنملة، كلما سقطت أنملة أتبعها مدة ودم وقيح حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر فما مات حتى انصدع قلبه. ولما أصبح عبد المطلب أشرف ومعه أبو مسعود يقوده. فقال له أبو مسعود: انظر نحو البحر. قال: أرى طيرا بيضا. فقال: ارمقها ببصرك أين قرارها ؟ قال: قد دارت فوق رؤوسنا. قال: هل تعرفها ؟ قال: لا. قال: ما هي بنجدية ولا تهامية ولا يمانية ولا شامية وإنها لطير بأرضنا غير مؤنسة. قال: ما قدرها ؟ قال: أمثلا اليعاسيب في مناقيرها الحصى كحصى الخذف وهي أبابيل يتبع بعضها بعضا، أمام كل رفة منها طائر يقودها أحمر المنقار أسود الرأس طويل العنق، حتى إذا جازت عسكر القوم ركدت فوق رؤوسهم. فقال أبو مسعود: لأمر ما هو كائن. ثم إن عبد المطلب أرسل ابنا له على فرس له سريع لينظر ما جرى للقوم فذهب الفرس نحوهم فرآهم مشدخين جميعا فرجع يرفع فرسه كاشفا عن فخذه فلما رأى ذلك عبد المطلب قال: إن ابني لأفرس العرب وما كشف عن عورته إلا بشيرا أو نذيرا. فلما دنا منهما قالا له: ما وراءك ؟ قال: هلكوا جميعا. فانحطا من الجبل ربوة أو ربوتين فلم يؤنسا أحدا، فلما دنيا من المعسكر وجدا القوم خامدين، فعمد عبد المطلب وأخذ فأسا وحفر حتى أعمق في الأرض وملأ من الذهب والجوهر وحفر أيضا لصاحبه حفيرة وملأها كذلك، وجلس كل واحد على حفرته، ونادى عبد المطلب في الناس فتراجعوا وأصابوا من ذلك ما ضاقوا به ذرعا. وازداد عبد المطلب عظما لعدم خروجه من مكة. وأرسل الله سبحانه وتعالى سيلا عظيما فاحتمل جثث الحبشة فألقاهم في البحر. ولما أهلك الله تعالى الحبشة عظمت العرب قريشا وقالوا: أهل الله تعالى، قاتل عنهم وكفاهم مؤنة عدوهم وقالوا في ذلك أشعارا كثيرة، منها قول عبد المطلب كما ذكره البلاذري (1) ورجح الزبير أنها لمغيرة: قلت والأشرم يردي خيله * * إن ذا الأشرم غر بالحرم رامه تبع فيمن جمعت * * حمير والحي من آل قدم


(1) أحمد بن يحيى بن جابر بن داود البلاذري: مؤرخ، جغرافي، نسابة له شعر. من أهل بغداد. جالس المتوكل العباسي، ومات في أيام المعتمد، وله في المأمون مدائح. وكان يجيد الفارسية وترجم عنها كتاب " عهد أزدشير " وأصيب في آخر عمره بذهول شبيه بالجنون فشد بالبيمارستان إلى أن توفي. نسبته إلى حب البلاذر قيل: إنه أكل منه فكان سبب علته. من كتبه " فتوح البلدان " و " القرابة وتاريخ الأشراف "، ويسمي " أنساب الأشراف ". توفي سنة 279 ه‍. الأعلام 1 / 267. (*)

[ 223 ]

فانثنى عنه وفي أدواجه * * جارض أمسك منه بالكظم (1) نحن آل الله في بلدته * * لم نزل فيها على عهد إبرهم أشار عبد المطلب إلى قصه تبع، وخلاصتها - كما ذكر ابن إسحاق رحمه الله تعالى وغيره: أن تبعا لما توجه راجعا لبلاده أتاه نفر من هذيل بن مدركة بن الياس بن مضر فقالوا له: أيها الملك ألا ندلك على بيت مال داثر أغفلته الملوك قبلك، فيه اللؤلؤ والزبرجد والياقوت والذهب والفضة ؟ قال: بلى. قالوا: بيت بمكة. وإنما أراد الهذليون هلاكه بذلك، لما عرفوا من هلاك من أراده بسوء وبغى عنده. فراح تبع وهو مجمع لهدم البيت فبعث الله تعالى عليهم ريحا فعقفت يديه ورجليه وشنجت جسده، فأرسل إلى من كان معه من يهود فقال: ويحكم ما هذا الذي أصابني. فقالوا: أحدثت شيئا. فقال: ما أحدثت ؟ فقالوا: حدثت نفسك بشئ. قال: نعم. فذكر ما أجمع عليه من هدم البيت وإصابة ما فيه. قالوا: ذاك بيت الله الحرام ومن أراده هلك. قال: ويحكم وما المخرج مما دخلت فيه ؟ قالوا: تحدث نفسك أن تطوف به وتكسوه وتعظمه. فحدث نفسه بذلك فأطلقه الله تعالى، فسار حتى دخل مكة فطافه وسعى بين الصفا والمروة وحلق رأسه، وأقام بمكة ستة أيام ينحر فيها للناس ويطعم أهلها ويسقيهم العسل. وأري في المنام أن يكسوه فكساه الخصف، ثم أري أن يكسوه أحسن من ذلك فكساه المعافر، ثم أري أن يكسوه أحسن من ذلك فكساه الملاء والوصائل. وذكر القصة. تنبيهات الأول: أكثر الآثار على أن الحجارة كانت أكبر من العدسة ودون الحمصة، وفي بعضها أنها كانت أكبر من ذلك، فكأنها والله تعالى أعلم كان فيها الكبير والصغير، فحدث كل راء بما رأى أو سمع. الثاني: إن قيل: قد وقع في زمن يزيد بن معاوية لما أرسل الحصين بن نمير السكوني (2) فنصب المنجنيق على أبي قبيس وغيره من جبال الكعبة ورمى الكعبة وكسر الحجر الأسود واحترقت الكعبة حتى انهدم جدارها وسقط سقفها، إلى غير ذلك. فالجواب: إنما لم يمنعوا لأن الدعوة قد تمت والكلمة قد بلغت والحجة قد ثبتت فأخر


(1) الكظم: مخرج النفس من الحلق يقال: أخذ بكظمه جمعه أكظام وكظائم، المعجم الوسيط 2 / 790. (2) الحصين بن نمير بن نائل، أبو عبد الرحمن الكندي ثم السكوني: قائد، من القساة الأشداء، المقدمين في العصر الأموي. من أهل حمص. وهو الذي حاصر عبد الله بن الزبير بمكة ورمى الكعبة بالمنجنيق. وكان في آخر أمره على ميمنة عبيد الله بن زياد في حربه مع إبراهيم بن الأشتر، فقتل مع ابن زياد على مقربة من الموصل. توفي سنة 67 ه‍. الأعلام 2 / 262. (*)

[ 224 ]

الله تعالى أمرهم إلى الدار الآخرة، وقد أخبر صلى الله عليه وسلم بوقوع الفتن وأن الكعبة ستهدم (1). الثالث: في شرح غريب ما تقدم: أبرهة بفتح أوله وسكون ثانيه وفتح الهاء. يكسوم بمثناة تحتية وسين مهملة. الوصائل: ثياب حمر مخططة يمانية. القليس بقاف مضمومة ولام مشددة مفتوحة بعدها مثناة تحتية ساكنة فسين مهملة على وزن جميز ذكره الفارابي في ديوانه. ووجد بخط القسطلي: بضم القاف وفتح اللام المخففة، وفي موضع آخر بفتح القاف وكسر اللام، سمي بذلك لارتفاعه وعلو بنائه، ومنه القلانس لأنها في أعلى الرأس، ويقال: تقلنس الرجل، وتقلس إذا لبس القلنسوة. وجشمهم بجيم فشين معجمة: كلفهم مالا يطيقون: الرخام المجذع: هو الذي حك بعضه على بعض حتى ابيض الموضع المحكوك منه وبقي الباقي على لونه تشبيها بالجذع وهو بفتح الجيم وسكون الذال: العاج الذبل بذال معجمة وزان فلس، وقيل هو شئ يتخذ من ظهر السلحفاة البحرية، والعاج أيضا: عظم الفيل، الأبنس بحذف الواو لغة في الأبنوس بضم الباء: خشب معروف يجلب من الهند، وهو معرب واسمه بالعربية: بأسم بالهمز وزن جعفر. المعول بالكسر: الفأس الذي يكسر به الحجارة. يتألهون: يتعبدون. نسكوا له: تقربوا بالذبائح له. النسأة بالهمز، جمع ناسئ مثل فاسق وفسقة: والنسئ مصدر نسأة إذا أخره. كانوا يؤخرون حرمة شهر إلى آخر، قال الله تعالى: (إنما النسئ زيادة في الكفر). فقيم بفاء مضمومة فقاف مفتوحة فمثناة تحتية: حي من كنانة والنسبة إليه فقمي، وهم نسأة الشهور. الخثمي بخاء معجمة مفتوحة فثاء مثلثة ساكنة فعين مهملة، نسبة إلى خثعم بن أنمار. يورض له: أي ينوي له ما يكره: فظعوا بفاء فظاء معجمة يقال: فظع بالأمر فظاعة فهو فظيع أي شديد شنيع جاوز المقدار. ذو: نفر بالنون والفاء والراء. أبو رغال بكسر الراء وتخفيف الغين، سمي باسم الجد الأعلى لثقيف. المغمس بضم الميم وفتح الغين المعجمة بعدها ميم مشددة مكسورة فسين مهملة: موضع في طرف الحرم، ذكره البكري ثم أورد شعرا لابن أبي ربيعة (2) في ذكر المغمس وقال هكذا رواه أبو علي بفتح الميم ورواه أبو علي عن أبي بكر بن دريد (3) في شعر المؤرق الهذلي بالكسر.


(1) أخرجه البخاري 3 / 538 (1596) ومسلم 4 / 2232 (58 - 2909) وقد مر. (2) عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان من بكر بن وائل، من عدنان كان يعرف بالمزدلف لقب بذلك لقوله يخاطب قومه يوم التحاليق " يا بني بكر ازدلفوا مقدار رميتي برمحي هذا " وهو أبو " حارثة " الملقب بذي التاج قال ابن حزم: كان حارثة على بني بكر يوم أوارة، إذ قتلوا المنذر بن ماء السماء. الأعلام 5 / 77، وجمهرة الأنساب 304. (3) محمد بن الحسن بن دريد الأزدي من أزد عمان من قحطان، أبو بكر: من أئمة اللغة والأدب. كانوا يقولون: ابن دريد أشعر العلماء وأعلم الشعراء. وهو صاحب " المقصورة الدريدية ". ولد في البصرة، وأنتقل إلى عمان فأقام اثني عشر عاما، وعاد إلى البصرة. ثم رحل إلى نواحي فارس، فقلده " آل ميكال " ديوان فارس، ومدحهم بقصيدته " المقصورة " ثم = (*)

[ 225 ]

ابن مقصود بفاء: فصاد مهملة. تهامة: بكسر التاء: كل ما انخفض من أرض نجد، سميت بذلك لتغير هوائها من قولهم: تهم الدهن إذا تغيرت رائحته. هذيل بضم الهاء وفتح الذال المعجمة بعدها مثناة تحتية فلام. حناطة: بحاء مهملة مضمومة ونون وطاء مهملة. أنيس بضم الهمزة وفتح النون وسكون المثناة التحتية. سائس الفيل: أي خادمه. أوسم الناس: أجملهم، من الوسامة وهي الجمال. وأجمله: قال السهيلي: هذا الكلام حكاه سيبويه عن العرب، ووجهه عندهم أنه محمول على المعنى، كأنك قلت: أحسن رجل وأجمله، فأفرد الاسم المضمر التفاتا إلى هذا المعنى، وهو عندي محمول على الجنس كأنه حين ذكر الناس قال: هو أجمل الجنس، وإنما عدلنا عن ذلك التقدير الأول لأن في الحديث الصحيح: " خير نساء ركبن الإبل صوالح قريش أحناه على ولد في صغره وأرعاه على زوج في ذات يد " ولا يستقيم ها هنا حمله على الإفراد، لأن المفرد ها هنا امرأة، فلو نظر إلى واحد النساء لقال أحناها على ولد، فإذن التقدير. أحنى هذا الجنس الذي هو النساء أو هذا الصنف. ونحو هذا. لترجمانه: بفتح التاء وضمها بعضهم، وهو من يفسر لغة بلغة. قلدها: علق في أعناقها قطعة من جلد ليعلم أنها هدي فيكف الناس عنها. أشعرها: حزز أسمنتها حتى يسيل الدم فيعلم أنها هدي. بثها: فرقها. لاهم: أصله اللهم، والعرب تحذف الألف واللام وتكتفي بما بقي، وكذلك تقول لاه أبوك تريد: لله أبوك، وهذا لكثرة دور هذا الاسم على الألسنة. الهجمة بفتح الهاء وسكون الجيم. قال السهيلي: وهي ما بين التسعين إلى المائة من الإبل، والمائة منها هنيدة والمائتان هند. وقال بعضهم والثلاثمائة أمامه. وقال الخشني: هي القطعة من الإبل. وقال بعضهم: هي ما بين الخمسين إلى الستين. وفيها التقليد: أي في أعناقها قلائد. حراء بكسر الحاء المهملة: يمد، ويقصر، ويذكر فيصرف، ويؤنث فيمنع.


= رجع إلى بغداد، واتصل بالمقتدر العباسي فأجرى عليه في كل شهر خمسين دينارا، فأقام إلى أن توفي. ومن كتبه " الاشتقاق " في الأنساب، و " المقصور والممدود " و " شرحه " و " الجمهرة " في اللغة. توفي سنة 321 ه‍. الأعلام 6 / 80. (*)

[ 226 ]

ثبير: بثاء مثلثة فباء موحدة مكسورة فمثناة تحتية. وهما جبلان بمكة. البيد: بباء موحدة فمثناة تحتية جمع بيداء وهي القفر. الطماطم: العلوج يقال لكل أعجمي: طمطم بكسر الطاءين. وطمطماني بضمهما. أخفرهم: بالخاء المعجمة والفاء، أي انقض عزمهم وعهدهم ولا تؤمنهم، يقال: أخفرت الرجل إذا نقضت عهده. وخفرته إذا أجرته، فينبغي أن لا يضبط هذا إلا بقطع الهمزة وفتحها لئلا يصير الدعاء عليه دعاء له. ويروى احفز بالحاء المهملة أي اجعله متحفزا يريد خائفا وجلا. شعف الجبال بشين معجمة فعين مهملة مفتوحة: رؤوسها. الواحدة شعفة. الشعاب: جمع شعف بالكسر: الطريق في الجبل. معرة: الجيش شدته. الرحل بفتح الراء وسكون الحاء المهملة: مأوى الشخص في الحضر ثم أطلق على أمتعة المسافر لأنها هناك مأواه. حلالك: قال: الخشني: بكسر الحاء المهملة جمع حلة وهي جماعة البيوت. وقال السهيلي: الحلال في هذا البيت: القوم الحلول في المكان. والحلال مركب من مراكب النساء: والحلال أيضا: متاع البيت. وجائز أن يستعيره هنا. المحال: بكسر الميم: القوة والشدة. غدوا: بالغين المعجمة قال في النهاية: أصل الغدو: هو اليوم الذي يأتي بعد يومك فحذفت لامه ولم يستعمل تاما إلا في الشعر. ومنه قول ذي الرمة (1): وما الناس إلا بالديار وأهلها * * بها يوم حلوها وغدوا بلاقع قال: ولم يرد عبد المطلب الغد بعينه، وإنما أراد تقريب الزمان. فأمر ما بدالك: ما زائدة مؤكدة أو موصولة أي الذي بدالك من المصلحة في تركهم قال الطيبي رحمه الله تعالى.


(1) غيلان بن عقبة بن نهيس بن مسعود العدوي، من مضر، أبو الحارث، ذو الرمة: شاعر، من فحول الطبقة الثانية في عصره. قال أبو عمرو بن العلاء: فتح الشعر بامرئ القيس وختم بذي الرمة. وكان شديد القصر، دميما، يضرب لونه إلى السواد. أكثر شعره تشبيب وبكاء أطلال، يذهب في ذلك مذهب الجاهليين. وكان مقيما بالبادية، يحضر إلى اليمامة والبصرة كثيرا. وامتاز بإجادة التشبيه. قال جرير: لو خرس ذو الرمة بعد قصيدته: " ما بال عينك منها الماء ينسكب " لكان أشعر الناس. وقال الأصمعي: لو أدركت ذا الرمة لأشرت عليه أن يدع كثيرا من شعره، فكان ذلك خيرا له. وعشق " مية " المنقرية واشتهر بها. له " ديوان شعر ". توفي سنة 117 ه‍. بأصبهان، وقيل: بالبادية. الأعلام 5 / 124. (*)

[ 227 ]

عبى جيشه: يقال: عبيت الجيش بغير همز، وعبأت المتاع: بالهمز. وحكى: عبأت الجيش بالهمز. وهو قليل. قاله السهيلي قال في الزهر: وفيه نظر، لأن ثعلبا حكى في باب ما يهمز من الفعل في فصيحه عن أبي زيد (1) وابن الأعرابي (2): هما مهموزان يعني الجيش والمتاع سوى بينهما. قال ابن فارس: وهو الاختيار. وبسط في الزهر الكلام على أنهما سواء. محمود: قال الخشني يقال: إن هذا الإسم كان علما لهذا الفيل خاصة. وقيل: بل هو علم للجنس كله، كما يقال لأسد أسامة. أصعد في الجبل: علا. الطبرزين: بفتح الطاء المهملة وقيد أبو بحر الباء بالسكون، والبكري بالفتح: آله معوجة من حديد. محاجن: جمع محجن، وهي عصا معوجة وقد يجعل في طرفها حديد. مراقه: أسفل بطنه. بزغوه: بفتح الباء الموحدة والزاي المشددة بعدها عين معجمة أي شرطوه بالحديد الذي في تلك المحاجن. يهرول: يسرع. برك: ورد بروك الفيل في عدة آثار. وقول السهيلي: إنه لا يبرك ليس بشئ وقد شوهد في زماننا. قيل: عصى على سائسه وبرك. جرانه - بكسر الجيم - مقدم عنقه من مذبحه إلى منحره. والجمع جرن. وأجرنة، مثل حمار وحمر وأحمرة. يعج: يرفع صوته. الحمص: بكسر الحاء المهملة وتفتح.


(1) سعيد بن أوس بن ثابت الأنصاري: أحد أئمة الأدب واللغة. من أهل البصرة. ووفاته بها. كان يرى رأي القدرية. وهو من ثقات اللغويين، قال ابن الأنباري: كان سيبويه إذا قال " سمعت الثقة " عني أبا زيد. من تصانيفه كتاب " النوادر " في اللغة، و " الهمز " و " المطر " و " اللبأ واللبن " و " المياه " و " خلق الإنسان " و " لغات القرآن " و " الشجر " و " الغرائز " و " الوحوش " و " بيوتات العرب " و " الفرق " و " غريب الأسماء " و " الهشاشة والبشاشة ". توفي 215 ه‍. الأعلام 3 / 92. (2) محمد بن زياد المعروف بابن الأعرابي، أبو عبد الله: راوية، ناسب، علامة باللغة. من أهل الكوفة. كان أحول. أبوه مولى للعباس بن محمد بن علي الهاشمي قال ثعلب: شاهدت مجلس ابن الأعرابي وكان يحضره زهاء مئة إنسان، كان يسأل ويقرأ عليه، فيجيب من غير كتاب، ولزمته بضع عشرة سنة ما رأيت بيده كتابا قط، ولقد أملى على الناس ما يحمل على أجمال، ولم ير أحد في علم الشعر أغزر منه. وهو ربيب المفضل بن محمد صاحب المفضليات. مات بسامراء. له تصانيف كثيرة، منها " أسماء الخيل وفرسانها " و " تاريخ القبائل " و " النوادر " في الأدب و " تفسير الأمثال " و " شعر الأخطل " و " معاني الشعراء " و " الأنواء "، و " البئر " وغير ذلك وتوفي سنة 231 ه‍. الأعلام 6 / 131. (*)

[ 228 ]

الجدري بفتح الجيم وضمها وأما الدال المهملة فمفتوحة فيهما: قروح تنفط (1) عن الجلد ممتلئة ماء ثم تتقيح وصاحبها جدير مجدر. الحصبة وزان كلمة وإسكان الصاد لغة: بثر يخرج بالجسد ويقال: هي الجدري. ظفار بوزن قطام: اسم لمدينة بحمير باليمن وهو الصواب. قاله في التقريب. نضج أحمر: أي رش أحمر. مختمة ببياض... تسقط أنملة أنملة: أي ينتثر جسمه، والأنملة طرف الإصبع، ولكن قد يعبر بها عن طرف غير الإصبع والجزء الصغير. مدة بكسر الميم وفتح الدال المهملة المشدودة. وهي القيح وهي الغثيثة الغليظة، وأما الرقيقة فهي صديد. انصدع قلبه: انشق. فاضت نفسه: خرجت. ارمقها: اتبعها بصرك. نجدية: نسبة إلى نجد، وهو ما ارتفع من أرض تهامة إلى أرض العراق. تهامية: نسبة إلى تهامة وتقدمت. غير مؤنسة: أي لم تعهد بهذه البلاد. اليعاسيب: جمع يعسوب وهو ضرب من الحجلان. الحذف - بفتح الخاء وسكون الذال المعجمتين -: الرمي بالحصى. رفة: براء مفتوحة ففاء: جماعة. ركدت على رؤوسهم: وقفت. رتوة. الرتوة بمثناة فوقية وزان ركوة: الخطوة. لم يؤنسا: لم يبصرا. ضاقوا به ذرعا: ضيق الذراع والذرع: قصرها، كما أن معنى سعتها وبسطها طولها، ووجه التمثيل أن القصير الذراع لا ينال ما يناله الطويل الذراع ولا يطيق طاقته، فضرب مثلا للذي سقطت قوته دون بلوغ الأمر والاقتدار عليه. الجارض: اسم فاعل من جرض بفتح الجيم والراء: وهو بلوغ الروح الحلق. الكظم بفتح الكاف والظاء والظاء المعجمة. والله سبحانه وتعالى أعلم.


(1) نفط نفطا ونفيطا ونفطا: خرج بيده بثور ملأي بالماء. انظر المعجم الوسيط 2 / 950. (*)

[ 229 ]

جماع أبواب نسبه الشريف صلى الله عليه وسلم الباب الأول في فضل العرب وحبهم لما كانت العرب أصل رسول الله صلى الله عليه وسلم حسن ذكره بعض فضائلهم. وقد قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ليس في العرب قبيلة إلا وقد ولدت رسول الله صلى الله عليه وسلم مضريها وربيعيها ويمانيها. رواه عبد بن حميد وابن أبي أسامة وابن المنذر. وفيه أنواع: الأول: في أن الله تعالى تخير العرب من خلقه وتخيره صلى الله عليه وسلم منهم. عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خلق الله الخلق فاختار من الخلق بني آدم، واختار من بني آدم العرب، واختار من العرب مضر، واختار من مضر قريشا، واختار من قريش بني هاشم، واختارني من بني هاشم، فأنا خيار من خيار إلى خيار، فمن أحب العرب فبحبي أحبهم ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم ". رواه الطبراني والحاكم والبيهقي وأبو نعيم. وعنه أيضا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لما خلق الله الخلق اختار العرب، ثم اختار من العرب قريشا، ثم اختارت من قريش بني هاشم، ثم اختارني من بني هاشم، فأنا خيرة من خيرة ". رواه الحاكم وصححه (1). وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله حين خلق الخلق بعث جبريل فقسم الناس قسمين، فقسم العرب قسما وقسم العجم قسما، وكانت خيرة الله في العرب، ثم قسم العرب قسمين، فقسم اليمن قسما وقسم مضر قسما وقريشا قسما، وكانت خيرة الله في قريش، ثم أخرجني من خير من أنا منه ".


(1) أخرجه الحاكم 4 / 86. (*)

[ 230 ]

رواه الطبراني وحسن الحافظ أبو الفضل العراقي (1) إسناده. وعن واثلة بن الأسقع (2) رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى كنانة من بني، واصطفى من بني كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم " (3). رواه مسلم والترمذي وصححه. النوع الثاني: في أن حب العرب حب للنبي صلى الله عليه وسلم. عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أحب العرب فقد أحبني، ومن أبغض العرب فقد أبغضني " (4). رواه الطبراني: وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من أحب العرب فبحبي أحبهم ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم " (5). رواه الحاكم. وروى الطبراني والحاكم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أحبوا العرب لثلاث: لأني عربي، والقرآن عربي، وكلام أهل الجنة عربي " (6). النوع الثالث: في أن بغض العرب مفارقة للدين. عن سلمان رضي الله تعالى عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا سلمان لا تبغضني


(1) عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم، الحافظ الكبير، المفيد، المتقن، المحرر، الناقد، محدث الديار المصرية، ذو التصانيف المفيدة زين الدين أبو الفضل، العراقي الأصل، الكردي. توفي سنة ست وثمانمائة. انظر ابن قاضي شهبة 4 / 29. (2) واثلة بن الأسقع، بالقاف، ابن كعب الليثي، صحابي مشهور، نزل الشام، وعاش إلى سنة خمس وثمانين، وله مائة وخمس سنين. التقريب 2 / 328. (3) أخرجه مسلم 4 / 1782 كتاب الفضائل (1 - 2276) والترمذي (6 - 36) وأحمد في المسند 4 / 107، والبخاري في التاريخ 1 / 4، والخطيب في التاريخ 13 / 64. (4) ذكره الهيثمي في المجمع 1 / 94 وعزاه للبزار والطبراني في الأوسط وقال فيه الهيثم بن جماز ضعفه أحمد ويحيى بن معين والبزار. (5) أخرجه الطبراني في الكبير 12 / 445، وابن عدي في الكامل 2 / 803. (6) أخرجه الحاكم في المستدرك 4 / 87، وابن حجر في اللسان 4 / 486، والعقيلي في الضعفاء 3 / 348، وذكره الهيثمي في المجمع 10 / 55 وعزاه للطبراني والأوسط وقال: فيه العلاء بن عمرو الحنفي وهو مجمع على ضعفه. (*)

[ 231 ]

فتفارق دينك ". قلت: يا رسول الله كيف أبغضك وبك هداني الله ؟ قال: " تبغض العرب فتبغضني " (1). رواه الترمذي وقال حسن غريب. وعن علي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يبغض العرب إلا منافق " (2). رواه الطبراني. النوع الرابع: في فضل قريش. عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حب قريش إيمان وبغضهم كفر " (3). رواه الطبراني. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم تبع لمسلمهم وكافرهم تبع لكافرهم " (4). رواه الشيخان. وعن معاوية رضي الله تعالى عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه ما أقاموا الدين " (5). رواه البخاري. وعن سعد بن أبي وقاص (6) رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من يرد هوان قريش أهانه الله " (7). رواه الترمذي وحسنه.


(1) أخرجه الترمذي (3927) وأحمد في المسند 5 / 440، والطبراني في الكبير 6 / 291، والحاكم في المستدرك 4 / 86، والعقيلي في الضعفاء 2 / 184. (2) ذكره الهيثمي في المجمع 10 / 56 وعزاه لعبد الله وقال فيه زيد بن جبيرة وهو متروك. (3) ذكره الهيثمي في المجمع 10 / 56 وعزاه للطبراني في الأوسط وقال: وفيه الهيثم بن جماز وهو متروك. (4) أخرجه البخاري 5 / 12 كتاب المناقب (3495)، ومسلم 3 / 1451 كتاب الإمارة (2 / 1818). (5) أخرجه البخاري 6 / 532 كتاب المناقب (3500). (6) سعد بن أبي وقاص واسمه مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة الزهري المدني. شهد بدرا والمشاهد، وهو أحد العشرة، وآخرهم موتا، وأول من رمى في سبيل الله، وفارس الإسلام، وأحد ستة الشورى، ومقدم جيوش الإسلام في فتح العراق، وجمع له النبي صلى الله عليه وسلم أبويه، وحرس النبي صلى الله عليه وسلم، وكوف الكوفة، وطرد الأعاجم، وافتتح مدائن فارس، وهاجر قبل النبي صلى الله عليه وسلم. له مائتا حديث وخمسة عشر حديثا. الخلاصة 1 / 371 - 372. (7) أخرجه أحمد في المسند 1 / 171 والترمذي 5 / 714 كتاب المناقب (3905) والحاكم في المستدرك 4 / 74 كتاب معرفة الصحابة وصححه وأقره الذهبي. (*)

[ 232 ]

وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لولا أن تبطر قريش لأخبرتها بما لها عند الله " (1). رواه الإمام أحمد، وصحح العراقي إسناده. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " التمسوا الأمانة في قريش فإن الأمين في قريش له فضلان على أمين من سواهم، وإن قوي قريش له فضلان على قوي من سواهم " (2). رواه الطبراني وأبو يعلى. وحسن الهيثمي (3) إسناده. وعن عبد الله بن الحارث الزبيدي (4) رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " العلم في قريش والأمانة في الأزد " (5). رواه الطبراني، وحسن الهيثمي إسناده. وعن رفاعة بن رافع رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن قريشا أهل أمانة، فمن بغى لهم العواثر أكبه الله على منخريه " قالها ثلاثا (6). رواه البزار ورجاله ثقات. وعن قتادة بن النعمان (7) رضي الله تعالى عنه أنه وقع بقريش فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا قتادة لا تسبن قريشا فإنه لعلك أن ترى منهم رجالا تزدري عملك مع أعمالهم وفعلك مع أفعالهم وتغبطهم إذا رأيتهم، لولا أن تطغى قريش لأخبرتهم الذي لهم عند الله " (8).


(1) أخرجه أحمد في المسند 4 / 101. (2) ذكره الهيثمي في المجمع 10 / 28 وعزاه للطبراني في الأوسط ولأبي يعلى وإسناده حسن كما قال المصنف. (3) علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي، أبو الحسن، نور الدين، المصري القاهري: حافظ. له كتب وتخاريج في الحديث، منها " مجمع الزوائد ومنبع الفوائد "، و " ترتيب الثقات لابن حبان " و " تقريب البغية في ترتيب أحاديث الحلية " و " مجمع البحرين في زوائد المعجمين " و " المقصد العلي، في زوائد أبي يعلى الموصلي " و " زوائد ابن ماجة على الكتب الخمسة " و " مواد الظمآن إلى زوائد ابن حبان ". توفي سنة 807 ه‍. الأعلام 4 / 266. (4) عبد الله بن الحارث الزبيدي بالضم النجراني بنون وجيم الكوفي المكتب عن ابن مسعود وجندب بن عبد الله. وعنه عمرو بن مرة وحميد الأعرج. وثقه النسائي. الخلاصة 2 / 48. (5) ذكره الهيثمي وعزاه للطبراني في الأوسط والكبير وإسناده حسن. (6) أخرجه الحاكم في المستدرك 4 / 73 والبخاري في الأدب المفرد (75) وذكره المتقي الهندي في الكنز (33814 - 33989). (7) انظر الإصابة 5 / 284. * (8) أخرجه أحمد في المسند 6 / 384 وأبو نعيم في الحلية 10 / 306، وذكره الهيثمي في المجمع 10 / 26 وعزاه لأحمد مرسلا ومسندا وأحال لفظ المسند على المرسل، والبزار كذلك والطبراني مسندا، ورجال البزار في المسند رجال الصحيح ورجال أحمد في المرسل والمسند رجال الصحيح غير جعفر بن عبد الله بن أسلم في مسند أحمد وهو ثقة وفي بعض رجال الطبراني خلاف. (*)

[ 233 ]

رواه الإمام أحمد والطبراني والبزار، وصحيح العراقي إسناده. وفي لفظ: أن أبا قتادة الأنصاري السلمي (1) قال لخالد بن الوليد (2) يوم فتح مكة: هذا يوم يذل الله فيه قريشا. فقال بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا تسمع ما يقول أبو قتادة يا رسول الله ؟ فقال: " مهلا يا أبا قتادة إنك لو وزنت حلمك مع حلومهم لتحاقرت حلمك مع حلومهم، ولو وزنت رأيك مع رأيهم لتحاقرت رأيك مع رأيهم، ولو وزنت فعالك مع فعالهم لتحاقرت فعلك مع فعالهم، لا تعلموا قريشا وتعلموا منهم، فلولا أن تبطر قريش لأخبرتهم بما لهم عند رب العالمين ". رواه البيهقي في المدخل. وعن جبير بن مطعم رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا أيها الناس لا تقدموا قريشا فتهلكوا ولا تتخلفوا عنها فتضلوا ولا تعلموها وتعلموا منها، فإنها أعلم منكم، لولا أن تبطر قريش لأخبرتهم بالذي لها عند الله ". رواه البيهقي في المدخل وحسن العراقي إسناده. وعن أم هانئ رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " فضل الله قريشا بسبع خصال لم يعطها أحدا قبلهم ولا يعطيها أحدا بعدهم: فضل الله قريشا بأنى منهم، وأن النبوة فيهم، وأن الحجابة فيهم، وأن السقاية فيهم ونصرهم على الفيل، وعبدوا الله عشر سنين لا يعبده غيرهم، وأنزل فيهم سورة من القرآن لم تنزل في أحد من غيرهم " (3). رواه الطبراني وحسن العراقي إسناده. والأحاديث في ذلك كثيرة. ويرحم الله تعالى العلامة ابن جابر (4) حيث قال في بديعيته:


(1) أبو قتادة الأنصاري، هو الحارث، ويقال عمرو أو النعمان بن ربعي بكسر الراء وسكو الموحدة بعدها مهملة، ابن بلدمة، بضم الموحدة والمهملة بينهما لام ساكنة السلمي، بفتحتين، المدني، شهد أحدا وما بعدها، ولم يصح شهوده بدرا، ومات سنة أربع وخمسين، وقيل سنة ثمان وثلاثين، والأول أصح وأشهر. التقريب 2 / 463. (2) خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم المخزومي، سيف الله، يكنى أبا سليمان، من كبار الصحابة، وكان إسلامه بين الحديبية والفتح، وكان أميرا على قتال أهل الردة وغيرها من الفتوح، إلى أن مات سنة إحدى أو اثنتين وعشرين. التقريب 1 / 219. (3) ذكره الهيثمي في المجمع 10 / 27 وعزاه للطبراني وقال فيه من لم أعرفه. (4) محمد بن أحمد بن علي بن جابر الأندلسي الهواري المالكي، أبو عبد الله، شمس الدين: شاعر، عالم بالعربية، أعمى. من أهل المرية. صحبه إلى الديار المصرية أحمد بن يوسف الغرناطي الرعيني فكان ابن جابر يؤلف وينظم، والرعيني يكتب. واشتهرا بالأعمى والبصير. ثم دخلا الشام، فأقاما بدمشق قليلا، وتحولا إلى حلب. ثم تزوج ابن جابر، فافترقا. ومات الرعيني فرثاه ابن جابر ومات بعده بنحو سنة، في " البيرة ". من كتب ابن جابر " شرح ألفية ابن مالك " و " شرح ألفية ابن معطي "، و " العين في مدح سيد الكونين ". توفي سنة 780 ه‍. الأعلام 5 / 328. (*)

[ 234 ]

من أعرب العرب إلا أن نسبته * * إلى قريش حماة البيت والحرم لا عيب فيهم سوى ألا ترى لهم * * ضيفا يجوع ولا جارا بمهتضم ما عاب منهم عدو غير أنهم * * لم يصرفوا السيف يوما عن عدوهم من غض من مجدهم فالمجد عنه نأى * * لكنه غص إذ سادوا على الأمم لا خير في المرء لم يعرف حقوقهم * * لكنه من ذوي الأهواء والتهم عيبت عداهم فزانوهم بأن تركوا * * سيوفهم وهي تيجان لهامهم تجري دماء الأعادي من سيوفهم * * مثل المواهب تجري من أكفهم لهم أحاديث مجد كالرياض إذا * * أهدت نواسم حبي بارئ النسم ترى الغني لديهم والفقير وقد * * عادوا سواء فلازم باب قصدهم قل للصباح إذا ما لاح نورهم * * إن كان عندك هذا النور فابتسم إذا بدا البدر تحت الليل قلت له * * أأنت يا بدر أم مرأى وجوههم كانوا عيونا ولكن للعفاة كما * * كانوا ليوثا ولكن في عداتهم كم قائل قال حاز المجد وارثه * * فقلت هم وارثوه عن جدودهم قد أورث المجد عبد الله شيبة عن * * عمرو بن عبد مناف عن قصيهم فجاء فيهم بمن جال السماء ومن * * سما على النجم في سامي بيوتهم فالعرب خير أناس ثم خيرهم * * قريش هم وهو منهم خير خيرهم قوم إذا قيل من ؟ قالوا نبيكم * * منا، فهل هذه تلفى لغيرهم إن تقرإ " النحل " تنحل جسم حاسدهم * * وفي " براءة " يبدو وجه جاههم قوم النبي فإن تحفل بغيرهم * * بين الورى فقد استسمنت ذا ورم إن يجحد العجم فضل العرب قل لهم * * خير الورى منكم أم من صميمهم من فضل العجم فض الله فاه ولو * * فاهوا لغصوا وغضوا من نبيهم

[ 235 ]

الباب الثاني في طهارة أصله وشرف مجده صلى الله عليه وسلم غير ما تقدم وذلك مما لا يحتاج إلى إقامة دليل عليه، فإنه نخبة بني هاشم وسلالة قريش وأشرف العرب وأعزم نفرا من قبل أبيه وأمه، ومن أهل مكة أكرم بلاد الله تعالى على الله وعلى عباده. وأعداؤه صلى الله عليه وسلم كانوا يشهدون له بذلك ولهذا شهد له به عدوه إذ ذاك أبو سفيان بن حرب بن يدي ملك الروم. فأشرف القوم قومه وأشرف القبائل قبيلته وأشرف الأفخاذ فخذه صلى الله عليه وسلم. قال الله سبحانه وتعالى: (الله أعلم حيث يجعل رسالته). وعن عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: (وتقلبك في الساجدين) قال: من صلب نبي إلى صلب نبي حتى صرت نبيا. رواه البزار، والطبراني. رجاله ثقات. وعن عطاء عنه في الآية قال: " ما زال نبي الله صلى الله عليه وسلم يتقلب في أصلاب الأنبياء حتى ولدته أمه " رواه أبو نعيم (1). وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا حتى كنت من القرن الذي كنت فيه ". رواه البخاري (2). وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خير العرب مضر، وخير مضر بنو عبد مناف، وخير بني عبد مناف بنو هاشم، وخير بني هاشم بنو عبد المطلب، والله ما افترقت فرقتان منذ خلق الله آدم إلا كنت في خيرهما ". رواه أبو نعيم. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله قسم خلقه قسمين فجعلني في خيرهما قسما، ثم جعل القسمين أثلاثا فجعلني في خيرهما ثلثا، ثم جعل الأثلاث قبائل فجعلني في خيرها قبيلة، ثم جعل القبائل بيوتا فجعلني في خيرها بيتا فذلك قوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) الآية.


(1) أخرجه أبو نعيم في الدلائل (25). (2) أخرجه البخاري في كتاب المناقب (3557). (*)

[ 236 ]

رواه الطبراني وأبو نعيم (1). وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قال جبريل قلبت مشارق الأرض ومغاربها فلم أجد أفضل من محمد، ولم أجد بني أب أفضل من بني هاشم ". رواه الطبراني والبيهقي وابن عساكر. قال الحافظ في أماليه: لوامح الصحة ظاهرة على صفحات هذا المتن. وعن جعفر بن محمد عن أبيه معضلا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أتاني جبريل فقال: يا محمد إن الله بعثني فطفت شرق الأرض وغربها وسهلها وجبلها فلم أجد حيا خيرا من مضر. ثم أمرني فطفت في مضر فلم أجد حيا خيرا من كنانة، ثم أمرني فطفت في كنانة فلم أجد حيا خيرا من قريش، ثم أمرني فطفت في قريش فلم أجد حيا خيرا من بني هاشم، ثم أمرني أن أختار في أنفسهم فلم أجد نفسا خيرا من نفسك ". رواه الحكيم الترمذي. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما ولدتني بغي قط منذ خرجت من صلب آدم، ولم تزل تنازعني الأمم كابرا عن كابر حتى خرجت من أفضل حيين من العرب: هاشم وزهرة " (2). رواه ابن عساكر. وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد جاءكم رسول من أنفسكم " بفتح الفاء وقال: " أنا أنفسكم نسبا وصهرا وحسبا، ليس في آبائي من لدن آدم سفاح، كلنا نكاح ". رواه ابن مردويه. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خرجت من لدن آدم من نكاح غير سفاح ". رواه ابن سعد وابن عساكر. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خرجت من نكاح غير سفاح ".


(1) أخرجه الطبراني في الكبير 3 / 51، وأبو حاتم الرازي في العلل (2693) وابن كثير في البداية 2 / 257 وذكره الهيثمي في المجمع 8 / 214. (2) ذكره السيوطي في الدر المنثور 3 / 295 وعزاه لابن عساكر وذكره المتقي الهندي في الكنز (32019). (*)

[ 237 ]

رواه ابن سعد وابن عساكر (1). وعن علي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي لم يصبني من نكاح الجاهلية شئ ما ولدني إلا نكاح كنكاح الإسلام " (2). رواه العدني في مسنده والطبراني وأبو نعيم وابن عساكر. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما ولدني من سفاح الجاهلية شئ ما ولدني إلا نكاح كنكاح الإسلام " (3). رواه الطبراني، وله طرق عن ابن عباس رواها أبو نعيم. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: إن قريشا - أي المسعدة بالإسلام - كانت نورا بين يدي الله تعالى قبل أن يخلق آدم صلى الله عليه وسلم بألفي عام يسبح ذلك النور وتسبح الملائكة بتسبيحه، فلما خلق الله آدم ألقى ذلك النور في صلبه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فأهبطني الله تعالى إلى الأرض في صلب آدم وجعلني في صلب نوح، وقذف بي في صلب إبراهيم، ثم لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الكريمة والأرحام الطاهرة حتى أخرجني من بين أبوي لم يلتقيا على سفاح قط " (4). رواه ابن أبي عمر العدني في مسنده. ويرحم الله تعالى القائل: حفظ الإله كرامة لمحمد * * آباءه الأمجاد صونا لاسمه تركوا السفاح فلم يصبهم عاره * * من آدم وإلى أبيه وأمه ويرحم الله تعالى القائل: من عهد آدم لم يزل تحمي له * * في نسلها الأصلاب والأرحام حتى تنقل في نكاح طاهر * * ما ضم مجتمعين فيه حرام فبدا كبدر ليلة وضعه * * ما شان مطلعه المنير قتام فانجابت الظلماء من أنواره * * والنور لا يبقى عليه ظلام


(1) أخرجه ابن جرير في التفسير 11 / 56، والبيهقي في السنن 7 / 190 وابن سعد في الطبقات 1 / 1 / 32، وذكره السيوطي في الدر 3 / 294 وعزاه لابن سعد وابن عساكر. * (2) أخرجه ابن سعد في الطبقات 1 / 1 / 32 وأبو نعيم في الدلائل (24). * (3) أخرجه البيهقي في السنن 7 / 190 وذكره السيوطي في الدر المنثور 3 / 294 وعزاه للطبراني. (4) أخرجه ابن حجر في المطالب العالية (4256). (*)

[ 238 ]

شكرا لمهديه إلينا نعمة * * ليست تحيط بكنهها الأوهام وروى ابن سعد وابن عساكر عن الكلبي رحمه الله تعالى قال: كتبت للنبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة أم فما وجدت فيهن سفاحا ولا شيئا من أمر الجاهلية. قوله خمسمائة أم: يريد الجدات وجدات الجدات من قبل أبيه وأمه. القرن بسكون الراء: اختلف السلف في تعيين مدته، فقيل: مائة سنة. قال الحافظ: وهو الأشهر. وحكى الحربي رحمه الله تعالى الاختلاف فيه ثم قال: وعندي أن القرن كل أمة هلكت فلم يبق منها أحد. السفاح بكسر السين المهملة: الزنا.

[ 239 ]

الباب الثالث في سرد أسماء آبائه إلى آدم صلى الله عليه وسلم وهو سيدنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب. وأم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة ابن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. هذا هو نسب الصحيح المتفق عليه في نسب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما فوق ذلك مختلف فيه. ولا خلاف أن عدنان من ولد إسماعيل بن إبراهيم صلى الله عليه وسلم، إنما الخلاف في عدد من بين عدنان وإسماعيل من الآباء فمقل ومكثر، وكذلك من إبراهيم إلى آدم صلى الله عليه وسلم لا يعلم ذلك على حقيقته إلا الله تعالى. والذي رجحه الإمام العلامة الشريف النسابة أبو علي محمد بن أسعد بن علي بن حسن الجواني (1) بفتح الجيم والواو المشددة وكسر النون وقال: إنه أصح الطرق وأحسنها وأوضحها وإنه رواية شيوخه في النسب كالشيخ شرف الدين بن أبي جعفر البغدادي المعروف بابن الجوانية، وأبي الغنائم الزيدي والبطحاوي والسجزي وأبي بكر محمد بن عبدة الفقعسي وغيرهم وهي عهدة أكثر النسابين الأجلاء وهي رواية عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما وعليها استقر رأي أكثر أهل العلم. انتهى. وتبعه على ذلك الحافظ شرف الدين الدمياطي والقاضي عز الدين بن جماعة وأبو الفتح والعلامة بدر الدين حسن بن حبيب الحلبي في سيرهم: أن عدنان بن أد بن أدد بن اليسع بن الهميسع ابن سلامان بن نبت ابن حمل بن قيدار بن إسماعيل. وقال ابن إسحاق ومن تبعه في السيرة تهذيب ابن هشام: إن أدد بن مقوم بن ناحور بن تيرح بن يعرب بن يشجب بن نابت بن إسماعيل بن إبراهيم الخليل صلى الله عليهما وسلم بن آزر بن ناحور بن ساروح بن راغو بن فالخ بن عيبر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح صلى الله عليه وسلم بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ، وهو إدريس صلى الله عليه وسلم، بن يرد بن مهلاييل بن قينان بن يانش بن شيث بن آدم صلى الله عليه وسلم.


(1) محمد بن أسعد بن علي بن معمر العبيدي العلوي، أبو علي، شرف الدين الجواني المالكي: عالم بالأنساب. أصله من الموصل. ومولده ووفاته بمصر ولي نقابة الأشراف فيها مدة. وصنف " طبقات الطالبيين " و " تاج الأنساب " وأورد العماد بعض شعره. توفي سنة 588 ه‍. الأعلام 6 / 31. (*)

[ 240 ]

ويرحم الله تعالى القائل حيث قال: فأولئك السادات لم تر مثلهم * * عين على متتابع الأحقاب لم يعرفوا رد العفاة وطالما * * ردوا عداتهم على الأعقاب زهر الوجوه كريمة أحسابهم * * يعطون عافيهم بغير حساب حلموا إلى أن لا تكاد تراهم * * يوما على ذي هفوة بغضابه وتكرموا حتى أبوا أن يجعلوا * * بين العفاة ومالهم من باب كانت تعيش الطير في أجنابهم * * والوحش حين تشح كل سحاب وكفاهم أن النبي محمدا، * * منهم فمدحهم بكل كتاب ويرحم الله تعالى القائل أيضا: نسب أضاء وشمسه من هاشم، وسماؤه من يعرب ونزار من معشر ورثوا السيادة كابرا * * عن كابر فهم كبار كبار أقمار أندية أسود وقائع * * أطواد أحلام سحاب قطار لا عار فيهم غير طول تيقظ * * ما زال ينفي ضيق طيف العار أهل الرفادة والحجابة والحجا * * وسقاية الحجاج والزوار المطعمون إذا البلاد مجيعة * * ومبدلوا الإعسار بالإيسار والمجتبى الهادي خيارهم وهم * * بين الأنام خيار كل خيار قال أبو عمر رحمه الله تعالى: وقد اعتنى الناس بنظم نسب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحسن ما جاء في ذلك ما نظمه أبو العباس عبد الله محمد بن محمد الناشي رحمه الله تعالى. قلت: وهو بالنون والشين المعجمة على وزن الماشي، وفيه بعض مخالفة لما تقدم، في قوله: مدحت رسول الله أبغي بمدحه * * وفور حظوظي (1) من كريم المواهب مدحت امراء فات المديح موحدا * * بأوصافه من مبعد أو مقارب نبيا تسامى في المشارق نوره * * فلاحت هواديه لأهل المغارب أتتنا به الأنباء قبل مجيئه * * وشاعت به الأخبار في كل جانب وأوصبحت الكهان تهتف باسمه * * وتنفي به رجم الظنون الكواذب وأنطقت الأصنام نطقا تبرأت * * إلى الله فيه من مقال الأكاذب وقالت لأهل الكفر قولا مبينا * * أتاكم نبي من لؤي بن غالب


(1) الحظوظ مفردها حظ والحظ: النصيب انظر الوسيط 1 / 183. (*)

[ 241 ]

ورام استراق السمع جن فزيلت (1) * * مقاعدهم منها رجوم الكواكب هدانا إلى ما لم نكن نهتدي له * * لطول العمى عن موضحات المذاهب وجاء بآيات تبين أنها * * دلائل جبار مثيب معاقب فمنها انشقاق البدر حتى تعممت * * شعوب الضيا منه رؤوس الأخاشب ومنها نبوع الماء بين بنانه * * وقد عدم الوارد قرب المشارب فزوى بها جما (2) غفيرا وأشهلت * * بأعناقه طوعا أكف المذانب (3) وبثر طغت بالماء من مس سهمه * * ومن قبل لم تسمح بمذقة شارب وضرع مراه (4) فاستدر ولم يكن * * به درة تصغي إلى كف حالب ونطق فصيح من ذراع مبينة * * لكيد عدو للعداوة ناصب وإخباره بالأمر من قبل كونه * * وعند مباديه بما في العواقب ومن يلكم الآيات وحي أتى به * * قريب المآتي مستجم (5) العجائب تقاصرت الأفكار عنه فلم تطع * * بليغا ولم يخطر على قلب خاطب حوى كل علم واحتوى كل حكمة * * وفات مرام المستمر الموارب أتانا به لا عن روية مرتئ * * ولا صحف مشتمل ولا وصف كاتب يواتيه طورا في إجابة سائل * * وإفتاء مستفت ووعظ مخاطب وإتيان برهان وفرض شرائع * * وقص أحاديث ونصب مآدب وتصريف أمثال وتثبيت حجة * * وتعريف ذي جحد وتوقيف كاذب وفي مجمع النادي وفي حومة الوغى (6) * * وعند حديث المعضلات الغرائب فيأتي على ما شئت من طرقاته * * كريم المعاني مستدر الصوائب وصدق منه البعض بعضا كأنما * * يلاحظ معناه بعين المراقب وعجز الورى عن أن يجيئوا بمثل ما * * وصفناه معلوم بطول التجارب


(1) قال القتيبي في تفسير قوله تعالى: " فزيلنا ": أي فرقنا، وهو في البيت بزنة فعلت للفعل زيل: زلت الشئ من مكانه أزيله زيلا: لغة في أزلته اللسان 2 / 1901. (2) الجماء الغفير: جماعة الناس وجاء واجما غفيرا، وجماء الغفير والجماء الغفير أي بجماعتهم اللسان 1 / 688، الوسيط 1 / 137. (3) قال ابن الأعرابي: المذنب الطويل وقال الجوهري: والمذنب مسيل الماء في الحضيض والمذنبة المذنب، المغرفة لأن لها ذنبا أو شبه الذنب والجمع مذانب، انظر اللسان 2 / 1519، 1520، والمعجم الوسيط 1 / 316. (4) انظر الوسيط 2 / 865. (5) جمم: الجم والجمم: الكثير من كل شئ، وما لجم: كثير اللسان. 1 / 686، والوسيط 1 / 137. (6) الوغى: الصوت، وقيل: الوغى الأصوات في الحرب مثل الوغى ثم كثر ذلك حتى سموا الحرب وغى، اللسان 6 / 4880. (*)

[ 242 ]

تأبى بعبد الله أكرم والد * * تبلج منه عن كريم مناسب وشيبة ذي الحمد الذي فخرت به * * قريش على أهل العلى والمناصب ومن كان يستسقى الغمام بوجهه * * ويصدر عن آرائه في النوائب وهاشم الباني مشيد افتخاره * * بغر المساعي وابتذال المواهب وعبد مناف وهو علم قومه * * اشتطاط الأماني واحتكام الرغائب وإن قصيا من كرام غراسه * * لفي منهل لم يدن من كف قاضب به جمع الله القبائل بعدما * * تقسمها نهب الأكف السوالب وحل كلاب من ذرا المجد معقلا * * تقاصر عنه كل دان وعازب ومرة لم يحلل مريرة عزمه * * سفاه سفيه أو محوبة حائب وكعب علا عن طالب المجد كعبه * * فنال بأعلى السعي أعلى المراتب وألوى لؤي بالعداوة فطوعت * * له همم الشم الأنوف الأغالب وفي غالب بأس أبى الناس دونهم * * يدافع عنه كل قرن مغالب وكانت لفهر في قريش خطابة * * يعوذ بها عند اشتجار المخاطب وما زال منهم مالك خير مالك * * وأكرم مصحوب وأنجد صاحب وللنصر طول يقصر الطرف دونه * * بحيث التقى ضوء النجوم الثواقب لعمري لقد أبدى كنانة قبله * * محاسن تأبى أن تطوع لغالب ومن قبله أبقى خزيمة حمده * * تليد تراث عن حميد الأقارب ومدركة لم يدرك الناس مثله * * أعف وأعلى عن دنئ المكاسب وإلياس كان اليأس منه مقارنا * * لأعدائه قبل اعتداد الكتائب وفي مضر مستجمع الفخر كله * * إذا اعتركت يوما زحوف المقانب وحل نزار من رياسة أهله * * محلا تسامى عن عيون الرواقب وكان معد عدة لوليه * * إذا خاف من كيد العدو المحارب وما زال عدنان إذا عد فضله * * توحد فيه عن قريب وصاحب وأد تأدى الفضل منه لغاية * * وإرث حواه عن قروم أشايب وفي أدد حلم تزين بالحجا (1) * * إذا الحلم أزهاه (2) قطوب الحواجب وما زال يستعلي هميسع بالعلى * * ويتبع آمال البعيد المراقب


(1) الحجا: العقل جمعه أحجاء، الوسيط 1 / 159. (2) زهي فلان فهو مزهو إذا أعجب بنفسه وتكبر، اللسان 3 / 1882. *

[ 243 ]

ونبت نمته دوحة العز وابتنى * * معاقله في مشمخر (1) الأهاضب وحيزت لقيدار سماحة حاتم * * وحكمة لقمان وهمة حاجب هم نسل إسماعيل صادق وعده * * فما بعده في الفخر مسعى لذاهب وكان خليل الله أكرم من عنت (2) * * له الأرض من ماش عليها وراكب وتارح ما زالت له أريحية * * تبين منه عن حميد الضرائب وناحور نحار العدى حفظت له * * مآثر لما يحصها عد حاسب وساروغ في الهيجاء ضيغم غابة * * يقد الكماة بالمرهفات القواضب (3) وأرغو فناب في الحروب محكم * * ظنين على نفس المشيح (4) المغالب وما فالغ في فضله يلو قومه * * ولا عابر من دونهم في المراتب وفالخ وأرفخشذ وسام سمت بهم * * سجايا حمتهم كل زار (5) وعائب وما زال نوح عند ذي العرش فاضلا * * يعدده في المصطفين الأطايب ولمك أبوه كان في الروع رائعا * * جريا عل نفس الكمي (6) المضارب ومن قبل لمك لم يزل متوشلخ * * يذود العدى بالذائدات الشوازب وكانت لإدريس النبي منازل * * من الله لم تقرن بهمة غالب ويارد بحر عند أهل سراته * * أبي الخزايا مستدق المذاهب وكانت لمهياييل فيهم فضائل * * مهذبة من فاحشات المثالب (7) وقينان من قبل اقتنى مجد قومه * * وفات بشأو الفضل وخد الركائب وكان أنوش ناش للمجد نفسه * * ونزهها عن مرديات المطالب وما زال شيث بالفضائل فاضلا * * شريفا بريا من ذميم المعائب وكلهم من نور آدم أقبسوا * * وعن عوده أجنوا ثمار المناقب وكان رسول الله أكرم منجب * * جرى في ظهور الطيبين المناجب مقابلة آباؤه أمهاته * * مبراة من فاضحات المثالب عليه سلام الله في كل شارق * * ألاح لنا ضوءا وفي كل غارب


(1) انظر اللسان 6 / 4670. (2) المعجم الوسيط 2 / 630. (3) اللسان 4 / 3660. (4) قال الفراء: المشيح على وجهين: المقبل إليك والمانع لما وراء ظهرك، اللسان 4 / 2372. (5) قال أبو عمرو الشيباني: الزاري على الإنسان هو الذي ينكر عليه ولا يعد شيئا، المصباح المنير 253. (6) الكمي: الشجاع المتكمي في سلاحه، لأنه كمى نفسه، أي سترها بالدرع والبيضة والجمع الكماة، اللسان 5 / 3934. (7) مفردها: مثلبة بضم اللام وفتحها بمعنى المعايب، اللسان 1 / 496. (*)

[ 244 ]

الباب الرابع في شرح أسماء آبائه صلى الله عليه وسلم وبعض أحوالهم على وجه الاختصار عبد الله: عليم منقول من مركب إضافي. أما المضاف إليه ففي كونه منقولا في الأصل أو مرتجلا خلاف مشهور لا نطيل بذكره، وهو الاسم الأعظم للباري تعالى في قول أكثر أهل العلم كما حكاه البندنيجي رحمه الله تعالى، وقد اشبعت الكلام على هذا الاسم العظيم في كتابي " القول الجامع الوجيز الخادم للقرآن العزيز ". وأما المضاف فإنه صفة في الأصل، كما صرح به ابن الحاجب. والعبد هو المملوك من نوع من يعقل، مشتق من التعبد وهو التذلل. قال ابن الأنباري (1) رحمه الله تعالى: العبد الخاضع لله، من قولهم: طريق معبد إذا كان وطئها الناس والعبودية: أشرف أوصاف العبد، وبها نعت الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم في أعلى مقاماته وهو الإسراء. كما سيأتي بيان ذلك هناك. وكنيته قال ابن الأثير: أبو قثم. والقثم من أسمائه صلى الله عليه وسلم، مأخوذ من القثم وهو الإعطاء أو من الجمع، يقال للرجل الجموع للخير: قثوم وقثم. وقيل كنيته: أبو محمد. وقيل أبو أحمد ويلقب بالذبيح، لقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فيما رواه ابن سعد، ومعاوية بن أبي سفيان فيما رواه الحاكم، وابن جرير والزهري فيما رواه البيهقي، وابن إسحاق فيما رواه البيهقي: أن أباه عبد المطلب لما أمر في منامه بحفر زمزم ولم يكن له من الولد إلا الحارث وبه كان يكنى. فنذر إن ولد له عشرة نفر ثم بلغوا أن يمنعوه لينحرن أحدهم عند الكعبة. وكان السبب في ذلك كما رواه ابن سعد والبلاذري أن عدي بن نوفل بن عبد مناف والد المطعم قال له: يا عبد المطلب أتستطيل علينا وأنت فذ لا ولد لك ؟ فقال عبد المطلب أبا لقلة تعيرني (2) ؟ ! فوالله لئن آتاني الله عشرة من الولد ذكورا لأنحرن أحدهم عند الكعبة. انتهى. فلما توافي بنوه عشرة وعرف أنهم سيمنعونه - وذلك بعد حفره زمزم بثلاثين سنة - جمعهم ثم أخبرهم بنذره ودعاهم إلى الوفاء لله بذلك، فأطاعوه وقالوا: أوف بنذرك وافعل ما


(1) محمد بن القاسم بن محمد بن بشار، أبو بكر الأنباري: من أعلم أهل زمانه بالأدب واللغة، ومن أكثر الناس حفظا للشعر والأخبار، قيل: كان يحفظ ثلثمائة ألف شاهد في القرآن. ولد في الأنبار (على الفرات) وتوفي ببغداد. وكان يتردد إلى أولاد الخليفة الراضي بالله، يعلمهم. من كتبه " الزاهر " في اللغة، و " شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات " و " إيضاح الوقف والابتداء في كتاب الله عز وجل " و " الهاآت " و " عجائب علوم القرآن " و " شرح الألفات " رسالة نشرت في مجلة المجمع بدمشق، و " خلق الإنسان " و " الأمثال " و " الأضداد " وأجل كتبه " غريب الحديث " قيل إنه 45000 ورقة. وله " الأمالي ". توفي سنة 328 ه‍. الأعلام 6 / 334. (2) في أ: تعيروني. (*)

[ 245 ]

شئت كيف تصنع. قال: ليأخذ كل رجل منكم قدحا ثم يكتب فيه اسمه، ثم ائتوني ففعلوا، فدخل بهم على هبل في جوف الكعبة وكان على بئر في جوف الكعبة. وكانت البئر هي التي يجمع فيها ما يهدى للكعبة، وكان عند هبل قداح سبعة بها يضربون على ما يريدون وإلى ما يخرج ينتهون في أمورهم. فقال عبد المطلب لصاحب القداح: اضرب على بني هؤلاء بقداحهم هذه. وأخبره بنذره الذي نذر. وأعطاه كل رجل منهم قدحه الذي فيه اسمه. قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى: وكان عبد الله بن عبد المطلب أصغر بني أبيه وأحبهم إليه، وكان عبد المطلب يرى أن السهم إذا أخطأه فقد أشوى. فلما أخذ صاحب القداح ليضرب بها قام عبد المطلب عند هبل يدعو الله تعالى، ثم ضرب صاحب القداح القداح، فخرج السهم على عبد الله فأخذ عبد المطلب بيده وأخذ الشفرة ثم أقبل به إلى إساف ونائلة ليذبحه، فجذب العباس عبد الله من تحت رجل أبيه حين وضعها عليه ليذبحه، فيقال إنه شج وجهه شجة لم تزل على وجه عبد الله حتى مات، فقامت إليه قريش من أنديتها وقالوا: ماذا تريد يا عبد المطلب ؟ قال: أذبحه. فقالت له قريش وبنوه: والله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه، لئن فعلت هذا لا يزال الرجل يأتي بابنه فيذبحه، فما بقاء الناس على هذا ؟ وقال له المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وكان عبد الله ابن أخت القوم: والله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه فإن كان فداؤه بأموالنا فديناه. وقالت قريش وبنوه: لا تفعل وانطلق إلى الحجاز فإن به عرافة لها تابع من الجن فتسألها ثم أنت بعد ذلك على رأس أمرك، إن أمرتك بذبحه ذبحته، وإن أمرتك بأمر لك وله فيه فرج فعلته. فانطلقوا حتى قدموا المدينة فوجدوها بخيبر، فركبوا حتى حاؤوها فسألوها، وقص عليها عبد المطلب خبره وخبر ابنه وما أراد به في نذره. فقالت لهم: ارجعوا عني اليوم حتى يأتيني تابعي فأسأله. فرجعوا من عندها فلما خرجوا من عندها قام عبد المطلب يدعو الله تعالى، ثم غدوا عليها فقالت لهم: قد جاءني الخبر، كم الدية فيكم ؟ قالوا: عشرة من الإبل. وكانت كذلك. قالت: فارجعوا إلى بلادكم ثم قربوا صاحبكم وقربوا عشرا من الإبل، ثم اضربوا عليه وعليها بالقداح، فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا من الإبل، حتى يرضى ربكم، وإن خرجت على الإبل فانحروها عنه فقد رضي ربكم ونجا صاحبكم. فخرجوا حتى قدموا مكة، فلما أجمعوا لذلك قام عبد المطلب يدعو الله، فقربوا عبد الله وعشرة من الإبل، ثم ضربوا فخرج القدح على عبد الله، فزادوا عشرا من الإبل فبلغت الإبل عشرين، فقام عبد المطلب يدعو الله ثم ضربوا القدح فخرج على عبد الله، فزادوا عشرا من الإبل، وما زالوا كذلك يزيدون عشرا فعشرا من الإبل ويضربون عليها بالقداح، كل ذلك يخرج

[ 246 ]

القدح على عبد الله حتى بلغت الإبل مائة، وقام عبد المطلب يدعو الله ثم ضربوا فخرج القدح على الإبل، فقالت قريش: قد انتهى رضا ربك يا عبد المطلب. فقال عبد المطلب: لا والله حتى أضرب عليها ثلاث مرات. فضربوا على عبد الله وعلى الإبل، وقام عبد المطلب يدعو الله فخرج القدح على الإبل، ثم عادوا الثانية والثالثة، وعبد المطلب قائم يدعو الله فخرج القدح في كلتيهما على الإبل، فنحرت ثم تركت لا يصد عنها إنسان ولا سبع. قال الزهري (1): وكان عبد المطلب أول من سن دية النفس مائة من الإبل فجرت في قريش والعرب، وأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى الحاكم وابن جرير والأموي (2) عن معاوية رضي الله تعالى عنه أن أعرابيا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا ابن الذبيحين. فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه. فقيل لمعاوية: من الذبيحان ؟ قال: إسماعيل وعبد الله. قال ابن حزم (3) رحمه الله تعالى: لا عقب لعبد الله غير رسول الله صلى الله عليه وسلم أصلا ولم يولد لعبد الله غير رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ذكر ولا أنثى. وقال ابن سعد رحمه الله تعالى: لم تلد آمنة ولا عبد الله غير رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأم عبد الله: فاطمة بنت عمرو بن عائذ - بعين مهملة فمثناة تحتية فذال معجمة - اين عمران ابن مخزوم.


(1) محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهري، من بني زهرة بن كلاب، من قريش، أبو بكر: أول من دون الحديث. وأحد أكابر الحفاظ والفقهاء. تابعي، من أهل المدينة. كان يحفظ ألفين ومئتي حديث، نصفها مسند وعن أبي الزناد: كنا نطوف مع الزهري ومعه الألواح والصحف ويكتب كل ما يسمع. نزل الشام واستقر بها. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله: عليكم بابن شهاب فإنكم لا تجدون أحدا أعلم بالسنة الماضية منه. قال ابن الجزري: مات بشغب، آخر حد الحجاز وأول حد فلسطين. توفي 124 ه‍. الأعلام 7 / 97. (2) الشيخ المحدث العالم، أبو عبد الله، محمد بن العباس بن يحيى الأموي مولاهم الحلبي، نزيل الأندلس ومسندها. سمع من: أبي عروبة الحراني، وعلي بن عبد الحميد الغضائري، ومحمد بن إبراهيم بن نيروز، ومكحول البيروتي، وأبي الجهم بن طلاب، ومحمد بن سعيد الترخمي الحمصي، ووفد على الأمير المستنصر صاحب الأندلس. حدث عنه أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي، وأبو الوليد عبد الله بن الفرضي. قال أبو الوليد: كتبت عنه وقد كف بصره، وتوفي في سنة ست وسبعين وثلاثمائة. (3) علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري، أبو محمد: عالم الأندلس في عصره، وأحد أئمة الإسلام. كان في الأندلس خلق كثير ينتسبون إلى مذهبه، يقال لهم " الحزمية ". ولد بقرطبة. وكانت له ولأبيه من قبله رياسة الوزارة وتدبير المملكة، فزهد بها وانصرف إلى العلم والتأليف، فكان من صدور الباحثين فقيها حافظا يستنبط الأحكام من الكتاب والسنة، بعيدا عن المصانعة. وانتقد كثيرا من العلماء والفقهاء، فتمالأوا على بغضه، وأجمعوا على تضليله وحذروا سلاطينهم من فتنته، ونهوا عوامهم عن الدنو منه، فأقصته الملوك وطاردته، فرحل إلى بادية لبلة (من بلاد الأندلس) فتوفي فيها. (*)

[ 247 ]

تفسير الغريب إساف: بكسر الهمزة وفتح السين المخففة. نائلة - بنون فألف فمثناة تحتية: اسما صنمين. أصغر بني أبيه: قال السهيلي: هذا غير معروف. ولعل الرواية أصغر بني أمه، وإلا فحمزة كان أصغر من عبد الله، والعباس كان أصغر من حمزة. قال السهيلي: وله وجه وهو أن يكون عبد الله أصغر ولد أبيه حين أراد نحره ثم ولد بعد ذلك حمزة والعباس. قال أبو ذر الخشني رحمه الله تعالى: قوله أصغر بني أبيه: يعني في ذلك الوقت. أشوى بشين معجمة: قال في النهاية: يقال رمى فأشوى إذا لم يصب المقتل. وقال الخشني: يقال أشويت من الطعام إذا أبقيت منه. القداح - بكسر القاف - جمع قدح. كذلك: السهم الذي كانوا يستقسمون به. ومن شعر عبد الله والد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أورد الصلاح الصفدي في تذكرته وشيخنا رحمهما الله في المسالك: لقد حكم السارون في كل بلدة * * بأن لنا فضلا على سادة الأرض وأن أبي ذو المجد والسؤدد الذي * * يشار به مابين نشز إلى خفض وجدي وآباء له أثلوا العلى * * قديما بطيب العرق والحسب المحض وسيأتي الكلام على وفاته في أبواب المولد إن شاء الله تعالى. تنبيه: روى مسلم من طريق حماد بن سلمة (1)، عن ثابت، عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رجلا قال: يا رسول الله أين أبي ؟ قال: " في النار ". فلما قفى (2) دعاه فقال: " إن أبي وأباك في النار ". قال الشيخ رحمه الله تعالى في مسالك الحنفا في والدي المصطفى: قوله: " إن أبي وأباك في النار " لم يتفق عليه الرواة، وإنما ذكره حماد بن سلمة، عن ثابت. وقد خالفه معمر عن ثابت، فلم يذكر: إن أبي وأباك في النار. ولكن قال له: إذا مررت بقبر كافر فبشره بالنار.


(1) حماد بن سلمة بن دينار الربعي أو التميمي أو القرشي مولاهم أبو سلمة البصري أحد الأعلام عن ثابت وسماك وسلمة بن كهيل وابن أبي مليكة وقتادة وحميد وخلق عنه ابن جريج وابن إسحاق شيخاه وشعبة ومالك وحبان بن هلال والقعنبي وأمم. الخلاصة 1 / 252. (2) في أ: نعى. (*)

[ 248 ]

وهذه اللفظة لا دلالة فيها على والده صلى الله عليه وسلم بأمر البتة. وهو أثبت من حيث الرواية. فإن معمرا أثبت من حماد. فإن حمادا تكلم في حفظه، ووقع له أحاديث مناكير دكروا أن ربيبه دسها في كتبه. وكان حماد لا يحفظ فحدث بها فوهم. ومن ثم لم يخرج له البخاري شيئا، ولا أخرج له مسلم في الأصول إلا من روايته عن ثابت. وقد قال الحاكم في المدخل: ما خرج مسلم لحماد في الأصول إلا من حديثه عن ثابت وقد أخرج له في الشواهد عن طائفة، وأما معمر فلم يتكلم في حفظه ولا استنكر شئ من حديثه واتفق على التخريج له الشيخان فكان لفظه أثبت. ثم وجدنا الحديث ورد من حديث سعد بن أبي وقاص بمثل رواية معمر، عن ثابت، عن أنس. فروى البزار والطبراني والبيهقي من طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهري عن عامر ابن سعد، عن أبيه، أن أعرابيا، قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أين أبي ؟ قال: في النار. قال: فأين أبوك ؟ قال: " حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار ". وهذا الإسناد على شرط الشيخين. فتعين الاعتماد على هذا اللفظ وتقديمه على غيره. وقد زاد الطبراني والبيهقي في آخره قال: فأسلم الأعرابي بعد وقال: لقد كلفني رسول الله صلى الله عليه وسلم تعبا ! ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار. وقد روى ابن ماجه عن طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهري عن سالم، عن أبيه قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبي كان يصل الرحم وكان. فأين هو ؟ قال: " في النار ". قال: فكأنه وجد من ذلك فقال: يا رسول الله، فأين أبوك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حيثما مررت بقبر مشرك فبشره بالنار ". قال: فأسلم الأعرابي بعد وقال لقد كلفني رسول الله صلى الله عليه وسلم تعبا ! ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار. قال الشيخ رحمه الله تعالى: فهذه الزيادة أوضحت بلا شك أن هذا اللفظ العام هو الذي صدر منه صلى الله عليه وسلم ورآه الأعرابي بعد إسلامه أمرا مقتضيا للامتثال، فلم يسعه إلا امتثاله، ولو كان الجواب باللفظ الأول لم يكن فيه أمر بشئ البتة. فعلم أن اللفظ الأول من تصرف الراوي، رواه بالمعنى على حسب فهمه. وقد وقع في الصحيحين روايا ت كثيرة من هذا النمط فيها لفظ تصرف فيه الراوي، وغيره أثبت منه. كحديث أنس في نفي قراءة البسملة. وقد أعله الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه بذلك وقال: إن الثابت من طريق آخر نفي سماعها، ففهم منه الراوي نفي قراءتها فرواه بالمعنى على ما فهمه، فأخطأ.

[ 249 ]

قال الشيخ رحمه الله تعالى: ونحن أجبنا عن حديث مسلم في هذا المقام بنظير ما أجاب به إمامنا الشافعي عن حديث مسلم في نفي قراءة البسملة. ثم رأيت طريقا أخرى للحديث مثل لفظ رواية معمر وأزيد وضوحا. وذلك أنه قد صرح فيه بأن السائل أراد أن يسأل عن أبيه صلى الله عليه وسلم، فعدل عن ذلك تجملا وتأدبا. فروى الحاكم في المستدرك وصححه عن لقيط بن عامر (1) رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله هل أحد ممن مضى منا في جاهليته في خير ؟ فقال رجل من عرض قريش: إن أباك المنتفق في النار. فكأنه وقع خر بين جلد وجهي ولحمي مما قال لأبي على رؤوس الناس، فهممت أن أقول: وأبوك يارسول الله ؟ ثم نظرت فإذا الأخرى أجمل، فقلت: وأهلك يا رسول الله ؟ فقال: " ما أتيت عليه من قبر قرشي ولا عامري مشرك فقل: أرسلني إليك محمد فأبشرك بما يسوؤك ". هذه الرواية لا إشكال فيها، وهي أوضح الروايات وأبينها. ثم لو فرض اتفاق الرواة على اللفظ الأول كان معارضا بالأدلة الآتية في المسلك الأول والحديث إذا عارضه أدلة أخرى هي أرجح منه وجب تأويله وتقديم تلك الأدلة عليه كما هو مقرر في الأصول. تتمة: ثبت في الحديث الصحيح أن أهون أهل النار عذابا أبو طالب، وأنه في ضحضاح من النار في رجليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه، وهذا مما يدل على أن أبوي النبي صلى الله عليه وسلم ليسا في النار. لأنهما لو كانا أهون عذابا من أبي طالب، لأنهما أقرب منه مكانا، وأبسط عذرا، فإنهما لم يدركا البعثة ولا عرض عليهما الإسلام فامتنعا. بخلاف أبي طالب، وقد أخبر الصادق المصدوق أنه أهون أهل النار عذابا. فليس أبواه من أهلها. وهذا يسمى عند أهل الأصول دلالة الإشارة. تنبيه: أجاب جماعة عن الأحاديث الواردة في عدم نجاة الأبوين بأنها وردت قبل ورود الآيات والأحاديث الآتية في المسلك الأول. كما أجابوا بذلك عن الأحاديث الواردة في أطفال المشركين أنهم في النار. وقالوا: الناسخ لأحاديث الأطفال قوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا). وإذا علم ما تقرر فللعلماء رضي الله تعالى عنهم في والدي المصطفى صلى الله عليه وسلم مسالك: الأول: أنهما لم تبلغهما دعوة أحد وذلك لمجموع أمور: تأخر زمانهما وبعد ما بين


(1) لقيط بن عامر بن صبرة بكسر الموحدة، وهو لقيط بن صبرة ولقيط بن المنتفق بضم الميم وإسكان النون وفتح المثناة فوق وكسر الفاء آخره قاف، ابن عامر بن عقيل بن كعب العقيلي أبو رزين، صحابي له أربعة وعشرون حديثا. وعنه ابنه عاصم وابن أخيه وكيع بن حدس. الخلاصة 2 / 372. (*)

[ 250 ]

الأنبياء السابقين. فإن آخر الأنبياء قبل بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم: عيسى صلى الله عليه وسلم. وكانت الفترة بينه وبين بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم نحو ستمائة سنة، ثم إنهما كانا في زمن جاهلية. وقد طبق الجهل الأرض شرقا وغربا وفقد من يعرف الشرائع ويبلغ الدعوة على وجهها إلا نفرا يسيرا من أحبار أهل الكتاب مفرقين في أقطار الأرض كالشام وغيرها. ولم يعهد لهما تقلب في الأسفار سوى إلى المدينة ولا عمرا عمرا طويلا بحيث يقع لهما فيه التنقيب، فإن والده صلى الله عليه وسلم صحح الحافظ العلائي أنه عاش من العمر نحو ثماني عشرة سنة. ووالدته صلى الله عليه وسلم ماتت وهي في حدود العشرين تقريبا. ومثل هذا العمر لا يسع الفحص عن المطلوب في مثل ذلك الزمان لا سيما وهي امرأة مضنونة محجبة في البيت عن الاجتماع بالرجال، والغالب على النساء أنهن لا يعرفن ما الرجال فيه من أمر الديانات والشرائع، خصوصا في زمان الجاهلية الذي رجاله لا يعرفون ذلك فضلا عن نسائه. ولهذا لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجب من بعثته أهل مكة وقالوا: " أبعث الله بشرا رسولا " وقالوا: " لو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين ". فلو كان عندهم علم من بعثة الرسل ما أنكروا ذلك وربما كانوا يظنون أن إبراهيم بعث بما هم عليه، فإنهم لم يجدوا من يبلغهم شريعة إبراهيم على وجهها لدثورها وفقد من يعرفها، إذ كان بينهم وبين زمن إبراهيم أزيد من ثلاثة آلاف سنة، وحكم من لم تبلغه الدعوة أنه يموت ناجيا بشرطه الآتي في الأحاديث الآتية، وأنه لا يعذب ابتداء قبل الامتحان كما سيأتي بيان ذلك. هذا مذهبنا لا خلاف فيه بين أئمتنا الشافعية في الفقه والأشاعرة في الأصول. وقد نص على ذلك إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه في الأم والمختصر، وتبعه جميع الأصحاب فلم يشذ أحد منهم بخلاف، واستدلوا على ذلك بعدة آيات منها قوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) روى ابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيريهما عن قتادة في الآية قال: " إن الله ليس بمعذب أحدا حتى يسبق إليه من الله خبر أو تأتيه من الله بينة ". ومنها قوله تعالى: (ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون) ومنها قوله تعالى: (ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا: ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين) أوردهما الزركشي في شرح جمع الجوامع استدلالا على قاعدة أن شكر المنعم ليس بواجب عقلا بل بالسمع، وهذه القاعدة أي قاعدة شكر المنعم مرجعها إلى قاعدة كلامية وهي قاعدة التحسين والتقبيح العقليين، وإنكارهما متفق عليه بين الأشاعرة كما هو معروف في كتب الكلام والأصول. وقد أطنب الأئمة في تقريرها. وترجع مسألة من لم تبلغه الدعوة إلى قاعدة ثانية أصولية وهي: أن الغافل لا يكلف وهذا هو الصواب في الأصول للآية الثانية.

[ 251 ]

ثم اختلفت عبارة الأصحاب فيمن لم تبلغه الدعوة، وأحسنها من قال: إنه ناج. وإياها اختار السبكي رحمه الله تعالى. ومنهم من قال: على الفطرة. ومنهم من قال: مسلم. قال الغزالي رحمه الله تعالى: التحقيق أن يقال: في معنى المسلم. وقد مشى على هذا المسلك في والدي سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم من العلماء فصرحوا بأنهما لم تبلغهما الدعوة. حكاه عنهم سبط ابن الجوزي رحمه الله تعالى في " مرآة الزمان " ومشى عليه الإمام الآبي في شرح مسلم. وكان شيخنا شيخ الإسلام شرف الدين المناوي يعول عليه ويجيب به إذا سئل عنهما. وقد ورد في أهل الفترة أحاديث كثيرة أنهم موقوفون إلى أن يمتحنوا يوم القيامة، فمن أطاع دخل الجنة ومن عصى دخل النار. والمصحح منها ثلاثة: الأول، حديث الأسود ابن سريع رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئا، ورجل أحمق، ورجل هرم: ورجل مات في الفترة. فأما الأصم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئا. وأما الأحمق فيقول: رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفونني بالبعر. وأما الهرم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئا. وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب ما أتاني لك رسول. فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه، فيرسل إليهم: أن ادخلوا النار. فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما، ومن لم يدخلها فيسحب إليها ". الثاني: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه موقوفا، مثل حديث الأسود بن سريع (1). رواهما الإمام أحمد وإسحاق في مسنديهما والبيهقي في كتاب الاعتقاد، وإسنادهما صحيح. ورواه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق آخر عنه. الثالث: حديث ثوبان رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا كان يوم القيامة جاء أهل الجاهلية يحملون أوزارهم على ظهورهم، فيسألهم ربهم فيقولون: ربنا لم ترسل إلينا رسولا ولم يأتنا لك أمر، ولو أرسلت إلينا رسولا لكنا أطوع عبادك. فيقول لهم ربهم: أرأيتكم إن أمرتكم بأمر تطيعوني ؟ فيقولون: نعم. فيأمرهم أن يعمدوا إلى جهنم فيدخلوها، فينطلقون حتى إذا دنوا منها وجدوا لها تغيظا وزفيرا فيرجعون إلى ربهم فيقولون: ربنا أجرنا منها. فيقول لهم: ألم تزعموا أني إن أمرتكم بأمر تطيعوني ؟ فيأخذ على ذلك مواثيقهم فيقول: اعمدوا إليها. فينطلقون حتى إذا رأوها


(1) الأسود بن سريع التميمي المنقري أبو عبد الله صحابي نزل البصرة له ثمانية أحاديث وغزا مع النبي صلى الله عليه وسلم أربع غزوات. وكان شاعرا محسنا فصيحا لسنا، وهو أول من قضى بالبصرة. روى عنه الأحنف بن قيس والحسن وعبد الرحمن بن أبي بكرة ولا يصح سماعهما منه. قال ابن مندة: مات سنة اثنتين وأربعين. الخلاصة 1 / 95. (*)

[ 252 ]

فرقوا ورجعوا فقالوا: ربنا فرقنا منها ولا نستطيع أن ندخلها. فيقول: ادخلوها داخرين. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو دخلوها أول مرة كانت عليهم بردا وسلاما ". رواه البزار والحاكم وصححه وأقره الذهبي. وورد من حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه مرفوعا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يؤتى بالهالك في الفترة والمعتوه والمولود، فيقول الهالك في الفترة: لم يأتني كتاب ولا رسول. ويقول المعتوه: أي رب لم تجعل لي عقلا أعقل به خيرا ولا شرا. ويقول المولود: لم أدرك العمل. قال: فترفع لهم نار فيقال لهم: ردوها. أو قال: ادخلوها. فيدخلها من كان في علم الله سعيدا لو أدرك العمل، ويمسك عنها من كان في علم الله شقيا لو أدرك العمل، فيقول الله تبارك وتعالى: إياي عصيتم فكيف برسلي بالغيب ". رواه البزار من طريق عطية العوفي (1) وفيه ضعف. والترمذي يحسن حديثه (2) خصوصا إذا كان له شاهد، وحديثه هذا له عدة شواهد تقتضي الحكم بحسنه وثبوته. ومن حديث أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يؤتى بأربعة يوم القيامة: بالمولود، والمعتوه، ومن مات في الفترة، وبالشيخ الفاني، كلهم يتكلم بحجته، فيقول الله تبارك وتعالى لعنق من جهنم، ابرزى. فيقول لهم: إني كنت أبعث إلى عبادي رسلا من أنفسهم، وإني رسول نفسي إليكم، ادخلوا هذه: فيقول من كتب عليه الشقاء يا رب أندخلها ومنها كنا نفرق، ومن كتب له السعادة فيمضي فيقتحم فيها مسرعا فيقول الله: قد عصيتموني فأنتم لرسلي أشد تكذيبا ومعصية. فيدخل هؤلاء الجنة وهؤلاء النار " (3). رواه البزار وأبو يعلى. ومن حديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يؤتى يوم القيامة بالممسوخ عقلا وبالهالك في الفترة وبالهالك صغيرا، فيقول الممسوخ عقلا: يا رب لو آتيتني عقلا ما كان من آتيته عقلا بأسعد بعقله مني. وذكر في الهالك في الفترة والصغير نحو ذلك، فيقول الرب. إني آمركم بأمر فتطيعون ؟ فيقولون: نعم.


(1) عطية بن سعد بن جنادة العوفي بفتح المهملة وإسكان الواو بعدها فاء الجدلي بفتح الجيم أبو الحسن الكوفي. عن أبي هريرة وأبي سعيد وابن عباس. وعنه ابناه عمر والحسن وإسماعيل بن أبي خالد ومشعر وخلق. ضعفه الثوري وهشيم وابن عدي. وحسن له الترمذي أحاديث قال مطين: مات سنة إحدى عشرة ومائة. الخلاصة 2 / 233 - 234. (2) ذكره الهيثمي في المجمع 7 / 219 وعزاه لأبي يعلى والبزار بنحوه وقال: وفيه ليث بن أبي سليم وهو مدلس. وبقية رجال أبي يعلى رجال الصحيح. (*)

[ 253 ]

فيقول: اذهبوا فادخلوا النار. قال: ولو دخلوها ما ضرتهم فيظنون أنها قد أهلكت ما خلق الله من شئ فيرجعون سراعا، ثم يأمرهم الثانية، فيرجعون كذلك فيقول الرب: قبل أن أخلقكم علمت ما أنتم عاملون وعلى علمي خلقتكم وإلى علمي تصيرون، ضميهم. فتأخذهم ". رواه الطبراني وأبو نعيم (1). قال الحافظ رحمه الله تعالى في الإصابة في ترجمة أبي طالب في القسم الرابع من حرف الطاء من الكنى، بعد أن أورد قصة الامتحان: ونحن نرجو أن يدخل عبد المطلب وآل بيته في جملة من يدخلها طائعا فينجو، إلا أبا طالب فإنه أدرك البعثة ولم يؤمن، وثبت أنه في ضحضاح من النار. وذكر الحافظ عماد الدين ابن كثير رحمه الله تعالى قصة الامتحان أيضا في والدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر أهل الفترة وقال: إن منهم من يجيب ومنهم من لا يجيب إلا أنه لم يقل إن الظن في أبوي النبي صلى الله عليه وسلم أن يجيبا. ولا شك أن الظن بهما أن يوفقهما الله تعالى حينئذ للإجابة، لشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، كما رواه تمام في فوائده بسند ضعيف من حديث ابن عمر مرفوعا: " إذا كان يوم القيامة شفعت لأبي وأمي " الحديث. وروى الحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ابويه فقال: " ما سألتهما ربي وإني لقائم يومئذ المقام المحمود " (2). فهذا تلويح بأنه يرجى لهما الخير عند قيامه المقام المحمود، وذلك بأن يشفع لهما ليوفقا للطاعة عند الامتحان. ولا شك في أنه صلى الله عليه وسلم يقال له عند قيامه في ذلك المقام: سل تعط واشفع تشفع، كما الأحاديث الصحيحة، فإذا سأل ذلك أعطيه. وينضم إلى ذلك ما رواه أبو سعد النيسابوري في " شرف المصطفى " وعمر الملا في سيرته عن عمران بن حصين مرفوعا: سألت ربي أن لا يدخل النار أحدا من أهل بيتي. فأعطاني ذلك " وروى ابن جرير عن ابن عباس في قوله تعالى: (ولسوف يعطيك ربك فترضى) قال: من رضا محمد صلى الله عليه وسلم أن لا يدخل أحدا من أهل بيته النار.


(1) أخرجه ابن عدي في الكامل 5 / 1770 وابن الجوزي في العلل المتناهية 2 / 441 وذكره الهيثمي في المجمع 7 / 219 وعزاه للطبراني في الأوسط والكبير وقال: وفيه عمرو بن وافد وهو متروك عند البخاري وغيره ورمي بالكذب وقال محمد بن المبارك: كان يتبع السلطان وكان صدوقا وبقية رجال الكبير رجال الصحيح. (2) أخرجه الطبراني في الكبير: 1 / 98 وأبو نعيم في الحلية 4 / 238. (*)

[ 254 ]

فهذه الأحاديث يشد بعضها بعضا، لأن الحديث الضعيف إذا كثرت طرقه أفاد ذلك قوة، كما تقرر في علم الحديث. وروى الطبراني عن أم هانئ رضي الله تعالى عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما بال أقوام يزعمون أن شفاعتي لا تنال أهل بيتي، وإن شفاعتي تنال حاء وحكم " (1). قال في النهاية: حاء وحكم: قال في النهاية: حاء وحكم: قبيلتان جافيتان من وراء رمل يبرين. انتهى. ويبرين بمثناة تحتية فباء موحدة فراء فمثناة تحتية فنون ويقال يبرون. قال أبو عبيد البكري: هو رمل معروف في ديار بني سعد بن تميم. وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن خلفة الآبي (2) في شرح مسلم في شرح حديث: " إن أبي وأباك في النار " (3) وأورد قول الإمام النووي فيه أي الحديث: إن من مات كافرا في النار ولا تنفعه قرابة الأقربين. ثم قال الآبي: انظر هذا الإطلاق وقد قال السهيلي رحمه الله تعالى: ليس لنا أن نقول ذلك. فقد قال صلى الله عليه وسلم: " لا تؤذوا الأحياء بسب الأموت ". وقال تعالى: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا) ولعله يصح ما جاء أنه صلى الله عليه وسلم أحيا (الله) له أبويه فآمنا به، ورسول الله صلى الله عليه وسلم فوق هذا. ولا يعجز الله سبحانه وتعالى شئ. ثم أورد قول النووي وفيه أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان في النار، وليس هذا من التعذيب قبل بلوغ الدعوة لأنه بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الرسل. ثم قال: قلت: تأمل ما في كلامه من التنافي، فإن من بلغتهم الدعوة ليسوا بأهل فترة، فإن أهل الفترة هم الأمم الكائنة بين أزمنة الرسل الذين لم يرسل إليهم الأول ولم يدركوا الثاني، كالأعراب الذي لم يرسل إليهم عيسى ولا لحقوا النبي صلى الله عليه وسلم. والفترة بهذا التفسير تشمل ما بين كل رسولين. ولكن الفقهاء إذا تكلموا في الفترة فإنما يعنون التي بين عيسى والنبي صلى الله عليه وسلم. ولما دلت القواطع على أنه لا يعذب حتى تقوم الحجة علمنا أنهم غير معذبين. فإن قلت: صحت أحاديث بتعذيب أهل الفترة كصاحب المحجن وغيره. قلت: قد


(1) ذكره الهيثمي في المجمع 9 / 260 وعزاه للطبراني وقال: وهو مرسل ورجاله ثقات. (2) محمد بن خلفة بن عمر الأبي الوشتاتي المالكي: عالم بالحديث، من أهل تونس. نسبته إلى " أبة " من قرأها. ولي قضاء الجزيرة، سنة 808 ه‍. له " إكمال إكمال المعلم، لفوائد كتاب مسلم " جمع فيه بين المازري وعياض والقرطبي والنووي، مع زيادات من كلام شيخه ابن عرفة، و " شرح المدونة " وغير ذلك، مات بتونس سنة 827 ه‍. انظر الأعلام 6 / 154. (3) أخرجه مسلم 1 / 192 كتاب الإيمان (347 - 203). (*)

[ 255 ]

أجاب عن ذلك عقيل بن أبي طالب بثلاثة أجوبة: الأول أنها أخبارا آحاد فلا تعارض القاطع. الثاني: قصر التعذيب على هؤلاء والله أعلم بالسبب. الثالث: قصر التعذيب في هذه الأحاديث على من بدل وغير الشرائع وشرع من الضلال ما لا يعذر به. فإن أهل الفترة ثلاثة أقسام: الأول من أدرك التوحيد ببصيرته ثم من هؤلاء من لم يدخل في شريعة كقس بن ساعدة (1) وزيد بن عمرو بن نفيل. ومنهم من دخل في شريعة حق قائمة الرسم كتبع وقومه. الثاني: من بدل وغير وأشرك ولم يوحد وشرع لنفسه فحلل وحرم وهم الأكثر، كعمرو ابن لخي أول من سيب السوائب ووصل الوصيلة وحمى الحامي. وزادت طائفة على ما شرعه أن عبدوا الجن والملائكة وخرقوا البنين والبنات، واتخذوا بيوتا جعلوا لها سدنة وحجابا يضاهون بها الكعبة كاللات والعزى ومناة. الثالث: من لا يشرك ولم يوحد ولا دخل في شريعة نبي، ولا ابتكر لنفسه شريعة ولا اخترع دينا، بل بقي عمره على حال غفلة عن هذا كله. وفي الجاهلية من كان كذلك. فإذا انقسم أهل الفترة إلى الثلاثة أقسام فيحمل من صح تعذيبه على أهل القسم الثاني بكفرهم بما لا يعذرون به. وأما القسم الثالث فهم أهل فترة حقيقة، وهم غير معذبين للقطع كما تقدم. وأما القسم الأول فقد قال صلى الله عليه وسلم في كل من قس وزيد: إنه يبعث أمة وحده. وأما تبع ونحوه فحكمهم حكم أهل الدين الذين دخلوا فيه، ما لم يلحق أحد منهم الإسلام الناسخ لكل دين. انتهى. ما أورده الآبي رحمه الله تعالى. المسلك الثاني: أنهما لم يثبت عنهما شرك بل كانا على الحنيفية دين جدهما إبراهيم صلى الله عليه وسلم، كما كان زيد بن عمرو بن نفيل وأضرابه في الجاهلية. ومال إلى هذا المسلك الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى. وزاد أن آباءه صلى الله عليه وسلم كلهم إلى آدم كانوا على التوحيد. كما قال في كتابه " أسرار التنزيل " ما نصه: قيل إن آزر لم يكن والد إبراهيم بل كان عمه. واحتجوا عليه بوجوه. منها: أن آباء الأنبياء ما كانوا كفارا. ويدل عليه وجوه. أحدهماد: قوله تعالى: (الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين). قيل معناه: أنه كان ينقل نوره من


(1) قس بن ساعدة بن عمرو بن عدي بن مالك، من بني إياد: أحد حكماء العرب، ومن كبار خطبائهم، في الجاهلية. كان أسقف نجران، ويقال: إنه أول عربي خطب متوكئا على سيف أو عصا، وأول من قال في كلامه " أما بعد ". وكان يفد على قيصر الروم، زائرا، فيكرمه ويعظمه. وهو معدود في المعمرين، طالت حياته وأدركه النبي صلى الله عليه وسلم قبل النبوة، ورآه في عكاظ وسئل عنه بعد ذلك، فقال: يحشر أمة وحده. انظر الأعلام 5 / 196. (*)

[ 256 ]

ساجدإلى ساجد قال: وبهذا التقدير فالآية دالة على أن جميع آباء محمد صلى الله عليه وسلم كانوا مسلمين، وحينئذ يجب القطع بأن والد إبراهيم ما كان من الكافرين إنما ذاك عمه، أقصى ما في الباب أن يحمل قوله: " وتقلبك في الساجدين " على وجوه أخرى، وإذا وردت الروايات بالكل ولا منافاة بينها وجب حمل الآية على الكل، ومتى صح ذلك ثبت أن والد إبراهيم ماكان من عبدة الأوثان. قال: ومما يدل على أن آباء محمد صلى الله عليه وسلم. ما كانوا مشركين قوله عليه الصلاة والسلام: " لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات " وقال تعالى: (إنما المشركون نجس) فوجب أن لا يكون أحد من أجداده صلى الله عليه وسلم مشركا. انتهى كلام الإمام فخر الدين. قال الشيخ رحمه الله تعالى: وقد وجدت له أدلة قوية ما بين عام وخاص. فالعام مركب من مقدمتين: إحدهما: أنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن كل جد من أجداده صلى الله عليه وسلم خير أهل قرنه لحديث البخاري: " بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا، حتى بعثت من القرن الذي كنت فيه " وتقدمت أحاديث كثيرة في هذا المعنى في باب العرب وفي باب طهارة أصله صلى الله عليه وسلم. الثانية: أنه قد ثبت أن الأرض لم تخل من سبعة مسلمين فصاعدا يدفع الله تعالى بهم عن أهل الأرض. فروى عبد الرزاق في المصنف وابن المنذر في التفسير بسند صحيح على شرط الشيخين عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: " لم يزل على وجه الدهر في الأرض سبعة مسلمون فصاعدا فلولا ذلك هلكت الأرض ومن عليها ". وروى الإمام أحمد في الزهد والخلال في كرامات الأولياء بسند صحيح على شرطهما، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: ما خلت الأرض من بعد نوح من سبعة يدفع الله تعالى بهم عن أهل الأرض. وإذا قرنت بين هاتين المقدمتين أنتج ما قاله الإمام. لأنه إن كان كل جد من أجداده صلى الله عليه وسلم من جملة السبعة المذكورين في زمانه فهو المدعى. وإن كان غيرهم لزم أحد أمرين: إما أن يكون غيرهم خيرا منهم، وهو باطل لمخالفته الحديث الصحيح، وإما أن يكونوا خيرا منه وهم على الشرك وهو باطل بالإجماع، وفي التنزيل: (ولعبد مؤمن خير من مشرك) فثبت أنهم على التوحيد ليكونوا خير أهل الأرض كل في زمانه. وأما الخاص فروى ابن سعد في الطبقات عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: " ما بين نوح إلى آدم من الآباء كانوا على الإسلام ". وروى ابن المنذر وابن أبي حاتم والبزار في مسنده والحاكم وصححه، عن ابن عباس

[ 257 ]

رضي الله تعالى عنهما قال: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا فبعث الله النبيين. قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله: كان الناس أمة واحدة فاختلفوا. وفي التنزيل حكاية عن نوح صلى الله عليه وسلم: " رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا " وسام بن نوح مؤمن بنص القرآن والإجماع، بل ورد في أثر أنه نبي رواه ابن سعد والزبير بن بكار في الموفقيات وابن عساكر عن محمد بن السائب، وولده أرفخشذ صرح بإيمانه في أثر عن ابن عباس. رواه ابن عبد الحكم في تاريخ مصر وفيه أنه أدرك جده نوحا وأنه دعا له أن يجعل الله تعالى الملك والنبوة في ولده. وولد أرفخشذ إلى تارح ورد التصريح بإيمانهم. روى ابن سعد من طريق محمد بن السائب، عن أبي صالح، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الناس ما زالوا ببابل وهم على الإسلام من عهد نوح إلى أن ملكهم نمرود فدعاهم إلى عبادة الأوثان ففعلوا. فعرف من مجموع هذه: الآثار أن أجداد النبي صلى الله عليه وسلم كانوا مؤمنين بيقين من آدم إلى زمن نمرود. وفي زمنه كان إبراهيم صلى الله عليه وسلم. وآزر إن كان والد إبراهيم فيستثنى من سلسلة النسب وإن كان عمه فلا استثناء. وهذا القول، أعني أن آزر ليس أبا إبراهيم، ورد عن جماعة من السلف. رواه ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد، من طرق بعضها صحيح. ورواه ابن المنذر عن ابن جريج بسند صحيح وابن أبي حاتم عن السدي بسند صحيح. وقد وجه من حيث اللغة بأن العرب تطلق لفظ الأب على العم إطلاقا شائعا وإن كان مجازا. وبسط الشيخ الكلام على ذلك، وتركته لأنه خلاف الظاهر. وقد صحت الأحاديث في البخاري وغيره وتضافرت نصوص العلماء بأن العرب من عهد إبراهيم وهم على دينه ولم يكفر أحد منهم إلى عهد عمرو بن عامر الخزاعي، وهو الذي يقال له عمرو بن لحي، فهو أول من عبد الأصنام وغير دين إبراهيم وحمل العرب على ذلك فتبعته. وكان عمرو بن لحي قريبا من زمن كنانة جد النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا مزيد بيان يأتي قبيل أبواب البعثة. ثم ذكر الشيخ رحمه الله تعالى ما يشهد لإيمان عدنان ومعد وربيعة ومضر وخزيمة وأسد وإلياس وكعب بن لؤي. وسيأتي بيان ذلك في تراجمهم. ثم قال: فتلخص من مجموع ما سقناه: أن أجداده صلى الله عليه وسلم من آدم إلى كعب بن لؤي ومن ولده مرة مصرح بإيمانهم، إلا آزر فإنه مختلف فيه. فإن والد إبراهيم فإنه مستثنى، وإن كان عمه كما هو أحد القولين فيه فهو خارج عن الأجداد وسلمت سلسلة النسب. وبقي بين مرة وعبد المطلب أربعة أجداد لم أظفر فيهم بنقل. وعبد المطلب يأتي الكلام عليه في ترجمته إن شاء الله تعالى.

[ 258 ]

ويرحم الله الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي حيث قال: تنقل أحمد نورا مبينا * * تلألأ في وجوه الساجدينا تقلب فيهم قرنا فقرنا * * إلى أن جاء خير المرسلينا المسلك الثالث: أن الله تعالى أحياهما له صلى الله عليه وسلم حتى آمنا به. وهذا المسلك مال إليه طائفة كثيرة من الأئمة وحفاظ الحديث واستندوا إلى حديث ورد بذلك لكن إسناده ضعيف. وقد أورده ابن الجوزي في الموضوعات، وليس بموضوع، وقد نص ابن الصلاح في علوم الحديث وسائر من تبعه على أن ابن الجوزي تسامح في كتابه الموضوعات فأورد فيه أحاديث وحكم بوضعها وليست بموضوعة بل هي ضعيفة فقط، وربما تكون حسنة أو صحيحة. قال الحافظ زين الدين العراقي رحمه الله تعالى في ألفيته: وأكثر الجامع فيه إذ خرج * * لمطلق الضعف عنى أبا الفرج وقد ألف شيخ الإسلام أبو الفضل ابن حجر (1) رحمه الله تعالى رحمه الله تعالى كتابا سماه: " القول المسدد في الذب عن مسند أحمد " أورد فيه جملة من الأحاديث التي أوردها ابن الجوزي في الموضوعات وهي في مسند أحمد. ودرأ عنها أحسن الدرء، ووهم ابن الجوزي في حكمه عليها بالوضع، وبين أن منها ما هو ضعيف فقط من غير أن يصل إلى حد الوضع، ومنها ما هو حسن، ومنها ما هو صحيح، وأبلغ من ذلك أن منها حديثا مخرجا في صحيح مسلم. حتى قال شيخ الإسلام: هذه غفلة شديدة من ابن الجوزي حيث حكم على هذا الحديث بالوضع وهو في أحد الصحيحين. انتهى. وسبقه إلى شئ من هذا التعقب شيخه حافظ عصره زين الدين العراقي، ورأيت في فهرست مصنفات شيخ الإسلام أنه شرع في تأليف تعقبات على ابن الجوزي، ولم أقف على هذا التأليف، وقد تتبعت أنا منه جملة من الأحاديث ليست بموضوعة، فمنها ما هو في سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ومستدرك الحاكم وغيرها من الكتب المعتمدة وبينت حال كل حديث منها ضعفا وحسنا وصحة في تأليف حافل، يسمى: " النكت البديعات على الموضوعات ".


(1) أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني، أبو الفضل، شهاب الدين بن حجر: من أئمة العلم والتاريخ. أصله من عسقلان (بفلسطين) ومولده ووفاته بالقاهرة. ولع بالأدب والشعر ثم أقبل على الحديث، ورحل إلى اليمن والحجاز وغيرهما لسماع الشيوخ، وعلت له شهرة فقصده الناس للأخذ عنه وأصبح حافظ الإسلام في عصره، قال السخاوي: " انتشرت مصنفاته في حياته وتهادتها الملوك ومتبها الأكابر " وكان فصيح اللسان، رواية للشعر، عارفا بأيام المتقدمين وأخبار المتأخرين، صبيح الوجه. وولي قضاء مصر مرات ثم اعتزل. أما تصانيفه فكثيرة جليلة، منها " الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة " و " لسان الميزان ". توفي سنة 852 ه‍. انظر الأعلام 1 / 178. (*)

[ 259 ]

وهذا الحديث الذي نحن في ذكره خالف ابن الجوزي فيه كثير من الأئمة والحفاظ فذكروا أنه من قسم الضعيف الذي يجوز روايته في الفضائل والمناقب، لا من قسم الموضوع، منهم الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي، والحافظ أبو القاسم، ابن عساكر والحافظ أبو حفص ابن شاهين، والحافظ أبو القاسم السهيلي، والإمام القرطبي، والحافظ محب الدين الطبري، والعلامة ناصر الدين بن المنير، والحافظ فتح الدين بن سيد الناس، ونقله عن بعض أهل العلم. ومشى عليه الصلاح الصفدي في نظم له والحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي في أبيات له فقال: حبا الله النبي مزيد فضل * * على فضل وكان به رؤوفا فأحيا أمه وكذا أباه * * لإيمان به فضلا لطيفا فسلم فالقديم بذا قدير * * وإن كان الحديث به ضعيفا وأخبرني بعض الفضلاء أنه وقف على فتيا بخط شيخ الإسلام ابن حجر أنه أجاب فيها بهذا، إلا أني لم أقف على ذلك، وإنما وقفت على كلامه الذي قدمته في المسلك الثاني. وقال السهيلي رحمه الله تعالى في أوائل " الروض الأنف " بعد إيراد حديث أنه صلى الله عليه وسلم سأل ربه أن يحيي أبويه فأحياهما له فآمنا به ثم أماتهما ما نصه: " والله قادر على كل شئ وليس تعجز رحمته وقدرته عن شئ ونبيه صلى الله عليه وسلم أهل أن يختصه بما شاء من كرامته ". وقال في موضع آخر من الكتاب في حديث أنه صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة: " لو كنت بلغت معهم الكدى ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك " ما نصه: " في قوله: جد أبيك ولم يقل جدك يعني أباه تقوية للحديث الضعيف الذي قدمنا ذكره: أن الله تعالى أحيا أمه وأباه وآمنا به " انتهى. مع أن الحديث الذي أورده السهيلي لم يذكره ابن الجوزي في الموضوعات، وإنما أورد ابن الجوزي حديثا آخر من طريق آخر في إحياء امه فقط وفيه قصة بلفظ غير لفظ الحديث الذي أورده السهيلي. فعلم أنه حديث آخر مستقل وقد جعل هؤلاء الائمة هذا الحديث ناسخا للاحاديث الواردة لما يخالف ذلك، ونصوا على أنه متأخر عنها فلا تعارض بينه وبينها. وقال القرطبي رحمه الله تعالى: فضائل النبي صلى الله عليه وسلم لم تزل تتوالى وتتابع إلى آخر مماته، فيكون هذا مما فضله الله به وأكرمه. قال: وليس إحياؤهما وإيمانهما به بممتنع عقلا ولا شرعا، فقد ورد في القرآن إحياء قتيل بني إسرائيل وإخباره بقاتله، وكان عيسى عليه الصلاة والسلام يحي الموتى وكذلك نبينا صلى الله عليه وسلم قال: وإذا ثبت هذا فما يمتنع من إيمانهما بعد إحيائهما زيادة في كرامته صلى الله عليه وسلم وفضيلته ؟.

[ 260 ]

وبسط الشيخ رحمه الله تعالى الكلام على ذلك في " مسالك الحنفا " ويأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى في باب وفاة أمه صلى الله عليه وسلم. خاتمة وجمع من العلماء لم تقو عندهم هذه المسالك فأبقوا حديث مسلم ونحوه على ظاهرها من غير عدول عنها بدعوى نسخ ولا غيره، ومع ذلك قالوا: لا يجوز لأحد أن يذكر ذلك. قال السهيلي في الروض الأنف بعد إيراده حديث مسلم: وليس لنا نحن أن نقول ذلك في أبويه صلى الله عليه وسلم: " لا تؤذوا الأحياء بسب الأموات " (1) وقال تعالى: (إن الذين يؤذون الله ورسوله) الآية. وسئل القاضي أبو بكر بن العربي أحد الأئمة المالكية رحمه الله تعالى عن رجل قال: إن أبا النبي صلى الله عليه وسلم في النار. فأجاب: بأن من قال ذلك فهو ملعون لقوله تعالى: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة) قال ولا أذى أعظم من أن يقال عن أبيه: إنه في النار. ومن العلماء من ذهب إلى قول خامس وهو الوقف. قال الشيخ تاج الدين الفاكهاني في كتابه " الفجر المنير ": الله أعلم بحال أبويه صلى الله عليه وسلم. وقال الباجي (2) في شرح الموطأ: قال بعض العلماء: إنه لا يجوز أن يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم بفعل مباح ولا غيره، وأما غيره من الناس فيجوز أن يؤذي بمباح وليس له المنع منه، ولا يأثم فاعل المباح وإن وصل ذلك إلى أذى غيره. قال: ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد علي ابن أبي طالب أن يتزوج ابنة أبي جهل: " إنما فاطمة بضعة مني وإني لا أحرم ما أحل الله، ولكن لا والله لا تجتمع ابنة رسول الله وابنة عدو الله عند رجل أبدا ". فجعل حكمها في ذلك حكمه أنه لا يجوز أن تؤذي بمباح. واحتج على ذلك بقوله تعالى: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا. والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا) فشرط على المؤمنين أن يؤذوا بغير ما اكتسبوا. وأطلق الأذى في خاصة النبي صلى الله عليه وسلم من غير شرط. انتهى.


(1) ذكره المتقي الهندي في الكنز (37417). (2) سليمان بن خلف بن سعد التجيبي القرطبي، أبو الوليد الباجي: فقيه مالكي كبير، من رجال الحديث. أصله من بطليوس ومولده في باجة بالأندلس. رحل إلى الحجاز سنة 426 ه‍، فمكث ثلاثة أعوام. وأقام ببغداد ثلاثة أعوام، وبالموصل عاما، وفي دمشق وحلب مدة. وعاد إلى الأندلس، فولي القضاء في بعض أنحائها. وتوفي بالمرية. من كتبه " السراج في علم الحجاج " و " إحكام الفصول، في أحكام الأصول ". توفي سنة 474 ه‍. الأعلام 3 / 125. (*)

[ 261 ]

وأخرج ابن عساكر في تاريخه من طريق يحيى بن عبد الملك بن أبي عتبة قال: حدثنا نوفل بن الفرات. وكان عاملا لعمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه. قال: كان رجل من كتاب الشام مأمونا عندهم استعمل رجلا على كورة الشام وكان أبوه يزن بالمانية (1) فبلغ ذلك عمر بن عبد العزيز فقال: ما حملك على أن تستعمل رجلا على كورة من كور المسلمين كان أبوه يزن بالمانية ؟ قال: أصلح الله أمير المؤمنين وما علي من كان أبوه كان أبو النبي صلى الله عليه وسلم مشركا. فقال عمرآه. ثم سكت ثم رفع رأسه ثم قال: أأقطع لسانه ؟ أأقطع يده ورجله ؟ أأضرب عنقه ؟ ثم قال: لا يلي شيئا ما بقيت. قال الشيخ رحمه الله تعالى: وقد سئلت أن أنظم في هذه المسألة أبياتا أختم بها هذا التأليف فقلت: إن الذي بعث النبي محمدا * * أنجى به الثقلين مما يجحف ولأمه وأبيه حكم شائع * * أبداه أهل العلم فيما صنفوا فجماعة أجروهما مجرى الذي * * لم يأته خبر الدعاة المسعف والحكم فيمن لم تجئه دعوة * * أن لا عذاب عليه حكم يؤلف فبذاك قال الشافعية كلهم * * والأشعرية ما بهم متوقف وبسورة الإسراء فيه حجة * * وبنحو ذا في الذكر آي تعرف ولبعض أهل الفقه في تعليله * * معنى أدق من النسيم وألطف ونحا الإمام الفخر رازي الورى * * منحى به للسامعين تشنف إذ هم على الفطر الذي ولدوا ولم * * يظهر عناد منهم وتخلف قال الألى ولد النبي المصطفى * * كل على التوحيد إذ يتحنف من آدم لأبيه عبد الله ما * * فيهم أخو شرك ولا مستنكف فالمشركون كما بسورة توبة * * نجس وكلهم بطهر يوصف وبسورة الشعراء فيه تقلب * * في الساجدين فكلهم متحنف هذا كلام الشيخ فخر الدين في * * أسراره هطلت عليه الذرف فجزاه رب العرش خير جزائه * * وحباه جنات النعيم تزخرف فلقد تدين في زمان الجاهل‍ * * ية فرقة دين الهدى وتحنفوا زيد بن عمرو بن نوفل هكذا الصد * * يق ما شرك عليه يعكف قد فسر السبكي بذاك مقالة * * للأشعري وما سواه مزيف


(1) يزن: أي يتهم. (*)

[ 262 ]

إذ لم تزل عين الرضا منه على ال‍ * * صديق وهو بطول عمر أحنف عادت عليه صحبة الهادي فما * * في الجاهلية للضلالة يقرف فلأمه وأبوه أحرى سيما * * ورأت من الآيات ما لا يوصف وجماعة ذهبوا إلى إحيائه * * أبويه حتى آمنا لا خرفوا وروى ابن شاهين حديثا مسندا * * في ذاك لكن الحديث مضعف هذي مسالك لو تفرد بعضها * * لكفى فكيف بها إذا تتألف وبحسب من لا يرتضيها صمته * * أدبا ولكن أين من هو منصف صلى الإله على النبي محمد * * ما جدد الدين الحنيف محنف ابن عبد المطلب عبد المطلب: مفتعل من الطلب. يكنى أبا الحارث، وأبا البطحاء، واسمه شيبة الحمد. قال السهيلي: وهو الصحيح. وقيل عامر. قال أبو عمر رحمه الله تعالى: ولا يصح: واختلف لم سمي شيبة. فقيل: إنه ولد في رأسه شيبة وكانت ظاهرة في ذؤابته. وقيل: لأن أباه وصى أمه بذلك. ولقب عبد المطلب لأن أباه هاشما قدم المدينة تاجرا فنزل على عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدي النجار. ذكر هذا النسب مصعب. وقال الزهري: عمرو بن زيد بن عدي بن النجار. وقال ابن إسحق رحمه الله تعالى: زيد بن عمرو بن أسد بن حرام بن خداش بن جندب بن عدي بن النجار. فلمح ابنته سلمى بنت عمرو فأعجبته فخطبها إلى أبيها فأنكحه إياها وشرط عليه أنها لا تلد ولدا إلا في أهلها. فمضى هاشم ولم يبن بها حتى رجع، فبنى بها عند أهلها وسكن معها سنين، ثم ارتحل إلى مكة بها، فلما أثقلت خرج بها فوضعها عند أبيها ومضى إلى الشام فمات بغزة من وجهه ذلك. وولدت عبد المطلب فمكث بالمدينة سبع سنين أو ثمانيا، ثم إن رجلا من أهل تهامة من بني الحارث بن عبد مناف مر بالمدينة فإذا غلمان ينتضلونه وإذا غلام فيهم إذا أصاب قال: أنا ابن هاشم، أنا ابن سيد البطحاء. فقال له الرجل: ممن أنت يا غلام ؟ قال: أنا شيبة بن هاشم بن عبد مناف. فانصرف الرجل حتى قدم مكة فوجد المطلب بن عبد مناف جالسا في الحجر فقال له: قم يا أبا الحارث. فقام إليه فقال: تعلم أني جئت الآن من يثرب فوجدن غلمانا ينتضلون. وقص عليه ما رأى من عبد المطلب. قال: وإذا أظرف غلام رأيته قط ولا يحسن أن يترك مثله. قال المطلب: أغفلته والله ! أما والله لا أرجع إلى أهلي ومالي حتى آتيه. فأعطاه الحارث ناقته فركبها.

[ 263 ]

فخرج المطلب بن عبد مناف حتى أتى المدينة عشيا ثم خرج براحلته حتى أتى بني عدي ابن النجار فإذا بغلمان من بين ظهراني المجلس، فلما نظر إلى ابن أخيه قال: هذا ابن هاشم ؟ فقال القوم: نعم. وعرف القوم المطلب. فقالوا: نعم هذا ابن أخيك، فإن كنت تريد أخذه فالساعة لا تعلم أمه فإنها إن علمت حلنا بينك وبينه. فأناخ راحلته ثم دعاه فقال: يا بن أخي أنا عمك وقد أردت الذهاب بك إلى قومك فاركب. فوالله ما كذب أن جلس على عجز الرحل وجلس المطلب على الرحل ثم بعث راحلته فانطلق به. فلما علمت إمه أن عمه ذهب به علقت تدعو من حزنها على ابنها وقالت: كنا ولاة حمه ورمه (1) * * حتى إذا قام على أتمه انتزعوه غيلة من أمه * * وغلب الأخوال حق عمه وقيل إنه أخذه بإذن أمه. ولما دخل المطلب مكة دخل ضحوة مردفه خلفه والناس في أسواقهم ومجالسهم، فقاموا يرحبون به ويقولون: من هذا معك ؟ فيقول هذا عبدي ابتعته بيثرب. ثم خرج به حتى جاء الحزورة فابتاع له حلة، ثم أدخله على امرأته خديجة ابنة سعيد بن سعد بن سهم، فلما كان العشي ألبسه الحلة ثم أجلسه في مجلس بني عبدمناف وأخبرهم خبره. وجعل بعد ذلك يخرج في تلك الحلة فيطوف في سكك مكة وكان أحسن الناس وجها فيقولون: هذا عبد المطلب. لقول المطلب: هذا عبدي. فثبت اسمه عبد المطلب. وترك شيبة. وكان عبد المطلب يكثر زيارة أخواله ويبرهم. حمة: بحاء مهملة يجوز ضمها وفتحها يعني قليله. رمة: براء يجوز فتحها وضهما يعني كثيره. وروى البلاذري عن محمد بن السائب وغيره قالوا: كان عبد المطلب من حلماء قريش وحكمائها، وكان نديمه حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وكان في جوار عبد المطلب يهودي يقال له أذينة وكان اليهودي يتسوق في أسواق تهامة بماله، فغاظ ذلك حربا فألب عليه فتيان قريش وقال: هذا العلج الذي يقطع إليكم ويخوض في بلادكم بمال جم كثير من غير جوار ولا خيل، والله لو قتلتموه وأخذتم ماله ما خفتم تبعة ولا عرض لكم أحد يطلب دمه. فشد عليه عامر بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي وصخر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة فقتلاه. فجعل عبد المطلب لا يعرف له قاتلا، فلم يزل يبحث


(1) الحم ما أذيب من الشحم - وما بقي من الشحم المذاب، وحم الشئ معظمه يقال: ما له حم ولا رم: لا قليل ولا كثير، وما لك عن ذلك حم ولا رحم: بد وما له حم ولا سم غيرك: ماله هم غيرك. المعجم الوسيط 1 / 200. (*)

[ 264 ]

عن أمره حتى عرف خبره، فأتى حرب بن أمية فأنبه بصنيعه وطلب دم جاره، فأجار حرب قاتليه ولم يسلمهما وأخفاهما، وطالبه عبد المطلب بهما فتغالظا في القول حتى دعاهما المحك واللجاج إلى المنافرة، فجعلا بينهما النجاشي صاحب الحبشة، فأبى أن يدخل بينهما، فجعلا بينهما نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي جد عمر بن الخطاب، فقال لحرب: يا أبا عمرو تنافر رجلا هو أطول منك قامة، وأوسم منك وسامة، وأعظم منك هامة، وأقل منك لامة. وأكثر منك ولدا، وأجزل منك صفدا، وأطول منك مددا، وإني لأقول قولي هذا، وإنك لبعيد الغضب، رفيع الصيت في العرب، جلد المريرة، تحبك العشيرة، ولكنك نافرت منفرا. فنفر عبد المطلب، فغضب حرب. وأغلظ لنفيل وقال: من انتكاس الدهر جعلت حكما. وكانت العرب تتحاكم إليه فقال في ذلك نفيل: أولا د شيبة أهل المجد قد علمت * * عليا معد إذا ما هزهز الورع وشيخهم خير شيخ لست تبلغه * * أني وليس به سخف ولا طمع يا حرب ما بلغت مسعاتكم هبعا * * يسقي الحجيج وماذا يبلغ الهبع أبوكما واحد والفرع بينكما * * منه العشاش ومنه الناضر الينع فترك عبد المطلب منادمة حرب، ونادم عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد ابن تيم بن مرة. ولم يفارق حربا حتى أخذ منه مائة ناقة ودفعها إلى ابن عم اليهودي، وارتجع ماله إلا شيئاا يسيرا كان قد تلف فغرمه من ماله. فقال الأرقم بن نضلة بن هاشم في ذلك: وقبلك ما أردى أمية هاشم * * فأورده عمرو إلى شر مورد أيا حرب قد حاربت غير مقصر * * شآك إلى الغايات طلاع أنجد تفسير الغريب الصفد (1): بفتح الصاد والفاء: العطاء. الهبع: بضم الهاء وفتح الباء الموحدة: الفصيل الذي نتج في آخر النتاج. العشاش: بعين مهملة مكسورة وشينين معجمتين: جمع عش وهو ما يجمعه الطائر من حطام العيدان. الينع: بفتح المثناة التحتية: وهو من الثمر النضيج الطيب. وروى البلاذري عن محمد بن السائب عن أشياخه قالوا: كان لعبد المطلب ماء يدعى الهرم فغلبه عليه جندب بن الحارث الثقفي في طائفة من ثقيف، فنافرهم عبد المطلب إلى


(1) والاسم من العطية الصفد قال النابغة: فلم أعرض - أبيت اللعن - بالصفد، واللسان 4 / 2458. (*)

[ 265 ]

الكاهن القضاعي، وهو سلمة بن أبي حية بن الأسحم بن عامر بن ثعلبة بن سعد بن هذيم، وكان منزله بالشام، فخرج إليه عبد المطلب في نفر من قريش وخرج جندب في جماعة من ثقيف، فلما انتهوا إلى الكاهن خبأوا له رأس جرادة في خرز مزادة، فقال: خبأتم لي شيئا طار فسطع، وتصوب فوقع، ذا ذنب جرار وساق كالمنشار. قالوا: ذه. أي بين. قال: إلا ذه فلاذه. يقول: إن لم يكن قولي بيانا، وهو رأس جرادة، في خرز مزادة، في ثني القلادة. قالوا: صدقت. وانتسبوا له، فقال: أحلف بالضياء والظلم، والبيت ذي الحرم، إن الماء ذا الهرم، للقرشي ذي الكرم. فغضب الثقفيون وقالوا: اقض لأرفعنا مكانا وأعظمنا جفانا. وأشدنا طعانا. فقال عبد المطلب: اقض لصاحب الخيرات الكبر، ولمن أبوه سيد مضر، وساقي الحجيج إذا كثر. فقال الكاهن: أما ورب القلص الرواسم * * يحملن أزوالا بقي طاسم إن سناء المجد والمكارم * * في شيبة الحمد سليل هاشم أبي النبي المرتضى للعالم ثم قال: إن بني النضر كرام ساده * * من مضر الحمراء في قلاده أهل سنا وملوك قاده * * مزارهم بأرضهم عباده إن مقالي فاعلموا شهاده ثم قال: إن ثقيفا عبد أبق، فثقيف فعتق، فليس له في المنصب الكريم من حق. فلما قضى لعبد المطلب بذي الهرم استعار عبد المطلب قدورا ثم أمر فنحرت الجزائر ودعا من حوله فأطعمهم وبعث إلى جبال مكة بجزائر منها، فأمر بها فنحرت للطير والسباع شكرا لله. فلذلك قال أبو طالب ولده: ونطعم حتى تأكل الطير فضلنا * * إذا جعلت ايدي المنيضين ترعد تفسير الغريب الهرم بفتح الهاء وكسر الراء. وأما بالفتح والسكون فمال لأبي سفيان بن حرب بالطائف أيضا. القلص بضم القاف واللام وبالصاد المهملة: جمع قلوص، وهي من الإبل بمنزلة الجارية من النساء، وهي الشابة. رواسم: جمع رسوم وهي الناقة التي تؤثر في الأرض من شدة الوطء. الأزوال: بالزاي واللام: النساء. بقي: بالقاف. طاسم بطاء وسين مهملتين وهو حي من عاد. المنيضين: جمع منيض المعالج للشئ يقال: نضت الشئ إذا عالجته.

[ 266 ]

ونقل البلاذري عن محمد بن السائب رحمه الله تعالى أن ركبا من جذام صدروا عن الحج ففقدوا رجلا منهم غالته بيوت مكة، فلقوا حذافة بن غانم بن عامر بن عوف فأخذوه فربطوه ثم انطلقوا به، فتلقاهم عبد المطلب مقبلا من الطائف معه ابنه أبو لهب يقوده وقد ذهب بصره، فلما نظر إليه حذافة هتف به فقال عبد المطلب لابنه أبي لهب: ويلك ما هذا ؟ قال: هذا حذافة بن غانم مربوطا مع ركب. قال: فالحقهم فاسألهم ما شأنهم. فلحقهم فأخبروه فرجع إلى عبد المطلب فأخبره فقال: ما معك. قال: والله ما معي شئ. قال فالحقهم لا أم لك فأعطهم بيدك وأطلق الرجل. فلحقهم أبو لهب فقال: قد عرفتم تجارتي ومالي وأنا أحلف لكم لأعطينكم عشرين أوقية ذهبا وعشرا من الإبل وحمرا وفرسا، وهذا ردائي رهنا بذلك. فقبلوا منه فأطلقوا حذافة فأقبل به، فلما سمع عبد المطلب صوت أبي لهب قال: وأبي إنك لعاص ارجع لا أم لك ! قال: يا أبتاه هذا الرجل معي فناداه عبد المطلب: يا حذافة أسمعني صوتك. فقال حذافة: هأنذا بأبي أنت وأمي يا ساقي الحجيج أردفني. فأردفه حتى دخل مكة فقال حذافة: بنو شيبة الحمد الذي كان وجهه * * يضئ ظلام الليل كالقمر البدر كهولهم خير الكهول ونسلهم * * كنسل ملوك لا قصار ولا خزر لساقي حجيج ثم للخير هاشم * * وعبد مناف ذلك السيد الفهر ملوك وأبناء الملوك وسادة * * تفلق عنهم بيضة الطائر الصقر متى تلق منهم خارجا في شبابه * * تجده على أحراء والده يجري هم ملأوا البطحاء مجدا وسؤددا * * وهم نكلوا عنا غواة بني بكر وهم يغفرون الذنب ينقم مثله * * وهم تركوا رأى السفاهة والهجر أخارج إما أهلكن فلا تزل * * بشيبة منكم شاكراآخر الدهر والقصيدة أطول مما ذكر وهذه خلاصتها. وروى البلاذري عن محمد بن السائب أن عبد المطلب أول من خضب بالوسمة لأن الشيب أسرع إليه فدخل على بعض ملوك اليمن فأشار عليه بالخضاب فغير شيبته بالحنة ثم علاه بالوسمة، فلما انصرف وصار بقرب مكة جدد خضابه وقد كان تزود من الوسمة شيئا كثيرا، فدخل منزله وشعره مثل حلك الغراب، فقالت امرأته نتيلة أم العباس: يا شيب ما أحسن هذا الصبغ لو دام. فقال عبد المطلب: لو دام لي هذا السواد حمدته * * وكان بديلا من شباب قد انصرم تمتعت منه والحياة قصيرة * * ولا بد من موت نتيلة أو هرم وماذا الذي يجدي على المرء خفضه * * ونعمته يوما إذا عرشه انهدم

[ 267 ]

ثم إن أهل مكة خضبوا بعده. الوسمة: كنبقة وتسكن: نبت يختضب بورقه. وكان عبد المطلب جسيما أبيض وسيما طوالا فصيحا ما رآه أحد قط إلا أحبه، وصار إليه السقاية والرفادة، وشرف في قومه وعظم شأنه. وكان يعرف فيه نور النبوة وهيبة الملك. ومكارمه أكثر من أن تحصر، فإنه كان سيد قريش غير مدافع نفسا وأبا وبيتا وجمالا وبهاء وفعالا. قال الرشاطي رحمه الله تعالى: وكان ممن حرم الخمر في الجاهلية. وله عدة بنين وبنات يأتي ذكرهم عند ذكر أعمام النبي صلى الله عليه وسلم وعماته، وتوفي وله مائة وعشرون سنة، وقيل خمس وثمانون وقيل غير ذلك. تنبيه: قال السهيلي رحمه الله تعالى: ظاهر حديث أبي طالب لما قال له رسول صلى الله عليه وسلم: " قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها "، فكان آخر كلامه أنه على ملة عبد المطلب يقتضي أن عبد المطلب مات على الشرك قال: ووجدت في بعض كتب المسعودي اختلافا في عبد المطلب، وأنه قد قيل فيه مات مسلما لما رأى من الدلالات على نبوته صلى الله عليه وسلم وعلم أنه لا يبعث إلا بالتوحيد. فالله أعلم. غير أن في مسند الدارمي وسنن النسائي عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة وقد عزت قوما من الأنصار: " لعلك بلغت معهم الكدى " ويروى الكرى بالراء يعني القبور ؟ قالت لا. قال: " لو بلغت ذلك ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك " وهذا ظاهر في عدم إسلامه. انتهى. وقد ذكره ابن السكن (1) في الصحابة لما جاء عنه أنه ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم سيبعث كما ذكر بحيرى الراهب وسيف بن ذي يزن وقس بن ساعدة ونظائرهم ممن كان قبل البعثة. والخبر رواه عنه العباس وتقدم. ولم يتعقب الحافظ في الإصابة ابن السكن بشئ غير أنه أورده في القسم الرابع وقد قال في أول الكتاب: إن القسم الرابع فيمن ذكر في كتب الصحابة على سبيل الوهم والغلط، وبين ذلك البيان الظاهر الذي يعول عليه على طريق أهل الحديث. إلى آخره.


(1) سعيد بن عثمان بن سعيد بن السكن البغدادي، أبو علي: من حفاظ الحديث. نزل بمصر وتوفي بها. قال ابن ناصر الدين: " كان أحد الأئمة الحفاظ، والمصنفين الأيقاظ. رحل وطوف، وجمع وصنف ". له " الصحيح المنتقى " في الحديث. توفي سنة 353 ه‍. الأعلام 3 / 98. (*)

[ 268 ]

والظاهر أن إيراده له في القسم الرابع إنما هو لكونه لم يدرك البعثة، فكيف يعد من الصحابة كسيف بن ذي يزن فإنه مات بعد المولد بنحو ثلاث سنين، فإنه وإن أقر ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم فلا يسمى صحابيا، لأنه لم يره بعد البعثة، بل لم يره أصلا. وقال في ترجمة أبي طالب في الكنى، بعد أن أورد قصة الامتحان يوم القيامة: ونحن نرجو أن يدخل عبد المطلب وآل بيته في جملة من يدخلها طائعا فينجو. إلى آخره. وتقدم لهذا مزيد بيان في ترجمة ابنه عبد الله. ابن هاشم هاشم: اسم فاعل من الهيثم وهو كسر الشئ اليابس والأجوف. واسمه عمرو العلا، وهو منقول إما من العمر بفتح العين الذي هو من العمر بضمها أي البقاء، ذكره أبو الفتح ابن جني رحمه الله تعالى في المبهج وأنشد لأبي القماقم: يا رب زد من عمره في عمري * * واستوف مني يا إلهي نذري ويحكى أن عيسى بن عمر سأل عمرو بن عبيد فقال: لم سميت عمرا ؟ فقال له: العمر البقاء أطال الله عمرك وعمرك. قال ابن دحية رحمه الله تعالى: إن استعمل العمر في القسم فالفتح لا غير. قال تعالى: (لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون). أو من غير مما هو مذكور في الروض والزهر وغيرهما. ولقب هاشما لأنه أول من هشم الثريد لقومه بمكة وأطعمه، وذلك أن أهل مكة أصابهم جهد وشدة فرحل إلى فلسطين فاشترى منها دقيقا كثيرا وكعكا وقدم بذلك إلى مكة فأمر به فخبز ثم نحر جزورا وجعلها ثريدا عم به أهل مكة، ولا زال يفعل ذلك حتى استكفوا. وهو أول من سن الرحلتين، رحلة الشتاء إلى الحبشة ورحلة الصيف إلى الشام. قال الرشاطي: كانت قريش تجارتهم لا تعدو مكة، وكانت الأعاجم تقدم عليهم بالسلع فيشترون منهم، حتى ركب هاشم إلى الشام فنزل بقيصر وكان كل يوم يذبح شاة فيصنع جفنة ثريد ويدعو من حوله فيأكلون فذكر ذلك لقيصر أن ها هنا رجلا من قريش يهشم الخبز ثم يصب عليه المرق ويفرغ عليه اللحم، وإنما كانت العجم تضع المرق في الصحاف ثم تأتدم عليه بالخبز، فدعا به قيصر وكلمه فأعجبه كلامه وأعجب به وجعل يرسل إليه ويدخل عليه، فلما رأى مكانه منه قال: أيها الملك إن لي قوما وهم تجار العرب فإن رأيت أن تكتب لي كتابا تؤمنهم وتؤمن تجارتهم فيقدموا عليك بما يستظرف من أدم الحجاز وثيابه فيمكنوا من بيعه عندكم فهو أرخص عليكم. فكتب له كتاب أمان لمن أتى منهم فأقبل هاشم بالكتاب فجعل كلما مر بحي من العرب على طريق الشام أخذ لهم من أشرافهم إيلافا، والإيلاف أن يأمنوا

[ 269 ]

عندهم وفي طريقهم وأرضهم بغير حلف، إنما هو أمان الطريق، فأخذ هاشم الإيلاف فيمن بينه وبين الشام حتى قدم مكة فأعطاهم الكتاب، فكان ذلك أعظم بركة. ثم خرجوا بتجارة عظيمة وخرج هاشم معهم يجوزهم ويوفيهم إيلافهم الذي أخذ لهم من العرب، فلم يبرح يجمع بينهم وبين العرب حتى ورد الشام. ومات في تلك السفرة بغزة. فهذا سبب تسميته بهاشم. كذا قاله الرشاطي رحمه الله تعالى. وما ذكرناه في سبب تسميته هاشما هو المشهور. ولا مانع أن يكون سمي ببلاد مكة هاشما لما تقدم، وببلاد قيصر كذلك. والله تعالى أعلم. وخرج اخوه عبد شمس إلى النجاشي بالحبشة وأخذ لهم كذلك. وخرج أخوهما نوفل إلى الأكاسرة بالعراق وأخذ لهم كذلك. وخرج المطلب إلى حمير باليمن وأخذ لهم كذلك. فكان يقال لهاشم ولعبد شمس وللمطلب ولنوفل، أولاد عبد مناف: المجيزون فسادوا كلهم، فقال فيهم عبد الله بن الزبعري رضي الله تعالى عنه، ويقال بل أبوه قائل ذلك. قال البلاذري: والأول أثبت: يا أيها الرجل المحول رحله * * هلا نزلت بآل عبد مناف الآخذون العهد من آفاقها * * والراحلون لرحلة الإيلاف والرائشون وليس يوجد رائش * * والقائلون هلم للأضياف والخالطون غنيهم بفقيرهم * * حتى يكون فقيرهم كالكافي عمرو العلا هشم الثريد لقومه * * سفر الشتاء ورحلة الإيلاف (1) وروى الزبير بن بكار في الموفقيات، عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى قال: كانت قريش في الجاهلية تحتفد، وكان احتفادها أن أهل البيت منهم كانوا إذا سافت - يعني هلكت - أموالهم خرجوا إلى براز من الأرض فضربوا على أنفسهم الأخبية ثم تناوبوا فيها حتى يموتوا خوفا من أن يعلم بخلتهم. حتى نشأ هاشم بن عبد مناف فلما ربل وعظم قدره في قومه قال: يا معشر قريش إن العز مع كثرة العدد، وقد أصبحتم أكثر العرب أموالا وأعزهم نفرا، وإن هذا الاحتفاد قد أتى على كثير منكم، وقد رأيت رأيا. قالوا: رأيك رشيد، فمرنا نأتمر. قال رأيت أن أخلط فقراءكم بأغنيائكم فأعمد إلى رجل غني فأضم إليه فقيرا عدده بعدد عياله فيكون يؤازره في الرحلتين رحلة الشتاء ورحلة الصيف، رحلة الصيف إلى الشام ورحلة الشتاء إلى اليمن، فما كان في مال الغني من فضل عاش الفقير وعياله في ظله، وكان ذلك قطعا


(1) روي في الروض الأنف هذان البيتان: عمرو الذي هشم الثريد لقومه * * قوم بمكة منتهين عجاف سننت إليه الرحلتان كلاهما * * سفر الشتاء ورحلة الإيلاف الروض الأنف 1 / 157. وفي البداية والنهاية الأصياف بدل الإيلاف، انظر البداية والنهاية 2 / 253. (*)

[ 270 ]

للاحتفاد. قالوا: نعم ما رأيت. فألف بين الناس. الاحتفاد: خفة العمل والإسراع فيه. وروى البلاذري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: والله لقد علمت قريش أن أول من أخذ لها الإيلاف وأجاز لها العيرات لهاشم، والله ما أخذت قريش حبلا لسفر ولا أناخت بعيرا لحضر إلا بهاشم. وكان هاشم رجلا موسرا، وكان يقوم أول يوم في ذي الحجة فيسند ظهره إلى الكعبة من تلقاء بابها فيخطب فيقول: يا معشر قريش أنتم سادة العرب أنسابا، وأنتم أقرب العرب بالعرب أرحاما، يا معشر قريش إنكم جيران بيت الله أكرمكم الله تعالى بولاية بيته وخصكم بجواره دون بني إسماعيل، حفظ منكم أحسن ما حفظ جار من جاره فأكرموا ضيفه وزوار بيته، فإنهم يأتون شعثا غبرا من كل بلد على ضوامر كالقداح وقد أرحضوا وثفلوا وقملوا وأرملوا، فاقروهم وأعينوهم، ولو كان لي مال يحمل ذلك كله كفيتكموه وأنا مخرج من طيب مالي وحلاله ما لم تقطع فيه رحم ولم يؤخذ بظلم ولم يدخل فيه حرام فواضعه، فمن شاء منكم أن يفعل مثل ذلك فعل، وأسألكم بحرمة هذا البيت أن لا يخرج رجل منكم من ماله لكرامة زوار بيت الله ومعونتهم إلا طيبا لم يؤخذ ظلما ولم يقطع فيه رحم ولم يؤخذ غصبا. فكانت بنو كعب بن لؤي كلها تجتهد في ذلك، ثم يخرجون ذلك من أموالهم حتى إن كان أهل البيت ليرسلون بالشئ اليسير على قدرهم، وكان أهل اليسار منهم ربما أرسل بمائة مثقال هرقلية فيأتون به هاشما فيضعونه في داره دار الندوة. وكان هاشم يخرج في كل سنة مالا كثيرا. وكان يأمر بحياض من أدم فتجعل في موضع زمزم من قبل أن تحفر زمزم ثم يستقي فهيا من الآبار التي بمكة فيشرب الحاج. وكان يطعمهم أول ما يطعمهم قبل التروية بيوم مكة وبمنى وبجمع وعرفة وكان يثرد لهم الخبز واللحم، والخبز والسمن، والسويق والتمر، ويحمل لهم الماء، ويفرق الناس لبلادهم. وكان من أحسن الناس وأجملهم، وكانت العرب تسميه قدح النضار والبدر. قال أبو سعد النيسابوري رحمه الله تعالى في " الشرف ": كان النور يرى على وجهه كالهلال يتوقد، لا يراه أحد إلا أحبه وأقبل نحوه. وبعث إليه قيصر رسولا ليتزوج ابنته لما وجد في الإنجيل من صفته فأبى. ولها شم من الأولاد: نضلة، وبه كان يكنى، وعبد المطلب والعقب منه. وأسد والد فاطمة بنت أسد أم سيدنا علي رضي الله تعالى عنهما. وأبو صيفي. والشفاء، وخلدة. ورقية وحبيبة.

[ 271 ]

وله من الإخوة: المطلب، وعبد شمس، وتماضر، وقلابة. وأمهم عاتكة بنت مرة بن هلال بن فالج، بالجيم، بن ذكوان بن ثعلبة بن الحارث بن بهثة بن سليم السلمية. ونوفل، وأبو عمرو واسمه عبيد. قال ابن قتيبة رحمه الله تعالى: ولا عقب له. وأميمة، أمهم وافدة بنت أبي عدي بن عبد فهم من بني مازن بن صعصعة. وريطة بنت عبد مناف، ولدت في بني هلال بن معيط من بني كنانة وأمها من ثقيف. وقيل إن هاشما وعبد شمس توأمان وإن أحدهما ولد قبل الآخر. قيل إن الأول هاشم وإن إصبع أحدهما ملتصقة بجهة صاحبه فنحيت فسال دم، فقيل يكون بينهما دم. وولي هاشم بعد أبيه عبد مناف ما كان إليه من السقاية والرفادة فحينئذ حسده أمية ابن عبد شمس بن عبد مناف فنال من هاشم. فروى البلاذري عن هشام بن محمد بن السائب رحمه الله تعالى قال: كان أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ذا مال فتكلف أن يفعل كما فعل هاشم في إطعام قريش، فعجز عن ذلك، فشمت به أناس من قريش وعابوه لتقصيره، فغضب ونافر هاشما على خمسين ناقة سود الحدق. تنحر بمكة وإجلاء عشر سنين، وجعلا بينهما الكاهن الخزاعي، وهو جد عمرو بن الحميق وكان منزله عسفان. وكان مع أمية أبو همهمة بن عبد العزى الفهري، وكانت ابنته عن أمية، فقال الكاهن: والقمر الباهر، والكوكب الزاهر، والغمام الماطر، وما بالجو من طائر. وما اهتدى بعلم مسافر، في منجد وغائر لقد سبق هاشم أمية إلى المآثر، أول منها وآخر، وأبو همهمة بذاك خابر. فأخذ هاشم الإبل، فنحرها وأطعم لحمها من حضر. وخرج أمية إلى الشام فأقام عشر سنين. فتلك أول عداوة وقعت بين بني هاشم وأمية. مات هاشم بغزة وله عشرون سنة. ويقال خمس وعشرون سنة. قال البلاذري رحمه الله تعالى: وهذا أثبت. وهو أول من مات من بني عبد مناف. ثم مات عبد شمس بمكة فقبر بأجياد. ثم مات نوفل بسلمان من طريق العراق. ومات المطلب بردمان من طريق اليمن. وسلمان بوزن اسم سلمان الفارسي، وردمان بوزنه. ابن عبد مناف عبد مناف: قال السهيلي (مفعل من أناف ينيف إنافة: إذا ارتفع. وقال المفضل رحمه الله تعالى: الإشراف والزيادة. وبه سمى عبد مناف. ومنه تقول: مائة ونيف أي شئ زائد على المائة) (1) واسمه المغيرة منقول من الوصف. والهاء فيه للمبالغة. أي أنه يغير على


(1) سقط في أ. (*)

[ 272 ]

الأعداء. أو مغير من أغار الحبل إذا أحكمه. ودخلت الهاء للمبالغة، كما دخلت في علامة ونسابة. قال السهيلي رحمه الله تعالى: ويجوز أن تكون الهاء في المغيرة للتأنيث، ويكون منقولا من وصف المؤنث. وكنيته أبو شمس وأمه حبي بضم الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة الممالة. وكان يقال له قمر البطحاء لجماله. وسبب تلقيبه بعبد مناف أن أمه حبى بنت حليل، بضم الحاء المهملة وفتح اللام، ابن حبشية، بضم الحاء المهملة وقيل بفتحها وسكون الباء الموحدة وكسر الشين المعجمة وتشديد الياء وقيل بتخفيفها، ابن سلول بفتح السين المهملة ولامين الأولى مضمومة، ابن كعب بن خزاعة قد أخدمته مناة، وكان صنما عظيما لهم فسمى عبد مناة به. ثم نظر أبوه قصي فرآه يوافق عبد مناة بن كنانة فحوله عبد مناف. وساد في حياة أبيه وكان مطاعا في قريش وإياه عني القائل بقوله: كانت قريش بيضة فتفلقت * * فالمح خالصه لعبد مناف المح بالحاء المهملة: صفرة البيض. وروى البلاذري عن زيد بن أسلم - رحمه الله تعالى - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم سمع جارية تنشد: كانت قريش بيضة فتفلقت * * فالمح (1) خالصه لعبد الدار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: " كذا قال الشاعر ؟ " قال أبو بكر: لا. إنما قال: لعبد مناف. قال: " كذاك ". قال البلاذري: وزعموا أنه وجد كتاب في حجر: أن المغيرة أوصى قريشا بتقوى الله وصلة الرحم. ابن قصي قصي بضم القاف وفتح الصاد المهملة: تصغير قصي بفتح القاف، من قصا يقصو إذا أبعد. قاله ابن الأنباري والزجاجي - رحمهما الله تعالى: واسمه زيد. قال السهيلي: وصغر قصي


(1) البيت في الروض الأنف وبعده: الخالطين فقيرهم بغنيهم * * والظالمين لرحلة الأضياف 1 / 161. (*)

[ 273 ]

على فعيل. لأنهم كرهوا اجتماع ثلاث ياءات، يعني ياء التصغير وياء فعيل المكبر، والياء المنقلبة عن الواو التي هي لام الفعل لتطرفها وانكسار ما قبلها، فحذفوا إحداهن وهي الياء الثانية التي تكون في فعيل نحو قضيب، فبقي على وزن فعيل. قال: ويجوز أن يكون المحذوف لام الفعل. يريد المبدلة من لام الفعل، فيكون وزنه فعيا وتكون ياء التصغير هي الثانية مع الزائدة. قال الرشاطي - رحمه الله تعالى: وإنما قيل له قصي لأن أباه كلاب بن مرة كان تزوج فاطمة بنت سعد بن سيل - بسين مهملة فمثناة تحتية مفتوحتين فلام - لقب باسم جبل لطوله. واسمه خير ضد شر. وفي سعد قال الشاعر: ما أرى في الناس طرا رجلا * * حضر البأس كسعد بن سيل فارس أضبط فيه عسرة * * وإذا ما وافق القرن نزل وتراه يطرد الخيل كما * * يطرد الحر القطامي (1) الحجل ويقال: إن سعدا هذا أول من حلى السيوف بالفضة والذهب. فولدت له زهرة وقصيا. فهلك كلاب وقصي صغير. فتزوج فاطمة أم قصي ربيعة ابن حرام بن ضبة فاحتملها - ربيعة ومعها قصي صغير. قال السهيلي: رضيع. قال الرشاطي: فولدت فاطمة لربيعة رزاحا وكان أخاه لأمه، فربى في حجر ربيعة، فسمى قصيا لبعده عن دار قومه. قال الرشاطي: وقال الخطابي: سمى قصيا لأنه قصا قومه أي تقصاهم بالشام، فنقلهم إلى مكة. قال الرشاطي. وإن زيدا وقع بينه وبين آل ربيعة شر فقيل له: ألا تلحق بقومك ! وعير بالغربة وكان لا يعرف لنفسه أبا غير ربيعة فرجع إلى أمه وشكا إليها ما قيل له. فقالت: يا بني أنت أكرم نفسا وأبا، أنت ابن كلاب بن مرة وقومك بمكة عند البيت الحرام. فأجمع قصي على الخروج، فقالت له أمه: أقم حتى يدخل الشهر الحرام فتخرج في حاج العرب، فلما دخل الشهر الحرام خرج مع حاج قضاعة حتى قدم مكة فحج وأقام، فعرفت له قريش قدره وفضله وعظمته وأقرت له بالرياسة والسؤدد، وكان أبعدها رأيا وأصدقها لهجة وأوسعها بذلا، وأبينها عفافا، وكان أول مال أصابه مال رجل قدم مكة بأدم كثير فباعه وحضرته الوفاة ولا وارث له فوهبه لقصي ودفعه له.


(1) القطامي: الصقر، اللسان 5 / 3682. (*)

[ 274 ]

وكانت خزاعة مستولية على الأبطح، وكانت قريش تنزل الشعاب والجبال وأطراف مكة وما حولها فخطب قصي إلى حليل بن حبشية الخزاعي ابنته حبى، فعرف حليل نسبه فزوجه ابنته وحليل يومئذ يلي الكعبة وأمر مكة. فأقام قصي معه وولدت له حبى أولاده، فلما انتشر ولده وكثر ماله وعظم شرفه هلك حليل، وأوصى بولاية البيت لابنته حبى فقالت: لا أقدر على فتح الباب وإغلاقه. فجعل ذلك لأبي غبشان، بضم الغين المعجمة وسكون الموحدة بعدها شين معجمة - واسمه المحترش - بميم فحاء مهملة ويقال بمعجمة فتاء مثناة فوقية، فراء فشين معجمة - بن حليل وكان في عقله خلل، فاشترى قصي منه ولاية البيت بزق خمر وقعود. فضربت به العرب المثل فقالت: أخسر صفقة من أبي غبشان !. فلما أخذ قصي مفتاح البيت إليه أنكرت خزاعة ذلك وكثر كلامها، وأجمعوا على حرب قصي وقريش وطردهم عن مكة وما والاها: فبادر قصي فاستصرخ أخاه رزاح بن ربيعة فحضر هو وإخوته، وكانت بنو صوفة تدفع الناس بالحج من عرفة إذا نفروا من منى، فلم يجسر أحد من الناس أن ينفر ولا يرمي حتى يرموا، فلما كان هذا العام فعلت بنو صوفة كما كانت تفعل، فأتاهم قصي بمن معه من قريش وكنانة وقضاعة عند العقبة فقال لبني صوفة: نحن أولى بهذا منكم. فقاتلوه فاقتتل الناس قتالا شديدا وكثر القتال في الفريقين فانهزمت صوفة وغلبهم على ما كان بأيديهم من ذلك، فانحازت خزاعة وبنو بكر عن قصي، وعلموا أنه سيمنعهم كما منع من ذلك بني صوفة، وأنه سيحول بينهم وبين الكعبة وأمر مكة، فاجتمع لحربهم فخرجت خزاعة وبنو بكر فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا، ثم إنهم تداعوا إلى الصلح وأن يحكموا رجلا من العرب، فحكموا يعمر بن عوف بن كعب المعروف بالشداخ فقضى بينهم بأن قصيا أولى بالكعبة وأمر مكة من خزاعة، وأن كل دم أصابته قريش من خزاعة موضوع يشدخه تحت قدميه، وأن ما أصابته خزاعة وبنو بكر من قريش وبني كنانة فيه الدية. فودوا خمسمائة وعشرين دية ثلاثين جريحا. وأن يخلى بين قصي وبين البيت. فسمي يعمر بن عوف الشداخ لما شدخ من الدماء ووضع. فولى قصي أمر الكعبة ومكة وجمع قومه من منازلهم إلى مكة فملكوه عليهم، ولم تكن مكة بها بيت في الحرم وإنما كانوا يكونون بها حتى إذا أمسوا خرجوا لا يستحلون أن يصيبوا فيها جناية، ولم يكن بها بيت قديم. فلما جمع قصي قريشا - وكان أدهى من رئي من العرب - قال لهم: هل لكم أن تصبحوا بأجمعكم في الحرم حول البيت ؟ فوالله لا يستحل العرب قتالكم ولا يستطيعون

[ 275 ]

إخراجكم منه وتسكنونه فتسودوا العرب أبدا. فقالوا: أنت سيدنا ورأينا تبع لرأيك. فجمعهم ثم أصبح بهم في الحرم حول الكعبة. وكان قصي أول بني كعب بن لؤي أصاب ملكا أطاع له به قومه، فكانت إليه الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء، وحاز شرف مكة كله جميعا. فسمى مجمعا لجمعه قومه. وفي ذلك قال الشاعر: أبوكم قصي كان يدعى مجمعا * * به جمع الله القبائل من فهر وأنتم بنو زيد وزيد أبوكم * * به زيدت البطحاء فخرا على فخر وبنى دار الندوة. والندوة في اللغة: الاجتماع. لأنهم كانوا يجتمعون فيها للمشورة وغير ذلك، فلا تنكح امرأة ولا يتزوج رجل من قريش، ولا يتشاورون في أمر إلا في داره، ولا يعقدون لواء حرب إلا فيها يعقدها لهم قصي أو بعض بنيه. قال أبو عبيدة: ولما ولي قصي أمر مكة قال: يا معشر قريش، إنكم جيران الله وجيران بيته، وأهل حرمه، وإن الحاج زوار بيت الله فهم أضياف الله وأحق الأضياف بالكرامة أضياف الله فترافدوا، فاجعلوا لهم طعاما وشرابا أيام الحج حتى يصدروا، ولو كان مالي يسع ذلك قمت به، ففرض عليهم خرجا تخرجه قريش من أموالها فتدفعه إليه فيصنع به طعاما وشرابا ولبنا وغير ذلك للحاج بمكة وعرفة فجرى ذلك من أمره حتى قام الإسلام. قال السهيلي رحمه الله تعالى: وكان قصي يسقي الحجيج في حياض من أدم ينقل إليها الماء من بئر ميمون وغيرها خارج مكة، وذلك قبل أن يحفر العجول. وروى البلاذري عن معروف بن خربوذ وغيره قالوا: كانت قريش قبل قصي تشرب من بئر حفرها لؤي بن غالب خارج مكة ومن حياض ومن مصانع على رؤوس الجبال ومن بئر حفرها مرة بن كعب مما يلي عرفة. فحفر قصي بئرا سماها العجول، وهي أول بئر حفرتها قريش بمكة وفيها يقول رجاز الحاج: نروي (من) العجول ثم ننطلق * * إن قصيا قد وفى وقد صدق بالشبع للناس وري مغتبق وقال آخر: آب الحجيج طاعمين دسما * * أشبعهم زيد قصي لحما ولبنا محضا وخبزا هشما خربوذ بفتح المعجمة وتشديد الراء وبسكونها ثم موحدة مضمومة وواو ساكنة. وآب. بالمد: رجع.

[ 276 ]

ويروي أن قصيا قال للأكابر من ولده: من عظم لئيما شركه في لؤمه، ومن استحسن مستقبحا شركه فيه، ومن لم يصلحه كرامتكم فداووه بهوانه، فذاك دواء يحسم الداء والعي عيان: عي إفحام، وعي المنطق بغير سداد، والحسود: العدو الخفي، ومن سأل فوق قدره استحق الحرمان. وقصي أحدث وقود النار بالمزدلفة ليراها من دفع من عرفة. وقسم قصي مكارمه بين ولده، فأعطى عبد مناف السقاية والندوة، فكانت فيه النبوة والثروة. وأعطى عبد الدار الحجابة واللواء. وأعطى عبد العزى الرفادة والضيافة أيام منى، فكانوا لا يجيزون إلا بأمره. وأعطى عبد قصي جلهمتي الوادي. فسادت بنو قصي الثلاثة. ومات قصي بمكة فأقام بنوه أمر مكة بعده في قومهم (1) ودفن بالحجون. فتدافن الناس بعده بالحجون. ابن كلاب كلاب: بكسر الكاف وتخفيف اللام منقول. وفي وجه نقله عن الجمع وجهان: أحدهما: ما ذكره السهيلي: إما من المصدر الذي في معنى المكالبة نحو كالبت العدو مكالبة وكلابا، وإما من الكلاب جمع كلب لأنهم يريدون الكثرة كما سموا بسباع وأنمار. والثاني: ما نقله في " المورد " و " الفتح " عن بعضهم أنه كان محبا للصيد مولعا به بالكلاب وجمع منها شيئا كثيرا، فكان إذا مر بكلاب على قوم قيل: هذه كلاب ابن مرة. فبقي لقبا له. فائدة: قيل لأبي الدقيش الأعرابي: لم تسمون أبناءكم بأشر الأسماء نحو كلاب وذئب وعبيدكم بأحسن الأسماء نحو مرزوق ورباح. فقال: إنا لنسمي أبناءنا لأعدائنا وعبيدنا لأنفسنا يريد أن الأبناء عدة للأعداء وسهام في نحورهم فاختاروا لهم هذه الأسماء. قال ابن دحية رحمه الله تعالى: فكان الرجل إذا تشاجر مع كفوه قال: اخرج يا كلب أو يا سباع أو يانمر أو يا علقمة إلى غير ذلك. وقيل لدفع السوء عن أبنائهم. واسمه حكيم. ويقال: الحكيم. وقيل: المهذب. وقيل عروة. نقله الجواني في المقدمة.


(1) في أ: يومهم. (*)

[ 277 ]

قال المحب بن الشهاب بن الهائم (1): والصحيح الأول. قال بعض العرب: حكيم بن مرة ساد الورى * * ببذل النوال وكف الأذى وكنيته أبو زهرة. وهو أول من جعل السيوف المحلاة بالبيت، وذلك أن سعد بن سيل جد ابنه قصي لأمه هو أول من حلى السيوف بالذهب والفضة وأهدى إلى كلاب بن مرة مع ابنته فاطمة أم قصي سيفين محليين فجعلهما كلاب في خزانة الكعبة. ذكره أبو الربيع. وأمه هند، ويقال نعم بنت سرير - بمهملات مصغرا - ابن ثعلبة. قال البلاذري: والأول أثبت. وكان له من الذكور ابنان قصي وزهرة، بضم الزاي بلا خلاف. وبه كان يكنى كما تقدم. وهو جد النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم من قبل أمه. قال الحافظ: والمشهور عند أهل النسب أن زهرة اسم رجل. وشذ ابن قتيبة فزعم أنه اسم امرأة. وهو مردود بقول إمام أهل النسب هشام بن الكلبي: أن اسم زهرة: المغيرة. قال السهيلي: وما قاله ابن قتيبة منكر غير معروف. ابن مرة مرة. بضم الميم. وفيما نقل منه وجوه: أحدهما: أنه منقول من وصف الحنظلة والعلقمة، وكثيرا ما يسمون بحنظلة وعلقمة. والتاء على هذا للتأنيث. الثاني: أنه منقول من وصف الرجل بالمرارة. قاله أبو عبيد. يقال: مر الشئ وأمر إذا اشتدت مرارته. قال السهيلي: ويقوي هذا قولهم: تميم بن مر. فالتاء على هذا للمبالغة. الثالث: قال السهيلي: وأحسب أنه من المسمين بالنبات لأن أبا حنيفة ذكر أن المرة بقلة تقطع فتؤكل بالخل يشبه ورقها ورق الهندباء. الرابع: أنه مأخوذ من القوة كما في قوله تعالى: (ذو مرة) أي قوة. ويقال مر الرجل إذا أحكم صنعته. الخامس: أنه منقول من قولهم: مر الشئ إذا اشتدت مرارته. قال تعالى: (والساعة أدهى وأمر) نقله ابن دحية عن أبي عبيدة. وكنيته أبو يقظة - بمثناة تحتية فقاف فظاء معجمة مفتوحات ثم هاء - وأمه مخشية -


(1) محمد بن أحمد بن محمد بن عماد، أبو الفتح، محب الدين بن الهائم: فاضل مصري الأصل، مقدسي الإقامة والوفاة اشتغل بالفقه والحديث، وخرج لنفسه ولغيره. ومات في حياة والده له " الغرر المضية في شرح نظم الدرر السنية " وهو شرح لألفية العراقي في نظم السيرة النبوية. توفي سنة 798 ه‍. الأعلام 5 / 329. (*)

[ 278 ]

بميم مفتوحة فخاء ساكنة فشين مكسورة معجمتين فمثناة تحتية مشددة - ويقال: وحشية، بنت شيبان بن محارب بن فهر. وله من الولد ثلاثة: كلاب وتميم، رهط أبي بكر الصديق، وطلحة بن عبيد الله أحد العشرة رضي الله تعالى عنهم. ويقظة المكنى به، ومنه بنو مخزوم. وأمهما البارقة. ابن كعب كعب: اختلف مما ذا نقل على أقوال: الأول: أنه منقول من الكعب الذي هو قطعة من السمن الجامد في الزق أو في غيره من الظروف، كما أن الكعب القطعة من الأقط حكاه الزجاجي والسهيلي في آخرين. الثاني: أنه منقول من كعب الإنسان وهو ما شرف فوق رسغه عند قدمه. وعلى هذا فقيل: نقل منه لارتفاعه وشرفه على قومه. واختاره الزجاجي وغيره لثبوته، من قولهم ثبت ثبوت الكعب. واختاره السهيلي، واستدل له بما جاء في خبر ابن الزبير رضي الله تعالى عنهما: أنه كان يصلي عند الكعبة يوم قتل وحجارة المنجنيق تمر بأذنه، وهو لا يلتفت كأنه كعب راتب. الثالث: أنه من كعب القناة. ذكره ابن دريد. قال في الزهر: ولعله أشبه ويترشح بقول بعضهم: سمي بذلك لارتفاعه على قومه وعلوه عليهم وشرفه فيهم. وكنيته أبو هصيص - بمهملتين مصغر - والهص: شدة القبض والغمز: وقيل: شدة الوطء للشئ حتى يشدخه. وأمه ماوية - بواو - مكسورة فمثناة تحتية مشددة - بنت كعب بن القين القضاعية. وكان عظيم القدر عند العرب، ولهذا أرخوا بموته إلى أن كان عام الفيل فأرخوا به، ثم أرخوا بموت عبد المطلب. قال السهيلي: وكعب بن لؤي هذا من جمع يوم العروبة، ولم تسم العروبة الجمعة إلا منذ جاء الإسلام في قول بعضهم. وقيل هو أول من سماها الجمعة. انتهى. وصحح هذا الثاني المحب ابن الهائم. وقال ابن حزم: يوم الجمعة اسم إسلامي ولم يكن في الجاهلية لأنه يجتمع فيه للصلاة أحد من الجمع. قال في الزهر: وفي تفسير عبد بن حميد بسند صحيح عن ابن سيرين رحمه الله تعالى قال: جمع أهل المدينة قبل أن تنزل الجمعة وقبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم، وهم الذين سموها الجمعة. وهو يؤيد ما ذكره ابن حزم ولهذا مزيد بيان يأتي إن شاء الله تعالى في الباب الثاني من أبواب الحوادث.

[ 279 ]

وكان يجمع قومه في هذا اليوم ويخطبهم. قال أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف (1) رحمه الله تعالى: فيقول أما بعد فاسمعوا وعوا، وافهموا وتعلموا، ليل ساج، ونهار ضاح والأرض مهاد، والسماء بناء، والجبال أوتاد، والنجوم أعلام، لم تخلق عبثا فتضربوا عنا صفحا، الآخرون كالأولين، والذكر كالأنثى، والزوج والفرد إلى بلى. فصلوا أرحامكم، وأوفوا بعهودكم، واحفظوا أصهاركم، وثمروا أموالكم، فإنها قوام مروءتكم فهل رأيتم من هالك رجع، أو ميت نشر، الدار أمامكم واليقين غير ما تظنون، حرمكم زينوه وعظموه، وتمسكوا به، فسيأتي له نبأ عظيم، وسيخرج منه نبي كريم، بذلك جاء موسى وعيسى صلى الله عليه وسلم، ثم يقول: نهار وليل كل أوب بحاث (2) * * سواء علينا ليلها ونهارها على غفلة يأتي النبي محمد * * يخبر أخبارا صدوقا خبيرها والله لو كنت ذا سمع وذا بصر، ويد ورجل، لتنصبت فيها تنصب الجمل، ولأرقلت فيها إرقال الفحل. ثم يقول: يا ليتني شاهد فحواء دعوته * * حين العشيرة تبغي الحق خذلانا وكان بين موته ومبعث النبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة سنة وستون سنة. رواه أبو نعيم وغيره. وهو أول من قال: " أما بعد " في أحد الأقوال. وله من الذكور ثلاثة: مرة، وهصيص المكنى به، وعدي. ابن لؤي لؤي: بضم اللام ويهمز ويسهل: واختلف في المنقول منه على أقوال: أحدها: أنه تصغير لأي واختلف في اللأي ما هو ؟ فقال: ابن الأنباري في جماعة منهم أبو ذرالخشني: اللأي الثور الوحشي. وقال أبو حنيفة: اللأي: البقرة قال: وسمعت أعرابيا يقول: بكم لأيك هذه ؟ وقال السهيلي: اللأي: البطء بضم الباء مهموزا ضد الأناة وترك العجلة. الثاني: أنه منقول من لواء الجيش. الثالث: أنه منقول من لؤي الرمل المقصور: قالهما ابن دريد.


(1) أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، المدني، قيل اسمه عبد الله، وقيل إسماعيل، ثقة مكثر، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين، وكان مولده سنة بضع وعشرين. التقريب 2 / 430. (2) لعل معنى البيت كل رجوع لليل ونهار متفرقين سواء علينا. وعلى أن معنى " بحاث " متفرقين. يقال: تركهم حاث باث، متفرقين مبددين، انظر الوسيط 1 / 204. (*)

[ 280 ]

وكنيته أبو كعب. وكان له من الذكور سبعة: كعب المكنى به وعامر رهط سهيل بن عمرو وهما صريحا لؤي. وسامة بسين مهملة بلا ألف قبلها وأمهم ماوية. وهم بنو ناجية في عمان وخزيمة بن لؤي بطن هم عائذة قريش، وسعد بن لؤي بطن وهم بناته بموحدة مضمومة ونونين، والحارث وهم جشم، كان جشم عبدا للؤي حضنه فغلب عليه. وعوف وهم من غطفان. وأمه عاتكة بنت يخلد - بمثناة تحتية فخاء معجمة ساكنة فلام مضمومة فدال مهملة - ابن النضر بن كنانة. ويقال: بل سلمى بنت الحارث بن تميم بن هذيل بن مدركة. وكان لؤي حليما حكيما نطق بالحكمة صغيرا. قال البلاذري: روي أن لؤيا قال: من رب معروفة لم يخلق ولم يخمل، فإذا خمل الشئ ليم يذكر، وعلى من أولي معروفا نشره، وعلى المولى تصغيره وطيه. ابن غالب غالب: منقول من اسم فاعل مشتق من الغلب، يقال: غلبته غلبا بفتحات فأنا غالب. وكنيته أبو تميم. وله ولدان لا غير: لؤي وتيم المكنى به. وهو المعروف بتيم الأدرم لأن أحد لحييه كان أنقص من الآخر. وفي قريش تيمان: تيم بن مرة. وتيم الأدرم، وكان كاهنا وأمه ليلى بنت الحارث بن تميم بن هذيل بن مدركه. ابن فهر فهر بكسر الفاء وسكون الهاء فراء منقول من الفهر، وهو من الحجارة الطويل. قاله السهيلي. قال الخشني: الفهر حجر ملء الكف يذكر ويؤنث وفي " تقويم المفسد " عن الأصمعي: من أنت الفهر أخطأ. وكنيته أبو غالب. وأمه جندلة، بجيم فنون ساكنة فدال مهملة، بنت عامر بن الحارث ابن مضاض الجرهمي، وكان رئيس أهل مكة وكان له من الولد: غالب، وأسد، وعوف. وجون، وريص والحارث، بطن، ومحارب، بطن، وهما من قريش الظواهر. وقيس. وهو قريش في قول أبي بكر محمد بن شهاب الزهري ونسبه البيهقي والحافظ لأكثر أهل العلم. قال ابن شهاب: وهو الذي أدركت عليه من أدركت من نساب العرب: أن من جاوز فهرا فليس من قريش. وبه قال الشعبي وهشام بن محمد الكلبي، ومصعب بن عبد الله الزبيري وخلق، وصححه الحافظ شرف الدين الدمياطي والحافظ أبو الفضل العراقي وغيرهما.

[ 281 ]

قال الحافظ صلاح الدين بن العلائي (1): وعليه جمهور أهل النسب. وقيل: إن قريشا هم بنو النضر بن كنانة. وإليه ذهب محمد بن إسحاق، وأبو عبيدة معمر بن المثنى، وأبو عبيد القاسم بن سلام. وبه قال الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه وعنهم وغيره. قال الحافظ صلاح الدين العلائي: وهو الصحيح الذي عليه المحققون والحجة له حديث الأشعث بن قيس رضي الله تعالى عنه قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد كندة فقلت: ألستم منا يارسول الله ؟ قال: " لا نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفوا أمنا ولا ننتفي من أبينا ". رواه ابن ماجة. قال العلائي رجاله ثقات (2). ووجه الدلالة منه ظاهر. أي لا نترك النسب إلى الآباء وننتسب إلى الأمهات. وقيل: إن قريشا بنو إلياس بن مضر. نقله الأستاذ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر (3) عن التميمية وصححه قال: وهو اختيار أبي عمرو بن العلاء وأبي الحسن الأخفش (4) وحماد ابن سلمة وعبيد الله بن الحسن بن سوار. وروى مثله عن أبي الأسود الدؤلي (5).


(1) خليل بن كيكلدي بن عبد الله العلائي الدمشقي، أبو سعيد، صلاح الدين: محدث، فاضل، بحاث. ولد وتعلم في دمشق، ورحل رحلة طويلة. ثم أقام في القدس مدرسا في الصلاحية سنة 731 ه‍، فتوفي فيها. من كتبه " المجموع المذهب في قواعد المذهب " في فقه الشافعية، وكتاب الأربعين في أعمال المتقين " كبير، و " الوشي المعلم " في الحديث، و " المجالس المبتكرة " و " المسلسلات " و " النفحات القدسية " و " منحة الرائض " في الفرائض، و " كتاب المدلسين " و " مقدمة نهاية الأحكام " و " برهان التيسير في عنوان التفسير " وغير ذلك، توفي سنة 761 ه‍. انظر الأعلام 2 / 321. * (2) أخرجه ابن ماجة (2612). (3) عبد القاهر بن طاهر بن محمد بن عبد الله البغدادي التميمي الأسفراييني، أبو منصور: عالم متفنن، من أئمة الأصول. كان صدر الإسلام في عصره. ولد ونشأ في بغداد، ورحل إلى خراسان فاستقر في نيسابور. وفارقها على أثر فتنة التركمان ومات في أسفرائين. كان يدرس في سبعة عشر فنا. وكان ذا ثروة. من تصانيفه " أصول الدين " و " الناسخ والمنسوخ " و " تفسير أسماء الله الحسنى " و " فضائح القدرية " و " التكملة، في الحساب. خ " و " تأويل المتشابهات في الأخبار والآيات - خ " و " تفسير القرآن ". توفي سنة 429 ه‍. الأعلام 4 / 48. (4) سعيد بن مسعدة المجاشعي بالولاء البلخي ثم البصري، أبو الحسن، المعروف بالأخفش الأوسط: نحوي، عالم باللغة والأدب، من أهل بلخ. سكن البصرة، وأخذ العربية عن سيبويه. وصنف كتبا، منها " تفسير معاني القرآن " و " شرح أبيات المعاني " و " الاشتقاق " و " معاني الشعر " و " كتاب الملوك " و " القوافي " توفي سنة 512 ه‍. الأعلام 3 / 101، 102. (5) ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل الدؤلي الكناني: واضع علم النحو. كان معدودا من الفقهاء والأعيان والأمراء والشعراء والفرسان والحاضري الجواب، من التابعين. رسم له علي بن أبي طالب شيئا من أصول النحو، فكتب فيه أبو الأسود وأخذه عنه جماعة. وفي صبح الأعشى أن أبا الأسود وضع الحركات والتنوين لا غير. سكن البصرة في خلافة عمر، وولي إمارتها في أيام علي، استخلفه عليها عبد الله بن عباس لما شخص إلى الحجاز. ولم يزل في الإمارة إلى أن قتل علي. وكان قد شهد معه " صفين ". ولما ثم الأمر لمعاوية قصده فبالغ معاوية في إكرامه. وهو - في أكثر الأقوال - أول من نقط المصحف. وله شعر جيد، في " ديوان " صغير، أشهره أبيات يقول فيها: = (*)

[ 282 ]

وقيل إنهم جميع بني مضر بن نزار. ونقله الأستاذ عن القيسية وبه قال مسعر بن كدام (1). وروى مثله عن حذيفة بن اليماني رضي الله تعالى عنهما. وقيل إنهم بنو قصي بن كلاب. حكاه الماوردي وأبو عمرو بن الأثير في الجامع وغيرهما وهو قول المبرد. قال في النور: وهو قول باطل. وكأنه قول رافضي، لأنه يقتضي أن يكون أبو بكر وعمر ليسا من قريش، وإذا لم يكونا من قريش فإمامتهما باطلة، وهذا خلاف إجماع المسلمين. انتهى. واختلفوا لم سمي بقريش على أقوال: أحدها بدابة عظيمة في البحر من أقوى دوابه سميت به قريش لقوتها لأنها تأكل ولا تؤكل وتعلو ولا تعلى. قاله ابن عباس حين سأله معاوية، واستشهد له بقول الشاعر الجمحي (2): وقريش هي التي تسكن البحر * * بها سميت قريش قريشا سلطت بالعلو في لجة البحر * * على ساكني البحور جيوشا تأكل الغث والسمين ولا تت‍ * * رك يوما لذي الجناحين ريشا هكذا في العباد حي قريش * * يأكلون البلاد أكلا كشيشا ولهم في آخر الزمان نبي * * يكثر القتل فيهم والخموشا تملأ الأرض خيله ورجال * * يحشرون المطي حشرا كميشا رواه ابن عساكر: وروى ابن أبي شيبة أن ابن عباس سأله عمرو بن العاص: لم سميت قريش قريشا ؟ قال: بالقرش دابة تأكل الدواب لشدتها. وإلى هذا القول ذهب محمد بن سلام، ورجحه أبو بكر بن الأنباري. وقال المطرزي رحمه الله تعالى عن هذه الدابة: إنها ملكة دواب البحر وأشدها، فكذلك قريش سادات الناس.


= " لا تنه عن خلق وتأتي مثله " مات بالبصرة. ولأبي أحمد عبد العزيز بن يحيى الجلودي. كتاب " أخبار أبي الأسود " وللدكتور فتحي عبد الفتاح الدجني " أبو الأسود الدؤلي ونشأة النحو العربي " في الكويت. توفي 69 ه‍. الأعلام 3 / 36، 37. (1) مسعر بن كدام، بكسر أوله وتخفيف ثانيه، ابن ظهير، الهلالي، أبو سلمة الكوفي، ثقة ثبت فاضل، من السابعة، مات سنة ثلاث أو خمس وخمسين. التقريب 2 / 243. (2) وهب بن زمعة بن أسد، من أشراف بني جمح بن لؤي بن غالب، من قريش: أحد الشعراء العشاق المشهورين. من أهل مكة. قال المرتضى: هو " من شعراء قريش، وممن جمع إلى الطبع التجويد ". له مدائح في معاوية وعبد الله بن الزبير. وأخبار كثيرة مع عمرة الجمحية وعاتكة بنت معاوية. في شعره رقة وجزالة. وله " ديوان شعر " من رواية الزبير بن بكار. وكان صالحا. ولاه عبد الله الزبير بعض أعمال اليمن، وتوفي بعليب بتهامة. توفي سنة 63 ه‍. انظر الأعلام 8 / 125. (*)

[ 283 ]

وقيل سموا قريشا لأنهم كانوا يتجرون ويأخذون ويعطون، من قولهم قريش الرجل يقرش إذا اتجر وأخذ وأعطى وقيل إنما سميت قريشا من الإقراش وهو وقوع الرايات والرماح بعضها على بعض. وقيل إنها سميت قريشا من التقريش وهو التحريش. حكاه ابن الأنباري. (وقيل: من تزيين الكلام وتحسينه). قال الزجاجي (1): وهو بعيد لأن المعروف في اللغة أن التقريش هو التحريش لا أن التقريش هو تزيين الكلام وتحسينه. وقيل إنما سميت قريشا، من التقريش وهو التفتيش، لأنهم كانوا يفتشون عن ذي الخلة ويسدون خلته. ذكره بعض العلماء. وقيل إنما سميت قريشا بقريش ابن بدر بن يخلد بن النضر بن كنانة، فكان دليل بني النضر وصاحب مبرتهم (2)، وكانت العرب: تقول قد جاءت عير قريش، وخرجت عير قريش. نقله أبو عمرو وغيره. وهو ما يعضد قول ابن إسحاق. وقيل إنما سميت قريشا لما جمعهم قصي بن كلاب حين قدم مكة كما تقدم، والتقرش: التجمع. نقله أبو عمرو وغيره. إذا علم ذلك: فقريش فرقتان: بطاح. وظواهر. فقريش البطاح: من دخل مكة مع قصي الأبطح. والظواهر: من أقام. بظواهر مكة ولم يدخل الأبطح ولهذا مزيد بيان في اسمه الأبطحي صلى الله عليه وسلم. والنسبة إلى قريش: قرشي وقريشي والثاني هو القياس. واختلف القائلون أن فهرا هو قريش. هل الأول اسم، والثاني لقب ؟ أو بالعكس. قولان رجح الزبير وغيره أن فهرا لقب وأن الاسم الذي سمته به أمه: قريش. والله تعالى أعلم. وله من الذكور سبعة: غالب، والحارث، وأسد، وعوف، وريث، وجون ومحارث. ومن الإناث واحدة وهي جندلة. ابن مالك مالك: اسم فاعل من ملك يملك فهو مالك. وجمعه ملاك وملك.


(1) يوسف بن عبد الله الزجاجي الجرجاني أبو القاسم أديب لغوي محدث. نسبته إلى عمل الزجاج وبيعه أخذ عن أبي أحمد الغطريفي وأبي إسحاق البصري وغيرهما وتوفي بأستراباد. من كتبه عمدة الكتاب وعدة ذوي الألباب واشتقاق الأسماء وشرح الفصيح 8 / 239. توفي 415 ه‍. (2) في أ: سيرتهم. (*)

[ 284 ]

ويكنى أبا الحارث وأمه عاتكة. ولقبها عكرشة بنت عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان بعين مهملة مفتوحة فمثناة تحتية ساكنة. وقيل: عرابة بنت سعد القيسية. وقيل غير ذلك. ولم يكن له من الولد غير فهر. ومن حكمه: رب صورة تخالف المخبرة، قد غرت بجمالها، واختبر قبيح أفعالها فاحذر الصور، واطلب الخبر. ابن النضر النضر: بفتح النون وإسكان الضاد المعجمة ثم راء واسمه قيس، ولقب النضر لنضارة وجهه وجماله، منقول من النضر اسم للذهب الأحمر، ويكنى أبا يخلد بمثناة تحتية مفتوحة فخاء معجمة فلام مضمومة فدال مهملة. وله من الذكور: مالك ويخلد. وبه كان يكنى، والصلت وأمه برة بنت مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر. قال السهيلي: خلف عليها كنانة بعد أبيه فولدت له النضر بن كنانة وكان ذلك مباحا في الجاهلية بشرع متقدم ولم يكن من المحرمات التي انتهكوها ولا من العظائم التي ابتدعوها، لأنه أمر كان في عمود النسب. وقد قال صلى الله عليه وسلم: " أنا من نكاح لا من سفاح ". وكذلك قال تعالى: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلاما قد سلف) أي ما قد سلف من تحليل ذلك قبل الإسلام وفائدة الاستثناء أنه لا يعاب نسب النبي صلى الله عليه وسلم، وليعلمه أنه لم يكن في أجداده من كان لغية ولا من سفاح، ألا ترى أنه لم يقل لشي نهى عنه في القرآن (إلا ما قد سلف) نحو قوله (ولا تقربوا الزنا) ولم يقل إلا ما قد سلف. ولا في شئ من المعاصي التي نهى عنها إلا في هذه الآية. وفي الجمع بين الأختين، لأن الجمع بين الأختين قد كان مباحا أيضا في شرع من قبلنا، وقد جمع يعقوب صلى الله عليه وسلم بين راجيل أي بالجيم وأختها ليا. فبقوله (إلا ما قد سلف) التفات في هذه المعنى وتنبيه على هذا المغزى وهذه النكتة تلقيتها من شيخنا الإمام الحافظ أبي بكر محمد بن العربي رحمه الله تعالى. انتهى. وتبعه على ذلك أبو الربيع وزاد أن عادة أهل الجاهلية إذا مات الرجل خلف على زوجته بعده أكبر بنيه من غيرها إلى آخره. قال في المورد: ولما وقفت على هذا القول أقمت مفكرا مدة، لكون برة المذكورة كانت زوجا لخزيمة بن مدركة. فتزوجها بعده ولده كنانة بن خزيمة فجاء له منها النضر ابن كنانة، وأن هذا وقع في نسب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

[ 285 ]

وروينا من طريق المدائني (1) عن أبي الحويرث، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما ولدني من سفاح أهل الجاهلية شئ ما ولدني إلا نكاح كنكاح أهل الإسلام " ويقول ابن الكلبي رحمه الله تعالى إنه كتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم خمسمائة أم فلم يجد فيها شيئا مما كان من أمر الجاهلية. ثم رأيت أبا عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (2) رحمه الله تعالى قد ذكره في كتاب له سماه كتاب " الأصنام " قال فيه: وخلف كنانة بن خزيمة على زوجة أبيه بعد وفاته وهي برة بنت أد بن طابخة بن إلياس بن مضر وهي أم أسد بن الهون بن خزيمة. ولم تلد لكنانة ولدا ذكرا ولكن كانت بنت أخيها وهي برة بنت مر بن أد بن طابخة، أخت لجشم بن مر، عند كنانة بن خزيمة، فولدت له النضر بن كنانة. وإنما غلط كثير من الناس لما سمعوا أن كنانة خلف على زوجة أبيه، ولا تفاق اسمهما وتقارب نسبهما وقع هذا الذي عليه مشايخنا وأهل العلم بالنسب. قال: ومعاذ الله أن يكون أصاب نسب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقت نكاح. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما زلت أخرج من نكاح كنكاح الإسلام حتى خرجت من أبي وأمي " قال: فمن اعتقد غير هذا فقد كفر وشك في هذا الخبر. ونقل في الزهر كلام الجاحظ وفيه أن برة كانت بنت أد بن طابخة التي خلف عليها كنانة ماتت ولم تلد له فتزوج بعدها بابنة أخيها برة، فأولدها أولادا. انتهى. قال في الزهر: وهذا هو الصواب. وقال بعد ذلك في موضع آخر: وإن خلافه غلط ظاهر، لأنه مصادم لقوله صلى الله عليه وسلم: " لم يجمع الله أبوي على سفاح قط " وهذا سفاح بإجماع، ولا يعتقد هذا في نسبه الطاهر أحد من المسلمين. ثم قال: وهذا الذي يثلج به الصدور ويذهب به وحره ويزيل الشك ويطفئ شرره. قلت: وما ذكره الجاحظ من النفائس التي يرحل إليها. وقد قدمنا في طهارة نسبه صلى الله عليه وسلم ما يؤيد ذلك. والسهيلي رحمه الله تعالى تبع في ذلك الزبير، والزبير كأنه تبع الكلبي، والكلبي ذكر ذلك كما نقله عنه البلاذري، والكلبي متروك، ولو نقل ذلك ثقة لم يقبل قوله


(1) علي بن محمد بن عبد الله، أبو الحسن المدائني: راوية مؤرخ، كثير التصانيف، من أهل البصرة. سكن المدائن، ثم انتقل إلى بغداد فلم يزل بها إلى أن توفي. أورد ابن النديم أسماء نيف ومئتي كتاب من مصنفاته في المغازي، والسيرة النبوية، وأخبار النساء، وتاريخ الخلفاء، وتاريخ الوقائع والفتوح، والجاهليين، والشعراء، والبلدان قال ابن تغري بردي: " وتاريخه أحسن التواريخ وعنه أخذ الناس تواريخهم ". بقي من كتبه " المردفات من قريش "، و " التعازي ". توفي سنة 225 ه‍. الأعلام 4 / 323. (2) عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، الليثي، أبو عثمان، الشهير بالجاحظ: كبير أئمة الأدب، ورئيس الفرقة الجاحظية من المعتزلة. مولده ووفاته في البصرة. له تصانيف كثيرة، منها " الحيوان " " البيان والتبيين " و " سحر البيان " و " التاج " ويسمى أخلاق الملوك، و " البخلاء " و " المحاسن والأضداد " و " التبصر بالتجارة ". انظر الأعلام 5 / 74. (*)

[ 286 ]

في ذلك لبعد الزمان وعدم المشاهدة ومخالفة الأحاديث السابقة في طهارة نسبه صلى الله عليه وسلم. على أن الزمخشري جزم بأن الاستثناء في الآية إنما سيق للمبالغة في التحريم وسد الطرق إلى الإباحة لأن المعنى إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوه. فإنه لا يحل لكم غيره، من قبل أنه علق نقيض المدعى وهو إثبات الحل بالمحال وهو نكاح ما سلف، فيكون محالا، وحينئذ فعدم الحل متحقق إذ ذاك، لا سيما وقد أخبر عنه بأنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا، بخلاف الجمع بين الأختين فإنه مع ذكر الاستثناء فيه أيضا وقع مقترنا بما يدل على أن ما وقع منه قبل كان مغفورا حيث عقب بقوله تعالى: (إن الله كان غفورا رحيما). وهذا كما في قوله: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * * بهن فلول من قراع الكتائب فأكد المدح بما يشبه الذم، لأن المعنى إن كان فلول السيف عيبا فهو عيب، وليست بعيب لأنها من كمال الشجاعة فإثبات العيب على هذا التقدير تعليق بمحال، كما في قوله تعالى: (حتى يلج الجمل في سم الخياط) وعلى هذا جرى الإمام الطيبي (1) رحمه الله تعالى وبسط الكلام عليه، والله تعالى أعلم. ابن كنانة كنانة: بكسر الكاف ونونين مفتوحتين بينهما ألف ثم هاء منقول من الكنانة التي هي الجعبة بفتح الجيم وسكون العين المهملة، وسمي بذلك لأنه كان سترا على قومه كالكنانة الساترة للسهام. قال الزجاجي من أمثالهم: " قبل الرماء تملأ الكنائن ". ويكنى أبا النضر وأمه عوانة بنت سعد بن قيس بن عيلان بن مضر. ويقال هند بنت عمرو بن قيس بن عيلان. وقال أبو الحسن سلام بن عبد الله بن سلام الإشبيلي. قال أبو عمرو رحمه الله تعالى: قال عامر العدواني لابنه في وصيته: يا بني أدركت كنانة بن خزيمة وكان شيخا مسنا عظيم القدر، وكانت العرب تحج إليه لعلمه وفضله، فقال: إنه قد آن خروج نبي من مكة يدعي أحمد، يدعو إلى الله وإلى البر والإحسان ومكارم الأخلاق، فأتبعوه تزدادوا شرفا وعزا إلى عزكم. قال أبو الربيع رحمه الله تعالى: إن كنانة رأى وهو نائم في الحجر فقيل له: تخير يا أبا


(1) الحسين بن محمد بن عبد الله، شرف الدين الطيبي: من علماء الحديث والتفسير والبيان. من أهل توريز، من عراق العجم. كانت له ثروة طائلة من الإرث والتجارة، فأنفقها في وجوه الخير، حتى افتقر في آخر عمره. وكان شديد الرد على المبتدعة، ملازما لتعليم الطلبة والإنفاق على ذوي الحاجة منهم، آية في استخراج الدقائق من الكتاب والسنة، متواضعا، ضعيف البصر. من كتبه " التبيان في المعاني والبيان " و " الخلاصة في معرفة الحديث " و " شرح الكشاف " سماه " فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب ". توفي سنة 743 ه‍. انظر الأعلام 2 / 256. (*)

[ 287 ]

النضر بين الصهيل والهدر وعمارة الجدر وعز الدهر. فقال: كل يا رب. فصار هذا كله في قريش. وله من الذكور: ملكان: بكسر الميم وسكون اللام والنضر. وهو المكنى به وعمرو وعامر. ابن خزيمة خزيمة: بضم الخاء المعجمة وفتح الزاي منقول من مصغره خزمة بفتح الخاء وسكون الزاي وقيل من مصغر خزمة بكسر الخاء. فعلى الأول اختلف في الخزمة ما هي. فقيل هي: واحد الخزم وهو مثل الدوم غير أنه أقصر وأعرض وأعبل وله أقناء وبسر يسود إذا أينع، لأنه صغير معرفص، يتخذ من سعفه الحبال ويصنع من أسافله خلايا للنحل، وله ثمر لا يأكله الناس ولكن تألفه الغربان وتستطيبه. قاله أبو حنيفة الدينوري رحمه الله تعالى. وقيل: الخزمة خوصة المقل. حكاه الزجاج رحمه الله تعالى. وقيل هي مصدر للمرة من الخزم. وهو شد الشئ وإصلاحه حكاه السهيلي. وقيل إنما هي من الخزم وهو من الشك يقال شراك مخزوم ومشكوك. حكاه الزجاجي أيضا. وعلى الثاني فالخزامة قيل هي برة في أنف البعير يشد بها الزمام. وقيل إنما هي الحلقة التي تجعل في أنف البعير من شعره ونحوه، قال في " الغرر المضية " ولم أر من تعرض لوجه المناسبة للنقل مما ذكر، ولكن قد يقال إن الانتقال لا يراعى فيه ذلك. بخلاف الألقاب. ويكنى أبا أسد. وأمه سلمى بنت أسلم بن الحاف بن قضاعة، وقيل سلمى بنت أسد ابن ربيعة. وله من الذكور أربعة: كنانة وأسد المكنى، وأسدة وهو رجل. وعبد الله، والهون بضم الهاء. قال البلاذري: وأمهم برة بنت مر بن أد بن طابخة أخت تيم بن مرة وكانت له على الناس مكارم أخلاق وأفضال بعدد الزمان حتى قيل فيه: أما خزيمة فالمكارم جمة * * سبقت إليه وليس ثم عتيد وروى ابن حبيب بسند جيد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: مات خزيمة على ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام. ابن مدركة مدركة: بضم الميم وإسكان الدال المهملة وكسر الراء وفتح الكاف ثم هاء مبالغة،

[ 288 ]

منقول من اسم فاعل من الإدراك. واسمه عمرو على الصحيح الذي قال به الكلبي والبلاذري وأبو عبيد القاسم بن سلام وابن دريد والمبرد (1). حتى بالغ الرضي الشاطبي وادعى فيه الإجماع. وقال ابن إسحاق: عامر. وضعف. وكنيته أبو هذيل ويقال له أبو خزيمة. والسبب في تلقيبه بذلك أن أباه إلياس خرج هو وبنوه مدركة وعمرو وعامر وعمير، وأمهم ليلى بنت حلوان بن الحاف في نجعة فنفرت إبلهم من أرنب فخرج إليها قال ابن السائب: عمرو. وقال الزبير: عامر فأدركها. وخرج عامر، وقال الزبير: عمرو: فاصطاد الأرنب فطبخها فسمى طابخة، وانقمع عمير فسمى قمعة. وخرجت أمهم ليلى فتخندفة، والخندفة: مشى فيه سرعة وتقارب الخطى. والنون زائدة. وعن الخليل أن الخندفة مشية كالهرولة للنساء خاصة دون الرجال. فقال لها الياس أين تخندفين ؟ فسميت خندف. وقال أبو محمد عبد الله البطليوسي (2) رحمه الله تعالى: مر عامر بالأرنب فقتلها فقال له أخوه عمرو: وأنا أطبخ صيدك. فطبخه عمرو وأدرك عامر الإبل فردها فحدثا بها أباهما فقال: أدركت يا عامر ما أردنا * * وأنت ما أدركت قد طبخنا وقال لعمير: وأنت قد أسأت وانقمعنا قيل: ومن ذرية قمعة عمرو بن لحي بن قمعة بن إلياس، وهو الذي غير دين إبراهيم صلى الله عليه وسلم كما سيأتي بيان ذلك. ابن الياس الياس بهمزة وصل تفتح في الابتداء وتسقط في غيره، واللام فيه للتعريف وقيل للمح الصفة، مشتق من اليأس الذي هو ضد الرجاء وصححه السهيلي وقال ابن الأنباري: بهمزة قطع في الوصل والابتداء.


(1) محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالي الأزدي، أبو العباس، المعروف بالمبرد: إمام العربية ببغداد في زمنه، وأحد أئمة الأدب والأخبار. مولده بالبصرة ووفاته ببغداد. من كتبه " الكامل " و " المذكر والمؤنث " و " المقتضب " و " التعازي والمراثي " و " شرح لامية العرب - ط " مع شرح الزمخشري، و " إعراب القرآن " و " طبقات النحاة البصريين " و " نسب عدنان وقحطان - ط " رسالة. و " المقرب ". توفي 286 ه‍. الأعلام 7 / 144. (2) عبد الله بن محمد بن السيد، أبو محمد: من العلماء باللغة والأدب. ولد ونشأ في بطليوس في الأندلس. وانتقل إلى بلنسية فسكنها، وتوفي بها. من كتبه " الاقتضاب في شرح أدب الكتاب، لابن قتيبة " و " المسائل والأجوبة " و " الإنصاف في التنبيه على الأسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين في آرائهم " و " الحدائق " في أصول الدين، و " المثلث " في اللغة، كمثلثات قطرب. توفي سنة 521 ه‍. الأعلام 7 / 95. (*)

[ 289 ]

واختلف في اشتقاقه فقيل: من قولهم: رجل أليس وهو الشجاع الذي لا يفر. وقال البلاذري: أخبرني الأثرم عن أبي عبيدة قال: يقال للسل والنحافة: اليأس قال الشاعر: هو اليأس أو داء الهيام أصابني * * فإياك عني لا يكن بك ما بيا قال: وقد يكون الياس مشتقا من قولهم: فلان أليس وهو الشديد المقدام الثابت القلب في الحروب. قال العجاج: أليس يمشي قدما إذا اذكر * * ما وعد الصابر من خير صبر وقال: الأثرم: حكى خالد بن كلثوم: الأسد أليس. وقال أليس: بين الليس. وجمع أليس الياس. وقيل غير ذلك. والمعروف أن الياس اسمه حكى بعضهم أن اسمه حبيب وكنيته أبو عمرو. وأمه: قيل من ولد معد بن عدنان وعليه فقيل هي الرباب بنت حيدة بن معد بن عدنان. ذكره الطبري. وقيل هي الحنفاء بنت إياد: بن معد بن عدنان. نقله أبو الربيع عن الزبير وقيل جرهمية. ذكره ابن هشام ولم يسمها. قال ابن الزبير: ولما أدرك الياس أنكر على بني اسماعيل ما غيروا من سنن آبائهم وسيرهم، وبان فضله عليهم وجمعهم رأيه ورضوا به فردهم إلى سنن آبائهم، ولم تزل العرب تعظمه تعظيم أهل الحكمة، كتعظيمها لقمان وأشباهه. قال ابن دحية رحمه الله تعالى: وهو وصي أبيه. وكان ذا جمال بارع. قال السيهلي: ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا تسبوا الياس فإنه كان مؤمنا " انتهى. وسيأتي لهذا مزيد بيان في ترجمة مضر. وذكر أنه كان يسمع في صلبه تلبية النبي صلى الله عليه وسلم بالحج. وهو أول من أهدى إلى البيت البدن. قال ابن الزبير رضي الله تعالى عنهما. ابن مضر مضر بضم الميم وفتح الضاد المعجمة. وهو غير مصروف للعلمية والعدل عن ماضر. لقب بذلك لأنه كان يضير قلب من رآه لحسنه وجماله. وقال القتبي: مشتق من المضيرة، أو من اللبن الماضر. والمضيرة شئ يصنع من اللبن. فسمي مضرا لبياضه. واسمه عمرو. وكنيته أبو الياس. وأمه سودة بنت عك بن عدنان. وكان يقال له مضر الحمراء قيل: لأن العرب تسمى الأبيض الأحمر. قاله السهيلي. والذي ذكره ابن جرير والماوردي والزبير والبلاذري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن نزار أباه لما حضرته الوفاة أوصى بنيه وهم: مضر وربيعة وإياد وأنمار فقال: هذه القبة - لقبة حمراء من أدم - وما

[ 290 ]

أشبهها من المال لمضر. وهذا الخباء الأسود وما أشبهه لربيعة. وهذه الخادم وكانت شمطاء وما أشبهها لإياد. وهذه البدرة والمجلس لأنمار يجلس فيه وقال البلاذري رحمه الله تعالى إنه أوصى له بحمار وفي ذلك قال الشاعر: نزار كان أعلم إذ تولى * * لأي بنيه أوصى بالحمار وقال لهم: إذا أشكل عليكم الأمر في ذلك واختلفتم في القسمة فعليكم بالأفعى الجرهمي، وكان بنجران. فلما مات نزار اختلفوا وأشكل عليهم أمر القسمة فتوجهوا إلى الأفعى، فبينما هم في مسيرهم إليه إذ رأى مضر كلأ قد رعى فقال: إن البعير الذي رعى هذا لأعور. فقال ربيعة: وهو أزور. وقال إياد: وهو أبتر. وقال أنمار وهو شرود. فلم يسيروا إلا قليلا حتى لقيهم رجل توضع به راحلته فسألهم عن البعير فقال مضر: أهو أعور ؟ قال: نعم. قال ربيعة: أهو أزور ؟ قال: نعم. قال إياد: أهو أبتر ؟ قال: نعم. قال أنمار: أهو شرود ؟ قال: نعم هذه والله صفة بعيري دلوني عليه فحلفوا له أنهم ما رأوه. فلزمهم وقال كيف أفارقكم وأنتم تصفون بعيري بصفته ؟ فساروا وسار معهم حتى قدموا نجران فنزلوا بالأفعى الجرهمي، فحاكمهم صاحب الجمل إلى الأفعى وقال: بعيري وصفوا لي صفته ثم قالوا لم نره. فقال لهم الأفعى: كيف وصفتموه ولم تروه ؟ فقال له مضر: رأيته يرعى جانبا ويترك جانبا فعرفت أنه أعور. وقال ربيعة: رأيت إحدى يديه ثابتة والأخرى فاسدة الأثر فعلمت أنه أفسدها بشدة وطئه وطلبه لازوراره وقال إياد: عرفت بتره باجتماع بعره ولو كان ذيالا لمصع به. وقال أنمار: عرفت أنه شرود بأنه كان يرعى في المكان الملتف نبته ثم يجوزه إلى مكان أرق منه وأخبث. وحلفوا أنهم ما رأوه. فقال الأفعى: ليسوا بأصحاب بعيرك فاطلبه. ثم سألهم من أنتم ؟ فأخبروه فرحب وقال: تحتاجون إلي وأنتم في جزالتكم وصحة عقولكم وآرائكم على ما أرى ؟ !. ثم خرج عنهم وأرسل إليهم بطعام فأكلوا وبشراب فشربوا فقال مضر: لم أر خمرا أجود منها لولا أنها نبتت على قبر. وقال ربيعة: لم أر كاليوم لحما أطيب لولا أنه ربي بلبن كلب وقال إياد: لم أر كاليوم رجلا أسرى لولا أنه ليس لأبيه الذي يدعى له. وقال أنمار: لم أر كاليوم كلاما أنفع في حاجتنا. وسمع الأفعى كلامهم فقال: ما هؤلاء الشياطين، ثم أتى أمه فسألها فأخبرته أنها كانت تحت ملك لا يولد له فكرهت أن يذهب الملك فأمكنت رجلا نزل بنا فجئت أنت منه. وقال للقهرماني: الخمر الذي شربنا ما أمرها ؟ قال: من حبلة غرستها على قبر أبيك. وسأل الراعي عن اللحم فقال: شاة أرضعناها من لبن كلبة ولم يكن في الغنم غيرها.

[ 291 ]

فقيل لمضر: من أين عرفت الخمر. فقال: لأني أصابني عطش شديد. وقيل لربيعة من أين علمت اللحم ؟ قال لأن لحم الكلب يعلو شحمه بخلاف لحم الشاة فإن شحمها يعلو لحمها. وقيل لإياد: من أين علمت أن نسبي لغير أبي ؟ قال: لأنه وضع الطعام ولم تجلس معنا فيكون أصلك دنيئا. فقال: قصوا علي قصتكم. فقصوا عليه ما أوصى به أبوهم وما كان من الاختلاف بينهم. ما أشبه القبة الحمراء من مال فهو لمضر. فصارت إليه الدنانير والإبل، فسمى مضر الحمراء. قال: وما أشبه الخباء الأسود من دابة ومال فهو لربيعة فصارت إليه الخيل وهي دهم. فسمى ربيعة الفرس. قال: وما أشبه الخادم وكانت شمطاء من مال فيه بلق فهو لإياد فصارت الماشية البلق له فقيل إياد الشمطاء. وقضي لأنمار بالدراهم والأرض فساروا من عنده وهم على ذلك. قال محمد بن السائب فيما رواه البلاذري عنه: ومضر أول من حدا للإبل وكان سبب ذلك أنه سقط من بعيره وهو شاب فانكسرت يده فقال: يايداه يا يداه فأتت إليه الإبل من المرعى فلما صح وركب حدا، وكان من أحسن الناس صوتا. قال البلاذري: وقيل بل كسرت يد مولى له فصاح فاجمتعت عليه الإبل فوضع الحداء وزاد الناس فيه قال السهيلي وفي الحديث: " لا تسبوا ربيعة ومضر فإنهما كانا مؤمنين " (1). ورى ابن حبيب بسند جيد عن سعيد بن المسيب مرسلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تسبوا مضر فإنه كان على ملة إبراهيم " (2) ورواه الزبير والبلاذري بسند جيد عن الحسن مرسلا مثله ورواه البلاذري عن عبيد الله بن خالد مرسلا نحوه. وروى ابن حبيب بسند جيد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: مات أدد والد عدنان، وعدنان، ومعد، وربيعة، ومضر، وقيس عيلان وتيم وأسد وضبة وخزيمة على الإسلام على ملة إبراهيم صلى الله عليه وسلم. ومما يؤثر من حكم مضر: من يزرع شرا يحصد ندامة، وخير الخير أعجله، فاحملوا أنفسكم على مكروهها فيما يصلحكم، واصرفوها عن هواها فيما أفسدها، فليس بين الصلاح والفساد إلا صبر فواق. الفواق: قال في الصحاح ما بين الحلبتين من الوقت، لأنها تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر ثم تحلب.


(1) انظر فتح الباري 7 / 146. (2) أخرجه ابن سعد في الطبقات بنحوه 1 / 1 / 30، وذكره المتقي الهندي في الكنز (33987). (*)

[ 292 ]

وله من الولد الياس بالمثناة التحتية، والناس بالنون. قال الوزير المغربي: بتشديد السين المهملة، وهو عيلان بعين مهملة فمثناة تحتية. قال البلاذري: حضنه غلام لمضر يقال له عيلان فسمي به، فقيل لابنه قيس بن عيلان بن مضر وهو قيس بن الناس وأمهما الرباب. وقال الجواني: قولهم قيس المراد به من ولد قيس بن عيلان بن مضر قال: ومن العلماء من يقول إن عيلان كان حاضنا لقيس وليس بإبن. فتقول قيس عيلان بن مضر فتضيفه إليه كما قيل في قضاعة سعد هذيم. وهذيم حاضنه. والأول أصح وهذه روايتنا عن شيوخنا. ابن نزار نزار بكسر النون وتخفيف الزاي. قال أبو الفرج الأموي: مأخوذ من التنزر لأنه كان فريد عصره. وقال السهيلي: من النزر وهو القليل، لأن أباه حين ولد له ونظر إلى النور بين عينيه وهو نور النبوة الذي كان ينقل في الأصلاب، فرح به فرحا شديدا ونحر وأطعم شيئا كثيرا وقال: هذا نزر قليل في حق هذا المولود. فسمي نزارا لذلك. وقال الإمام أبو الحسن الماوردي رحمه الله تعالى في كتاب " أعلام النبوة " له: إن نزارا كان اسمه خلدان وكان مقدما وانبسطت له اليد عند الملوك، وكان مهزول البدن. فقال له ملك الفرس: مالك يانزار ؟ قال وتفسيره في لغة الفرس: يا مهزول. فغلب عليه هذا الاسم. قال العلامة المحب ابن شهاب الدين بن الهائم: وهو غريب جدا. وكنيته أبو إياد. وقيل أبو ربيعة. وأمه معانة بعين مهملة فنون بنت جوشم بجيم وزن جعفر. وقيل اسمها عنة بفتح العين المهملة وتشديد النون بنت جوشن بنون بدل الميم. وقيل في اسمها غير ذلك واتفقوا على أنها جرهمية. ابن معد معد: بفتح الميم والعين وتشديد الدال المهملتين، وفيما هو منقول منه أقوال: أحدها أن يكون مفعلا بفتح العين من قولك عددت الشئ أعده. حكاه ابن الأنباري والزجاجي عن قطرب (1). الثاني: أن يكون فعلا بفتح العين من قول العرب معد الرجل في الأرض إذا ذهب. فيما حكاه الزجاجي في مختصر الزاهر وحكاه أيضا السهيلي، إلا أنه فسر قولهم معد في الأرض


(1) محمد بن المستنير بن أحمد، أبو علي، الشهير بقطرب: نحوي، عالم بالأدب واللغة، من أهل البصرة. من الموالي. كان يرى رأي المعتزلة النظامية. وهو أول من وضع " المثلث " في اللغة. وقطرب لقب دعاه به أستاذه " سيبويه " فلزمه. وكان يؤدب أولاد أبي دلف العجلي. من كتبه " معاني القرآن " و " النوادر " و " الأزمنة " وغير ذلك توفي سنة 206 ه‍. الأعلام 7 / 95. (*)

[ 293 ]

بأفسد فيها. قال السهيلي: وإن كان ليس من الأسماء غير الأعلام ما هو على وزن فعل إلا مع التضعيف فإن التضعيف يدخل في الأسماء ما ليس منها. كما قالوا: شمر وقشعريرة ونحو ذلك. الثالث: أن يكون من المعد وهو موضع رجل الفارس من الفرس وموضع رجل الراكب من المركوب. حكاه الزجاجي في مختصر الزاهر. وحكى السهيلي نحوه عن ابن الأنباري، إلا أنه قال من المعدين وهما موضع عقبي الفارس من الفرس. قال السهيلي: وأصله على القولين الأخيرين من المعد بسكون العين وهي القوة. ومنه اشتقاق المعدة. وذكر الزجاجي نحوه فقال: ويجوز أن يكون من قول العرب: قد تمعدد الرجل إذا قوي واشتد وقال أبو الفتح بن جني في شرح تصريف أبي عثمان المازني: ويقال تمعدد الغلام إذا صلب واشتد. وقد يكون تمعدد بمعنى خطب وتعبد وتكلم. وأنشد قول الزاجر: ربيته حتى إذا تمعدا * * وصار نهدا كالحصان أجردا وكان جزائي بالعصا أن أجلدا (1). قال: وقال عمر رضي الله تعالى عنه: " اخشوشنوا وتمعددوا " أي كونوا على خلق معد. وكنيته أبو قضاعة. وقيل أبو نزار. وأمه مهدد بنت اللهم بكسر اللام وسكون الهاء ويقال بالحاء بدل الهاء بن حجب بجيم مفتوحة فحاء مهملة ابن جديس. وقال بعضهم هي من طسم. قال البلاذري والأول أثبت. جديس بالجيم والدال المهملة كأمير طسم بالطاء والسين المهملتين كغلس، قبيلة من عاد انقرضوا. ولما كان زمان بخت نصر كان لمعد بن عدنان ثنتا عشرة سنة. قال أبو جعفر الطبري رحمه الله تعالى: أوحى الله تعالى في ذلك الزمان إلى أرميا بن خليفا أن اذهب إلى بخت نصر فأعلمه أني قد سلطته على العرب واحمل معدا على البراق كيلا تصيبه النقمة منهم، فإني مستخرج من صلبه نبيا كريما أختم به الرسل. فاحتمل معدا على البراق إلى أرض الشام فنشأ في بني إسرائيل وتزوج هناك امرأة يقال لها معانة بنت جوشن. وقيل إنما حمل معد إلى أرض العراق. وقال الماوردي في كتابه أعلام النبوة: إن بخت نصر أراد قتل معد حين غزا بلاد العرب


(1) في أ: وكان جزائي بالغضا أن يعتوي. (*)

[ 294 ]

فأنذره نبي من أنبياء الله تعالى كان في وقته بأن النبوة في ولده. فاستبقاه وأكرمه. وروى أبو الربيع غير ذلك من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وهو أنه لما غزا بخت نصر العرب بعث الله تعالى ملكين فاحتملا معدا، فلما أدبر الأمر رداه فرجع موضعه من تهامة بعد ما رفع الله تعالى بأسه عن العرب فكان بمكة وناحيتها مع أخواله من جرهم وبها يومئذ بقية هم ولاة البيت يومئذ. فاختلط بهم يومئذ وناكحهم. وقيل إنما المحمول عدنان قال أبو الربيع. والصحيح الأول. واختلف في ولد معد. فقال عبد الملك بن حبيب: إنهم سبعة عشر رجلا درج منهم بلا عقب تسعة وأعقب ثمانية. فالذين أعقبوا: قضاعة بضم القاف وهو بكر والده واسمه عمرو ولقب قضاعة لما تقضع عن قومه أي بعد. ونزار، وإياد الأكبر وحيدان، بفتح الحاء المهملة وسكون المثناة التحتية وعبيد وهو الرماح. وجتيد بجيم مضمومة فتاء مثناة فوقية فتحتية ساكنة فدال مهملة. وسليم وقنص وكلهم انتقلوا إلى اليمن إلا نزارا. وقيل في عددهم غير ذلك. وروى الطبراني عن أبي أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لما بلغ ولد معد بن عدنان أربعين رجلا وقعوا في عسكر موسى فانتبهوه، فدعا عليهم موسى عليه الصلاة والسلام فأوحى الله تعالى إليه لا تدع عليهم فإن منهم النبي الأمي النذير البشير، ومنهم الأمة المرحمة أمة محمد يرضون من الله باليسير من الرزق ويرضى منهم بالقليل من العمل فيدخلهم الجنة بقول لا إله إلا الله، نبيهم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب المتواضع في هيبته المجتمع له اللين في سكوته، ينطق بالحكمة ويستعمل الحلم، أخرجته من خير جيل من أمة قريش، ثم أخرجته من صفوة قريش فهو خير من خير إلى خير هو وأمته إلى خير يصيرون " (1). وروى الزبير بن بكار عن محمول رحمه الله تعالى قال: أغار الضحاك بن معد على بني إسرائيل في أربعين رجلا من بني معد عليهم دراريع الصوف خاطمي خيلهم بحبال الليف، فقتلوا وسبوا وظفروا. فقالت بنو إسرائيل: يا موسى إن بني معد أغاروا علينا وهم قليل فكيف لو كانوا كثيرا وأغاروا علينا وأنت بيننا فادع الله عليهم فتوضأ موسى وصلى، وكان إذا أراد حاجة من الله صلى ثم قال: يا رب إن بني معد أغاروا على بني إسرائيل فقتلوا وسبوا وظفروا وسألوني أن أدعوك عليهم فقال الله: يا موسى لا تدع عليهم فإنهم عبادي وإنهم ينتهون عند أول أمري، وإن فيهم نبيا أحبه وأحب أمته قال: يا رب ما بلغ من محبتك له ؟ قال: أغفر له ما تقدم من ذنبه


(1) ذكره الهيثمي في المجمع 8 / 221 وعزاه للطبراني وقال: وفيه الحسن بن فرقد وهو ضعيف. (*)

[ 295 ]

وما تأخر. قال: يا رب ما بلغ من محبتك لأمته قال: يستغفرني مستغفرهم فأغفر له ويدعوني داعيهم فأستحبيب له قال: يا رب فاجعلني منهم قال: تقدمت واستأخروا. فائدة: قال النحويون الأغلب على معد وقريش وثقيف التذكير والصرف. ابن عدنان بفتح العين وإسكان الدال المهملتين ثم نونين بينهما ألف: مأخوذ من عدن بالمكان إذا أقام به. حكاه ابن الأنباري والزجاجي وغيرهما. وكنيته أبو معد قال البلاذري ويقال إن أول من كسا الكعبة عدنان، كساها أنطاع الأدم. وله من الولد معد والديث بدال مهملة مكسورة فمثناة تحتية ساكنة فمثلثة. وأبي وألعي بهمزة وعين مهملة مفتوحتين وسكون المثناة التحتية وبعضهم يقول بكسر العين وتشديد الياء والثبت الأول. وعدي بضم العين وفتح الدال المهملة مصغرا، وكذا وجدته في نسخة صحيحة مقروءة مقابلة على عدة نسخ من تاريخ البلاذري. وذكر السهيلي عدن بن عدنان وقال: وإليه تنسب عدن ونازعه في الزهر في ذلك، وقال إنها منسوبة إلى غيره فالله تعالى أعلم. والحارث والمذهب ولذلك يقال في المثل: أجمل من المذهب. وذكر ابن إسحاق رحمه الله تعالى من ولد عدنان عكا ونوزع في ذلك بأمرين: أحدهما أن عدنان والد عك بفتح العين وهو ابن عبد الله بن الأزد. وقال ابن المعلى في كتاب الترقيص: وعلى ذلك علماء عك والثاني على تقدير تسليم ما ذكره ابن إسحاق: ليس عك ابنا لصلب عدنان إنما هو على ما ذكره الكلبي والبلاذري في آحرين: واسمه الحارث بن الديب بن عدنان. تنبيه: قد قدمنا أن ما سبق هو السبب الصحيح المجمع عليه في نسب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن ما بين عدنان إلى إسماعيل فيه اضطراب شديد واختلاف متفاوت حتى أعرض الأكثر عن سياق النسب بين عدنان وإسماعيل ولكن لا خلاف أن عدنان من ذرية إسماعيل وإنما الخلاف في عدد ما بينهما. وقد اختلف النسابون في ذلك فذهب جماعة إلى أنه لا يعرف. ومما استدلوا به ما رواه ابن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان انتسب لما يجاوز في نسبه معد بن عدنان بن أدد ثم يمسك ثم يقول: كذب النسابون وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لو شاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعلمه لعلمه.

[ 296 ]

وأجيب بأن هشاما وأباه متروكان. وقال السهيلي: الأصح في هذا الحديث أنه من قول ابن مسعود. والقائلون: بأنه معروف اختلفوا فقيل: بين عدنان وإسماعيل أربعة وقيل: سبعة وقيل: ثمانية. وقيل: تسعة. وقيل: عشرة. وقيل: خمسة عشر. وقيل: عشرون. وقيل: ثلاثون. وقيل: ثمانية وثلاثون. وقيل: تسعة وثلاثون. وقيل: أربعون. وقيل: أحد وأربعون. وقيل: غير ذلك وبسط الكلام على ذلك ابن جرير وابن حبان وابن مسعود في تواريخهم وغيرهم ولا حاجة بنا إلى ذلك. وقال الجاحظ رحمه الله تعالى: الذي ترجح في نظري أن الاعتماد على ما قال ابن إسحاق أولى. قلت: وصححه أبو أبو الفضل العراقي في ألفية السيرة. قال الحافظ: وأولى منه ما رواه الطبراني والحاكم عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: معد بن عدنان بن أدد بن زند بن اليرى بن أعراق الثرى. قالت: ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم (وأنه أهلك عادا (الأولى) وثمود) (وقرونا بين ذلك كثيرا) لا يعلمهم إلا الله تعالى. قالت: وأعراق الثرى: إسماعيل. وزند: هميسع. ويرى: نبت. قلت: وصححه الحاكم وأقره الذهبي. وقال الحافظ نور الدين الهيثمي في مجمع الزوائد (انتهى) رواه الطبراني في الصغير وفيه عبد العزيز بن عمران (1) من ذرية عبد الرحمن ابن عوف (2) وقد ضعفه البخاري وجماعة، وذكره ابن حبان في الثقات انتهى. وزند والد أدد معجمة فنون فدال مهملة قال الدار قطني رحمه الله تعالى: لا نعلم زندا إلا في هذا الحديث وزند بن الجون وهو أبو دلامة (3) الشاعر. واليرى بمثناة تحتية فراء


(1) عبد العزيز بن عمران المدني، وهو عبد العزيز بن أبي ثابت. عن جعفر بن محمد، وأفلح بن سعيد. وعنه إبراهيم بن المنذر، وأبو حذافة السهمي. قال البخاري: لا يكتب حديثه. وقال النسائي وغيره: متروك. وقال عثمان بن سعيد: قلت ليحيى: فابن أبي ثابت عبد العزيز بن عمران ما حاله ؟ قال: ليس بثقة، إنما كان صاحب شعر، وهو من ولد عبد الرحمن بن عوف. انظر ميزان الاعتدال 2 / 632، 633. (2) عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة الزهري أبو محمد المدني شهد بدرا والمشاهد له خمس وستون حديثا. وهو أحد العشرة وهاجر الهجرتين قال خليفة: مات سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: سنة ثلاث ودفن بالبقيع. وزاد بعضهم وهو ابن خمس وسبعين سنة. الخلاصة 2 / 147، وسيأتي في المناقب. (3) زند بن الجون الأسدي، بالولاء، أبو دلامة: شاعر مطبوع، من أهل الظرف والدعاية، أسود اللون، جسيم وسيم. كان أبوه عبدا لرجل من بني أسد وأعتقه. نشأ في الكوفة واتصل بالخلفاء من بني العباس، فكانوا يستلطفونه ويغدقون عليه صلاتهم، وله في بعضهم مدائح. وكان يتهم بالزندقة لتهتكه، وأخباره كثيرة متفرقة. توفي سنة 161 ه‍، انظر الأعلام 3 / 49، 50. *

[ 297 ]

خفيفة مفتوحتين قال الحافظ في التبصير: واليرى: شجر طيب الرائحة. انتهى. والثرى: بمثلثة فراء لقب إسماعيل لقب بذلك لأنه ابن إبراهيم، وإبراهيم لم تأكله النار، كما أن النار لا تأكل الثرى والله تعالى أعلم. قال الحافظ رحمه الله تعالى: فعلى هذا يكون معد بن عدنان كما قال بعضهم: كان في عهد موسى لا في عهد عيسى صلى الله عليه وسلم، وهذا أولى، لأن عدد الآباء بين نبينا وبين عدنان نحو العشرين فيبعد كل البعد مع كون المدة التي بين نبينا وبين عيسى كانت ستمائة سنة مع ما عرف من طول أعمارهم أن يكون معد في زمن عيسى. وإنما رجح من رجح كون بين عدنان وإسماعيل العدد الكثير استبعادهم أن يكون بين معد وهو في عصر عيسى بن مريم وبين إسماعيل أربعة آباء أو خمسة مع طول المدة، وما فروا منه وقعوا في نظيره كما أشرت إليه. والأقرب: ما حررته وهو إن ثبت أن معد بن عدنان كان في زمن عيسى فالمعتمد أن يكون بينه وبين إسماعيل العدد الكثير من الآباء وإن كان في زمن موسى فالمعتمد أن ما بينهما العدد القليل. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى. وقد تقدم في ترجمة معد أن أولاده أغاروا على عسكر موسى عليه الصلاة والسلام. قال السهيلي: وحديث أم سلمة أصح شئ روي في هذا الباب. ثم قال: وليس هو عندي بمعارض لما تقدم من قوله: " كذب النسابون " ولا لقول عمر، لأنه حديث متأول يحتمل أن يكون قوله ابن اليرى بن أعراق الثرى كما قال: " كلكم بنو آدم وآدم من تراب " لا يريد أن الهميسع ومن دونه ابن لإسماعيل لصلبه، ولا بد من هذا التأويل أو غيره، لأن أصحاب الأخبار لا يختلفون في بعد المدة بين عدنان وإبراهيم، ويستحيل في العادة أن يكون بينهما أربعة آباء أو سبعة كما ذكر ابن إسحاق، أو عشرة أو عشرون، فإن المدة أطول من ذلك كله. وذلك أن معد بن عدنان كان في مدة بخت نصر ابن اثنتي عشرة سنة. قال الطبري. قلت: وإذا تأملت الكلام السابق للحافظ تبين لك الجواب عن السهيلي. قال الجواني رحمه الله تعالى: وسبب الخلاف في النسب أنه قد جاء أن العرب لم يكونوا أصحاب كتب يرجعون إليها، وإنما كانوا يرجعون إلى حفظ بعضهم من بعض، فمن ذلك حدث الأختلاف. انتهى. وإذا علم ما تقرر فهذه فوائد تتعلق بالأسماء الآتية: الأولى: قال ابن دريد: ما بعد عدنان أسماء سريانية لا يوضحها الاشتقاق. الثانية: قال الحافظ محمد بن علي التوزري الشهير بابن المصري رحمه الله تعالى في شرحه على القصيدة الشقراطيسية وهو في ست مجلدات كبار في وقف خزانة المحمودية: ما

[ 298 ]

كان من هذه الأسماء العجمية على أربعة أحرف فصاعدا فلا خلاف أن منعه من الصرف للعجمة والتعريف. وما كان منها على ثلاثة أحرف فإما أن يكون متحرك الوسط فحكمه حكم الأول، وإما أن يكون ساكن الوسط كنوح ويرد فحكمه الصرف على المشهور. الثالثة: قال الحافظ في الفتح بعد أن ساق نسب سيدنا إبراهيم إلى نوح صلى الله عليهما وسلم كما سيأتي: لا يختلف جمهور أهل النسب ولا أهل الكتاب في ذلك إلا في النطق ببعض هذه الأسماء. نعم ساق ابن حبان في أول تاريخه خلاف ذلك وهو شاذ انتهى. وقال ابن دريد: في كتاب الاشتقاق: وأما نسب إبراهيم إلى آدم عليهما الصلاة والسلام فصحيح لا خلاف فيه لأنه منزل في التوراة مذكور فيها نسبهم ومبلغ أعمارهم. وقال الجواني في المقدمة: النسب فيما بين آدم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام صحيح لا خلاف فيه بينهم ولا خلاف إلا في أسماء الآباء لأجل نقل الألسنة. الرابعة: اختلف العلماء في كراهة رفع النسب إلى آدم صلى الله عليه وسلم: فذهب ابن إسحاق وابن جرير وغيرهما إلى جوازه، وأما الإمام مالك رضي الله تعالى عنه فسئل عن الرجل يرفع نسبه إلى آدم فكره ذلك، فقيل له: فإلى إسماعيل ؟ فأنكر ذلك أيضا. وقال: من يخبره به ! وكره أيضا أن يرفع في نسب الأنبياء: مثل أن يقول إبراهيم بن فلان بن فلان. قال: ومن يخبره به ؟ لنقله في الروض عن كتاب عبد الله بن محمد بن حسين المنسوب إلى المعيطي. ابن أد أد بضم الهمزة وتشديد الدال المهملة قال أبو عمر: كل الطرق تقول: عدنان بن أدد إلا طائفة فقالوا: عدنان بن أد بن أدد. قال في " الغرر " والظاهر أنه من مادة أدد. وأمه النعجاء بنت عمرو بنت تبع سعد ذي قائش الحميري. ابن أدد أدد بهمزة مضمومة ثم دالين مهملتين الأولى مفتوحة. وفي مادته وجوه: أحدهما. فعل من الواد قلبت واوه همزة لانضمامها أولا كما قيل في وجوه ووقت. ذكره جماعة. قال ابن السراج: وليس معد ولا كعمر. قال السهيلي: وهو ظاهر قول سيبويه. الثاني: أن يكون من الأد وهو من الأمر العظيم والداهية من قوله تعالى: (لقد جئتم شيئا إدا). الثالث: أن يكون من قولهم: أددت الثوب إذا مددته. الرابع: أن يكون من قولهم أدت الإبل: إذا خرجت. ذكره ابن الأنباري في الزهر والزجاجي في مختصره.

[ 299 ]

وعلى الوجه الثاني يجوز أن يكون من الأد بالفتح وقد قرئ شاذا وفسره أبو عمرو بن العلاء رحمه الله تعالى بالعظيم. وأمه حية بحاء مهملة فمثناة تحتية القحطانية قال الحافظ في التبصير: كل من جاء على هذه الصورة من النساء فهو بالياء المثناة من تحت إلا أحت يحي بن أكثم فإنها بالخاء المعجمة والنون، وإلا أم مريم ابنة عمران وإنها بالمهملة والنون. ابن اليسع اليسع باسم النبي المرسل. وقد قالوا فيه إنه بهمزة وصل تفتح في الابتداء ولام ساكنة ومثناة تحتية مفتوحة. ويقال الليسع بلام مشددة مفتوحة وياء ساكنة. وبذلك قرأ حمزة والكسائي وخلف في سورة الأنعام وص. وبالأول قرأ الجمهور وقال في المطالع: وهو اسم عجمي ممنوع من الصرف وقيل عربي وقيل له اليسع لسعة علمه أو لسعيه في الحق. ابن الهميسع الهميسع: قال الجوهري: الهميسع بالفتح: الرجل القوي. قال الجواني: بفتح الهاء على وزن السميدع قال: وأكثر الناس يروونه بضم الهاء. والصواب الفتح. قال السهيلي، وتفسيره الضراع. وأمه حارثة بنت مرداس بن زرعة ذي رعين الحميري. ابن سلامان سلامان: لم أقف له على ترجمة. ابن نبت نبت بفتح النون ويقال نابت: قاله الأمير أبو نصر بن ماكولا رحمه الله تعالى في باب نابت بن إسماعيل بن إبراهيم. قال: ويقال بل هو نابت بن سلامان بن حمل ابن قيذار بن إسماعيل بن إبراهيم. وهذا القول الأخير خلاف ما ذكره الجواني في النسب فإنه قال: عدنان بن أد بن أدد بن اليسع بن الهميسع بن سلامان بن نبت فقدم سلامان على نبت. وكذا نقله ابن الجوزي في التلقيح. وأمه هامة بنت زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. ابن حمل حمل بفتح المهملة والميم آخره لام. وأمه العاضرية بنت مالك الجرهمي. ابن قيذار قيذار بالذال المعجمة ويقال قيذر بفتح الذال وضمها قال السهيلي: وتفسيره صاحب

[ 300 ]

الإبل وذلك أنه كان صاحب إبل إسماعيل. وقال في موضع آخر: وذكر من وجه قوي عن نساب العرب أن نسب عدنان يرجع إلى قيذار بن إسماعيل وأن قيذار كان الملك في زمانه ومعنى قيذار الملك إذا قهر. وقال الجواني: افترق ولد إسماعيل في أقطار الأرض فدخلوا في قبائل العرب. ودرج بعضهم فلم يثبت النسابون لهم نسبا إلا ما كان من ولد قيذار، ونشر الله تعالى ذرية إسماعيل الذين تكلموا بلسانه من ولد قيذار ابنه أبي العرب. وأمه: قال الجواني: هالة بنت الحارث بنت مضاض الجرهمي. وقيل غير ذلك. ابن مقوم مقوم بضم الميم. واختلف في واوه، ففي نسخة صحيحة من السيرة قرئت على أبي محمد ابن النحاس راويها: على الواو شدة وفتحة وتحتها كسرة وفوق الواو بخط الجواني: معا. وقال العسكري رحمه الله تعالى بفتح الواو هكذا قرأته على ابن دريد بالفتح وقال التوزري رحمه الله تعالى بكسر الواو. ابن ناحور ناحور: بنون وحاء مهملة من النحر إن كان عربيا. تيرح بمثناة فوقية مفتوحة فتحتية مثناة ساكنة فراء مفتوحة مهملة وزن جعفر. قال السهيلي: وهو فيعل من الترحة إن كان عربيا والترح: ضد السرور. ويقال تارح بألف بدل الياء. ابن يعرب يعرب: بمثناة تحتية فعين مهملة ساكنة فراء مضمومة فباء موحدة غير مصروف. قال ابن دريد مشتق من قولهم أعرب في كلامه إذا أفصح. أو من قولهم أعرب عن نفسه إذا أفصح عنها وتعقب بأن يعرب لا يكون من أعرب. ابن يشجب يشجب بمثناة تحتية مفتوحة فشين معجمة ساكنة فجيم مضمومة فباء موحدة قال الحافظ التوزري: من الشجب وهو الهلاك وسمى به لأن العرب تسمى بالألفاظ المكروهة تفاؤلا بذلك للأعداء. ابن نابت نابت بالنون اسم فاعل من نبت

[ 301 ]

ابن إسماعيل إسماعيل باللام وفيه لغة أخرى وهو إسماعين بالنون. حكاه الإمام النووي رحمه الله تعالى في تهذيبه. وهو نبي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أرسله إلى أخواله من جرهم وإلى العماليق الذين كانوا بأرض الحجاز فآمن بعض وكفر بعض. وهو اسم أعجمي كسائر الأعلام الأعجمية. قال السهيلي رحمه الله تعالى: وتفسيره مطيع الله. قال صاحب القاموس في كتاب لغات القرآن المسمى بمطلع زواهر النجوم: وهو أول من سمي بهذا الاسم من بني آدم، واحترزنا بهذا القيد عن الملائكة فإن فيهم إسماعيل وهو أمير الملائكة. قلت: أي ملائكة سماء الدنيا. كما سيأتي في باب سياق قصة المعراج. وتكلف بعض الناس له اشتقاقا من سمع وتركيبا منه ومن إيل وهو اسم الله تعالى قال فإن وزنه إفعاليل فمعناه اسم الله تعالى أمره فقام به. والذي قال: إن وزنه فعاليل لأن أصله سماعيل قال لأنه سمع من الله تعالى قوله فأطاعة. قال في المطلع وله عشر خصائص: الأولى أن لغته كانت لغة العرب قلت: هو أول من نطق بالعربية المبينة. روى الزبير بن بكار وأبو جعفر النحاس في أدب الكاتب عن علي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أول من فتق الله لسانه بالعربية المبينة إسماعيل وهو ابن أربع عشرة سنة " (1). إسناده حسن كما في الفتح والزهر. وفي الصحيح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في حديث بدء أمر زمزم ونزول جرهم بأم إسماعيل: وشب الغلام وتعلم العربية منهم الخ. وقد تقدم بتمامه. قال الحافظ: فيه إشعار بأن لسان أمه وأبيه لم يكن عربيا، وفيه تضعيف لقول من روي أنه أول من تكلم بالعربية. وقد وقع ذلك في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عند الحاكم في المستدرك بلفظ: " أول من نطق بالعربية إسماعيل " (2) ثم أورد الحافظ حديث علي السابق. ثم قال: وبهذا القيد - يعني أنه أول من تكلم بالعربية المبينة يجمع بين الخبرين فتكون أوليته في ذلك بحسب الزيادة في البيان لا الأولية المطلقة. ويكون بعد تعلمه أصل


(1) ذكره السيوطي في المزهر 1 / 34 وعزاه للشيرازي في كتاب الألقاب. (2) أخرجه الحاكم في المستدرك 2 / 553 كتاب التاريخ وانظر المزهر للسيوطي 1 / 34. *

[ 302 ]

العربية من جرهم ألهمه الله تعالى العربية الفصيحة البينة فنطق بها. ويشهد لهذا الجمع ما حكى ابن هشام رحمه الله تعالى عن الشرفي بن قطامي (1) أن عربية إسماعيل كانت أفصح من عربية يعرب بن قحطان وبقايا حمير وجرهم. ويحتمل أن تكون الأولية في الحديث مقيدة بإسماعيل بالنسبة إلى بقية إخوته من ولد إبراهيم. فإسماعيل أول من نطق بالعربية من ولد إبراهيم. ولهذا تتمة تأتي في اسم " العربي ". الثانية: أنه مركز نور النبي صلى الله عليه وسلم. الثالثة: أنه ولد الخليل صلى الله عليه وسلم. الرابعة: أنه شريك أبيه إبراهيم صلى الله عليه وسلم في بناء البيت. الخامسة: أنه كان بكر الخليل صلى الله عليه وسلم. السادسة: أن إليه ترجع أنساب العرب. السابعة: أنه استسلم للذبح عند امتحان الله تعالى اياه. الثامنة: أنه فاز بخلعة: (وفديناه بذبح عظيم). التاسعة: أن الله تعالى اصطفاه من ولد آدم. روى مسلم والترمذي عن واثلة بن الأسقع رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل " الحديث وتقدم بتمامه. العاشرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم افتخر به فقال: " أنا ابن الذبيحين ". قلت هو بهذا اللفظ في الكشاف وقال الزيلعي (2) والحافظ كلاهما في تخريج أحاديثه: إنهما لم يجداه بهذا اللفظ. وسماه الله تعالى في القرآن باثني عشر اسما: غلام، وعليم، وحليم، ومسلم، ومستسلم، وآمر (وكان يأمر أهله بالصلاة) وصابر (ستجدني إن شاء الله من الصابرين) ومرضي (وكان عند ربه مرضيا) وصادق ورسول ونبي ومذكور (واذكر في الكتاب إسماعيل).


(1) الوليد بن حصين (الملقب بالقطامي) بن حبيب بن جمال، الكلبي، أبو المثنى: عالم بالأدب والنسب. من أهل الكوفة. استقدمه منها أبو جعفر المنصور، إلى بغداد ليعلم ولده " المهدي " الأدب. وكان صاحب سمر. وروى نحو عشرة أحاديث ضعيفة. توفي 155 ه‍. الأعلام. (2) عبد الله بن يوسف بن محمد الريلعي، أبو محمد، جمال الدين: فقيه، عالم بالحديث. أصله من الزيلع (في الصومال) ووفاته في القاهرة. من كتبه " نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية " في مذهب الحنفية، و " تخريج أحاديث الكشاف ". توفي سنة 762 ه‍. الأعلام 4 / 147. (*)

[ 303 ]

وكان أكبر من إسحاق صلى الله عليه وسلم. واختلف في الذبيح منهما، والصحيح الذي عليه الأكثرون أنه إسماعيل صلى الله عليه وسلم. قلت: وقد بسط العلامة ابن القيم في كتابه " زاد المعاد " توجيه ذلك ورد خلافه بأكثر من عشرين وجها. ولم يخرج من نسله نبي غير نبينا صلى الله عليه وسلم وأما خالد بن سنان (1) فإن كان في زمن الفترة فقد ثبت في صحيح البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أنا أولى الناس بعيسى بن مريم إنه ليس بيني وبينه نبي " (2) انتهى. وإن كان قبلها فلا يمكن أن يكون نبيا لأن الله تعالى قال: (لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك) وقد قال غير واحد، من العلماء، لم يبعث الله نبيا بعد إسماعيل في العرب إلا محمدا صلى الله عليه وسلم: ذكر ذلك ابن كثير رحمه الله تعالى وقال الحافظ في الفتح: إن هذا الحديث أن هذا الحديث أي الذي في الصحيح يضعف ما ورد في قصة خالد بن سنان، فإنه صحيح بلا تردد، وفي غيره مقال. أو المراد: أنه لم يبعث بشريعة مستقلة، وإنما بعث بتقرير شريعة عيسى. وأم إسماعيل: هاجر بالهاء ويقال آخر وهي قبطية. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن إبراهيم وسارة قدما أرض جبار أو ملك فقال إبراهيم لسارة: إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك فإن سألك فأخبريه أنك أختي وإنك اختي في الإسلام. فلما دخل أرضه رآها بعض أهل الجبار فقال: لقد قدم أرضك امرأة جميلة لا ينبغي لها أن تكون إلا لك وهي من أحسن الناس فأرسل إلى إبراهيم فسأله عنها فقال: من هذه ؟ قال: أختي ثم رجع إليها فقال: يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، وإن هذا سألني فأخبرته أنك أختي فلا تكذبيني فأرسل إليها وقام إبراهيم إلى الصلاة فلما دخلت عليه قامت تتوضأ وتصلي فقالت، اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلط علي هذا الكافر فلم يتمالك أن بسط يده إليها فقبضت يده قبضة شديدة وغط حتى ركض برجله فقالت: إن يمت يقال هي قتلته فأرسل وفي لفظ فقال: ادعى الله لي ولا أضرك. فدعت فأطلق. ثم تناولها الثانية فقامت تتوضأ وتصلي وتقول: اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلط علي هذا الكافر فأخذ مثلها أو أشد وغط حتى ضرب برجله الأرض فقالت اللهم إن يمت يقال هي قتلته فأرسل وفي لفظ: فقال ادعي الله لي ولا أضرك فدعت فأطلق فدعا بعض حجبته وفي لفظ: الذي جاء


(1) خالد بن سنان بن أبي عبيد بن وهب بن لوزان بن عبدود بن ثعلبة الأوسي. قال العدوي: شهد أحدا واستشهد يوم الجسر. انظر الإصابة 2 / 92. (2) أخرجه مسلم 4 / 1837 كتاب الفضائل (145 - 2365). (*)

[ 304 ]

بها فقال لم تأتوني بإنسان إنما أتيتموني بشيطان ارجعوها إلى إبراهيم وأخرجها من أرضي وأعطها هاجر فرجعت إلى إبراهيم وهو قائم يصلي فأومأ بيده: مهيم. وفي لفظ مهيا. قالت أشعرت أن الله كبت الكافر ؟ وفي لفظ: قالت إن الله رد كيد الكافر في نحره وأخدم هاجر. رواه البخاري في مواضع صحيحة ومسلم والنسائي والبزار وابن حبان رحمهم الله تعالى (1). قال الإمام النووي: كانت هاجر للجبار الذي كان يسكن عين الجر. قلت: قال الحازمي: هو بالجيم المفتوحة والراء المشددة انتهى. بقرب بعلبك. فوهبها لسارة، فوهبتها سارة لإبراهيم. قال السهيلي: وكانت قبل ذلك الملك الذي وهبها لسارة بنت ملك من ملوك القبط بمصر. ذكر الطبري من حديث سيف بن عمير أو غيره أن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه حين حاصر مصر قال لأهلها: إن نبينا قد وعدنا بفتحها وقد أمرنا أن نستوصي بأهلها خيرا فإن لهم نسبا وصهرا فقالوا: هذا نسب لا يحفظ حقه إلا نبي لأنه نسب بعيد، وصدق كانت أمكم امرأة الملك من ملوكنا فحاربنا أهل عين شمس وكانت علينا دولة فقتلوا الملك واحتملوها فمن هناك سيرت إلى أبيكم إبراهيم أو كما قالوا. قال الحافظ رحمه الله تعالى: هاجر اسم سرياني ويقال إن أباها كان من ملوك القبط، وأنها من حفن بفتح الحاء المهملة وسكون الفاء آخره نون: قرية بمصر. قال اليعقوبي (2) رحمه الله تعالى: كانت مدينة انتهى. وهي الآن كفر من عمل أنصنا بالبر الشرقي من الصعيد في مقابلة الأشمونين. وفيها آثار عظيمة باقية واسم الجبار المذكور عمرو بن امرئ القيس ابن سبأ وكان على مصر. ذكره السهيلي وهو قول ابن هشام في التيجان وقيل اسمه صادوف ذكره ابن قتيبة. وإنه كان على الأردن. وذكر ابن هشام في التيجان قائل ذلك رجل كان إبراهيم صلى الله عليه وسلم يشتري منه القمح وأنه ذكر أنه رآها تطحن وأن هذا هو السر في إعطاء الملك لها هاجر وقال: إن هذه لا تصلح أن تخدم نفسها. واختلف في السبب الذي حمل إبراهيم صلى الله عليه وسلم على التوصية بأنها أخته، مع أن ذلك الظالم يريد اغتصابها على نفسها أختا كانت أو زوجة.


(1) أخرجه البخاري 6 / 446 كتاب أحاديث الأنبياء، ومسلم 4 / 1840 كتاب الفضائل (154 - 2371) وأحمد في المسند 2 / 403. (2) أحمد بن إسحاق (أبي يعقوب) بن جعفر بن وهب بن واضح اليعقوبي: مؤرخ جعرافي كثير الأسفار، من أهل بغداد. كان جده من موالي المنصور العباسي. رحل إلى المغرب وأقام مدة في أرمينية. ودخل الهند. وزار الأقطار العربية. وصنف كتبا جيدة منها " تاريخ اليعقوبي " انتهى به إلى خلافة المعتمد على الله العباسي، وكتاب " البلدان " و " أخبار الأمم السالفة " و " مشاكلة الناس لزمانهم " اختلف المؤرخون في سنة وفاته، فقال ياقوت: سنة 284 ونقل غيره 282 وقيل 278 أو بعدها. انظر الأعلام 1 / 95. (*)

[ 305 ]

فقيل: كان من دين الملك أن لا يتعرض إلا لذوات الأزواج. كذا قيل. قال الحافظ: ويحتاج إلى تتمة: وهو أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم أراد دفع أعظم الضررين بارتكاب أخفهما. وذلك أن اغتصاب الملك إياها واقع لا محالة لكن إن علم أن لها زوجا في الحياة حملته الغيرة على قتله وإعدامه وحبسه وإضراره بخلاف ما إذا علم أن لها أخا فإن الغيرة حينئذ تكون من قبل الأخ خاصة لا من قبل الملك فلا يبالي به وقيل أراد إن علم إنك زوجتي ألزمني بالطلاق. والتقرير الذي قررته جاء صريحا عن وهب بن منبه. رواه عبد بن حميد في تفسيره. وذكر الحافظ زكي الدين المنذري (1) رحمه الله تعالى في حاشية السنن عن بعض أهل الكتاب أنه كان من رأي الجبار المذكور أن من كانت متزوجة لا يقربها حتى يقتل زوجها فلذلك قال إبراهيم هي أختي لأنه إن كان عادلا خطبها منه ثم يرجو مدافعته عنها، وإن كان ظالما خلص من القتل وليس ببعيد مما قررته أولا. وذكر ابن الجوزي نحو ما ذكره المنذري. تفسير الغريب قوله: فغط بضم الغين المعجمة على الصواب. والمراد بالشيطان هنا المتمرد من الجن، وكانوا قبل الإسلام يعظمون أمر الجن ويرون كل ما يقع من الخوارق من فعلهم وتصرفهم. مهيم: وفي لفظ: مهيا. وفي لفظ: مهين. ويقال إن الخليل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أول من تكلم بهذه الكلمة. كبت بكاف فباء موحدة مفتوحتين فمثناة فوقية: أي رده الله خاسئا يقال أصله كبد أي بلغ السهم كبده ثم أبدلت الدال مثناة فوقية. انتهى كلام الحافظ. ولإسماعيل صلى الله عليه وسلم عدة أولاد غير من ذكر في عمود النسب. (ابن إبراهيم) إبراهيم نبي الله ورسوله وخليله أبو الأنبياء التي أتت بعده صلى الله عليه وسلم وهو اسم أعجمي معناه أب راحم.


(1) عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله، أبو محمد، زكي الدين المنذري: عالم بالحديث والعربية، من الحفاظ المؤرخين له " الترغيب والترهيب " و " التكملة لوفيات النقلة " و " أربعون حديثا " و " شرح التنبيه " و " مختصر صحيح مسلم " في الهند مع شرحه لصديق حسن خان، و " مختصر سنن أبي داود " أصله من الشام، تولى مشيخة دار الحديث الكاملية (بالقاهرة) وانقطع بها نحو عشرين سنة، عاكفا على التصنيف والتخريج والإفادة والتحديث. مولده ووفاته بمصر. وصنف محقق كتابه " التكلمة " بشار عواد معروف، توفي سنة 656 ه‍. الأعلام 4 / 30. (*)

[ 306 ]

قال في المطلع: وأكثر المحققين على أنه اسم جامد غير مشتق. وقال بعض المتكلفين: إنه اسم مركب من البراء أو البرء أو البراءة ومن الهيمان أو الوهم أو الهمة فقالوا: برئ من دون الله فهام قلبه بذكره. وقال بعضهم: برئ من علة الزلة فهم بالحلول في محل الخلة. وقيل: برأة الله في قالب القربة فهم بصدق النية إلى ملكوت الهمة قال بعضهم: وكنت بلا وجد أموت من الهوى * * وهام علي القلب بالخفقان فلما أراني القلب أنك حاضري * * شهدتك موجودا بكل مكان وفيه لغات: إحداها إبراهيم بالياء بعد الهاء وهي اللغة المشهورة. وقرأ السبعة غير ابن عامر في جميع القرآن. الثانية إبراهام بالألف. وهي قراءة ابن عامر في مواضع من القرآن، الثالثة: إبراهوم بالواو. الرابعة أبرهم بفتح الهاء من غير ألف. نقله أبو حاتم السجستاني قراءة عن بعضهم، الخامسة: إبراهم بكسر الهاء من غير ياء وهي قراءة عبد الرحمن بن أبي بكر في جمع القرآن، السادسة: إبراهم بضم الهاء في جميع القرآن من غير ياء. وهذه اللغات الستة حكاها الفراء. السابعة: بإمالتها. الثامنة إبراهام. بإمالة الألف الثانية لا غير. وقرئ به شاذا. التاسعة إبرهم بحذف الألفين وفتح الهاء نقلها أبو عمرو الداني، عن قراءة عبد الرحمن ابن أبي بكر، والثعلبي عن عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهم أجمعين. قال في " المطلع " وجمع إبراهيم أباره وأباريه وأبارمه وأبارهة وبراهم وبراهيم وبراهمة وبراة وتصغيره: بريه. وقيل: أبيره وقيل بريهيم. وكنيته أبو الضيفان. قال عكرمة وغيره: وهو أفضل الأنبياء بعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كما جزم به الحافظ عماد الدين بن كثير في تاريخه وبرهن عليه وكذا غيره من الأئمة. وروى البزار واللفظ له والإمام أحمد والحاكم بسند على شرط مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: خيار بني آدم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد، وخيرهم محمد صلى الله عليه وسلم ثم إبراهيم. ومثل هذا لا يقال إلا عن توقيف فهو في حكم المرفوع وبه جزم الذهبي في عقيدته وشيخنا في النقابة.

[ 307 ]

واختلف في مولده فقيل ببرزة من غوطة دمشق. قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر رحمه الله تعالى: والصحيح أنه ولد بكوثا من إقليم بابل من أرض العراق. واسم أمه نوبا ويقال ليوثا وقيل غير ذلك. ولد على رأس ألفي سنة من خلق آدم وكان بين إبراهيم ونوح عشرة قرون. رواه الحاكم في المستدرك عن الواقدي. وكان يتكلم بالسريانية أولا وإنما نطق بالعبرانية حين عبر النهر فارا من نمروذ. وهو بضم النون وآخره ذال معجمة، لا ينصرف للعجمة والعلمية. ولا تدخله الألف واللام. وروى الطبراني بسند رجال ثقاة عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " بين إبراهيم ونوح عشرة قرون ". وكان نمروذ قال للذين أرسلهم في طلبه: إذا وجدتم فتى يتكلم بالسريانية فردوه. فلما أدركوه استنطقوه فحول الله لسانه عبرانيا وذلك من حين عبر النهر فسميت العبرانية بذلك. وأما السريانية فذكر ابن سلام أنها سميت بذلك لأن الله تعالى حين علم آدم الأسماء علمه سرا من الملائكة وأنطقه بها حينئذ. وله عدة أولاد غير إسماعيل صلى الله عليه وسلم. قال في المطلع: وكان لإبراهيم صلى الله عليه وسلم في طريق الحق عشر مقامات نال بها غاية الكرامات. الأول: مقام الطلب: (هذا ربي). والثاني: مقام الدعوة (وأذن في الناس بالحج). الثالث: مقام الفضيلة (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى). الرابع: مقام الفقر والفاقة (رب اجعلني مقيم الصلاة). الخامس: مقام النعمة (والذي هو يطعمني ويسقين). السادس: مقام المغفرة (والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين). السابع: مقام المحبة (أرني كيف تحيي الموتى). الثامن: مقام المعرفة (واجعل لي لسان صدق في الآخرين). التاسع: مقام الهيبة (إن إبراهيم لأواه حليم). العاشر: مقام الوراثة، وفي هذا المقام حصل له الاستغناء عن الواسطة فقال: " حسبي من سؤالي علمه بحالي ". قال المؤرخون: هاجر إبراهيم من العراق إلى الشام وبلغ عمره مائة وخمسا وسبعين سنة وقيل مائتي سنة. ودفن في الأرض المقدسة وقبره مقطوع بأنه في تلك المربعة. ولا يقطع بقبر

[ 308 ]

نبي ومكانه غير قبر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومكان قبر إبراهيم أبيه صلى الله عليهما وسلم. وكان أول من اختتن. روى ابن أبي شبية وابن سعد وابن حبان والحاكم بسند صحيح من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: اختين إبراهيم وهو ابن عشرين ومائة سنة بالقدوم وعاش بعد ذلك ثمانين سنة. قال سعيد - رحمه الله تعالى -: وكان إبراهيم أول من رأى الشيب فقال: يا رب ما هذا ؟ فقال: وقار يا إبراهيم. قال: رب زدني وقارا. وأول من أضاف الضيف، وأول من جر شاربه، وأول من قص أظافيره، وأول من استحد. ورواه ابن عدي والبيهقي مرفوعا. وروى أبو يعلى وأبو الشيخ في العقيقة من طريق موسى بن علي بن رباح عن أبيه أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم أمر أن يختتن وهو حينئذ ابن ثمانين سنة فعجل واختتن بالقدوم فاشتد عليه الوجع فدعا ربه فأوصى الله إليه: إنك عجلت قبل أن نأمرك بآلته فقال يا ربي كرهت أن أؤخر أمرك. علي بالتصغير. ورباح بالموحدة. وروى الشبخان عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اختتن إبراهيم وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم " (1). قال الحافظ: القدوم رويناه بالتشديد عن الأصيلي والفاسي - رحمهما الله تعالى - ووقع في رواية غيرهما بالتخفيف. قال النووي: لم يختلف الرواة عند مسلم في التخفيف. واختلف في المراد به فقيل: اسم مكان. وقيل: اسم آلة النجار، فعلى الثاني هو بالتخفيف لا غير، وعلى الأول ففيه لغتان. هذا قول الأكثر. وعكسه الداودي. ثم اختلف فقيل: هي قرية بالشام. وقيل بلدة بالسراة. والراجح أن المراد في الحديث الآلة. ثم ذكر أثر علي بن رباح. والذي في الصحيح عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه -: أنه اختتن وهو ابن ثمانين سنة قال الحافظ: وعند ابن حبان عنه مرفوعا أن إبراهيم اختتن وهو ابن مائة وعشرين سنة والظاهر أنه سقط من هذه الرواية شئ فإن هذا القدر مقدار عمره. قلت: ورواه الحاكم وصححه على شرطهما وأقره عنه الذهبي مرفوعا بلفظ: بعد مائة وعشرين سنة. ووقع في كتاب العقيقة لأبي الشيخ من طريق الأوزاعي عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة موصولا مرفوعا مثله. وزاد: وعاش بعد ذلك ثمانين سنة. فعلى هذا يكون عاش مائتي سنة. وجمع بعضهم بأن الأول حسب من مبدأ نبوته والثاني من مبدأ مولده.


(1) أخرجه البخاري 4 / 279 كتاب الأنبياء (3355) ومسلم 4 / 1829 كتاب الفضائل (151 - 2370). (*)

[ 309 ]

وروى وكيع عن إبراهيم النخعي (1) - رحمه الله تعالى - قال: كان إبراهيم أول من تسرول وأول من فرق وأول من استحد، وأول من اختتن، وأول من أقرى الضيف، وأول من شاب. وروى وكيع عن واصل مولى أبي عيينة - رحمه الله تعالى - قال: أوحى الله تعالى إلى إبراهيم: إنك أكرم أهل الأرض علي فإذا سجدت فلا تر الأرض عورتك. قال: فاتخذ سراويل. وروى ابن أبي شيبة في المصنف والبزار عن سعد بن إبراهيم - رحمه الله تعالى - قال: أول من خطب على المنبر إبراهيم (2). وروى ابن عساكر عن حسان بن عطية (3) رحمه الله تعالى - قال: أول من رتب العسكر في الحرب ميمنة وميسرة وقلبا إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما سار لقتال الذين أسروا لوطأ عليه الصلاة والسلام - (4). وروى البزار والطبراني عن معاذ بن جبل (5) مرفوعا: " أن أتخذ المنبر فقد اتخذه أبي إبراهيم، وأن أتخذ العصا فقد اتخذها أبي إبراهيم ". وروى ابن أبي الدنيا في كتاب الرمي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: أول من عمل القسي إبراهيم. وروى ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كان أول من أضاف الضيف إبراهيم " (6).


(1) إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي، أبو عمران الكوفي الفقيه، ثقة، إلا أنه يرسل كثيرا، من الخامسة، مات سنة ست وتسعين، وهو ابن خمسين أو نحوها. التقريب 1 / 46. (2) ذكره السيوطي في الدر 1 / 115 وعزاه للديلمي. (3) حسان بن عطية المحاربي مولاهم أبو بكر الدمشقي الفقيه. عن أبي أمامة ولم يسمع منه وابن المسيب. وعنه الأوزاعي وأبو غسان محمد بن عمر. وثقه أحمد وابن معين. قال الذهبي: بقي إلى قريب الثلاثين ومائة. انظر الخلاصة 1 / 207. (4) ذكره السيوطي في الدر 1 / 115 وعزاه لابن عساكر. (5) معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن عائذ بمعجمة آخره ابن عدي بن كعب بن عمرو بن آدي بن سعد بن علي بن أسد بن سارذة بن تريد بمثناة ابن جشم بن الخزرج الأنصاري الخزرجي أبو عبد الرحمن المدني، أسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة، وشهد بدرا والمشاهد له مائة وسبعة وخمسون حديثا. وعنه ابن عباس وابن عمر ومن التابعين عمرو بن ميمون وأبو مسلم الخولاني ومسروق وخلق، وكان ممن جمع القرآن. قال النبي صلى الله عليه وسلم: " يأتي معاذ يوم القيامة أمام العلماء ". وقال ابن مسعود: كنا نشبهه بإبراهيم عليه السلام وكان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين. توفي في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة وقبر ببيسان في شرقية. قال ابن المسيب: عن ثلاث وثلاثين سنة وبها رفع عيسى عليه السلام. الخلاصة 3 / 36135. (6) ذكره السيوطي في الدر 1 / 115 وعزاه لابن عدي والبيهقي. (*)

[ 310 ]

وروى ابن سعد وابن أبي الدنيا وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الشعب عن عكرمة - رحمه الله - قال: " كان إبراهيم خليل الرحمن يكنى أبا الضيفان، وكان لقصره أربعة أبواب لكي لا يفوته أحد ". وروى البيهقي عن عطاء - رحمه الله - قال: كان إبراهيم خليل الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يتغذى طلب من يتغذى معه ميلا في ميل. وروى ابن أبي الدنيا في كتاب الإخوان والخطيب في التاريخ عن تميم الداري (1) مرفوعا: إن أول من عانق إبراهيم - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام -. وروى ابن سعد عن محمد بن السائب - رحمه الله تعالى - قال إبراهيم أول من أضاف الضيف وأول من ثرد الثريد، وأول من رأى الشيب. وكان قد وسع عليه في المال والخدم. وروى الإمام أحمد في الزهد عن مطرف - رحمه الله تعالى - قال: أول من راغم إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين راغم قومه إلى الله تعالى بالدعاء. وروى ابن أبي شيبة في المصنف والشيخان والترمذي والنسائي (2) عن ابن عباس مرفوعا وابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير وأبو نعيم عن عبيد بن عمير وابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن عبد الله بن الحارث - رضي الله تعالى عنهم - أن الناس يحشرون حفاة عراة فيقول الله: لا أرى خليلي عريانا. فيكسى إبراهيم ثوبا أبيض. ولفظ عبد الله بن الحارث: " قبطيتين فهو أول من يكسى، ثم يكسى النبي صلى الله عليه وسلم حلته الحبرة وهو على يمين العرش " (3). وروى ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وأبو نعيم عن سلمان - رضي الله تعالى عنه - قال:


(1) تميم بن أوس بن خارجة الداري أبو رقية بتحتانية. أسلم سنة تسع وسكن بيت المقدس. روى عنه سيد البشر صلى الله عليه وسلم خبر الجساسة وذلك في (خ م) وناهيك بهذه المنقبة الشريفة. روى عنه أنس وعطاء بن يزيد. قال ابن سيرين: جمع القرآن. وكان يختم في ركعة. قال مسروق: صلى ليلة حتى أصبح يقرأ آية يرددها أم حسب الذين اجترحوا السيئات. وقال أبو نعيم: أول من سرج في المساجد تميم. توفي سنة أربعين. الخلاصة 1 / 145. (2) أحمد بن علي بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر بن دينار، أبو عبد الرحمن النسائي: صاحب السنن، القاضي الحافظ، شيخ الإسلام. وجال في البلاد واستوطن مصر، فحسده مشايخها، فخرج إلى الرملة (بفلسطين) فسئل عن فضائل معاوية، فأمسك عنه، فضربوه في الجامع، وأخرج عليلا، فمات. ودفن ببيت المقدس، وقيل: خرج حاجا فمات بمكة. له " السنن الكبرى " في الحديث، و " المجتبى " وهو السنن الصغرى، من الكتب الستة في الحديث. وله " الضعفاء والمتركون " صغير، في رجال الحديث، و " خصائص علي " و " مسند علي " و " مسند مالك " وغير ذلك. توفي سنة 303 ه‍. الأعلام 1 / 171. (3) أخرجه البخاري 8 / 292 (4740). (*)

[ 311 ]

أرسل على إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - أسدان مجوعان فلحساه وسجدا له. وكان سبب موته أن ملك الموت قيل له: تلطف بإبراهيم. فأتاه وهو في عنب له وهو في صورة شيخ كبير لم يبق منه شئ فلما رآه إبراهيم رحمه. فأخذ مكتلا ثم دخل عنبه فقطف من العنب في مكتله، ثم جاء فوضعه بين يديه فقال: كل. فجعل يضع يده ويريه أنه يأكل ويمجه على لحيته وعلى صدره، فعجب إبراهيم فقال: ما أبقت السن منك شيئا ! كم أتى لك ؟ فحسب مدة إبراهيم. فقال: أتى لي كذا وكذا. فقال إبراهيم: قد أتى لي هذا وإنما أنتظر أن أكون مثلك ! اللهم اقبضني إليك. فطابت نفس إبراهيم عن نفسه للموت. وقبض ملك الموت نفسه في تلك الحال. رواه الإمام أحمد وأبو نعيم في الحلية عن كعب. وله عدة أولاد غير إسماعيل عليهما الصلاة والسلام. ابن تارح تارح - بمثناة فوقية فألف فراء مفتوحة فحاء مهملة كما في الفتح والنور، ورأتيه بخط جماعة بإعجامها - ومعناه (ياأعوج) وهو آزر. قال الجوهري اسم أعجمي. وقيل عربي مشتق من آزر فلان فلانا إذا عاونه. فتارح وآزر اسمان له كما جزم به غير واحد. وصححه السهيلي. قال: وقيل معناه يا أعوج. وقيل هو اسم صنم وانتصب على إضمار فعل في التلاوة في قوله تعالى: (وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر) أي دع آزر. وقيل إن آزر كلمة معناها الزجر والتعنيف وقال التوزري: كان لأبي إبراهيم اسمان: تارح وآزر هذا قول الحسن والسدي رحمهما الله تعالى. قال: وقيل إن آزر اسم صنم منصوب بإضمار فعل تقديره: أتتخذ آزر إلها أتتخذ أصناما. هذا على قراءة من فتح الراء وأما على قراءة من ضمها، قلت: وهو يعقوب. فقيل: إنه في لغتهم عبارة عن المخطئ، أي يا مخطئ. قال: وقيل إنها مشتقة من المؤازرة أي المعاونة، كان يعاون قومه على عبادة الأصنام. قال: ويجوز أن يكون اسما لأبي إبراهيم مع الرفع ويكون منادى بإسقاط حرف النداء وقال الزمخشري: آزر عطف بيان لأبيه وقرئ آزر بالضم على النداء وقيل: آزر اسم صنم، فيجوز أن يكون سمي به للزومه عبادته أو أريد: عابد آزر، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقرئ: " أزر أتتخذ أصناما آلهة "، بفتح الهمزة وكسرها بعد همزة الاستفهام وزاي

[ 312 ]

ساكنة وراء منصوبة منونة وهو اسم صنم ومعناه: لم تعبد آزر على الإنكار ثم قال: " أتتخذ أصناما آلهة " تبينا لذلك وتقريرا وهو داخل في حكم الإنكار كالبيان له وقال الإمام الثعلبي (1) في العرائس: اسم أبي إبراهيم الذي سماه به أبوه تارح فلما صار مع نمروذ قيما على خزانة آلهته سماه آزر. ابن ناحور ناحور بنون فألف فحاء مهملة مضمومة وهو غير الذي سبق قبل إسماعيل. قال ابن هشام في التيجان: عاش مائة وستة عشر عاما وقال ابن حبيب: عاش مائة وثمانيا وأربعين سنة. ابن شاروخ شاروخ بشين معجمة فألف فراء مضمومة فواو فخاء معجمة. كذا ضبطه الحافظ وضبطه النووي في الأمالي والتوزري بالمهملات وقال الجواني: ساروغ بالغين المعجمة. وقال الملك المؤيد صاحب حماة: وربما قيل بالغين المهملة. قال ابن هشام: عاش مائتين وسبعة أعوام. ابن راغو راغو: بغين معجمة مضمومة. وحكى التوزري إهمالها. وأرغو بفتح الهمزة وسكون الراء وضم الغين المعجمة أو المهملة ويقال: رغو. بفتح الراء وسكون الغين المعجمة. ومعناه بالعربية قاسم. قال ابن حبيب: عاش مائتي سنة واثنتين وثلاثين سنة. وقال ابن الكلبي مائتين وستين سنة. ابن فالخ قال النووي: بفاء فألف فلام مفتوحة فخاء معجمة ويقال فالغ بغين معجمة. وقال ابن هشام في التيجان: إنه اسم سرياني وتفسيره بالعربي: وكيل، وإنه أخو هود، وإنه حين تكلم أبوه بالعربية بجبل الجودي لم يتكلم بها، وإنه عاش مائة وسبعا وستين سنة وقال ابن الكلبي: مائتي سنة وتسعين سنة. قال ابن حبيب: مائتي سنة وتسعا وثلاثين سنة. وقال الجواني: وأمه بيشاحا.


(1) أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي أبو إسحاق مفسر، من أهل نيسابور له اشتغال بالتاريخ، من كتبه عرائس المجالس، والكشف والبيان في تفسير القرآن ويعرف بتفسير الثعلبي. توفي سنة 427 ه‍. الأعلام 1 / 212، وأنباه الرواة 1 / 119، والبداية والنهاية 12 / 40. (*)

[ 313 ]

ابن عيبر عيبر بعين مهملة مفتوحة فمثناة تحتية فباء موحدة وزن جعفر. قاله الحافظ والنووي والتوزري. قال: ويقال عابر بالألف. قال ابن حبيب: عاش مائة وأربعا وثلاثين سنة. وقال ابن الكلبي: أربعمائة وثلاثا وستين سنة. قال الجواني: وهو هود النبي صلى الله عليه وسلم. وقال السهيلي والحافظ: الراجح في نسب هود أنه هود بن عبد الله بن رباح بن حادر بن عاد بن عوص بن آدم بن سام بن نوح. قال الجواني: وأمه مرجانة وكانت من الطاهرات. تنبيه: نقل السهيلي والتوزري عن الطبري ورأيته في تاريخه أن بين عابر وفالخ أبا اسمه قينان. ولفظ التوزري: قينن بقاف مفتوحة بعدها ياء مثناة تحتية فنونين. ترك ذكره في التوراة لأنه كان ساحرا. ونقل بعضهم عن ابن حزم أنه تعقب الطبري بأنه ثابت في التوراة بإجماعهم. ابن شالخ شالخ قال النووي بشين معجمة فألف فلام مفتوحة، فخاء معجمة. قال السهيلي: ومعناه الرسول أو الوكيل. قال ابن هشام: عاش ثلاثمائة سنة وثلاثا وستين. وقال ابن حبيب أربعمائة وثلاثا وثلاثين سنة. وقال ابن الكلبي: أربعمائة وثلاثا وتسعين سنة. وهو وصي أبيه. ابن أرفخشذ أرفخشذ. قال النووي والتوزري بفتح الهمزة فراء مهملة ساكنة ففاء مفتوحة فخاء ساكنة فشين زاد الثاني مفتوحة. فذال معجمات. قال الحافظ: ويقال فيه أرنخشذ بنون بدل الفاء والفخشذ باللام زاد صاحب " النور " الفشخذ باللام وتقديم الشين على الخاء قال السهيلي: تفسيره مصباح مضئ. وشاذ مخفف بالسريانية: الضياء. وأمه من بنات الملوك ابن خنوخ بن يرد بن قينان بن أنوش. قال ابن هشام: عاش أربعمائة عام وثلاثة أعوام وهو وصي أبيه. وقال ابن حبيب: أربعمائة سنة وستين سنة. وقال ابن الكلبي: أربعمائة وثمانية وستين سنة. وله من الذكور عابر وهو وصي ومالك وقينان. وهو أول من نظر في علم النجوم واستنبط ذلك من تنور صفر كان كتب فيها علمها قبل الطوفان ودفن في الأرض فاستخرجه وعلم ما فيه. ابن سام سام: بسين مهملة مخفف الميم. روى الإمام أحمد والترمذي وحسنه وصححه

[ 314 ]

الحاكم من حديث سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سام أبو العرب وحام أبو الحبش، ويافث أبو الروم " (1). وروى البزار وابن أبي حاتم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ولد نوح ثلاثة سام وحام ويافث، فولد سام العرب وفارس والروم والخير فيهم، وولد يافث يأجوج ومأجوج والترك والصقالبة ولا خير فيهم، وولد حام القبط والبربر والسودان " (2). وسنده ضعيف. قال النووي رحمه الله: لما حضرت نوحا الوفاة أوصى إلى ولده سام، وكان ولد قبل الطوفان بثمانية وتسعين سنة، ويقال كان سام بكره. قال ابن هشام: إنه كان وصي أبيه وإنه ولي أهل الأرض. قال: وقال وهب رحمه الله تعالى: أتى الحواريون عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم فسار بهم إلى قبر سام بن نوح فقال: أجبني يا سام بإذن الله تعالى. فقام بقدرة الله كالنخلة فقال له عيسى: كم عشت ؟ قال: عشت أربعة آلاف سنة فقال عيسى: كيف كانت الدنيا ؟ قال: كبيت له بابان دخلت من هذا وخرجت من هذا. وإنه كان جزوعا من الموت فسأل نوح ربه أن لا يميت سام حتى يسأل الموت. قال: وإن ساما اعتلت نفسه ومرض مرضا شديدا على كبر فسأل ربه الموت فمات. وقال ياقوت في معجم البلدان: نوى - بفتح النون والواو - بليدة من أعمال حوران من نواحي دمشق، وهي مدينة أيوب وبها قبر سام عليهما الصلاة والسلام. تنبيه: قال الشيخ برهان الدين الناجي الدمشقي في مولده المسمى بكنز الراغبين العفاة: ليس سام بنبي خلافا لما وقع لأبي الليث السمرقندي في بستانه فاحذره واحذرمن قلده. انتهى. وقد روى ابن سعد في الطبقات والزبير بن بكار في الموفقيات عن الكلبي رحمه الله تعالى أن ساما كان نبيا. لكن الكلبي متروك. ابن نوح نبي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. قال النووي: هو اسم أعجمي والمشهور صرفه وقيل يجوز صرفه وترك صرفه. انتهى.


(1) أخرجه الترمذي (3231) وأحمد في المسند 5 / 9 والطبراني في الكبير 7 / 254، وابن كثير في البداية والنهاية 1 / 115، وانظر الدر المنثور 3 / 327 كنز العمال (32395). (2) أخرجه الحاكم في المستدرك 2 / 546 وابن عدي في الكامل 3 / 919. (*)

[ 315 ]

وقيل إنه عربي واشتقاقه من ناح ينوح نوحا ونياحة لأنه أقبل على نفسه باللوم والنوح. واختلف في سبب ذلك فقيل: سببه أنه كان ينوح على قومه ويتأسف لكونهم غرقوا بلا توبة ورجوع إلى الله تعالى. وقيل في اسمه غير ذلك مما لا أصل له. قال جماعة: واسمه عبد الغفار. وهو آدم الثاني لأنه لا عقب لآدم إلا من نوح صلى الله عليه وسلم. وأثنى الله تعالى عليه في عدة آيات. قال ابن قتيبة: وكان نوح نجارا. وروى الطبراني بسند رجاله ثقات عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " بين نوح وآدم عشرة قرون " (1). قال الشعبي (2) رحمه الله تعالى في العرائس: أرسل الله تعالى نوحا إلى ولد قابيل ومن تابعهم من ولد شيث. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: وكان بطنان من ولد آدم أحدهما يسكن السهل والآخر يسكن الجبل، وكان رجال الجبل صباحا وفي النساء دمامة، وكان نساء السهل صباحا وفي الرجال دمامة، فكثرت الفاحشة من أولاد قابيل وكانوا قد أكثروا الفساد، فأرسل الله تعالى نوحا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام وهو ابن خمسين سنة، فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله تعالى ويحذرهم ويخوفهم فلم ينزجروا، فكان كما حكاه الله تعالى عنه: (قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا). ولما طال دعاؤه لهم وإيذاؤهم له وتماديهم في غيهم سأل الله تعالى فأوحى الله تعالى إليه (أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن) فلما أخبره الله تعالى بأنه لم يبق في الأصلاب ولا في الأرحام مؤمن دعا عليهم فقال: (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا) إلى آخرها. فأمره الله تعالى باتخاذ السفينة قال: يا رب وأين الخشب قال: اغرس الشجر. فغرس الساج وأتى على ذلك أربعون سنة فكف عن الدعاء عليهم، وأعقم الله تعالى أرحام نسائهم فلم يولد لهم ولد، فلما أدرك الشجر أمره الله تعالى بقطعة وتجفيفه وصنعه الفلك وعلمه كيف يصنعه، وجعل بابه في جنبه وكان طول السفينة ثمانين ذراعا وعرضها خمسين وسمكها إلى السماء ثلاثين والذراع إلى المنكب.


(1) ذكره الهيثمي في المجمع 6 / 321 عن ابن عباس موقوفا بلفظ " كان بين آدم ونوح عشرة قرون... " الخ وعزاه للبزار وقال: فيه عبد الصمد بن النعمان وثقه ابن معين. (2) عامر بن سراحيل الشعبي: بفتح المعجمة، أبو عمرو، ثقة مشهور، فقيه فاضل، من الثالثة، قال مكحول: ما رأيت أفقه منه، مات بعد المائة، وله نحو من ثمانين. التقريب 1 / 387. (*)

[ 316 ]

وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كان طولها ستمائة ذراع فأمره الله تعالى أن يحمل فيها من كل جنس من الحيوان زوجين اثنين وحشرها الله تعالى إليه من البر والبحر. وأول ما حمل في السفينة الدرة وآخره الحمار. قيل كان المؤمنون في السفينة سبعة: نوح وبنوه سام وحام ويافث وأزواج بنيه. وقيل ثمانية. وقيل عشرة. وقيل اثنان وسبعون. وقيل ثمانون من الرجال والنساء. وكان نوح عليه الصلاة والسلام أطول الأنبياء عمرا حتى قيل إنه عاش ألف سنة وثلاثمائة سنة. ولما نزل عليه الوحي كان عمره ثلاثمائة سنة وخمسين سنة. فلبث ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم. قال في " المطلع ": ما أسلم من الشياطين إلا شيطانان: شيطان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وشيطان نوح عليه الصلاة والسلام. وقال إبليس لنوح عليه الصلاة والسلام: خذ مني خمسا. فقال: لا أصدقك فأوحى الله تعالى إليه: أن صدقه في الخمس. قال: قل. قال إياك والكبر، فإني إنما وقعت فيه بالكبر. وإياك والحسد فإن قابيل قتل هابيل أخاه حسدا. وإياك والطمع فإن آدم أورثه ما أورثه الطمع. وإياك والحرص فإن حواء وقعت فيما وقعت بالحرص. وإياك وطول الأمل فإنهما وقعا فيما فيه بطول الأمل. وسماه الله تعالى عبدا شكورا. روى الفريابي وابن جرير والحاكم وصححه عن سلمان رضي الله تعالى عنه قال: كان نوح إذا لبس ثوبا أو طعم طعاما حمد الله تعالى فسمي عبدا شكورا. ومن وصاياه صلى الله عليه وسلم ما رواه النسائي والحاكم والبزار عن رجل من الأنصار من الصحابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " قال نوح لابنه: إني أوصيك بوصية وقاصرها لكي لا تنساها: أوصيك باثنتين وأنهاك عن اثنتين. أما اللتان أوصيك بهما فيستبشر الله بهما وصالح خلقه وهما يكثران الولوج على الله تعالى: أوصيك بلا إله إلا الله فإن السموات والأرض لو كانت في حلقة قصمتهما ولو كانت في كفة وزنتهما وأوصيك بسبحان الله وبحمده فإنها صلاة الخلق وبها يرزق الخلق (وإن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا) وأما اللتان أنهاك عنهما فيحتجب الله منهما وصالح خلقه: أنهاك عن الشرك والكبر ". تنبيه حديث ابن مسعود مرفوعا: " إن نوحا اغتسل فرأى ابنه ينظر إليه فقال: تنظر إلى وأنا أغتسل جار الله لونك. فاسود فهو أبو السودان " رواه الحاكم وصححه وتعقبه الذهبي بأن

[ 317 ]

في سنده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلة وقد ضعفوه. انتهى (1). والوارد في ذلك ما رواه الإمام أحمد وابن سعد وأبو داود والترمذي والحاكم وصححاه عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والسهل والحزن والخبيث والطيب " (2). ابن لامك لامك بميم مفتوحة وبكسر الكاف ويقال لمك بفتح اللام وسكون الميم. ويقال بخاء معجمة بدل الكاف. قال في التيجان: لامك بالعبراني. وبالعربي: لمك. وبالسرياني لمخ. وتفسيره: متواضع. قال السهيلي رحمه الله تعالى: وهو أول من اتخذ العود والغناء ومصانع الماء. قال ابن هشام: عاش سبعمائة وسبعين سنة. ابن متوشلخ متوشلخ بميم فمثناة فوقية مشددة مضمومتان وتفتحان فواو ساكنة وتفتح فشين معجمة مفتوحة وتسكن فلام ساكنة وقد تفتح وتكسر، فخاء معجمة. قال ابن حبيب: عاش تسعمائة وستين سنة. قال الجواني وأمه بروخا. وكان له إخوة انقرضوا وهو وصي أبيه. ابن خنوخ خنوخ بمعجمتين بعد الأولى نون بوزن ثمود. وقيل بزيادة ألف في أوله وسكون المعجمة الأولى. وقيل كذلك لكن بحذف الواو الأولى وقيل كذلك لكن بدل الخاء الأولى هاء وقيل كالثاني لكن بدل المعجمة مهملة. وهو ادريس النبي صلى الله عليه وسلم فيما يزعمون. روى الحاكم في المستدرك بسند واه عن وهب رحمه الله تعالى أنه سئل عن إدريس


(1) ذكره العجلوني في كشف الخفا 1 / 299 وعزاه الحاكم عن ابن مسعود موقوفا وصحح إسناده وقال في الدر المنتثرة: رواه الحاكم عن ابن مسعود وصححه انتهى. ولابن أبي حاتم والحاكم أيضا لكن بسند ضعيف عن أبي هريرة. (2) أخرجه الترمذي (2955) وأبو داود (4693) وأحمد في المسند 4 / 400، والحاكم في المستدرك 2 / 61، والطبري في التفسير 1 / 170، وابن سعد في الطبقات 1 / 1 / 6، وأبو نعيم في الحلية 2 / 104. (*)

[ 318 ]

فقال: هو جد أبي نوح. وقيل: جد نوح. قال الحافظ: والأول أولى، ولعل الثاني أطلق ذلك مجازا لأن جد الأب جد. وقد نقل بعضهم الإجماع على أنه جد لنوح. قال الحافظ: وفيه نظر، فقد روى عبد بن حميد وابن أبي حاتم بإسناد حسن عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: إلياس هو إدريس ويعقوب هو إسرائيل. وروى نحوه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وسنده ضعيف. ووجه الدلالة أنه إن ثبت أن إلياس إدريس لزم أن يكون من ذرية نوح لا أن نوحا من ذريته، لقوله تعالى في سورة الأنعام: (ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان) إلى أن قال: (وعيسى وإلياس) فدل على أن إلياس من ذرية نوح سواء أقلنا إن الضمير في قوله (ومن ذريته) لنوح أو لإبراهيم لأن إبراهيم كان من ذرية نوح فمن كان من ذرية إبراهيم فهو من ذرية نوح لا محالة. وذكر ابن إسحاق رحمه الله تعالى في المبتدأ أن إلياس بن فنحاص بن العيزان بن هارون بن عمران عليهما الصلاة والسلام. وقال الحاكم في المستدرك: اختلفوا في نوح وإدريس فقيل: إن إدريس قبله. قال: وأكثر الصحابة على أن نوحا قبل إدريس. كذا قال وقد جرى القاضي أبو بكر بن العربي على أن إدريس لم يكن جد نوح وإنما هو من بني إسرائيل، لأن إلياس قد ورد / أنه من بني إسرائيل واستدل على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء للنبي صلى الله عليه وسلم " مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح " ولو كان من أجداده لقال كما قال آدم وإبراهيم: والابن الصالح. وهو استدلال جيد. إلا أنه قد يجاب عنه بأنه قال ذلك على سبيل التواضع والتلطف، وليس نصا فيما زعم. أشار إلى ذلك النووي. وقول ابن إسحاق إن خنوخ هو إدريس فيما يزعمون أشار به إلى أن هذا القول مأخوذ عن أهل الكتاب. وقال المازري: ذكر المؤرخون أن إدريس جد نوح، فإن قام الدليل على أن إدريس أرسل لم يصح قول النسابين إنه قبل نوح لإخبار النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة: ائتوا نوحا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض. وإن لم يقم دليل جاء ما قالوا به وصح أن إدريس كان نبيا ولم يرسل. قال السهيلي: وحديث أبي ذر الطويل ينص على أن آدم وإدريس رسولان. انتهى. والحديث رواه الطبراني والحاكم وابن حبان وصححاه. وفيه أن إدريس كان نبيا رسولا، وأنه أول من خط بالقلم. وروى الحاكم بسند ضعيف عن سمرة رضي الله تعالى عنه قال: كان إدريس رجلا أبيض طويلا ضخم البطن عريض الصدر قليل شعر الجسد كثير شعر الرأس، وكانت

[ 319 ]

إحدى عينيه أعظم من الأخرى وكان في جسده نقطة بيضاة من غير مرض. قال ابن قتيبة وكان رقيق الصوت. وسمي إدريس لكثرة ما كان يدرس من كتب الله وسنن الإسلام. وهو أول من خاط الثياب ولبسها وكان من قبل يلبسون الجلودد. واستجاب له ألف إنسان ممن كان يدعوه. فلما رفعه الله تعالى اختلفوا بعده وأحدثوا الأحداث. قال ابن قتيبة: وهو ابن ثلاثمائة وخمس وستين سنة. وقال في المطلع: إدريس بالسريانية خنوخ. ومعناه كثير العبادة وأما إدريس فاسم أعجمي غير منصرف وقيل مشتق من الدرس والدراسة بمعنى الكتابة. وسمي به لكثرة ما درس من كتب الله عزو جل، فإنه كان يحفظ صحف آدم وصحف شيث على ظهر قلبه، وكانت صحف آدم إحدى وخمسين صحيفة وصحف شيث عشرين صحيفة، وصحفه خاصة ثلاثون، وكان يحفظ الجميع ويدرسه. وكان إدريس أول من خاط وأول من أخبر عن علم الهيئة والحساب وأحكام النجوم بالتأييد السماوي. رفع الله تعالى عنه بدعائه إحساس حرارة الشمس، وعبد الله تعالى حتى تمنت الملائكة صحبته. ابن يرد يرد مثناة تحتية مفتوحة فراء ساكنة فدال مهملة ونقطها الجواني. وعليه جرى الملك المؤيد في تاريخه. قال ابن هشام في التيجان: اسمه في التوراة يارد عبراني وتفسيره ضابط. واسمه في الإنجيل بالسريانية يرد تفسيره بالعربي: ضبط أي ضبط في الإباء فعمل بأمر الله تعالى: فلما بلغ غاية الدعوة قبضه الله تعالى وعاش تسعمائة سنة واثنتين وستين سنة وهو وصي أبيه. قال ابن حبيب ثمانمائة سنة وخمسا وتسعين سنة. ابن مهلاييل مهلاييل: بميم مفتوحة فهاء ساكنة فلام فألف. وقد يقال بالباء بعد اللام الأولى. قال السهيلي معناه الممدح قال في التيجان: وولي الأرض بوصية من أبيه. واسمه بالسريانية في الإنجيل مهلاييل وتفسيره بالعربي يسبح الله. فسار بأمر الله، فلما بلغ الغاية من العمر قبضه الله، وعاش مائتي سنة وعشرين سنة قال السهيلي: وفي زمنه كان بدء عبادة الأصنام. ابن قينن قينن: بقاف مفتوحة فمثناة تحتية ساكنة فنونين الأولى منهما مفتوحة وزن جعفر ويقال قينان بالألف قال في التيجان: قينان عبراني وتفسيره باللسان العربي مستوى واسمه في الإنجيل

[ 320 ]

قانيان وتفسيره بالعربي عيسى. وهو وصي أبيه. وخليفته. وقام بحق الله تعالى، وبلغ من العمر مائة سنة وعشرين سنة قال في النور: قال بعض مشايخي إن قينان هو الذي بنى أنطاكية. ابن يانش يانش: بمثناة تحتية فنون مفتوحة فشين معجمة. ويقال أنوش بفتح الهمزة وضم النون. قال في التيجان: هو باللسان السرياني: إنوش بكسر الألف وتفسيره باللسان العربي صادق. وهو ولي أمر الله تعالى في الأرض فعمل بطاعة الله حتى بلغ من العمر تسعمائة وخمسين سنة. قال السهيلي: وهو أول من غرس النخلة وبوب الكعبة وبذر الحبة. وقال أبو الحسن بن الأشرف أبي العباس أحمد بن القاضي الفاضل رحمه الله تعالى أول من زرع الحبة آدم، فإنه كان يحرث ويزرع قال الجواني: وأمه لبود بنت آدم وله إخوة بنون وبنات انقرضوا. ابن صيث شيث: بشين معجمة مكسورة فمثناة تحتية ساكنة فثاء مثلثة ويقال فيه شياث بإمالة الشين وبالصرف فيهما ويقال بلا صرف. ويقال فيه شيث بفتح الشين وتشديد الياء بلا صرف وتفسيره هبة الله ويقال عطية الله. وقال ابن هشام: نصب لأن عليه وعلى ذريته نصبت الدنيا، وكان أجمل ولد آدم وأفضلهم وأشبههم به وأحبهم إليه، وكان وصي أبيه وولي عهده، وهو أبو البشر كلهم، وإليه انتهت أنساب الناس، وعاش تسعمائة سنة وإثنتي عشرة سنة. ابن آدم آدم صلى الله عليه وسلم: يكنى أبا البشر وآدم والخليفة. فأما آدم فقيل إنه سرياني وهو عند أهل الكتاب آدام بإشباع فتحة الدال بوزن خاتام، ووزنه فاعال وامتنع من الصرف للعجمة والعلمية. وقال الثعلبي: التراب بالعبرانية آدام فسمي به آدم، وحذفت منه الألف الثانية وقيل هو عربي، وجزم به الجوهري والجواليقي. ولم يحك في المطلع غيره. واختلف في اشتقاقه فقيل هو بوزن أفعل من الأدمة وقيل من الأديم لأنه خلق من أديم الأرض. رواه الفريابي وابن سعد وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه. وروى ابن سعد وعبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى قال: تدرون لم سمي آدم ؟ لأنه خلق من أديم الأرض ووجهوه بأن يكون كأعين ومنع من الصرف للوزن والعلمية، وقيل هو من أدمت بين الشيئين إذا خلطت بينها، لأنه كان ماء وطينا فخلطا جميعا. وقال قاسم بن ثابت في الدلائل عن محمد بن المستنير قطرب: إنه لو كان من أديم الأرض لكان على وزن فاعل وكانت الهمزة فيه أصلية فلم يكن يمنعه من الصرف مانع، وإنما

[ 321 ]

هو على وزن أفعل من الأدمة. قال السهيلي: وهذا القول ليسى بشئ لأنه لا يمتنع أن يكون من الأديم ويكون على وزن أفعل تدخل الهمزة الزائد ة على الهمزة الأصلية كما تدخل على همزة الأدمة. وأما الخليفة فلقوله تعالى: (إني جاعل في الأرض خليفة) والخليف والخليفة: من يخلف من تقدمه، وكان آدم خلف قوما من الخلق يسمون الجان، ولأنه ناب مناب ملائكة السماء. وأما البشر فلقوله تعالى: (إني خالق بشرا من طين) وقيل: وسمي بشرا لمباشرته أعظم الأمور. وقيل لما كان في وجهه من البشر والبشاشة. وأما الإنسان فلقوله تعالى: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا) وسمي بذلك لأنسه بجنسه فإن الإنسان من اجتمع فيه اثنتان: أنسه بالغير وأنس الغير به. وقيل: اشتقاقه من النوس وهو الحركة لكثرة حركته فيما يتحراه. وقيل: من الإيناس وهو الإبصار لأنه يدرك ببصره الظاهر وببصره الباطن. واختلفت الآيات فيما بدئ من خلق آدم، ففي موضع: (خلقه من تراب) وفي موضع (من طين لازب) وفي موضع (من حمأ مسنون) وفي موضع (من صلصال كالفخار) قال العلماء: وهذه الآيات راجعة إلى أصل واحد وهو التراب الذي هو أصل الطين، فأعلمنا الله تعالى أنه لما خلقه من تراب جعله طينا، ثم انتقل فصار حمأ مسنونا، ثم انتقل. فصار صلصالا كالفخار. قال الثعلبي في قوله تعالى حكاية عن إبليس أنه قال: (خلقتني من نار وخلقته من طين) قال العلماء أخطأ عدو الله تعالى في تفضيله النار على الطين، لأن الطين أفضل من النار، لوجود أحدها: أن من جوهر الطين الرزانة والسكون والوقار والحلم والأناة والحياء والصبر، وذلك سبب توبة آدم وتواضعه فأورثه المغفرة والاجتباء والهداية. ومن جوهر النار الخفة والطيش والحدة والارتفاع والاضطراب، وذلك سبب استكبار إبليس فأورثه اللعنة والهلاك. والثاني: أن الجنة موصوفة بأن ترابها المسك ولم ينقل أن فيها نارا. الثالث: أنها سبب العذاب بخلاف الطين. الرابع: أن الطين سبب جمع الأشياء والنار سبب تفرقها وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن الله خلق آدم يوم الجمعة " (1).


(1) أخرجه مسلم 2 / 582 كتاب الجمعة (17 - 854). (*)

[ 322 ]

وفضل الله تعالى آدم بأمور: خلقه بيده وأسجد له ملائكته، وأسكنه جنته واصطفاه، وكرم ذريته وعلمهم جميع الأسماء، وجعله أول الأنبياء وعلمه ما لم تعلم الملائكة المقربون، وجعل من نسله الأنبياء والمرسلين والأولياء والصديقين. واشتهر في كتب التواريخ أنه عاش ألف سنة صلى الله عليه وسلم. وقد بسطت الكلام على الأنبياء المذكورين في النسب الشريف مع تراجم بقية الأنبياء في كتاب الجواهر النفائس في تحبير كتاب العرائس أعان الله على إكماله وتحريره.

[ 323 ]

الباب الخامس في معنى قوله صلى الله عليه وسلم: " أنا ابن العواتك والفواطم " روى سعيد بن منصور والطبراني وابن عساكر بسند رجاله ثقات وصححه الحافظ الناقد ضياء الدين المقدسي في المختارة عن سيابة بن عاصم (1) رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنا ابن العواتك من سليم " سيابة بمهملة مكسورة ثم مثناة تحتية مخففة فموحدة (1). وروى ابن عساكر عن قتادة مرسلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في بعض غزواته " أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب أنا ابن العواتك " (2). وروي عن علي رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجرى فرسه مع أبي أيوب الأنصاري فسبقه فقال: " أنا ابن العواتك إنه لهو الجواد البحر " يعني فرسه. وروى ابن عساكر عن أبي بكر بن البرقي قال حدثني بعض الطالبيين قال: يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم أحد: " أنا ابن الفواطم " (3). قال في القاموس: عتك يعتك: كر في القتال. ثم قال: وعتكت المرأة: شرفت ورأست. ثم قال: والعاتك: الكريم والخالص من الألوان. ثم قال: والعاتكة (4) من النخل التي تتأبر والمرأة المحمرة (5) من الطيب. وقال ابن سعد: العاتكة في اللغة: الطاهرة. قال في الصحاح والقاموس: العواتك من جدات النبي صلى الله عليه وسلم تسع: ثلاث من بني سليم: عاتكة بنت هلال بن فالج أي بالجيم بن هلال أم جد قاسم. وعاتكة بنت مرة بن هلال بن فالج أم هاشم. وعاتكة. بنت الأوقص بن مرة بن هلال أم وهب أم عبد مناف بن زهرة جد رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل أمه آمنة بنت وهب. وسائر العواتك أمهات رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير بني سليم. وجرى في النهاية على أن العواتك من بني سليم ثلاثة، لكنه قال عاتكة بنت هلال بن فالج هي أم عبد مناف أبو قصي وعلى ما ذكره في الصحاح والقاموس تكون أم قصي والد


(1) أخرجه الطبراني في الكبير 7 / 201، والبيهقي في دلائل النبوة 5 / 135، وابن كثير في البداية والنهاية وذكره الهيثمي في المجمع 8 / 222 وعزاه للطبراني وقال: رجاله رجال الصحيح. (2) أخرجه البخاري 6 / 81 عن البراء دون قوله " أنا ابن العواتك " (2864). (3) أخرجه في تهذيب تاريخ دمشق 1 / 289. (4) في أ: والعاتك. (5) في أ: المخمرة. (*)

[ 324 ]

عبد مناف وعلى كل حال فقد قيل في اسم أم قصي وأم ولده عبد مناف غير ذلك كما تقدم. فإما أن يكون لكل واحدة منهما إسمان، أو أحدهما الاسم والآخر اللقب. قال في النهاية: فالأولى من العواتك عمة الثانية، والثانية عمة الثالثة. وروى ابن عساكر عن أبي عبد الله العدوي رحمه الله تعالى أن العواتك من جداته صلى الله عليه وسلم أربع عشرة: ثلاث قرشيات وأربع سليمات وعدوانيتان وهذلية وقحطانية وثقفية وأسدية أسد خزيمة وقضاعية. وذكر ابن سعد رحمه الله تعالى أن الفواطم من الجدات عشر وسردهن ولكثرة الخلاف في أسماء آباء العواتك والفواطم أضربت عن ذكرهن. والحاصل أنهن من جملة الجدات الطاهرات، وخصص بالذكر إما لمزيد شرفهن على غيرهن، وإما لشهرتهن، وإما لغير ذلك. قال الإمام الحليمي (1) رحمه الله تعالى: لم يرد صلى الله عليه وسلم بذلك الفخر إنما أراد تعريف منازل المذكورات ومراتبهن. كرجل يقول: كان أبي فقيها. لا يريد به الفخر وإنما يريد به تعريف حاله دون ما عداه. قال: وقد يكون أراد به الإشارة لنعمة الله تعالى على نفسه وآبائه وأمهاته على وجه الشكر، وليس ذلك من الاستطالة والفخر في شئ والله تعالى أعلم.


(1) الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم القاضي، أبو عبد الله الحليمي البخاري. قال الحاكم: أوحد الشافعيين بما وراء النهر، وأنظرهم وآدبهم بعد أستاذيه أبوي بكر القفال والأودني. وكان مقدما فاضلا كبيرا، له مصنفات مفيدة ينقل منها الحافظ أبو بكر البيهقي كثيرا. وقال في النهاية: كان الحليمي رجلا عظيم القدر، لا يحيط بكنه علمه إلا غواص. ولد سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، ومات في جمادى - وقيل: في ربيع - الأول سنة ثلاث وأربعمائة. ومن تصانيفه " شعب الإيمان ". انظر الطبقات لابن قاضي شهبة 1 / 178، 179، والأعلام 2 / 253 ووفيات الأعيان 1 / 403، وتذكرة الحفاظ 3 / 1030. (*)

[ 325 ]

جماع أبواب مولده الشريف صلى الله عليه وسلم الباب الأول في سبب تزويج عبد المطلب ابنه عبد الله امرأة من بني زهرة روى ابن سعد وابن البرقي والطبراني والحاكم وأبو نعيم عن العباس بن عبد المطلب عن أبيه قال: قدمنا اليمن في رحلة الشتاء فنزلت على حبر من اليهود فقال لي رجل من أهل الزبور، يعني الكتاب: ممن الرجل ؟ قلت من قريش. قال من أيهم ؟ قلت: من بني هاشم. قال: أتأذن لي أن أنظر إلى بعضك ؟ قلت: نعم، ما لم يكن ملكا وفي الأخرى نبوة وإنا نجد ذلك في بني زهرة فكيف ذلك. قلت: لا أدري قال هل لك من شاعة قلت: وما الشاعة ؟ قال الزوجة. قلت، أما اليوم فلا. فقال: إذا رجعت فتزوج منهم فلما رجع عبد المطلب إلى مكة تزوج هالة بنت أهيب بن عبد مناف وزوج ابنه عبد الله آمنة بنت وهب فولدت له رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت قريش: فلج عبد الله على أبيه. الشاعة: بشين معجمة وعين مهملة: الزوجة سميت بذلك لمتابعتها الزوج وشيعة الرجل أتباعه وأنصاره. فلج بفتح وأنصاره. فلج بفتح أوله وثانية: ظفر بما طلب. وروى البيهقي وأبو نعيم عن ابن شهاب رحمه الله تعالى قال: كان عبد الله أحسن رجل رئي قط، خرج يوما على نساء قريش فقالت امرأة منهن: أيتكن تتزوج بهذا الفتى فتصطب النور الذي بين عينيه فإني أرى بين عينيه نورا ؟ فتزوجته آمنة بنت وهب. تصطب: تسكب وتدخل. وروى الزبير بن بكار عن أن سودة بنت زهرة بن كلاب الكاهنة قالت يوما لبني زهرة: إن فيكم نذيرة أو تلد نذيرا فاعرضوا علي بناتكم. فعرضن عليها فقالت في كل واحدة منهن قولا ظهر بعد حين، حتى عرضت عليها آمنة بنت وهب فقالت هذه: النذيرة أو تلد نذيرا له شأن وبرهان منير. ولما سئلت عن جهنم قالت: سيخبركم عنها النذير.

[ 326 ]

الباب الثاني في حمل أمنة برسول الله صلى الله عليه وسلم وما وقع في ذلك من الآيات روى البيهقي من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق رحمه الله تعالى قال: إن عبد المطلب أخذ بيد إبنه عبد الله فمر به فيما يزعمون على امرأة من بني أسد بن عبد العزى بن قصي فقالت له حين نظرت إلى وجهه أين تذهب يا عبد الله ؟ فقال مع أبي. فقالت لك عندي من الإبل مثل الذي نحرت عنك وقع علي الآن فقال لها: إني مع أبي لا أستطيع خلافه ولا فراقه ولا أريد أن أعصيه شيئا. فخرج به عبد المطلب حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة ووهب يومئذ سيد بني زهرة نسبا وشرفا فزوجه آمنة بنت وهب بن عبد مناف، وهي يومئذ أفضل امرأة من قريش نسبا وموضعا. فذكروا أنه دخل عليها حين أملكها مكانه، فوقع عليها عبد الله فحملت برسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خرج فمر على تلك المرأة التي قالت له ما قالت فلم تقل شيئا، فقال لها: ما لك لا تعرضين علي اليوم مثل الذي عرضت بالأمس ؟ فقالت: فارقك النور الذي معك بالأمس فليس لي بك اليوم حاجة. وكانت تسمع من أخيها ورقة بن نوفل، وكان قد تنصر في الجاهلية واتبع الكتب يقول: إنه لكائن في هذه الأمة نبي من بني إسماعيل. فقالت في ذلك شعرا واسمها أم قتال: الآن وقد ضيعت ما كنت قادرا * * عليه وفارقك النور الذي جاءني بكا غدوت علينا حافلا فلا قد بذلته * * هناك لغيري فالحقن بشأنكا ولا تحسبني اليوم خلوا وليتني * * أصبت جنينا منك يا عبد داركا ولكن ذا كم صار في آل زهرة * * به يدعم الله البرية ناسكا وقالت أيضا: عليك بآل زهرة حيث كانوا * * وآمنة التي حملت غلاما ترى المهدي حين ترى عليها * * ونورا قد تقدمه أماما فكل الخلق يرجوه جميعا * * يسود الناس مهتديا إماما براه الله من نور صفاء * * فأذهب نوره عنا الظلاما وذلك صنع ربي إذ حماه * * إذا ما سار يوما أو أقاما فيهدي (1) أهل مكة بعد كفر * * ويفرض بعد ذلكم الصياما


(1) في أ: فهدى. (*)

[ 327 ]

قصة أخرى. روى أبو نعيم والخرائطي (1) وابن عساكر من طريق عطاء عن ابن عباس والبيهقي، وأبو نعيم، وابن عساكر عن عكرمة عنه، وابن سعد، عن أبي الفياض الخثعمي وابن سعد، عن أبي يزيد المديني، أن عبد المطلب لما خرج بابنه ليزوجه مر به على امرأة كاهنة من أهل تبالة متهودة قد قرأت الكتب يقال لها فاطمة بنت مر الخثعمية فرأت نور النبوة في وجه عبد الله فقالت: يا فتى هل لك أن تقع علي الآن وأعطيك مائة من الإبل ؟ فقال عبد الله: أما الحرام فالممات دونه * * والحل لا حل فأستبينه (2) فكيف بالأمر الذي تبغينه * * يحمي الكريم عرضه ودينه ثم مضى مع أبيه فزوجه آمنة بنت وهب فأقام عندها ثلاثا، ثم مر على تلك المرأة فلم تقل له شيئا، فقال لها: مالك لا تعرضين علي ما عرضت علي بالأمس ؟ فقالت: من أنت ؟ قال: أنا فلان. قالت: ما أنت هو، ولئن كنت ذاك لقد رأيت بين عينيك نورا ما أراه الآن، ما صنعت بعدي ؟ فأخبرها. فقالت: والله ما أنا بصاحبة ريبة ولكن رأيت في وجهك نورا فأردت أن يكون في وأبى الله إلا أن يجعله حيث أراده اذهب فأخبرها أنها حملت خير أهل الأرض ثم أنشأت تقول: إني رأيت مخيلة لمعت * * فتلألأت بحناتم القطر فلمائها نور يضئ له * * ما حوله كإضاءة البدر ورجوتها فخرا أبوء به * * ما كل قادح زنده يوري لله ما زهرية سلبت * * ثوبيك ما استلبت وما تدري وقالت أيضا: بني هاشم قد غادرت من أخيكم * * أمينة إذ للباه يعتلجان كما غادر المصباح بعد خبوة * * فتائل قد ميثت له بدهان وما كل ما يحوي الفتى من تلاده * * بحزم ولا ما فاته بتواني فأجمل إذا طالبت أمرا فإنه * * سيكفيكه جدان يصطرعان


(1) محمد بن جعفر بن سهل، أبو بكر الخرائطي السامري: فاضل، من حفاظ الحديث. من أهل السامرة بفلسطين، ووفاته في مدينة يافا. من كتبه " مكارم الأخلاق - ط " و " مساوئ الأخلاق - خ " و " اعتلال القلوب - خ " في أخبار العشاق، و " هواتف الجان وعجائب ما يحكى عن الكهان - خ " و " فضيلة الشكر - خ. توفي سنة 327 ه‍. انظر الأعلام 6 / 70، وشذرات الذهب 2 / 309. (2) البيتان في الروض الأنف 1 / 180، والبداية والنهاية 2 / 250. (*)

[ 328 ]

سيكفيكه إما يد مقفعلة * * وإما يد مبسوطة ببنان ولما قضت منه أمينة ما قضت * * نبا بصري عنه وكل لساني (1) وروى ابن سعد، عن يزيد بن عبد الله بن وهب بن زمعة عن عمه، والبيهقي عن ابن إسحاق رحمهما الله تعالى قال: كنا نسمع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حملت به آمنة كانت تقول: ما شعرت أني حملت به ولا وجدت ثقله كما تجد النساء إلا أنني أنكرت رفع حيضتي وربما ترفعني وتعود وأتاني آت وأنا بين النائم واليقظان فقال لي هل شعرت أنك حملت ؟ فأقول: ما أدري فقال: إنك حملت بسيد هذه الأمة ونبيها وذلك يوم الأثنين وآية ذلك أنه يخرج معه نور يملأ قصور بصرى من أرض الشام، فإذا وضع فسميه محمدا. قالت: فكان ذلك مما يقن عندي الحمل، ثم أمهلني حتى إذا دنت ولادتي أتاني ذلك فقال قولي: أعيذه بالواحد * * من شر كل حاسد قالت: فكنت أقول ذلك فذكرته لنسائي فقلن: تعلقي عليك حديدا وفي عضديك وفي عنقك. ففعلت فلم يكن يترك علي إلا أياما فأجده قد قطع، فكنت لا أتعلقه. (ولبعضهم شعر:) حملته آمنة وقد شرفت به * * وتباشرت كل الأنام بقربه حملا خفيفا لم تجد ألما به * * وتباشرت وحش الفلا فرحا به واستبشرت من نورهن وكيف لا * * وهو الغياث ورحمة من ربه قولها: ولا وجدت له ثقلا: قال في الزهر في حديث شداد عكسه، وجمع بأن الثقل في ابتداء الحمل والخفة عند استمراره ليكون ذلك خارجا عن المعتاد. قلت: وبذلك صرح الحافظ أبو نعيم رحمه الله تعالى. وعن بريدة وابن عباس رضي الله تعالى عنهما قالا: رأت آمنة وهي حامل برسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل لها: إنك حبلى بخير البرية وسيد العالمين، فإذا ولدتيه فسميه أحمد أو محمدا أو علقي عليه هذه. الأبيات فانتبهت وعند رأسها صحيفة من ذهب مكتوب عليها: أعيذه بالواحد * * من شر كل حاسد وكل خلق زائد * * من قائم وقاصد عن السبيل حائد * * على الفساد جاهد من نافث أو عاقد * * وكل خلق مارد


(1) الأبيات في الروض الأنف 1 / 180، والبداية والنهاية 2 / 250. (*)

[ 329 ]

يأخذ بالمراصد * * في طرق الموارد أنهاهم عنه بالله الأعلى، وأحوطه منهم باليد العليا والكنف الذي لا يرى، يد الله فوق أيديهم وحجاب الله دون عاديهم، لا يطردونه ولا يضرونه في مقعد ولا منام ولا سير ولا مقام، أول الليل وآخر الأيام. رواه أبو نعيم وسنده واه جدا، وإنما ذكرته لأنبه عليه لشهرته في كتب المواليد. قال الحافظ أبو الفضل العراقي في مولده إن من قوله " وعلقي عليه هذه " إلى آخره أدرجه بعض القصاص. وروى البيهقي عن أبي جعفر محمد بن علي رضي الله تعالى عنهما قال: أمرت آمنة وهي حبلى برسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسميه أحمد. وروى الحاكم وصححه البيهقي عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا ؟ يا رسول الله أخبرنا عن نفسك. قال: " أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام ". وروى ابن سعد وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن آمنة قالت: لقد علقت به فما وجدت له مشقة حتى وضعته. واختلفوا في يوم ابتداء الحمل فقيل: في أيام التشريق. وعليه فيكون مولده في رمضان وقيل في عاشوراء وقيل غير ذلك. قال أبو زكريا يحيى بن عائذ رحمه الله تعالى في مولده: بقي صلى الله عليه وسلم في بطن أمه تسعة أشهر كملا لا تشكو وجعا ولا مغصا ولا ريحا ولا ما يعرض لذوات الحمل من النساء. قال في الغرر: وهو الصحيح. وقيل: كانت مدة الحمل عشرة أشهر. وقيل ثمانية. وقيل سبعة. تنبيهان الأول قال الحافظ أبو الفضل العراقي رحمه الله تعالى: وسيأتي أنها رأت النور أيضا خرج منها عند الولادة. وهذا أولى لتكون طرقة متصلة. ويجوز أن يكون خرج منها النور مرتين مرة حين حملت به ومرة حين وضعته ولا مانع من ذلك. ولا يكون بين الحديثين تعارض انتهى. وقال الشيخ رحمه الله تعالى: قوله حين " حملت به " هي رؤيا منام وقعت في الحمل،

[ 330 ]

وأما ليلة المولد فرأت ذلك رؤية عين كما سيأتي. الثاني: في شرح غريب ما تقدم: الآن: اسم للوقت الذي أنت فيه: جاء فعل ماضي قصره للنظم. بكا: بمعنى مع. أي فارقك النور الذي كان معك. حافلا: بالحاء المهملة أي ممتلئا من النور أو المنى. الشأن: الأمر والحال والخطب. خلوا: أي خالي من الزوج. أصبت: أدركت. جنينا بالجيم كما في خط مغلطاي في الزهر. وفي نسخة صحيحة من دلائل النبوة بالحاء المهملة وموحدتين. قد أعم. بعين مهملة. وفي نسخة: به يدعم الله البرية بمثناة تحتية فدال فعين مهملتين أي يقومها. البرية: الخلق ترا عليها: أي واقعها، براه: خلعه. الصفاء: ممدود خلاف الكدر. حباه بالمهملة والموحدة أي أعطاه. تبالة. بتاء مثناة فوقية فباء موحدة مفتوحتين: بلد صغير من اليمن. مخيلة بميم مفتوحة فخاء معجمة مكسورة. موضع الخيل، وهو الظن، كالمظنة، وهي السحابة الخليقة بالمطر ويجوز أن تكون مسماة بالمخيلة التي هي المصدر كالمجسمة من الحبس. الحناتم: بحاء مهملة فنون فألف فمثناة فوقية: سحائب سود، لأن السواد عندهم خضرة. أبوء به: أرجع. الزند وزان فلس: الذي يقدح به النار وهو الأعلى، وهو مذكر والسفلى زندة بالهاء ويجمع على زياد. يوري: يوقد. غادرت: تركت أمينة تصغير آمن. خبوه. طفئة ميثت: بمثناة تحتية فثاء مثلثة يقال: ماث فلان الدواء يميثه ميثا. ويموثه موثا مرسه التلاد والتالد والتليد: المال القديم. وخلافه: الطارف والطريف. جدان: الجد بفتح الجيم الحظ. والجد: الغنى. مقفعلة: بقاف ففاء فعين مهملة: أي منقبضة يقال اقفعلت يده إذا انقبضت وتشنجت. البنان: الأصابع وقيل أطرافها الواحدة بنانة. نبا: ارتفع. كل يقال كل من الإعياء كلالا وكلالة. والبصر واللسان كلة وكلولا. ما شعرت. بفتح أوله وثانيه: أي ما علمت. ثقله بثاء مثلثة فقاف فلام مفتوحات أي ثقلا وفتورا حيضتي. بكسر الحاء المهملة: الاسم من الحيض والحال التي تلزمها الحائض من التجنب. فأما الحيضة بالفتح فالمرة الواحدة من رفع الحيض ونوبه. وقولها: وأبا بين النائم واليقظان على إرادة الشخص. والله تعالى أعلم.

[ 331 ]

الباب الثالث في وفاة عبد الله بن عبد المطلب قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى. ثم لم يلبث عبد الله بن عبد المطلب أن توفي وأم رسول الله صلى الله عليه وسلم حامل به. هذا ما جزم به ابن إسحاق ورجحه الواقدي وابن سعد والبلاذري، وصححه الذهبي وقال ابن كثير إنه المشهور. وقال ابن الجوزي: إنه الذي عليه معظم أهل السير، ورواه الحاكم وصححه، وأقره الذهبي عن قيس بن مخرمة رضي الله تعالى عنه. قال غير ابن إسحاق: وذلك حين تم لها شهران. وقيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في المهد حين توفي أبوه. وعليه فقيل وله شهران. وقيل ثمانية وعشرون شهرا. وقيل تسعة أشهر، ونقل السهيلي عن الدولابي أنه قول الأكثرين قلت: والحق أنه قول كثيرين لا أكثرين. وروى ابن سعد عن محمد بن كعب، وعن أيوب بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة رحمهما الله تعالى قالا: خرج عبد الله إلى الشام إلى غزة في عير من عيرات قريش يحملون تجارات، ففرغوا من تجاراتهم، ثم انصرفوا فمروا بالمدينة وعبد الله يومئذ مريض، فقال: أتخلف عند أخوالي بني عدي بن النجار. فأقام عندهم مريضا شهرا ومضى أصحابه فقدموا مكة فسألهم عبد المطلب عن ابنه فقالوا: خلفناه عند أخواله بني عدي بن النجار مريضا، فبعث عبد المطلب أكبر ولده الحارث فوجده قد توفي ودفن في دار النابغة فرجع فأخبره فوجد عليه عبد المطلب وعماته. وإخوته وأخواته وجدا شديدا. ورسول الله صلى الله عليه وسلم حمل، ولعبد الله بن عبد المطلب يوم توفي خمس وعشرون سنة. قال الواقدي: وهذا أثبت الأقاويل في وفاة عبد الله وسنه. وقال الحافظ العلائي وابن حجر إن عمره كان يوم توفي ثماني عشرة سنة قال الواقدي: ولم يتزوج عبد الله قط غير آمنة. وآمنة لم تتزوج قط غير عبد الله. أخذ الإله أبا الرسول ولم يزل * * برسوله الفرد اليتيم رحيما نفسي الفداء لمفرد في يتمه * * والدر أحسن ما يكون يتيما لطيفة: نقل أبو حيان في بحره وغيره عن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه قال: إنما يتم رسول الله صلى الله عليه وسلم لئلا يكون عليه حق لمخلوق. وقال ابن العماد في كشف الأسرار: إنما رباه يتيما لأن أساس كل كبير صغير وعقبى كل حقير خطير. وأيضا لينظر صلى الله عليه وسلم إذا وصل إلى مدارج عزه إلى أوائل أمره ليعلم أن العزيز من

[ 332 ]

أعزه الله تعالى وأن قوته ليست من الآباء والأمهات ولا من المال بل قوته من الله تعالى. وأيضا ليرحم الفقير والأيتام. وقالت آمنة أم رسول الله صلى الله عليه وسلم ترثي زوجها. كما ذكر ذلك ابن إسحاق في المبتدأ وابن سعد في الطبقات. رحمهما الله تعالى. عفا جانب البطحاء من ابن هاشم * * وجاور لحدا خارجا في الغماغم دعته المنايا بغتة فأجابها * * وما تركت في الناس مثل ابن هاشم عشية راحوا يحملون سريره * * يعاوره أصحابه في التزاحم فإن يك غالته المنايا وريبها * * فقد كان معطاء كثير التراحم وقالت أيضا، أورده القاسم الوزيري المغربي رحمه الله ورضي عنه ترثي عبد الله زوجها والد رسول الله صلى الله عليه وسلم. أضحى ابن هاشم في مهماء مظلمة * * في حفرة بين أحجار لدى الحصر سقى جوانب قبر أنت ساكنه * * غيث أحم الذرى ملآن ذو درر تفسير الغريب التابعة: قال في الزهر بتاء مثناة فوقية فباء موحدة فعين مهملة. الغماغم بغينين معجمتين بعد كل ميم بعد الأولى ألف: الأغطية. يعاوره: يتداولونه بينهم. مهماء أي مفازة. والجمع مهامه. أحم الشئ قرب ودنا. الذرى. بفتح الذال المعجمة اسم لما ذرته الريح واسم الدمع المصبوب. العيرات بكسر العين وفتح الياء جمع عير. كذا جمعوه والقياس التسكين. قال محمد بن عمر الأسلمي رحمه الله تعالى: ترك عبد الله أم أيمن وخمسة أجمال وقطعة من غنم فورث ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيه.

[ 333 ]

الباب الرابع في تاريخ مولده صلى الله عليه وسلم ومكانه وفيه فصلان: الأول: في بيان يومه، وشهره، وعامه. الصواب: أنه صلى الله عليه وسلم ولد يوم الأثنين. روى الإمام أحمد ومسلم وأبو داود عن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن يوم الأثنين فقال: " ذاك يوم ولدت فيه. أو قال أنزل علي فيه " (1). وروى يعقوب بن سفيان عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين واستنبئ يوم الاثنين، وتوفي يوم الاثنين، ورفع الحجر الأسود يوم الاثنين. وفي بعض الطرق عند ابن عساكر: وأنزلت سورة المائدة يوم الاثنين: (اليوم أكملت لكم دينكم) وكانت وقعة بدر يوم الاثنين. قال ابن عساكر: المحفوظ أن وقعة بدر ونزول: (اليوم أكملت لكم دينكم) يوم الجمعة. وروى الزبير بن بكار وابن عساكر عن معروف بن حزبوذ رحمه الله تعالى قال: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين حين طلع الفجر. وقال الحافظ أبو الفضل العراقي في المورد: الصواب أنه صلى الله عليه وسلم ولد في النهار، وهو الذي ذكره أهل السير. وحديث أبي قتادة مصرح به. وروى الأربعة عن سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى قال: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عند إبهار النهار، وجزم به ابن دحية، وصححه الزركشي رحمه الله تعالى في شرح البردة ولبعضهم في ذلك. يا ساعة فتح الهدى أرفادها * * لطفا وقد منح الجزا إسعادها لاحت بشهر ربيع الزاكي الذي * * فاق الشهور جلالة إذ سادها حيث النبوة أشرقت بماثر * * كالشهب لا يحصى الورى تعدادها حيث الأمانة والرسالة قد بدت * * يعلي لمكة غورها ونجادها قال ابن دحية رحمه الله تعالى: وأما ما روي من تدلي النجوم فضعيف، لاقتضائه أن الولادة كانت ليلا.


(1) أخرجه مسلم 2 / 819، كتاب الصيام (197 - 162) وأحمد في المسند 2 / 200. (*)

[ 334 ]

قال الزركشي: وهذا لا يصلح أن يكون تعليلا فإن زمان النبوة صالح للخوارق، ويجوز أن تسقط النجوم نهارا. شعر: يا ساعة نلنا السعادة والهنا * * فيها بخير العالمين محمد تمت لنا أفراحها بظهوره * * وتكملت في شهر مولد أحمد غيره لبعضهم رحمه الله تعالى. توالت أمور السعد في خير ساعة * * بمولد خير الرسل في ساعة السعد فيا طيب أوقات ويا طيب مولد * * ويا طيب مولود حوى سائر المجد قال ابن كثير والحافظ وغيرهما: ثم إن الجمهور على أن ذلك كان في شهر ربيع الأول. قال السهيلي: وهو المعروف. ونقل بعضهم فيه الإجماع. يقول لنا لسان الحال منه * * وقول الحق يعذب للسميع فوجهي والزمان وشهر وضعي * * ربيع في ربيع في ربيع قال بعض أهل المعاني: كان مولده صلى الله عليه وسلم في فصل الربيع وهو أعدل الفصول ليله ونهاره معتدلان بين الحر والبرد، ونسيمه معتدل بين اليبوسة والرطوبة وشمسه معتدلة في العلو والهبوط، وقمره معتدل في أول درجة من الليالي البيض، وينعقد في سلك هذا النظام، ما هيأ الله تعالى له صلى الله عليه وسلم من أسماء مربيه ففي الوالدة والقابلة الأمن والشفاء وفي اسم الحاضنة البركة والنماء، وفي مرضعيه صلى الله عليه وسلم الآتي ذكرهما الثواب والحلم والسعد. قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى: لاثنتي عشرة ليلة (خلت) منه ورواه ابن أبي شيبة في المصنف عن جابر وابن عباس. قال في الغرر: وهو الذي عمل العمل. وقيل لليلتين خلتا منه وقدمه في الإشارة، وقيل لثمان. ونقل أبو عمر عن أصحاب الزيج أنهم صححوه ورجحه ابن دحية. وقال الحافظ: إنه مقتضى أكثر الأخبار. وقيل: لعشر. حكاه الدمياطي عن جعفر الباقر وصححه. وقيل: لسبع عشرة. وقيل لثماني عشرة، وقيل: في أوله حين طلع الفجر. قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى: عام الفيل. قال ابن كثير: وهو المشهور عند الجمهور. وقال إبراهيم بن المنذر الحزامي (1) شيخ البخاري: وهو الذي لا يشك فيه أحد من


(1) إبراهيم بن المنذر بن عبد الله بن المنذر بن المغيرة بن عبد الله بن خالد بن حزام بالزاي الأسدي الحزامي أبو إسحاق المدني أحد كبار العلماء المحدثين. وثقه ابن معين والنسائي وأبو حاتم والدار قطني، وذمه أحمد لكونه خلط في القرآن. قال يعقوب الفسوي: مات سنة ست وثلاثين ومائتين. الخلاصة 1 / 57. (*)

[ 335 ]

العلماء. وبالغ خليفة بن خياط وابن الجزار وابن دحية وابن الجوزي وابن القيم فنقلوا فيه الإجماع. وروى البيهقي والحاكم في المستدرك وصححه وأقره الذهبي في مختصره، وصححه في تاريخه الكبير عن يحيى بن معين، عن حجاج بن محمد، عن يونس بن أبي إسحاق عن أبيه عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفيل. قال الحافظ في شرح الدرر: والمحفوظ لفظ العام. وقيل: يطلق اليوم ويراد به مطلق الوقت، كما يقال يوم الفتح، ويوم بدر، فإن كان المراد حقيقة اليوم فيكون أخص من الأول وبذلك صرح ابن حبان في تاريخه فإنه قال: ولد عام الفيل في اليوم الذي بعث الله فيه الطير الأبابيل على أصحاب الفيل. قال: ثم وجدت الحديث عن ابن مسعود عن يحيى بن معين بسنده المذكور قال: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفيل يعني عام الفيل. وروى ابن إسحاق وأبو نعيم والبيهقي عن المطلب بن عبد الله بن قيس بن مخرمة عن أبيه عن جده قال: ولد ت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل كنا لدين. وسأل عثمان بن عفان (1) قباث بن أشيم الكناني ثم الليثي: يا قباث أنت أكبر أم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر مني وأنا أسن منه ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل ووقفت بي أمي على خذق الفيل أخضر محيلا. مخرمة بفتح الميم وإسكان الخاء المعجمة. ومات على دينه. لدين: قال أبو ذر المشهور فيه: لدتين بالتاء يقال فلان لدة فلان إذا ولد معه في وقت واحد. قال الجوهري: لدة الرجل تربه والهاء عوض عن الواو الذاهبة منه، لأنه من الولادة. وهما لدان والجمع لدات ولدون. الترب بكسر التاء المثناة الفوقية وإسكان الراء وبالموحدة: من ولد معك. قباث بضم القاف ويقال بفتحها، قال الحافظ: وهو المشهور، ثم موحدة خفيفة ثم مثلثة. ابن أشيم بمعجمة وتحتانية وزان أحمد. وعلى هذا فقيل بعد الفيل بخمسين يوما. قال ابن كثير: وهو أشهر. وصححه


(1) عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس الأموي، أبو عمرو المدني، ذو النورين، وأمير المؤمنين، ومجهز جيش العسرة، وأحد العشرة، وأحد الستة، هاجر الهجرتين. وعنه أبناؤه أبان وسعيد وعمرو وأنس ومروان بن الحكم وخلق. غاب عن بدر لتمريض ابنة النبي صلى الله عليه وسلم فضرب له النبي صلى الله عليه وسلم بسهم. قال ابن عمر: كنا نقول على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان. وقال ابن سيرين: كان يحيى الليل كله بركعة. قتل في سابع ذي الحجة يوم الجمعة سنة خمس وثلاثين. قال عبد الله بن سلام: لقد فتح الناس على أنفسهم بقتل عثمان باب فتنة لا يغلق إلى يوم القيامة. رضي الله عنه. الخلاصة 2 / 219، وسيأتي في المناقب مفصلا. (*)

[ 336 ]

المسعودي والسهيلي. وزاد أنه الأشهر والأكثر وقيل بزيادة خمس. وذكر أبو بكر محمد بن موسى الخوارزمي رحمه الله تعالى أن قدوم أصحاب الفيل مكة لثلاث عشرة ليلة بقيت من المحرم. وقد قال ذلك غيره. وزاد يوم الأحد. وكان أول المحرم تلك السنة يوم الجمعة. وروى ابن سعد وابن عساكر عن أبي جعفر الباقر (1) رحمه الله تعالى قال: كان قدوم أصحاب الفيل في النصف من المحرم ومولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده بخمس وخمسين ليلة. وصحح الحافظ الدمياطي هذا القول. وقيل بأربعين يوما. وقيل بشهر وستة أيام. وقيل بعشر سنين. وقيل بثلاثين عاما. وقيل بأربعين عاما. وقيل بسبعين عاما. وقيل لثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة ثلاث وعشرين من غزوة أصحاب الفيل. وقيل في صفر. وقيل في ربيع الآخر. وقيل في المحرم لخمس بقين منه. وقيل في عاشوراء. قال السهيلي رحمه الله تعالى: أهل الحساب يقولون وافق مولده من الشهور الشمسية نيسان، وكان لعشرين مضت منه. وقال الذهبي في تاريخ الإسلام: نظرت في أن يكون صلى الله عليه وسلم ولد في ربيع وأن يكون ذلك في العشرين من نيسان فرأيته بعيدا من الحساب يستحيل أن يكون مولده في نيسان إلا أن يكون مولده في رمضان. وقال الإمام أبو الحسن الماوردي رحمه الله تعالى: وافق شهر ربيع من شهور الروم العشرين من شباط. انتهى. ويقال: شباط بالإعجام والإهمال. قال الدمياطي رحمه الله تعالى: في برج الحمل. قال في النور: وهذا يحتمل أن يكون في أوائل نيسان وأن يكون في آذار. ثم قال السهيلي. وولد بالغفر من المنازل وهو مولد النبيين، ولذا قيل: خير منزلتين كانت في الأبد * * هو ما بين الزباني والأسد لأن الغفر يليه من العقرب زبانيها، ولا ضرر في الزبانين إنما تضر العقرب بذنبها، ويليه من الأسد أليته وهو السماك والأسد لا يضر بأليته وإنما يضر بمخلبه ونابه.


(1) محمد بن علي زين العابدين بن الحسين الطالبي الهاشمي القرشي، أبو جعفر الباقر: خامس الأئمة الاثني عشر عند الإمامية. كان ناسكا عابدا، له في العلم وتفسير القرآن آراء وأقوال ولد بالمدينة وتوفي بالحميمة سنة 114 ه‍. ودفن بالمدينة الأعلام 6 / 270، 271، والتهذيب 9 / 350. (*)

[ 337 ]

وقال ابن دحية: أظن السهيلي نسي السنبلة وظن أن السماك من الأسد. قال أبو عبد الله بن الحاج رحمه الله تعالى في المدخل: فإن قال قائل: ما الحكمة في كونه صلى الله عليه وسلم خص مولده بشهر ربيع وبيوم الاثنين على الصحيح المشهور عند أكثر العلماء، ولم يكن في شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن وفيه ليلة القدر، واختص بفضائل عدة، ولا في الأشهر الحرم التي جعل الله لها الحرمة يوم خلق السموات والأرض، ولا في ليلة النصف من شعبان، ولا في يوم الجمعة ولا في ليلتها ؟ فالجواب من أربعة أوجه: الأول: ما ورد في الحديث من أن الله تعالى خلق الشجر يوم الاثنين (1). وفي ذلك تنبيه عظيم وهو أن خلق الأقوات والأرزاق والفواكه والخيرات التي يمتد بها بنو آدم ويحيون ويتداوون وتنشرح صدورهم لرؤيتها وتطيب بها نفوسهم وتسكن خواطرهم عند رؤيتها لاطمئنان نفوسهم لتحصيل ما يبقي حياتهم، على ما جرت به حكمة الحكيم سبحانه وتعالى. فوجوده صلى الله عليه وسلم في هذا الشهر في هذا اليوم قرة عين بسبب ما وجد من الخير العظيم والبركة الشاملة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم. الوجه الثاني: أن ظهوره صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع فيه إشارة ظاهرة لمن تفطن لها بالنسبة إلى اشتقاق لفظة ربيع إذ أن فيه تفاؤلا حسنا وبشارة (2) لأمته صلى الله عليه وسلم. وقد قال الشيخ الإمام أبو عبد الرحمن الصقلي رحمه الله تعالى: لكل إنسان من اسمه نصيب. هذا في الأشخاص وكذلك في غيرها، وإذا كان كذلك ففصل الربيع فيه تنشق الأرض عما في باطنها من نعم المولى سبحانه وتعالى وأرزاقه التي بها قوام العباد وحياتهم ومعايشهم وصلاح أحوالهم، فتنفلق الحبة والنوى وأنواع النبات والأقوات المقدرة فيها، فتبهج الناظر عند رؤيتها وتبشره بلسان حالها بقدوم ينعها. وفي ذلك إشارة عظيمة إلى الاستبشار بابتداء نعم المولى سبحانه وتعالى، ألا ترى أنك إذا دخلت إلى البستان في مثل هذه الأيام تنظر إليه كأنه يضحك لك، وتجد زهرة كأن لسان حاله يخبرك بما لك من الأرزاق المدخرة والفواكه. وكذلك الأرض إذا أبهج نوارها كأنه يحدثك بلسان حاله كذلك أيضا. فمولده صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع فيه من الإشارات ما تقدم ذكر بعضه. وذلك إشارة ظاهرة من المولى تبارك وتعالى إلى التنويه بعظيم قدر هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وأنه رحمة للعالمين. وبشرى للمؤمنين. وحماية لهم من المهالك والمخاوف في الدارين وحماية للكافرين بتأخير


(1) أخرجه أحمد 2 / 327. (2) في أ: بيشارته. (*)

[ 338 ]

العذاب عنهم لأجله صلى الله عليه وسلم. قال الله تعالى: (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) فوقعت البركات وإدرار الأرزاق والأقوات. ومن أعظمها منته على عباده لهدايته عليه الصلاة والسلام لهم إلى صراط الله المستقيم. الوجه الثالث: ما في شريعته صلى الله عليه وسلم من شبه الحال، ألا ترى أن فصل الربيع أعدل الفصول وأحسنها إذ ليس فيه برد مزعج ولا حر مقلق، وليس في ليله ولا نهاره طول خارق، بل كله معتدل وفصله سالم من العلل والأمراض والعوارض التي يتوقعها الناس في أبدانهم في زمان الخريف، بل الناس فيه تنتعش قواهم وتنصلح أمزجتهم وتنشرح صدورهم لأن الأبدان يدركها فيه من أمداد القوة ما يدرك النبات حين خروجه، إذ منها خلقوا، فيطيب ليلهم للقيام ونهارهم للصيام، لما تقدم من اعتداله في الطول والقصر والحر والبرد، فكان في ذلك شبه الحال بالشريعة السمحة التي جاء بها صلوات الله وسلامه عليه من رفع الإصر والأغلال التي كانت على من قبلنا. الوجه الرابع: أنه قد شاء الحكيم سبحانه وتعالى أنه صلى الله عليه وسلم تتشرف به الأزمنة والأمكنة لا هو يتشرف بها، بل يحصل للزمان أو المكان الذي يباشره عليه الصلاة والسلام الفضيلة العظمى والمزية على ما سواه من جنسه إلا ما استثنى من ذلك لأجل زيادة الأعمال فيها وغير ذلك، فلو ولد صلى الله عليه وسلم في الأوقات المتقدم ذكرها لكان قد يتوهم أنه يتشرف بها فجعل الحكيم جل جلاله مولده صلى الله عليه وسلم في غيرها ليظهر عظيم عنايته سبحانه وتعالى وكرامته عليه. الفصل الثاني: في مكانه: اختلف: هل ولد بمكة أو غيرها ؟ والصحيح الذي عليه الجمهور هو الأول. وعليه فاختلف في مكانه من مكة على أقوال: أحدها: في الدار التي في الزقاق المعروف بزقاق المولد في شعب مشهور بشعب بني هاشم. وكانت بيد عقيل. قال ابن الأثير رحمه الله تعالى: قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهبها عقيل بن أبي طالب فلم تزل بيده حتى توفي عنها فباعها ولده من محمد بن يوسف أخي الحجاج، وقيل إن عقيلا باعها بعد الهجرة تبعا لقريش حين باعوا دور المهاجرين الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم ولد في شعب بني هاشم. حكاه الزبير. الثالث: أنه ولد صلى الله عليه وسلم بالردم. الرابع: بعسفان.

[ 339 ]

الباب الخامس في إخبار الأحبار وغيرهم بليلة ولادته صلى الله عليه وسلم روى أبو نعيم والبيهقي عن حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال: إني لغلام يفعة ابن سبع سنين أو ثمان أعقل ما رأيت وسمعت إذا يهودي يصرخ ذات غداة على أطمه: يا معشر يهود. فاجتمعوا إليه وأنا أسمع. قالوا: ويلك ما بك ؟ قال: طلع نجم أحمد الذي ولد به في هذه الليلة. يفعة بفتح الفاء والعين المهملة أي شاب. أطمه: بالإضافة للضمير والأطم بضم الهمزة والطاء المهملة: الحصن ويروى على أطمه بتاء تأنيث على معنى البقعة. وروى ابن سعد والحاكم وأبو نعيم بسند حسن في الفتح عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان يهودي قد سكن مكة يتجر بها، فلما كانت تلك الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مجلس من قريش: يا معشر قريش، هل ولد فيكم الليلة مولود ؟ فقال القوم: والله ما نعلمه. قال: احفظوا ما أقول لكم: ولد هذه الليلة نبي هذه الأمة الأخيرة، بين كتفيه علامة فيها شعرات متواترات كأنهن عرف فرس، لا يرضع ليلتين. فتصدع القوم من مجلسهم وهم يتعجبون من قوله: فلما صاروا إلى منازلهم أخبر كل إنسان منهم أهله فقالوا: لقد ولد الليلة لعبد الله بن عبد المطلب غلام سموه محمدا. فالتقى القوم حتى جاؤوا اليهودي فأخبروه الخبر. قال: اذهبوا معي حتى أنظر إليه فخرجوا حتى أدخلوه على آمنة فقالوا: أخرجي إلينا ابنك. فأخرجته وكشفوا له عن ظهره فرأى تلك الشامة، فوقع مغشيا عليه فلما أفاق قالوا: ويلك مالك ؟ قال: والله ذهبت النبوة من بني إسرائيل، أفرحتم به يا معشر قريش والله ليسطون بكم سطوة يخرج خبرها من المشرق إلى المغرب. متواترات أي متتابعات أو متفرقات. وروى ابن سعد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كانت يهود قريظة والنضير وفدك وخيبر يجدون صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث وأن دار هجرته المدينة، فلما ولد قالت أحبار يهود ولد الليلة أحمد، هذا الكوكب قد طلع. فلما تنبأ أحمد. كانوا يعرفون ذلك ويقرون به ويصفونه إلا الحسد والبغي. وروى أبو نعيم وابن عساكر من طريق المسيب بن شريك عن محمد بن شريك عن شعيب بن شعيب (1)، عن أبيه عن جده، قال: كان بمر الظهران راهب من أهل الشام يدعى


(1) شعيب بن شعيب بن إسحاق الأموي أبو محمد الدمشقي. مات أبوه وهو حمل عن الحميدي وأحمد بن خالد الوهبي. وعنه (س) ووثقه. مات سنة أربع ومائتين. الخلاصة 1 / 451. (*)

[ 340 ]

عيص، وكان قد آتاه الله علما كثيرا، وكان يلزم صعومعة له ويدخل مكة فيلقى الناس ويقول: يوشك أن يولد فيكم مولود يا أهل مكة تدين له العرب ويملك العجم هذا زمانه، فمن أدركه واتبعه أصاب حاجته، ومن أدركه وخالفه أخطأ حاجته، وبالله ما تركت أرض الخمر والخمير والأمن وحللت أرض البؤس والخوف إلا في طلبه. فكان لا يولد بمكة مولود إلا يسأل عنه فيقول: ما جاء بعد. فلما كان صبيحة اليوم الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عبد المطلب حتى أتى عيص فوقف على أصل صومعته فناداه فقال: من هذا ؟ فقال: أنا عبد المطلب. فأشرف عليه فقال: كن أباه فقد ولد ذلك المولود الذي كنت أحدثكم عنه يوم الأثنين ويبعث يوم الأثنين وإن نجمه طلع البارحة، وآية ذلك أنه الآن وجع فيشتكي ثلاثا ثم يعافى، فاحفظ لسانك فإنه لم يحسد حسده أحد، لم يبغ على أحد كما يبغى عليه. قال: فما عمره ؟ قال: إن طال عمره لم يبلغ السبعين يموت في وتر دونها في الستين في إحدى وستين أو ثلاث وستين.

[ 341 ]

الباب السادس في وضعه صلى الله عليه وسلم والنور الذي خرج معه وتدلي النجوم له ونزوله ساجدا على الأرض بيديه وما رأته قابلته الشفاء أم عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه من الآيات عن أبي العجفاء رحمه الله تعالى مرسلا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رأت أمي حين وضعتني سطع منها نور فضاءت له قصور بصرى " (1). رواه ابن سعد ورجاله ثقات. بصرى - بباء موحدة مضمومة فصاد مهملة ساكنة فألف مقصورة - والمراد بها هنا بلد بالشام من أعمال دمشق. قال في المسكة الفائحة: وفي تخصيص بصرى لطيفة، وهي أنها أول موضع من بلاد الشام دخلها ذلك النور المحمدي، وكذلك هي أول ما افتتح من بلاد الشام. وبصرى أيضا من قرى بغداد. وعن عثمان بن أبي العاص رضي الله تعالى عنه قال: حدثتني أمي أنها شهدت ولادة آمنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة ولدته قالت: فما شئ أنظر إليه من البيت إلا نورا وإني لأنظر إلى النجوم تدنو حتى إني لأقول: ليقعن علي، فلما وضعته خرج منها نور أضاء له الدار والبيت حتى جعلت لا أرى إلا نورا. وعن العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إني عند الله لخاتم النبيين " (2) الحديث وفيه رؤيا أمي التي رأت وكذلك أمهات النبيين يرين، وإن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم رأت حين وضعته نورا أضاءت له قصور الشام. رواه الإمام أحمد والبزار والحاكم وابن حبان وصححاه. وروى ابن حبان عن حليمة (3) رضي الله تعالى عنها عن آمنة أم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها قالت: إن لابني هذا لشأنا إني حملت به فلم أجد حملا كان أخف علي ولا أعظم بركة


(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات 1 / 1 / 96. (2) أخرجه أبو نعيم في الدلائل 1 / 9، والطبري في التفسير 28 / 57، والبغوي في التفسير 1 / 111. (3) حليمة بنت أبي ذؤيب عبد الله بن الحارث بن شجنة بن جابر السعدي البكري الهوازني: من أمهات النبي صلى الله عليه وسلم في الرضاع. كانت زوجة الحارث بن عبد العزى السعدي من بادى الحديبية وكان المرضعات يقدمن إلى مكة من البادية لإرضاع الأطفال ويفضلن من يكون أبوه حيا لبره إلا أن محمدا كان يتيما، مات أبوه عبد الله، فتسلمته حليمة من أمه " آمنة " ونشأ في بادية بني سعد في الحديبية وأطرافها، ثم في المدينة، وعادت به إلى أمه. وماتت آمنة وعمره ست سنين فكفله جده عبد المطلب. وقدمت حليمة على مكة بعد أن تزوج رسول الله بخديجة، وشكت إليه الجدب، فكلم خديجة بشأنها فأعطتها أربعين شاة. وقدمت مع زوجها بعد النبوة فأسلما. وجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين، وهو على الجعرانة، فقام إليها وبسط لها رداءة فجلست عليه. ولها رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم روى عنها عبد الله بن جعفر. توفيت بعد سنة 8 ه‍. الأعلام 2 / 271. (*)

[ 342 ]

منه، ثم رأيت نورا كأنه شهاب خرج مني حين وضعته أضاءت لي أعناق الإبل ببصرى، ثم وضعته فما وقع كما تقع الصبيان، وقع واضعا يديه بالأرض رافعا رأسه إلى السماء. وروى ابن سعد وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن آمنة قالت: لما فصل مني ابني محمد صلى الله عليه وسلم خرج منه نور أضاء له ما بين المشرق والمغرب. وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة. رحمه الله تعالى قال: لما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم أشرقت الأرض نورا. وروى الإمام أحمد وابن سعد بسند حسن عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قلت: يا رسول الله ما كان بدء أمرك ؟ قال: " دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى بن مريم، ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام ". وروى ابن سعد عن محمد بن عمر الأسلمي بأسانيد له متعددة عن آمنة أنها قالت: لما وضعته خرج معه نور أضاء له ما بين المشرق والمغرب، ثم وقع جاثيا على ركبتيه معتمدا على الأرض بيديه، ثم أخذ قبضة من تراب وقبضها ورفع رأسه إلى السماء، وأضاءت له قصور الشام وأسواقها، حتى رأيت أعناق الإبل ببصرى. وإنما أضاءت قصور بصرى بالنور الذي خرج منه إشارة إلى ما خص الشام من نبوته صلى الله عليه وسلم فإنها دار مجده وملكه كما ذكره كعب أن في الكتب السابقة: محمد رسول الله مولده بمكة ومهاجره بيثرب وملكه بالشام. وقد وردت أحاديث في فضل الشام، ذكر بعضها الحافظ المنذري في كتاب " الترغيب والترهيب ". وقال بعضهم: أضاءت قصور بصرى إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم. ينور البصائر ويحيي القلوب الميتة. وفي خروج هذا النور معه صلى الله عليه وسلم حين وضعته إشارة إلى ما يجئ به من النور الذي اهتدى به أهل الأرض وزال به ظلمة الشرك منها. كما قال الله تعالى: (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم). قال الإمام أبو شامة رحمه الله تعالى: وقد كان هذا النور الذي ظهر وقت ولادته صلى الله عليه وسلم قد اشتهر في قريش وكثر ذكره فيهم، وإلى ذلك أشار عمه العباس رضي الله تعالى عنه في أبياته السابقة حيث قال في حقه صلى الله عليه وسلم وزاده شرفا وفضلا: وأنت لما ولدت أشرقت الأر * * ض وضاءت بنورك الأفق فنحن في ذلك الضياء وفي النو * * ر وسبل الرشاد نخترق ويرحم الله تعالى القائل:

[ 343 ]

لما استهل المصطفى طالعا * * أضاء الفضا من نوره الساطع وعطر الكون شذى عطره الط * * يب من دان ومن شاسع ونادت الأكوان من فرحة * * يا مرحبا بالقمر الطالع وروى ابن سعد عن موسى بن عبيدة (1) رحمه الله تعالى عن أخيه قال: لما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقع على يديه رافعا رأسه إلى السماء وقبض قبضة من تراب، فبلغ ذلك رجلا من لهب فقال لصاحبه: انجه لئن صدق الفأل ليغلبن هذا المولود أهل الأرض. وروى ابن سعد وأبو نعيم بسند قوي عن حسان بن عطية - رحمه الله تعالى: - ورضي عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ولد وقع على كفيه وركبتيه شاخصا ببصره إلى السماء. زاد السهيلي: مقبوضة أصابع يده مشيرا بالسبابة كالمسبح بها. قال الشيخ الإمام العلامة شمس الدين الجوجري (2) رحمه الله تعالى: وفي رفع بصره صلى الله عليه وسلم في تلك الحال إشارة وإيماء إلى ارتفاع شأنه وعلو قدره وأنه يسود الخلق أجمعين، وكان هذا من آياته صلى الله عليه وسلم، وهو أنه أول فعل وجد منه في أول ولادته، وفيه إشارة وإيماء لمن له تأمل إلى أن جميع ما يقع له من حين يولد إلى حين يقبض صلى الله عليه وسلم ما يدل عليه العقل فإنه صلى الله عليه وسلم لا يزال متزايد الرفعة في كل وقت وحين، علي الشأن على المخلوقات. وفي رفعه صلى الله عليه وسلم رأسه إشارة وإيماء إلى كل سؤدد وأنه لا يتوجه قصده إلا إلى جهات العلو دون غيرها مما لا يناسب قصده. وروى ابن الجوزي في " الوفا " عن أبي الحسين بن البراء - مرسلا - رحمه الله تعالى قال: قالت آمنة وجدته جاثيا على ركبتيه ينظر إلى السماء، ثم قبض قبضة من الأرض وأهوى ساجدا. قال بعض أهل الإشارات: لما ولد عيسى صلى الله عليه وسلم قال: (إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا) فأخبر عن نفسه بالعبودية والرسالة، ونبينا صلى الله عليه وسلم وضع ساجدا وخرج معه نور أضاء له ما بين المشرق والمغرب، وقبض قبضة من تراب ورفع رأسه إلى السماء فكانت عبودية عيسى المقال: وعبودية محمد صلى الله عليه وسلم الفعال، ورسالة عيسى بالإخبار، ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم بظهور الأنوار.


(1) موسى بن عبيدة بن نشيط العدوي مولاهم أبو محمد الربذي بفتح المهملة والموحدة المدني. عن محمد بن كعب ونافع وجماعة. وعنه شعبة وابن المبارك وطائفة. ضعفه ابن المديني والنسائي وابن عدي وجماعة. قال ابن سعد: ثقة كثير الحديث وليس بحجة. مات سنة ثلاث وخمسين ومائة بالربذة. الخلاصة 3 / 68. (2) محمد بن عبد المنعم بن محمد الجوجري: فاضل مصري، من فقهاء الشافعية. ولد بجوجر (قرب دمياط) وتحول إلى القاهرة صغيرا، فتعلم، وناب في القضاء، ثم تعفف عن ذلك. ومات بمصر. كتبه " شرح الإرشاد " لابن المقري، و " شرح شذور الذهب " و " شرح همزية البوصيري ". توفي سنة 889 ه‍. الأعلام 6 / 251، والضوء اللامع 8 / 123. (*)

[ 344 ]

وفي سجوده صلى الله عليه وسلم عند وضعه إشارة إلى أن مبدأ أمره على القرب، قال الله تعالى: (واسجد واقترب) وقال صلى الله عليه وسلم: " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد " فحال عيسى عليه الصلاة والسلام يشير إلى مقام العبودية، وحال محمد صلى الله عليه وسلم يشير إلى مقام القرب من الحضرة الإلهية. ولبعضهم: لك القرب من مولاك يا أشرف الورى * * وأنت لكل المرسلين ختام وأنت لنا يوم القيامة شافع * * وأنت لكل الأنبياء إمام عليك من الله الكريم تحية * * مباركة مقبولة وسلام وروى أبو نعيم عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه عن أمه الشفاء بنت عمرو بن عوف رضي الله تعالى عنها قالت: لما ولد ت آمنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقع على يدي فاستهل، فسمعت قائلا يقول: رحمك الله أو رحمك ربك فأضاء ما بين المشرق والمغرب حتى إني نظرت إلى بعض قصور الروم. قالت: ثم ألبسته وأضجعته فلم أنشب أن غشيتني ظلمة ورعب وقشعريرة عن يميني فسمعت قائلا يقول: أين ذهبت به. قال: إلى المغرب وأسفر عني ذلك. ثم عاودني ذلك الرعب والقشعريرة عن يساري فسمعت قائلا يقول: أين ذهبت به ؟ قال: إلى المشرق. قالت: فلم يزل الحديث مني على بال حتى بعثه الله تعالى. تنبيهات الأول: قال الشيخ رحمه الله تعالى في فتاويه: لم أقف في شئ من الأحاديث مصرحا على أنه صلى الله عليه وسلم لما ولد عطس، بعد مراجعة أحاديث المولد من مظانها كالطبقات لابن سعد، والدلائل للبيهقي، ولأبي نعيم، وتاريخ ابن عساكر على بسطه واستيعابه، وكالمستدرك للحاكم. وإنما الحديث الذي روته الشفاء أم عبد الرحمن بن عوف يعني السابق آخر الباب فيه لفظ يشبه التشميت. لكن لم يصرح فيه بالعطاس، والمعروف في اللغة أن الاستهلال صياح المولود أول ما يولد فإن أريد به هنا العطاس فيحتمل. وحمل القائل على الملك ظاهر. وقال العلامة شمس الدين الجوجري رحمه الله تعالى في شرح الهمزية: الاستهلال وإن كان هو صياح المولود أول ما يولد إلا أن حمله على العطاس هنا قريب، كحمل القائل على الملك. الثاني: جرت عادة كثير من المحبين إذا سمعوا بذكر وضعه صلى الله عليه وسلم أن يقوموا تعظيما له صلى الله عليه وسلم، وهذا القيام بدعة لا أصل لها، وقال ذو المحبة الصادقة حسان زمانه أبو زكريا يحيى بن يوسف الصرصري رحمه الله تعالى ورضي عنه في قصيدة له من ديوانه: قليل لمدح المصطفى الخط بالذهب * * على فضة من خط أحسن من كتب

[ 345 ]

وإن ينهض الأشراف عند سماعه * * قياما صفوفا أو جثيا على الركب أما الله تعظيما له كتب اسمه * * على عرشه يا رتبة سمت الرتب واتفق أن منشدا أنشد هذه القصيدة في ختم درس شيخ الإسلام الحافظ تقي الدين السبكي. والقضاة والأعيان بين يديه فلما وصل المنشد إلى قوله: " وإن ينهض الأشراف عند سماعه " إلى آخر البيت قام الشيخ للحال قائما على قدميه امتثالا لما ذكره الصرصري، وحصل للناس ساعة طيبة. ذكر ذلك ولده شيخ الإسلام أبو النصر عبد الوهاب في ترجمته من الطبقات الكبرى. الثالث: اشتهر على بعض الألسنة عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ولدت في زمن الملك العادل. قال الحافظ إنه كذب باطل لا أصل له. وقال الشيخ الإمام بدر الدين الزركشي رحمه الله تعالى في اللآلئ: روى الحافظ السمعاني عن أبي بكر الحيري رحمه الله تعالى قال حكى لي شيخ من الصالحين أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام قال: فقلت له: يا رسول الله بلغني أنك قلت: ولدت في زمن الملك العادل وإني سألت الحاكم أبا عبد الله الحافظ عن هذا فقال: كذب لم يقله رسول الله صلى عليه وسلم فقال النبي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدق أبو عبد الله. وقال الحليمي رحمه الله تعالى في " الشعب ": هذا الحديث لا يصح وإن صح فإطلاق العادل عليه لتعريفه بالاسم الذي كان يدعى به لا لوصفه بالعدل والشهامة له بذلك، أو وصفه بذلك بناء على اعتقاد الفرس فيه أنه كان عادلا كما قال الله تعالى (فما أغنت عنهم آلهتهم) أي ما كان عندهم آلهة ولا يجوز أن يسمي رسول الله صلى الله عليه وسلم من يحكم بغير حكم الله عادلا. وقال الشيخ رحمه الله تعالى في الدرر: قال البيهقي في الشعب: تكلم شيخنا أبو عبد الله يعني الحاكم، في بطلان ما يرويه بعض الجهلة عن نبينا صلى الله عليه وسلم: " ولدت في زمن الملك العادل " يعني كسرى أنو شروان. ثم رأى بعض الصالحين في المنام رسول الله صلى الله عليه وسلم فحكى له ما قال أبو عبد الله فصدقه وقال ما قلته قط. وقال صاحب المقاصد: وأما ما يحكى عن الشيخ أبي عمر بن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى مما أورده ابن رجب في ترجمته من طبقاته أنه قال: جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ولدت في زمن الملك العادل كسرى " فلا يصح لانقطاع سنده، وإن صح فلعل الناقل للحكاية لم يضبط لفظ الشيخ وإن ضبط الحكاية. والله أعلم (1).


(1) أخرجه البيهقي في الشعب 4 / 305 (5195) وقال الحليمي: وتكلم في بطلان ما يرويه بعض الجهال عن نبينا صلى الله عليه وسلم ولدت في زمن الملك العادل يعني أنو شروان وكان شيخنا أبو عبد الله الحافظ قد تكلم أيضا في بطلان هذا الحديث ثم رأى بعض الصالحين رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فحكى له ما قال أبو عبد الله فصدقه في تكذيب هذا الحديث وإبطاله وقال: ما قلته قط. (*)

[ 346 ]

الباب السابع في انفلاق البرمة حين وضع صلى الله عليه وسلم تحتها روى أبو نعيم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان في عهد الجاهلية إذا ولد لهم مولود من تحت الليل وضعوه تحت الإناء لا ينظرون إليه حتى يصحبوا فلما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم طرحوه تحت برمة فلما أصبحوا أتوا البرمة فإذا هي قد انفلقت اثنتين وعيناه صلى الله عليه وسلم إلى السماء فعجبوا من ذلك. وروى ابن سعد بسند رجاله ثقات أثبات عن عكرمة رحمه الله تعالى - مرسلا - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وضعته أمه وضعته تحت برمة فانفلقت عنه، قالت: فنظرت إليه فإذا هو قد شق بصره ينظر إلى السماء. وروى البيهقي عن أبي الحسن التنوخي (1) رحمه الله تعالى قال: كان المولود إذا ولد في قريش دفعوه إلى نسوة من قريش إلى الصبح فكفأن عليه برمة، فلما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم دفع إلى نسوة فكفأن عليه برمة، فلما أصبحن أتين فوجدت البرمة قد انفلقت عنه باثنتين، فوجدنه مفتوح العين شاخصا ببصره إلى السماء فأتاهن عبد المطلب فقلن: ما رأينا مولودا مثله ووجدناه قد انفلقت عنه البرمة ووجدناه مفتوحا عينه شاخصا ببصره إلى السماء فقال: احفظنه فإني أرجو أن يصيب خيرا. وروى ابن الجوزي عن أبي الحسين بن البراء - مرسلا - رحمه الله تعالى عن آمنة أنها قالت: وضعت عليه إناء فوجدته قد انفلق الإناء عنه وهو يمص إبهامه يشخب لبنا. قال بعض أهل الإشارات في انفلاق البرمة عنه صلى الله عليه وسلم إشارة إلى ظهوره أمره وانتشاره وأنه يفلق ظلمة الجهل ويزيلها. يشخب بشين فخاء معجمتين أي يسيل.


(1) التنوخي: بالفتح وضم النون الخفيفة ومعجمة نسبة إلى تنوخ قبائل أقاموا بالبحرين. لب اللباب 1 / 177. (*)

[ 347 ]

الباب الثامن في ولادته صلى الله عليه وسلم مختونا مقطوع السرة عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من كرامتي على ربي أني ولدت مختونا ولم ير أحد سوأتي ". رواه الطبراني وأبو نعيم وابن عساكر من طرق. قال في الزهر: سنده جيد. انتهى. وصححه الحافظ ضياء الدين المقدسي وروي من حديث العباس بن عبد المطلب رواه ابن سعد وحسن مغلطاي سنده في كتابه دلائل النبوة ومن حديث ابنه عبد الله رواه ابن عدي وابن عساكر ومن حديث أبي هريرة رواه ابن عساكر أيضا. ومن حديث أنس رواه أبو نعيم. قال مغلطاي في دلائله: بسند جيد. ومن حديث ابن عمر رواه ابن عساكر. وقد جزم - بأنه صلى الله عليه وسلم ولد مختونا - جماعة من العلماء منهم هشام بن محمد بن السائب في كتاب الجامع. وابن حبيب في المحبر. وابن دريد في الوشاح، وابن الجوزي في العلل والتلقيح. وقال الحاكم في المستدرك: تواترت الأخبار بأنه صلى الله عليه وسلم ولد مختونا. وتعقبه الذهبي فقال: ما أعلم صحة ذلك فكيف يكون متواترا. وأجيب باحتمال أن يكون أراد بتواتر الأخبار اشتهارها وكثرتها في السيرة، لا من طريق السند المصطلح عليه عند أئمة الحديث. وقيل: إن جبريل ختنه صلى الله عليه وسلم. حين شق صدره. رواه الخطيب عن أبي بكرة موقوفا. ولا يصح سنده. وقال الذهبي: إنه خبر منكر. وقال الذهبي: إن جده صلى الله عليه وسلم ختنه على عادة العرب. ورواه أبو عمر قال الحافظ أبو الفضل العراقي: وسنده غير صحيح. قال الحافظ قطب الدين الخيضري رحمه الله تعالى في الخصائص: وأرجحها عندي الأول. وأدلته مع ضعفها أمثل من أدلة غيره. قلت: قد قدمنا أن له طريقا جيدة صححها الحافظ الضياء. وقد قال الزركشي: إن تصحيح الضياء أعلى مزية من تصحيح الحاكم. قال الخيضري: فإن قيل إن فيه أي في ولادته صلى الله عليه وسلم مختونا بعض نقص في حق من يوجد كذلك. فيقال: هذا في حقه صلى الله عليه وسلم غاية الكمال لأن القلفة ربما تمنع من تكميل النظافة والطهارة، وتمنع كمال لذة الجماع فأوجد الله تعالى عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم مختونا مسرورا مكملا سالما من سائر النقائص والمعايب فإن قيل: إذا كان كذلك فلم شق صدره صلى الله عليه وسلم واستخرج منه العلقة السوداء التي هي حظ الشيطان، ولو كان كما ذكرت لخلقه سالما منها ؟

[ 348 ]

قلت: لا سواء لأن الختان والإسرار من الأمور الظاهرة التي تحتاج إلى فعل الآدمي، فخلقه الله تعالى سليما منها لئلا يكون لأحد عليه منة، كما في كمال الطهارة، وأما إخراج العلقة التي هي حظ الشيطان فمحلها القلب ولا اطلاع للآدمي عليها، ولو خلق الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم سليما منها لم يكن للآدميين اطلاع على حقيقته، فأظهره الله تعالى لعباده على يد جبريل ليتحققوا كمال باطنه كما برز لهم مكمل الظاهر انتهى. وهو مأخوذ من كلام السبكي يأتي ذكره في باب شرح صدره صلى الله عليه وسلم. وروى ابن سعد بسند رجاله ثقات عن إسحاق بن أبي طلحة مرسلا رحمه الله تعالى أن آمنة قالت: وضعته نظيفا، ما ولدته كما يولد السخل، ما به قذر، ووقع إلى الأرض وهو جالس على الأرض بيديه. فائدة: ولد من الأنبياء مختونا جماعة. نقل ابن دريد في الوشاح وابن الجوزي في التلقيح عن كعب الأحبار رحمه الله تعالى أنهم ثلاثة عشر. ونقل ابن الجوزي عن محمد بن حبيب رحمه الله تعالى أنهم أربعة عشر. وكل منهما ذكر ما لم يذكر الآخر. فالذي اتفقا عليه: آدم. وشيث. ونوح، لوط ويوسف، وشعيب، وموسى، وسليمان وعيسى، ومحمد صلى الله عليه وسلم. والذي زاده كعب: إدريس، وسام، ويحيى والذي زاده ابن حبيب: هود، وصالح، وزكريا، وحنظلة بن صفوان نبي أصحاب الرس صلى الله عليه وسلم أجمعين فاجتمع من كلامهما سبعة عشر نبيا أولهم آدم وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم وقد نظم الشيخ رحمه الله تعالى ورضي عنه أسماءهم في قلائد الفوائد فقال: وسبعة مع عشر قد روى خلقوا * * وهم ختان فخذ لا زلت مأنوسا محمد آدم إدريس شيث ونو * * ح سام هود شعيب يوسف موسى لوط سليمان يحيى صالح زكر * * يا وحنظلة الرسي مع عيسى وقال العلامة القاضي عبد الباسط البلقيني رحمه الله تعالى ونفعنا به: وفي الرسل مختونا لعمرك خلقه * * ثمان وتسع طيبون أكارم وهم زكريا شيث إدريس يوسف * * وحنظلة عيسى وموسى وآدم ونوح شعيب سام لوط وصالح * * سليمان يحيى هود ياسين خاتم تنبيه: قال بعضهم وفي قولهم: خلقوا مختونين تجوز لأن الختان وهو القطع، وهو غير ظاهر. لأن الله تعالى يوجد ذلك على هذه الهيئة من غير قطع فيحمل الكلام باعتبار أنه على صفة المقطوع. والله أعلم.

[ 349 ]

الباب التاسع في مناغاته صلى الله عليه وسلم للقمر في مهده وكلامه فيه روى الطبراني والبيهقي عن العباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه قال: قلت يا رسول الله دعاني إلى الدخول في دينك أمارة لنبوتك، رأيتك في المهد تناغي القمر وتشير إليه بإصبعك فحيث ما أشرت إليه مال. قال: " كنت أحدثه ويحدثني ويلهيني عن البكاء وأسمع وجبته حين يسجد تحت العرش ". قال الإمام أبو عثمان الصابوني (1) رحمه الله تعالى في كتاب المائتين: هذا حديث غريب الإسناد والمتن في المعجزات حسن. المناغاة: المحادثة. وناغت الأم صبيها لاطفته وشاغلته بالمحادثة والملاعبة. قال الحافظ في الفتح وفي سير الواقدي أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم في المهد أوائل ما ولد. وذكر ابن سبع رحمه الله تعالى في الخصائص أن مهده صلى الله عليه وسلم كان يتحرك بتحريك الملائكة له. وأن أول كلام تكلم به أن قال: " الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا ". فائدة: تكلم في المهد جماعة نظم شيخنا رحمه الله تعالى أسماءهم في كتابه قلائد الفوائد فقال: تكلم في المهد النبي محمد * * وموسى وعيسى والخليل ومريم ومبرئ جريج ثم شاهد يوسف * * وطفل لدى الأخدود يرويه مسلم وطفل عليه مر بالأمة التي * * يقال لها تزني ولا تتكلم وماشطة في عهد فرعون طفلها * * وفي زمن الهادي المبارك يختم والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.


(1) إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد بن إسماعيل، أبو عثمان الصابوني: مقدم أهل الحديث في بلا د خراسان. لقبه أهل السنة فيها بشيخ الإسلام، فلا يعنون - عند إطلاقهم هذه اللفظة - غيره. ولد ومات في نيسابور. وكان فصيح اللهجة، واسع العلم، عارفا بالحديث والتفسير، يجيد الفارسية إجادته العربية. له كتاب " عقيدة السلف " و " الفصول في الأصول ". توفي سنة 449 ه‍. انظر الأعلام 1 / 317، وطبقات الشافعية 3 / 117. (*)

[ 350 ]

الباب العاشر في حزن إبليس وحجبه من السموات وما سمع من الهواتف لما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم نقل السهيلي وأبو الربيع وغيرهما عن تفسير الحافظ بقي بن مخلد (1) رحمه الله تعالى أن إبليس رن أربع رنات: رنة حين لعن، ورنة حين أهبط، ورنة حين ولد النبي صلى الله عليه وسلم، ورنة حين أنزلت فاتحة الكتاب. رن: صوت بحزن وكآبة. وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة رحمه الله تعالى قال: قال إبليس لما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد ولد الليلة ولد يفسد علينا أمرنا فقال له جنوده: لو ذهبت إليه فخبلته. فلما دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث الله جبريل فركضه برجله ركضة فوقع بعدن. وروى الزبير بن بكار وابن عساكر عن معروف بن حزبوذ رحمه الله تعالى قال: كان إبليس يخترق السموات السبع. فلما ولد عيسى حجب من ثلاث سموات، وكان يصل إلى أربع فلما ولد النبي صلى الله عليه وسلم حجب من السبع. ووروى الخرائطي وابن عساكر عن عروة بن الزبير رحمه الله تعالى أن نفرا من قريش منهم ورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل وعبيد الله بن جحش وعثمان بن الحويرث كانوا عند صنم يجتمعون إليه فلما دخلوا يوما فرأوه مكبوبا على وجهه، فأنكروا ذلك فأخذوا فردوه إلى حاله فلم يلبث أن انقلب انقلابا عنيفا فردوه إلى حاله، فانقلب الثالثة فقال عثمان: إن هذا لأمر حدث. وذلك في الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجعل عثمان بن الحويرث يقول: أيا صنم العيد الذي صف حوله * * صناديد وفد من بعيد ومن قرب ينكس مقلوبا فما ذاك قل لنا * * أذاك سفية أم تنكس للعتب فإن كان من ذنب أسأنا فإننا * * نبوء بإقرار ونلوي على الذنب وإن كنت مغلوبا تنكست صاغرا * * فما أنت في الأصنام بالسيد الرب قال: فأخذوا الصنم فردوه إلى حاله فلما استوى هتف بهم هاتف من جوف الصنم بصوت جهير وهو يقول:


(1) بقي بن مخلد بن يزيد، أبو عبد الرحمن، الأندلسي القرطبي: حافظ مفسر محقق، من أهل الأندلس. له " تفسير " قال ابن بشكوال: لم يؤلف مثله في الإسلام، وكتاب في " الحديث " رتبه على أسماء الصحابة، ومصنف في " فتاوي الصحابة والتابعين ومن دونهم ". توفي سنة 267 ه‍. الأعلام 2 / 60. (*)

[ 351 ]

تردى لمولود أضاءت لنوره * * جميع فجاج الأرض بالشرق والغرب وخرت له الأوثان طرا وأرعدت * * قلوب ملوك الأرض طرا من الرعب ونار جميع الفرس باخت (3) وأظلمت * * وقد بات شاه الفرس في أعظم الكرب وصدت عن الكهان بالغيب جنها * * فلا مخبر منهم بحق ولا كذب فيالقصي إرجعوا عن ضلالكم * * وهبوا إلى الإسلام والمنزل الرحب الفجاج: جمع فج وهو الطريق الواسع بين الجبلين. وقيل في جبل باخت: خمدت. هب النائم هبا وهبوبا: استيقظ. وروى الخرائطي عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما قالت: كان زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل يذكران أنهما أتيا النجاشي بعد رجوع أبرهة من مكة، قالا: فلما دخلنا عليه قال: اصدقاني أيها القرشيان: هل ولد فيكم مولود أراد أبوه ذبحه فضرب عليه بالقداح فسلم ونحرت عنه جمال كثيرة ؟ فقلنا نعم. قال: فهل لكما علم به ما فعل ؟ قلنا: تزوج امرأة منا يقال لها آمنة تركها حاملا وخرج. قال: فهل تعلمان ولدت أم لا ؟ قال ورقة: أخبرك أيها الملك. إني قد قربت عند وثن لنا إذ سمعت من جوفه هاتفا يقول: ولد النبي فذلت الأملاك * * ونأى الضلال وأدبر الإشراك ثم تنكس الصنم على رأسه. فقال زيد: عندي خبره أيها الملك، إني في مثل هذه الليلة خرجت حتى أتيت جبل أبي قبيس إذ رأيت رجلا ينزل له جناحان أخضران فوقف على أبي قبيس ثم أشرف على مكة فقال: ذل الشيطان وبطلت الأوثان وولد الأمين. ثم نشر ثوبا معه وأهوى به نحو المشرق والمغرب فرأيته قد جلل ما تحت السماء وسطع نور كاد يخطف بصري، وهالني ما رأيت وخفق الهاتف بجناحيه حتى سقط على الكعبة فسطع له نور أشرقت له تهامة وقال: زكت الأرض وأدت ربيعها. وأومأ إلى الأصنام التي كانت على الكعبة فسقطت كلها. قال النجاشي: أخبركما عما أصابني: إني لنائم في الليلة التي ذكرتما في قبتي وقت خلوتي إذ خرج علي من الأرض عنق ورأس وهو يقول: حل الويل بأصحاب الفيل، رمتهم طير أبابيل بحجارة من سجيل، هلك الأشرم المعتدي المجرم، وولد النبي المكي الحرمي، من أجابه سعد ومن أباه عند، ثم دخل الأرض فغاب فذهبت أصيح فلم أطق الكلام ورمت القيام فلم أطق القيام فأتاني أهل فقلت: احجبوا عني الحبشة فحجبوهم فأطلق الله لساني ورجلي. وروى ابن أبي الدنيا عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه قال: لما ولد

[ 352 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم هتف هاتف على أبي قبيس وآخر على الحجون الذي بأصل المقبرة فقال الذي على جبل الحجون: فأقسم ما أنثى من الناس أنجبت * * ولا ولدت أنثى من الناس والده كما ولدت زهرية ذات مفخر * * مجنبة لؤم القبائل ماجدة فقد ولدت خير البرية أحمدا * * فأكرم بمولود وأكرم بوالده وقال الذي على جبل أبي قبيس: يا ساكني البطحاء لا تغلطوا * * وميزوا الأمر بعقل مضي إن بني زهرة من سركم * * في غابر الأمر وعند البدي واحدة منكم فهاتوا لنا * * فيمن مضى في الناس أو من بقي واحدة من غيرهم مثلها * * جنينها مثل النبي التقي

[ 353 ]

الباب الحادي عشر في انبثاق دجلة وارتجاس الإيوان وسقوط الشرفات وخمود النيران وغير ذلك مما يذكر ذكر ابن جرير وغيره أن كسرى أبرويز كان قد سكر دجلة العوراء وأنفق عليها مالا عظيما، وكان طاق ملكه قد بناه بنيانا عظيما لما ير مثله، وكان عنده ثلاثمائة رجل من كاهن وساحر ومنجم، وكان فيهم رجل من العرب اسمه السائب قد بعث به بأذان من اليمن، وكان كسرى إذا حزبه أمر جمعهم فقال: انظروا في هذا الأمر ما هو. فلما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم أصبح كسرى وقد انقصم طاق ملكه من غير ثقل وانخرقت دجلة العوراء فلما رأى ذلك أحزنه فدعا كهانه وسحاره ومنجميه وفيهم السائب فقال لهم: قد انقصم طاق ملكي من غير ثقل فانظروا في أمره بما تعلمونه من علمكم فأخذت عليهم أقطار السماء وأظلمت الأرض فلم يمض لهم ما رأوه وبات السائب في ليلة مظلمة على ربوة من الأرض ينظر فرأى برقا من قبل الحجاز قد استطار فبلغ المشرق، فلما أصبح رأى تحت قدميه روضة خضراء فقال فيما يعتاف: إن صدق ما أرى ليخرجن من الحجاز سلطان يبلغ المشرق وتخصب الأرض عليه كأفضل ما أخصبت على ملك. فلما خلص الكهان والمنجمون بعضهم إلى بعض ورأوا ما أصابهم ورأى السائب ما رأى قال بعضهم لبعض: والله ما حيل بينكم وبين علمكم إلا لأمر جاء من السماء وإنه لنبي يبعث أو هو مبعوث يسلب هذا الملك ملكه ويكسر وإن نعيتم إلى كسرى كسر ملكه ليقتلنكم فاتفقوا على أن يكتموه الأمر وقالوا له قد نظرنا فوجدنا وضع دجلة العوراء وطاق الملك قد وضع على النحوس، فلما اختلف الليل والنهار فوقعت النحوس مواقعها زال كل ما وضع عليها، ونحن نحسب لك حسابا تضع عليه بنيانك فلا يزول. - فحسبوا فأمروه بالبناء فبنى دجلة العوراء في ثمانية أشهر وأنفق عليها أموالا جليلة حتى فرغ منها، فلما فرغ قال لهم: أجلس على سورها ؟ قالوا: نعم. فجلس في أساورته ومرازبته، فبينما هو كذلك انشقت دجلة وخرج ذلك البنيان من تحته، فلم يخرج إلا بآخر رمق، فلما أخرجوه جمع كهانه وسحرته ومنجميه وقتل منهم نحو مائة وقال لهم: أقربتكم وأجريت عليكم الأموال ثم إنكم تخونونني ؟ فقالوا: أيها الملك أخطأنا كما أخطأ من قبلنا. ثم حسبوا له وأمروه بالبناء فبناه وفرغ منه وأمروه بالجلوس عليه فخاف أن يجلس عليه فركب وسار على البناء فبينما هو يسير إذ انشقت أيضا،

[ 354 ]

فلم يدرك إلا بآخر رمق. فدعاهم وقال: لأقتلنكم أو لتصدقني. فصدقوه وأخبروه بالأمر فقال: ويحكم هلا بينتم لي ذلك فأرى فيه ما أرى قالوا: منعنا الخوف. فتركهم. وروى ابن جرير في تاريخه والبيهقي وأبو نعيم كلاهما في الدلائل، والخرائطي عن مخزوم بن هانئ عن أبيه وأتت عليه مائة وخمسون سنة قال: لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتجس فيها إيوان كسرى وسقطت منه أربع عشر شرافة وخمدت نار فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، وغاضت بحيرة ساوة ورأى الموبذان إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها، فلما أصبح كسرى أفزعه ذلك وتصبر عليه تشجعا، ثم رأى أن لا يدخر ذلك عن وزرائه ومرازبته حين عيل صبره فجمعهم ولبس تاج ملكه وقعد على سريره ثم بعث إليهم فلما اجتمعوا عنده قال: تدرون فيما بعثت ؟ قالوا: لا إلا أن تخبرنا بذلك، فبينما هم كذلك إذ أتاه كتاب بخمود نار فارس فازداد غما إلى غمه ثم أخبرهم بما هاله، فقال الموبذان: وأنا أصلح الله الملك قد رأيت في هذه الليلة. فقص عليهم رؤياه في الإبل، فقال: أي شئ يكون هذا يا موبذان ؟ وكان أعلمهم في أنفسهم قال: حدث يكون من ناحية العرب، فكتب كسرى عند ذلك: من ملك الملوك كسرى إلى النعمان بن المنذر: أما بعد فوجه إلى عالما بما أريد أن أسأله عنه فوجه إليه بعبد المسيح بن عمرو بن حسان بن بقيلة - بضم الموحدة وفتح القاف وسكون التحتية - الغساني. فلما قدم عليه قال: ألك علم بما أريد أن أسألك عنه ؟ قال: يسألني الملك أو يخبرني الملك، فإن كان عندي علم منه أخبرته وإلا دللته على من يعلمه. قال: فأخبره. فقال: علم ذلك عند خال لي يسكن مشارق الشام يقال له سطح. قال: فاذهب إليه فاسأله وائتني بتأويل ما عنده. فنهض عبد المسيح حتى قدم على سطيح وقد أشفى على الموت فسلم عليه وحياه فلم يحر جوابا فأنشأ عبد المسيح يقول: أصم أم يسمع غطريف اليمن. في أبيات ذكرها. فلما سمع سطيح كلامه فتح عينيه ثم قال: عبد المسيح على جمل مشيح، أقبل إلى سطيح، وقد أوفى على الضريح، بعثك - ملك بني ساسان، لارتجاس الإيوان وخمود النيران، ورؤيا الموبذان. رأى إبلا صعابا تقود خيلا عرابا، قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها. يا عبد المسيح إذا أكثرت التلاوة. وظهر صاحب الهراوة، وفاض وادي سماوة، وغاضت بحيرة ساوة، فليس الشام لسطيح شاما، يملك منهم ملوك وملكات على عدد الشرفات، وكل ما هو آت آت. ثم قضى سطيح مكانه فأتى عبد المسيح إلى كسرى فأخبره فقال: إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكا كانت أمور وأمور. فملك منهم عشرة في أربع سنين وملك الباقون إلى خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه.

[ 355 ]

ويرحم الله تعالى الإمام أبا عبد الله محمد بن أبي زكريا يحيى بن علي الشقراطسي (1) حيث قال: ضاءت لمولده الآفاق واتصلت * * بشرى الهواتف في الإشراق والطفل وصرح كسرى تداعى من قواعده * * وانقض منكسر الأرجاء ذا ميل ونار فارس لم توقد وما خمدت * * من ألف عام ونهر القوم لم يسل خرت لمولده الأوثان وانبعثت * * ثواقب الشهب ترمي الجن بالشعل والإمام أبا عبد الله محمد بن سعيد بن حماد الدلاصي الشهير بالبوصيري رحمه الله تعالى حيث قال: أبان مولده عن طيب عنصره * * يا طيب مبتدإ منه ومختتم يوم تفرس فيه الفرس أنهم * * قد أنذروا بحلول البؤس والنقم وبات أيوان كسرى وهو منصدع * * كشمل أصحاب كسرى غير ملتئم والنار خامدة الأنفاس من أسف * * عليه والنهر ساهي العين منسدم وساء ساوة أن غاضت بحيرتها * * ورد واردها بالغيظ حين ظمي كأن بالنار ما بالماء من بلل * * حزنا وبالماء ما بالنار من ضرم والجن تهتف والأنوار ساطعة * * والحق يظهر من معنى ومن كلم عموا وصموا فإعلان البشائر لم * * يسمع وبارقة الإنذار لم تشم من بعد ما أخبر الأقوام كاهنهم * * بأن دينهم المعوج لم يقم من بعد ما عاينوا في الأفق من شهب * * منقضة وفق ما في الأرض من صنم حتى غدا عن طريق الحق منهزم * * من الشياطين يقفو إثر منهزم وقال أيضا في قصيدته الهمزية: ومحيا كالشمس منك مضئ * * أسفرت عنه ليلة غراء ليلة المولد الذي كان للدي‍ * * ن سرور بيومه وازدهاء


(1) عبد الله بن يحيى بن علي، أبو محمد الشقراطسي التوزري: فقيه مالكي، من الشعراء. ولد بتوزر. وعلمه أبوه وسافر إلى القيروان، فأخذ عن علمائها. ورحل إلى المشرق (سنة 429 ه‍) وخاض معركة في قتال الفرنج، بمصر، قال فيها، من قصيدة: وأسمر عسال الكعوب سقيته * * نجيع الطلى والخيل تدمى نحورها وعاد إلى توزر، فأفتى ودرس إلى أن توفي. له " تعليق على مسائل من المدونة " و " فضائل الصحابة " و " الإعلام بمعجزات النبي عليه السلام " ختمه بقصيدة له لامية تعرف بالشقراطسية أولها: " الحمد لله، منا باعث الرسل " عني أدباء إفريقية بشرحها وتخميسها وتشطيرها. توفي سنة 466 ه‍. الأعلام 4 / 144، 145. (*)

[ 356 ]

وتوالت بشرى الهواتف أن قد * * ولد المصطفى وحق الهناء وتداعى إيوان كسرى ولو * * لا آية منك ما تداعى البناء وغدا كل بيت نار وفيه * * كربة من خمودها وبلاء وعيون للفرس غارت فهل كا * * ن لنيرانهم بها إطفاء فهنيئا به لآمنة الفض‍ * * ل الذي شرفت به حواء من لحواء أنها حملت أح‍ * * مدا وأنها به نفساء يوم نالت بوضعه ابنة وه‍ * * ب من فخار ما لم تنله النساء وأتت قومها بأفضل مما * * حملت قبل مريم العذراء شمتته الأملاك إذ وضعته * * وشفتنا بقولها الشفاء رافعا رأسه وفي ذلك الرف‍ * * ع إلى كل سؤدد إيماء رامقا طرفه السماء ومرمى * * عين من شأنه العلو العلاء وتدلت زهر النجوم إليه * * وأضاءت بضوئها الأرجاء وتراءت قصور قيصر بالشا * * م يراها من داره البطحاء تفسير الغريب كسرى بفتح الكاف وكسرها: اسم ملك الفرس. والذي ولد النبي صلى الله عليه وسلم في زمانه: أنوشروان بن قباذ بن يزدجرد بن بهرام جور. والذي كتب إليه الكتاب ومزقه: أبرويز بن هرمز أوشروان. والذي قتل في زمن عثمان وأخذ منه المسلمون البلاد: يزدجرد بن شهريار. دجلة بكسر الدال المهملة: نهر بغداد. قال ثعلب - رحمه الله تعالى - تقول: عبرت دجلة بغير ألف ولام. باذان: بذال معجمة. انقصم: انكسر وانفصل بعضه من بعضه. اعتاف: قال في النهاية: العيافة: زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرها، يقال: عاف يعيف عيفا إذا زجر وحدس وظن. قلت: والمراد هنا الحدس والظن. ارتجس: اضطرب وانشق. والرجس بفتح الراء وإسكان الجيم وبالسين المهملة: الصوت الشديد من الرعد ومن هدير البعير. الإيوان: بوزن الديوان ويقال فيه بوزن كتاب بناء أزج غير مسدود الوجه. والأزج: بيت

[ 357 ]

يبنى طولا، وجمعه على الأول: أواوين كدواوين. وإيونات. وعلى الثاني: أون كخوان وخون: بناء مشهور بالمدائن من أرض العراق، كان بناء محكما مبنيا بالآخر الكبار والجص، سمكه مائة ذراع في طول مثلها، فارتجس حتى سمع صوته وانشق وسقطت منه أربعة عشر شرافة. ليس السبب في ذلك من جهة خلل في بنائه في نفسه، وإنما أراد الله تعالى أن يكون ذلك آية باقية على وجه الدهر لنبيه صلى الله عليه وسلم. الموبذان: بضم الميم ثم واو ساكنة وفتح الباء الموحدة. وحكى الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي رحمه الله تعالى كسرها أيضا وبذال معجمة: اسم لحاكم المجوس كقاضي القضاة للمسلمين. مشيح بشين معجمة وحاء مهملة وزن مليح يقال ناقة مشحاة إذا كانت سريعة. والإبل كناية عن الناس هنا. الهراوة. بكسر الهاء: العصا. الشرفات بضم الراء وفتحها وسكونها جمع شرفة - إما تحقيرا لها أو أن جمع القلة قد يقع موضع جمع الكثرة. خمدت بفتح الميم وكسرها كنصر وسمع. غاضت بغين وضاد معجمتين: غارت. خيلا عرابا، بكسر العين. الخيل العراب خلاف البراذين الفرس إن كان أبواه عربيين فهو عتيق، وإن أعجميين فهو برذون، وإن كان الأب عربيا والأم عجمية فهو هجين. وإن كان بالعكس فهو مقرف. بحيرة ساوة متسعة الأكناف جدا. وقد قال فيها الصرصري - رحمه الله تعالى - في بعض قصائده: * غارت وقد كانت جوانبها تفوت الميلا * وقال غيره: كانت أكثر من ستة فراسخ تركب فيها السفن ويسافر فيها إلى ما حولها من البلاد والمدن، فأصبحت ليلة المولد ناشفة كأن لم يكن بها شئ من الماء. تنبيه: وقع في بعض الكتب: غاضت بحيرة طبرية. وهذا غير معروف. بحيرة طبرية لم يثبت أن ماءها غاض وهو باق إلى اليوم. المرازبة بفتح الميم جمع مرزبان بضم الزاي وهو الفارس الشجاع المتقدم على القوم دون المكره. هاله: أفزعه.

[ 358 ]

رؤيا بترك التنوين. حدث بفتح الحاء والدال المهملتين ومثلثة أي وقع. مشارف بميم مفتوحة فشين معجمة مخففة فألف فراء ففاء. المشارف: القرى التي تقرب من المدن، وقيل التي بين بلاد الريف وجزيرة العرب قيل لها ذلك لأنها أشرفت على السواد. قاله في النهاية وقال في الصحاح: مشارف أوله وآخره أي ابتدأ. أصم: بهمزة الاستفهام ثم بضم الصاد المهملة فتشديد الميم مبني للمفعول. الغطريف: بغين معجمة فطاء مهملة فراء مكسورة فمثناة تحتية ففاء المراد به هنا السيد. عبد المسيح: بالرفع لأنه مبتدأ والجار والمجرور في قوله " على جمل " الخبر. أوفى: أشرف. ساوة مدينة بين الري وهمذان. السماوة بسين مهملة مفتوحة فميم مخففة: بادية لبني كلب عند الكوفة، أرض عالية لا حجر فيها لها طول ولا عرض لها سميت السماوة لسموها أي علوها. الطفل بفتحتين: العشي عند تطفيل الشمس ونقصان ضوئها. ومعنى تطفيلها دنوها من المغيب. أنقاض يروى بضاد معجمة. ويروى بصاد مهملة. وعليهما فمعناه سقط. الأرجاء: النواحي. الميل بفتح الميم والمثناة التحتية قال في المحكم: الميل أي بسكون الياء في الحادث. والميل في الخلقة. فارس: اسم علم كالفرس لطائفة من العجم كانوا مجوسا يعبدون النار وكان لبيوت النار سدنة يقومون عليها. ويتناوبون إيقادها فلم يخمد لها لهب لا ليل ولا نهار إلا ليلة مولده صلى الله عليه وسلم، فإنهم أوقدوها فلم تقد. وإنما انتفى إيقادها في نفسها مع كونهم تعاطوا إيقادها فهذا موضع الآية العجيبة، ولو كانوا لم يتعاطوا إيقادها لم يكن في ذلك آية لمولد النبي صلى الله عليه وسلم وكان ذلك وقع اتفاقا. وخمدت تلك النار مع إيقادهم لها ولها ألف سنة لم تخمد وتلك مدة عبادة المجوس للنار. المحيا: الوجه. أسفرت: انحسرت.

[ 359 ]

غراء: تأنيث - الأغر وهو السيد الابيض النير. الازدهاء: الافتخار. توالت: تتابعت. الهواتف: جمع هاتف وهو ما يسمع صوته ولا يرى شخصه. تداعى: تهادم. غدا بالدال المهملة: صار. خمود النار: سكون لهبها ولم يطف جمرها، فإن انطفأ أيضا قيل: همدت. الكربة بالضم: الهم الذي يأخذ النفس. والاستفهام عن انطفاء نار فارس بمياه العيون التي غارت يفيد التعجب من هذه القضية وتأكيد وقوعها وأن ذلك من آياته صلى الله عليه وسلم. رمق الشئ: نظر إليه نظرا خفيا. المرمى في الأصل: الغرض الذي ينتهي إليه سهم الرامي. والمراد ما انتهى إليه البصر. الشأن: القصد. العلو: الارتفاع في المكان. العلاء بالفتح والمد: الرفعة والشرف، والعلى بالضم والقصر بمعناه. تراءت من رؤية العين. وتراءى الجمعان: رأى بعضهم بعضا. قيصر: أحد ملوك الروم. البطحاء: الأبطح. وهو في الأصل مسيل واسع فيه دقاق الحصى والمراد به هنا بطحاء مكة. التشميت: بالمعجمة، ويجوز إهمالها: أن تقول للعاطس: رحمك الله. الشفاء بكسر الشين المعجمة وتخفيف الفاء وقيل بفتحها والتثقيل: أم عبد الرحمن بن عوف - رضي الله تعالى عنه -.

[ 360 ]

الباب الثاني عشر في فرح جده عبد المطلب به صلى الله عليه وسلم وتسميته له محمدا قال ابن إسحاق والواقدي وغيرهما: لما وضعت آمنة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلت إلى جده عبد المطلب: أنه قد ولد لك غلام فائته فأنظر إليه. وحدثته بما رأت حين حملت به وما قيل لها وما أمرت به أن تسميه، فيزعمون أن عبد المطلب أخذه فدخل به الكعبة فقام يدعو الله ويشكره على ما أعطاه، ثم خرج به صلى الله عليه وسلم إلى أمه وهو يقول: الحمد لله الذي أعطاني * * هذا الغلام الطيب الأردان قد ساد في المهد على الغلمان * * أعيذه بالبيت ذي الأركان حتى يكون بلغة الفتيان * * حتى أراه بالغ التبيان أعيذه من شر ذي شنآن * * من حاسد مضطرب العيان ذي همة ليس له عينان * * حتى أراه رافعا للشان أنت الذي سميت في الفرقان * * أحمد مكتوب على اللسان (1) وروى البيهقي عن أبي الحسن التنوخي - رحمه الله تعالى - أنه لما كان يوم السابع من ولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبح عنه جده ودعا قريشا، فلما أكلوا قالوا: يا عبد المطلب ما سميته ؟ قال: سميته محمدا. قالوا: لم رغبت به عن أسماء أهل بيته. قال: أردت أن يحمده الله في السماء وخلقه في الأرض. وروى أبو عمر وأبو القاسم بن عساكر من طرق عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: لما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عق عنده جده بكبش وسماه محمدا. فقيل له: يا أبا الحارث ما حملك على أن تسميه محمدا ولم تسمه باسم آبائه ؟ قال: أردت أن يحمده الله في السماء ويحمده الناس في الأرض. وذكر السهيلي وأبو الربيع - رحمهما الله تعالى - أن عبد المطلب إنما سماه محمدا لرؤيا رآها. زعموا أنه رأى مناما كأن سلسلة من فضة خرجت من ظهره ولها طرف في السماء وطرف في الأرض وطرف في المشرق والمغرب، ثم عادت كأنها شجرة على كل ورقة منها نور، وإذا أهل المشرق والمغرب يتعلقون بها. فقصها فعبرت له بمولود يكون من صلبه يتبعه أهل المشرق والمغرب ويحمده أهل السماء والأرض، فلذلك سماه محمدا مع ما حدثته به أمه صلى الله عليه وسلم.


(1) انظر البداية والنهاية 2 / 264، 265، الروض الأنف 1 / 184. (*)

[ 361 ]

ويرحم الله تعالى الإمام العلامة العارف إبراهيم بن أحمد الرقي حيث قال: لو أن كل الخلق ليلة مولد ال‍ * * هادي على الهامات منهم قاموا شكرا لنعمة ربهم فيما حبوا * * فيها يعشر عشيرها ما قاموا هي نعمة ما غادرت من دينه * * كفر ولا من دينه الإسلام عمتهم ببحارها فالعالم ال‍ * * علوي والسفلي فيها عاموا فالحمد لله الذي من فضله * * عم البرية كلها الإنعام نظر الرحيم إلى الورى فرآهم * * أغوتهم الأنصاب والأزلام وتحيروا في ظلمة الكفر الذي * * عبدت به الأوثان والأصنام تغشى الفواحش في المحافل جهرة * * لا ينكرون كأنهم أنعام يبغي القوي على الضعيف ويقهر ال‍ * * والي اليتيم وتقطع الأرحام فأغاثهم رب العباد بشرعة * * فيها الحدود على السداد تقام دين النبي محمد خير الورى * * من فضلت في دينه الأحكام موسى وعيسى بشرا بظهوره * * ودعا به من قبل إبراهام شكرا لمهديه إلينا نعمة * * ليست تحيط بكنهها الأوهام

[ 362 ]

الباب الثالث عشر في أقوال العلماء في عمل المولد الشريف واجتماع الناس له وما يحمد من ذلك وما يذم قال الحافظ أبو الخير السخاوي - رحمه الله تعالى - في فتاويه: عمل المولد الشريف لم ينقل عن أحد من السلف الصالح في القرون الثلاثة الفاضلة، وإنما حدث بعد، ثم لا زال أهل الإسلام في سائر الأقطار والمدن الكبار يحتفلون في شهر مولده صلى الله عليه وسلم بعمل الولائم البديعة المشتملة على الأمور البهجة الرفيعة ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات ويظهرون السرور ويزيدون في المبرات ويعتنون بقراءة مولده الكريم ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم. انتهى. وقال الإمام الحافظ أبو الخير بن الجزري - رحمه الله تعالى - شيخ القراء: من خواصه أنه أمان في ذلك العام وبشرى عاجلة بنيل البغية والمرام. قلت: وأول من أحدث ذلك من الملوك صاحب إربل الملك المظفر أبو سعيد كو كوبري بن زين الدين علي بن بكتكين أحد الملوك الأمجاد والكبراء الأجواد. قال الحافظ عماد الدين بن كثير - رحمه الله تعالى - في تاريخه: كان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول ويحتفل به احتفالا هائلا، وكان شهما شجاعا بطلا عاقلا عادلا - رحمه الله تعالى - وأكرم مثواه. وقد صنف الشيخ أبو الخطاب بن دحية - رحمه الله تعالى - كتابا له في المولد سماه: " التنوير في مولد البشير النذير " فأجازه بألف دينار. قال سبط بن الجوزي - رحمه الله تعالى - في مرآة الزمان: حكى من حضر سماط المظفر في بعض الموالد أنه عد في ذلك السماط خمسة آلاف رأس غنم شوي وعشرة آلاف دجاجة ومائة ألف قرص ومائة ألف زبدية أي من طعام، وثلاثين ألف صحن حلوى، قال: وكان يحضر عنده في المولد أعيان العلماء والصوفية فيخلع عليهم ويطلق لهم. وكان يصرف على المولد في كل سنة ثلاثمائة ألف دينار، وكانت له دار ضيافة للوافدين من أي جهة على أي صفة. فكان يصرف على هذه الدار في كل سنة مائة ألف دينار وكان يفتك من الفرنج في كل سنة بمائتي ألف دينار، وكان يصرف على الحرمين والمياه بدرب الحجاز في كل سنة ثلاثين ألف دينار، وهذا كله سوى صدقات السر. وحكت زوجته ربيعة خاتون بنت أيوب أخت الملك الناصر صلاح الدين (1) أن قميصه


(1) يوسف بن أيوب بن شاذي، أبو المظفر، صلاح الدين الأيوبي، الملقب بالملك الناصر: من أشهر ملوك الإسلام. كان = (*)

[ 363 ]

كان من كرباس غليظ لا يساوي خمسة دراهم. قالت: فعاتبته في ذلك فقال: ألبس ثوبا بخمسة دراهم وأتصدق بالباقي خير من أن ألبس ثوبا مثمنا وأدع الفقير والمسكين. وقد أثنى عليه الأئمة، منهم الحافظ أبو شامة شيخ النووي في كتابه " الباعث على إنكار البدع والحوادث " وقال: مثل هذا الحسن يندب إليه ويشكر فاعله ويثنى عليه. قال ابن الجوزي: لو لم يكن في ذلك إلا إرغام الشيطان وإدعام أهل الإيمان. وقال العلامة ابن ظفر - رحمه الله تعالى -: بل في الدر المنتظم: وقد عمل المحبون للنبي صلى الله عليه وسلم فرحا بمولده الولائم -، فمن ذلك ما عمله بالقاهرة المعزية من الولائم الكبار الشيخ أبو الحسن المعروف بابن قفل قدس الله تعالى سره، شيخ شيخنا أبي عبد الله محمد بن النعمان، وعمل ذلك قبل جمال الدين العجمي الهمذاني وممن عمل ذلك على قدر وسعه يوسف الحجار بمصر وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحرض يوسف المذكور على عمل ذلك. قال: وسمعت يوسف بن علي بن زريق الشامي الأصل المصري المولد الحجار بمصر في منزله بها حيث يعمل مولد النبي صلى الله عليه وسلم يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام منذ عشرين سنة وكان لي أخ في الله تعالى يقال له الشيخ أبو بكر الحجار فرأيت كأنني وأبا بكر هذا بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم جالسين، فأمسك أبو بكر لحية نفسه وفرقها نصفين وذكر للنبي صلى الله عليه وسلم كلاما لم أفهمه فقال النبي صلى الله عليه وسلم مجيبا له: لولا هذا لكانت هذه في النار. ودار إلي وقال: لأضربنك وكان بيده قضيب فقلت: لأي شئ يا رسول الله ؟ فقال: حتى لا تبطل المولد ولا السنن. قال يوسف: فعملته منذ عشرين سنة إلى الآن. وقال: وسمعت يوسف المذكور يقول: سمعت أخي أبا بكر الحجار يقول: سمعت منصورا النشار يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام يقول لي: قل له لا يبطله. يعني المولد ما عليك ممن أكل وممن لم يأكل. قال: وسمعت شيخنا أبا عبد الله بن أبي محمد النعمان يقول: سمعت الشيخ أبا موسى الزرهوني يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فذكرت له ما يقوله الفقهاء في عمل الولائم في المولد فقال صلى الله عليه وسلم: " من فرح بنا فرحنا به ". وقال الشيخ الإمام العلامة نصير الدين المبارك الشهير باب الطباخ في فتوى بخطه: إذا أنفق المنفق تلك الليلة وجمع جمعا أطعمهم ما يجوز إطعامه وأسمعهم ما يجوز سماعه ودفع للمسمع المشوق للآخرة ملبوسا، كل ذلك سرورا بمولده صلى الله عليه وسلم فجميع ذلك جائز ويثاب


= أبوه وأهله من قرية دوين وهم بطن من الروادية، من قبيلة الهذابية، من الأكراد. نزلوا بتكريت، وولد بها صلاح الدين، وتوفي فيها جده شاذي. ثم ولي أبوه أيوب أعمالا في بغداد والموصل ودمشق. ونشأ هو في دمشق، وتفقه وتأدب وروى الحديث بها وبمصر والإسكندرية، وحدث في القدس. وتوفي سنة 589 ه‍. الأعلام 8 / 220، ووفيات الأعيان 2 / 376. (*)

[ 364 ]

فاعله إذ أحسن القصد، ولا يختص ذلك بالفقراء دون الأغنياء، إلا أن يقصد مواساة الأحوج فالفقراء أكثر ثوابا، نعم إن كان الاجتماع كما يبلغنا عن قراء هذا الزمان من أكل الحشيش واجتماع المردان وإبعاد القوال إن كان بلحية وإنشاد المشوقات للشهوات الدنيوية وغير ذلك من الخزي والعياذ بالله تعالى فهذا مجمع آثام. وقال الشيخ الإمام جمال الدين بن عبد الرحمن بن عبد الملك الشهير (3) بالمخلص الكتابي - رحمه الله تعالى - مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم مبجل مكرم، قدس يوم ولادته وشرف وعظم، وكان وجوده صلى الله عليه وسلم مبدأ سبب النجاة لمن اتبعه وتقليل حظ جهنم لمن أعد لها لفرحه بولادته صلى الله عليه وسلم وتمت بركاته على من اهتدى به، فشابه هذا اليوم يوم الجمعة من حيث أن يوم الجمعة لا تسعر فيه جهنم، هكذا ورد عنه صلى الله عليه وسلم فمن المناسب إظهار السرور وإنفاق الميسور وإجابة من دعاه رب الوليمة للحضور. وقال الإمام العلامة ظهير الدين جعفر التزمنتي - رحمه الله تعالى -. هذا الفعل لم يقع في الصدر الأول من السلف الصالح مع تعظيمهم وحبهم له إعظاما ومحبة لا يبلغ جمعنا الواحد منهم ولا ذرة منه، وهي بدعة حسنة إذا قصد فاعلها جمع الصالحين والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وإطعام الطعام للفقراء والمساكين، وهذا القدر يثاب عليه على القوال بمروديته وحسن صوته فلا يندب بل يقارب أن يذم، ولا خير فيما لم يعمله السلف الصالح، فقد قال صلى الله عليه وسلم: " لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ". وقال الشيخ نصير الدين أيضا: ليس هذا من السنن، ولكن إذا أنفق في هذا اليوم وأظهر السرور فرحا بدخول النبي صلى الله عليه وسلم في الوجود واتخذ السماع الخالي عن اجتماع المردان وإنشاد ما يثير نار الشهوة من العشقيات والمشوقات للشهوات الدنيوية كالقد والخد والعين والحاجب، وإنشاد ما يشوق إلى الآخرة ويزهد في الدنيا فهذا اجتماع حسن يثاب قاصد ذلك وفاعله عليه، إلا أن سؤال الناس ما في أيديهم بذلك فقط بدون ضرورة وحاجة سؤال مكروه، واجتماع الصلحاء فقط ليأكلوا ذلك الطعام ويذكروا الله تعالى ويصلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم يضاعف لهم القربات والمثوبات. وقال الإمام الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة في كتابه: " الباعث على إنكار البدع والحوادث " قال الربيع: قال الشافعي - رحمه الله تعالى ورضي عنه -: المحدثات من الأمور ضربان: أحدهما ما أحدث مما يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا، فهذه البدعة الضلالة. والثانية: ما أحدث من الخير مما لا خلاف فيه لواحد من هذا

[ 365 ]

فهي محدثة غير مذمومة، وقد قال عمر - رضي الله تعالى عنه - في قيام رمضان نعمت البدعة هذه يعني أنها محدثة لم تكن. وإذا كانت فليس فيها رد لما مضى. قلت: وإنما كان كذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم حث على قيام شهر رمضان وفعله هو صلى الله عليه وسلم واقتدى به فيه بعض أصحابه ليلة أخرى. ثم ترك النبي صلى الله عليه وسلم فعلها بالمسجد جماعة، لما فيه من إحياء هذا الشعار الذي أمر به الشارع وفعله والحث عليه والترغيب فيه. والله تعالى أعلم. فالبدعة الحسنة متفق على جواز فعلها والاستحباب لها ورجاء الثواب لمن حسنت نيته فيها، وهي كل مبتدع موافق لقواعد الشريعة غير مخالف لشئ منها ولا يلزم من فعله محذور شرعي. وذلك نحو بناء المنابر والربط والمدارس وخانات السبيل وغير ذلك من أنواع البر التي لم تعهد في الصدر الأول، فإنه موافق لما جاءت به الشريعة من اصطناع المعروف والمعاونة على البر والتقوى. ومن أحسن ما ابتدع في زماننا هذا من هذا القبيل ما كان يفعل بمدينة " إربل " جبرها الله تعالى، كل عام في اليوم الموافق ليوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم من الصدقات والمعروف وإظهار الزينة والسرور، فإن ذلك مع ما فيه من الإحسان إلى الفقراء مشعر بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه وجلالته في قلب فاعله وشكر الله تعالى على من من به من إيجاد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أرسله رحمة للعالمين صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء والمرسلين. وكان أول من فعل ذلك بالموصل الشيخ عمر بن محمد الملا (1) أحد الصالحين المشهورين وبه اقتدى في ذلك صاحب إربل وغيرهم رحمهم الله تعالى. وقال الشيخ الإمام العلامة صدر الدين موهوب بن عمر الجزري (2) الشافعي رحمه الله تعالى: هذه بدعة لا بأس بها ولا تكره البدع إلا إذا راغمت السنة، وأما إذا لم تراغمها فلا تكره، ويثاب الإنسان بحسب قصده في إظهار السرور والفرح بمولد النبي صلى الله عليه وسلم. * هامش * (1) عمر بن محمد بن خضر الإربلي الموصلي، أبو حفص، معين الدين، المعروف بالملاء: شيخ الموصل. كان صالحا زاهدا عالما. له أخبار مع الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي. أمر الملك العادل نوابه في الموصل أن لا يبرموا فيها أمرا حتى يعلموا به الملاء. وهو الذي أشار على العادل بعمارة الجامع الكبير في الموصل. وهو المعروف اليوم بالجامع النوري. قال سبط ابن الجوزي: وإنما سمي " الملاء " لأنه كان يملأ تنانير الآجر ويأخذ ويأخذ الأجرة فيقوت بها، ولا يملك من الدنيا شيئا. وصنف كتاب " وسيلة المتعبدين في سيرة سيد المرسلين ". توفي سنة 570 ه‍. انظر الأعلام 5 / 60، 61. (2) موهوب بن عمر بن موهوب بن إبراهيم الجزري، ثم المصري، القاضي صدر الدين، أبو منصور. ولد بالجزيرة في جمادي الآخرة سنة تسعين - بتقديم التاء - وخمسمائة. وأخذ عن السخاوي وابن عبد السلام وغيرهما، قال الذهبي: وتفقه وبرع في المذهب، والأصول، والنحو، ودرس وأفتى وتخرج به جماعة. وكان من فضلاء زمانه. وولي القضاء بمصر وأعمالها دون القاهرة مدة. وقال غيره: تخرجت به الطلبة وجمعت عنه الفتاوي المشهورة به. توفي بمصر فجأة في رجب سنة خمس وستين وستمائة. ودفن بسفح المقطم. انظر الطبقات لابن قاضي شهبة 2 / 152، 153، وشذرات الذهب 5 / 320. (*)

[ 366 ]

وقال في موضع آخر: هذا بدعة، ولكنها بدعة لا بأس بها، ولكن لا يجوز له أن يسأل الناس بل إن كان يعلم أو يغلب على ظنه أن نفس المسؤول تطيب بما يعطيه فالسؤال لذلك مباح أرجو أن لا ينتهي إلى الكراهة. وقال الحافظ - رحمه الله تعالى -: أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، ولكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدها، فمن تحرى في عمله المحاسن وتجنب ضدها كان بدعة حسنة ومن لا فلا. قال: وقد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت، وهو ما ثبت في الصحيحين من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود يصومون عاشوراء فسألهم فقالوا: هذا يوم أغرق الله فيه فرعون وأنجى فيه موسى فنحن نصومه شكرا لله تعالى. فقال: " أنا أحق بموسى منكم. فصامه وأمر بصيامه ". فيستفاد من فعل ذلك شكرا لله تعالى على ما من به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكر لله تعالى يحصل بأنواع العبادات والسجود والصيام والصدقة والتلاوة، وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي الكريم نبي الرحمة في ذلك اليوم ؟ وعلى هذا فينبغي أن يتحرى اليوم بعينه حتى يطاق قصة موسى صلى الله عليه وسلم في يوم عاشوراء، ومن لم يلاحظ ذلك لا يبالي بعمل المولد في أي يوم من الشهر، بل توسع قوم حتى نقلوه إلى أي يوم من السنة. وفيه ما فيه. فهذا ما يتعلق بأصل عمل المولد. وأما ما يعمل فيه فينبغي أن يقتصر فيه على ما يفهم الشكر لله تعالى من نحو ما تقدم ذكره من التلاوة والإطعام والصدقة وإنشاد شئ من المدائح النبوية والزهدية المحركة للقلوب إلى فعل الخيرات والعمل للآخرة وأما ما يتبع ذلك من السماع واللهو وغير ذلك فينبغي أن يقال ما كان من ذلك مباحا بحيث يتعين السرور بذلك اليوم لا بأس بإلحاقه به، ومهما كان حراما أو مكروها فيمنع وكذا ما كان خلافا للأولى. انتهى. وقال شيخ القراء الحافظ أبو الخير ابن الجزري (1) رحمه الله تعالى: قد رئي أبو لهب بعد موته في النوم فقيل له: ما حالك ؟ فقال: في النار إلا أنه يخفف عني كل ليلة اثنين وأمص * هامش * (1) محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف، أبو الخير، شمس الدين، العمري الدمشقي ثم الشيرازي الشافعي، الشهير بابن الجزري: شيخ الإقراء في زمانه. من حفاظ الحديث. ولد ونشأ في دمشق، وابتنى فيها مدرسة سماها " دار القرآن " ورحل إلى مصر مرارا، ودخل بلاد الروم، وسافر مع تيمور لنك إلى ما وراء النهر. ثم رحل إلى شيراز فولي قضاءها. ومات فيها. نسبته إلى " جزيرة ابن عمر ". من كتبه " النشر في القرآآت العشر "، " وغاية النهاية في طبقات القراء " اختصره من كتاب آخر له اسمه " نهاية الدرايات في أسماء رجال القرآآت "، و " التمهيد في علم التجويد " توفي سنة 883 ه‍. انظر الأعلام 7 / 45. (*)

[ 367 ]

من بين إصبعي هاتين ماء بقدر هذا - وأشار لرأسي إصبعيه - وإن ذلك بإعتاقي لثويبة عندما بشرتني بولادة محمد صلى الله عليه وسلم وبإرضاعها له. فإذا كان أبو لهب الكافر الذي نزل القرآن بذمه جوزي في النار لفرحه ليلة مولد محمد صلى الله عليه وسلم فما حال المسلم الموحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ببشره بمولده وبذل ما تصل إليه قدرته في محبته ؟ لعمري إنما يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله جنة النعيم. وذكر نحوه الحافظ شمس الدين محمد بن ناصر الدين الدمشقي - رحمه الله تعالى - ثم أنشد: إذا كان هذا كافر جاء ذمه * * وتبت يداه في الجحيم مخلدا أتى أنه في يوم الاثنين دائما * * يخفف عنه بالسرور بأحمدا فما الظن بالعبد الذي كان عمره * * بأحمد مسرورا ومات موحدا وقال شيخنا - رحمه الله تعالى - في فتاويه: عندي أن أصل المولد الذي هو اجتماع الناس وقراءة ما تيسر من القرآن ورواية الأخبار الواردة في مبدأ أمر النبي صلى الله عليه وسلم وما وقع في مولده من الآيات ثم يمد لهم سماط يأكلونه وينصرفون من غير زيادء على ذلك من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها، لما فيه من تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وسلم وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف. قال: وقد ظهر لي تخريجه على أصل صحيح غير الذي ذكره الحافظ، وهو ما رواه البيهقي عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه بعد النبوة مع أنه ورد أن جده عبد المطلب عق عنه في سابع ولادته، والعقيقة لا تعاد مرة ثانية، فيحمل ذلك على أن هذا فعله صلى الله عليه وسلم إظهارا للشكر على إيجاد الله تعالى إياه رحمة للعالمين وتشريعا لأمته صلى الله عليه وسلم، كما كان يصلي على نفسه لذلك، فيستحب لنا أيضا إظهار الشكر بمولده صلى الله عليه وسلم بالاجتماع وإطعام الطعام ونحو ذلك من وجوه القربات والمسرات. وقال في سنن ابن ماجه: الصواب أنه من البدع الحسنة المندوبة إذا خلا عن المنكرات شرعا. انتهى. ويرحم الله تعالى القائل: لمولد خير العالمين جلال * * لقد غشي الأكوان منه جمال فيا مخلصا في حق أحمد هذه * * ليال بدا فيهن منه هلال فحق علينا أن نعظم قدره * * فتحسن أحوال لنا وفعال فنطعم محتاجا ونكسو عاريا * * ونرفد من أضحى لديه عيال

[ 368 ]

فتلك فعال المصطفى وخلاله * * وحسبك أفعال له وخلال لقد كان فعل الخير قرة عينه * * فليس له فيما سواه مجال والقائل أيضا: يامولد المختار أنت ربيعنا * * بك راحة الأرواح والأجساد يا مولدا فاق الموالد كلها * * شرفا وساد بسيد الأسياد لا زال نورك في البرية ساطعا * * يعتاد في ذا الشهر كالأعياد في كل عام للقلوب مسرة * * بسماع ما نرويه في الميلاد فلذاك يشتاق المحب ويشتهي * * شوقا إليه حضور ذا الميعاد وزعم الإمام العلامة تاج الدين الفاكهاني المالكي - رحمه الله تعالى - أن عمل المولد بدعة مذمومة وألف في ذلك كتابا قال فيه: الحمد لله الذي هدانا لاتباع سيد المرسلين، وأيدنا بالهداية إلى دعائم الدين، ويسر لنا اتباع آثار السلف الصالحين، حتى امتلأت قلوبنا بأنواع علم الشرع وقواطع الحق المبين، وطهر سرائرها من حدث الحوادث والابتداع في الدين. أحمده على ما من به من أنوار اليقين، وأشكره على ما أسداه من التمسك بالحبل المتين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وان محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله سيد الأولين والآخرين. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه أمهات المؤمنين صلاة دائمة إلى يوم الدين. أما بعد: تكرر سؤال جماعة من المباركين عن الاجتماع الذي يعمله بعض الناس في شهر ربيع الأول ويسمونه المولد: هل له أصل في الشرع أو هو بدعة حدثت في الدين ؟ وقصدوا الجواب عن ذلك مبينا والإيضاح عنه معينا. فقلت وبالله التوفيق: ما أعلم لهذا المولد أصلا في كتاب ولا سنة، ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة، الذين هم القدوة في الدين المتمسكون بآثار الصالحين المتقدمين، بل هو بدعة أحدثها البطالون، وشهوة نفس اعتنى بها الأكالون، بدليل أنا أدرنا عليه الأحكام الخمسة قلنا: إما أن يكون واجبا، أو مندوبا، أو مباحا، أو مكروها أو محرما. وليس بواجب إجماعا، ولا مندوبا، لأن حقيقة المندوب ما طلبه الشرع من غير ذم على تركه، وهذا لم يأذن فيه الشرع ولا فعله الصحابة ولا التابعون المتدينون فيما علمت. وهذا جوابي عنه بين يدي الله تعالى إن عنه سئلت. ولا جائز أن يكون مباحا لأن الابتداع في الدين ليس مباحا بإجماع المسلمين، فلم يبق إلا أن يكون مكروها أو حراما وحينئذ يكون الكلام فيه في فصلين والتفرقة بين حالين: أحدهما: أن يعمله رجل من عين ماله لأهله وأصحابه وعياله لا يجاوزون ذلك الاجتماع على أكل الطعام ولا يقترفون شيئا من الآثام

[ 369 ]

فهذا الذي وصفناه بأنه بدعة مكروهة وشناعة إذ لم يفعله أحد من متقدمي أهل الطاعة الذين هم فقهاء الإسلام وعلماء الأنام سرج الأزمنة وزين الأمكنة. والثاني: أن تدخله الجناية وتشتد به العناية حتى يعطي أحدهم الشئ ونفسه تتبعه وقلبه يؤلمه ويوجعه لما يجد من ألم الحيف، وقد قال العلماء رحمهم الله تعالى: أخذ المال بالحياء كأخذه بالسيف، لا سيما إن انضاف إلى ذلك شئ من الغناء من البطون الملأى بآلات الباطل من الدفوف والشبابات واجتماع الرجال مع الشباب المرد والنساء الغانيات إما مختلطات بهن أو متشرفات والرقص بالتثني والانعطاف والاستغراق في اللهو ونسيان يوم المخاف، وكذلك النساء إذا اجتمعن على انفرادهن رافعات أصواتهن بالتهنيك والتطريب في الإنشاد والخروج في التلاوة والذكر المشروع والأمر المعتاد، غافلات عن قوله تعالى: (إن ربك لبالمرصاد) وهذا الذي لا يختلف في تحريمه اثنان، ولا يستحسنه ذو المروءة الفتيان، وإنما يحلو ذلك بنفوس موتى القلوب وغير المستقيلين من الآثام والذنوب، وأزيدك أنهم يرونه من العبادات لا من الأمور المنكرات المحرمات. فإنا لله وإنا إليه راجعون، بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ ! ولله در شيخنا القشيري رحمه الله تعالى حيث يقول فيما أجازناه: قد عرف المنكر واستنكر ال‍ * * معروف في أيامنا الصعبة وصار أهل العلم في وهدة * * وصار أهل الجهل في رتبه حادوا عن الحق فما للذي * * سادوا به فيما مضى نسبه فقلت للأبرار أهل التقى * * والدين لما اشتدت الكربه لا تنكروا أحوالكم قد أتت * * نوبتكم في زمن الغربة ! ولقد أحسن الإمام أبو عمرو بن العلاء رحمه الله تعالى حيث يقول: لا يزال الناس بخير ما تعجب من العجب !. هذا مع أن الشهر الذي ولد فيه صلى الله عليه وسلم وهو ربيع الأول هو بعينه الشهر الذي توفي فيه، فليس الفرح بأولى من الحزن فيه. وهذا ما علينا أن نقول ومن الله تعالى نرجو حسن القبول. هذا جميع ما أورده الفاكهاني - رحمه الله تعالى - في كتابه المذكور. وتعقبه الشيخ - رحمه الله تعالى - في فتاويه فقال: أما قوله: لا أعلم لهذا المولد أصلا في كتاب ولا سنة فيقال عليه: نفي العلم لا يلزم منه نفي الوجود، وقد استخرج له إمام الحفاظ أبو الفضل بن حجر أصلا من السنة واستخرجت أنا له أصلا ثانيا. قلت: وتقدم ذكرهما. وقوله بل هو بدعة أحدثها البطالون إلى قوله: " ولا العلماء المتدينون " يقال عليه: إنما

[ 370 ]

أحدثه ملك عادل عالم وقصد به التقرب إلى الله تعالى، وحضر عنده فيه العلماء والصلحاء من غير نكير منهم. وارتضاه ابن دحية - رحمه الله تعالى - وصنف له من أجله كتابا، فهولاء علماء متدينون رضوه وأقروه ولم ينكروه. وقوله: " ولا مندوبا لأن حقيقة المندوب ما طلبه الشرع " يقال عليه: إن الطلب في المندوب تارة يكون بالنص وتارة يكون بالقياس، وهذا وإن لم يرد فيه نص ففيه القياس على الأصلين الآتي ذكرهما. وقوله: " ولا جائز أن يكون مباحا لأن الابتداع في الدين ليس مباحا بإجماع المسلمين " كلام غير مستقيم لأن البدعة لم تنحصر في الحرام والمكروه، بل قد تكون أيضا مباحة ومندوبة وواجبة. قال النووي - رحمه الله تعالى - في " تهذيب الأسماء واللغات: البدعة في الشرع: هي ما لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي منقسمة إلى حسنة وقبيحة ". وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام - رحمه الله تعالى - في القواعد: البدعة منقسمة إلى واجبة وإلى محرمة ومندوبة ومكروهة ومباحة. قال: والطريق في ذلك أن نعرض البدعة على قواعد الشرع، فإذا دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة، أو في قواعد التحريم فهي محرمة، أو الندب فمندوبة، أو المكروه فمكروهة أو المباح فمباحة. وذكر لكل قسم من هذه الخمسة أمثلة منها: إحداث الربط والمدارس وكل إحسان لم يعهد في العصر الأول. ومنها التراويح والكلام في دقائق التصوف وفي الجدل ومنها جمع المحافل للاستدلا ل في المسائل إن قصد بذلك وجه الله تعالى. وروى البيهقي بإسناده في " مناقب الشافعي " عن الشافعي - رحمه الله تعالى - ورضي عنه قال: المحدثات من الأمور ضربان: أحدهما مما أحدث مما يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا فهذه البدعة الضلالة والثاني: ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا. وهذه محدثة غير مذمومة. وقد قال عمر - رضي الله تعالى عنه - في قيام شهر رمضان: نعمت البدعة هذه. يعني أنها محدثة لم تكن وإذا كانت ليس فيها رد لما مضى. هذا آخر كلام الشافعي. فعرف بذلك منع قول الشيخ تاج الدين: " ولا جائز أن يكون مباحا " إلى قوله: " وهذا الذي وصفناه بأنه بدعة مكروهة " الخ لأن هذا القسم مما أحدث وليس فيه مخالفة لكتاب ولا سنة ولا أثر ولا إجماع، فهي غير مذمومة كما في عبارة الشافعي وهو من الإحسان الذي، لم يعهد في العصر الأول، فإن إطعام الطعام الخالي من اقتراف الآثام إحسان، فهو من البدع المندوبة كما في عبارة ابن عبد السلام. وقوله: والثاني الخ هو كلام صحيح في نفسه غير أن التحريم فيه إنما جاء من قبل هذه

[ 371 ]

الأشياء المحرمة التي ضمت إليه، لا من حيث الاجتماع لإظهار شعار المولد، بل لو وقع مثل هذه الأمور في الاجتماع لصلاة الجمعة مثلا لكانت قبيحة شنيعة، ولا يلزم من ذلك تحريم أصل الاجتماع لصلاة الجمعة وهو واضح. وقد رأينا بعض هذه الأمور يقع في ليال من رمضان عند اجتماع الناس لصلاة التراويح فلا تحرم التراويح لأجل هذه الأمور التي قرنت بها، كلا بل نقول: أصل الأجتماع لصلاة التراويح سنة وقربة وما ضم إليها من هذه الأمور قبيح شنيع. وكذلك نقول: أصل الاجتماع لإظهار شعائر المولد مندوب وقربة. وما ضم إليه من هذه الأمور مذموم وممنوع. وقوله مع " أن الشهر الذي وقع فيه " الخ. جوابه أن يقال: إن ولادته صلى الله عليه وسلم أعظم النعم علينا ووفاته أعظم المصائب لنا، والشريعة حثت على أظهار شكر النعم والصبر والسكون والكتم عند المصائب. وقد أمر الشرع بالعقيقة عند الولادة وهي إظهار شكر وفرح بالمولود ولم يأمر عند الموت بذبح ولا غيره، بل نهى عن النياحة وإظهار الجزع، فدلت قواعد الشريعة على أنه يحسن في هذا الشهر إظهار الفرح بولادته صلى الله عليه وسلم دون أظهار الفرح بولادته صلى الله عليه وسلم دون إظهار الحزن فيه بوفاته صلى الله عليه وسلم وقد قال ابن رجب - رحمه الله تعالى - في كتاب " اللطائف " في ذم الرافضة حيث اتخذوا يوم عاشوراء مأتما لأجل قتل الحسين - رضي الله تعالى عنه - لم يأمر الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم باتخاذ أيام مصائب الأنبياء وموتهم مأتما فكيف بمن هو دونهم ؟ وقد تكلم الإمام أبو عبد الله بن الحاج - رحمه الله تعالى - في كتابه " المدخل " على عمل المولد فأتقن الكلام فيه جدا وحاصله: مدح ما كان فيه من إظهار شعار وشكر، وذم ما احتوى عليه من محرمات ومنكرات. وأنا أسوق كلامه فصلا فصلا. قال: فصل في المولد: ومن جملة ما أحدثوه من البدع مع اعتقادهم أن ذلك من أكبر العبادات وإظهار الشعائر ما يفعلونه في شهر ربيع الأول من المولد وقد احتوى ذلك على بدع ومحرمات جملة. فمن ذلك: استعمال المغاني ومعهن آلات الطرب من الطار المصرصر (1) والشبابة وغير ذلك مما جعلوه آلة للسماع ومضوا في ذلك على العوائد الذميمة في كونهم يشغلون أكثر الأزمنة التي فضلها الله تعالى وعظمها ببدع ومحدثات، ولا شكر أن السماع في غير هذه الليلة فيه ما فيه، فكيف به إذا انضم إلى فضيلة هذا الشهر العظيم الذي فضله الله تعالى وفضلنا فيه بهذا النبي الكريم الذي من الله علينا فيه بسيد الأولين والآخرين، وكان يجب أن يزداد فيه من العبادة والخير شكرا للمولى على ما أولانا به من هذه النعم العظيمة وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يزد فيه على غيره من الشهور شيئا من العبادات. وما ذاك إلا برحمته صلى الله عليه وسلم لأمته ورفقه بهم لأنه صلى الله عليه وسلم كان يترك العمل خشية أن يفرض على أمته رحمة منه بهم، لكن أشار صلى الله عليه وسلم إلى * هامش * (1) المصرصر: الشديد الصوت. المعجم الوسيط 1 / 515. (*)

[ 372 ]

فضيلة هذا الشهر العظيم بقوله للسائل الذي سأله عن صوم يوم الاثنين: " ذاك يوم ولدت فيه " فتشريف هذا اليوم متضمن تشريف هذا الشهر الذي ولد فيه فينبغي أن نحترمه حق الاحترام ونفضله بما فضل الله تعالى به الأشهر الفاضلة وهذا منها، لقوله صلى الله عليه وسلم " أنا سيد ولد آدم ولا فخر، آدم فمن دونه تحت لوائي " وفضيلة الأزمنة والأمكنة بما خصها الله تعالى به من العبادات التي تفعل فيها، لما قد علم أن الأمكنة والأزمنة لا تشرف لذاتها. وإنما يجعل التشريف بما خصت به من المعاني. فانظر إلى ما خص الله به هذا الشهر الشريف ويوم الاثنين، ألا ترى أن صوم هذا اليوم فيه فضل عظيم لأنه صلى الله عليه وسلم ولد فيه ؟ فعلى هذا ينبغي إذا دخل هذا الشهر الكريم أن يكرم ويعظم ويحترم الاحترام اللائق به، اتباعا له صلى الله عليه وسلم في كونه كان يخص الأوقات الفاضلة بزيادة فعل البر فيها وكثرة الخيرات. ألا ترى إلى قول ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير وكان أجود ما يكون في رمضان " فنمتثل تعظيم الأوقات الفاضلة بما امتثله على قدر استطاعتنا. فإن قال قائل: قد التزم صلى الله عليه وسلم في الأوقات الفاضلة ما التزمه في غيره. فالجواب: أن ذلك لما علم من عادته الكريمة أنه يريد التخفيف عن أمته سيما فيما كان يخصه، ألا ترى إلى أنه صلى الله عليه وسلم حرم المدينة مثل ما حرم إبراهيم مكة، ومع ذلك لم يشرع في قتل صيده ولا شجره الجزاء تخفيفا على أمته ورحمة بهم، وكان ينظر إلى ما هو من جهته وإن كان فاضلا في نفسه فيتركه للتخفيف عنهم. فعلى هذا: تعظيم هذا الشهر الشريف إنما يكون بزيادة الأعمال الزاكيات فيه والصدقات إلى غير ذلك من القربات، فمن عجز عن ذلك فأقل أحواله أن يجتنب ما يحرم عليه ويكره له تعظيما لهذا الشهر الشريف، وإن كان ذلك مطلوبا في غيره إلا أنه في هذا الشهر أكثر احتراما، كما يتأكد في شهر رمضان وفي الأشهر الحرم فيترك الحدث في الدين ويجتنب مواضع البدع وما لا ينبغي. وقد ارتكب بعضهم في هذا الزمان ضد هذا المعنى، و (هو) أنه إذا دخل هذا الشهر الشريف تسارعوا فيه إلى اللهو واللعب بالدف والشبابة وغيرهما. ويا ليتهم عملوا المغاني ليس إلا، بل يزعم بعضهم أنه يتأدب فيبدأ المولد بقراءة الكتاب العزيز وينظرون إلى من هو أكثر معرفة بالتهوك والطرق المهيجة لطرب النفوس، وهذا فيه وجوه من الفساد. ثم إنهم لم يقتصروا على ما ذكر، بل ضم بعضهم إلى ذلك الأمر الخطر، وهو أن يكون

[ 373 ]

المغني شابا نظيف الصورة حسن الصوت والكسوة والهيئة، فينشد التغزل ويتكسر في صوته وحركاته، فيفتن بعض من معه من الرجال والنساء، فتقع الفتنة في الفريقين ويثور من الفساد ما لا يحصى. وقد يؤول ذلك في الغالب إلى إفساد حال الزوج وحال الزوجة ويحصل الفراق والنكد العاجل ويتشتت أمرهم بعد جمعهم وهذه المفاسد مركبة على فعل المولد إذا عمل بالسماع. فإن خلا منه وعمل طعاما فقط ونوى به المولد ودعا إليه الإخوان وسلم من كل ما تقدم ذكره فهو بدعة بنفس نيته فقط لأن ذلك زيادة في الدين، وليس من عمل السلف الماضين، واتباع السلف أولى ولم ينقل عن أحد منهم أنه نوى المولد ونحن تبع فيسعنا ما يسعهم. انتهى. وحاصل ما ذكره: أنه لم يذم المولد بل ذم ما يحتوي عليه من المحرمات والمنكرات، وأول كلامه صريح في أنه ينبغي أن يخص هذا الشهر بزيادة فعل البر وكثرة الخيرات والصدقات وغير ذلك من وجوه القربات، وهذا هو عمل المولد الذي استحسناه، فإنه ليس فيه شئ سوى قراءة القرآن وإطعام الطعام وذلك خير وبر وقربة. وأما قوله آخرا: إنه بدعة: فإما أن يكون مناقضا لما تقدم، أو أنه يحمل على أنه بدعة حسنة، كما تقدم تقريره في صدر الباب، أو يحمل على أن فعل ذلك خير والبدعة منه نية المولد كما أشار إليه بقوله: " فهو بدعة بنفس نيته فقط، ولم ينقل عن أحد منهم أنه نوى المولد " فظاهر هذا الكلام أنه كره أن ينوي به المولد فقط ولم يكره عمل الطعام ودعاء الإخوان إليه. وهذا إذا حقق النظر يجتمع مع أول كلامه لأنه حث فيه على زيادة فعل البر وما ذكر معه على وجه الشكر لله تعالى إذا أوجد في هذا الشهر الشريف سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم وهذا هو معنى نية المولد. فكيف بذم هذا القدر مع الحث عليه أولا ؟ !. وأما مجرد فعل البر وما ذكر معه من غير نية أصلا فإنه لا يكاد يتصور، ولو تصور لم يكن عبادة ولا ثواب فيه، إذ لا يعمل إلا بنية، ولا نية هنا إلا الشكر لله تعالى على ولادة هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في هذا الشهر الشريف، وهذا معنى نية المولد فهي نية مستحسنة بلا شك. فتأمل. ثم قال ابن الحاج: ومنهم من يفعل المولد لا لمجرد التعظيم، ولكن له فضة عند الناس متفرقة كان قد أعطاها في بعض الأفراح أو المواسم ويريد أن يستردها ويستحي أن يطلبها بذلك، فيعمل المولد حتى يكون سببا لأخذ ما اجتمع له عند الناس وهذا فيه وجوه من المفاسد: أنه يتصف بصفة النفاق، وهو أن يظهر خلاف ما يبطن، وظاهر حاله أنه عمل المولد يبتغي به الدار الآخرة، وباطنه أنه يجمع فيه فضة. ومنهم من يعمل المولد لأجل جمع الدراهم

[ 374 ]

أو طلب ثناء الناس عليه ومساعدتهم له، وهذا أيضا فيه من المفاسد ما لا يخفى. انتهى. وهذا أيضا من نمط ما تقدم ذكره، وهو أن الذم فيه إنما حصل من عدم النية الصالحة، لا من أصل عمل المولد. انتهى ما أوردته من كلام الشيخ رحمه الله تعالى. ورضي عنه، والله هو الهادي للصواب.

[ 375 ]

جماع أبواب رضاعه صلى الله عليه وسلم وزاده شرفا وفضلا الباب الأول في مراضعه صلى الله عليه وسلم جملة من قيل إنهن أرضعنه صلى الله عليه وسلم عشر نسوة. الأولى: أمه صلى الله عليه وسلم أرضعته سبعة أيام. ذكر ذلك جماعة منهم صاحب المورد والغرر. الثانية: ثويبة (1) بضم الثاء المثلثة وفتح الواو وسكون المثناة التحتية بعدها باء موحدة أرضعته بلبن ابنها مسروح بفتح الميم وسكون السين المهملة ثم راء مضمومة وآخره حاء مهملة. قال ابن مندة: اختلف في إسلامها وقال أبو نعيم لا أعلم أحدا ذكر إسلامها إلا ابن مندة. قال الحافظ: وفي باب من أرضع النبي صلى الله عليه وسلم من طبقات ابن سعد ما يدل على أنها لم تسلم، ولكنه لا يدفع نقل ابن مندة به. انتهى. وقال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: لا نعلم أنها أسلمت. وقال الحافظ: لم أقف في شئ من الطرق على إسلام ابنها مسروح وهو محتمل. انتهى. فأرضعته صلى الله عليه وسلم أياما حتى قدمت حليمة، وكانت ثويبة (1) أرضعت قبله حمزة وبعده أبا سلمة بن عبد الأسد، وكانت مولاة أبي لهب. روى عبد الرزاق والإسماعيلي (2) والبخاري في كتاب النكاح في باب " وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم " عن عروة: ثوبية مولاة أبي لهب، كان أبو لهب أعتقها فأرضعت النبي صلى الله عليه وسلم، * هامش * (1) ثوبية التي أرضعت النبي صلى الله عليه وسلم وهي مولاة أبي لهب.. ذكرها ابن مندة وقال اختلف في إسلامها وقال أبو نعيم: لا أعلم أحدا أثبت إسلامها انتهى. وأخرج ابن سعد من طريق برة بنت أبي تجرأة أن أول من أرضع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثويبة بلبن ابن لها يقال له مسروح أياما قبل أن تقدم حليمة وأرضعت قبله حمزة وبعده أبا سلمة بن عبد الأسد. ماتت سنة سبع مرجعه من خيبر. الإصابة 8 / 36. (2) أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس، أبو بكر الإسماعيلي الفقيه الحافظ. أحد كبراء الشافعية فقها وحديثا وتصنيفا، رحل وسمع الكثير وصنف الصحيح والمعجم ومسند عمر بن الخطاب رضي الله عنه في مجلدات، أجاد فيه وأفاد. أخذ عنه الفقه ابنه أبو سعد وفقهاء جرجان. قال الشيخ أبو إسحاق: جمع بين الفقه والحديث ورئاسة الدين والدنيا. قال الذهبي: رأيت له مجلدا من مسند كبير إلى الغاية من حساب مائة مجلد أو أكثر. توفي في رجب سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة وله أربع وسبعون سنة. الطبقات لابن قاضي شهبة 1 / 136، 137، والأعلام 1 / 83، والأنساب 1 / 239. (*)

[ 376 ]

فلما مات أبو لهب أريه بعض أهله بشر حيبة فقال له: ماذا لقيت ؟ قال أبو لهب: لم ألق بعدكم. زاد عبد الرزاق: راحة. ولفظ الإسماعيلي: لم ألق بعد رخاء. وحذف المفعول في جميع روايات البخاري. " غير أني سقيت في هذه " زاد عبد الرزاق - وأشار إلى النقرة التي تحت إبهامه بعتاقتي ثويبة. وذكر السهيلي وغيره أن الرائي له أخوه العباس، وكان ذلك بعد سنة من وفاة أبي لهب بعد وقعة بدر: أن أبا لهب قال للعباس، إنه ليخفف علي في يوم الاثنين. قالوا: لأنه لما بشرته ثويبة بميلاد ابن أخيه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم أعتقها من ساعته، فجوزي بذلك لذلك. قال في الغرر: واختلفوا متى أعتقها. فقيل: أعتقها حين بشرته بولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو الصحيح. وقيل إن خديجة سألت أبا لهب في أن تبتاعها منه ليعتقها فلم يفعل. فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أعتقها أبو لهب. وهو ضعيف. انتهى. وقال الحافظ: واستدل بهذا على أن الكافر قد ينفعه العمل الصالح في الآخرة، وهو مردود بظاهر قوله تعالى: " وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا " لا سيما والخبر مرسل أرسله عروة ولم يذكر من حدثه به. وعلى تقدير أن يكون موصولا فلا يحتج به. إذ هو رؤيا منام لا يثبت به حكم شرعي، لكن يحتمل أن يكون ما يتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم مخصوصا من ذلك، بدليل التخفيف عن أبي طالب المروي في الصحيح. قلت: وعلى هذا الاحتمال جرى جمع كما سبق، نقل ذلك عنهم. قال البيهقي: ما ورد من بطلان الخير للكفار فمعناه أنهم لا يكون لهم التخلص من النار ولا دخول الجنة، ويجوز أن يخفف عنهم من العذاب الذي يستوجبونه على ما ارتكبوه من الجرائم سوى الكفر، بما عملوه من الخيرات. وأما عياض رحمه الله تعالى فقال: انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب وإن كان بعضهم أشد عذابا من بعض، قال الحافظ: وهذا لا يرد الاحتمال الذي ذكره البيهقي، فإن جميع ما ورد من ذلك فيما يتعلق بذنب الكفر، وأما ذنب غير الكفر فما المانع من تخفيفه. وقال القرطبي رحمه الله تعالى: هذا التخفيف خاص بهذا أو بمن ورد النص فيه. وقال ابن المنير (1) رحمه الله تعالى في الخامسة: هما قضيتان إحداهما محال، وهي * هامش * (1) أحمد بن محمد بن منصور: من علماء الإسكندرية وأدبائها. ولي قضاءها وخطابتها مرتين. له تصانيف، منها " تفسير " و " ديوان خطب " و " تفسير حديث الإسراء " على طريقة المتكلمين. و " الانتصاف من الكشاف " وله نظم. توفي سنة 683 ه‍. انظر الأعلام 1 / 220، وفوات الوفيات 1 / 72. (*)

[ 377 ]

اعتبار طاعة الكافر مع كفره، لأن شرط الطاعة أن تقع بقصد صحيح، وهذا مفقود من الكافر. الثانية: إثبات ثواب على بعض الأعمال تفضلا من الله تعالى وهذا لا يحيله العقل، فإذا تقرر ذلك لم يكن عتق أبي لهب لثويبة قربة معتبرة، ويجوز أن يتفضل الله تعالى عليه بما شاء كما تفضل علي بن أبي طالب، والمتبع في ذلك التوقيف نفيا وإثباتا. وقال الحافظ: وتتمة هذا أن يقع التفضل المذكور إكراما لمن وقع من الكافر البر له ونحو ذلك. حيبة: بحاء مهملة مكسورة فمثناة تحتية ساكنة وفي لفظ عند السهيلي بالخاء المعجمة المفتوحة. عتاقتي: بفتح العين المهملة: أحد مصادر عتق العبد الذي هو فعل لازم وإنما عبر في هذا الحديث بالعتاقة دون الإعتاق وإن كان المناسب الإعتاق لأنها أثره: فلذلك أضافها إلى نفسه بقوله: عتاقتي. قاله الترمذي في شرح العمدة. النقرة: قال ابن بطال رحمه الله تعالى: يعني أن الله سقاه ما في مقدار نقره إبهامة لأجل عتق ثويبة. كما ذكر في حديث أبي طالب أنه في ضحضاح من نار لا في النار، بسبب حفظه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بخلاف أبي لهب فإنه كان يؤديه فكان نصيبه من الرفق والرحمة دون أبي طالب. قال غيره: أراد بالنقرة التي بين إبهامه وسبابته إذا مد إبهامه فصار بينهما نقرة يسقى من الماء بقدر ما يسع تلك النقرة نقل ذلك في غريبي الهروي. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وخديجة يكرمان ثويبة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث إليها من المدينة بكسوة وصلة حتى ماتت بعد فتح خيبر، فسأل عن ابنها مسروح فقيل قد مات فسأل عن قرابتها فقيل لم يبق منهم أحد. الثالثة: امرأة من بني سعد غير حليمة. روى ابن سعد عن ابن أبي مليكة (1) رحمه الله تعالى أن حمزة كان مسترضعا له عند قوم من بني سعد بن بكر، وكانت أم حمزة قد أرضعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عند أمه حليمة. الرابعة: خولة بنت المنذر بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن عدي بن النجار، أم بردة الأنصارية، ذكر الإمام أبو الحسن إبراهيم بن يحيى بن إبراهيم المعروف بابن الأمين أنها أرضعت النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ذكرها العدوي وتابعه في العيون والمورد، وهو وهم إنما أرضعت * هامش * (1) عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة، بالتصغير، ابن عبد الله بن جدعان، يقال اسم أبي مليكة، زهير التيمي، المدني، أدرك ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة سبع عشرة. التقريب 1 / 431. (*)

[ 378 ]

ولده صلى الله عليه وسلم إبراهيم. كما ذكر ابن سعد وأبو عمر وغيرهما وعليه جرى الحافظ في الإصابة كما رأيته بخطه. ونصه بعد أن ساق نسبها: مرضعة ابن النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا هو الصواب. خلافا لما في بعض النسخ السقيمة من إسقاط ابن ولم أر من نبه على ذلك ثم بعد مدة رأيت القاضي عز الدين بن القاضي بدر الدين بن جماعة رحمهما الله تعالى ذكر في سيرته المختصرة أن ابن الأمين وهم في ذكرها في الرضاع وأن بعض العصريين حكوا ذلك عنه من غير تعقب. انتهى فسررت بذلك وحمدت الله تعالى. الخامسة (6): أم أيمن بركة ذكرها القرطبي. والمشهور أنها من الحواضن لا من المراضع. السادسة والسابعة والثامنة: قال أبو عمر رحمه الله تعالى: أنه صلى الله عليه وسلم مر به على نسوة ثلاثة من بني سليم فأخرجن ثديهن فوضعنها في فيه فدرت عليه. ورضع منهن. التاسعة: أم فروة ذكرها المستغفري. ثم روى عن ابن إسحاق عن أم فروة ظئر النبي صلى الله عليه وسلم قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا أويت إلى فراشك فاقرأ: (قل يا أيها الكافرون) فإنها براءة من الشرك " قال أبو موسى المديني رحمه الله تعالى: اختلف في راوي هذا الحديث. فقيل فروة. وقيل أبو فروة وقيل أم فروة وهذا أغرب الأقوال. قال الحافظ في الإصابة: بل هو غلط محض وإنما هو أبو فروة وكأن بعض رواته لما رأى عن أبي فروة ظئر النبي صلى الله عليه ظنه خطأ والصواب أم فروة فرواه على ما ظن فأخطأ هو واسم الظئر لا يختص بالمرأة المرضعة بل يطلق على زوجها أيضا. وقد أخرجه أبو داود والنسائي من رواية إسرائيل كلاهما عن أبي إسحاق مجردا وفيه على أبي إسحاق اختلاف. وهذا هو المعتمد. انتهى. العاشرة: حليمة بنت أبي ذؤيب بذال معجمة، ابن عبد الله بن سجنة بسين مهملة مكسورة فجيم ساكنة فنون مفتوحة. ابن رزام براء مكسورة ثم زاي، ابن ناصرة بن فصية بالفاء تصغير فصاه وهي النواة من التمر، ابن سعد بن بكر بن هوازن. كذا قاله ابن إسحاق. وقال ابن الكلبي: اسم أبي ذؤيب الحارث بن عبد الله بن سجنة. قال البلاذري: وهو الثبت. قال النووي رحمه الله تعالى: كنية حليمة أم كبشة اسم أبيه الذي أرضعه الحارث بن عبد العزى.

[ 379 ]

الباب الثاني في إخوته صلى الله عليه وسلم من الرضاعة عمه حمزة أسد الله وسيد الشهداء رضي الله تعالى عنه، روى سعيد بن منصور وابن سعد والشيخان عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: قال علي بن أبي طالب للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا تتزوج ابنة حمزة فإنها من أحسن فتاة في قريش ؟ قال: " إنها ابنة أخي من الرضاعة " انتهى (1). وحمزة رضي الله تعالى عنه رضيع رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهة حليمة. ومن جهة السعدية السابقة. أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم من السابقين الأولين إلى الإسلام. روى الشيخان عن زينب بنت أم سلمة عن أم حبيبة، بنت أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما قالت: قلت يا رسول الله: ألا تنكح أختي بنت أبي سفيان. ولمسلم عزة بنت أبي سفيان ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أتحبين ذلك ؟ " قالت: نعم لست لك. بمخلية وأحب من شاركني في خير أختي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " فإن ذلك لا يحل لي ". قالت: فإنا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة. وفي رواية: درة بنت أبي سلمة. قال: " بنت أبي سلمة ؟ " قلت: نعم. قال: " إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها لابنة أخي من الرضاعة أرضعتني وأبا سلمة ثويبة ". وذكر الحديث (2). مخلية بضم الميم وسكون الخاء المعجمة وكسر اللام وبالتحتية المثناة أي لم أجدك خاليا من الزوجات غيري وقال ابن الجوزي: المعنى بمنفردة للخلوة بك. نحدث بضم النون وفتح الحاء والدال المهملتين. حجري بفتح الحاء المهملة وكسرها. عزة بفتح المهملة بعدها زاي. درة: بضم المهملة. مسروح: تقدم الكلام عليه. * هامش * (1) أخرجه النسائي 6 / 100، وابن ماجة (1938)، والطبراني في الكبير 12 / 181، وأحمد في المسند 1 / 329. (2) أخرجه البخاري 9 / 43 كتاب النكاح (5101) (5106 - 5107 - 5123 - 5372). (*)

[ 380 ]

عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنه. قال السهيلي رحمه الله تعالى. وتعقبه في الزهر بأن الذي ذكره أهل التاريخ وأهل الصحيح لا أعلم بينهم اختلافا أن الراضع مع حمزة أبو سلمة عبد اللله بن عبد الأسد لا ذكر لابن جحش عندهم. قلت: هذا هو الصواب. وما ذكره السهيلي سبق قلم ؟ فإن أبا سلمة ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه رضع هو وإياه من ثويبة كما في صحيح البخاري ولم يذكر ذلك السهيلي، وذكر ابن جحش. عبد الله بن الحارث بن عبد العزى ابن حليمة وهو الذي شرب مع النبي صلى الله عليه وسلم، ووقع للبيهقي من طريق العلائي أن اسمه ضمرة. فالله تعالى أعلم. حفص بن الحارث: ذكره الحافظ في الإصابة. أمية بنت الحارث ذكرها أبو سعيد النيسابوري في الشرف وأقره الحافظ. خذامة بخاء مكسورة وذال معجمتين. ويقال بجيم مضمومة ودال مهملة، ويقال حذافة بحاء مهملة مضمومة وذال معجمة وفاء، قال الخشني: وهو الصواب وهي: الشيماء بفتح المعجمة وسكون المثناة التحتية. وكانت تحضن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أمها إذ كان عندهم. قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى في رواية يونس بن بكير وغيره: إن حذافة وهي الشيماء غلب عليها ذلك، وذكر أن الشيماء كانت تحضن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أمها. وروى ابن إسحاق عن أبي وجزة السعدي أن الشيماء لما انتهت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله إني لأختك من الرضاعة. قال: " وما علامة ذلك ؟ " قالت: عضة عضضتنيها في ظهري وأنا متوركتك. فعر ف رسول الله صلى الله عليه وسلم العلامة فبسط لها رداءه ثم قال: ها هنا فأجلسها عليه وخيرها فقال: " إن أحببت فأقيمي عندي محببة مكرمة وإن أحببت أن أمتعك فترجعي إلى قومك فعلت ". فقالت: بل تمتعني وترجعني إلى قومي. فمتعها وردها إلى قومها. فزعم بنو سعد بن بكر أنه صلى الله عليه وسلم أعطاها غلاما يقال له مكحول وجارية فزوجوا الغلام الجارية فلم يزل من نسلهما بقية. أبو وجزة بفتح الواو وسكون الجيم بعدها زاي اسمه يزيد بن عبيد. وذكر أبو عمر رحمه الله تعالى نحوه. وزاد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها وشيا أي ثوبا موشى وثلاثة أعبد وجارية. ونقل في الزهر والإصابة أن محمد بن المعلى قال في كتاب الترقيص: إن الشيماء كانت ترقص رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول في ترقيصه هذا الكلام: يا ربنا أبق أخي محمدا * * حتى أراه يافعا وأمردا وأكبت أعاديه معا والحسدا * * وأعطه عزا يدوم أبدا زاد في الزهر في النقل عنه:

[ 381 ]

هذا أخ لي لم تلده أمي * * وليس من نسل أبي وعمي فديته من مخول معم * * فأنمه اللهم فيما تنمي وتقول أيضا رضي الله تعالى عنها: محمد خير البشر * * ممن مضى ومن غبر من حج منهم أو اعتمر * * أحسن من وجه القمر من كل أنثى وذكر * * من كل مشبوب أغر جنبني الله الغير * * فيه وأوضح لي الأثر

[ 382 ]

الباب الثالث في إسلام حليمة وزوجها رضي الله تعالى عنهما قال الحافظ عماد الدين بن كثير رحمه الله تعالى: الظاهر أن حليمة لم تدرك البعثة. قال الحافظ في شرح الدرر: وهو غير مسلك، فقد روى أبو يعلى والطبراني وابن حبان، عن عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنهما قال: حدثتني حليمة. وعبد الله إنما ولد بعد البعثة بمدة، بل لم يتهيأ له السماع من حليمة إلا بعد الهجرة بسبع سنين أو أكثر، لأنه قدم من الحبشة مع أبيه وهو صغير ليلة الغزوة في خيبر سنة سبع، وحليمة إنما قدمت في هذه المدة أو بعدها بسنة في الجعرانة. ومستند ابن كثير كثير الاختلاف على ابن إسحاق في حديث حدثه عبد الله، فمنهم من قال: عبد الله بن جعفر، عن حليمة. ومنهم من قال: عن عبد الله بن جعفر حدثتني حليمة. قلت: ليس هذا مستنده إنما مستنده قول من قال: عن عبد الله بن جعفر حدثت عن حليمة. والله تعالى أعلم. قال الحافظ فرأى ابن كثير أن هذه علة تمنع من الجزم بإدراك عبد الله بن جعفر لها، وليست هذه في التحقيق علة، فإن الشواهد التي تدل على إدراك عبد الله بن جعفر لها كثيرة وأسانيدها جيدة. وروى ابن سعد بسند رجاله رجال الصحيح، عن محمد بن المنكدر - مرسلا - قال: استأذنت امرأة على النبي صلى الله عليه وسلم. قد كانت ترضعه فلما دخلت عليه قال: أمي أمي ! وعمد إلى ردائه فبسطه لها فقعدت عليه انتهى. قلت: ويجاب عن رواية: " حدثت عن حليمة " أنه سمع منها بعض القصة وبعضها عمن سمع منها أو أنه سمع ممن روى عنها. ثم سمع منها. والله تعالى أعلم. وقد ألف الحافظ مغلطاي رحمه الله تعالى جزءا في إيمانها وهذه خلاصته مع زيادة: روى البخاري في الأدب وأبو داود والطبراني وابن حبان في صحيحه عن أبي الطفيل رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لحما بالجعرانة - وأنا يومئذ غلام أحمل عظم الجزور - إذ أقبلت امرأة حتى دنت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبسط لها رداءه فجلست عليه فقلت: من هذه ؟ قالوا هذه أمه صلى الله عليه وسلم التي أرضعته. وقول الذهبي: يجوز أن تكون هذه ثويبة مردود بما ثبت أنها توفيت سنة سبع من الهجرة.

[ 383 ]

ثم ذكر الحافظ مغلطاي حديث الرضاع ثم قال: فإن قيل: ما وجه الاستدلال من هذين الحديثين ؟ قلنا: من وجوه الأول: دفع شبهة من زعم أن القادمة في حنين أخته صلى الله عليه وسلم لأنه يستبعد أن تكون عمرت إلى ذلك الحين تخرصا من غير يقين، لأن رواية هذين الصحابيين عنها مشافهة مع صغرهما يقرب ذلك الاستبعاد. قلت: قال الحافظ بعد أن أورد عدة آثار في مجئ أمه صلى الله عليه وسلم من الرضاعة إليه ثم قال: ففي تعدد الطرق ما يقتضي أن لها أصلا أصيلا، وفي اتفاق الطرق على أنها أمه رد على من زعم أن التي قدمت عليه أخته، وزاعم ذلك هو الحافظ الدمياطي رحمه الله تعالى والله تعالى أعلم. وقد ذكرها في الصحابة جماعة. قال أبو بكر أحمد بن أبي خيثمة في تاريخه: ذكر ما انتهى إلينا من سند النساء اللاتي روين عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: باب الحاء: حليمة بنت أبي ذؤيب وقال الحافظ أبو محمد المنذري في مختصر سنن أبي داود: حليمة أمه صلى الله عليه وسلم أسلمت وجاءت إليه وروت عنه عليه الصلاة والسلام. قال الحافظ أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله تعالى في الحدائق: قدمت حليمة ابنة الحارث على النبي صلى الله عليه وسلم بعدما تزوج خديجة فشكت إليه جذب البلاد فكلم خديجة فأعطتها أربعين شاة وبعيرا، ثم قدمت عليه بعد النبوة فأسلمت وبايعت وأسلم زوجها الحارث. وقال القاضي أبو الفضل عياض رحمه الله تعالى: لما وردت حليمة السعدية على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبسط لها رداءه وقضى حاجتها فلما توفي قدمت على أبي بكر فصنع لها مثل ذلك. قلت: هذا كلام القاضي في الشفاء وروى ابن سعد عن عمر بن سعد مرسلا قال: جاءت ظئر النبي صلى الله عليه وسلم فبسط لها رداءه وقضى حاجتها ثم جاءت أبا بكر ففعل ذلك، ثم جاءت عمر ففعل ذلك والله تعالى أعلم. الوجه الثاني: أن لفظ الأم لا ينطلق عرفا ولغة إلا على الأم الحقيقية، ولم نر من يسمي الأخت أما، على أنه قد جاء ما يدفع هذا لو قيل به. وروى أبو داود بسند صحيح عن عمرو بن السائب رحمه الله تعالى أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسا يوما فأقبل أبوه من الرضاعة فوضع له بعض ثوبه فقعد عليه، ثم أقبلت أمه فوضع لها شق ثوبه من جانبه الآخر فجلست إليه، ثم أقبل أخوه من الرضاعة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجلسه بين يديه. وذكز أبو عمر عن زيد بن أسلم رحمه الله تعالى عن عطاء بن يسار قال: جاءت حليمة

[ 384 ]

ابنة عبد الله أم النبي صلى الله عليه وسلم، فقام لها النبي صلى الله عليه وسلم، وبسط لها رداءه فجلست عليه. وهو مرسل جيد الإسناد. الوجه الثالث: ليس لقائل أن يقول: سلمنا أن القادمة أمه صلى الله عليه وسلم، فما الدليل على إسلامها حينئذ ؟ ولعل الدليل من قول من قال أسلمت وبايعت. وقول من قال: روت عن النبي صلى الله عليه وسلم. وروي عنها. قال الحافظ مغلطاي (1) رحمه الله تعالى: ورأيت ليلة الأحد ثاني وعشرين شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة في المنام عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام وسألته عنها فقال مجيبا: رضي الله تعالى عنها. ثم قال الحافظ مغلطاي: أنشدنا الإمام العالم العلامة أبو الحسن علي بن جابر الهاشمي رحمه الله تعالى لنفسه: أما حليمة مرضع المختار * * فبه غدت تزهى على الأخيار في جنة الفردوس دار مقامها * * أكرم بها يا صاحبي من دار قال الحافظ مغلطاي رحمه الله تعالى ورضي عنه: ومما قلته فيها من الأبيات رضي الله تعالى ونفعنا بها: أضحت حليمة تزدهي بمفاخر * * ما نالها في عصرها إثنان (2) منها الكفالة والرضاع وصحبة * * والغاية القصوى رضا الرحمن. وأما زوج حليمة أبو عبد الله الحارث فلم يذكره كثير ممن ألف في الصحابة. وذكره ابن إسحاق في رواية يونس بن بكير فقال: حدثني والذي إسحاق بن يسار عن رجال من بني سعد بن بكر قالوا: قدم الحارث بن عبد العزى أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فقالت له قريش، حين نزل عليه: ألا تسمع يا حارث ما يقول ابنك هذا ؟ قال ما يقول: قالوا يزعم أن الناس يبعثون بعد الموت وأن لله دارا من نار يعذب فيها من عصاه ودارا يكرم فيها من أطاعه شتت أمرنا وفرق جماعتنا. فأتاه فقال: أي بني مالك ولقومك يشانئونك ويزعمون أنك تقول إن الناس يبعثون بعد الموت ثم يصيرون إلى جنة ونار. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنا أزعم ذلك، ولو قد كان ذلك اليوم يا أبت لقد أخذت بيدك حتى * هامش * (1) مغلطاي بن قليج بن عبد الله البكجري المصري الحكري الحنفي، أبو عبد الله، علاء الدين: مؤرخ، من حفاظ الحديث، عارف بالأنساب. تركي الأصل، مستعرب. من أهل مصر. ولي تدريس الحديث في المدرسة المظفرية بمصر. وكان نقاده، له مآخذ على المحدثين وأهل اللغة. وتصانيفه أكثر من مئة، منها " شرح البخاري " و " شرح سنن ابن ماجة " سماه " الإعلام بسنته عليه السلام " و " إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال ". توفي سنة 762 ه‍. الأعلام 7 / 275. (2) في أ: اثنان. (*)

[ 385 ]

أعرفك حديثك اليوم ". فأسلم الحارث بعد ذلك فحسن إسلامه وكان يقول حين أسلم: لو قد أخذ ابني بيدي فعرفني ما قال لم يرسلني إن شاء الله تعالى حتى يدخلني الجنة. قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى: وبلغني أن الحارث إنما أسلم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

[ 386 ]

الباب الرابع في سياق قصة الرضاع وما وقع فيها من الآيات روى ابن إسحاق وابن راهوية وأبو يعلى والطبراني وابن حبان رضي الله عنهم عن عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنهما قال: حدثتني حليمة، والبيهقي وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وفي سنده من تكلم فيه لكن لأكثره شاهد قوي والبيهقي عن الزهري وأبو يعلى وأبو نعيم عن شداد بن أوس مرفوعا مختصرا، والإمام أحمد والدارمي عن عتبة بن عبد الله مرفوعا مختصرا، وأبو نعيم عن بريدة، وابن سعد وأبو نعيم وابن عساكر عن يحيى بن يزيد السعدي وابن سعد عن زيد بن أسلم - رضي الله عنهم - أن حليمة قالت: قدمت على أتان لي قمراء قد أزمت بالركب حتى شق ذلك عليهم ضعفا وعجفا ومعي صبي لنا وشارف لنا والله ما تبض بقطرة، وما ننام ليلنا أجمع، (من) (1) صبينا ذاك لا يجد في شارفنا ما يكفيه ولا في ثديي ما يغنيه فقدمنا مكة. وذكر العوفي رحمه الله تعالى أن عبد المطلب سمع وقت دخول حليمة مكة هاتفا يقول: إن ابن آمنة الأمين محمدا * * خير الأنام وخيرة الأخيار ما إن له غير الحليمة مرضع * * نعم الأمينة هي على الأبرار مأمونة من كل عيب فاحش * * ونقية الأثواب والأزرار لا تسلمنه إلى سواها إنه * * أمر وحكم جا من الجبار قالت: فو الله ما علمت امرأة منا إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه إذا قيل لها بانه يتيم، وذلك أنا إنما كنا نرجو المعروف من أبي الصبي، فكنا نقول يتيم ما عسى تصنع إمه وجده. فكنا نكرهه لذلك. فوالله ما بقي من صواحبي امرأة إلا أخذت رضيعا غيري، فلما لم أجد غيره قلت لزوجي: والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ليس معي رضيع، لأنطلقن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه. فذهبت فأخذته فجئت به رحلى. فقالت آمنة: يا حليمة قيل لي ثلاث ليال: استرضعي ابنك في بني سعد بن بكر ثم في آل أبي ذؤيب. قالت حليمة: فإن زوجي أبو ذؤيب. وإنها أخبرتها بما رأت في حمله صلى الله عليه وسلم وحين وضعته. قالت حليمة: فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي. بما شاء الله من لبن، فشرب حتى روي ثم شرب أخوه حتى روي ثم ناما. وقام زوجي إلى شارفنا فإذا إنها لحافل، فحلب * هامش * (1) سقط في أ. (*)

[ 387 ]

فشرب وشربت حتى انتهينا، وبتنا بخير ليلة. فقال صاحبي: تعلمي يا حليمة والله إني لأراك قد أخذت نسمة مباركة ألم تري إلى ما بتنا فيه الليلة من الخير والبركة حين أخذناه ؟ قلت: والله إني لأرجو ذلك. وفي حديث إسحاق بن يحيى عند ابن سعد أن اليهود مروا على حليمة فقالت: ألا تحدثوني عن ابني هذا فإني حملته كذا ووضعته كذا ورأيت كذا كما وصفت إمه. فقال بعضهم لبعض: اقتلوه فقالوا أيتيم هو ؟ قالت: لا هذا أبوه وأنا أمه فقالوا: لو كان يتيما قتلناه. قالت: ثم رجعنا وركبت أتاني وحملته عليها معي، فوالله لقد قطعت أتاني بالركب حتى ما يتعلق بها حمار، حتى إن صواحبي ليقلن لي يا بنت أبي ذؤيب ويحك ! اربعي علينا، أهذه أتانك التي خرجت عليها معنا ؟ فأقول نعم والله إنها لي فيقلن: والله إن لها لشأنا. وفي حديث الزهري أن حليمة نزلت به صلى الله عليه وسلم سوق عكاظ فرآه كاهن من الكهان فقال: يا أهل سوق عكاظ: اقتلوا هذا الغلام فإن له ملكا. فزاغت به حليمة فأنجاه الله تعالى منهم. ثم قدمنا أرض بني سعد، وما أعلم أرضا من أرض الله تعالى أجدب منه، فكانت غنمي تسرح ثم تروح شباعا لبنا فنحلب ونشرب وما يحلب إنسان قطرة لبن ولا يجدها في ضرع، إن كان الحاضر من قومنا ليقولون لرعاتهم: ويحكم انظروا حيث تسرح غنم حليمة فاسرحوا معهم. فيسرحون مع غنمي حيث تسرح فتروح أغنامهم جياعا ما فيها قطرة لبن وتروح غنمي شباعا لبنا. قالت: ولما دخلت به إلى منزلي لم يبق منزل من منازل بني إلا شممنا منه ريح المسك وألقيت محبته صلى الله عليه وسلم في قلوب الناس حتى إن أحدهم كان إذا نزل به أذى في جسده أخذ كفه صلى الله عليه وسلم فيضعها على موضع الأذى فيبرأ سريعا بإذن الله تعالى. وكانوا إذا اعتل لهم بعير أو شاة فعلوا ذلك. وروى أبو نعيم عن بعض من كان يرعى غنم حليمة أنهم كانوا يرون غنمها ما ترفع برؤوسها وترى الخضر في أفواهها وأبعارها، وما تزيد غنمنا على أن تربض ما تجد عودا تأكله. قالت حليمة: فلم يزل الله تعالى يرينا البركة ونتعرفها، حتى بلغ صلى الله عليه وسلم سنتين، فكان يشب شبابا لا يشبه الغلمان. وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كان أول كلام تكلم به صلى الله عليه وسلم به حين فطمته: الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا. وروى أبو نعيم عن بعض رعاة حليمة قالوا: مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم سنتين حين فطم

[ 388 ]

وكأنه ابن أربع سنين فقدموا به على أمه زائرين لها، وهم أحرص شئ على رده مكانه لما رأوا من عظم بركته، فلما كانوا بوادي السرر لقيت نفرا من الحبشة فرافقتهم فسألوها فنظروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نظرا شديدا ثم نظروا إلى خاتم النبوة بين كتفيه وإلى حمرة في عينيه فقالوا: هل يشتكي عينه ؟ قالت: لا ولكن هذه الحمرة لا تفارقه. قالوا: والله نبي. انتهى. قالت: فقدمنا به إلى أمه فلما رأته قلنا لها: اتركي ابننا عندنا هذه السنة فإننا نخاف عليه وباء مكة. فوالله ما زلنا بها حتى قالت نعم فسرحته معنا. وعند أبي نعيم عن بعض رعاة حليمة أنها مرت بذي المجاز وهي راجعة برسول الله صلى الله عليه وسلم وبه عراف يؤتى إليه بالصبيان ينظر إليهم فلما نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى الحمرة بين عينيه وإلى خاتم النبوة صاح: يا معشر العرب اقتلوا هذا الصبي فليقتلن أهل دينكم وليكسرن أصنامكم وليظهرن أمره عليكم. فانسلت به حليمة. زاد ابن سعد: فجعل الهذلي يصيح: يا لهذيل وآلهته إن هذا لينظر أمرا من السماء. وجعل يغري بالنبي صلى الله عليه وسلم، فلم ينشب أن دله فذهب عقله حتى مات كافرا. فأقمنا شهرين أو ثلاثة، وكان صلى الله عليه وسلم يخرج فينظر إلى الصبيان يلعبون فيجتنبهم. وفي حديث الزهري عند ابن سعد قال: كانت حليمة لا تدع رسول الله صلى الله عليه وسلم يذهب مكانا بعيدا، فغفلت عنه يوما فخرج مع أخته الشيماء في الظهيرة فخرجت حليمة تطلبه حتى وجدته مع أخته فقالت: في هذا الحر ؟ فقالت أخته: يا أمه ما وجد أخي حرارا رأيت غمامة تظل عليه إذا وقف وقفت وإذا سار سارت حتى انتهى إلى هذا الموضع. قالت: حقا يا بنية ؟ قالت: إي والله. انتهى. فقال لي يوما: يا أماه مالي لا أرى إخوتي بالنهار. قالت: يرعون بهما غنما لنا فيروحون من الليل إلى الليل. فقال: ابعثيني معهم. فكان صلى الله عليه وسلم يخرج مسرورا ويعود مسرورا. فلما كان يوما من ذلك خرج. فلما انتصف النهار إذ جاءنا أخوه يشتد فقال: يا أبة وياأمة إلحقا أخي محمدا فما تلحقانه إلا ميتا. قلت: وما قصته قال: بينا نحن قيام إذ أتانا رجل فاختطفه من أوساطنا وعلا به ذروة جبل ونحن ننظر إليه حتى شق من صدره إلى عانته. وعند ابن إسحاق ورجلان عليهما ثياب بيض فشقا بطنه فهما يسوطانه انتهى. وما أدري ما فعل. فأقبلت أنا وأبوه نسعى سعيا فإذا به قاعدا على ذروة الجبل شاخصا ببصره إلى السماء فنجده منتقعا لونه فأكببت عليه وقبلت بين عينيه وقلت: فدتك نفسي ما دهاك ؟ قال: خيرا يا أماه بينا أنا الساعة قائم إذ أتاني رهط ثلاث بيد أحدهم إبريق فضة وفي يد الثاني طست من زمردة خضراء ملآن ثلجا فأخذوني ونطلقوا بي إلى ذروة الجبل فأضجعوني إضجاعا لطيفا،

[ 389 ]

ثم شق أحدهم من صدري إلى عانتي وأنا أنظر إليه فلم أجد لذلك حسا ولا ألما ثم أدخل يده في جوفي فأخرج إحشاء بطني فغسلها بذلك الثلج فأنعم غسلها ثم أعادها. كذا في حديث ابن عباس عند البيهقي، وشداد بن أوس عند أبي يعلى، وأبي نعيم. وفي صحيح مسلم: فأتاه جبريل فأخذه فصرعه فشق عن قلبه واستخرج القلب، ثم شق القلب فاستخرج منه علقة سوداء فقال: هذا حظ الشيطان منك يا حبيب الله. ثم حشاه بشئ كان معه ورده مكانه ثم ختمه بخاتم النبوة من نور. فأنا الساعة أجد برد الخاتم في عروقي ومفاصلي. وقام الثالث فقال تنحيا فقد أنجزتما ما أمركما الله تعالى به. ثم دنا مني فأمر يده من مفرق صدري إلى منتهى عانتي فالتأم الشق بأذن الله تعالى. وفي حديث عبد الله بن عتبة: فأقبل إلى طائران أبيضان كأنهما نسران فقال أحدهما لصاحبه أهو هو ؟ قال: نعم فأقبلا يبتدراني فأخذاني فبطحاني للقفا فشقا بطني ثم استخرجا قلبي فشقاه فأخرجا منه علقتين سوداوين فقال أحدهما لصاحبه: ايتني بماء ثلج فغسلا به جوفي. ثم قال: ايتني بماء برد فغسلا به قلبي. ثم قال ايتني بالسكينة فذراها في قلبي. ثم أخذ بيدي فأنهضني إنهاضا لطيفا ثم قال الأول: زنه بعشرة من أمته فوزنوني بهم فرجحتهم. ثم قال: زنه بمائة فوزنوني بهم فرجحتهم ثم قال: زنه بألف من أمته. فوزنوني بهم فجعلت أنظر إلى الألف فوقي أشفق أن يخر علي بعضهم فرجحتهم، فقال: دعوه فلو وزنتموه بأمته كلها لرجحهم. ثم ضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني ثم قالوا: يا حبيب الله لم ترع إنك لو تدري ما يراد بك من الخير لقرت عيناك. قالت حليمة: فأتيت به منازل بني سعد فقال الناس: اذهبوا به إلى الكاهن حتى ينظر إليه ويداويه. فقال: ما بي شئ مما تذكرون إني أرى نفسي سليمة، وفؤادي صحيح. فقال الناس أصابه لمم أو طائف من الجن. فغلبوني على أمري فانطلقت به إلى الكاهن فقصصت عليه القصة فقال: دعيني أنا أسمع منه فإن الغلام أبصر بأمره منكم، تكلم يا غلام. فقص قصته عليه. فوثب الكاهن قائما على قدميه ونادى بأعلى صوته: يا للعرب من شر قد اقترب اقتلوا هذا الغلام واقتلوني معه فإنكم إن تركتموه وأدرك مدارك الرجال ليسفهن أحلامكم وليكذبن أربابكم وليدعونكم إلى رب لا تعرفونه ودين تنكرونه قالت: فلما سمعت مقالته انتزعته من يده وقلت لأنت أعته منه وأجن، ولو علمت هذا من قولك ما أتيتك به، اطلب لنفسك من يقتلك فإنا لا نقتل محمدا. فأتيت به منزلي فما أتيت منزلا من منازل بني سعد إلا وقد شممنا منه ريح المسك، فقال الناس: يا حليمة رديه إلى جده واخرجي من أمانتك. وقال زوجي: أرى أن نرده على أمه

[ 390 ]

لتعالجه، فوالله إن أصابه ما أصاب إلا حسدا من آل فلان لما يرون من عظيم بركته يا حليمة أخذناه ولنا أعنز عجاف فهن اليوم ثلاثمائة. قالت: فعزمت على ذلك. فسمعت مناديا ينادي: هنيئا لك يا بطحاء مكة اليوم يرد إليك النور والدين والبهاء والكمال فقد أمنت أن تخذلي أو تخزي أبد الآبدين. قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى: وزعم الناس فيما يتحدثون - والله تعالى أعلم - أن أمه السعدية لما قدمت به مكة أضلها في الناس وهي مقبلة نحو أهله، فألتمسته فلم تجده فأتت عبد المطلب فقالت: إني قدمت بمحمد هذه الليلة فلما كنت بأعلى مكة أضلني، فوالله ما أدري أين هو. فقام عبد المطلب عند الكعبة يدعو الله تعالى أن يرده صلى الله عليه وسلم عليه. زاد البيهقي رحمه الله تعالى: فقال عبد المطلب: يا رب إن محمدا لم يوجد * * فجمع قومي كلهم مبدد زاد ابن سعد وابن الجوزي فقال عبد المطلب: لا هم رد راكبي محمدا * * اردده لي ثم اتخذ عندي يدا أنت الذي جعلته لي عضدا * * لا يبعد الدهر به فيبعدا أنت الذي سميته محمدا فسمع هاتفا من السماء: أيها الناس لا تضجوا إن لمحمد صلى الله عليه وسلم ربا لن يخذله ولن يضيعه. فقال عبد المطلب: من لنا به ؟ فقال: إنه بوادي تهامة عند الشجرة اليمنى. فركب عبد المطلب نحوه وتبعه ورقة بن نوفل وسار فإذا النبي صلى الله عليه وسلم قائم تحت شجرة يجذب غصنا من أغصانها فقال له جده: من أنت يا غلام ؟ قال: أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب. قال: وأنا جدك فدتك نفسي. واحتمله وعانقه وهو يبكي ثم رجع إلى مكة وهو قدامه على قربوس فرسه فاطمأنت قريش، ونحر عبد المطلب عشرين جزورا وذبح الشياه والبقر وأطعم أهل مكة من ذلك. انتهى. قالت حليمة: فقالت أمه: ما ردكما به يا ظئر فقد كنتما عليه حريصين ؟ قلنا: نخشى الأتلاف والأحداث فقالت: ما ذاك بكما اصدقائي شأنكما. فلم تدعنا حتى أخبرناها خبره. فقالت: أخشيتما عليه الشيطان ؟ كلا والله ما للشيطان عليه سبيل، والله إنه لكائن لابني هذا شأن، ألا أخبركما خبره ؟ قلنا: بلى. قالت: حملت به فما حملت حملا قط أخف منه، فأريت في النوم حين حملت به خرج مني نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام، ثم وقع حين ولدته وقعا ما يقعه المولود، معتمدا على يديه رافعا رأسه إلى السماء. قالت حليمة: وحدثت عبد المطلب حديثه كله فقال: يا حليمة إن لابني هذا شأنا

[ 391 ]

وددت أني أدرك ذلك الزمان، ثم جهزني عبد المطلب أحسن جهاز وصرفني إلى منزلي بكل خير. وذكر ابن المعلى الأزدي رحمه الله تعالى في كتاب " الترقيص " أن من شعر حليمة مما كانت ترقص به النبي صلى الله عليه وسلم: يا رب إذ أعطيته فأبقه * * وأعله إلى العلا ورقه وادحض أباطيل العدا بحقه وذكر ابن سبع رحمه الله تعالى أن حليمة قالت: كنت أعطيه صلى الله عليه وسلم الثدي فيشرب منه ثم أحوله إلى الثدي الأيسر فيأبى أن يشرب منه. قال بعضهم: وذلك من عدله صلى الله عليه وسلم لأنه علم أن له شريكا في الرضاعة. وكان صلى الله عليه وسلم مفطورا على العدل مجبولا على جميل المشاركة والفضل صلى الله عليه وسلم وزاده فضلا وشرفا لديه. قال العزفي: رحمه الله تعالى: كان النساء يرين إرضاع أولادهن عارا عليهن. وقال غيره: لينشأ غريبا فيكون أنجب للغلام وأفصح له. وقال آخر: كان عادة العرب أن تفعل ذلك لتفرغ النساء للأزواج وهو منتف هنا لأن أباه توفي وهو حمل على الصحيح. قال الواقدي رحمه الله تعالى: وكان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقول: رجع صلى الله عليه وسلم إلى أمه وهو ابن خمس سنين. وكان غيره يقول: رجع إليها وهو ابن أربع سنين. وذكر الأموي - رحمه الله تعالى - أنه صلى الله عليه وسلم رجع وهو ابن ست سنين تزيره جده في كل عام، ولم تره بعد أن ردته إلا مرتين إحداهما بعد تزويج خديجة، جاءته صلى الله عليه وسلم تشكو إليه السنة وأن قومها قد أسنتوا فكلم لها خديجة فأعطتها عشرين رأسا من غنم وبكرات. المرة الثانية يوم حنين. لقد بلغت بالهاشمي حليمة * * مقاما علا في ذروة العز والمجد وزادت مواشيها وأخصب ربعها * * وقد عم هذا السعد كل بني سعد ويرحم الله تعالى العلامة بن جابر حيث قال: بخير الخلق يشرح كل صدر * * وعند الله حاز أجل قدر بشق الصدر خص كشق بدر * * كما خص الكليم بشق بحر وسعي الدوح جاء لدفع شك * * كسعي عصا الكليم لدفع سحر له الشرفان من عم وخال * * ففاق المرسلين بكل عصر بدا من خير بيت في قريش * * وأرضع في بني سعد بن بكر فضم إلى فصاحة آل سعد * * سماحة هاشم وجلال فهر

[ 392 ]

لقد سعدت حليمة حيث حازت * * رضاعته ونالت كل فخر فدر عليه منها الثدي حالا * * ولم يك قبل ذا يشفي بدر وأعلم أنه لأخيه حق * * فغادر ثديها الثاني بوفر وشارفها جرت لبنا فأروت * * وكانت لا تبض (1) لهم بقطر وأسرعت الأتان (2) به نهوضا * * فأعجب كل من في الركب يسري وكانت من وراء القوم ضعفا * * فصارت عن أمام القوم تجري فقالوا إن لابنك ذا لشأنا * * أخذت مباركا فثقي بيسر وكان يشب في شهر كعام * * إذا اعتبروا وفي يوم كشهر ويصبح دون صبيتهم دهينا * * كحيلا طيبا من غير عطر وكانوا في أشد الأرض جدبا * * فعم القطر منها كل قطر وخلف بيوتهم جبريل وافى * * فشق الصدر منه بغير ضر وألقى مغمز الشيطان منه * * فطهره فنال أتم طهر حشا منه الحشا علما وحلما * * وإيمانا على ورع وصبر وأكرمه الإله بشق صدر * * ووضع الوزر عنه ورفع ذكر فكان رضا بلا سخط وبذلا * * بلا بخل وخيرا دون شر له خلق الملائك وهو خلق * * من البشر الخصيص بكل بشر إله العرش أرسله بشيرا * * نذيرا داعيا لهدى ويسر فأبدلنا بهدي بعد جهل * * وعوضنا بيسر بعد عسر عليه صلاة رب العرش تندى * * كما تندى الرياض بكل فجر يواصل عرفها (3) آلا وصحبا * * كأن ثناهم نفحات زهر والشرف البوصيري حيث قال: وبدت في رضاعه معجزات * * ليس فيها عن العيون خفاء إذ أبته ليتمه مرضعات * * قلن ما في اليتيم عنا غناء فأتته من آل سعد فتاة * * قد أبتها لفقرها الرضعاء أرضعته لبانها فسقتها * * وبنيها ألبانهن الشياء


(1) انظر الوسيط 1 / 60. (2) الأتان: الأنثى من الحمير والجمع (آتن، أتن) المصباح المنير ص / 3 (3) العرف: الريح طيبة كانت أو خبيثة يقال: ما أطيب عرفه، وفي المثل: لا يعجر مسك السوء عن عرف، اللسان 4 / 2900. (*)

[ 393 ]

أصبحت شولا (1) عجافا وأمست * * ما بها شائل ولا عجفاء أخضب العيش عندها بعد محل * * إذ غدا للنبي منها غذاء يا لها منه لقد ضوعف الأج‍ * * ر عليها من جنسها والجزاء حيث أنبت سنابل والضع‍ * * ف لديه يستشرف الضعفاء وإذا سخر الإله أناسا * * لسعيد فإنهم سعداء وأتت جده وقد فصلته * * وبها من فصاله البرحاء إذ أحاطت به ملائكة الل‍ * * ه فظنت بأنهم قرناء ورأى وجدها به ومن الوج‍ * * د لهيب تصلى به الأحشاء فارقته كرها وكان لديها * * ثاويا لا يمل منه الثواء شق عن صدره وأخرج منه * * مضغة عند غسله سوداء ختمته يمنى الأمين وقد أو * * دع ما لم يذع له أنباء ضان أسراره الختام فلا ال‍ * * فض ملم به ولا الإفضاء ألف النسك والعبادة وال‍ * * خلوة طفلا وهكذا النجباء وإذا حلت الهداية قلبا * * نشطت في العبادة الأعضاء تنبيهات الأول: قال بعض العلماء: المراد بالوزن في قوله: " زنه بعشرة " إلى آخره: الوزن الاعتباري. فيكون المراد بالرجحان (الرجحان) في الفضل وهو كذلك. وفائدة فعل الملكين ذلك ليعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك حتى يخبر به غيره ويعتقده، إذ هو من الأمور الاعتقادية. وسألت شيخنا شيخ الإسلام برهان الدين بن يوسف - رحمه الله تعالى - عن ذلك فكتب لي بخطه: هذا الحديث يقتضي أن المعاني جعلها الله تعالى ذواتا، فعند ذلك قال الملك لصاحبه: اجعله في كفة واجعل ألفا من أمته في كفة. ففعل فرجح ما له صلى الله عليه وسلم رجحانا طاش معه ما للألف بحيث يخيل للرائي أنه يسقط عليه بعضهم. ولما عرف الملكان منه الرجحان وأنه معنى لو اجتمعت المعاني كلها التي للأمة ووضعت في كفة ووضع ماله صلى الله عليه وسلم في كفة لرجح على الأمة قالا: لو أن أمته وزنت به صلى الله عليه وسلم مال بهم لأن مآثر خير الخلق وما وهبه الله تعالى له من الفضائل يستحيل أن يساويها غيرها. انتهى. * هامش * (1) شولت الناقة: لحقت بظهورها من الجوع والهزال، الوسيط 1 / 501. (*)

[ 394 ]

الثاني: قال السهيلي - رحمه الله تعالى -: التماس الأجر على الرضاع لم يكن محمودا عند أكثر العرب، حتى جرى المثل: " تجوع الحرة فلا تأكل بثديها ". وتعقبه في الزهر بأن المثل غير مسوق لذلك. قال المفضل الضبي - رحمه الله تعالى - في كتاب " الفاخر ": تجوع الحرة ولا تأكل بثديها أي ولا تهتك نفسها وتبدي منها مالا ينبغي أن تبدي. وذكر مثله محمد بن سعد العراقي - رحمه الله تعالى - في " نزهة الأنفس " في الأمثال. قلت: قال الميداني (1) تبعا لأبي عبيد - رحمهما الله تعالى -: أي لا تكون ظئرا وإن آذاها الجوع. ثم قال السهيلي: وكان عند بعضهم لا بأس به فقد كانت حليمة وسيطة في بني سعد كريمة من كرائم قومها بدليل اختيار الله تعالى إياها لإرضاع نبيه صلى الله عليه وسلم كما اختار له أشرف البطون والأصلاب، والرضاع كالنسب. قال: ويحتمل أن تكون حليمة ونساء قومها طلبن الرضاع اضطرارا للأزمة التي أصابتهم والسنة الشهباء التي أقتحمتهم (2). والله تعالى أعلم. الثالث: قول آمنة: " فلم أر حملا كان أخف علي منه " يفهم منه أنها حملت بغيره صلى الله عليه وسلم. وقد ورد ما هو أصرح منه. قال ابن سعد أخبرنا عمرو بن عاصم أخبرنا همام عن إسحاق بن عبد الله، قال: قالت أم النبي صلى الله عليه وسلم: قد حملت الأولاد فما حملت أخف منه. قال ابن سعد - رحمه الله تعالى: قال محمد بن عمر يعني الواقدي - وهذا مما لا يعرف عندنا ولا عند أهل العلم، لم تلد آمنة ولا عبد الله غير النبي صلى الله عليه وسلم. قال الواقدي: وحدثني محمد وعبد الله بن أخي الزهري، عن الزهري - رحمه الله تعالى - قال: قالت آمنة: لقد علقت به فما وجدت له مشقة حين وضعته. وأخرجه عن الواقدي من وجه آخر مطولا وفيه: ما شعرت به ولا وجدت - له ثقلة كما تجد النساء. قال الحافظ: إن كان إسحاق بن عبد الله هو ابن أبي طلحة فهو مرسل رجاله رجال


(1) أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم الميداني النيسابوري، أبو الفضل: الأديب البحاث، صاحب " مجمع الأمثال " ومن كتبه " نزهة الطرف في علم الصرف " و " السامي في الأسامي " في اللغة، و " الهادي للشادي " نحو، و " شرح المفضليات ". توفي سنة 518 ه‍. انظر الأعلام 1 / 214، وبغية الوعاة 155. (2) في أ: التي اقتحمتهم. (*)

[ 395 ]

الصحيح. فلا يمتنع أن تكون آمنة أسقطت من عبد الله سقطا فأشارت بذلك إليه فتجتمع الروايات إن قبلنا كلام الواقدي. بل جازف سبط ابن الجوزي - رحمه الله تعالى - كعادته فقال: أجمع علماء النقل على أن آمنة لم تحمل بغير رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنى قولها: لم أحمل حملا أخف منه خرج على وجه المبالغة، أو على أنه وقع اتفاقا. كذا قال: ولا يخفى وهي كلامه. والذي جمعت به أقرب. قلت: وقد تقدم الجمع بين أحاديث وجود النقل وأحاديث عدمه في أبواب المولد فليراجع. والله تعالى أعلم. الرابع: في بيان غريب ما تقدم: نلتمس: نطلب. ووقع في سيرة ابن إسحاق: والتمس لرسول الله صلى الله عليه وسلم الرضعاء. قال ابن هشام - رحمه الله تعالى - إنما هو المراضع جمع مرضع. والرضعاء جمع رضيع. ولكن لرواية ابن إسحاق مخرج من وجهين: أحدهما: حذف المضاف: كذوات الرضعاء. والثاني أن يكون أراد بالرضعاء الأطفال على حقيقة اللفظ لأنهم إذا وجدوا له مرضعة ترضعه فقد وجدوا له رضيعا يرضع معه. فلا بد أن يقال: التمسوا له رضعاء علما بأن الرضيع لا بد له من مرضع. سنة شهباء: يعني سنة القحط والجدب، لأن الأرض تكون فيها بيضاء. الأتان: بفتح الهمزة والمثناة الفوقية: الأنثى من الحمير. قال في القاموس، والأتانة لغة سليمة. أذمت بالركب: بذال معجمة. كما ذكره في الجمهرة والصحاح والنهاية. وفيها: قال في الجمهرة: أذمت الراحلة إذا أعيت ولم يكن بها حراك. وقال في الصحاح: أذمت الركاب القوم: أي أعيت وتأخرت عن جماعة الإبل ولم تلحق بها. عجفاء: بفتح العين المهملة والجيم وبالفاء: العجف: الهزال. والأعجف: المهزول والأنثى عجفاء والجمع عجاف. قمراء: في لونها بياض. الشارف: بالشين المعجمة والراء المكسورة والفاء: الناقة المسنة. تبض: بفتح المثناة الفوقية وبكسر الموحدة وبضاد مشددة أي لا تقطر ولا ترشح ويروى بالمهملة: أي لا يبرق عليها أثر اللبن. ما يغذيه: بمعجمتين: من الغذاء. وفي قولها: إنه يتيم إلى آخره رد لقول من ذكر أن عبد الله أباه استأجر له حليمة، كما رواه عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي أحد الضعفاء.

[ 396 ]

الرجل: بحاء مهملة: سكن الشخص وما يستصحبه من الإناث. والرجل: المنزل والمأوى. الحافل: الممتلئة الضرع من اللبن، والحفل: اجتماع اللبن في الضرع. ريا: بكسر الراء وتشديد المثناة التحتية. تعلمي: بمثناة فوقية فعين مهملة فلام مشددة مفتوحات: أي اعلمي. النسمة محركة: الإنسان والبدن والروح والنفس. قطعت بالركب: خلفتهم وراءها. يتعلق بها حمار: يلحقها. ويحك بالنصب بإضمار فعل: كلمة ترحم وتوجع تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها وقد تقال بمعنى المدح والتعجب. اربعي: إذا ابتدأت به كسرت همزته وهي همزة وصل وبالموحدة المفتوحة: أي أقيمي وانتظري. يقال ربع فلان على فلان إذا أقام به وانتظره. عكاظ بالضم: سوق بمكة وراء قرن المنازل يصرف ويمنع. قال ابن حبيب - رحمه الله تعالى -: قريب من عرفات. الكاهن: الذي يدعي علم الغيب. راغت: براء وغين معجمة: مالت عنه. أجدب بجيم فدال مهملة فموحدة: ضد الخصب بكسر الخاء المعجمة. تروح: ترجع بعشي. لبنا: بضم اللام وتشديد الباء الموحدة: أي كثيرة اللبن، قلت: وبضم اللام وكسرها لغتان. الحاضر: جماعة القوم المجتمعون على الماء. يريحون: يرجعون من المرعى. يشب: بكسر الشين المعجمة. جفرا: غليظا شديدا ومنه الجفر والجفرة من المعز، ويقال هو الصبي ابن أربعة أعوام ونحوها. الوباء: بالهمزة والقصر: كثرة الأمراض والموت. فسرحته: أرسلته. ذو المجاز بالجيم والزاي: سوق كانت تقام في الجاهلية على فرسخ من عرفات. العراف: مشدد بمعنى المنجم والكاهن. والعراف: الذي يخبر بالماضي، والكاهن بالماضي والمستقبل. الهذلي: بضم الهاء وفتح الذال المعجمة. يغري به: يولع.

[ 397 ]

ينشب: يلبث. دله: بدال مهملة وتقديم اللام على الهاء قاله في النهاية أي ذهب عقله ودهش. بهم: بفتح الموحدة جمع بهمة وهي ولد الضأن. قاله في النهاية. ذروه الجبل بكسر الذال المعجمة: أعلاه. يسوطانه: يقال: سطت اللبن والدم وغيرهما: إذا ضربت بعضه في بعض وحركته، واسم العود الذي يحرك به: المسوط. منتقعا لونه: بنون ومثناة فوقية وقاف مفتوحة أي متغيرا، يقال انتقع وجه الرجل: إذا تغير، ويقال امتقع بالميم وبالباء الموحدة أيضا. يقال انتقع لونه فهو منتقع وامتقع فهو ممتقع. وابتقع فهو مبتقع بفتح القاف في الكل أحشاء بطني: جمع حشا بالقصر: المعى. لأمه بوزن ضربه: شده. لم ترع: لا ترع ولاخوف عليك. اللمم: طيف من الجن أو طرف من الجنون. طائف: عرض له شيطان. أعته: أنقص عقلا. الظئر بهمزة ساكنة ويجوز تخفيفها: الناقة تعطف على ولد غيرها، ومنه قيل للمرأة الأجنبية تحضن ولد غيرها: ظئر. والرجل الحاضن: ظئر أيضا. الربع بفتح الراء وسكون الموحدة: محلة القوم ومنزلتهم، وقد أطلق على القوم مجازا. الدوح: جمع دوحة، وهي الشجرة العظيمة. القطر بفتح القاف: المطر. القطر بضم القاف: الناحية. مغمز الشيطان بفتح الميم الأولى وإسكان الغين المعجمة وكسر الميم الثانية وآخره زاي: وهو الذي يغمزه الشيطان من كل مولود إلا عيسى ابن مريم وأمه، لقول أمها حنة: (إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم). قال السهيلي: ولا يدل هذا على أفضلية عيسى على نبينا صلى الله عليه وسلم لأنه عندما نزع ذلك منه ملئ حكمة وإيمانا - بعد أن غسله روح القدس بالثلج والبرد، ولهذا مزيد بيان يأتي في باب شق صدره الشريف. بدت: ظهرت.

[ 398 ]

أبى: امتنع. الغناء بالفتح: النفع. الفتاة: الشابة من الإناث. الرضعاء: جمع رضيع. اللبان بالكسر: كالرضاع، يقال هو أخوه بلبان أمه. قال في الصحاح: قال ابن السكيت: ولا يقال بلبن أمه إنما اللبن: الذي يشرب. الشياه: جمع شاة في الكثرة. الشول بالتشديد جمع شائل من غيرها وهي في الأصل الناقة التي تشول بذنبها للقاح ولا لبن لها أصلا، كراكع وركع وساجد وسجد. واستعمل الناظم ذلك في الشياه. الخصب بالكسر نقيض الجدب. المحل: الجدب وهو انقطاع المطر ويبس الأرض من الكلأ. العيش: الحياة. الغذاء بالغين والذال المعجمتين: ما يغتذى به من الطعام. الأناس: لغة في الناس. يالها: كلمة تعجب. من عليه: أنعم. تضعيف الشئ: أن يزاد عليه مثله أو أكثر. الأجر: الثواب. الجزاء: المجازاة. السعد: اليمن والبركة. السعادة: خلاف الشقاوة. العصف: ورق النبات اليابس. يستشرف: يتطلع. الفصال: انتهاء الرضاع بالفطام. البرحاء بضم الباء وفتح الراء وفتح الحاء المهملة: شدة الأذى. أحاطت: أحدقت به. القرناء: الشياطين. الوجد: شدة الحب.

[ 399 ]

الأحشاء: جمع حشا، وهو ما انضمت عليه الضلوع. ثوى بالمكان: أقام به، يثوي ثواء وثويا. الأمين هنا: جبريل. يذع: بالذال المعجمة: من ذاع الخبر: انتشر. الأنباء: جمع نبأ وهو الخبر. صان: كتم. الختام: ما يختم به من طين ونحوه. الفض بالفاء والضاد المعجمة: الكسر والتفرق. الإفضاء: إشاعة السر. ألف الشئ: اعتاده. النسك والعبادة بمعنى. الخلوة: المكان الذي لا أحد فيه. النجباء: جمع نجيب وهو الكريم البين النجابة. النشاط: ضد الكسل. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.

[ 400 ]

جماع أبواب أسمائه صلى الله عليه وسلم وكناه قد أفردها بالتصنيف خلائق، ونظمها جماعة منهم الشيخ الإمام العلامة أبو عبد الله القرطبي المفسر والعلامة الزيني عبد الباسط بن الإمام العلامة بدر الدين البلقيني أحد السادة العدول بخط الجمالية - رحمه الله تعالى - في قصيدة ميمية طنانة بديعة لم ينسج على منوالها ناسج، وشرحها شرحا مبدعا كثير الفوائد فردا في بابه، فشكر الله تعالى سعيه وتقبل منه، سماها " الاصطفاء " وشرحها بالوفاء في شرح الاصطفاء. وحيث قلت: ذكر في الشرح أو النظم. أو شرح النظم: فهما المرادان. غير أنه - رحمه الله تعالى - لم يرتب الأسماء على حروف المعجم، بل بحسب ما اتفق فعسر الكشف فيها وأحسن ما عمل في ذلك: " الرياض الأنيقة في شرح أسماء خير الخليقة " للشيخ - رحمه الله تعالى -. ولخصت مقاصد الكتابين هنا مع زوائد كثيرة من كتاب " جلاء الأفهام " وكتاب " زاد المعاد " - كلاهما للعلامة ابن القيم. والقول البديع للحافظ أبي الخير السخاوي، والمواهب لشيخنا العلامة أبي الفضل أحمد بن الخطيب القسطلاني ومن غير ذلك. وانحصر لي الكلام على الأسماء والكنى في أربعة أبواب: الباب الأول في فوائد كالمقدمة للأبواب الآتية قال العلماء رضي الله تعالى عنهم: كثرة الأسماء دالة على عظم المسمى ورفعته، وذلك للعناية به وبشأنه، ولذلك ترى المسميات في كلام العرب أكثرها محاولة واعتناء. قال الإمام النووي - رحمه الله تعالى -: وغالب هذه الأسماء التي ذكروها إنما هي صفات، كالعاقب والحاشر فإطلاق الاسم عليها مجاز. وقال في الاصطفاة: فإن قيل: غالب هذه الأسماء صفات مثل الماحي والمختار ونحوهما قلت: كثيرا ما يطلق الأسماء على الصفات لاشتراكهما في تعريف الذات وتمييزها عن غيرها، وذلك من باب التغليب. انتهى.

[ 401 ]

وقال ابن عساكر - رحمه الله تعالى -: وإذا اشتقت أسماؤه صلى الله عليه وسلم من صفاته كثرت جدا. وقال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: أسماؤه صلى الله عليه وسلم إذا كانت أوصاف مدح، فله من كل وصف اسم، لكن ينبغي أن يفرق بين الوصف المختص به أو الغالب عليه ويشتق له منه اسم، وبين الوصف المشترك فلا يكن له منه اسم يخصه. وقال الشيخ: وكثير من هذه الأسماء لم يرد بلفظ الاسم، بل أتى بصيغة المصدر والفعل وقد اعتبر ذلك القاضي وابن دحية وغيرهما، واعتبره الجمهور خصوصا أصحاب الحديث في أسماء الله تعالى. انتهى. وقال ابن القيم: لما كانت الأسماء قوالب المعاني ودالة عليها اقتضت الحكمة أن يكون بينها وبينها ارتباط وتناسب، وأن لا تكون معها بمنزلة الأجنبي المحض الذي لا تعلق له بها فإن حكمة الحكيم تأبى ذلك والواقع يشهد بخلافة، بل للأسماء تأثير في المسميات وللمسيمات تأثير في أسمائها في الحسن والقبح والثقل واللطافة والكثافة كما قيل: وقل أن أبصرت عيناك ذا لقب * * إلا ومعناه إن فكرت في لقبه إذا علمت ذلك تأمل كيف اشتقت للنبي صلى الله عليه وسلم من صفاته أسماء مطابقة لمعناها، فضمن الله تعالى أسماء رسوله صلى الله عليه وسلم ثناءه وطوى أثناء ذكره عظيم شكره. وقال غيره: الأسماء جمع اسم وهو كلمة وضعتها العرب بإزاء مسمى متى أطلقت فهم منها ذلك المسمى. فعلى هذا لا بد من مراعاة أربعة أمور: الاسم والمسمى بفتح الميم والمسمي بكسرها والتسمية. فالاسم: هو اللفظ الموضوع على الذات لتعريفها أو لتخصيصها عن غيرها كلفظ زيد. والمسمى هو الذات المقصود تمييزها بالاسم كشخص زيد. والمسمي هو الواضع لذلك اللفظ. والتسمية هي اختصاص ذلك اللفظ بتلك الذات. والوضع: تخصيص لفظ بمعنى إذا أطلق أو أحس فهم ذلك المعنى. تنبيه: نقل الغزالي - رحمه الله تعالى - الاتفاق، وأقره الحافظ في الفتح على أنه لا يجوز لنا أن نسمي رسول الله صلى الله عليه وسلم باسم لم يسمه به أبوه ولا سمى به نفسه الشريفة والله تعالى أعلم.

[ 402 ]

الباب الثاني في الكلام على قوله صلى الله عليه وسلم: " لي خمسة أسماء (1) وطرقه اعلم أنه ورد من حديث جبير بن مطعم، وجابر بن عبد الله وعوف بن مالك وأبي موسى وحذيفة بن اليمان وابن مسعود وابن عباس، وأبي الطفيل - رضي الله تعالى عنهم -. حديث جبير رواه عنه ابنه محمد، ونافع. ورواه عن محمد الزهري، وعنه خلق منهم سفيان بن عيينة وشعيب بن أبي حمزة، ومعمر بن راشد، ومالك بن أنس، ومحمد بن ميسرة - رحمهم الله أجمعين -. ذكر رواية سفيان لفظ روايته فيما رواه الإمام أحمد ومسلم والترمذي في الجامع والشمائل: " إن لي خمسة أسماء: أنا محمد، وإنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي " (2) ولفظ رواية شعيب فيما رواه الشيخان والدارمي كلفظ رواية سفيان. ولفظ معمر فيما رواه الشيخان والطبراني كلفظ رواية سفيان، لم يذكروا خمسة وإنما وقعت هذه اللفظة في رواية الإمام مالك ومحمد بن ميسرة. ولفظ رواية مالك فيما رواه يحيى بن بكير عنه، عن ابن شهاب، عن محمد بن جبير - رحمهم الله تعالى - أن النبي صلى الله عليه سلم قال: " إن لي خمسة أسماء أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على عقبي، وأنا العاقب ". قال ابن عبد البر - رحمه الله تعالى -: وهو مرسل في رواية يحيى ووصله عنه معن بن عيسى وغيره. وقد ذكره الدار قطني في أوهام مالك. قال الشيخ: وقد رواه البخاري من طريقه موصولا. قلت: قال الحافظ: كذا وقع موصولا من عند معن بن عيسى عن مالك. وقال الأكثر: عن مالك، عن الزهري، عن محمد بن جبير مرسلا. ووافق معنا على وصله، عن مالك جويرية بن أسماء عند الإسماعيلي ومحمد بن المبارك عن عبد الله بن نافع عن أبي عوانة


(1) أخرجه البخاري من حديث جبير بن مطعم 5 / 24 كتاب المناقب (3532) ومسلم 4 / 1728 (124 - 2354) وابن سعد في الطبقات 1 / 1 / 65، وابن عبد البر في التمهيد 9 / 151 - 152. والبيهقي في الدلائل 1 / 154. (2) انظر التخريج السابق. (*)

[ 403 ]

وأخرجه الدار قطني في الغرائب عن آخرين عن مالك، وقال إن أكثر أصحاب مالك أرسلوه. قال الحافظ: وهو معروف الاتصال عن غير مالك وصله يونس بن زيد وعقيل، ومعمر وحديثهم عند مسلم. وشعبة وحديثه عند المصنف في التفسير، يعني البخاري، وابن عيينة عند مسلم، والترمذي، كلهم عن الزهري. ولفظ رواية محمد بن ميسرة: " إن لي خمسة أسماء أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب يعني الخاتم " (1). رواه البيهقي. ذكر رواية نافع بن جبير عن أبيه: " أنا محمد وأنا أحمد والحاشر والماحي والخاتم والعاقب ". رواه الإمام أحمد والبيهقي وأبو نعيم. قال الشيخ - رحمه الله تعالى -: هكذا عدها وهي ستة وفيها دلالة على أنه لم يقع له لفظ خمس من النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما قال: لي أسماء. فذكر منها جبير ما ذكر أو ذكرها كلها وحفظ منه بعضها. وقال عبد الملك بن مروان لنافع: أتحصي أسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كان جبير بن مطعم يعدها ؟. قال: نعم هي ستة: محمد وأحمد وخاتم وحاشر وعاقب وماحي. فأما حاشر: فيبعث مع الساعة نذيرا لكم بين يدي عذاب شديد. وأما عاقب فإنه عقب الأنبياء وأما ماحي فإن الله محا به سيئات من اتبعه. رواه يعقوب بن سفيان بسند رجاله ثقات، والحاكم وصححه، والبيهقي وأبو نعيم. وقال ابن دحية: هو مرسل حسن الإسناد. وقال الشيخ: بل هو متصل، فإن نافعا رواه عن أبيه وإنما لم يذكره لتقدم قول عبد الملك: التي كان جبير يعدها. حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنا أحمد، وأنا محمد، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وإذا كان يوم القيامة كان لواء الحمد بيدي وكنت إمام المرسلين وصاحب شفاعتهم ".


(1) انظر التخريج السابق. (*)

[ 404 ]

رواه الطبراني في الأوسط وأبو نعيم من طريقه. طريق أخرى وفيه حديث عائشة وأنس وعلي وأسامة بن زيد وابن عباس رضي الله تعالى عنهم. روى ابن عدي عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن لي عند ربي عشرة أسماء: " أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا العاقب الذي ليس بعدي نبي، وأنا الحاشر الذي يحشر الخلائق معي على قدمي، وأنا رسول الرحمة، ورسول التوبة، ورسول الملاحم، وأنا المقفي قفيت النبيين، وأنا قثم ". قال: والقثم: الكامل. في سنده: أبو البختري وهب بن وهب وهو متهم (1). حديث عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه: قال: انطلق النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم وأنا معه، حتى دخلنا كنيسة اليهود يوم عيدهم فكرهوا دخولنا عليهم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا معشر اليهود والله لأنا الحاشر وأنا العاقب وأنا المقفي آمنتم أو كذبتم " ثم انصرف وأنا معه (2). رواه أبو نعيم. حديث أبي موسى رضي الله تعالى عنه: قال: سمى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسماء فمنها ما حفظناه قال: " أنا محمد وأنا أحمد والمقفي والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة " رواه أبو نعيم والمحاملي. ورواه الإمام أحمد ومسلم بلفظ: منها ما حفظناه ومنها ما لم نحفظ، قال: " أنا محمد وأنا أحمد وأنا الحاشر وأنا العاقب والمقفي. ونبي الرحمة والتوبة والملحمة " ولفظ مسلم: ونبي الملحمة. حديث حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما. قال: لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض طرق المدينة فقال: " أنا محمد وأنا أحمد وأنا نبي الرحمة ونبي التوبة وأنا المقفي وأنا الحاشر ونبي الملاحم ". رواه الإمام أحمد والترمذي في الشمائل ورجاله ثقات (3). حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في سكة


(1) أخرجه ابن عدي في الكامل 7 / 64 وأبو نعيم في الدلائل 1 / 12. (2) أخرجه أحمد في المسند 6 / 25. (3) أخرجه أحمد في المسند 5 / 405، شرح شمائل الترمذي 2 / 228. (*)

[ 405 ]

من سكك المدينة: " أنا محمد وأنا أحمد والحاشر والمقفي ونبي الرحمة ". رواه ابن حبان. حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنا أحمد ومحمد والحاشر والمقفي والخاتم ". رواه الطبراني من طريق الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما ولم يلقه (1). حديث أبي الطفيل رضي الله تعالى عنه: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لي عشرة أسماء " قال أبو الطفيل: حفظت ثمانية وأنسيت اثنتين: " أنا محمد وأحمد والفاتح والخاتم وأبو القاسم والحاشر والعاقب والماحي الذي يمحو الله بي الكفر " قال سيف بن وهب: فحدثت الحديث أبا جعفر فقال: ياسيف ألا أخبرك بالإسمين ؟ قلت: بلى. قال طه ويس (2). رواه ابن مردويه وأبو نعيم والديلمي. قال ابن دحية رحمه الله تعالى: هذا سند لا يساوي شيئا يدور على وضاع وهو أبو يحيى وضعيف وهو سيف. وأقره الشيخ على ذلك. وليس كذلك فإن أبا يحيى التميمي اثنان أحدهما إسماعيل بن يحيى بن عبيد الله بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، فهذا هو الوضاع المجمع على تركه، وليس هو الذي في سند هذا الحديث. والثاني أبو يحيى إسماعيل بن إبراهيم التيمي. كذا سمي هو وأبوه وفي رواية ابن عساكر وهو كما قال الحافظ في التقريب ضعيف. والله تعالى أعلم. فصل قال الإمام المحدث أبو عبد الله أحمد بن محمد العزفي - وهو بفتح العين المهملة والزاي وقيل ياء النسب فاء وهو من تلامذه القاضي، وأبو العباس القرطبي شارح مسلم: إنه صلى الله عليه وسلم قال: " لي خمسة أسماء قبل أن يطلعه الله تعالى على بقية أسمائه ". ولابن عساكر في ذلك احتمالان أحدهما أن يكون ذلك العدد فيه لبس من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم وفيه كما قال ابن دحية والحافظ نظر. زاد الحافظ: لتصريحه في الحديث بقوله: " إن لي خمسة أسماء ".


(1) أخرجه أحمد في المسند 4 / 81، وابن حبان (2095)، والطبراني في الكبير 2 / 138، وابن سعد في الطبقات 1 / 1 / 65، والبيهقي في الدلائل 1 / 125. (2) انظر الشفا للقاضي عياض 1 / 448. (*)

[ 406 ]

الثاني: أن يكون ذلك من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يقتضي ذلك الحصر. وخص هذه الخمسة بالذكر إما لعلم السامع بما سواها، فكأنه قال لي خمسة أسماء فاضلة معظمة، أو لشهرتها كأنه قال لي: خمسة أسماء مشهورة أو لغير ذلك مما يحتمله اللفظ من المعاني، وهذا الاحتمال استظهره ابن دحية والحافظ وزاد: أو: " إن لي خمسة أسماء أختص بها لم يسم بها أحد قبلي ". وقال القاضي: إنما خصت هذه الأسماء بالذكر لأنها موجودة في الكتب المتقدمة وعند أولي العلم من الأمم السابقة. وتعقب بأن أسماءه الموجودة في الكتب المتقدمة أكثر من ذلك. وقال الشيخ: إن قوله لي خمسة أسماء لا ينافي أن له أكثر من ذلك لأن قواعد الأصول أن العدد لا يخصص، وكم ورد في الأحاديث ذكر أعداد لم يقصد الحصر منها، كحديث " سبعة يظلهم الله في ظل عرشه " وقد وردت أحاديث بزيادة عليها ويحضرني الآن منها سبعون. وغير ذلك مما هو مشهور. قلت يأتي بيانها في الخصائص مع زيادة إن شاء الله تعالى.

[ 407 ]

الباب الثالث في ذكر ما وقفت عليه من أسمائه الشريفة صلى الله عليه وسلم وشرحها وما يتعلق بها من الفوائد قال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: قال بعض الصوفية: لله تعالى ألف اسم، وللنبي صلى الله عليه وسلم اسم شريف. قلت: والذي وقفت عليه من ذلك خمسمائة اسم، مع أن في كثير منها نظرا وها أنا ذاكر ما رأيته معزيا كل اسم لم يرد في القرآن ولا في السنة برموز فللقاضي " يا " وللعزفي " ع " ولابن دحية " د " ولأبي الفتح ابن سيد الناس " ح " ولشيخنا الأسيوطي " ط " وللسخاوي " خا " وللشيخ عبد الباسط البلقيني " عا " ومن عداهم صرحت به. " محمد " قال الله سبحانه وتعالى: (وما محمد إلا رسول الله) قال ابن القيم رحمه الله تعالى: هو علم وصفة اجتمع فيه الأمران في حقه صلى الله عليه وسلم وإن كان علما محضا في حق كثير ممن يسمى به غيره صلى الله عليه وسلم. وهذا شأن أسماء الرب تبارك وتعالى وأسماء نبيه صلى الله عليه وسلم، هي أعلام دالة على معان هي بها أوصاف مدح فلا تضاد فيها العلمية الوصفية بخلاف غيرها من أسماء المخلوقين. فهو الله الخالق البارئ المصور القهار. فهذه أسماء له تعالى دالة على معان له هي صفات. وكذلك أسماء النبي صلى الله عليه وسلم وإلا لو كانت أعلاما محضة لا معنى لها لم تدل على مدح. وهي في الأصل اسم مفعول منقول من صفة الحمد وهو بمعنى محمود، وهو يتضمن الثناء على المحمود ومحبته وإجلاله وتعظيمه، وهذا هو حقيقة الحمد وبني على زنة مفعل بتشديد العين مثل معظم ومبجل لأن هذا البناء موضوع للتكثير فإن اشتق منه اسم فاعل فمعناه من كثر صدور الفعل منه مرة بعد مرة كمعلم ومفهم ومفرح وإن اشتق منه اسم مفعول فمعناه من تكرر وقوع الفعل عليه مرة بعد أخرى، أو الذي يستحق له الحمد إما استحقاقا أو وقوعا. فمحمد هو الذي كثر حمد الحامدين له. مرة بعد مرة، كالممدوح كما قال الأعشى: إليك أبيت اللعن كان وجيفها * * إلى الماجد القرم الجواد المحمد (1) * هامش * (1) البيت من قصيدة في مدح النعمان بن المنذر ومطلعها: أترحل من ليلى، ولما تزود ؟ * * وكنت كمن قضى اللبانة متردد ورواية البيت في الديوان: إليك - أبيت اللعن - كان كلالها * * إلى الماجد الفرع الجواد المحمد وكلالها أي: إرهاقها انظر ديوان الأعشى الكبير، ص 58، 59 والأغاني 9 / 81، ط بولاق.

[ 408 ]

أي الذي حمد مرة بعد مرة أو الذي تكاملت فيه الخصال المحمودة. انتهى. وهو أشهر أسمائه صلى الله عليه وسلم وأجلها، ولذلك اختص بأمور منها: أنه لا يصح إسلام الكافر حتى يتلفظ به بأن يقول: محمد رسول الله. فلا يكفي أحمد. وجوزه الإمام الحليمي بشرط أن يضم إليه: أبا القاسم. ومنها: أنه يتعن الإتيان به في التشهد لا يكفي غيره من أسمائه ولا أحمد. كما في شرح المهذب والتحقيق. وكذلك الخطبة. ومنها: أنه على أربعة أحرف ليوافق اسم الله تعالى، فإن الاسم الكريم على أربعة أحرف. ومنها: أن الله تعالى قرنه مع اسمه كما تقدم بيان ذلك في كتابة اسمه على العرش. ويأتي له تتمة. ومنها: أن الله تعالى اشتقه من اسمه المحمود، كما قال حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه: وضم الإله اسم النبي إلى اسمه * * إذا قال في الخمس المؤذن أشهد وشق له من اسمه ليجله * * فذو العرش محمود وهذا محمد (2) وروى البخاري في تاريخه الصغير، عن علي بن زيد رحمه الله تعالى قال: كان أبو طالب يقول: فشق له من اسمه ليجله * * فذو العرش محمود وهذا محمد ومنها: أنه يخرج منه بالضرب مع الكسر والبسط عدد المرسلين، وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر، وذلك أن فيه الميم الأولى والثانية المشددة بحرفين والميم إذا كسرت فهي م ي م وكل ميم بتكسيرها في الحساب تسعون، إذ الميم بأربعين والياء بعشرة فالثلاثة مائتان وسبعون والدال خمسة وثلاثون لأن الدال بأربعة والألف بواحد واللام بثلاثين والحاء بثمانية ولا تكسير فيها. ومنها: أن آدم يكنى به في الجنة دون سائر بنيه كما سيأتي. ومنها: قال ابن العماد رحمه الله تعالى في كتاب " كشف الأسرار ": سخرت الشياطين لسليمان بذكره صلى الله عليه وسلم.


(2) البيتان من قصيدة من الطويل مطلعها: أغر عليه للنبوة خاتم * * من الله مشهود يلوح ويشهد وقد ضبط شارح الديوان اسم النبي بالرفع والصواب أنه بالنصب لأنه مفعول، انظر ديوان حسان بن ثابت ص 54، 55 ط دار الكتب العلمية.

[ 409 ]

ومنها: جرت سفينة نوح باسمه صلى الله عليه وسلم. قال: وقال قوم: إن معنى الميم محق الكفر بالإسلام. أو محى سيئات من اتبعه. وقيل الميم: من الله على المؤمنين. بمحمد صلى الله عليه وسلم. دل عليه قوله تعالى: (لقد من الله على المؤمنين). وقيل: الميم: ملك أمته به صلى الله عليه وسلم. وقيل: المقام المحمود. وأما الحاء فقيل: حكمه بين الخلق بحكم الله تعالى. وقيل إحياء الله تعالى أمته به. وأما الميم الثانية فمغفرة الله تعالى لأمته. واما الدال: فهو الداعي إلى الله تعالى، قال الله تعالى: (وداعيا إلى الله بإذنه). وأما وقوع الأحرف على هذا الشكل الخاص فقيل: لأن الله تعالى خلق الخلق على صورة محمد صلى الله عليه وسلم فالميم بصورة رأس الإنسان والحاء بمنزلة اليدين، وباطن الحاء كالبطن وظاهرها كالظهر ومجمع الإليتين والمخرج كالميم، وطرف الدال كالرجلين. وفي ذلك أنشدوا رحمهم الله تعالى: له اسم صور الرحمن ربي * * خلائقه عليه كما تراه له رجل وفوق الرجل ظهر * * وتحت الرأس قد خلقت يداه وفيه تكلف. قال القاضي رحمه الله تعالى: وفي تسميته صلى الله عليه وسلم محمد وأحمد من بدائع الآيات وعجائب الخصائص: أن الله تعالى حمى أن يسمى بمحمد وأحمد غيره صلى الله عليه وسلم قبل زمانه. أما أحمد الذي في الكتب وبشرت به الأنبياء فمنع الله بحكمته أن يسمى به أحد غيره ولا يدعى به مدعو قبله، حتى لا يدخل لبس على ضعيف القلب أو شك. وكذلك محمد أيضا لم يسم به أحد من العرب ولا من غيرهم، إلى أن شاع قبيل وجوده صلى الله عليه وسلم أن نبيا يبعث اسمه محمد. كما روى الطبراني والبيهقي عن محمد بن عدي بن ربيعة أنه سأل أباه: لم سماه محمدا في الجاهلية ؟ فقال: خرجت مع جماعة من بني تميم فنزلنا على غدير ماء، فأشرف علينا الديراني فقال لنا: إنه يبعث منكم وشيكا نبي فسارعوا إليه. فقلنا له: ما اسمه ؟ قال: محمد. فلما انصرفنا ولد لكل منا ولد فسماه محمدا لذلك. الغدير: النهر: والجمع غدران. وشيكا: سريعا وقريبا. والذين سموا بهذا الاسم في الجاهلية دون العشرين. وحمى الله تعالى هؤلاء أن يدعى أحد منهم النبوة أو يدعيها أحد له أو يظهر عليه شئ من سماتها، حتى تحققت لنبينا صلى الله عليه وسلم. محمد بن أحيحة، بضم الهمزة وفتح الحاءين المهملتين بينهما تحتية ساكنة، ابن الجلاح بضم الجيم وتخفيف اللام وآخره مهملة، ابن الحريش بفتح الحاء المهملة وكسر الراء ثم مثناة تحتية، ثم شين معجمة. وقال ابن هشام رحمه الله تعالى: إنها مهملة.

[ 410 ]

ونقل الدار قطني عن بكيربن أبي بكر رحمه الله تعالى أن كل ما في الأنصار فهو حريس، أي بسين مهملة، إلا هذا فإنه بالمعجمة. ابن جحجبى. بجيم مفتوحة فحاء ساكنة مهملة فجيم أخرى مفتوحة، فموحدة فألف مقصورة. قال ابن دريد عفا الله تعالى عنه: والجحجبة: المجئ والذهاب والتردد في المشي. ابن كلفة ووقع في نسخة من العيون ابن كلدة. والذي ذكره السهيلي والأمير: كلفة بالفاء: ابن عوف بن عمرو، بن عوف، بن مالك بن الأوس، الكناني ثم الليثي. قال عبدان بن عثمان الحافظ رحمه الله تعالى: بلغني أنه أول من سمي بذلك. محمد بن أسامة بن مالك بن حبيب بن العنبر. محمد بن البر بتشديد الراء من غير ألف بعدها، كما نقل الحافظ عن ضبط البلاذري ويقال: البر بن طريف بن عتوارة بضم المهملة وكسرها ثم مثناة فوقية ساكنة ثم واو مفتوحة وبعد الألف راء ثم هاء: ابن عامر بن ليث، بن بكر، بن عبد مناة، بن كنانة البكري. العتواري. محمد بن الحارث بن حديج بمهملتين فمثناة تحتية فجيم مضمومة، مصغر، ابن حويص. محمد بن حرماز بكسر الحاء المهملة وسكون الراء وآخره زاي. واسم الحرماز: الحارث بن مالك بن عمرو بن تميم. محمد بن حمران بن أبي حمران. واسمه ربيعة بن مالك الجعفي المعروف بالشويعر. محمد بن خزاعي بضم الخاء وفتح الزاي المعجمتين وبعد الألف عين مهملة فتحتية فياء نسب، ابن علقمة بن خزاية السلمي من بني ذكوان. محمد بن خولي بالخاء المعجمة وسكون الواو الهمداني. محمد بن سفيان بن مجاشع جد جد الفرزدق الشاعر المشهور، ووقع في نسخة من العيون: جد الفرزدق من غير تكرير جد، والصحيح ما في غيرها ونسخة الروض: جد جد بالتكرير. محمد بن عدي بن ربيعة بن سواد بن جشم بن سعد بن زيد مناة بن تميم السعدي. محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح الأوسي ذكره البلاذري. قال الحافظ: لا أدري أهو الأول نسب مرة إلى جده أم هما اثنان. محمد بن عمر بن مغفل بضم أوله وسكون المعجمة وكسر الفاء ثم لام. هو والد هبيب مصغر. محمد بن اليحمد بضم المثناة التحتية وسكون المهملة وكسر الميم وفتحها قال في القاموس كيمنع وكيعلم آتي أعلم، الأزدي. ونساب اليمن تزعم أنه أول من سمي بذلك.

[ 411 ]

محمد بن يزيد بن عمرو بن ربيعة. محمد الأسدي بضم الهمزة وفتح السين المهملة. وتشديد المثناة التحتية المكسورة. محمد الفقيمي بضم الفاء وفتح القاف وسكون المثناة التحتية. ذكرهما ابن سعد ولم ينسبهما بأكثر من ذلك. واقتصر السهيلي على ثلاثة والقاضي على سبعة منهم محمد بن مسلمة بفتح أوله وسكون ثانية، وليس منه كما سيأتي. وعد ابن دحية فيهم محمد بن عتوارة وهو محمد بن البر نسب لجده الأعلى. والذي أدرك الإسلام منهم وأسلم: محمد بن ربيعة. ذكره ابن سعد والبغوي والبلاذري وابن السكن وابن شاهين وغيرهم في الصحابة. ولا وجه لتوقف ابن الأثير في ذلك لما تقدم. ومحمد بن مسلمة هو محمد بن الحارث ذكره الحافظ في القسم الثالث من الإصابة. وقد نظم أسماءهم العلامة الشيخ عبد الباسط البلقيني رحمه الله تعالى في الشرح فقال: إن الذين سموا باسم محمد * * من قبل خير الخلق ضعف ثمان ابن لبر مجاشع بن ربيعة * * ثم ابن مسلم محمدي حزمان ليثي هو السلمي وابن أسامة * * سعدي وابن سوادة همدان وابن الجلاح مع الأسيدي يا فتى * * ثم الفقيمي هكذا الحمران وقوله: " ثم ابن مسلم " بفتح الميم أي ابن مسلمة رخمه للضرورة. وتبع في ذكره القاضي، وتعقبه في الفتح والزهر بأنه ولد بعد مولد النبي صلى الله عليه وسلم بأكثر من خمس عشرة سنة. وأجاب بعضهم بأن مراد القاضي: من ولد في الجاهلية وسمي بمحمد، وابن مسلمة منهم، وفات الشيخ عبد الباسط ذكر محمد بن الحارث بن حديج السابق. وقوله: حزمان بزاي معجمة أراد محمد بن حزمان كما ذكره في الشرح وكأنه تبع نسخة سقيمة من حاشية الشفاء للحلبي فإنه نقل ذلك عنها عن الإشارة للمغلطاي. والذي رأيته في عدة نسخ من الإشارة: محمد بن حرماز بحاء مهملة فراء وآخره زاي. وكذا رأيته بخط مغلطاي في الزهر والحافظ ابن حجر والعلامة العيني في شرحيهما على البخاري. والسبب في تسميته صلى الله عليه وسلم محمدا ما رواه البيهقي وأبو عمر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن عبد المطلب قيل له: لم سميته محمدا ورغبت عن أسماء آبائه ؟ قال: أردت أن يحمده الله في السماء ويحمده الناس في الأرض. وتقدم ذكر المنام الذي رآه جده في باب فرحه به صلى الله عليه وسلم ومن بركات هذا الاسم ما رواه أبو نعيم في الحلية عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى قال: كان في بني إسرائيل رجل عصى

[ 412 ]

الله تعالى مائة سنة ثم مات فأخذوه فألقوه على مزبلة فأوحى الله تعالى إلى موسى عليه الصلاة والسلام: أن اخرج فصل عليه قال: يا رب إن بني إسرائيل يشهدون أنه عصاك مائة سنة فأوحى الله تعالى إليه: هكذا كان إلا أنه كان كلما نشر التوراة ونظر إلى اسم محمد صلى الله عليه وسلم قبله ووضعه على عينيه فشكرت له ذلك وغفرت له وزوجته سبعين حوراء. وورد أن آدم صلى الله عليه وسلم تكنى في الجنة بهذا الاسم. روى ابن عدي وأبو الشيخ وابن عساكر عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، وابن عدي والبيهقي وابن عساكر عن علي رضي الله تعالى عنه مرفوعا، وابن عساكر عن كعب رحمه الله تعالى وأبو الشيخ عن بكر بن عبد الله المزني، وابن عساكر عن غالب بن عبد الله العقيلي رحمهما الله تعالى أنه ليس أحد من أهل الجنة إلا يدعى باسمه إلا آدم صلى الله عليه وسلم فإنه يدعى أبا محمد. تعظيما وتوقيرا للنبي صلى الله عليه وسلم. زاده الله تعالى فضلا وشرفا وجزاه عن المسلمين خيرا. ذكر ما وجد من هذا الاسم مكتوبا في الأزل منقوشا في خواتم الأنبياء والحجارة والنبات والحيوان. روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فيما رواه أبو يعلى والطبراني، وعن ابن عمر فيما رواه البزار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لما عرج بي إلى السماء ما مررت بسماء إلا وجدت اسمي فيها مكتوبا: لا إله إلا الله محمد رسول الله " (1). له طرق أسانيدها واهية. وقال الشيخ رحمه الله تعالى: إنه حديث حسن لكثرة طرقه، وقد بينت ما في ذلك في " إتحاف اللبيب ببيان ما وضع في معراج الحبيب ". ويروى عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مكتوب على باب الجنة: لا إله إلا الله محمد رسول الله " (2). ويروى عن عبادة بن الصامت فيما رواه الطبراني، وعن جابر رضي الله تعالى عنهما فيما رواه العقيلي، وابن عدي رفعاه أن فص خاتم سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام كان سماويا ألقي إليه فوضعه في إصبعه وكان نقشه أنا الله لا إله إلا أنا، محمد عبدي ورسولي.


(1) أخرجه الخطيب في التاريخ 5 / 444 وذكره السيوطي في الدرر 4 / 152 وعزاه للبزار وأخرجه بنحوه عن أبي هريرة وعزاه للطبراني في الأوسط وابن عساكر. (2) أخرجه ابن الجوزي في العلل 1 / 235، والعقيلي في الضعفاء 1 / 33، وذكره الهيثمي في المجمع 9 / 114، وعزاه للطبراني في الأوسط وقال: فيه أشعث بن عم الحسن بن صالح وهو ضعيف ولم أعرفه. (*)

[ 413 ]

ولفظ جابر: لا إله إلا الله محمد رسول الله. ويروى عن أبي الزبير عن جابر فيما رواه ابن عساكر قال: بين كتفي آدم مكتوب: محمد رسول الله خاتم النبيين. ويروى عن أبي ذر مرفوعا فيما رواه البزار، وعن عمر فيما رواه البيهقي، وعن ابن عباس فيما رواه الخرائطي في كتاب " قمع الحرص " وعن علي رضي الله تعالى عنهم فيما رواه البيهقي أن الكنز الذي ذكره الله تعالى في كتابه لوح من ذهب مصمت مكتوب فيه بسم الله الرحمن الرحيم عجبت لمن أيقن بالقدر ثم ينصب، عجبت لمن ذكر النار ثم يضحك، عجبت لمن ذكر الموت ثم غفل. لا إله إلا الله محمد رسول الله. أسانيد هذه الأحاديث واهية. وذكر ابن ظفر رحمه الله تعالى: أنه وجد بالخط العبراني على حجر: باسمك اللهم جاء الحق من ربك بلسان عربي مبين. لا إله إلا الله محمد رسول الله. وكتبه موسى بن عمران. ونقل ابن طغربل رحمه الله تعالى في كتابه " النطق المفهوم " عن بعضهم أنه رأى في جزيرة شجرة عظيمة لها ورق كبير طيب الرائحة مكتوب فيها بالحمرة والبياض في الخضرة كتابة بينة واضحة خلقة ابتدعها الله تعالى بقدرته في الورقة ثلاثة أسطر: الأول: لا إله إلا الله. والثاني: محمد رسول الله. والثالث: إن الدين عند الله الإسلام. ونقل ابن مرزوق رحمه الله تعالى في شرح البردة عن عبد الله بن مرجان رحمه الله تعالى قال: عصفت بنا ريح ونحن في لجج بحر الهند فأرسينا في جزيرة فوجدنا فيها وردا أحمر ذكي الرائحة وفيه مكتوب بالأبيض لا إله إلا الله محمد رسول الله. وورد أبيض مكتوب عليه بالأصفر: براءة من الرحمن الرحيم إلى جنات النعيم لا إله إلا الله محمد رسول الله. ونقل أيضا عن بعضهم أنه أتي بسمكة فرأى في أحد لحمتي أذنيها لا إله إلا الله. وفي الأخرى محمد رسول الله. وعن جماعة أنهم وجدوا بطيخة صفراء فيها خطوط شتى بالأبيض خلقة، ومن جملة الخطوط كتب بالعربي في أحد جنبيها: الله. وفي الأخرى: عز أحمد بخط بين لا يشك فيه عالم بالخط. وأنه وجد في سنة سبع أو تسع وثمانمائة حبة عنب فيها بخط بارع بلون أسود: محمد. وقد تقدم في باب كتابة اسمه صلى الله عليه وسلم على العرش وسائر ما في الملكوت ما فيه مقنع. ويرحم الله تعالى القائل حيث قال:

[ 414 ]

بدا مجده من قبل نشأة آدم * * وأسماؤه في العرش من قبل تكتب تنبيهات الأول: لم يصح في فضل التسمية به حديث، بل قال الحافظ أبو العباس تقي الدين بن تيمة الحراني رحمه الله تعالى: كل ما ورد فيه فهو موضوع، ولابن بكير جزء معروف في ذلك كل أحاديثه تالفة. قال الحافظ: وأصحها ما رواه ابن بكير عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه مرفوعا: " من ولد له مولود فسماه محمدا حبا لي وتبركا باسمي كان هو ومولوده في الجنة " (1). قال: وإسناده لا بأس به وحسنه في موضع آخر. قلت: وليس كذلك فإن في سنده أبا الحسن حامد بن حماد بن المبارك بن عبد الله العسكري، شيخ ابن بكير، قال الذهبي في الميزان والحافظ في اللسان: خبره هذا موضوع وهو آفته انتهى وشيخه هذا إسحاق بن سيار مجهول. والوارد في ذلك حديث عبد الله بن أبي رافع عن أبيه رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إذا سميتموه محمدا فلا تضربوه ولا تحرموه " رواه البزار من طريق أبي غسان بن عبد الله وفيه ضعف. وبقية رجاله ثقات (2). وحديث أنس مرفوعا: " تسمونهم محمدا ثم تسبونهم " (3). رواه أبو داود والطيالسي من طريق الحكم بن عطية. قال البزار: لا بأس به وقال الحافظ في التقريب: صدوق له أوهام. وحديث جابر بن عبد الله مرفوعا: " ما أطعم الطعام على مائدة ولا جلس عليها وفيها اسمي إلا قدسوا كل يوم مرتين " (4). رواه ابن عدي من طريق أحمد بن كنانة الشامي وقال: منكر الحديث. وقال الذهبي في الميزان وأقره الحافظ في اللسان إنه حديث مكذوب. قال الشيخ رحمه الله تعالى: وقد وجدت للحديث طريقا آخر ليس فيه أحمد بن كنانة


(1) ذكره العجلوني في كشف الخفا 2 / 393 وعزاه لابن عساكر قال السيوطي في مختصر الموضوعات: هذا أمثل حديث ورد في هذا الباب وإسناده حسن وأخرجه ابن الجوزي في الموضوعات 1 / 157، والسيوطي في اللآلئ المصنوعة 1 / 55، والفتني في تذكره الموضوعات ص 89. (2) ذكره العجلوني في كشف الخفا 1 / 94 وعزاه للبزار عن أبي رافع والخطيب عن علي بلفظ " إذا سميتم الولد محمدا فأكرموه وأوسعوا له في المجلس ولا تقبحوا له وجها ". (3) ذكره الهيثمي في المجمع 8 / 51 وعزاه لأبي يعلى والبزار وقال: فيه الحكم بن عطية وثقه ابن معين وضعفه غيره وبقية رجاله رجال الصحيح. (4) أخرجه ابن عدي في الكامل 1 / 172 وابن حجر في لسان الميزان 1 / 775 والسيوطي في اللآلئ 1 / 52. (*)

[ 415 ]

قال أبو سعيد النقاش في معجم شيوخه: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الخالق البندنيجي، حدثنا أبو صالح شعيب بن الخصيب، حدثنا العباس بن زيد البحراني، حدثنا سفيان بن عيينة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر به. قال الشيخ رحمه الله تعالى: رجاله ثقات. وحديث ابن عباس: " من ولد له ثلاثة أولاد فلم يسم أحدهم محمدا فقد جهل ". رواه ابن عدي والطبراني من طريق ليث بن سعيد، حدثنا موسى بن أعين عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس به. ومصعب ضعيف وليث كذلك. ورواه الحارث ابن أبي أسامة من طريق إسماعيل بن أبي إسماعيل. قال الدار قطني: وهو ضعيف لا يحتج به. وهذان الحديثان أمثل ما روي في هذا الباب وإسناداهما واهيان. وفي الإصابة ما نصه جشيب بعد الجيم شين معجمة ثم تحتانية ثم موحدة. روى ابن أبي عاصم من طريق ابن أبي فديك، عن جهم بن عثمان عن ابن جشيب، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من تسمى باسمي يرجو بركتي غدت عليه بركتي وراحت إلى يوم القيامة " قال ابن منده رحمه الله تعالى: إن كان جشيب هذا الذي يروي عن سعيد بن سويد فهو تابعي قديم من أصحاب أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه (1). الثاني: قال الحافظ أبو الخير السخاوي في فتاويه: لم يرد في الموضوع: " من أراد أن يكون حمل زوجته ذكرا فليضع يده على بطنها وليقل: إن كان هذا الحمل ذكرا فقد سميته محمدا فإنه يكون ذكرا ". إنما روى أبو شعيب عبد الله بن حسن الحراني في جزأيه عن عطاء قال: " ما سمي مولود في بطن أمه محمدا إلا كان ذكرا ". قلت: وقد رفعه بعضهم كما رواه ابن الجوزي في الموضوعات عن عائشة بنت سعد عن أبيها. وفي سنده (عثمان) بن عبد الرحمن كذبه ابن معين. وقال ابن حبان: يروى عن الثقات الموضوعات. وروى ابن النجار في تاريخ بغداد عن محمد بن سلام بن مسكين البغدادي قال: حدثنا وهب بن وهب، حدثنا جعفر بن محمد بن علي، حدثنا علي بن الحسين، حدثنا الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما قال: من كان له حمل فنوى أن يسميه محمدا جعله الله ذكرا وإن كان أنثى. قال وهب: فنويت سبعة كلهم سميته محمدا. انتهى. قلت: وهب هذا أبو البختري (2) متهم. وقد أورد أثره هذا الشيخ في الموضوعات وقال


(1) ذكره المتقي الهندي في الكنز (45221). (2) وهب بن وهب بن كثير بن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي القاضي، أبو البختري القرشي المدني سكن بغداد وولي قضاء عسكر المهدي، ثم قضاء المدينة، ثم ولي حربها وصلاتها، وكان جوادا، لكنه متهم في الحديث. قال يحيى بن معين: كان يكذب عدو الله. وقال عثمان بن أبي شيبة: أرى أنه يبعث يوم القيامة دجالا. توفي سنة مائتين. وقال أحمد: كان يضع الحديث وضعا فيما نرى. وقال البخاري: سكتوا عنه. ميزان الاعتدال 4 / 353، 354. (*)

[ 416 ]

عقبه: وهب وضاع كذاب. الثالث: روى البخاري في الصحيح والتاريخ، والنسائي والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا تعجبون " (1) ولفظ البخاري في التاريخ: " يا عباد الله انظروا. وفي لفظ له: ألم تروا كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم، يشتمون مذمما ويلعنون مذمما. وأنا محمد ". قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في أماليه: كيف يستقيم ذلك وهم ما كانوا يسبون الاسم بل المسمى، والمسمى واحد ؟ والجواب المراد: كفى الله اسمي الذي هو محمد يستهزأ بالسب. وقال الحافظ رحمه الله تعالى: كان الكفار من قريش من شدة كراهتهم في النبي صلى الله عليه وسلم لا يسمونه باسمه الدال على المدح فيعدلون إلى ضده فيقولون: مذمم وإذا ذكروه بسوء قالوا: فعل الله بمذمم. ومذمم، ليس هو اسمه ولا يعرف به، فكان الذي يقع منهم في ذلك مصروفا إلى غيره. " أحمد ": قال الله تعالى حاكيا عن السيد عيسى عليه السلام (ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) قال العلماء: لم يسم به أحد قبل نبينا صلى الله عليه وسلم منذ خلق الله تعالى الدنيا، ولا تسمى به أحد في حياته صلى الله عليه وسلم وأول من تسمى به بعده على الصواب والد الخليل بن أحمد شيخ سيبويه. قال المبرد رحمه الله تعالى: فتش المفتشون فما وجدوا بعد نبينا صلى الله عليه وسلم من اسمه أحمد قبل أبي الخليل بن أحمد. قال الحافظ أبو الفضل العراقي: واعترض على هذه المقالة بأبي النضر سعيد بن أحمد فإنه أقدم وأجيب بأن أكثر أهل العلم قالوا فيه يحمد بالياء. وقال ابن معين: أحمد. قال ابن دحية رحمه الله تعالى: وهو علم منقول من صفة لا من فعل، وتلك الصفة أفعل التي يراد بها التفضيل. وقال ابن القيم في كتابيه " جلاء الأفهام " " وزاد المعاد " واللفظ له: اختلف الناس فيه: هل هو. بمعنى فاعل أو مفعول. فقالت طائفة: هو بمعنى فاعل. أي حمد الله أكثر من حمد غيره له، فمعناه أحمد الحامدين لربه. وقالت طائفة أخرى: هو بمعنى مفعول أي أحق الناس وأولاهم بأن يحمد. فيكون


(1) أخرجه البخاري 6 / 641 في كتاب المناقب (3533). (*)

[ 417 ]

كمحمد في المعنى، إلا أن الفرق بينهم أن محمدا هو المحمود حمدا بعد حمد، فهو دال على كثرة حمد الحامدين له، وذلك يستلزم كثرة الخصال التي يحمد عليها وأحمد هو الذي يحمد. أفضل ما يحمده غيره. فمحمد في الكثرة والكمية وأحمد في الصفة وفي الكيفية يستحق من الحمد أكثر مما يستحقه غيره فحمده أكثر حمد وأفضل حمد حمده بشر، والاسمان واقعان على المفعول، وهذا أبلغ في مدحه صلى الله عليه وسلم وأكمل معنى. قال: وهو الراجح المختار ولو أريد به معنى الفاعل لسمي الحماد أي كثير الحمد، فإنه صلى الله عليه وسلم كان أكثر الناس حمدا لربه، فلو كان اسمه أحمد باعتبار حمده لربه لكان الأولى به الحماد كما سميت أمته صلى الله عليه وسلم بذلك. وأيضا فإن هذين الاسمين إنما اشتقا من أخلاقه وخصاله صلى الله عليه وسلم التي لأجلها استحق أن يسمى محمدا وأحمد. وبسط الكلام على ذلك وتحقيق هذا المحل يطول به الكلام فليطلب من كتب النحو المطولة. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: سمي النبي صلى الله عليه وسلم بمحمد وأحمد لما اشتمل عليه من مسماهما وهو الحمد، فإنه صلى الله عليه وسلم محمود عند الله ومحمود عند الملائكة ومحمود عند الأنبياء ومحمود عند أهل الأرض كلهم وإن كفر به بعضهم فإن ما فيه من صفات الكمال محمودة عند كل عاقل، وإن كابر عقله جحودا وعنادا (أو جهلا باتصافه بها) ولو علم اتصافه بها لحمده، فإنه يحمد من اتصف بصفات الكمال ويجهل وجودها فيه، فهو في الحقيقة حامد له. وقال القاضي والسهيلي وابن القيم رحمهم الله تعالى: واختص صلى الله عليه وسلم من مسمى الحمد بما لم يجمع لغيره، فإن اسمه صلى الله عليه وسلم: أحمد ومحمد، وأمته الحمادون يحمدون الله تعالى على السراء والضراء، وصلاته وصلاتهم مفتتحة بالحمد. وخطبه مفتتحة بالحمد، وكتابه مفتتح بالحمد، وشرع له الحمد بعد الأكل والشرب، وبعد الدعاء. وبعد القدوم من السفر، وبيده صلى الله عليه وسلم لواء الحمد يوم القيامة، ولما يسجد بين يدي ربه عز وجل للشفاعة ويؤذن له فيها يحمد ربه بمحامد يفتحها عليه حينئذ، وهو صاحب المقام المحمود الذي يغبطه فيه الأولون والآخرون، وإذا قام في ذلك المقام حمده حينئذ أهل الموقف كلهم مسلمهم وكافرهم أولهم وآخرهم إلى غير ذلك. تنبيه: قال القاضي رحمه الله تعالى: كان صلى الله عليه وسلم أحمد قبل أن يكون محمدا كما وقع في الوجود، لأن تسميته صلى الله عليه وسلم أحمد وقعت في الكتب السالفة، وتسميته محمدا وقعت في القرآن، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم حمد ربه قبل أن يحمده الناس وقال السهيلي: لم يكن صلى الله عليه وسلم محمدا حتى كان أحمد، حمد ربه فنبأه وشرفه، فلذلك تقدم اسم أحمد على الاسم الذي هو محمد، فذكره عيسى صلى الله عليهما وسلم فقال: " اسمه أحمد " وذكره موسى صلى الله عليه وسلم حين قال له ربه:

[ 418 ]

تلك أمة أحمد فقال اللهم: اجعلني من أمة أحمد، فبأحمد ذكر قبل أن يذكر بمحمد، لأن حمده لربه قبل حمد الناس له، فلما وجد وبعث كان محمدا بالفعل، وكذلك في الشفاعة يحمد ربه بالمحامد التي يفتحها عليه. فيكون أحمد الحامدين لربه، ثم يشفع فيحمد على شفاعته صلى الله عليه وسلم. فانظر كيف ترتب هذا الاسم قبل الاسم الآخر في الذكر وفي الوجود في الدنيا والآخرة تلح لك الحكمة الإلهية في تخصيصه صلى الله عليه وسلم بهذين الاسمين. انتهى. فصرح القاضي والسهيلي رحمهما الله تعالى بأن أحمد سابق على محمد. وأقرهما الحافظ في الفتح وغيره. ورد ذلك ابن القيم في كتابيه " جلاء الأفهام " و " زاد المعاد " ونسب قائل ذلك إلى الغلط، ثم نقل عن لفظ التوراة التي يقرأها مؤمنو أهل الكتاب أن فيها عند ذكر إسماعيل صلى الله عليه وسلم بماذ ماذ. وذكر بعد هذا: وإنه سيلد اثني عشر عظيما، منهم عظيم يكون اسمه ماذ ماذ. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وهذا عند علماء المؤمنين من أهل الكتاب صريح في اسم النبي صلى الله عليه وسلم. قال: ورأيت بعض شروح التوراة كما حكيناه بعد هذا المتن قال في الشرح: هذان الحرفان في الموضعين يتضمنان اسم السيد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وبسط الشارح الكلام والدليل على ذلك. ثم نقل ابن القيم عن شارح آخر أن اسمه في التوراة أظهر مما ذكره الشارح السابق وذكر ابن القيم كلامه. فليراجعه من أراده من " جلاء الأفهام ". وقد وردت آثار كثيرة تشهد لما قاله ابن القيم. قال: وإنما سماه المسيح أحمد كما حكاه الله تعالى في القرآن لأن تسميته بأحمد وقعت متأخرة عن تسميته محمدا في التوراة ومتقدمة على تسميته محمدا في القرآن، فوقعت بين التسميتين محفوفة بهما. وقد تقدم أن هذين الاسمين صفتان في حقه صلى الله عليه وسلم، والوصفية فيهما لا تنافي العلمية وأن معناهما مقصود، فعرف عند كل أمة بأعرف الوصفين عندها. انتهى ملخصا. قال الراغب رحمه الله تعالى: وإنما خصه عيسى عليه الصلاة والسلام بذلك ولم يصفه بغيره تنبيها على أنه أحمد منه وممن قبله، لما اشتمل عليه من الخصال الجميلة والأخلاق الحميدة التي لم تكمل لغيره صلى الله عليه وسلم. تنبيه: لم يصح في فضل التسمية به حديث. وأما حديث أنس بن مالك مرفوعا: " يوقف

[ 419 ]

عبدان بين يدي الله تعالى فيؤمر بهما إلى الجنة فيقولان: ربنا بم استأهلنا الجنة ولم نعمل عملا تجازينا به الجنة ؟ فيقول الله تعالى: عبدي ادخلا الجنة فإني آليت على نفسي ألا يدخل النار من اسمه أحمد ولا محمد " فهو حديث باطل كما قال الذهبي رواه ابن بكير من طريق أحمد بن عبد الله الدراع وهو كذاب، وشيخه صدقة بن موسى وأبوه لا يعرفان. فائدة: أحمد في العربية ممنوع من الصرف لا ينون ولا يكسر للعلمية ووزن الفعل. وألغز فيه بعضهم رحمه الله تعالى فقال: وراكعة في ظل غصن منوطة * * بلؤلؤة نيطت بمنقار طائر فالراكعة: الدال. والغصن التي هي في ظله: الألف. واللؤلؤة: الميم. ومنقار الطائر: الحاء. " الأبر ": أفعل تفضيل من برزت فلانا بالكسر أبره برا فأنا بر وبار: أي محسن. والبر: اسم جامع للخير. ويطلق أيضا على الصدق لحديث: " لا يزال الرجل يصدق حتى يكتب عند الله بارا، ولا يزال يكذب حتى يكتب عند الله كاذبا " وإنه يقال صدق وبر وكذب. وفجر. وجمع البر: أبرار والبار: بررة. وهو صلى الله عليه وسلم حري بأن يكون أبر الناس، لما جمع فيه من الخصال الجميلة التي لم تجمع في مخلوق والإحسان والصدق. قال أبو علي الحاتمي رحمه الله: اتفق أهل الأدب على أن أصدق بيت قالته العرب قول أبي إياس الدؤلي: وما حملت من ناقة فوق رحلها * * أبر وأوفى ذمة من محمد وهذا الاسم مما سماه الله تعالى به من أسمائه الحسنى. والبر في حقه تعالى معناه: المحسن أو الصادق الوعد أو خالق البر. أقوال. والنبي صلى الله عليه وسلم بر بالمعنيين الأولين كما سيأتي في صفاته المعنوية. " الأبطحي ": نسبة إلى الأبطح وهو مسيل الماء، وفيه دقاق الحصى، والمراد هنا أبطح مكة، وهو مسيل واديها، وهو ما بين مكة ومنى ومبتدأه المحصب. وأصله في اللغة: ما انحدر من الجبال وارتفع عن المسيل. قال حسان بن ثابت رضي الله عنه يمدح النبي صلى الله عليه وسلم:

[ 420 ]

وأكرم صيتا في البيوت إذا انتمى * * وأكرم جدا أبطحيا يسود (1) وسمي صلى الله عليه وسلم بذلك لأنه من قريش البطاح، وذلك أن قصيا جده الخامس لما ولي البيت وأمر مكة أقطعها أرباعا بين قومه، فلما كثرت بنو كعب بن لؤي وبنو عامر بن لؤي أخرجوا بني محارب وبني الحارث بن فهر من البطحاء إلى الظواهر وبني خارجة الحرم حول مكة. فقريش البطاح: بنو كعب بن لؤي وبنو عبد مناف وبنو عبد الدار وبنو مرة بن كلاب، وبنو مخزوم بن يقظة، وبنو تميم بن مرة وبنو جمح وسهم بن عمرو بن هصيص بن كعب، وبنو عدي بن مالك وبنو عامر بن لؤي. وقريش الظواهر: بنو محارب، وبنو الحارث بن فهر، وبنو الأدرم بن غالب، وعامة بني عامر بن لؤي وكان يقال لعبد المطلب: سيد الأبطح والأباطح. " الأبلج ": بالموحدة وآخره جيم. وهو الطلق الوجه أو المشرقة، أو ذو الكرم والسماحة والمعروف، أو الواضح أمره، ومنه صباح أبلج، وانبلجت الشمس انبلاجا وانبلج الفجر، وتبلج: أنار ووضح. " الأبيض ": صفة مشبهة من البياض ضد السواد، وهو السخي الجواد ومنه قول ذي الرمة: وأبيض مرتاح النحيزة للندى * * له نائل بالمكرمات يفيض أو المبارك الميمون ومنه قول الجعدي: كم بت أرقب منك يوما أبيضا * * في شبه وجهك بالندى متهلل أو المتصف بالبياض وهو نظافة العرض، يقال رجل أبيض وامرأة بيضاة أي نقية العرض من الأدناس، ويقال ابيض ابيضاضا وبياضا وهو مبيض، وقال أبو طالب: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * * ثمال اليتامى عصمة للأرامل (2) وسيأتي تمامه في ثمال.


(1) البيت في الديوان من قصيدة مطلعها: بطيبة رسم للرسول ومعهد * * منير وقد تعفو الرسوم وتمهدو ورواية البيت في الديوان: وأكرم حيا في البيوت إذا انتمى انظر ديوان حسان بن ثابت 60 - 64. (2) البيت منسوب لأبي طالب في العقد الفريد 3 / 232، 4 / 264. (*)

[ 421 ]

" الأتقى ": أفعل تفضيل من تقى يتقي كقضى يقضي لا بد من اتقى يتقي الذي هو الأصل، فخفف لأن أفعل التفضيل لا يبنى من غير ثلاثي على ثلاثة. روى مسلم عن جابر رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قد علمتم أني أتقاكم وأبركم وأصدقكم حديثا ". قال الجوهري: التقي: المتقي. والتقى والتقوى واحد. وواوها مبدلة عن ياء لقولك: اتقيت والتاء من واو لأنه من وقيت. وأصل التقوى في اللغة: قلة الكلام. حكاه ابن فارس. وقال غيره: هي الخوف والحذر وأصلها: اتقاء الشرك ثم المعاصي، ثم الشبهات، ثم ترك الفضلات. وحقيقتها: التحرز بطاعة الله تعالى من مخالفته. وقال رجل لأبي هريرة رضي الله تعالى عنه: ما التقوى ؟ قال: أخذت طريقا ذا شوك ؟ قال: نعم. قال: كيف صنعت ؟ قال: إذا رأيت الشوك عدلت عنه أو جاوزته أو قصرت عنه. قال: ذاك التقوى. رواه ابن أبي الدنيا في كتاب التقوى. وقد أشار إلى هذا المعنى ابن المعتز رحمه الله تعالى فقال: خل الذنوب صغيرها * * وكبيرها ذاك التقى واصنع كماش فوق أر * * ض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة * * إن الجبال من الحصا وأما إضافتها إلى الله تعالى في قوله تعالى: (هو أهل التقوى) فمعناه أهل لأن يتقى عقابه ويحذر عذابه. وسئل علي رضي الله تعالى عنه عنها قال: هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل. قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس " (1). رواه الإمام أحمد، وحسنه الترمذي. تنبيه: قوله تعالى: (يا أيها النبي اتق الله) أمر بالدوام على التقوى. كقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله) (2) أي داوموا على الإيمان.


(1) أخرجه الترمذي (2451)، وابن ماجة (4215)، والبيهقي 2 / 335، والطبراني في الكبير 17 / 169. (2) الحديد: 28. (*)

[ 422 ]

" أتقى الناس ": تقدم معناه في الذي قبله. " الأجود ": أفعل تفضيل من الجود وهو الكرم. يقال جاد يجود جودا فهو جواد بتحفيف الواو، وقوم جود وأجواد وأجاود وجواد. قال النحاس رحمه الله تعالى: الجواد: الذي يتفضل على من لا يستحق ويعطي من لا يسأل ويعطي الكثير ولا يخاف الفقر. من قولهم: مطر جواد: إذا كان كثيرا. وفرس جواد: يعدو كثيرا قبل أن يطلب منه. ثم قيل: هو مرادف للسخاء. والأصح أن السخاء أدني منه. والسخاء: اللين عند الحاجات، ومنه: أرض سخاوية: لينة التراب. وفي رسالة القشيري رحمه الله تعالى: قال القوم: من أعطى البعض فهو سخي ومن أعطى الأكثر وبقى لنفسه شيئا فهو جواد ومن قاسى الضرر وآثر غيره بالبلغة فهو مؤثر. وقال بعضهم: السخاء سهولة الإنفاق وهو الجود، وضده التقتير، والسماحة: التجافي عما يستحقه المرء من غيره بطيب نفسه، وضد الشكاسة. والكرم: الإنفاق بطيب النفس فيما يعظم خطره ويسمى حرية، وضده: النذالة. وروى الشيخان عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في شهر رمضان " الحديث. ولهذا مزيد بيان في باب كرمه وجوده صلى الله عليه وسلم. " أجود الناس ": تقدم الكلام عليه في الذي قبله. " الأجل ": بالجيم وتشديد اللام: الجليل العظيم أي الأكثر إجلالا وعظمة عند الله وعند عبادة. " الأجير ": بالجيم نقله " ع " عن بعض الصحف المنزلة: لأنه يجير أمته من النار. قال الشيخ رحمه الله تعالى: ولم أر من ذكره غيره، وأخشى أن يكون تصحف بأحيد الآتي. " أحاد ": كذا ورد في السفر الخامس من التوراة، وليس بين الحاء والدال ألف إنما يفخمون الحاء، وتفسيره عندهم: واحد. (1) ذكره الهيثمي في المجمع 9 / 16، وعزاه لأبي يعلى وقال فيه سويد بن عبد العزيز وهو متروك. وذكره ابن حجر في المطالب (3077)، والمتقي الهندي في الكنز (28771).

[ 423 ]

ومعناه فيه صحيح من وجوه، منها: أنه واحد بمعنى آخر الأنبياء وخاتمهم، ومنها: أنه واحد في السيادة على من سواه، ومنها أنه واحد في شريعته أكمل الشرائع، ومنها: أنه واحد في خصائص خص بها من أحكام دينه وأمور رفيعة غير دينه، كالشفاعة العامة والحوض المورود والمقام المحمود: وقال الشيخ رحمه الله تعالى: أحاد في العربية بضم الهمزة: اسم عدد معدول عن واحد واحد، ولا يبعد أن يكون اسمه صلى الله عليه وسلم في التوراة هو هذا الاسم العربي المعدول، ووجه العدل فيه عن واحد واحد المتكرر: أنه صلى الله عليه وسلم في أمور متعددة، فعدل عنها إلى أحاد ليدل على ذلك باختصار كما هو فائدة العدل أن لا يؤتى باللفظ مكررا، فيكون هذا الاسم مما سماه الله تعالى به من أسمائه. ومعنى الواحد في حق الله تعالى: الذي لا شريك له في ذاته وصفاته. " الأحد ": المنفرد ": بصفات الكمال عن الخلق أو بالقرب من الحق، وهو من الصفات المشبهة وأصله: وحد بفتح بالحاء وبكسرها أيضا، فأبدلت الواو المفتوحة همزة شذوذا، لأن قياس المفتوحة أول الكلمة أن تبقى على حالها. وهو من أسمائه تعالى ومعناه: المنفرد بصفات الكمال. وسيأتي الفرق بينه وبين الواحد بأنه يقال باعتبار الذات، والأحد باعتبار الصفات. وقيل: الواحد للوصل والأحد للفصل. فمن الواحد وصل إلى عباده النعم. ومن الأحد انفصلت عنهم النقم. " الأحسن ": ذكره أبو حفص النسفي رحمه الله تعالى في تفسيره، وهو أفعل: من الحسن، وهو تناسب الأعضاء على ما ينبغي، والمراد به: المستجمع صفات الكمال. قال تعالى: (ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وهو محسن) قال عبد الرزاق في تفسيره عن معمر عن الحسن البصري رحمه الله تعالى: أنه تلا هذه الآية فقال: هذا حبيب الله تعالى، هذا صفوة الله، هذا أحب أهل الأرض إلى الله أجاب الله تعالى في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله تعالى فيه. وفي حديث أنس عند عبد بن حميد: كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس، وكان أجود الناس وكان أشجع الناس. وسيأتي الكلام على ذلك في باب حسنه صلى الله عليه وسلم. ويرحم الله تعالى الشرف البوصيري حيث قال: فهو الذي تم معناه وصورته * * ثم اصطفاه حبيبا بارئ النسم منزه عن شريك في محاسنه * * فجوهر الحسن فيه غير منقسم

[ 424 ]

والشرف ابن الفارض حيث قال: وعلى تفنن واصفيه بحسنه * * يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف قال النسفي رحمه الله تعالى: وهذا الاسم مما سماه الله تعالى به من أسمائه. قال تعالى: (فتبارك الله أحسن الخالقين). " الأحشم " بالحاء المهملة والشين المعجمة: أفعل تفضيل من الحشمة وهي الوقار والسكينة أي أحشم الناس، أي أكثرهم وقارا. " أحيد ": عزاه القاضي للتوراة لأنه يحيد أمته عن النار. ويروى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مرفوعا: " اسمي في القرآن محمد وفي الإنجيل أحمد، وفي التوراة أحيد لأني أحيد أمتي عن النار " رواه ابن عدي وابن عساكر بسند واه، وضبطه الشيخ تقي الدين الشمني بضم الهمزة والحلبي بفتحها وسكون الحاء المهملة وفتح المثناء التحتية وكسرها في آخره دال مهملة وضبطه الماوردي رحمه الله تعالى بمد الألف وكسر الحاء المهملة. وقال في الشرح: يحتمل أن يكون أفعل: من حاد عن الشئ إذا عدل عنه ونفر منه، وسمي به لأنه حاد عن طريق الباطل وعدل بأمته إلى سبيل الحق. وهو غير منصرف للعجمة والعلمية، أو وزن الفعل مع العلمية. " الآخذ الحجرات ": بالإضافة: اسم فاعل من الأخذ وهو التنازل. روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد نارا فجعلت الدواب والفراش يقعن فيها، فأنا آخذ بحجزكم وأنتم تقحمون فيها " (1). وروى الإمام أحمد عن جابر رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا فجعل الفراش والجنادب يقعن فيها وهو يذبهن عنها وأنا آخذ بحجزكم وأنتم تفلتون من يدي " (2). الحجزات بضم المهملة وفتح الجيم ثم زاي. والحجز جمع حجزه وهو حيث يثنى طرف الإزار وهو النيفق من السراويل ومحلها الوسط، فكأنه صلى الله عليه وسلم قال: أنا آخذ بأوساطكم لأنجيكم من النار والأخذ بالوسط أمكن، فعبر عنها بالحجزات استعارة بعد استعارة. " الآخذ الصدقات ": قال تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) الآية


(1) أخرجه مسلم 4 / 1789 كتاب الفضائل (17 - 2284) والترمذي 2874. (2) أخرجه مسلم في الموضع السابق (19 - 2285)، وأحمد في المسند 3 / 392، والبيهقي في دلائل النبوة 1 / 367. (*)

[ 425 ]

وإن نزلت في المخلفين عن غزوة تبوك، وفي صدقة التطوع التي هي من تمام توبتهم، لكنها عامة لغيرهم وفي الزكاة المفروضة. ولهذا قال مانعو الزكاة: لا ندفعها إلا لمن صلواته سكن لنا، وقد كان صلى الله عليه وسلم يأخذ الزكاة من أربابها ويفرقها عيل مستحقيها كما هو معلوم معروف. " أخرابا ": هو اسمه صلى الله عليه وسلم في الإنجيل، ومعناه آخر الأنبياء، روى ابن أبي شيبة في المصنف عن مصعب بن سعد، عن كعب رحمه الله تعالى قال: أول من يأخذ حلقة باب الجنة فيفتح له محمد صلى الله عليه وسلم، ثم قرأ علينا آية من التوراة أخرابا قدما با الأولون الآخرون " الأخشى لله ": أخذه الشيخ رحمه الله تعالى من حديث أبي داود: " والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله ". قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله تعالى: وفيه إشكال لأن الخوف والخشية حالة تنشأ عن ملاحظة شدة النقمة الممكن وقوعها بالخائف، وقد دل الدليل القاطع على أنه صلى الله عليه وسلم غير معذب. وقال تعالى: (يوم لا يخزي الله النبي) فكيف يتصور منه الخوف، فكيف أشد الخوف ؟. قال: والجواب أن النسيان جائز عليه صلى الله عليه وسلم فإذا حصل النسيان عن موجبات نفي العقاب حدث له الخوف، لا يقال إن إخباره صلى الله عليه وسلم بشدة الخوف وعظم الخشية عظم بالنوع لا بكثرة العدد، أي إذا صدر منه الخوف ولو في زمن فرد كان أشد من خوف غيره. والخشية: الخوف وقيل أعظمه والهيبة أعظم منها. وقال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: هي أن تخشاه حتى يحول بينك وبين المعصية، وعلى قدر علمه صلى الله عليه وسلم بالله تعالى كان خوفه. كما سيأتي في باب: " خوفه صلى الله عليه وسلم ". وقال الأستاذ أبو علي الدقاق رحمه الله تعالى: الرهبة على مراتب: أولها: الخوف وهي من شرط الإيمان. قال الله تعالى: (وخافوني إن كنتم مؤمنين) ثانيها: الخشية وهي من شرط العلم، قال الله تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) ثالثها الهيبة، وهي من شرط المعرفة. وقيل هي حركة القلب من جلال الرب. وأما وصفه تعالى بها في قوله تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) () برفع الاسم الكريم ونصب العلماء عكس القراءة المشهور كما قرأ به أبو حيوة وعمر بن العزيز وأبو حنيفة فهو على سبيل المجاز، والمراد غايتها التي هي التعظيم والإجلال فقط على حد قوله: أهابك إجلالا وما بك قدرة * * علي ولكن ملء عين حبيبها " آخرماخ ": عزاه " ع " لصحف شيث صلى الله عليه وسلم قال: ومعناه صحيح الإسلام.

[ 426 ]

" الأدعج " بدال وعين مهملتين أي أدعج العينين من الدعج محركا كالدعجة بالضم وهو شدة سواد العين مع سعتها. كما سيأتي في باب صفاته الحسية صلى الله عليه وسلم. " الأدوم ": بفتح الهمزة وسكون الدال المهملة، أفعل تفضيل من المداومة وهي المواظبة على الشئ. وأصل الدوام السكون يقال: دام الماء: إذا سكن، ومنه حديث الشيخين رضي الله عنهما عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه " (1). وسمي صلى الله عليه وسلم بذلك لملازمته طاعة ربه تبارك وتعالى. وروى الشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: " كان عمله صلى الله عليه وسلم ديمة وأيكم يستطيع ما كان يستطيع صلى الله عليه وسلم ". ولا ينافي ذلك عدم مواظبته صلى الله عليه وسلم على صلاة الضحى، كما رواه الترمذي وحسنه عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي الضحى حتى نقول لا يدعها، ويدعها حتى نقول لا يصليها، لأن المواظبة على العمل كانت غالب أحواله صلى الله عليه وسلم وقد يتركها لحكمة كما ترك المواظبة على قيام رمضان لما علم به أناس فقاموا بقيامه خشية أن تفرض عليهم فيحرجهم. فإن قيل: لم واظب صلى الله عليه وسلم على قضاء سنة الظهر لما فاتته لاشتغاله مع الوفد بعد العصر ولم يواظب على قضاء سنة الفجر لما فاتته مع الصبح في الوادي مع أن سنة الفجر آكد ووقت قضائها ليس وقت كراهة بخلاف سنة الظهر ؟ أجيب: بأن سنة الفجر فاتته صلى الله عليه وسلم مع جمع من الصحابة فلو واظب على قضائها لتأسى به كل من فاتته إذا كان من عادتهم الحرص على اقتفاء آثاره صلى الله عليه وسلم والمتابعة له في أفعاله فيشق ذلك عليهم، بخلاف سنة الظهر أو لأنه كان في سفر فلم يواظب عليها لذلك بخلاف سنة الظهر. " أذن خير ": سمي صلى الله عليه وسلم بالجارحة التي هي آلة السمع كأن جملته إذن كما يقال للربيئة: عين. قال تعالى: (ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم). قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قائل هذه اللفظة نبتل بن الحارث بن مروة المنافق، كان يأتي النبي فيجلس إليه فيسمع منه، ثم ينقل حديثه إلى المنافقين، رواه ابن أبي حاتم. وقيل هو الجلاس بن سويد.


(1) أخرجه البخاري 1 / 346 كتاب الوضوء (239)، ومسلم 1 / 235، كتاب الطهارة (96 - 282). (*)

[ 427 ]

قال الحسن ومجاهد رحمهما الله تعالى: ومعنى هو أذن: يسمع منا معاذيرنا وينصت لنا، أي لا نبالي عن أذاه والوقوع فيه، إذ هو سماع لكل ما يقاع له من اعتذار ونحوه ويقال للسماع لكل قول: أذن، لكثرة سماعه، سمي بمحله. وقيل هو على حذف مضاف وتقديره ذو أذن أي ذو سماع، وقيل هو من قولهم أذن للشئ بمعنى استمع، ومنه الحديث: " ما أذن الله لشئ كأذنه لنبي متغن بالقرآن ". وصفه الله تعالى بذلك إلا أنه تعالى فسره بما هو مدح لنبيه صلى الله عليه وسلم وثناء عليه وإن كان قصدوا بذلك ذمه. والمشهور ضم ذال أذن. وقرأ نافع بسكونها، قال ابن عطية رحمه الله تعالى: أذن خير: سماع خير وحق لا غيره، والمشهور إضافته وقرأ عاصم برفع " خير " وتنوين " أذن " قال: وهو يوافق تفسير الحسن أي من يقبل معاذيركم خير لكم. قال العزفي رحمه الله تعالى: وأما اسمه صلى الله عليه وسلم " أذن خير " فهو مما أعطاه من فضيلة الإدراك لبيان الأصوات فلا يبقى من ذلك خير ولا يسمع من القول إلا أحسنه. فائدة: قال في الصحاح: الأذن مؤنثة وتصغيرها أذينة. ورجل أذن يستوي فيه الواحد والجمع. " الأرجح ": الزائد على غيره علما وفضلا، وفي حديث شق الصدر ثم قال أحدهما - ؟ أي الملكين - لصاحبه: زنه بعشرة من أمته فوزنني بهم فرجحتهم. ثم قال: زنه بمائة من أمته فوزنني بهم فوزنتهم. ثم قال زنه بألف من أمته فوزنني بهم فوزنتهم. فقال: دعه عنك فلو وزنت بأمته لوزنهم. أي لرجح عليهم في الفضل. وقال زهير بن صرد رضي الله تعالى عنه يمدحه صلى الله عليه وسلم وزاده شرفا وفضلا لديه: " أرجح الناس عقلا ": روى أبو نعيم عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى قال: قرأت في أحد وسبعين كتابا فوجدت في جميعها أن الله تعالى لم يعط جميع الناس من بدء الدنيا إلى انقضائها من العقل في جنب عقل محمد صلى الله عليه وسلم إلا كحبة رمل من بين جميع رمال الدنيا، وإن محمدا صلى الله عليه وسلم أرجح الناس عقلا. وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى في الكلام على عقله صلى الله عليه وسلم. " الأرحم ": أفعل: من الرحمة أي أكثر الناس رحمة، وسيأتي بيانها إن شاء الله تعالى. " أرحم الناس بالعيال ": وسيأتي الكلام عليه في باب شفقته صلى الله عليه وسلم. " الأزج ": بفتح الزاي وتشديد الجيم أي أزج الحاجبين أي المقوس الحاجب الوافر شعره. كما سيأتي بيان ذلك في باب صفاته صلى الله عليه وسلم.

[ 428 ]

" الأزكى ": بالزاي: الطاهر، أفعل من الزكاة وهي الطهارة أي أزكى العالمين. أي أطهرهم. " الأزهر ": من الزهارة وهي الرونق. روى مسلم عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أزهر اللون، قال الإمام النووي: معناه أبيض مستنير فهو بمعنى ما رواه ابن حبان عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبيض. ولهذا مزيد بيان في باب صفة لونه صلى الله عليه وسلم. " الأسد ": بفتح الهمزة والسين وتشديد الدال المهملتين: المستقيم وهو أفعل: من السدد محركة كالسداد وهو الاستقامة والتوفيق للصواب من القول والعمل، يقال: سدده تسديدا: إذا قومه ووقفه للسداد. وسد يسد، كفر يفر: صار سديدا أي مستقيما واستد: استقام. وأسد أصاب السداد أو طلبه. وسد الثلمة: أصلحها وأوثقها. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أكثر الناس ملكا وأنسا وجمعا وسدادا أي استقامة وتوفيقا وإصلاحا لثلم الرأي وإصابة للصواب، لأن جميع ما يصدر منه صلى الله عليه وسلم ولو على سبيل الاجتهاد مستند إلى الوحي، ولهذا كان اجتهاده صلى الله عليه وسلم لا يخطئ كما صوبه السبكي، ولهذا مزيد بيان في أبواب عصمته صلى الله عليه وسلم. " أشجع الناس ": من الشجاعة وهي شدة القلب عند البأس، وتقدم في أحسن، وسيأتي الكلام عليه في باب شجاعته صلى الله عليه وسلم. " الأشد حياء من العذراء في خدرها ": أي أكثر حياء. والحياء يمد ويقصر وهي انقباض النفس عن القبيح مخافة الذم، وسيأتي الكلام على ذلك في باب حيائه صلى الله عليه وسلم. " الأشنب ": بالمعجمة وفتح النون فموحدة من الشنب محركا وهو رونق الأسنان ورقة مائها. وقيل رقتها وعذوبتها، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى في باب صفة فمه وأسنانه صلى الله عليه وسلم. " الأصدق ": أفعل تفضيل. للمبالغة وأصله الثبوت والقوة يقال رجل صدق إذا كان قويا على الطعن ثابتا فيه، لا أحدى أقوى من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أثبت على الحق منه، فهو صلى الله عليه وسلم أصدق الناس لهجة وأثبت على الحق وأقوى في الله. وفي حديث علي رضي الله تعالى عنه عند الترمذي في الشمائل: هو أصدق الناس لهجة. وهذا الاسم مما سماه الله تعالى به من أسمائه قال الله تعالى: (ومن أصدق من الله قيلا). " أصدق الناس لهجة ": وتقدم معناه. واللهجة بفتح الهاء وسكونها لغة: اللسان. وقيل

[ 429 ]

طرفه أي أصدق الناس لسانا. " الأطيب ": أي الأفضل والأشرف، أو الأكثر طيبا. أي أفعل: من الطيب وهو حسن الرائحة. " الأعز ": بمهملة فمعجمة: أفعل: من العز أي الكثير العزة وهي الغلبة والقوة. " الأعظم ": أي أحسن الناس خلقا وخلقا لأنه أفعل: من العظمة وهي ترجع إلى كمال الذات وتمام الصفات، وذلك غاية الحسن وكماله. " الأعلى ": أفعل: من العلو وهو الرفعة، أي الأكثر علوا أي رفعة على غيره. قال أبو حفص النسفي رحمه الله تعالى في تفسيره: وهو مما سماه الله تعالى به من أسمائه، وأورد فيه قوله تعالى: (وهو بالأفق الأعلى) وفي الأخذ من الآية نظر. قال الشيخ رحمه الله تعالى: ولم يظهر لي وجه الأخذ منه لأنا وإن جعلنا الضمائر في " استوى " و " هو " و " دنا " " فتدلى " " فكان " للنبي صلى الله عليه وسلم وهو قول مرجوح في التفسير لم يصح أيضا جعل الأعلى صفة له لأن الضمير لا يوصف كما تقرر في النحو إلا على رأي ضعيف وكأنه جعله حالا من ضمير استوى. وجملة " وهو بالأفق " مبتدأ وخبر حالا أيضا. والتقدير: فاستوى الأعلى أي عليا حالة كونه بالأفق وهو بعيد جدا ولم يظهر لي في غير ذلك. " الأعلم بالله ": والمراد العلم بالله تعالى وصفاته وما يجب له كما قال في حديث ضعيف رواه الإمام أحمد: " أنا أتقاكم لله وأعلمكم بحدود الله " يأتي بيانه في شرح اسمه العالم. " الأغر ": بالغين المعجمة والراء: الشريف الكريم الخيار. قال حسان بن ثابت - رضي الله تعالى عنه - يمدحه صلى الله عليه وسلم زاده الله فضلا وشرفا: أغر عليه للنبوة خاتم * * من الله مشهود يلوح ويشهد (1) " أفصح العرب ": كذا ورد في حديث ذكره أصحاب الغريب بهذا اللفظ. قال الحافظ العلامة عماد الدين بن كثير والشيخ - رحمهما الله تعالى -: ولم نقف على سنده. وروى أيضا: " أنا أفصح من نطق بالضاد بيد أني من قريش " أي من أجل أني منهم. ومعنى أفصح من نطق بالضاد: أي أفصح العرب لأنهم هم الذين ينطقون بها، وليست


(1) البيت بعده: وضم الإله اسم النبي إلى اسمه * * إذا قال في الخمس المؤذن أشهد انظر ديوان حسان 54. (*)

[ 430 ]

في لغة غيرهم. وأفصح: أفعل تفضيل من فصح الرجل: جادت لغته لا من أفصح إذا تكلم بالعربية، لأن أفعل التفضيل لا يبنى إلا من ثلاثي. وفي الصحاح: رجل فصيح وكلام فصيح أي بليغ. ولسان فصيح أي طلق. ومرجع الفصاحة إما إلى الوضوح، ومنه: أفصح الصبح إذا بدا ضوءه. ويقال لكل واضح: مفصح. أو إلى الخلوص. ومنه: أفصح اللبن إذا أخذت منه الرغوة ولهذا مزيد بيان في باب بيان صفاته الحسية صلى الله عليه وسلم. " أكثر الأنبياء تبعا ": بفتح التاء الفوقية والموحدة: جمع تابع كخدم جمع خادم. روى مسلم عن أنس بن مالك - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن من الأنبياء من يأتي يوم القيامة ما معه مصدق غير واحد " وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة " وأرجو أن أكون أكثرهم تبعا " لعله قبل أن يكشف له عن أمته ويراهم. وقد حقق الله تعالى رجاءه صلى الله عليه وسلم كما سيأتي بيان ذلك في الخصائص. " الأكرم ": المتصف بزيادة الكرم على غيره. وقال بعض العلماء: الكرم كالحرية إلا أنها يقال في صغير المحاسن وكبيرها، والكرم لا يقال إلا في كبيرها فقط ولذا قال تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم). روى الدارمي عن ابن عباس - رضى الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنا أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر " (1). ومن كرامته صلى الله عليه وسلم على ربه أنه أقسم بحياته وأشفق عليه فيما كان يتكلفه من العبادة وطلب منه أن يقللها، ولم يطلب ذلك من غيره بل حضهم الله على الزيادة. وأقسم له أنه من المرسلين وأنه ليس بمجنون وأنه لعلى خلق عظيم وأنه ما ودعه وما قلاه. وولد صلى الله عليه وسلم مختونا لئلا يرى أحد عورته، واستأذن عليه ملك الموت في الدخول وفي قبض روحه الزكية ولم يفعل ذلك بأحد قبله. وهذا الاسم مما سماه الله تعالى به من أسمائه قال تعالى: (وربك الأكرم) ومعناه: الذي له الكمال في زيادة الكرم على كل كريم. أو الذي أنعم على عباده بالنعم التي لا تحصى ويحلم عليهم فلا يعاجلهم بالعقوبة على كفرانها سبحانه وتعالى. " أكرم الناس ". " أكرم ولد آدم ": كما سيأتي إن شاء الله تعالى في حديث الشفاعة.


(1) أخرجه الدارمي 1 / 26، وابن كثير 2 / 375. (*)

[ 431 ]

" الإكليل ": التاج. ويقال التاج المدور. وهو صلى الله عليه وسلم تاج الأنبياء ورأس الأصفياء، وسمي به صلى الله عليه وسلم لشرفه وعلوه، أو لإحاطة رسالته وشمولها كما سمي الإكليل لإحاطته بالرأس. " الأمجد ": أفعل من المجد وهو الشرف. " الآمر الناهي ": اسما فاعل من الأمر والنهي قال تعالى: (يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر) وكان ذلك في حقه صلى الله عليه وسلم فرض عين كما قاله الجرجاني في شافيته وفي حق غيره فرض كفاية. قال الشرف البوصيري رحمه الله تعالى: نبينا الآمر الناهي فلا أحد * * أبر في قول " لا " منه ولا " نعم " قال العزفي: وهذا الوصف على الحقيقة لله تعالى، ولكنه لما كان الواسطة بين الله تعالى وعبيده أضيف إليه ذلك هو الذي يشاهد آمرا وناهيا ويعلم بالدليل أن ذلك واسطة ونقل من الذي له ذلك الوصف حقيقة. انتهى. والأمر له معان، المقصود منها هنا: طلب إيجاد الشئ. والنهي: طلب تركه ويعتبر فيهما العلو على الأصح عند الشيخ أبي إسحاق الشيرازي - رحمه الله تعالى - وجماعة من أهل الأصول أي كون الطالب عالي الرتبة على المطلوب منه والاستعلاء بأن يكون الطلب بعظمة على الأصح عند الإمام الرازي والآمدي وابن الحاجب. إذا علم ذلك ففي وصف الله تعالى له صلى الله عليه وسلم بالآمر والناهي دلالة على علو شأنه واستعلاء منصبه ورفع قدره على جميع الأنام، وينشأ من هذا وجوب امتثاله صلى الله عليه وسلم وطاعته فيما أمر به ونهى عنه كما قال تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا). الإمام: المقتدى به في الخير أو غيره يطلق على الواحد نحو (إني جاعلك للناس إماما) والجمع نحو (واجعلنا للمتقين إماما) قال حسان - رضي الله تعالى عنه - يمدحه صلى الله عليه وسلم: إمام لهم يهديهم الحق جاهدا * * معلم صدق إن يطيعوه يهتدوا (1) وسمي به صلى الله عليه وسلم لاقتداء الخلق به ورجوعهم إلى قوله وفعله - زاده الله تعالى شرفا وفضلا. " إمام الخير ": روى ابن ماجه عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - قال: إذا صليتم (1) البيت قبله: يدل على الرحمن من يقتدى به * * وينقذ من هول الخزايا ويرشد ويروى في الديوان يعدوا بدل يهتدوا. انظر ديوان حسان ص 62. (*)

[ 432 ]

على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسنوا الصلاة عليه فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه. قالوا له: علمنا. قال: قولوا: " اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين محمد عبدك الأمين ورسولك إمام الخير وقائد الخير ورسول الرحمة، اللهم ابعثه المقام المحمود الذي يغبطه فيه الأولون والآخرون ". " إمام العالمين " العالم ": بفتح اللام اسم جنس غير علم يجمع على عوالم وعلى عالمين أيضا إن قلنا باختصاصه بمن يعقل وأنه اسم للثقلين خاصة كما ذهب إليه الزمخشري - رحمه الله تعالى - لاشتقاقه من العلم، وإن قلنا بعدم اختصاصه بهم وأنه اسم لما سوى الله تعالى - وهو الصحيح - لأنه مشتق - من العلامة بمعنى أن كل موجود يدل على وجود الباري سبحانه وتعالى، فليس العالمون جمعا له لأنه عام والعالمون خاص بمن يعقل، والجمع لا يكون أخص من المفرد، ولذا قال سيبويه - رحمه الله تعالى -: ليس الأعراب الذين هم من أهل البادية جمعا للعرب الذين يطلقون عليهم وعلى أهل القرى. قال الإمام البغوي رحمه الله تعالى: " وقد اختلف في مبلغ العوالم فعن سعيد بن المسيب. ألف: ستمائة في البحر، وأربعمائة في البر. وقال مقاتل: ثمانون ألف عالم: أربعون في البر، وأربعون في البحر. وقال كعب: لا يحصي عدد العوالم إلا الله تعالى (وما يعلم جنود ربك إلا هو) ". إمام العاملين: جمع عامل أي العباد. إمام المتقين: أي الذين يقتدون به ويتبعون هديه: جمع متق، وهو من اتقى الشرك وتجنب الشك والمخالفات. وتقدم في إمام الخير. " إمام النبيين ". " إمام الناس ": روى الإمام أحمد والترمذي عن أبي بن كعب - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم غير فخر " ولفظ الإمام أحمد: كنت إمام الناس (1). ونكتة تخصيصه بيوم القيامة يأتي في اسمه صلى الله عليه وسلم: " سيد الناس ". " الأمان ": روى الإمام أحمد والترمذي عن أبي موسى - رضي الله تعالى عنه - قال: أمانان كانا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع أحدهما وبقي الآخر (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون).


(1) أخرجه الترمذي (3613) وابن ماجة (4314) وأحمد في المسند 5 / 137، والحاكم في المستدرك 1 / 71، وابن عدي في الكامل 4 / 1448. (*)

[ 433 ]

ولفظ الترمذي: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنزل الله علي أمانين لأمتي " فذكره. وزاد: " فإذا مضيت تركت فيكم آلاستغفار إلى يوم القيامة " (1). وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمانا لأمته وقومه من العذاب، إذ درأه الله تعالى عنهم بسبب كونه فيهم. قال بعضهم: النبي صلى الله عليه وسلم هو الأمان الأعظم ما عاش وما دامت سنته باقية فهو باق، فإذا أميتت فانتظروا البلاء والفتن !. " الأمنة ": روى البيهقي عن أبي موسى - رضي الله تعالى عنه - قال: رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه إلى السماء فقال: " النجوم أمنة السماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة أصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون " (2). والأمنة بضم الهمزة وفتح الميم وبفتح الهمزة أيضا: الوافر الأمانة الذي يؤتمن على كل شئ. وسمي صلى الله عليه وسلم بذلك لأن الله تعالى استأمنه على وحيه. أو الحافظ أي حافظ لأصحابه يدفع به الله قيل من البدع وقيل من الاختلاف والفتن، ولا ينافي هذا قوله صلى الله عليه وسلم: " إذا أراد الله بأمة رحمة قبض نبيها قبلها " لاحتمال أن يكون المراد برحمتهم أمنهم - من المسخ والخسف ونحو ذلك من أنواع العذاب، وبإتيان ما يوعدون من الفتن بينهم بعد أن كان بابها منسدا عنهم بوجوده صلى الله عليه وسلم أو معنى الأمن كما في قوله تعالى: (إذ يغشيكم النعاس أمنة منه) وسمي به صلى الله عليه وسلم لأنه أمان المؤمنين من العذاب والكافرين من الخسف والعقاب. " الأمة ": الجامع للخير المقتدى به أو المعلم للخير. وأصل الأمة: الجماعة. وسمي به صلى الله عليه وسلم كما سمي به إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لأنه اجتمع فيه صلى الله عليه وسلم من الأوصاف الحميدة والخصال الجميلة ما لم يجتمع في أمة كثيرة من الناس. الم المر. المص ذكرها " د " والمشهور أنها من أسماء الله تعالى فإن صح ما قاله كانت مما سماه الله تعالى به من أسمائه وقد بسطت الكلام على ذلك في كتاب " القول الجامع الوجيز الخادم للقرآن العزيز ". " الألمعي ": بالهمز أوله والياء آخره: الحديد القلب واللسان، الذكي المتوقد، مأخوذ من لمع النار وهو لهبها وإضاءتها كأنه لفرط ذكائه إذا لمع أول الأمر عرف آخره كما قال أوس بن حجر (3):


(1) أخرجه الترمذي (3082) وانظر الشفا 1 / 118، والدرر المنثور 3 / 181. (2) أخرجه مسلم 4 / 1961 كتاب الفضائل (207 - 2531)، وأحمد في المسند 4 / 399. (3) هو أوس بن حجر بن عتاب قال أبو عمرو بن العلاء: كان أوس فحل حتى نشأ النابغة وزهير فأخملاه. انظر الشعر والشعراء 1 / 202، والأغاني 8 / 47، 7 / 158، 14 / 93، 10 / 5: 8. (*)

[ 434 ]

الألمعي الذي يظن بك الظن كأن قد رأى وقد سمعا ومثله الألمع بلا ياء. واليلمع بالتحتية أوله كيسمع. واليلمعي بياءين أوله وآخره. هذا هو الصحيح المشهور، الموجود في نسخ القاموس المعتمدة وغيره من كتب اللغة. وأما ما في بعض نسخه تبعا لقول الليث: اليلمع: الكذاب مأخوذ من اليلمع وهو السراب فخطأ باطل. كما قال الأزهري وغيره من أئمة اللغة، مستدلا بأن العرب لم تضعه إلا في موضع المدح. قال: وما علمت أحدا من أئمة اللغة قال كما قاله الليث رحمه الله تعالى. " الآمن ": بالمد وكسر الميم كصاحب: الخالص التقي والشريف النقي، وهو اسم فاعل من الأمن وهو طمأنينة النفس وزوال الخوف كالأمان والأمانة. يقال أمن كفرح أمنا وأمانا بفتحهما وأمنا وأمنة محركين وإمنا بالكسر فهو آمن وأمن كفرح، وأمين كأمير. وسمي به صلى الله عليه وسلم لأن الله تعالى أمنه يوم القيامة فقال تعالى: (يوم لا يخزي الله النبي) والحكمة في ذلك أن يفرغ إلى شفاعة أمته إذا قال سائر النبيين: نفسي نفسي، ولو لم يؤمنه كان مشغولا كغيره من الأنبياء. انتهى. وقد ورد في تأمينه صلى الله عليه وسلم حديث رواه الطبراني في الأوسط بسند واه. ولأنه صلى الله عليه وسلم كان آمنا من شر الخلق وكيدهم، لأن الله تعالى عصمه من الناس وحماه منهم. كان صلى الله عليه وسلم إذا خرج بعث معه عمه أبو طالب من يكلأه حتى نزلت (والله يعصمك من الناس) فذهب ليبعث معه فقال: يا عم قد عصمني الله فلا حاجة لي بذلك. كذا في شرح النظم، وفيه نظر لقوله بعد: إن الآية نزلت في عام تبوك وأبو طالب - مات قبل الهجرة. والله تعالى أعلم. ولا يستشكل ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: " ما زالت أكلة خيبر تعادني فقطعت أبهري " لأن الآية نزلت عام تبوك والسم قبلها بخيبر، ولا ما وقع له من الأذى يوم أحد (1) لأن المراد يعصمك من القتل وعليه أن يحتمل ما دون النفس. وأما أمره بعد ذلك بالحراسة فللتشريع. قوله: " تعادني " قال في الصحاح: العداد: اهتياج وجع اللديغ وذلك إذا تمت له سنة مذ يوم لدغ اهتاج به الألم، يقال عادته اللسعة: إذا اشتد العداد. " الأمين ": ذكره ابن فارس. ومعناه: القوي الحافظ الذي يوثق بأمانته ويرغب في ديانته، فعيل بمعنى فاعل من أمن ككرم فهو أمين وأمان كرمان. قال الله تعالى: (إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين) في أحد القولين، ونسبه القاضي لأكثر المفسرين، أن الرسول المذكور: محمد صلى الله عليه وسلم.


(1) أخرجه ابن عدي في الكامل 3 / 1239 والذهبي في الميزان (3263) وذكره المتقي الهندي في الكنز (32189). (*)

[ 435 ]

وقد كان يدعى بذلك في صغره لوقاره وصدق لهجته وهديه واجتناب القاذورات والأدناس. قال كعب بن مالك فيه صلى الله عليه وسلم: أمين محب في العباد مسوم * * بخاتم رب قاهر للخواتم وسيأتي قول قريش عند إرادة بناء (1): هذا الأمين إن شاء الله. روى مسلم عن أبي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه - مرفوعا: " ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر من في السماء صباحا ومساء " (2) وسمي صلى الله عليه وسلم بذلك لأنه حافظ الوحي قوي على الطاعة. أو: المأمون. أي المؤتمن بفتح الميم، فعيل بمعنى مفعول من الائتمان وهو الاستحفاظ والوثوق بالأمانة، يقال: أمنه كسمعه وأمنه وائتمنه واستأمنه أي استحفظه ووثق بأمانته فهو أمين ومأمون، أي موثق به. وسمي صلى الله عليه وسلم بذلك لأن الله تعالى ائتمنه على وحيه وجعله واسطة بينه وبين خلقه وكساه من الأمانة التي هي ضد الخيانة حلة وافرة وتوجه بتاج الصدق المرصع بدررها الفاخرة. والمراد في قوله تعالى: (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض) الفرائض المفروضة. وقيل: النية القلبية لأن الله تعالى ائتمن العباد عليها، ولم يظهرها لأحد من خلقه، فمن أضمر التوحيد مثل ما أظهره فقد أدى الأمانة، ومن لا فلا. وقيل: المراد بها العقل. وقيل: العدالة. وقيل غير ذلك. " الأمي ": قال تعالى: (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي) وهو الذي لا يحسن الكتابة، كما في الحديث: " إنا أمة أمية لا نحسب ولا نكتب " نسبة إلى الأم كأنه على الحالة التي ولدته أمه. وكانت الأمية في حقه صلى الله عليه وسلم معجزة وإن كانت في حق غيره ليست كذلك. قال القاضي - رحمه الله -: لأن معجزته العظمى القرآن العظيم إنما هي متعلقة بطريق المعارف والعلوم مع ما منح صلى الله عليه وسلم وفضل به من ذلك. ووجود مثل ذلك ممن لا يقرأ ولا يكتب ولا يدارس ولا لقن مقتضى العجب ومنتهى العبر ومعجزة البشر، وليس فيه إذ ذاك نقيصة، إذ المطلوب من القراءة والكتابة المعروفة ليست المعارف والعلوم إلى آخر ما تقدم، وإنما هي آلة ووساطة موصلة إليها غير مرادة في نفسها، فإذا حصلت الثمرة والمطلوب استغني عن الواسطة. تنبيه: قال القاضي - رحمه الله -: من وصف النبي صلى الله عليه وسلم بالأمية أو نحوها من اليتم وما جرى


(1) في أ: الكعبة. (2) أخرجه البخاري 5 / 326 كتاب المغازي (4351)، ومسلم 2 / 742 كتاب الزكاة (144 - 1064). (*)

[ 436 ]

عليه من الأذى، فإن قصد بذلك مقصده من التعظيم والدلالة على نبوته صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك كان حسنا، ومن أراد ذلك على غير وجهه وعلم منه سوء قصده لحق بما تقدم، أي بالساب فيقتل أو يؤدب بحسب حاله. ولهذا مزيد بيان يأتي في الخصائص إن شاء الله تعالى. الأمي: بفتح الهمزة قرئ بها. قال ابن عطية - رحمه الله -: هو منسوب به إلى الأم بمعنى القصد، أي أن هذا النبي مقصد الناس وموضع أم، يؤمونه في أفعالهم وشرعهم. فعلى هذا يكون اسما آخر. وقال ابن جني: يحتمل أنه بمعنى الأمي غير تغيير النسب فيكون لغة أخرى لا اسما آخر. " أنعم الله ": بفتح الهمزة وضم المهملة، جمع نعمة في الأصل وهي الإحسان وسمي بذلك لأنه نعمة من الله تعالى على عباده وبعثته رحمة لهم، وحصل بوجوده للخلق نعم كثيرة منها الإسلام والإنقاذ من الكفر والأمن من الخسف. " أنفس العرب ": قال الله تعالى: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم) على قراءة الفتح، وقد روى الحاكم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ: " أنفسكم " بفتح الفاء أي من أعظمكم قدرا. وأنفس: أفعل من النفاسة وهي الشرف والعلو والعز، ومنه: در نفيس أي عزيز المثل. والجمهور أن المخاطب بهذه الآية العرب، وإذا كان صلى الله عليه وسلم أنفسهم كان أنفس الخلق، لأنهم أفضل من غيرهم ولكن إنما فضلهم برسول الله صلى الله عليه وسلم لكونه منهم قال الشاعر: وكم أب قد علا بابن ذرى شرف * * كما علت برسول الله عدنان " أوفى الناس ذماما ": بكسر الذال المعجمة أي أكثرهم حرمة وأشدهم مهابة قال حسان - رضي الله تعالى عنه -: وما حملت من ناقة فوق رحلها * * أبر وأوفى ذمة من محمد " الأنوار المتجرد ": أي المشرق. والمتجرد بفتح الراء: كل ما يتجرد عنه من بدنه فيرى. " الأواه " بتشديد الواو. قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو: " رب اجعلني شكارا لك ذكارا لك رهابا لك مطواعا لك مخبتا لك أواها منيبا " (1) الحديث. قد اختلف في معنى الأواه على أقوال حاصلها: أنه الخاشع المتضرع في الدعاء المؤمن التواب والموقن المنيب الحفيظ بلا ذنب، المسبح المستغفر بلا خطأ، الحليم


(1) أخرجه أحمد في المسند 1 / 227، وابن حبان (2414). (*)

[ 437 ]

الرحيم المطيع المستكن إلى الله تعالى، الخائف الوجل الذاكر التالي للقرآن، وهو صلى الله عليه وسلم متصف بجميع ذلك. " الأوسط ": العادل أو الخيار من كل شئ ويرحم الله تعالى القائل: يا أوسط الناس طرا في تفاخرهم * * وفي تفاضلهم يا أشرف العرب وقد وصف الله تعالى أمته صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) أي عدولا خيارا وأهل دين وسط بين الغلو والتقصير. " الأولى ": أي الأولى بالمؤمنين من أنفسهم أي أجدر وأحرى في كل شئ من أمور الدنيا والدين من أنفسهم. وسيأتي لهذا مزيد بيان في الخصائص إن شاء الله تعالى. " الأول ": السابق المتقدم على غيره، أو الذي يقتدى به، وهو هنا غير مصروف لكونه جعل علما له صلى الله عليه وسلم ولوزن الفعل، ثم هو عند البصريين صفة جارية في اللفظ مطلقا مجرى أسبق الذي هو افعل تفضيل من السبق فيلزم إفراده وتذكيره وإيلاؤه من حيث جرد من اللام، وإن نوبت إضافته بني على الضم. " الآخر ": ضد الأول: اسم فاعل من التأخر ضد التقدم. وفي حديث أنس عند البيهقي في قصة الإسراء: ثم لقي خلقا من خلق الله تعالى فقالوا: السلام عليك يا أول، السلام عليك يا آخر، السلام عليه يا حاشر، فقال له جبريل: اردد السلام يا محمد. وفي حديث أبي هريرة في الإسراء عند البزار: " وجعلتك أول النبيين خلقا وآخرهم بعثا ". روى مسلم عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع، وأول مشفع " (1). وهذان الاسمان من أسمائه تعالى. ومعنى الأول في حقه: السابق للأشياء قبل وجودها بلا بداية والآخر للأشياء بعد فنائها بلا نهاية. قال القاضي: وتحقيقه أنه أول ولا آخر. " أول الرسل خلقا ". " أول شافع ": أي طالب للشفاعة. " أول مشفع ": بفتح الفاء: الذي يشفع فتقبل شفاعته وهي السؤال في التجاوز عن المذنبين ويأتي الكلام عليه في أبواب حشره صلى الله عليه وسلم.


(1) أخرجه مسلم 4 / 1782 كتاب الفضائل (3 - 2278). (*)

[ 438 ]

" أول المسلمين ": أي المقتدى به في الإسلام. " أول من تنشق عنه الأرض ": يأتي الكلام عنه في أبواب حشره صلى الله عليه وسلم. " أول المؤمنين ": أي المقتدى به في الإيمان. " آية الله ": ذكره الشيخ رحمه الله تعالى ولم يزد فيه. روى ابن المنذر عن مجاهد رحمه الله تعالى في قوله تعالى: (سنريهم آياتنا في الآفاق) قال: محمد صلى الله عليه وسلم لأنه العلامة الظاهرة. قال الراغب رحمه الله تعالى: واشتقاقها من أي لأنها تبين شيئا من شئ أو من أوى إليه لأنه يؤوي إليها ليستدل بها على المطلوب. وسمي بذلك لأن الله تعالى جعله علما على طريق الهدى، وعلما يستدل به على الفوز الأبدي ويقتدى به وقرئ " إن الذين كفروا بآية الله لهم عذاب شديد " قيل المراد بها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. حرف الباء " البارع ": من برع الشئ مثلث الراء براعة وبروعا: إذا فاق أقرانه فضلا وعلما ورجح عليهم حلما وحكما. " البارقليط ": بباء موحدة فألف فراء مكسورة فقاف ساكنة فلام فمثناة تحتية فطاء مهملة. قال القاضي: هو اسمه صلى الله عليه وسلم في الإنجيل ومعناه روح القدس وقال ثعلب: الذي يفرق بين الحق والباطل، وقيل: الحامد، وقيل الحماد، وقال الشيخ تقي الدين الشمني رحمه الله تعالى: وأكثر أهل الإنجيل على أن معناه المخلص. " الباطن ": المطلع على بواطن الأمور بالوحي، وهو من أسمائه تعالى، ومعناه المستتر عن الأبصار فلا نراه، والمطلع على بواطن الأمور فلا يعتريه فيها اشتباه. وقيل الباطن بذاته والظاهر بآياته. وقيل: الذي لا تدرك كنهه العقول ولا تدركه الحواس. وكان معناه في حقه صلى الله عليه وسلم: الذي لا تدرك غاية مقامه وعظم شأنه الذي خصه الله تعالى به لقصر العقول عن ذلك. وقد أشار إلى ذلك صاحب البردة رحمه الله تعالى بقوله: أعيى الورى فهم معناه فليس يرى * * للقرب والبعد فيه غير منفحم كالشمس تظهر للعينين من بعد * * صغيرة وتكل الطرف من أمم (1) وكيف يدرك في الدنيا حقيقته * * قوم نيام تسلوا عنه بالحلم


(1) من أمم: الأمم: مقابل الشئ، المعجم الوسيط 1 / 27. (*)

[ 439 ]

فمبلغ العلم فيه أنه بشر * * وأنه خير خلق الله كلهم صلى الله عليه وسلم وزاده شرفا وفضلا لديه. " البالغ ". " البيان ": ذكرهما شيخنا أبو الفضل القسطلاني رحمه الله تعالى. " الباهر ": بالموحدة آخره راء في قصص الأنبياء للكسائي أن الله سبحانه وتعالى قال لموسى صلى الله عليه وسلم: إن محمدا هو البدر الباهر، أي لأنه بهر بنوره نور الأنبياء أي غلبه في الإضاءة لكثرة الانتفاع به والاقتباس منه، مأخوذ من قولهم بدر باهر. أي غالب نوره نور الكواكب. أو لأنه صلى الله عليه وسلم غلب بحسنه جميع الخلائق من قولهم بهرت النساء أي غلبتهن حسنا أو لأنه ظاهر الحجة من قوله. لقد بهرت فلا تخفى على أحد * * إلا على أكمه لا يعرف القمرا " الباهي ": الحسن الجميل. اسم فاعل من البهاء والحسن. والرونق، يقال: بهي كرضي فهو باه وبهي وإعلاله كإعلال قاض. " البحر ": في الأصل: خلاف البر ثم غلب على الماء الكثير الواسع العمق، ويطلق على كل نهر عظيم، ويقال للفرس الواسع الجري بحر. وسمي به صلى الله عليه وسلم كما في قصص الأنبياء للكسائي لأن الله سبحانه وتعالى قال لبعض أنبيائه إن محمدا البحر الزاخر. أي لعموم نفعه لأنه طاهر في نفسه مطهر لغيره ممن اتبعه، ولسعة كرمه، فقد قال أنس رضي الله تعالى عنه: ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئا إلا أعطاه. قال: فسأله رجل غنما بين جبلين فأعطاه إياها، فأتى قومه فقال: يا قوم أسلموا فوالله إن محمدا ليعطى عطاء من لا يخاف الفقر (1). ولهذا مزيد بيان يأتي في باب كرمه صلى الله عليه وسلم. " البدء ": بدال مهملة مهموز: السيد الذي يبدأ به إذا عدت السادات لكونه أجلهم. " البديع ": صفة مشبهة من " أبدع " المتعدي بجعله لازما منقولا إلى فعل أي المبدع في الحسن والجمال أي المستقل بذلك والمنفرد به، وهومن أسمائه تعالى. ومعناه موجد الشئ بغير آلة ولا مادة. " البدر ": القمر المستكمل سمي بدرا لتمامه صلى الله عليه وسلم ولكماله وعلو شرفه. وفي قصص


(1) أخرجه مسلم 4 / 1806 كتاب الفضائل (57 - 2312). (*)

[ 440 ]

الكسائي أن الله تبارك وتعالى قال لموسى في مناجاته: إن محمدا هو البدر الباهر والنجم الزاهر والبحر الزاخر. " البر ": بفتح الموحدة اسم فاعل من البر بالكسر وهو الإحسان أو الطاعة أو الصدق. ومثله المبرة، يقال بررت والدي بالكسر أبره برا فأنا بر وبار وجمع البر: الأبرار. وجمع البار البررة. وفلان يبر خالقه أي يطيعه، وبر في يمينه أي صدق. وعن إدريس النبي صلى الله عليه وسلم: من أفضل البر ثلاثة: الصدق في الغضب، والجود في العسرة، والعفو عند المقدرة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " البر حسن الخلق ". وسمي صلى الله عليه وسلم به لأنه كان من ذلك بمكان (1). وهو من أسمائه تعالى ومعناه البالغ في الإحسان والصادق فيما وعد. البر قليطس: قال ابن إسحاق ومتابعوه رحمهم الله تعالى: هو محمد صلى الله عليه وسلم بالرومية. قال الشيخ رحمه الله تعالى ورأيته مضبوطا بفتح الباء الموحدة وكسرها وفتح القاف وكسر الطاء. " البرهان ": روى ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى في قوله تعالى: (قد جاءكم برهان من ربكم) قال: هو محمد صلى الله عليه وسلم وجزم به ابن عطية والنسفي ولم يحكيا غيره. والبرهان في اللغة: الحجة. وقيل: الحجة النيرة الواضحة التي تعطي اليقين التام. والنبي صلى الله عليه وسلم برهان بالمعنيين لأنه حجة الله تعالى على خلقه وحجة نيرة واضحة لما معه من الآيات والمعجزات الدالة على صدقه. وهذا الاسم مما سماه الله تعالى به من أسمائه فإنه منها، كما ورد في حديث ابن ماجة. " البشر " بشين معجمة محركة في الأصل: الإنسان لظهور بشرته وهي ظاهر الجلد من الشعر، بخلاف سائر الحيوانات لأنها مستترة الجلد بالشعر والصوف والوبر. وسمي به صلى الله عليه وسلم لأنه أعظم البشر وأجلهم كما سمي بالناس من تسمية الخاص باسم العام قال تعالى: (قل إنما أنا بشر مثلكم) نبه تعالى بذلك على أن الناس متساوون في البشرية غير متفاضلين في الإنسانية، وإنما يتفاضلون بما يتخصصون به من المعارف الجليلة، ولذا قال بعده " يوحى إلي " تنبيها على الجهة التي حصل بها الفضل عليهم، أي أني تميزت عليكم وخصصت من بينكم بالوحي والرسالة.


(1) أخرجه مسلم 4 / 1980 كتاب البر والصلة (14 - 2553)، والترمذي (2389)، وأحمد في المسند 4 / 182، والبيهقي في السنن 10 / 142، والحاكم في المستدرك 2 / 14. (*)

[ 441 ]

" بشرى عيسى ": بضم الموحدة وسكون الشين المعجمة فعلى من البشارة وهي الخبر السار أي المبشر به قال الله تعالى حاكيا عن عيسى صلى الله عليه وسلم: (ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد). وفي المستدرك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى " (1). فائدة: الأنبياء المبشر بهم خمسة: محمد، وعيسى، وإسحاق، ويعقوب ويحيى صلى الله وسلم عليهم أجمعين. " بمأذبمأذ ": بكسر الباء وسكون الميم وضم الهمزة وسكون المعجمة. عزاه " د " للسفر الأول من التوراة قال: فالباء باثنين، والميم بأربعين، والألف بواحد، والذال في حسابهم بأربعة كالدال المهملة، والميم الثانية بأربعين والألف بواحد، والذال بأربعة فتبلغ اثنين وتسعين وهو موافق في العدد بالجمل لاسم النبي صلى الله عليه وسلم. وذكر القاضي في الشفاء " ماذماذ " بالميم أوله. قال الشيخ: وأخشى أن يكون هو هذا فتحرف. قلت: ونقله ابن القيم في " جلاء الأفهام " عن نص التوراة وعن نص بعض شراحها من مؤمني أهل الكتاب، وذكر الكلام الذي ذكره " د " فيكون صوابه ماذماذ فصح ما قاله الشيخ رحمه الله تعالى. " البليغ ": الفصيح الذي يبلغ بعبارته كنه ضميره. " البهاء ": بالمد: العز والشرف. سمي به صلى الله عليه وسلم لأنه شرف هذه الأمة وعزها. " البهي ": بالموحدة كالعلي: الحسن العاقل. تقول بهي الرجل بكسر الهاء وبهو بضمها فهو بهي بالكسر. " البينة ": الحجة الواضحة. قال تبارك وتعالى: (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله) أي محمد صلى الله عليه وسلم، فرسول بدل أو عطف بيان للبينة. قال ابن عطية رحمه الله تعالى: والهاء في البينة للمبالغة كهاء علامة ونسابة. " البيان ": الكشف والإظهار أو الفصاحة أو اجتماعها مع البلاغة وإظهار المقصود بأبلغ لفظ، يقال فلان أبين من فلان أي أفصح منه قيل: والفرق بينه وبين التبيان الذي هو مفعال


(1) أخرجه الحاكم في المستدرك 2 / 600. (*)

[ 442 ]

بكسر التاء أن البيان إظهار بغير حجة: والتبيان الإظهار بالحجة. أو هو معنى المبين أي المظهر للناس ما أمروا به ونهوا عنه والموضح لهم ما خفي عليهم من أمر دينهم. حرف التاء " التالي ": المتبع لمن تقدمه. قال تعالى: (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا) أو من التلاوة وهي القراءة، قال تعالى: (كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا) أي القرآن. " التذكرة ": ما يتذكر به الناسي وينتبه به الغافل، مصدر ذكره مضاعفا. قال الراغب وهي أعم من العلامة والدليل، لأنهما يختصان بالأمور الحسية، والتذكرة لا تختص بذلك بل تكون للأمور الذهنية أيضا. وسمي بذلك لما تقدم. قال تعالى: (وإنه لتذكرة للمتقين) قيل: المراد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. " التقي ": قال القاضي: وجد على الحجارة القديمة مكتوب: " محمد تقي مصلح سيد أمين " وهو فعيل من التقوى. وسيأتي لهذا مزيد بيان في المتقي. " التلقيط ": ذكره " ع " وقال: هو اسمه في كتب الروم. " التنزيل ": هو بمعنى المنزل أي المرسل أو المنزل إليه أي الموحى إليه القرآن. قال تعالى: (تنزيل من رب العالمين) قيل هو محمد. وقيل القرآن، فعلى الأول هو بمعنى قوله تعالى: (رسول من الله). " التهامي ": بكسر التاء نسبة لتهامة " ع " وهو من أسماء مكة وتهامة من مكة. وتهامة: ما نزل عن نجد من بلاد الحجاز، سميت بذلك لتغير هوائها يقال تهم الدهن. إذا تغير وقال ابن فارس: هي من تهم بفتحتين وهي شدة الحر وركود الريح. حرف الثاء " ثاني اثنين ": أخذ من الآية، أي أحد اثنين، وهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: وفي هذه الآية الدليل الواضح على شدة مبالغته صلى الله عليه وسلم في الأدب مع ربه تعالى ومحافظته عليه في حال يسره وعسره حيث قدم في هذا المقام اسم ربه استلذاذا به وإجلالا له. " الثمال ": ذكره " ط " ولم يتكلم عليه وهو بكسر المثلثة وتخفيف الميم: العماد والملجأ والمغيث والمعين والكافي. قال جده يمدحه: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * * * ثمال اليتامى عصمة للأرامل

[ 443 ]

أي يمنعهم بما يضرهم. قال ذلك جده والنبي صلى الله عليه وسلم في حال الطفولية لما توسمه فيه من الخير وتنسمه من البركة. وقد يستدل بالظاهر على الباطن كما قال: وقل من ضمنت خيرا طويته * * إلا وفي وجهه للخير عنوان أو بضمها. ومعناه: المنقطع إلى الله تعالى الواثق بكفايته. حرف الجيم " الجامع ". " الجبار ": قال: " ياد ": سماه الله تعالى به في كتاب داود فقال: تقلد سيفك أيها الجبار فإن ناموسك وشرائعك مقرونة وشرائعك مقرونة بهيبة يمينك. ومعناه في حق الله تعالى: المصطلح للشئ، أو المصلح له بضرب من القهر، أو العلي العظيم الشأن وقيل المتكبر. ومعناه في حقه صلى الله عليه وسلم: إما لإصلاحه الأمة بالهداية والتعليم، أو القهر لأعدائه أو لعلو منزلته على البشر وعظم خطره، ونفى عنه تعالى جبرية التكبر التي لا تليق به فقال تعالى: (وما أنت عليهم بجبار) انتهى. وفي الصحاح الجبر: أن تغني الرجل من فقر أو تصلح عظمه من الكسر، وأجبرته على الأمر أكرهته، وقال ابن دريد: الجبار العظيم الخلق، والجبار المسلط على الناس، وبه فسر ابن عباس: " وما أنت عليهم بجبار " أي بمسلط. قال: وهو منسوخ بآية القتال. قال الشيخ رحمه الله تعالى: فيكون حينئذ جبارا بمعنى المسلط بعد أمره بالقتال، وهو الذي يناسب سياق الزبور. وقال في الشرح: أو المراد ما أنت بمكره لهم على الإيمان إنما أنت داع وهاد. " الجد ": بفتح الجيم وضمها: العظيم الحظ الجليل القدر، أو بكسرها وفتحها أيضا بمعنى الحظ والحظوة. أي صاحب الحظ العظيم عند الخلق والحظوة عند الحق. أو بكسرها فقط بمعنى الاجتهاد في الأمر أي ذو الاجتهاد في العبادة ودأب النفس في طلب السيادة. " الجليل ": صفة مشبهة أي العظيم. وقيل هو من كملت صفاته. والعظيم: من جلت صفاته وكبرت ذاته، وفرق بين الجلال والجمال بأنه صفة سلبية والجمال صفة ثبوتية وهو من أسمائه تعالى، ومعناه المنعوت بنعوت الجلال فهو راجع إلى كمال الصفات، كما أن الكبير راجع إلى كمال الذات والعظيم راجع إلى كمالها قاله ابن الأثير. قال الكرماني: فإن قيل: ما الفرق بين الجلال والعظمة والكبرياء ؟ قيل: هي مرادفة. وقيل نقيض الكبير الصغير ونقيض الجليل الدقيق. ونقيض العظيم الحقير - وبضدها تتبين الأشياء.

[ 444 ]

وإذا أطلقت على البارئ تعالى فالمراد لوازمها بحسب ما يليق به. وقيل: الكبرياء ترجع إلى كمال الذات، والعظمة إلى كمالها. انتهى. والمراد بكمال الصفات الثبوتية: عدم ثبوت نقيضه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا - كالجهل والفناء وغيرهما. " الجهضم ": بالجيم والمعجمة الساقطة كجعفر: العظيم الهامة المستدير الوجه الرحب الجبين الواسع الصدر، وهذه الأوصاف مجتمعة فيه صلى الله عليه وسلم. " الجواد ": بالتشديد مبالغة في الجواد بالتخفيف. قال القشيري رحمه الله تعالى: حقيقة الجواد أن لا يصعب عليه البذل. وأول مراتب الكرم: السخاء، ثم الجود، ثم الإيثار. فمن أعطى البعض وأبقى البعض فهو السخي، ومن بذل الأكثر وأبقى شيئا فهو الجواد، ومن قاسى الضر وآثر غيره فهو المؤثر. لهذا مزيد بيان في باب كرمه وجوده صلى الله عليه وسلم. " الجواد ": بالتخفيف: الكريم السخي الطائع الملي صفة مشبهة من الجود وهو سعة الكرم أو الطاعة. حرف الحاء المهملة " الحاتم ": قال: " يا " هو من أسمائه في الكتب السالفة. حكاه كعب الأحبار. قال ثعلب: ومعناه أحسن الأنبياء خلقا. قال في الشرح: هو بفتح المثناة الفوقية كما رأيته مضبوطا بالقلم في نسخة معتمدة من الشفاء ورأيته في الصحاح بالكسر. لكن قال: هو القاضي. قلت: لم يذكر في الصحاح أنه من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم وإنما قال: الحاتم القاضي. وكذا ذكره في الديوان في فاعل بكسر العين. والله تعالى أعلم. " الحاشر ": ذكر في الأحاديث السابقة في الباب الثاني بلفظ " أنا الحاشر الذي يحشر الناس على عقبي " وفي لفظ " على قدمي " وبلفظ: " أنا الحاشر الذي يحشر الناس معي على قدمي " قال القاضي: واختلف في معنى: " على قدمي " فقيل: على زماني وعهدي، إذ ليس بعده نبي. وقيل: يحشر الناس بمشاهدتي كما قال تعالى: (ويكون الرسول عليكم شهيدا) وقال الخطابي وابن دحية رحمهما الله: معناه على أثري أي أنه يقدمهم وهم خلفه، لأنه أول من تنشق عنه الأرض، ثم يحي كل نفس فيتبعونه. قال الخطابي: ويدل على هذا المعنى رواية (1): " على عقبي " وقال العزفي: القدم عبارة عن الأثر لأنه منه، وقيل: المعنى على أثري، لأن الساعة على أثره أي قريبة من مبعثه. كما قال صلى الله عليه وسلم: " بعثت أنا والساعة كهاتين " (2). قال الحافظ: ويحتمل أن يكون المراد بالقدم


(1) في أ: قوله. (2) أخرجه البخاري 11 / 347 كتاب الرقاق (6504)، ومسلم 4 / 2268 كتاب الفتن (133 - 2951). (*)

[ 445 ]

الزمان أي وقت قيامي على قدمي تظهر علامات الحشر، إشارة إلى أنه ليس بعده نبي ولا شريعة. ويرجح هذا ما وقع في رواية نافع بن جبير: " وأنا الحاشر بعثت مع الساعة " وقيل: على مشاهدتي قائما لله على الأمم. واستشكل التفسير بأنه يقتضي أنه محشور، فكيف يفسر به حاشر وهو اسم فاعل ؟ وأجيب بأن إسناد الفعل إلى الفاعل إضافة والإضافة تصح بأدنى ملابسة، فلما كان لا أمة بعد أمته، لأنه لا نبي بعده نسب الحشر إليه لأنه يقع بعده. وقوله " على عقبي " بكسر الموحدة على الإفراد، ولبعضهم بالتثنية والموحدة مفتوحة وكذلك قوله: " على قدمي " روي بالإفراد والتثنية. تنبيه: وصف الله تعالى نفسه بالحشر في قوله: (ويوم يحشرهم) (وحشرناهم) فيكون هذا الاسم مما سماه الله تعالى به من أسمائه. " حاط حاط ": قال " ع ": هو اسمه في الزبور. " الحافظ ": وهو من أسمائه تعالى. ومعناه في حقه تعالى: صيانة جميع الموجودات عن العدم وصيانة المضادات بعضها من بعض. قال الغزالي رحمه الله تعالى: والحافظ من العباد: من يحفظ جوارحه وقلبه ويحفظ دينه عن سطوة الغضب وصلابة الشهوة وخداع النفس وغرور الشيطان، وهو اسم فاعل من احفظ، وسمي به لأنه الحافظ للوحي والأمة، ولا يقدح في وصفه بالحفظ وقوع النسيان منه صلى الله عليه وسلم، كما روى مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع قراءة رجل في المسجد فقال: " رحمه الله تعالى لقد أذكرني آية كذا كنت نسيتها " لندرة ذلك منه، والحكم إنما هو للأغلب، ولهذا مزيد بيان يأتي في أبواب عصمته صلى الله عليه وسلم. " الحاكم ": أخذه " د " من قوله تعالى (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس). " الحامد ": اسم فاعل من الحمد، وهو الثناء على الله تعالى بما هو أهله. قال " د ": ذكره كعب. وذكر ابن إسحاق رحمه الله تعالى قال: رأت أمه صلى الله عليه وسلم في منامها قائلا يقول: إنك حملت بخير البرية وسيد العالمين فإذا ولدتيه فسميه محمدا فإن اسمه في التوراة حامد (1) وفي الانجيل أحمد. حامل لواء الحمد: روى الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر " (2).


(1) في أ: أحمد. (2) أخرجه الترمذي (3616). (*)

[ 446 ]

وسئل الشيخ رحمه الله تعالى عن لواء الحمد هل هو لواء حقيقي أومعنوي ؟ فأجاب بأنه معنوي وهو الحمد، لأن حقيقة اللواء الراية ولا يمسكها إلا صاحب الجيش، فالمراد من الحديث أنه سيد الناس وإمامهم يوم القيامة. وأنه يشهر بالحمد إذ ذاك. وقد ذكر ابن الأثير رحمه الله نظير هذا في الحديث: " لكل غادر لواء " أي علامة يشهر بها في الناس لأن موضوع اللواء شهرة مكان الرئيس. ولهذا مزيد بيان في أبواب حشره صلى الله عليه وسلم. " الحامي ": بالمهملة: المانع لأمته من العدى والحافظ لها من الردى. أو حامي البيت والحرم ومبعده من أيدي ذي الجرم. أو سمي بذلك لأنه صلى الله عليه وسلم كان له أن يحمي لنفسه وإن لم يقع ذلك منه. " الحائد لأمته من النار ": اسم فاعل من حاد يحيد، أي يميل أمته عن النار. " حبيب الله ": هو فعيل من المحبة بمعنى مفعول أو بمعنى فاعل. ورد ذكره في عدة أحاديث. قال القاضي: وأصلها الميل إلى ما يوافق المحب، ولكن هو في الحق من يصح منه الميل والانتفاع بالرفق وهي درجة المخلوق، فأما الخالق تعالى فمنزه عن الأعراض فمحبته لعبده تمكنه من سعادته وعصمته وتوفيقه وتهيئة أسباب القرب له، وإضافة رحمته عليه، وقصواها كشف الحجب عن قلبه حتى يراه بقلبه وينظر إليه ببصيرته ولسانه فيكون كما في الحديث. " فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به " (1). وقال في الاصطفاء: وقد يقال كما في شرح المواقف إن محبتنا له تعالى كيفية روحانية مترتبة على تصور الكمال المطلق له تعالى على الاستمرار ومقتضية للتوجه التام إلى حضرة قدسه بلا فتور وقرار، ومحبتنا لغيره كيفية تترتب على تخيل كمال فيه من لذة أو شفقة أو مشاكلة كمحبة العاشق لمعشوقه والمنعم عليه للمنعم، والوالد للولد، ثم هي عندنا كالرضى والإرادة مع ترك الاعتراض كما مر، وقيل الإرادة فقط فيترتب على ذلك كما في " الإرشاد " أنه تعالى لا يتعلق به محبة على الحقيقة لأنها إرادة، والإرادة لا تتعلق إلا بمتجدد، وهو سبحانه لا أول له لأن المريد إنما يريد ما ليس بكائن أو إعدام ما يجوز عدمه وما ثبت قدمه واستحال عدمه لا تتعلق به إرادة. والفرق بينه وبين الخليل أن الخليل من امتحنه ثم أحبه والحبيب الذي أحبه بلا محنة. انتهى. واختلف في مقام المحبة والخلة أيهما أرفع ؟ فقيل: هما سواء فلا يكون الخليل إلا


(1) أخرجه البخاري 11 / 340 كتاب الرفاق (6502). (*)

[ 447 ]

حبيبا ولا الحبيب إلا خليلا. وقيل: درجة المحبة أرفع. ونقله القاضي عن الأكثر، لأن درجة الحبيب نبينا صلى الله عليه وسلم أرفع من درجة الخليل صلى الله عليهما وسلم. وقيل إن درجة الخلة أرفع، لحديث: " لو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلا " فلم يتخذه وقد أطلق المحبة لفاطمة وابنيها وأسامة وغيرهم. وسيأتي في الخليل أن المحققين على ذلك. وذكر أهل الإشارات في تفضيل المحبة كلاما حسنا فقالوا: الخليل اتصل بواسطة (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض) والحبيب بدونها (فكان قاب قوسين أو أدنى) والخليل مغفرته في حد الطمع: (والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين) والحبيب مغفرته في حد اليقين: (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) والخليل قال في المحنة " حسبي الله " والحبيب قيل له: (يا أيها النبي حسبك الله) والخليل قال: (واجعل لي لسان صدق) والحبيب قيل له (ورفعنا لك ذكرك) فأعطى بلا سؤال. والخليل قال (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام) والحبيب قيل له: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) وحاصل ما ذكره القاضي يقتضي تفضيل ذات سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم على ذات سيدنا إبراهيم صلى الله عليه وسلم لا يقال باعتبار ثبوت وصف الخلة له فيلزم ذلك، لأنا نقول: كل منهما ثابت له وصف الخلة والمحبة، إذ لا يسلب عن إبراهيم وصف المحبة لا سيما والخلة أخص من المحبة، ولا يسلب عن نبينا صلى الله عليه وسلم وصف الخلة لا سيما وقد ثبت في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قوله تعالى له ليلة المعراچ: (قد اتخذتك خليلا). وقد قام الإجماع على فضل نبينا صلى الله عليه وسلم على جميع الأنبياء، بل هو أفضل خلق الله مطلقا. وقوله إن الخليل بالواسطة لا يفيد غرضا في المقام الذي هو بصدده وليس المراد به قطعا إلا الوصول إلى المعرفة، إذ الوصول الحسي يمتنع على الله تعالى. وأما قوله: والحبيب يصل إليه. فالوصول إلى الله تعالى لا يكون إلا به حبيبا كان أو خليلا وأما قوله: " الخليل هو الذي يكون مغفرته في حد الطمع " إلى آخره فإنه لا يصلح أن يكون على وجه التفسير للخليل هو الذي يكون مغفرته في حد الطمع " إلى آخرخ فإنه لا يصلح أن يكون على وجه التفسير للخليل ولا تعلق له بمعناه. وقصارى ما ذكره يعطي تفضيل نبينا صلى الله عليه وسلم في حد ذاته من غير نظر إلى ما جعله علة معنوية في ذلك من وصف المحبة والخلة. " حبيب الرحمن ": ورد في حديث المعراج عن أبي هريرة رضي الله عنه. رواه البزار وغيره.

[ 448 ]

" حبنطى ": قال " ع " هو من أسمائه في الإنجيل وتفسيره: يفرق بين الحق والباطل. " الحجازي ": نسبة إلى الحجاز وهو مكة واليمامة وقراهما وسمي حجارا لأنه حجز بين تهامة ونجد. " حجة الله عليه الخلائق ": في الفردوس بلا إسناد: " وأنا حجة الله " وهو بمعنى البرهان. " الحجة البالغة ": الحجة: الدلالة المبينة للمحجة أي القصد المستقيم. والبالغة: الكاملة التي لا نقصان فيها. " حرز الأميين ": أي حافظهم ومانعهم من السوء. روى البخاري وغيره عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: " أجل والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن (يا أيها النبي أنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا) وحرزا للأميين " الحديث. والحرز: المنع والأميون: العرب أي يمنعهم من العذاب والذل. فإن قيل: هو صلى الله عليه وسلم حرز للعرب ولغيرهم من الخلق، فلم خصهم بالذكر ؟ أجيب: بأنه لما كان عليه الصلاة والسلام منهم قصد بتخصيصهم بالذكر التنصيص عليهم زيادة في الاعتناء بهم وبشأنهم وتنبيها لبني إسرائيل على عظم شأنهم ورفعتهم بهذا النبي صلى الله عليه وسلم الذي يخرج منهم وأن غيرهم كالتابع لهم. " الحرمي ": نسبة إلى الحرم المكي وقد تقدم بيانه. " الحريص ": فعيل بمعنى فاعل من الحرص وهو شدة الإرادة للمطلوب. قال تعالى: (حريص عليكم) أي على إيمانكم وهدايتكم. " الحريص على الإيمان ": وقد تقدم معناه في الذي قبله. " حزب الله ": الحزب: الطائفة من الناس. وقيل: جماعة فيها غلط. وحزب الله: عبيده المتقون وأنصار دينه. " الحسيب ": فعيل: بمعنى مفعل من أحسبني الشئ: إذا كفاني. ومنه (عطاء حسابا) أو الشريف الكريم من الحسب محركا وهو ما يعد من مفاخر الآباء أو الدين أو الكرم، أو الشرف في الفعل أو الآباء. والحسب كالكرم قد يكون لمن لا آباء له شرفاء، والشرف كالمجد لا يكون إلا بهم، يقال حسب كخطب خطابة وحسبا محركا فهو حسيب من حسباء.

[ 449 ]

وهو بمعنى المحاسب أو المكافي من أسمائه تعالى. قال الغزالي رحمه الله تعالى: وليس للعبد مدخل في هذا الوصف إلا بنوع من المجاز بأن يكون كافيا لطفله بتعهده أو لتلميذه بتعليمه حتى لا يفتقر إلى غيره. انتهى. وهذا المعنى صحيح في حقه صلى الله عليه وسلم لأنه كاف لأمته جميع ما تحتاج إليه من أمور الدنيا والآخرة بحيث لا يحتاجون إلى غيره صلى الله عليه وسلم. " الحفيظ ": فعيل من الحفظ وهو صون الشئ عن الزوال فإن كان في الذهن فضده النسيان، أو في الخارج فضده التضييع. وهو من أسمائه تعالى، وكلا المعنيين يصح إطلاقه عليه تعالى، لأن الأشياء محفوظة في علمه لا يطرأ عليه نسيان ويحفظ الموجودات من الزوال. وقيل: معناه الذي يحفظ سرك من الأغيار ويصون ظاهرك عن مرافقة الفجار. وأما قوله تعالى: (وما أنا عليكم بحفيظ) فمعناه: لست أحفظ أعمالكم وأجازيكم عليها. وقوله تعالى: (فما أرسلناك عليهم حفيظا) أي لتحفظهم حتى لا يقعوا في الكفر والمعاصي أو لتحصي مساوئهم وذنوبهم فتحاسبهم عليها. وقد ذكر أن هذه الآية منسوخة بآية القتال فهو صلى الله عليه وسلم بعد الأمر به حفيظ بالمعنى الأول بمعنى أن يردهم عنه ويقاتلهم عليه. وبالمعنى الثاني لأنه يشهد عليهم يوم القيامة وهو أبلغ من الحافظ. " الحفي ": البر اللطيف. يقال: حفيت بفلان وتحفيت به إذا اعتنيت بكرامته. " الحق ": الثابت، وأصله المطابقة للواقع أو المحق أو المظهر للحق. قال تعالى: (جاءكم الحق من ربكم) (حتى جاءكم الحق ورسول مبين) (فقد كذبوا بالحق لما جاءكم) على أحد القولين أن الحق هنا هو النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل هو القرآن. قال تعالى: (وشهدوا أن الرسول حق) وفي حديث الشفاعة " ومحمد حق " وهو الثابت. وهذا الاسم من أسمائه تعالى ومعناه الموجود المتحقق أمره وألوهيته، أو الموجد للشئ حسب ما تقتضيه حكمته تعالى، وفي حقه صلى الله عليه وسلم المتحقق صدقه ونبوته. فائدة: فرق الإمام فخر الدين رحمه الله تعالى بين الصدق والحق، بأن الصدق نسبة الشئ إلى الواقع، والحق نسبة ما في الواقع إلى الشئ. " الحكم ": بفتح أوله وثانيه: الحاكم أو المانع، وهو من أسمائه تعالى، ومعناه الحاكم

[ 450 ]

الذي لا راد لحكمه ولا معقب لقضائه، قال تعالى: (أفغير الله أبتغي حكما) أي مانعا. " الحكيم ": قال " ع " لأنه علم وعمل وأذعن لربه. قال الشيخ رحمه الله تعالى: وهو فعيل من الحكمة. قال تعالى: (يعلمهم الكتاب والحكمة) (ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة) والمتصف بالحكمة علما وتعليما حكيم. واختلف في المراد بالحكمة في قوله تعالى: (يؤتي الحكمة من يشاء) الآية. فقيل: النبوة. وقيل: المعرفة بالقرآن والفهم فيه. وقيل: الإصابة في القول وقيل: العلم المؤدي إلى العمل. وقيل: السنة. وقيل: خشية الله. لحديث: " رأس الحكمة مخافة الله ". رواه ابن مردويه. وقال الإمام مالك: إنه ليقع في قلبي أن الحكمة هو الفقه في دين الله تعالى وأمر يدخله الله تعالى في القلوب من رحمته وفضله. ومما يبين ذلك أنك تجد الرجل عاقلا في أمر الدنيا إذا نظر فيها، وتجد آخر ضعيفا في أمر دنياه عالما بأمر دينه بصيرا به يؤتيه الله إياه ويحرمه هذا. انتهى إلى هنا. وهو صلى الله عليه وسلم حكيم بالمعاني المذكورة كلها. قال في الشرح: هو المتقن للأمور. وفعيل بمعنى مفعل من الإحكام وهو الإتقان، أو بمعنى فاعل من الحكم وهو المنع للإصلاح، وهو أعم من الحكمة، وكل حكمة حكم ولا عكس، لأن الحكم أن نقضي على شئ إيجابا أو سلبا. أو ذو الحكمة وهي معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم وإصابة الحق بالعلم والعقل. والمراد بها في حقه تعالى معرفة الأشياء وإيجادها على غاية الإحكام. وفي حق الإنسان: معرفة الموجودات وفعل الخيرات. " الحليم ": قال " د " هو موصوف به بالتوراة، وهو اسم فاعل للمبالغة من حلم بالضم ككريم من كرم، يقال حلم فهو حليم إذا صار الحلم طبعا له وسجية من سجاياه. قال أبو طالب يمدحه صلى الله عليه وسلم: حليم رشيد عادل غير طائش * * يوالي إلها ليس عنه بغافل والحلم بكسر المهملة وسكون اللام: الأناة في الأمور وهي بفتح الهمزة مقصورة كقناة: اسم للتأني وهو التثبت وترك العجلة، وأما عطفها عليه في قوله صلى الله عليه وسلم كما رواه مسلم عن ابن عباس للأشج: أشج عبد القيس، واسمه المنذر بن عائذ بن الحارث العصري. بمهملات على الأصح: " إن فيك لخصلتين يحبهما الله تعالى ورسوله: الحلم والأناة " (1) فعطف تفسير. والمراد به في الخبر: العقل خاصة. وقال القاضي: هو حالة تأن وثبات عند الأسباب والمحركات. قال غيره: هو ضبط النفس والطبع عند هيجان الغضب. قال القاضي:


(1) أخرجه مسلم 1 / 48 كتاب الإيمان 25 - 17). (*)

[ 451 ]

والاحتمال: حبس النفس عند الآلام والمؤذيات، ومثله الصبر. قال غيره: وجمعه أحلام. قال الله تعالى: (أم تأمرهم أحلامهم بهذا) أي عقولهم. وسمي العقل حلما لكونه سببا عنه. قال ابن عطية: هو العقل إذا انضاف إليه أناة واحتمال. وقد كان صلى الله عليه وسلم أحلم الناس، وكل حليم قد عرفت منه زلة وحفظت منه هفوة، وهو صلى الله عليه وسلم لا يزيد مع كثرة الأذى إلا صبرا، وعلى إشراف الجاهلية إلا حلما. ولهذا مزيد بيان في بيان حلمه صلى الله عليه وسلم. وهذا الاسم من أسمائه تعالى. ومعناه في حقه تعالى: الذي لا يعجل بالعقوبة. والفرق بينه وبين الحقود: أنه الذي يؤخر الانتقام لانتهاز الفرصة. والحليم يؤخره لانتظار التوبة. وسيأتي الفرق بينه وبين العفو وبينه وبين الصبر في تفسيرهما. " الحلاحل ": بمهملتين الأولى مضمومة والثانية مكسورة: السيد الشجاع، أو كثير المروءة، والرئيس الرزين، كأنه مأخوذ من الحلول والاستقرار، لأن القلق وقلة الثبات في مجلس ليس من عادات السادات. قال بعضهم يمدح النبي صلى الله عليه وسلم: وعربة أرض ما يحل حلالها * * من الناس إلا اللوذعي (1) الحلاحل (2) أراد بها مكة المشرفة، وأشار إلى قوله صلى الله عليه وسلم: " إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنها لن تحل لأحد كان قبلي، وإنها حلت لي ساعة من نهار، وإنها لن تحل لأحد بعدي " الحديث رواه الشيخان (3). والعربة - بمهلتين محركة: ناحية قرب المدينة أقامت بها قريش فنسبت العرب إليها وسكن الشاعر راءها للضرورة، وهي باحة دار أبي الفصاحة دار إسماعيل صلى الله عليه وسلم، والباحة بالموحدة والمهملة: قال في الصحاح: الساحة. " الحماد ": بتشديد الميم صيغة مبالغة من الحمد أي الحامد الكثير الحمد. " حمطايا ": روى أبو نعيم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمى في الكتب القديمة: أحمد ومحمد والماحي والمقفي ونبي الملاحم وحمطايا وفارقليطا وماذماذ. قال أبو عمر الزاهد: سألت بعض من أسلم من اليهود فقال: معناه يحمي الحرم ويمنع الحرام.


(1) لذعة برأيه وذكائه: أسرع إلى الفهم والصواب كإسراع النار إلى الاحتراق فهو لوذعي انظر المصباح المنير 552. (2) حلحل القوم: أزالهم عن مواضعهم والحلاحل السيد في عشيرته الشجاع الركين في نجله اللسان 1 / 978، 979. (3) أخرجه البخاري 9 / 8 كتاب الديات (6880)، ومسلم 2 / 988 كتاب الحج (447 - 1355). (*)

[ 452 ]

قال شيخ الإسلام التقي الشمني: وهو بفتح الحاء والميم المشددة وبالطاء المهملة بعدها ألف فمثناة تحتية. قال الهروي في الغريب: هو بكسر الحاء وسكون الميم وتقديم الياء وألف بعدها طاء مهملة وألف. فعنده حمياطا. وفسره بحامي الحرم. قال ابن دحية: ومعناه: أنه حمى الحرم مما كان فيه من النصب التي تعبد من دون الله، والزنا والفجور. الحمد " الحمد ": فعيل بمعنى حامد أو محمود: صيغة مبالغة من الحمد وهو الثناء أي الذي حمدت أخلاقه ورضيت أفعاله، أو الحامد لله تعالى بما لم يحمده به حامد، أو الكثير المحامد، وهو من أسمائه تعالى، ومعناه الذي حمد نفسه أزلا وحمده عباده أبدا، أو المستحق للحمد لأنه الموصوف بكل كمال ومول لكل نوال. " حم. عسق ": ذكرهما " د " في أسمائه صلى الله عليه وسلم ونقله الماوردي عن جعفر بن محمد، ونقل عن ابن عباس أنهما من أسماء الله تعالى. " الحنان ": بالتخفيف: الرحمة. " الحنيف ": المائل إلى دين الإسلام الثابت عليه، من الحنف محركا، أو المائل عما عليه العامة إلى طريق الحق والاستقامة، أو المستقيم. قال تعالى: (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا) جوز بعضهم جعل (حنيفا) حالا من الضمير العائد عليه صلى الله عليه وسلم، وهو الطاهر. قال في النهاية: حديث " خلقت عبادي حنفاء " أي طاهرين من المعاصي لا أنهم كلهم مسلمون لقوله تعالى: (فمنكم كافر ومنكم مؤمن) ولهذا مزيد بيان في الكلام على الفطرة في شرح غريب قصة الإسراء. " الحيي ": بمهملة وتحتيتين: الكثير الحياء وهو انقباض النفس وانكفافها عن القبائح. روى الدارمي عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حييا لا يسأل شيئا إلا أعطى " ولهذا مزيد بيان في باب حيائه صلى الله عليه وسلم. " الحي ": الباقي المتلذذ المتنعم في قبره. ولهذا مزيد بيان في باب حياته في قبره صلى الله عليه وسلم. حرف الخاء المعجمة " الخاتم ": بكسر التاء المثناة فوق. " الخاتم " بفتحها: ذكرهما " د " ونقل ذلك عن ضبط ثعلب وكذا في المهمات لابن عساكر قال: وأما الخاتم بالفتح فمعناه أنه أحسن الأنبياء خلقا وخلقا، ولأنه صلى الله عليه وسلم جمال الأنبياء صلى الله عليه وسلم كالخاتم الذي يتجمل به.

[ 453 ]

وقيل: لما انقبضت النبوة وتمت كان كالخاتم الذي يختم به الكتاب عند الفراغ. وأما الخاتم بالكسر فمعناه آخر الأنبياء فهو اسم فاعل من قولك ختمت الشئ أي أتممته وبلغت آخره. خاتم النبيين: قال تعالى: (ما كان أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين) وتقدم في حديث نافع بن جبير في الباب الثاني. وروى الشيخان عن أبي هريرة الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأكمله إلا موضع لبنة من زواية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة ؟ فأنا تلك اللبنة وأنا خاتم النبيين " (1). وسيأتي الكلام على هذا الحديث في باب: مثله ومثل الأنبياء من قبله في أبواب بعثته وفي الخصائص. وذكر العلماء في حكمه كونه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين أوجها: منها: أن يكون الختم بالرحمة. ومنها: أن الله تعالى أراد أن لا يطول مكث أمته تحت الأرض إكراما له. ومنها: أنا اطلعنا على أحوال الأمم الماضية، فجعلت أمته آخر الأمم لئلا يطلع أحد على أحوالهم تكريما له. ومنها: أنه لو كان بعده نبي لكان ناسخا لشريعته. ومن شرفه أن تكون شريعته ناسخة لكل الشرائع غير منسوخة. ولهذا إذا نزل عيسى صلى الله عليه وسلم فإنما يحكم بشريعة نبينا صلى الله عليه وسلم لا بشريعته، لأنها قد نسخت كما سيأتي بيان ذلك في الخصائص. ومن هنا يعلم أن معنى كونه لا نبي بعده أي لا نبي يبعث أو ينبأ أو يخلق وإن كان عيسى موجودا بعده. " الخازن لمال الله ": أخذه " د " من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والله ما آتيكم من شئ ولا أمنعكم منه إن أنا إلا خازن أضع حيث أمرت ". رواه الإمام أحمد وغيره.


(1) أخرجه البخاري 5 / 24 كتاب المناقب (3534). ومسلم 4 / 1791، كتاب الفضائل (22 - 2286). (*)

[ 454 ]

قال النووي: معناه: خازن ما عندي أقسم ما أمرت بقسمته على حسب ما أمرت به والأمور كلها بمشيئة الله تعالى. " الخاشع ": والخشوع في اللغة: السكون. قال الأزهري: التخشع: التذلل، وفي المحكم: خشع الرجل: رمى ببصره إلى الأرض، وعرفه أهل التصوف بأنه الانقياد للحق. وقال بعضهم: هو قيام القلب بين يدي الرب بهم مجموع. وقال الحسن: الخشوع: الخوف الدائم الملازم للقلب. وقال الجنيد: هو تذلل القلوب لعلام الغيوب. وقال محمد بن علي الترمذي: الخاشع: من خمدت النيران شهواته وسكن دخان صدره وأشرق نور التعظيم من قلبه، فماتت شهواته وحيي قلبه فخشعت جوارحه. قال القشيري: واتفقوا على أن محل الخشوع القلب. وهو قريب من التواضع. " الخاضع ": في الصحاح: الخضوع: التطامن والتواضع. وقال الأزهري: الخضوع قريب من الخشوع، إلا أن الخشوع في البدن والصوت والبصر، والخضوع في الأعناق. " الخافض ": أي خافض الجناح، اسم فاعل من الخفض وهو التواضع ولين الجانب. قال تعالى: (واخفض جناحك لمن أتبعك من المؤمنين) أي تواضع لضعفائهم وفقرائهم وطب نفسا عن أغنيائهم. أو الذي يحفض الجبابرة بسطوته ويكسر الأكاسرة ببأسه. وهو من أسمائه تعالى. ومعناه: دافع البلايا ورافع الرزايا، أو الذي يخفض الأشقياء بالإبعاد ويرفع الأتقياء بالإسعاد. " الخالص ": النقي من الدنس. " الخبير ": أخذه " ياد " من قوله تعالى: (فاسأل به خبيرا) قال القاضي بكر بن العلاء: المأمور بالسؤال غير النبي صلى الله عليه وسلم. والمسؤول الخبير: هو النبي صلى الله عليه وسلم. قال: وهو مما سماه الله تعالى به من أسمائه، ومعناه في حقه تعالى: المطلع بكنه الشئ، العالم بحقيقته. وقيل المخبر. والنبي صلى الله عليه وسلم خبير بالوجهين، لأنه عالم غاية من العلم بما علمه الله تعالى من مكنون علمه وعظيم معرفته، لأنه مخبر لأمته بما أذن الله له في إعلامهم به. والفرق بينه وبين العليم والشهيد يأتي في تعريف الشهيد. " خطيب النبيين ": في حديث الشفاعة: " كنت إمام النبيين وخطيبهم " أي مقدمهم وصاحب الكلام دونهم والخطيب الحسن الخطبة، وهي الكلام المنثور المسجع الذي يلقى على المنبر واشتقاقها من الخطب وهو الشأن، لأن العرب إذا دهمهم أمر اجتمعوا له وخطبت ألسنتهم فيه، أو من المخاطبة لأنه يخاطب فيه بالأمر والنهي، أو من الأخطب وهو ذو الألوان من كل شئ لأنها تشتمل على فنون الكلام.

[ 455 ]

" خطيب الأمم ": " خطيب الوافدين على الله تعالى ": ذكرهما " ط " والأمم جمع أمة والوافدين جمع وافد. " الخليل ". " خليل الرحمن ": ذكرهما " خا " ويأتي الكلام على معنى الخلة قريبا. " خليل الله: روى أحمد وغيره عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا وإن صاحبكم خليل الله) (1) والخليل: فعيل بمعنى فاعل، وهو من الخلة وهي الصداقة والمحبة التي تخللت القلب فصارت خلاله. قال بعضهم: قد تخللت مسلك الروح مني * * ولذا سمي الخليل خليلا فإذا ما نطقت كنت حديثي * * وإذا ما سكت كنت العليلا وهذا صحيح بالنسبة إلى ما في قلب النبي صلى الله عليه وسلم من حب الله تعالى. وأما إطلاقه في حق البارئ تعالى فعلى سبيل المقابلة. وقيل: الخلة أصلها الاصطفاء وسمي بذلك لأنه يوالي ويعادي في الله تعالى. وخلة الله تعالى له نصره وجعله خير خلقه وقيل هو مشتق من الخلة بفتح المعجمة وهي الحاجة وسمي بذلك لانقطاعه إلى ربه وقصر حاجته عليه. قال الإمام الواحدي: والقول الأول هو المختار، لأن الله تعالى خليل محمد ومحمد خليل الله، ولا يجوز أن يقال: الله تعالى خليل محمد من الخلة التي هي الحاجة. تنبيه: الخلة: أعلى وأفضل من المحبة. قال ابن القيم: وأما ما يظنه بعض الغالطين من أن المحبة أكمل من الخلة، وأن إبراهيم خليل الله، ومحمد حبيب الله، فمن جهله بأن المحبة عامة والخلة خاصة، وهي نهاية المحبة. قال: وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى اتخذه خليلا، ونفى أن يكون له خليل غير ربه، مع إخباره بحبه لعائشة ولأبيها ولعمر بن الخطاب وغيرهم. وأيضا: فإن الله تعالى يحب التوابين ويحب المتطهرين ويحب الصابرين، وخلته خاصة بالخليلين. وبسط الكلام على ذلك. ثم قال: وإنما هي من قلة العلم والفهم عن الله تعالى ورسوله.


(1) أخرجه أحمد في المسند 1 / 462، وابن سعد في الطبقات 2 / 2 / 25. (*)

[ 456 ]

وقال الزركشي في شرح البردة: زعم بعضهم أن المحبة أفضل من الخلة، وقال محمد حبيب الله وإبراهيم خليل الله. وضعف بأن الخلة خاصة، وهي توحيد المحب والمحبة عامة، قال الله تعالى: (إن الله يحب التوابين) قال وقد صح أن الله تعالى اتخذ نبينا خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا. " الخليفة ": أي الذي يخلف غيره وينوب عنه والهاء فيه للمبالغة وسمي بذلك. وكذا آدم وغيره لأن الله تعالى استخلفه على عمارة الأرض وسياسة الناس وتكميل نفوسهم وتنفيذ أوامره فيهم، لا لحاجة منه تعالى إلى ذلك بل لقصور المستخلف عليهم عن قبول فيضه وتلقي أمره بغير واسطة. " خليفة الله ": ذكره " د " في أحاديث الإسراء فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجئ جاء وحياه الله من أخ ومن خليفة. وقد ورد إطلاق الخليفة على الله تعالى في حديث: " اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل " فهو مما سماه الله تعالى به من أسمائه. قال " د " ومعناه يرجع إلى معنى الوكيل والباقي والآخر، لأن الخلافة عمل بعد ذهاب المستخلف، والبارئ تعالى أخير بعد كل أحد بدوام الوجود. قال الشيخ رحمه الله تعالى: ومعناه في حقه صلى الله عليه وسلم: أنه خليفة الله في الأرض في تنفيذ أحكامه فيما بين خلقه، فهو قريب من معنى الوكيل، ويصح أن يكون بمعنى الباقي دينه وشرعه لأنه خلف الأديان كلها ولا ينسخ، بمعنى الآخر لأنه خاتم الأنبياء. " الخير ": بالمثناة التحتية الفضل والنفع، وسمي به لأنه حصل بوجوده لأمته خير كثير، أو الفاضل يقال رجل خير كعدل وخير ككيس أي فاضل ويجوز أن يكون وامرأة خيرة وخيرة الناس بالهاء إن أريد الوصف، فإن أريد التفضيل عكس ذلك فيقال كما في القاموس: فلان خيرة الناس وفلانة خيرهم بتركها. قال الشيخ عبد الباسط رحمه الله تعالى وقد ألغزت في ذلك فقلت: أيا خير الأنام بقيت ما اسم * * يؤنث إن أتى وصف المذكر وإن هو للمؤنث جاء وصفا * * يذكر مثل ما في العد يذكر ثم أجيب عنه لما لم يجب عنه فقلت: لقد أبدعت في ترصيف لغز * * رقيق النظم موزون محرر وهاك جوابه إن رمت وصفا * * بأفعل من بناء الخير يذكر فقل يا صاح خير الناس هند * * وأحمد خيرة والعكس منكر

[ 457 ]

أو هو ذو الخير، أي صاحب الفضل والإحسان، قال تعالى: (أذن خير لكم) بتنوين أذن ورفع خير على أنه صفة أذن، أو خبر بعد خبر، كما قرأ به مجاهد وزيد بن علي وأبو بكر عن عاصم. وحكى الإمام الخطابي عن بعض مشايخه أنه كان يفرق بينه وبين الفضل بأن باب الخيرية متعد وبأن الأفضلية قاصر كما يقال: الحر الهاشمي أفضل من العبد الحبشي مثلا. وقد يكون العبد الحبشي خيرا منه لكثرة طاعته ومنفعته للناس. " خير الأنبياء ": أي أفضلهم قال الجوهري: يقال رجل خير أي فاضل. ولا يقال أخير لأن فيه معنى التفضيل حذفت منه الهمزة، كما حذفت من أشر غالبا لكثرة الاستعمال ورفضوا أخير وأشر إلا فيما ندر كقوله: بلال خير الناس وابن الأخير خيرة الله: بكسر الخاء وسكون التحتية وبوزن عنبة المختار قال الجوهري: يقال محمد خيرة الله في خلقه وخيرة الله بالتسكين أي مختاره ومصطفاه، أو بفتح الخاء مع سكون التحتية ومعناه أفضل الناس وأكثرهم خيرا. " خير البرية ": وهي الخلق. " خير الناس ". ذكرهما " خا ". " خير العاملين ". " خير خلق الله ". ذكرهما " د " وذلك معلوم من الأحاديث والآثار المشهورة ومعناهما واحد ولهذا مزيد بيان في الخصائص. والخلق مصدر في الأصل بمعنى المخلوق وهو المبتدع المخترع، بفتح الدال والراء ويتناول غيرهم. " خير هذه الأمة ": أخذه " د " مما رواه البخاري عن سعيد بن جبير قال: قال لي ابن عباس: هل تزوجت ؟ قلت لا، قال: تزوج فخير هذه الأمة أكثرها نساء يعني النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا مزيد بيان في أبواب نكاحه. حرف الدال المهملة " دار الحكمة ": أخذه الشيخ رحمه الله تعالى من حديث علي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أنا دار الحكمة وعلي بابها ".

[ 458 ]

رواه الحاكم في المستدرك وصححه. وادعى ابن الجوزي رحمه الله أنه موضوع. وتعقبه الشيخ رحمه الله تعالى في النكت وفي اللآلئ. قال الحافظان العلائي وابن حجر: والصواب أنه حسن لا صحيح ولا موضوع. وقد بسطت الكلام عليه في كتاب " الفوائد المجموعة في بيان الأحاديث الموضوعة ". " الداعي إلى الله ": روى الشيخان عن جابر رضي الله تعالى عنه أن الملائكة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نائم فقالوا: اضربوا له مثلا. فقالوا: مثله كمثل رجل بنى دارا فعمل فيها مأدبة وبعث داعيا فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة فقالوا: أولوها له يفقهها. فقالوا: " الدار الجنة والداعي محمد، فمن أطاع محمدا فقد أطاع الله، ومن عصى محمدا فقد عصى الله ". والمأدبة بضم الدال المهملة وفتحها أي مدعاة إلى الطعام. وفي الشرح: الداعي من الدعاء وهو النداء وهو أخص منه لأنه لا يكاد يقال إلا إذا كان معه الاسم نحو: يا فلان أي المنادي. وسمي به صلى الله عليه وسلم لأنه يدعوالناس إلى طاعة الله تعالى ويحثهم عليها قال تعالى: (وداعيا إلى الله) أي إلى توحيده وعبادته " بأذنه " أي بتيسره وتسهيله، فاستعير الإذن لذلك لترتبها عليه، لأن الدخول في حق الرسول متعذر متعسر فإذا وجد الإذن سهل وتيسر. وفي ذلك إيذان بصعوبة ما حمله من التبليغ ودعاء أهل الشرك إلى التوحيد وهو أمر في غاية الصعوبة وإيماء إلى تسهيل ذلك وتيسيره عليه بمعونة الله تعالى: أو الراغب المستغيث إلى الله تعالى فيما عنده من الخير اسم فاعل من الدعاء وهو الطلب والاستغاثة بتضرع ورغبة. تنبيه: وصف الله تعالى نفسه بالدعاء في قوله تعالى: (والله يدعو إلى دار السلام) فهو مما سماه به من أسمائه تعالى. " الدامغ ": في حديث علي - رضي الله تعالى عنه - في كيفية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: " دامغ جيشات الأباطيل " ويأتي بتمامه في أبواب الصلاة عليه. وسمي صلى الله عليه وسلم به لأنه دمغ الباطل بالحق فإذا هو زاهق، وكسر جيوش الشرك بسيف حجته الماحق. والجيشات جمع جيشة بمعنى المرة من جاش إذا ارتفع، وهو من دمغته إذا أصبت دماغه، والدماغ مقتل إذا أصيب صاحبه هلك. " الداني ": اسم فاعل من الدنو وهو القرب، قال تعالى: (ثم دنا فتدلى) ولهذا مزيد بيان في تفسير أول سورة النجم من أبواب المعراج.

[ 459 ]

" الدعوة ": كلمة التوحيد. أي صاحب الدعوة أي قول: " لا إله إلا الله " أو الإعلام وسمي به لأنه أعلم الناس أي دلهم على طريق الهداية، أو بمعنى المدعو به على إطلاق المصدر على اسم المفعول، وتقدم بسط ذلك في أول الكتاب. " دعوة إبراهيم ": قال صلى الله عليه وسلم: " أنا دعوة أبي إبراهيم ". وتقدم الكلام على ذلك. " دعوة النبيين ". " دليل الخير ": الدليل: الهادي. " دهتم ": بمثناة فوقية وزن جعفر: السهل الخلق والحسن الخلق. حرف الذال المعجمة " الذاكر ": اسم فاعل من الذكر وهو تمجيد الرب تعالى وتقديسه وتسبيحه قال تعالى: (واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين). قال الإمام الرازي: والمعنى أنه يجب أن يكون الذاكر حاصلا في كل وقت وحين، وأن الذكر القلبي تجب إدامته لقوله تعالى: (ولا تكن من الغافلين) وأنه لا ينبغي أن يغفل عن استحضار جلال الله وكبريائه لحظة واحدة حسبما تطيقه القوى الإنسانية وتتحمله الطاقة البشرية، ولا شك أنه عليه الصلاة والسلام آنس الخلق بذلك وأولاهم به وأحقهم بالاختصاص بدرجات الكمال والاستغراق في مشاهدة الجلال، فلذا سمي بذلك. " الذخر ": بضم الذال وسكون الخاء المعجمة الذخيرة يقال ذخرت الشئ أذخره إذا أعددته للعقبى. الذكر - بسكون الكاف: القوي الشجاع الأبي، والثناء والشرف قال " ع " لأنه شريف في نفسه مشرف لغيره يخبر عنه به فاجتمعت له وجوه الذكر الثلاثة: هو شرف هذه الأمة قال الله تعالى: (قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا) قال جماعة: هو محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: جبريل. فرسولا عليهما حال أو بدل من ذكر. وقيل: القرآن. فرسولا بدل من ذكر بتقدير مضاف، يعني: " ذكرا رسولا " أي صاحب ذكر. أو نعت لذا المقدر. وقال مجاهد في قوله تعالى: (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) إنه محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه. " الذكار ": أخذه الشيخ - رحمه الله تعالى - من الحديث السابق في الأواه: " واجعلني لك ذكارا " وفعالا للمبالغة أي كثير الذكر، وكثرة ذكره لربه ودعواته في يقظته ومنامه

[ 460 ]

وحركاته وسكناته وقيامه وقعوده وكل أحواله معلوم مشهور. روى ابن ماجة عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على كل أحيانه. " ذكر الله ". " الذكر ": بفتحتين: الجليل الخطير. ومنه الحديث: " القرآن ذكر فذكروه ". قال في النهاية: أي جليل خطير فأجلوه. ذو التاج: أي صاحبه وهو العمامة، لأنها تاج العرب، وكان له صلى الله عليه وسلم عمامة يلبسها كما سيأتي بيان ذلك في أبواب لباسه. " ذو الجهاد ": أي صاحبه، وهو مأخوذ من الجهد بفتح الجيم يعني التعب والمشقة، وبضمها الطاقة. فالمجاهد في سبيل الله هو البالغ غاية ما يكون من إتعاب نفسه في ذات الله تعالى وإعلاء كلمته التي جعلها طريقا إلى جنته ووراء ذلك جهاد القلب، وهو دفع الشيطان ونهي النفس عن الهوى، وجهاد اليد واللسان، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقال الأستاذ أبو علي الدقاق - رحمه الله تعالى -: من زين ظاهره بالمجاهدة حسن الله سرائره بالمشاهدة. وقال القشيري: أصل المجاهدة وملاكها: فطم النفس عن المألوفات وحملها على خلاف هواها في سائر الأوقات. " ذوالحطيم ": بفتح الحاء وهو الحجر المخرج من البيت على الأصح كما قاله البرماوي. وقيل: هو ما بين الركنين والباب. وسمي حطيما لأن البيت رفع وترك، أو لازدحام الناس فيه وحطم بعضهم بعضا، أو لأن العرب كانت تطرح في ما طافت به من الثياب فتبقى حتى تنحطم أي تبلى بطول الزمان، أو لأنه يحطم الذنوب أي يذهبها، سمي بذلك صلى الله عليه وسلم كما في الكتب السالفة لأنه أنقذه من أيدي المشركين وأخرج ما كان فيه من الأصنام وجعله محلا لعبادة الملك العلام. " ذو الحوض المورود ": يأتي الكلام عليه في أبواب حشره صلى الله عليه وسلم. " ذو الخلق العظيم ": بضم الخاء واللام ويأتي الكلام عليه في باب حسن خلقه صلى الله عليه وسلم. " ذو السيف ": هو من أسمائه في الكتب السالفة، وكان له صلى الله عليه وسلم عدة أسياف. كما سيأتي بيانها في باب آلات حروبه إن شاء الله. " ذو السكينة ": أي صاحبها وهي بفتح السين وتخفيف الكاف فعيلة من السكون وهو

[ 461 ]

الوقار والتأني في الحركة. وقال الصغاني: بكسر السين وتشديد الكاف وهي الرحمة. قال تعالى: (فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين). " ذو الصراط المستقيم ". " ذو طيبة ": أي صاحب المدينة الشريفة، سميت بذلك لطيبها لساكنيها لأمنهم ودعتهم، أو لخلوصها من الشرك. " ذو العزة ". " ذو العطايا ": جمع عطية وهي الوهبة. " ذو الفتوح ": جمع فتح وهو النصر على الأعداء قال تعالى: (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) وهو فتح مكة أو الحديبية، وعبر بالماضي وإن كان الفتح لم يقع بعد لأنه كان متحقق الوقوع منزلة الواقع. " ذو الفضل " أي الإحسان. " ذو المدينة ": وهي طيبة شرفها الله تعالى وعظمها. " ذو المعجزات ": وسيأتي الكلام عليها. " ذو القضيب ": أي السيف الدقيق. وجاء في الإنجيل في صفته صلى الله عليه وسلم: " معه قضيب من حديد يقاتل به ". " ذو القوة ": قال الله تعال ى: (إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين) أحد القولين، ونقله القاضي عن الجمهور: أنه محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: جبريل قال القاضي: وهو مما سماه الله تعالى به من أسمائه. ولهذا مزيد بيان في باب شجاعته صلى الله عليه وسلم. " ذو المقام المحمود ": سيأتي الكلام عليه في أبواب الشفاعة. " ذو الميسم ": بكسر الميم وسكون التحتية، وهو في الأصل المكواة والمراد به هنا العلامة أو الجمال والحسن، أي ذو حسن وجمال. " ذو الهراوة ": بكسر الهاء: العصا. وفي حديث سطيح: " وخرج صاحب الهراوة " قال ابن الأثير: أراد النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه كان يمسك القضيب كثيرا وكان يمشى بين يديه بالعصا وتركز له فيصلي إليها. وسيأتي لهذا تتمة في صاحب الهراوة. " ذو الوسيلة ": وهي أعلى درجة في الجنة كما في صحيح مسلم، وأصل الوسيلة القرب من الله والمنزلة عنده. وسيأتي الكلام على ذلك في الخصائص وفي شفاعته صلى الله عليه وسلم.

[ 462 ]

فائدة: " ذو " لا تضاف إلا إلى مظهر خلافا للمبرد حيث جوز إضافتها إلى ضمير المتكلم فتقول ذي أي صاحبي. كما تقول في. قال السهيلي: والإضافة بها أشرف من الأضافة بصاحب لأنه يضاف بها إلى التابع مثل ذو مال وصاحب تضاف بها إلى المتبوع مثل: أبو هريرة صاحب رسول الله (ص). ولا يقال: النبي صاحب أبي هريرة. إلا على جهة ما. ومن ثم لما كان ذكر يونس عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام في سورة الأنبياء في موضع الثناء عليه والمدح له قال تعالى: (وذا النون) فأتى ب‍ " ذا " الدالة على التشريف وأضيفت إلى لفظ النون الذي هو أشرف من لفظ الحوت، لأنه وإن كان بمعناه إلا أنه ذكر دونه في حروف التهجي وأوائل السور على جهة القسم زيادة في التشريف ومبالغة في التعظيم، ولما لم يكن المقصود من ذكره في سورة (ن) ذلك قال تعالى: (ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم) الآية والله أعلم. حرف الراء المهملة " الراجي ": اسم فاعل من الرجاء ضد الخوف، وهو تعلق القلب بمحبوب سيحصل. وقيل: الثقة بالجود من الكريم الموجود. وقيل: سرور الفؤاد بحسن الميعاد، وفرق بعضهم بينه وبين التمني بأنه يصاحب الكسل ولا يسلك معه طريق الجد والاجتهاد، والرجاء بخلافه، وبأن الرجاء يختص بالممكن والتمني يستعمل فيه وفي المحال لأن ماهية التمني محبة حصول الشئ سواء كان مع انتظار وترقب أم لا، وتختص به ليت نحو: ليت الشباب يعود. والترجي ارتقاب ما لا يوثق بحصوله مع إمكانه، وتختص به " لعل " في المحبوب نحو لعل العدو يموت. " الراضع ": وفي ذكر مثله نظر. " الراضي ": أخذه " د " من قوله تعالى: (ولسوف يعطيك ربك فترضى) وهو القانع بما أعطي، اسم فاعل من الرضا ورضا العبد عن الكرب أن لا يكره ما يجري به قضاؤه، ورضا الرب عن العبد أن يراه مؤتمرا بأوامره منتهيا عن نواهيه. روى مسلم وغيره عن عبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا قوله تعالى في إبراهيم: (رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم) وقول عيسى: (إن تعذبهم فإنهم عبادك) الآية. فرفع يديه وقال: " اللهم أمتي أمتي، وبكى، فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك ".

[ 463 ]

قال " د " وهذا الحديث هو تفسير الآية. " الراغب ": اسم فاعل من رغب إليه كسمع رغبا محركا ورغبا بالفتح وقد تضم ورغباء كصحراء ورغوبا ورغبانا ورغبة بالضم ويحرك: إذا ابتهل وتضرع أو سأل وقد يعدى بفي. ومعناه الإرادة والحرص على الشئ. وأصل الرغبة: الاتساع، حوض رغيب أي واسع والرغبة كثرة العطاء قال الله تعالى: (وإلى ربك فارغب) قال ابن مسعود: أي فاجعل رغبتك إليه دون من سواه. وقال ابن عباس: إذا فرغت صلاتك وتشهدك فانصب إلى ربك وسله حاجتك. وقال: تضرع إليه راهبا من النار راغبا في الجنة. وقرأ ابن أبي عبلة: فرغب من الترغيب والاسم منه الرغب. " الرافع ": الذي رفع به قدر أمته وشرفوا باتباع ملته، وهو من أسمائه تعالى، ومعناه الذي يرفع المؤمنين بالإسعاد ويخفض الكافرين بالإبعاد. " راكب البراق ": ذكره " د " وسيأتي الكلام عليه في باب الإسراء. " راكب البعير ": هو من أسمائه صلى الله عليه وسلم في الكتب السالفة. " راكب الجمل ": قال " د ": ورد في كتاب نبوة شعيا (1) وهو ذو الكفل - عليه الصلاة والسلام - أنه قال قيل لي: قم نظارا فانظر ما ترى فأخبر عنه. فقلت: رأيت راكبين مقبلين أحدهما على حمار والآخر على جمل، فنزل يقول أحدهما لصاحبه سقطت بابل وأصنامها. قال فراكب الحمار عيسى وراكب الجمل محمد صلى الله عليهما وسلم، لأن ملك بابل إنما ذهب بنبوته وسيفه على يد أصحابه كما وعدهم به. قال الشيخ - رحمه الله تعالى -: ولهذا قال النجاشي لما جاءه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمن به: أشهد أن بشارة موسى براكب الحمار كبشارة عيسى براكب الجمل. قال ابن عساكر: إن قيل لم خص بركوب الجمل ؟ وقد كان صلى الله عليه وسلم يركب الفرس والحمار. فالجواب: أن المعنى به أنه من العرب لا من غيرهم، لأن الجمل مركب للعرب يختص بهم لا ينسب إلى غيرهم من الأمم. " راكب الناقة ": وهو من أسمائه صلى الله عليه وسلم في الكتب السالفة. " راكب النجيب ".


(1) قال في القاموس: وسعيا بن أمصيا: نبي بشر بعيسى عليه السلام، والشين لغة، انظر الترتيب 2 / 568. (*)

[ 464 ]

" الرجل ": بفتح الراء وكسر الجيم وفتحها أيضا: أي رجل الشعر أي كأنه مشيط وليس بالسبط ولا الجعد، أي ليس بالبين السبوطة ولا الجعودة، بل بينهما. ولهذا مزيد بيان في صفاته صلى الله عليه وسلم. " الرجيح ": الزائد على غيره في الفضل، فعيل بمعنى فاعل من الرجحان وهو الزيادة يقال رجح الميزان يرجح بكسر الجيم وبفتحها رجحانا إذا مالت إحدى كفتيه عن الأخرى لزيادة ما فيها. " الرحب الكف ": أي واسعة أو الكثير العطاء. قلت قد كان صلى الله عليه وسلم موصوفا بهما. " رحمة الأمة ". " رحمة العالمين ": قال تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) (1) فهو صلى الله عليه وسلم رحمة لجميع الخلق، المؤمن بالهداية والمنافق بالأمان من القتل، والكافر بتأخير العذاب عنه. قال أبو بكر بن طاهر رحمه الله تعالى: زين الله محمدا صلى الله عليه وسلم بزينة الرحمة، فكان كونه رحمة وجميع شمائله وصفاته رحمة على الخلق، وحياته رحمة ومماته رحمة، كما قال صلى الله عليه وسلم: " حياتي خير لكم ومماتي خير لكم " (2) وكما قال صلى الله عليه وسلم إذا أراد الله رحمة بأمة قبض نبيها قبلها فجعله لها فرطا وسلفا. الفرط بفتح الهاء والراء: هو الذي يتقدم الواردين فيهيئ لهم ما يحتاجون إليه. " رحمة مهداة ". روى الحاكم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنما أنا رحمة مهداة " (3). ورواه الطبراني بلفظ " بعثت رحمة مهداة " (4) قال ابن دحية رحمه الله: معناه أن الله تعالى بعثني رحمة للعباد لا يريد لها عوضا، لأن المهدي، إذا كانت هديته عن رحمة لا يريد لها عوضا. " الرؤوف الرحيم ": قال تعالى: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم).


(1) الانبياء 107. (2) ذكره العجلوني في كشف الخفا 1 / 442 وعزاه للديلمي عن أنس وعزاه في الجامع الصغير للحارث عن أنس، وفيه عند ابن سعد عن بكر بن عبد الله مرسلا بلفظ حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم فإذا مت كانت وفاتي خيرا لكم تعرض على أعمالكم فإن رأيت خيرا حمدت الله وإن رأيت شرا استغفرت لكم. (3) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة 6 / 299، وابن كثير في البداية والنهاية 6 / 299، وابن سعد في الطبقات 1 / 1 / 128، وابن عدي في الكامل 4 / 1546. (4) أخرجه الطبراني في الصغير 1 / 195، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله 1 / 154. (*)

[ 465 ]

قال الأستاذ أبو بكر بن فورك رحمه الله تعالى: أعطاه الله تعالى هذين الاسمين من أسمائه. والرأفة شدة الرحمة وأبلغها. قال ابن دحية: خاصيتها أنها لدفع المكاره والشدائد، والرحمة طلب المحاب، ولهذا قدمت الرأفة عليها. والرحمة في كلام العرب العطف والإشفاق والرأفة، وهو صحيح في حقه صلى الله عليه وسلم إذ هو أرحم الخلق وأعطفهم وأشفقهم وأرقهم قلبا، وهي لهذا المعنى محال في حقه تبارك وتعالى فتؤول بلازمها وهو إرادة الخير لأهله، وإعطاء ما لا يستحقه العبد من المثوبة، ودفع ما يستوجبه من العقوبة " عا " والفرق بين الرأفة والرحمة أن الرأفة إحسان مبدؤه شفقة المحسن والرحمة إحسان مبدؤه فاقة المحسن إليه. ولهذ مزيد بيان في باب شفقته صلى الله عليه وسلم. " الرسول ": يأتي الكلام عليه في أبواب بعثته صلى الله عليه وسلم. " رسول الله ". رسول الرحمة. ورد في الحديث السابق في إمام الخير ومعناه واضح لأنه أرسل للرحمة. كما تقدم. " رسول الملاحم ": جمع ملحمة. بفتح الميم، وهو موضع القتال والحرب مأخوذة من لحمة الثوب لاشتباك الناس في الحرب واختلاطهم كاشتباك اللحمة بالسدي. وقيل من اللحم لكثرة لحوم القتلى في المعركة وسمي بذلك لأنه أرسل بالجهاد والسيف. " الرشيد ": فعيل من الرشد بضم الراء وسكون الشين وبفتحها أو الثاني أخص من الأول، فإنه يقال في الأمور الدنيوية والأخروية، والأول للأخروية فقط، وهو الاستقامة في الأمور بمعنى راشد أي المستقيم. أو بمعنى المرشد أي الهادي، قال تعالى: (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) أي ترشد إلى الدين القيم، قال عمه أبو طالب: حليم رشيد عادل غير طائش * * يوالي إلها ليس عنه بغافل وهو من أسمائه تعالى، ومعناه الذي تنساق تدبيراته إلى غاياتها على سنن السداد (1) من غير استثارة ولا إرشاد أو الذي أرشد الخلق إلى مصالحهم. " الرضا ". " الرضوان ": أي ذو الرضا أو هو رضوان الله سبحانه وتعالى على عباده. " رضوان الله ": بكسر الراء: الرضا. أي رضا الله تعالى على عباده وقيل في قوله تعالى: (يهدي به الله من اتبع رضوانه) أي اتبع رسوله.


(1) في أ: الرشاد. (*)

[ 466 ]

" الرفيق ": فعيل بمعنى مفعل من الرفق وهو اللطف وكان صلى الله عليه وسلم منه بمكان. " الرفيع الذكر ": قال الله تعالى: (ورفعنا لك ذكرك) روى ابن حبان عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: أتاني جبريل فقال: إن ربك يقول: تدري كيف رفعت ذكرك، قال: الله أعلم. قال: إذا ذكرت ذكرت معي (1). " عا " ومعناه العلي أو رفيع الدرجات على غيره أو رفيع الذكر بمعنى مرفوعة أو رافع هذه الأمة بالإيمان بعد انخفاضهم بذل الكفر والعصيان فهو بمعنى الرافع ومن أسمائه تعالى: الرفيع. " رفيع الدرجات ": أخذه " ط " من قوله تعالى: (ورفع بعضكم فوق بعض درجات) والمراد به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كما قال مجاهد: ورفعه بما خصه به من بدائع الفضل الذي لم يؤته نبي قبله، وسيأتي بيان ذلك في الخصائص. " الرقيب ": الذي يراقب الأشياء، ويحفظها: فعيل بمعنى فاعل من المراقبة وهي الحفظ، يقال رقبت الشئ أرقبه إذا رعيته أو العالم. قال بعض السادة: المراقبة علم العبد باطلاع الرب. وهو من أسمائه تعالى، ومعناه المطلع على الضمائر العالم بما في السرائر. " ركن المتواضعين ": وقع في كتاب شعيا تسميته صلى الله عليه وسلم به كما تقدم في باب ذكره في التوراة والإنجيل. " الرهاب ": يقال للمبالغة من الرهب بضم الراء وسكون الهاء وبفتحها، وهو الخوف لا من الترهيب لأن أمثلة المبالغة لا تبنى غالبا إلا من ثلاثي مجرد، ولنهيه صلى الله عليه وسلم عن الرهبانية فلا يصف بها نفسه، وفي الحديث: " واجعلني لك شكارا لك رهابا " رواه ابن ماجة. " الروح ": في الأصل: ما يقوم به الجسد وسمي به صلى الله عليه وسلم والقرآن وجبريل والرحمة والوحي، لأن كل واحد فيها حياة الخلق بالهداية بعد موتهم بالضلالة وكشف العذاب عنهم كما يحيا الجسد بالروح. وقيل في تفسير قوله تعالى: (يوم يقوم الروح) إنه النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل جبريل. وقيل غيره. " روح الحق ". " روح القدس " " د ": وردا في الإنجيل ومعنى روح القدس: الروح المقدسة أي الطاهرة


(1) أخرجه ابن حبان (1772) والطبراني في التفسير 30 / 151، وذكره الهيثمي في المجمع 8 / 257 وعزاه لأبي يعلى وحسن إسناده. (*)

[ 467 ]

من الأدناس فيكون من باب إضافة الموصوف إلى الصفة. والحق إما أن يراد الله تعالى وإضافة الروح إليه تشريف، كما سمي عيسى روح الله. أو يراد به النبي صلى الله عليه وسلم وتكون الإضافة للبيان أي روح هو الحق. حرف الزاي " الزاجر ": اسم فاعل من الزجر وهو المنع والكف، وسمي به صلى الله عليه وسلم لأنه ينهي عن معاصي الله تعالى ويزجر عنها، قال الله تعالى: (وينهاهم عن المنكر). " الزاهر ": المشرق اللون المستنير الوجه، وفي قصص الكسائي: أن الله تعالى قال لموسى صلى الله عليه وسلم: إن محمدا هو النجم الزاهر. " الزاهد ": وهو من أسمائه في الكتب المتقدمة، والزهد خلاف الرغبة، وقيل هو ترك الحرام لأن الحلال مباح، وقيل الزهد في الحرام واجب، وفي الحلال فضيلة. وقيل غير ذلك. روى الترمذي عن أبي ذر - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الزهاد في الدنيا ليست بتحريم الحلال ولا إضاعة المال، ولكن الزهادة في الدنيا أن لا تكون بما في يديك أوثق مما في يد الله وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أنت أصبت بها أرغب فيها لو أنها بقيت لك " (1). وسيأتي في باب زهده صلى الله عليه وسلم ما فيه كفاية. " الزاهي ": الحسن المشرق أو الظاهر أمره الواضح برهانه المرتفع بسمات الهداية والفتوة، المنزه عما لا يليق بمنصب النبوة. " زعيم الأنبياء ": الزعيم: الكفيل المتحمل للأمور أو الضامن لأمته بالفوز يوم النشور. روى أبو داود بسند صحيح عن أبي أمامة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه قال: " أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وهو محق " (2). الربض بفتح الراء والباء الموحدة وآخره معجمة أي أرض الجنة، تشبيه بربض المدينة وهو ما حولها. " الزكي ": قال " عا ": الطاهر المبارك من الزكاة وهو النمو والطهارة. وقال سطيح في وصفه صلى الله عليه وسلم كما تقدم في باب المنامات: " يقطعه - أي ملك ذي يزن - نبي زكي الوحي من قبل العلي ".


(1) أخرجه الترمذي (2340) وذكره المتقي الهندي في الكنز (6059). (2) أخرجه أبو داود (4800)، والبيهقي في السنن 10 / 241، والطبراني في الكبير 8 / 117. (*)

[ 468 ]

وأخذه " د " من قوله تعالى: (كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم) (1) " ط " وهو أخذ غير صحيح فإن الوصف (2) من زكى مزكى لا زكي نعم الاسم المذكور صحيح في حقه صلى الله عليه وسلم ومعناه الطاهر يقال زكاه أي طهره. " زلف ": بفتح الزاي ككتف أي الزليف بإثبات المثناة التحتية بعد اللام: المتقدم القريب سمي بذلك لتقدمه على الأنبياء فضلا وشرفا، أو لتقربه من مولاه زلفى من الزلفى وهو القرب والتقدم. " الزمزمي ": " د " هو منسوب إلى زمزم وهي سقاية الله تعالى لجده إسماعيل صلى الله عليه وسلم فهو أولى من نسب إليها. " الزين ": الحسن الكامل خلقا وخلقا، وهو في اللغة ضد الشين. " زين من وافى القيامة ": ذكره القاضي وسيأتي في حديث الضب في المعجزات قوله: " السلام عليك يا زين من وافى القيامة ". حرف السين " سابق العرب ": في حديث أنس مرفوعا " السباق أربعة أنا سابق العرب، وصهيب سابق الروم، وسلمان سابق الفرس وبلال سابق الحبشة " وهو اسم فاعل من السبق وهو التقدم، وقد يستعار السبق لإحراز الفضيلة، ومنه قوله تعالى: (والسابقون السابقون). ومعناه المخلص الذي سارع إلى طاعة مولاه وشق الفيافي في طلب رضاه. وقيل: الناس على ثلاثة أقسام: رجل ابتكر الخير في مبدأ أمره وداوم عليه فهو السابق. ورجل ابتكر عمره بالذنب والغفلة ثم رجع بالتوبة فهو من أصحاب اليمين ورجل ابتكر الشر من مبدأ أمره ثم لم يزل عليه حتى مات فهو من أصحاب الشمال. أو السابق لفتح باب الجنة قبل الخلق. " السابق بالخيرات ". " الساجد ": الخاضع المطيع أخذه " ط " من قوله تعالى: (ومن الليل فاسجد له) (وكن من الساجدين) أي - داوم على عبادتك وخضوعك معهم. " سبيل الله ": أخذه " د " من قوله تعالى: (ويصدون عن سبيل الله) في أحد القولين أنه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله السدي. ورواه ابن أبي حاتم، ومعنى كونه سبيل الله الطريق


(1) البقرة: 151. (2) في أ: الأخذ. (*)

[ 469 ]

الموصل إليه، والسبيل الطريق الواضح. وسمي به صلى الله عليه وسلم لأنه الموصل إلى رضا الله تعالى. قال تعالى: (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله) أي كتموا نعت محمد صلى الله عليه وسلم. " السبط ": بفتح المهملة وكسر الموحدة أي سبط الشعر كما سيأتي في باب صفة رأسه وشعره. " السخي ": الكريم صفة مشبهة من السخاء ممدودا وهو الكرم. " السديد ": بمهملات فعيل بمعنى فاعل من السداد وهو الاستقامة، أو هو بمعنى مفعل أي المسدد ثلم أمته بإصلاح أمورهم في الدنيا، والمرقع خللهم بالشفاعة في الآخرة. " السراج المنير ": قال الله تعالى: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا) السراج الحجة أو الهادي أو المصباح أو الشمس وسمي سراجا لإضاءة الدنيا بنوره، ومحو الكفر وظلامه بظهوره، وشبهه بالشمس لأنه الغاية في النيرات. وقال بعضهم: سمي سراجا لأن دينه يضئ بين الأديان كما يضئ السراج في الليلة المظلمة. وقال غيره: لأن الله تعالى أمد بنور نبوته أنوار البصائر كما أمد بنور السراج أنوار الأبصار. وإنما شبه صلى الله عليه وسلم بنور السراج دون غيره مما هو أضوأ منه كالشمس مثلا لأن المراد بالسراج الشمس، أو لأنه بعث في زمانه يشبه الليل من ظلمات الكفر والجهالة، فكشفه بنور اليقين والهداية. قال القاضي أبو بكر بن العربي - رحمه الله تعالى -: قال علماؤنا سمي سراجا لأن السراج الواحد توقد منه السرج الكثيرة فلا ينقص ذلك من ضوئه شيئا، وكذلك سرج الطاعات أخذت من سراج محمد صلى الله عليه وسلم ولم ينقص ذلك من أجره شيئا. قال وفي وجه التشبيه بالشمس أوجه منها أنها لا تطلع حتى يتقدم بين يديها الفجر الأول والثاني مبشرين بطلوعها، وكذلك لم يبعث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حتى بشرت به الأنبياء والمرسلون ووصفته الكتب المنزلة. ومنها: أن الشمس إحراقا وإشرافا، وكذلك كان صلى الله عليه وسلم لبعثته نور يشرق في قلوب أوليائه، ولسيفه نار تحرق قلوب إعدائه. ومنها: أن فيها هداية ودلالة، وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم هدى من الضلالة ودل على الرشاد. ومنها: أنها سيدة الأنوار الفلكية، وهو صلى الله عليه وسلم سيد الأنبياء، وقد وصف الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالمنير ولم يصف الشمس إذ سماها بذلك لأنها خلقت من نوره ولأن دولتها في الدنيا فقط ودولته ونوره صلى الله عليه وسلم في الدنيا وفي الآخرة أعظم.

[ 470 ]

والمنير مفعل من أنار ينير إناره وهو راجع إلى النور. " السراط المستقيم ": يأتي في حرف الصاد. " سر خليطس " ذكره " ع " وقال هو اسمه بالسريانية ومعناه معنى البرقليطس. " السريع ": السابق المبادر إلى طاعة ربه أو الشديد. ومنه قوله تعالى: (إن ربك لسريع العقاب) أي لشديدة، وإلا فسرعة العقاب تنافي صفة الحلم، إذ الحليم كما مر هو الذي لا يعجل بالعقوبة على من عصاه. وقيل معنى الآية: سريع العقاب إذا جاء وقت عقابه لا يرده عند أحد سبحانه وتعالى. " سعد الله " " خا ". " سعد الخلائق ". " سعيد ": فعيل بمعنى فاعل من السعد، وسمي به صلى الله عليه وسلم لأن الله تعالى أوجب له السعادة - من القدم وحقق لأمته السيادة على سائر الأمم. " السلام ": أي السالم من العيب المنزه عن الريب، وهو في الأصل السلامة، وسمي به صلى الله عليه وسلم لسلامة هذه الأمة بل وغيرها بوجوده من العذاب وأمنها من حلول العقاب، أو لسلامته من النقص والعيب وبراءته من الزيغ والريب. وهو من أسمائه تعالى ومعناه الذي سلمت ذاته من الشين وجلت صفاته عن النقص والرين. وقيل: معناه مالك تسليم العباد من المهالك، ويرجع إلى القدرة. وقيل: ذو السلام على المؤمنين في الجنة. ويرجع إلى الكلام القديم الأزلي. وحكى ذلك إمام الحرمين. وقيل: الذي سلم خلقه من ظلمه. وقيل سلم المؤمنين من العذاب. وقيل المسلم على المصطفين لقوله تعالى: (وسلام على عباده الذين اصطفى). وهو في حقه صلى الله عليه وسلم صحيح بالمعنى الأول والرابع، كما هو واضح ويصح أيضا بالمعنى الخامس، لأنه مسلم المؤمنين من العذاب بهدايته إياهم. وليس المعنى الثالث والسادس ببعيدين في حقه أيضا. " السلطان ": الملك والحجة والبرهان. وتذكيره على معنى البرهان أشهر كما قاله ابن عطية. وهي لغة القرآن وقد يؤنث على معنى الحجة يقال قضت به عليك السلطان وفي القاموس: السلطان الحجة. وقدرة الملك - وتضم لامه - والوالي، يؤنث لأنه جمع سليط وهو الدهن لأن به يضئ الملك أو لأنه بمعنى الحجة وقد يذكر ذهابا إلى معنى الرجل. وسمي به صلى الله عليه وسلم لأنه حجة الله تعالى على عباده في الآخرة وبرهانه في الدنيا وهو ذو السلطان وهو الملك، والقوة مأخوذ من السلاطة وهي التمكن من القهر والغلبة، ومنه قيل للفصيح سليط لاقتداره على فنون الكلام وللمرأة السخابة سليطة لقوتها على المقال وشدة

[ 471 ]

بأسها على الرجال. فسليط كما في القاموس وغيره مدح للذكر ذم للأنثى. وقد ألغز الزيني عبد الباسط في ذلك فقال: يا إمام الأنام أية وصف * * إن يكن للذكور فهو مديح وإذا ما به الإناث نعتنا * * فهو في نعتهن ذم قبيح " السميع ": فعيل بمعنى فاعل من السمع هو أحد الحواس الظاهرة. قال تعالى: (لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير) قيل: الضمير عائد عليه صلى الله عليه وسلم، وسمي بذلك لما شرف به في مسراه من سماع كلام مولاه وهو من أسمائه تعالى ومعناه: الذي يسمع السر وأخفى، وسمعه تعالى صفة تتعلق بالمسموعات. " السمي ": السامي أي العالي من السمو وهو العلو ومنه سميت السماء لعلوها وارتفاعها. " السنا ": مقصورا الضوة الساطع أو النور اللامع، أو ممدودا وهو الشرف والعلو، وسمي بذلك لأنه شرف هذه الأمة وفخرها أو صاحب الشرف. السند " بمهملتين بينهما نون محركة: الكبير الجليل الذي يعتمد عليه ويقصد ويلجأ إليه. " السيد ": الرئيس الذي يتبع وينتهى إلى قوله. وقيل: الذي يلجأ إليه ويحتاجه الناس في حوائجهم. وقيل: الذي يطيع ربه. وقيل: الفقيه العالم وقيل الذي ساد في العلم والعبادة والورع. وقيل: الذي يفوق أقرانه في كل شئ وقيل: غير ذلك. والنبي صلى الله عليه وسلم سيد بالصفات المذكورة وهو من أسمائه تعالى. قال النحاس: ولا يطلق على غير الله تعالى إلا غير معرف. قال النووي رحمه الله: الأظهر جوازه باللام وغيرها للمشهور بعلم أو صلاح ويكره لغيره. وروى الحاكم وغيره عن بريدة رضي الله تعالى عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا قال الرجل للفاسق يا سيد أغضب ربه عز وجل " (1). تنبيه: روى الإمام أحمد عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أنت سيد قريش. قال: " السيد الله " وسيأتي في اسمه صلى الله عليه وسلم " سيد الناس " ما يجاب به عنه (2).


(1) أخرجه الحاكم في المستدرك 4 / 311، والخطيب في التاريخ 5 / 454 وابن المبارك في الزهد 2 / 51. (2) أخرجه أبو داود (4806) وأحمد في المسند 4 / 24، وابن سعد في الطبقات 1 / 2 / 52، وابن عدي في الكامل 2 / 592. (*)

[ 472 ]

" سيد الثقلين ": أي الإنس والجن سميا بذلك لأنهما كالثقل للأرض وعليها. وقيل إنهما إنما سميا بذلك لأنهما فضلا بالتمييز الذي فيهما على سائر الحيوانات وكل شئ له وزن وقدر يتنافس فيه فهو ثقيل. " سيد الكونين ". " سيد ولد آدم ": روي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة " ولهذا مزيد بيان يأتي في الخصائص. " سيد الناس ": في حديث الشفاعة: " أنا سيد الناس يوم القيامة، هل تدرون مم ذاك ؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد " الحديث بطوله في مجئ الناس إليه بعد ترددهم إلى الأنبياء وكلهم يقول: نفسي نفسي. " ع ": وإنما قيده بيوم القيامة لأن فيه يظهر سؤدده لكل أحد ولا يبقى له منازع ولا معاند، بخلاف الدنيا فقد نازعه في ذلك ملوك الكفار وزعماؤهم. وفي لفظ عند الحاكم: " أنا سيد الناس " وفيه " ولا فخر " أعظم ولا أكمل من هذا الفخر الذي أعطيته. وقيل: معناه أن هذه الفضيلة التي نلتها كرامة من الله تعالى لم أنلها من قبل نفسي ولا بلغتها بقوتي، فليس لي أن أفتخر بها. قال النووي: وهذا قريب من قوله تعالى: (لمن الملك اليوم) فإنه تعالى له الملك اليوم وبعد، ولكن لما ثم من يدعيه أو يضاف إليه مجازا وانقطع كل ذلك في الآخرة وبقي الملك له وحده قاله موبخا لمن زعم ذلك في الدنيا. قال النووي: وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لوجهين: أحدهما امتثالا لقوله تعالى: (وأما بنعمة ربك فحدث) والثاني أنه من البيان الذي يجب أن يبلغ لأمته ليعرفوه ويعتقدوه. وأما قوله صلى الله عليه وسلم: " لا تفضلوني على موسى " وفي رواية على يونس (1)، فقاله صلى الله عليه وسلم قبل أن يعلم أنه سيد الناس، أو أدبأ أو تواضعا، أو أراد النهي عن التفضيل الذي يؤدي إلى تنقيص المفضول أو يؤدي إلى الخصومة أو عن التفضيل في نفس النبوة دون التفضيل في الخصائص. قال النووي: ولا بد من اعتقاد التفاضل بينهم فيها لقوله تعالى: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض) الآية. ولهذا تتمة تأتي في الخصائص وفي أحاديث الشفاعة آخر الكتاب.


(1) أخرجه مسلم 4 / 1844 كتاب الفضائل (160 - 2373). (*)

[ 473 ]

" السيف ": روى الحاكم أن كعب بن زهير أنشد للنبي صلى الله عليه وسلم: بانت سعاد. حتى انتهى إلى قوله: إن الرسول لسيف يستضاء به * * مهند من سيوف الهند مسلول (1) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من سيوف الله ". السيف في الأصل معروف وأسماؤه كما قال في القاموس تزيد على ألف وجمعه أسياف وسيوف وأسيف. " السيف ": المخدم " عا ": بمعجمتين كمعظم القاطع الماضي وفيه استعارة مرشحة لأنه ملائم للسيف الحقيقي الذي يشبه به صلى الله عليه وسلم تشبيها بليغا. والجامع بينهما أن الله تعالى محا بكل منهما أثر كل مجالد ومجادل وأظهر دين الحق وأدحض الباطل. " سيف الإسلام ": روى الديلمي عن عرفجة بن شريح رضي الله تعالى عنه رفعه: " أنا سيف الإسلام وأبو بكر سيف الردة ". " سيف الله ": تقدم الكلام عليه. حرف الشين المعجمة " الشارع ": العالم الرباني العامل المعلم أو المظهر المبين للدين القيم. اسم فاعل من الشرع وهو الإظهار والتبيين، وقد اشتهر إطلاقه عليه على ألسنة العلماء، لأنه شرع الدين والأحكام، والشرع الدين، وكذلك الشريعة، وقد وصف الله تعالى نفسه بقوله تعالى: (شرع لكم من الدين) فهو مما سماه الله تعالى من أسمائه. " الشافع ": الطالب للشفاعة. " المشفع " بفتح الفاء الذي يشفع فتقبل شفاعته وهي السؤال في التجاوز عن المذنبين. " الشفيع ": صيغة مبالغة ورد الأول والثالث في حديث مسلم السابق في اسمه " الأول " والثاني في حديث سبق في اسمه أكثر الأنبياء تابعا وسيأتي الكلام على شفاعته صلى الله عليه وسلم. " الشافي ": المبرئ من السقم والألم. والكاشف عن أمته كل خطب ألم. " الشاكر ": اسم فاعل من الشكر وهو الثناء على المحسن بما أولاه من المعروف، وقيل تصور النعمة وإظهارها وقيل هو مقلوب عن الكشر وهو الكشف وقيل مأخوذ من قولهم " عين


(1) البيت من القصيدة المشهورة التي مطلعها: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول * * متيم إثرها لم يفد مكبول انظر ديوان كعب 66، الشعر والشعراء 1 / 155، والعقد الفريد 2 / 91. (*)

[ 474 ]

شكرى " أي ممتلئة فالشكر على هذا الامتلاء من ذكر المنعم. وقال القشيري: حقيقة الشكر: نطق العبد وإقراره بنعمة الرب. وقيل: الاعتراف بعجزه عنه. والشكر على ثلاثة أقسام: شكر باللسان، وهو الاعتراف بالنعمة وشكر بالأركان وهو الاتصاف بالوفاق والخدمة. وشكر بالجنان، وهو الاعتكاف على بساط الشهود مع حفظ الحدود والحرمة. قال القاضي: الشكر من الخلق للحق إحسانه، وشكر الحق للخلق مجازاتهم على أفعالهم، فسمي جزاء الشكر شكرا مجازا، والعلاقة المشاكلة، كما سمي جزاء السيئة سيئة في قوله تعالى: (وجزاء سيئة سيئة مثلها) وهو من أسمائه تعالى. " الشكار ": أبلغ من الشكور الذي هو أبلغ من شاكر كما يعلم ذلك في بحث الغفور. وفي حديث ابن ماجة أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه: رب اجعلني لك شكارا. " الشكور ": كثير الشكر صيغة مبالغة فعول بمعنى فاعل، أو الذي يثيب الكثير على القليل، وكان هذا من خصوصياته صلى الله عليه وسلم لئلا يصير لأحد عليه منه وهو من أسمائه تعالى ومعناه الذي يعطي الجزيل على العمل القليل من قولهم دابة شكور إذا أظهرت من السمن (1) فوق ما تعطى من العلف، أو المثني على عباده إذا أطاعوه أو المجازي على الشكر. روى الشيخان عن المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى حتى انتفخت قدماه، فقيل له: أتتكلف هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ قال: " أفلا أكون عبدا شكورا " (2). قيل: وهو أبلغ من الشاكر لأنه الذي يشكر على العطاء والشكور الذي يشكر على البلاء. وقيل: الشاكر الذي يشكر على الموجود والشكور الذي يشكر على المفقود. وحكي أن شقيقا البلخي رحمه الله تعالى أنه سأل جعفر بن محمد رضي الله تعالى عنه وعن آبائه عن الفتوة فقال: ما تقول أنت ؟ فقال شقيق: إن أعطينا شكرنا وإن منعنا صبرنا. فقال جعفر: هكذا تفعل كلاب المدينة ! فقال شقيق: يابن رسول الله فما الفتوة عندكم ؟ قال: إن أعطينا آثرنا وإن منعنا شكرنا. " الشاهد ": العالم. أو المطلع الحاضر اسم فاعل من الشهود وهو الحضور. قال تعالى: (إنا أرسلناك شاهدا) أي على من بعثت إليهم مقبول القول عليهم عند الله تعالى كما يقبل الشاهد العدل. ولهذا تتمة تأتي في الشهيد. " الششن " " عا " بفتح الشين وسكون المثلثة وآخره، نون أي عظيم الكفين والقدمين.


(1) في أالمشي. (2) أخرجه البخاري 8 / 584 كتاب التفسير (4836)، ومسلم 4 / 2171 كتاب صفات المنافقين (79 - 2819). (*)

[ 475 ]

والعرب تمدح بذلك. وقال القاضي رحمه الله: نحيفها وقيل: هو الذي في أنامله غلظ بلا قصر. وذلك محمود في الرجال لأنه أشد وأمكن للقبض. " الشديد ": واحد الأشداء من الصفات المشبهة وهو البين الشدة بكسر الشين المعجمة والاسم الاشتداد. وهو القوة قال الله تعالى: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار) وهو معنى قوله تعالى: (واغلظ عليهم) وقال الحسن: بلغ من شدتهم عليهم أنهم كانوا يتحرزون من مماسة أبدانهم وثيابهم. " الشدقم " بفتح الشين وسكون الدال المهملة وفتح القاف البليغ الموه. وأصله كبير الشدق وهو جانب الفم، وميمه زائدة. روى مسلم عن سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ضليع الفم. وسيأتي بيان ذلك في صفة فمه إن شاء الله تعالى. " الشريف ": صفة مشبهة من الشرف وهو العلو أي العالي أو المشرف على غيره، أي المفضل فعيل بمعنى فاعل أو مفعول. " الشفاء " بكسر الشين ممدودا البرء من السقم والسلامة منه. وسمي به صلى الله عليه وسلم لأن الله تعالى أذهب ببركته الوصب، وأزال بسماحة ملته النصب. قال الله تعالى: (قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور) قيل: المراد به سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. " الشمس " في الأصل: الكوكب النهاري. وسمي به صلى الله عليه وسلم إما لظهوره شريعته أو لعلوه ورفعته لأن رتبتها أرفع من غالب الكواكب، لأنها في السماء السادسة عند المحققين من متأخري أهل الهيئة أو لكثرة الانتفاع به كما أن الانتفاع بها أكثر من غيرها لأنها تنضج الزرع وتشد الحب وترطب البدن أو لأنه لجلالة قدره وعظم منزلته لا يحاط بكمال صفته ولا يسع الرائي ملء عينه منه إجلالا له كما أن الشمس لكبر جرمها حتى قيل إنها قدر كرة الأرض مائة وستين مرة وقيل: وخمسين وقيل: وعشرين. لا يدركها البصر بل تكاد تكله وتخطفه وتعميه. أو لأن نور الأنبياء مستمد من نوره كما قال البوصيري رحمه الله تعالى. وكل آي أتى الرسل الكرام بها * * فإنما اتصلت من نوره بهم كما أن سائر الكواكب تستمد من نور الشمس بمعنى أن نورها لما كان مستمدا مستترا من نور الشمس فكأنه مستمد منه وإلا فهي جوهر شفاف لا لون لها مضئ د بذاتها أو بكواكب أخر مستتره عنا لا نشاهدها إلا القمر فإنه كمل في نفسه. " الشهاب " بكسر الشين المعجمة: السيد الماضي في الأمر أو النجم المضئ وسمي صلى الله عليه وسلم بذلك كما سمي بالنجم، أو لأن الله حمى به الدين من كل معاند وجاحد كما حمى بالشهب سماء الدنيا من كل شيطان مارد. قال كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه يمدحه صلى الله عليه وسلم:

[ 476 ]

إن الرسول شهاب ثم يتبعه * * نور مضئ له فضل على الشهب " الشهم ": بفتح أوله وكسر ثانيه: السيد النافذ الحكم. " الشهيد ": العليم أو العدل المزكي. قال تعالى: (ويكون الرسول عليكم شهيدا) أي معدلا مزكيا. روى البخاري من حديث عقبه بن عامر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت ثم انصرف إلى المنبر فقال: " أنا فرطكم وأنا شهيد عليكم " (1). وهو من أسمائه تعالى ومعناه أنه الذي لا يغيب عنه شئ. قال ابن الأثير: وهو فعيل من أبنية المبالغة في فاعل وإذا اعتبر العلم مطلقا فهو العليم فإذا أضيف إلى الأمور الباطنة فهو الخبير، أو إلى الظاهر فهو الشهيد. انتهى فكل شهيد وخبير عليم ولا عكس. وقيل هو الشاهد يوم القيامة بما علم. روى الشيخان عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يدعى نوح القيامة فيقال: لنوح: من يشهد لك ؟ فيقول: محمد وأمته. فذلك قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة (2) وسطا) الآية. والوسط العدل. ولهذا مزيد بيان يأتي إن شاء الله تعالى في الخصائص والله تعالى أعلم. حرف الصاد " الصابر ": اسم فاعل من الصبر، وهو حبس النفس عن الجزع وإمساكها في الضيق والفزع. وقال في الإحياء: هو ثبات باعث الدين على مقاومة باعث الهوى. وفي رسالة الأستاذ أبي القاسم القشيري رحمه الله تعالى: الصبر إما على مكتسب للعبد وإما على غيره فالأول الصبر على ما أمر الله تعالى به وعما نهى عنه. والثاني: الصبر على مقاساة ما يتصل به من حكم الله لما فيه من مشقة. وقال الجنيد: هو تجرع المرارة من غير تعبيس وقال ابن عطاء: هو الوقوف مع البلاء بحسن الأدب. وقال الجريدي: ألا يفرق بين حال النعمة والمحنة مع سكون الخاطر فيهما. وقيل: هو ترك الشكوى إلى العباد، فلا ينافيه الشكوى إلى الله تعالى لأنه وصف أيوب بالصبر فقال: (إنا وجدناه صابرا) مع شكواه إليه حيث قال: (إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين).


(1) أخرجه البخاري 3 / 248 كتاب الجنائز (1344). (2) أخرجه البخاري 6 / 48 كتاب التفسير (4487). (*)

[ 477 ]

والتصبر هو السكون على البلاء، مع وجود أثقال المحنة. وقال بعضهم: الصبر على ثلاث مقامات: أولها ترك الشكوى. وهي درجة التائبين. ثانيها: الرضا بالمقدور، وهي درجة الزاهدين. ثالثها: المحبة لما يصنع المولى. وهي درجة الصديقين. وقال الخواص: هو الثبات على أحكام الكتاب والسنة. وقال بعضهم: الصبر إما بدني أو نفسي، فإن كان عن شهوة البطن فهو العفة، وإن كان عن مصيبة فهو الصبر وضده الجزع والهلع. وإن كان في احتمال الغني فهو ضبط النفس وضده البطر. وإن كان في القتال فهو الشجاعة وضده الجبن. وإن كان في كظم الغيظ فهو الحلم وضده السفاهة وإن كان في إخفاء كلام فهو كتم السر. وإن كان عن فضول العيش فهو الزهد. قال تعالى: (واصبر لحكم ربك) (واصبر وما صبرك إلا بالله) وقد كان صلى الله عليه وسلم أصبر الناس بالمعاني المذكورة كلها. وروى ابن سعد عن إسماعيل بن عياش بالشين المعجمة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أصبر الناس على أقذار الناس. " الصاحب ": " ع ح د خا " اسم فاعل من الصحبة وهي المعاشرة والملازمة قال تعالى: (ما ضل صاحبكم وما غوى) (وما صاحبكم بمجنون) قال: " د ": وهو بمعنى العالم والحافظ واللطيف. وقال " ع ": سمي بذلك لما كان عليه من اتبعه من حسن الصحبة وجميل المعاملة وعظم المروءة والوقار والبر والكرامة. " د " وقد ورد إطلاق الصاحب على الله تعالى في حديث: " اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل ". " عا " الصحبة على ثلاثة أقسام: الأول: صحبة من فوقك وهي في الحقيقة خدمة، وآدابها ترك الاعتزال وحمل ما يصدر منه على أشد الأحوال. الثاني: صحبة من هو دونك وهي تقضي على المتبوع بالإشفاق وعلى التابع بالوقار وآدابها أن تنبه على ما فيه من نقصان من غير تعنيف. الثالث: صحبة مع المساوي وهي صحبة الأكفاء والأقران. وتنبني على الفتوة والإيثار وآدابها: الالتفات عن عيوبهم وحمل ما صدر منهم على الجميل فإن لم تجد تأويلا فاتهم نفسك. " صاحب الآيات ": " خا ". " صاحب المعجزات ". " صاحب الأزواج الطاهرات ". " صاحب البرهان ".

[ 478 ]

" صاحب البيان ". " صاحب التاج ": وقد ذكر في الإنجيل كما تقدم في اسمه راكب الجمل " يا " المراد بالتاج العمامة، ولم تكن حينئذ إلا للعرب والعمائم تيجان العرب. " صاحب التوحيد ": وهو مصدر وحدته إذا وصفته بالوحدانية قال بعضهم: التوحيد الحكم بأن الله تعالى واحد، والعلم بذلك. " صاحب الخير ". " صاحب الدرجة العالية الرفيعة ". " صاحب الرداء ". " صاحب السجود للرب المعبود ". " صاحب السرايا ". " صاحب الشرع ". " صاحب العطاء ". " صاحب العلامات الباهرات ". " صاحب العلو والدرجات ". " صاحب الفضيلة ". " صاحب الفرج ". " صاحب القدم ". " صاحب المغنم ". " صاحب الحجة ": قال " د " هو في أوصافه في الكتب المتقدمة، والحجة البرهان والمراد بها المعجزات التي جاء بها وسيأتي الكلام عليها في أبوابها. " صاحب الحوض المورود ": وسيأتي الكلام عليه في أواخر الكتاب. " صاحب الكوثر ": وسيأتي الكلام عليه. فائدة: روى الدار قطني بسند جيد عن عائشة رضي الله عنها مرفوعا: " من أراد أن يسمع خرير الكوثر فليجعل إصبعيه في أذنيه " قال الحافظ جمال الدين المزي أي من أراد أن يسمع مثل خريره... " صاحب الحطيم ": وسيأتي الكلام عليه في شرح قصة المعراج. " صاحب الخاتم ": والمراد به خاتم النبوة وسيأتي الكلام عليه في أبواب صفات جسده أو الخاتم الذي كان يلبسه وسيأتي الكلام عليه في أبواب زينته. " صاحب زمزم ": " د " وابن خالويه. وتقدم الكلام عليه في زمزم.

[ 479 ]

" صاحب السلطان ": قال " يا ": هو من أسمائه في الكتب المتقدمة وفي كتاب نبوة شعيا صلى الله عليه وسلم فيما نقله ابن ظفر: أثر سلطانه على كتفه. قال وفي رواية العبرانيين بدل هذه: على كتفه خاتم النبوة فهو المراد بالأثر والمراد بالسلطان النبوة، وتقدم الكلام على لفظ السلطان. " صاحب السيف ": هو من أوصافه في الكتب المتقدمة والمعنى به أنه صاحب القتال والجهاد، وفيها ذكره بأن سيفه على عاتقه يجاهد به في سبيل الله. روى الإمام أحمد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بعثت بالسيف حتى يعبد الله لا شريك له " (1). لطيفة: أنشأ الإمام العلامة جمال الدين بن نباتة مقامة في المفاخرة بين السيف والقلم ذكر فيها من خصائص السيف ومزاياه على القلم أن اليد الشريفة النبوية حملته دونه. وسيأتي الكلام على أسيافه صلى الله عليه وسلم في أبواب سلاحه. " صاحب الشفاعة العظمى ": وسيأتي الكلام على ذلك في الخصائص وفي أبواب شفاعاته. " صاحب اللواء ": والمراد به لواء الحمد، وقد يحمل على اللواء الذي كان يعقده للحرب فيكون كناية عن القتال. " صاحب المحشر ". وفي الصحاح: المحشر بكسر الشين هو موضع الحشر وهو يوم القيامة. ومعنى كونه صاحبه أنه صاحب الكلمة فيه والشفاعة واللواء والمقام المحمود والكوثر. ويظهر له من الخصائص الجمة ما ليس لغيره. " صاحب المدرعة ": ورد في الإنجيل كما سبق في اسمه: " راكب الجمل " وفي الصحاح المدرعة والمدرع واحد وهو درع الحديد انتهى. ومعنى الاسم راجع إلى القتال والملاحم. " صاحب المشعر ": ذكره ابن خالويه. والمشعر بفتح الميم وحكى الجوهري كسرها لغة. قال صاحب المطالع: يجوز الكسر ولكنه لم يرد. وقال النووي في تهذيبه: اختلف فيه. فالمعروف في كتب التفسير والحديث والأخبار والسير أنه مزدلفة كلها. وسمي مشعرا لما فيه من الشعائر وهي معالم الدين. " صاحب المعراج ": يأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى.


(1) أخرجه أحمد في المسند 2 / 50. (*)

[ 480 ]

" صاحب المقام المحمود ": قال " د ": وقع الإجماع على أن المقام المحمود هو الشفاعة وسيأتي الكلام على ذلك في أبواب شفاعاته وفي الخصائص إن شاء الله تعالى. " صاحب المنبر ": بكسر الميم مأخوذ من النبر وهو الارتفاع وسيأتي الكلام على ذلك في الحوادث. " صاحب النعلين ": ورد في الإنجيل كما تقدم في حرف الراء ولهذا مزيد بيان في أبواب لباسه صلى الله عليه وسلم. " صاحب الهراوة ": ورد في الإنجيل كما سبق في حرف الراء. والهراوة بكسر الهاء في اللغة: العصا، وأراها والله تعالى أعلم: العصا المذكورة في حديث الحوض: " أذود الناس عنه بعصاي إلى اليمين " قال النووي: وهو ضعيف لأن المراد تعريفه بعلامة يراها الناس معه يستدلون بها على صدقه وأنه المبشر به المذكور في الكتب السالفة فلا يصح تفسيره بعصا تكون في الآخرة. والصحيح أنه صلى الله عليه وسلم كان يمسك القضيب بيده كثيرا، وقيل لأنه كان يمشي والعصا بين يديه وتغرز له فيصلي إليها. روى الإمام أحمد في الزهد عن أبي المثنى الأملوكي أنه سئل عن مشي الأنبياء بالعصي فقال: ذل وتواضع لربهم تبارك وتعالى. الأملوكي: بضم الهمزة أوله واللام. " صاحب لا إله إلا الله ": ومن صفته في التوارة: " ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله ". " الصادع ": اسم فاعل من صدع بالحجة إذا تكلم بها جهارا من الصديع وهو الفجر أو من الصدع بمعنى الفصل والفرق. أخذه " ط " من قوله تعالى: (فاصدع بما تؤمر). أي أبن الأمر إبانة لا تخفي كما لا يلتئم صدع الزجاجة المستعار منه ذلك التبليغ لجامع التأثير. وقيل: أظهره، أو أمضه أو افرق. ومعناه: بالقرآن أو الدعاء إلى الله تعالى وأوضح الحق وبينه من الباطل. " الصادق ": اسم فاعل من الصدق. وروى البخاري وغيره عن ابن مسعود رضي الله عنه قال " حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق فيما أخبره به جبريل عليه السلام " قال ابن دحية: " كان الصادق المصدوق علما واضحا له صلى الله عليه وسلم إذ يجري مجرى الأعلام " وروى الزبير بن بكار أن أبا جهل لقي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنا لا نكذبك ولكن نكذب ما جئت به فأنزل الله عزوجل: (فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) وهو من أسمائه تعالى. قال الله تعالى: (ومن أصدق من الله حديثا) وورد ذكره في حديث الإسراء.

[ 481 ]

" صاعد المعراج ": اسم فاعل من الصعود وهو الرقي. يقال صعد في الجبل أو السلم إذا رقي فيه وأصعد في الأرض إذا توجه مستقبلا أرضا أرفع منها. وعن أبي عمرو: ذهب أينما توجه. وسيأتي لهذا مزيد بيان في أبواب معراجه. " الصالح ": في حديث الإسراء قول الأنبياء له صلى الله عليه وسلم: " مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ". والصالح كلمة جامعة لمعاني الخير كله، قال الزجاج: الصالح الذي يؤدي إلى الله ما افترضه عليه وإلى الناس حقوقهم، وقال في المطالع: الصالح القيم بما يلزمه من الحقوق. " الصبور ": صيغة مبالغة من الصبر، فعول بمعنى فاعل وهو الذي لا تحمله العجلة على المؤاخذة. وكان صلى الله عليه وسلم شديد الصبر على أذى قومه له مع حلمه عليهم، حتى قيل له لما رماه عتبة بن أبي وقاص يوم أحد فكسر رباعيته السفلى وجرح شفته السفلى وشج عبد الله بن شهاب الزهري قبل إسلامه وجهه وجرح عبد الله بن القمئة وجنته فدخلت حلقتان من المغفر فيها ذلك اليوم: ادع الله عليهم. فقال: " اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون " امتثالا لقوله تعالى المؤذن بالتسلية له: (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل) أي أصحاب عقد القلب على إمضاء الأمر، وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى صلى الله عليه وسلم (1). وهو من أسمائه تعالى، ومعناه الذي لا تحمله العجلة على مؤاخذة العصاة ولا تستعجله على معاقبة العتاة. والفرق بينه وبين الحلم أن الحلم: لا يشعر بالمعاقبة آخر الأمر والصبر يشعر بذلك. " الصبيح ": الجميل، صفة مشبهة من الصباحة وهي الحسن والجمال. يقال صبح ككرم فهو صبيح وصباح كفلاح ورمان. أي جميل، وسمي بذلك لأنه صلى الله عليه وسلم أصبح الناس وأحسنهم كما سيأتي في باب حسنه. " الصدوق ": الذي يتكرر منه الصدق وهو الإخلاص، وأول مراتبه استواء السر والعلانية. وقال الواسطي: الصدق صحة التوحيد مع القصد. " الصدق ": نقله الشيخ - رحمه الله تعالى - عن بعضهم أخذا من قوله تعالى: (فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه). " الصديق ": بتشديد الدال: الموقن. صيغة مبالغة من الصدق أو هو الذي يصدق قوله بالعمل.


(1) ذكره السيوطي في الدر المنثور 2 / 298 وعزاه لابن أبي شيبة وأحمد في الزهر وأبي نعيم وابن عساكر من طريق مجاهد عن عبيد بن عمير. (*)

[ 482 ]

" الصراط المستقيم ": قال أبو العالية: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم. ورواه الحاكم وصححه عن ابن عباس، وسمي به صلى الله عليه وسلم لأنه الطريق الموصل إليه. والطراط: الطريق. وقيل: الواضح، وقيل السوي، والسين لغة فيه. والمستقيم: القيم الواضح الذي لا عوج فيه. (صراط الذين أنعمت عليهم). " الصفوة ": بتثليث الصاد: الخيار والخلاصة. وفي حديث عمر عند ابن ماجة والحاكم أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: " أنت نبي الله وصفوته ". " الصفوح ": هومن صفاته في التوراة " ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح ". وفي الشمائل عن عائشة: " لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا ولا سخابا في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح ". والصفوح صيغة مبالغة من الصفح. قال في الصحاح: وصفحت عن فلان إذا أعرضت عن ذنبه. وفي الشرح: الصفح: تحرك التثريب والإعراض والتجاوز عن المسيئين قال تعالى: (فاصفح الصفح الجميل) قيل: وهو أبلغ في العفو لأن الإنسان قد يعفو ولا يصفح. قال " عا " وعندي أن العفو أبلغ من الصفح لأنه إعراض عن المؤاخذة، والعفو محو الذنب، ومن لازم المحو الإعراض ولا عكس. " الصفي ": وهو الذي يختاره الكبير لنفسه من الغنيمة. فعيل بمعنى مفعول وسمي به صلى الله عليه وسلم لأن الله اصطفاه من خير خلقه. وتقدم لهذا مزيد بيان في أبواب نسبه. " الصنديد ": بمهملات وزن عفريت: السيد المطاع والبطل الشجاع أو الحليم أو الجواد أو الشريف. " الصين ": بفتح الصاد وتشديد المثناة التحتية وتخفيف النون صفة مشبهة من الصيانة وهي حفظ الأمور وإحرازها وسمي بذلك لأنه صان نفسه عن الدنس وحفظ قلبه عن طوارق الشك والهوس. حرف الضاد المعجمة " الضابط ": قال في الصحاح: ضبط الشئ: حفظه فهو ضابط أي حازم. فهو راجع إلى معنى الحفيظ والحافظ وسمي به صلى الله عليه وسلم لأنه يضبط ما يوحى إليه أي يحفظه عن التغيير والتبديل. " الضارب بالحسام ". " الضارع ": الخاضع المتذلل المبتهل إلى الله تعالى، اسم فاعل من ضرع كفرح أو

[ 483 ]

كمنع يضرع فهو ضارع أي متذلل مبتهل. وسمي صلى الله عليه وسلم بذلك لكثرة تضرعه وابتهاله إلى الله تعالى وخضوعه لهيبته واستكانته لعظمته. قال تعالى: (واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة). " الضحاك ": الذي يسيل دماء العدو في الحرب لشجاعته. " الضحوك ": روى ابن فارس عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: اسم النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة: الضحوك القتال يركب البعير ويلبس الشملة ويجتزئ بالكسرة وسيفه على عاتقه. قال ابن فارس: سمي بالضحوك لأنه صلى الله عليه وسلم كان طيب النفس فكها على كثرة من ينتابه ويفد عليه من جفاة العرب وأهل البوادي، لا يراه أحد ذا ضجر ولا قلق، ولكن لطيفا في النطق رفيقا في المسألة. ولهذا مزيد بيان في باب ضحكه وتبسمه. " الضمين ": فعيل بمعنى فاعل، وهو في الأصل الكفالة، والمراد به هنا الحفظ والرعاية، وسمي به صلى الله عليه وسلم بالشفاعة لأمته حفظا لهم ورعاية لهم. وفي البخاري عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له على الله الجنة " (1) أراد بما بين اللحيين اللسان وبما بين الرجلين الفرج. " الضيغم ": بفتح المعجمتين وسكون التحتية بينهما: البطل الشجاع والسيد المطاع. " الضياء ": بالمد: أشد النور وأعظمه، وسمي به صلى الله عليه وسلم والقرآن لأنه يهتدي بكل منهما ذوو العقول والحجى كما يهتدي بالضوء في ظلمات الدجى. قال عمرو بن معدي كرب رضي الله تعالى عنه يمدح النبي صلى الله عليه وسلم: حكمة بعد حكمة وضياء * * قد هدينا بنورها من عمانا حرف الطاء " طاب طاب ": بالتكرير قال " ع ": من أسمائه صلى الله عليه وسلم في التوراة، ومعناه طيب. وقيل معناه: ما ذكر بين قوم إلا طاب ذكره بينهم. " الطاهر ": المنزه عن الأدناس المبرأ من الأرجاس اسم فاعل من الطهارة، وهي كما قال بعضهم: على قسمين حسية، ومعنوية. فالأولى: التنقي من الأدناس الظاهرة، والثانية: التخلي عن الأرجاس الباطنة، كالأخلاق المذمومة والتحلي بالأخلاق المحمودة. قال النيسابوري: الطهارة على عشرة أوجه:


(1) أخرجه من رواية سهل بن سعد رضي الله عنه، البخاري في الصحيح 11 / 308 كتاب الرقاق (6474). (*)

[ 484 ]

الأول: طهارة الفؤاد، وهي صرفه عما دون الله تعالى. الثاني: طهارة السر، وهي رؤية المشاهدة. الثالث: طهارة الصدر، وهي الرجاء والقناعة. الرابع: طهارة الروح، وهي الحياء والهيبة. الخامس: طهارة البطن، وهي الأكل من الحلال والعفة. السادس: طهارة البدن، وهي ترك الشهوات. السابع: طهارة اليدين، وهي الورع والاجتهاد. الثامن: طهارة المعصية، وهي الحسرة والندامة. التاسع: طهارة اللسان، وهي الذكر والاستغفار. العاشر: طهارة التقصير، وهي خوف سوء الخاتمة نسأل الله تعالى السلامة. وسمي صلى الله عليه وسلم بذلك لأنه المستجمع لجميع أنواع الطهارة، لأن الله تعالى طيب باطنه وظاهره وزكى علانيته وسرائره. وسيأتي في الخصائص القول بطهارة فضلاته صلى الله عليه وسلم. " الطيب " " خا " " عا " فعيل بمعنى فاعل من الطب، وهو علاج الجسم والنفس بما يزيل السقم، أي الذي يبرئ الأسقام ويذهب ببركته الآلام. " الطراز المعلم ": أي العلم المشهور الذي يهتدى به. والطراز في الأصل - بكسر الطاء آخره زاي: علم الثوب، فارسي معرب. وسمي به صلى الله عليه وسلم لتشريف هذه الأمة به، كما يشرف الثوب بالطراز. والمعلم بالبناء للمفعول: المرسوم من العلامة، وهي ما يحصل به امتياز الشئ عن غيره صفة للطراز. " طس ". " طسم ". ذكرهما " ذ " والنسفي، من أسمائه صلى الله عليه وسلم، وذكرهما جماعة في أسماء الله تعالى، وهذه الأسماء على ضربين: أحدهما: ما لا يتأتى فيه الإعراب نحو كهيعص. والثاني: ما يتأتى فيه الإعراب وهو نوعان: الأول ما كان اسما مفردا كصاد وقاف. فهو محكى لا غير. والثاني: أن يكون أسماء عدة مجموعها بوزن اسم مفرد كحم وطس ويس، فإنها بوزن قابيل وهابيل فيجوز فيه الإعراب والحكاية، وكذلك " طسم " يتأتى أن تفتح نونها وتصير مضمومة إليها فيجعلا اسما واحدا مركبا ك‍ " دارا بجرد " لأنه مركب من " دارا " اسم الملك " وبجرد " اسم بلد. " طه ": ذكره خلائق في أسمائه صلى الله عليه وسلم وورد في حديث رواه ابن مردويه بسند ضعيف

[ 485 ]

عن أبي الطفيل رضي الله تعالى عنه. وقيل أراد يا طاهر من العيوب والذنوب أو يا هادي إلى كل خير. ذكره الواسطي. وقيل: إنه من أسماء الله تعالى وقد أشبعت الكلام على هذه الأسماء الواقعة في أوائل السور في كتابي " القول الجامع الوجيز الخادم للقرآن العزيز ". " الطهور ": كصبور: الطاهر في نفسه المطهر لغيره. وسمي بذلك لأنه صلى الله عليه وسلم سالم من الذنوب خالص من العيوب مطهر لأمته من الأرجاس ومزكيها من الأنجاس. " الطيب " " ع د ح " بوزن سيد: الطاهر أو الزكي. لأنه صلى الله عليه وسلم لا أطيب منه إذ سلم من حيث القلب حين أزيلت منه العلقة، ومن حيث القالب فهو كله طاعة. روى الترمذي في الشمائل عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: " ما شممت مسكا قط ولا عطرا كان أطيب من عرقه صلى الله عليه وسلم " ولهذا مزيد بيان في باب طيب عرقه وريحه صلى الله عليه وسلم. وورد إطلاق الطيب على الله تعالى في حديث: " إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا " رواه مسلم والله تعالى أعلم (1). حرف الظاء المعجمة " الظاهر ": " د " " عا " أي الجلي الواضح أو القاهر من قولهم: ظهر فلان على فلان أي قهره. قال الله تعالى: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله) والظهور: العلو والغلبة. وهو من أسمائه تعالى، ومعناه الجلي الموجود بالآيات الظاهرة. والقدرة الباهرة. " الظفور " " خا " " عا " من ظفر: إذا أنشب ظفره في الشئ الغائر، فعول بمعنى فاعل صيغة مبالغة من الظفر وهو الفوز. والله تعالى أعلم. حرف العين المهملة " العابد ": " د " اسم فاعل من عبد إذا أطاع. قال تعالى: (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) ومواظبته صلى الله عليه وسلم على العبادة معروفة تواترت بها الأحاديث. " العادل ": المستقيم الذي لا جور في حكمه ولا عيل، من العدل ضد الجور. قال عمه أبو طالب يمدحه صلى الله عليه وسلم: حليم رشيد عادل غير طائش * * يوالي إلها ليس عنه بغافل * (هامش) (1) أخرجه مسلم 2 / 703 كتاب الزكاة (65 - 1015). (*)

[ 486 ]

" العارف ": الصبور. قال في الصحاح: يقال أصيب فلان فوجد عارفا أي صابرا. أو العالم، قال الأستاذ أبو القاسم القشيري، قدس الله تعالى سره: المعرفة على لسان العلماء هي العلم، فكل عارف بالله تعالى عالم، وعكسه، وعند هؤلاء يعني الصوفية المعرفة صفة من عرف الحق سبحانه في معاملاته ثم تنقى من أخلاقه الردية وانقطع عن هواجس نفسه الأبية حتى صار من الخلق أجنبيا، ومن آفات نفسه بريا، فحينئذ يسمى عارفا وحالته معرفة. ومن أماراتها حصول الهيبة، فمن زادت معرفته ازداد من الله تعالى هيبة فالهيبة من شرط المعرفة. قال الله تعالى: (ويحذركم الله نفسه) كما أن الخوف من شرط الإيمان قال الله تعالى: (وخافون إن كنتم مؤمنين) والخشية من شرط العلم. قال الله تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) والمعرفة توجب السكينة والعلم يوجب السكون. قال الشبلي رحمه الله تعالى: ليس لعارف علاقة، ولا لمحب شكوى، ولا لراج قرار، ولا من الله تعالى فرار. وقال ذو النون المصري رحمه الله تعالى: ركضت أرواح الأنبياء في ميدان المعرفة فسبقت روح محمد صلى الله عليه وسلم إلى روضة الوصال. فإن قيل: أيهما أفضل: العارف بالله تعالى أم العالم بأحكام الله تعالى ؟ فالجواب قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام قدس الله تعالى سره: العارف أفضل، لأن العلم يشرف بشرف معلومه، والمعرفة: العلم بصفات الله تعالى، والعلم بها أفضل من كل معلوم سواها لتعلقه بأشرف المعلومات. وأما قوله تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) فالمراد العلماء العارفون به وبصفاته. كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، لا يجوز الحمل على من سواهم لأن الغالب عليهم عدم الخشية وخبر الله تعالى صدق فلا يحمل إلا على من عرفه وخشيه. وقول بعضهم: العمل المتعدي خير من العمل القاصر يرده أن الإيمان أفضل الأعمال وهو قاصر، وقد قدم عليه الصلاة والسلام التسبيح عقيب الصلوات وفضله على التصدق بفضول الأموال مع تعدي نفعه إلى الفقراء. " العاضد ": " عا " المعين، اسم فاعل من عضده إذا أعانه، وأصله الأخذ بالعضد وهو ما بين المرفق إلى الكتف، ثم استعير للمعين، يقال: عضدته أي أخذت بعضده وقويته. " العافي ": " عا " المتجاوز عن السيئات الماحي للزلات والخطيئات. " العالم ".

[ 487 ]

" العليم ": جمع بينها " د " وأشار إليهما " يا " فالأول اسم فاعل من علم ومعناه: المدرك للحقائق الدنيوية والأخروية. والثاني: اسم فاعل للمبالغة. وهذان الاسمان من أسمائه تعالى، فالعالم معناه في حقه تعالى: المدرك لحقائق الأمور الدنيوية والأخروية والعليم بمعناه الذي له كمال العلم وثباته والعلم الكامل الثابت في نفسه ليس لغيره وسمي بهما نبيه صلى الله عليه وسلم لما حازه من علم العليم وحواه من الاطلاع على ملكوت السموات والأرض، والكشف عن الأمور المغيبات، وأوتي علوم الأولين والآخرين، وأحاط بما في التوراة والإنجيل والكتب المنزلة وحكم الحكماء وسير الأمم الماضيين مع احتوائه على لغة العرب وغريب ألفاظها والإحاطة بضروب فصاحتها والحفظ لأيامها وأمثالها وأحكامها ومعاني أشعارها، مع كلامه صلى الله عليه وسلم في فنون العلم، كما سيأتي بيان ذلك كله إن شاء الله تعالى. " العامل " " ع " " ح " قال " ط " ولعله مأخوذ من قوله تعالى: (قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل) وروى الترمذي في الشمائل عن علقمة رحمه الله تعالى قال: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخص شيئا من الأيام ؟ قالت: " كان عمله ديمة وأيكم يطيق ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطيق ". " العائل ": " عا ": الفقير قال الله تعالى (ووجدك عائلا فأغنى) أي فقيرا فأغناك بما أفاء الله عليك من الغنائم أو أغنى قلبك. قلت: وفي تسميته صلى الله عليه وسلم بالعائل بعد الغنى نظر. " العبد ": تقدم الكلام عليه في ترجمة عبد الله والد النبي صلى الله عليه وسلم، ويأتي لهذا مزيد بيان في بيان أبواب الإسراء. " عبد الله ": قال الله تعالى: (وأنه لما قام عبد الله) والكلام عليه كالكلام على ما قبله وقد أشبعت القول على لفظ الاسم الكريم في القول الجامع. وروى أبو داود عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أحب الأسماء إلى الله تعالى عبد الله وعبد الرحمن " (1). ونقل الإمام الحسين بن محمد الدمغاني رحمه الله تعالى في كتابه " شوق العروس وأنس النفوس " عن كعب الأحبار رحمه الله تعالى قال: اسم النبي صلى الله عليه وسلم عند أهل العرش: عبد الحميد وعند سائر الملائكة عبد المجيد، وعند الأنبياء عبد الوهاب، وعند الشياطين عبد القهار وعند الجن عبد الرحيم، وفي الجبال عبد الخالق وفي البر عبد القادر وفي البحر عبد المهيمن، وعند الحيتان عبد القدوس، وعند الهوام عبد الغياث، وعند الوحوش


(1) أخرجه أبو داود (4949) والخطيب في التاريخ 10 / 323. (*)

[ 488 ]

عبد الرزاق، وعند السباع عبد السلام، وعند البهائم عبد المؤمن، وعند الطيور عبد الغفار، وكذا نقله في القول البديع وهو غريب جدا ! ثم رأيت ابن الجوزي نقله في " التبصرة " عن كعب أيضا. " العدة " " عا " بضم العين: الذخيرة المعد لكشف الشدائد والبلايا والمرصد لإماطة المحن والرزايا. وسمي صلى الله عليه وسلم بذلك لأنه ذخر أمته في القيامة والمتكفل لها بالنجاة والسلامة. " العدل ": الدائن الكافي في الشهادة أو المستقيم الصدر في الأصل، وهو من أسمائه تعالى ومعناه البالغ في العدل ضد الجور أو الاستقامة، أقضى غاياته. والذي يفعل ما يريد وحكمه ماض في العبيد. " العربي ": في أحاديث الإسراء أن موسى عليه الصلاة والسلام قال: مرحبا بالنبي العربي. رواه الحسن بن عرفة في جزئه، وهو منسوب إلى العرب وهم خلاف العجم. والعرب أقسام: عاربة وعرب وهم الخلص، وهم تسع قبائل من ولد إرم ومن ولد سام بن نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام وهي: عاد وثمود وأميم وعبيد وطسم، بطاء مفتوحة فسين ساكنة مهملتين، وجديس، بجيم فدال مهملة فتحتية فسين مهملة وزن أمير، وعمليق، بعين مهملة مكسورة فميم ساكنة فلام فتحتية فقاف. وجرهم، بجيم مضمومة فراء ساكنة ووبار بموحدة وراء مبني على الكسر. ومنهم تعلم إسماعيل صلى الله عليه وسلم العربية. قال عبد الملك بن حبيب رحمه الله تعالى: كان اللسان الأول الذي نزل به آدم من الجنة عربيا إلى أن بعد وطال العهد حرف وصار سريانيا وهو منسوب إلى أرض سورنة وهي أرض الجزيرة، وبها كان نوح صلى الله عليه وسلم وقومه قبل الغرق. قال: وكان يشاكل اللسان العربي إلا أنه محرف وقد كان لسان جميع من في السفينة إلا رجلا واحدا يقال له جرهم فكان لسانه لسان العرب الأول فلما خرجوا تزوج إرم بن نوح بعض بناته وصار اللسان في ولده عوص بن عاد وعبيد وجاثر بجيم وثاء مثلثة وثمود وجديس. وسميت عاد باسم جرهم لأنه كان جدهم من الأم: وبقي اللسان السرياني في ولد أرفخشذ بن سام إلى أن وصل إلى قحطان من ذريته وكان باليمن فنزل هناك بنو إسماعيل فتعلم منه بنو قحطان اللسان العربي. قال الشيخ رحمه الله تعالى: وعلى هذا يحمل قول الصحاح: ويعرب بن قحطان أول من تكلم بالعربية أي من أهل اللسان السرياني. وبنو قحطان هم القسم الثاني من العرب وهم المتعربة. قال في الصحاح: وهم الذين ليسوا بخلص.

[ 489 ]

والثالث: المستعربة وهم الذين ليسوا بخلص أيضا. كما قال في الصحاح. قال ابن دحية: وهم بنو إسماعيل وهم ولد معد بن عدنان، وقال النحاس رحمه الله تعالى: عربية إسماعيل هي التي نزل بها القرآن، وأما عربية حمير وبقايا جرهم فغير هذه العربية، وليست فصيحة، وإلى هذا مال الزبير في كتاب النسب واحتج له ولم يعول على غيره، وكذلك أبو بكر بن أشتة في كتاب المصاحف. وتقدم في ترجمة إسماعيل عليه الصلاة والسلام، ولهذا مزيد بيان يأتي. " العروة الوثقى ": العقد الوثيق المحكم في الدين أو السبب الموصل إلى رضا الله تعالى. وحكى الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى في قوله تعايل: (فقد استمسك بالعروة الوثقى) أنه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وقيل هي الإسلام. " العزيز ": أي القول، فعيل بمعنى فاعل من عز يعز عزا وعزة وعزازة. وهي الحالة المانعة للإنسان من أن يغلب أو يقهر، من قولهم أرض عزاز أي صلبة ممتنعة. أي هو الخطير الذي يقل وجوده ويكثر نفعه وجوده. أو الغالب من قولهم: " من عزيز " أي من غلب سلب. قال الله تعالى: (ولله العزة ولرسوله) أي الامتناع وجلالة القدر. وأما قوله تعالى: (إن العزة لله جميعا) فالمراد العزة الكاملة التي يندرج فيها عز الإلهية والخلق والإحياء والإماتة والبقاء الدائم، وما أشبه ذلك مما هو مختص به تعالى. وهو ما سماه الله تعالى به من أسمائه، ومعناه في حقه تعالى: الممتنع الغالب. أو الذي لا نظير له. أو المعز لغيره. والمعاني صحيحة في حقه صلى الله عليه وسلم. " العصمة " " عا " بكسر العين وسكون الصاد: الذي يستمسك الأولياء بحبل كرامته ويلوذ العصاة بحمى شفاعته صلى الله عليه وسلم. فالعصمة بمعنى عاصم، كقولهم رجل عدل بمعنى عادل. روى ابن سعد والطبراني أن أبا طالب عمه صلى الله عليه وسلم استسقى به في صغره لما تتابعت عليهم السنون فأهلكتهم فخرج به صلى الله عليه وسلم إلى أبي قبيس وطلب السقيا بوجهه فسقوا، فقال يمدحه صلى الله عليه وسلم: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * * ثمال اليتامى عصمة للأرامل ويجوز أن يكون بمعنى معصوم اسم مفعول من العصمة كاللقمة بمعنى الملقوم، وأصلها شئ يجعل في المعصم مثل السوار وحقيقتها عندنا كما في " المواقف " في حقه صلى الله عليه وسلم وحق سائر الأنبياء: أن لا يخلق الله تعالى فيهم ذنبا.

[ 490 ]

" عصمة الله تعالى ": في " الفردوس " بلا سند عن أنس رضي الله تعالى عنه: " أنا عصمة الله أنا حجة الله ". " العطوف ": " عا " الشفوق صفة مشبهة من العطف وهو الانثناء يقال: عطف الغصن إذا مال. وعطفا الإنسان جانباه من لدن رأسه إلى وركه ثم استعير للين والشفقة إذا عدي بعلى وإذا عدي بعن كان على الضد من ذلك. وسمي به صلى الله عليه وسلم لكثرة شفقته بأمته ورأفته كما قال شاعره حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه يرثيه صلى الله عليه وسلم: عطوف عليهم لا يثني جناحه * * إلى كنف يحنو عليهم ويمهد (1) " العظيم ": الجليل الكبير. وقيل عظمة وقيل عظمة الشئ كون الشئ كاملا في نفسه مستغنيا عن غيره. وتقدم الفرق بينه وبين الجليل " يا " " د ": وقع في أول سفر في التوراة: " وسيلد عظيما لأمة عظيمة " فهو عظيم وعلى خلق عظيم وهو مما سماه الله تعالى به من أسمائه ومعناه في حقه: الجليل الشأن أو الذي كل شئ دونه أو البالغ أقصى مراتب العظمة، فلا تتصوره الأفهام ولا تحيط بكنهه الأوهام: أو الذي ليس لعظمته بداية ولا لكبريائه نهاية. " العفو " " يا " " د " هو مثل العافي إلا أنه أبلغ منه، يقال عفا عن الذنب فهو عاف وعفو. فالأول يدل على أصل العفو فقط. والثاني يدل على تكريره وكثرته بالإضافة إلى كثرة الذنوب وتكررها حتى إن من لم يعف إلا عن نوع من الذنب فقط يسمى بالأول دون الثاني. والفرق بين العفو والحلم والاحتمال كما قاله القاضي: أن العفو ترك المؤاخذة، والحلم حالة توقر وثبات عن الأسباب المحركة للمؤاخذة. والاحتمال: حبس النفس عن الآلام المؤذيات. ومثله الصبر، ومر الفرق بينه وبين الصفح. وسيأتي الفرق بينه وبين الغفور. وسمي صلى الله عليه وسلم بذلك كما قال حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه: عفو عن الزلات يقبل عذرهم * * وإن أحسنوا فالله بالخير أجود لأنه صلى الله عليه وسلم كان أكثر الناس عفوا وتجاوزا كما سيأتي بيان ذلك في باب عفوه صلى الله عليه وسلم. " العفيف " " د ": الذي كف نفسه عن المكروهات، ومنعها عن اقتحام الشبهات، اسم فاعل من العفة، وهي حالة للنفس تمتنع بها عن غلبة الشهوة، يقال عف وكف فهو عف وعفيف، قال كعب رضي الله تعالى عنه يمدحه صلى الله عليه وسلم: لنا حرمة لا تستطاع يقودها * * نبي أتى بالحق عف مصدق قال ابن دحية: وهو موصوف به في الكتب المتقدمة، وفد كان صلى الله عليه وسلم أعف الناس، وقل


(1) انظر ديوان حسان 62. (*)

[ 491 ]

ناسك إلا وكانت له في شبابه صبوة وفي أول أمره هفوة، طبع على ذلك البشر، إلا هو صلى الله عليه وسلم كما سيأتي ذلك في باب نشأته صلى الله عليه وسلم. " العلامة " " ط " " عا " بالتخفيف: الشاهد والعلم الذي يهتدى به ويستدل به على الطريق وسمي صلى الله عليه وسلم بذلك لأنه دليل على طريق الهدى. " العلم ": " ع " بفتح أوله وثانيه: العلامة التي يهتدى به أو العلم المشهور أو السيد المذكور. " علم الإيمان ". " علم اليقين ". " العلي " " ع " " د " الكبير المرتفع الرتبة على سائر الرتب الذي جل مقداره عن الشكوك والريب، وهو من أسمائه تعالى، ومعناه الذي علا عن الدرك ذاته وكبرت عن التصور صفاته، أو الذي تاهت الألباب في جلاله وكلت الألسن عن وصف جماله. " العماد ": " ع " السيد الذي يعتمد عليه ويهرع في الشدائد إليه. " العمد ": " ع " السيد الشجاع، والبطل المطاع والركن الذي يعتمد عليه ويهرع في الشدائد إليه. " العين ": " ع " تطلق في الأصل بالاشتراك على معان، منها: الباصرة وحاسة البصر، وسمي به صلى الله عليه وسلم لأنه بصر أمته بهدايته طرق الهدى، وجنبهم سبل الردى، كما يستدل بحاسة البصر على ما فيه النفع والضرر. أو لشرف هذه الأمة به على سائر الأمم، كما قال تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) كما شرف الرأس بالعين على سائر الجسد، وفي هذه الآية دليل على أفضلية نبينا صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء صلى الله عليهم وسلم: آدم فمن دونه، من قبل أن خيرة أمته بحسب كمال دينه وذلك تابع لكمال نبيهم الذي يتبعونه. ومنها: الذهب والخيار من كل شئ وسمي صلى الله عليه وسلم بذلك لكونه أفضل الأنبياء وأشرفهم، ومنه: فلان عين الناس أي خيارهم. والسيد وسمي به لأنه صلى الله عليه وسلم سيد الناس. والكبير في قومه وسمي به صلى الله عليه وسلم لأنه أجل الخلق وأعظمهم. و الإنسان. ومنه: " وما بها من عين " أي أحد سمي به صلى الله عليه وسلم من تسمية الخاص باسم العام. لكونه أشرفهم كما مر. والماء الجاري لأنه طاهر في نفسه مطهر لغيره. والجماعة من الناس وسمي أي النبي صلى الله عليه وسلم بذلك لأنه لمهابته وشدة جلالته يحسبه الرائي في جماعة تخشى سطوتها وتهاب شوكتها، كما قال البوصيري رحمه الله تعالى:

[ 492 ]

كأنه وهو فرد في جلالته * * في عسكر حين تلقاه وفي حشم " وينبوع الماء ". وسمي صلى الله عليه وسلم بذلك لأنه منبع الحكمة ومعدن الرحمة. والشمس وسمي صلى الله عليه وسلم به كما مر لعلوه وشرفه وكثرة النفع به صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم " عين العز ". حرف الغين المعجمة " الغالب ": أي القاهر، اسم فاعل من الغلبة وهي القهر، يقال غالبته غلبا فأنا غالب. وهو من أسمائه تعالى ومعناه في حقه البالغ مراده من خلقه أحبوا أو كرهوا. " الغطمطم ": بطاءين مهملتين وزن زبرجد: الواسع الأخلاق أي الريض الحسن الخلق الحليم. " الغفور ": جاء في التوراة من صفاته صلى الله عليه وسلم: " ولكن يعفو ويغفر ". وهو من أسمائه تعالى وهو بمعنى الغفار أي الستار لذنوب من أراد من عباده المؤمنين فلا يظهرها بالعتاب عليها. قال الغزالي رحمه الله تعالى: والغفور ينبئ عن نوع مبالغة ليست في الغفار فإن الغفار ينبئ عن تكرار المغفرة وكثرتها والغفور ينبئ عن وجودها وكمالها فمعناه أنه تام الغفران كامله حتى يبلغ أقصى درجات المغفرة. قال أبو بكر بن طلحة من النجاة: صيغ المبالغة تتفاوت، ففعول لمن كثر منه الفعل، وفعال لمن صار له كالصناعة. ومفعال لمن صار له كالآلة، فعيل لمن صار له كالطبيعة، وفعل لمن صار له كالعادة والغفور أخص مطلقا من العفو لأن الغفور يستر مع التجاوز لأنه مأخوذ من الغفر وهو الستر ومن لازمه التجاوز في الجملة، لأن عدمه يعد مؤاخذة والعفو يتجاوز وقد لا يستر لأنه مأخوذ من العفو وهو المحو، وذلك يصدق بترك المؤاخذة بالذنب بعد أن لا يستره فكل عفو غفور ولا عكس. ويجوز أن يكون بينهما عموم من وجه لاشتراك الوصفين في من يستر الذنب ويمحوه فلا يؤاخذ به فيقال غفور عفو، وانفراد أحدهما عن الآخر فالذي يمحو بعد أن لا يستر هو العفو أو يستر ولا يمحو بل يؤاخذ سرا هو الغفور. " الغني ": قال تعالى: (ووجدك عائلا فأغنى) وهو من الغنى مقصورا على ثلاثة أضرب: أحدها: ارتفاع الحاجات وليس ذلك إلا لله تعالى: الثاني قلتها المشار إليه بقوله صلى الله عليه وسلم: " الغنى غنى النفس " (1). والثالث: كثرة المال وهو المعني بقوله تعالى: (ومن كان غنيا فليستعفف). وهو من أسمائه تعالى ومعناه: الذي لا يحتاج إلى شئ ويحتاج إليه كل شئ. قال


(1) أخرجه البخاري 11 / 271 كتاب الرقاق (6446)، ومسلم 2 / 726 كتاب الزكاة (120 - 1051). (*)

[ 493 ]

الغزالي: ومعناه في الخلق: الذي لا حاجة له إلا إلى الله تعالى. وكذلك كان صلى الله عليه وسلم. " الغوث ": النصير الذي يستغاث به في الشدائد والمهمات ويستعان به في النوازل والملمات. " الغياث ": الغيث " المطر الكثير. وسمي به صلى الله عليه وسلم لأنه كان أجود بالخير من الريح المرسلة وقد استسقى صلى الله عليه وسلم فأمطروا لحينه بالمطر الجود العام. وقال فيه عمه أبو طالب: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * * ثمال اليتامى عصمة للأرامل وسيأتي لهذا مزيد بيان في باب مثله صلى الله عليه وسلم ومثل ما بعثه الله به. والله تعالى أعلم. حرف الفاء " الفاتح ": تقدم ذكره في حديث أبي الطفيل رضي الله تعالى عنه وسيأتي في حديث الإسراء " وجعلني فاتحا وخاتما ". وروى عبد الرزاق في المصنف عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إنما بعثت فاتحا وخاتما وأعطيت جوامع الكلم وفواتحه ". قال " يا " " د " وهو مما سماه الله تعالى به من أسمائه فإنه منها كما قال: " ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ". وقال تعالى: " ثم يفتح بيننا بالحق، وهو الفتاح العليم " ومعناه: الحاكم بين عباده، فإن الفتح بمعنى القضاء، أو الفاتح أبواب الرزق والرحمة والمنغلق من أمورهم عليهم، أو فاتح قلوبهم وبصائرهم للحق، أو ناصرهم. وسمي النبي صلى الله عليه وسلم فاتحا لأنه حاكم في الخلق بحكم الله حاملهم على المحجة البيضاء مانعهم من التعدي والظلم. أو الفاتح لبصائرهم بالهداية، والدلالة على الخير والناصر لهم. وقيل لأنه يفتح خطاب الرب تبارك وتعالى. وقيل لأنه المبتدئ في هداية هذه الأمة ففتح لهم باب العلم الذي كان قد انغلق عليهم، كما قال علي رضي الله تعالى عنه: " الفاتح لما استغلق ". الأثر السابق في اسمه: " الرافع ". " ط " ويصح أن يكون صلى الله عليه وسلم فاتحا لأنه فتح الرسل بمعنى أنه أولهم في الخلق. أو فاتح الشفعاء بقرينة اقترانه باسمه الخاتم، فيكون كاسمه الأول والآخر. قلت: وكل هذه المعاني مجتمعة فيه صلى الله عليه وسلم. " الفارق ": قال " ع ": هو اسمه صلى الله عليه وسلم في الزبور ومعناه: يفرق بين الحق والباطل وهو صيغة مبالغة. والفارق: اسم فاعل من الفرق وهو الفضل والإبانة. " الفار قليط ": تقدم في حرف الباء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه من

[ 494 ]

أسمائه صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة. وضبطه ثعلب بالفاء أوله وقال: معناه الذي يفرق بين الحق والباطل. وقال محمد بن حمزة الكرماني رحمه الله تعالى في غريب التفسير: أي ليس بمذموم. وضبطه أبو عبيد البكري بالباء الموحدة غير صافية فيه فقال: البارقليط ومعناه روح الحق. " الفاضل ": الحسن الكامل العالم إذ الفضل يرد بمعنى العلم، قال تعالى: (ولقد آتينا داود منا فضلا) أي علما. أو الكثير الفضيلة وهي الدرجة الرفيعة في الفضل ضد النقص. " الفائق ": بالهمزة كقائد وصائن فاعل إعلالهما، لأن أصله فاوق فقلبت الواو ألفا كما قلبت في ماضي فعله الذي هو اسم الفاعل محمول عليه في الإعلال لتحركها وانفتاح ما قبلها ثم قلبت الألف همزة لقربها منها ولم تحذف لالتقاء الساكنين حذرا من الالتباس بالماضي، وتكتب مثل هذه الهمزة بصورة الياء ويرقم عليها بالهمزة ونقطها خطأ قبيح عند علماء الرسم، ولا ينطق بها إلا بين بين وهو الخيار من كل شئ وفي الصحاح: يقال: فاق الرجل أقرانه يفوقهم أي علاهم بالشرف والفضل. وسمي صلى الله عليه وسلم بذلك لأنه خيار الخلق وخيرة الخلق. أو لأنه أفضل الخلق نسبا وأكثرهم فضلا وأدبا. " الفتاح ": بمعنى الفاتح إلا إنه أبلغ منه. أو الناصر. ومنه قوله تعالى: (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح) أي النصر. وهو من أسمائه تعالى. ومعناه. الذي لا يغلق وجوه النعم بالعصيان ولا يترك اتصال الرحمة بالنسيان، أو الذي يفتح على النفوس باب توفيقه وعلى القلوب باب تحقيقه، أو الذي يفتح بعنايته كل مقفل ويكشف بهدايته ما أشكل. " الفجر ": وهو مصدر في الأصل، وهو الصبح لأن فجر الليل أي شقه، وأصل الفجر شق الشئ شقا واسعا، يقال فجرته فانفجر. وفجرته فتفجر، ونقل القاضي عن ابن عطاء في قوله تعالى (والفجر) وقيل: هو محمد صلى الله عليه وسلم لأنه منه تفجر الإيمان. " الفخر ": بالخاء المعجمة: العظيم الكبير. " الفخم ": بالخاء المعجمة: العظيم الجليل. " الفدغم ": بالدال المهملة والغين المعجمة بوزن جعفر: الحسن الجميل والعظيم الجليل. " الفرد ": المنفرد بصفاته الجميلة المتوحد في خلقته الجليلة. وهو أخص من الواحد، الأخص من الوتر. لأنه الذي لا يختلط به غيره وجمعه فرادى. " الفرط ": بفتح الراء. في حديث في صحيح البخاري: " أنا فرطكم وأنا شهيد

[ 495 ]

عليكم (1) والفرط: الذي يسبق إلى الماء يهيئ للواردة الحوض ويستقي لهم، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلا لمن تقدم أصحابه يهيئ لهم ما يحتاجون إليه، كذا فسره أبو عبيد، ويوافقه رواية مسلم. " أنا الفرط على الحوض " (2) وقيل: معناه أنا أمامكم وأنتم ورائي، وهو صلى الله عليه وسلم يتقدم أمته شافعا لهم. " الفصيح ": فعيل من الفصاحة وهي لغة: البيان واصطلاحا خلوص الكلام من ضعف التأليف وتنافر الكلمات والتعقيد، وهذا باعتبار المعنى وأما باعتبار اللفظ فهو كونه على ألسنة الفصحاء الموثوق بعربيتهم وسيأتي في باب فصاحته صلى الله عليه وسلم ما يتعلق بذلك. " الفضل ": الإحسان سمي به صلى الله عليه وسلم لأنه فضل الله تعالى ومنته على هذه الأمة بل وعلى غيرها. أوالفاضل أي الشريف الكامل. " فضل الله ": حكى الماوردي رحمه الله في قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته لأتبعتم الشيطان إلا قليلا) أقوالا: أحدها: أنه هو النبي صلى الله عليه وسلم. " الفطن ": " عا " بكسر الطاء المهملة: الحاذق مأخوذ من الفطنة، وهي كما قيل الفهم بطريق الفيض، أو بدون اكتساب. " الفلاح ": قال " ع " هو اسمه صلى الله عليه وسلم في الزبور، وتفسيره يمحق الله به الباطل " ط ": وكأنه غير عربي إذ الفلاح في اللغة: الفوز والنجاح، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرح مسلم: ليس في كلام العرب كلمة أجمع للخير من لفظ الفلاح ولا يبعد أن يكون هو اللفظ العربي. وسمي صلى الله عليه وسلم به لما جمع فيه من خصال الخير التي لم تجمع في غيره. أو لأنه سبب الفلاح. " الفهم " " عا " ككتف: السريع الفهم وهو على الشئ وعرفانه بالقلب، وهذا حده لغة، وأما حده في الاصطلاح فهو كما نقل عن كتاب " البصائر " لابن سهلان: جودة تهئ الذهن الذي هو قوة للنفس معدة لاكتساب الآراء لتصور ما يرد عليها من غيرها، كما أن الكفر: حركة الذهن في المبادئ لتصير منها إلى المطالب، والحدس جودة حركته إلى اقتناص الحد الأوسط من تلقاء النفس، والذكاء: شدة استعداد هذه القوة لذلك، أو الفهم المدرك لدقائق المعاني والمزيل لقناع المشكلات عن وجه المباني فواتح الفوز. " فاتح الكنوز ".


(1) أخرجه البخاري 9 / 83 كتاب الفتن (7049). (2) أخرجه مسلم 4 / 1802 كتاب الفضائل (45 - 2305). (*)

[ 496 ]

" فئة المسلمين ": ذكره شيخنا وبيض له. وكأنه أخذه من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان في سرية قال: فحاص الناس حيصة فكنت ممن حاص، فلما برزنا قلنا كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب ؟ فقلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن كانت لنا توبة أقمنا وإن كان غير ذلك ذهبنا. فجلسنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل صلاة الفجر. فلما خرج إلينا قمنا إليه فقبلنا يديه فقلنا: نحن الفراون يا رسول الله. فقال: " بل أنتم العكارون ". فقلنا: إنا قد فررنا من الزحف. فقال: " أنا فئة المسلمين ". رواه أبو داود والترمذي وحسنه النسائي. والعكارون: الكرارون إلى القتال والعاطفون نحوه. قال الخطابي رحمه الله تعالى: يمهد بذلك عذرهم، وهو تأويل قوله تعالى (أو متحيزا إلى فئة) والله تعالى أعلم. حرف القاف " القاري ": " عا "، الكريم الجواد، اسم فاعل من القرى بكسر القاف مع القصر. وبالفتح مع المد، وهو البذل للأضياف. روى الشيخان في حديث بدء الوحي: " كلا والله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف " والمعنى كما قال العلماء: أنه لا يصيبه مكروه لما جمع الله تعالى فيه من هذه الصفات الحميدة الدالة على مكارم الشيم وحسن الشمائل. " القاسم ": " ع د عا " الذي يقسم الأمور في جهاتها والمعطي. اسم فاعل من القسم وهو العطاء. روى البخاري حديث: " إنما أنا قاسم والله المعطي ". " القاضي ": الحاكم، اسم فاعل من القضاء وهو فصل الأمر وبته. وسمي صلى الله عليه وسلم به لأن من خصائصه صلى الله عليه وسلم أنه كان له أن يقضي بغير دعوى ولا بينة كما قال ابن دحية واستدل بحديث رواه مسلم. وكان له صلى الله عليه وسلم أن يحكم لنفسه ولولده ويقبل شهادة من شهد له كما في قصة خزيمة. ولا يكره في حقه القضاء ولا الإفتاء في حال غضبه لأنه لا يخاف عليه من الغضب كما يخاف على غيره، لعصمته من الشيطان. " القانت ": " عا " الطائع اسم فاعل من القنوت، وهو لزوم الطاعة مع الخضوع أو الخاشع أو طويل القيام في صلاته. " القائد " " عا " بالهمز: الذي يقود الناس أي يقدمهم فيسلك بهم طريق الهدى ويعدل بهم عن سبيل الردى.

[ 497 ]

وفي الترمذي عن أنس رضي الله تعالى عنه مرفوعا " وأنا قائدهم إذا فزعوا ". " قائد الغر المحجلين " " يا " " عا " الغر: جمع أغر وهو من الخيل الذي له غرة أي بياض في جبهته. والمحجل: الذي به التحجيل وهو بياض في القوائم والمراد بهم أمته وهو قائدهم إلى الجنة. روى الشيخان حديث " إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء " ولهذا مزيد بسط في الخصائص. " قائد الخير ": أخذه " ط " من حديث ابن ماجة السابق في " الإمام " ومعناه أنه يقود الخير ويجلبه إلى أمته أو يقودهم إليه ويدلهم عليه. " القائل ": " عا " الحاكم لأنه ينفذ قوله. أو المحب بالحاء المهملة والباء الموحدة، من قال بالشئ أي أحبه واختص به. " القائم ": " خا " يأتي في القيم. " القتال ": روى ابن فارس عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: اسم النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة: " أحمد الضحوك القتال " الحديث ابن فارس: وإنما سمي صلى الله عليه وسلم به لحرصه على الجهاد ومسارعته إلى القراع وقلة إحجامه. " القتول " " خا ". " قثم ": بضم القاف وفتح المثلثة: روي الإمام أبو إسحاق الحربي رحمه الله تعالى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أتاني ملك فقال: أنت قثم وخلقك قيم ونفسك مطمئنة " قال ابن دحية في اشتقاقه معنيان أحدهما: أنه من القثم وهو الإعطاء، يقال قثم له من العطاء إذا أعطى فسمي النبي صلى الله عليه وسلم بذلك لجوده وعطائه. الثاني: أنه من القثم وهو الجمع يقال للرجل الجموع للخير قثوم وقثم. وقد كان صلى الله عليه وسلم جامعا لخصال الخير والفضائل كلها. " قثوم " " خا " تقدم في الذي قبله. " قدم صدق ": في الصحيح عن زيد بن أسلم في قوله تعالى: (أن لهم قدم صدق عند ربهم) قال: هو محمد صلى الله عليه وسلم. وروى ابن مردويه عن علي رضي الله تعالى عنه في الآية قال: محمد صلى الله عليه وسلم شفيع لهم. وروى أيضا عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه مثله. ونقله " يا " عن الحسن وقتادة. وقال القشيري رحمه الله تعالى: سابقة رحمة لهم أودعها في محمد صلى الله عليه وسلم. والقدم: الجارحة. بذكر ويؤنث، والمراد بها هنا السابقة في الخير والفضل ورفعة

[ 498 ]

المحل وفي إضافته إلى الصدق دلالة على زيادة الفضل والشرف وأنه من السوابق العظيمة وإنما سميت السابقة قدما لكونها ويستبق إلى الخير بها، كما سميت النعمة يدا لأنها يعطى بها. " قدمايا ": هو اسمه صلى الله عليه وسلم في التوراة. كما سبق في " أخرايا "، ومعناه الأول السابق. " القرشي ": " د " نسبة إلى قريش. وتقدم الكلام على ذلك في النسب الشريف. " القريب ": " د ": الداني من الله تعالى. قال الله عز وجل: (ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى) أي دنا من ربه تبارك وتعالى حتى إنه صار في القرب منه كقرب الواحد من الآخر بقدر قاب قوسين أو أقل من ذلك، وإلا فالله سبحانه وتعالى منزه عن المكان. وسيأتي الكلام على هذه الآية في باب المعراج. أو القريب من الناس لتواضعه. والقرب على قسمين: أحدهما قرب العبد من ربه وهو التقرب إليه بطاعته والاتصاف في كل الأوقات بعبادته. وقيل قربه بإيمانه وتصديقه ثم بإحسانه وتحقيقه، الثاني: قرب الحق من الخلق وهو ما يخصهم به في الدنيا من العرفان وفي الآخرة ما يكرمهم به من الشهود والعيان، وسئل عبد الله بن حنيف رحمه الله تعالى عن القرب فقال: قربك منه بملازمة الموافقات، وقربه منك بدوام التوفيق، وهو من أسمائه تعالى قال تعالى: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب) أي قريب منهم بالعلم لا يخفى عليه شئ من أحوالهم. " القسم ": " عا ". " القطب ": " عا " بالضم: سيد القوم وملاك أمورهم ومدار حوائجهم وجمعه أقطاب وقطوب وقطبة كعنبة. " القمر ": " عا " الكوكب المعروف، وإنما يسمى بذلك إذا امتلأ ومضى عليه ثلاث ليال لأنه يقمر ضوؤه ضوء الكواكب حينئذ ويفوز. وقبل ذلك يسمى هلالا. وسمي به صلى الله عليه وسلم لأنه جلا ظلمة الكفر بنور الهداية. وفي قصص الكسائي: أن الله تعالى قال لموسى عليه الصلاة والسلام إن محمدا صلى الله عليه وسلم هو البحر الزاخر والقمر الباهر. " القوي ": من الصفات المشبهة الشديد التمكن. قال تعالى (ذي قوة عند ذي العرش مكين) قيل: النبي صلى الله عليه وسلم وقيل: جبريل عليه الصلاة والسلام وهو من أسمائه تعالى. قال في أنوار التنزيل: القوة تطلق على معان مترتبة أدناها الإمكان وأقصاها القدرة التامة، والله تعالى قادر له قدرة.

[ 499 ]

" القيم ": بالمثناة التحتية قال " يا ": روي في حديث " وأنا قيم " والقيم: الجامع الكامل. كذا وجدته ولم أروه وأرى أن صوابه قثم بالمثلثة، وهو أشبه بالتفسير لكن في كتب الأنبياء أن داود عليه الصلاة والسلام قال: اللهم ابعث لنا محمدا يقيم السنة بعد الفترة. وقد يكون القيم بمعناه " ط ". وذكر الآمدي رحمه الله تعالى أن جريبة، - وهو بجيم مضمومة فرائ‍ مفتوحة فمثناة تحتية ساكنة فباء موحدة مفتوحة مصغر -، ابن اللثيم الأسدي قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وقال: بدلت دينا غير دين قد يذم * * كنت من الذنب كأني في ظلم يا قيم الدين أقمنا نستقم * * فإن أصادف مأثما فلن أثم والقيم من أسمائه تعالى، كما في حديث: " أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن " " د " وهو بمعنى القائم " عا ": والقيم أبلغ من قائم. والفرق بينه وبين القيوم والقيام: أنهما يختصان به تعالى لما فيهما من الأبلغية ولا يستعملان في غير المدح بخلاف القيم والله تعالى أعلم. حرف الكاف " الكاف ": بتشديد الفاء. قال ابن عساكر: قيل معناه الذي أرسل إلى الناس كافة. وهذا ليس بصحيح لأن كافة لا يتصرف منه فعل فيكون اسم فاعل. وإنما معناه الذي كف الناس عن المعاصي. " الكافة ": " عا ": الجامع المحيط. والهاء فيه للمبالغة وأصله اسم فاعل من الكف وهو المنع وقيل مصدر كالعاقبة قال تعالى: (وما أرسلناك إلا كافة للناس) قال الزمخشري: يعني إلا إرسالة عامة محيطة بهم، لأنها إذا اشتملتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد ولهذا مزيد بيان في الخصائص. " الكافي ": " عا " اسم فاعل من الكفاية وهو سد الخلة وبلوغ المراد في الأمر. وسمي صلى الله عليه وسلم بذلك لأنه سد خلة أمته بالشفاعة يوم الحساب، وبلغهم مرادهم فيما أملوه من النصر على الأحزاب، أو لأنه كفي شر أعدائه من المشركين، كما قال تعالى: (إنا كفيناك المستهزئين) فيكون المراد بالكافي المكفي بفتح الميم وهو سائغ، لأنه قد يرد اسم فاعل بمعنى المفعول، نحو: ماء دافق وعيشة راضية. بمعنى: مدفوق ومرضية. وإن كان مؤولا عند بعضهم بالحمل على النسب أي منسوبة إلى الرضا كالزارع والنابل أي يجعل إسناد الفعل لها مجازا أي راض أهلها.

[ 500 ]

" الكامل " التام خلقا وخلقا. " الكثير الصمت " " عا ": أي القليل الكلام فيما لا يجدي نفعا وسيأتي في صفاته المعنوية صلى الله عليه وسلم. " الكريم ": " يا ": الجواد المعطي. أ. الجامع لأنواع الخير والشرف. أو الذي أكرم نفسه أي طهرها عن التدنيس بشئ من المخالفات وتقدم أن أحد القولين في قوله تعالى: (إنه لقول رسول كريم) أنه النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: المراد به جبريل عليه الصلاة والسلام. وعلى هذا فليس في ذلك مع قوله: (وما صاحبكم بمجنون) ما يقتضي تقاصر رتبته صلى الله عليه وسلم عن مرتبة جبريل خلافا لما زعمه الزمخشري، لأن المراد بسلب تلك عنه: الرد على من زعم ثبوتها له من المعاندين لا بيان تفاوت المرتبتين. وهو من أسمائه تعالى ومعناه: المتفضل. وقيل العفو. وقيل العلي. وقيل: الكثير الخير، والمعاني صحيحة في حقه صلى الله عليه وسلم. " الكفيل ": السيد المتكفل بأمور قومه وإصلاح شأنهم. فعيل من الكفالة وهي الضمان، وسمي صلى الله عليه وسلم بذلك لأنه متكفل لأمته بالفوز والنجاة بما اذخره لهم من الشفاعة أو بمعنى مفعول كالجريح والكحيل. وسمي به صلى الله عليه وسلم لأن الله تعالى تكفل له بالنصر والظفر. أ. بمعنى الكفل وزن طفل. وهو الرحمة والنعمة سمي به صلى الله عليه وسلم لأنه رحمة للخلق ونعمة من الخلق. " كنديدة ": قال " د " هو اسمه صلى الله عليه وسلم في الزبور. " الكنز ": في الأصل المال أو الشئ النفيس. وسمي بذلك صلى الله عليه وسلم لنفاسته، أو لأنه حصل لنا به السعادة الدنيوية والأخروية. " كهيعص ": ذكره " د ". في أسمائه صلى الله عليه وسلم. وذكره غيره في أسماء الله تعالى. وقد بسطت القول على ذلك في " القول الجامع ". " الكوكب ": " عا " سيد القوم وفارسهم، أو النجم المعروف، وسمي به صلى الله عليه وسلم لوضوح شرعته وسمو ملته. حرف اللام " اللبيب ": " عا " صفة مشبهة من لبب أي فطن وهو العاقل الفطن والذكي الفهم. " اللسان ": " عا " في الأصل المقول. ويطلق على الرسالة وعلى المتكلم عن القوم وهو المراد هنا، يذكر ويؤنث، وجمعه ألسنة وألسن ولسن بضمتين، واللسن بالفتح: الفصاحة

[ 501 ]

والبلاغة، وسمي صلى الله عليه وسلم لأنه لشدة بلاغته وفصاحته كان مجموعة لسان. وحكى بعضهم أن المراد باللسان في قول السيد إبراهيم صلى الله عليه وسلم: (واجعل لي لسان صدق في الآخرين) هو محمد صلى الله عليه وسلم. والمعنى أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم سأل الله تعالى أن يجعل من ذريته من يقوم بالحق ويدل عليه فأجيبت دعوته بمحمد صلى الله عليه وسلم. " اللسن ": " عا " بوزن كتف الفصيح البليغ المصقع. " اللوذعي ": " عا " بذال معجمة فعين مهملة: الذكي الفصيح الحديد الذهن، كأنه يلذع بالنار من توقد ذكائه. وتقدم في الحلاحل. " الليث ": بالمثلثة: الشديد القوي أو السيد الشجاع أو اللسن البليغ. والله تعالى أعلم. حرف الميم " المؤتمن ": بفتح الميم الثانية الذي يؤتمن لأمانته ويرغب في ديانته اسم مفعول من الائتمان وهو الاستحفاظ. وسمي صلى الله عليه وسلم بذلك لأنه حافظ للوحي مؤتمن عليه، أو على هذه الأمة أي شاهد عليها. " المؤمل ": بفتح الميم أي المرجو خيره.. " المؤمم ": " عا " بالهمزة: المقصود الذي يؤم كل راج حماه لغة في الميم بالياء. " المؤيد ": بفتح التحتية: المنصور، اسم مفعول من أيدته تأييدا إذا قويته وأعنته قال تعالى: (هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين). " المؤيد " بكسر المثناة: الناصر أو القوي أو الشديد. " الماء المعين ": بفتح الميم وهو الطاهر الجاري على وجه الأرض، فعيل: بمعنى فاعل. " المأمون ": " عا " بالهمز اسم مفعول من الائتمان وهو الاستحفاظ الذي يوثق به لأمانته في ديانته. وإنما سمي صلى الله عليه وسلم بذلك لأنه لا يخاف منه شر. " المؤمن ": بالهمز وبإبدال همزته واوا تخفيفا بسكونها بعد ضمة، وهي لغة أهل الحجاز، وبها قرأ ورش والسوسي عن أبي عمرو. والهمز لغة تميم وهو المتصف بالإيمان، قال تعالى: (فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته) أي يصدق، والإيمان مأخوذ من الأمن، لأن المؤمن يأمن العقاب في الدنيا والعذاب في الآخرة. " الماجد ": المفضال الكثير الجود، أو الحسن الخلق السمح، أو الشريف. اسم فاعل من المجد وهو سعة الشرف وكثرة الفوائد. وأصله من قولهم مجدت الإبل: أي أصابت روضة

[ 502 ]

أنقا خصبة فأمجدها الراعي. قال إياس بن سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه: سمح الخليقة ماجد وكلامه * * حق وفيه رحمة ونكال الماحي: تقدم في حديث جبير في الباب الثاني " وأنا الماحي الذي يمحو الله به الكفر " قال القاضي: أي من مكة وبلاد العرب وما زوي له من الأرض ووعد أنه يبلغه ملك أمته، ويكون المحو: بمعنى الظهور والغلبة كما قال تعالى: (ليظهره على الدين كله) وفي طريق أخرى عن جبير رواها الحاكم والبيهقي وإسنادها حسن متصل خلافا لابن دحية، " وأنا ماحي " فإنه صلى الله عليه وسلم محا سيئات من اتبعه. " ماذ ماذ ": هو اسمه صلى الله عليه وسلم في الكتب السالفة، ومعناه طيب طيب، وضبطه الإمام الشمني رحمه الله تعالى بفتح الميم وألف غير مهموزة وذال معجمة. " المانح ": المعطي اسم فاعل من منح، إذا أعطى الجزيل وأولى الجميل. " المانع ": الذي يمنع أهل الطاعة من الأعداء ويحوطهم وينصرهم، وهو من أسمائه تعالى، ومعناه الذي يمنع أسباب الهلاك والنقصان في الأديان والأبدان بما يلحقه من الأسباب المعدة للحفظ. أو يحرم من لا يستحق العطاء لقوله صلى الله عليه وسلم: " اللهم لا مانع كما أعطيت ولا معطي لما منعت " فمنعه سبحانه وتعالى حكمة، وإعطاؤه جود ورحمة. " المبارك ": العظيم البركة وهي الزيادة والنمو. وقيل: البركة لفظ جامع لأنواع الخير، ومنه قوله تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة) أي جامعة لأصناف الخير. وقال حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه: صلى الإله ومن بحف بعرشه * * والطيبون على المبارك أحمد (1) وقال عباس بن مرداس رضي الله تعالى عنه: فآمنت بالله الذي أنا عبده * * وخالفت من أمسى يريد المهالكا ووجهت وجهي نحو مكة قاصدا * * وبايعت بين الأخشبين المباركا نبي أتانا بعد عيسى بناطق * * من الحق فيه الفضل منه كذلكا


(1) البيت من قصيدة من الكامل مطلعها: ما بال عينك لا تنام كأنما * * كحلت مآقيها بكل الأرمد انظر ديوان حسان ص 65، 66. (*)

[ 503 ]

" ع " وإنما سمي صلى الله عليه وسلم بذلك لما جعل الله تعالى في حاله من البركة والثواب وفي أصحابه من فضائل الأعمال. وفي أمته من زيادة القدر على الأمم. وفي تفسير قوله تعالى عن سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: (وجعلني مباركا أينما كنت) أي نفاعا للناس. " المبرأ ": المنزه المبعد عن كل وصف ذميم. ولهذا مزيد بيان في باب طيب عرقه صلى الله عليه وسلم. " المبتهل ": المتضرع المتذلل: اسم فاعل من الابتهال وهو التضرع قال الله تعالى: (فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل) أي نتباهل بأن نقول: بهلة الله على الكاذبين منكم، والبهلة بالفتح والضم: اللعنة، وبهله الله: لعنه، من أبهله إذا أهمله، هذا هو الأصل في كل دعاء بما يجتهد فيه وإن لم يكن التعانا. " المبشر ": اسم فاعل من البشارة وهي الخبر السار. وأما قوله تعالى: (فبشرهم بعذاب أليم) فهو. بمعنى أنذرهم، استعيرت البشارة التي هي الإخبار بما يظهر سرورا في المخبر به للإنذار الذي هو ضدها بإدخال الإنذار في جنس البشارة على سبيل التهكم والاستهزاء. وتقدم الكلام على ذلك في البشير. " المبعوث بالحق ": أي المرسل به اسم مفعول من البعث وهو الإرسال. وأصله إثارة الشئ وتوجيهه، وبعث صلى الله عليه وسلم للخلق كافة، كما سيأتي في الخصائص إن شاء الله تعالى. " المبلغ ": الذي يؤدي الرسالة كما أمر، اسم فاعل من بلغ الرسالة إذا أداها، قال الله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك). " المبيح ": الذي أباح لأمته ما حرم على الأمم السابقة. كما سيأتي بيان ذلك في الخصائص. المبين: بتشديد التحتية: اسم فاعل من التبيين وهو الإظهار قال تعالى: (لتبين للناس ما نزل إليهم). " المتبتل ": " ط " " عا " المخلص المنقطع إلى الله تعالى بعبادته. اسم فاعل من التبتل وهو الإخلاص والانقطاع إلى الله تعالى، قال تعالى: (وتبتل إليه تبتيلا) أي أخلص له العبادة. وأما قوله صلى الله عليه وسلم: " لا رهبانية ولا تبتل في الإسلام " فالمراد به الانقطاع والرغبة عن النكاح. ومنه قيل لمريم: البتول. " المتبسم ": " د " " عا " اسم فاعل من التبسم وهو البشاشة - وسمي صلى الله عليه وسلم به لأنه كان يلقى الناس بالبشر، وطلاقة الوجه من حسن العشرة ولهذا مزيد بيان في باب ضحكه وتبسمه صلى الله عليه وسلم.

[ 504 ]

" المتبع " " ط " " عا " اسم مفعول من الاتباع وهو الذي يتبعه غيره أي يقتدي به في أقواله وأفعاله، قال الله تعالى: (فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه) أمرنا الله تبارك وتعالى باتباعه صلى الله عليه وسلم والاقتداء به في أقواله وأفعاله فوجب علينا اتباعه في ذلك في أقواله فإنه لا ينطق عن الهوى وأفعاله فإنه لا يصدر منه محرم لعصمته. ولا مكروه لندرته من غيره من أهل الكمال فكيف به منه. بل قيل: لا يتصور وقوع المكروه منه أيضا لأنه فعل ما هو مكروه في حقنا أو خلاف الأولى كوضوئه صلى الله عليه وسلم مرة مرة فذلك لبيان الجواز. وقد حكى الإمام النووي عن العلماء أن وضوءه صلى الله عليه وسلم على تلك الصفة أفضل في حقه من التثليث. " المتربص ": ذكره الإمام شمس الدين البرماوي - رحمه الله تعالى - في رجال العمدة أخذا من قوله تعالى، آمرا له أن يقول للكفار: (تربصوا فإني معكم من المتربصين) أي انتظروا حصول ما تتمنونه لي فإني منتظر ما وعدني ربي من النصر عليكم والظفر بكم. " المترحم ": اسم فاعل من ترحم. " المتضرع في الدعاء ": الخاضع لله وتقدم في الضارع. " المتقن ": اسم فاعل من الإتقان وهو إحكام الأمور أو الحاذق اللبيب والفطن الأريب، يقال أتقن الشئ فهو متقن وتقن بكسر القاف أي حاذق. " المتقي ": اسم فاعل من اتقى. وقد تقدم الكلام على التقوى في اسمه الأتقى. " المتلو " " عا " اسم مفعول من التلو وهو المتابعة لأنه يتبع ويقتدى به. " المتلو عليه ": من التلاوة، لأن جبريل كان يتلو عليه القرآن ويدارسه به. " المتمكن ": وجد مكتوبا على حجر في البيت في الهدمة الأولى فيه: " عبدي المنتخب المتمكن المنيب المختار " ومعنى المتمكن: المستمكن في الأرض الذي أطاعه الناس واتبعوه وظهر دينه واشتهر. والتمكن صفة أهل الحقائق، والتكوين صفة أرباب الأحوال، فما دام العبد في الطريق فهو صاحب تكوين لأنه يرتقي من حال إلى حال، فإذا وصل تمكن. قال الأستاذ أبو علي الدقاق - رحمه الله تعالى -: كان موسى عليه الصلاة والسلام صاحب تكوين فرجع من سماع الكلام وأثر فيه الحال قال تعالى: (وخر موسى صعقا) ومحمد صلى الله عليه وسلم صاحب تمكين فرجع بعد أن وصل ولم يؤثر فيه ما شاهد، قال تعالى: (ما زاغ البصر وما طغى). " المتمم لمكارم الأخلاق ": روى الإمام أحمد عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه -

[ 505 ]

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " (1) وهي من جملة الدين، والمكارم: جمع مكرمة بضم الراء، والأخلاق جمع خلق بضمتين وهي السجية. " المتمم ": مبنيا للمفعول: المكمل خلقا وخلقا. " المتهجد ": قال تعالى: (ومن الليل فتهجد به) وسيأتي الكلام عليه في أبواب عبادته. " المتوسط ": " خا " المتردد في الشفاعة بين الله تعالى وبين الامة. " المتوكل ": قال تعالى (وتوكل على الحي الذي لا يموت)، وهو من أسمائه في التوراة كما في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو - رضي الله تعالى عنهما -. قال الإمام الشافعي - رضي الله تعالى عنه: نزه الله تعالى بيه ورفع قدره بهذه الآية لأن الناس في التوكل على أحوال: متوكل على نفسه أو على أهله أو على جاهه أو على سلطانه أو على صناعته أو على غلته أو على الناس. وكل منهم متوكل مستند إلى حي يموت وإلى ذاهب ينقطع، فنزه الله تعالى نبيه عن ذلك كله وأمره بالتوكل عليه، وقال النخشبي - وهو بنون مفتوحة فخاء ساكنة فشين مفتوحة معجمتين فباء موحدة فياء نسب: التوكل: طرح البدن في العبودية، وتعلق القلب بالربوبية، والطمأنينة بالله، فإن أعطاه شكر، وإن منعه صبر. وقيل: الثقة بالله تعالى والإيقان بقضائه لكن يجوز السعي فيما لا بد منه تأسيا بالسنة. وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري: التوكل محله القلب، والحركة بالظاهر لا تنافيه بعد أن تحقق أن الكل من الله تعالى، فإن تعسر شئ فبتدبيره وإن تيسر شئ فبتيسيره. وحكي أن إبراهيم بن أدهم سأل شقيقا البلخي عن مبدأ أمره فقال: رأيت في بعض الخلوات طائرا مكسور الجناجين فأتاه طائر صحيح الجناحين بجراده في منقاره فأطعمه إياها، فتركت التكسب واشتغلت بالعبادة، فقال إبراهيم: ولم لا تكون أنت الطائر الصحيح الذي أطعم الطائر العليل حتى تكون أفضل منه ؟ ! قال صلى الله عليه وسلم: " اليد العليا خير من اليد السفلى (2). " المتين ": " حا " " عا " القوي الشديد ومنه حبل متين. وهو من أسمائه تعالى ومعناه القوي السلطان البالغ أقصى مراتب القدرة والإمكان.


(1) أخرجه مالك في الموطأ (904)، والبيهقي في السنن 10 / 192 بلفظ " صالح الأخلاق " والحاكم في المستدرك 2 / 613 وذكره المتقي الهندي في الكنز (31969). (2) أخرجه البخاري 3 / 294 كتاب الزكاة (1429)، ومسلم 2 / 717 كتاب الزكاة (94 / 1033). (*)

[ 506 ]

" المثبت ": " عا " بفتح الموحدة مبنيا للمفعول من الثبات وهو التمكن والاستقرار. قال الله تعالى: (ولولا أن ثبتناك) وسمي بذلك لأن الله تعالى ثبت قلبه على دينه. " المثبت ": " عا ": المحكم المتقن للأمور أو المحاجج اسم فاعل من الجدال وهو المعارضة في القول على سبيل المنازعة والمغالبة لإظهار الحجة. وأصل الجدال الإحكام، ومنه جدلت الحبل والبناء إذا أحكمت صنعهما قال تعالى: (وجادلهم بالتي هي أحسن) أي بأحسن أطرق المجادلة من الرفق واللين من غير فظاظة ولا تعنيف. " المجاهد ": اسم فاعل من الجهاد. قال تعالى: (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين) أي جاهد الكفار بالسيف والمنافقين بالاحتجاج أو بإقامة الحدود أو بإفشاء أسرارهم. " المجتبى ": اسم مفعول من الاجتباة وهو الاصطفاء. قال في الصحاح: اجتباه: اصطفاه. " المجتهد ": المجد في الطاعة أو من قام به الاجتهاد. وهو بذل الوسع في طلب أمر يقصد، افتعال من الجهد والطاقة. " المجيب ": اسم فاعل من أجاب. " المجير ": اسم فاعل من أجار، أي أنقذ من استجار به وأغاث من استغاث به. " المجيد ": بفتح الميم وكسر الجيم: الرفيع القدر العالي البركة، أو الكريم الشريف الفعال. فعيل بمعنى فاعل من المجد ونيل الشرف، يقال مجد كنصر وكرم مجدا ومجادة فهو ماجد ومجيد. وهو من أسمائه تعالى، ومعناه: الكريم الجميل الفعال الكثير الأفضال، أو الذي لا يشارك في أوصاف جماله ولا يضاهي في علو شأنه. " المحجة ": جادة الطريق، مفعلة من الحج وهو القصد، والميم زائدة، وجمعه المحاج. وسمي بذلك صلى الله عليه وسلم لأن الناس تقصده. " المحرض ": بكسر الراء المشددة فضاد معجمة: المحض على القتال والجهاد أو العبادة، أي المحث على ذلك، قال الله تعالى: (يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال). " المحرم للظلم ": وهو مجاوزة الحق ولهذا مزيد بيان يأتي.

[ 507 ]

" المحفوظ ": اسم مفعول من الحفظ. وسمي به لأنه محفوظ من الشيطان. روى البخاري عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة فقال: " إن الشيطان عرض لي فشد علي ليقطع الصلاة علي فأمكنني الله منه ". وفيه دليل على حفظه منه (1). فإن قيل: لم سلط عليه الشيطان أولا، وهلا كان إذا سلك عليه الصلاة والسلام طريقا هرب الشيطان منه كما وقع لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، فقد روى الشيخان عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله تعالى عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر: " ما لقيك الشيطان قط سالكا فجا إلا سلك فجا غيره (2). الجواب: أنه لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوما من الشيطان ومكره ومحفوظا من كيده وغدره أمنا من وسواسه وشره كان اجتماعه به وهربه منه سيان في حقه صلى الله عليه وسلم ولما لم يبلغ عمر رضي الله تعالى عنه - هذه الرتبة العليه والمنزلة السنية كان هرب الشيطان منه أولى في حقه وأيقن لزيادة حفظه وأمكن لدفع شره، على أن يجوز أن يحمل الشيطان الذي كان يهرب من عمر غير قرينه أما قرينه فكان لا يهرب منه بل لا يفارقه لأنه وكل به غيره. " المحكم ": " عا " بفتح الكاف المشددة: الحاكم وهو القاضي. قال تعالى (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم) أي يرضوا بحكمك لهم وعليهم. " المحرم ": مبين الحرام وهو ما نهى الله عنه ولم يرخص فيه. " المحلل ": شارع الحلال وهو ما أذن به شرعا. " المحمود ": " يا " " د " " ع " هو المستحق لأن يحمد لكثرة خصاله الحميدة. قال حسان بن ثابت - رضي الله تعالى عنه - يرثيه: فأصبح محمودا إلى الله راجعا * * يبكيه حق المرسلات ويحمد (2) وهو ما أسمائه تعالى قال حسان أيضا: وشق له من إسمه ليجله * * فذو العرش محمود وهذا محمد (4)


(1) أخرجه البخاري 2 / 143 كتاب العمل في الصلاة (1210). (2) أخرجه البخاري 4 / 256 كتاب بدء الخلق (3294)، ومسلم 4 / 1864 كتاب الفضائل (22 - 2396). (3) البيت في الديوان: فأصبح محمودا إلى الله راجعا * * يبكيه جفن المرسلات ويحمد الديوان ص 63. (4) يعد البيت في الديوان: نبي أتانا بعد يأس وفترة * * من الرسل والأوثان في الأرض بعد الديوان ص 54. (*)

[ 508 ]

" المحيد ": من حاد عن الشئ إذا عدل عنه، وسمي بذلك لأنه حاد عن الباطل واتبع الحق. أو من أحاد لأنه عدل بأمته إلى جادة الطريق المستقيم وسلك سبيل الدين القويم. " المخبت ": " خا " تقدم في الأواه. وفي الصحاح: الإخبات الخشوع والتواضع. " المخبر ": " د " المبلغ عن الله ما أوحى إليه. " المختار ": اسم مفعول من الاختيار وهو الاصطفاء كما في الصحاح. روى الدارمي عن كعب الأحبار قال في السفر الأول: محمد رسول الله عبدي المختار لا فظ ولا غليظ ولا سخاب بالأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة. " المختص ": اسم مفعول من الاختصاص بالشئ وهو الإيثار به، وسمي بذلك لأن الله تعالى اختصه لنفسه واستأثر به على خلقه، ويجوز أن يراد به اسم الفاعل، وسمي به لأنه اختص بملازمته عبادة ربه واستأثر حبه وقربه. " المختص بالقرآن ": " عا " المستأثر به على غيره، يقال اختصه الله بكذا واختص نفسه بكذا فهو مختص فيهما. والقرآن في الأصل مصدر نحو كفران ورجحان سمي بذلك من بين كتب الله لكونه جامعا لثمرة كتبه، بل لجمعه ثمرة جميع العلوم كما أشار إليه بقوله: (وتفصيلا لكل شئ) وقوله: (تبيانا لكل شئ) وقد خص بالكتاب المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وصار له كالعلم، كما أن التوراة لما أنزل على موسى والإنجيل لما أنزل على عيسى عليهما الصلاة والسلام. القرآن: ضم بعض الحروف والكلمات إلى بعض في الترتيل. وليس يقال ذلك لكل جمع، لا يقال قرأت إذا جمعتهم. " المختص بآي لا تنقطع ": الآي: جمع آية وهي العلامة والمراد بها المعجزة لأن منها القرآن، والمعنى أن آياته لا تبيد ولا تنقطع بل هي باقية إلى يوم القيامة تتجدد ولا تضمحل لأن منها القرآن وهو باق إلى آخر الدهر بخلاف معجزات سائر الأنبياء صلى الله عليه وسلم فإنها انقرضت بانقراضهم، ولهذا مزيد بسط في المعجزات. " المختم ": اسم مفعول من تختم إذا اتخذ خاتما، وسيأتي لهذا مزيد بيان في أبواب زينته. أو الذي ختم عليه بخاتم النبوة كما سيأتي بيانه في صفات جسده الشريف. " المخصوص بالعز ". " المخصوص بالمجد ". " المخضم " " عا " بضاد معجمة بوزن منبر: السيد الشريف العظيم المنيف. " المخلص ": " عا " الصادق في عبادته الذي ترك الرياء في طاعة الله تعالى، اسم فاعل

[ 509 ]

من الإخلاص وهو الصدق وترك الرياء. قال الله تعالى: (بل الله أعبد مخلصا له ديني) قال الأستاذ أبو القاسم القشيري - رحمه الله تعالى -: الإخلاص إفراد الحق في الطاعة بالقصد، أو تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين. والفرق بينه وبين الصدق أو تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين. والفرق بينه وبين الصدق أنه التنقي عن مطالعة النفس. والإخلاص: التوقي عن ملاحظة الخلق. والمخلص لا رياء له والصادق لا إعجاب له. " المدثر ": قال تعالى: (يا أيها المدثر) روى الشيخان عن جابر بن عبد الله - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يحدث عن فترة الوحي: " بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فرعبت منه فرجعت فقلت دثروني دثروني " (1). وفي لفظ: زملوني زملوني فأنزل الله تعالى: (يا أيها المدثر قم فأنذر) وهو اسم مشتق من الحالة التي كان عليها حين النزول. والمدثر: المتلفف في الدثار وهو الثياب وأصله المتدثر لأنه من تدثر فقلبت التاء دالا وأدغمت. قال أبو القاسم بن الورد: وإنما نزل: (يا أيها المدثر) عقب قوله " زملوني " لأجل أن هذا التزمل أريد به الدثار من البرد الذي يعتري الروع لأنه كالمحموم مخاطبة بالمعنى المطلوب من تزمل أي يا أيها المزمل المدثر دع هذا الدثار وخذ في الإنذار تأنيبا له من ذلك الروع وتنشيطا على فعل ما أمر به. كما تقول لمن أرسلته في حاجة فتخوف وجلس في بيته: يا أيها المتخوف امض فيما وجهتك. ولو قلت: يا أيها الجالس في بيته لاستقام لكن بدأه بالمعنى الذي من أجله جلس في بيته آنس له وآمن من تخوفه وأبلغ في التنشيط له. " المدني ": نسبة إلى المدينة الشريفة وسيأتي الكلام عليها في أبواب فضلها. " مدينة العلم ": روى الترمذي وغيره مرفوعا: " أنا مدينة العلم وعلي بابها " (2) والصواب الحديث حسن. كما قال الحافظان العلائي وابن حجر، وقد بسط الشيخ الكلام فيه في كتاب " تهذيب الموضوعات ". وفي " النكت ". " المذكر ": المبلغ الواعظ، اسم فاعل من التذكرة وهي الموعظة والتبليغ. قال تعالى: (فذكر إنما أنت مذكر) أي ذكر عبادي وعظهم بحجتي وبلغهم رسالاتي.


(1) أخرجه البخاري 6 / 284 كتاب التفسير (4925)، ومسلم 1 / 193 كتاب الإيمان (255 - 161). (2) أخرجه الحاكم في المستدرك 3 / 126، والفتن في التذكرة (95)، والذهبي في الميزان (429)، والعقيلي في الضعفاء 3 / 150، والطبراني في الكبير 11 / 66، وابن كثير في البداية والنهاية 7 / 359، وذكره الهيثمي في المجمع 9 / 117، وعزاه للطبراني وقال: فيه عبد السلام بن صالح الهروي وهو ضعيف. (*)

[ 510 ]

" المذكور ": " خا ": في الكتب السالفة. " المرء ": بتثليث الميم: الرجل الكامل المروءة، وهي بالهمز وتركه: الإنسانية. قال الجوهري. وسأل رجل الأحنف عن المروءة فقال: عليك بالخلق الفسيح والكف عن القبيح. وقيل: أن تصور نفسك عن الأدناس ولا تشينها عند الناس. وقال الإمام جعفر الصادق: وهي أن لا تطمع فتذل ولا تسأل فتثقل ولا تبخل فتشتم، ولا تجهل فتخصم. وقيل: أن لا تعمل في السر ما تستحي منه في العلانية. وقيل: هي اسم جامع لكل المحاسن. وعن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه -: المروءة: مروءتان: مروءة ظاهرة وهي الرئاسة ومروءة باطنة وهي العفاف. وروى الإمام أحمد وأبو داود عن عائشة مرفوعا: " أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا في الحدود " ورواه الإمام الشافعي وابن حبان في صحيحه بلفظ: أقيلوا ذوي الهيئات زلاتهم. وقال الشافعي: وذو الهيئات الذين يقالون عثراتهم: الذين لا يعرفون بالشر فيزل أحدهم الزلة. وقال الماوردي: في عثراتهم وجهان: أحدهما: الصغائر. والثاني أول معصية زل فيها مطيع. وسمي صلى الله عليه وسلم بذلك لأنه منها بمكان قال له زهير بن صرد: آمنن علي رسول الله في كرم * * فإنك المرء نرجوه وندخر " المرتجى ": " ط " (1) بفتح الجيم: اسم مفعول من الرجاء بمعنى الأمل لأنه الذي يرجوه الناس لكشف كروبهم وجلاء مصائبهم وأعظمها يوم القيامة في فصل القضاء. " عا ": أو بكسرها: اسم فاعل، أي المؤمل من الله تعالى قبول شفاعته في أمته. روى الشيخان عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وأني أختار دعوتي شفاعة لأمتي فهي نائلة إن شاء الله تعالى من مات لا يشرك بالله شيئا ". " المرتضى " الذي رضيه مولاه أي أحبه واصطفاه. " المرتل ": بكسر المثناة الفوقية اسم فاعل من رتل مضاعفا وهو الذي يقرأ القرآن على ترسل وتؤدة مع تبيين الحروف والحركات قال تعالى: (ورتل القرآن ترتيلا). روى الترمذي عن حفصة - رضي الله عنها - قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بالسورة ويرتلها حتى تكون أطول من أطول منها. ولهذا مزيد بيان في أبواب قراءته صلى الله عليه وسلم.


(1) في أ (خا). (*)

[ 511 ]

" مرحمة ": روى أبو نعيم في " الحلية " عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - مرفوعا: " بعثت مرحمة ولم أبعث تاجرا ولا زارعا " (1) أي بعثت رحمة للمؤمنين وشدة على الكافرين. كما قال الله تعالى في حقه وحق أصحابه: (أشداء على الكفار رحماء بينهم). " المرسل ": " ع " " د ". قال الله تعالى: (ويقول الذين كفروا لست مرسلا. قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب) وهو مفعل من الرسالة والفرق بينه وبين الرسول أن الأول لا يقتضي التتابع في الإرسال، بل يكون مرة واحدة والرسول يقتضيه. " المرشد ": الهادي: اسم فاعل من أرشد أي من دل على طريق الهدى. " مرغمة " " د " وقع في الصحاح: " بعثت مرغمة " أي مذلا للكفر حتى يلتصق بالرغام وهو بالفتح التراب، ثم استعمل في الذل والعجز. " المرغب ": " عا " اسم فاعل من رغب مضاعفا، لأنه يحث الخلق على طاعة الحق ويرغبهم فيما عنده من الخير، وقرأ زيد بن علي: (وإلى ربك فارغب) أي رغب الناس إلى طلب مغفرته ومحبة مثوبته. " المزكي ": " ط " قال تعالى (وزكيهم) أي يطهرهم من الشرك ووضر الآثام. " المزمل ": أصله المتزمل قلبت التاء زايا وأدغمت لأنه من تزمل. قال الله تعالى: (يا أيها المزمل قم الليل) ولهذا مزيد بيان في أبواب بعثه. " المزموم ": " عا " بضم الميم الأولى وفتح الزاي الثانية أي المغسول قلبه بماء زمزم كما سيأتي الكلام على ذلك في أبواب صفة جسده الشريف في باب شق صدره صلى الله عليه وسلم. " مزيل الغمة ": اسم فاعل من الإزالة وهي الكشف والإماطة. والغمة من الغم: الكرب والشدة. وأصله الستر ومنه الغمام لأنه يستر ضوء الشمس، وسمي بذلك لأنه جلى ظلمة الشك بنور اليقين، وأماط غمة الشرك عن الدين المتين، ورفع حجب الغفلة عن قلوب المتقين. " المسبح " " ط " " عا " بسين مهملة فباء موحدة مهملة: المهلل الممجد، اسم فاعل من التسبيح وهو تنزيه الحق عن أوصاف الخلق، وأصله المر بسرعة في الماء. قال " عا ": وفرق بينه وبين التقديس والتنزيه بأن التقديس تبعيد الرب عما لا تليق به الربوبية، والتنزيه تبعيده عن أوصاف البشرية، والتسبيح تبعيده عن أوصاف جميع البرية. " المستحب ": " عا " المطيع اسم فاعل من استحباب بمعنى أجاب، وليست سينه


(1) أخرجه أبو نعيم في الحلية 4 / 72، وذكره المتقي الهندي في كنز العمال (10500). (*)

[ 512 ]

للطلب بل هو استفعل بمعنى أفعل قال كعب الغنوي: وداع دعا يا من يجيب إلى الندا * * فلم يستجبه عند ذلك مجيب ومنه (يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده) أي فتجيبون ويجوز أن يكون المستجيب بمعنى مستجاب، فعيل بمعنى مفعول، وسمي بذلك لأنه تجب علينا طاعته ويلزمنا إجابته إذا دعانا ولو في صلاتنا، ولا تبطل بإجابته كما سيأتي بيان ذلك في الخصائص. " المستعيذ ": " ط " اسم فاعل من العوذ وهو الالتجاء إلى الله تعالى والاستجارة به والانجياز إليه والاستعانة به، قال تعالى (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله) (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاست