سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد للإمام محمد بن يوسف الصالحي الشامي المتوفي سنة 942 ه تحقيق وتعليق الشيخ عادل احمد عبد الموجود الشيخ علي محمد معوض الجزء الاول دار الكتب العلمية بيروت - لبنان جميع الحقوق محفوظة لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان الطبعة الأولى 1414 ه - 1993 م دار الكتب العلمية بيروت - لبنان ص. ب: 9424 / 11 - تلكس: - 4125 LE NASHER هاتف: 366135 - 602133 - 868051 - 815573 فاكس: 478373 / 1212 / 00 - 602133 / 9611 / 00
[ 1 ]
بسم الله الرحمن الرحيم تقديم
اللهم إنا نحمدك حمدا يوافي جليل نعمك، ويكافئ مزيد آلائك ونسألك توبة محاءة وسترا لا ينكشف، ونبرأ اليك من الحول والقوة، ونرغب إليك في أن تجعل كل ما نتصرف فيه منصرفا إلى ما يتصل برضاك، ومصروفا عما يؤدي إلى سخطك. ونصلي ونسلم على النبي الأمي وعلى أبويه الكريمين إبراهيم وإسماعيل أما بعد. فأمر لا ريب فيه أننا مأمورون باتباع النبي صلى الله عليه وسلم فعلا وقولا وتقريرا كما أشار إلى ذلك الذكر الحكيم في قوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر) وذلك أيضا أمر الله الواجب في قوله: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب). ولما كان الرسول صلى الله عليه وسلم مناط الاتباع، كما أمر بذلك الشارع الحكيم، وجب على فريق من الأمة أن تنفر لجمع وتصنيف وتوصيف حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وإلا فقد صغيت الأمة بيان الكتاب وأسوتها في تنفيذه، وذلك مما تعوذ أئمة الأمة بالله من التقصير فيه فضلا عن تركه فقد كانوا - رحمهم الله - أبصر الناس بققه أوامر الكتاب، وبالتقرب إلى الله بخدمته. لذلك فقد عكفوا على تدوين سيرة النبي صلى الله عليه وسلم رواية ودراية ونقدا وتمحيصا. ولا في تراث هذه الأمة - الذي يعد ذخيرتها، وسبب حياتها - أجمع ولا أوعى من هذا الكتاب في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وذلك العمل الجليل باد بالرجوع إلى كتب السنة على اتساعها واكتنازها بالذخائر النبوية والجواهر المحمدية، فحقت بذلك كلمة مصنفه - رحمه الله - وناظم درره وسالك جواهره، ومعطف أفنانه ومشبك أغصانه، فخرج الكتاب شجرة يانعة، جمعت أطايب الثمار ويانع الأزهار وكان الكتاب كما قال رحمه الله تعالى وأثابه في خطبة الكتاب " فهذا كتاب اقتضبته من أكثر من ثلاثمائة كتاب، وتحريب فيه الصواب، ذكرت فيه قطرات من بحار فضائل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من مبدأ خلقه قبل خلقه سيدنا آدم صلى الله عليه وسلم وأعلام نبوته وشمائله وسيرته وأفعاله وأحواله وتقلباته، إلى أن نقله الله - تعالى - إلى أعلى جناته، وما أعده له فيها من الإنعام والتعطيم، عليه من الله أفضل الصلاة وأزكى التسليم ". ولم أذكر فيه شيئا من الأحاديث موضوعا، وختمت كل باب بإيضاح ما أشكل فيه،
وبعض ما اشتمل عليه من النفائس المستجادات، مع بيان غريب الألفاظ وضبط المشكلات، والجمع بين الأحاديث التي يظن بها أنها من المتناقضات، وإذا ذكرت حديثا من عند الأئمة
[ 2 ]
فإني أجمع بين ألفاظ رواته إذا اتفقوا... إلى آخر ما أبان به عن منهجه - رحمه الله - ودراسة سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ضرورة حضارية وإيمانية. فالناس من لدن خلقهم الله - تبارك وتعالى - فريقان فريق يتعشق الحق ويموت دونه وينافح عنه، وفريق يلج في الباطل، ويتأكل به ويعيش له، ذلك ما قررته قصة ابني آدم (قابيل وهابيل) ورفض قول الحق على وضوحه وجلاله وارتضائه أن يبوء باثمه وإثم أخيه وذلك يقتضينا كمسلمين دراسة السيرة لفقه حق الله وبيان حال من اتبعه من الدنيا واستمسك به وديدنه تجاه الباطل في سيرة النبيين والمرسلين ذلك الوجه الحق في التاريخ والسير، لذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقص لأمته سيرة النبيين فقال تعالى: (واتل عليهم نبأ نوح) (يونس 71) وقال: (واتل عليهم نبأ إبراهيم) (الشعراء 66) وقوله: (واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب) (ص 17) وقوله: (واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار) (ص 45). وبين الذكر الحكيم هدف القصص فقال (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شئ وهدى ورحمة لقوم يؤمنون) (يوسف 111) فقد أشار القرآن الكريم إلى أن قصص النبيين هدى ورحمة فاستوجب ذلك تفصيل سير الأنبياء، للاهتداء بها وذلك أمر واضح من توزع قصص النبيين على شتى سور الذكر الحكيم، في كل سورة جزء من قصة نبي من المرسلين، حسبما تقتضيه طبيعتها، وحسبما تتوفر عليه من معالجة قضايا تختص به دون غيرها. حتى أوشك القرآن الكريم أن يكون كله قصصا. تلك هي ضرورة دراسته الدراسة التي ينبه إليها الذكر الحكيم. أما ترى ما صنع الله بفرعون، وما علل به سبحانه لصنيعه (فاليوم ننجيك ببدنك
لتكون لمن خلقك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون) (يونس 92). ولا أدل من كون دراسة السير ضرورة حضارية من توفر الغرب على درس تاريخ الأمم لبيان المزايا والمساوئ. وتمتاز السيرة النبوية على غيرها من السير بأنها حظيت بالنقد الممحص لكل ما أضيف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأنه لم يكتب عن هوى، ولا عن حقد وسوء قصد إلا ما ندر من كتابات المستشرقين وأعقابهم، وقد نبه صلى الله عليه وآله وسلم لذلك فقال " لا تطردوني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم ولكن قولوا عبد الله ورسوله " فكان في ذلك كما وصفه ربه سبحانه (وإنك لعلى خلق عظيم.
[ 3 ]
والسيرة إذ تتصل بالنبي صلى الله عليه وسلم ويقوم درسها على صحيح الثقة تباين منهج التاريخ ولما يتوافر لها من أسباب الحيطة والتوثيق لما تهيأ لمصادرها من النقل الصحيح. ولا شك أن للصحابة دورا رائدا في حقل سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وهم على بصيرة بما ينقلون كما شهد لهم القرآن الكريم في قوله تعالى (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما) (الفتح 29). وما نبه إليه من احترامهم وتوقيرهم وتجنب سبهم في قوله " لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه " وذلك مما يوقع مفارقة هائلة بين السيرة والتاريخ لاختلاف النزعات في تناول أحداث التاريخ وتغير ظواهره ومن بين تلك النزعات نزعة التفسير المادي للتاريخ تلك التي سيطرت على أفكار دعاة الشيوعية.. من أصل كل ذلك كانت دراسة السيرة على هذا الوجه الجامع من خيرة أعمال الأئمة.
وهذا الكتاب الجامع لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم يبين للقارئ جوانب عدة من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم يحسن عدها: ما يتصل بنسبه الشريف صلى الله عليه وسلم. وقد اقتضاه ذلك الجانب الرجوع بنسبه لبيان صفاء معدنه وكرم أصله، فهو الحسيب النسيب الشريف المنزه فالعرب مقسمون عند المؤرخين إلى سلالات ينحدرون منها. العرب البائدة: وهم العرب القدامى الذين لم يمكن الحصول على تفاصيل كافية عن تاريخهم، مثل: عاد وثمود وطسم وجديس وعملاق وسواها. ثم العرب العاربة: هم أولئك الذين يضربون بنسبهم إلى يعرب بن يشجب بن قحطان، وهم يسمون بين أهل العلم بالعرب القحطانية. ثم العرب المستعربة: وهم أولئك الذين ينحدرون من صلب سيدنا إسماعيل - عليه السلام - ويطلق عليهم أيضا " العرب العدنانية " وإنما أطلق عليهم هذا الاسم، لأن إسماعيل أباهم لم يكن عربي العصب والصلب، وإنما صاهر العرب وعايشهم وآكلهم وشاربهم، وتشارب اللغة من أفواههم، ومع أنهم عرب مستعربة إلا أنهم غدوا أفضل العرب برسول الله صلى الله عليه وسلم كما قيل.
[ 4 ]
وكم أب قد علا بابن له شرف كما علا برسول الله عدنان فعلى ما بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين عدنان من عدد اختلف فيه ما بين مقل ومكثر، وعلم الحق في ذلك عند الله سبحانه، فقد روي أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا انتهى في النسب إلى معد بن عدنان أمسك، وقال كذب النسابون. واستدل لذلك بقول سبحانه: (وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا). فهو صلى الله عليه وسلم خيار من خيار كما قال: " إن الله خلق الخلق فجعلني من خير فرقهم وخير الفريقين، ثم تخير القبائل فجعلني من خير القبيلة، ثم تخير البيوت فجعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفسا وخيرهم بيتا " ودونك عمه أبا طالب يفاخر بنسبه فيقول:
إذا اجتمعت يوما قريش لمفخر * * فعبد مناف سرها وصميمها وإن حصلت أنساب عبد منافها * * ففي هاشم أشرافها وقديمها وإن فخرت يوما فإن محمدا * * هو المصطفى من سرها وكريمها ومؤلف هذا الكتاب يجمع ما تناثر في كتب السيرة والسنة من حيث نسبه الشريف، وينظم هذه اللآلئ بيد صناع. يخرج أسانيدها، ويفصل ويشرح غريبها، ويتعقب ضعيفها، ويقدح من منكسرها وموضوعها، فيريك بدائع من الزهر ويجنيك الحلو اليانع من الثمر. فيما يتصل بمولوده الشريف وقد قدمت إرهاصات لمولده الشريف، أفزعت كسرى وقيصر واهتز لمقدمه الوجود. فقد رووا - رحمهم الله - أنه " لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتجس إيوان كسرى وسقطت منه أربع عشرة شرفة، وخمدت نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، وغاصت بحيرة ساوة، ورأى الموبذان إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادهم. فلما أصبح كسرى أفزعه ذلك فتصبر عليه تشجعا، ثم رأى أنه لا يدخر ذلك عن مرازبته، فجمعهم، ولبس تاجه وجلس على سريره ثم بعث إليهم فلما اجتمعوا عنده قال: أتدرون فيما بعثت إليكم ؟ قالوا: لا، إلا أن يخبرنا الملك، فبينما هم كذلك إذ ورد عليهم كتاب خمود النيران فازداد غما إلى غمه، ثم أخبرهم بما رأى وما هاله فقال الموبذان: وأنا - أصلح الله الملك - قد رأيت في هذه الليلة رؤيا، ثم قص عليه رؤياه في الإبل، فقال: أي شئ يكون هذا يا موبذان ؟ قال: حدث يكون في ناحية العرب - وكان أعلمهم من أنفسهم - فكتب عند ذلك: من كسرى ملك الملوك إلى النعمان بن المنذر، أما بعد فوجه إلي برجل عالم بما أريد أن أساله عنه، فوجه إليه بعبد المسيح بن عمرو بن حيان بن نفيلة الغساني، فلما ورد عليه، قال له: ألك علم بما أريد أن أسألك عنه ؟ فقال: لتخبرني، أو ليسألني الملك عما أحب، فإن كان عندي منه علم، وإلا أخبرته بمن يعلم - فأخبره بالذي وجه به إليه فيه، قال:
[ 5 ]
علم ذلك عند خال لي يسكن مشارف الشام، يقال له: سطيح، قال: فأته فاسأله عما سألتك عنه، ثم ائتني بتفسيره، فخرج عبد المسيح، حتى انتهى إلى سطيح، وقد أشفى على الضريح. فسلم عليه، وكلمه فلم يرد إليه سطيح جوابا فأنشأ يقول: أصم أم يسمع غطريف اليمن * * أم فاد فاز لم به شأو العنن وأمه من آل ذئب بن حجن * * أزرق نهم النياب صرار الأذن أبيض فضفاض الرداء والبدن * * رسول قيل العجم يسري للوسن يجوب بي الأرض علنداة شزن * * لا يرهب الرعد ولا ريب الزمن ترفعني وجنا وتهوي بي وجن * * حتى أتى عاري الجآجي والقطن تلفه في الريح بوغاء الدمن * * كأنما حثحت من حضني ثكن قال: فلما سمع سطيح شعره رفع رأسه يقول: عبد المسيح على جمل مشيح، أتى سطيح، وقد أوفى على الضريح، بعثك ملك بني ساسان، لارتجاس الإيوان، وخمود النيران، ورؤيا الموبذان، رأى إبلا صعابا، تقود خيلا عرابا، قد قطعت دجلة، وانتشرت في بلادها، يا عبد المسيح، إذا كثرت التلاوة، وظهر صاحب الهراوة، وفاض وادي السماوة، وغاصت بحيرة ساوة، وخمدت نار فارس، فليس الشام لسطيح شاما. يملك منهم ملوك وملكات، على عدد الشرفات، وكل ما هو آت آت. ثم قضى سطيح مكانه فنهض عبد المسيح إلى راحلته وهو يقول: شمر فإنك ماضي العزم شمير * * لا يفزعنك تفريق وتغيير إن تمسي ملك بني ساسان أفرطهم * * فإن ذا الدهر أطوار دهارير فربما ربما أضحوا بمنزلة * * يخاف صولهم الأشد المهاصير منهم أخو الصرح بهرام وإخوته * * والهر مزان وشابور وسابور والناس أولاد علات فمن علموا * * أن قد أقل فمحقور ومهجور ورب قوم لهم صحبان ذي أذن * * بدت تلهيهم فيه المزامير
وهم بنو الأم إما إن رأوا نشبا * * فذاك بالغيب محفوظ ومنصور والخير والشر مقرونان في قرن * * فالخير متبع والشر محذور قال: فلما قدم عبد المسيح على كسرى أضجره بما قال له سطيح، فقال كسرى إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكا كانت أمور وأمور، فملك منهم عشرة في أربع سنين، وملك الباقون إلى خلافة عثمان - رضي الله عنه..
[ 6 ]
ومشتهرة حادثة الفيل تلك التي واكبت مولد النبي صلى الله عليه وسلم وغير ذلك، ذلك المولد الذي كانت ثمرة الالتقاء القصير بين عبد الله بن عبد المطلب، وآمنة بنت وهب ومما يمتاز به هذا الكتاب، جمع آراء الأئمة في مصير أبوي النبي صلى الله عليه وسلم وتفصيل أدلة كل فريق بما يرنو على أربعين صحيفة. وكان مولده صلى الله عليه وسلم في التاسع أو الثاني عشر شهر ربيع الأول (20 إبريل 571 م)، وقد أقيمت مكتبة في المكان الذي ولد فيه - عليه السلام - ويؤمها كثير من الحجاج لعيشوا في رياض المكان الذي شهد مولد المصطفى صلى الله عليه وسلم ذلك الصفي يتيم الأبوين الذي مات أبواه فكفله جده، ومن بعد جده عمه. فيما يتصل برضاعه وقد ذكروا أن أول من أرضعته من المراضع - بعد أمه صلى الله عليه وسلم - ثويبة مولاة أبي لهب، وكان ذلك بلبن ابن لها يقال له: مسروح، وكانت قد أرضعت قبله حمزة بن عبد المطلب، وأرضعت بعده أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي. وكانت السيدة حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية - أم رسول الله من الرضاعة - تذكر أنها خرجت في طلب مرضع مع زوج، وابن لها صغير ترضعه، مع جملة من نساء ينتسبن لبني سعد بن بكر، لطلب الرضعاء في سنة تذكر أنها كانت سنة جدب وقحط، على أتان لها ومعها ناقة كبيرة السن قد جف ضرعها من شدة القحط وقحط السنة، وكان صوت صبيها يتعالى من
بكائه من شدة الجوع وخواء ثديها مما يرويه، وجفاف ضرع ناقتها، وذلك المركب الذي امتطوه يتباطأ بهم عن السير، لما يجده من الجوع. ذلك حال أم النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الرضاعة، تصفه بنفسها عندما جاءت لتطلب الرضعاء، وتذكر هذه السيدة أنه ما منهن امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه، إذا قيل لها: إنه يتيم، نظرا لما كن يؤملنه من نوال والد الصبي، فذلك عائد المطلوب لهن، فكن يقلن: يتيم، وما عسى أن تصنع أمه وجده ؟ فكرهن الرضى به لذلك، وحظيت نسوة بني سعد برضعاء، خلا السيدة حليمة، فكرهت السيدة حليمة الرجوع من بين صواحبها، فعادت إلى تلك الصبي اليتيم، بعد ما كانت قد أجمعت على الانطلاق، فقال لها زوجها: لا عليك أن تفعلي عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة ! فذهبت إليه فأخذته، وما حملها على أخذه سوى عدم وجود غيره، فأخذته ورجعت به إلى رحلها، ووضعته في حجرها، فأقبل على ثديها، فشرب حتى روي وشرب معه أخوه حتى روي، ثم ناما، ولعلك تذكر أن صوت أخيه كان يتعالى بالبكاء، فيطرد من أجفان والديه النوم. وأعجب من ذلك أنها نهضت لناقتها تلك التي كان ضرعها جافا في مقدمها لطلب الرضعاء، فإذا بهذا الضرع يدر اللبن، فشربت وزوجها حتى انتهيا وقد صدرا عن الضرع ريا وشبعا وباتا بخير ليلة.
[ 7 ]
فأخبرها زوجها بأنها حظيت بنسمة مباركة إذ لم تكن السيدة حليمة يوما تطمع في أن تذكر هذا الذكر بين الناس، وأن تحظى بذلك التشريف فحسبها من شرف أنها أمه، وشئ آخر هو أن أرض بني سعد ما كان أجدب منها أرض في ذلك العام، فكانت أغنام بني سعد تروح جياعا، وأغنام هذه السيدة تروح شباعا. وانتشر ذكر بني سعد بين الناس إلى اليوم، لتشرفهم بإرضاع النبي صلى الله عليه وسلم وحسبهم من شرف ما كان يقوله محمد صلى الله عليه وسلم لأصحابه: " أنا أعربكم، أنا قرشي، واسترضعت من بني سعد بن بكر ". وإخوته صلى الله عليه وسلم من الرضاعة من بني سعد (عبد الله بن الحارث، وأنيسة بنت الحارث،
وحذافة أو جذامة بنت الحارث، الملقبة بالشيماء، تلك التي كانت تحضن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم). وحمزة بن عبد المطلب عمه صلى الله عليه وسلم أخو النبي من الرضاعة من وجهين، من جهة ثويبة، ومن جهة السعدية. وقد بقي الرسول صلى الله عليه وسلم مع بني سعد حتى إذا كانت السنة الرابعة أو الخامسة من مولده، وقع حادث شق صدره، ففي مسلم عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه ثم أعاده إلى مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه - يعني ظئره - فقالوا: إن محمدا قد قتل، فاستقبلوه وهو ممتقع اللون، وخشيت عليه حليمة بعد هذه الوقعة حتى ردته إلى أمه، فكان عند أمه. كفالته صلى الله عليه وسلم كان لعبد الله بن عبد المطلب مكانة خاصة في فؤاد عبد المطلب ظهر ذلك في معاملة عبد المطلب حفيده محمدا صلى الله عليه وسلم فرق عليه رقة لم يرقها على أحد من أولاده، فكان لا يدعه لوحدته المفروضة، بل يفضله على أولاده. قال ابن هشام: كان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه، لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي وهو غلام جفر حتى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم: دعوا ابني هذا فوالله إن له لشأنا ثم يجلسه معه على فراشه، ويمسح ظهره بيده ويسره ما يراه يصنع.
[ 8 ]
وقد مات جده عبد المطلب وعمره حينئذ ثماني سنوات وشهران وعشرة أيام، وقبل أن يموت عهد بكفالته إلى عمه أبي طالب وقد استسقى أبو طالب بوجه النبي صلى الله عليه وسلم فقد أخرج ابن
عساكر قال: " قدمت مكة، وهم في قحط، فقال قريش: يا أبا طالب أقحط الوادي، وأجدب العيال، فهلم فإستعد ! فخرج أبو طالب، ومعه غلام، كأنه شمس دجن، تجلت عنه سحابة قثماء، حوله أغيلمة، فأخذه أبو طالب، فألصق ظهره بالكعبة، ولاذ بإصبعه الغلام، وما في السماء قزعة، فأقبل السحاب من ههنا وههنا، وأغدق واغدودق، وانفجر الوادي، وأخصب النادي والبادي وإلى هذا أشار أبو طالب حين قال: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * * ثمال اليتامى عصمة للأرامل ونهض أبو طالب بحق ابن أخيه على أكمل وجه، وضمه إلى ولده وقدمه عليهم، وظل فوقه أربعين سنة يعز جانبه ويبسط عليه حمايته، ويناضل الخصوم من أجله. وقد تبدى ذلك جليا عندما بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم اثنتي عشرة سنة، وارتحل به عمه أبو طالب تاجرا إلى الشام، فإذا ما وصل به إلى بصرى، وبها راهب يقال له: بحيرى في صومعة له، وكان إليه علم أخل النصرانية، إليه يصير علمهم عن كتاب فيما يزعمون يتوارثونه كابرا عن كابر، فلما نزلوا ذلك العام ببحيرى - وكانوا كثيرا ما يمرون به فلا يكلمهم ولا يعرض لهم حتى كان ذلك العام فلما نزلوا قريبا من صومعته صنع لهم طعاما كثيرا وذلك فيما يزعمون عن شئ رآه وهو في صومعته. يزعمون أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الركب حتى أقبل وغمامة تظلله من بين القوم. ثم أقبلوا فنزلوا في ظل شجرة قريبا منه. فنظر إلى الغمامة حين أظلت الشجرة وتهصرت أغصان الشجرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استظل تحتها. فلما رأى ذلك بحيرى نزل من صومعته وقد أمر بطعام فصنع. ثم أرسل إليهم. فقال إني صنعت لكم طعاما يا معشر قريش فأنا أحب أن تحضروا كلكم، كبيركم وصغيركم، وعبدكم وحركم. فقال له رجل منهم والله يا بحيرى إن لك لشأنا اليوم. ما كنت تصنع هذا بنا وقد كنا نمر بك كثيرا فما شأنك اليوم ؟ قال له بحيرى صدقت قد كان ما تقول ولكنكم ضيف وقد أحببت أن أكرمكم طعاما فتأكلون منه كلكم فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين القوم لحداثة سنه في رحال القوم تحت الشجرة فلما رآهم بحيرى لم ير الصفة التي يعرف ويجده عنده فقال يا معشر قريش لا يتخلفن
أحد منكم عن طعامي قالوا يا بحيرى ما تخلف أحد ينبغي له أن يأتيك إلا غلام وهو أحدثنا سنا، فتخلف في رحالنا. قال لا تفعلوا ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم. قال فقال رجل من قريش مع القوم، واللات والعزى إن كان للؤم بنا أن يتخلف محمد بن عبد الله بن عبد المطلب عن طعام من بيننا. ثم قام إليه فاحتضنه وأجلسه مع القوم فلما رآه بحيرى جعل يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء من جسده، وقد كان يجدها عنده من صفته، حتى إذا
[ 9 ]
فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا قام إليه بحيرى وقال له يا: غلام أسألك بحق اللات والعزى إلا أخبرتني عما أسألك عنه. وإنما قال له بحيرى ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: لا تسألني باللات والعزى شيئا. فوالله ما أبغضت شيئا قط بغضهما. فقال له بحيرى: فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه ؟ فقال له سلني عما بدا لك. فجعل يسأله عن أشياء من حاله ونومه وهيئته وأموره. فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره فوافق ذلك ما عند بحيرى من صفته. ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه موضعه من صفته التي عنده، فلما فرغ أقبل على عمه أبو طالب فقال ما هذا الغلام منك ؟ قال ابني قال بحيرى ما هو بابنك وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا، قال فإنه ابن أخي. قال فما فعل أبوه ؟ قال مات وأمه حبلى به قال صدقت ارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه اليهود. فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم فأسرع به إلى بلاده، فخرج به عمه أبو طالب سريعا حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام. في هذا الوقت اشتد حرص أبي طالب على محمد صلى الله عليه وسلم. زواجه من خديجة كان عند زواجه منها في الخامسة وعشرين من عمره، لما اشتهر عندها من أمره وصدقه وأمانته، حيث كانت تستأجر الرجال في مالها، وتضاربهم إياه بشئ يجعله لهم، وكانت قريش قوما تجارا، فلما بلغها عن رسول الله ما بلغها من صدق حديثه، وعظم أمانته، وكرم أخلاقه
بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجرا، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار، فقبل رسول الله وخرج في مالها، وخرج معه غلامها ميسرة حتى قدم الشام، ثم باع سلعته التي خرج بها واشترى ما أراد أن يشتري ثم أقبل قافلا إلى مكة، ومعه ميسرة، فلما قدم على خديجه بمالها باعت ما جاء به، فأضعف، وبلغها من ميسرة من سيرة محمد صلى الله عليه وسلم بما ترتب عليه أن بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا ابن عمي إني قد رغبت فيك لقرابتك وشرفك في قومك وأمانتك وصدق حديثك، ثم عرضت عليه الزواج منها، وكانت حينئذ أوسط نساء قريش نسبا، وأعظمهن شرفا، وأكثرهن مالا، كل قومها كان حريصا على الزواج منها لو يقدر عليه، فلما قالت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذكره لأعمامه وخطبها وتزوجها وكان صداقها عشرين بكرة، وكانت أول امرأة تزوجها ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت رضي الله عنها. وقد ولدت لرسول الله أولاده كلهم - إلا إبراهيم والقاسم - وبه كان يكنى صلى الله عليه وسلم والطاهر والطيب ورقية وزينب وأم كلثوم وفاطمة، أما القاسم والطيب والطاهر فهلكوا في الجاهلية،
[ 10 ]
وأما بناته فكلهن أدركن الإسلام فأسلمن وهاجرن، وأما إبراهيم فأمه مارية القبطية التي أهداها إليه المقوقس عظيم قبط مصر. وقد توفي أبناؤه جميعا صلى الله عليه وسلم في حياته سوى فاطمة - رضى الله عنها - فقد تأخرت بعده بستة أشهر ثم لحقت به. في كسبه - صلى الله عليه وسلم - لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم عمل معين في أول شبابه، إلا أن المشتهر عنه أنه كان يرعى الغنم وكان قد رعاها في بني سعد فيما يروي، وكان يرعاها في مكة على قراريط، وقد عمل بالتجارة في مال خديجة رضي الله عنها، وذلك ما ينبئ به الرسول عن نفسه. في ما كان يشتغل به رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يتزوج خديجة
عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما بعث الله نبيا إلا راعي غنم " فقال له أصحابه وأنت يارسول الله ؟ قال: " وأنا رعيتها لأهل مكة بالقراريط " رواه البخاري عن أحمد بن محمد المكي عن عمرة بن يحيى به. ثم روى البيهقي من طريق الربيع بن بدر - وهو ضعيف - عن أبي الزبير عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " آجرت نفسي من خديجة سفرتين بقلوص " وروى البيهقي من طريق حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن عمار بن أبي عمار عن ابن عباس أن أبا خديجة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو - أظنه - قال سكران ثم قال البيهقي: أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان أنا عبد الله بن جعفر حدثنا يعقوب بن سفيان قال حدثني إبراهيم بن المنذر حدثني عمر بن أبي بكر المؤملي حدثني عبد الله بن أبي عبيد بن محمد بن عمار بن ياسر عن أبيه عن مقسم بن أبي القاسم مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل أن عبد الله بن الحارث حدثه أن عمار بن ياسر كان إذا سمع ما يتحدث به الناس عن تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة وما يكثرون فيه يقول: أنا أعلم الناس بتزويجه إياها، إني كنت له تربا وكنت له إلفا وخدنا، وإني خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم حتى إذا كنا بالحزورة أجزنا على أخت خديجة وهي جالسة على أدم تبيعها، فنادتني فانصرفت إليها ووقف لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: أما بصاحبك هذا من حاجة في تزويج خديجة ؟ قال عمار فرجعت إليه فأخبرته فقال " بلى لعمري " فذكرت لها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت اغدوا علينا إذا أصبحنا، فغدونا عليهم فوجدناهم قد ذبحوا بقرة وألبسوا أبا خديجة حلة، وصفرت لحيته، وكلمت أخاها فكلم أباه وقد سقي خمرا فذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم ومكانه وسألته أن يزوجه فزوجه خديجة وصنعوا من البقرة طعاما فأكلنا منه ونام أبوها ثم استيقظ صاحيا. فقال: ما هذه الحلة وما هذه الصفرة وهذا الطعام فقالت له ابنته التي كانت قد كلمت عمارا هذه حلة
[ 11 ]
كساكها محمد بن عبد الله ختنك وبقرة أهداها لك فذبحناها حين زوجته خديجة، فأنكر أن يكون زوجه، وخرج يصيح حتى جاء الحجر، وخرج بنو هاشم برسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءوه
فكلموه. فقال أين صاحبكم الذي تزعمون أني زوجته خديجة ؟ فبرز له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما نظر إليه قال إن كنت زوجته فسبيل ذاك وإن لم أكن فعلت فقد زوجته. وقد ذكر الزهري في سيرة أن أباها زوجها منه وهو سكران نحو ما تقدم حكاه السهيلي، قال المؤملي: المجتمع عليه أن عمها عمرو بن أسد هو الذي زوجها منه وهذا هو الذي رجحه السهيلي. وحكاه عن ابن عباس وعائشة قالت وكان خويلد مات قبل الفجار، وهو الذي نازع تبعا حين أراد أخذ الحجر الأسود إلى اليمن، فقام في ذلك خويلد، وقام معه جماعة من قريش ثم رأى تبع في منامه ما روعه، فنزع عن ذلك وترك الحجر الأسود مكانه. في شهادة الخصوم له صلى الله عليه وسلم قديما وجديدا وشهادة الخصوم في هذا الباب لها وزنها الكبير إذ تدلك على مبلغ الثقة التي كان يتمتع بها رسول الله عند الجميع، ولكن بعض الناس استغرب واستكبر فأنكر دون وجود مبرر لهذا الإنكار وهذه نصوص تؤكد لك هذا الذي قلناه. " أخرج البيهقي عن المغيرة بن شعبة قال: إن أول يوم عرفت فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أمشي أنا وأبو جهل في بعض أزقة مكة إذ لقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي جهل: " يا أبا الحكم هلم إلى الله ورسوله أدعوك إلى الله ". فقال أبو جهل: يا محمد هل أنت منته عن سبب آلهتنا ؟ هل تريد إلا أن نشهد أنك قد بلغت ؟ فنحن نشهد أن قد بلغت، فوالله لو أني أعلم أنا ما نقول حق لاتبعتك فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل علي فقال: والله إني لأعلم أن ما يقول حق ولكن يمنعني شئ. إن بني قصى قالوا: فينا الحجابة. قلنا نعم ثم قالوا: فينا السقاية قلنا نعم، ثم قالوا فينا الندوة فقلنا نعم، ثم قالوا فينا اللواء فقلنا نعم، ثم أطعموا وأطعمنا حتى إذا تحاكت الركب قالوا: منا نبي، والله لا أفعل " وأخرجه ابن أبي شيبة بنحوه. وأخرج الترمذي عن علي أن أبا جهل قال للنبي صلى الله عليه وسلم إنا لا نكذبك ولكن نكذب ما جئت به فأنزل الله تعالى (فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون). " وأخرج ابن عساكر عن معاوية (رضي الله عنه) قال: خرج أبو سفيان إلى بادية له مردفا
هندا وخرجت أسير أمامهما وأنا غلام على حمارة لي إذ سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو سفيان: انزل يا معاوية حتى يركب محمد فنزلت عن الحمارة وركبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسار أمامنا هنيهة ثم التفت إلينا فقال: يا أبا سفيان بن حرب ويا هند بنت عتبة والله لتموتن ث م لتبعثن ثم ليدخلن المحسن الجنة والمسئ النار، وأنا أقول لكم بحق وإنكم لأول من أنذرتكم
[ 12 ]
ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم " حم تنزيل من الرحمن الرحيم.. حتى بلغ - قالتا أتينا طائعين " فقال له أبو سفيان: أفرغت يا محمد ؟ قال نعم ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحمارة وركبتها وأقبلت هند على أبي سفيان: ألهذا الساحر أنزلت ابني قا ل: لا والله ما هو بساحر ولا كذاب " وأخرجه الطبراني أيضا. وروى البخاري ومسلم قصة أبي سفيان عند هرقل كما حدث بها أبو سفيان ابن عباس ومنها سؤاله لأبي سفيان هذا: " قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال. قال: قلت لا " وفي آخر القصة يقول هرقل لأبي سفيان: " وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال، فزعمت أن لا فعرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله تعالى ". وأخرج الشيخان والترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت (وأنذر عشيرتك الأقربين) صعد صلى الله عليه وسلم على الصفا فجعل ينادي يا بني فهر يا بني عدي لبطون قريش حتى اجتمعوا فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي ؟ قالوا: نعم جربنا عليك إلا صدقا قال فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ! قال أبو لهب: تبا لك يا محمد ألهذا جمعتنا فنزلت: (تبت يدا أبا لهب وتب). من هذه النصوص يتبين لك أن الثقة بصدق محمد صلى الله عليه وسلم كانت متوفرة ولم يكن هذا الموضوع فيه شك أبدا وهذا الذي يعلل لنا: ظاهرة الإيمان به من قبل حاربوه واحدا فواحدا طوعا لا إكراها أمثال خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعمر بن الخطاب... ذلك لأنهم ما كانوا يشكون في أن محمدا صادق،
ولكن فاجأهم بشئ لم يسمعوا به هم ولا آباؤهم فأنكروه، حتى إذا ذهب هول المفاجأة وحكموا عقولهم التقى صدق الفكر بالثقة الأساسية بشخص محمد صلى الله عليه وسلم فتولد عن ذلك إيمان. ظاهرة الإخلاص له بعد الإيمان: فبعضهم لم يؤمن إلا آخرا بعد أن غلب كبقايا قريش فإنهم أخيرا غلبوا للإسلام، وكان يمنعهم من ذلك ثارات وأحقاد وشبهات وشهوات، حتى إذا دخلوا فيه تسليما للأمر الواقع وإذا بهم مخلصون لرسول الله صلى الله عليه وسلم كأتم ما يكون الإخلاص، ومتفانون في الإسلام بعد أن زالت عن أعينهم غشاوات، من بعدها تبينوا أن محمدا هو الأخ الكريم والابن الكريم فكانت معرفتهم به وثقتهم بشخصيته أساسا لإخلاصهم في طريقهم الجديد الذي ساروا به بعد ذلك فرحين. وبعد فهذه شهادة خصوم: بعضهم أسلم بعد خصومة شديدة وبعضهم مات على كفره ولكن الجميع حتى في أشد حالات الخصومة كانوا مؤمنين أن محمدا صلى الله عليه وسلم صادق.
[ 13 ]
في تعبده قبل البعثة يذكر أهل السير أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعبد قبل البعثة على دين الحنيفية وذلك في غار حراء قال ابن كثير: وإنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الخلاء والانفراد عن قومه، لما يراهم عليه من الضلال المبين عن عبادة الأوثان والسجود للأصنام، وقويت محبته للخلوة عند مقاربة إيحاء الله إليه صلوات الله عليه وسلامه عليه. وقد ذكر محمد بن إسحاق عن عبد الملك بن عبد الله بن أبي سفيان بن العلاء بن حارثة - قال: وكان واعية - عن بعض أهل العلم قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج إلى حراء في كل عام شهرا من السنة يتنسك فيه وكان من نسك قريش في الجاهلية، يطعم من جاءه من المساكين حتى إذا انصرف من مجاورته لم يدخل بيته حتى يطوف بالكعبة. هكذا روي عن وهب بن كيسان أنه سمع عبيد بن عمير يحدث عبد الله بن
الزبير مثل ذلك، وهذا يدل على أن هذا من عادة المتعبدين في قريش أنهم يجاورون في حراء للعبادة ولهذا قال أبو طالب في قصيدته المشهورة: وثور ومن أرسى ثبيرا مكانه * * وراق ليرقى في حراء ونازل وهكذا صوبه على رواية هذا البيت كما ذكره السهيلي وأبو شامة وشيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي رحمهم الله، وقد تصحف على بعض الرواة فقال فيه: وراق ليرى في حر ونازل - وهذا ركيك ومخالف للصواب والله أعلم. وحراء يقصر ويمد ويصرف ويمنع، وهو جبل بأعلى مكة على ثلاثة أميال منها عن يسار المار إلى منى، له قلة شرفة على الكعبة منحنية والغار في تلك الحنية وما أحسن ما قال رؤبة من العجاج: فلا ورب الآمنيات القطن * * ورب ركن من حراء منحني وقوله في الحديث: والتحنث التعبد، تفسير بالمعنى، وإلا فحقيقة التحنث من حنث البنية فيما قاله السهيلي الدخول في الحنث ولكن سمعت ألفاظا قليلة في اللغة معناها الخروج من ذلك الشئ كحنث أي خرج من الحنث وتحوب وتحرج وتأثم وتهجد هو ترك الهجود وهو النوم للصلاة وتنجس وتقذر أوردها أبو شامة. وقد سئل ابن الأعرابي عن قوله يتحنث أي يتعبد. فقال: لا أعرف هذا إنما هو يتحنف من الحنيفية دين إبراهيم عليه السلام. قال ابن هشام: والعرب تقول التحنث والتحنف يبدلون الفاء من الثاء، كما قالوا جدف وجذف كما قال رؤبة: لو كان أحجاري مع الأجداف
[ 14 ]
يريد الأجداث. قال وحدثني أبو عبيدة أن العرب تقول فم في موضع ثم - قلت: ومن ذلك قول بعض المفسرين وفومها أن المراد ثومها. وقد اختلف العلماء في تعبده عليه السلام قبل البعثة هل كان على شرع أم لا ؟ وما ذلك
الشرع ؟ فقيل شرع نوح وقيل شرع إبراهيم. وهو الأشبه الأقوى. وقيل موسى، وقيل عيسى، وقيل كل ما ثبت أنه شرع عنده اتبعه وعمل به. ولبسط هذه الأقوال ومناسباتها مواضع أخر في أصول الفقه والله أعلم. الجبل الذي يقع في قمته هذا الغار يسمى جبل النور، وهو يقع إلى الشمال الشرقي من مكة، ويبعد عنها حوالي خمسة كيلومترات ويذهب إليه الآن كثير من الناس للتبرك والزيارة، وصعود هذاالجبل شاق للغاية، وقد يحتاج الصاعد إلى استعمال يديه ورجليه في بعض الأحايين ليتقي السقوط، وفي قمة هذاالجبل بركة من ماء لا ينقطع ماؤها صيفا ولا شتاء، وهذا المكان جوه جميل للغاية ونقي من الأتربة، وجميل الهواء، والغار يشبه حجرة صغيرة مدخلها إلى الأمام وفي خلفها الجبل الشاهق وأمر عجيب كيف كان يصعد الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الجبل ويختلي بهذا الغار. في بعثة - صلى الله عليه وسلم - وبدء الوحي من المعلوم بالضرورة أن جميع الرسل الذين اصطفاهم الله من عباده لم ينطقوا فيما بلغوه عن ربهم عن الهوى. وعلى هذا النحو كان التكليف بالصلوات الخمس إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج، دع عنك ما يلوكه المستشرقون الماديون من أنهم لا يكذبون محمدا صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به عن الوحي ولكنهم يقولون: إن منبع ذلك من نفسه، وليس فيه شئ جاء من عالم الغيب، لأن الغيب لم يثبت عندهم وجوده وأيسر ما يرد به افتراؤهم أمران: أولهما: ما استفاص من أمر أمانة النبي صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه. ثانيهما: أن الله تعالى حرم على رسول صلى الله عليه وسلم أن يخوض فيما خاض قومه من قرض الشعر والتعمل له على ما يشهد به قوله سبحانه (وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين) (سورة يس 69). ولقد كان وحيا ذلك الذي يصدر عنه النبي صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا وتقريرا.
يذكر أهل السنة أن عمره عند البعثة كان أربعين سنة وينقلون واقعة بدء الوحي. قال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا
[ 15 ]
الصادقة في النوم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء. فجاءه الملك فقال اقرأ. فقال: ما أنا بقارئ. قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: (اقرأ بسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق إقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم) فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: " زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة - وأخبرها الخبر - لقد خشيت على نفسي. فقالت خديجة: كلا والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم وتقري الضيف. وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة، وكان أمرا قد تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الأنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب. وكان شيخا كبيرا قد عمي. فقالت له خديجة: يا ابن عم ! سمع من ابن أخيك فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى. فقال له ورقة: هذا الناموس الذي كان ينزل على موسى، يا ليتني فيها جدعا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أو مخرجي هم ؟ " فقال: نعم. لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا. ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي فترة. حتى حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم: - فيما بلغنا - حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي
نفسه تبدى له جبريل فقال: يا محمد إنك رسول الله حقا فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه فيرجع فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا كمثل ذلك. قال فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك. هكذا وقع مطولا في باب التعبير من البخاري. قال ابن شهاب: وأخبرني أبو سلمة عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله الأنصاري قال - وهو يحدث عن فترة الوحي - فقال في حديثه: " بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض. فرعبت منه. فرجعت فقلت: زملوني، زملوني فأنزل الله: (يا أيها المدثر، قم فأنذر، وربك فكبر، وثيابك فطهر، والرجس فاهجر) فحمي الوحي وتتابع، ثم قال البخاري تابعه عبد الله بن يوسف، وأبو صالح، يعني عن الليث، وتابعه هلال بن داود عن الزهري، وقال يونس ومعمر: - بوادره - وهذا الحديث قد رواه الإمام البخاري رحمه الله في كتابه في مواضع منه.
[ 16 ]
وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث الليث به، ومن طريق يونس ومعمر عن الزهري كما علقه البخاري عنهما، وقد رمزنا في الحواشي على زيادات مسلم ورواياته ولله الحمد وانتهى سياقه إلى قول ورقة: أنصرك نصرا مؤزرا. فقول أم المؤمنين عائشة أول ما بدئ به الوحي الرؤيا الصادقة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، يقوي ما ذكره محمد بن إسحاق بن يسار عن عبيد بن عمر الليثي أن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: " فجاءني جبريل وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب. فقال: اقرأ، فقلت ما أقرأ ؟ فغطني، حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني " وذكر نحو حديث عائشة سواء، فكان هذا كالتوطئة لما يأتي بعده من اليقظة، وقد جاء مصرحا بهذا في مغازي موسى بن عقبة عن الزهري أنه رأى ذلك في المنام ثم جاءه الملك في اليقظة. وقد قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتابه دلائل النبوة: حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة حدثنا جناب بن الحارث حدثنا عبد الله بن
الأجلح عن إبراهيم عن علقمة بن قيس. قال: إن أول ما يؤتى به الأنبياء في المنام حتى تهدأ قلوبهم ثم ينزل الوحي بعد وهذا من قبل علقمة بن قيس نفسه وهو كلام حسن يؤيده ما قبله ويؤيده ما بعده. في أطوار دعوته - صلى الله عليه وسلم - وقد مرت بثلاثة مراحل: المرحلة الفردية: وقد آمن في هذه المرحلة زوجه وابن عمه علي، وزيد مولاه ثم دعا الرسول أبا بكر، وكانت له به صلة فآمن به، وعن طريق أبي بكر أسلم السابقون الأولون، عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبيد الله وأبو عبيدة بن الجراح والأرقم، الذي اتخذت داره لتكون مقرا للدعوة السرية للدين الجديد، ودخل مع هؤلاء مجموعة من الموالي والفقراء، وقد استمرت هذه الدعوة ثلاث سنوات. دعوة بني عبد المطلب وهي المرحلة التي تلت المرحلة الأولى، وكانت تنفيذا لقول الله تعالى (وأنذر عشيرتك الأقربين) (الشعراء 214). وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب ليجتمعوا به، فلما حضروا قال لهم: أني ما أعلم
[ 17 ]
شابا جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، فلقد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وبلغهم دعوته، فصدق به بعضهم وكذب آخرون، وكان عمه أبو لهب هو وزوجته من أشد الناس قسوة عليه، فقد هتف به أبو لهب قائلا: تبا لك، ألهذا دعوتنا ؟ فنزل قوله تعالى: (تبت يدا أبي لهب...) (إلى آخر سورة المسد). الدعوة العامة
وكانت هذه الخطوة في الدعوة تنفيذا لقول الله تعالى: (فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين) (الحجر 94) فانطلق الرسول صلى الله عليه وسلم على إثر نزول هذه الآية يجاهر بالدعوة، يدعو السادة والعبيد، والغرباء والأقربين، ثم يتجاوز مكة إلى البلاد الأخرى. وقد تناول الكتاب كل جوانب حياة المصطفى صلى الله عليه وسلم من حيث حياته البشرية وحياة أزواجه وحياة نبيه وحياة صحابته، ومن حيث تعبده وصلاته وصفاته الخلقية والخلقية وقد جمع في ذلك فأوعى. وصلى على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. السيرة بين السلف والخلف لقد نالت حياة النبي صلى الله عليه وسلم بما حفلت به من أقوال وأفعال وتقريرات عناية العلماء قديما وحديثا، وكان تأليف العلماء في السيرة قديما يحمل طابعا يرغب عنه الجم الغفير من مسلمي العصر الحديث الذين لم يكن لهم إلمام علمي واسع رغبة في مطالعة أحوال النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجدوا بدا من اللجوء إلى الكتابات العصرية في السيرة النبوية وكان من أفضل بما نبه على ذلك المفكر الإسلامي الكبير أنور الجندي مبينا ما لها من مميزات وعيوب، وقد آثرنا إثبات ما نشر عنه في مؤتمر السيرة النبوية برمته تتميما للفائدة "، فقال: إن العمل الذي قام به الكتاب العصريون لتقديم السيرة النبوية. قد أدى دورا لا بأس به، وأحدث آثارا طيبة في نفوس المسلمين. ولكنه لم يكن عملا أصيلا على طريق التطور الطبيعي لكتابة السيرة من منطق المفهوم الإسلامي الجامع القائم على أساس التقدير الكامل للوحي والنبوة والغيبات والمعجزات. ومن هنا كان عجزه وقصوره الذي جعله في تقدير الباحثين قائما على التبعية والاحتواء للمناهج الغربية التي لم تكن عمليتها إلا مظهرا خادعا يخفي من ورائه الأهواء والخلافات بين الأديان ونزعة الاستعلاء الغربية ومطابع النفوذ الغربي في السيطرة على الفكر الإسلامي والتاريخ الإسلامي حتى لا يحقق ابتعاثه الأصيل هدفا يجدد حضارة الإسلام ويفتح الطريق لقيام المجتمع الإسلامي.
[ 18 ]
لقد احتوى هذا العمل على مجموعة من الأخطاء الأساسية التي كان مصدرها تبني أسلوب المستشرقين وتبني وجهات نظرهم وهم أساسا لا يعترفون بالإسلام دينا خاتما ولا بالنبي محمد. ولا يؤمنون بالوحي ولا يفرقون كما يفرق المسلمون بين الألوهية والنبوة. وفي مقدمة هذا البحث، نؤكد أن كتابات العصريين في السيرة النبوية كانت في عصرها أمرا محببا أقبل الناس عليه وقدمت سيرة الرسول وعظمة الإسلام للجماهير التي كانت لا تلم بالدراسات العلمية إلا قليلا. فقد كتبت هذه الفصول أول الأمر في المجلات الأسبوعية، الذائعة (السياسية الأسبوعية. والرسالة) مما كان لها أثرها في الانتشار والذيوع. وقد اختلفت فعلا عما سبقها من كتابات السيرة التي نشرت في مؤلفات لغلبة الأسلوب الصحفي الميسر. ولقد كانت هذه الكتابات في تقدير المؤرخين والباحثين على حالتين: الحالة الأولى: العامل القريب والمباشر وهو ظهور حركة التبشير المسيحي الضخمة في القاهرة عن طريق الجامعة الأمريكية عام 1932 وتنصير عدد من الطلاب المسلمين بها وكان ذلك جزءا من موجة ضخمة قام بها الغرب بعد أن استردت الفاتيكان الأموال الطائلة التي كانت قد احتجزتها الحكومة الإيطالية عنها. الحالة الثانية: أثر الحرب العالمية الثانية في نفوس الناس بالدعوة إلى الرجعة إلى الدين والتطلع إلى آفاق جديدة تقدمها رسالا ت السماء وفي مقدمتها الإسلام. غير أن هناك عوامل أخرى خفية وراء ظواهر الأحداث تحدثت عنها كتابات الباحثين والمراقبين لهذه الأحداث منها: أولا: رغبة حزب الأحرار الدستوريين في كسب مشاعر الوطنيين بعد أن عرف عنه أنه
الحزب الذي يجمع دعاة التغريب وأساطينه والذي صدرت من تحت عباءته الكتب التي أثارت الضجة وخالفت مفاهيم الإسلام الأساسية وهزت مشاعر الناس وفي مقدمتها (الشعر الجاهلي لطه حسين) و (الإسلام وأصول الحكم لعلي عبد الرزاق). وكانت الفكرة التي استقر عليها الرأي هو الدخول إلى مشاعر المسلمين من طريق الكتابة عن الرسول صلى الله عليه وسلم (هذا بالنسبة لكتاب حياة محمد للدكتور هيكل). ثانيا: الموقف الذي أحدثته الحرب العالمية من ائتلاف بين البلاشفة والرأسماليين في
[ 19 ]
وجه النازية وما تسرب إلى البلاد العربية من دعايات شيوعية ورغبة العرب في مواجهتها عن طريق تزييف مفهوم الماركسية عن البطولة الجماعية ورد الاعتبار للبطولة الفردية التي كانت عنوانا على الفكر الليبرالي الغربي. ومن هنا كانت الكتابة عن البطولات الإسلامية من منطلق غربي " هذا بالنسبة للعبقريات ". وقد ظهرت هذه الكتابات متفرقة في الصحف: حياة محمد في ملاحق السياسة 1932 على أنها ترجمة وتلخيص لكتاب إميل در منجم وكانت تنشر تحت هذا العنوان (حياة محمد. تأليف إميل درمنجم. تلخيص وتعليق الدكتور محمد حسين هيكل) ثم ظهرت فصول (على هامش السيرة) في الأعداد الأولى من مجلة الرسالة التي صدرت 1933 بقلم الدكتور طه حسين. أما فصول (عبقرية محمد) فقد بدأت عام 1942 بقلم الأستاذ العقاد في أحد الأعداد السنوية الخاصة بالهجرة بعد أن اشتعلت الحرب العالمية الثانية بعامين. وكان الكتاب الثلاثة من المعروفين في مجال الدراسات الأدبية والسياسية بأنهم عصريون ليبراليون علمانيون، قليلو الاهتمام بالدراسات الإسلامية. بل كانت جريدة السياسة تحمل حملات ضخمة على الإسلام (هيكل - طه حسين - علي عبد الرازق - محمد عبد الله عنان) وتؤازر الغزو الثقافي، بل لقد حمل الأستاذ العقاد حملة ضارية على الكتب الإسلامية التي صدرت عام 1935 في جريدة روز اليوسف اليومية وعدها ظاهرة خطيرة وقال: إن هذه
الكتابات بمثابة مؤامرة على القضية الوطنية، وتردد يومها أن الدكتور محمد حسين هكيل قد أحرز قدرا ضخما من الكسب المادي من كتابه ومن ثم أصبحت الكتابة الإسلامية موضع تقدير في نظر الكتاب، غير أن أخطر ما هنالك أن الدكتور هيكل وعلي عبد الرزاق أعلنا موقفا خطيرا في مجلس الشيوخ عندما أثير النقاش في كتابات طه حسين ووقفا للدفاع عنه وتبين من ذلك أن الكتابة عن الإسلام لم تكن تصدر عن إيمان برسالة الإسلام (دينا ودولة) وإنما كانت من الأعمال السياسية والحزبية. وإذا كانت كتب: حياة محمد، وعلى هامش السيرة، والعبقريات، قد هزت وجدان الشعب المسلم وقتها وأحدثت نوعا من الإعجاب والتقدير فإن هذا كان هدفا مقصودا من الجهات التي شجعت ذلك وهو: أولا. مواجهة حركة اليقظة الإسلامية التي كانت تهدف إلى تقديم الإسلام كمنهج حياة ونظام مجتمع بكتابات إسلامية من أقلام لها مكانتها السياسية في الجماهير لتحويل التيار نحو المفاهيم العلمانية والليبرالية وهو ما يسمى (تقديم البديل) المتشابه ظاهريا والمختلف جوهرا وهو بهذا استجابة ظاهرية للموجة الإسلامية ومحاولة لاحتوائها. ثانيا: فرض المفهوم الغربي على السيرة والتاريخ الإسلامي وهو المفهوم المفرغ من الوحي والغيبيات والمعجزات.
[ 20 ]
ولكن هذه الظاهرة بالإعجاب بكتب الليبراليين عن السيرة لم تدم طويلا فقد تكشفت خفاياها وظهر أن منهج الكتابة في هذه المؤلفات لم يكن إسلاميا أصيلا وإنما تشوبه التبعية لمفاهيم الاستشراق والتغريب حتى يمكن أن يقال في غير ما حرج: إن المؤلفات الثلاثة الكبرى (حياة محمد - على هامش السيرة - عبقرية محمد) هي نتاج غربي يعتمد على مذاهب الكتابة الغربية ويخضع لكثير من أخطائها ويسقط بحسن نية وراء مفاهيمها الكنسية والمادية. ويختلف اختلافا واضحا عن مفهوم الإسلام الجامع. ولقد تطورت الدراسات الإسلامية في ظل حركة اليقظة الإسلامية واستطاعت أن
تتحرر من هذه المرحلة التي كانت تمثل التبعية للفكر الغربي في دراسات التاريخ الإسلامي وكتابة السيرة وهي التي قامت على مفهوم يتسم بالتأويل للمعجزات ومحاولة حجب الكثير من وجوه الإعجاز ومتابعة المستشرقين في مفاهيمهم لسيرة النبي الكريم. وفي الكتب الثلاثة نجد أن العمل يبدأ غربيا ثم يفرض على سيرة الرسول. فالدكتور هيكل يبدأ عمله في كتابة السيرة بترجمة كتاب (أميل درمنجم) الكاثوليكي الفرنسي ويتبنى كثيرا من آرائه التي يمكن أن توصف بالخطأ أو عدم القدرة على فهم الإسلام أو تبني عقائد النصارى أو متابعة هدف يرمي إلى التقريب بين الأديان أو الدعوة إلى وحدة الأديان (وهو هدف ضال). والأستاذ العقاد يبدأ عمله بمنطق غربي محض هو فكرة (العبقرية) التي تناولتها كتابات الغربيين شوطا طويلا عن نوع من الامتياز أو الذكاء في مجال الفن والموسيقى والشعر والقصة في الغرب ويسحب هذا الوصف على النبي المؤيد بالوحي وعلى العظماء من الصحابة دون تفرقة واضحة بين النبي والصحابي. والدكتور طه حسين يعلن في غير ما حرج أنه استوحى (هامش السيرة) من كتاب جيل لومتير عنوانه (على هامش الكتب القديمة) وأنه يحشد فيه كل ما استطاع من أساطير اليونان والمسيحية واليهودية والإسرائيليات وهكذا يتبين تبعية هذه الدراسات أصلا للفكر الاستشراقي. ويمكن تصنيف الأخطاء التي وقعت فيها المدرسة التغريبية في كتابة السيرة على هذا النحو: أولا: متابعة مناهج ودراسات كتاب الاستشراق فقد عمد الكتاب الكبار الثلاثة إلى البدء في كتابة السيرة من منطلق غربي استشراقي.
[ 21 ]
فالدكتور هيكل معجب بكتاب إميل درمنجم وما يحويه من آراء تقرب مسافة الخلاف بين
الإسلام والنصرانية ومن ذلك نراه يتابعه في مجموعة من الآراء تختلف مع مفهوم الإسلام الأصيل وإن كان هيكل قد رد على آراء المستشرقين في مسائل الإ أنه قد خضع لمناهج المستشرقين ولمفهومهم في الفلسفة، بالنسبة للمعجزات وبالنسبة للإسراء والمعراج وبالرغم من نوايا الدكتور هيكل الطيبة في تقديم صورة بارعة للرسول صلى الله عليه وسلم فإن موقفه من إنكار المعجزات والغيبيات وتجاهلها حتى وإن وردت في القرآن والسنة - على حد قوله - كان مأخذا كبيرا في تعليل قيمة العمل الذي قام به. فقد أنكر عددا من المعجزات الثابتة بصريح القرآن ومتواتر السنة، كنزول الملائكة في بدر، وطير الأبابيل، وشق الصدر والإسراء وأن (اقرأ) كانت مناما وأول ذلك كله إرضاء للمنهج العلمي الغربي الذي أعلنه وأعلن التزامه به فاعتبر الإسراء سياحة الروح في عالم الرؤى، ووصف الملائكة الذين أمد الله بهم المسلمين في غزوة بدر بالدعم المعنوي، ووصف طير الأبابيل بداء الجدري، واعتبر شق الصدر شيئا معنويا، واعتبر لقاء جبريل بالنبي في حراء مناما، وبذلك عمد إلى تفريغ تاريخ النبي من الحقائق الغيبية والمعجزات وقصر موقفه على أن للنبي معجزة واحدة هي القرآن الكريم مع أن الخوارق والمعجزات لا يمكن إن تتنافى في جوهرها مع حقائق العلم وموازينه وقد سميت خوارق لخرقها لما هو مألوف أمام الناس، وما كان للمألوف أو العادة أن يكون مقياسا علميا لما هو ممكن وغير ممكن، ولما كان الله تبارك وتعالى هو صانع النواميس فإنه هو وحده القادر على خرقها متى شاء. يقول الشيخ محمد زهران: ولقد علل الدكتور هيكل إنكاره جميع المعجزات المحمدية (غير القرآن) بأنها مخالفة للسنة الإلهية، وزعم أن روايات معجزاته صلى الله عليه وسلم موضوعة، قصد واضعها إما أن يجعل لنبينا مثل ما لموسى وعيسى عليهما السلام، وإما أن يشكك الناس في صحة آية (ولن تجد لسنة الله تبديلا). ولا شك أن دعوى استحالة خرق العادات المعبر عنه كتابه بمخالفة السنن يستلزم التسليم بها إنكار الإسلام من أصله وتكذيب الأديان كلها ومنها إنكار الأحاديث التي أطبق
على قبوله أئمة الحديث وغيرهم مع تواتزها والإجماع على مضامينها. موقف النبي - صلى الله عليه وسلم - من وفاة إبراهيم: كذلك فقد كانت الصورة التي رسمها الدكتور هيكل عن حزن الرسول صلى الله عليه وسلم لوفاة ابنه إبراهيم مما لا يتفق مع جلال النبوة وعظمة الرسالة إذ صوره - صلوات الله وسلامه عليه - واضعا ولد ه في حجره وعيناه تذرفان الدموع مدرارا ولسانه ينطق بألفاظ يشيع منها الحزن والأسى
[ 22 ]
وتقطر غما وتأثرا مما يشبه أن يكون ضعفا عن احتمال صدمة الحادث... والحقيقة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمى قدرا من أن يصدر منه ما صوره الدكتور هيكل هياما في الخيال والشعر والقصص. وإنما أظهر رسول الله ما أظهر من حزن سام وذرفت عيناه دموعا مطهرة لا يذرفها إلا الله. ولا يمكن أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد بدت منه الألفاظ التي نسبها إليه الدكتور هيكل منساقا مع شعوره حين حزن هو على فقد ولده ولأجل هذا غير اسم كتاب رحلته إلى أوربا إلى عنوان (ولدي). إن رسول الله يعلم علم اليقين وحق اليقين أن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وأن ولده إبراهيم لن يعيش طويلا حيث يقول الله تبارك وتعالى (ما كا ن محمدا أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين) ولقد مات له ولدان من قبل احتسبهما في رضى وإيمان. تقبل وجهات نظر درمنجم في مسائل أساسية: وقد أخذ على الدكتور هيكل تقبل وجهات نظر إميل درمنجم في تصوره أن النبي قد تأثر بأهل الكتاب في الجزيرة العربية أو في ذهابه إلى الشام أو في إرسال بعض أصحابه إلى الحبشة المسيحية، فقد جرى هيكل وراء عبارات درمنجم دون أن يتبين مكره وخبثه حين حاول أن يصور دعوة النبي أصحابه إلى الهجرة إلى الحبشة لأنها مسيحية، ويتساءل الدكتور حسين الهراوي الذي ناقش هيكلا في هذه النقطة: هل حقيقة كانت الهجرة إلى الحبشة لأنها مسيحية. ويقول إن دمرنجم شأن المستشرقين بتر هذه القصة بصفة مشوهة للحقيقة. فلم يكن
الدافع للنجاشي ورعه وتقواه ولم يكن سبب عطفه ورحمته ذلك الدافع الديني بل الدافع الحقيقي أن هذا النجاشي كان عادلا وهذه هي الخلة التي ذكرها النبي حين قال: " لأن فيها ملكا لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق ". ومن مراوغات درمنجم تفسيره للآية الكريمة: (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك). يريد درمنجم أن يقول: إن القرآن طلب إلى النبي سؤال أهل الكتاب وأن الله تعالى رضي للناس الإسلام دينا مع بقاء الأديان التي سبقت، وحدة مندمجة. فيما أسماه الكمال الروحي. ولا ريب أن هذه مراوغة خطيرة من الاستشراق يحاول بها أن يفسر الآيات القرآنية تفسيرا يخدم بها أهدافه، والحقيقة أن الإسلام جاء ليظهره الله على الدين كله وأن الأديان كلها التي سبقت كانت موصلة إليه لولا أن قادتها حرفوها. ثانيا: ظاهرة إنكار المعجزات وتأويلها إرضاء للمنهج الغربي وباسم إعلاء نظرة العقل: هذه الظاهرة واضحة تماما في كتابات هيكل وطه حسين والعقاد وقد قامت عليها
[ 23 ]
كتاباتهم في (حياة محمد وهامش السيرة والعبقريات) وكانت لها جذور ممتدة في كتابات الشيخ محمد عبده وفريد وجدي وقد هاجمها الشيخ مصطفى صبري شيخ الإسلام في الدولة العثمانية في كتابه الضخم (موقف العلم والعالم من رب العالمين). وقد جرى الكتاب الثلاثة هذا المجرى باسم (المنهج العلمي الغربي). والحقيقة أن المنهج العلمي هو منهج إسلامي الأصل والمصدر على خلاف دعوى بعض المتأثرين بالدراسات الغربية. ولقد كان من أبرز أهداف التغريب التأثير في أسلوب كتابة التاريخ الإسلامي وفي مقدمة ذلك (سيرة النبي الأعظم) إيمانا منهم بأن هذه الصفحات الباهرة من شأنها إذا عرضت عرضا صحيحا أن تبعث الأحاسيس العميقة في قلوب شباب المسلمين ومن هنا كانت محاولتهم المسمومة في إدخال أسلوب عصري له طابع براق ولكنه يخفي من
وراء ذلك إطفاء الأضواء التي يقدمها هذا التاريخ من حيث الصلة بالله تبارك وتعالى والإعجاز الرباني الواضح في كل مواقف حياة النبي صلى الله عليه وسلم وفي تاريخ الإسلام وفتوحاته. ولما كان هذا العمل هو بمثابة هدف واضح الدلالة في مخطط الاحتواء الغربي الذي يرمي إلى التقليل من شأن البطولات الإسلامية ووضعها موضع المقارنة مع البطولات الغربية من خلال النواحي المادية وحدها فقد حجبت هذه الدراسات جانبا كبيرا من أثرها المعنوي والروحي الذي يهز النفوس ويملؤها بالثقة واليقين في عظمة هذا الدين الخاتم وفي سعة العطاء الرباني لنبيه. ومن هنا كان ذلك الأسلوب المسمى بالعلمي الذي اصطنعه كتاب لهم أسماء لامعة ولم تكن سابقة في الدراسات الإسلامية بل كانوا غارقين في دراسات الغرب وبطولات رجاله (جان جاك روسو، فولتير، مونتسكيو، أرسطو الخ) في محاولة للتقليل من قدر أحداث السيرة النبوية تحت اسم العقلانية وإنكار المعجزات والجوانب الغيبية والإعراض عن الجوانب ذات الصلة بالإيمان والعقيدة واليقين والتقوى وغيرها. ولقد استطال الدكتور هيكل في مقدمة كتابه بإعجابه وتبنيه للطريقة العلمية الحديثة وأشار إلى ميزاتها وأفضليتها. ولكن الشيخ محمد مصطفى المراغي في مقدمته لكتاب حياة محمد لم يخف عليه هدف هذا فقال: " أما أن هذه الطريقة حديثة فهذا ما يعتذر عنه وقد ساير الدكتور (هيكل) غيره من العلماء في هذا، ذلك لأنها طريقة القرآن كما اعترف هو ولأنها طريقة علماء سلف المسلمين. انظر كتب الكلام تراهم يقررون أن أول واجب على المكلف معرفة الله. فيقول آخرون: لا، إن أول واجب هو الشك، ثم إنه لا طريق للمعرفة إلا البرهان وقد جرى الإمام الغزالي على الطريقة نفسها، وقد قرر في أحد كتبه أنه جرد نفسه من جميع الآراء ثم فكر وقدر ورتب ووازن وقرب وباعد ثم اهتدى بعد ذلك كله إلى أن الإسلام حق وإلى ما
[ 24 ]
اهتدى إليه من الآراء. وأنت واجد في كتب الكلام في مواضع كثيرة حكاية (تجريد النفس) عما ألفته من العقائد. ثم البحث والنظر فطريق التجريد طريق قديم وطريق التجربة والاستقراء
طريق قديم، والتجربة والاستقراء التام وليدا الملاحظة فليس هناك جديد عندنا. ولكن هذه الطريقة القديمة بعد أن نسيت في التطبيق العلمي والعملي في الشرق وبعد أن فشا التقليد وأهدر العقل وبعد أن أبرزها الغربيون في ثوب ناصع وأفادوا منها في العلم والعمل رجعنا نأخذها ونراها طريقا في العلم جديدة " 1 ه. وهكذا تبين للمدرسة الحديثة أن الإسلام هو واضع الأسس لهذا المنهج العلمي الذي أخذوا به، وإن لم يعطوه حقه من الأصالة الإسلامية بل قصروه على الجوانب المادية ففاتهم خير كثير، نظرا لأن خلفياتهم مع الأسف كانت عربية ولم يكونوا قد قرأوا من التراث الإسلامي ما يمكنهم من معرفة الحقيقة كاملة. لقد كتبت هذه الدراسات بالرغم من حسن النية عند البعض بصورة قاصرة خالية من الإيمان اليقين تحت اسم العلم الذي لا يعترف للنبي صلى الله عليه وسلم إلا بمعجزة واحدة هي القرآن، وكان من رأي فريد وجدي وهيكل الإعراض عن الخير الصادق الذي ثبت في الكتاب والسنة إذا عارض طريق العلم وبذلك حجبوا عن السيرة النبوية أهم جوانبها وأخطرها على الإطلاق وهو (جانب معجزة الوحي الإلهي وعالم الغيب). ولطالما ردد هيكل وطه حسين وغيرهما كلمة العلم والمنهج العلمي. والحقيقة أنهم ما كانوا يقصدون (العلم التجريبي) الذي يقوم في المعامل على أساس الأنابيق. وإنما العلم الذي قصدوا إليه والذي لقن لهم هو الفلسفة المادية التي قدمها التلموديون وكانت قد استفحلت في الغرب بعد القضاء على الفلسفة المثالية المسيحية، وهي فلسفة التنوير كما يقولون. قامت على إنكار جوانب الإنسان الروحية والمعنوية وتصويره بصورة الحيوان والحيوان الناطق والخاضع لشهوتي الطعام والجنس (ماركس وفرويد) وقد امتد هذا الأثر إلى علوم الاجتماع والأخلاق والتربية والأدب والسياسة جميعا ولم يكن هذا في الحقيقة هو العلم، وما كانت هذه الصيحات تساوي شيئا لأن هذه المفاهيم كانت سرعان ما تتعثر وتسقط أمام المتغيرات فضلا عن أنه قد ثبت - من بعد - عجز العلم التجريبي عن أن يقول (كيف)
وعجز الدراسات المادية أن تكشف سرائر العلوم الإنسانية. ولقد كانت هذه الدراسات مع الأسف خاضعة لفكرتين مسمومتين قائمتين في نفوس وعقول كتاب الغرب والتغريب هما: 1 - فكرة (إخضاع الدين لمقاييس العلم) في أفق الفكر الإسلامي كما فعل الغرب وهي
[ 25 ]
فكرة مردودة لعمق الفوارق بين الإسلام وبين المسيحية وقد تبين من بعد أنه ليس في الإمكان إخضاع الدين لمقاييس العلم. 2 - تخليص الفكر الإسلامي من سائر الغيبيات التي لا تخضع لمقاييس العلم الحديث. ومن هنا كانت محاولة إخضاع السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي لهذا المفهوم وهو ما جرى عليه كتاب التغريب من استبدال السند والرواية وقواعد التحديث وشروطه بأسلوب جديد (زائف) من الاستنتاج الشخصي المتصل بذوق ومزاج كل كاتب على حدة. فطه حسين تابع لمذهب العلوم الاجتماعي،. والعقاد تابع لمذهب العلوم النفسية، وهيكل تابع لمذهب تين وبرونتير الخ. هذا الأسلوب الذاتي خطير جدا لأنه لا يقوم على قواعد أساسية علمية وإنما يقوم على أساس (الظن وما تهوي الأنفس) هذا الأسلوب يتيح لأصحابه أن يقبلوا وقائع وأحداثا وأن يغضوا عن غيرها ما يختلف مع وجهتهم المسبقة، من هنا كان خطورة هذا المذهب في (استبعاد ما يخالف المألوف مما يدخل في باب المعجزات والغيبات) في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم. كذلك فقد حاول دعاة التغريب الاستفادة من هذا الاتجاه ملحظا خطيرا هو القول بأن الغاية منها هو ما أطلق عليه (فكرة الاندماج الكلي في الكمال الروحي) وأنها جميعا وحدة متصلة تربط البشرية في فكرة واحدة. وهذه محاولة مضللة لأن الأديان مترابطة من حيث أن أولها يوصل إلى آخرها ولكن رؤساء الأديان غيروا وبدلوا وبذلك جاء الإسلام مرة أخرى يربط نفسه بدين إبراهيم ليعيد هذه
الوحدة في مفهومها الصحيح. ثالثا: إنكار معطيات الرسالة الخاتمة: ومن ذلك ما أورده الدكتور زكي مبارك في كتابه (النشر الفني) من أنه كان للعرب في الجاهلية نهضة علمية وأدبية وسياسية وأخلاقية واجتماعية وفلسفية كان الإسلام تاجا لها أي أن الإسلام كان نتيجة وتاجا لتلك النهضة لا سببا لها. يقول: لأنه لا يمكن لرجل فرد مثل النبي محمد صلى الله عليه وسلم أن ينقل أمة كاملة من العدم إلى الوجود ومن الظلمات إلى النور ومن العبودية إلى السيادة القاهرة، كل هذا لا يمكن أن يقع من دون أن تكون هذه الأمة قد استعدت في أعماقها وفي ضمائرها وفي عقولها بحيث استطاع (رجل واحد) أن يكون منها (أمة متحدة) وكانت قبائل متفرقة وأن ينظم علومها وآدابها بحيث تستطيع أن تفرض سيادتها وتجاربها وعلومها على أجزاء مهمة من آسيا وأفريقيا وأوروبا في زمن وجيز ولو كان يكفي أن يكون الإنسان نبيا ليفعل ما فعله النبي محمد لما رأينا أنبياء أخففقوا ولم يصلوا لأن أممهم لم تكن صالحة للبعث والنهوض.
[ 26 ]
وهذا واحد من اتهامات التغريب والاستشراق المسمومة حملها قلم رجل مسلم اعتقد هذا الاعتقاد وتعلم في الغرب يحاول أن يرد نهضة العرب بعد الإسلام لا إلى النبوة والرسالة وما أنزل الله على الرسول من دين ولكن إلى علوم وآداب وتجارب كانت عند العرب وأن كل ما فعله النبي هو أنه نظمها حتى استطاع أهلها أن يسودوا في القارات الثلاث في زمن وجيز. يقول الدكتور محمد أحمد الغمراوي: إن تاريخ العلوم في الأمة العربية بعد الإسلام معروف كما أن مقاومة العرب للنبي ودعوته ومحاربتهم له ولها معروفة ولكن الرجل ينكر التاريخ ويفتري تاريخا آخر، ويزعم زعما لا يجوز ولا يستقيم في منطق أو تفكير إلا إذا كان القرآن كلام النبي، كلام محمد العربي، لا كلام الله. عندئذ فقط يعقل أن يكون العرب على ما وصف الدكتور من نهضة وعلم وأدب لأن القرآن أكثر من نهضة وعلم وأدب ولا يعقل إن كان
كلام بشر أن يأتي صاحبه في أمة جاهلة كالتي أجمع على وجودها قبل الإسلام مؤرخو اللغة العربية من شرقيين ومستشرقين ومؤرخو الإسلام. وهكذا نجد الدكتور زكي مبارك يهدر مقام النبوة الإسلامية بمقاييس المادية البحتة التي صورت له كما صورت للمستشرقين أنه من المستحيل أن تؤدي رسالة النبي محمد في خلال بضعة عشر عاما إلى قيام هذا الملك الباذخ، وهذا هو إنكار المعجزات والغيبات في فهم السيرة النبوية وتاريخ الإسلام. رابعا: إحياء الأساطير في سيرة النبي: يقول الدكتور طه حسين في بحث نشره في كتاب (الإسلام والغرب) الصادر عام 1946 في باريس: لقد حاولت أن أقص بعض الأساطير المتصلة بالفترة التي سبقت ظهور النبي صلى الله عليه وسلم ثم قصصت مولده وطفولته. ونشرت هذه السلسلة بعنوان مقتبس من جيل لوميتر وهو (على هامش السيرة). ويتحتم أن نعترف بأن كتابين فرنسيين كانا بمثابة الشرارتين اللتين أشعلت موقدين كبيرين: أحد الكتابين لجيل لوميتر عنوانه (على هامش الكتب القديمة) والثاني: (حياة محمد لاميل درمنجم). أما كتاب جيل لوميتر فإني بعد أن شغفت به كثيرا وضعت في نفسي الأسئلة الآتية: هل يمكن إعادة كتابة مآثر الفترة البطولية في تاريخ الإسلام في أسلوب جديد أم أنه يتعذر ذلك ؟ وهل تصلح اللغة العربية لإحياء هذه المآثر ؟ وقال عن كتاب (على هامش السيرة): هذا الكتاب من عمل المخيلة. اعتمدت فيه على جوهر بعض الأساطير ثم أعطيت
[ 27 ]
نفسي حرية كبيرة في أن أشرح الأحداث وأخترع الإطار الذي يتحدث عن قرب إلى العقول الحديثة مع الاحتفاظ بالطابع القديم. وكان الدكتور طه يتحدث بهذا إلى المستشرقين في أول مؤتمر للحوار بين المسيحية
والإسلام ويعد كتابه هذا خطوة في السبيل من حيث دمج الأديان كلها في كتاب واحد وفي اختراع أخطر بدعة من إحياء الأساطير في الأدب العربي. هذا ما كشف عنه طه حسين بعد سنوات طويلة من ظهور (على هامش السيرة) فماذا كان موقف الباحثين منه ؟ يقول صديقه وزميل دربه الدكتور محمد حسين هيكل: أستميح طه العذر إن خالفته في اتخاذ النبي صلى الله عليه وسلم وعصره مادة لأدب الأسطورة. وأشار إلى ما يتصل بسيرة صلى الله عليه وسلم ساعة مولده وما روي عما حدث له من إسرائيليات روجت بعد النبي ثم قال: ولهذا وما إليه يجب في رأيي ألا تتخذ حياة النبي صلى الله عليه وسلم مادة الأدب الأسطوري، وإنما يتخذ من التاريخ وأقاصيصه مادة لهذا الأدب، وما اندثر أو ما هو حكم المندثر، وما لا يترك صدقة أو كذبة في حياة النفوس والعقائد أثرا ما والنبي صلى الله عليه وسلم وسيرته وعصره يتصل بحياة ملايين المسلمين جميعا بل في فلذة من هذه الحيا. ومن أعز فلذاتها عليها وأكبرها أثرا. وأعلم أن هذه (الإسرائيليات) قد أريد بها إقامة ميثولوجية إسلامية لإفساد العقول والقلوب من سواد الشعب. ولتشكيك المستنيرين ودفع الريبة إلى نفوسهم في شأن الإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم فقد كانت هذه غاية الأساطير الذي وضعت عن الأديان الأخرى. من أجل ذلك ارتفعت صيحة المصلحين الدينيين في جميع العصور لتطهير العقائد من هذه الأوهام. ولا ريب أن كلام الدكتور محمد حسين هيكل هذا هو اتهام صريح لطه حسين في اتجاهه وتحميله مسؤولية من أخطر المسؤوليات، وهي: إعادة إضافة الأساطير التي حرر المفكرون المسلمون سيرة النبي صلى الله عليه وسلم منها طوال العصور. وإعادتها مرة أخرى لخلق جو معين يؤدي إلى إفساد العقول في سواد الشعب وتشكيك المستنيرين ودفع الريبة إلى نفوسهم في شأن الإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم. وهذا الذي كشفه هيكل ما زال كثيرون يجلهونه، وما زال المتابعون لحياة الدكتور طه حسين وتحولاته يرون أن هذا أخطر تحول له وأن هذا التحول جاء ليخدع الناس عن ماضيه
وسابقته في إذاعة مذهب الشك وطارت الدعوات تقول: إن طه حسين عاد إلى الإسلام وإنه يكتب حياة الرسول، ولم يكن هذا صحيحا على الإطلاق ولكنه كان تحولا خطيرا وفق أسلوب جديد لضرب الإسلام في أعز فلذات حياته وهي سيرة الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم ولقد دمغه
[ 28 ]
هيكل حين قال: لقد تحول طه الرجل الذي لا يخضع لغير محكمة النقد والعقل إلى رجل كلف بالأساطير يعمل على إحيائها وإن هذا ليثير كثيرا من التساؤل، إذ إن طه وقد فشل في تثبيت أغراضه عن طريق العقل والبحث العلمي لجأ إلى الأساطير ينمقها ويقدمها للشعب إظهارا لما فيها من أوهام في ظاهرها تفتن الناس. وقد كان هذا مصدرا لما أورده الأستاذ محمد النايف في كتابه دراسات عن السيرة حيث قال: إن (على هامش السيرة) هو في حقيقته على هامش الشعر الجاهلي ومتمم له. فهو على طريق تطاوله على الإسلام ولكن مع المراوغة والمداهنة. ومن أبرز ما يلاحظ أنه خلط تاريخ الإسلام بأساطير المسيحية واليهودية وقساوسة مصر والشام وخيبر ونصارى اليمن، كما عنى عناية كبيرة بأساطير اليونان والرمان، وخلط هذا كله خلطا شديدا مع سيرة النبي وأراد بذلك إثارة جو من الاضطراب بين الإسلام المتميز بذاتيته الخاصة وبين ما كان قبل الإسلام من أساطير وخرافات وقد اهتم بتراث اليهود فقدم لهم قصة (مخيرق) اليهودي... وقد أخذ في كتابه بالأحاديث الموضوعة وفي نفس الوقت رد أحاديث صحيحة لأنها خالفت هواه، وعول كثيرا على الإسرائيليات التي جاءت في تاريخ الطبري وأكثر من إيرادها وحشد قدرا كبيرا من الأساطير في قصة (حفر زمزم) على يد عبد المطلب، وبالغ في قصة ولادة الرسول صلى الله عليه وسلم مع أنه لم يثبت منها إلا حديث واحد وأخذ بالأخبار الموضوعة في قصة (زينب بنت جحش) وجسم بعض المعجزات التي حدثت للرسول صلى الله عليه وسلم عند مرضعته حليمة السعدية وأثناء سفر النبي في تجارة خديجة رضي الله عنها. وقد خص الشياطين باهتمام بالغ
فتوسع في الحديث عنهم وصور مؤتمرا يتصدره إبليس للشياطين ورسم صورة للشيطان الذي حضر خلاف قريش على الحجر الأسود وكان على شكل شيخ نجدي. وعلى ندرة الصفحات التي خصصها لسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم - جاءت هذه الصفحات - مملوءة بالمغالطات والذي سلم من التحريف كان للمتعة والتسلية. ومن أخطر مزاعمه أن النبي قد أحب زينب وهي زوجة لزيد وهذا بهتان عظيم. وإذا كان طه حسين قد أشار في المقدمة إلى أنه اهتم باختراع الأحاديث فإن الحرية التي أباحها لنفسه لم تكن إلا لهوى معين وهدف واضح هو أن يقدم عن طريق القصص من السموم ما عجز عنه عن طريق النقد والكتابة الأدبية. يقول (غازي التوبة) في دراسته عن طه حسين وهامش السيرة: إن طه حسين ينصب نفسه إماما للأساطير اليونانية ويضع السيرة في مصاف الإلياذة
[ 29 ]
ويطلب من المؤلفين والكتاب أن يفتنوا في الحديث عنها أفتنان أوروبا بأساطير اليونان كي يرضوا ميول الناس إلى السذاجة ويمتعوا عواطفهم وأخيلتهم. ولكن هل يتساوى الأثران في المجتمعين (الإلباذة في المجتمع اليوناني والسيرة في المجتمع الإسلامي ؟ وهل كانت السيرة يوما في التاريخ موضوعا لتسلية قصصية أو مباراة لفظية ؟). ولم تكن السيرة يوما من الأيام وسيلة للتسلية والترفيه كما يهدف طه حسين ولكنها كانت مصدرا لابتعاث الهمم ودفع النفوس المؤمنة إلى النهوض بالمجتمعات في ضوء حياة النبي وسننه. ولقد تحدث كثيرون عن الشبهات الواردة في (على هامش السيرة) ووصفها الأستاذ مصطفى صادق الرافعي بأنها " تهكم صريح " وقالت صحيفة الشبهات الجزائرية (ذو القعدة 1352) الموافق 1934 تحت عنوان: دسائس طه حسين: ألف كتابا أسماه على هامش السيرة (يعني السيرة النبوية الطاهرة) فملأه من الأساطير اليونانية الوثنية وكتب ما كتب في السيرة
الكريمة على منوالها فأظهرها بمظهر الخرافات الباطلة وأساطير الخيال حتى يخيل للقارئ أن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ما هي إلا أسطورة من الأساطير وفي هذا من الدس والبهت ما فيه. والدكتور طه الذي كان يقول في الإسلام ما شاء ولا يبالي بالمسلمين أصبح اليوم يحسب للمسلمين حسابا فلا يكتب إلا ويقول: إنه مسلم وإنه يعظم الإسلام ولكن ما انطوى عليه صدره يأبى إلا الظهور كما بدا جليا في كتابه هذا (على هامش السيرة). وقال الدكتور زكي مبارك (البلاغ - يناير 1934): وأنا أوصي قرائي أن يقرأوا هذا الكتاب (على هامش السيرة) بروية فإن فيه نواحي مستورة من حرية العقل عرف الدكتور كيف يكتمها على الناس بعد أن راضته الأيام على إيثار الرمز على التأليف (بعد ضربة الشعر الجاهلي) آثر أسلوب الرمز لتغطية أهدافه. وقال الذكتور هيكل في دراسة لهامش السيرة الجزء الثاني (ملحق السياسة 25 / 12 / 37): إن اليهود لهم باع طويل في دس الإسرائيليات في الإسلام. والحق أنني كنت أشعر أثناء قراءتي هذا الجزء الثاني من هامش السيرة وكأنما أقرأ في كتاب من كتب الأساطير اليونانية وليس فصل (نادي الشياطين) بأشد إمعانا في أدب الأسطورة من سائر فصول الكتاب وقد عرف تبعية الدكتور طه حسين لمفهوم الإسرائيليات ووجهة نظر اليهود في قضايا كثيرة مثل موقفه من عبد الله بن سبأ في كتاب الفتنة الكبرى. خامسا: الفوارق العميقة بين النبوة والعبقرية: إن التفرقة بين (النبوة) و (العبقرية) هي من أخطر ما تعرضت له كتابات العصريين للسيرة
[ 30 ]
النبوية فليس من المعقول أن تطلق تسمية (العبقرية) على الرسول صلى الله عليه وسلم المؤيد بالوحي وعلى صحابته أمثال أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وقد وصف الرسول صلى الله عليه وسلم بالعبقرية في كتابات العقاد والبطولة في كتابات عبد الرحمن عزام، وبطل الحرية في كتابات عبد الرحمن الشرقاوي، وكل هذه مسميات تحجب عن القارئ المسلم الصفة البارزة والمهمة الأساسية
وهي " النبوة " المؤيدة بالوحي. إن دراسة حياة النبي صلى الله عليه وسلم تحت أي اسم من شأنها أن تعجز عن استيفاء جوانب هذه الشخصية العظيمة، وليس ثمة غير منهج واحد هو أنه نبي مرسل من قبل الله تبارك وتعالى، فإن هذا الفهم وحده هو الذي يكشف عن الحقائق الناصعة ويكشف عن صفحات السمو والكمال الخلقي والعقلي والنفسي. إن كلمة (العبقرية): هي مصطلح عرف في الفكر الغربي وتناولته الأقلام ودارت حوله المعارك والمساجلات، وفي عام 1935 انتقلت هذه المعارك إلى المجلات العربية فدارت مناقشة طويلة بين محمد فريد وجدي والدكتور أمير بقطر. والتقطها الأستاذ العقاد واختزنها في ذاكرته ليجعلها عنوانا لدراسة عن الرسول التي بدأها عام 1942. ومن مجمل الدراسات التي دارت يتكشف أن هذه النظرية تجري حول التميز والذكاء والتفوق في مجال الفن والموسيقى والتصوير ولم يرد في الأسماء التي تناولتها الأبحاث أي اسم من أسماء المصلحين أو أصحاب الرسالات. ولقد قصر الدكتور أمير بقطر العبقرية على الذكاء. وقال إنها تجئ عن طريق الوراثة وإنها غير مكتسبة. وأوردت دوائر المعارف وصفا للعبقرية بأنها لغة الكامل في كل شئ. ويكون مبلغ رقم قياس ذكاء العبقري فوق المعتاد. وبينما يقصر أمير بقطر العبقرية على حالة اختيار الذكاء فإن (فريد وجدي) يرى أنها (هبة إلهية ثمرتها فوق القدرة البشرية يمنحها الله لبعض الأفذاذ لتبرز على ألسنتهم أو على أيديهم أمور لا يستطيع العقل البشري أن يستقل بإيجادها). ولعل هذا هو المعنى الذي جعل العقاد يختارها ليصف بها الرسول مع أن جميع علماء الغرب لم يصفوا بها أحدا من الأنبياء المسيح أو موسى عليهما السلام. والحقيقة أن مقاييس الجاه والثروة والعظمة التي جاءت بها العلوم المادية الحديثة تختلف تماما عن التقديرات التي
جاءت بها النبوة.
[ 31 ]
وإن أي قدر من الموهبة الإلهية التي توصف بها العبقرية يختلف اختلافا واضحا عن النبوة. وبالرغم من الاختلاف في فهم العبقرية وبين كتابات العشرات من الباحثين الغربيين فإن أحدا لا في الغرب ولا في الشرق أدخل النبوة والأنبياء في هذه الدوائر. ولكن يبدو أن الأستاذ العقاد أراد أن يتفوق على صاحبيه (هيكل وطه) وقد سبقاه بعشر سنوات في كتابة السيرة باتخاذ هذا المصطلح. يقول الدكتور محمد أحمد الغمراوي: يجب أن يقرأ للعقاد باحتياط وهو يكتب عن الإسلام فالعقاد ابن العصر الحديث أخذ ثقافته مما قرأ لأدبائه وعلمائه وهو شئ كثير وليس كل ما كتبه المستشرق يقبله المسلم ولا كل نظريات الغرب متفق وما قرره القرآن. ولكن العقاد اعتقد من هذه النظريات ما اعتقد، فهو ينظر إلى القرآن من خلال ما اعتقد منها ويبدو أن من بين ما اعتقده العقاد نظرية (فريزر) في نشوء الأديان فهي عنده ليست سماوية ولكنها أرضية نشأت بالتطور والترقي إلى الأحسن، ومن هنا تفضيل العقاد للإسلام على غيره من الأديان فهو آخرها وإذن فهو خيرها ويقول: إن لم يكن هذا هو تفسير إطلاق اسميه الغربيين على كتابيه (عبقرية محمد، والفلسفة القرآنية) فهذه التسمية خطأ منه ينبغي أن يتنبه إليه قارئ الكتابين من المسلمين لينجو ما أمكن مما توحي به التسميات من أن محمدا صلى الله عليه وسلم عبقري من العباقرة لا نبي ولا رسول بالمعنى الديني المعروف في الأديان المنزلة. ويؤكد هذا الإيحاء أن جاء الكتاب واحدا من سلسلة كتب العبقريات الإسلامية ولن يكون أولها. فالناشئ الذي يقرأ بعد عبقرية محمد وعبقرية أبي بكر وعبقرية عمر مثلا لا يمكن أن يسلم من إيحاء خفي إلى نفسه أن محمدا وأبا بكر وعمر من قبيل واحد، عبقري من عباقرة وإن لم يكن أكبرهم جميعا. كالذي سمى النبي صلى الله عليه وسلم بطل الأبطال فأوهم أنه واحد من صنف ممتاز من الناس متجدد على العصور
بدلا من صنف اختتم به صلى الله عليه وسلم صنف الأنبياء والمرسلين من عند الله فالنبي والرسول يأتيه الملك من عند الله بما شاء الله من وحي ومن كتاب. ولا كذلك العبقري ولا البطل. فالنبوة والرسالة فوق البطولة والعبقرية بكثير. وكم في الصحابة رضوان الله عليهم من بطل ومن عبقري وكلهم يدين له صلى الله عليه وسلم بأنه رسول الله إلى الناس كافة ذلك العصر وما بعده وأنه خاتم النبيين. ويقول الأستاذ غازي التوبة: كتب العقاد العبقريات دفاعا عن العظمة الإنسانية في وجه المتطاولين والحاقدين والمشوهين. هذه العظمة الإنسانية التي تجتاج إلى رد الاعتبار في عصره ودفاع العقاد عن العظمة الإنسانية هي حلقة من دفاعه عن الفرد وإيمانه به. ولكن ما هي
[ 32 ]
الأخطار التي هددت الفرد والعظمة وجعلته يستل قلمه سنة 1942 ليكتب أول عبقرية من عبقرياته ؟ في الحقيقة أن الأخطار المباشرة التي هددت الوجه الآخر من إيمان العقاد بالفرد هي النظام الديمقراطي. هددته ثلاثة أخطار هي الفاشية والشيوعية والمد الإسلامي. تصدى للفاشية في (هتلر في الميزان) وتصدى للشيوعية في كتابيه (الشيوعية والإنسانية) و (أفيون الشعوب). أما تيار المد الإسلامي فحاربه بسلاح الشخصيات فكتب العبقريات ليؤكد صحة أفكاره في أولية الفرد في التاريخ وأحقيته كمحرك له وليطعن ويشوه الإيمان بالجانب الجماعي في الإسلام ويشكك في دور العقائد والتربية في توجيه الأشخاص، فالعظيم عظيم بفطرته والعبقري عبقري منذ نشأته، كذلك فقد ركز العقاد على العوامل الوراثية والتكوين الجسماني والعصبي، ووضع هذه الأسباب في المرتبة الأولى في توجيه الشخصية بحيث تأتي العقيدة الإسلامية والتربية في المرتبة الثانية إن كان هناك دور للعقيدة أو التربية. والعقاد في موقفه هذا متأثر ببعض المدارس الأوربية التي تقدس الفرد والفردية وتفسير مختلف حوادث التاريخ على هذين الأساسين، وقد أورد العقاد ذكرا لإحدى هذه المدارس التي تحدد صفات العبقري انطلاقا من تكوينه الجسدي وهي مدرسة (لومبروزو).
وهكذا قولب العقاد الشخصيات الإسلامية ضمن نظرياته الجاهزة في الفرد والطوابع الفردية. وهو في هذا قد حجب الجانب الرباني المعجز، وحجب الغيبيات. فهو في موقفه من انتصار الرسول صلى الله عليه وسلم في غزواته لا يعرض مطلقا لوعد الله تبارك وتعالى لرسوله ورعايته والملائكة المقاتلين والنعاس الذي تغشى المسلمين أمنة والمطر الذي طهرهم والرياح التي اقتعلت خيام المشركين وتثبيته لأفئدة المقاتلين وقذفه الرعب في قلوب الكافرين، فليست العوامل المادية هي قوام مكانة الرسول العسكرية ولكن العوامل الربانية يجب أن تضاف إلى ملكات الرسول في التخطيط. كذلك فهو لم يكشف عن دور الإسلام في بناء شخصية الرسول، فالإسلام هو الذي أعطى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الإيمان بالله تبارك وتعالى والإيمان بأحقية الموت في سبيل الله وذلك القدر من الثبات والتضحية والإقدام والعزم والصبر. هذا الجانب الذي تجاهله العقاد واكتفى بالمقارنة بين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وبين نابليون في النواحي المادية والعسكرية. كذلك لم يتبين الفارق بين حروب محمد صلى الله عليه وسلم وبين حروب نابليون وأنها كانت خالصة في سبيل الله ونشر الإسلام وليست في سبيل المطامع والسيطرة. ذلك أنه ناقش عبقرية الرسول العسكرية في ضوء العبقريات البشرية، ولم يتنبه للفوارق
[ 33 ]
العميقة التي تتميز بها شخصية الرسول بوصفه نبيا مرسلا أو تلك التي هداه إليها الإسلام، وأن تميزه هذا يختلف عن البطولات والعبقريات البشرية الأخرى. ومن هنا يبدو النقص في وزن النبي صلى الله عليه وسلم بالعبقريات البشرية الأخرى. كذلك فإن هذا التميز الذي عرفت به شخصية محمد صلى الله عليه وسلم " نبيا ومرسلا وهاديا ". تختلف في المقارنة بينه وبين الأبطال العالميين الآخرين من ناحيد كما أن شخصيته تختلف بينه وبين أبي بكر وعمر وغيرهم. لقد تحدث العقاد عن الجانب المادي في شخصية الرسول وحجب تماما الجانب
الروحي المتصل بالوحي وأظهره كمجرد إنسان يعمل بمواهب ممتازة وملكات خاصة وهكذا فإن (العبقرية) التي حاول العقاد أن يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلالها، كان حجمها ضيقا ومجالها ناقصا، وأخطر ما أخذ عليه هو أنه لم يظهر أثر الإسلام في بناء شخصية الرسول وهو العامل الأكبر في حياته وتصرفاته على النحو الذي وصفته السيدة عائشة رضي الله عنها بقولها (كان خلقه القرآن) هذه الربانية الخالصة التي تعلو على طوابع البشر. وقد وصفها القرآن في قوله تعالى: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له). كذلك فقد تحدث عن افتتان المسلمين بشخص الرسول وانبهارهم بمواهبة واعتبر إعجابهم به سببا وحيدا لدخولهم في الإسلام وعزا اجتماع الصداقات المتنوعة حوله بأنه كان نتيجة لمزاياه النفسية، وبذلك أنكر عظمة الإسلام نفسه في إيمان أصحاب النبي، وليس من شك أن إعجاب المسلمين بالرسول له أهميته في مرحلة الدخول في الإسلام ولكن تقدير المسلمين للإسلام هو العامل الذي ثبتهم بعد ذلك على الإيمان بالإسلام وحفزهم للدفاع عنه. إن الأستاذ العقاد وقد حارب مذهب التفسير المادي للتاريخ الذي قدمه ماركس والشيوعية حربا لا هوادة لها خضع مع الأسف للمذهب النفسي المادي الذي لا يعترف بالآثار المعنوية المترتبة على الأيمان والعقيدة في بناء الشخصية كما تجاهل جانب الغيبيات ولم يفهم النبوة فهما صحيحا، لذلك فإن الجانب الروحي القادر على العطاء في بناء الشخصيات والذي صنع شخصية رسول الإسلام تراه باهتا غائما عنده، وذلك لأنه اعتمد في دراسة الشخصيات والبطولات على مذاهب غربية تتجاهل النبوة والوحي والغيبيات والمعجزات، ولا تجعل هذه العوامل الروحية والمعنوية أي وزن وأي اعتبار وإنما قامت على جوانب الحس وتركيب الإنسان المادي والوراثيات وغيرها.
[ 34 ]
سادسا: تطور جديد التفسير الماركسي للسيرة: ثم جاء بعد ذلك تطور جديد في كتابة السيرة العصرية، وهو إخضاعها للتفسير
الماركسي على النحو الذي عبد الرحمن الشرقاوي تحت اسم (محمد رسول الحرية). وقد قال الشيخ محمد أبو زهرة في توصيف هذا العمل: إن الكتاب كان له اتجاه غير ديني في دراسته فهو ما درس محمدا صلى الله عليه وسلم على أنه رسول يوحى إليه بل على أنه رجل عظيم له آراء اجتماعية فسرها الكاتب على ما يريد، وقد تبين أن الكاتب يقطع النبي صلى الله عليه وسلم عن الوحي فكل ما كان من النبي من مبادئ وجهاد في سبيله إنما هي من عنده لا بوحي من الله تعالى. وهي بمقتضى بشريته لا بمقتضى رسالته والعنوان (إنما أنا بشر مثلكم) يعلن أن ما وصل إليه النبي صلى الله عليه وسلم من مبادئ جاهد من أجلها إنما هو صادر عن بشرية كاملة لا عن نبوة، وقد اقتطع هذه الجملة مما قبلها وما بعدها ونصها الصحيح (قل إنما بشر مثلكم يوحي إلى أنما إلهكم إله واحد) وهو بهذا الاقتطاع ينفي الوحي عن الحياة المحمدية. كذلك فهو ينفي الخطاب السماوي للرسول ولا يذكر أن جبريل خاطب النبي صلى الله عليه وسلم في العيان. وتصويره للوحي بأنه حلم في النوم يخالف ما أجمع عليه المسلمون من أن جبريل كان يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم بالعيان لا في المنام، الأمر الذي تردد ذكره في القرآن على أنه رسول الله إلى الذين يصطفيهم من الأنبياء ليبلغ الرسالة الإلهية لأهل الأرض. كذلك فهو يقطع الرسالة عن الرسول ويقطع الوحي عنه ويتجه إلى القرآن فيذكر عباراته أحيانا منسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم على أنها من تفكيره ومن قوله لا أنها قرآن موحى بها وقائله هو الله سبحانه وأن ذلك مبثوث في الكتاب بكثرة وهو ينسب بعض آي القرآن إلى النبي، وكذلك ينسب إبطال التبني إلى النبي ولا ينسبه إلى الله تبارك وتعالى، وكذلك ينسب تحريم الخمر إلى النبي، كما أنه يذكر قصص القرآن على أنه نتيجة تجارب النبي صلى الله عليه وسلم وما كانت قصص النبي إلا من القرآن وما كانت له رحلات في بلاد العرب بل إنه لم يخرج من الحجاز إلا مرتين إحداهما في الثانية عشرة والثانية في الخامسة والعشرين. ويرى الكاتب أن القرآن من كلام محمد ولم يذكر قط على وجه التصريح أن الله تبارك وتعالى هو منزل القرآن وباعث محمد بالرسالة بل إن ذكر الله تبارك وتعالى يندر في الكتاب بل لا تجد له ذكرا قط ولم يذكر القرآن إلا نادرا بل لا تكاد تجد
له ذكرا قط، وإذا ذكر أنها همهمة نفس النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يذكر كلمة القرآن على أنه منسوب لله، في مقام يومئ بالتشكيك في صدقه ويوهم بأن به تحريفا وتبديلا ومحاولة التقاط من واحد ممن كانوا يشتركون مع العشرات في كتابة الوحي لإثارة هذه الشبهة. ولقد كان هذا التطور في كتابة السيرة نتيجة للأدوار التي مرت بها على أيدي السابقين.
[ 35 ]
سقوط المدرسة المادية في السيرة: قامت هذه المدرسة على إنكار الغيب والمعجزات في آن وإنكار الوحي والنبوة في آن آخر، وحاولت أن تفسر الإسلام وسيرة الرسول تفسيرا ماديا وجرت في خضوع منكسر وراء العقلية الأوربية وتحت لواء ما زعموه من المنهج العلمي الحديث، وكانت هذه المدرسة رد فعل أثاره الانبهار والشعور بالضعف لدى طائفة من المسلمين ترى أن تتابع الأوروبيين في فهم الدين والعقيدة. ولكن سرعان ما تكشفت هذه النزعة وسقطت وجهتها، وبرزت كتابات مدرسة الأصالة التي أنكرت هذا الأسلوب الفلسفي المادي، وأقامت مفاهيمها على الأساس القرآني الأصيل. وظهرت تلك الكتابات بأقلام حسن البنا ومحمد الغزالي وسعيد رمضان البوطي وأبو الحسن الندوي وكثيرون غيرهم فردت إلى السيرة النبوية وأعادت تقدير جانب معجزة الوحي الإلهي والغيبيات والمعجزات. وقد جاءت كتابات مدرسة الأصالة في السيرة النبوية مصححة لأغلاط كثيرين ممن كتبوا عن السيرة في هذا العصر وأماطت اللثام عن المغالطات التي كانت ولا تزال تدسها أقلام كثير من المستشرقين والتغريبيين وهي أغلاط ومغالطات قامت لتغذيتها وترويجها مدرسة التبعية. إن هذه المدرسة لم تعد تخدم إلا قلة من بقايا المفتونين باسمها وإن الحقائق الناصعة
في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ستظل هي المشرقة والسائدة. وليس أدل على ذلك من هذه المؤتمرات للسيرة التي حشدت عشرات من الأعلام للكشف عن الجوانب المختلفة في حياة هذا النبي الكريم الذي هدى البشرية إلى طريقها وأخرجها من الظلمات إلى النور. حال العالم في القرن العاشر الهجري يمتد القرن العاشر الهجري من سنة 1496 م إلى سنة 1591 م، وكانت الدولة العثمانية التركية أقوى دولة إسلامية فيه، وكان على رأسها في أوله السلطان بايزيد الثاني ابن السلطان محمد الفاتح، وكان ملكا محبا للسلم، فوقفت هذه الدولة في عهده عند فتوح أبيه، وقد خرج عليه ابنه سليم الأول، فانضم إليه جيش الانكشارية، فترك له الحكم سنة 918 ه = 1512 م، فقام السلطان سليم بعد أبيه بالحكم، وابتدأه بقتال يالطامعين فيه من إخوته وأبنائهم إلى أن قضى عليهم، ثم توجه إلى قتال الشاه إسماعيل مؤسس الدول الصفوية بفارس، وكان
[ 36 ]
شيعيا علويا ينتهي إلى علي بن أبي طالب، فحاربه السلطان سليم واستوى على مدينة تبريز قاعدة ملكه، وانتزع منه العراق وما إليه من البلاد ثم توجه بعد هذا إلى قتال المماليك بمصر، فحاربهم حتى أسقط دولتهم سنة 923 ه = 1517 م، وانتزع لنفسه الخلافة الصورية من آخر خلفاء بني العباس بمصر، وبهذا صار ملوك الدولة العثمانية التركية خلفاء المسلمين بعد أن كانوا ملوكا على دولتهم فقط، وفاتهم أن الخلافة الإسلامية لا تنعقد بهذا الشكل، وإنما تنعقد بالشورى ومبايعة المسلمين باختيارهم، ثم توفي السلطان سليم سنة 926 ه = 1520 م، فخلفه ابنه السلطان سليمان الأول القانوني، وفي عهده وصلت هذه الدولة إلى نهاية عظمتها، فاستولت على بلاد الصرب والمجر، ووصلت فتوحاتها إلى فينا قاعدة النمسا، واستولت على الجزائر وغيرها من بلاد المغرب وقد انتهت باستيلائها على تلمسان دولة بني زيان سنة 952 ه - 1545 م، واستولت على اليمن وغيره من بلاد العرب،
وكان لهذا السلطان إصلاحات دينية ومدينة عديدة، ثم توفي سنة 974 ه = 1566 م، فخلفه ابنه سليم الثاني، وكان ضعيفا لا يتحلى بالصفات التي تمكنه من إدارة هذه المملكة الواسعة، ولكنه كان له وزير عظيم هو محمد باشا الصقلي، فاعتمد عليه في تدبير أمور هذه الدولة، وإليه يرجع الفضل في المحافظة عليها في عهده، وقد تم في عهده الاستيلاء على مدينة تونس من بلاد المغرب، فانتهت بهذا الدولة الحفصية سنة 981 ه = 1573 م، وتوثقت العلاقة في عهد هذا السلطان بين فرنسا والدولة العثمانية التركية، حتى أباح لفرنسا أن ترسل بعوثا دينية إلى البلاد الإسلامية، فأرسلت إليها كثيرا من هذه البعوث، مع أنها كانت تقصد تربية الطوائف المسيحية الموجودة بين المسلمين على الإخلاص لها، وسيكون لهذا من العواقب السيئة ما سيأتي بيانه في القرون الآتية، ثم توفي هذا السلطان سنة 982 ه = 1574، فخلفه ابنه مراد الثالث، وابتدأ حكمه بعادتهم السيئة، فقتل إخوته لئلا ينازعوه في الملك، ثم أعلن تحريم شرب الخمر، وكان قد شاع في عهد أبيه، وأفرط فيه الانكشارية، فثاروا عليه واضطروه إلى إباحته بالمقدار الذي لا يسكر، وفي عهده كانت علاقة الدولة حسنة مع فرنسا والبندقية وانجلترا، وقد حصلت هذه الدول على كثير من الامتيازات التجارية في بلاد الدولة سبب هذه العلاقة وسيكون لهذه الامتيازات أثرها السيئ في القرون الآتية، وقد وقعت في عهد هذا السلطان حروب كثيرة بينه وبين الدولة الصفوية، فازدادت بها العلاقة سوءا بينهما، وكانت أولى بحسن العلاقة من الدول الأوروبية السابقة، وفي عهده أعلنت الفلاخ والبغدان وترنسلفانيا العصيان على الدولة، وأمكنها بمساعدة ملك النمسا وألمانيا الاستيلاء على مدن كثيرة من هذه البلاد، وكانت وفاة هذا السلطان سنة 1003 ه = 1594 م. وكان للمسلمين في هذا القرن دولتان شرقيتان غير الدولة العثمانية التركية: أولاهما:
[ 37 ]
الدولة الصفوية ببلاد فارس، وقد أنشأها الشاه إسماعيل ابن الشيخ صفي الدين العلوي الحسني سنة 906 ه = 1500 م، واتخذ مدينة تبريز قاعدة له، وقد اتسعت بعد هذا حتى شملت
جميع بلاد فارس والعراق العربي وديار بكر، وامتدت من الخليج الفارسي إلى بحر الخزر، وكانت العلاقة سيئة بينها وبين الدولة العثمانية التركية طول هذا القرن، ومن أهم أسباب هذا العداء أن الدولة الصفوية كانت شيعية، والدولة العثمانية التركية كانت سنية. والثانية: الدولة المغولية ببلاد الهند، وقد أنشأها بابر شاه من نسل تيمور لنك سنة 911 ه = 1505 م، وكانت وفاته سنة 937 ه = 1530 م، فخلفه ابنه همايون، وقد استمر حكمه إلى سنة 964 ه = 1556 م، فخلفه ابنه أكبر خان إلى سنة 1014 ه = 1605 م، وكان لأكبر خان أفكار جريئة في التجديد خرج في بعضهما عن دائرة التجديد الإسلامي، وسنذكرها في موضعها من هذا القرن. أما المغرب فقد ظهر ضعفه في هذا القرن، وكادت بلاده تسقط في يد الأسبانيين والبرتغاليين، وقد ذهبت فيه دولة بني حفص ودولة بني زيان باستيلاء الدولة العثمانية التركية على تونس والجزائر، وسقطت فيه بمراكش دولة بني وطاس سنة 956 ه = 1549 م، وقامت دولة السعديين الحسنية العلوية مكانها، ولكنها لم تكن من القوة بحيث يمكنها دفع عدوان أوروبا على المسلمين من هذه الناحية، وقد خرج على سلطانها بعض أهلها، واستعانوا عليه بالبرتغاليين، فلم يقو وحده على حربهم، واستنجد بالدولة العثمانية التركية، فأمرت واليها بطرابلس أن يرسل إليه مددا من جنوده، فأرسل إليه مددا منها، وكان هذا سنة 986 ه = 1578 م، فتمكن بهذا المدد من الانتصار على الثائرين ومن ساعدهم من البرتغاليين. وقد رجع هذا المدد إلى طرابلس بعد انتصاره عليهم، وترك مراكش وحدها تعاني ما تعاني من طمع أوروبا فيها. وبهذا يمكننا أن نحكم بأن المسلمين في هذا القرن كانوا على شئ من القوة إذ كانت الدولة العثمانية التركية فيه لا تزال مرهوبة الجانب عند أمم أوروبا، ولكن الحالة العلمية بين المسلمين في هذا القرن لم تكن مضاهية لقوتهم، فقد فشا الجهل فيهم إلى الحد الذي سيأتي في شكاية بعضهم، وكانوا في القرون السابقة يعادون العلوم الفلسفية وحدها، فأضاقوا إليها في
هذا القرن معاداة العلوم الأدبية، لأن العامية أخذت تطغى عليهم بعد استيلاء الدولة العثمانية التركية على معظم البلاد العربية، وجعلها اللغة التركية هي اللغة الديوانية، وممن شكا من معاداة العلوم الأدبية في هذا القرن صاحب كتاب - العقد المنظوم في ذكر أفاضل الروم - وكان معاصرا للسلطان سليمان القانوني، فقال مشيرا إلى موضوع كتابه في التاريخ: ولعمري إن ذلك
[ 38 ]
يعد عند الأكثرين من تضييع الأوقات، لأن المعارف عندهم خرافات، فإنا قد انتهينا إلى زمان يرون الأدب عيبا، ويعدون التضلع من الفنون ذنبا، وإلى الله الحنان المشتكي من هذا الزمان، قد سل سيف بغيه وعدوانه، على من تحلى بالفضائل وتقدم على أقرانه، وأوفق نبله لكل ذي نبل ظاهر وشرف باهر، فالتبس الدر بالزجاج، واشتبه العذب بالأجاج، وضاع أرباب الألباب كالذباب في الضباب، فصارت المعارف طيف خيال، أو ضيفا على شرف ارتحال، وضعف أساس العلم وبنيانه، وتضعضعت أركانه، وخمدت ناره، وكادت أن تمحى آثاره: وكان سرير العلم صريحا ممردا * * يناغي القباب السبع وهي عظام متينا رفيعا لا يطار غرابه * * عزيزا منيعا لا يكاد يرام يلوح سنا برق الهدى من بروحه * * كبرق بدا بين السحاب يشام فجرت عليها الرامسات ذيولها * * فخرت عروش منه ثم دعام محا الذاريات اليوم آيات حسنه * * فلم يبق منه آية ووسام وممن شكا حال العلوم الفلسفية في هذا القرن الحكيم داود الأنطاكي صاحب التذكرة في الطب، وكان قد نزل بمصر فقال فيها: ثم لم ألبث أن هبطت مصر هبوط آدم من الجنة، لما وجدتها كما قال أبو الطيب ملاعب جنة، فكأنها مغاني الشعب، وأنا المعني فيها بقوله: ولكن الفتى العربي فيها * * غريب الوجه واليد واللسان تنبو عن قبول الحكمة فيها طباع الرجال، نبو قيناتهم الحسان لحى شيب القذال، ثم تمثل: ما مقامي بأرض نخلة إلا * * كمقام المسيح بين اليهود
أنا في أمة تداركها الل * * ه غريب كصالح في ثمود وقد طعن أهل مصر في عقيدته لاشتغاله بعلوم الفلسفة، فلما كثر كلام الناس في اعتقاده ارتحل منها إلى مكة. وبهذا ازداد العلم هوانا في هذا القرن أمام جهله المتصوفة. المؤلف والكتاب اسمه وكنيته وهو شمس الدين أبو عبد الله محمد بن يوسف الصالحي الشامي. قال الشعراني في ذيل طبقاته. * " كان عالما صالحا مفننا في العلوم، وألف السيرة النبوية التي جمعها من ألف
[ 39 ]
كتاب، وأقبل الناس على كتابتها، ومشى فيها على أنموذج لم يسبقه إليه أحد. وكان عزبا لم يتزوج قط، وإذا قدم عليه الضيف يعلق القدر ويطبخ له. وكان حلو المنطق مهيب النظر كثير الصيام والقيام، بت عنده الليالي فما كنت أراه ينام إلا قليلا. وكان إذا مات أحد من طلبة العلم وخلف أولادا قاصرين، وله وظائف، يذهب إلى القاضي ويتقرر فيها ويباشرها ويعطي معلومها للأيتام حتى يصلحوا للمباشرة. وكان لا يقبل من مال الولاة وأعوانهم شيئا، ولا يأكل من طعامهم ". مصنفاته لقد أثرى مصنفنا - رحمه الله تعالى - مكتبتنا الإسلامية بذخائر ونفائس التراث الإسلامي فنذكر منها ما يأتي: * الآيات الباهرة في معراج سيد أهل الدنيا والآخرة. * الإتحاف بتمييز ما تبع فيه البيضاوي صاحب الكشاف. * إتحاف الراغب الولي في ترجمة الأوزاعي. * إتحاف الأريب بخلاصة الأعاريب.
* تفضيل الاستفادة من بيان كلمتي الشهادة. * الجامع الوجيز الخادم للغات القرآن العزيز. * الجواهر النفائس في تحبير كتاب العرائس. * رفع القدر ومجمع الفتوة في شرح الصدر وخاتم النبوة. * سبل الهدى والرشاد في سير خير العباد. وهو الذي نحن بصدد تحقيقه. * شرح الأجرومية. * عقود الجمان في مناقب أبي حنيفة النعمان. * عين الإصابة في معرفة الصحابة. * الفتح الرحماني في شرح أبيات الجرجاني في الكلام. * الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة. * كشف اللبس في رد الشمس. * مختصره المسمى بالآيات البينات. * مرشد السالك إلى ألفية ابن مالك.
[ 40 ]
* النكت على الألفية. * النكت المهمات من الكلام على الأبناء والبنين والبنات. * وجوب فتح همزة " إن " وكسرها وجواز الأمرين. وفاته توفي المصنف رحمه الله سنة 942 ه أسكنه الله تعالى فسيح جناته اللهم آمين ولله الأمر من قبل ومن بعد. كلمة شكر ونحن إذ نقدم للمسلمين هذا العمل العلمي، الذي نعتقد أننا خدمنا به هذا الكتاب
- يجب علينا الثناء والشكر والتقدير للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، إذ قام - أدامه الله خادما للتراث الإسلامي - بتحقيق الأجزاء الأولى من هذا الكنز النفيس، وذلك من باب إحقاق الحق، ونسبة الفضل لذويه، إذ الأمر - كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم من لم يشكر الناس لم يشكر الله، فقد أسهم إخراج هذه الأجزاء على الرغم من عملنا فيها ومقابلتها بمخطوطاتها المشار إليها أسهم عمل المجلس في إخراج الكتاب منقحا صحيح النص. وقد قمنا بإخراجه كاملا خدمة لسيرة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم ونفعا للأئمة المسلمين وطلاب العلم، ونسأل الله تعالى أن نكون قد وفقنا في ذلك. وصف المخطوط اعتمدنا في تحقيق كتاب سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد للإمام الصالحي على المخطوطات التالية: الأولى: هي المحفوظة بمكتبة المتوكلية اليمنية بصنعاء تحت رقم 207 - 210 (تاريخ)، وهي تقع في أربعة أجزاء وهي نسخة كاملة للكتاب من أوله إلى آخره من أجل ذلك جعلناها أصلا للكتاب ورمزنا لها بالرمز (أ). الثانية: هي المحفوظة بمعهد المخطوطات العربية بالقاهرة والموجود منها الجزء الرابع فقط وهو الجزء الأخير من الكتاب. رمزنا لها بالرمز (ب). الثالثة: هي المحفوظة بدار الكتب المصرية في مكتبة مصطفى فاضل تحت رقم (50 م - تاريخ) وهي تشتمل على الجزء الثالث والرابع وقد رمزنا لها بالرمز (ج). الرابعة: هي المحفوظة بدار الكتب المصرية بمكتبة التيمورية تحت رقم (925) تاريخ.
[ 41 ]
الخامسة: هي المحفوظة بدار الكتب المصرية بمكتبة طلعت تحت رقم (2100) تاريخ وتشتمل على المجلد الأول والثاني والثالث.
السادسة: هي المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم 130 تاريخ وتقع في أجزاء متفرقة. السابعة: هي المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم 4511 وتقع في أجزاء متفرقة. هذا، وقد وضع المؤلف في مقدمة كتابه فهرسا مشتمل على أبواب الكتاب غير أنه لم يلتزم ما عنون له في مقدمة كتابه لذلك وجد بمخطوطات الكتاب بياض كثير وقد بذلنا الوسع في سد كثير من هذا النقص واضعين له بين معكوفين هكذا (). وقد كان من أشد العنت والعناء الذي لقيناه كذلك صعوبة الخط مما يخبره أهل فن التحقيق والعالمون به والبتر الكثير وعدم اتصال الكلام بعضه ببعض. وقد قمنا بنسخ الكتاب ومقابلة النسخ غافلين ما بينها من فروق إلا ما ندر حرصين على سلامة النص بالرجوع إلى مصادر التاريخ والسيرة وقد قمنا بتخريج كثير من أحاديث الكتاب إلا ما تكرر منها في آخره فأغفلنا تخريجه لعزو المصنف له وسبق تخريجه، ولم يلتزم المصنف بما صح أو غيره من أحاديث السنة المشرقة فقط بل ذكر بعض الموضوعات في كتابه تبعا في ذلك لابن السبكي والقاضي عياض وغيره دون توضيح وإشارة إلى وضعه إلا أن ذلك لا يقلل في قيمة الكتاب في جملته وما اشتمل عليه من موضوعات وأبواب جامعة لسيرة خير العباد صلى الله عليه وسلم حتى عده بعض أهل العلم من موسوعات التخريج لأحاديث سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهو كذلك. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. المحققان
[ 43 ]
- صورة بداية الجزء الاول من نسخة " أ "
[ 44 ]
- صورة آخر الجزء الاول من نسخة " أ "
[ 45 ]
- صورة بداية الجزء الثالث من نسخة " أ "
[ 46 ]
- صورة آخر الجزء الثالثث من نسخة " أ "
[ 47 ]
- صورة بداية الجزء الثالث من نسخة " ج "
[ 48 ]
- صورة آخر الجزء الثالث من نسخة الثالث من نسخة " ج "
[ 49 ]
- صورة بداية الجزء الرابع من نسخة " أ "
[ 50 ]
- صورة آخر الجزء الرابع من نسخة " أ "
[ 51 ]
- صورة بداية الجزء الرابع من نسخة " ج "
[ 52 ]
- صورة آخر الجزء الرابع من نسخة " ج "
[ 1 ]
سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد للامام محمد بن يوسف الصالحي الشامي المتوفى سنة 942 ه تحقيق وتعليق
الشيخ عادل أحمد عبد الموجود الشيخ علي محمد معوض الجزء الاول
[ 3 ]
بسم الله الرحمن الرحيم قال سيدنا ومولانا وشيخنا شيخ الإسلام خاتمة المحدثين والأعلام، أبو عبد الله محمد ابن يوسف الشامي، رحمه الله تعالى ورحمنا به، وجزاه خيرا عن تعبه ونصبه. آمين. الحمد لله الذي خص سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم بأسنى المناقب، ورفعه في الشرف إلى أعلى المراتب، وأيده بالمعجزات الباهرات العجائب، التي فاقت ضوء النيرين وزادت على عدد النجوم الثواقب، وجعل سيرته الزكية أمنا لمن تمسك بها ونجاة من المعاطب أحمده سبحانه وتعالى حمدا أنال به رضاه وبلوغ المآرب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب المشارق والمغارب، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله المبعوث بالدين الواصب، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه الذين نالوا أشرف المناصب. أما بعد: فهذا كتاب اقتضبته من أكثر من ثلاثمائة كتاب، وتحريت فيه الصواب، ذكرت فيه قطرات من بحار فضائل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من مبدأ خلقه قبل خلق سيدنا آدم صلى الله عليه وسلم وأعلام نبوته وشمائله وسيرته وأفعاله وأحواله وتقلباته، إلى أن نقله الله تعالى إلى أعلى جناته، وما أعده له فيها من الإنعام والتعظيم، عليه من الله أفضل الصلاة وأزكى التسليم. ولم أذكر فيه شيئا من الأحاديث الموضوعات، وختمت كل باب بإيضاح ما أشكل فيه وبعض ما اشتمل عليه من النفائس المستجادات، مع بيان غريب الألفاظ وضبط المشكلات، والجمع بين الأحاديث التي قد يظن أنها من المتناقضات.
وإذا ذكرت حديثا من عند أحد من الأئمة فإني أجمع بين ألفاظ رواته إذا اتفقوا، (وإذا عزوته لمخرجين فأكثر فإني أجمع بين ألفاظهم إذا اتفقوا) فلا يعترض علي إذا عزوت الحديث للبخاري ومسلم وذكرت معهما غيرهما، فإن ذلك لأجل الزيادة التي عندهما غالبا. وإذا كان الراوي عن النبي صلى الله عليه وسلم صحابيا قلت: رضي الله تعالى عنه.
[ 4 ]
وإن كان تابعيا أو من أتباع التابعين قلت: رحمه الله تعالى. وإذا أطلقت الشيخين: فالبخاري ومسلم، أو قلت: متفق عليه: فما روياه، أو الأربعة فأبو داود والترمذي وابن ماجه والنسائي، أو الستة: فالشيخان والأربعة، أو الخمسة فالستة إلا ماجه أو الثلاثة: فالأربعة إلا هو، أو الأئمة: فالإمام مالك والإمام الشافعي والإمام أحمد والستة والدارقطني. ولم أقف على شئ من الأسانيد المخرجة للإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان رضوان الله تعالى عليه فلذلك لم أذكره. (أو: الجماعة): فالإمام أحمد والستة. أو: أبو عمر: فالحافظ يوسف بن عبد البر أو القاضي: فأبو الفضل عياض، أو الأمير: فالإمام الحافظ أبو نصر علي بن هبة اله، الوزيري البغدادي المعروف بابن ماكولا. أو السهيلي: فالإمام أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله الخثعمي. أو الروض. فالروض الأنف له. أو: أبو الفرج: فالحافظ عبد الرحمن بن الجوزي. أو أبو الخطاب: فالحافظ عمر بن الحسن بن دحية. أو: أبو ذر: فالحافظ أبو ذر: مصعب بن محمد بن مسعود الخشني، أو الإملاء: فما أملاه على سيرة ابن هشام. أو زاد المعاد: فزاد المعاد في هدي خير العباد للإمام العلامة أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن القيم. أو أبو الربيع: فالثقة الثبت سليمان بن سالم الكلاعي، أو الاكتفاء: فكتاب " الاكتفاء " له. أو: أبو الفتح: فالحافظ محمد ابن محمد بن سيد الناس، أو العيون: فعيون الأثر له. أو القطب: فالحافظ: قطب الدين الحلبي، أو المورد: فالمورد العذب له. أو الزهر: فالزهر الباسم. أو
الإشارة: فالإشارة إلى سيرة سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كلاهما للحافظ علاء الدين مغلطاي أو الإمتاع: فكتاب: إمتاع الأسماع للإمام العلامة مؤرخ الديار المصرية الشيخ تقي الدين المقريزي. أو المصباح: فالمصباح المنير للإمام العلامة أبي العباس أحمد ابن محمد بن علي الفيومي، أو التقريب: فالتقريب في علم الغريب لولده محمود الشهير بابن خطيب الدهشة. أو الحافظ: فشيخ الإسلام أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر أو الفتح: ففتح الباري له. أو شرح الدرر: فشرحه على ألفية السيرة لشيخه العراقي. أو النور: فنور النبراس للحافظ برهان الدين الحلبي. أو الغرر: فالغرر المضية للعلامة محب الدين بن الإمام العلامة شهاب الدين بن الهائم أو السيد: فشيخ الشافعية بطيبة نور الدين السمهودي أو: الشيخ، أو: شيخنا: فحافظ الإسلام بقية المجتهدين من الأعلام جلال الدين أبو الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي. رحمهم الله تعالى. وحيث أطلقت الموحدة: فهي ثاني الحروف. أو المثلثة: فهي الرابعة. أو التحتية: فهي آخر الحروف.
[ 5 ]
وسميت هذا الكتاب: " سبل الهدى والرشاد، في سيرة خير العباد، وذكر فضائله وأعلام نبوته وأفعاله وأحواله في المبدأ والمعاد ". وإذا تأملت هذا الكتاب علمت أنه نتيجة عمري وذخيرة دهري، والله سبحانه وتعالى أسأل أن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن يمن علي بالنظر إليه في دار النعيم، وهو حسبي ونعم الوكيل، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وقبل الشروع في مقاصد الكتاب أثبت ما فيه من الأبواب، وهي نحو ألف باب. والله الهادي للصواب.
[ 6 ]
جماع أبواب بعض الفضائل والآيات
الواقعة قبل مولده صلى الله عليه وسلم باب: تشريف الله تعالى له بكونه أول الأنبياء خلقا صلى الله عليه وسلم باب: خلق آدم وجميع المخلوقات لأجله صلى الله عليه وسلم. باب: تقدم نبوته على نفخ الروح في آدم عليهما السلام. باب: تقدم أخذ الميثاق عليه صلى الله عليه وسلم. باب: في كتابة اسمه الشريف محمد مع اسم الله تعالى على العرش وسائر ما في الملكوت وما وجد على الحجارة القديمة من نقش اسمه صلى الله عليه وسلم. باب: في أخذ الميثاق على الأنبياء، آدم فمن دونه من الأنبياء أن يؤمنوا به وينصروه إذا بعث فيهم محمد صلى الله عليه وسلم. باب: في دعاء إبراهيم عليه السلام وعلى نبينا به وإعلام الله به إبراهيم وآله صلى الله عليه وسلم. باب: في بعض ما ورد في الكتب القديمة من ذكر فضائله ومناقبه العظيمة صلى الله عليه وسلم. باب: فيما أخبر به الأحبار والرهبان والكهان بأنه النبي المبعوث في آخر الزمان صلى الله عليه وسلم. باب: بعض منامات رؤيت تدل على بعثته صلى الله عليه وسلم. باب: فيما وجد من صورة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مقرونة بصور الأنبياء قبله صلى الله على نبينا وعليهم. جماع أبواب فضائل بلده المنيف ومسقط رأسه الشريف صلى الله عليه وسلم باب: بدء أمر الكعبة المشرفة. باب: عدد المرات التي بنيها البيت. باب: أسماء البيت الشريف. باب: بعض فضائل دخول الكعبة والصلاة فيها وآداب ذلك. باب: فضل النظر إلى البيت الشريف
باب: بعض فضائل الحجر الأسود والمقام. باب: بعض فضائل زمزم.
[ 7 ]
باب: تجديد حفر زمزم على يد عبد المطلب بن هاشم. باب: بعض أسماء البلد والحرم المنيف. باب: دخول حرم مكة وسبب تحريمه. باب: تعظيم مكة وحرمها وتعظيم الذنب فيها. باب: حج الملائكة وآدم والأنبياء وتعظيمهم للحرم. باب: قصة إهلاك أصحاب الفيل. جماع أبواب نسبه الشريف صلى الله عليه وسلم باب: بعض فضائل العرب وحبهم. باب: طهارة أصله وشرف محتده غير ما تقدم. باب: سرد أسماء آبائه إلى آدم صلى الله عليه وسلم. باب: شرح أسماء آبائه وبعض أحوالهم على وجه الاختصار. باب: معنى قوله - صلى الله عليه وسلم: " أنا ابن العواتك والفواطم ". جماع أبواب مولده عبد المطلب ابنه عبد الله امرأة من بني زهرة. باب: حمل آمنة برسول الله صلى الله عليه وسلم وما وقع في ذلك من الآيات. باب: وفاة عبد الله بن عبد المطلب. باب: تاريخ مولده صلى الله عليه وسلم ومكانه. باب: ما جاء في إخبار الأحبار وغيرهم بليلة ولادته صلى الله عليه وسلم. باب: في وضعه والنور الذي خرج معه وتدلي النجوم ونزوله صلى الله عليه وسلم ساجدا معتمدا على الأرض بيديه وما رأته قابلته الشفاء أم عبد الرحمن بن عوف وما وقع
في ذلك من الآيات. باب: انفلاق البرمة عنه حين وضع تحتها صلى الله عليه وسلم. باب: ولادته مختونا مقطوع السرة صلى الله عليه وسلم. باب: مناغاته للقمر في مهده، وكلامه فيه صلى الله عليه وسلم. باب: حزن إبليس وحجبه من السموات وما سمع من الهواتف لما ولد رسول الله عليه السلام. باب: في انبثاق دجلة وارتجاس الإيوان وسقوط الشرفات وخمود النيران وغير ذلك مما يذكر ليلة ولادته صلى الله عليه وسلم. باب: فرح جده عبد المطلب وتسميته له محمدا صلى الله عليه وسلم.
[ 8 ]
باب: أقاويل العلماء في عمل المولد الشريف واجتماع الناس له وما يحمد من ذلك وما يذم. جماع أبواب رضاعه صلى الله عليه وسلم باب: مراضعه صلى الله عليه وسلم، جملة من قيل إنهن أرضعنه عشر نسوة. باب: إخوته من الرضاعة عليه السلام. باب: إيمان السيدة حليمة وزوجها رضي الله عنهما. باب: سياق قصة الرضاع وما وقع فيها من الآيات. جماع أبواب أسمائه صلى الله عليه وسلم وكناه باب: في فوائد كالمقدمة للأسماء الآتية: باب: في الكلام على قوله صلى الله عليه وسلم: " لي خمسة أسماء " وبيان طرقه. باب: في ذكر ما وقفت عليه من أسمائه الشريفة وشرحها وما يتعلق بها من الفوائد.
باب: في كناه صلى الله عليه وسلم وزاده فضلا وشرفا لديه. جماع أبواب صفات جسده الشريف صلى الله عليه وسلم باب: حسنه صلى الله عليه وسلم. باب: صفة لونه صلى الله عليه وسلم. باب: صفة رأسه وشعره صلى الله عليه وسلم. باب: صفة جبينه وحاجبيه صلى الله عليه وسلم. باب: صفة عينيه صلى الله عليه وسلم وبعض ما فيها من الآيات. باب: في سمعه الشريف صلى الله عليه وسلم. باب: صفة أنفه وخديه صلى الله عليه وسلم. باب: صفة فمه وأسنانه وطيب ريقه وبعض الآيات فيه صلى الله عليه وسلم. باب: صفة لحيته الشريفة وشيبه صلى الله عليه وسلم. باب: صفة وجهه الأنوار صلى الله عليه وسلم. باب: صفة عنقه وبعد ما بين منكبيه وغلظ كتده صلى الله عليه وسلم. باب: صفة ظهره صلى الله عليه وسلم وما جاء في صفة خاتم النبوة. باب: صفة صدره وبطنه صلى الله عليه وسلم. باب: ما جاء في شق صدره وقلبه الشريفين صلى الله عليه وسلم. باب: صفة يديه وإبطيه صلى الله عليه وسلم.
[ 9 ]
باب: صفة ساقيه وفخذيه وقدميه صلى الله عليه وسلم. باب: ضخامة كراديسه صلى الله عليه وسلم. باب: طوله واعتدال خلقه ورقة بشرته صلى الله عليه وسلم. باب: عرقه وطيب ريحه صلى الله عليه وسلم.
باب: مشيه وأنه لم يكن يرى له ظل صلى الله عليه وسلم. باب: الآية في صوته وبلوغه حيث لا يبلغ صوته غيره صلى الله عليه وسلم. باب: فصاحته صلى الله عليه وسلم. باب: معرفة أسماء الذين كانت صفات أجسادهم تقرب من صفات جسده صلى الله عليه وسلم. جماع أبواب الأمور الكائنة بعد مولده وقبل بعثه صلى الله عليه وسلم باب: وفاة أمه آمنه بنت وهب وحضانة أم أيمن له صلى الله عليه وسلم. باب: كفالة عبد المطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعرفته بشأنه. باب: استسقاء أهل مكة بجده وهو معهم وسقياهم ببركة صلى الله عليه وسلم. باب: ما حصل له في سنة سبع من مولده صلى الله عليه وسلم. باب: وفاة عبد المطلب ووصيته لأبي طالب برسول الله صلى الله عليه وسلم وما ظهر في ذلك من الآيات. باب: استسقاء أبي طالب برسول الله صلى الله عليه وسلم وعطش أبي طالب وشكواه ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم. باب: سفره صلى الله عليه وسلم مع عمه الزبير بن عبد المطلب إلى اليمن. باب: سفره صلى الله عليه وسلم مع عمه أبي طالب إلى الشام. باب: في حفظ الله إياه في شبابه عما كان عليه أهل الجاهلية واشتهاره بالأخلاق الفاضلة والخصال الحميدة قبل بعثته، وتعظيم قومه له، صلى الله عليه وسلم. باب: شهوده صلى الله عليه وسلم حرب الفجار. باب: شهوده صلى الله عليه وسلم حلف الفضول. باب: رعيه صلى الله عليه وسلم الغنم. باب: سفره صلى الله عليه وسلم مرة ثانية إلى الشام. باب: نكاحه صلى الله عليه وسلم خديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
باب: بنيان قريش الكعبة شرفها الله تعالى. جماع أبواب مبعثه صلى الله عليه وسلم باب: بدء عبادة الأصنام والإشراك بالله تعالى.
[ 10 ]
باب: باب إخبار الأحبار والرهبان والكهان بمبعث حبيب الرحمن صلى الله عليه وسلم وتقدمت في أوائل الكتاب وزادت هناك. باب: حدوث الرجم وحجب الشياطين من استراق السمع عند مبعثه صلى الله عليه وسلم. باب: بعض ما سمع من الهواتف وتنكس الأصنام. باب: قدر عمره صلى الله عليه وسلم وقت بعثته وتاريخها. باب: ابتدائه صلى الله عليه وسلم بالرؤيا الصادقة وسلام الحجر والشجر عليه، زاده الله تعالى فضلا وشرفا لديه. باب: ما ذكر أن إسرافيل قرن به قبل جبريل، صلى الله وسلم عليهم. باب: كيفية بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. باب: كيفية إنزال الوحي إليه صلى الله عليه وسلم. باب: شدة الوحي وثقله عليه زاده الله فضلا وشرفا لديه. باب: أنواع الوحي إليه صلى الله عليه وسلم. باب: فترة الوحي وتشريف نبيه صلى الله عليه وسلم بالرسالة بعد النبوة. باب: معنى الوحي والنبي والرسول، والنبوة والرسالة. باب: مثله ومثل ما بعثه الله تعالى به من الهدى صلى الله عليه وسلم. باب: مثله ومثل الأنبياء من قبله صلى الله عليه وسلم. باب: الوقت الذي كتب فيه نبيا صلى الله عليه وسلم. باب: في إعلام الوحش برسالته صلى الله عليه وسلم.
باب: شهادة الرضيع والأبكم برسالته صلى الله عليه وسلم. جماع أبواب بعض الأمور الكائنة بعد بعثته صلى الله عليه وسلم. باب: باب تعليم جبريل النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء والصلاة. باب: في إسلام خديجة بنت خويلد وعلي بن أبي طالب وزيد بن حارثة وأبي بكر الصديق رضي الله عنهم أجمعين. باب: ذكر متقدمي الإسلام من الصحابة رضي الله تعالى عنهم واختلاف الناس فيمن أسلم أولا. باب: في ذكر متقدمي الإسلام من الصحابة رضي الله عنهم تقدم علي وزيد. باب: قصة إسلام أبي ذر وأخيه أنيس رضي الله عنهما. باب: سبب دخول النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم بن أبي الأرقم واستخفاء المسلمين حال عبادتهم ربهم تبارك وتعنالى.
[ 11 ]
باب: أمر الله تعالى رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بإظهار الدعوة إلى الإسلام. باب: مشي قريش إلى أبي طالب ليكف عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. باب: إسلام حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنهما. باب: في إرسال قريش عتبة بن ربيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليعرض عليه أشياء ليكف عنهم. باب: في أسئلة المشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم أنواعا من الآيات وخرق العادات على وجه العناد لا على وجه الهدى والرشاد، فلهذا لم يجابوا إلى كثير مما سألوا. باب: امتحانهم إياه بأشياء لا يعرفهاإلا نبي. باب: سبب نزول قوله: تعالى: (ولا تجهر بصوتك) الآية.
باب: اعتراف أبي جهل وغيره بصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. باب: تحير الوليد بن المغيرة فيما يصف به القرآن والآيات التي نزلت فيه. باب: عدوان المشركين على المستصعفين ممن أسلم بالأذى والفتنة. باب: الهجرة الأولى إلى الحبشة وسبب رجوع من هاجر إليها من المسلمين في شهر رجب سنة خمس من المبعث. باب: إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه. باب: دخول بني هاشم وبني المطلب ابني عبد مناف الشعب وكتابة قريش الصحيفة الظالمة. باب: في رجوع القادمين من الحبشة إليها والهجرة الثانية إلى أرض الحبشة وفيه مكتوب النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي وأسماء الذين هاجروا الهجرة الثانية. باب: إرادة أبي بكر رضي الله عنه الهجرة إلى الحبشة أو إلى المدينة. باب: نقض الصحيفة الظالمة. باب: إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه. باب: قصتي الأراشي والزبيدي اللذين ابتاع أبو جهل إبلهما. باب: وفد النصارى الذين أسلموا. باب: سبب نزول أول سورة (عبس). باب سبب نزول (قل يا أيها الكافرون). باب: سبب نزول أول سورة (الروم). باب: وفاة أبي طالب ومشي قريش إليه ليكف عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
[ 12 ]
باب: وفاة أم المؤمنين خديجة الكبرى رضي الله عنها. باب: في بعض ما لاقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش بعد موت أبي طالب.
باب: سفر النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف. باب: في إيمان الجن به صلى الله عليه وسلم. باب: عرض النبي نفسه الكريمة على القبائل ليؤووه وينصروه ودعائه الناس إلى التوحيد. باب: خبر بعض المستهزئين برسول الله صلى الله عليه وسلم وكيف كان هلاكهم. جماع أبواب معراجه صلى الله عليه وسلم باب: تفسير قوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده) الآية. باب: تفسير أول سورة (والنجم). باب: اختلاف العلماء في رؤية النبي لربه تبارك وتعالى ليلة المعراج. باب: في أي زمان ومكان وقع الإسراء. باب: كيفية الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم وهل تكرر أم لا. باب: دفع شبه أهل الزيغ في استحالة المعراج. باب: أسماء الصحابة الذين رووا القصة عن النبي صلى الله عليه وسلم. باب: سياق القصة. باب: تنبهات على بعض فوائد تتعلق بقصة المعراج. باب: صلاة جبريل عليه السلام بالنبي الجليل صلى الله عليه وسلم يوم ليلة الإسراء وكيفية فرض الصلاة. جماع أبواب بدء إسلام الأنصار رضي الله عنهم أجمعين باب: نسبهم رضي الله تعالى عنهم. باب: فضلهم وحبهم والوصية بهم والتجاوز عن مسيئهم والنهي عن بغضهم. باب: بدء إسلامهم رضي الله تعالى عنهم. باب: ذكر يوم بعاث.
باب: بيعة العقبة الأولى وكانت في رجب. باب: بيعة العقبة الثانية. باب: إسلام سعد بن معاذ وأسيد بن حضير رضي الله تعالى عنهما. باب: بيعة العقبة الثانية. باب: إسلام عمرو بن الجموع - بفتح الجيم وبالحاء المهملة - رضي الله عنه.
[ 13 ]
جماع أبواب الهجرة إلى المدينة الشريفة باب: إذن النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة إلى المدينة للمسلمين. باب: سبب هجرته بنفسه الكريمة وكفاية الله ورسوله مكر المشركين حين أرادوا به ما أرادوا. باب: قدر إقامة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه الكريمة وما وقع في ذلك من الآيات. باب: تلقي أهل المدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزوله بقباء وتأسيسه لمسجد قباء. باب: قدومه صلى الله عليه وسلم باطن المدينة وسكناه بدار أبي أيوب. جماع أبواب بعض فضائل المدينة الشريفة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام جماع أبواب بعض فضائل المدينة الشريفة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. باب: بدء نشأتها. باب: سرد أسمائها مرتبة على حروف المعجم. باب: النهي عن تسميتها يثرب. باب: في محبته صلى الله عليه وسلم ودعائه لها ولأهلها ورفع الوباء عنها بدعائه. باب: عصمتها من الدجال والطاعون ببركته صلى الله عليه وسلم. باب: الحث على الإقامة بها والموت بها والصبر على لأوائها ونفيها الخبث
والذنوب واتخاذ الأصول بها والنهي عن هدم بنيانها. باب: وعيد من أحدث بها حدثا أو آوى بها محدثا أو أرادها وأهلها بسوء أو أخافهم والوصية بهم. باب: تفضيلها على البلاد بحلوله صلى الله عليه وسلم بها. باب: تحريمها على لسانه صلى الله عليه وسلم. باب: ذكر بعض خصائصها شرفها الله تعالى. جماع أبواب بعض حوادث من السنة الأولى والثانية من الهجرة باب: صلاته الجمعة ببني سالم بن عوف. صلى الله عليه وسلم. باب: بناء مسجده الأعظم صلى الله عليه وسلم. باب: بنائه حجر نسائه صلى الله عليه وسلم. باب: بدء الأذان. باب: مؤاخاته صلى الله عليه وسلم بين الصحابة. باب: قصة تحويل القبلة.
[ 14 ]
جماع أبواب أمور دارت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين اليهود والمنافقين. ونزول صدر سورة البقرة وغيرها من القرآن في ذلك باب: أخذ الله تعالى العهد عليهم في كتبهم أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم إذاجاءهم، واعتراف جماعة منهم بنوته، ثم كفر كثير بغيا وعنادا به صلى الله عليه وسلم. باب: موادعة اليهود وكتبه بينه وبينهم كتابا بذلك ونصبهم العدوة له ولأصحابه حسدا وعدوانا ونقضهم العهد. باب: سؤال اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح. باب: تحيرهم في مدة مكث هذه الأمة لما سمعوا الحروف المقطعة في أوائل السور.
باب: سبب نزول سورة الإخلاص. باب: إرادة شأس إيقاع الفتنة بين الأوس والخزرج. باب: سبب نزول قوله تعالى: (لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير). الآية. با ب: سؤالهم إياه عن أشياء لا يعرفها إلا نبي، وجوابه لهم وتصديقهم إياه. باب: إخبارهم إياه بأنه أصاب، وتمردهم عن الإيمان به صلى الله عليه وسلم. باب: رجوعهم إليه في عقوبة الزاني منهم وما ظهر في ذلك من كتمانهم ما أنزل الله عز وجل في التوراة من حكمه وصفة نبيه صلى الله عليه وسلم. باب: سؤاله لهم أن يتمنوا الموت إن كانوا صادقين في دعاوى ادعوها. باب: سحرهم إياه وإعلام الله له بذلك وإنزال سورة الفلق والناس. باب: معرفة صفات المنافقين الذين انضافوا ليهود وبعض أمور دارت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبينهم. جماع أبواب المغازي التي غزا فيها صلى الله عليه وسلم بنفسه الكريم صلى الله عليه وسلم باب: الإذن بالقتال ونسخ العفو عن المشركين وأهل الكتاب. باب: اختلاف الناس في عدد المغازي التي عزا فيها بنفسه الشريفة صلى الله عليه وسلم. باب: غزوة الأبواء وهي ودان. باب: غزوة بواط. باب: غزوة سفوان، وهي بدر الأولى.
[ 15 ]
باب: غزوة العشيرة. باب: غزوة بدر الكبرى.
باب: غزوة بني سليم ويقال لها قرقرة الكدر. باب: غزوة السويق. باب: غزوة غطفان، وهي ذو أمر. باب: غزوة الفرع. باب: غزوة بني قينقاع. باب: غزوة أحد. باب: غزوة حمراء الأسد. باب: غزوة بني النضير. باب: غزوة بدر الموعد. باب: غزوة دومة الجندل. باب: غزوة الخنذق. وهي الأحزاب. باب: غزوة بني المصطلق وهي المريسيع. باب: غزوة بني قريظة. باب: غزوة بني لحيان. باب: غزوة الحديبية. باب: غزوة ذي قرد وهي الغابة. باب: غزوة خيبر ووادي القرى. باب: غزوة ذات الرقاع. باب: غزوة عمرة القضية. باب: غزوة الفتح الأعظم فتح مكة شرفها الله تعالى. باب: غزوة حنين وهي هوازن.
باب: غزوة الطائف. باب: غزوة تبوك. جماع أبواب بعض سراياه وبعوثه وبعض فتوحاته صلى الله عليه وسلم باب: عدد سراياه وبعوثه ومعنى السرية. باب: أي وقت كان يبعث سراياه ووداعه إياهم ومشية مع بعضهم وهو راكب إلى خارج المدينة صلى الله عليه وسلم ووصيته لأمير السرايا.
[ 16 ]
باب: عذره عن تخلفه عن صحبة السرايا. باب: سرية عبيدة بن الحارث بن المطلب رضي الله عنه إلى بطن رابغ. باب: سرية حمزة بن عبد المطلب إلى سيف البحر. باب: سرية سعد بن أبي وقاص إلى الخرار. باب: سرية سعد بن أبي وقاص أيضا إلى بني كنانة. باب: سرية أمير المؤمنين المجدع في الله، عبد الله بن جحش إلى نخلة. باب: بعث عمير بن عدي الخطمي رضي الله عنه إلى عصماء بنت مروان. باب: بعث سالم بن عمير رضي الله عنه إلى أبي عفك اليهودي. باب: سرية محمد بن مسلمة رضي الله عنه إلى كعب بن الأشرف. باب: سرية زيد بن حارثة إلى القردة. باب: سرية أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد رضي الله عنه إلى ذي قطن. باب: بعثه عبد الله بن أنيس رضي الله عنه إلى سفيان بن خالد الهذلي. باب: سرية مرثد بن أبي مرثد الغنوي رضي الله عنه إلى الرجيع. باب: سرية المنذر بن عمرو رضي الله عنه إلى بئر معونة، وهي سرية القراء. باب: سرية محمد بن مسلمة رضي الله عنه إلى القرطاء.
باب: سرية عكاشة بن محصن رضي الله عنه إلى غرو مرزوق. باب: سرية محمد بن مسلمة إلى نبي معاوية وبني عوال بذي القصة. باب: أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة أيضا. باب: سرية زيد بن حارثة رضي الله عنه إلى بني سليم بالجموم. باب: سرية زيد أيضا إلى العيص. باب: سرية زيد أيضا إلى الطراف. باب: سرية زيد أيضا إلى حسمى. باب: سرية زيد أيضا إلى وادي القرى. باب: سرية عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه إلى دومد الجندل. باب: سرية زيد بن حارثة إلى مدين. باب: سرية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إلى بني سعد بن بكر بفدك. باب: سرية أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى بني فزارة بناحية وادي القرى. باب: سرية زيد بن حارثة رضي الله عنه إلى بني فزارة. باب: سرية عبد الله بن عتيك رضي الله عنه إلى أبي رافع بن الحقيق.
[ 17 ]
باب: سرية عبد الله بن رواحة رضي الله عنه إلى أسير بن رزام بخيبر. باب: سرية كرز بن جابر أو سعيد بن زيد رضي الله عنه إلى العرنيين. باب: بعثه صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري رضي الله عنه ليفتك بأبي سفيان. باب: سرية أبان بن سعد رضي الله عنه قبل نجد. باب: سرية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى تربة. باب: سرية أمير المؤمنين أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى بني كلاب بنجد. باب: سرية بشير بن سعد رضي الله عنه إلى بني مرة بفدك.
باب: سرية غالب بن عبد الله رضي الله عنه إلى ميفعة. باب: سرية بشير بن سعد إلى يمن وجبار. باب: سرية الأحزم بن أبي العوجاء السلمي رضي الله عنه إلى بني سليم. باب: سرية غالب بن عبد الله عنه إلى بني الملوح بالكديد. باب: سرية غالب بن عبد الله أيضا إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد بفدك. باب: سرية شجاع بن وهب رضي الله عنه إلى بني عامر. باب: سرية كعب بن عمير الغفاري رضي الله عنه إلى ذات أطلاح. باب: سرية مؤتة من عمل البلقاء. باب: سرية أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه إلى حي من جهينة، وتعرف بسرية الخبط. باب: سرية أبي قتادة الأنصاري إلى خضرة وقصة ابن أبي حدرد. باب: سرية أبي قتادة أيضا رضي الله عنه إلى بطن إضم. باب: بعث أسامة بن زيد رضي الله عنهما إلى الحرقات. باب: سرية خالد بن الوليد رضي الله عنه لهدم العزى. باب: سرية عمرو بن العاص لهدم سواع. باب: سرية سعيد بن زيد الأشهلي رضي الله عنه لهدم مناة. باب: سرية خالد بن الوليد إلى بني جذيمة بناحية يلملم. باب: سرية أبي عامر الأشعري إلى أوطاس. باب: سرية الطفيل بن عمرو الدوسي لهدم ذي الكفين. باب: سرية قيس بن سعد بن عبادة إلى ناحية اليمن لصداء. باب: سرية عيينة بن حصن الفزاري إلى بني تميم. باب: بعثه صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عوسجة رضي الله عنه إلى بني حارثة بن عمرو.
[ 18 ]
باب: سرية قطبة بن عامر رضي الله عنه إلى خثعم. باب: سرية الضحاك بن سفيان الكلابي رضي الله عنه إلى بني كلاب. باب: سرية علقمة بن مجزر المدلجي رضي الله عنه إلى الحبشة. باب: سرية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لهدم الفلس. باب: بعث عكاشة بن محصن رضي الله عنه إلى الجباب. باب: سرية خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى أكدر بن عبد الملك. باب: بعثه صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة لهدم الطاغية. باب: بعثه صلى الله عليه وسلم أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل قبل حجة الوداع إلى اليمن المرة الثانية. باب: بعثه صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني عبد المدان بنجران. باب: سرية المقداد بن الأسود رضي الله عنه إلى ناس من العرب. باب: بعثه صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى همدان ثم بعثه عليا إليهم. باب: سرية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه إلى اليمن المرة الثانية. باب: سرية بني عبس إلى قريش. باب: بعثه صلى الله عليه وسلم سرية إلى رعية السحيمي الجهني. باب: بعثه صلى الله عليه وسلم أبا أمامة صدي بن عجلان إلى باهلة. باب: سرية جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه إلى ذي الخلصة. باب: بعثه صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وخالد بن سعيد بن العاص إلى اليمن. باب: بعثه صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى خثعم. باب: بعثه صلى الله عليه وسلم عمرو بن مرة الجهني إلى أبي سفيان بن الحارث بن عبد
المطلب قبل إسلامه. باب: سرية أسامة بن زيد رضي الله عنهما إلى أهل مؤته بناحية البلقاء. باب: ذكر بعض ما فتحه صلى الله عليه وسلم من البلاد. جماع أبواب بعض الوفود إليه صلى الله عليه وسلم باب: الكلام على بعض فوائد سورة النصر. باب: تجمله صلى الله عليه وسلم للوفود وإجازتهم، ومعنى الوفد. باب: وفود أحمس إليه. باب: وفود أزد شنوءة إليه صلى الله عليه وسلم.
[ 19 ]
باب: وفود أزد عمان إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود بني أسد إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود أشجع إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود الأشعريين إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود أعشى بن مازن عليه. باب: وفود بارق إلى النبي صلى الله عليه وسلم. باب: وفود باهلة إليه. باب: وفود بني البكاء إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود بني بكر بن وائل إليه. باب: وفود بلي إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود بهراء إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود تجيب إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود بني ثعلبة إليه صلى الله عليه وسلم.
باب: وفود بني تميم إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود بني ثقيف إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود ثمالة والحدان إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود الجارود بن المعلى إليه. باب: وفود جذام إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود جرم إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود جرير بن عبد الله إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود جعدة إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود جعفي إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود جهينة إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود جيشان إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود الحارث بن حسان إليه صلى الله عليه. باب: وفود بني الحارث بن كعب إليه صلى الله عليه وسلم. باب: قدوم الحجاج بن علاط وما وقع في ذلك من الآيات. باب: وفود حضرموت إليه صلى الله عليه وسلم.
[ 20 ]
باب: وفود الحكم بن حزم إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود حمير إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود بني حنيفة إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود خفاف بن نضلة إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود خثعم إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود خولان إليه صلى الله عليه وسلم.
باب: وفود خشين إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود الداريين إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود دوس إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود ذباب بن الحارث عليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود الرهاويين إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود بني رؤاس بن كلاب إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود زييد إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود بني سحيم إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود بني سعد إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود سدوس إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود بني سلامان إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود سليم إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود بني شيبان إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود صداء إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود الصدف إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود أبي صفرة إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود ضماد بن ثعلبة إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود طارق إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود طيئ إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود بني عامر بن صعصعة إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود عبد الرحمن بن أبي عقيل إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود بني عبد بن عدي إليه صلى الله عليه وسلم.
باب: وفود عبد القيس إليه صلى الله عليه وسلم.
[ 21 ]
باب: وفود عدي بن حاتم إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود بني عبس إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود بني عذرة إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود بني عقيل إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود عمرو بن معدي كرب إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود عنزة إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود عنس، بالنون، إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود غافق إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود غامد إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود غسان إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود قاصد فروة بن عمرو إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود فروة بن مسيك إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود فزارة إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود بني قرة بن عبس إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود قدد بن عمار إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود بني قشير إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود قيس بن عاصم إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود بني كلاب إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود بني كلب إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود بني كنانة إليه صلى الله عليه وسلم.
باب: وفود بني كندة إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود لقيط بن عامر إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود محارب إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود بني مرة إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود مزينة إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود معاوية بن حيدة إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود مهرة إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود نافع بن زيد الحميري إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود النخع إليه صلى الله عليه وسلم.
[ 22 ]
باب: وفود بني هلال بن عامر إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود همدان إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود وائل بن حجر إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود واثلة بن الأشقع إليه صلى الله عليه وسلم. باب: وفود الجن إليه صلى الله عليه وسلم. باب: ما قيل في اجتماع الياس به، إن صح الخير بذلك صلى الله عليه وسلم. باب: ما روى من اجتماع الحضر به، إن صح الخبر صلى الله عليه وسلم. باب: ما روى من قدوم هامة بن الهيم بن لاقيس بن إبليس وإسلامه إن صح الخبر. باب: وفود السباع إليه صلى الله عليه وسلم. جماع أبواب صفاته المعنوية عليه الصلاة والسلام باب: وفور عقله عليه السلام.
باب: حسن خلقه صلى الله عليه وسلم. باب: حلمه وعفوه مع القدرة. باب: حيائه صلى الله عليه وسلم. باب: مداراته وصبره على ما يكره. باب: بره وشفقته ورحمته صلى الله عليه وسلم. باب: تواضعه صلى الله عليه وسلم. باب: كراهيته للإطراء وقيام الناس له. باب: شجاعته وقوته عليه السلام. باب: كرمه وجوده صلى الله عليه وسلم. باب: خوفه وتضرعه عليه السلام. باب: استغفاره وتوبته صلى الله عليه وسلم. باب: قصر أمله صلى الله عليه وسلم. باب: إعطائه القود من نفسه الكريمة. باب: بكائه عليه السلام. باب: زهده وورعه صلى الله عليه وسلم. باب: اقتناعه باليسير.
[ 23 ]
باب: ما جاء أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يدخر شيئا لغد. وما جاء أنه كان يدخر قوت سنة لعياله صلى الله عليه وسلم. باب: نفقته صلى الله عليه وسلم. باب: صفة عيشه في الدنيا. باب: هيبته ووقاره.
باب: مزاحه ومداعبته. باب: ضحكه وتبسمه. باب: معرفة رضاه وسخطه. جماع أبواب سيرته في كلامه وتحريك يده حين يتكلم أو يعجب ونكته في الأرض بعود، وتشبيكه أصابعه وتسبيحه وتحريكه رأسه. وعضه لشفته، وضربه يده على فخذه عند التعجب صلى الله عليه وسلم. باب: صفة كلامه وفيه أنواع. باب: تكلمه بغير لغة العرب عليه السلام. باب: تحريك يده حين يتكلم أو يتعجب، وتسبيحه، وتحريك رأسه وعض شفته وضربه يده على فخذه عند التعجب، ونكته الأرض بعود ومسحه الأرض بيده وإشارته بإصبعه السبابة والوسطى وتشبيكه أصابعه صلى الله عليه وسلم. باب: ما ضربه من الأمثال صلى الله عليه وسلم. باب: قوله صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه: ويحك وويلك وتربت يداك ولله در أبيك وغير ذلك مما يذكر عنه صلى الله عليه وسلم. جماع أبواب سيرته صلى الله عليه وسلم في السلام والاستذان والمصافحة والمعانقة والتقبيل باب: آدابه صلى الله عليه وسلم في الاستئذان والمصافحة. باب: آدابه صلى الله عليه وسلم في السلام. باب: آدابه صلى الله عليه وسلم في مصافحته ومعانقته وتقبيله. جماع أبواب سيرته صلى الله عليه وسلم في جلوسه واتكائه وقيامه ومشيه باب: في آدابه في جلوس واتكائه. باب: آدابه عليه السلام في قيامه.
باب: آدابه في مشيه صلى الله عليه وسلم. جماع أبواب سيرته في أكله وذكر ماكولاته عليه الصلاة والسلام باب: آداب جامعة وفيه أنواع.
[ 24 ]
باب: صفة خبزه وأمره بإكرام الخبز ونهيه عن إلقائه. باب: ما أكله صلى الله عليه وسلم من لحوم الحيوانات وفيه أنواع. باب: ما أكله صلى الله عليه وسلم من أطعمة مختلفة وفيه أنواع. باب: ما أكله صلى الله عليه وسلم من الفواكه والقلويات وفيه أنواع. باب: ما أكله صلى الله عليه وسلم من الخضروات وفيه أنواع. باب: فيما كان أحبه صلى الله عليه وسلم وفيه أنواع. باب: ما كان يعافه صلى الله عليه وسلم من الأطعمة وفيه أنواع. جماع أبواب سيرته صلى الله عليه وسلم في مشربه وذكر مشروباته باب: ما جاء أنه كان يستعذب له الماء، وذكر الآبار التي شرب منها وبصق فيها ودعا فيها بالبركة وفيه أيضا أنواع. باب: الآنية التي شرب منها. وفيه أنواع. باب: شربه قاعدا أو قائما. وفيه أنواع. باب: آدابه صلى الله عليه وسلم في شربه. باب: ذكر مشروباته صلى الله عليه وسلم وفيه أنواع. جماع أبواب سيرته صلى الله عليه وسلم في نومه وانتباهه باب: سيرته قبل نومه وفيه أنواع. باب: ما كان رسول الله يقوله ويفعله إذا أراد النوم. باب: ما كان صلى الله عليه وسلم يقوله إذا أصبح وإذا أمسى.
باب: ما كان يقوله ويفعله إذا استيقظ. جماع أبواب سيرته صلى الله عليه وسلم في الرؤيا وذكر بعض مناماته باب: تفسيره عليه السلام الرؤيا وأن الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء من النبوة وأنها من المبشرات وما يتعلق بذلك من الآداب وفيه أنواع. باب: ما عبر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرؤيا أو عبر بين يديه وأقره. باب: ذكر بعض مناماته. جماع أبواب سيرته في لباسه وذكر ملبوساته صلى الله عليه وسلم باب: آدابه صلى الله عليه وسلم في لباسه وفيه أنواع. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في العمامة والعذبة والتلحي وفيه أنواع. باب: قلنسوته عليه السلام. باب: تقنعه وقناعته صلى الله عليه وسلم. باب: قميصه وإزاره وجيبه.
[ 25 ]
باب: لبسه الجبة وفيه نوعان. باب: لبسه الحلة وفيه نوعان. باب: لبسه العباء وفيه نوعان. باب: إزاره وكسائه وردائه وبردته وخميصته وشملته صلى الله عليه وسلم. باب: سراويله صلى الله عليه وسلم. باب: أنواع من ملابسه غير ما تقدم وفيه أنواع. باب: ألوان الثياب التي لبسها صلى الله عليه وسلم وفيه أنواع. باب: ما كرهه صلى الله عليه وسلم من الألوان والملابس. باب: خفيه ونعليه صلى الله عليه وسلم وفيه نوعان.
جماع أبواب سيرته صلى الله عليه وسلم في خاتمه الذي في يده باب: في أمر الله تعالى له باتخاذ الخاتم إن صح الخبر بسبب اتخاذه الخاتم. باب: في لبسه صلى الله عليه وسلم خاتم الذهب ثم تركه له وتحريم لبسه. باب: في أي يد كان يتختم صلى الله عليه وسلم. باب: فيما روى في أي جهة من يده صلى الله عليه وسلم كان يجعل فص خاتمه. باب: فيما قيل إنه صلى الله عليه وسلم إنما لبس الخاتم يوما واحدا ثم تركه. باب: في آداب تتعلق بالخاتم. جماع أبواب سيرته في زينته وخصال الفطرة باب: خاتمه صلى الله عليه وسلم وفيه أنواع غير ما تقدم. باب: استعماله صلى الله عليه وسلم الطيب ومحبته له وفيه أنواع. باب: خضابه صلى الله عليه وسلم وفيه نوعان. باب: استعماله صلى الله عليه وسلم المشط وادهانه ونظره في المرآة واكتحاله. باب: قصة ظفره وشاربه وكذا أخذه من لحيته الشريفة إن صح الخبر وسيرته في شعر رأسه. باب: تفلية أم حرام رضي الله عنها رأسه صلى الله عليه وسلم. جماع أبواب آلات بيته صلى الله عليه وسلم وزاده تشريفا وفضلا باب: سريره وكرسيه صلى الله عليه وسلم. باب: حصيره وفراشه ولحافه وقطيفته ووسادته صلى الله عليه وسلم. باب: كراهيته صلى الله عليه وسلم ستر الجدار أو الباب بشئ فيه صورة حيوان. باب: آنيته وأثاثه صلى الله عليه وسلم.
[ 26 ]
جماع أبواب حروبه صلى الله عليه وسلم
باب: قسيه صلى الله عليه وسلم وفيه نوعان. باب: سيوفه صلى الله عليه وسلم وفيه نوعان. باب: رماحه صلى الله عليه وسلم وحرابه وعنزته ومحجنه وقضيبه ومخصرته وعصاه وفيه أنواع. باب: درعه ومغفره وبيضته ومنطقته صلى الله عليه وسلم. باب: أتراسه وجعبته وسهامه صلى الله عليه وسلم. باب: ألويته وراياته وفسطاطه وقبته صلى الله عليه وسلم. باب: سرجه وإكافه وميثرته وغرزه صلى الله عليه وسلم. جماع أبواب سيرته صلى الله عليه وسلم في ركوبه باب: آدابه صلى الله عليه وسلم في ركوبه وفيه أنواع. باب: حمله معه على الدابة واحدا خلفه وآخر أمامه. باب: معرفة من أردفه صلى الله عليه وسلم وراءه. جماع أبواب دوابه صلى الله عليه وسلم باب: محبته صلى الله عليه وسلم الخيل وإكرامه لها ومدحه لها ووصيته بها ونهيه عن جز نواصيها وأذنابها وما حمده أو ذمه من صفاتها وفيه أنواع. باب: رهانه عليها ومسابقته بها صلى الله عليه وسلم. باب: عدد خيله صلى الله عليه وسلم وفيه نوعان. باب: بغاله وحميره صلى الله عليه وسلم وفيه نوعان. باب: لقاحه وركائبه وجماله صلى الله عليه وسلم وفيه أنواع. باب: شياهه ومنائحه وفيه نوعان. باب: ديكه صلى الله عليه وسلم وفيه أنواع. جماع أبواب سيرته صلى الله عليه وسلم في السفر والرجوع منه باب: اليوم الذي كان يختاره للسفر صلى الله عليه وسلم وما كان يقوله إذا أراد السفر. وإذا ركب
دابته. باب: صفة سيره وشفقته على الضعيف صلى الله عليه وسلم. باب: ما كان يقوله إذا أدركه الليل في السفر وما كان يقوله ويفعله إذا نزل منزلا وصفه قومه في السفر وما كان يقوله في السحر وفيه أنواع. باب: ما كان يقوله ويفعله إذا رجع من سفره، وما كان يفعله إذا قدم، وما كان يقوله إذا دخل على أهله صلى الله عليه وسلم. باب: آداب متفرقة تتعلق بالسفر، وفيه أنواع.
[ 27 ]
جماع أبواب سيرته صلى الله عليه وسلم في الطهارة للصلاة باب: المياه التي توضأ أو اغتسل منها صلى الله عليه وسلم وفيه أنواع. باب: آدابه صلى الله عليه وسلم عند قضاء الحاجة وفيه أنواع. باب: إزالته النجاسة وفيه أنواع. باب: سواكه صلى الله عليه وسلم وفيه أنواع. باب: آدابه صلى الله عليه وسلم في وضوئه وفيه أنواع. باب: مسحه على الخفين والجبائر وفيه أنواع. باب: تيممه صلى الله عليه وسلم وفيه أنواع. باب: غسله صلى الله عليه وسلم وفيه أنواع. باب: استمتاعه بما بين السرة والركبة من امرأته الحائض واستخدامه ومجالسته لها. جماع أبواب سيرته صلى الله عليه وسلم في صلاة الفرائض باب: اختلاف العلماء فيما كان يتعبد به قبل البعثة: هل كان بشرع من تقدم أم لا ؟
باب: مواقيت صلواته الفرائض صلى الله عليه وسلم وفيه أنواع. باب: امتناعه صلى الله عليه وسلم من الصلاة في الأوقات المكروهة. باب: ما جاء أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد العصر ركعتين. باب: سيرته في الأذان والإقامة. باب: ما ورد أنه صلى الله عليه وسلم أذن مرة وذكر مؤذنيه وما كان يقوله إذا سمع الأذان والإقامة وآدابه في ذلك وفيه أنواع. باب: آدابه صلى الله عليه وسلم المتعلقة بالمساجد وفيه أنواع. باب: صلاته صلى الله عليه وسلم في الكعبة ومرابض الغنم ومحبته الصلاة في الحيطان. باب: آدابه صلى الله عليه وسلم قبل الدخول في الصلاة وفيه أنواع. باب: ما كان يصلي عليه وإليه صلى الله عليه وسلم وفيه أنواع. باب: سيرته في استقبال القبلة وهو يصلي وفيه أنواع. باب: صفة صلاته صلى الله عليه وسلم وفيه فروع. باب: أحاديث جامعة لأوصاف من أعمال صلاته غير ما تقدم وفيه أنواع. باب: آدابه بعد السلام وفيه أنواع. باب: صلاته صلى الله عليه وسلم في الفرض قاعدا لعذر وإيمائه في النفل إن صح الخبر.
[ 28 ]
باب: أذكاره ودعواته بعد صلواته من غير تعيين صلاة. باب: ما كان يقوله ويفعله بعد الصبح والعصر والمغرب. باب: آداب صدرت منه صلى الله عليه وسلم تتعلق بالصلاة غير ما مر. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في صلاة الجماعة وفيه أنواع. جماع أبواب سيرته صلى الله عليه وسلم في السجدات التي ليست بركن باب: سجوده للسهو وفيه أنواع.
باب: بيان سجداته للتلاوة على سبيل الإجمال. باب: بيان عدد سجداته على سبيل التفصيل. باب: سجوده صلى الله عليه وسلم لقراءة غيره إذا سجد القارئ، وتركه السجود إذا لم يسجد القارئ، وسجوده للتلاوة في الصلاة المكتوبة وما كان يقوله في سجود التلاوة. باب: سجوده صلى الله عليه وسلم سجدة الشكر وصلاته ركعتين لذلك. جماع أبواب سيرته صلى الله عليه وسلم في يوم الجمعة وليلته باب: آدابه صلى الله عليه وسلم قبل الصلاة وفيه أنواع. باب: وقت صلاته الجمعة والنداء لها. باب: موضع خطبته وفيه أنواع. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في خطبته وما وقفت عليه من خطبه صلى الله عليه وسلم وفيه أنواع. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في صلاة الجمعة وفيه نوعان. باب: سيرته بعد الخروج من الصلاة صلى الله عليه وسلم. جماع أبواب سيرته في صلاة الفرض في السفر صلى الله عليه وسلم باب: إباحته صلى الله عليه وسلم القصر وأنه رخصة. باب: تقديره مسافة القصر وابتدائه والقصر مع الإقامة ببلد الحاجة. باب: جمعه صلى الله عليه وسلم بين الصلاتين وفيه أنواع. باب: صلاته صلى الله عليه وسلم النوافل في السفر وفيه نوعان. جماع أبواب سيرته صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف باب: بيان عدد المرات والكيفيات التي صدرت منه صلى الله عليه وسلم لصلاة الخوف على سبيل الإجمال. باب: صلاته صلى الله عليه وسلم النوافل في السفر وفيه نوعان.
باب: كيفيات صلاته صلى الله عليه وسلم لصلاة الخوف على سبيل التفصيل. باب: فوائد وتنبيهات تتعلق بصلاته صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف.
[ 29 ]
جماع أبواب سيرته صلى الله عليه وسلم في صلاة النوافل التي لم تشرع لها الجماعة باب: صلاته صلى الله عليه وسلم السنن المقرونة بالفرائض وفيه نوعان. باب: صلاته صلى الله عليه الصبح ومحافطته عليها. باب: صلاته قبل الظهر والعصر وبعدهما. باب: صلاته بعد المغرب والعشاء وفيه أنواع. باب: صلاته صلاة الاستخارة. باب: أحاديث جامعة لرواتب مشتركة. باب: صلاته صلى الله عليه وسلم الوتر وفيه أنواع. جماع أبواب سيرته صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل باب: شدة اجتهاده في العبادة. باب: إيقاظه أهله لصلاة الليل. باب: وقت قيامه لصلاة الليل وقدره وقدر نومه وصفة قراءته. باب: افتتاحه صلاة الليل ودعائه قبل تهجده. باب: صفة صلاته بالليل. باب: بيان عدد ركعات صلاته باليل. باب: دعائه صلى الله عليه وسلم بعد تهجده. باب: قيامه الليل بآية يرددها، وقضائه له إذا تركه. باب: قيامه صلى الله وعليه وسلم في شهر رمضان.
جماع أبواب سيرته في صلاة الضحى وصلاة الزوال باب: استنباط صلاة الضحى من القرآن وبعض ما ورد في فضلها والأمر. باب: صلاته صلاة الضحى وفيه نوعان. باب: الجواب عما ورد أنه لم يصلها. باب: فوائد تتعلق بصلاة الضحى. باب: صلاته صلى الله عليه وسلم قبيل الزوال وبعده. جماع أبواب صلاته صلى الله عليه وسلم في صلاة العيدين. باب: آدابه قبل الصلاة وفيه أنواع. باب: آدابه صلى الله عليه وسلم في صلاة العيدين وفيه أنواع. باب: آدابه صلى الله عليه وسلم في خطبة العيدين وفيه أنواع. باب: آدابه في رجوعه وفيه أنواع.
[ 30 ]
باب: آداب متفرقة تتعلق بالعيدين وفيه أنواع. جماع أبواب سيرته صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف باب: آداب متفرقة. باب: بيان كيفيات صلاته صلى الله عليه وسلم صلاة الكسوف. باب: صفة قراءته في كسوف الشمس وفيه نوعان. باب: صلاته صلى الله عليه وسلم في خسوف القمر. جماع أبواب سيرته في الاستسقاء والمطر والريح والسحاب والرعد والصواعق باب: آدابه صلى الله عليه وسلم قبل الصلاة وفيه أنواع. باب: استسقائه صلى الله عليه وسلم بخطبتين على المنبر وصلاة ركعتين بلا أذان وبلا إقامة وفيه أنواع.
باب: استسقائه صلى الله عليه وسلم في خطبة الجمعة وبالدعاء بغير صلاة. باب: استسقائه لأهل إقليم آخر بالدعاء من غير صلاة. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في المطر والسحاب والريح والرعد والصواعق. جماع أبواب سيرته في المرضى والمحتضرين والموتى باب: سيرته في عيادة المرضى. باب: سيرته في المحتضرين. باب: حزنه وبكائه إذا مات أحد من أصحابه. باب: سيرته في غسل الميت وتكفينه وفيه نوعان. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في الجنازة وفيه أنواع. باب: سيرته في الصلاة على الميت وفيه أنواع. باب: من كان يصلي عليه وفيه أنواع. باب: من ترك الصلاة عليه وفيه أنواع. باب: سيرته في دفن الميت وما يلتحق بذلك وفيه أنواع. باب: سيرته في زيارة القبور وفيه أنواع. باب: سيرته في الشهداء والموتى. جماع أبواب سيرته صلى الله عليه وسلم في الصدقة باب: بعثه العمال لأخذها من الأغنياء وردها على الفقراء ووصيته عماله بالعدل. باب: وصيته لأرباب الأموال ودعائه لمن أحسن وعلى من أساء في الصدقة. باب: في الحول. باب: أفرضة الزكاة المالية وأنواعها على التعيين وفيه أنواع.
[ 31 ]
باب: أخذه الزكاة ممن عجلها.
باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في زكاة الفطر. باب: سيرته في المد والصاع والوسق. باب: من حرم الصدقة ومن أحلت له وفيه أنواع. باب: حثه على صدقة التطوع إذا نظر المحتاج. باب: تصدقه بقليل وكثير. باب: أوقافه وصدقاته صلى الله عليه وسلم. باب: سيرته في السائلين وفيه أنواع. جماع أبواب سيرته في الصوم والاعتكاف باب: ابتداء فرضه ودعائه ببلوغ رمضان وبشارة أصحابه بقدومه. باب: فرحه صلى الله عليه وسلم برؤية الهلال وما كان يقول إذا رآه وصومه بشهادة عدل واحد. باب: وقت إفطاره وما كان يفطر عليه وما كان يقول عند إفطاره وما كان يقول إذا أفطر عند أحد وسحوره وإتمامه للصوم إذا رأى الهلال يوم الثلاثين نهارا. باب: ما كان يفعله صلى الله عليه وسلم وهو صائم وفيه أنواع. باب: إفطاره صلى الله عليه وسلم في السفر وصومه فيه. باب: صومه صلى الله عليه وسلم التطوع وفيه أنواع. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في الاعتكاف. جماع أبواب حجه وعمره صلى الله عليه وسلم باب: بيان أي وقت فرض الحج، وسبب تأخيره صلى الله عليه وسلم الحج إلى السنة العاشرة. باب: بيان عدد حجاته قبل الهجرة وعمره وفيه نوعان. باب: بيان حجة الوداع. باب: تنبيهات وفوائد تتعلق بحجة الوداع. جماع أبواب سيرته صلى الله عليه وسلم في قراءة القرآن
باب: قراءة كان كثيرا ما يقرأ بها. باب: آدابه صلى الله عليه وسلم في تلاوة القرآن وفيه أنواع. باب: محبته صلى الله عليه وسلم لسماع القرآن من غيره. باب: قراءته على أبي بن كعب سورة (لم يكن الذين كفروا) بأمر الله تعالى. باب: عرضه القرآن على جبريل في شهر رمضان في كل سنة مرة وفي آخر رمضان صامه عرضه مرتين.
[ 32 ]
جماع أبواب أذكاره ودعواته صلى الله عليه وسلم باب: آدابه في الدعاء. باب: ما كان يقوله إذا طلع الفجر وإذا طلعت الشمس. باب: ما كان يقوله ويفعله إذا أوى إلى فراشه. باب: استعاذته المطلقة صلى الله عليه وسلم. باب: أذكاره ودعواته المقترنة بالأسباب غير ما سبق في الأبواب المتقدمة. باب: أذكاره ودعواته المطلقة صلى الله عليه وسلم. جماع سيرته في المعاملات وما يلتحق بها باب: الكلام على النقود التي كانت تستعمل في أيامه صلى الله عليه وسلم. باب: شرائه وبيعه وفيه أنواع. باب: إيجاره واستئجاره وفيه نوعان. باب: استعارته وإعارته وفيه نوعان. باب: مشاركته - صلى الله عليه وسلم - باب: وكالته وتوكيله صلى الله عليه وسلم. باب: شرائه بالثمن الحال والمؤجل.
باب: استدانة برهن وبغيره وحسن وفائه. باب: ضمانة وفيه أنواع. جماع أبواب سيرته في الهدايا والعطايا والاقطاعات باب: سيرته في الهدية وفيه أنواع. باب: سيرته في العطايا وفيه أنواع. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في الإقطاع وفيه أنواع. جماع أبواب سيرته في النكاح والصلاق والإبلاء باب: آداب متفرقة وفيه أنواع. باب: سيرته في الصداق وفيه أنواع. باب: سيرته في الولائم وفيه أنواع. باب: طلاقه وإيلائه.... باب: محبته صلى الله عليه وسلم للنساء. باب: عدله صلى الله عليه وسلم بين نسائه. باب: حسن خلقه معهن ومداراته لهن وحثه على برهن والصبر عليهن. باب: محادثته لهن وسمره معهن.
[ 33 ]
باب: آدابه عند الجماع وقوته على كثرة الوطء وفيه أنواع. جماع أبواب سيرته في الصيد والذبائح باب: آدابه في الذبائح وما أرشد إليه منها. باب: صيد البر والبحر والسهم والحيوان. باب: إباحته اقتناء كلب الصيد والحراسة. باب: ما أباح قتله من الحيوان وما نهى عن قتله.
باب: سيرته في الهدي وفيه أنواع. باب: سيرته في الأضحية وفيه أنواع. باب: سيرته في العقيقة وفيه أنواع. جماع أبواب سيرته في الإيمان والنذور باب: ألفاظ حلف رسول الله صلى الله عليه وسلم غيره بها وتحذيره الحالف من اليمين الفاجرة وألفاظ حلف هو بها، وما نهى عن الحلف به. باب: استثنائه في يمنيه ونقضه يمينه ورجوعه عنها وكفارته وفيه أنواع. باب: آداب جامعة تتعلق بالأيمان وفيه أنواع. باب: سيرته في النذور وفيه أنواع. جماع أبواب سيرته في الجهاد وما يلحق به باب: آداب متفرقة وفيه أنواع. باب: مصالحته المحاربين وهدنته وأمانته ووفائه بالعهد والذمة لهم. باب: قسمة الغنائم بين الغانمين وتنفيله بعضهم على بعض وفيه أنواع. باب: صرفه الخمس والفئ. باب: نهيه عن الغلول وتركه أخذ المغلول من الغال إذا جاء به بعد القسمة، وتركه الصلاة على الغال وإحراقه متاع الغال وإكفائه قدور لحم نهبت من الغنيمة وفيه أنواع. باب: أخذه الجزية ممن أبى الإسلام. جماع أبواب سيرته في العلم وذكر بعض مروياته وفتاويه باب: آدابه في العلم وفيه أنواع. باب: بعض ما فسره من القرآن. باب: بعض مروياته عن ربه تبارك وتعالى، وتسمى الأحاديث القدسية.
باب: روايته عن أبيه إبراهيم الخليل عليه السلام. باب: روايته عن بعض أصحابه قصة مشاهدة الدجال والدابة.
[ 34 ]
جماع أبواب سيرته في احكامه وأقضيته وفتاويه باب: أحكامه وأقضيته في المعاملات وما يتعلق بها وفيه أنواع. باب: أحكامه وأقضيته في الفرائض والوصايا. باب: أحكامه وأقضيته في النكاح والطلاق والخلع والرجعة والإيلاء والظهار واللعان وإلحاق الولد، وغير ذلك مما يذكر وفيه أنواع. باب: أحكامه وأقضيته في الحدود وفيه أنواع. باب: أحكامه في الجنايات والقصاص والديات والجراحات وفيه أنواع. باب: سيرته في الدعاوي والبينات وفصل الخصومات. باب: أحكامه وأقضيته في قضايا شتى غير ما سبق. باب: فتاويه صلى الله عليه وسلم وفيه أنواع. جماع أبواب سيرته في الشعر عليه الصلاة والسلام باب: مدحه لحسنه وذمه لقبيحه وتنفيره من الإكثار منه. باب: استماعه شعر بعض أصحابه في المسجد وخارجه. باب: أمره بعض أصحابه بهجاء المشركين. باب: ما تمثل به من الشعر. باب: ما طلب إنشاده من غيره صلى الله عليه وسلم. جماع أبواب هديه وسمته ودله غير ما سبق باب: استحبابه صلى الله عليه وسلم التيامن. باب: محبته للفأل الحسن وتركه الطيرة.
باب: سيرته في الأسماء والكنى وتسميته بعض أولاد أصحابه وتغييرة الاسم القبيح. وفيه أنواع. باب: آدابه عند العطاس والبزاق والتثاؤب. باب: سيرته في الأطفال ومحبته لهم ومداعبته إياهم وسيرته في النساء غير نسائه صلى الله عليه وسلم وفيه أنواع. باب: سيرته عند الغضب وفيه أنواع. باب: شفاعته والشفاعة إليه وفيه أنواع. باب: زيارته أصحابه وإصلاحه بينهم. باب: سؤاله الدعاء من بعض أصحابه وتأمينه على دعاء بعضهم.
[ 35 ]
باب: تهنئته وفيه أنواع. باب: سيرته في الاعتذار والعذر وفيه أنواع. باب: سيرته في دخوله بيته وخروجه منه ومخالطته للناس وفيه أنواع. باب: وفائه بالعهد والوعد صلى الله عليه وسلم. باب: إكرامه من يستحق إكرامه وتألفه أهل الشرف. باب: ربطه الخيط في إصبعه أو خاتمه إذا أراد أن يتذكر حاجة إن صح الخبر. باب: احتياطه في نفي التهمة عنه. باب: خروجه لبساتين بعض أصحابه ومحبته لرؤية الخضرة وإعجابه النظر للأترج والحمام الأحمر. إن صح الخبر. باب: عومه عليه السلام. باب: مسابقته على الأقدام بنفسه. باب: جلوسه على شفير البئر وتدليته رجليه وكشفه عن فخذيه.
باب: آداب متفرقة صدرت منه غير ما تقدم وفيه أنواع. جماع أبواب معجزاته السماوية صلى الله عليه وسلم باب: الكلام على المعجزة والكرامة والسحر. باب: إعجاز القرآن، واعتراف المشركين بإعجازة وأنه لا يشبه شيئا من كلام البشر، ومن أسلم لذلك وفيه أنواع. باب: سؤال قريش رسول لله أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر. باب: حبس الشمس له صلى الله عليه وسلم. باب: رد الشمس بعد غروبها بدعائه صلى الله عليه وسلم. باب: استسقائه ربه عز وجل لأمته حين تأخر عنهم المطر وكذلك استصحاؤه. جماع أبواب معجزاته في المياه وعذوبة ما كان منها مالحا باب: نبع الماء الطهور من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم. باب: تكثيره ماء الميضأة والقدح. باب: تكثيره ماء عين تبوك. باب: تكثيره ماء بئر بقباء. باب: تكثيره ماء بئر باليمن. باب: تكثيره ماء قطيعة برهاط اليمن. باب: تكثيره ماء بئر الحديبية.
[ 36 ]
باب: تكثيره ماء بئر أنس بن مالك رضي الله عنه. باب: تكثيره ماء بئر غريس. باب: تكثيره ماء المزادتين. باب: عذوبة ماء بئر باليمن ببركته.
باب: نبع الماء له من الأرض صلى الله عليه وسلم. جماع معجزاته صلى الله عليه وسلم في الأطعمة باب: تكثيره صلى الله عليه وسلم اللبن في القدح. باب: تكثيره صلى الله عليه وسلم لبن الشاة. باب: معجزاته في عكة أم سليم وأم أوس البهزية وأم شريك الدوسية ونحى حمزة الأسلمي وأم مالك البهزية. باب: تكثيره صلى الله عليه وسلم الشعير. باب: تكثيره صلى الله عليه وسلم التمر. باب: تكثيره صلى الله عليه وسلم البيض. باب: تكثيره صلى الله عليه وسلم اللحم. باب: تكثيره صلى الله عليه وسلم طعام أبي طلحة رضي الله عنه. باب: تكثيره صلى الله عليه وسلم طعام جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. باب: تكثيره صلى الله عليه وسلم حيس أم سليم رضي الله عنها. باب: تكثيره صلى الله عليه وسلم طعام أبي أيوب رضي الله عنه. باب: تكثيره صلى الله عليه وسلم طعام ابنته فاطمة رضي الله عنها. باب: تكثيره صلى الله عليه وسلم فضلة أزواد أصحابه رضي الله عنها. باب: تكثيره صلى الله عليه وسلم أطعمة مختلفة غير ما تقدم. باب: قصة الذراع. باب: تكثيره صلى الله عليه وسلم سواد البطن. باب: الطعام الذي أتاه صلى الله عليه وسلم من السماء. باب: تسبيح الطعام والشراب بين يديه صلى الله عليه وسلم. جماع أبواب معجزاته صلى الله عليه وسلم في الأشجار
باب: حنين الجذع شوقا إليه صلى الله عليه وسلم. باب: انقياد الشجر له صلى الله عليه وسلم. باب: نزول العذق من الشجرة له ومشي شجرة أخرى إليه وشهادتهما له بالرسالة.
[ 37 ]
باب: إعلام الشجرة بمجئ الجن إليه شجرة أخرى عليه زاده الله فضلا وشرفا لديه. باب: الآية في النخل الذي غرسه صلى الله عليه وسلم لسلمان رضي الله تعالى عنه لما كاتب سيده عليه. جماع أبواب معجزاته صلى الله عليه وسلم في الجمادات باب: تسبيح الحصا في كفه صلى الله عليه وسلم. باب: تكثيره الذهب الذي دفعه لسلمان. باب: تأمين أسكفة الباب وحوائط البيت على دعائه عليه الصلاة والسلام. باب: تحرك الجبل فرحا به صلى الله عليه وسلم. باب: تنكيس الأصنام حين أشار إليها صلى الله عليه وسلم. باب: تحرك المنبر حين أمعن في وعظه الناس عليه. باب: في إلانة الصخرة التي عجز الناس عنها له صلى الله عليه وسلم. باب: سلام الأحجار عليه زاده الله تعالى فضلا وشرفا لديه. جماع أبواب معجزاته صلى الله عليه وسلم في الحيوانات باب: انقياد الإبل له. باب: سجود الإبل له وشكواها إليه. باب: بركته في جمل جابر وناقة الحكم بن أيوب وناقة رجل آخر. باب: بركته في ظهر المسلمين في غزوة تبوك.
باب: سجود الغنم له صلى الله عليه وسلم. باب: شهادة الذئب له صلى الله عليه وسلم بالرسالة. باب: خشية الوحش الداجن إياه. باب: خدمة الأسد لسفينة مولاه صلى الله عليه وسلم. باب: استجارة الغزالة به وشهادتها له بالرسالة صلى الله عليه وسلم. باب: شهادة الضب له بالرسالة صلى الله عليه وسلم. باب: شكوى الحمرة إليه صلى الله عليه وسلم. باب: قصة مجئ الشاة في البرية إليه صلى الله عليه وسلم. باب: قصة الكلب الأسود معه صلى الله عليه وسلم. باب: بركته في فرس جعيل وفرس أبي طلحة رضي الله عنهما. باب: بركته في حماري عصمة بن مالك وأبي طلحة رضي الله عنهما.
[ 38 ]
باب: قصة الطائر الذي حلق بإحدى خفيه صلى الله عليه وسلم. باب: ازدلاف البدنات إليه لما أراد نحرهن. جماع أبواب معجزاته في رؤيته المعاني في صورة المحسوسات باب: رؤيته الرحمة والسكينة وإجابة الدعاء. باب: رؤيته الحمى وسماع كلامها. باب: رؤيته الفتن. باب: رؤيته الدنيا وسماع كلامها. باب: رؤية الجمعة والساعة. جماع أبواب معجزاته صلى الله عليه وسلم في انقلاب الأعيان له باب: انقلاب الماء لبنا وزبدا ببركته صلى الله عليه وسلم.
باب: انقلاب العصا سيفا ببركته صلى الله عليه وسلم. باب: انقلاب العرجون سيفا ببركته صلى الله عليه وسلم. جماع أبواب معجزاته في تجلي ملكوت السموات والأرض واطلاعه على أحوال البرزخ والجنة والنساء وأحوال يوم القيامة. باب: تجلي ملكوت السموات والأرض له صلى الله عليه وسلم. باب: ما اطلع عليه من أحوال البرزخ في الجنة والنار. جماع أبواب معجزاته في إحياء الموتى وإبراء المرضى باب: معجزاته في إحياء الموتى وسماع كلامهم. باب: معجزاته في إبراء الأعمى والأرمد ومن فقئت عينه. باب: معجزاته في إبراء الأبكم والرتة واللقوة. باب: معجزاته في إبراء القرحة والسلعة والحرارة والدميلة. باب: معجزاته في إبراء الحرق. باب: معجزاته في إبراء وجع الضرس والرأس. باب: معجزاته في إبراء الجراحة والكسر. باب: معجزاته في إذهاب التعب وحصول القوة في الرمي. باب: معجزاته في ذهاب النسيان وحصول العلم والفهم وإذهاب البذاء وحصول الحياء. باب: معجزاته في إبراء الجنون. باب: معجزاته في إبراء أمراض شتى.
[ 39 ]
جماع أبواب معجزاته في أثر يده الشريفة وريقه الطيب غير ما تقدم باب: بركة يده صلى الله عليه وسلم في شياه أبي قرصافة.
باب: بركة يده الشريفة في نبات الشعر والشعر الذي لم ينبت. باب: بركة يده الشريفة في مسحه وجه بعض أصحابه. باب: تبرك أصحابه رضي الله عنهم بكل شئ منه أو اتصل به ومحافظتهم على ذلك كله واغتباطهم به وتعظيهم له صلى الله عليه وسلم. باب: بركة ريقه الطيب صلى الله عليه وسلم. باب: بركة يده صلى الله عليه وسلم. جماع أبواب معجزاته في إضاءة العرجون والعصا والأصابع والبرقة باب: معجزاته صلى الله عليه وسلم في إضاءة العرجون. باب: معجزاته في إضاءة العصا. باب: معجزاته في إضاءة الأصابع. باب: معجزاته صلى الله عليه وسلم في البرقة التي برقت للحسن والحسين. جماع أبواب معجزاته في رؤية بعض أصحابه الجن والملائكة وسماع له كلامهما باب: معجزاته في رؤية بعض أصحابه الملائكة وسماع كلامهم إكرامهم له صلى الله عليه وسلم. باب: معجزاته في رؤية بعض أصحابه الجن وسماع كلامهم إكراما له. جماع أبواب معجزاته في إخباره رجالا بما حدثوا به انفسهم وغير ذلك باب: إخباره من حدث نفسه بالفتك به صلى الله عليه وسلم. باب: إخباره من حدث نفسه بأنه ليس في القوم أحد خيرا منه وما وقع في ذلك من الآيات. باب: إخباره وابصة بن معبد بأنه جاء يسأل عن البر والإثم. باب: إخباره الثقفي والأنصاري بما جاءا يسألان عنه. باب: أمره صلى الله عليه وسلم أبا سعيد الخدري بالاستعفاف لما أراد أن يسأله شيئا من الدنيا وما وقع في ذلك من الآيات.
باب: إخباره من قال في نفسه شعرا به. باب: إخباره بالشاة التي أخذت بغير إذن أهلها. باب: إخباره بنزول جماعة بالجابية وأخذ الطاعون إياهم فكان كما أخبر.
[ 40 ]
باب: إخباره شداد بن أوس بأنه يعافى من مرضه وأنه يسكن الشام. فكان كذلك صلى الله عليه وسلم. باب: إخباره من أرسله إلى ابنته بما حبسه. باب: إخباره صلى الله عليه وسلم عمن قاتل الكفار قتالا شديدا أنه من أهل النار، فقتل نفسه. باب: أخباره بسبب اللحم الذي صار حجرا. باب: إخباره بما سحر به صلى الله عليه وسلم. باب: إخباره معاذا بأن ناقته تبرك بالجند. باب: إخباره من سأل أهل رجل عن حاله بما سأل عنه. باب: إخباره بأن الأرضة أكلت الصحيفة الظالمة التي كتبتها قريش. باب: إخباره قريشا ليلة الإسراء بصفة بيت المقدس، ولم يكن رآه قبل ليلة الإسراء. باب: إخباره نوفل بن الحارث بماله الذي خبأه بجدة. باب: إخباره بقتل مجدر بن زياد. باب: إخباره بقتل أصحابه يوم الرجيع. باب: إخباره بقتل أصحابه يوم بئر معونة. باب: إخباره بأن خيبر تفتح على يد علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. باب: إخباره عن رجل قاتل الكفار قتالا شديدا أنه من أهل النار فمات فوجدوه قد غل من الغنيمة وما في ذلك من الآيات.
باب: إخباره بقتل من قتل في غزوة مؤته يوم أصيبوا. باب: إخباره بكتاب حاطب إلى أهل مكة. باب: إخباره الأنصار بما قالوه يوم غزوة الفتح. باب: إخباره عثمان بن طلحة بأنه سيصير مفتاح البيت إليه يضعه حيث شاء. باب: إخباره شيبة بن عثمان بأنه لم يسلم بعد. باب: إخباره بقتل كسرى يوم قتل. باب: إخباره صلى الله عليه وسلم بأن جعل بأس هذه الأمة بينها. باب: إخباره صلى الله عليه وسلم عبد الله بن بسر أنه يعيش قرنا. باب: إخباره صلى الله عليه وسلم أبا ركانة بما..... باب: إخباره بأناس يسمون الخمر بغير اسمها. باب: إخباره أن الأذان في آخر الزمان يليه سفلة الناس ويرغب عنه سادتهم.
[ 41 ]
باب: إخباره أن الأمر سيعود في حمير. باب: إخباره بحال الدجال. باب: إخباره بأنه لا يبقى أحد من أصحابه بعد المائة من الهجرة. باب: إخباره بمن أخذ بكشح المرأة بما فعل. باب: إخباره صلى الله عليه وسلم بأنه لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان. باب: إخباره صلى الله عليه وسلم أخا ثقيف بما جاء يسأل عنه. باب: إخباره صلى الله عليه وسلم بأن الأرض لا تقبل الرجل الذي كان يكتب له ويغير ما يأمر به. جماع أبواب معجزاته فيما أخبر به من الكوائن بعد، فكان كما أخبرت، غير ما تقدم. باب: إخباره صلى الله عليه وسلم بما يفتح على أصحابه وأمته من الدنيا وأنه سيكون لهم أنماط
وأنهم يتحاسدون ويقتتلون. باب: إخباره بفتح الحيرة. باب: إخباره بفتح اليمن والعراق والشام. باب: إخباره بفتح بيت المقدس وما معه. باب: إخباره بفتح مصر وما يحدث فيها. باب: إخباره بغزاة البحر وأن أم حرام منهم. باب: إخباره بقتال خوز وكرمان وقوم نعالهم الشعر. باب: إخباره بغزو الهند وبفتح فارس والروم. باب: إخباره بهلاك كسرى وقيصر وإنفاق كنوزهما وأنه لا يكون بعدهما كسرى ولا قيصر فكان ذلك. باب: إخباره بالخلفاء بعده بالملوك والأمراء. باب: إخباره بخلفائه الأربعة رضي الله عنه. باب: إخباره بولاية معاوية رضي الله عنه. باب: إخباره بولاية يزيد وأنه أول من يغير أمر هذه الأمة. باب: إخباره بولاية بني أمية. باب: إخباره بولاية بني العباس. باب: إخباره بأن الترك تسلب الأمر من قريش إذا لم يقيموا الدين. باب: إخباره بقوم يأخذون الملك يقتل بعضهم بعضا. باب: إخباره بالشهادة لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.
[ 42 ]
باب: إخباره بالشهادة لثابت بن قيس بن شماس. باب: إخباره بأن جزيرة العرب لا تعبد فيها الأصنام أبدا.
باب: إخباره صلى الله عليه وسلم بالردة بعده. باب: إخباره بأن سهيل بن عمرو يقوم مقاما حسنا. باب: إخباره بأن البراء بن مالك لو أقسم على الله لأبره. باب: إخباره الأقرع بن شفي بأنه يدفن بالربوة من أرض فلسطين. باب: إخباره بأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه من المحدثين. باب: إخباره بأول أزواجه لحوقا به عليه السلام. باب: إخباره بكتابة المصاحف. باب: إخباره بأويس القرني رضي الله عنه. باب: إخباره بحال أبي ذر رضي الله عنه. باب: إخباره بقتل الأعرابي قبل أن يتخرق سقاؤه. باب: إخباره برجل من أمته يدخل الجنة في الدنيا. باب: إخباره بمحمد بن الحنفية رحمه الله تعالى. باب: إخباره بصلة بن أشيم رحمه الله ووهب والقرظي وغيلان والوليد. باب: إخباره بالطاعون الذي وقع بالشام وبأن فناء أمته بالطعن والطاعون. باب: إخباره أم ورقة بالشهادة. باب: إخباره بأن عبد الله بن بسر يعيش قرنا. باب: إخباره بعالم المدينة المنورة. باب: إخباره بعالم المدينة المنورة. باب: إخباره صلى الله عليه وسلم بعالم قريش. باب: إخباره بحال زيد بن صوحان وجندب بن كعب. باب: إخباره بعمى زيد بن أرقم رضي الله عنه. باب: إخباره بعمر جماعة وانخرام القرن.
باب: إخباره بالشهادة للنعمان بن بشير. باب: إخباره بتغيير الناس من القرن الرابع. باب: إخباره بأن الدنيا لا تذهب حتى تصير للكع بن لكع. باب: إشارته إلى حال الوليد بن عقبة. باب: إخباره بحال ابن عباس رضي الله عنهما. باب: إخباره بحال أبي هريرة رضي الله عنه.
[ 43 ]
باب: إخباره بأشياء تتعلق بعمرو بن الحمق رضي الله عنه فكان كما أخبر. باب: إخباره ميمونة رضي الله عنها بأنها لا تموت بمكة. باب: إخباره أبا ريحانة بما غيبته. باب: إخباره صلى الله عليه وسلم بكلام الميت بعده. باب: إخباره بمن يرد سنته ولا يحتج بها وبمن يجادل ويحتج بمتشابه القرآن. باب: إخباره الأنصار بأنهم سيلقون بعده أثرة. باب: إشارته إلى دولة عمر بن عبد العزيز رحمه الله. باب: إشارته إلى وجود الإمام أبي حنيفة والإمام مالك والإمام الشافعي. باب: إخباره بقوم يأتون بعده يحبونه حبا شديدا. باب: إخباره بالنار التي تخرج من أرض الحجاز تضئ لها أعناق الإبل ببصرى. باب: إخباره بحال قيس بن مطاطية. باب: إخباره بأنه سيكون قوم في هذه الأمة يعتدون في الطهور والدعاء. باب: إخباره بحال قيس بن خرشة رضي الله تعالى عنه. باب: إخباره باتخاذ أمته الخصيان. باب: إخباره بأن طائفة من أمته لا تزال على الحق حتى تقوم الساعة لا يردها عنه
شئ. باب: إخباره بمن يجدد لهذه الأمة أمر دينها كل مائة سنة. باب: إخباره بأنه لا يأتي زمان إلا والذي يليه شر منه. باب: إخباره بأن الخطباء يغفلون عن ذكر الدجال على المنابر. باب: إخباره بالكذابين بعده وبالحجاج. باب: إخباره بكذابين في الحديث وشياطين يحدثون الناس. باب: إخباره بأول الأرض خرابا وأول الناس هلاكا. باب: إخباره بظهور المعدن بأرض بني سليم. باب: إخباره بصفته رجال ونساء يكونون في آخر الزمان. باب: إخباره بأقوام يأكلون بألسنتهم كما تأكل البقر. باب: إخباره بذهاب العلم والخشوع وعلم الفرائض ورفع الأمانة. باب: إخباره بأن محمد بن مسلمة لا تضره الفتنة. باب: إخباره بموت أبي الدرداء قبل الفتنة. باب: إخباره بفتح القسطنطينية وأنها تفتح قبل رومية.
[ 44 ]
باب: إخباره بحال القراء في آخر الزمان فكان كما أخبر. باب: إخباره بأن المساجد والبيوت ستزخرف والمباهاة بها. باب: إخباره صلى الله عليه وسلم عن مكان سيصير سوقا. باب: إخباره بإتيان قوم يقرأون القرآن يسألون به الناس. باب: إخباره بزخرفة البيوت. باب: إخباره بأنه سيكون في أمته رجال نساؤهم على رؤوسهن كأسنمة البخت كاسيات عاريات.
باب: إخباره بأن السلطان والقرآن سيفترقان. باب: إخباره بحال الولاة بعده. باب: ما أخبر به صلى الله عليه وسلم على سبيل الإجمال. جماع أبواب معجزاته في إخباره بالفتن والملاحم الواقعة بعده باب: إخباره بالفتن وإقبالها ونزولها كمواقع القطر والظلل ومن أين تجئ وفيه أنواع. باب: إخباره عن بدء دوران رحى الإسلام. باب: إخباره بأن الرجل يمر بقبر أخيه فيقول: " ياليتني مكانك " من كثرة الفتن. باب: إخباره بأنه ستكون فتن النائم فيها خير من اليقظان والقاعد فيها خير من القائم وفي ذلك أنواع. باب: إخباره بمن يبيع دينه في الفتنة بعرض يسير. باب: إخباره صلى الله عليه وسلم بكثرة الهرج. باب: إخباره بأن مبدأ الفتنة قتل عمر رضي الله عنه. باب: إخباره بقتل عمر رضي الله عنه. باب: إخباره بوقعة الجمل وصفين والنهروان وقتال عائشة والزبير عليا رضي الله تعالى عنهم وبعث الحكمين. باب: إخباره بقتل عمار بن ياسر رضي الله عنه. باب: إخباره بأن الحسن بن علي سيد يصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين. باب: إخباره بقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما.
[ 45 ]
باب: إخباره بأغيلمة من قريش وبرأس الستين وبأن هذا الحي من مضر لا يدع
مصليا إلا فتنه. باب: إخباره بقتل أهل الحرة. باب: إخباره بالمقتولين ظلما بعذراء من أرض دمشق. باب: إخباره بقتل عمرو بن الحمق رضي الله عنه. باب: إخباره بأئمة يصلون الصلاة في غير وقتها فكان كما قال وذلك في زمن بني أمية. باب: إخباره بالخوارج فكان كما أخبر. باب: إخباره بالرافضة والقدرية والمرجئة والزنادقة. باب: إخباره بافتراق أمته على ثلاث وسبعين فرقة. باب: إخباره بأن الناس يغربلون ويتغير حالهم. باب: إخباره بأن الله تعالى جعل بأس هذه الأمة بينها. باب: إخباره بظهور كنز الفرات. باب: إخباره بنقض عرى الإسلام وأنه سيعود غريبا كما بدأ وأنه يدرس كما يدرس وشي الثوب. باب: إخباره بإحراق البيت العتيق. باب: إخباره بأن الإيمان بالشام حين تقع الفتن. باب: إخباره بملاحم الروم وتواترها وأن الساعة لا تقوم حتى تكون الروم ذات قرون وتداعي الأمم على أهل الإسلام. باب: إخباره بتكليم السباع الإنس وغير ذلك مما يذكر. باب: إخباره بأنه ستكون هجرة بعد هجرة إلى مهاجر إبراهيم عليه السلام. باب: إخباره بأنه لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت ويرتفع الركن والمقام. باب: إخباره بأن أمته تفتح عليهم مشارق الأرض ومغاربها.
باب: إخباره بأن مجئ الفتن من قبل المشرق. باب: في بعض ما أخبر به من الشدائد والفتن. جماع أبواب معجزاته في بعض ما أخبر من علامات الساعة وأشراطها غير ما تقدم باب: أحاديث جامعة لأشراط الساعة أخبر بها صلى الله عليه وسلم وجد غالبها وفيه أنواع. باب: إخباره بخروج المهدي عليه السلام.
[ 46 ]
باب: إخباره بخروج الدجال وفيه أنواع. باب: إخباره بنزول عيسى ابن مريم عليه السلام. باب: إخباره بخروج يأجوج ومأجوج وفيه أنواع. باب: إخباره صلى الله عليه وسلم بأن الحبشة تهدم الكعبة. باب: إخباره صلى الله عليه وسلم بخروج الدابة وفيه أنواع. باب: إخباره بطلوع الشمس والقمر من المغرب. باب: إخباره بأنه سيقع في هذه الأمة مسخ وخسف وقذف وإرسال صواعق وشياطين وغير ذلك مما يذكر وفيه أنواع. باب: إخباره بما يصير إليه أمر المدينة الشريفة. باب: إخباره بالريح التي تقبض أرواح المؤمنين في آخر الزمان ورفع القرآن. باب: إخباره بمن تقوم عليه الساعة وأنها تقوم نهارا وأنها لا تقوم على أحد يقول في الأرض الله وأنها لا تقوم حتى تعبد الأوثان وأنه لا يعرف معروف ولا ينكر منكر وفيه أنواع. جماع أبواب معجزاته في اجابة دعواته لأقوام بأصياء فحصلت لهم باب: إجابة دعائه لآله رضي الله عنهم.
باب: إجابة دعائه لابنته فاطمة رضي الله عنها. باب: إجابة دعائه لعلي رضي الله عنه. باب: إجابة دعائه لعمر بن الخطاب رضي الله عنه. باب: إجابة دعائه لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه. باب: إجابة دعائه لغلام من تجيب رضي الله عنه. باب: إجابة دعائه للنابغة رضي الله عنه. باب: إجابة دعائه لعبد الله بن عتبة رضي الله عنه. باب: إجابة دعائه لثابت بن يزيد رضي الله عنه. باب: إجابة دعائه للمقداد بن الأسود رضي الله عنه. باب: إجابة دعائه لعمرو بن الحمق رضي الله عنه. باب: إجابة دعائه لأولاد أبي سبرة رضي الله عنه. باب: إجابة دعائه لضمرة بن ثعلبه رضي الله عنهما. باب: إجابة دعائه لأبي بن كعب رضي الله عنه. باب: إجابة دعائه لابن عباس رضي الله عنهما.
[ 47 ]
باب: إجابة دعائه لأنس بن مالك رضي الله تعالى عنه. باب: إجابة دعائه لبهيه بنت عبد الله البكرية رضي الله عنهما. باب: إجابة دعائه لأم أبي هريرة وأخته رضي الله تعالى عنهما. باب: إجابة دعائه للسائب بن يزيد رضي الله عنه. باب: إجابة دعائه لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما. باب: إجابة دعائه لعروة البارقي رضي الله عنه. باب: إجابة دعائه لمعاوية بن أبي سفيان.
باب: إجابة دعائه لأم قيس رضي الله عنها. باب: إجابة دعائه لرجل من اليهود. باب: إجابة دعائه لأبي زيد وعمرو بن أخطب الأنصاري رضي الله عنه. باب: إجابة دعائه صلى الله عليه وسلم لحمل أم سليم رضي الله عنها. باب: إجابة دعائه لعبد الله بن هشام رضي الله عنه. باب: إجابة دعائه لحكيم بن حزام رضي الله عنه. باب: إجابة دعائه لجرير بن عبد الله رضي الله عنه. باب: إجابة دعائه للسوداء التي كانت تصرع رضي الله عنهما. باب: إجابة دعائه لأمته في بكورها. باب: إجابة دعائه بالمحبة بين رجل وامرأته كانا متباغضين. باب: إجابة دعائه بإقبال أهل اليمن وأهل الشام على الإسلام. باب: إجابة دعائه لأبي أمامة رضي الله عنه وأهل بيته. باب: إجابة دعائه بن شداخ الليثي رضي الله عنه. باب: إجابة دعائه لثعلبة بن حاطب. باب: إجابة دعائه للزبير بن العوام رضي الله عنه. باب: إجابة دعائه لمن بلغ سنته من أمته. باب: إجابة دعائه للقيط بن أرطاة رضي الله عنه. باب: إجابة دعائه للوليد بن قيس رضي الله عنه. باب: إجابة دعائه لرجل من الأنصار رضي الله عنهم. باب: إجابة دعائه في إذهاب الحر والبرد. باب: إجابة دعائه في إذهاب الغيرة. باب: إجابة دعائه لحنظلة بن حذيم رضي الله عنه.
[ 48 ]
جماع أبواب معجزاته في إجابة دعواته على أقوام بأصياء فحصلت لهم باب: إجابة دعائه على من رآه يأكل بشماله. باب: إجابة دعائه على قيس بن (......). باب: إجابة دعائه صلى الله عليه وسلم بأن لا يشبع بطن معاوية رضي الله عنه. باب: إجابة دعائه على من كفى شعره عن التراب في الصلاة. باب: إجابة دعائه على رجل أن تضرب عنقه. باب: إجابة دعائه على عتبة بن أبي لهب. باب: إجابة دعائه على رجل خالفه في الصلاة. باب: إجابة دعائه على من احتكر طعاما. باب: إجابة دعائه على شعر رجل عبث به في الصلاة. باب: إجابة دعائه صلى الله عليه وسلم على أبي ثروان. باب: إجابة دعائه بالحمى على بني عصية. باب: إجابة دعائه على ليلى بنت الخطيم رضي الله عنها. باب: إجابة دعائه على امرأة كانت تفشي السر بين أزواجه. باب: إجابة دعائه صلى الله عليه وسلم على قريش بالسنة. باب: إجابة دعائه على رجل ممن شهد هوازن بأن يخيس سهمه. باب: إجابة دعائه على بني حارثة بن عمرو. باب: إجابة دعائه على سرافة بن مالك بن جعشم. باب: إجابة دعائه على أبي القين. باب: إجابة دعائه على لهب بن أبي لهب. باب: إجابة دعائه على الحكم بن أبي العاص.
باب: إجابة دعائه على معاوية بن حيدة قبل إسلامه. باب: إجابة دعائه على من مر بين يديه أن يقطع أثره. باب: إجابة دعائه على كسرى حين مزق كتابه. باب: إجابة دعائه على محلم بن جثامة. جماع أبواب ما علمه لأصحابه من الدعوات والرقى فظهرت آثاره باب: ما علمه صلى الله عليه وسلم لعائشة لما وعكت. باب: ما علمه صلى الله عليه وسلم لعائشة في قضاء الدين. باب: ما علمه صلى الله عليه وسلم لخالد بن الوليد رضي الله عنه لما كاده بعض الجن.
[ 49 ]
باب: ما علمه صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه ليأمن من لدغة العقرب. باب: ما علمه صلى الله عليه وسلم لخالد بن الوليد رضي الله عنه لما حصل له الأرق. باب: ما علمه صلى الله عليه وسلم لرجل أدبرت عنه الدنيا. باب: ما علمه لأمته للأمان من السرقة. باب: ما علمه لفاطمة الزهراء رضي الله عنها. باب: ما علمه لأبي بكر الصديق. باب: ما علمه لأبي مالك الأشعري رضي الله عنه. باب: ما علمه لأبي بن كعب رضي الله تعالى عنه. باب: ما علمه لبعض بناته رضي الله عنهن. جماع أبواب آيات في منامات رؤيت في عهده صلى الله عليه وسلم باب: ما رآه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. باب: ما رآه عبد الله بن سلام رضي الله عنه. باب: ما رآه ابن زميل الجهني رضي الله عنه.
باب: ما رآه طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه. باب: ما رآه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه. باب: ما رآه زيد بن ثابت رضي الله عنه. باب: ما رآه الطفيل بن عمرو رضي الله عنه. باب: ما رآه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه. باب: ما رآه رجال من الصحابة رضي الله عنهم في شأن ليلة القدر. جماع أبواب بعض آيات وقعت لأصحابه واتباعهم فهي من معجزاته صلى الله عليه وسلم باب: وجوب اعتقاد إثبات كرامات الأولياء رحمهم الله. باب: فوائد تتعلق بكرامات الأولياء رحمهم الله. باب: بعض آيات وقعت لأمير المؤمنين أبي بكر الصديق رضي الله عنه وفيه أنواع. باب: بعض آيات وقعت لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لأمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لسيدنا الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما.
[ 50 ]
باب: بعض آيات وقعت لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لعبد الله بن جحش رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لسيدنا العباس رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لخبيب بن عدي رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لأبي بن كعب رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لأبي الدرداء رضي الله عنه.
باب: بعض آيات وقعت لسلمان الفارسي رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لأهبان بن صيفي رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت للعلاء بن الحضرمي رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لعامر بن فهيرة رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لعاصم بن ثابت رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لزيد بن حارثة رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت للبراء بن مالك رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لأنس بن مالك رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لتميم الداري رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لأبي أمامة رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لجنادة بن أبي أمية رضي الله تعالى عنه. باب: بعض آيات وقعت لأبي ريحانة رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لحجر بن عدي أو قيس بن مكشوح رضي الله عنهما. باب: بعض آيات وقعت لحمزة بن عمر رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لعمران بن حصين رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لخالد بن الوليد رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لسفينة رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لعمار بن ياسر رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لأبي قرصافة رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لعقبة بن نافع رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لرجل من أهل اليمن. باب: بعض آيات وقعت لأبي مسلم الخولاني وعثمان.
باب: بعض آيات وقعت لحبيب بن مسلمة رضي الله عنه.
[ 51 ]
باب: بعض آيات وقعت لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها. باب: بعض آيات وقعت لأم مالك رضي الله عنها. باب: بعض آيات لأم أيمن رضي الله عنها. باب: بعض آيات وقعت لامرأة مهاجرة رضي الله عنها. باب: بعض آيات وقعت للربيع بنت معوذ رضي الله عنها. باب: بعض آيات وقعت لعمرة بنت عبد الرحمن رحمهما الله. باب: بعض آيات وقعت لخبيب رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لأويس القرني وطلب عمر منه الدعاء. باب: بعض آيات وقعت لعامر بن ربيعة رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت للطفيل رضي الله عنه. باب: بعض آيات وقعت لأحمد بن أبي الحواري رحمه الله تعالى. باب: بعض آيات وقعت لبعض الصحابة رضي الله عنهم أجمعين. باب: بعض آيات وقعت لذيب بن كلب. جماع أبواب معجزاته عليه الصلاة والسلام في عصمته من الناس باب: كفاية الله تعالى رسوله أمر المستهزئين والكلام على قوله: (والله يعصمك من الناس). باب: عصمته صلى الله عليه وسلم من أبي جهل. باب: عصمته صلى الله عليه وسلم من العوراء بنت حرب. باب: عصمته صلى الله عليه وسلم من المخزوميين. باب: عصمته صلى الله عليه وسلم من دعثور بن الحارث الغطفاني.
باب: عصمته صلى الله عليه وسلم من النضر بن الحارث. باب: عصمته صلى الله عليه وسلم من غورث بن الحارث. باب: عصمته صلى الله عليه وسلم من سراقة بن مالك قبل إسلامه. باب: عصمته صلى الله عليه وسلم من اليهود حين أرادوا الفتك به. باب: عصمته صلى الله عليه وسلم من أربد وعامر بن الطفيل. باب: عصمته صلى الله عليه وسلم ممن أراد الفتك به. باب: عصمته صلى الله عليه وسلم من شيبة بن عثمان قبل أن يسلم. باب: عصمته صلى الله عليه وسلم من المنافقين حين أرادوا الفتك به.
[ 52 ]
باب: عصمته صلى الله عليه وسلم ممن قصد أذاه من الشياطين. باب: دفع أذى الهوام عنه صلى الله عليه وسلم. جماع أبواب موازاة الأنبياء في فضائلهم بفضائل نبينا صلى الله عليه وعليهم وسلم باب: فوائد جليلة تتعلق بالكلام على ذلك. باب: موازاته ما أتيه آدم عليه السلام. باب: موازاته ما أوتيه إدريس عليه السلام. باب: موازاته ما أوتيه نوح عليهما الصلاة والسلام. باب: موازاته ما أوتيه هود عليه السلام. باب: موازاته ما أوتيه صالح عليه السلام. باب: موازاته ما أوتيه إبراهيم عليه السلام. باب: ما أوتيه إسماعيل عليه السلام. باب: موازاته ما أوتيه يعقوب عليه السلام.
باب: موازاته ما أوتيه يوسف عليه السلام. باب: موازاته ما أوتيه موسى عليه السلام. باب: موازاته ما أوتيه هارون عليه السلام. باب: موازاته ما أوتيه يوشع عليه السلام. باب: موازاته ما أوتيه داود عليه السلام. باب: موازاته ما أوتيه سليمان عليه السلام. باب: موازاته ما أوتيه يحيى بن زكريا عليه السلام. باب: موازاته ما أوتيه عيسى بن مريم عليه السلام. جماع أبواب خصائصه عليه افضل الصلاة والسلام باب: فوائد تتعلق بالكلام على الخصائص الشريفة. باب: ما اختص به عن الأنبياء في ذاته في الدنيا وما يتصل بذلك وفيه مسائل. باب: ما اختص به الأنبياء في شرعه وأمته. باب: ما اختص به عن الأنبياء صلى الله عليه وسلم وعليهم في ذاته في الآخرة. باب: ما اختص به في أمته في الآخرة وفيه مسائل. باب: ما اختص به عن أمته من الواجبات وفيه نوعان.
[ 53 ]
باب: ما اختص به عن أمته من المحرمات وفيه نوعان. باب: ما اختص به عن أمته من المباحات والتخفيفات وفيه نوعان. باب: ما اختص به عن أمته من الفضائل والكرامات وفيه نوعان. جماع أبواب فضائل آل رسول الله والوصية بهم ومحبتهم والتحذير من بغضهم وذكر أولاده صلى الله عليه وسلم وأولادهم رضي الله عنهم باب: بعض فضائل قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونفعها والحث على محبتهم.
باب: بعض فضائل أهل بيت رسول الله وفيه أنواع. باب: عدد أولاده ومواليدهم وما اتفق عليه منهم وما اختلف فيه، وفيه أنواع. باب: ذكر سيدنا القاسم ابن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. باب: بعض مناقب سيدنا إبراهيم ابن سيدنا رسول الله عليه السلام وفيه أنواع. باب: بعض مناقب السيدة زينب بنت رسول الله وفيه أنواع. باب: بعض مناقب السيدة رقية بنت سيدنا رسول الله وفيه أنواع. باب: بعض مناقب السيدة أم كلثوم بنت سيدنا رسول الله وفيه أنواع. باب: بعض مناقب السيدة فاطمة بنت سيدنا رسول الله وفيه أنواع. باب: في بعض مناقب سيدي شباب أهل الجنة أبي محمد الحسن وأبي عبد الله الحسين سبطي رسول الله صلى الله عليه وسلم على سبيل الاشتراك وفيه أنواع. باب: بعض ما ورد مختصا بالحسنين رضي الله عنه وفيه أنواع. باب: بعض ما ورد مختصا بالحسن رضي الله عنه وفيه أنواع. جماع أبواب بيان أعمامه وعماته وأولادهم وأحواله باب: ذكر أعمامه وعماته صلى الله عليه وسلم على سبيل الإجمال. باب: بعض مناقب حمزة رضي الله عنه وفيه أنواع. باب: بعض مناقب العباس رضي الله عنه وفيه أنواع. باب: بعض مناقب جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وفيه أنواع. باب: بعض مناقب عبد الله بن جعفر رضي الله عنه. باب: بعض مناقب عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه وفيه أنواع. باب: بعض مناقب الإناث من أولاد أبي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. باب: بعض مناقب الفضل بن العباس رضي الله عنهما وفيه أنواع. باب: بعض مناقب عبيد الله بن العباس رضي الله عنه.
باب: بعض مناقب قثم بن العباس.
[ 54 ]
باب: بعض مناقب ترجمان القرآن عبد الله بن عباس وفيه أنواع. باب: بعض مناقب بني العباس غير من تقدم وفيه أنواع. باب: بعض مناقب أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وفيه أنواع. باب: بعض مناقب نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وفيه أنواع. باب: بعض مناقب بقية أولاد الحارث بن عبد المطلب. باب: معرفة أولاد الزبير بن عبد المطلب وحمزة وأبي لهب على سبيل التفصيل. باب: أخواله صلى الله عليه وسلم. جماع أبواب ذكر أزواجه صلى الله عليه وسلم باب: الكلام على أزواجه اللاتي دخل بهن صلى الله عليه وسلم على سبيل الإجمال وترتيب زواجهن وفيه أنواع. باب: بعض فضائل أم المؤمنين خديجة بنت خويلد وفيه أنواع. باب: بعض فضائل أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق وفيه أنواع. باب: بعض فضائل أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب وفيه أنواع. باب: بعض فضائل أم المؤمنين أم سلمة وفيه أنواع. باب: بعض فضائل أم المؤمنين حبيبة بنت أبي سفيان وفيه أنواع. باب: بعض فضائل أم المؤمنين سودة بنت زمعة وفيه أنواع. باب: بعض فضائل أم المؤمنين زينب بنت جحش وفيه أنواع. باب: بعض فضائل أم المؤمنين زينت بنت خزيمة الهلالية وفيه أنواع. باب: بعض فضائل أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث وفيه أنواع. باب: بعض فضائل أم المؤمنين جويرية بنت الحارث الخزاعية ثم المصطلقية وفيه
أنواع. باب: بعض فضائل أم المؤمنين صفية بنت حيي وفيه أنواع. باب: ذكر سرارية صلى الله عليه وسلم. باب: ذكر من خطبها ولم يعقد عليها صلى الله عليه وسلم. باب: ذكر من عقد عليها ولم يدخل بها صلى الله عليه وسلم. جماع ذكر أبواب العشرة الذين شهد لهم رسول الله بالجنة وبعض فضائلهم باب: بعض فضائلهم على سبيل الاشتراك وفيه أنواع. باب: بعض فضائلهم على سبيل التفضيل وفيه أنواع. باب: بعض فضائل الخلفاء الأربعة على سبيل الأشتراك وفيه أنواع.
[ 55 ]
باب: بعض فضائل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما على سبيل الاشتراك. باب: بعض فضائل أمير المؤمنين أبي بكر الصديق على سبيل الانفراد وفيه أنواع. باب: بعض فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وفيه أنواع. باب: بعض فضائل أمير المؤمنين عثمان بن عفان وفيه أنواع. باب: بعض فضائل أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب وفيه أنواع. باب: بعض فضائل طلحة بن عبد الله وفيه أنواع. باب: بعض فضائل الزبير بن العوام وفيه أنواع. باب: بعض فضائل عبد الرحمن بن عوف وفيه أنواع. باب: بعض فضائل سعد بن مالك وفيه أنواع. باب: بعض فضائل سعيد بن زيد وفيه أنواع. باب: بعض فضائل أبي عبيدة بن الجراح وفيه أنواع. جماع أبواب ذكر القضاة والفقهاء والمفتين وحفاظ القرآن في أيامه
عليه الصلاة والسلام وذكر وزرائه وأمرائه على البلاد وخلفائه على المدينة المنورة إذا سافر صلى الله عليه وسلم باب: ذكر قضائه صلى الله عليه وسلم. باب: ذكر المفتين في زمانه عليه السلام. باب: ذكر حفاظ القرآن في حياته من أصحابه صلى الله عليه وسلم. باب: ذكر وزرائه صلى الله عليه وسلم. باب: ذكر سيرته صلى الله عليه وسلم في الإمارة. باب: ذكر تأميره أبا بكر الصديق على الحج. باب: ذكر تأميره صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب الأخماس باليمين والقضاء بها. باب: ذكر تأميره صلى الله عليه وسلم باذان بن ساسان على اليمن كله. باب: ذكر تأميره صلى الله عليه وسلم شهر بن باذان على صنعاء اليمن وأعمالها. باب: ذكر تأميره خالد بن العاص على صنعاء بعد قتل شهر. باب: ذكر تأميره المهاجر بن أبي أميه المخزومي على كندة والصدف. باب: تأميره زياد بن لبيد على حضرموت. باب: تأمير أبا موسى الأشعري على زبيد وزمع والساحل. باب: تأميره معاذ بن جبل على الجند. باب: تأميره أبا سفيان بن الحارث على نجران.
[ 56 ]
باب: تأميره زيد بن أبي سفيان على تيماء. باب: تأميره عتاب بن أسيد على مكة وإقامة المواسم والحج بالمسلمين. باب: تأميره عمرو بن العاص على عمان. باب: ذكر خلفائه على المدينة إذا سافر صلى الله عليه وسلم.
باب: ذكر بعض تراجم أمرائه على السريا. جماع أبواب ذكر رسله إلى الملوك ونحوهم وذكر بعض مكاتباته وما وقع في ذلك من الآيات باب: أي وقت فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم باب: إرساله الأقرع بن حابس بن عبد الله الحميري إلى ذي مران. باب: إرساله أبي بن كعب إلى سعد هذيم. باب: إرساله صلى الله عليه وسلم جرير بن عبد الله رضي الله عنه إلى ذي الكلاع وذي رعين. باب: إرساله حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس. باب: إرساله حسان بن سلمة إلى قيصر مع دحية. باب: إرساله الحارث بن عمير إلى ملك الروم وقيل إلى صابح بصرى. باب: إرساله حريث بن زيد الخيل إلى يحنة بن رؤبة الأيلي. باب: إرساله حرملة بن حريث رضي الله عنه إلى يحنة. باب: إرساله خالد بن الوليد إلى نجران. باب: إرساله دحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر. باب: إرساله رفاعة بن زيد الجذامي إلى قومه. باب: إرساله زياد بن حنظلة إلى قيس بن عاصم والزبرقان بن بدر. باب: إرساله سليط بن عمرو إلى هوذة وثمامة بن أثال. باب: إرساله السائب بن العوام إلى مسيلمة. باب: إرساله شجاع بن وهب الأسدي إلى الحارث بن أبي شمر. باب: إرساله أبا أمامة صدي بن عجلان إلى جبلة بن الأيهم. باب: إرساله الصلصل بن شرحبيل إلى صفوان بن أمية. باب: إرساله ضرار بن الأزور إلى الأسود وطليحة. باب: إرساله ظبيان بن مرثد إلى بني بكر بن وائل.
باب: إرساله عبد الله بن حذافة إلى كسرى. باب: إرساله عبد الله بن بديل إلى اليمن.
[ 57 ]
باب: إرساله عبد الله بن عبد الخالق رضي الله عنه إلى الروم. باب: إرساله عبد الله بن عوسجة رضي الله عنه إلى سمعان. باب: إرساله العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه إلى المنذر بن ساوى. باب: إرساله عمرو بن العاص رضي الله عنه إلى ملكي عمان. باب: إرساله عمرو بن أمية الضمري رضي الله عنه إلى النجاشي. باب: إرساله عمرو بن حزم رضي الله عنه إلى اليمن. باب: إرساله أبا هريرة رضي الله عنه مع العلاء بن الحضرمي إلى هجر. باب: إرساله عبد الله بن ورقاء رضي الله مع أخيه إلى اليمن. باب: إرساله عقبة بن عمرو رضي الله عنه إلى صنعاء. باب: إرساله عياش بن أبي ربيعة رضي الله عنه إلى اليمن. باب: إرساله فرات بن حيان رضي الله عنه إلى ثمالة بن أثال. باب: إرساله قدامة بن مظعون إلى المنذر بن ساوى. باب: إرساله قيس بن نمط إلى أبي زيد قيس بن عمرو. باب: إرساله معاذ بن جبل رضي الله عنه إلى اليمن. باب: إرساله مالك بن مرارة مع معاذ بن جبل رضي الله عنهما إلى اليمن. باب: إرساله مالك بن عبد الله إلى اليمن. باب: إرساله مالك بن عقبة أو عقبة بن مالك مع معاذ إلى اليمن. باب: إرساله المهاجر بن أبي أمية رضي الله عنه إلى الحارث بن عبد كلال. باب: إرساله نمير بن خرشة رضي الله عنه إلى ثقيف.
باب: إرساله نعيم بن مسعود الأشجعي إلى ذي الكلحبة. باب: إرساله واثلة بن الأسقع مع خالد بن الوليد إلى أكيدر. باب: إرساله وبرة وقيل وبر بن بحيس إلى ذاذويه. باب: إرساله الوليد بن بحر الجرهمي إلى أقيال اليمن. باب: إرساله أبا أمامة صدى بن عجلان إلى قومه باهلة. جماع أبواب ذكر كتابه وأن منهم الخلفاء الأربعة وطلحة بن عبيد الله والزبير ابن العوام وتقدمت تراجمهم في تراجم العشرة وأبو سفيان بن حرب وعمرو بن العاص ويزيد بن أبي سفيان وخالد بن الوليد وتقدمت تراجمهم في الأمراء رضي الله عنهم أجمعين باب: استكتابه صلى الله عليه وسلم أبان بن سعيد بن العاص رضي الله عنه.
[ 58 ]
باب: استكتابه أبي بن كعب رضي الله عنه. باب: استكتابه الأرقم بن أبي الأرقم رضي الله عنه. باب: استكتابه بريدة بن الحصين رضي الله عنه. باب: استكتابه صلى الله عليه وسلم ثابت بن قيس. باب: استكتابه جهيم بن أبي الصلت رضي الله عنه. باب: استكتابه: جهم بن سعد رضي الله عنه. باب: استكتابه حنظلة بن الربيع رضي الله عنه. باب: استكتابه حويطب بن عبد العزى رضي الله عنه. باب: استكتابه الحصين بن عمير رضي الله عنه. باب: استكتابه حاطب بن عمرو رضي الله عنه. باب: استكتابه حذيفة بن اليمان رضي الله عنه.
باب: استكتابه خالد بن زيد أبا أيوب رضي الله عنه. باب: استكتابة خالد بن سعيد رضي الله عنه. باب: استكتابه خالد بن الوليد رضي الله عنه. باب: استكتابه زيد بن ثابت رضي الله عنه. باب: استكتابه سعيد بن سعيد بن العاص رضي الله عنه. باب: استكتابه السجل رضي الله عنه. باب: استكتابه شرحبيل بن حسنة رضي الله عنه. باب: استكتابه عامر بن فهيرة رضي الله عنه. باب: استكتابه عبد الله بن الأرقم رضي الله عنه. باب: استكتابه عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول رضي الله تعالى عنه. باب: استكتابه عبد الله بن رواحه رضي الله عنه. باب: استكتابه عبد الله بن زيد رضي الله عنه. باب: استكتابه عبد الله بن سعد بن أبي سرح رضي الله عنه. باب: استكتابه عبد الله بن أسد رضي الله عنه. باب: استكتابه العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه. باب: استكتابه العلاء بن عقبة رضي الله عنه. باب: استكتابه عبد العزى بن حنظل قبل ارتداده. باب: استكتابه محمد بن مسلمة رضي الله عنه.
[ 59 ]
باب: استكتابه معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه. باب: استكتابه معيقيب بن أبي فاطمة رضي الله عنه. باب: استكتابه المغيرة بن شعبة رضي الله عنه.
باب: استكتابه رجلا من بني النجار ارتد فهلك فألقته الأرض ولم تقبله. جماع أبواب ذكر خطبائه وشعرائه وحداته وحراسه وسيافه ومن كان يضرب الأعناق بين يديه ومن كان يلي نفقاته وخاتمه وسواكه ونعله وترجله، ومن كان يقود به في الأسفار، ورعاه إبله وصياهه وثقله والآذن عليه باب: ذكر خطيبه صلى الله عليه وسلم ثابت بن قيس رضي الله عنه. باب: ذكر شعرائه صلى الله عليه وسلم. باب: ذكر حداته صلى الله عليه وسلم. باب: ذكر حراسه صلى الله عليه وسلم. باب: ذكر سيافه ومن كان يضرب الأعناق بين يديه صلى الله عليه وسلم. باب: ذكر من كان يلي نفقته وخاتمه وسواكه ونعله والآذن عليه صلى الله عليه وسلم. باب: ذكر رعاة إبله وشياهه صلى الله عليه وسلم. باب: ذكر من كان على ثقله ورحله ومن كان يقود به في الأسفار صلى الله عليه وسلم. جماع أبواب ذكر عبيده وإمائه وخدمه من غير مواليه صلى الله عليه وسلم باب: ذكر عبيده صلى الله عليه وسلم. باب: ذكر إمائه صلى الله عليه وسلم. باب: ذكر خدمه صلى الله عليه وسلم من غير مواليه. جماع أبواب ذكر دوابه ونعمه وغير ذلك مما يذكر باب: عدد خيله صلى الله عليه وسلم. باب: عدد بغاله وحميره صلى الله عليه وسلم. باب: نعاجه وركابه وجماله صلى الله عليه وسلم. باب: شياهه صلى الله عليه وسلم. باب: ذكر ديكه صلى الله عليه وسلم.
جماع أبواب ذكر ما يجب على الأنام من حقوقه عليه الصلاة والسلام باب: وجوب الإيمان به صلى الله عليه وسلم. باب: وجوب طاعته صلى الله عليه وسلم. باب: وجوب اتباعه صلى الله عليه وسلم وامتثال سنته والأخذ بهديه صلى الله عليه وسلم. باب: التحذير من مخالفة أمره وتبديل سنته.
[ 60 ]
باب: لزوم محبته وثوابها وبعض ما ورد عن السلف في ذلك. باب: وجوب مناصحته صلى الله عليه وسلم. باب: وجوب تعظيم أمره صلى الله عليه وسلم وتوقيره وبره وبعض ما ورد عن السلف في ذلك. باب: كون حرمته بعد موته وتوقيره وتعظيمه لازما كما كان في حال حياته. باب: سيرة السلف رحمهم الله تعالى في تعظيم رواة حديثه صلى الله عليه وسلم. باب: من بره وتوقيره: صلى الله عليه وسلم بر آله وذريته. باب: من بره وتوقيره صلى الله عليه وسلم: توقير أصحابه وبرهم ومعرفة حقوقهم وحسن الثناء عليهم والاستغفار لهم والإمساك عما شجر بينهم. باب: من إعظامه وإجلاله صلى الله عليه وسلم إعظام جميع أصحابه وأشباهه. باب: إكرام مشاهدة وأمكنته وما لمسه وما عرف به صلى الله عليه وسلم. جماع أبواب الكلام على النبي والرسول والملك وعصمتهم وما يعرف به كون النبي نبيا صلى الله عليه وسلم. باب: الكلام على النبي والرسول غير ما تقدم. باب: ما يعرف به كون النبي نبيا. باب: عصمته قبل النبوة وبعدها. باب: فوائد كالمقدمة للأبواب الآتية.
باب: عصمته من الشيطان صلى الله عليه وسلم. باب: حكم عقد قلب النبي صلى الله عليه وسلم من وقت نبوته. باب: عصمته في أقواله البلاغية. باب: عصمته في جوارحه صلى الله عليه وسلم. جماع أبواب الكلام على السهو والنسيان هل يصدران منه ام لا باب: الرد على من أجاز على الأنبياء الصغائر. باب: الكلام على الآيات والأحاديث التي تمسك بها من قال بعدم عصمتهم. باب: الكلام على الملائكة وفيه أنواع. جماع أبواب ما يخصه من الأمور الدنيوية ويطرأ عليه من العوارض البشرية وكذا سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام باب: حاله في جمسه صلى الله عليه وسلم. باب: حكم عقد قلبه صلى الله عليه وسلم في الأمور الدنيوية. باب: حكم عقد قلبه في أمور البشر الجارية على يديه ومعرفته المحق من المبطل وعلمه المصلح من المفسد.
[ 61 ]
باب: حكم أقواله الدنيوية من إخباره عن أحواله وأحوال غيره وما يفعله أو فعله صلى الله عليه وسلم. باب: حكم أفعاله الدنيوية صلى الله عليه وسلم. باب: الحكمة في إجراء الأمراض وشدتها عليه. وكذا سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. جماع أبواب حكم من سبه أو انتقصه وكذا سائر الأنبياء عليهم السلام باب: ذكر فوائد كالمقدمة للأبواب الآتية.
باب: بيان ما هو في حقه سب من المسلم. باب: بيان ما هو في حقه صلى الله عليه وسلم سب من الكافر. باب: بيان قتل الساب إذا كان ممن يدعي الإسلام ولم يتب. باب: الكلام على توبة المسلم واستتابته. باب: انتقاض عهد الذمي إذا ذم المقام الشريف ووجوب قتله والنص على ذلك. باب: عدم قبول توبته إذا سب مع بقائه على كفره. باب: الخلاف في توبته هل هي بالإسلام صحيحة مسقطة للقتل أم لا ؟ وهل يستتاب بالإسلام ويدعي الندم. باب: الخلاف في أن الحاكم بسقوط القتل عن الساب مع بقائه على الكفر صحيح أم لا ؟. جماع أبواب بعض الحوادث الكائنة بالمدينة في سني الهجرة غير ما تقدم باب: مبدأ التاريخ الإسلامي. وأسقطت ذكر بقية الأبواب لكثرتها. جماع أبواب سيرته صلى الله عليه وسلم في الرقى والتمائم باب: إذنه صلى الله عليه وسلم في الرقى المفهومة المعنى. باب: نهيه صلى الله عليه وسلم عن التمائم. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في لدغة العقرب بالرقية. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في رقية النملة. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في رقية الحية. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في رقية القرحة والجرح. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في رقى عامة. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في علاج داء الحريق وإطفائه.
[ 62 ]
باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في علاج الفزع والأرق المانع من النوم. باب: سيرته في علاج حر المصيبة. باب: سيرته في علاج الكرب والهم والحزن. باب: سيرته في علاج الصرع. باب: سيرته في علاج الغيراء. جماع أبواب سيرته صلى الله عليه وسلم في الطب باب: فوائد كالمقدمة للأبواب الآتية وفيه أنواع. باب: أمره بالتداوي وإخباره بأن الله جعل لكل داء دواء إلا الهرم والموت. باب: نهيه عن التداوي بالخمر وغيرها مما يذكر. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في التطبب. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في حفظ الصحة بالصوم والسفر ونفي الهموم وتعديل الغذاء والطيب. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في الحمية. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في تدبير المأكول والمشروب وفيه أنواع. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في تدبير الحركة والسكون البدنيين. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في تدبير الحركة والسكون النفسانيين. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في تدبير النوم واليقظة. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في تدبير النكاح. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في تدبير فصول السنة. باب: سيرته في تدبير أمر المسكن. باب: أمره صلى الله عليه وسلم باختيار البلدان الصحيحة التربة وتوقي الوبيئة.
باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في الجلوس في الشمس. باب: إرشاده لدفع مضار الأغذية بالحركة والأشربة. باب: إرشاده إلى استعمال المعاجين والجوارش. باب: إرشاده إلى تعهد العادات. باب: سيرته في الصداع والشقيقة. باب: سيرته في السعوط واللدود. باب: سيرته في الحجامة والفصد والقشط البحري. باب: سيرته في الإسهال والقئ.
[ 63 ]
باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في الكي وفيه أنواع. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في الحمى. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في المعيون وفيه أنواع. باب: سيرته صلى الله عليه وسلم في المجذومين. باب: علاج البدن المقمل وكذا الرأس. باب: علاجه صلى الله عليه وسلم البخر. باب: علاجه في الرمد وضعف البصر. باب: علاجه من عرق الكلبة. باب: علاجه صلى الله عليه وسلم عرق النساء. باب: علاجه المفؤود صلى الله عليه وسلم. باب: علاجه البثرة صلى الله عليه وسلم. باب: علاجه صلى الله عليه وسلم الباسور. باب: علاجه الورم.
باب: علاجه الخنازير. باب: علاجه الدوخة. باب: علاجه العذرة. باب: علاجه العشق. باب: علاجه وجع الصدر. باب: علاجه ذات الجنب. باب: علاجه الاستسقاء والمعدة ويبس الطبيعة. باب: علاجه الإسهال. باب: علاجه القولنج. باب: علاجه الدود في الجوف. باب: علاجه الباه. باب: علاجه السل. باب: علاجه الجراح. باب: علاجه الخراج والكحة ونحوهما. باب: علاجه الكسر والخلع والوثى. باب: علاجه الخدران الكلي.
[ 64 ]
باب: إرشاده إلى دفع مضرات السموم بأضدادها. باب: سيرته في السم. باب: سيرته في لدغ الهوام. باب: سيرته في الزكام. باب: علاجه الشوكة.
باب: علاجه بعض أمراض الفم. باب: سيرته في الأسنان. باب: علاجه الدبيلة. باب: سيرته في غمز الظهر في السقطة والقدمين من الإعياء. باب: سيرته في الإعياء من شدة المشي. باب: علاجه الحائض والمستحاضة والنفساء. باب: إطعامه المزورات للناقة. باب: تغذيته المريض بألطف ما اعتاده من الأغذية. باب: بعض فوائد تتعلق بالأبواب السابقة. باب: الكلام على بعض المفردات التي جاءت على لسانه صلى الله عليه وسلم. جماع أبواب مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ووفاته باب: كثرة أمراضه صلى الله عليه وسلم. باب: نعى الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم نفسه. باب: عرضه صلى الله عليه وسلم القرآن على جبريل في العام الذي مات فيه مرتين ونعيه نفسه لأصحابه. باب: ما جاء أنه خير بين أن يبقى حتى يرى ما يفتح على أمته وبين التعجيل واستغفاره صلى الله عليه وسلم لأهل البقيع. باب: ابتداء مرضه وسؤال أبي بكر أن يمرضه في بيته. باب: ما جاء أنه كان يدور على بيوت أزواجه في مرضه صلى الله عليه وسلم. باب: اشتداد الوجع عليه صلى الله عليه وسلم. باب: أمره أن يصب عليه الماء لتقوى نفسه فيعهد إلى الناس. باب: ما روى أنه طلب من أصحابه القود من نفسه.
باب: مدة مرضه واستخلافه أبا بكر في الصلاة بالناس. باب: إرادته أن يكتب لأبي بكر كتابا فلم يكتب.
[ 65 ]
باب: إرادته أن يكتب لأصحابه كتابا ثم اختلفوا فلم يكتب. باب: إخراجه شيئا من المال كان عنده وعتق عبيده. باب: إعلامه ابنته فاطمة رضي الله عنها بموته صلى الله عليه وسلم. باب: وصيته بالأنصار رضي الله عنهم عند موته. باب: جمعه أصحابه في بيت عائشة ووصيته لهم رضي الله عنهم. باب: وصيته بالصلاة وغيرها من أمور الدين وأنه لم يوص بشئ من أمور الدنيا. باب: تحذيره أن يتخذ قبره مسجدا. باب: بعض ما يؤثر عنه صلى الله عليه وسلم من ألفاظه في مرض موته وآخر ما تكلم به. باب: آخر صلاة صلاها بالناس صلى الله عليه وسلم. باب: استعماله السواك قبل موته صلى الله عليه وسلم. باب: معاتبته صلى الله عليه وسلم نفسه على كراهة الموت. باب: ما جاء أنه قبض ثم أري مقعده من الجنة ثم ردت إليه روحه ثم خير. باب: تردد جبريل إلى الله واستئذان ملك الموت عليه وزيارة إسماعيل صاحب سماء الدنيا له صلى الله عليه وسلم وعليهم وقبض روحه الشريفة وصفة خروجها وصفة الثياب التي قبض فيها. باب: إخبار أهل الكتاب بموته صلى الله عليه وسلم يوم مات وهم باليمن. باب: بيان معنى قوله صلى الله عليه وسلم: " حياتي خير لكم وموتي خير لكم ". باب: عظم المصيبة وما نزل بالمسلمين بموته والظلمة التي غشيت المدينة، وتغيير قلوب الناس وأحوالهم، وبعض ما رثي به من الشعر.
باب: بلوغ هذا الخطب الجسيم إلى الصديق الكريم وثباته في هذا الأمر. باب: اختيار الله تعالى له بأن يجمع له مع النبوة الشهادة صلى الله عليه وسلم. باب: تاريخ وفاته صلى الله عليه وسلم. باب: مبلغ سنه صلى الله عليه وسلم. باب: عدم استخلافه أحدا بعينه وأنه لم يوص لأحد بعينه. باب: ذكر خبر السقيفة وبيعة أبي بكر رضي الله عنه بالخلافة بعد موته صلى الله عليه وسلم. جماع أبواب غسله وتكفينه ووضع الصلاة عليه ودفنه وموضع قبره والاستسقاء به وفضل ما بين القبر وما بين المنبر وفضل مسجده، وحياته في قبره وعرض أعمال أمته عليه، وحكم تركته وما خلف صلى الله عليه وسلم باب: غسله ومن غسله وما وقع في ذلك من الآيات.
[ 66 ]
باب: صفة كفنه عليه الصلاة والسلام. باب: الصلاة عليه. باب: دفنه ومن دفنه. باب: ذكر من كان آخر الناس عهدا به صلى الله عليه وسلم في قبره. باب: ذكر ما سمع من التعزية به صلى الله عليه وسلم. باب: موضع قبره الشريف وصفته وصفة حجرته وبعض أخبارها. باب: الاستسقاء بقبره الشريف صلى الله عليه وسلم. باب: فضل ما بين قبره ومنبره عليه السلام. باب: فضل مسجده صلى الله عليه وسلم غير ما تقدم. باب: حياته في قبره وكذا سائر الأنبياء عليهم السلام. باب: صلاته في قبره وكذلك سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
باب: عرض أعمال أمته عليه زاده الله فضلا وشرفا لديه. باب: حكم تركته وما خلف صلى الله عليه وسلم. جماع أبواب زيارته صلى الله عليه وسلم بعد موته. باب: فضل زيارته صلى الله عليه وسلم. باب: الرد على من زعم أن شد الرحل لزيارته صلى الله عليه وسلم معصية. باب: آداب زيارته صلى الله عليه وسلم. جماع أبواب التوسل به بعد موته صلى الله عليه وسلم باب: مشروعية التوسل به إلى الله تعالى. باب: ذكر من توسل به قبل خلقه من الأنبياء صلى الله عليه وسلم. باب: ذكر من توسل به في حياته من الإنس. باب: ذكر من توسل به في حياته من الحيوانات. باب: ذكر من توسل به بعد موته صلى الله عليه وسلم. جماع أبواب الصلاة والسلام عليه زاده فضلا وشرفا لديه باب: فوائد تتعلق بالآية الكريمة في ذلك. باب: الأمر بالصلاة والسلام عليه. باب: التحذير من ترك الصلاة والسلام عليه. باب: فضل الصلاة والسلام عليه. باب: كيفية الصلاة والسلام عليه.
[ 67 ]
باب: المواطن التي يستحب فيها الصلاة والسلام عليه وفيه أنواع. جماع أبواب بعثه وحشره وأحواله يوم القيامة صلى الله عليه وسلم باب: ما جاء أنه أول من يفيق من الصعقة وأول من يقوم من قبره واختصاصه
بركوب البراق يومئذ وكيفيه حشره صلى الله عليه وسلم. باب: كسوته صلى الله عليه وسلم في الموقف ومكانه وأمته وكون لواء الحمد ولواء الكرم بيده صلى الله عليه وسلم. باب: كونه أول من يدعى يوم القيامة صلى الله عليه وسلم. باب: اختصاصه صلى الله عليه وسلم بالسجود يومئذ. باب: طمأنينته إذا جئ بجهنم وفزع غيره صلى الله عليه وسلم. باب: شفاعته العظمى لفصل القضاء والإراحة من طول الوقوف. باب: الكلام على المقام المحمود والكلام على بقية شفاعاته صلى الله عليه وسلم. باب: دخوله صلى الله عليه وسلم جهنم لإخراج أناس من أمته. باب: الكلام على حوضه صلى الله عليه وسلم. باب: ما جاء أنه أول من يجوز على الصراط وأن مفاتيح الجنة بيده صلى الله عليه وسلم. باب: ما جاء أنه أول من يستفتح باب الجنة وأنه أول من يدخلها وقيام خازن الجنة له صلى الله عليه وسلم. باب: ما جاء أن جنة عدن مسكنه، وعلو منزلته في الجنة، وتزويج الله له مريم بنت عمران وكلثوم أخت موسى وأسية امرأة فرعون، وكثرة خدمه صلى الله عليه وسلم وغير ذلك. مما يذكر إن شاء الله تعالى وبالله تعالى التوفيق. هذا جميع ما تضمنه الكتاب من الأبواب والله المسؤول في التوفيق في ذلك كله للصواب * * *
[ 68 ]
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين
جماع أبواب بعض الفضائل والآيات الواقعة قبل مولده صلى الله عليه وسلم الباب الأول في تشريف الله تعالى له صلى الله عليه وسلم بكونه أول الأنبياء خلقا روى أبو إسحاق الجوزجاني (1) - بجيمين الأولى مضمومة وبينهما زاي مفتوحة، وقبل ياء النسب نون - في تاريخه، وابن أبي حاتم (2)، في تفسيره عن أبي هريرة (3) رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كنت أول الأنبياء خلقا وآخرهم بعثا " (4). وروى ابن إسحاق (5) عن قتادة (6) مرسلا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، " كنت أول الناس في الخلق وآخرهم في البعث " (7). وروى أبو سعد النيسابوري في " الشرف "، وابن الجوزي (8) في " الوفا " عن كعب الأحبار (9)، قال: لما أراد لله سبحانه وتعالى أن يخلق محمدا - صلى الله عليه وسلم أمر جبريل أن يأتيه بالطينة التي هي قلب الأرض وبهاؤها ونورها، فهبط جبريل في ملائكة الفردوس وملائكة الرفيق
(1) أبو إسحاق الجوزجاني هو إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق الجوزجاني قال الدار قطني: كان من الحفاظ المصنفين توفى سنة تسع وخمسين ومائتين. (انظر الخلاصة 1 / 60 / 61). (2) هو عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران أبو محمد التميمي الحنظلي، من تصانيفه " التفسير المسند " و " الجرح والتعديل " وغيرهما، مات في المحرم سنة سبع وعشرين وثلاثمائة وهو في عشر التسعين، انظر شذرات الذهب 2 / 308، وطبقات الشافعية للسبكي 3 / 324، طبقات المفسرين للسيوطي ترجمة 52. (3) هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي الحافظ، له خمسة آلاف وثلثمائة وأربعة وسبعون حديثا قال ابن سعد: كان يسبح كل يوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة، مات سنة تسع وخمسين عن ثمان وسبعين سنة، انظر الخلاصة 3 / 252 (529). (4) أخرجه بن عدي في الكامل 3 / 1209 وأبو نعيم في الدلائل 1 / 6 وابن كثير في البدية والنهاية 4 / 307 والثعالبي في التفسير 3 / 93 / 1 وذكره السيوطي في الدر 5 / 184 والمتقي الهندي في الكنز (32126). (5) هو محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي مؤلى قيس بن مخرمة أبو عبد الله المدني، قال أحمد: حسن الحديث وقال البخاري: رأيت علي بن عبد الله يحتج به وقال يعقوب بن شبه: لم أر لابن إسحاق إلا حديثين منكرين، مات سنة
إحدى وخمسين ومائة، انظر الخلاصة (2 / 379 (6049). (6) هو قتادة بن دعامة بن قتادة السدوسي، أبو الخطاب البصري، ثقة ثبت، يقال: ولد أكمه، وهو رأس الطبقة الرابعة مات سنة بضع عشرة، انظر التقريب (2 / 123 (81)). (7) أخرجه ابن عدي في الكامل 3 / 919، وابن سعد في الطبقات 1 - 1 / 96، وذكره المتقي الهندي في الكنز (31916). (8) هو عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن عبيد الله بن عبد الله البكري من ولد الإمام أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه الإمام أبو الفرج ابن الجوزي قال الذهبي: كان مبرزا في التفسير وفي الوعظ والتاريخ ولد تقريبا سنة ثمان - أو عشر - وخمسمائة، انظر طبقات المفسرين للسيوطي 50 (50). (9) هو كعب بن مانع الحميري أبو إسحاق الحبر من مسلمة أهل الكتاب، عنه أبو هريرة وابن عباس ومعاوية وجماعة من التابعين. قال ابن سعد: توفي سنة اثنتين وثلاثين، انظر الخلاصة 2 / 366 (5964). (*)
[ 69 ]
الأعلى، فقبض قبضة رسول الله صلى الله عليه وسلم من موضع قبره الشريف، وهي بيضاء نيرة، فعجنت بماء التسنيم في معين أنهار الجنة، حتى صارت كالدرة البيضاء لها شعاع عظيم، ثم طافت بها الملائكة حول العرش والكرسي والسماوات والأرض، فعرفت الملائكة محمدا صلى الله عليه وسلم قبل أن تعرف آدم أبا البشر، ثم كان نور محمد صلى الله عليه وسلم - يرى في غرة جبهة آدم وقيل له: يا آدم هذا سيد ولدك من المرسلين. فلما حملت حواء بشيث انتقل النور عن آدم إلى حواء، وكانت تلد في كل بطن ولدين إلا شيثا فإنها ولدته وحده كرامة لمحمد صلى الله عليه وسلم، ثم لم يزل النور ينتقل من طاهر إلى طاهر إلى أن ولد صلى الله عليه وسلم. وفي كتاب الأحكام للحافظ الناقد أبي الحسن بن القطان (1): روى علي بن الحسين (2)، عن أبيه عن جده مرفوعا: " كنت نورا بين يدي ربي عز وجل قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام (3) ". وروى الحافظ محمد بن عمر العدني (4) شيخ مسلم (5) في مسنده عن ابن عباس (6)
رضي الله عنهما أن قريشا - أي المسعدة بالإسلام - كانت نورا بين يدي الله تعالى قبل أن يخلق آدم بألفي عام يسبح ذلك النور وتسبح الملائكة بتسبيحه. قال ابن القطان: فيجتمع من هذا مع ما في حديث علي: أن النور النبوي جسم بعد
(1) هو علي بن محمد بن عبد الملك الكتامي الحميري الفاسي، أبو الحسن بن القطان، من حفاظ الحديث ونقدته، قال ابن القاضي: رأس طلبة العلم بمراكش من مصنفاته " بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام " وغيره توفي سنة 628 ه، انظر الأعلام 4 / 331. (2) علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي أبو الحسين زين العابدين المدني، عن جده مرسلا، وعن أبيه وعائشة وصفية بنت حيي وأبي هريرة وابن عباس وطائفة. وعنه بنوه محمد وعمر وعبد الله وزيد والزهري والحكم بن عتيبة. قال الزهري: ما رأيت قرشيا أفضل منه، وما رأيت أفقه منه قال أبو نعيم: مات سنة اثنتين وتسعين، وقيل غير ذلك، انظر الخلاصة 2 / 245 - 246. (3) ذكره العجلوني في كشف الخفا 1 / 312 وعزاه لابن القطان في الأحكام ثم قال نقلا عن الشبراملسي: ليس المراد بقوله من نوره ظاهره من أن الله تعالى له نور قائم بذاته لاستحالته عليه تعالى، لأن النور لا يقوم إلا بالأجسام بل المراد خلق من نور مخلوق له قبل نور محمد وأضافه إليه تعالى لكونه تولى خلقه، ثم قال ويحتمل أن الإضافة بيانية، أي خلقه نور نبيه منها، بل بمعنى أنه تعالى تعلقت إرادته بإيجاد نور بلا توسط شئ في وجوده، قال هذا أول الأجوبة نظير ما ذكره البيضاوي في قوله تعالى (ثم سواه ونفخ فيه من روحه) حيث قال إضافة إلى نفسه تشريفا وإشعارا بأنه خلق عجيب وأن له مناسبة إلى حضرة الربوبية انتهى ملخصا. (4) محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني أبو عبد الله الحافظ نزيل مكة. وثقه ابن حبان وقال أبو حاتم: صدوق حدث بحديث موضوع. عن ابن عيينة. قال البخاري: مات سنة ثلاث وأربعين ومائتين، انظر الخلاصة 2 / 468. (5) مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، ثقة حافظ إمام مصنف، عالم الفقه مات سنة إحدى وستين وله سبع وخمسون سنة، انظر التقريب 2 / 245. (6) عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، ودعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفهم في القرآن، فكان يسمى البحر، والحبر، لسعة علمه، مات سنة ثمان وستين بالطائف،
انظر التقريب 1 / 425. (*)
[ 70 ]
خلقه باثني عشر ألف عام وزيد فيه سائر قريش وأنطق بالتسبيح. انتهى. وقد أشار عمه العباس (1) رضي الله تعالى عنه إلى ذلك فيما رواه الطبراني (2) أن سيدنا العباس رضي الله عنه قال: يا رسول الله إني أريد أن أمتدحك. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: قل: لا يفضض الله فاك. فقال الله تعالى عنه: من قبلها طبت في الظلال وفي * * مستودع حيث يخصف الورق ثم هبطت البلاد لا بشر * * أنت ولا مضغة ولا علق بل نطفة تركب السفين وقد * * ألجم نسرا وأهله الغرق وردت نار الخليل مكتتما * * تجول فيها وليس تحترق تنقل من صالب إلى رحم * * إذا مضى عالم بدا طبق حتى احتوى بيتك المهيمن من * * خندف علياء تحتها نطق وأنت لما ولدت أشرقت الأر * * ض وضاءت بنورك الأفق ونحن في ذلك الضياء وفي النو * * ر وسبل الرشاد نخترق وروى سعيد بن منصور (3) وابن المنذر (4) وابن أبي حاتم والبيهقي (5) وابن عساكر (6)،
(1) عباس بن عبد المطلب، بن هاشم، عم النبي صلى الله عليه وسلم مشهور، مات سنة اثنتين وثلاثين، أو بعدها، وهو ابن ثمان وثمانين، انظر التقريب 1 / 397 - 398. (2) هو سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي أبو القاسم: من كبار المحدثين. أصله من طبرية الشام وإليها نسبته. له ثلاثة " معاجم " في الحديث، منها " المعجم الصغير "، وله كتب في " التفسير " و " الأوائل " و " دلائل النبوة ". وغير ذلك، توفي سنة 360 ه، انظر الأعلام 3 / 121. (3) سعيد بن منصور بن شعبة النسائي أبو عثمان ولد بجوزجان ونشأ ببلخ، وكان حافظا جوالا صنف السنن جمع فيها ما
لم يجمعه غيره، قال أبو حاتم: متقن ثبت مصنف، قال حرب الكرماني: أملى علينا عشرة آلاف حديث من حفظه، قال ابن سعد: مات سنة سبع وعشرين ومائتين. انظر الخلاصة 1 / 391. (4) محمد بن إبراهيم بن المنذر، أبو بكر النيسابوري الفقيه، نزيل مكة. أحد الأئمة الأعلام، وممن يقتدى بنقله في الحلال والحرام، صنف كتبا معتبرة عند أئمة الإسلام، منها الإشراف في معرفة الخلاف، والأوسط هو أصل الإشراف، والإجماع والإقناع والتفسير وغير ذلك وكان مجتهدا لا يقلد أحدا، قال الشيخ أبو إسحاق: توفي سنة تسع - أو: عشر - وثلاثمائة، وحدث ابن القطان نقل وفاته سنة ثمان عشرة، انظر طبقات ابن قاضي شهبة 1 / 98 شذرات الذهب 2 / 280. (5) هو أحمد بن الحسين بن علي، أبو بكر: من أئمة الحديث. رحل إلى بغداد ثم إلى الكوفة ومكة وغيرهما، وطلب إلى نيسابور، فلم يزل فيها إلى أن مات قال إمام الحرمين: ما من شافعي إلا وللشافعي فضل عليه غير البيهقي، صنف زهاء ألف جزء، منها " السنن الكبرى " و " السنن الصغرى " " ودلائل النبوة " " الترغيب والترهيب " توفى سنة 458، انظر الأعلام 1 / 116، شذرات الذهب 3 / 304. (6) علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله أبو القاسم بن عساكر فخر الشافعية وإمام أهل الحديث في زمانه صاحب تاريخ دمشق وغيره من المصنفات النافعة توفي في رجب سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، انظر طبقات ابن قاضي شبهة 2 / 14، وفيات الأعيان 2 / 471. (*)
[ 71 ]
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لما خلق الله تعالى آدم خبره ببنيه، فجعل يرى فضائل بعضهم على بعض، فرأى نورا ساطعا في أسفلهم، فقال: يا رب من هذا ؟ قال: هذا نبيك أحمد وهو أول وهو آخر " (1). ولفظ سعيد والبيهقي: " هو أول من يدخل الجنة. فقال: الحمد لله الذي جعل من ذريتي من يسبقني إلى الجنة ولا أحسده ". ويرحم الله تعالى صالح بن الحسين الشافعي رحمه الله تعالى حيث قال في قصيدته: وكان لدى الفردوس في زمن الرضا * * وأثواب شمل الأنس محكمة الشذى
يشاهد في عدن ضياء مشعشعا * * يزيد على الأنوار في النور والهدى فقال: إلهي ما الضياء الذي أرى * * جنود السماء تعشو إليه ترددا فقال نبي خير من وطئ الثرى * * وأفضل من في الخير راح أو اغتدى تخيرته من قبل خلقك سيدا * * وألبسته قبل النبيين سؤددا تنبيهان الأول: قال الغزالي (2) في كتاب النفخ والتسوية: في قوله صلى الله عليه وسلم: " كنت أول النبيين خلقا ": أن المراد بالخلق هنا التقدير دون الإيجاد فإنه قبل أن ولدته أمه لم يكن موجودا، ولكن الغايات والكمالات سابقة في التقدير لاحقة في الوجود. وبسط الكلام على ذلك. ورد عليه السبكي (3) بكلام شاف يأتي في الباب الثالث، ولم يقف على أثر كعب السابق وهو أقوى من الأدلة التي استدل بها. الثاني: في بيان غريب ما سبق: " التسنيم " (4): قال العزيزي رحمه الله تعالى: يقال هو أرفع شراب أهل الجنة. ويقال:
(1) ذكره المتقي الهندي في كنز العمال (32056). (2) وهو محمد بن محمد، الإمام حجة الإسلام، زين الدين، أبو حامد الطوسي الغزالي. ولد بطوس سنة خمسين وأربعمائة، جلس للإقراء وصنف، ومن تصانيفه " الإحياء " و " البسيط " و " الوجيز " و " الخلاصة " وغير ذلك توفي في جمادي الآخرة سنة خمس وخمسمائة، انظر ابن قاضي شهبة 1 / 293، وفيات الأعيان 3 / 353. (3) هو تقي الدين أبو الحسن، علي بن عبد الكافي بن علي السبكي أخذ العلم عن كبار مشايخ أهل الفن واشتغل بالطلب والتصنيف والإفتاء وتخرج به فضلاء عصره مات يوم الاثنين رابع جمادي الآخرة سنة ست وخمسين وأربعمائة، انظر طبقات الأسنوي 1 / 350، طبقات الشافعية 6 / 146. (4) سنم: قال: (ومزاجه من تسنيم) قيل: هو عين في الجنة رفيعة القدر وفسر بقوله: عينا يشرب بها المقربون، انظر المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني ص 245. ففي اللسان قالوا: هو ماء في الجنة سمي بذلك لأنه يجري فوق الغرف والقصور، انظر اللسان مادة (س ن م)
2120، المعجم الوسيط 1 / 455. (*)
[ 72 ]
تسنيم: عين تجري من فوقهم تسنمهم في منازلهم أي تنزل عليهم من عال. ويقال تسنم الفحل الناقة إذا علاها. وضياء مشعشع (1): أي منتشر. وقول سيدنا العباس: " من قبلها " الضمير فيه إما للدنيا، أو للنبوة أو للولادة " الظلال ": جمع ظل. المراد به هنا: ظل الجنة. " مستودع " (2): بفتح الدال المهملة. " حيث يخصف الورق " (3): أشار إلى قوله تعالى: " وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ". وأشار إلى كونه في صلب آدم كما كان نطفة في صلب سام بن نوح، وهو في السفينة حين أغرق الله تعالى نسرا. المضغة: قطعة لحم قدر ما يمضغ في الفم. والعلق: جمع علقة، وهي قطعة من دم غليظ. وإنما جمع العلق هنا لأجل القافية أو للتعظيم. والسفين (4): جمع سفينة كما في الصحاح. ونسر: هو المذكور في سورة نوح. ونسر ويغوث ويعوق وود وسواع: أسماء لجماعة عباد كانوا بنين لآدم، فماتوا فحزن عليهم أهل عصرهم فصور لهم إبليس اللعين أمثالهم من طفر ونحاس ليستأنسوا بهم، فجعلوها في مؤخر المسجد، فلما هلك أهل ذلك العصر قال اللعين لأولادهم، هذه آلهة آبائكم فعبدوهم. ثم إن الطوفان دفنها فأخرجها اللعين للعرب فكانت ود لكلب بدومة الجندل، وسواع لهذيل بساحل البحر، ويغوث لغطيف من مراد، ويعوق لهمدان، ونسر لذي الكلاع من حمير. " وتنقل " بضم المثناة الفوقية أوله. " ومن صالب ": أي من صلب يقال صلب وصلب وصالب ثلاث لغات. " وإذا مضى عالم " بفتح اللام. " بدا " بترك الهمزة. أي ظهر. و " الطبق "
بفتح الطاء والباء الموحدة. والمعنى: إذا مضى قرن بدا قرن. وقيل للقرن طبق لأنه طبق
(1) في اللسان " وظل شعشع " أي ليس بكثيف، ومشعشع أيضا كذلك، ويقال: الشعشع الظل الذي لم يظلك كله ففيه مزج والشعشاع أيضا المتفرق، انظر اللسان (ش ع ع) (2279) والوسيط 1 / 485، شعشع الضوء: انتشر خفيفا. (2) انظر اللسان ودع (4799)، انظر اللسان (ودع) 4799، والوسيط 2 / 1021. (3) قال تعالى: (وطفقا يخصفان عليهما) أي يجعلان عليها خصفة وهي أوراق ومنه قيل لجلة التمر خصفة وللثياب الغليظة جمعه خصف، انظر المفردات للراغب ص 149، المصباح المنير 171، اللسان 2 / 1174. (4) في المصباح المنير السفينة معروفة والجمع سفين، وسفائن ويجمع السفين على سفن وجمع السفينة على سفين شاذ لأن الجمع الذي بينه وبين واحده الهاء بابه المخلوقات مثل ثمره وثمر وأما في المصنوعات مثل سفينة وسفين فمسموع من ألفاظ قليلة ومنهم من يقول: السفين لغة في الواحدة، المصباح المنير 279. (*)
[ 73 ]
الأرض. ويطلق الطبق أيضا على الجماعة من الناس. و (خندف) بكسر الخاء وسكون النون وكسر الدال المهملة بعدها فاء: من الخندفة وهي في الأصل مشية كالهرولة ثم سميت بها ليلى امرأة الياس بن مضر (1). و " النطق " (2) بضم النون والطاء المهملة جمع نطاق: حبال يشد بعضها فوق بعض يشد بها أوسط الناس، يعني أنه صلى الله عليه وسلم مرتفع ومتوسط في عشيرته صلى الله عليه وسلم حتى جعلهم تحته بمنزلة أوساط الحبال. والمراد ببيته صلى الله عليه وسلم شرفه، أي حتى احتوى شرفك الشاهد بفضلك على مكان من بيت خندف. والأفق بضم الهمزة والفاء وسكون الفاء أيضا وهو الناحية. وسبل الرشاد: طرقه وهو مجرور عطفا على ما قبله.
(1) إلياس بن مضر بن نزار، أبو عمر: جاهلي من سلسلة النسب قيل: هو أول من أهدى البدن إلى البيت الحرام، انظر الأعلام 2 / 10.
(2) النطاق جمعه نطق مثل كتاب وكتب وهو مثل إزار فيه تكة تلبسه المرأة، وقيل هو حبل تشد به وسطها للهمضة وعليه بيت الحماسة: كرها وحبل نطاقها لم يحلل اللسان 5 / 4463، المصباح المنير 611، الوسيط 2 / 931، انظر البداية والنهاية 2 / 258. (*)
[ 74 ]
الباب الثاني في خلق آدم وجميع المخلوقات لأجله صلى الله عليه وسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أوحى الله تعالى إلى عيسى: " آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وأمر أمتك أن يؤمنوا به، فلولا محمد ما خلقت آدم ولا الجنة ولا النار، ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب فكتبت عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله فسكن ". رواه أبو الشيخ (1) في طبقات الأطبهانيين، والحاكم (2) وصححه، وأقره السبكي في شفاء السقام، والبلقيني (3) في فتاويه. قال الذهبي (4): في سنده عمرو بن أوس (5) لا يدري من هو انتهى. ولبعضه شاهد من حديث عمر بن الخطاب (6) رواه الحاكم وسيأتي. قال الإمام جمال الدين محمود بن جملة (7): ليس مثل هذا للملائكة ولا لمن سواه من الأنبياء.
(1) هو عبد الله بن محمد بن جعفر بن حبان الأصبهاني أبو محمد من حفاظ الحديث، يقال له: أبو الشيخ من تصانيفه " طبقات المحدثين بأصبهان " وأخلاق النبي وآدابه، وغير ذلك توفي سنة 369 ه، انظر الأعلام 4 / 120. (2) هو محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم بن الحكم الحافظ أبو عبد الله الحاكم النيسابوري المعروف بابن البيع صاحب المستدرك وغيره من الكتب المشهورة توفي في صفر سنة خمس وأربعمائة، انظر وفيات الأعيان 3 / 408، طبقات ابن قاضي شهبة 1 / 193. (3) هو عمر بن رسلان بن نصير بن صالح بن شهاب بن عبد الخالق بن عبد الحق شيخ الإسلام سراج الدين أبو حفص
البلقيني تخرج على مشايخ عصره واجتمعت الطلبة للاشتغال عليه بكرة وعشيا توفي في ذي القعدة سنة خمس وثمانمائة من تصانيفه كتاب محاسن الاصطلاح وتضمين كتاب ابن الصلاح في علوم الحديث، كتاب تصحيح المنهاج وغير ذلك، انظر طبقات ابن قاضي شهبة 4 / 36، شذرات الذهب 7 / 51. (4) هو محمد بن أحمد بن عثمان الحافظ مؤرخ الإسلام أبو عبد الله المعروف بالذهبي سمع ببلاد كثيرة من خلائق يزيدون على ألف ومائتين قال السبكي: محدث العصر، وخاتم الحفاظ القائم بأعباء هذه الصناعة، وحامل راية أهل السنة والجماعة إمام عصره حفظا واتقانا، توفي في ذي القعدة سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، انظر طبقات ابن هداية 90، طبقات ابن قاضي شبهة 3 / 56. (5) عمرو بن أوس. يجهل حاله. أتى بخبر منكر. أخرجه الحاكم في مستدركه، وأظنه موضوعا من طريق جندل بن والق، ميزان الاعتدال 3 / 246. (6) عمربن الخطاب بن نفيل، بنون وفاء، مصغرا، ابن عبد العزى بن رياح، بتحتانية، ابن عبد الله بن قرط، بضم القاف، ابن رزاح، براء ثم زاي خفيفة، ابن عدي بن كعب القرشي، العدوي، أمير المؤمنين، مشهور، جم المناقب، استشهد في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وولي الخلافة عشر سنين ونصفا. التقريب 2 / 54 وسيأتي في المناقب. (7) محمود بن محمد بن إبراهيم بن جملة بن مسلم بن تمام بن حسين بن يوسف، الخطيب، العالم، العابد، جمال الدين أبو الثناء المحجي الدمشقي. قيل: إن مولده سنة سبع وسبعمائة، وسمع من جماعة وحفظ التعجيز لابن يونس، وتفقه على عمه القاضي جمال الدين، وتصدر بالجامع الأموي، شغل بالعلم، وأفتى، ودرس بالظاهرية. ذكره الذهبي في المعجم المختص وقال: وشارك في الفضائل، وعني بالرجال، ودرس، واشتغل، وتقدم مع الدين والتصون. وقال ابن رافع. كان دينا، خيرا، شغل بالعلم، وجمع. وقال السبكي في الطبقات الكبرى كان متعففا، متصوفا، دينا، مجموعا على طلب العلم، وذكر أن له تعاليق في الفقه والحديث، قل أن رأيت نظيره. توفي في شهر رمضان سنة أربع وستين وسبعمائة، ودفن بسفح قاسيون. ابن قاضي شبهة 3 / 137، وطبقات الشافعية للسبكي 6 / 248. (*)
[ 75 ]
وما عجب إكرام ألف لواحد * * لعين تفدى ألف عين وتكرم وروى الديلمي (1) في مسنده عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: " أتاني جبريل فقال: يا محمد إن الله يقول لولاك ما خلقت الجنة، ولولاك ما خلقت النار ". ويروى عن سلمان (2) رضي الله تعالى عنه قال: " هبط جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن ربك يقول لك: " إن كنت اتخذت إبراهيم خليلا فقد اتخذتك حبيبا، وما خلقت خلقا أكرم علي منك، ولقد خلقت الدنيا وأهلها لأعرفهم كرامتك ومنزلتك، ولولاك ما خلقت الدنيا ". رواه ابن عساكر وسنده واه جدا. وفي فتاوي شيخ الإسلام البلقيني أن في مولد العزفي (3) - بعين مهملة وزاي مفتوحتين وقبل ياء النسب فاء - و " شفاء الصدور " لابن سبع، عن علي (4) رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل أنه قال: " يا محمد وعزتي وجلالي لولاك ما خلقت أرضي ولا سمائي ولا رفعت هذه الخضراء، ولا بسطت هذه الغبراء ". قال: وذكر المصنفان المذكوران في رواية أخرى، عن علي رضي الله تعالى عنه أن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: " من أجلك أبطح البطحاء وأموج الماء وأرفع السماء وأجعل الثواب والعقاب والجنة والنار ". ولله در العارف بالله سيدي علي بن أبي الوفا (5) نفعنا الله تعالى بهم حيث قال:
(1) هو أبو شجاع شيرويه بن شهردار بن شيرويه بن فناخسرو الديلمي الهمداني (445 - 509 ه) كان محدثا حافظا مؤخرا، من آثاره تاريخ همذان، وفردوس الأخبار بمأثور الخطاب المخرج على كتاب الشهاب في الحديث، ورياض الأنس لعقلاء الإنس في معرفة أحوال النبي صلى الله عليه وسلم وتاريخ الخلفاء بعده، انظر طبقات الشافعية للسبكي 4 / 229، وشذرات الذهب 4 / 23، وتذكرة الحفاظ 4 / 1259، ومرآة الجنان 3 / 198، راجع معجم المؤلفين 4 / 313. (2) سلمان الفارسي أبو عبد الله بن الإسلام. له ستون حديثا، أسلم مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وشهد الخندق. روى عنه أبو عثمان النهدي وشرحبيل بن السمط وغيرهما. قال الحسن: كان سلمان أميرا على ثلاثين ألفا يخطب بهم في عباءة يفترش نصفها، ويلبس نصفها، وكان يأكل من سعف يده. توفي في خلافة عثمان وقال أبو عبيدة: سنة ست وثلاثين.
عن ثلثمائة وخمسين سنة، الخلاصة 1 / 401. (3) عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد بن أحمد، أبو القاسم بن أبي طالب العزفي اللخمي: فاضل، من المشتغلين بالحديث، من أهل المغرب. أصله من ستة، ووفاته بفاس. له كتاب " الإشادة " بذكر المشتهرين من المتأخرين بالإفادة " تراجم. انظر الأعلام 3 / 313. (4) علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوج ابنته، من السابقين الأولين، المرجح أنه أول من أسلم، وهو أحد العشرة، مات في رمضان سنة أربعين، وهو يومئذ أفضل الأحياء من بني آدم بالأرض، بأجماع أهل السنة، وله ثلاث وستون على الأرجح. التقريب 2 / 39 وسيأتي في المناقب. (5) علي بن أبي الوفا كان من الصالحين العباد المشهود لهم بالتقوى ومعرفة أسرار أهل الطريقة الصوفية وانظر ترجمته في الطبقات الكبرى للشعراني 2 / 20، 21. (*)
[ 76 ]
سكن الفؤاد فعش هنيئا يا جسد * * هذا النعيم هو المقيم إلى الأبد روح الوجود حياة من هو واحد * * لولاه ما تم الوجود لمن وجد عيسى وآدم والصدور جميعهم * * هم أعين هو نورها لما ورد لو أبصر الشيطان طلعة نوره * * في وجه آدم كان أول من سجد أو لو رأى النمروذ نور جماله * * عبد الجليل مع الخليل وما عند لكن جمال الله جل فلا يرى * * إلا بتوفيق من الله الصمد
[ 77 ]
الباب الثالث في تقدم نبوته صلى الله عليه وسلم على نفخ الروح في آدم صلى الله عليهما وسلم عن عبد الله بن عمرو (1) رضي الله تعالى عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن الله عز وجل كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة " (2) (وكان
عرشه على الماء). رواه مسلم. زاد صاحب اللطائف: ومن جملة ما كتب في الذكر وهو أم الكتاب: أن محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين. وعن العرباض - بكسر العين المهملة - ابن سارية (3) رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إني عند الله في أم الكتاب لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته (4). رواه الإمام أحمد (5) والحاكم وصححه. قال الطيبي (6) في " شرح المشكاة ": " نجدل " مطاوع جدله إذا ألقاه على الأرض، وأصله الإلقاء على الجدالة - بفتح الجيم والدال المهملة - وهي الأرض الصلبة وهذا على سبيل إنابة فعل مناب فعل، يعني لا يجوز إجزاء منجدل على أن تكون مطاوعا لجدل لما يلزم منه أن يكون آدم منفصلا من الأرض الصلبة، بل هو ملقى عليها. والطينة: الخلقة من قولهم: طانه الله على طينتك. والجار الذي هو " في " ليس بمتعلق بمنجدل، لما يلزم منه أن يكون آدم مظروفا في طينته إنما هو خبر ثان لأن، والواو وما بعدها في محل نصب على الحال من المكتوب،
(1) عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سعد بن سهم السهمي، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن أحد السابقين المكثرين، من الصحابة وأحد العبادلة الفقهاء، مات في ذي الحجة ليال الحرة على الأصح، بالطائف على الراجح. تقريب التهذيب 1 / 436. (2) أخرجه مسلم 4 / 2044 في كتاب القدر باب حجاج آدم وموسى عليهما السلام (16 - 2653). (3) عرباض، بكسر أوله وسكون الراء بعدها موحدة وآخره معجمة، ابن سارية السلمي، أبو نجيح، صحابي، كان من أهل الصفة، ونزل حمص، مات بعد سبعين. تقريب التهذيب 2 / 17. (4) أخرجه أحمد في المسند 4 / 66، 128 وأبو نعيم في الدلائل 1 / 9 وابن كثير في البداية والنهاية 2 / 321 وذكره الهيثمي في المجمع 8 / 226 وزاد نسبته للطبراني والبزار. (5) أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني المروزي نزيل بغداد أبو عبد الله، أحد الأئمة، ثقة حافظ، فقيه حجة، وهو رأس الطبقة العاشرة، مات سنة إحدى وأربعين، وله سبع وسبعون سنة. التقريب 1 / 24.
(6) الحسين بن محمد بن عبد الله الطيبي الإمام المشهور صاحب شرح المشكاة وحاشية الكشاف وغيرهما. كان في مبادئ عمره صاحب ثروة كبيرة فليم يزل ينفق ذلك في وجوه الخيرات إلى أن كان في آخر عمره فقيرا وكان كريما متواضعا حسن المعتقد شديد الرد على الفلاسفة والمبتدعة مظهرا فضائحهم مع استيلائهم على بلاد المسلمين في عصره شديد المحبة لله ولرسوله كثير الحياء ملازما للجمعة والجماعة ملازما لتدريس الطلبة في العلوم الإسلامية. انظر البدر الطالع 1 / 229. (*)
[ 78 ]
والمعنى: كتبت خاتم الأنبياء في الحال الذي آدم مطروح على الأرض حاصل في أثناء تخلقه لما يفرغ من تصويره وإجراء الروح. وقال الحافظ أبو الفرج ابن رجب (1) رحمه الله تعالى في اللطائف: المقصود من هذا الحديث أن نبوة النبي صلى الله عليه وسلم كانت مذكورة معروفة من قبل أن يخلقه الله تعالى ويخرجه إلى دار الدنيا حيا، وأن ذلك كان مكتوبا في أم الكتاب من قبل نفخ الروح في آدم صلى الله عليه وسلم، وفسرأم الكتاب باللوح المحفوظ وبالذكر في قوله تعالى: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب). وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه سأل عن أم الكتاب فقال: علم الله ما هو خالق وما خلقه عاملون، فقال لعلمه كن كتابا. فكان كتابا. ولا ريب أن علم الله تعالى قديم أزلي لم يزل عالما بما يحدثه من خلقه، ثم إن الله تعالى كتب ذلك عنده في كتاب عنده قبل أن يخلق السماوات والأرض كما قال تعالى: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير). وفي صحيح البخاري (2) عن عمران بن حصين (3) رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كان الله ولا شئ قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شئ، ثم خلق السماوات والأرض " (4).
وقوله في هذا الحديث: " إني عند الله في أم الكتاب " ليس المراد به - والله أعلم - أنه حينئذ كتب في أم الكتاب ختمه للنبيين وإنما المراد الإخبار عن كون ذلك مكتوبا في أم الكتاب في ذلك الحال قبل نفخ الروح في آدم وهو أول ما خلق الله تعالى من النوع الإنساني. وجاء في أحاديث أخر أنه في تلك الحالة وجبت له صلى الله عليه وسلم النبوة. وهذه مرتبة ثالثة وهو
(1) عبد الرحمن بن أحمد بن رجب السلامي البغدادي ثم الدمشقي، أبو الفرج، زين الدين: حافظ للحديث، من العلماء. ولد في بغداد ونشأ وتوفي في دمشق. من كتبه " شرح جامع الترمذي " و " جامع العلوم والحكم " و " فضائل الشام - خ " و " الاستخراج لأحكام الخراج " و " القواعد الفقهية " و " لطائف المعارف " و " فتح الباري، شرح صحيح البخاري " لم يتمه، و " ذيل طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى " و " الاقتباس من مشكاة وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس " و " أهوال القبور " و " كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة - ط " وغير ذلك توفي سنة 795 ه. الأعلام 3 / 295. (2) محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي، أبو عبد الله البخاري، جبل الحفظ وإمام الدنيا، ثقة الحديث، من الحادية عشرة، مات سنة ست وخمسين، في شوال وله اثنتان وستون سنة التقريب 2 / 144. (3) عمران بن حصين بن عبيد بن خلف الخزاعي، أبو نجيد، أسلم عام خيبر، وصحب، وكان فاضلا، مات سنة اثنتين وخمسين بالبصرة. التقريب 2 / 82. (4) أخرجه البخاري 4 / 222، كتاب بدء الخلق باب في قول الله تعالى (وهو الذي) (3191). (*)
[ 79 ]
انتقاله صلى الله عليه وسلم من رتبة العلم والكتابة إلى رتبة الوجود العيني الخارجي. فإنه صلى الله عليه وسلم استخرج من ظهر آدم ونبئ فصارت نبوته موجودة في الخارج بعد كونها كانت مكتوبة مقدرة في أم الكتاب. فعن ميسرة - بفتح الميم وسكون المثناة التحتية - الفجر (1) - بفتح الفاء وسكون الجيم - رضي الله تعالى عنه قال: " يارسول الله، متى كنت نبيا ؟ قال: " وآدم بين الروح والجسد ". رواه الإمام أحمد والبخاري في تاريخه والحاكم وصححه.
قال الإمام أحمد في رواية منها: وبعضهم يرويه متى كتبت من الكتابة ؟ قال: " كتبت نبيا وآدم بين الروح والجسد ". رواه ابن عساكر فتحمل هذه الرواية مع حديث العرباض السابق على وجوب نبوته صلى الله عليه وسلم وثبوتها وظهورها في الخارج، فإن الكتابة إنما تستعمل فيما هو واجب شرعا كقوله تعالى: (كتب عليكم الصيام) أو قدرا كقوله تعالى: (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي). وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قالوا يا رسول الله متى وجبت لك النبوة ؟ قال: " وآدم بين الروح والجسد " (2). رواه الترمذي (3) وحسنه. وعن الصنا بحي (4) مرسلا - وهو بضم الصاد المهملة وفتح النون وكسر الموحدة ومهملة - عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال: يا رسول الله متى جعلت نبيا ؟ قال: " وآدم بين الروح والجسد " (5). رواه أبو نعيم (6).
(1) ميسرة الفجر وهو أبو بديل بن ميسرة العقيلي الذي روى عن عبد الله بن شقيق، الطبقات الكبرى لابن سعد 7 / 42. (2) أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة 5 / 585 كتاب المناقب باب في فضل النبي صلى الله عليه وسلم (3609) قال: هذا حديث المستدرك 2 / 609 كتاب التاريخ باب ذكر مراكبه صلى الله عليه وسلم، والبيهقي في دلائل النبوة 2 / 130. (3) محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك السلمي الترمذي أبو عيسى، صاحب الجامع، أحد الأئمة، ثقة حافظ من الثانية عشرة، مات سنة تسع وسبعين، التقريب 2 / 198. (4) عبد الرحمن بن عسيلة، بمهملة، مصغرا، المرادي، أبو عبد الله الصنابحي، ثقة، من كبار التابعين، قدم المدينة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بخمسة أيام، مات في خلافة عبد الملك، التقريب 1 / 491. (5) أخرجه أبو نعيم في الدلائل 17. (6) أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران، الحافظ الكبير، أبو نعيم، الأصبهاني. الجامع بين الفقه والتصوف والنهاية في الحديث وله التصانيف المشهورة، منها كتاب " الحلية " وهو كتاب جليل حفيل، وكتاب
" معرفة الصحابة "، وكتاب " دلائل النبوة " وكتاب " تاريخ أصفهان ". قال الخطيب البغدادي: لم ألق في شيوخي أحفظ منه ومن أبي حازم الأعرج. ولد في رجب سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، وتوفي في المحرم سنة ثلاثين وأربعمائة = (*)
[ 80 ]
وروى الآجري (1) في كتاب الشريعة، عن سعيد بن أبي راشد (2) قال: سألت عطاء (3) رحمه الله تعالى: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم نبيا قبل أن يخلق الخلق ؟ قال: إي والله وقبل أن تخلق الدنيا بألفي عام. قال الحافظ ابن رجب: عطاء هذا الظاهر أنه الخراساني، وهذا إشارة إلى ما ذكرناه من كتابة نبوته صلى الله عليه وسلم في أم الكتاب عند تقدير المقادير. ويرحم الله القائل حيث قال: سبقت نبوته وآدم طينة * * فله الفخار على جميع الناس سبحان من خص النبي محمدا * * بفضائل تتلى بغير قياس ! تنبيهان الأول: ما اشتهر على الألسنة بلفظ: " كنت نبيا وآدم بين الماء والطين " قال ابن تميمة (4) والزركشي (5) والشيخ وغيرهم من الحفاظ: لا أصل له. وكذا: " كنت ولا آدم ولا ماء ولا طين ".
= الطبقات لابن قاضي شبهة 1 / 202 - 203، والأعلام 1 / 150، وميزان الاعتدال 1 / 52. (1) محمد بن الحسين بن عبد الله، أبو بكر الآجري: فقيه شافعي محدث. نسبته إلى آجر (من قرى بغداد) ولد فيها، وحدث ببغداد، قبل سنة 330 ثم انتقل إلى مكة، فتنسك، وتوفي فيها. له تصانيف كثيرة، منها " أخبار عمر بن عبد العزيز " و " أخلاق حملة القرآن " و " أخلاق العلماء " و " التفرد والعزلة " و " حسن الخلق " و " الشبهات " و " تغير الأزمنة " و " النصيحة " و " كتاب الأربعين حديثا " و " كتاب الشريعة " وغير ذلك. الأعلام 6 / 97، ووفيات الأعيان 1 / 488. (2) سعيد بن أبي عن يعلى بن مرة وعنه عبد الله بن عثمان بن حثيم له عندهما حديثان، الخلاصة 1 / 378.
(3) عطاء بن أبي رباح القرشي، مولاهم أبو محمد الجندي اليماني، نزيل مكة وأحد الفقهاء والأئمة. عن عثمان، وعتاب بن أسيد مرسلا، وعن أسامة بن زيد، وعائشة، وأبي هريرة وأم سلمة وعروة بن الزبير وطائفة. وعنه أيوب وحبيب بن أبي ثابت، وجعفر بن محمد وجرير بن حازم، وانب جريج وخلق. قال ابن سعد: كان ثقة عالما كثير الحديث، انتهت إليه الفتوى بمكة وقال أبو حنيفة: ما لقيت أفضل من عطاء. وقال ابن عباس - وقد سئل عن شئ - يا أهل مكة تجتمعون علي وعندكم عطاء. وقيل: إنه حج أكثر من سبعين حجة. قال حماد بن سلمة: حججت سنة مات عطاء سنة أربع عشرة ومائة، انظر الخلاصة 2 / 230. (4) أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الخضر النميري الحراني الدمشقي الحنبلي، أبو العباس، تقي الدين ابن تيمية: الإمام، شيخ الإسلام. ولد في حران وتحول به أبوه إلى دمشق فنبغ واشتهر. وطلب إلى مصر من أجل فتوى أفتى بها، فقصدها، فتعصب عليه جماعة من أهلها فسجن مدة، ونقل إلى الإسكندرية. ثم أطلق فسافر إلى دمشق سنة 712 ه، وأطلق، ثم أعيد، ومات معتقلا بقلعة دمشق، فخرجت دمشق كلها في جنازته. كان كثير البحث في فنون الحكمة، داعية إصلاح في الدين. آية في التفسير والأصول، فصيح اللسان، قلمه ولسانه متقاربان. وفي الدرر الكامنة أنه ناظر العلماء واستدل وبرع في العلم والتفسير وأفتى ودرس وهو دون العشرين. أما تصانيفه ففي الدرر أنها ربما تزيد على أربعة آلاف كراسيه، وفي فوات الوفيات أنها تبلغ ثلاثمائة مجلد، منها " الجوامع " في السياسة الإلهية والآيات النبوية، ويسمى " السياسة الشرعية " و " الفتاوى " خمسة مجلدات، و " الإيمان " و " الجمع بين النقل والعقل " " منهاج السنة " و " الفرقان بين أولياء الله وأولياء الشيطان " وغير ذلك توفي سنة 728 ه، الأعلام 1 / 144. (5) محمد بن بهادر بن عبد الله، العالم العلامة، المصنف المحرر، بدر الدين أبو عبد الله المصري، الزركشي. مولده سنة خمس وأربعين أخذ عن الشيخين جمال الدين الإسنوي وسراج الدين البلقيني، ورحل إلى حلب إلى شهاب الدين = *
[ 81 ]
الثاني: قال الإمام العلامة الحافظ شيخ الإسلام تقي الدين السبكي قدس الله تعالى روحه: لم يصب من فسر قوله صلى الله عليه وسلم: " كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد " (بأنه) سيصير
نبيا، لأن علم الله تعالى محيط بجميع الأشياء، ووصف النبي صلى الله عليه وسلم بالنبوة في ذلك الوقت ينبغي أن يفهم منه أنه أمر ثابت له في ذلك الوقت، ولو كان المراد بذلك مجرد العلم بما سيصير إليه في المستقبل لم تكن له خصوصية بأنه نبي وآدم بين الروح والجسد، لأن جميع الأنبياء يعلم الله نبوتهم في ذلك الوقت وقبله، فلا بد من خصوصية للنبي صلى الله عليه وسلم لأجلها أخبر أمته الخبر إعلاما لأمته، ليعرفوا قدره عند الله تعالى ثم قال: فإن قلت: النبوة وصف لازم أن يكون الموصوف به موجودا، وإنما يكون بعد بلوغ أربعين سنة، فكيف يوصف به قبل وجوده وقبل إرساله وإن صح ذلك فغيره كذلك ؟. قلت: قد جاء أن الله خلق الأرواح قبل الأجساد، فقد تكون الإشارة بقوله: " كنت نبيا " إلى روحه الشريفة أو إلى حقيقة من الحقائق، والحقائق تقصر عقولنا عن معرفتها وإنما يعلمها خالقها ومن أمده الله تعالى بنور إلهي، ثم إن تلك الحقائق يؤتي الله تعالى كل حقيقة منها ما يشاء في الوقت الذي يشاء، فحقيقة النبي صلى الله عليه وسلم قد تكون من قبل خلق آدم آتاها الله ذلك الوصف بأن يكون خلقها، مهيأة لذلك فأفاضه عليه من ذلك الوقت فصار نبيا وكتب اسمه على العرش وأخبر عنه بالرسالة ليعلم ملائكته وغيرهم كرامته عنده، فحقيقته موجودة في ذلك الوقت وإن تأخر جسده الشريف المتصف بها. واتصاف حقيقته بالأوصاف الشريفة المضافة عليه من الحضرة الإلهية إنما يتأخر البعث والتبليغ وكل ما له من جهة الله تعالى ومن جهة تأهل ذاته الشريفة صلى الله عليه وسلم وحقيقته معجل لا تأخر فيه، وكذا استنباؤه وإيتاؤه الحكم والنبوة، وإنما المتأخر تكونه وتنقله إلى أن ظهر صلى الله عليه وسلم. انتهى ملخصا. وأثر كعب السابق أول الباب الأول يؤيد ما قاله. وقال بعض العارفين: لما خلق الله الأرواح المدبرة للأجسام عند وجود حركة الفلك أول ما خلق الله الزمان بحركة، كان أول ما خلق روح محمد صلى الله عليه وسلم، ثم صدرت الأرواح عن الحركات الفلكية (1) فكان لها وجود في عالم الغيب دون عالم الشهادة، وأعلمه بالنبوة وآدم
* (هامش 1) * = الأذرعي بمغلطاي في الحديث، وسمع الحديث بدمشق وغيرها. قال بعض المؤرخين: كان فقيها أصوليا، أدبيا، وولي مشيخة خانقاه كريم الدين بالقرافة الصغرى، توفى في رجب سنة أربع وتسعين وسبعمائة. انظر ابن قاضي شبهة 3 / 167، 168. * (هامش 2) * (1) هذا الكلام لا دليل عليه وهذه مجرد دعوى جاء العلم ببطلانها. (*)
[ 82 ]
لم يكن، كما قال: " بين الروح والجسد " فاقتضى قوله: " كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد " أن يكون حقيقة، فإنه لا يكون العدم بين أمرين موجودين لانحصاره، والمعدوم لا يوصف بالحصر في شئ، ثم انتهى الزمان إلى وجود جسمه صلى الله عليه وسلم وارتباط الروح به، فظهر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بكليته جسما وروحا، فكان له الحكم أولا باطنا في جميع ما ظهر من الشرائع على يدي الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم، ثم صار له الحكم ظاهرا فنسخ كل شرع وإن كان الشرع واحدا وهو صاحب الشرع، فإنه قال: " كنت نبيا " ما قال: كنت إنسانا ولا كنت موجودا، وليست النبوة إلا بالشرع المقرر من عند الله تعالى، فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه صاحب النبوة قبل وجود الأنبياء في الدنيا.
[ 83 ]
الباب الرابع في تقدم أخذ الميثاق عليه، زاده الله تعالى شرفا وفضلا لديه روى ابن سعد (1) عن الشعبي (2) مرسلا قال: قال رجل: يارسول الله متى آستنبئت ؟ قال: " وآدم بين الروح والجسد حين أخذ مني الميثاق " (3). وروى أبو سهل القطان (4) في أماليه، عن سهل بن صالح الهمذاني، قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي: كيف صار محمد صلى الله عليه وسلم يتقدم الأنبياء وهو آخر من بعث ؟ قال: إن الله لما أخذ من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم، كان محمد صلى الله عليه وسلم أول من قال بلى. ولذلك صار يتقدم الأنبياء وهو آخر من بعث.
قال الحافظ ابن رجب في اللطائف: وخبر الشعبي يدل على أنه من حين صور آدم طينا أستخرج وأخذ منه صلى الله عليه وسلم ونبئ وأخذ منه الميثاق، ثم أعيد إلى ظهر آدم حتى يخرج وقت خروجه الذي قد رأيت خروجه فيه، فهو أولهم خلقا، وآخرهم بعثا، وهو آخر النبيين باعتبار أن زمانه تأخر عنهم. لا يقال: خلق آدم قبله، لأن آدم كان حينئذ هواء لا روح فيه، ومحمد صلى الله عليه وسلم كان حيا حين استخرج ونبئ وأخذ منه الميثاق، ولا يقال إن استخراج ذرية آدم منه كان بعد نفخ الروح فيه، كما دل عليه أكثر الأحاديث والذي تقرر أنه استخرج ونبئ قبل نفخ الروح في آدم، لأنه صلى الله عليه وسلم خص باستخراجه من ظهر آدم قبل نفخ الروح فيه فإن محمدا صلى الله عليه وسلم هو المقصود من خلق النوع الإنساني، وهو عينه وخلاصته. ويستدل بخبر الشعبي وغيره مما تقدم في الباب السابق على أنه صلى الله عليه وسلم ولد نبيا، فإن نبوته وجبت له حين أخذ الميثاق حيث استخرج من صلب آدم فكان نبيا حينئذ، ولكن كانت مدة خروجه إلى الدنيا متأخرة عن ذلك، وذلك لا يمنع كونه
(1) محمد بن سعد بن منيع الهاشمي مولاهم أبو عبد الله البصري، كاتب الواقدي، ونزيل بغداد، وصاحب الطبقات، وأحد الحفاظ الكبار الثقات المتحرين. عن الوليد بن مسلم وهشيم ومعن بن عيسى وابن عليه وخلق. وعنه (د) وابن أبي الدنيا وأحمد بن يحيى البلاذزي. قال الخطيب: كان من أهل العلم والفهم والعدالة، وحديثه يدل على صدقه فإنه يتحرى في كثير من روايته. قال ابن قهم: توفي ببغداد سنة ثلاثين ومائتين. الخلاصة 2 / 406. (2) عامر بن شراحيل الشعبي، أبو عمرو، ثقة مشهور فقيه فاضل، قال مكحول: ما رأيت أفقه منه، مات بعد المائة وله نحو من ثمانين. التقريب 1 / 387. (3) أخرجه ابن سعد 1 / 118. (4) أبو سهل القطان، الإمام المحدث الثقة، مسند العراق، أبو سهل، أحمد بن محمد بن عبد الله بن زياد بن عباد، القطان البغدادي. قال الخطيب: كان صدوقا أدبيا شاعرا، توفى في شعبان سنة خمسين وثلاثمائة وكان مولده في سنة تسع وخمسين ومائتين. انظر سير أعلام النبلاء 15 / 521 - 522. (*)
[ 84 ]
نبيا كمن تولى ولاية ويؤمر بالتصرف فيها في زمن مستقبل، فحكم الولاية ثابت له من حين ولايته وإن كان تصرفه يتأخر إلى حين مجئ الوقت. والأحاديث السابقة في باب تقدم نبوته صلى الله عليه وسلم صريحة في ذلك. والله سبحانه وتعالى أعلم.
[ 85 ]
الباب الخامس في كتابة أسمه الشريف مع اسم الله تعالى على العرش وسائر ما في الملكوت وما وجد على الحجارة القديمة في نقش اسمه صلى الله عليه وسلم قال الإمام العلامة خالد بن محمود بن جملة رحمه الله تعالى: لم يثبت أن غيره صلى الله عليه وسلم أثبت اسمه على العرش. روى الحاكم والطبراني عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي. قال وكيف عرفت محمدا ؟ قال: لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبا: لا إله إلا الله محمد رسول الله. فقلت: إنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك. قال: صدقت يا آدم ولولا محمد ما خلقتك " (1). قال الإمام الزاهد الشيخ إبراهيم الرقي رحمه الله تعالى: لو لم يتب عليه لبقي هو وذريته في دار السخط أبد الأبد. فما ظنك برجل واحد شمل العالمين كلهم بركته، حتى صولح به المتمردون ورزق به المحرمون وجبر به المنكسرون وأنقذ به المعذبون، ومن العجب أن ننتظر شفاعته في القيامة وقد سبقت شفاعته فينا وفي أبينا من أول دنيانا، فهو مطهر الباطن والظاهر مبارك الأول والآخر. وروى ابن أبي عاصم (2) في المسند وأبو نعيم عن أنس (3) رضي الله تعالى عنه أن الله
سبحانه تعالى قال لموسى: " يا موسى إن من لقيني وهو جاحد بمحمد صلى الله عليه وسلم أدخلته النار. فقال: من محمد ؟ قال يا موسى وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أكرم علي منه، كتبت اسمه مع اسمي في العرش قبل أن أخلق السماوات والأرض والشمس والقمر بألفي عام ".
(1) أخرجه الحاكم في المستدرك 2 / 615، والبيهقي في دلائل النبوة 5 / 489، والبداية والنهاية لابن كثير 1 / 81، 2 / 322. (2) أحمد بن عمرو بن أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني، أبو بكر بن أبي عاصم، ويقال له ابن النبيل: عالم بالحديث، زاهد رحالة، من أهل البصرة. ولي قضاء أصبهان سنة 269 - 282 ه. له نحو 300 مصنف، منها " المسند الكبير " نحو 50 ألف حديث، و " الآحاد والمثاني " نحو 20 ألف حديث، و " كتاب السنة " و " الديات " و " الأوائل " قيل: ذهبت كتبه بالبصرة في فتنة الزنج فأعاد من حفظه خمسين ألف حديث ! وقال الذهبي: وقع لنا جملة من كتبه، توفي سنة 287 ه. الأعلام 1 / 189. (3) أنس بن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجي، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، خدمه عشر سنين، صحابي مشهور، مات سنة اثنتين، وقيل ثلاث وتسعين، وقد جاوز المائة. التقريب 1 / 84. (*)
[ 86 ]
وروى ابن المنذر، عن محمد بن علي بن الحسين بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، أن آدم لما أكل من الشجرة عظم كربه واشتد ندمه علمه جبريل أن يقول دعاء ومنه: اللهم إني أسألك بجاه محمد عندك وكرامته عليك أن تغفر لي حطيئتي. ففعل آدم، فقال الله: يا آدم من علمك هذا ؟ قال: يا رب إنك لما نفخت في الروح. فذكر نحو الحديث الأول. وروي ابن أبي الدنيا (1) عن سعيد بن جبير (2) رحمه الله تعالى قال: اختصم ولد آدم: أي الخلق أكرم على الله ؟ فقال بعضهم: آدم خلقه الله بيده وأسجد له ملائكته. وقال آخر: بل الملائكة الذين لم يعصوا الله. فذكروا الكلام لآدم فقال: لما نفخ في الروح لم تبلغ قدمي. فاستويت جالسا فبرق العرش فنظرت فيه: محمد رسول لله. فذاك أكرم الخلق على الله عز
وجل. وروى ابن الجوزي بسند جيد لا بأس به، عن ميسرة رضي الله تعالى عنه قال: قلت يا رسول الله، متى كنت نبيا ؟ قال: " لما خلق الله الأرض واستوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وخلق العرش كتب على ساق العرش: محمد رسول الله خاتم الأنبياء. وخلق الله تعالى الجنة التي أسكنها آدم وحواء، فكتب اسمي على الأوراق والأبواب والقباب والخيام، وآدم بين الروح والجسد، فلما أحياه الله تعالى نظر إلى العرش فرأى اسمي، فأخبره الله تعالى أنه سيد ولدك. فلما غرهما الشيطان تابا واستشفعا باسمي إليه ". وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن يونس القرشي، حدثنا قريش بن أنس (3) حدثنا كليب أبو وائل (4) قال: غزونا في صدر هذا الزمان الهند، فوقعت في غيضة فإذا فيها شجر عليه ورد أحمر مكتوب فيه بالبياض: لا إله إلا الله محمد رسول الله. وروى ابن عساكر عن كعب الأحبار قال: إن الله أنزل على آدم عصيا بعدد الأنبياء
(1) عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان، ابن أبي الدنيا القرشي الأموي، مولاهم، البغدادي، أبو بكر: حافظ للحديث، مكثر من التصنيف. أدب الخليفة المعتضد العباسي، في حداثته، ثم أدب ابنه المكتفي. له مصنفات اطلع الذهبي على 20 كتابا منها، ثم ذكر أسماءها كلها، فبلغت 164 كتابا، منها " الفرج بعد الشدة " و " مكارم الأخلاق " و " ذم الملاهي " و " اليقين " و " الشكر " و " قرى الضيف " و " العقل وفضله " و " قصر الأمل " و " الإشراف في منازل الأشراف " و " العظمة " في عجائب الخلق، و " من عاش بعد الموت " و " ذم الدنيا " وكتاب " الجوع " و " ذم المسكر " و " الرقة والبكاء " و " الصمت " وغير ذلك. مولده ووفاته ببغداد الأعلام 4 / 118، تذكرة 2 / 18 وتاريخ بغداد 10 / 89. (2) سعيد بن جبير الأسدي مولاهم، الكوفي، ثقة ثبت فقيه، من الثالثة، وروايته عن عائشة وأبي موسى ونحوهما مرسله، قتل بين يدي الحجاج، سنة خمس وتسعين، ولم يكمل الخمسين، التقريب 1 / 292. (3) قريش بن أنس الأنصاري، ويقال الأموي، أبو أنس البصري، صدوق تغير بآخره: قدر ست سنين، من التاسعة، مات سنة ثمان ومائتين. التقريب 2 / 125. (4) كليب بن وائل البكري. عن عمه قيس. وعنه الثوري، وحفص بن غياث. وثقة ابن معين وضعفه أبو زرعة. له في (خ)
فرد حديث. الخلاصة 2 / 368. (*)
[ 87 ]
والرسل، ثم أقبل على ابنه شيث فقال يا بني أنت خليفتي من بعدي، فحذها بعمارة التقوى والعروة الوثقى، وكلما ذكرت الله فاذكر إلى جنبه اسم محمد صلى الله عليه وسلم، فإني رأيت اسمه مكتوبا على ساق العرش وأنا بين الروح والطين، ثم طفت في السماوات فلم أر في السماوات موضعا إلا رأيت اسم محمد مكتوبا عليه، وإن ربي أسكنني الجنة فلم أر في الجنة قصرا ولا غرفة إلا واسم محمد مكتوب عليه، ولقد رأيت اسم محمد على نحور الحور العين وعلى ورق قصب آجام الجنة، وعلى ورق شجرة طوبى وعلى ورق سدرة المنتهى، وعلى أطراف الحجب وبين أعين الملائكة، فأكثر ذكره فإن الملائكة تذكره في كل ساعاتها. وروى ابن عساكر في تاريخ دمشق وابن العديم (1) في تاريخ حلب، عن أبي الحسين على بن عبد الله الهاشمي الرقي، رحمه الله تعالى قال: دخلت بلاد الهند فرأيت في بعض قراها شجر ورد أسود فيفتح عن وردة كبيرة طيبة الرائحة سوداء مكتوب عليها بخط أبيض: لا إله إلا الله محمد رسول الله. أبو بكر الصديق. عمر الفاروق. فشككت في ذلك وقلت إنه معمول، فعمدت إلى حبة لم تفتح فرأيت فيها كما رأيت في سائر الورد، وفي البلد منه شئ كثير وأهل تلك القرية يعبدون الحجارة. وفي مسالك الأبصار ذكر ابن سعيد المغربي (2) أنه أخبره من دخل الهند رأى في غيضة بنواحي بالكين، وهي قصبة الهند، شجرة عظيمة لها ورد أحمر فيه مكتوب ببياض: لا إله إلا الله محمد رسول الله. ونقل القاضي عن السمطاوي رحمه الله تعالى أنه شاهد في بعض بلاد خراسان مولودا ولد على أحد جنبيه مكتوب: لا إله إلا الله، وعلى الآخر: محمد رسول الله. وقال الشيخ عبد الله اليافعي في كتاب " روض الرياحين " قال بعض الشيوخ: دخلت
(1) عمر بن أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة العقيلي، كمال الدين بن العديم: مؤرخ، محدث، من الكتاب. ولد بحلب،
ورحل إلى دمشق وفلسطين والحجاز والعراق، وتوفى بالقاهرة. من كتبه " بغية الطلب في تاريخ حلب " كبير جدا، اختصره في كتاب آخر سماه " زبدة الحلب في تاريخ حلب " المجلد الأول منه، و " سوق الفاضل " وغير ذلك. توفي سنة 660 ه. الأعلام 5 / 40. (2) عبد الله بن أسعد بن علي بن سليمان بن فلاح، الشيخ الإمام القدوة، العارف، الفقيه، العالم، شيخ الحجاز، عفيف الدين أبو محمد اليافعي، اليمني، ثم المكي. ولد قبل السبعمائة بقليل، وكان من صغره ملازما لبته، تاركا لما يشتغل به الأطفال من اللعب، فلما رأى والده آثار الفلاح ظاهرة، بعث به إلى عدن فاشتغل بالعلم. أخذ عن العلامة أبي عبد الله البصال وشرف الدين الحرازي قاضي عدن ومفتيها، وعاد إلى بلاده وحبب إليه الخلوة والانقطاع والسياحة في الجبال. وصحب شيخه الشيخ علي المعروف بالطواشي، وهو الذي سلكه الطريق. ثم لازم العلم وحفظ الحاوي الصغير، والجمل للزجاجي، ثم جاور بمكة وتزوج بها، وقرأ الحاوي على قاضيها القاضي نجم الدين الطبري، وسمع الحديث. توفى بمكة في جمادى الآخرة سنة ثمان وستين وسبعمائة، ودفن بمقبرة باب المعلى جوار الفضيل بن عياض. واليافعي نسبة إلى قبيلة من قبائل اليمن من حمير. الطبقات لابن قاضي شهبة 3 / 95 - 96، والأعلام 4 / 198. (*)
[ 88 ]
بلاد الهند فرأيت فيها شجرة تحمل ثمرا يشبه اللوز له قشران، فإذا كسر خرج منه ورقة خضراء مكتوب عليها بالحمرة: لا إله إلا الله. كتابة جلية، وهم يتبركون بها ويستقون بها إذا منعوا من الغيث. فحدثت بها أبا يعقوب الصياد فقال لي: ما أستعظم هذا، كنت أصطاد على نهر الأبلة فاصطدت سمكة مكتوب على جنبها الأيمن: لا إله إلا الله. وعلى جنبها الأيسر: محمد رسول الله. فلما رأيتها قذفتها في الماء احتراما لها. الأبلة بضم الهمزة والباء الموحدة وتشديد اللام: بلد معروف قرب البصرة. وروى الخطيب (1) في تاريخه، عن عبد الرحمن بن هارون المغربي رحمه الله تعالى قال: ركبت بحر المغرب فوصلنا إلى موضع يقال له السوطون، وكان معنا غلام صقلي ومعه سنارة فدلاها في البحر فصاد سمكة قدر شبر، فنظرنا فإذا مكتوب على أذنها الواحدة: لا إله إلا الله. وفي قفاها وخلف أذنها الأخرى: محمد رسول الله. وكان أبين من نقش على
حجر، وكانت السمكة بيضاء والكتابة سوداء كأنها كتابة بحبر. فقذفناها في البحر. وروى أبو الشيخ في العظمة عن جعفر بن عرفة رحمه الله تعالى قال: كنت في البحر في مركب فظهرت لنا سمكة بيضاء وإذا على قفاها مكتوب بسواد أشد سوادا من الحبر: لا إله إلا الله محمد رسول الله. وروى ابن عساكر من طريق الحسن (2) عن سلمان قال: قال عمر بن الخطاب رضي
(1) أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي. أحد حفاظ الحديث وضابطيه المتقنين. ولد في جمادى الآخرة سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، تفقه على القاضي أبي الطيب الطبري وأبي الحسن المحاملي، واستفاد من الشيخ أبي إسحاق الشيرازي وأبي نصر بن الصباغ. وشهرته في الحديث تغني عن الإطناب في ذكر مشايخه فيه وتعداد البلدان التي رحل إليها وسمع فيها، وذكر مصنفاته في ذلك فإنها تزيد على ستين مصنفا، منها تأريخ بغداد. وقال ابن ماكولا: كان أحد الأعيان ممن شاهدناه معرفة، وحفظا، وإتقانا، وضبطا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفننا في علله وعلما بصحيحه، وغريبه، وفرده، ومنكره. قال: ولم يكن للبغداديين بعد الدار قطني مثله. وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: كان أبو بكر الخطيب يشبه الدار قطني ونظرائه في معرفة الحديث وحفظه. وقال ابن السمعاني: كان مهيبا، وقورا، ثقة، متحريا، حجة، حسن الخط، كثير الضبط، فصيحا، ختم به الحفاظ. وقال غيره: كان يتلو في كل يوم وليلة ختمة. وكان حسن القراءة، جهوري الصوت. توفي في ذي الحجة سنة ثلاث وستين وأربعمائة. ودفن إلى جانب بشر الحافي. وقال ابن خلكان: سمعت أن الشيخ أبا إسحاق ممن حمل جنازته لأنه انتفع به كثيرا، وكان يراجعه في الأحاديث التي يودعها كتبه. الطبقات لابن قاضي شهبة 1 / 240 - 241، والأعلام 1 / 166، ووفيات الأعيان 1 / 76، وتذكرة الحفاظ 3 / 1135. (2) الحسن بن أبي الحسن البصري مولى أم سلمة والربيع بنت النضر أو زيد بن ثابت أبو سعيد الإمام أحد أئمة الهدى والسنة، رمي بالقدر، ولا يصح. عن جندب بن عبد الله وأنس وعبد الرحمن بن سمرة ومعقل بن يسار وأبي بكرة وسمرة. قال سعيد: لم يسمع منه وأرسل عن خلق من الصحابة. وروى عنه أيوب وحميد ويونس وقتادة ومطر الوراق وخلائق. قال ابن سعد: كان عالما جامعا رفيعا ثقة مأمونا عابدا ناسكا كثير العلم فصيحا جميلا وسيما، ما أرسله فليس بحجة. وكان الحسن شجاعا من أشجع أهل زمانه، وكان عرض زنده شبرا. قال ابن علية: مات سنة عشر ومائة.
قيل: ولد سنة إحدى وعشرين لسنتين بقيتا من خلافة عمر. الخلاصة 1 / 211. (*)
[ 89 ]
الله عنه لكعب الأحبار: أخبرنا عن فضائل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مولده. قال: نعم يا أمير المؤمنين قرأت إن إبراهيم الخليل وجد حجرا مكتوبا عليه أربعة أسطر: الأول: أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني. والثاني: أنا الله لا إله إلا أنا محمد رسولي طوبى لمن آمن به واتبعه. والثالث: إني أنا الله لا إله إلا أنا من اعتصم بي نجا. والرابع: إني أنا الله لا إله إلا أنا الحرم لي والكعبة بيتي، من دخل بيتي أمن من عذابي. وروى أبو نعيم عن طلحة رضي الله تعالى عنه قال: وجد في البيت حجر منقور في الهدمة الأولى، فدعي رجل فقرأه فإذا فيه: عبدي المنتخب المتوكل المنيب المختار، مولده بمكة ومهاجره طيبة، لا يذهب حتى يقيم السنة العوجاء ويشهد أن لا إله إلا الله، أمته الحمادون يحمدون الله بكل أكمة يأتزرون على أوساطهم ويطهرون أطرافهم. وروى البيهقي عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: بلغني في قول الله تعالى: (وكان تحته كنز لهما) أن الكنز كان لوحا من ذهب مكتوب فيه: عجبا لمن أيقن بالموت كيف يفرح، عجبا لمن أيقن بالحساب كيف يضحك، عجبا لمن أيقن بالقدر كيف يحزن، عجبا لمن يرى الدنيا وزوالها وتقلبها بأهلها كيف يطمئن لها، لا إله إلا الله محمد رسول الله. وروى البزار (1) عن أبي ذر (2) نحوه، ولهذا تتمة في باب شرح أسمائه صلى الله عليه وسلم.
(1) أحمد بن عمرو بن عبد الخالق أبو بكر البزار: حافظ من العلماء بالحديث. من أهل البصرة. حدث في آخر عمره بأصبهان وبغداد والشام، وتوفي في الرملة. له مسندان أحدهما كبير سماه " البحر الزاخر " والثاني صغير. الأعلام 1 / 189، ميزان الاعتدال 1 / 59. (2) أبو ذر الغفاري، أحد النجباء. في اسمه أقوال أشهرها جندب بن جنادة له مائتا حديث وأحد وثمانون حديثا، اتفقا على اثني عشر، وانفرد (خ) بحديثين، و (م) بتسعة عشر. وعنه ابن عباس وأنس والأحنف وأبو عثمان النهدي وخلق. وقال أبو داود: كان يوازي ابن مسعود في العلم. ومناقبه كثيرة. قال ابن المدائني: مات بالربذة سنة اثنتين وثلاثين. الخلاصة
3 / 215. (*)
[ 90 ]
الباب السادس في أخذ الميثاق على النبيين، آدم فمن دونه من الأنبياء أن يومنوا به صلى الله عليه وسلم وينصروه إذا بعث فيهم قال الله تعالى: و (إذ) نصب بمصدر محذوف (أخذ الله ميثاق النبيين) عهدهم (لما) بفتح اللام للابتداء أو دخلت لتوكيد معنى القسم، لأن أخذ الميثاق قسم في المعنى. وبكسرها متعلقة بأخذ، وما موصولة على الوجهين أي الذي (آتيتكم) وفي قراءة: آتيناكم (من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم) أي من الكتاب والحكمة، وهو محمد صلى الله عليه وسلم (لتؤمنن به ولتنصرنه) جواب القسم، أي إن أدركتموه، وأممهم تبع لهم في ذلك. قال الله تعالى لهم: (أأقررتم) بذلك (وأخذتم) قبلتم ووافقتم (على ذلكم إصري) عهدي (قالوا أقررنا. قال فاشهدوا) أي فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار واشهدوا: خطاب للملائكة (وأنا معكم من الشاهدين) عليكم وعليهم (فمن تولى) أعرض (بعد ذلك) الثبات (فأولئك هم الفاسقون) أي الخارجون عن طاعة. روى ابن ابي حاتم عن السدي (1) في الآية قال: لم يبعث الله نبيا قط من لدن نوح إلا أخذ ميثاقه ليؤمنن بمحمد صلى الله عليه وسلم وينصره إن أرد كه وخرج وهم أحياء. وروى ابن جرير (2)، عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في الآية قال: لم يبعث الله نبيا، آدم فمن بعده، إلا أخذ عليه العهد في محمد صلى الله عليه وسلم: لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره بأخذ العهد على قومه. وروى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: ما بعث الله نبيا قط إلا أخذ عليه العهد: لئن بعث محمد صلى الله عليه وسلم وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره بأخذ الميثاق على أمته إن بعث
محمد صلى الله عليه وسلم وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه.
(1) إسماعيل بن عبد الرحمن السدي: تابعي، حجازي الأصل، سكن الكوفة. قال فيه ابن تغري بردي: " صاحب التفسير والمغازي والسير، وكان إماما عارفا بالوقائع وأيام الناس ". توفي سنة 128 ه. الأعلام 1 / 317. (2) محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب، أبو جعفر الطبري الآملي البغدادي. الإمام العلم صاحب التصانيف العظيمة والتفسير المشهور، مولده سنة أربع وعشرين ومائتين. أخذ الفقه عن الزعفراني والربيع المرادي. قال الخطيب: سمعت علي بن عبد الله اللغوي يقول: مكث ابن جرير أربعين سنة يكتب كل يوم أربعين ورقة. توفي في شوال سنة عشر وثلاثمائة عن ست وثمانين. الطبقات لابن قاضي شهبة 1 / 100 - 101. (*)
[ 91 ]
رواه البخاري في صحيحه. كما نقله الزركشي في شرح البردة، والحافظ ابن كثير (1) في تاريخه وأول كتابه جامع المسانيد، والحافظ في الفتح في باب حديث الخضر مع موسى، ولم أظفر به فيه، ورواه ابن عساكر بنحوه. قال الإمام العلامة الحافظ شيخ الإسلام تقي الدين السبكي قدس الله سره في هذه الآية من التنويه بالنبي صلى الله عليه وسلم وعظيم قدره ما لا يخفى أنه على تقدير مجيئه في زمانهم يكون مرسلا إليهم. فتكون نبوته ورسالته عامة لجميع الخلق من زمن آدم إلى يوم القيامة وتكون الأنبياء وأممهم كلهم من أمته، ويكون قوله صلى الله عليه وسلم: " بعثت إلى الناس كافة " (2) لا يختص به الناس في زمانه إلى يوم القيامة بل يتناول من قبلهم أيضا. وإنما أخذ المواثيق على الأنبياء ليعلموا أنه المقدم عليهم وأنه نبيهم ورسولهم. وفي (أخذ) وهي في معنى الاستخلاف، ولذلك دخلت لام القسم في (لتؤمنن به ولتنصرنه) لطيفة أخرى، وهي كأنها البيعة التي تؤخذ للخلفاء ولعل إيمان الخلفاء أخذت من هذا، فانظر إلى هذا التعظيم للنبي صلى الله عليه وسلم من ربه. فإذا عرفت هذا فالنبي صلى الله عليه وسلم نبي الأنبياء، ولهذا أظهر ذلك في الآخرة جميع الأنبياء تحت لوائه. وفي الدنيا كذلك ليلة الإسراء صلى بهم، ولو اتفق مجيئه في زمن آدم ونوح
وإبراهيم وموسى وعيسى وجب عليهم وعلى أممهم الإيمان به صلى الله عليه وسلم ونصرته. ولذلك أخذ الله الميثاق عليهم، فنبوته صلى الله عليه وسلم ورسالته إليهم معنى حاصل له. وإنما أمره يتوقف على اجتماعهم معه، فتأخر الأمر راجع إلى وجودههم لا إلى اتصافه بما يقتضيه. وفرق بين توقف الفعل
(1) إسماعيل بن كثير بن ضوء بن كثير بن ضوء بن ذرع، القرشي، البصروي، الدمشقي. مولده سنة إحدى وسبعمائة، وتفقه على الشيخين برهان الدين الفزاري وكمال الدين بن قاضي شهبة، ثم صاهر الحافظ أبا الحجاج المزي ولازمه، وأخذ عنه، وأقبل على علم الحديث، وأخذ الكثير عن ابن تيمية، وقرأ الأصول على الأصفهاني، وسمع الكثير، وأقبل على حفظ المتون، ومعرفة الأسانيد والعلل والرجال والتأريخ، حتى برع في ذلك وهو شاب. وصنف في صغره " كتاب الأحكام على أبواب التنبيه "، ووقف عليه شيخه برهان الدين وأعجبه، وصنف التأريخ المسمى بالبداية والنهاية والتفسير. وصنف كتابا في جمع المسانيد العشرة، واختصر تهذيب الكمال وأضاف إليه ما تأخر في الميزان سماه التكميل، وطبقات الشافعية ورتبه على الطبقات، وله تصانيف مفيدة. وقال تلميذه الحافظ شهاب الدين بن حجي: كان أحفظ من أدركناه لمتون الأحاديث، وأعرفهم بجرحها، ورجالها، وصحيحها وسقيمها. وكان أقرانه وشيوخه يعترفون له بذلك. وكان يستحضر شيئا كثيرا من التفسير والتأريخ، قليل النسيان. وكان فقيها جيد الفهم، صحيح الذهن، يستحضر شيئا كثيرا، ويحفظ التنبيه إلى آخر وقت، ويشارك في العربية مشاركة جيدة، وينظم الشعر. وما أعرف أني اجتمعت به على كثرة ترددي إليه إلا وأفدت منه. توفي في شعبان سنة أربع وسبعين وسبعمائة، ودفن بمقبرة الصوفية عند شيخه ابن تيمية. الطبقات لابن قاضي شهبة 3 / 85 - 86، والدارس 1 / 36، والبدر الطالع 1 / 153، وشذرات الذهب 6 / 231. (2) أخرجه أحمد في المسند 3 / 304، والبيهقي 2 / 433، ومجمع الزوائد 8 / 259، 261، والطبراني في الكبير 12 / 413، وابن سعد في الطبقات 1 / 1 / 128. (*)
[ 92 ]
على قبول المحمل وتوقف أهلية الفاعل، فهنا لا توقف من جهة الفاعل ولا من جهة ذات النبي صلى الله عليه وسلم الشريفة، وإنما هو من جهة وجود العصر المشتمل عليه، فلو وجد في عصرهم لزمهم أتباعه بلا شك، ولهذا يأتي عيسى صلى الله عليه وسلم في آخر الزمان على شريعته صلى الله عليه وسلم، وهو نبي
كريم، لا كما يظن بعض الناس أنه يأتي واحدا من هذه الأمة، نعم هو واحد من هذه الأمة لما قلنا من اتباعه للنبي صلى الله عليه وسلم وإنما يحكم بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن والسنة، فكل ما فيهما من أمر ونهي فهو متعلق به كما يتعلق بسائر هذه الأمة، وهو نبي كريم على حاله لم ينقص منه شئ ولذلك لو بعث النبي صلى الله عليه وسلم في زمانه أو زمان موسى وإبراهيم ونوح وآدم كانوا مستمرين على نبوتهم ورسالتهم إلى أممهم، والنبي صلى الله عليه وسلم نبي الله ورسوله إلى جميعهم، فنبوته ورسالته أعم وأشمل وأعظم، ويتفق مع شرائعهم في الأصول لأنها لا تختلف، وتقدم شريعته فيما عساه يقع الاختلاف فيه من الفروع، إما على سبيل التخصيص وإما على سبيل النسخ أو لا نسخ ولا تخصيص بل تكون شريعة النبي في تلك الأوقات بالنسبة إلى تلك الأمم مما جاءت به أنبياؤهم، وفي هذا الوقت بالنسبة إلى هذه الأمة الشريفة، والأحكام تختلف باختلاف الأشخاص والأوقات. انتهى كلامه رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فإن قيل: قال الله سبحانه وتعالى: (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتدة). فالجواب: بأن هداهم من الله وهو شرعه صلى الله عليه وسلم، أي الزم شرعك الذي ظهر به نوابك، من إقامة الدين وعدم التفرقة فيه ولم يقل الله بهم اقتدة وكذا قال تعالى (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا) وهو الدين، فهو صلى الله عليه وسلم مأمور باتباع الدين، فإن أصل الدين إنما هو من الله تعالى لا من غيره، وأين هذا من قوله صلى الله عليه وسلم باتباع الدين لا باتباع الأنبياء، فإن السلطان الأعظم إذا حضر لا يبقى لنائب من نوابه حكم إلا له، فإذا غاب حكم النواب بمراسيمه، فهو الحاكم في الحقيقة غيبة وشهادة. فإنك شمس والملوك كواكب * * إذا ظهرت لم يبد منهن كوكب (1) وقد أشار إلى ذلك المعنى البوصيري (2)، وتوفي قبل مولد السبكي رحمهما الله تعالى.
(1) القصيدة مطلعها: أتاني - أبيت اللعن - أنك لمتني * * وتلك التي أهتم منها وأنصب (2) محمد بن سعيد بن حماد بن عبد الله الصنهاجي البوصيري المصري، شرف الدين، أبو عبد الله: شاعر، حسن
الديباجة، مليح المعاني، ووفاته بالإسكندرية. له " ديوان شعر " توفي سنة 696 ه، الأعلام 6 / 139، وفوات الوفيات 2 / 205. (*)
[ 93 ]
وكل آي أتى الرسل الكرام بها * * فإنما اتصلت من نوره بهم فإنه شمس فضل هم كواكبها * * يظهرون أنوارها للناس في الظلم
[ 94 ]
الباب السابع في دعاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام به صلى الله عليه وسلم وإعلام الله به إبراهيم وآله قال الله سبحانه وتعالى حاكيا عن إبراهيم: (ربنا وابعث فيهم رسولا) أي في جماعة الأمة المسلمة من أولادهما، أو هم أهل مكة (رسولا منهم) من أنفسهم يعني محمدا صلى الله عليه وسلم (يتلو) يقرأ (عليهم آياتك) كتابك يعني القرآن (ويعلمهم الكتاب) أي القرآن (الحكمة) أي مواعظه وما فيه من الأحكام، أو هي العلم والعمل (ويزكيهم) يطهرهم من الذنوب ويشهد لهم بالعدالة إذا شهدوا للأنبياء بالبلاغ (إنك أنت العزيز) الغالب (الحكيم) في صنعه. روى ابن جرير عن أبي العالية (1) رحمه الله تعالى قال: لما قال إبراهيم: (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم) قيل له قد: استجيب لك، وهو كائن في آخر الزمان. وروى الإمام أحمد والحاكم عن العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنا دعوة (أبي) إبراهيم وبشارة عيسى " (2). وروى ابن عساكر عن عبادة بن الصامت (3) رضي الله تعالى عنه قال، قيل يا رسول الله أخبرنا عن نفسك. قال: " نعم أنا دعوة أبي إبراهيم، وكان آخر من بشر بي عيسى ابن مريم " (4).
وروى الإمام أحمد وابن سعد والطبراني وابن مردويه (5) عن أبي أمامة (6) رضي الله
(1) رفيع بضم أوله مصغرا ابن مهران الرياحي بكسر المهملة مولاهم أبو العالية البصري مخضرم إمام من الأئمة، صلى خلف عمر، ودخل على أبي بكر. عن أبي وعلي وحذيفة، وعلية وخلق. وعنه قتادة وثابت وداود بن أبي هند بصريون وخلق. قال عاصم الأحول: كان إذا اجتمع عليه أكثر من أربعة قام وتركهم. قال مغيرة: أول من أذن بما وراء النهر أبو العالية. قال أبو خلدة: مات سنة تسعين وهو الصحيح. الخلاصة 1 / 331. (2) أخرجه الطبري في التفسير 1 / 435، والبيهقي في دلائل النبوة 1 / 69، وابن سعد في الطبقات 1 / 1 / 96، وابن كثير في البداية والنهاية 2 / 275، والبغوي في التفسير 1 / 111. (3) عبادة بن الصامت بن قيس الأنصاري الخزرجي، أبو الوليد المدني، أحد النقباء، بدري مشهور، مات بالرملة، سنة أربع وثلاثين وله اثنتان وسبعون، وقيل عاش إلى خلافة معاوية، التقريب 1 / 395. (4) أخرجه ابن عساكر في التاريخ 1 / 39، وذكره المتقي الهندي في كنز العمال (35479). (5) أحمد بن موسى بن مردوية الأصبهاني أبو بكر، ويقال له ابن مردوية الكبير: حافظ مؤرخ مفسر، من أهل أصبهان، له كتاب " التاريخ " وكتاب في " تفسير القرآن " و " مسند " و " مستخرج " في الحديث. توفي سنة 410 ه. الأعلام 1 / 261، وشذرات الذهب 3 / 190. (6) صدي بن عجلان الباهلي أبو أمامة، صحابي مشهور، له مائتا حديث وخمسون حديثا. وعنه شهر بن حوشب، وخالد بن معدان، وسالم بن الجعد، ومحمد بن زياد الألهاني، وقال: كان لا يمر بصغير ولا كبير إلا سلم عليه. قال أبو اليمان مات سنة إحدى وثمانين بحمص. الخلاصة 1 / 473، 474. (*)
[ 95 ]
تعالى عنه قال: قلت: يا رسول الله ما كان بدء أمرك ؟ قال: " دعوة أبي إبراهيم، وبشر بي عيسى ابن مريم " (1). وروى ابن سعد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: لما أمر إبراهيم بإخراج هاجر حمل على البراق، فكان لا يمر بأرض عذبة سهلة إلا قال: أنزل ها هنا يا جبريل ؟ فيقول: لا. حتى أتى مكة فقال جبريل: إنزل يا إبراهيم. قال: حيث لا ضرع ولا زرع ؟ ! قال: نعم، ها هنا
يخرج النبي الكريم الذي من ذرية ابنك إسماعيل الذي تتم به الكلمة العليا. وروي أيضا عن محمد بن كعب القرظي (2) رحمه الله تعالى قال: لما خرجت هاجر بابنها إسماعيل تلقاها متلق فقال: يا هاجر إن ابنك أبو شعوب كثيرة، ومن شعبه النبي الأمي ساكن الحرم.
(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات 1 / 119. (2) محمد بن كعب القرظي المدني ثم الكوفي أحد العلماء. عن أبي الدرداء مرسلا وعن فضالة بن عبيد وعائشة وأبي هريرة. وعنه ابن المنكدر، ويزيد بن الهاد والحكم بن عتيبة. قال ابن عون: ما رأيت أحدا أعلم بتأويل القرآن من القرظي. وقال ابن سعد: كان ثقة ورعا كثير الحديث قيل: مات سنة تسع عشرة ومائة. وقيل: سنة عشرين. الخلاصة 2 / 453. (*)
[ 96 ]
الباب الثامن في بعض ما ورد في الكتب القديمة من ذكر فضائله صلى الله عليه وسلم ومناقبه العظيمة قال الله تعالى: (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل). وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: إنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم الموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: " يأيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله. ويفتح به أعينا عميا وقلوبا غلفا وآذانا صما " (1). رواه الإمام أحمد والبخاري. وروى نحوه ابن عساكر وابن الجوزي عن عبد الله بن سلام (2)، والدارمي (3) عن كعب.
" شاهدا " حال مقدرة من الكاف أو من الفاعل، أي مقدرا أو مقدرين شهادتك على من بعثت إليهم، أي مقبولا قولك عند الله فيهم وعليهم، كما يقبل قول الشاهد العدل في الحكم. " حرزا " بالمهملة المكسورة فالراء الساكنة فالزاي - أي حفظا " للأميين " أي للعرب لأن الكتابة عندهم قليلة. والأمي من لا يحسن الكتابة. وليس لليهود أن يتمسكوا بقوله " حرزا للأميين " على ما زعموا أنه صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى العرب خاصة، لأن قوله: " حتى يقيم الملة العوجاء " يشملهم لأنهم بدلوا وحرفوا وغيروا، فأرسل صلى الله عليه وسلم إليهم ليقيم عوجهم، وهل أحد أولى منهم بإقامة عوجهم ؟ !. " ليس بفظ " أي سيئ الخلق " ولا غليظ " أي شديد القول " ولا سخاب " بالسين
(1) أخرجه البخاري 4 / 402، كتاب البيوع باب كراهية السخب في الأسواق (2125). (2) عبد الله بن سلام مخفف ابن الحارث الإسرائيلي اليوسفي أبو يوسف حليف القواقل الخزرجي. أسلم مقدم النبي صلى الله عليه وسلم وشهد فتح بيت المقدس مع عمر، وروى خمسة وعشرين حديثا، شهد اله النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة. ونزل فيه (وشهد شاهد من بني إسرائيل)، وقوله تعالى: (ومن عنده علم الكتاب). وعنه ابنه يوسف وأبو هريرة وأنس. اتفقوا على أنه مات سنة ثلاث وأربعين بالمدينة. رضي الله عنه. الخلاصة 2 / 64. (3) عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام التميمي الدارمي السمرقندي، أبو محمد: من حفاظ الحديث. سمع بالحجاز والشام ومصر والعراق وخراسان من خلق كثير. واستقضي على سمرقند، فقضى قضية واحدة، واستعفى فأعفي. وكان عاقلا فاضلا مفسرا فقيها أظهر علم الحديث والآثار بسمرقند. له " المسند " في الحديث، الأعلام 95، وتذكرة الحفاظ 2 / 105. (*)
[ 97 ]
المهملة والخاء المعجمة المشددة من السخب وهو لغة ربيعة في الصخب، وهو رفع الصوت، أي لا كثيره بل ولا قليله، إذا المراد نفيه مطلقا. " الملة العوجاء " يعني ملة إبراهيم، لأن العرب غيرتها عن استقامتها فصارت كالعوجاء.
" غلفا " بضم الغين المعجمة وسكون اللام جمع أغلف وهو الشئ في غلاف وغشاء بحيث لا يوصل إليه. وعن رجل من الأعراب رضي الله تعالى عنه قال: قدمت المدينة حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت لألقين هذا الرجل فلأسمعن منه. فتلقاني بين أبي بكر وعمر يمشون، فتبعتهم حتى أتوا على رجل من اليهود ناشر التوراة يقرؤها يعزي بها نفسه عن ابن له في الموت كان من أحسن الفتيان وأجملهم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنشدك بالذي أنزل التوراة هل تجد في كتابك صفتي ومخرجي ". ؟ فقال برأسه هكذا. أي لا. فقال ابنه: والذي أنزل التوراة إنا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك، أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فقال: أقيموا اليهود عن أخيكم. ثم ولي كفنه والصلاة عليه. رواه الإمام أحمد (1). وعن عبد الله بن مسعود (2) رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل كنيسة فإذا هو بيهودي يقرأ عليهم التوراة، فلما أتوا على صفة النبي صلى الله عليه وسلم أمسكوا وفي ناحيتها مريض، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ما لكم أمسكتم " ؟ فقال المريض: إنهم أتوا على صفة نبي فأمسكوا. ثم جاء المريض حتى أخذ التوراة فقرأ حتى أتى على صفة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هذه صفتك وصفة أمتك، أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. ثم مات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لوا أخاكم " (3). رواه الإمام أحمد. وقال يعقوب بن سفيان (4): حدثنا فيض البجلي، حدثنا سلام بن مسكين (5)، عن مقاتل
(1) ذكره الهيثمي في المجمع 8 / 237 وعزاه لأحمد وقال أبو صخر لم أعرفه وبقية رجاله رجال الصحيح. (2) عبد الله بن مسعود بن غافل: بمعجمه وفاء، ابن حبيب الهذلي، أبو عبد الرحمن، من السابقين الأولين، ومن كبار العلماء من الصحابة، مناقبه جمة، وأمره عمر على الكوفة، ومات سنة اثنتين وثلاثين، أو في التي بعدها بالمدينة التقريب 1 / 450. (3) أخرجه في المسند 1 / 416، والبيهقي في دلائل النبوة 7 / 273، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 8 / 234،
وزاد نسبته للطبراني وقال: وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط. (4) هو يعقوب بن سفيان بن حسوان الفارسي والفسوي أبو يوسف: من كبار حفاظ الحديث من أهل فسا بإيران عاش بعيدا عن وطنه في طلب الحديث نحو ثلاث سنين وروى عن أكثر من ألف شيخ وتوفي بالبصرة له التاريخ الكبير توفي سنة 277 ه، الأعلام 8 / 198. (5) سلام بن مشكين بن ربيعة الأزدي أبو روح البصري محدث إمام عن الحسن وقتادة وثابت. وعنه يحيى القطان وابن مهدي، وأبو الوليد الطيالسي وأبو سلمة التبوذكي وثقة أحمد، وابن معين. مات سنة سبع وستين ومائة. الخلاصة 1 / 434. (*)
[ 98 ]
ابن حيان (1)، رحمه الله تعالى قال: أوحى الله تعالى إلى عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام: جد في بني إسرائيل ولا تهزل واسمع وأطع يا بن الطاهرة البكر البتول، إني خلقتك من غير فحل فجعلتك آية للعالمين، فإياي فاعبد وعلي فتوكل، فسر إلى أهل سورانية، بلغ (2) من بين يديك أني أنا الله الحي القائم الذي لا يزول، صدقوا النبي الأمي العربي صاحب الجمل والمدرعة والعمامة، وهي التاج، والنعلين والهراوة وهي القضيب، الجعد الرأس، الصلت الجبين، المقرون الحاجبين، الأكحل العينين، الأقنى الأنف، الواضح الخدين، الكث اللحية، عرقه في وجهه كاللؤلؤ، ريح المسك ينفح منه، كأن عنقه إبريق فضة، وكأن الذهب يجري في تراقيه، له شعرات من لبنه إلى سرته تجري كالقضيب ليس على صدره ولا على بطنه شعر غيره، شئن الكفين والقدمين إذا جامع الناس غمرهم، وإذا مشى كأنما يتقلع من الصخر ويتحدر في صبب ذو النسل القليل. " غمرهم " أي علاهم شرفا. وقوله: " ذو النسل القليل " أراد الذكور من صلبه صلى الله عليه وسلم. وروى البيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قدم الجارود بن عبد الله فأسلم وقال: والذي بعثك بالحق لقد وجدت وصفك في الإنجيل، ولقد بشر بك ابن البتول. وسميت مريم بذلك من قولهم: امرأة بتول أي منقطعة عن الرجال لا شهوة لها فيهم. وعن أبي موسى الأشعري (3) رضي الله عنه قال: سمعت النجاشي يقول: أشهد أن
محمدا رسول الله وأنه الذي بشر به عيسى، لولا ما أنا فيه من أمر الملك وما تحملت من أمر الناس لأتيته حتى أحمل نعليه (4). رواه أبو داود (5). وروى الترمذي في الشمائل عن كعب رحمه الله تعالى قال: نجد نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة: محمد بن عبد الله يولد بمكة ويهاجر إلى طابة، ويكون ملكه بالشام، وليس بفحاش ولا سخاب في الأسواق ولا يكافئ بالسيئة، ولكن يعفو ويغفر، أمته الحمادون
(1) مقاتل بن حيان بتحتانية البكري، مولاهم النبطي أبو بشطام البلخي الخراز أوله معجمة ثم مهملة. عن مجاهد وعروة وسالم. وعنه إبراهيم بن أدهم وابن المبارك. وثقه ابن معين. الخلاصة 3 / 53. (2) في أ: فبلغ. (3) عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار، أبو موسى الأشعري صحابي مشهور، أمره عمر ثم عثمان، وهو أحد الحكمين بصفين، مات سنة خمسين. وقيل بعدها. التقريب 1 / 441. (4) أخرجه أبو داود 2 / 230، كتاب الجنائز (3205). (5) سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد الأزدي، السجستاني، أبو داود، ثقة حافظ، مصنف السنن وغيرها، من كبار العلماء، من الحادية عشرة، مات سنة خمس وسبعين. التقريب 1 / 321. (*)
[ 99 ]
يحمدون الله في كل أمر ويكبرون الله على كل نجد، ويوضئون أطرافهم ويأتزرون في أوساطهم، يصفون في صلاتهم كما يصفون في قتالهم، دويهم في مساجدهم كدوي النحل يسمع مناديهم في جو السماء. النجد: ما ارتفع من الأرض. وروى أبو نعيم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن موسى لما نزلت عليه التوراة وقرأها فوجد فيها ذكر هذه الأمة قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة هم المستجيبون المستجاب لهم فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال يا رب أمة
أحمد، قال: يا رب إني أجد أمة يأكلون الفئ فاجعلها أمتي قال: تلك أمة أحمد قال: أمتي. قال: تلك أمة أحمد قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة إذا هم أحدهم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة واحدة، وإن عملها كتبت له عشر حسنات، فاجعلها أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة إذا هم أحدهم بسيئة فلم يعلمها يا رب إني أجد في الألواح أمة يؤتون العلم الأول والعلم الآخر، فيقتلون قرن الضلال المسيح الدجال فاجعلها أمتي قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب فاجعلني من أمة أحمد، فأعطي عند ذلك خصلتين. قال: (إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين) قال له قد رضيت " (1). وروى ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي قال أوحى الله تعالى إلى يعقوب عليه الصلاة والسلام: أني أبعث من ذريتك ملوكا وأنبياء حتى أبعث النبي الحرمي الذي تبني أمته هيكل بيت المقدس وهو خاتم الأنبياء واسمه أحمد. وروى أيضا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: أوحى الله تعالى إلى بعض أنبياء بني إسرائيل: اشتد غضبي علكيم من أجل ما ضيعتم من أمري، فإني حلفت لا يأتيكم روح القدس حتى أبعث النبي الأمي من أرض العرب الذي يأتيه روح القدس. وروى أبو نعيم عن كعب رحمه الله تعالى قال: كان أبي من أعلم الناس بما أنزل الله على موسى، وكان لم يدخر عني شيئا مما كان يعلم، فلما حضره الموت دعاني فقال لي: يا بني إنك قد علمت أني لم أدخر عنك شيئا أعلمه إلا أني قد حبست عنك ورقتين فيهما
(1) أخرجه أبو نعيم في الدلائل 1 / 14، وذكره السيوطي في الدر المنثور 1 / 124 وعزاه له. (*)
[ 100 ]
نبي يبعث قد أطل زمانه، فكرهت أن أخبرك بذلك، ف آمن عليك أن يخرج بعض هؤلاء الكذابين فتطيعه، وقد جعلتهما في هذه الكوة التي ترى وطينت عليهما فلا تتعرض لهما ولا تنظر فيهما حينك هذا، فإن الله إن يرد بك خيرا ويخرج ذلك النبي تبعته.
ثم إنه مات فدفناه، فلم يكن شئ أحب إلي من أن أنظر في الورقتين، ففتحت الكوة ثم استخرجت الورقتين فإذا فيهما: محمد رسول الله خاتم الأنبياء، لا نبي بعده، مولده بمكة ومهاجره بطيبة، ولا فظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ويجزي بالسيئة الحسنة، ويعفو ويصفح أمته الحمادون الذين يحمدون الله على كل حال، تذلل ألسنتهم بالتكبير، وينصر نبيهم على كل من ناوأه، ويغسلون فروجهم ويأتزرون على أوساطهم، أناجيلهم في صدورهم، وتراحمهم بينهم كتراحم بني الأم، وهم أول من يدخل الجنة يوم القيامة من الأمم. فمكثت ما شاء الله ثم بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قد خرج بمكة، فأخذت أستثبت ثم بلغني أنه توفي وأن خليفته قد قام مقامه، وجاءتنا جنوده، فقلت: لا أدخل في الدين حتى أنظر سيرتهم وأعمالهم، فلم أزل أدافع ذلك وأؤخره لأستثبت حتى قدم علينا عمال عمر بن الخطاب، فلما رأيتهم رأيت وفاءهم بالعهد وما صنع الله لهم على الأعداء، فعلمت أنهم هم الذين كنت أنتظر. فو الله إني ذات ليلة فوق سطحي فإذا رجل من المسلمين يتلو قول الله تعالى: (يأيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها) الآية. فلما سمعت هذه الآية خشيت أن لا أصبح حتى يحول وجهي في قفاي، فما كان شئ أحب إلي من الصباح فغدوت في المسلمين. ناوأه: أي ناهضه وعاداه. وروى ابن سعد عن سهل مولى عثمة إنه كان نصرانيا وكان يتيما في حجر أمه وعمه، وأنه كان يقرأ الإنجيل قال: فأخذت مصحفا لعمي فقرأته حتى مر بي ورقة فأنكرت كثافتها حين مرت بي، ومسستها بيدي ونظرت فإذا فضول الورقة ملصقة بغرا قال ففتشتها فوجدت فيها نعت محمد صلى الله عليه وسلم: أنه لا قصير ولا طويل أبيض ذو ضفيرتين بين كتفيه خاتم النبوة، يكثر الاحتباء (1)، ولا يقبل الصدقة، ويركب الحمار والبعير ويحلب الشاة، ويلبس قميصا مرفوعا، ومن فعل ذلك برئ من الكبر وهو من ذرية إسماعيل، اسمه أحمد.
قال سهل: فلما انتهيت إلى هذا من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم جاء عمي فلما رأى الورقة
(1) يقال: احتبى بالثوب: أداره على ساقيه وظهره وهو جالس، انظر المعجم الوسيط 1 / 154. (*)
[ 101 ]
ضربني وقال لي: مالك وفتح هذه الورقة وقراءتها ؟ ! فقلت: فيها نعت النبي أحمد صلى الله عليه وسلم فقال: إنه لم يأت بعد. وروي أيضا عن عبد الحميد بن جعفر (1)، عن أبيه، قال: كان الزبير بن باطا، وكان أعلم يهود يقول: إني وجدت سفرا وكان أبي يختمه علي فيه ذكر أحمد حتى يخرج بأرض القرظ صفته كذا وكذا، فتحدث به الزبير بعد أبيه والنبي صلى الله عليه وسلم لم يبعث، فما هو إلا أن سمع بالنبي صلى الله عليه وسلم قد خرج بمكة عمد إلى ذلك السفر فمحاه وكتم شأن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: ليس به. الزبير، بفتح الزاي كما هو ظاهر كلام القاموس. وروي أيضا عن وهب بن منبه (2) رحمه الله تعالى قال: أوحى الله إلى شعيا: إني باعث نبيا أميا أفتح به آذانا صما وقلوبا غلفا وأعينا عميا، مولده بمكة، ومهاجره بطيبة، وملكه بالشام، عبدي المتوكل المصطفى المرفوع، الحبيب المنتخب المختار، لا يجزى بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح ويغفر، رحيما بالمؤمنين، يبكي للبهيمة المثقلة، ويبكي لليتيم في حجر الأرملة، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ولا متزين بالفحش ولا قوال بالخنا لو يمر إلى جنب السراج لم يطفئه من سكينته، ولو يمشي على القصب الرعراع، يعني اليابس، لم يسمع من تحت قدميه، أبعثه مبشرا ونذيرا، أسدده لكل جميل وأهب له كل خلق كريم، أجعل السكينة لباسه والبر شعاره، والتقوى ضميره والحكمة معقوله، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمغفرة والمعروف خلقه، والعدل سيرته والحق شريعته، والهدى إمامه، والإسلام ملته وأحمد اسمه، أهدي به بعد الضلالة وأعلم به بعد الجهالة، وأرفع به بعد الخمالة، وأسمي به بعد النكرة، وأكثر به بعد القلة، وأغني به بعد العيلة وأجمع به بعد الفرقة، واؤلف به بين قلوب
وأهواء متشتتة وأمم مختلفة، واجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر، وتوحيدا لي وإيمانا بي وإخلاصا لي، وتصديقا بما جاءت به رسلي، وهم رعاة الشمس، طوبى لتلك القلوب والوجوه والأرواح التي أخلصت لي، ألهمهم التسبيح والتكبير والتحميد والتوحيد في مساجدهم ومجالسهم ومضاجعهم ومنقلبهم ومثواهم، يصفون في
(1) عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع الأنصاري المديني، الإمام المحدث الثقة، أبو سعد حدث عن: أبيه ونافع ومحمد بن عدن بن عطاء وسعيد المقبري وعم أبيه عمر بن الحكم ويزيد بن أبي حبيب وجماعة وعنه: يحيى القطان، وابن وهب، وغيرهم، مات عبد الحميد في سنة ثلاث وخمسين ومائة احتج به الجماعة سوى البخاري وهو حسن الحديث. انظر سير أعلام النبلاء 7 / 20، 21، 22. (2) وهب بن منبه بن كامل الأبناوي الصنعاني أبو عبد الله الأخباري. عن ابن عباس وجابر وأبي سعيد وطائفة. وعنه سماك بن الفضل وهمام بن نافع وخلق. وثقه النسائي. قال مسلم بن خالد: لبث وهب أربعين سنة لم يرقد على فراشه. قتله يوسف بن عمر سنة عشر ومائة. له في (خ) حديث. الخلاصة 3 / 138. (*)
[ 102 ]
مساجدهم كما تصف الملائكة حول عرشي، هم أوليائي وأنصاري، أنتقم بهم من أعدائي عبدة الأوثان، يصلون لي قياما وقعودا وسجودا، ويخرجون من ديارهم وأموالهم ابتغاء مرضاتي ألوفا فيقاتلون في سبيلي صفوفا وزحوفا، أختم بكتابهم الكتب وبشريعتهم الشرائع وبدينهم الأديان، فمن أدركهم فلم يؤمن بكتابهم ويدخل في دينهم وشريعتهم فليس مني وهو مني برئ، وأجعلهم أفضل الأمم وأجعلهم أمة وسطا شهداء على الناس، إذا غضبوا هللوني، وإذا قبضوا كبروني، وإذا تنازعوا سبحوني، يطهرون الوجوه والأطراف ويشدون الثياب إلى الأنصاف، ويهللون على التلال والأشراف، قربانهم دماؤهم، وأناجيلهم صدورهم، رهبان بالليل ليوثا بالنهار، ويناديهم مناديهم في جو السماء لهم دوي كدوي النحل. طوبى لمن كان معهم وعلى دينهم ومناهجهم وشريعتهم، ذلك فضلي أوتيه من أشاء وأنا ذو الفضل العظيم.
" القصب " بالقاف والصاد معروف. الرعراع: الطويل. قال ابن قتيبة (1): إذا طال القصب فهبت عليه أدنى ريح، أو مر به ألطف شخص: تحرك وصوت، فأراد عز وجل أن النبي صلى الله عليه وسلم وقور ساكن الطائر. " الخنا ": بفتح المعجمة والقصر: الفحش. وأعلم بهمزة مضمومة ولا م مشددة مكسورة. وروى البيهقي عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى قال: أوحى الله في الزبور إلى داود: يا داود إنه سيأتي من بعدك نبي اسمه أحمد ومحمد، صادقا لا أغضب عليه أبدا ولا يعصيني أبدا، وقد غفرت له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. الحديث. الأحاديث والآثار في ذلك كثيرة، أفردها بالتصنيف خلائق.
(1) عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، أبو محمد: من أئمة الأدب، ومن المصنفين المكثرين. ولد ببغداد وسكن الكوفة. ثم ولي قضاء الدينور مدة، فنسب إليها. وتوفي ببغداد. من كتبه " تأويل مختلف الحديث " و " أدب الكاتب " و " المعارف " وكتاب " المعاني " ثلاثة مجلدات، و " عيون الأخبار " و " الشعر والشعراء " و " الإمامة والسياسة " وللعلماء نظر في نسبته إليه، و " الأشربة " و " الرد على الشعوبية " و " فضل العرب على العجم " وغريب القرآن وغير ذلك توفي سنة 276، انظر الأعلام 4 / 137. (*)
[ 103 ]
الباب التاسع فيما أخبر به الأخبار والرهبان والكهان بأنه النبي المبعوث في آخر الزمان عن سلمان رضي الله تعالى عنه قال: كنت رجلا من أهل فارس، وفي رواية من أهل جي، وكان أبي دهقان رامهرمز، أي رئيسها، وكان يحبني حبا شديدا، حتى حبسني في البيت كما تحبس الجارية، واجتهدت في المجوسية حتى كنت قطن النار، أي خازنها وخادمها. وفي لفظ: وكان أهل قريتي يعبدون الخيل البلق، فكنت كذلك لا أعلم من أمر الناس شيئا إلا ما أنا فيه، وأعرف أنهم ليسوا على
شئ، وكان لي أخ أكبر مني. وفي لفظ: ابن صاحب رامهرمز، فكان إذا قام من مجلسه خرج فتقنع بثوبه ثم صعد الجبل، وكان يفعل ذلك غير مرة متنكرا، فقلت: أما إنك تفعل كذا وكذا، فلم لا تذهب بي معك ؟ قال: إنك غلام وأخاف أن يظهر منك شئ. قلت: لا تخف. قال: فإن في الجبل قوما في برطيل لهم عبادة وصلاح، يذكرون الله تعالى ويذكرون الآخرة، ويزعمون أنا عبدة الأوثان والأصنام وعبدة النيران على غير دين. قلت: فاذهب بي معك. قال: حتى استأمرهم وأنا أخاف أن يظهر منك شئ فيعلم أبي فيقتلهم فيجري هلاكهم على يدي. قال: قلت لا يظهر مني ذلك. فاستأمرهم. فقالوا جئ به فذهبت معه فانتبهت إليهم فإذا هم ستة أو سبعة، وكأن الروح خرجت منهم من العبادة، يصومون النهار ويقومون الليل يأكلون الشجر وما وجدوا، فقعدنا إليهم فحمدوا الله وأثنوا عليه وذكروا من مضى من الرسل والأنبياء حتى خلصوا إلى عيسى ابن مريم فقالوا: بعثه الله وولد بغير ذكر، بعثه رسولا وسخر له ما كان يفعل من إحياء الموتى وخلق الطير وإبراء الأكمة والأبرص، فكفر به قوم وتبعه قوم، وإنما كان عبد الله ورسوله ابتلى به خلقه. ثم قالوا: يا غلام إن لك ربا وإن لك معادا، وإن بين يديك جنة ونارا إليها تصير، وإن هؤلاء القوم الذين يعبدون النيران أهل كفر وضلالة لا يرضى الله بما يصنعون، وليسوا على دين. ثم انصرفنا ثم عدنا إليهم فقالوا مثل ذلك وأحسن، فلزمتهم فقالوا لي: يا سلمان إنك غلام، وإنك لا تستطيع أن تصنع ما نصنع، فصل ونم وكل واشرب. قال: فاطلع الملك على صنيع ابنه فركب في الخيل حتى أتاهم في برطيلهم فقال: يا هؤلاء قد جاورتموني فأحسنت جواركم ولم تروا مني سوءا فعمدتم (1) إلى ابني فأفسدتموه علي قد أجلتكم ثلاثا، فإن قدرت عليكم بعد ثلاث أحرقت عليكم برطيلكم هذا،
(1) في أ: فعهدتم. (*)
[ 104 ]
فالحقوا ببلادكم فإني أكره أن يكون مني إليكم سوء. قالوا: نعم ما تعمدنا مساءتك، وما أردنا إلا الخير.
فكف ابنه عن إتيانهم فقلت له: اتق الله، إنك تعرف أن هذا الدين دين الله، وأن أباك ونحن على غير دين، إنما هو عبدة النيران لا يعرفون الله، ولا تبع آخرتك بدنيا غيرك. قال: يا سلمان هو كما تقول، وإنما أتخلف عن القوم بقيا عليهم، إن تبعت القوم طلبني أبي في الخيل، وقد جزع من إتياني إياهم حتى طردهم، وقد أعرف أن الحق في أيديهم. قلت: أنت أعلم. ثم لقيت أخي فعرضت عليه فقال: أنا مشتغل بنفسي في طلب المعيشة. فأتيتهم في اليوم الذي يريدون أن يرتحلوا فيه فقالوا: يا سلمان قد كنا نحذر فكان ما رأيت، فأتق الله واعلم أن الدين ما أوصيناك به، وأن هؤلاء عبدة الأوثان لا يعرفون الله ولا يذكرونه ولا يخدعنك أحد عن ذلك. وفي رواية: وكان لأبي ضيعة عظيمة فشغل في بنيان له يوما فقال لي: يا بني إني قد شغلت في بنياني هذا اليوم عن ضيعتي، ولا بد لي من أطلاعها، فانطلق إليها فمرهم بكذا وكذا ولا تحتبس عني تشغلني عن كل شئ. فخرجت أريد ضيعته فمررت بكنيسة النصارى فسمعت أصواتهم فيها، فقلت ما هذا ؟ فقالوا: هؤلاء النصارى يصلون. فدخلت أنظر فأعجبني ما رأيت من حالهم، فوالله ما زلت جالسا عندهم حتى غربت الشمس وبعث أبي في طلبي في كل وجه حتى جئته حين أمسيت، ولم أذهب إلى ضيعته، فقال: أين كنت ؟ فقلت: يا أبتاه مررت بناس يقال لهم النصارى فأعجبني صلاتهم ودعاؤهم فجلست أنظر كيف يفعلون: فقال: أي بني دينك ودين آبائك خير من دينهم. فقلت: لا والله ما هو بخير من دينهم، وهؤلاء قوم يعبدون الله ويدعونه ونحن إنما نعبد نارا نوقدها بأيدينا إذا تركناها ماتت. فخافني فجعل في رجلي حديدا وحبسني عنده، فبعثت إلى النصارى فقلت لهم: أين أصل هذا الدين الذي أراكم عليه ؟ قالوا بالشام. فقلت: إذا قدم عليكم من هناك ناس وقضوا حوائجهم فآذنوني أي أعلموني: فلما قدم عليهم ناس وقضوا حوائجهم بعثوا إلي بذلك
فطرحت الحديد الذي كان في رجلي ولحقت بهم. ثم إن الملك أطلع على القوم الذين في الجبل فأمرهم بالخروج من بلاده فقلت: ما أنا بمفارقكم. فقالوا إنك لا تقدر أن تكون معنا نحن نصوم النهار ونقوم الليل ونأكل الشجر وما أصبنا، وأنت لا تستطيع ذلك. قلت: لا أفارقكم. قالوا: أنت أعلم، قد أعلمناك حالنا فإذا جئت
[ 105 ]
فاطلب أحدا يكون معك واحمل معك شيئا تأكله، فإنك لن تستطيع ما نستطيع نحن. ففعلت ولقيت أخي فعرضت عليه فأبى، فأتيتهم فتحملوا، فكانوا يمشون وأمشي معهم، فرزق الله السلامة حتى قدمنا الموصل، فأتينا بيعة بالموصل، فلما دخلوا حفوا بهم وقالوا: أين كنتم ؟ قالوا: كنا في بلاد لا يذكرون الله تعالى عبدة النيران، فطردونا فقدمنا عليكم. فلما كان بعد قالوا: يا شلمان إن ها هنا قوما في هذه الجبال هم أهل دين وإنا نريد لقاءهم فكن أنت ها هنا مع هؤلاء فإنهم أهل دين وستري منهم ما تحب. قلت: ما أنا بمفارقكم قال: وأوصوا بي أهل البيعة فقال أهل البيعة: أقم معنا يا غلام فإنه لا يعجزك شئ ببيعتنا. قال: قلت ما أنا بمفارقكم. فخرجوا وأنا معهم فأصبحنا بين جبال، فإنه صخرة وماء كثير في جرار وخبر كثير، فقعدنا عند الصخرة، فلما طلعت الشمس خرجوا من بين تلك الجبال: يخرج رجل رجلا من مكانه، كأن الأرواح انترعت منهم حتى كثروا فرحبوا بهم وحفوا وقالوا: أين كنتم ؟ قالوا: كنا ببلاد لا يذكرون الله تعالى، فيها عبدة النار وما يعبدون الله فيها، فطردونا. فقالوا: ما هذا الغلام ؟ فطفقوا يثنون علي وقالوا صحبنا من تلك البلاد فلم نر منه إلا خيرا. قال: فوالله إنهم لكذلك إذ طلع عليهم رجل من كهف طوال، فجاء حتى سلم عليهم وجلس فحفوا به وعظمه أصحابي الذين كنت معهم وأحدقوا به، فقال لهم: أين كنتم ؟ فأخبروه. فقال: ما هذا الغلام معكم ؟ فأثنوا علي خيرا وأخبروه باتباعي إياهم، ولم أر مثل إعظامهم إياه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر من أرسله الله تعالى من رسله وأنبيائه وما لقوا وما صنع بهم حتى ذكر عيسى ابن مريم وأنه ولد بغير ذكر، فبعثه الله رسولا وأجرى على يديه إحياء الموتى وإبراء
الأعمى والأبرص، وأنه يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله، وأنزل عليه الإنجيل وعلمه التوراة، وبعثه رسولا إلى بني إسرائيل فكفر به قوم وآمن به قوم. وذكر بعض ما لقي عيسى ابن مريم، وأنه إنما كان عبدا أنعم الله عليه فشكره ذلك له ورضي عنه. ثم وعظهم وقال: اتقوا الله والزموا ما جاء به عيسى ولا تخالفوا فيخالف بكم. ثم أراد أن يقوم فقلت: ما أنا بمفارقك فقال: يا غلام إنك لا تستطيع أن تكون معي، إني لا أخرج من كهفي هذا إلا كل يوم أحد. قلت: ما أنا بمفارقك. قال: فتبعته حتى دخل الكهف فما رأيته نائما ولا طاعما، إلا راكعا وساجدا إلى الأحد الآخر، فلما أصبحنا خرجنا واجتمعوا إليه، فتكلم نحو المرة الأولى ثم رجع إلى كهفه ورجعت معه. فلبثت ما شاء الله، يخرج كل يوم أحد ويخرجون إليه ويعظهم، ويوصيهم. فخرج في أحد فقال مثل ما كان يقول ثم قال: يا هؤلاء إني كبرت سني ورق عظمي واقترب أجلي وإنه لا عهد لي بهذا البيت من منذ كذا كذا، ولا بد لي من إتيانه. فقلت: ما أنا بمفارقك.
[ 106 ]
وخرجت معه حتى انتهيت إلى بيت المقدس فدخل فجعل يصلي، وكا فيما يقول لي: يا سلمان إن الله سوف يبعث رسولا اسمه أحمد يخرج بتهامة، وإنه يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة وهذا زمانه الذي يخرج فيه قد تقارب، فأما أنا فإني شيخ كبير ولا أحسبني أدركه، فإذا أدركته أنت فصدقه واتبعه. قلت وإن أمرني بترك دينك وما أنت عليه ؟ قال: نعم. ثم خرج من بيت المقدس، وعلى بابه مقعد، فقال: ناولني يدك. فناوله، فقال: قم باسم الله. فقام كأنما نشط من عقال فخلى عن يده، فانطلق ذاهبا وكان لا يلوي على أحد. فقال المقعد: يا غلام احمل علي ثيابي حتى أنطلق. فحملت عليه ثيابه وانطلق الراهب. فكلما سألت عنه قالوا: أمامك فسرت حتى قدمت الشام، فقلت: من أفضل هذا الدين ؟ فقيل
الأسقف صاحب الكنيسة، فجئته فقلت له: إني أحببت أن أكون معك في كنيستك وأعبد الله فيها معك وأتعلم منك الخير. قال: فكن معي، فكنت معه، وكان رجل سوء، كان يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها حتى إذا جمعوها إليه لم يعطها للمساكين، فأبغضته بغضا شديدا لما رأيت من حاله، فلم ينشب أن مات، فلما جاؤوا ليدفنوه قلت لهم: إن هذا رجل سوء كان يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها حتى إذا جمعتموها إليه اكتنزها ولم يعطها للمساكين، فقالوا: وما علامة ذلك ؟ قلت: أنا أخرج لكم كنزه. فقالوا: هاته. فأخرجت لهم سبع قلال مملوءة ذهبا وورقا، فلما رأوا ذلك رجموه بالحجارة وقالوا: لا ندفنه أبدا فصلبوه على خشبة ورموه بالحجارة. وجاؤوا برجل آخر فجعلوه مكانه، فلا والله ما رأيت رجلا قط يصلي الخمس أرى أنه أفضل منه وأشد اجتهادا ولا زهادة في الدنيا، ولا أدأب ليلا أو نهارا منه وما أعلمني أحببت شيئا قط حبه، فلم أزل معه حتى حضرته الوفاة فقلت له يا فلان قد حضرك ما ترى، وإني والله ما أحببت شيئا قط حبك فماذا تأمرني وإلى من توصيني ؟ فقال لي: أي بني والله ما أعلمه إلا رجلا بالموصل فائته فإنك ستجده على مثل حالي. فلما مات لحقت بالموصل فأتيت صاحبه فوجدته على مثل حاله من الاجتهاد والزهادة في الدنيا، فقلت له: إن فلانا أوصى بي إليك أن آتيك وأكون معك. فقال: فأقم عندي. فأقمت عنده على مثل أمر صاحبه، حتى حضرته الوفاة فقلت: إن فلانا أوصى بي إليك وقد حضرك من أمر الله ما ترى فإلى من توصيني ؟ قال: والله ما أعلمه أي بني إلا رجلا بنصيبين، وهو على مثل ما نحن عليه فالحق به. فلما دفناه لحقت بالآخر فقلت له: يا فلان إن فلانا أوصى بي إلى فلان وفلانا أوصى بي إليك. قال: فأقم عندي فأقمت عنده على مثل حالهم حتى حضرته الوفاة فقلت له: يا فلان إنه قد حضرك من أمر الله ما ترى، وقد كان فلان أوصى بي إلى فلان وأوصى بي فلان إلى فلان، وأوصى بي فلان إليك، فإلى من توصيني ؟
[ 107 ]
فقال: أي بني، والله ما أعلم أحدا على مثل ما كنا عليه إلا رجلا بعمورية من أرض الروم ائته
فإنك ستجده على مثل ما كنا عليه. فلما مات وواريته خرجت حتى قدمت على صاحب عمورية، فوجدته على مثل حالهم فأقمت عنده واكتسبت حتى كانت لي غنيمة وبقرات، ثم حضرته الوفاة، فقلت: يا فلان إن فلانا أوصى بي إلى فلان، وفلان أوصى بي إلى فلان، وفلان إلى فلان، وفلان إليك وقد حضرك ما ترى من أمر الله تعالى، فإلى من توصيني ؟ فقال: أي بني والله ما أعلم بقي أحد على مثل ما كنا عليه أمرك أن تأتيه، ولكنه قد أظلك زمان نبي يبعث من الحرم، مهاجره بين حرتين إلى أرض سبخة ذات نخل، وإن فيه علامات لا تخفى: بين كتفيه خاتم النبوة، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، فإن استطعت أن تخلص إلى تلك البلاد فافعل، فإنه قد أظلك زمانه. فلما واريناه أقمت حتى مرت رجال من تجار العرب من كلب، فقلت لهم: احملوني معكم حتى تقدموا بي أرض العرب فأعطيكم غنيمتي هذه وبقراتي ؟ قالوا: نعم. فأعطيتهم إياها فحملوني حتى إذا جاؤوا بي وادي القرى ظلموني فباعوني عبدا من يهودي بوادي القرى. فوالله لقد رأيت النخل وطمعت أن تكون البلد الذي نعت لي صاحبي، وما خفيت عني، حتى قدم رجل من بني قريظة من يهود بوادي القرى فابتاعني من صاحبي الذي كنت عنده، فخرج بي حتى قدم بي المدينة. وفي لفظ: فاشترتني امرأة من الأنصار فجعلتني في حائط لها. وفي رواية: اسمها خليسة بنت فلان حليف بني النجار. فو الله ما هو إلا أن رأيتها عرفتها، فعرفت نعته فأقمت في رقي مع صاحبي في نخلة. وفي رواية أنه مكث كذلك ستة عشر شهرا. قال: فوالله إني لفيها إذ جاء ابن عم له فقال: يا فلان، قاتل الله بني قيلة، فوالله إنهم الآن لفي قباء يجتمعون على رجل جاءهم من مكة يزعمون أنه نبي. فو الله ما هو إلا أن سمعتها فأخذتني العرواء يعني الرعدة حتى ظننت لأسقطن على صاحبي ونزلت أقول: ما هذا الخبر ؟ ما هو ؟ فرفع مولاي يده فلكمني لكمة شديدة وقال:
ما لك ولهذا ؟ أقبل على عملك. فقلت: لا شي إلا أنني سمعت خبرا فأحببت أن أعلمه. فخرجت وسألت فلقيت امرأة من أهل بلادي فسألتها، فإذا أهل بيتها قد أسلموا، فدلتني على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمسيت وكان عندي شئ من طعام فحملته وذهبت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بقباء فقلت: بلغني أنك رجل صالح، وأن معك أصحابا غرباء، وقد كان عندي شئ من الصدقة، فرأيتكم أحق من هذه البلاد فها هو ذا فكل. فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم يده وقال: لأصحابه كلوا ولم يأكل. فقلت في نفسي: هذه خلة مما وصف لي صاحبي.
[ 108 ]
وفي حديث بريدة عند أحمد أن سلمان جاء بمائدة بط وفي رواية: بلحم جزور مثرود وفي رواية: بخلال. فوضعها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما هذا يا سلمان ؟ " قال: صدقة عليك وعلى أصحابك. قال: " ارفعها فإنا لا نأكل الصدقة ". وجاءه من الغد بمثله فوضعه بين يديه فقال: " ما هذا يا سلمان قال: هدية لك " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: " انشطوا ". وذكر ابن إسحاق أنه جاءه بتمر وأخبره بأنه صدقة يأكله. قال: رجعت وتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فجمعت شيئا كان عندي أن تهب لي يوما، فعملت في ذلك اليوم على صاع أو صاعين من تمر، فجئت به النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رأيت أنه لا يأكل الصدقة سألت سيدتي أن تهب لي يوما آخر، فعملت فيه على ذلك ثم جئت به هدية للنبي صلى الله عليه وسلم فقبله وأكل منه. وفي الشمائل للترمذي أنه أتى بمائدة عليها رطب. فأكل رسول الله صلى عليه وسلم فقلت: هذه خلتان. ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتبع جنازة رجل من أصحابه وعليه شملتان وهو في أصحابه فاستدرت لأنظر الخاتم الذي في ظهره، وآني رسول الله صلى الله عليه وسلم استدبرته عرف أني أستثبت شيئا قد وصف لي، فرفع رداءه عن ظهره فنظرت إلى الخاتم بين كتفيه كما وصف لي صاحبي، فأكببت عليه أقبله وأبكي، فقال: تحول يا سلمان هكذا فتحولت فجلست
بين يديه فأحب أن يسمع أصحابه حديثي. فحدثته بمنزل كلثوم بن الهدم رضي الله تعالى عنه فقال: حدثني. فحدثته. ثم شغل سلمان الرق حتى فاته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدر وأحد. قال النووي رحمه الله تعالى: وأول مشاهده الخندق. قال سلمان: ثم قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: كاتب يا سلمان. فكاتبت على خمسمائة فسيلة (1). وفي رواية على ثلاثمائة ودية (2) أغرسها بالفقير وأقوم عليها حتى تطعم، وأربعين أوقية وأعانني أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنخل ثلاثين ودية وعشرين ودية وعشرا كل رجل على قدر.
(1) الفسيلة: النخلة الصغيرة تقطع من الأم أو تقلع من الأرض فتغرس، انظر المعجم الوسيط 2 / 696. (2) الودي: صغار الفسيل، انظر المعجم الوسيط 2 / 1034. (*)
[ 109 ]
ما عنده. فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فقر لها " فإذا فرغت فآذني حتى أكون أنا الذي أضعها بيدي ففقرت لها وأعانني أصحابي حت فرغنا منها، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فكنا نحمل إليه الودي ويضعه بيديه ويسوي عليها التراب، فغرسها كلها إلا نخلة واحدة غرستها بيدي. وفي رواية: غرسها عمر. فأطعم النخل كلها من سنته إلا تلك النخلة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من غرسها " ؟ قالوا: عمر فنزعها وغرسها بيده فحملت من عامها. فوالذي بعثه بالحق ما ماتت منها ودية واحدة. وبقيت علي الدراهم، فأتاه رجل من بعض المعادن بمثل بيضة الحمامة من ذهب، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خذ هذه يا سلمان فأدها عنك دينك ". فقلت: يارسول الله وأين تقع هذه مما علي ؟ فقلبها على لسانه ثم قذفها إلي ثم قال: " انطلق بها، فإن الله سيؤدي بها عنك. فو الذي نفسي بيده لوزنت لهم منها أربعين من ذهب فأديتها وبقي عندي مثل ما أعطيتهم ".
رواه الإمام أحمد وابن سعد والبزاز والطبراني وأبو نعيم وغيرهم (1)، من طرق أدخلت بعضها في بعض وسقتها كما تقدم. تنبيهات الأول: في رواية: أن سلمان من فارس. وفي رواية: من أهل إصبهان بكسر الهمزة وفتحها. وفي رواية: أنه من أهل جي بجيم مفتوحة فمثناة تحتية مشددة. وفي رواية: أنه من رامهرمز. والجمع بين هذه الروايات: أن جي مدينة أصبهان، وأنه ولد برامهرمز، وأصله من فارس كما صرح بذلك في رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن (2) كما في تاريخ أبي نعيم ودلائله. الثاني: في رواية: أنه قدم للنبي صلى الله عليه وسلم تمرا. وفي رواية: رطبا. وفي رواية: خلالا بفتح الخاء المعجمة، وهو البلح. وفي رواية: لحم جزور. وفي رواية: لحم بط. وليس بمنكر أن يكون سلمان قدم ذلك إما في مجلس واحد فحدث بهذا مرة وبهذا مرة، وإما في مجالس، كل واحد مما ذكر في مجلس، احتياطا واستظهارا.
(1) أخرجه أحمد في المسند 5 / 441، وأبو نعيم في الدلائل 213، وابن سعد في الطبقات 4 / 56. وما بعدها. (2) أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني أحد الأعلام. قال عمرو بن علي: ليس له اسم. عن أبيه وأسامة بن زيد وأبي أيوب وخلق. وعنه ابنه عمر وعروة والأعرج والشعبي والزهري وخلق. قال ابن سعد: كان ثقة فقيها كثير الحديث، ونقل الحاكم أبو عبد الله أنه أحد الفقهاء السبعة عن أكثر أهل الأخبار. مات سنة أربع وتسعين وقال الفلاس: سنة أربع ومائة. الخلاصة 3 / 221. (*)
[ 110 ]
الثالث: في بيان غريب ما سبق: الدهقان (1): بكسر الدال المهملة وضمها: شيخ القرية العارف بالفلاحة وما يصلح الأرض من الشجر، يلجأ إليه في معرفة ذلك وهو معرب. رامهرمز: بفتح الميم الأولى وضم الهاء وفتح الميم الثانية وسكون الراء بعدهما زاي:
كورة بالأهواز. البرطيل (2): بكسر الباء الموحدة: حجر عظيم مستطيل. الأسقف: بالتشديد: عالم النصارى الذي يقيم لهم أمر دينهم، ويقال أسقف بالتخفيف أيضا. العذق (3): بفتح العين المهملة وسكون الذال المعجمة: النخلة. وبكسر العين الكباسة بكسر الكاف، وهو عنقود النخلة. بنو قيلة: بفتح القاف فمثناة تحتية ساكنة فلام مفتوحة، هي أم الأوس والخزرج العروراء (4)، بعين مهملة مضمومة فراء مفتوحة فواو فراء مشددة فألف: الرعدة من البرد والانتفاض. العرقاء: بعين مهملة مضمونة فراء مفتوحة فقاف وألف ممدودة. لكمني: ضربني بجمعة واللكم: شبيه اللكر. الشملة: الكساء الغليظ يشتمل به الإنسان، أي يلتحف به. الرق: العبودية. الفقير: بفاء مفتوحة فقاف مكسورة فياء: اسم لحديقة بالعالية بقرب بني قريظة. وقد خفي ذلك على بعضهم فقال كما نقله أبو الفتح: (5): قوله: " بالفقير " الوجه: إنما بالتفقير. قال السيد: والصواب بالفقير وهو اسم موضع. الودي: بكسر الدال المهملة وتشديد الياء: فراخ النخل. فقرت: حفرت.
(1) الدهقان الدهقان: التاجر فارسي معرب... وهم الدهاقنة والدهاقين قال: إذا شئت غشني دهاقين قرية * * وصناجة تحد وعلى كل منسم انظر السان 2 / 1442. (2) والبرطيل: حجر أو حديد طويل صلب خلقة ليس مما يطوله الناس ولا يحددونه تنقر به الرحا اللسان 1 / 259، والوسيط 1 / 50. (3) انظر اللسان 4 / 2861، المصباح المنير 339، والوسيط 2 / 590.
(4) انظر اللسان 4 / 2918، والوسيط 2 / 597. (5) عثمان بن جني الموصلي، أبو الفتح: من أئمة الأدب والنحو، وله شعر. ولد بالموصل وتوفي ببغداد، عن نحو 65 عاما. وكان أبوه مملوكا روميا لسليمان بن فهد الأزدي الموصلي. من تصانيفه رسالة في " من نسب إلى أمه من الشعراء " و " شرح ديوان المتنبي " و " المبهج " في اشتقاق أسماء رجال الحماسة، و " المحتسب " في شواذ القراآت، وغير ذلك وهو كثير. وكان المتنبي يقول: ابن جني أعرف بشعري مني. توفي سنة 392 ه. الأعلام 4 / 204. (*)
[ 111 ]
قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى: عن عمر بن عبد العزيز (1) قال: حدثت عن سلمان أن صاحب عمورية قال لسلمان حين حضرته الوفاة: ائت غيضتين من غيض الشام، فإن رجلا يخرج من إحداهما إلى الأخرى في كل سنة ليلة يعترضه ذوو الأسقام فلا يدعو لأحد به مرض إلا شفي، فاسأله عن هذا الذي تسألني عنه. فخرجت حتى أقمت بها سنة حتى خرج تلك الليلة، فأخذت بمنكبه فقلت: رحمك الله (أخبرني عن) الحنيفية دين إبراهيم قال: قد أظلك زمان نبي يخرج عند هذا البيت بهذا الحرم يبعث بذلك الدين. فلما ذكر ذلك سلمان للنبي صلى الله عليه وسلم قال: لئن كنت صدقتني يا سلمان لقد رأيت عيسى بن مريم. غيضتين: الغيضة: الشجر الملتف. قال السهيلي (2) رحمه الله تعالى: وإسناد هذا الحديث مقطوع، وفيه رجل مجهول ويقال هو الحسن بن عمارة (3)، وهو ضيعف. فإن صح الحديث فلا نكارة في متنه. فقد ذكر الطبراني أن المسيح صلى الله عليه وسلم نزل بعدما رفع وأمه وامرأة أخرى عند الجذع الذي فيه الصليب تبكيان عليه، فكلمهما وأخبرهما أنه لم يقتل وأن الله تعالى رفعه، وأرسل إلى الحواريين ووجههم إلى البلاد. وإذا جاز أن ينزل مرة جاز أن ينزل مرارا، ولكن لا يعلم أنه هو حتى ينزل النزول الظاهر يكسر الصليب ويقتل الخنزير
كما جاء في الصحيح. قال الحافظ أبو الخير السخاوي في كتابه: " التحصيل والبيان في سياق قصة السيد سلمان ": وما نقله ابن جرير يحتاج إلى دليل. انتهى.
(1) عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي، أمير المؤمنين، أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، ولي إمرة المدينة للوليد، وكان مع سليمان كالوزير، وولي الخلافة بعده، فعد مع الخلفاء الراشدين، من الرابعة، مات في رجب سنة إحدى ومائة، وله أربعون سنة، ومدة خلافة سنتان ونصف. التقريب 2 / 59 - 60. (2) عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد الخثعمي السهيلي: حافظ، عالم باللغة والسير، ضرير. ولد في مالقة، وعمي وعمره 17 سنة. ونبغ، فاتصل خبره بصاحب مراكش فطلبه إليها وأكرمه، فأقام يصنف كتبه إلى أن توفي بها. من كتبه " الروض الأنف - ط " في شرح السيرة النبوية لابن هشام، و " تفسير الكتاب المبين " و " نتائج الفكر " بتحقيقنا توفي سنة 581 ه - الأعلام 3 / 313. (3) الحسن بن عمارة البجلي، ضعيف إلى حد اتهامه بالوضع، كما روي ذلك عن علي بن المديني، وتركه أحمد، وقال ابن معين: ليس بشئ، وقال الجوزجاني: ساقط، وتركه مسلم، وأبو حاتم، والدار قطني. الميزان 1 / 513، التهذيب 2 / 304. (*)
[ 112 ]
قلت: ما ذكره ابن جرير رواه في تفسيره عبد بن حميد (1) وابن المنذر من طريق آخر عن وهب بن منبه. وروى البخاري والبيهقي عن سلمان رضي الله تعالى عنه أنه تداوله بضعة عشر ربا من رب إلى رب. ونقل السيهلي عن منصف حماد بن سلمة (2) رحمه الله تعالى أن الذين صحب سلمان من النصارى كانوا على الحق، على دين عيسى ابن مريم، وكانوا ثلاثين يداولونه سيدا بعد سيد. قال الذهبي رحمه الله تعالى: وجدت الأقوال من سن سلمان كلها دالة على أنه جاوز
المائة والخمسين، والاختلاف إنما هو في الزائد. قال: ثم رجعت عن ذلك وظهر لي أنه ما جاوز الثمانين. قال الحافظ: لم يذكر مستنده في ذلك، وأظنه أخذه من شهود سلمان الفتوح بعد إعلامه النبي صلى الله عليه وسلم وتزوجه امرأة من كندة وغير ذلك، مما يدل على بقاء بعض النشاط. لكن إن ثبت ما ذكره يكون ذلك من خوارق العادات في حقه، وما المانع من ذلك ؟. فقد روى أبو الشيخ في طبقات الأصبهانيين من حديث العباس بن يزيد قال: أهل العلم يقولون: عاش سلمان ثلاثمائة وخمسين سنة فأما مائتين وخمسين فلا يشكون فيها. انتهى. وروى ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة (3) قال: حدثنا أشياخ شتى قالوا: لم يكن أحد من العرب أعلم بشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم منا، كان معنا يهود، وكانوا أهل كتاب وكنا أهل وثن، وكنا إذا بلغنا منهم ما يكرهون قالوا: إن نبيا مبعوثا الآن قد أظل زمانه نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم. فلما بعث الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم اتبعناه وكفروا به، ففيهم أنزل الله (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين). وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كانت يهود خيبر تقاتل يهود غطفان، فلما
(1) عبد بن حميد بن نصر الكسي، أبو محمد: من حفاظ الحديث. قيل اسمه عبد الحميد، وخفف. من كتبه " تفسير " للقرآن الكريم، و " مسنده ". توفي سنة 249 ه. الأعلام 3 / 269. (2) حماد بن سلمة بن دينار الربعي أو التميمي أو القرشي مولاهم أبو سلمة البصري أحد الأعلام. عن ثابت وسماك وسلمة بن كهيل وابن أبي مليكة وقتادة وحميد وخلق. وعنه ابن جريح وابن إسحاق شيخاه وشعبة ومالك وحبان بن هلال والقعنبي وأمم. قال القطان: إذا رأيت الرجل يقع في حماد فاتهمه على الإسلام. وقال ابن المبارك: ما رأيت أشبه بمسالك الأول من حماد. وقال وهيب بن خالد: كان حماد بن سلمة سيدنا وأعلمنا. قال: حماد من طلب العلم لغير الله مكر به. توفي سنة سبع وستين ومائة. الخلاصة 1 / 252. (3) عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان الأوسي الأنصاري، أبو عمر المدني ثقة عالم بالمغازي، مات بعد العشرين ومائة،
انظر التقريب 1 / 385. (*)
[ 113 ]
التقوا انهزمت يهود خيبر. فعاذت اليهود بهذا الدعاء فقالوا: اللهم إنا نسألك بحق محمد النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء فهزموا غطفان، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كفروا به، فأنزل الله عز وجل: (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين). رواه الحاكم والبيهقي. وعن سلمة بن سلامة بن وقش (1) بفتح الواو والقاف وإسكانها وبالشين المعجمة رضي الله تعالى عنه قال: كان بيننا يهودي فخرج على نادي قومه بني عبد الأشهل ذات غداة فذكر البعث والقيامة والجنة والنار والحساب والميزان، فقال ذلك لأصحاب وثن لا يرون أن بعثا كائن بعد الموت، وذلك قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ويحك يا فلان ! وهذا كائن أن الناس مبعوثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار ويجزون من أعمالهم ؟ قال: نعم والذي يحلف به لوددت أن يكون حظي من تلك النار أن توقدوا أعظم تنور في داركم فتحموه ثم تقذفوني فيه ثم تطينوا علي وأن أنجو من تلك النار غدا. قالوا: فما علامة ذلك ؟ قال: نبي يبعث من ناحية هذه البلاد. وأشار بيده نحو مكة واليمن. قالوا: فما الذي تراه. فرمى بطرفه إلي وأنا أحدث القوم فقال: إن يستنفذ هذا الغلام عمره يدركه. فما ذهب الليل والنهار حتى بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنه لحي بين أظهرنا، فآمنا به وصدقناه وكفر به بغيا وعنادا، فقلنا له: يا فلان ألست الذي قلت لنا فيه ما قلت وأخبرتنا به ؟ قال: ليس به. رواه ابن إسحاق، والبخاري في التاريخ وصححه الحاكم. قوله: إن يستنفذ بكسر الفاء ودال مهملة أي يستكمل.
وروى عن محمد بن عدي (2) أنه سأل أباه كيف سماه في الجاهلية محمدا ؟ فقال: خرجت مع جماعة من بني تميم، فلما وردنا الشام نزلنا على غدير عليه شجر، فأشرف علينا
(1) سلمة بن سلامة بن وقش بن زغبة بن زعوراء بن عبد الأشهل الأنصاري الأشهلي أبو عوف.. قال إبراهيم بن المنذر مات سنة أربع وثلاثين وقال غيره بل تأخر إلى سنة خمس وأربعين وبه جزم الطبري قال ومات وهو ابن أربع وسبعين سنة بالمدينة. الإصابة 3 / 116، 117. (2) محمد بن عدي بن ربيعة بن سواءة بن جشم بن سعد المنقري.. ذكره ابن سعد والبغوي والبلوري وابن السكن وغيرهم في الصحابة وقال ابن سعد عداده في أهل الكوفة وقال ابن شاهين له صحبة وأورد من طريق العلاء بن الفضل بن أبي سوية المنقري حدثني أبي الفضل بن عبد الملك عن أبيه عبد الملك بن أبي سوية عن أبيه خليفة بن عبدة المنقري قال سألت محمد بن عدي بن ربيعة كيف سماك أبوك في الجاهلية محمدا قال: أما أني سألت أبي عما سألتني عنه فقال خرجت رابع أربعة من بني تميم أنا أحدهم وسفيان بن مجاشع ويزيد بن عمرو بن ربيعة بن = (*)
[ 114 ]
ديراني (1) فقال: من أنتم ؟ قلنا: من مضر. فقال: أما إنه سوف يبعث منكم وشيكا نبي فسارعوا إليه وخذوا بحظكم منه ترشدوا، فإنه خاتم النبيين. فقلنا: ما اسمه ؟ فقال: محمد. فلما صرنا إلى أهلنا ولد لكل واحد منا غلام فسماه محمدا. رواه الطبراني والبيهقي وأبو نعيم (2). وشيكا: أي قريبا. وروى ابن سعد عن سعيد بن المسيب (3) رحمه الله تعالى قال: كانت العرب تسمع من أهل الكتاب ومن الكهان أن نبيا يبعث من العرب اسمه محمد، فسمى من بلغه ذلك من ولد له محمدا، طمعا في النبوة. وروى الطبراني والبيهقي عن أبي سفيان بن حرب (4) رضي الله تعالى عنه قال: خرجت أنا وأمية بن أبي الصلت (5) إلى الشام، فمررنا بقرية فيها نصارى، فلما رأوا أمية عظموه وأكرموه
= حرقوص بن مازن وأسامة بن مالك بن جندب بن العنبر ويزيد بن جفنة الغساني بالشام فلما وردنا الشام ونزلنا على
غدير وعليه سمرات وقربه قائم الديراني فقلنا: لو اغتسلنا من هذا الماء وأدهنا ولبسنا ثياينا ثم أتينا صاحبنا ففعلنا فأشرف علينا الديراني فقال: إن هذه للغة قوم ما هي بلغة أهل هذا البلد فقلنا: نحن قوم من مضر قال: من أي المضائر قال: قلنا: من خندف فقال: أما أنه سيبعث منكم وشيكا نبي فسارعوا إليه وخذوا حظكم منه ترشدوا فإنه خاتم النبيين فقلنا: ما اسمه قال: محمد فلما انصرفنا من عند ابن جفنة ولد لكل واحد منا غلام فسماه محمدا لذلك وأخرجه أبو نعيم من طريق أبي بكر بن خزيمة حدثني صالح بن مسمار املاء حدثنا العلاء بن الفضل قال أبو نعيم وحدثناه عاليا الطبراني حدثنا العلاء. الإصابة 6 / 59 - 60. (1) الديرني: الراهب الذي يسكن الدير. (2) أخرجه أبو نعيم في الدلائل 55. (3) سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عابد بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات، الفقهاء الكبار، من كبار الثانية، اتفقوا على أن مرسلاته أصح المراسيل، وقال ابن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علما منه، مات بعد التسعين، وقد ناهز الثمانين. التقريب 1 / 306. (4) صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس الأموي أبو سفيان، من مسلمة الفتح، وشهد حنينا وأعطي من غنائمها مائة بعير وأربعين أوقية، وشهد الطائف واليرموك، وأبلى فيه بلاء حسنا، وذهبت عينه في ذلك اليوم، له أحاديث، وعندهم حديث هرقل، ومنهم من ذكر عن ابن عباس، وقيس بن أبي حازم. قال ابن سعد: مات سنة اثنتين وثلاثين. وقال المدائني: سنة أربع وثلاثين الخلاصة 1 / 466. (5) أمية بن عبد الله أبي الصلت بن أبي ربيعة بن عوف الثقفي: شاعر جاهلي حكيم، من أهل الطائف. قدم دمشق قبل الإسلام. وكان مطلعا على الكتب القديمة، يلبس المسوح تعبدا. وهو ممن حرموا على أنفسهم الخمر ونبذوا عبادة الأوثان في الجاهلية. ورحل إلى البحرين فأقام ثماني سنين ظهر في أثنائها الإسلام، وعاد إلى الطائف، فسأل عن خبر محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم فقيل له: يزعم أنه نبي. فخرج حتى قدم عليه بمكة وسمع منه آيات من القرآن، وانصرف عنه، فتبعته قريش تسأله عن رأيه فيه، فقال: أشهد أنه على الحق، قالوا: فهل تتبعه ؟ فقال: حتى أنظر في أمره. وخرج إلى الشام، وهاجر رسول الله إلى المدينة، وحدثت وقعة بدر، وعاد أمية من الشام، يريد الإسلام، فعلم بمقتل أهل بدر وفيهم ابنا خال له، فامتنع. وأقام في الطائف إلى أن مات. وهو أول من جعل في أول الكتب: باسمك اللهم. فكتبتها
قريش. قال الأصمعي: ذهب أمية في شعره بعامة ذكر الآخرة، وذهب عنترة بعامة ذكر الحرب، وذهب عمر بن أبي ربيعة بعامة ذكر الشباب. توفي سنة 5 ه. الأعلام 2 / 23. (*)
[ 115 ]
وأرادوه على أن ينطلق معهم، فقال لي أمية: يا أبا سفيان انطلق معي فإنك تمضي إلى رجل قد انتهى إليه علم النصرانية فقلت: لست أنطلق معك. فذهب ورجع وقال: تكتم علي ما أحدثك به ؟ قال: نعم قال: حدثني هذا الرجل الذي انتهى إليه علم الكتاب: أن نبيا مبعوث، فظننت أنني هو، فقال: ليس منكم، هو من أهل مكة. قلت: ما نسبه ؟ قال: وسط قومه. وقال لي: إن آية ذلك أن الشام قد رجفت بعد عيسى ثمانين رجفة، وبقيت رجفة يدخل على أهل الشام منها شر ومصيبة: فلما صرنا قريبا من ثنية إذا راكب قلنا: من أين ؟ قال: من الشام. قلنا: هل كان من حدث ؟ قال: نعم، رجفت الشام رجفة دخل على الشام منها شر ومصيبة. وروى ابن عساكر عن أبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - قال: كنت جالسا بفناء الكعبة وزيد بن عمرو بن نفيل (1) قاعد، فمر به أمية بن أبي الصلت فقال: أما إن هذا النبي الذي - ينتظر منا أو منكم أو من أهل فلسطين. قال: ولم أكن سمعت قبل ذلك بني ينتظر فلا يبعث. فخرجت أريد ورقة بن نوفل (2) فقصصت عليه الحديث فقال: نعم يا بن أخي، أخبرنا أهل الكتاب والعلماء، أن هذا النبي الذي ينتظر من أوسط العرب نسبا، ولي علم بالنسب فقومك أوسط العرب نسبا. قال: يا عم وما يقول النبي ؟ قال يقول ما قيل له، إلا أنه لا يظلم ولا يظالم. قال: فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنت وصدقت. فلسطين بكسر الفاء وفتح اللام: ناحية من الشام.
(1) زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى، القرشي العدوي: نصير المرأة في الجاهلية، وأحد الحكماء. وهو ابن عم عمر بن الخطاب. لم يدرك الإسلام، وكان يكره عبادة الأوثان ولا يأكل مما ذبح عليها. ورحل إلى الشام باحثا عن
عبادات أهلها، فلم تستمله اليهودية ولا النصرانية، فعاد إلى مكة يعبد الله على دين إبراهيم. وجاهر بعداء الأوثان، فتألب عليه جمع من قريش، فأخرجوه من مكة، فانصرف إلى " حراء " فسلط عليه عمه الخطاب شبانا لا يدعونه يدخل مكة، فكان لا يدخلها إلا سرا. توفي قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بخمس سنين. وله شعر قليل، منه البيت المشهور: " أربا واحدا أم ألف رب * * أدين إذا تقسمت الأمور ؟ ". توفي 17 ق ه، الأعلام 3 / 60. (2) ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، من قريش: حكيم جاهلي، اعتزل الأوثان قبل الإسلام، وامتنع من أكل ذبائحها، وتنصر، وقرأ كتب الأديان. وكان يكتب اللغة العربية بالحرف العبراني. أدرك أوائل عصر النبوة، ولم يدرك الدعوة. وهو ابن عم خديجة أم المؤمنين، وفي حديث ابتداء الوحي، بغار حراء، أن النبي صلى الله عليه وسلم رجع إلى خديجة، وفؤاده يرتجف، فأخبرها، فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل " وكان شيخا كبيرا قد عمي " فقالت له خديجة: يابن عم اسمع من ابن اخيك، فقال له ورقة: يا بن أخي ماذا ترى ؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، ياليتني فيها جذع ! ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله: أو مخرجي هم ؟ قال: نعم ! لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا. توفي سنة 12 ق ه. الأعلام 8 / 114، 115. (*)
[ 116 ]
وعن زيد بن حارثة (1) - رضي الله تعالى عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي زيد بن عمرو بن نفيل، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " ما لي أرى قومك قد شنفوك ؟ " قال: أما والله إن ذلك لبغير ثائرة كانت مني إليهم، ولكن أراهم على ضلالة فخرجت أبتغي هذا الدين حتى أتيت على شيخ بالجزيرة فأخبرته بالذي خرجت له، قال: ممن أنت ؟ قلت: من أهل بيت الله. قال: فإنه قد خرج في بلدك نبي أو خارج قد طلع نجمه، فارجع فصدقه وآمن به. فرجعت فلم أحس بشئ بعد. قال: ومات زيد بن عمرو قبل أن يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه أبو يعلى (2) والطبراني والحاكم وصححه (3). شنفوك بفتح الشين المعجمة وكسر النون: أي أبغضوك. ولغير ثائرة: أي لم أصنع لهم
شرا. وعن عامر بن ربيعة (4) - رضي الله عنه - أن زيد بن عمرو بن نفيل قال: خالفت قومي واتبعت ملة إبراهيم وما كان يعبد، فأنا أنتظر نبيا من ولد إسماعيل اسمه أحمد، ولا أراني أدركه، فأنا أؤمن به وأصدقه وأشهد أنه نبي، فإن طالت بك مدة فأقره مني السلام، وأخبرك يا عامر ما نعته حتى لا يخفى عليك: هو رجل ليس بالطويل ولا بالقصير، ولا بكثير الشعر ولا بقليله، وليس يفارق عينيه حمرة، وخاتم النبوة بين كتفيه، واسمه أحمد، وهذا البلد مولده ومبعثه، ثم يخرجه قومه منها ويكرهون ما جاء به حتى يهاجر إلى يثرب فيظهره أمره فإياك أن تخدع عنه فإني بلغت البلاد كلها أطلب دين إبراهيم وكل من أسأله من اليهود والنصارى والمجوس يقول: هذا الدين وراءك. وينعتونه مثل ما نعته لك، ويقولون: لم يبق نبي غيره. قال عامر: فلما تنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرته، فقال: قد رأيته في الجنة يسحب ذيله. رواه ابن سعد وأبو نعيم (5).
(1) زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي اليماني، حب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومولاه، كان ممن بادر فأسلم من أول يوم، وشهد بدرا، وقتل بمؤتة أميرا سنة ثمان. قالت عائشة: لو كان حيا لاستخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم. روى محمد بن إسحاق بسنده إلى أسامة بن زيد. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي: أنت مني وإلي وأحب القوم إلي. له أربعة أحاديث. وعنه أنس وابن عباس وغيرهما. الخلاصة 1 / 350. (2) أحمد بن علي بن المثنى التميمي الموصلي، أبو يعلى: حافظ من علماء الحديث. ثقة مشهور، نعته الذهبي بمحدث الموصل. عمر طويلا حتى ناهز المئة. وتفرد ورحل الناس إليه وتوفى بالموصل. له كتب منها " المعجم " في الحديث، و " مسندان " كبير وصغير، توفي سنة 307 ه. الأعلام 1 / 171. (3) أخرجه الحاكم 3 / 216، والطبراني في الكبير 5 / 87. (4) عامر بن ربيعة بن كعب بن مالك بن ربيعة العنزي بإسكان النون، أسلم قديما، وهاجر إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، وشهد بدرا والمشاهد. له اثنان وعشرون حديثا، اتفقا على حديثين. وعنه ابنه عبد الله، وابن عمر، وابن الزبير. قال المدائني: مات سنة ثلاث وثلاثين. الخلاصة 2 / 21.
(5) أخرجه ابن سعد في الطبقات 1 / 1 / 106، وابن كثير في البداية والنهاية 2 / 240، بلفظ يحب ذيولا. (*)
[ 117 ]
وروى ابن عساكر عن ابن إسحاق - رحمه الله تعالى - قال: إن ربيعة بن نصر اللخمي رأى رؤيا هالته وفظع بها، فلم يدع كاهنا ولا ساحرا ولا عائفا ولا منجما من أهل مملكته إلا جمعه إليه، فقال لهم: إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها فأخبروني بتأويلها. قالوا: اقصصها علينا نخبرك بتأويلها. قال: إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم عن تأويلها، إنه لا يعرف تأويلها إلا من عرفها قبل أن أخبره بها. فقيل له: إن كنت تريد هذا فابعث إلى سطيح (1) وشق (2)، فإنه ليس أحد أعلم منهما، فهما يخبرانك بما تسأل عنه. فبعث إليهما، فقدم عليه سطيح قبل شق، فقال: إني رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها، فأخبرني بها فإنك إن أصبتها أصبت تأويلها. فقال: رأيت حممه خرجت من ظلمة فوقعت بأرض تهمة، فأكلت كل ذات جمجمة. فقال الملك: ما أخطأت منها شيئا ياسطيح، فما عندك في تأويلها ؟ فقال: أحلف بما بين بين الحرتين من حنش، ليهبطن أرضكم الحبش فليهلكن ما بين أبين إلى جرش. فقال الملك: وأبيك يا سطيح إن هذا لنا لغائظ موجع، فمتى هو كائن ؟ أفي زماني أم بعده ؟ قال: بل بعده بحين أكثر من ستين أو سبعين من السنين. قال: أفيدوم ذلك من ملكهم أم ينقطع ؟ قال: بل ينقطع لبضع وسبعين من السنين، ثم يقتلون ويخرجون منها هاربين قال: ومن يلي ذلك من قتلهم وإخراجهم ؟ قال: يليه إرم ذي يزن، يخرج عليهم من عدن، فلا يترك منهم أحدا باليمن: قال أفيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع ؟ قال بل ينقطع. قال: ومن يقطعه ؟ قال: نبي زكي يأتيه الوحي من قبل العلي. قال: وممن هذا النبي ؟ قال: رجل من بني غالب بن فهر بن مالك بن النضر، يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر. قال: وهل للدهر من آخر ؟ قال: نعم يوم يجمع فيه الأولون والآخرون، يسعد به المحسنون ويشقى به المسيئون. قال: أحق ما تخبرني به ؟ قال: نعم والشفق والغسق، والفلق إذا اتسق إن ما أنبأتك به لحق.
(1) ربيع بن ربيعة بن مسعود بن عدي بن الذئب، من بني مازن، من الأزد: كاهن جاهلي غساني. من المعمرين، يعرف
بسطح. كان العرب يحتكمون إليه ويرضون بقضائه، حتى أن عبد المطلب بن هاشم - على جلالة قدره في أيامه - رضي به حكما بينه وبين جماعة من قيس عيلان، في خلاف على ماء بالطائف، كانوا يقولون: إنه لهم. وكان يضرب المثل بجودة رأيه، قال ابن الرومي: " تبدي له سر العيون كهانة * * يوحي بها رأي كرأي سطيح " وقال الفيروز آبادي: سطيح، كاهن بني ذئب، ما كان فيه عظم سوى رأسه. وزاد الزبيدي: كان أبدا منبسطا منسطحا على الأرض لا يقدر على قيام ولا قعود، ويقال: كان يطوى الحصيرة ويتكلم بكل أعجوبة. توفي سنة 52 ق. ه الأعلام 3 / 14. (2) شق بن صعب بن يشكر بن رهم القسري البجلي الأنماري الأزدي: كاهن جاهلي، من عجائب المخلوقات. وعاش شق إلى ما بعد ولادة النبي صلى الله عليه وسلم فيما يقال. وقد عمر طويلا. ويذكرون أنه كان نصف إنسان: له يد واحدة، ورجل واحدة وعين واحدة. وقال ابن حزم إن له نسلا، اشتهر منه في العصر المرواني " خالد " و " أسد " القسريان، وكان أولهما أمير العراقين لهشام بن عبد الملك، والثاني والي خراسان. توفي سنة 55 ق. ه. الأعلام 3 / 170. (*)
[ 118 ]
ثم قدم عليه شق فقال له كقوله لسطيح، وكتم ما قاله سطيح، لينظر أيتفقان أم يخلتفان. قال: نعم رأيت حممة خرجت من ظلمة فوقعت بين روضة وأكمة فأكلت منها كل ذات نسمة. فلما قال ذلك عرف أنهما قد اتفقا، فقال الملك: ما أخطأت منها شيئا يا شق، فما عندك في تأويلها ؟. قال: أحلف بما بين الحرتين من إنسان، لينزلن أرضكم السودان، فليغلبن على كل طفلة (1) البنان، وليملكن ما بين أبين إلى نجران. فقال له: الملك: فمتى هو كائن ؟ في زماني أم بعده ؟ قال: بل بعده بزمان، ثم يستنقذكم منهم عظيم ذو شأن، ويذيقهم كأس الهوان. قال: ومن هذا العظيم الشأن ؟ قال: غلام ليس بدني ولا مدن، يخرج عليهم من بيت ذي يزن. قال: أفيدوم سلطانه أم ينقطع ؟ قال:
بل ينقطع برسول مرسل يأتي بالحق والعدل، بين أهل الدين والفضل يكون الملك فيه إلى يوم الفصل. قال: وما يوم الفصل ؟ قال: يوم تجزى فيه الولاة، يدعى فيه من السماء بدعوات يستمع، منها الأحياء والأموات ويجمع فيه الناس للميقات يكون فيه لمن اتقى الفوز والخيرات. فقال: أحق ما تقول / قال إي ورب السماء والأرض وما بينهما من رفع وخفض إن ما أنبأتك به لحق ما فيه أمض. قوله: فظع بها. الرواية بضم وفتحها. وصوب أبو ذر الخشني الفتح بوزن علم يقال: فظع بالشئ إذا رآه أمرا عظيما. والعيافة (2): زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وممرها. والحممة (3): بضم الحاء وفتح الميمين وجمعها حمم وإنما أراد فحمة فيها نار، ولذلك قال: فأكلت منها كل ذات جمجمة أي رأس. وظلمة: أصلها مسكن وإنما حركت للسجع قال السهيلي رحمه الله تعالى: وذلك أن الحممة قطعة من نار، وخروجها من ظلمة يشبه خروج عسكر الجيش من أرض السودان. أرض تهمة بفتح التاء وكسر الهاء يعني واسعة منخفضة، وأكلت منها كل ذات جمجمة أي رأس، ولم يقل ذي جمجمة لأن القصد النفس والنسمة، فهي أعم، ولو جاء بالتذكير لكان مختصا بالإنسان.
(1) في أ: ذي طفل. (2) وعاف الشئ يعافه عيفا وعيافة وعيفانا كرهه وقيل العياف المصدر واليافة الاسم، انظر اللسان 4 / 3192. (3) الحممد وزان رطبة ما أحرق من خشب ونحوه والجمع بحذف الهاء المصباح 152. (*)
[ 119 ]
والحرة: بفتح الحاء المهملة: أرض غليظة تركبها حجارة سود وإنما حلف بالحنش وهي من الحيات لما يحكى أن الجن تتشكل وتتصور فيها. أبين بفتح الهمزة فباء موحدة ساكنة فمثناة تحتية فنون: موضع باليمن - جرش بضم
الجيم وفتح الراء وشين معجمة: أرض باليمن أيضا. عدن: اسم بلد بها. الغسق (1): الظلمة. الفلق (2) الصبح. اتسق: تتابع وتوالى. الأكمة: الكدية. ويروي: كل ذات نسمة بالرفع هنا وفي الأولى. قال الخشني: والصواب النصب، لأن الجمجمة هنا هي الآكلة وليست المأكولة، ولذلك فسرها بالحبشة الذين غلبوا على اليمن. طفلة بفتح الطاء واللام وسكون الفاء بينهما. ابنان: أطراف الأصابع، وقد يعبر بها عن الأصابع كلها. قال في الصحاح: الطفل بالفتح: الناعم. يقال: جارية طفلة أي ناعمة. وبنان طفل وإنما جاز أن يوصف البنان وهو جمع بالطفل وهو واحد: لأن كل جمع ليس بينه وبين واحده إلا الهاء فإنه يوحد ويذكر. نجران (3)، بنون مفتوحة وجيم ساكنة: قال أبو عبيد البكري (4): مدينة بالحجاز من شق اليمن معروفة، سميت بنجران بن زيد بن يشجب بن يعرب، وهو أول من نزلها وقال في النهاية: موضع معروف بين الحجاز والشام واليمن. وبغلام ليس بدني ولا مدن بضم الميم وفتح الدال المهملة - وهو بنون، وسكنه هنا للسجع، قال الخشني: هو المقصر في الأمور. وقال غيره: هو الذي جمع الضعف مع الدناءة. وما فيه أمض (5): بفتح الهمزة وسكون الميم والضاد المعجمة أي ما فيه شك ولا ارتياب.
(1) غسق الليل: شدة ظلمته المفردات في غريب القرآن 360. (2) الفلق: أي الصبح وقيل الأنهار المذكورة في قوله تعالى: " أم من جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا) وقيل: هو الكلمة التي علم الله تعالى موسى ففلق بها البحر، المفردات في غريب القرآن 385. (3) نجران بالفتح، ثم السكون، وآخره نون، وهو في عدة مواضع: منها نجران من مخاليف اليمن من ناحية مكة وبها كان خبر الأخدود، وإليها تنسب كعبة نجران، وكانت ربيعة بها أساقفة مقيمون، منهم السيد والعاقب اللذين جاءا إلى النبي عليه السلام في أصحابهما، ودعاهم إلى المباهلة، وبقوا بها حتى أجلاهم عمر رضي الله تعالى عنه. مراصد الاطلاع 3 / 1359.
(4) عبد الله بن عبد العزيز بن محمد البكري الأندلسي، أبو عبيد: مؤرخ جغرافي، ثقة. علامة بالأدب، له معرفة بالنبات. من تصانيفه " معجم ما استعجم " أربعة أجزاء، و " أعلام النبوة " و " شرح أمالي القالي " و " التنبيه على أغلاط أبي علي القالي في أماليه " و " فضل المقال في شرح كتاب الأمثال، لابن سلام، وغير ذلك، توفي سنة 487 ه. الأعلام 4 / 98. (5) انظر لسان العرب 1 / 131. (*)
[ 120 ]
قال السهيلي رحمه الله تعالى: كان سطيح جسدا ملقى لا جوارح له فيما يذكرون. قال وكذلك شق إنما له يد واحدة ورجل واحدة وعين واحدة ويروى عن وهب بن منبه - رحمه الله تعالى - أنه قال: قيل لسطيح: أنى لك هذا العلم ؟ فقال لي صاحب من الجن استمع أخبار السماء من طور سيناء حين كلم الله تعالى فيه موسى فهو يؤدي إلى من ذلك ما يؤديه. وولد شق وسطيح في اليوم الذي ماتت فيه طريفة الكاهنة (1)، ودعت بسطيح قبل أن تموت، فأتيت به فتفلت في فيه وأخبرت أنه سيخلفها في علمها وكهانتها، وكان وجهه في صدره، ولم يكن له رأس ولا عنق. ودعت بشق ففعلت به مثل ما فعلت بسطيح ثم ماتت وعمر سطيح زمانا طويلا حتى أدرك مولد النبي صلى الله عليه وسلم ورأى كسرى أنوشروان. قلت: روى أبو نعيم وابن عساكر عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: خلق الله سطيحا لحما على وضم، وكان يحمل على وضمة فيؤتى به حيث يشاء، ولم يكن فيه عظم ولا عصب إلا الجمجمة والعنق والكفين. وكان يطوى من رجليه إلى ترقوته كما يطوي الثوب، ولم يكن فيه شئ يتحرك إلا لسانه. الوضم بفتحتين: كل شئ يحمل عليه اللحم من خشب أو بارية. وروى ابن عساكر: بلغني أن سطيحا ولد في أيام سيل العرم وتوفي في العام الذي ولد فيه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حسدوه وبغوا وأنكروا (2).
وروى ابن سعد عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - عن أبي بن كعب - رضي الله تعالى عنه - قال: لما قدم تبع المدينة ونزل بقناة بعث إلى أخبار يهود فقال: إني مخرب هذا البلد. فقال له سامول اليهودي وهو يومئذ أعلمهم: أيها الملك إن هذا البلد يكون إليه مهاجر نبي من نبي إسماعيل مولده بمكة اسمه أحمد، وهذه دار هجرته، إن منزلك هذا الذي أنت به يكون به من القتلى والجراح أمر يكثر في اصحابه وفي عدوهم. قال تبع: ومن يقاتله يومئذ ؟ قال: يسير إليه قومه فيقتتلون ها هنا. قال: فأين قبره ؟ قال: بهذا البلد. قال: فإذا قوتل لمن تكون الدبرة ؟ قال: تكون مرة له ومرة عليه، وبهذا الذي أنت به
(1) طريفة بنت الخير الحميرية: كاهنة يمانية، من الفصيحات البليغات. كان زوجة للملك عمر مزيقياء بن ماء السماء الأزدي الكهلاني. قيل إنها تنبأت له بانهيار " السد " فاستعد، هو وقومه، للهجرة. الأعلام 3 / 226. (2) أخرجه ابن سعد في الطبقات 1 / 104، وأبو نعيم في دلائل النبوة 40. (*)
[ 121 ]
تكون عليه ويقتل أصحابه مقتلة لم يقتلوا في مواطن مثلها، ثم تكون له العاقبة ثم يظهر فلا ينازعه في هذا الأمر أحد. قال: وما صفته ؟ قال: رجل لا بالطويل ولا بالقصير، في عينيه حمرة، يركب البعير ويلبس الشملة سيفه على عاتقه، لا يبالي من لاقى أخا أو ابن عم أو عما حتى يظهر أمره. قناة بقاف مفتوحة بعدها نون: قال البكري: واد من أودية المدينة. وذكر ابن ظفر (1) عن سفيان بن مجاشع أنه رأى قوما من تميم اجتمعوا على كاهنة لهم فسمعها تقول: العزيز من والاه، والذليل من خالاه، والموفور من مالاه، والموتور من عاداه. فقال سفيان: من تذكرين لله أبوك ؟ فقالت: صاحب حل وحرم وهدى وعلم، وبطش وحلم، وحرب وسلم، رأس رؤوس وأبيض شموس وماحي بوس وماهد وعوس، وناعش متعوس. فقال سفيان: لله أبوك من هو ؟ قالت: نبي مؤيد، قد أتى حين يوجد. ودنا أوان يولد، يبعث إلى الأحمر والأسود بكتاب لا يفند، اسمه محمد. فقال سفيان: لله أبوك أعرابي هو أم
عجمي ؟ أما والسماء ذات العنان والشجرات ذات الأفنان إنه لمن معد بن عدنان. فقدك يا سفيان. فأمسك عنها ثم ولد له غلام فسماه محمدا رجاء أن يكون الموصوف. تفسير الغريب خالاه: بالخاء المعجمة: برئ منه وتركه. حل وحرم: أي حلال وحرام رأس رؤوس: أي سيد سادة. والرأس: السيد. ماحي بوس: أي مذهبه. والمحو: القشر. وبه سميت الممحاة (2). الوعوس (3): جمع وعس وهو من صفة الرمل الذي يشق السير فيه. ناعش: بالنون والشين المعجمة من نعشه الله نعشا: رفعه. المتعوس: العاثر، والمستعمل في هذا: تعس وأتعسه الله فجاء على مثال مسعود.
(1) محمد بن عبد الله أبي محمد بن محمد بن ظفر الصقلي المكي، أبو عبد الله، حجة الدين: أديب رحالة مفسر. ولد في صقلية، ونشأ بمكة. وتنقل في البلاد، فدخل المغرب وجال في إفريقية والأندلس، وعاد إلى الشام فاستوطن " حماة " وتوفي بها. له تصانيف، منها " ينبوع الحياة " في تفسير القرآن، اثنا عشر مجلدا، قال الصفدي: رأيت بعضهم يقول (ابن ظفر) بضم الظاء والفاء والفتح أشهر، توفي سنة 565 ه. الأعلام 6 / 230. (2) الممحاة: خرقة يزال بها الوسخ، الوسيط 2 / 856. (3) الوعساء والأوعس والوعس والوعسة كله: السهل اللين من الرمل وقيل: هي الرمل تغيب فيه الأرجل، اللسان 5 / 4873. (*)
[ 122 ]
لا يفند: أي لا يخطأ ولا يضعف رأيه. العنان بفتح العين المهملة بعدها نون: السحاب، الواحدة عنانة. الأفنان: ه الأغصان، الواحدة: فنن. فقدك يا سفيان: أي حسبك وكفاك. وروي عن عمرو بن عبسة (1) - بعين وبسين مهملتين بينهما باء موحدة مفتوحات -
رضي الله تعالى عنه: قال رغبت عن آلهة قومي في الجاهلية، ورأيت الباطل يعبدون الحجارة، فلقيت رجلا من أهل الكتاب فسألته عن أفضل الدين فقال: يخرج رجل بمكة ويرغب عن آلهة قومه ويدعو إلى غيرها، وهو يأتي بأفضل الدين فإذا سمعت به فاتبعه. فلم يكن بي هم إلا مكة آتيها فأسأل: هل حدث فيها أمر ؟ فيقولون لا. فإني لقاعد على الطريق إذا مر بي راكب فقلت: من أين جئت ؟ قال: من مكة. قلت: هل حدث فيها خبر ؟ قال: نعم، رجل رغب عن آلهة قومه ودعا إلى غيرها. فقلت: صاحبي الذي أريد. فأتيته فوجدته مستخفيا، فقلت: ما أنت ؟ قال: نبي. قلت: وما النبي ؟ قال: رسول. قلت: من أرسلك ؟ قال: الله. قلت: بماذا أرسلك ؟ قال: أن توصل الأرحام وتحقن الدماء وتؤمن السبل وتكسر الأوثان ويعبد الله ولا يشرك به شيئا. قلت: نعم ما أرسلك به، أشهدك أني قد آمنت بك وصدقتك أفأمكث معك ما ترى ؟ قال: ترى كراهة الناس لما جئت به فامكث في أهلك، فإذا سمعت أني قد خرجت مخرجا فاتبعني. فلما سمعت به صلى الله عليه وسلم خرج إلى المدينة سرت حتى قدمت عليه. رواه ابن سعد وأبو نعيم وابن عساكر (2). وروى أبو نعيم وابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: بلغني أن بني إسرائيل لما أصابهم ما أصابهم من ظهور بختنصر - وفرقتهم وذلهم تفرقوا، وكانوا يجدون محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم مبعوثا في كتبهم وأنه سيظهر في بعض القرى العربية في أرض ذات نخل، ولما خرجوا من أرض الشام جعلوا يتقرون كل قرية من تلك القرى العربية بين الشام واليمن يجدون نعتها نعت يثرب، فنزل بها طائفة منهم ويرجون أن يلقوا محمدا صلى الله عليه وسلم فيتبعونه، حتى نزل من بني هارون بيثرب منهم طائفة، فمات أولئك الآباء وهم مؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم أنه جاء ويحثون أبناءهم على اتباعه إذا جاء، فأدركه من أدركه من أبنائهم فكفروا به وهم يعرفونه. بخت بضم الموحدة وإسكان الخاء المعجمة ثم مثناة فوقية ونصر بفتح النون والصاد
(1) عمرو بن عبسة بفتح أوله والموحدة السلمي أبو نجيح، صحابي مشهور. له ثمانية وأربعون حديثا. وعنه أبو أمامة وشرحبيل بن السمط. قال الواقدي: أسلم بمكة ثم رجع إلى بلاد قومه حتى مضت بدر وأحد والخندق والحديبية
وخيبر، ثم قدم المدينة. قال أبو سعيد: يقولون إنه رابع أو خامس في الإسلام. الخلاصة 2 / 290. (2) أخرجه أبو نعيم في الدلائل 210، وابن سعد في الطبقات 1 / 157. (*)
[ 123 ]
المهملة المشددة. قال في القاموس: بخت معناه: ابن - ونصر كبقم كان عند الصنم ولم يوجد له أب فنسب إليه. وروى أبو نعيم عن حسان بن ثابت (1) - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: والله إني لفي منزلي وأنا ابن سبع سنين وأنا أحفظ ما أرى وأعي ما أسمع وأنا مع أبي إذ دخل علينا فتى منا يقال له ثابت بن الضحاك، فتحدث فقال: زعم يهودي في بني قريظة الساعة وهو يلاحيني: قد أظل زمان خروج نبي يأتي بكتاب مثل كتابنا يقتلكم قتل عاد وإرم. قال حسان: فوالله إني لعلى فارع، يعني أطما، في السحر إذ سمعت صوتا لم أسمع قط صوتا أنفذ منه، فإذا يهودي على ظهر أطم من آطام المدينة معه شعلة من نار، فاجتمع إليه الناس فقالوا: مالك ويلك: قال: هذا كوكب أحمد قد طلع، هذا كوكب لا يطلع إلا للنبوة، ولم يبق من الأنبياء إلا أحمد. قال: فجعل الناس يضحكون ويعجبون بما يأتي به. وكان حسان - رضي الله تعالى عنه - عاش مائة وعشرين سنة، ستين في الجاهلية وستين في الإسلام. يلاحيني: أي يخاصمني وينازعني. الفارع بالفاء والراء والعين المهملتين: المرتفع العالي. والأطم بالضم: بناء مرتفع. وروى الواقدي وأبو نعيم عن حويصة بن مسعود (2) - رضي الله تعالى عنه - وهو بضم الحاء المهملة وتشديد المثناة التحتية، وقيل يجوز تخفيفها، قال: كنا ويهود فينا كانوا يذكرون نبيا يبعث بمكة اسمه أحمد، ولم يبق من الأنبياء غيره، وهو في كتبنا وما أخذ علينا صفته كذا وكذا. حتى يأتوا على نعته. قال: وأنا غلام وما أرى أحفظ وما أسمع أعي إذ سمعت صياحا من ناحية بني عبد الأشهل، فإذا قوم فزعوا وخافوا أن يكون أمر حدث، ثم خفي
الصوت ثم عاد فصاح ففهمنا صياحه: يا أهل يثرب هذا كوكب أحمد الذي ولد به. قال:
(1) حسان بن ثابت بن المنذر الأنصاري النجاري شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو عبد الرحمن أو أبو الوليد. وعنه ابنه عبد الرحمن وابن المسيب. قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن روح القدس مع حسان ما دام ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ". قال أبو عبيد: توفي سنة أربع وخمسين. قال ابن إسحاق: عاش مائة وعشرين سنة. له فرد حديث عندهم، وليس له عن النبي صلى الله عليه وسلم سواه. الخلاصة 1 / 206. (2) حويصة بن مسعود بن كعب بن عامر بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري... شهد أحدا والخندق وسائر المشاهد روى ابن إسحاق من حديث محيصة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال بعد قتل كعب بن الأشرف: من ظفرتم به من يهود فاقتلوه فوثب محيصة على تاجر يهودي فقتله فجعل حويصة بضربه وكان أسن منه وذلك قبل أن يسلم حويصة وثبت ذكره في الصحيحين في حديث سهل بن أبي خيثمة في قصة قتل عبد الله بن سهل وفيه ذكر القسامة وفيه فذهب عبد الرحمن بن سهل يتكلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم كبر كبر فتكلم حويصة الحديث. الإصابة 2 / 48. (*)
[ 124 ]
فجعلنا نعجب من ذلك، ثم أقمنا دهرا طويلا ونسينا ذلك، فهلك قوم وحدث آخرون وصرت رجلا كبيرا، فإذا مثل ذلك الصياح بعينة: يا أهل يثرب قد خرج محمد وتنبأ وجاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى عليه الصلاة والسلام. فلم أنشب أن سمعت أن بمكة رجلا خرج يدعي النبوة، وخرج من قومنا وتأخر وأسلم فتيان منا أحداث ولم يقض لي أن أسلم، حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة (1). أنشب: أي لم ألبث. وروى أبو نعيم عن أبي سعيد مالك بن سنان الخدري (2) بالخاء المعجمة والدال المهملة - رضي الله تعالى عنه - قال: سمعت أبي يقول: جئت بني عبد الأشهل يوما لأتحدث فيهم، فسمعت يوشع اليهودي يقول: أظل خروج نبي يقال له أحمد يخرج من الحرم. فقيل له: ما صفته ؟ قال: رجل ليس بالقصير ولا بالطويل، في عينيه حمرة يلبس الشملة ويركب
الحمار، سيفه على عاتقه، وهذه البلد مهاجره. فرجعت إلى قومي بني خدرة وأنا أتعجب مما قال، فأسمع رجلا منا يقول: ويوشع يقول هذا وحده ؟ كل يهود يثرب تقول هذا. فخرجت حتى جئت بني قريظة فأجد جمعا فتذاكروا النبي صلى الله عليه وسلم فقال الزبير بن باطا: قد طلع الكوكب الأحمر الذي لم يطل إلا لخروج نبي وظهوره، ولم يبق من الأنبياء أحد إلا أحمد وهذه مهاجره. أظل: قرب. وروى ابن عساكر عن كعب - رحمه الله تعالى - قال: كان إسلام أبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - سببه وحي من السماء وذلك أنه كان تاجرا بالشام فرأى رؤيا فقصها على بحيرى الراهب فقال له: من أين أنت ؟ قال: من مكة. قال: من أيها ؟ قال: من قريش. قال: فأي شئ أنت ؟ قال: تاجر. قال: صدق الله تعالى رؤياك، فإنه يبعث نبي من قومك تكون وزيره في حياته وخليفته بعد موته. فأسرها أبو بكر حتى بعث النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد ما الدليل على ما تدعي ؟ قال: الرؤيا التي رأيت بالشام. فعانقه وقبل بين عينيه وقال: أشهد أنك رسول الله.
(1) أخرجه أبو نعيم في الدلائل 38. (2) سعد بن مالك بن سنان بنونين ابن عبد بن ثعلبة بن عبيد بن خدرة بضم المعجمة الخدري أبو سعيد، بايع تحت الشجرة، وشهد ما بعد أحد، وكان من علماء الصحابة، له ألف ومائة حديث وسبعون حديثا، اتفقا على ثلاثة وأربعين وانفرد (خ) بستة وعشرين، و (م) باثنين وخمسين. وعنه طارق بن شهاب، وابن المسيب، والشعبي، ونافع، وخلق. قال الواقدي: مات سنة أربع وسبعين. الخلاصة 1 / 371. (*)
[ 125 ]
وروى أبو نعيم واليهقي من طريق عفير بن زرعة بن سيف بن ذي يزن عن أبيه قالى: لما ظهر سيف ذي يزن على الحبشة، وذلك بعد مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين، أتاه وفود العرب وأشرافها وشعراؤها لتهنئه وتذكر ما كان من بلائه وطلبه بثأر قومه. وأتاه وفد قريش منهم عبد
المطلب بن هاشم (1) وأمية بن عبد شمس (2) وعبد الله بن جدعان (3) وأسد بن عبد العزى (4) ووهب بن عبد مناف (5) وقصي بن عبد الدار (6)، فدخل عليه آذنه وهو في رأس قصر يقال له غمدان، وهو الذي قال فيه أمية بن أبي الصلت الثقفي: اشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا * * في رأس غمدان دار منك مهلالا
(1) عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، أبو الحارث: زعيم قريش في الجاهلية، وأحد سادات العرب ومقدميهم. مولده في المدينة ومنشأه بمكة. كان عاقلا، ذا أناة ونجدة، فصيح اللسان، حاضر القلب. وهو جد رسول الله صلى الله عليه وسلم. مات بمكة عن نحو ثمانين عاما أو أكثر. توفى سنة 45. ه الأعلام 4 / 154. (2) أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، من قريش: جد الأمويين بالشام والأندلس، جاهلي كان من سكان مكة وكانت له قيادة الحرب في قريش بعد أبيه وعاش إلى ما بعد مولد النبي صلى الله عليه وسلم. الأعلام 2 / 23. (3) عبد الله بن جدعان التيمي القرشي: أحد الأجواد المشهورين في الجاهلية. أدرك النبي صلى الله عليه وسلم قبل النبوة. وكانت له جفنة يأكل منها الطعام القائم والراكب، فوقع فيها صبي، فغرق ! وهو الذي خاطبه أمية بن أبي الصلت بأبيات اشتهر منها قوله: " أأذكر حاجتي أم قد كفاني * * حياؤك ؟ إن شيمتك الحياء " الأعلام 4 / 76. (4) أسد بن عبد العزى بن قصي: من أجداد العرب في الجاهلية. بنوه حي كبير من قريش، منهم حكيم بن حزام الصحابي وخديجة (أم المؤمنين) وورقة بن نوفل. وكانت تلبية " بني أسد " في الجاهلية إذا حجوا: لبيك اللهم لبيك، يا رب أقبلت بنو أسد، أهل الوفاء والجلد إليك ". ولابن السائب الكلبي النسابة كتاب " أخبار أسد بن عبد العزى " وقال ابن حزم: لا عقب لعبد العزى إلا من أسد هذا. الأعلام 1 / 298. (5) وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة، من قريش: سيد بني زهرة، قبيل الإسلام. وهو أبو " آمنة " أم رسول الله. كانت كنيته أبا كبشة، فلما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم وناوأته قريش كانوا ينسبونه إليه، فيقولون: قال ابن أبي كبشة، وفعل ابن أبي كبشة. وفي " وهب " يقول أحد معاصريه: " يا وهب، يابن الماجدين زهره * * سدت كلابا - كلها - ابن مره * * بحسب زاك، وأم حره " الأعلام 8 / 25.
(6) قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي: سيد قريش في عصره، ورئيسهم. قيل: هو أول من كان له ملك من بني كنانة. وهو الأب الخامس في سلسلة النسب النبوي. مات أبوه وهو طفل فتزوجت أمه برجل من بني عذرة فانتقل بها إلى أطراف الشام، فشب في حجره، وسمي " قصيا " لبعده عن دار قومه. وأكثر المؤرخين على أن اسمه " زيد " أو " يزيد " ولما كبر عاد إلى الحجاز. وكان موصوفا بالدهاء. وولي البيت الحرام. فهدم الكعبة وجدد بنيانها كما في تاريخ الكعبة وحاربته القبائل فجمع قومه من الشعاب والأودية وأسكنهم مكة، لتقوى بهم عصبيته، فلقبوه " مجمعا " وكانت له الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء. وكان قريش تتيمن برأيه، فلا يبرم أمرا إلا في داره. وهو الذي أحدث وقود النار في " المزدلفة " ليراها من دفع من " عرفة " قال ابن هشام: غلب على مكة وجميع أمر قريش، وساعدته قضاعة. وقال ابن حبيب: كان الشرف والرياسة من قريش في الجاهلية في بني " قصي " لا ينازعونه ولا يفخر عليهم فاخر إلى أن تفرقت الرياسة في بني عبد مناف. الأعلام 5 / 198. (*)
[ 126 ]
واشرب هنيئا فقد شالت نعامتهم * * وأشبل اليوم في برديك إشبالا تلك المكارم لا قعبا من لبن * * شيبا بماء فعادا برديك بعد أبوالا (1) قال: والملك متضمخ بالعبير يلصف وبيص المسك في مفرق رأسه، وعليه بردان أخضران مرتديا بأحدهما مؤتزرا بالآخر، سيفه بين يديه، وعن يمينه وعن شماله الملوك والمقاول. وأخبر بمكانهم فأذن لهم فدخلوا عليه، ودنا منه عبد المطلب فاستأذنه في الكلام فقال: إن كنت ممن يتكلم بين يدي الملوك فقد أذنا لك. فقال: إن الله عز وجل قد أحللت أيها الملك محلا رفيعا شامخا باذخا منيعا، وأنبتك نباتا طابت أرومته وعظمت جرثومته، وثبت أصله وبسق فرعه، في أطيب موضع وأكرم معدن، وأنت أبيت اللعن ملك العرب الذي إليه تنقاد وعمودها الذي عليه العماد ومعقلها الذي تلجأ إليه العباد، سلفك خير سلف، وأنت لنا منهم خير خلف فلن يهلك ذكر من أنت خلفه، ولن يخمل ذكر من أنت سلفه، نحن أهل حرم الله وسدنة بيته، أشخصنا إليك الذي أبهجنا من كشفك الكرب الذي فدحنا، فنحن وفد التهنئة لا وفد المرزئة.
قال له الملك: من أنت أيها المتكلم ؟ قال: أنا عبد المطلب بن هاشم. قال: ابن أختنا ؟ قال: نعم. قال: أدنه. ثم أقبل عليه وعلى القوم فقال: مرحبا وأهلا - فأرسلها مثلا، وكان أول من تكلم بها - وناقة ورحلا ومتناخا سهلا وملكا ربحلا يعطي عطاء جزلا، قد سمع الملك مقالتكم وعرف قرابتكم وقبل وسيلتكم، فإنكم أهل الليل والنهار ولكم الكرامة ما أقمتم والحباء إذا ظعنتم. ثم أنهضوا إلى دار الضيافة والوفود وأجري عليهم الأنزال، فأقاموا بذلك شهرا لا يصلون إليه ولا يؤذن لهم بالانصراف. ثم انتبه لهم انتباهة فأرسل إلى عبد المطلب فأدناه ثم قال له: يا عبد المطلب إني مقض إليك من سرعلمي أمرا لو غيرك يكون لم أبح له به، ولكن رأيتك معدنه فأطلعتك طلعه، فليكن عندك مخبأ حتى يأذن الله عز وجل فيه، إني أجد في الكتاب المكتوب والعلم المخزون الذي ادخرناه لأنفسنا واحتجيناه دون غيرنا خبرا عظيما وخطرا جسيما فيه شرف الحياة وفضيلة الوفاة للناس عامة ولرهطك كافة ولك خاصة. فقال له عبد المطل: مثلك أيها الملك سر وبر: فما هو ؟ فداك أهل الوبر زمرا بعد زمر. قال: إذا ولد بتهامة غلام بين كتفيه
(1) الأبيات من قصيدة مطلعها: ليطلب الوتر أمثال ابن ذي يزن * * زيم في البحر للأعداء أحوالا وهي تروى لأبي الصلت بن أبي ربيعة الثقفي أيضا، ينظر السيرة النبوية والروض الأنف 1 / 84، 85. (*)
[ 127 ]
شامة، كانت له الإمامة ولكم به الزعامة إلى يوم القيامة. فقال له عبد المطلب: أيها الملك أبت بخير ما آب بمثله وافد قوم، ولولا هيبة الملك وإجلاله وإعظامه لسألته من ساره إياي كيما أزداد به سرورا. فقال له الملك: هذا حينه الذي يولد فيه أوقد ولد، اسمه محمد، يموت أبوه وأمه ويكفله جده وعمه، ولدناه مرارا والله باعثه جهارا وجاعل له منا أنصارا، يعز بهم أولياءه ويذل بهم أعداءه، ويضرب بهم الناس عن عرض ويستفتح بهم كرائم أهل الأرض، يعبد
الرحمن ويدحض أو يدحر الشيطان ويخمد النيران ويكسر الأوثان. قوله فصل وحكمه عدل، ويأمر بالمعروف ويفعله وينهى عن المنكر ويبطله. قال له عبد المطلب: عز جدك ودام ملكك وعلا كعبك، فهل الملك ساري بإفصاح فقد وضح لي بعض الإيضاح قال له سيف بن ذي يزن: والبيت ذي الحجب والعلامات على النقب إنك لجده يا عبد المطلب غير كذب. قال: فخر عبد المطلب ساجدا، فقال له سيف بن ذي يزن: ارفع رأسك ثلج صدرك وعلا كعبك، فهل أحسست بشئ مما ذكرته لك ؟ قال: نعم أيها الملك إنه كان لي ابن وكنت به معجبا وعليه رفيقا وإني زوجته كريمة من كرائم قومي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة (1)، فجاءت بغلام فسميته محمدا مات أبوه وأمه وكفلته أنا وعمه. فقال له سيف بن يزن: إن الذي قلت كما قلت فاحتفظ من ابنك واحذر عليه اليهود فإنهم له أعداء ولن يجعل الله لهم عليه سبيلا واطو ما ذكرته لك عن هؤلاء الرهط الذين معك فإني لست آمن أن تتداخلهم النفاسة من أن يكون لهم الرياسة، فينصبون له الحبائل ويبغون له الغوائل، وهم فاعلون ذلك أو أبناؤهم غير شك، لولا أني أعلم أن الموت مجتاحي قبل مبعثه لسرت بخيلي ورجلي حتى أصير بيثرب دار ملكه فإني أجد في الكتاب الناطق والعلم السابق أن بيثرب استحكام أمره وأهل نصرته وموضع قبره، ولولا إني أقيه من الآفات وأحذر عليه العاهات لأعلنت على حداثة سنه أمره ولأوطأت على أسنان العرب كعبه، ولكني سأصرف ذلك إليك عن غير تقصير بمن معك. ثم دعا بالقوم وأمر لكل واحد منهم بعشرة أعبد سود وعشرة إماء سود وحلتين من حلل
(1) آمنة بنت وهب بن عبد مناف، من قريش: أم النبي صلى الله عليه وسلم كانت أفضل امرأة في قريش نسبا ومكانة. امتازت بالذكاء وحسن البيان. رباها عمها وهيب بن عبد مناف. و تزوجها عبد الله بن عبد المطلب فحملت منه بمحمد صلى الله عليه وسلم ورحل عبد الله بتجارة إلى غزة فلما كان في المدينة عائدا مرض فمات بها. وولدت آمنة بعد وفاته. فكانت تخرج كل عام من مكة إلى المدينة فتزور قبره وأخوال أبيه (بني عدي بن النجار) وتعود. فمرضت في إحدى رحلاتها هذه فتوفيت بموضع يقال له " الأيواء " بين مكة والمدينة، ولابنها من العمر ست سنين وقيل أربع. توفيت سنة 45 ق. م.
الأعلام 1 / 26. (*)
[ 128 ]
البرود، وعشرة أرطال ذهب وعشرة أرطال فضة ومائة من الإبل، وكرش مملوءا عنبرا، وأمر لعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك. ثم قال: إذا حال الحول فأتني بخبره وما يكون من أمره. قال: فمات سيف بن ذي يزن قبل أن يحول عليه الحول. قال: وكان كثيرا ما يقول عبد المطلب: يا معشر قريش لا يغبطني رجل منكم بجزيل عطاء الملك وإن كثر فإنه إلى نفاد، ولكن ليغبطني بما يبقى لي ولعقبي ذكره وفخره. فإذا قيل: وما هو ؟ سيعلم ما أقول ولو بعد حين. قال البيهقي - رحمه الله تعالى -: وقد روي هذا الحديث أيضا عن الكلبي (1) عن أبي صالح (2) عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. تفسير الغريب بلاؤه: أي إحسانه. مرتفقا: أي متكئا أو من الرفق. غمدان بضم الغين المعجمة: قصر باليمن. محلالا من الحلول ويروي مهلالا أي متهللا. شالت نعامتهم: قال في النهاية: النعامة: الجماعة إذا تفرقوا. وفي الصحاح: يقال للقوم إذا ارتحلوا عن مياههم أو تفرقوا: قد شالت نعامتهم. متضمخ: متلطخ. العبير بعين مهملة فباء موحدة فمثناة تحتية: نوع من الطيب. يلصف بالصاد المهملة والفاء: مضارع لصف لصفا ولصيفا إذا برق. الوبيص: البرق أيضا. المقاول: جمع قيل وهو الملك من ملوك حمير: دون الملك الأعظم. شامخا: مرتفعا باذخا بالذال والخاء المعجمتين: أي عاليا. الأرومة وزن الأكولة: الأصل. الجرثومة بضم الجيم والثاء المثلثة الأصل أيضا. بسق: طال أبيت اللعن: أي أبيت أن تأتي من الأمور ما تلعن عليه. فدحنا بفاء فدال فحاء مهملتين فنون مفتوحات. أثقلنا. السدنة: بسين فدال مهملتين فنون: الخدمة. ربحلا: براء مكسورة فموحدة فحاء مهملة مفتوحة: الكثير العطاء.
أهل الليل والنهار: أي لا يحجبون ليلا ولا نهارا. الحباء بكسر الحاء المهملة وبالمد: العطاء. احتجيناه بحاء مهملة فمثناة فوقية فجيم فتحتية فنون أي أكتتمناه. أبت بكسر أوله رجعت: ساره إياي: أي مساررته لي. النقب بضم النون جمع نقب وهو الطريق. الزعامة بفتح الزاي: أي السيادة.
(1) محمد بن السائب بن بشر بن عمرو الكلبي أبو النضر الكوفي. عن أبي صالح باذام والشعبي وغيرهما. وعنه ابن المبارك وابن فضيل ويزيد بن هارون وخلق، قال ابن عدي: رضوه في التفسير. وقال أبو حاتم: أجمعوا على ترك حديثه. واتهمه جماعة بالوضع. قال مطبن: مات سنة ست وأربعين ومائة. الخلاصة 2 / 405. (2) ميزان البصري، أبو صالح ما مقبول وهو مشهور بكنيته. التقريب 2 / 291. (*)
[ 129 ]
عن عرض: بضم العين المهملة أي لا يبالون من لقوا دونه ولا يخافون أحدا بل يضربون كل من عرض لهم دونه بشر. وعرض الشئ ناحية منه. علا كعبك: هو دعاء له بالشرف والعلو، والأصل فيه كعب القناة وهو أنبوبتها، وما بين كل عقدتين منها كعب، وكل شئ علا وارتفع فهو كعب. مجتاحي بجيم فمثناة فوقية وحاء مهملة: أي مستأصلي ومهلكي. وروى أبو نعيم عن طريق محمد بن عمر الأسلمي عن شيوخه. قالوا: بينما عبد المطلب يوما في الحجر وعنده أسقف نجران، وكان صديقا له وهو يحادثه ويقول: إنا نجد صفة نبي بقي من ولد إسماعيل، هذا البلد مولده، من صفته كذا وكذا. وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إليه الأسقف وإلى عينه وإلى ظهره وإلى قدميه فقال: هو هذا، ما هو منك ؟ قال: ابني. قال: لا، ما نجد أباه حيا. قال: هو ابن ابني وقد مات أبوه وأمه حبلى به. فقال: صدقت. قال عبد المطلب لبنيه: تحفظوا بابن أخيكم، ألا تسمعون ما يقال فيه. والأحاديث والآثار في هذا الباب كثيرة وفيما ذكر كفاية.
[ 130 ]
الباب العاشر في بعض منامات رئيت تدل على بعثته صلى عليه وسلم روى أبو نعيم من طريق أبي بكر بن عبد الله بن أبي الجهم عن أبيه عن جده قال: سمعت أبا طالب (1) يحدث عن عبد المطلب قال: بينما أنا نائم في الحجر رأيت رؤيا هالتني ففزعت منها فزعا شديدا، فأتيت كاهنة قريش وعلي مطرف خز وجمتي تضرب منكبي فقلت لها إني رأيت الليلة كأن شجرة نبتت قد نال رأسها السماء وضربت بأغصانها المشرق والمغرب وما رأيت نورا أزهر منها أعظم من نور الشمس بسبعين ضعفا، ورأيت العرب والعجم لها ساجدين وهي تزداد كل ساعة - عظما ونورا وارتفاعا، ساعة تخفى وساعة تظهر، ورأيت رهطا من قريش قد تعلقوا بأغصانها ورأيت قوما من قريش يريدون قطعها فإذا دنوا منها أخذهم شاب لم أر قط أحسن منه وجها ولا أطيب منه ريحا فيكسر أظهرهم ويقلع أعينهم، فرفعت يدي لأتناول منها نصيبا فلم أقدر فقلت: لمن النصيب ؟ قال: النصيب لهؤلاء الذين تعلقوا بها. وسبقوك. فانتبهت مذعورا. فرأيت وجه الكاهنة قد تغير ثم قالت: لئن صدقت رؤياك ليخرجن من صلبك رجل يملك المشرق والمغرب ويدين له الناس. فقال عبد المطلب لأبي طالب: لعلك أن تكون عم هذا المولود. فكان أبو طالب يحدث بهذا الحديث والنبي صلى الله عليه وسلم قد خرج ويقول: كانت الشجرة والله أبا القاسم الأمين. فيقال له: ألا تؤمن به ؟ فيقول السبة والعار (2). وذكر ابن ظفر أن مرثد بن عبد كلال رأى رؤيا أخافته وأذعرته وهالته في حال منامه فلما انتبه نسيها حتى ما يذكر منها شيئا، ثم إنه أحضر الكهان فجعل يخلو بكاهن كاهن ثم يقول: أخبرني عما أريد أن أسالك عنه. فيجيبه الكاهن بأنه لا علم عنده عنها. فلم يكن عند واحد منهم جوابها، ثم إنه خرج يتصيد بعد ذلك فأوغل في طلب الصيد وانفرد عن أصحابه، فرفعت له أبيات في ذرى جبل فقصد بيتا منها، فبرزت له عجوز فقالت له: بالرحب والسعة والجفنة المدعدعة والعلبة المترعة. فنزل فلما احتجب عن الشمس نام فلم يستيقظ حتى
تصرم الهجير، فإذا بين يديه فتاة لم ير مثلها جمالا فقالت له: أبيت اللعن أيها الملك الهمام هل لك في الطعام ؟ فخاف على نفسه لما رأى أنها عرفته فقالت: لا حذر فداك البشر. وقربت إليه
(1) عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم، من قريش، أبو طالب: والد علي رضي الله عليه وعم النبي صلى الله عليه وسلم وكافله ومربيه ومناصره. كان من أبطال بني هاشم ورؤسائهم، ومن الخطباء العقلاء الأباة. وله تجارة كسائر قريش. نشأ النبي صلى الله عليه وسلم في بيته، ولما أظهر الدعوة إلى الإسلام هم أقرباؤه بنو قريش بقتله، فحماه أبو طالب وصدهم عنه، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، فامتنع خوفا من أن تعيره العرب بتركه دين آبائه، ووعد بنصرته وحمايته. الأعلام 4 / 166. (2) أخرجه أبو نعيم في الدلائل (60). (*)
[ 131 ]
ثريدا وقامت تذب عنه انتهى أكله، ثم سقته لبنا صريفا وضريبا، فشرب ما شاء وجعل يتأملها مقبلة ومدبرة فملأت عينيه حسنا وقلبه هوى فسألها عن اسمها فقالت: عفيراء. فقال: ياعفيراء من الذي دعوتيه بالملك الهمام ؟ فقالت: مثرد العظيم الشأن حاشر الكواهن والكهان، لمعضلت بعل بها الجان. قال ياعفيراء أتعلمين ما تلك المعضلة ؟ فقالت: نعم أيها الملك، إنها رؤيا منام ليس بأضغاث أحلام، رأيت أعاصير زوابع بعضها لبعض تابع، فيها لهب لامع، ولها دخان ساطع، يقفوها نهر متدافع روي جارع وغرق كارع، وسمعت فيما أنت سامع دعاء ذي جرس صادع هلموا إلى المشارع. قال الملك: نعم هذه رؤياي فما تأويلها ؟ قالت: الزوابع: ملوك تتابع. والنهر علم واسع. والداعي: نبي شافع. والجارع ولي له تابع. والكارع: عدو له منازع فقال الملك: أسلم هذا النبي أم حرب ؟ فقالت: أقسم برافع السماء ومن أنزل الماء من العماء إنه لمبطل الدماء ومنطق العقائل نطق الإماء. قال الملك: إلى ماذا يدعو ؟ قالت: إلى صيام وصلاة وصلة أرحام، وكسر أصنام، وتعطيل أزلام، واجتناب آثام. قال الملك: من قومه ؟ قالت: مضر بن نزار (1) ولهم نقع مثار يجلى عن قتل وإسار. قال: يا عفيراء إذا ذبح قومه فمن أعضاده ؟ قالت: أعضاده غطاريف يمانون طائرهم به ميمون يعزيهم فيعزون ويدمث بهم الحزون وإلى نصر يعتزون.
فأطرق الملك يؤامر نفسه في خطبتها فقالت أبيت اللعن إن تابعي غيور، ولأمري صيور وناكحي مقبور، والكلف بي تبور. فنهض الملك مبادرا فجال في صهوة جواده وانطلق فبعث إليها بمائة ناقة كوماء. تفسير الغريب أوغل في طلب كذا: تابع في ذلك. والوغول: الدخول في الشئ بالقوة. الذرى: بوزن الحصى: كل ما يستتر به الشخص. والذروة بالكسر والضم من كل شئ أعلاه. والجفنة المدعدعة (2): هي التي ملئت ثم حركت حتى تراص ما فيها ثم ملئت بعد ذلك والعلبة المترعة: هي إناء من جلد والإتراع: الامتلاء. الأرواح: الرياح. الصريف: اللبن المحض يحلب أوان الحلاب يصرف عن الضرع إلى
(1) مضر بن نزار بن معد بن عدنان: جد جاهلي، من سلسلة النسب النبوي. من أهل الحجاز. قيل إنه أول من سن الحداء للإبل في العرب، وكان من أحسن الناس صوتا. أما بنوه فهم أهل الكثرة والغلبة في الحجاز، من دون سائر بني عدنان، كانت الرياسة لهم بمكة والحرم. الأعلام 7 / 249. (2) انظر المعجم الوسيط 1 / 285. (*)
[ 132 ]
الشارب. الضريب من اللبن. الرائب يحلب عليه فيستضرب أي يغلظ. بعل بها الجان: بفتح الباء وكسر العين المهملة بعدها لام، قال في النهاية: بعل بالأمر إذا دهش. أعاصير زوابع: هي من الرياح ما يثير التراب فيعليه في الجو ويثيره. ساطع: مرتفع. الجرس: الصوت. المشارع: المداخل إلى النهر. روي جارع: أي من شرب منه جرعا روي. وغرق كارع: أي من أمعن غرق. تتابع: جمع تبع، وهو لقب كان لملوك اليمن وهو من الاتباع، لأن بعضهم كان يتبع
في الملك والسيرة بعضا. والتبع زعموا أنه اسم للظل. العماء: الغيم والغمام. العقائل: الكرائم من النساء يسبيهن فيشددن النطق على أوساطهن للمهنة والخدمة. النقع: الغبار يثيره المتحاربون والخيل وغيرها. الأعضاد: الأنصار الغطاريف (1): السادة والتغطرف: التكبر. يدمث: يسهل يعتزون: ينتسبون. يؤامر نفسه: هكذا يقال ويراد به يعارض الرأيين المتضادين في النفس. ولأمري صيور: أي عاقبة يصير إليها، يقولونه على جهة التعظيم. جال: وثب. الصهوة: مقعد الفارس من ظهر الفرس. كوماء (2): عظيمة السنام. وروى ابن سعد وابن الجوزي عن أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص (3) رضي الله تعالى عنها قالت، قبيل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم: كان خالد بن سعيد بن العاص (4) ذات ليلة نائما فقال: رأيت كأنه قد غشيت مكة ظلمة عظيمة حتى لا يبصر امرؤ كفه، فبينما هو كذلك إذ خرج نور من زمزم ثم علا في السماء فأضاء في البيت، ثم أضاءت مكة كلها ثم ضرب إلى نخل يثرب فأضاءها حتى إني لأنظر إلى البسر في النخل. فاستيقظت فقصصتها على أخي
(1) انظر اللسان 5 / 3270. (2) من كوم كومة بالضم إذا جمع قطعة من تراب ورفع رأسها ونظيره الصبرة من الطعام، انظر مختار الصحاح 357. (3) أمة بنت خالد بن سعيد بن العاصي بن أمية، صحابية بنت صحابي، ولدت بأرض الحبشة، وتزوجها الزبير بن العوام، وعمرت حتى لحقها موسى بن عقبة. التقريب 2 / 590. (4) خالد بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص الأموي. عن أبيه. وعنه ابن المبارك فرد حديث في (خ) وغيره. وثقه أبو بشر العبدي. الخلاصة 1 / 278. (*)
[ 133 ]
عمرو بن سعيد (1) وكان جزل الرأي فقال: يا أخي إن هذا لأمر يكون في بني عبد المطلب، ألا ترى أنه خرج من حفرة أبيهم.
قال خالد: فإنه لمما هداني الله للإسلام. قالت أم خالد: فأول من أسلم ابني وذلك أنه ذكر رؤياه لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا خالد: أنا والله ذلك النور وأنا رسول الله. فقص عليه ما بعثه الله به فأسلم خالد وأسلم عمرو بعده. وروى ابن سعد عن حرام بن عثمان الأنصاري (2) - رضي الله تعالى عنه - قال: قدم أسعد بن زرارة (3) من الشام تاجرا في أربعين رجلا من قومه، فرأى رؤيا أن آتيا أتاه فقال: إن نبيا يخرج بمكة يا أبا أمامة فاتبعه وآية ذلك أنكم تنزلون منزلا فيصاب أصحابك فتنجو أنت وفلان يطعن في عينه. فنزلوا منزلا فبيتهم فيه الطاعون فأصيبوا جيمعا غير أبي أمامة وصاحب له طعن في عينه. وروى أيضا وابن الجوزي، عن عمرو بن مرة الجهني (4) رضي الله تعالى عنه قال: خرجت حاجا في جماعة من قومي في الجاهلية فرأيت في المنام وأنا بمكة نورا ساطعا خرج من الكعبة حتى أضاء لي من الكعبة إلى جبل يثرب وأشعر جهينة فسمعت صوتا في النور وهو يقول: انقشعت الظلم وسطع الضياء وبعث خاتم الأنبياء. ثم أضاء إضاءة أخرى حتى نظرت إلى قصور الحيرة وأبيض المدائن فسمعت صوتا في النور وهو يقول: ظهر الإسلام وكسرت الأصنام ووصلت الأرحام. فانتبهت فزعا فقلت لقومي: والله ليحدثن في هذا الحي من قريش حدث. وأخبرتهم بما رأيت. فلما انتهينا إلى بلادنا جاءنا خبر أن رجلا يقال له أحمد قد بعث. فخرجت حتى أتيته فأخبرته بما رأيت فقال: يا عمرو بن مرة أنا النبي المرسل إلى العباد كافة أدعوهم إلى الإسلام وآمرهم بحقن الدماء وصلة الأرحام وعبادة الله ورفض الأصنام وحج بيت الله وصيام
(1) عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس الأموي أبو أمية الأشدق أحد الأشراف. قيل: له رؤية. عن أبيه وعمر وعثمان. وعنه بنوه أمية وموسى وسعيد، تغلب على دمشق سنة تسع وستين ثم لاطفه عبد الملك ثم قتله غدرا سنة تسع وستين أو سبعين، قيل: ذبحه بيده. انظر الخلاصة 2 / 285. (2) حرام بن عثمان الأنصاري، أحد بني سلمة. مات بعد خروج محمد بن عبد الله بن حسن، وقيل سنة خمسين ومائة
بالمدينة وكان كثير الحديث ضعيفا. الطبقات لابن سعد 5 / 455. (3) أسعد بن زرارة بن عدي بن عبيد بن ثعلبة بن غنيم بن مالك بن النجار أبو أمامة الأنصاري الخزرجي النجاري.. قديم الإسلام يقال إنه أول من بايع ليلة القضية قال البغوي: بلغني أنه أول من مات من الصحابة بعد الهجرة وأنه أول ميت صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم الإصابة 1 / 32. (4) عمرو بن مرة بن صعصعة، من سلوك، من عدنان: جد جاهلي من نسله " قردة بن نفاثة " من الصحابة، وعبد الله بن همام من الشعراء. الأعلام 5 / 85 - 86. (*)
[ 134 ]
شهر رمضان شهر من اثني عشر شهرا، فمن أجاب فله الجنة ومن عصى فله النار، فآمن بالله يا عمرو بن مرة يؤمنك الله من هول جهنم. فقلت يا رسول الله، آمنت بما جئت به من حلال وحرام. ثم أنشدته أبياتا قلتها حين سمعت به وهي: شهدت بأن الله حق وأنني * * لآلهة الأصنام أول تارك لأصحب خير الناس نفسا ووالدا * * رسول مليك الناس فوق الحبائك وروى أبو نعيم عن كعب ووهب بن منبه رحمهما الله تعالى قالا: رأى بختنصر في منامه رؤيا عظيمة أفزعته فلما استقيظ أنسيها، فدعا كهنته وسحرته فأخبرهم بما أصابه من الكرب في رؤياه وسألهم أن يعبروها له، فقالوا: قصها علينا. فقال: قد نسيتها. قالوا: فإنا لا نقدر على تأويلها حتى تقصها. فدعا دانيال فأخبره بها فقال إنك قد رأيت صنما عظيما رجلاه في الأرض ورأسه في السماء أعلاه من ذهب ووسطه من فضة وأسفله من نحاس وساقاه من حديد ورجلاه من فخار، فبينما أنت تنظر إليه قد أعجبك حسنه وإحكام صنعته قذفه الله بحجر من السماء فوقع على قنة رأسه، قذفه حتى طحنه فاختلط ذهبه وفضته ونحاسه وحديده وفخاره، حتى تخيل إليك أنه لو اجتمع الإنس والجن على أن يميزوا بعضه من بعض لم يقدروا على ذلك ولو هبت ريح لاذرته، ونظرت إلى الحجر الذي قذف به يربو ويعظم وينتشر حتى ملأ الأرض كلها، فصرت لا ترى إلا السماء. والحجر. قال بختنصر: صدقت، هذه الرؤيا التي رأيتها فما تأويلها ؟ قال: أما الصنم. فأمم مختلفة
في أول الزمان وفي وسطه وفي آخره. وأما الحجر الذي قذف الله به الصنم فدين الله تعالى يقذف به هذه الأمم في آخر الزمان ليظهره عليها، فيبعث الله تعالى نبيا أميا من العرب فيدوخ الله تعالى به الأمم والأديان كما رأيت الحجر دوخ أصناف الصنم، ويظهر على الأديان كما رأيت الحجر ظهر على وجه الأرض. قال في الصحاح: داخ البلاد يدوخها قهرها واستولى على أهلها وكذلك دوخ البلاد.
[ 135 ]
الباب الحادي عشر فيما وجد من صورة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مقرونة بصور الأنبياء قبله صلى الله عليه وسلم روى البيهقي وأبو نعيم عن هشام بن العاص (1) رضي الله تعالى عنه قال: بعثت أنا ورجل من قريش زمن أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى هرقل صاحب الروم ندعوه إلى الإسلام، فخرجنا حتى قدمنا الغوطة، يعني دمشق، فنزلنا على جبلة بن الأبهم الغساني (2)، فدخلنا عليه وإذا هو على سرير له، فأرسل إلينا برسول نكلمه، فقلنا: والله إنا لا نكلم رسولا إنما بعثنا إلى الملك فإن أذن لنا كلمناه وإلا لم نكلم الرسول. فرجع إليه الرسول فأخبره فأذن، فكلمه هشام ودعاه إلى الإسلام وإذا عليه ثياب سود، فقال له هشام: ما هذه الثياب التي عليك ؟ قال: لبستها وحلفت أن لا أنزعها حتى أخرجكم من الشام. فقلنا: ومجلسك هذا والله لنأخذنه منك ولنأخذن ذلك الملك الأعظم إن شاء الله تعالى، أخبرنا بذلك نبينا صلى الله عليه وسلم. (قال: فأنتم إذا السمراء. قلنا: السمراء ؟) (3) قال لستم بهم هم قوم يصومون بالنهار ويفطرون بالليل، فكيف صومكم ؟ فأخبرناه فملئ وجهه سوادا فقال: قوموا. وبعث معنا رسولا إلى الملك فخرجنا حتى إذا جاء بقرب المدينة قال الذين أرسلهم معنا: إن دوابكم هذه لا تدخل المدينة فإن شئتم حملناكم على براذين أو بغال. فقلنا: والله لا ندخل إلا عليها. فأرسلوا إلى الملك بذلك بأنهم يأبون. فدخلنا على رواحلنا متقلدين سيوفنا حتى انتهينا إلى غرفة له فأنخنا في
أصلها وهو ينظر إلينا، فقلنا: لا إله إلا الله والله أكبر. فلقد تنفضت الغرفة حتى صارت كأنها عذق تعصفه الرياح. ثم دخلنا عليه فقال: ما كان عليكم لو جئتموني بتحيتكم فيما بينكم ؟ قلنا: إن تحيتنا فيما بيننا لا تحل لك وتحيتك التي أنت بها لا يحل لنا أن نحييك بها. قال: كيف تحيتكم ؟ قلنا: السلام. قال: كيف تحيون ملككم. قلنا: بها. قال: وكيف يرد عليكم ؟ قلنا: بها. قال: فما أعظم كلامكم ؟ قلنا: لا إله إلا الله والله أكبر. فلما تكلمنا بها تنفضت الغرفة حتى رفع رأسه إليها. قال: فهذه الكلمة التي قلتموها حيث تنفضت الغرفة كلما
(1) هشام بن العاص بن وائل بن هاشم: صحابي، هو أخو عمرو بن العاص. أسلم بمكة قديما، وهاجر إلى بلاد الحبشة في الهجرة الثانية، ثم عاد إلى مكة حين بلغته هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، يريد اللحاق به، فحبسه أبوه وقومه، بمكة. فأقام إلى ما بعد وقعة " الخندق " ورحل إلى المدينة، فشهد الوقائع. وقتل في أجنادين، وقيل: في اليرموك. وكان صالحا شجاعا. توفي 13 ه. انظر الأعلام 8 / 86. (2) جبلة بن الأيهم بن جبلة الغساني من آل جفنة: آخر ملوك الغساسنة في بادية الشام. عاش زمنا في العصر الجاهلي وحضر وقعه اليرموك في جيش الروم، ثم أسلم وهاجر إلى المدينة فيها وخرج إلى بلاد الروم وتوفي بها سنة عشرين. (3) سقط في أ. (*)
[ 136 ]
قلتموها في بيوتكم تنفضت هكذا ؟ قلنا: لا. وما رأيناها فعلت هذا قط إلا عندك. قال: وددت أنكم كلما قلتم تنفض عليكم كل شئ وأني خرجت من نصف ملكي قلنا لم ؟ قال: لأنه كان أيسر لشأنها وأجدر أن لا يكون من أمر النبوة وأن يكون من حيل الناس. ثم سألناعما أراده فأخبرناه. قال: قوموا. فقمنا فأمر لنا بمنزل حسن ونزل كثير، فأقمنا ثلاثا ثم أرسل إلينا ليلا فدخلنا عليه فاستعاد قولنا فأعدناه ثم دعا بشئ كهيئة الربعة العظيمة مذهبة فيها بيوت صغار عليها أبواب، ثم فتح بابا فاستخرج حريرة سوداء فنثرها فإذا فيها صورة حمراء وإذا فيها رجل ضخم العينين عظيم الأليتين لم أر مثل طول عنقه وإذا ليست له لحية وإذا له ضفرتان أحسن ما خلق الله تعالى. فقال: أتعرفون هذا ؟ فقلنا: لا. قال: هذا آدم عليه
الصلاة والسلام وإذا هو أكثر الناس شعرا، ثم فتح بابا آخر واستخرج منه حريرة سوداء وإذا فيها صورة بيضاء وإذا فيها رجل ذو شعر كشعر القطط أحمر العينين ضخم القامة حسن اللحية قال: هل تعرفون هذا ؟ قلنا: لا. قال: هذا نوح. ثم فتح بابا آخر واستخرج منه حريرة سوداء وإذا فيها رجل شديد البياض حسن العينين صلت الجبين طويل الخدين أبيض الليحية كأنه يتبسم، فقال: أتعرفون هذا ؟ قلنا: لا. قال: هذا إبراهيم. ثم فتح بابا آخر واستخرج منه حريرة سوداء وإذا فيها صورة بيضاء وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: أتعرفون هذا ؟ قلنا: نعم، هذا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بكينا. فوالله لقد قام لها قائما ثم جلس وقال: والله إنه لهو ؟ قلنا: نعم إنه لهو. فأمسك ساعة ثم قال: أما إنه آخر البيوت، ولكن عجلته لأنظر أتعرفون ذلك أم لا. ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة سوداء فإذا فيها صورة آدماء شحماء وإذا رجل جعد قطط غائر العينين حديد النظر عابس متراكب الاسنان مقلص الشفة كأنه عضبان. فقال: أتعرفون هذا ؟ قلنا لا. قال: هذا موسى بن عمران. وإلى جنبه صورة تشبهه إلا أنه مدهان الرأس عريض الجبين في عينيه قبل، قال: هل تعرفون هذا ؟ قلنا: لا. قال: هذا هارون. ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فإذا فيها صورة رجل سبط آدم ربعة كأنه عضبان. فقال: هل تعرفون هذا ؟ قلنا: لا. قال: هذا لوط. ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة فإذا فيها صورة رجل مشرب بحمرة أقنى الأنف خفيف العارضين حسن الوجه. قال: هل تعرفون هذا ؟ قلنا: لا. قال: هذا إسحاق، ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فإذا فيها صورة تشبه إسحاق إلا أنه على شفتيه خال. فقال: هل تعرفون هذا ؟ قلنا: لا. قال: هذا يعقوب ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة سوداء فإذا فيها صورة رجل أبيض حسن الوجه أقنى الأنف حسن القامة يعلو وجهه نور يعرف في وجهه الخشوع يقرب إلى الحمرة فقال: هل تعرفون هذا ؟ قلنا: لا. قال: هذا إسماعيل جد نبيكم، ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة سوداء فإذا فيها صورة كأنها صورة آدم كأن وجهه الشمس فقال: هل تعرفون هذا ؟ قلنا: لا. قال هذا يوسف عليه الصلاة والسلام.
[ 137 ]
ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فيها صورة رجل أحمر حمش الساقين أخفش العينين ضخم البطن ربعة متقلد سيفا قال: هل تعرفون هذا ؟ قلنا: لا. قال: هذا داود. ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فإذا فيها صورة رجل متخم الأليتين طويل الرجلين راكب فرسا، فقال: هل تعرفون هذا ؟ قلنا: لا. قال: هذا سليمان عليه السلام ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة سوداء فيها صورة بيضاء وإذا رجل شاب شديد سواد اللحية كثير الشعر حسن الوجه فقال: هل تعرفون هذا ؟ قلنا: لا. قال: عيسى ابن مريم. قلنا: من أين لك هذه الصور لأنا نعلم أنها صورت على ما صورت عليه الأنبياء لأنا رأينا صورة نبينا صلى الله عليه وسلم مثله فقال: إن آدم صلى الله عليه وسلم سأل ربه أن يريه الأنبياء من ولده فأنزل عليه صورهم وكانت في خزانة آدم عند مغرب الشمس فاستخرجها ذو القرنين فدفعها إلى دانيال. ثم قال: أما والله وددت أن نفسي طابت بالخروج من ملكي وإني كنت عبدا لأشركم ملكة حتى أموت. ثم أجزنا فأحسن جائزتنا وسرحنا. فلما أتينا أبا بكر رضي الله تعالى عنه أخبرناه بما رأيناه وبما قال لنا فبكى أبو بكر وقال: مسكين ! لو أراد الله تعالى به خيرا لفعل. ثم قال: أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اليهود يجدون نعت محمد صلى الله عليه وسلم عندهم. وروى ابن عساكر نحوه عن دحية (1) - رضي الله تعالى عنه - وذكر ابن ظفر في " خير البشر " بحوه عن حكيم بن حزام (2) رضي الله تعالى عنه. وروى البخاري في التاريخ والبيهقي عن جبير بن مطعم (3) - رضي الله تعالى عنه - قال:
(1) دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة بن زيد بن امرئ القيس بن الخزرج بفتح المعجمة وسكون الزاي ثم جيم ابن عامر بن بكر بن عامر الأكبر بن عوف الكلبي.. صحابي مشهور أول مشاهده الخندق وقيل أحد ولم يشهد بدرا وكان يضرب به المثل في حسن الصورة وكان جبرائيل عليه السلام ينزل على صورته جاء ذلك من حديث أم سلمة ومن حديث عائشة وورى النسائي بإسناد صحيح عن يحيى بن معمر عن أبي عمر رضي الله عنهما: كان جبرائيل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في صورة دحية الكلبي وروى الطبراني من حديث عفير بن معدان عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
كان جبرائيل يأتيني على صورة دحية الكلبي وكان دحية رجلا جميلا وروى العجلي في تاريخه عن عوانة بن الحكم قال: أجمل الناس من كان جبرائيل ينزل على صورته. قال ابن قتيبة في غريب الحديث: فأما حديث ابن عباس كان دحية إذا قدم المدينة لم تبق معصر إلا خرجت تنظر إليه فالمعنى بالمعصر العاتق قال ابن البرقي: له حديثان عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد شهد دحية اليرموك وكان على كردوس وقد نزل دمشق وسكن المزة وعاش إلى خلافة معاوية. الإصابة 2 / 161 - 162. (2) حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى الأسدي أبو خالد المكي، ابن أخي خديجة أم المؤمنين، أسلم يوم الفتح، وصحب، وله أربع وسبعون سنة، ثم عاش إلى سنة أربع وخمسين أو بعدها وكان عالما بالنسب التقريب 1 / 194. (3) جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف النوفلي، أبو محمد أو أبو عدي المدني، أسلم قبل حنين أو يوم الفتح، له ستون حديثا اتفقا على ستة، وانفرد (خ) بحديث، و (م) بآخر. روى عنه ابناه محمد ونافع وسليمان بن صرد وابن =
[ 138 ]
لما بعث الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم وظهر أمره بمكة. خرجت إلى الشام فلما كنت ببصرى أتتني جماعة من النصارى فقالوا: أمن الحرم أنت ؟ قلت: نعم. قالوا: أفتعرف هذا الذي تنبأ فيكم ؟ قلت: نعم. قال: فأخذوا بيدي وأدخلوني ديرا فيه تماثيل وصور فقالوا: انظر هل ترى صورته ؟ فنظرت فإذا أنا بصورة النبي صلى الله عليه وسلم وإذا أنا بصفة أبي بكر وصورته وهو آخذ يعقب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: هل ترى صفته ؟ قلت: نعم. قالوا: هو هذا، وأشاروا إلى صفته رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: اللهم نعم، أشهد أنه هو. قالوا: أتعرف هذا الذي أخذ بعقبة ؟ قلت: نعم. قالوا: نشهد أن هذا صاحبكم وأن هذا الخليفة من بعده (1). تفسير الغريب تنفضت الغرفة بالفاء والضاد المعجمة: أي تحركت. صلت الجبين (2): أي واسعة. وقيل: الصلت: الأملس. وقيل: البارز. قاله في النهاية. وفي الصحاح: هو الواضح.
وصورة أدماء: أي سمراء. شحماء سوداء. وشعر جعد: ضد السبط، فإن وصف بالقطط بفتحتين فهو شديد الجعودة كشعر السودان. وفي عينيه قبل: بفتح القاف وهو إقبال السواد على الأنف. وشعر رجل بفتح الراء وكسر الجيم وفتحها وسكونها. وسبط بفتح أوله وسكون ثانيه وكسره وفتحه: هو المسترسل. وربعة: براء مفتوحة وموحدة ساكنة: أي مربوع الخلق لا قصير ولا طويل. وحمش الساقين (3): بحاء مهملة وشين معجمة دقيقهما. وأخفش العينين: صغيرهما. والله أعلم.
= المسيب وطائفة، وكان حليما وقورا عارفا بالنسب. وذكر ابن إسحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه مائة من الإبل توفي سنة تسع أو ثمان وخمسين بالمدينة. الخلاصة 1 / 161. (1) أخرجه أبو نعيم في الدلائل (18). (2) يقال أصبح صلت الجبين يبرق قال: فلا يكون الأسود صلتا... وقال ابن شميل: الصلت الواسع المستوى الجميل وفي حديث آخر: كان سهل الخدين صلتهما اللسان 3 / 2478. (3) انظر الوسيط 1 / 197. (*)
[ 139 ]
جماع أبواب بعض فضائل بلده المنيف ومسقط رأسه الشريف زاده الله تعالى فضلا وشرفا لما كان صلى الله عليه وسلم حاويا للفضائل ومنه كون بلد مولده صلى الله عليه وسلم أفضل من غيرها حسن ذكر بعض أخباره وفضائله - وأيضا فإن جماعة ممن ألف في السير منهم أبو الربيع (1) رحمه الله تعالى تعرضوا لبعض ذلك فتبعتهم وبالله التوفيق. الباب الأول في بدء أمر الكعبة المشرفة " قال الله تعالى: (إن أول بيت وضع للناس ببكة).
وروى ابن أبي شيبة (2) والإمام أحمد وعبد بن حميد والشيخان وابن جرير والبيهقي في الشعب عن أبي ذر - رضي الله تعالى عنه - قال: قلت يا رسول الله أي مسجد وضع أول ؟ قال: المسجد الحرام. قلت: ثم أي ؟ قال: المسجد الأقصى. قلت: كم بينهما ؟ قال أربعون سنة (3). وروى ابن المنذر وابن أبي حاتم بإسناد صحيح عن علي - رضي الله تعالى عنه - في الآية قال: كانت البيوت قبله ولكنه أول بيت وضع لعبادة الله تعالى. وروى ابن جرير عن الحسن في الآية قال: إن أول بيت وضع للناس يعبد الله تعالى للذي ببكة.
(1) سليمان بن موسى بن سالم بن حسان الكلاعي الحميري، أبو الربيع: محدث الأندلس وبليغها في عصره. من أهل بلنسية، ولي قضاءها، وحمدت سيرته. قال النباهي: " وكان هو المتكلم عن الملوك في مجالسهم، والمبين عنهم لما يريدونه، على المنبر في المحافل " له شعر رقيق أكثره في الوصف، وكان فردا في الإنشاء. وصنف كتبا، منها " الاكتفا بسيرة المصطفى والثلاثة الخلفاء " و " أخبار البخاري وترجمته " وكتاب حافل في " معرفة الصحابة والتابعين ". وله " جهد النصيح وحظ المنيح من مساجلة المعري في خطبة الفصيح ". توفي سنة 634 ه. الأعلام 3 / 136. (2) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة العبسي، مولاهم، الكوفي، أبو بكر: حافظ للحديث. له فيه كتب، منها " المسند " و " المصنف في الأحاديث والآثار " خمسة أجزاء، و " الإيمان " وكتاب " الزكاة ". توفي سنة 235 ه. الأعلام 4 / 17، 18. (3) أخرجه البخاري 6 / 528 كتاب أحاديث الأنبياء (3425)، ومسلم 1 / 370 كتاب المساجد (1 - 520)، وأحمد في المسند (5 / 50) وابن ماجة (753)، والنسائي 2 / 32، والبيهقي 2 / 433، وابن أبي شيبة 14 / 116، وعبد الرزاق (1578). (*)
[ 140 ]
وروى ابن أبي حاتم والأزرقي (1) عن كعب الأحبار - رضي الله تعالى عنه قال -: كان البيت غثاء على الماء قبل أن يخلق الله تعالى الأرض بأربعين عاما ومنه دحيت الأرض. الغثاء كغراب: ما جاء به السيل من نبات قد يبس.
وروى ابن جرير وأبو الشيخ في العظمة، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: وضع البيت على الماء على أربعة أركان قبل أن تخلق الدنيا بألفي عام، ثم دحيت الأرض من تحت البيت. وروى عبد الرزاق (2) والأزرقي والجندي (3) في تاريخهما عن مجاهد (4) - رحمه الله تعالى - قال: خلق الله تعالى موضع البيت الحرام من قبل أن يخلق شيئا من الأرض بألفي سنة وأركانه في الأرض السابعة: زاد عبد بن حميد: ودحيت الأرض من تحت الكعبة. وروى ابن جرير وابن المنذر والطبراني والبيهقي في الشعب عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: خلق الله تعالى البيت قبل الأرض بألفي سنة، وكان إذ كان عرشه على الماء زبدة بيضاء، وكانت الأرض تحته كأنها خشفة، فدحيت الأرض من تحته. الخشفة بمعجمتين: واحدة الخشف وهي حجارة تنبت بالأرض نباتا ويروي: بحاء مهملة والعين بدل الفاء، وهي أكمة لاطئة بالأرض والجمع خشف. وقيل: هو ما غلبت عليه السهولة، أي ليس بحجر ولا طين. ويروى حشفة بالحاء المهملة والفاء، وهو اليابس الفاسد من التمر. وروى ابن المنذر عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: إن الكعبة خلقت قبل
(1) محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن الوليد بن عقبة بن الأزرق. أبو الوليد الأزرقي: مؤرخ يماني الأصل، من أهل مكة. له " أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار ". توفي 250 ه. الأعلام 6 / 122. (2) عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري، مولاهم، أبو بكر الصنعاني: من حفاظ الحديث الثقات، من أهل صنعاء. كان يحفظ نحوا من سبعة عشر ألف حديث. له " الجامع الكبير " في الحديث، قال الذهبي: وهو خزانة علم، وكتاب في " تفسير القرآن " و " المصنف في الحديث ". توفي 211 ه. الأعلام 3 / 355. (3) محمد بن يوسف بن يعقوب، أبو عبد الله، بهاء الدين الجندي: من ثقات مؤرخي اليمن. من أهل الجند (بينه وبين صنعاء 58 فرسخا) ولي " الحسبة " بعدن. واشتهر بكتابه " السلوك في طبقات العلماء والملوك " ويعرف بطبقات الجندي. توفي 732 ه. الأعلام 7 / 151.
(4) مجاهد بن جبر بإسكان الموحدة مولى السائب بن أبي السائب أبو الحجاج المكي المقرئ الإمام المفسر. عن ابن عباس وقرأ عليه. قال مجاهد: عرضت عليه ثلاثين مرة، وأم سلمة وأبي هريرة وجابر وعن عائشة في (خ م). قال شعبة والقطان وابن معين وأبو حاتم الرازي: لم يسمع منها. لكن قد صرح مجاهد في بعض رواياته بسماعة منه. وعنه عكرمة وعطاء وقتادة والحكم بن عتيبة وأيوب وخلق. وثقة ابن معين وأبو زرعة قال ابن حيان: مات بمكة سنة اثنتين أو ثلاث ومائة وهو ساجد ومولده سنة إحدى وعشرين. الخلاصة 3 / 10، 11. (*)
[ 141 ]
الأرض بألفي سنة وهي من الأرض إنما كانت خشفة على الماء عليها ملكان من الملائكة يسبحان، فلما أراد الله تعالى أن يخلق الأرض دحاها منها فجعلها وسط الأرض. وروى البيهقي في الشعب عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أول بقعة وضعت في الأرض موضع البيت ثم مدت منها الأرض: وإن أول جبل وضعه الله - تعالى - على وجه الأرض أبو قبيس ثم مدت منه الجبال " (1). وروى ابن أبي حاتم عن عطاء وعمرو بن دينار (2) - رحمهما الله تعالى - قالا: بعث الله تعالى ريحا فسفقت الماء فأبرزت موضع البيت على خشفة بيضاء فمد الله تعالى الأرض منها فلذلك هي أم القرى. وروى ابن مردويه عن بريدة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، " أم القرى مكة ". قال السهيلي رحمه الله تعالى: وفي التفسير أن الله - سبحانه وتعالى - لمات قال للسماوات والأرض (ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين) لم يجبه بهذا الإ أرض الحرم. وروى عبد بن حميد والأزرقي واللفظ له عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: لما كان العرش على الماء قبل أن يخلق الله عز وجل السماوات والأرض بعث الله - تعالى - ريحا صفاقة فصفقت الريح الماء فأبرزت عن حشفة في موضع البيت كأنها قبة، فدحا الله تعالى الأرض من تحتها فمادت ثم مادت فأوتدها الله تعالى بالجبال، فكان أول جبل وضع فيها
أبو قبيس فلذلك سميت (مكة) (3) أم القرى. سفقت يقال بالسين والصاد المهملتين: أي ضرب بعضه ببعض. وروى الأزرقي من طريق ابن جريج عن مجاهد رحمه الله تعالى قال: بلغني أنه لما خلق الله تعالى السماوات والأرض كان أول شئ وضعه فيها البيت الحرام، وهو يومئذ ياقوتة حمراء جوفاء لها بابان أحدهما شرقي والآخر غربي، فجعله مستقبل البيت المعمور، فلما كان زمن الغرق في ديباجتين فهو فيهما إلى يوم القيامة واستودع الله تعالى الركن أبا قبيس.
(1) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان 3 / 431 باب في المناسك (3984). (2) عمرو بن دينار الجمحي مولاهم أبو محمد المكي الأثرم، أحد الأعلام. عن العبادلة وكريب ومجاهد وخلق. وعنه قتادة وأيوب وشعبة والسفيانان والحمادان وخلق. قال ابن المديني: له خمسمائة حديث. قال مسعر: كان ثقة ثقة ثقة. قال الواقدي: مات سنة خمس عشرة ومائة. وقال ابن عيينة: في أول سنة ست عشرة. الخلاصة 2 / 284. (3) سقط في أ. (*)
[ 142 ]
وروى عبد الرزاق في المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر عن عطاء بن أبي رباح - رحمه الله تعالى - قال: لما أهبط الله تعالى آدم كان رجلاه في الأرض ورأسه في السماء يسمع دعاء أهل السماء فأنس بهم، فهابت الملائكة منه حتى شكت إلى الله - تعالى - في دعائها وفي صلاتها فأخفضه الله إلى الأرض، فلما فقد ما كان يسمع منهم استوحش حتى شكا إلى الله عز وجل - في دعائه وفي صلاته فتوجه إلى مكة فكان موضع قدميه قرية وخطوه مفازة حتى انتهى إلى مكة، وأنزل الله - تعالى - عليه ياقوتة من ياقوت الجنة فكان على موضع البيت الآن فلم يزل يطاف به حتى أنزل الله - تعالى - الطوفان فرفعت تلك الياقوتة. وروى عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر من طريق معمر عن قتادة وابن المنذر والأزرقي عن وهب بن منبه - رحمه الله تعالى - قال: وضع الله تعالى البيت مع آدم، أهبط الله تعالى آدم إلى الأرض وكان مهبطه بأرض الهند وكان رأسه في السماء ورجلاه في الأرض،
وكانت الملائكة تهابه فنقص إلى ستين ذراعا، فحزن آدم إذ فقد أصوات الملائكة وتسبيحهم. فشكا ذلك إلى الله تعالى فقال الله تعالى: يا آدم إني قد أهبطت بيتا يطاف به كما يطاف حول عرشي ويصلي عنده كما يصلى عند عرشي فاخرج إليه. فخرج إليه آدم ومد له في خطوه وقبض له ما كان فيها من مخاض أو بحر، فجعله خطوة فلم يضع قدميه في شئ من الأرض إلا صار عمرانا وبركة حتى انتهى إلى مكة، وكان قبل ذلك قد اشتد بكاؤه وحزنه لما كان من عظم المصيبة حتى إن كانت الملائكة لتبكي لبكائه وتحزن لحزنه، فعزاه الله - تعالى - بخيمة من خيام الجنة وضعها الله - تعالى - له بمكة في موضع الكعبة قبل أن تكون الكعبة، وتلك الخيمة ياقوتة حمراء من ياقوت الجنة فيها ثلاث قناديل من ذهب فيها نور يلتهب من نور الجنة، ونزل معها يومئذ الركن وهو ياقوتة بيضاء من ربض الجنة وكان كرسيا لآدم صلى الله عليه وسلم يجلس عليه، فلما كان آدم صلى الله عليه وسلم بمكة حرسه الله - تعالى - له وحرس له تلك الخيمة بالملائكة. كانوا يحرسونها ويدرأون عنها سكان الأرض، وساكنوها يومئذ الجن والشياطين ولا ينبغي لهم أن ينظروا إلى شئ من الجنة، والأرض يومئذ طاهرة طيبة نقية لم تنجس ولم يسفك فيها الدم ولم تعمل فيها الخطايا فلذلك جعلها الله تعالى مسكن الملائكة وجعلهم فيها كما كانوا في السماء يسبحون الله - تعالى - بالليل والنهار لا يفترون، وكان وقوفهم على أعلام الحرم صفا واحدا مستديرين بالحرم كله، الحل من خلفهم والحرم كله من أمامهم، ولا يجوزهم جن ولا شيطان من أجل مقام الملائكة حرم الحرم حتى اليوم. وكان آدم صلى الله عليه وسلم إذا أراد
(1) معمر بن راشد الأزدي، مولى عبد السلام بن عبد القدوس، أبو عروة البصري ثم اليماني أحد الأعلام. عن الزهري وهمام بن منبه وقتادة وخلق. وعنه أيوب من شيوخه والثوري من أقرانه وابن المبارك وخلق. قال العجلي: ثقة صالح. وقال النسائي: ثقة مأمون. وضعفه ابن معين في ثابت. توفي سنة ثلاث وخمسين ومائة. الخلاصة 3 / 47. (*)
[ 143 ]
لقاء حواء ليلم بها لأجل الولد خرج من الحرم حتى يلقاها، فلم تزل خيمة آدم مكانها حتى قبض آدم، ورفعها الله تعالى إليه. وذكر الحديث.
تفسير الغريب قال الحافظ: رحمه الله تعالى: أول بضم اللام. قال أبو البقاء (1): وهي ضمة بناء لقطعه عن الإضافة مثل قبل وبعد، والتقدير: أول كل شئ ويجوز الفتح مصروفا وغير مصروف ثم أي: بالتنوين وتركه. وهذا الحديث يفسر المراد بقوله تعالى: (أن أول بيت وضع للناس للذي ببكة) ويدل على أن المراد بالبيت بيت العبادة لا مطلق البيوت وقد ورد ذلك صريحا عن علي - رضي الله تعالى عنه - أخرجه إسحاق بن راهويه (2) وابن أبي حاتم بإسناد صحيح عنه قال: كانت البيوت قبله ولكنه أول بيت وضع لعبادة الله تعالى. وتقدم في أول الباب وسيأتي الكلام على الأقصى في الكلام على تفسير أول سورة الإسراء في أبواب المعراج. قوله: (أربعون سنة) قال ابن الجوزي: فيه إشكال، لأن إبراهيم بنى الكعبة وسليمان بنى بيت المقدس، وبينهما أكثر من ألف سنة. قال الحافظ رحمه الله تعالى: ومستنده في أن العاص - رضي الله تعالى عنهما - مرفوعا بإسناد صحيح أن سليمان صلى الله عليه وسلم لما بنى بيت المقدس سأل الله تعالى خلالا ثلاثا. الحديث. وروى الطبراني من حديث رافع بن عمير أن داود - عليه الصلاة والسلام - ابتدأ بناء
(1) عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبري البغدادي، أبو البقاء، محب الدين: عالم بالأدب واللغة والفرائض والحساب. أصله من عكبرا (بليدة على دجلة) ومولده ووفاته ببغداد. أصيب في صباه بالجدري، فعمي. وكانت طريقته في التأليف أن يطلب ما صنف من الكتب في الموضوع، فيقرأها عليه بعض تلاميذه، ثم يملي من آرائه وتمحيصه وما علق في ذهنه. من كتبه " شرح ديوان المتنبي " و " اللباب في علل البناء والإعراب " و " شرح اللمع لابن جني " و " التبيان في إعراب القرآن - ط " ويسمى " إملاء ما من به الرحمن من وجوه الإعراب ولقراآت في جميع القرآن " و " الترصيف في التصريف " و " ترتيب إصلاح المنطق " وغير ذلك. و " التلقين - خ " في النحو، و " شرح المقامات الحريرية - خ " و " الموجز في إيضاح الشعر الملغز - خ " و " الاستيعاب في علم الحساب " 4 / 80 / ت 616. (2) إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم بن مطر الحنظلي أبو محمد بن راهويه الإمام الفقيه الحافظ العلم. ولد سنة
إحدى وستين ومائة. عن معتمر بن سليمان والدراوردي وابن عيينة وبقية وابن علية وخلق بالحجاز والشام والعراق وخراسان. وعن (خ م د ت س) وقال: ثقة مأمون أحد الأئمة. قال أحمد: لا أعلم لإسحاق نظيرا، إسحاق عندنا من أئمة المسلمين وإذا حدثك أبو يعقوب أمير المؤمنين فتمسك به. وقال الخفاف: أملى علينا إسحاق أحد عشر ألف حديث من حفظه ثم قرأها يعني في كتابه فما زاد ولا نقص. وقال إبراهيم بن أبي طالب: أملى إسحاق المسند كله من حفظه. قال البخاري: توفي سنة ثمان وثلاثين ومائتين. الخلاصة 1 / 69. (*)
[ 144 ]
بيت المقدس، ثم أوحى الله - تعالى - إليه: إني لأقضي بناءه على يد سليمان. وفي الحديث قصة. قال ابن الجوزي - رحمه الله تعالى -: أن الإشارة إلى أول البناء ووضع أساس المسجد وليس إبراهيم أول من بنى الكعبة ولا سليمان أول من بنى بيت المقدس، فقد روينا أن أول من بنى الكعبة آدم ثم انتشر ولده في الأرض فجائز أن يكون بعضهم قد وضع بيت المقدس ثم بنى إبراهيم عليه السلام الكعبة بنص القرآن. وكذا قال القرطبي: إن الحديث لا يدل على أن إبراهيم وسليمان عليهما الصلاة والسلام لما بنيا المسجدين ابتدا وضعهما لهما بل ذلك تجديد لما كان غيرهما أسسه. قال الحافظ: وقد مشى ابن حبان (1) في صحيحه على ظاهر هذا الحديث فقال: في هذا الخبر رد على من زعم أن بين إسماعيل وداود - عليهما الصلاة والسلام - ألف سنة. ولو كان كما قال لكان بينهما أربعون سنة وهذا عين المحال لطول الزمان بالاتفاق بين بناء إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - البيت وبين موسى - عليه الصلاة والسلام. ثم إن في نص القرآن أن قصة داود في قتل جالوت كانت بعد موسى بمدة. وقد تعقبه الحافظ ضياء الدين المقدسي (2) بنحو ما أجاب به ابن الجوزي. قال الخطابي (3): يشبه أن يكون المسجد الأقصى أول ما وضع بناءه بعض أولياء الله تعالى قبل بناء داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام، ثم داود وسليمان، فزادا فيه وسعا
(1) محمد بن حيان بن أحمد بن حيان بن معاذ بن معبد التميمي، أبو حاتم البستي، ويقال له ابن حبان: مؤرخ، علامة، جغرافي، محدث. ولد في بست (من بلاد سجستان) وتنقل في الأقطار، فرحل إلى خراسان والشام ومصر والعراق والجزيرة. وتولى قضاء سمرقند مدة، ثم عاد إلى نيسابور، ومنها إلى بلده، حيث توفي في عشر الثمانين من عمره. وهو أحد المكثرين من التصنيف. قال ياقوت: أخرج من علوم الحديث ما عجز عنه غيره، وكانت الرحلة في خراسان إلى مصنفاته. من كتبه " المسند الصحيح " في الحديث، يقال: إنه أصح من سنن ابن ماجة، و " روضة العقلاء - ط " في الأدب و " الأنواع والتقاسيم ". توفي 354. الأعلام 6 / 78. (2) محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن السعدي، المقدسي الأصل، الصالحي الحنبلي، أبو عبد الله، ضياء الدين: عالم بالحديث، مؤرخ. من أهل دمشق، مولدا ووفاة. بنى فيها مدرسة دار الحديث الضيائية المحمدية بسفح قاسيون، شرقي الجامع المظفري، ووقف بها كتبه. ورحل إلى بغداد ومصر وفارس، وروى عن أكثر من 500 شيخ. من كتبه " الأحكام " في الحديث، لم يتمه. توفي 643. الأعلام 6 / 255. (3) حمد - بفتح الحاء وسكون الميم، وقيل: اسمه أحمد - بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب، أبو سليمان البستي المعروف بالخطابي، قيل إنه من ولد زيد بن الخطاب بن نفيل العدوي. قال الذهبي: ولم يثبت. كان رأسا في علم العربية والفقه والأدب وغير ذلك. أخذ الفقه عن أبي علي بن أبي هريرة وأبي بكر القفال وغيرهما، وأخذ اللغة عن أبي عمر الزاهد. وصنف التصانيف النافعة المشهورة، منها " معالم السنن " تكلم فيها على سنن أبي داود، و " أعلام البخاري " و " غريب الحديث " و " شرح أسماء الله الحسنى " و " كتاب الغنية عن الكلام وأهله " و " كتاب العزلة "، وله شعر حسن. نقل عنه النووي في التهذيب شيئا في اللغة ثم قال: ومحله من العلم مطلقا خصوصا الغاية العليا. توفي ببست في ربيع الآخر سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة. انظر الطبقات لابن قاضي شهبة 1 / 156، 157. (*)
[ 145 ]
فأضيف إليهما بناؤه. قال: وقد ينسب هذا المسجد الأقصى إلى إيلياء، فيحتمل إن يكون هو بانيه أو غيره ولست أحقق لم أضيف إليه. قال الحافظ: الاحتمال الذي ذكره أولا موجه. وقد رأيت لغيره أن أول من أسس المسجد الأقصى آدم صلى الله عليه وسلم. وقيل: الملائكة عليهم الصلاة والسلام وقيل: سام بن نوح صلى الله عليه وسلم
وقيل: يعقوب صلى الله عليه وسلم فعلى الأولين يكون ما وقع ممن بعدهما تجديدا كما وقع في الكعبة. وعلى الأخيرين يكون الواقع من إبراهيم صلى الله عليه وسلم أو يعقوب صلى الله عليه وسلم أصلا وتأسيسا، ومن داود صلى الله عليه وسلم تجديدا لذلك أو ابتداء بناء، فلم يكمل على يديه حتى كمله سليمان. لكن الاحتمال الذي ذكره ابن الجوزي أوجه. وقد وجدت ما يشهد له. ويؤيده قول من قال: إن آدم هو الذي أسس كلا من المسجدين. وذكر ابن هشام (1) في كتاب التيجان أن آدم لما بنى الكعبة أمره الله تعالى بالمسير إلى بيت المقدس وأن يبنيه فبناه ونسك فيه. وبناء آدم البيت مشهور. وقيل إنه لما صلى إلى الكعبة أمر بالتوجه إلى بيت المقدس فاتخذ فيه مسجدا وصلى فيه ليكون قبلة لبعض ذريته. وأما ظن الخطابي أن إيلياء اسم رجل ففيه نظر، بل هو اسم البلد فأضيف إليه المسجد كما يقال مسجد المدينة ومسجد مكة. وقال أبو عبيد البكري في معجم البلدان إن إيلياء مدينة بيت المقدس فيها ثلاث لغات: مد آخره. وقصره. وحذف الياء الأولى. وعلى ما قاله الخطابي يمكن الجمع بأن يقال إنها سميت باسم بانيها كغيرها.
(1) عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري، أبو محمد، جمال الدين: مؤرخ، كان عالما بالأنساب واللغة وأخبار العرب. ولد ونشأ في البصرة، وتوفي بمصر. أشهر كتبه " السيرة النبوية " المعروف بسيرة ابن هشام، رواه عن ابن إسحاق. وله " القصائد الحميرية " في أخبار اليمن وملوكها في الجاهلية، و " التيجان في ملوك حمير " رواه عن أسد بن موسى، عن ابن سنان، عن وهب بن منبه، و " شرح ما وقع في أشعار السير من الغريب " وغير ذلك. توفي 312 ه. الأعلام 4 / 166. (*)
[ 146 ]
الباب الثاني في عدد المرات التي بنيها البيت الأولى: عمارة الملائكة
روى الأزرقي عن علي بن الحسين - رضي الله تعالى عنهما - أن رجلا سأله: ما بدء هذا الطواف بهذا البيت لم كان ؟ وأنى كان ؟ وحيث كان: فقال: أما بدء هذا الطواف بهذا البيت فإن الله تعالى قال للملائكة: (إني جاعل في الأرض خليفة) فقال الملائكة: أي رب خليفة من غيرنا ممن يفسد فيها ويسفك الدماء ويتحاسدون ويتباغضون ويتباعدون أي رب اجعل ذلك الخليفة منا، فنحن لا نفسد فيها ولا نسفك الدماء ولا نتباغض ولا نتحاسد، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ونطيعك ولا نعصيك. قال الله سبحانه وتعالى: (إني أعلم ما لا تعلمون). قال: فظنت الملائكة أن ما قالوا رد على ربهم عز وجل، وأنه قد غضب عليهم من قولهم، فلاذوا بالعرش ورفعوا رؤوسهم وأشاروا بالأصابع يتضرعون ويبكون إشفاقا لغضبه فطافوا بالعرش ثلاث ساعات، فنظر الله تعالى إلهيم فنزلت الرحمة عليهم، فوضع الله سبحانه الضراح ثم قال للملائكة: طوفوا بهذا البيت ودعوا العرش. فطافت الملائكة بالبيت وتركوا العرش فصار أهون عليهم، وهو البيت المعمور الذي ذكره الله تعالى، يدخله كل يوم وليلة سبعون ألف ملك لا يعودون إليه أبدا. ثم إن الله سبحانه وتعالى بعث ملائكة فقال: ابنوا لي بيتا في الأرض بمثاله وقدره. فأمر الله سبحانه وتعالى من في الأرض من خلقه أن يطوفوا بهذا البيت كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور. الضراح بضم الضاد المعجمة فرائ فألف فحاء مهملة. ويأتي لهذا مزيد بيان في باب حج الملائكة. المرة الثانية: عمارة آدم صلى الله عليه وسلم روى البيهقي في الدلائل عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بعث الله تعالى جبريل إلى آدم وحواء فقال لهما: ابنيا لي بيتا. فخط لهما جبريل - فجعل آدم يحفر وحواء تنقل - حتى أجابه الماء ونودي من تحته: حسبك
يا آدم. فلما بناه أوحى الله تعالى إليه أن يطوف به وقيل له: أنت أول الناس، وهذا أول
[ 147 ]
بيت وضع ثم تناسخت القرون حتى حجة نوح، ثم تناسخت القرون، حتى رفع إبراهيم القواعد من البيت " (1). ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير والطبراني موقوفا. وزادوا: زعم الناس أن آدم بناه من خمسة أجبل من حراء ولبنان وطور زيتا وطور سيناء والجودي. وروى الأزرقي وأبو الشيخ في العظمة وابن عساكر عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: لما أهبط الله تعالى آدم إلى الأرض من الجنة كان رأسه في السماء ورجلاه في الأرض وهو مثل الفلك من رعدته فطأطأ الله عز وجل منه إلى ستين ذراعا فقال: يا رب مالي لا أسمع أصوات الملائكة ولا أحسهم ؟ قال: خطيئتك يا آدم، ولكن اذهب فابن لي بيتا فطف به واذكرني حوله كما رأيت الملائكة تصنع حول عرشي. فأقبل آدم يتخطى فطويت له الأرض وقبض الله تعالى له المفازة فصارت كل مفازة يمر بها خطوة وقبض الله تعالى ما كان فيها من مخاض أو بحر فجعله له خطوة ولم يقع قدمه في شئ من الأرض إلا صار عمرانا وبركة، حتى انتهى إلى مكة فبنى البيت الحرام وإن جبريل عليه السلام ضرب بجناحه الأرض فأبرز عن أس ثابت على الأرض السابعة فقذفت فيه الملائكة الصخر ما يطيق الصخرة منها ثلاثون رجلا، وإنه بناه من خمسة أجبل: من لبنان، وطور زيتا، وطور سيناء، والجودي، وحراء، حتى استوى على وجه الأرض، فكان أول من أسس البيت وصلى فيه وطاف به آدم صلى الله عليه وسلم حتى بعث الله تعالى الطوفان وكان غضبا. ورجسا فحيثما انتهى الطوفان ذهب ريح آدم صلى الله عليه وسلم ولم يقرب الطوفان أرضي السند والهند، فدرس موضع البيت في الطوفان حتى بعث الله تعالى إبراهيم وإسماعيل فرفعا قواعده وأعلامه. الفلك: قيل موج البحر الضطرب وقيل أراد فلكة المغزل حال دورانها. وروى الأزرقي عن عبد الله بن أبي زياد رحمه الله تعالى قال: لما أهبط الله تعالى آدم
من الجنة قال: يا آدم ابن لي بيتا بحذاء بيتي الذي في السماء تتعبد فيه أنت وولدك كما تتعبد ملائكتي حول عرشي، فهبطت عليه الملائكة فحفر حتى بلغ الأرض السابعة، فقذفت فيه الملائكة الصخر حتى أشرف على وجه الأرض، وهبط آدم بياقوتة حمراء مجوفة لها أربعة أركان بيض. فوضعها على الأساس، فلم تزل الياقوتة كذلك حتى كان زمن الغرق فرفعها الله تعالى.
(1) ذكره السيوطي في الدر المنثور 1 / 129 وعزاه للبيهقي في الدلائل وذكره ابن كثير في البداية والنهاية 2 / 299 والمتقي الهندي في كنز العمال 34718. (*)
[ 148 ]
المرة الثالثة: عمارة أولاد آدم صلى الله عليه وسلم روى ابن المنذر والأزرقي عن وهب بن منبه - رحمه الله تعالى - أن آدم صلى الله عليه وسلم لما توفي رفعه الله تعالى إلى الجنة ورفع الله تعالى إليه الخيمة التي تقدم ذكرها. قال: وبنى بنو آدم من بعدها مكانها بيتا بالطين والحجارة فلم يزل معمورا يعمرونه ومن بعدهم حتى كان زمن نوح فنسفه الغرق وخفي مكانه. وذكر السيهلي - رحمه الله تعالى - أن الذي بناه شيث بن آدم صلى الله عليه وسلم. المرة الرابعة: عمارة سيدنا إبراهيم وإسماعيل صلى الله عليه وسلم وجزم ابن كثير بأن الخليل أول من بنى البيت مطلقا، وقال إنه لم يثبت خبر عن معصوم أن البيت كان مبنيا قبل الخليل. انتهى. وفيه نظر لما ذكر من الآثار السابقة واللاحقة. وروى ابن سعد عن أبي جهم بن حذيفة بن غانم رضي الله تعالى عنه والإمام أحمد وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن أبي حاتم والجندي وابن شيبة وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس. - رضي الله تعالى عنهما - واللفظ له: أن أول ما اتخذ النساء المناطق من قبل أم إسماعيل اتخذت منطقا لتعفي أثرها عن سارة. وفي لفظ: أول ما اتخذت العرب جر الذيول عن أم إسماعيل. قال الحافظ: والسبب في ذلك أن سارة كانت وهبت هاجر لإبراهيم صلى الله عليه وسلم
فحملت منه بإسماعيل. قال أبو جهم (1) وكان سن إبراهيم حينئذ سبعون وكان إسماعيل بكر أبيه. انتهى. فلما ولدته غارت منها سارة فحلفت لتقطعن منها ثلاثة أعضاء فاتخذت هاجر منطقا فشدت به وسطها وهربت وجرت ذيلها لتخفي أثرها على سارة. ويقال: إن إبراهيم صلى الله عليه وسلم شفع فيها، وقال لسارة: حللي عن يمينك بأن تثقبي أذنيها وتخفضيها وكانت أول من فعل ذلك. ويقال أن سارة اشتدت بها الغيرة فخرج إبراهيم بإسماعيل وأمه إلى مكة. انتهى كلام الحافظ. وفي حديث أبي جهم أن الله سبحانه وتعالى أوحى إلى إبراهيم صلى الله عليه وسلم يأمره بالمسير إلى بلده الحرام فركب إبراهيم البراق وجعل إسماعيل أمامه - وهو ابن سنتين - وهاجر خلفه ومعه جبريل يدله على موضع البيت ومعالم الحرم، فكان لا يمر بقرية إلا قال إبراهيم: بهذه أمرت يا جبريل ؟ فيقول: لا حتى قدم مكة، وهي إذ ذاك عضاه وسلم وسمر، والعماليق يومئذ حول
(1) أبو جهم بن حذيفة بن غانم بن عامر بن عبد الله بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب، وأمه بشيرة بنت عبد الله من بني عدي بن كعب. أسلم يوم فتح مكة ومات بعد قتل عمر بن الخطاب. انظر طبقات ابن سعد 6 / 8. (*)
[ 149 ]
الحرم، وهم أول من نزل مكة ويكونون بعرفة، وكانت المياة يومئذ قليلة وكان موضع البيت قد دثر وهو ربوة حمراء مدرة، وهو يشرف على ما حوله، فقال جبريل صلى الله عليه وسلم حين دخل من كداء، وهو الجبل الذي يطلعك على الحجون والمقبرة: بهذا أمرت. قال إبراهيم بهذا أمرت ؟ قال نعم. فانتهى إبراهيم إلى موضع البيت فعمد إلى موضع الحجر فآوى فيه هاجر وإسماعيل وأمرها أن تتخذ فيه عريشا. انتهى. وفي حديث ابن عباس أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم جاء بهاجر وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد.
قلت: ولا مخالفة بين الكلامين كما زعمه في شفاء الغرام، لاحتمال أن يكون إبراهيم صلى الله عليه وسلم أنزلهما أولا عند الدوحة، ثم نقلهما إلى موضع الحجر، أو بالعكس والله - تعالى - أعلم. وليس بمكة أحد وليس بها ماء فوضعهما هنالك ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء. ثم قفل إبراهيم. وفي حديث أبي جهم: ثم انصرف إبراهيم راجعا إلى أهله بالشام. انتهى. وترك إسماعيل وأمه عند البيت. فتبعته أم إسماعيل فأدركته بكداء، فنادته ثلاثا: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا في هذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شئ ؟ إلى من تدعنا ؟ فقالت ذلك مرارا وجعل لا يلتفت إليها، فأجابها في الثالثة: إلى الله تعالى. قالت: الله أمرك بهذا ؟ قال: نعم. قالت: إذا لا يضيعنا حسبي. وفي لفظ: رضيت تركتنا إلى كاف. ثم رجعت. وفي حديث: أبي جهم: فجعلت عريشا في موضع الحجر من سمر وثمام، وانطلق إبراهيم صلى الله عليه وسلم حتى وقف على كداء ولا بناء ولا ظل ولا شئ يحول دون ابنه فنظر إليه فأدركه ما يدرك الولد من الرحمة. وفي حديث ابن عباس: أنه لما تواري عنهما استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الكلمات ورفع يديه، قال: (رب إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وأرزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون). وجعلت أم إسماعيل ترضعه وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت فانقطع لبنها، وعطش إسماعيل، وجعلت تنظر إليه يتلوى. وفي لفظ: يتلبط. وفي لفظ يتلمط. وفي لفظ: فلما ظمئ جعل يضرب بعقبيه كأنه ينشغ للموت، فانطلقت كراهية أن
[ 150 ]
تنظر إليه، وقالت: يموت وأنا غائبة عنه أهون علي وعسى الله أن يجعل في ممشاي خيرا،
فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض إليها، فقامت عليه والوادي يومئذ عميق، فقامت تستغيث ربها وتدعوه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا فلم ترى أحدا فهبطت من الصفا حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة فقامت عليها. ونظرت هل تر أحدا ففعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلذلك سعى الناس بينهما وكان ذلك أول ما سعى بين الصفا والمروة. وفي حديث أبي جهم: وكان من قبها يطوفون بالبيت ولا يسعون بين الصفا والمروة ولا يقفون بالمواقف انتهى. وكانت في كل مرة تتفقد إسماعيل وتنظر ما حدث له بعدها فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت: صه، تريد نفسها، ثم تسمعت فسمعت أيضا فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك. وفي لفظ: جبريل. وفي حديث علي عند الطبراني بإسناد حسن: فناداها جبريل: من أنت ؟ قالت: هاجر أم ولد إبراهيم. قال فإلى من وكلكما ؟ قالت: إلى الله تعالى. قال: وكلكما إلى كاف. وفي حديث أبي جهم: فلما كان الشوط السابع ويئست سمعت صوتا فاستمعت فلم تسمع إلا الأول: فظنت أنه شئ عرض لسمعها من الظمأ والجهد، فنظرت إلى ابنها وهو يتحرك، فأقامت على المروة مليا، ثم سمعت الصوت الأول فقالت: إني سمعت صوتك فأعجبني، إن كان عندك خير فأغثني، فإني قد هلكت وهلك ما عندي. فخرج الصوت يصوت بين يديها وخرجت تتلوه قد قويت له نفسها حتى انتهى الصوت عند رأس إسماعيل ثم بذا لها جبريل عليه السلام فانطلق بها حتى وقف على موضع زمزم. انتهى. فبحث بعقبه أو قال: بجناحه. وفي لفظ: فقال بعقبه هكذا: وغمز عقبه في الأرض، وفي لفظ: فركض جبريل برجله. وفي لفظ: ففحص الأرض بإصبعه. فنبعث زمزم حتى ظهر الماء وفي لفظ: ففاض الماء، وفي لفظ: فانبثق الماء فوق الأرض. فدهشت أم إسماعيل
فجعلت تحفر وفي لفظ تحوضه. وفي لفظ: فجعلت تفحص الأرض بيديها وتقول: هكذا وهكذا. وفي لفظ، تحظر الماء بالتراب خشية أن يفوتها قبل أن تأتي بشنتها وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف. قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم أو قال: لو لم تغرف من الماء - كانت زمزم عينا معينا ". وفي لفظ: ظاهرا. فشربت وأرضعت ولدها فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة فإن ها هنا بيت الله يبنيه
[ 151 ]
هذا الغلام وأبوه. وأشار لها إلى موضع البيت. وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله وإن الله لا يضيع أهله. وفي حديث أبي جهم: فكان ثدياها يقطران لبنا وكان ذلك اللبن طعاما وشرابا لإسماعيل وكانت تجتزئ بماء زمزم وقال لها الملك: لا تخافي أن ينفد هذا الماء وأبشري فإن ابنك سيشب ويأتي أبوه من أرض الشام فيبنيان ها هنا بيتا يأتيه عباد الله تعالى من أقطار الأرض ملبين الله جل ثناؤه شعثا غبرا فيطوفون به، ويكون هذا الماء شرابا لضيفان الله تعالى الذين يزورون بيته. فقالت: بشرك الله تعالى بخير. وطابت نفسها وحمدت الله تعالى. وأقبل غلامان من العماليق يريدان بعيرا لهما أخطأهما وقد عطشا، وأهلهما بعرفة فنظرا إلى طير تهوي قبل الكعبة فاستنكرا ذلك وقالا: أنى يكون الطير على غير ماء ؟ ! فقال أحدهما لصاحبه: أمهل حتى نبرد ثم نسلك في مهوى الطير. فأبردا ثم تروحا فإذا الطير ترد وتصدر فاتبعا الواردة منها حتى وقفا على أبي قبيس فنظرا إلى الماء وإلى العريش فنزلا وكلما هاجر وسألاها متى نزلت فأخبرتهما. وقالا لمن هذا الماء ؟ فقالت: لي ولولدي فقالا: من حفره ؟ فقالت: سقيا من الله تعالى. فعرفا أن أحدا لا يقدر أن يحفر هناك ماء وعهدهما بماء هناك قريب وليس به ماء، فرجعا إلى أهلهما من ليلتهما فأخبراهم فتحولوا حتى نزلوا معهما على
الماء فأنست بهم ومعهم الذرية فنشأ إسماعيل بين ولدانهم. وكان إبراهيم صلى الله عليه وسلم يزور هاجر في كل شهر على البراق يغدو غدوة فيأتي مكة ثم يرجع فيقيل في منزله بالشام. فزارها بعد ونظر إلى من هناك من العماليق وإلى كثرتهم وغمارة الماء فسره بذلك. ولما بلغ إسماعيل تزوج امرأة منهم من العماليق فجاء إبراهيم زائرا لإسماعيل وإسماعيل في ماشية يرعاها ويخرج متنكبا قوسه فيرمي الصيد مع رعيته، فجاء إبراهيم إلى منزله فقال: السلام عليكم يا أهل البيت. فسكتت امرأة إسماعيل فلم ترد إلا أن تكون ردت في نفسها. فقال: هل من منزل ؟ فقالت: لاها الله إذن. قال: فكيف طعامكم وشرابكم ؟ فذكرت جهدا فقالت: أما الطعام فلا طعام وأما الشراب فإنما نحلب الشاة المصر أي الشخب وأما الماء فعلى ما ترى من الغلظ. قال: فأين رب البيت ؟ قالت: في حاجته. قال: فإذا جاء فأقرئيه السلام وقولي له: غير عتبة بابك. ورجع إبراهيم إلى منزله. وأقبل إسماعيل راجعا إلى منزله بعد ذلك بما شاء الله عز وجل، فلما انتهى إلى منزله سأل امرأته: هل جاءك أحد: فأخبرته بإبراهيم وقوله وما قالت له ففارقها وأقام ما شاء الله أن يقيم.
[ 152 ]
وكانت العماليق هم ولاة الحكم بمكة فضيعوا حرمة الحرم، واستحلوا فيه أمورا عظيمة، ونالوا ما لم يكونوا ينالون. فقام فيهم رجل منهم يقال له عموق فقال: يا قوم أبقوا على أنفسكم، فقد رأيتم وسمعتم من أهلك من هذه الأمم، فلا تفعلوا وتواصلوا ولا تستخفوا بحرم الله تعالى وموضع بيته. فلم يقبلوا ذلك منه وتمادوا في هلكة أنفسهم. ثم إن جرهما وقطوراء وهما أبناء عم خرجوا سيارة من اليمن أجدبت عليهم بلادهم فساروا بذراريهم وأموالهم، فلما قدموا مكة رأوا فيها ماء معينا، وشجرا ملتفا، وبناء كثيرا، وسعة من المال ودفئا في الشتاء. فقالوا: إن هذا الموضع يجمع لنا ما نريد فأعجبهم ونزلوا به.
وكان لا يخرج من اليمن قوم إلا وعليهم ملك يقيم أمرهم، سنة فيهم جروا عليها واعتادوها ولو كانوا نفرا يسيرا. وكان مضاض بن عمرو (1) على قومه من جرهم، وكان على قطوراء السميدع رجل منهم، فنزل مضاض بمن معه من جرهم على مكة بقعيقعان فما (حاز (2)، ونزل السميدع بقطوراء أسفل مكة بأجياد فما حاز. وذهب العماليق إلى أن ينازعوهم، فعلت أيديهم على العماليق. فأخرجوهم من الحرم كله فصاروا في أطرافه ولا يدخلونه، وكل على قومه لا يدخل أحدهما على صاحبه. وكانوا قوما عربا، وكان اللسان عربيا. وكان إبراهيم يزور إسماعيل. ونظر إسماعيل إلى رعلة بنت مضاض (3) فأعجبته، فخطبها إلى أبيها. انتهى. هكذا في حديث أبي جهم ذكر العماليق وأن إسماعيل تزوج منهم الأولى، وأن الثانية من جرهم، وليس ذلك في حديث ابن عباس، بل فيه: أن الأولى والثانية من جرهم، ونصه - بعد أن ذكر قصة زمزم: وكانت أم إسماعيل كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم أو أهل بيت من جرهم مقبلين من طريق كداء، فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائرا عائفا فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء. وفي لفظ: كانت جرهم يومئذ بواد قريب من مكة، فأرسلوا جريا أو جريين، فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا وأم
(1) مضاض بن عمرو بن نفيلة الجرهمي: من ملوك العرب في الجاهلية. كان محبا للغزو، كثير المعارك، مقيما في الحجاز، تابعا لليمن. وكان قبل الميلاد بزمن بعيد. ويقال: إن إسماعيل النبي تزوج بنته وجميع ولد إسماعيل منها. انظر الأعلام 7 / 249. (2) في أ: فما جاوز. (3) رعلة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي: امرأة إسماعيل بن إبراهيم، وأم " العرب المستعربة " وهم الطبقة الثالثة بعد العرب البائدة والعرب العاربة. وإن صحت رواية من جعل قحطان من نسل إسماعيل، فتكون رعلة أم القحطانيين والعدنانيين جميعا. وفي أصحاب الأنساب من يسميها " السيدة بنت مضاض " قال أبو الفداء: تزوج إسماعيل امرأة من جرهم، ورزق منها اثني عشر ولدا. وقال القلقشندي: لما نزل إسماعيل مكة، تزوج من جرهم وتعلم لغتهم. الأعلام 3 / 28. (*)
[ 153 ]
إسماعيل عند الماء فقالوا: تأذنين لنا أن ننزل عندك ؟ قالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء. قالوا: نعم. قال ابن عباس: - رضي الله تعالى عنهما - قال: النبي صلى الله عليه وسلم: فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس، فنزلوا فأرسلوا إلى أهلهم فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم وشب الغلام ونشأ بين ولدانهم، وتعلم العربية منهم وألفهم وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم، وماتت أم إسماعيل. فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل يطالع تركته فلم يجد إسماعيل، فسأل زوجته عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا. وفي لفظ: وكان عيش إسماعيل الصيد، يخرج يتصيد، فسألها عن عيشهم، فقالت: بشر نحن في ضيق وشده. وشكت إليه. قال: إذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام وقولي له: يغير عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل كأنه آنس بشئ فقال: هال جاءكم أحد ؟ قالت: نعم جاءنا شيخ كذا وكذا، كالمستخفة بشأنه، فسألنا عنك فأجبرته وسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا في جهد وشدة فقال لها: هل أوصاك بشئ ؟ قالت نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام ويقول لك: غير عتبة بابك. قال: ذاك أبي وأمرني أن أفارقك فالحقي بأهلك. فطلقها وتزوج منهم امرأة اخرى. فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله تعالى، ثم أتاهم بعد ذلك، فلم يجده، فسأل امرأته عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا. قال: كيف أنتم ؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله تعالى. قال: ما طعامكم ؟ قالت: اللحم واللبن: قال: فما شرابكم ؟ قالت: الماء. اللهم بارك لهم في اللحم واللبن والماء. وفي لفظ: في طعامهم وشرابهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ولم يكن لهم يومئذ حب، ولو حب لدعا لهم فيه ". قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه. وفي حديث أبي جهم: فجاء إبراهيم زائرا لإسماعيل فجاء إلى بيته فقال: السلام
عليكم يا أهل البيت ورحمة الله. فقامت إليه المرأة فردت عليه ورحبت به، فقال: كيف عيشكم ؟ فقالت: خير عيش بحمد الله عز وجل، نحن في لبن كثير، ولحم كثير، وماؤنا طيب. قال: هل من حب ؟ قالت: يكون إن شاء الله تعالى، ونحن في نعم. قال: بارك الله لكم. قالت: فانزل رحمك الله فاطعم واشرب. قال: لا أستطيع النزول. قالت فإني أراك شعثا أفلا أغسل رأسك وأدهنه ؟ قال: بلى إن شئت. فجاءت بالمقام وهو يومئذ حجر رطب أبيض مثل المهاة ملقى في بيت إسماعيل، فوضع عليه قدمه اليمنى وقدم إليها شق رأسه وهو على دابته، فغسلت شق رأسه الأيمن، فلما فرغ حولت له المقام حتى وضع قدمه اليسرى عليه وقدم إليها
[ 154 ]
رأسه وهو على دابته فغسلت شق رأسه الأيسر، فالأثر الذي في المقام من ذلك. قال: أبو الجهم: فلقد رأيت موضع العقب والأصابع. ثم اتفقا فقالا: فلما فرغت المرأة تغسل رأسه قال لها: إذا جاء إسماعيل فاقرئي عليه السلام. وقولي له: ثبت عتبة بابك، فإن بها صلاح المنزل. فلما جاء إسماعيل وجد ريح أبيه فقال: هل أتاكم من أحد بعدي ؟ قالت: نعم، جاءنا شيخ حسن الهيئة. وأثنت عليه. فسألني عنك فأخبرته، وسألني كيف عيشنا ؟ فأخبرته أنا بخير. قال: ما أوصاك بشئ ؟ قالت: نعم هو يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك. قال: ذاك أبي وأنت العتبة أمرني أن أمسكك. وفي حديث أبي جهم: ولقد كنت علي كريمة ولقد ازددت كرامة. فصاحت وبكت، فقال: مالك ؟ فقالت: ألا أكون علمت من هو فأكرمه وأصنع به غير الذي صنعت فقال لها: لا تبكي ولا تجزعي، فقد أحسنت ولم تكوني تقدرين أن تفعلي فوق الذي فعلت، ولم يكن ليزيدك على الذي صنع بك. فولدت لإسماعيل عشرة ذكور أحدهم نابت. بناء إبراهيم للبيت فلما بلغ إسماعيل ثلاثين سنة وإبراهيم يومئذ ابن مائة سنة أوحى الله تعالى إلى إبراهيم
أن ابن لي بيتا. فقال إبراهيم: أي رب أين أبنيه ؟ فأوحى الله - تعالى - إليه: أن اتبع السكينة، وهي ريح لها وجه وجناحان، ومع إبراهيم الملك والصرد، فانتهوا إلى مكة. وفي حديث ابن عباس: ثم لبث عنهم إبراهيم ما شاء الله تعالى ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلا له تحت دوحة قريبا من زمزم، فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الولد بالوالد والوالد بالولد. قال معمر الراوي لحديث ابن عباس: وسمعت رجلا يقول: إنهما بكيا حتى أجابتهما الطير. انتهى. ثم قال: يا إسماعيل إن الله تعالى أمرني بأمر. فقال: اصنع ما أمرك به. قال: وتعينني ؟ قال: وأعينك قال: فإن الله أمرني أن أبني ها هنا بيتا. وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها قال: فعند ذلك رفع القواعد من البيت. وفي حديث أبي جهم: فنزل إسماعيل إلى موضع البيت الذي بوأه الله تعالى لإبراهيم وموضع البيت ربوة حمراء مدرة مشرفة على ما حولها، فحفر إبراهيم وإسماعيل صلى الله عليه وسلم وليس معهما غيرهما أساس البيت يريدان أساس آدم الأول، فحفرا عن ربض البيت، يعني حوله، فوجدا صخرة لا يطيقها إلا ثلاثون رجلا، وحفرا حتى بلغا أساس آدم صلى الله عليه وسلم.
[ 155 ]
وفي حديث ابن عباس عند الإمام أحمد بسند صحيح: أن القواعد التي رفعها إبراهيم كانت قواعد البيت قبل ذلك. وفي لفظ آخر: أن القواعد كانت في الأرض السابعة. رواه ابن أبي حاتم. انتهى. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء، جاء بهذا الحجر، أي المقام، فوضعه له فقام عليه إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان: (ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم).
وفي حديث: أبي جهم: وحلقت السكينة كأنها سحابة على موضع البيت فقالت: ابن علي. فلذلك لا يطوف بالبيت أحد أبدا كافر ولا جبار إلا رأيت عليه السكينة. فبنى إبراهيم البيت فجعل طوله في السماء تسعة أذرع وعرضه ثلاثين ذراعا وطوله في الأرض اثنين وعشرين ذراعا، وأذخل الحجر وهو سبعة أذرع في البيت، وكان قبل ذلك زربا لغنم إسماعيل، وإنما بناه بحجارة بعضها على بعض ولم يجعل له سقفا، وجعل له بابين وحفر له بئرا بابه خزانة للبيت يلقى فيها ما يهدى للبيت، وجعل الركن علما للناس. فذهب إسماعيل إلى الوادي يطلب حجرا، ونزل جبريل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام بالحجر الأسود، وكان قد رفع إلى السماء حين غرقت الأرض لما رفع البيت، فنزل به جبريل فوضعه إبراهيم موضع الركن، وجاء إسماعيل بحجر من الوادي فوجد إبراهيم قد وضع الركن، فقال: من أين هذا الحجر ؟ من جاءك به ؟ قال إبراهيم: من لم يكلني إليك ولا إلى حجرك. ولما فرغ إبراهيم من بناء البيت وأدخل الحجر في البيت جعل المقام لاصقا بالبيت عن يمين الداخل. وروى البيهقي عن وهب بن منبه - رحمه الله تعالى - قال: لما أغرق الله الأرض رفع البيت فوضع تحت العرش، ومكثت الأرض خرابا ألفي سنة، فلم تزل على ذلك حتى كان إبراهيم صلى الله عليه وسلم فأمره الله سبحانه وتعالى أن يبني بيته، فجاءت السكينة كأنها سحابة فيها رأس يتكلم، ولها وجه كوجه الإنسان، فقالت: يا إبراهيم، خذ قدر ظلي فابن عليه ولا تزد شيئا ولا تنقص. فأخذ إبراهيم قدر ظلها ثم بنى هو وإسماعيل البيت، ولم يجعل له سقفا، وكان الناس يلقون فيه الحلي والمتاع، حتى إذا كان أن يمتلئ اتعد له خمسة نفر ليسرقوا ما فيه، فقام كل واحد على زاوية واقتحم الخامس فسقط على رأسه فهلك، وبعث الله سبحانه - عند ذلك حية
[ 156 ]
بيضاء سوداء الرأس والذنب، فحرست البيت خمسمائة عام لا يقربه أحد إلا أهلكته، فلم تزل
كذلك حتى بنته قريش. وروى الأزرقي عن عثمان بن ساج (1) - رحمه الله تعالى - قال: بلغنا - والله تعالى أعلم - أن خليل الله - سبحانه وتعالى - عرج به إلى السماء فنظر إلى الأرض: مشارقها ومغاربها، فاختار موضع الكعبة، فقالت له الملائكة: يا خليل الله اخترت حرم الله في الأرض فبناه من سبعة أجبل، ويقولون خمسة، فكانت الملائكة تأتي بالحجارة إلى إبراهيم من تلك الجبال. وروى الأزرقي عن علي - رضي الله تعالى عنه - وعن مجاهد، وعن بشر بن عاصم (2) متفرقين، أن إبراهيم - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - أقبل من إرمينية - وقال مجاهد: من الشام. ومعه السكينة والملك والصرد ليلا، يتبوأ البيت كما تتبوأ العنكبوت بيتها، فحفر فأبرز عن أسها أمثال خلفة الإبل لا يحرك الصخرة إلا ثلاثون رجلا ثم قال الله تعالى: " قم فابن لي بيتا " قال: يا رب وأين أبني ؟ فبعث الله - سبحانه وتعالى سحابة فيها رأس تكلم إبراهيم، فقالت: يا إبراهيم إن ربك يأمرك أن تخط قدر هذه السحابة، فجعل ينظر إليها ويأخذ قدرها، فقال له الرأس: قد فعلت. وفي لفظ: فقالت السكينة: يا إبراهيم ربضت على البيت ؟ قال: نعم. فارتفعت السحابة، فأبرز عن أس ثابت في الأرض، فبناه إبراهيم، فلذلك لا يطوف بالبيت ملك من جبابرة الملوك ولا أعرابي جلف إلا وعليه السكينة والوقار. وروى الأزرقي عن قتادة رحمه الله تعالى قال: ذكر لنا أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم بنى البيت من خمسة أجبل: من طور سيناء، وطور زيتا، ولبنان، والجودي، وحراء. قال السهيلي رحمه الله تعالى: انتبه لحكمة الله تعالى كيف بناها من خمسة أجبل، فشاكل ذلك معناها، إذ هي قبلة الصلوات الخمس عمود الإسلام الذي بني على خمس، وكيف دلت عليه السكينة إذ هي قبلة الصلوات الخمس والسكينة من شأن الصلاة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: " وائتوها وعليكم السكينة " (3). وروى الأزرقي عن ابن إسحاق أن الخليل صلى الله عليه وسلم لما بنى البيت، جعل طوله في السماء
(1) عثمان بن عمرو بن ساج الأموي مولاهم. عن الزهري مرسلا. وعن سهيل بن أبي صالح. وعنه سعيد بن سالم القداح. قال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج به. قال ابن حبان. ثقة. الخلاصة 2 / 219. (2) بشر بن عاصم بن سفيان بن عبد الله الثقفي. عن أبيه وابن المسيب. وعنه ابن جريح ونافع بن عمر. وثقه ابن معين. توفي بعد الزهري. (3) أخرجه البخاري 2 / 390 كتاب الجمعة (908)، ومسلم 1 / 420 - 421 كتاب المساجد ومواضع الصلاة (151 / 602). (*)
[ 157 ]
تسعة أذرع، وعرضه في الأرض اثنين وثلاثين ذراعا من الركن الأسود إلى الركن الشامي الذي عنده الحجر، وجعل عرض ما بين الركن الشامي إلى الركن الغربي اثنين وعشرين ذراعا، وجعل طول ظهرها من الركن الغربي إلى الركن اليماني أحدا وثلاثين ذراعا، وجعل عرض سقفها اليماني من الركن الأسود إلى الركن اليماني عشرين ذراعا، وجعل بابها بالأرض غير مبوب، وجعل جبا على يمين من دخله يكون خزانة للبيت. وذكر ابن الحاج المالكي (1) - رحمه الله تعالى - في مناسكه شيئا من خبر بناء إبراهيم البيت، ثم قال: وكان صفة بناء إبراهيم البيت أنه كان مدورا من ورائه، وكان له ركنان وهما اليمانيان، فجعلت له قريش حين بنوه أربعة أركان. انتهى. إبراهيم يؤذن بالحج قال أبو جهم: وأمر إبراهيم بعد فراغه من البناء أن يؤذن في الناس بالحج، فقال: يا رب، وما يبلغ صوتي ؟ قال الله جل ثناؤه: " أذن وعلي البلاغ ". فارتفع على المقام - وهو يومئذ ملصق بالبيت - فارتفع به المقام حتى كان أطول الجبال، فنادى وأدخل إصبعيه في أذنيه، وأقبل بوجه شرقا وغربا يقول: أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق، فأجيبوا ربكم عز وجل. فأجابه من تحت البحور السبعة ومن بين المشرق والمغرب إلى منقطع التراب من أطراف البيت كلها: لبيك اللهم لبيك. أفلا
تراهم يأتون يلبون ؟ فمن حج من يومئذ إلى يوم القيامة فهو ممن استجاب لله عز وجل وذلك قوله تعالى: (فيه آيات بينات مقام إبراهيم) يعني نداء إبراهيم على المقام بالحج، فهي الآية. قال محمد بن عمر الأسلمي راويه رحمه الله تعالى: وقد روى أن الآية هي أثر إبراهيم على المقام. وروى الفاكهي (2) بإسناد صحيح عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: قام إبراهيم على الحجر فقال: يأيها الناس، كتب عليكم الحج. فاستمع من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فأجابه من كان سبق في علم الله أنه يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك.
(1) محمد بن محمد بن الحاج، أبو عبد الله العبدري المالكي آ الفاسي، نزيل مصر: فاضل. تفقه في بلاده، وقدم مصر، وحج. وكف بصره في آخر عمره وأقعد. توفي بالقاهرة، عن نحو 80 عاما. له " مدخل الشرع الشريف "، قال فيه ابن حجر: كثير الفوائد، كشف فيه عن معايب وبدع يفعلها الناس ويتساهلون فهيا، وأكثرها مما ينكر، وبعضها مما يحتمل. وله " شموس الأنوار وكنوز الأسرار " و " بلوغ القصد والمنى في خواص أسماء الله الحسنى. توفي سنة 737 ه. الأعلام 7 / 35. (2) محمد بن إسحاق بن العباس الفاكهي: مؤرخ. من أهل مكة. كان معاصرا للأزرقي، متأخرا عنه في الوفاة له " تاريخ مكة ". توفي 272 ه. الأعلام 6 / 28. (*)
[ 158 ]
وروي أيضا عنه قال: والله ما بناه بقصة ولا مدر، ولا كان لهما من السعة والأعوان ما يسقفانه. وروي أيضا عن علي - رضي الله تعالى عنه - قال: كان إبراهيم يبني كل يوم ساقا. القصة بالفتح: الجير. الساق: العرق من الحائط. وروى ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم - وصححه - والبيهقي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: لما فرغ إبراهيم صلى الله عليه وسلم من بناء البيت
قال: يا رب، قد فرغت. قال: أذن في الناس بالحج. قال: يا رب، وما يبلغ صوتي ؟ قال: أذن وعلي البلاغ. قال: يا رب كيف أقول ؟ قال: قل: يأيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق. فسمعه من في السماء ومن في الأرض، ألا ترى أنهم يأتون من أقصى الأرض يلبون ؟ وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: لما أمر الله - سبحانه وتعالى - إبراهيم أن يؤذن بالحج صعد أبا قبيس فوضع إصبعيه في أذنيه، ثم نادى: يأيها الناس، إن الله كتب عليكم الحج، فأجيبوا ربكم. فأجابوه بالتلبية في أصلاب الرجال وأرحام النساء، وأول من أجاب أهل اليمن، فما من حاج يحج من يومئذ إلى أن تقوم الساعة إلا من كان أجاب يومئذ إبراهيم. إبراهيم يتعلم مناسك الحج قال أبو جهم: فلما فرغ إبراهيم من الأذان ذهب به جبريل فأراه الصفا والمروة، وأقامه على حدود الحرم، وأمره أن ينصب عليه الحجارة، ففعل ذلك إبراهيم وكان أول من أقام أنصاب الحرم ويريه إياها جبريل. فلما كان اليوم السابع من ذي الحجة خطب إبراهيم صلى الله عليه وسلم بمكة حين زاغت الشمس قائما وإسماعيل جالس، ثم خرجا من الغد يمشيان على أقدامهما يلبيان محرمين مع كل واحد منهما إداوة يحملها وعصا يتوكأ عليها، فسمى ذلك اليوم يوم التروية. وأتيا منى فصليا بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، وكانا نزلا من الجانب الأيمن ثم أقاما حتى طلعت الشمس على ثبير، ثم خرج إبراهيم يمشي هو وإسماعيل حتى أتيا عرفة وجبريل معهما، يريهما الأعلام حتى نزلا بنمرة، وجعل يريه أعلام عرفات، وكان إبراهيم قد عرفها قبل ذلك، فقال إبراهيم: عرفت. فسميت عرفات. فلما زاغت الشمس خرج بهما جبريل حتى انتهى بهما إلى موضع المسجد اليوم، فقام إبراهيم فتكلم بكلمات وإسماعيل جالس، ثم جمع بين الظهر والعصر ثم ارتفع بهما جبريل إلى
[ 159 ]
الهضبات فقاما على أرجلهما يدعوان إلى أن غابت الشمس وذهب الشعاع، ثم دفعا من عرفة على أقدامهما حتى انتهيا إلى جمع، فنزلا فصليا المغرب والعشاء في ذلك الموضع الذي يصلى فيه اليوم، ثم باتا فيه حتى إذا طلع الفجر وقفا على قزح، فلما أسفرا قبل طلوع الشمس وقفا على أرجلهما حتى انتهيا إلى محسر، فأسرعا حتى قطعاه ثم عادا إلى مشيهما الأول، ثم رميا جمرة العقبة بسبع حصيات حملاها من جمع، ثم نزلا من منى فجرا في الجانب الأيمن، ثم ذبحا في المنحر اليوم وحلقا رؤوسهما، ثم أقاما أيام منى يرميان الجمار حين ترتفع الشمس ماشين وراجعين، وصدرا يوم الصدر فصليا الظهر بالأبطح، وكل هذا يريه جبريل صلى الله عليه وسلم. فلما فرغ إبراهيم من الحج انطلق إلى منزله بالشام، وكان يحج البيت كل عام، وحجته سارة، وحجه إسحاق ويعقوب والأسباط والأنبياء وهلم جرا، وحجه موسى بن عمران. ثم توفى الله - تعالى - خليله بعد أن وجه إليه ملك الموت فاستنظره إبراهيم، ثم أعاده إليه لما أراد الله تعالى قبضه، فأخبره بما أمر به فسلم لأمر ربه. فقال له ملك الموت: يا خليل الله على أي حال تحب أن أقبضك ؟ قال: تقبضني وأنا ساجد. فقبضه وهو ساجد. ودفن إبراهيم صلى الله عليه وسلم بالشام. وعاش إسماعيل بعد أبيه ما عاش وتوفي بمكة فدفن بالحجون مما يلي باب الكعبة، وهناك قبر أمه هاجر دفن معها، وكانت توفيت قبله. انتهى حديث أبي جهم. تنبيه في بيان غريب ما سبق المناطق: جمع منطق بكسر الميم وسكون النون وفتح الطاء هو ما يشد به الوسط وفي لفظ: النطق بضم النون والطاء وهو جمع نطاق، مثل كتاب وكتب. قال في النهاية: وهو أن تلبس المرأة ثوبها ثم تشد وسطها بشئ وترفع ثوبها وترسله إلى الأسفل عند معاناة الأشغال لئلا تعثر في ذيلها. تخفضيها: أي تختنيها، يقال خفضت الجارية خفاضا: ختنتها، فالجارية مخفوضة، ولا
يطلق الخفض إلا على الجارية دون الغلام. العضاة: بعين مهملة مكسورة فضاد معجمة: شجر الشوك كالطلح والعوسج والهاء أصلية، الواحدة عضة بالهاء وبالتاء كعدة والأصل عضهة كعنبة. السلم بفتحتين: شجر من العضاة واحدثه سلمة بفتحتين. السمر بفتح المهملة وضم الميم من شجر الطلح والواحدة سمرة. الربوة مثلثة الراء: المكان المرتفع. مدرة بفتحات جمعها مدر مثل قصب، وقصبة، وهو
[ 160 ]
التراب المتلبد. وقال الأزهري (1): المدر: القطع من الطين. الثمام بضم المثلثة نبت ضعيف قصير لا يطول. الحجون بحاء مهملة مفتوحة فجيم مضمومة: موضع بأعلى مكة. السقاء بكسر السين المهملة قربة صغيرة. وفي لفظ معها شنة بفتح المعجمة وتشديد النون وهي القربة العتيقة. الدوحة بفتح الدال المهملة وسكون الواو وفتح الحاء المهملة هي الشجر الكبيرة. في أعلى المسجد: أي مكان المسجد، لأنه لم يكن يومئذ بناء. قف بقاف مشددة: أي ذهب موليا وكأنه من القفا أي أعطاه قفاه وظهره. الثنية بفتح المثلثة وكسر النون وتشديد التحتانية. كداء بفتح الكاف ممدود: مكان في أعلى مكة. يتلوى: يتقلب. يتلبط بمثناة تحتية فمثناة فوقية فلام فموحدة فطاء مهملة: أي يتمرغ ويضرب نفسه بالأرض. يتلمظ بوزن الذي قبله وبعد اللام ميم فظاء معجمة: أي يدير لسانه في فيه ويحركه ينشغ بمثناة تحتية مفتوحة فنون ساكنة فشين معجمة فغين معجمة أي يشهق ويعلو صوته وتنخفض كالذي ينازع. المجهود: الذي أصابه الجهد وهو الأمر الذي يشق. تقرها نفسها. بضم أوله وكسر القاف ونفسها برفع الفاعل أي لم تتركها نفسها مستقرة فتشاهده في حال الموت.
صه صه، بفتح المهملة وسكون الهاء وبكسرها منونة: كأنها خاطبت نفسها فقالت لها: اسكتي. غواث: بفتح أوله عند أكثر رواة الصحيح وتخفيف الواو مثلثة، وحكى ابن الأثير (2) ضم أوله، والمراد به هنا: المستغيث. وحكى ابن قرقول (3) كسرها أيضا، وجزاء الشرط محذوف تقديره: فأغثني.
(1) محمد بن أحمد بن الأزهر الهروي، أبو منصور: أحد الأئمة في اللغة والأدب. مولده ووفاته في هراة بخراسان. نسبته إلى جده " الأزهر ". عني بالفقه فاشتهر به أولا، ثم غلب عليه التبحر في العربية، فرحل في طلبها وقصد القبائل وتوسع في أخبارهم. له " تهذيب اللغة " و " غريب الألفاظ التي استعملها الفقهاء " و " تفسير القرآن " و " فوائد منقولة من تفسير للمزني ". توفي 370 ه. الأعلام 5 / 311. (2) المبارك بن محمد بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجزري، أبو السعادات، مجد الدين: المحدث اللغوي الأصولي. ولد ونشأ في جزيرة ابن عمر. وانتقل إلى الموصل، فاتصل بصاحبها، فكان من أخصائه. وأصيب بالنقرس فبطلت حركة يديه ورجليه ولازمة هذا المرض إلى أن توفي في إحدى قرى الموصل. قيل: إن تصانيفه كلها ألفها في زمن مرضه، إملاء على طلبته، وهم يعينونه بالنسخ والمراجعة. من كتبه " النهاية " في غريب الحديث، و " جامع الأصول في أحاديث الرسول " و " الإنصاف في الجمع بين الكشف والكشاف " في التفسير، و " المرصع في الآباء والأمهات والبنات " توفي 606 ه. الأعلام 5 / 272. (3) إبراهيم بن يوسف بن أدهم الوهراني الحمزي، أبو إسحاق بن قرقول: عالم بالحديث، من أدباء الأندلس. أصله من موضع يسمى " حمزة " بناحية المسيلة من عمل بجاية، رحل في طلب الحديث، واستقر بمالقة ثم انتقل إلى سبتة ومنها إلى سلا، وتوفي بفاس. قال ابن الأبار: " كان نظارا أدبيا حافظا يبصر الحديث ورجاله، وقد صنف وألف مع براعة الخط وحسن الوراقة ". من كتبه " مطالع الأنوار على صحاح الآثار ". توفي 569 ه. الأعلام 1 / 81، 82. (*)
[ 161 ]
غمز الأرض بغين معجمة فميم فزاي أي كبسها. انبثق: بنون فباء موحدة فثاء مثلثة فقاف: أي انفجر. تحوضه، بحاء مهملة فضاد معجمة وتشديد الواو: أي تجعله مثل الحوض. عينا معينا: أي ظاهرا جاريا على وجه الأرض. وفي لفظ: لكان الماء ظاهرا. فعلى هذا فقوله: عينا معينا: صفة للماء. فلذلك نكره قال ابن الجوزي: كان ظهور زمزم نعمة من الله تعالى
محضة بغير عمل جليل، فلما خالطها تحويض هاجر داخلها كسب البشر فقصرت على ذلك. العماليق: ذرية عملاق ويقال عمليق بن لاوذ ويقال الود بن إرم بن سام بن نوح. مضاض بميم مكسورة، وحكى ضمها وضادين معجمتين. الضيعة، بفتح المعجمة وسكون التحتانية: أي الهلاك. الرابية، بالموحدة ثم المثناة التحيتة: ما ارتفع من الأرض. أقطار الأرض، جمع قطر بضم القاف: الجانب والناحية. ترد: الماء: تبلغه. تصدر: ترجع. غمارة الماء بغين معجمة مفتوحة: أي كثرته. متنكبا قوسه: ملقيا لها عليه منكبه رفقة، بضم الراء وسكون الفاء فقاف: وهم الجماعة المختلطون سواء كانوا في سفر أم لا. جرهم (1)، بضم الجيم وسكون الراء وضم الهاء: وهو ابن قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح. وقال ابن إسحاق: كان جرهم وقطوراء أخوة أول من تكلم بالعربية عند تبلبل الألسن. وقوله: مقبلين من كداء بفتح الكاف في جميع نسخ الصحيح والمد. واستشكله بعضهم أن كداء بالفتح والمد في أعلى مكة وأما الذي في أسفلها فبالضم والقصر. يعني فيكون الصواب هنا بالضم والقصر. قال الحافظ: وفيه نظر، لأنه لا مانع أن يدخلوها من الجهة العليا وينزلوا من الجهة السفلى. عائفا، بالمهملة والفاء: وهو الذي يحوم على الماء فيتردد ولا يمضي عنه. جريا، بفتح الجيم وكسر الراء وتشديد التحتانية: أي رسولا. وقد يطلق على الوكيل والأجير قيل سمي بذلك لأنه يجري مجرى مرسله أو موكله، أو لأنه يجري مسرعا في حوائجه. أو جريين: شك من الراوي: هل أرسلوا واحدا أو اثنين ؟ وفي بعض الروايات فأرسلوا
(1) جرهم بن قحطان: جد جاهلي يماني قديم. كان له ولبنيه ملك الحجاز. ولما بني البيت الحرام بمكة كان لهم أمره، وأول من وليه منهم الحارث بن مضاض، إلى أن غلبتهم عليه خزاعة، فهاجروا عائدين إلى اليمن. ولهشام الكلبي النسابة كتاب " أخبار جرهم ". (*)
[ 162 ]
رسولا. ويحتمل الزيادة على الواحد، ويكون الإفراد باعتبار الجنس لقوله: فإذا هم بالماؤ بصيغة الجمع، ويحتمل أن يكون الإفراد باعتبار المقصود بالإرسال، والجمع باعتبار من تبعه من خادم ونحوه. ألفى: بالفاء: أي وجد. أم إسماعيل: بالنصب على المفعولية. الأنس، بضم الهمزة: ضد الوحشة. ويجوز الكسر أي تحب جنسها. وتعلم العربية منهم: فيه إشعار بأن لسان أمه وأبيه لم يكن عربيا، ولهذا مزيد يأتي في ترجمة إسماعيل في النسب النبوي. أنفسهم بفتح الفاء بلفظ أفعل التفضيل من النفاسة: أي رغبتهم في مصاهرة لنفاسته عندهم. وقال ابن الأثير: أنفسهم عطف على قوله تعلم العربية منهم. وزوجوه امرأة منهم: ذكروا في اسمها واسم أبيها قوالا لا طائل بذكرها. يطالع تركته: قال في المصباح المنير: التركة بفتح التاء وكسر الراء وتخفف بكسر الأول وسكون الراء مثل كلمة وكلمة، أي يتفقد حال ما تركه هناك. الشخب، بفتح الشين وسكون الخاء المعجمتين ثم موحدة: السيلان. عتبة بابك: بفتح العين المهملة والمثناة الفوقية والباء الموحدة: كناية عن المرأة، وسماها بذلك لما فيها من الصفات الموافقة لها، وهي حفظ الباب وصون ما هو داخله، وكونها محلا للوطء. وتزوج امرأة أخرى: ذكروا في اسمها ثمانية أقوال. وفي اسم أبيها أربعة ولا حاجة لنا إلى ذلك. نابت، بالنون من النبات. فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه: ولفظ الكشميهني (1) لا يخلوان بالتثنية. قال ابن القوطية (2): خلوت بالشئ واختلوت به: إذا لم أخلط به غيره. يبرى، بفتح أوله وسكون الموحدة. النبل، بفتح النون وسكون الموحدة: السهم قبل أن يركب فيه نصله وريشه، وهو السهم العربي.
الأكمة، بفتح الهمزة والكاف: وهي الرابية: إرمينية بكسر أوله وإسكان ثانيه بعده ميم مكسورة فتحتية فنون: بلد معروف بالروم.
(1) الكشميهني: بالضم والسكون والكسر وتحتية وفتح الهاء ونون إلى كشميهن قرية بمرو. لب اللباب 2 / 209. (2) محمد بن عمر بن عبد العزيز بن إبراهيم الأندلسي، أبو بكر، المعروف بابن القوطية: مؤرخ، من أعلم أهل زمانه باللغة والأدب. أصله من إشبيلية، مولده ووفاته بقرطبة. له كتاب " الأفعال الثلاثية والرباعية " وهو الذي فتح هذا الباب، و " المقصود والممدود " و " تاريخ فتح الأندلس " و " شرح رسالة أدب الكتاب " وكان شاعرا صحيح الألفاظ واضح المعاني، إلا أنه ترك الشعر في كبره. توفي 367 ه. الأعلام 6 / 311، 312. (*)
[ 163 ]
الصرد، وزان عمر: قال في المصباح: نوع من الغربان، الأنثى صردة والجمع صردان. ويقال له الواق، وكانت العرب تتطير من صوته وتقتله فنهي عن قتله دفعا للطيرة ومنه نوع أسبد (1) يسميه أهل العراق العقعق، وأما الصرد الهمهام فهو البري الذي لا يرى في الأرض ويقفز من شجرة إلى شجرة، وإذا اضطر وأضجر أدرك وأخذ ويصرصر كالصقر، ويصيد العصافير. قال أبو حاتم: الصرد: طائر أبقع أبيض البطن أخضر الظهر ضخم الرأس والمنقار، له ريش ويصطاد العصافير وصغار الطير. وزاد بعضهم على هذا فقال: ويسمى المجوف لبياض بطنه، والأخطب لخضرة ظهره، والأخيل لاختلاف لونه. خلفة بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام: الحامل من النوق. ربضت: أسست. طور زيتا، بلفظ الزيت: علم لجبل بالبيت المقدس. لبنان، بضم أوله وإسكان ثانية: جبل الشام. جمع: بفتح أوله وإسكان ثانية: اسم لمزدلفة، سمي بذلك للجمع بين صلاتي المغرب والعشاء فيها. قاله البكري. وقال في النهاية: لأن آدم وحواء لما أهبطا اجتمعا بها. زاد صاحب التقريب: أو لاجتماع الناس فيها.
قزح، بضم أوله وفتح الزاي: جبل بمزدلفة غير منصرف للعلمية والعدل عن قازح، تقديرا. محسر، بلفظ اسم الفاعل: موضع بين منى ومزدلفة، سمي بذلك، لأن فيل أبرهة كل فيه وأعيا، فحسر أصحابه بفعله، وأوقعهم في الحسرات. المرة الخامسة والسادسة: عمارة العمالقة وجرهم روى ابن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه في مسنده وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن علي - رضي الله تعالى عنه - أن بناء إبراهيم صلى الله عليه وسلم لبث ما شاء الله ان يلبث ثم انهدم، فبنته العمالقة، ثم انهدم فبنته جرهم. قال السهيلي: وقد قيل إنه بني في أيام جرهم مرة أو مرتين، لأن السيل قد صدع حائطه، ولم يكن ذلك بنيانا وإنما كان إصلاحا لما وهي وجدار ابني بينه وبين السيل. قلت: في حديث أبي جهم عن حذيفة - رضي الله تعالى عنه - أن البيت في زمن
جرهم دخله السيل من أعلى مكة فانهدم، فأعادته جرهم على بناء إبراهيم صلى الله عليه وسلم وجعلت له مصراعين وقفلا. انتهى. فهذا نقل صريح يشهد لما في حديث سيدنا علي - رضي الله تعالى عنه. المرة السابعة: عمارة قصي بن كلاب نقله الزبير بن بكار (1) في كتاب النسب، وجزم به الإمام أبو إسحاق الماوردي في الأحكام السلطانية. المرة الثامنة: عمارة قريش وستأتي. المرة التاسعة: عمارة عبد الله بن الزبير (2) - رضي الله عنهما عن عائشة (3) - رضي الله تعالى عنها - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: " ألم تري أن قومك حين
بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم ؟ " فقلت: يا رسول الله ألا تردها على قواعد إبراهيم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لولا حدثان قومك بالكفر ". فقال عبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهما - لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك استلام الركنين الشاميين اللذين يليان الحجر، إلا لأن البيت لم يتم على قواعد إبراهيم صلى الله عليه وسلم. وفي رواية قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لولا حداثة عهد قومك بالكفر لنقضت الكعبة وأعدتها على بناء إبراهيم، فإن قريشا اقتصرت بناءه، وجعلت له خلفا ". قال هشام: يعني بابا.
(1) الزبير بن بكار بن عبد الله القرشي الأسدي المكي، من أحفاد الزبير بن العوام، أبو عبد الله: عالم بالأنساب وأخبار العرب، رواية. ولد في المدينة، وولي قضاء مكة فتوفي فيها. له تصانيف، منها " أخبار العرب، وأيامها " و " نسب قريش وأخبارها " باسم " جمهرة نسب قريش " و " الأوس والخزرج " و " وفود النعمان على كسرى " و " أخبار ابن ميادة " و " أخبار حسان " و " أخبار عمر بن أبي ربيعة " و " أخبار جميل " و " أخبار نصيب " و " أخبار كثير " و " أخبار ابن الدمينة " وله مجموع في الأخبار ونوادر التاريخ، سماه " الموافقيات ". توفي 256 ه. الأعلام 3 / 42. (2) عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي أبو خبيب بمعجمة مضمومة، المكي ثم المدني، أول مولود في الإسلام وفارس قريش. له ثلاثة وثلاثون حديثا، اتفقا على حديث، وانفرد (خ) بستة، وانفرد (م) بحديثين. وعنه بنوه عباد وعامر، وأخوه عروة وعطاء وطاوس. شهد اليرموك وبويع بعد موت يزيد، وغلب على اليمن والحجاز والعراق وخراسان، وكان فصيحا شريفا شجاعا لسنا أطلس. قتل بمكة سنة ثلاث وسبعين، ومولده بعد الهجرة بعشرين شهرا، الخلاصة 2 / 56. (3) عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما التيمية، أم عبد الله الفقيهة أم المؤمنين الربانية، حبيبة النبي صلى الله عليه وسلم لها ألفان ومائتان وعشرة أحاديث، اتفقا على مائة وأربعة وسبعين، وانفرد (خ) بأربعة وخمسين، و (م) بثمانية وستين. وعنها مسروق والأسود وابن المسيب وعروة، والقاسم وخلق. قال عليه السلام " فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " وقال عروة: ما رأيت أعلم بالشعر من عائشة. وقال القاسم: كانت تصوم الدهر. وقال هشام بن عروة: توفيت سنة سبع وخمسين. ودفعت بالبقيع. الخلاصة 3 / 387 وسيأتي لها ترجمة مفصلة. (*)
[ 165 ]
متفق عليه (1). وفي رواية للبخاري: لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت ما خرج منه وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين: بابا شرقيا وبابا غربيا، فبلغت به أساس إبراهيم. فذلك الذي حمل ابن الزبير على هدمه. قال يزيد - هو ابن رومان (2): وشهدت ابن الزبير حين هدمه وبناه فأدخل فيه من الحجر، وقد رأيت أساس إبراهيم حجارة كأسنمة الإبل. قال جرير بن أبي حازم (3): فقلت له - يعني ليزيد بن رومان: أين موضعه ؟ قال: أريكه الآن. فدخلت مع الحجر فأشار إلى مكان وقال: ها هنا. قال جرير: فحزرت من الحجر ستة أذرع أو نحوها. وفي رواية عن سعيد بن مينا (4) قال: سمعت عبد الله بن الزبير يقول: حدثتني خالتي - يعني عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقها بالأرض ولجعلت لها بابين: بابا شرقيا وبابا غربيا، وزدت فيها ستة أذرع من الحجر، فإن قريشا اقتصرتها حيث بنت الكعبة ". ولمسلم بن عطاء بن أبي رباح - رحمه الله تعالى - قال: لما احترق البيت زمن يزيد بن معاوية (5) حين غزاها أهل الشام فكان من أمره ما كان، تركه ابن الزبير حتى قدم الناس الموسم يريد أن يحربهم على أن أهل الشام، فلما صدر الناس قال: يا أيها الناس أشيروا علي في الكعبة أنقضها ثم أبني بناءها أو أصلح ما وهي منها ؟ قال ابن عباس: إني قد فرق لي فيها رأي أن تصلح ما وهي منها وتدع بيتا أسلم عليه الناس، وأحجارا أسلم عليها الناس وبعث عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال ابن الزبير: لو كان أحدكم احترق بيته ما رضي حتى يجدده فكيف ببيت ربكم ؟ وإني مستخير ربي ثلاثا ثم عازم على أمري. فلما مضى الثلاث أجمع أمره على
(1) أخرجه البخاري 2 / 287 كتاب الحج (1585)، ومسلم 2 / 968 كتاب الحج (398 / 1333). (2) يزيد بن رومان مولى آل الزبير أبو روح المدني. عن ابن الزبير وعروة. وعنه جرير بن حازم وابن إسحاق ونافع القارئ
وطائفة. قال ابن سعد: كان عالما ثقة كثير الحديث. توفي سنة ثلاثين ومائة. الخلاصة 3 / 169. (3) جرير بن حازم الأزدي أبو النضر البصري أحد الأعلام. عن الحسن وابن سيرين وطاوس وابن أبي مليكة وخلق، وعنه أيوب وابن عون وابنه وهب بن جرير وهدبة بن خالد وخلق. وثقه ابن معين إلا في قتادة. وقال أبو حاتم: صدوق صالح. مات سنة سبعين ومائة بعد أن اختلط، ولم يحدث في حال اختلاطه. الخلاصة 1 / 162. (4) سعيد بن مينا بكسر الميم ومد النون مولى أبي ذباب أبو الوليد المكي. عن أبي هريرة وجابر. وعنه أيوب وابن إسحاق. وثقه ابن معين، وأبو حاتم. الخلاصة 1 / 391. (5) يزيد بن معاوية بن أبي سفيان. ولي بعهد من أبيه واستباح المدينة. فلمى يمهله الله تعالى. هلك سنة أربع وستين. الخلاصة 3 / 177. (*)
[ 166 ]
أن ينقضوها فتحاماها الناس أن ينزل بأول الناس يصعد فيها أمر من السماء، حتى صعد رجل فألقى منه حجارة، فلما لم يره الناس أصابه شئ تابعوه، فنقضوه حتى بلغوا به الأرض فجعل ابن الزبير أعمدة فستر عليها الستور حتى ارتفع بناؤه. قال السهيلي، رحمه الله تعالى: وطاف الناس بتلك الأستار فلم تخل من طائف حتى لقد ذكر أن يوم قتل ابن الزبير اشتدت الحرب واشتغل الناس فلم ير طائف يطوف بالكعبة إلا جمل يطوف بها. انتهى. وقال ابن الزبير: إني سمعت عائشة تقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لولا أن الناس حديث عهدهم بكفر وليس عندي من النفقة ما أنفق على بنيانه لكنت أدخلت فيه من الحجر خمسة أذرع، وجعلت له بابا يدخل الناس منه وبابا يخرج الناس منه " قال: فأنا اليوم أجد ما أنفق، ولست أخاف الناس. قال: فزاد فيه خمسة أذرع حتى أبدى أساسا نظر الناس إليه فبنى عليه البنيان. وكان طول الكعبة ثمانية عشر ذراعا، فلما زاد فيه استقصره فزاد في طوله عشرة أذرع، وجعل له بابين: أحدهما يدخل منه، والآخر يخرج منه.
فلما قتل ابن الزبير كتب الحجاج (1) إلى عبد الملك (2) يخبره بذلك ويخبره أن ابن الزبير وضع البناء على أس قد نظر إليه العدول من أهل مكة فكتب إليه عبد الملك: إنا لسنا من تخليط ابن الزبير في شئ أما ما زاده في طوله فأقره، وأما ما زاد فيه من الحجر فرده إلى بنائه وسد الباب الذي فتحه. فنقضه وأعاده إلى بنائه. وفي تاريخ مكة للأزرقي، أن ابن الزبير لما هدم الكعبة وسواها بالأرض كشف عن أساس إبراهيم صلى الله عليه وسلم فوجده داخلا في الحجر ستة أذرع وشيئا وأحجار ذلك الأساس كأنها أعناق الإبل، حجارة حمراء آخذ بعضها في بعض مشبكة كتشبيك الأصابع وأصاب فيه قبرا،
(1) الحجاج بن يوسف بن الحكم الثقفي، أبو محمد: قائد، داهية، سفاك، خطيب. ولد ونشأ في الطائف بالحجاز وانتقل إلى الشام فلحق بروح بن زنباع نائب عبد الملك بن مروان فكان في عديد شرطته، ثم ما زال يظهر حتى قلده عبد الملك أمر عسكره، وأمره بقتال عبد الله بن الزبير، فزحف إلى الحجاز بجيش كبير وقتل عبد الله وفرق جموعه، فولاه عبد الملك مكة والمدينة والطائف، ثم أضاف إليها العراق والثورة قائمة فيه، فانصرف إلى بغداد في ثمانية أو تسعة رجال على النجائب، فقمع الثورة وثبتت له الإمارة عشرين سنة. وبنى مدينة واسط بين الكوفة والبصرة. توفي 95 ه. الأعلام 2 / 168. (2) عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي القرشي، أبو الوليد: من أعاظم الخلفاء ودهاتهم. نشأ في المدينة، فقيها واسع العلم، متعبدا، ناسكا. وشهد يوم الدار مع أبيه. واستعمله معاوية على المدينة وهو ابن 16 سنة. وانتقلت إليه الخلافة بموت أبيه (سنة 65 ه) فضبط أمورها وظهر بمظهر القوة، فكان جبارا على معانديه، قوي الهيبة. واجتمعت عليه كلمة المسلمين بعد مقتل مصعب وعبد الله ابني الزبير في حربهما مع الحجاج الثقفي. وهو أول من صك الدنانير في الإسلام، وأول من نقش بالعربية على الدراهم، وكان عمر بن الخطاب قد صك الدراهم. توفي سنة 86 ه. الأعلام 4 / 165. (*)
[ 167 ]
فقال: هذا قبر أم إسماعيل صلى الله عليه وسلم، فدعا ابن الزبير خمسين رجلا من وجوه الناس وأشرافهم فأشهدهم على ذلك، وأدخل عبد الله بن مطيع العدوي (1) عتلة كانت بيده في ركن من
أركان البيت فزعزعت الأركان كلها وارتجت جوانب البيت ورجفت مكة بأسرها رجفة شديدة وخافوا خوفا شديدا، وطارت من الحجر قطعة فأخذها بيده، فإذا فيها نور مثل نار، فطارت منه برقة فلم يبق دار من دور مكة إلا دخله، ففزعوا، فقال ابن الزبير: اشهدوا. ثم وضع البناء على ذلك الأساس، وجعل لها بابين ملصقين بالأرض، فلما ارتفع البنيان إلى موضع الركن، وكان وقت الهدم قد جعله ابن الزبير في ديباجة وأدخله في تابوت وأقفل عليه وأدخله دار الندوة، وعمد إلى ما كان في الكعبة من حلى وثياب وطيب فوضعه في خزانة الكعبة في دار شيبة بن عثمان، فلما انتهى البناء إلى موضع الحجر أمر فنقر بين حجرتين أحدهما من المدماك الذي تحته والآخر من الذي فوقه وطبق ما بينهما. ثم أمر ابن الزبير ابنه عبادا وجبير بن شيبة بن عثمان أن يجعلا الركن في ثوب وقال لهما: إذا فرغتما فكبرا حتى أسمعكما فأخف صلاتي فلما وضعاه في موضعه كبرا فتسامع الناس بذلك. فغضب رجال من قريش لذلك حيث لم يحضرهم ابن الزبير، وقالوا: ما رفعته قريش في الجاهلية حتى حكموا أول من يدخل عليهم، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول داخل. وكان الحجر قد انصدع بسبب الحريق فشده ابن الزبير بالفضة. قال ابن عون (2): فنظرت إلى جوف الحجر حين انفلق كأنه الفضة. وكانت الكعبة يوم هدمها ابن الزبير ثمانية عشر ذراعا في السماء، فلما بلغ البنيان هذا المبلغ قصرت لحال الزيادة في العرض من الحجر، فقال ابن الزبير: قد كانت تسعة أذرع في السماء قبل بناء قريش فزادت قريش تسعة أذرع، وأنا أزيد تسعة أذرع. فجعلها سبعة وعشرين ذراعا في السماء ! وهي سبعة وعشرون مدماكا، وعرض جدارها ذراعان. وجعل داخلها ثلاثة دعائم. وكانت قبل ذلك على ست دعائم صفين، وأرسل إلى صنعاء فأتى برخام فجعله في الروازن لأجل الضوء، وجعل لبابها مصراعين طولهما أحد عشر ذراعا، وجعل الباب الآخر بإزائه على هيئته وجعل لها درجا من خشب معوجة يصعد منها إلى ظهرها. فلما فرغ من بنائها
(1) عبد الله بن مطيع بن الأسود العدوي المدني، له رؤية، وكان رأس قريش يوم الحرة، وأمره ابن الزبير على الكوفة، ثم
قتل معه سنة ثلاث وسبعين. التقريب 1 / 452. (2) عبد الله بن عون بن أرطبان المزني مولاهم أبو عون الخراز بفتح المعجمة والمهملة البصري أحد الأعلام. عن عطاء ومجاهد، وسالم، والحسن، والشعبي، وخلق. وعنه شعبة، والثوري، وابن علية، ويحيى القطان وخلائق. قال ابن مهدي: ما أحد أعلم بالسنة بالعراق من ابن عون وقال روح بن عبادة: ما رأيت أعبد منه. قال يحيى القطان: مات سنة إحدى وخمسين ومائة. الخلاصة 2 / 86. (*)
[ 168 ]
خلقها من داخلها ومن خارجها بالطيب والزعفران وكساها القباطي وقال: من كانت لي عليه طاعة فليخرج فليعتمر من التنعيم، ومن قدر أن ينحر بدنة فليفعل، فإن لم يقدر فشاة، ومن لم يقدر فليتصدق بما تيسر. وأخرج ابن الزبير مائة بدنة، فلما طاف بالبيت استلم الأركان الأربعة جميعا. فلم يزل البيت على بناء ابن الزبير تستلم الأركان كلها، ويدخل من باب ويخرج من باب حتى قتل ابن الزبير وقتل ودخل الحجاج مكة، فكتب إلى عبد الملك بكل ما فعله ابن الزبير. فكتب إليه عبد الملك بن مروان أن اهدم ما زاده فيها من الحجر وردها على ما كانت عليه وسد الباب الغربي الذي فتح واترك سائرها. فكل البيت اليوم على بنيان ابن الزبير، إلا الجدار الذي في الحجر وموضع سد الباب الغربي، فإنه من بنيان الحجاج، وغير تلك الدرج التي في جوفها، ونقص من طول الباب خمسة أذرع. فلما حج عبد الملك قال له الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي (1): أنا أشهد لابن الزبير بالحديث الذي سمعه من عائشة فقد سمعته أنا أيضا منها. قال: أنت سمعته منها ؟ قال: نعم، فجعل ينكث بقضيب كان في يده في الأرض ساعة ثم قال: وددت أني كنت تركته وما تحمل. المرة العاشرة: عمارة الحجاج.
وتقدم بيانها ذكره السهيلي والنووي رحمهما الله تعالى. قال في شفاء الغرام: وفي إطلاق العبارة بأنه بنى الكعبة تجوز لأنه لم يبن إلا بعضها.
(1) الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي القباع بضم القاف وتخفيف الموحدة ولي البصرة، أرسل. وعن عمر وعائشة. وعنه أبو قزعة والزهري. مات بعد الستين. الخلاصة 1 / 183. (*)
[ 169 ]
الباب الثالث في أسماء البيت الشريف منها: الكعبة. قال الله سبحانه وتعالى: (جعل الله الكعبة الحرام قياما للناس). قال مجاهد رحمه الله تعالى: إنما سميت الكعبة لأنها مربعة. رواه ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وكذا قال عكرمة. رواه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد. وقال القاضي في " المشارق ": الكعبة هو البيت نفسه لا غير، سمي بذلك لتكعبه وهو تربيعه، وكل بناء مرتفع مربع كعبة. وقال: النووي سميت بذلك لاستدارتها وعلوها، وقيل لتربيعها. قال في شفاء الغرام: وممن قال: إنها سميت بالكعبة لكونها على خلقة الكعب، ابن أبي نجيح (1) وابن جريح (2) رحمهما الله تعالى. ومنها: بكة. قال أبو مالك الغفاري (3) رحمه الله تعالى بكة: موضع البيت، ومكة ما سوى ذلك. رواه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: مكة من الفج إلى التنعيم. وبكة من البيت إلى البطحاء. رواه ابن أبي حاتم. وقال عكرمة رحمه الله تعالى: البيت وما حوله بكة وما وراء ذلك مكة. رواه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد. وقال مجاهد رحمه الله تعالى: بكة الكعبة، ومكة ما حولها. رواه عبد بن حميد.
وقال ابن شهاب رحمه الله تعالى: بكة البيت. ومكة الحرم كله. رواه ابن جرير. وسمي البيت بذلك لما رواه ابن أبي حاتم عن محمد بن يزيد بن المهاجر قال: إنما سميت بكة لأنها كانت تبك الظلمة. ولهذا مزيد بيان في باب أسماء الحرم. ومنها: البيت الحرام. وتقدم في الآية السابقة.
(1) عبد الله بن يسار الجهني الكوفي. عن حذيفة وسليمان بن صرد. وعنه منصور والأعمش. وثقه النسائي. الخلاصة 2 / 113. (2) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم أبو الوليد وأبو خالد المكي الفقيه أحد الأعلام. عن ابن أبي مليكة وعكرمة مرسلا. وعن طاوس مسألة ومجاهد ونافع وخلق. وعنه يحيى بن سعيد الأنصاري أكبر منه والأوزاعي والسفيانان وخلق. قال ابن المديني: لم يكن في الأرض أحد أعلم بعطاء من ابن جريج. وقال أحمد: إذا قال أخبرنا وسمعت حسبك به. وقال ابن معين: ثقة إذا روي من الكتاب. قال أبو نعيم: مات سنة خمسين ومائة. الخلاصة 2 / 178. (3) غزوان الغفاري أبو مالك الكوفي. عن البرا وابن عباس. وعنه سلمة بن كهيل والسدي. وثقه ابن معين. الخلاصة 2 / 330. (*)
[ 170 ]
ومنها: المسجد الحرام. قال تعالى: (فول وجهك شطر المسجد الحرام) والمراد به هنا الكعبة بلا خوف. وقد ورد إطلاق المسجد الحرام على غير الكعبة كما سيأتي. ومنها: قادس. ذكره في شفاء الغرام ولم يتكلم عليه. وقال أبو عبيد البكري رحمه الله تعالى في معجمه نقلا عن كراع: القادس: اسم للبيت الحرام. قال غير كراع: سميت بذلك من التقديس وهو التطهير لأنها تطهر من الذنوب. ومنها: ناذر. ذكره في شفاء الغرام. ولم يتكلم على ضبطه ولا على معناه. وذكره في القاموس في مادة نذر بالذال وقال إنه من أسماء مكة. ومنها القرية القديمة. ذكره في شفاء الغرام.
ومنها البيت العتيق قال الله تعالى: (وليطوفوا بالبيت العتيق). روى البخاري في تاريخه والترمذي - وحسنه - وابن جرير والحاكم - وصححه - عن عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنما سمى الله البيت العتيق لأنه أعتقه من الجبابرة فلم يظهر عليه جبار قط " (1). وروى عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس مثله وقال مجاهد: إنما سمي البيت العتيق لأنه أعتقه من الجبابرة لم يدعه جبار قط. وفي لفظ: فليس في الأرض جبار يدعي أنه له. رواه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير. وروى ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه قال: إنما سمي البيت العتيق لأنه لم يرده أحد بسوء إلا هلك. وعن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: لأنه أول بيت وضع. رواه ابن أبي حاتم. وما رواه عبد الله بن الزبير أولى وصححه ابن جماعة في مناسكه. ومنها: البنية. بموحدة فنون فمثناة تحتية مشددة في حديث البراء بن معرور: " رأيت ألا أجعل هذه البنية مني بظهر "، يعني الكعبة وقد كثر قسمهم برب هذه البنية. ومنها الدوار: بضم الدال المهملة وفتحها وتشديد الواو وبعدها ألف وراء. ذكره ياقوت في المشترك وضعا والمختلف صقعا.
(1) أخرجه الترمذي (3170)، والحاكم في المستدرك 2 / 389، والبيهقي في الدلائل 1 / 125، وذكره المتقي الهندي في الكنز (34638). (*)
[ 171 ]
الباب الرابع في بعض فضائل دخول الكعبة والصلاة فيها وآداب ذلك روى ابن خزيمة (1) والطيراني والبيهقي من طريق عبد الله بن المؤمل (2)، عن ابن عباس
رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من دخل البيت فصلى فيه دخل في حسنة وخرج من سيئة مغفورا له " (3). وفي لفظ: خرج مغفورا له. وروى الفاكهي عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال في دخول البيت: دخول في حسنه وخروج من سيئة. وروى الفاكهي عن مجاهد رحمه الله تعالى قال: دخول البيت حسنة وخروج من سيئة ويخرج مغفورا له. وروى الفاكهي عن عبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أنه قال لهند بن أوس: أرأيت الكعبة ؟ من دخلها فصلى فيها خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. وروى الفاكهي عن عطاء رحمه الله تعالى قال: لأن أصلي في البيت ركعتين أحب إلى أن أصلي أربعا في المسجد الحرام. وروى الفاكهي عن الحسن لأهل مكة: من دخل البيت دخل في رحمة الله عز وجل، وفي حمى الله عز وجل، وفي أمن الله عز وجل، ومن خرج خرج مغفورا له.
(1) محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح، أبو بكر السلمي النيسابوري الحافظ إمام الأئمة. أخذ عن المزني والربيع. وقال فيه الربيع. وقال فيه الربيع: استفدنا منه أكثر مما استفاد منا. قال أبو علي الحافظ: كان ابن خزيمة يحفظ الفقهيات من حديثه كما يحفظ القارئ السورة. وقال ابن حبان: ما رأيت على وجه الأرض من يحسن السنن ويحفظ ألفاظها الصحاح وزياداتها حتى كأنها بين عينيه إلا محمد بن إسحاق بن خزيمة فقط، وقال الدار قطني: كان إماما ثبتا معدوم النظير، وقال ابن سريج: كان ابن خزيمة يستخرج النكت من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمنقاش، وقال الحاكم: ومصنفاته تزيد على مائة وأربعين كتابا سوى المسائل، والمسائل المصنفة أكثر من مائة جزء، ولد سنة ثلاث وعشرين ومائين، وتوفي في ذي القعدة سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، وقيل: سنة اثنتي عشرة. الطبقات لابن قاضي شهبة 1 / 99، 100، والأعلام 6 / 253، وشذرات الذهب 2 / 262. (2) عبد الله بن المؤمل المخزومي العابدي بواحدة. عن ابن أبي مليكة وعطاء. وعنه الشافعي وأبو نعيم. قال أبو داود: منكر الحديث. وضعفه ابن عدي، وأما ابن حبان فوثقه. مات سنة سبع وستين ومائة. الخلاصة 2 / 104.
(3) أخرجه البيهقي 5 / 158 وابن خزيمة 3 / 30 وذكره الهيثمي في المجمع 3 / 296 وعزاه للطبراني في الكبير والبزار بنحوه. وفيه عبد الله بن المؤمل وثقه ابن سعد وغيره وفيه ضعف. (*)
[ 172 ]
وروى عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن يحيى بن جعدة بن هبيرة (1) في قوله تعالى: (ومن دخله كان آمنا). قال: آمنا من النار. وما أحسن ما أنشده الحافظ أبو طاهر السلفي (2) رحمه الله تعالى لنفسه بعد دخول البيت زاده الله تعالى تشريفا وتكريما: أبعد دخول البيت والله ضامن * * أيبقى قبيح والخطايا كوامن فحاشا وكلا بل تسامح كلها * * ويرجع كل وهو جذلان آمن فائدتان: الأولى: قال في شفاء الغرام: دخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت أربع مرات بعد الهجرة: الأولى يوم الفتح. رواه مسلم (3) عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، الثانية: ثاني الفتح. رواه الإمام أحمد بن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما (4) الثالثة: في عمرة القضية. نقله المحب الطبري في القرى عن عروة وسعيد بن المسيب. وفي ذلك نظر لما سيأتي عن عبد الله بن أبي أوفى (5) رضي الله تعالى عنه. الرابعة: في حجة الوداع، رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة (6). الثانية: اتفق الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى على استحباب دخول الكعبة، واستحسن الإمام مالك رضي الله تعالى عنه كثرة دخولها، وأما حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندي وهو قرير العين طيب النفس، ثم رجع وهو حزين فقلت له فقال: " إني دخلت الكعبة ووددت أني لم أكن فعلت، إني أخاف أن أكون أتعبت امتي من بعدي "، رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه (7). فلا دلالة فيه لعدم الاستحباب، بل
(1) يحيى بن جعدة بن هبيرة، بن أبي وهب المخزومي، ثقة وقد أرسل عن ابن مسعود ونحوه، من الثالثة. التقريب
2 / 344. (2) السلفي: بفتحتين وفاء إلى مذهب السلف وبضم أوله إلى سلف بطن من الكلاع وبكسره إلى سلفة جد الحافظ أبي طاهر. لب اللباب 2 / 22. (3) أخرجه مسلم 2 / 966 كتاب الحج (389 / 1329). (4) أخرجه أحمد في المسند 6 / 207. (5) عبد الله بن أبي أوفى علقمة بن خالد الأسلمي أبو إبراهيم، صحابي ابن صحابي. شهد بيعة الرضوان وروى خمسة وتسعين حديثا، اتفقا على عشرة، وانفرد (خ) بخمسة، و (م) بواحد. وعنه عمرو بن مرة، وطلحة بن مصرف وعدي بن ثابت والأعمش. قال الذهبي: قيل حديثه عنه مرسل وقد سمع الأعمش ممن مات قبله، فما المانع من أن يكون سمع منه. قال الواقدي: مات سنة وثمانين. وقال أبو نعيم: سنة سبع. قال عمرو بن علي: هو آخر من مات بالكوفة من الصحابة. الخلاصة 2 / 41. (6) أخرجه أبو داود 1 / 619 كتاب المناسك باب في دخول الكعبة والترمذي 3 / 223 كتاب الحج. (7) أخرجه الترمذي 3 / 223 كتاب الحج باب ما جاء في دخول مكة (873) وقال: هذا حديث حسن صحيح وابن ماجة 2 / 1018 كتاب المناسك باب دخول الكعبة (3064). (*)
[ 173 ]
دخوله صلى الله عليه وسلم دليل على استحبابه، وتمنيه عدم الدخول قد علله النبي صلى الله عليه وسلم بالشفقة على أمته، وذلك لا يدفع الاستحباب. وحديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنه: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت وصلى خلف المقام ركعتين ومعه من يستره من الناس، قال له رجل: أدخل النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة ؟ قال: لا. رواه الشيخان (1). فكذلك لا دليل فيه لعدم الاستحباب. قال النووي: قال العلماء رحمهم الله تعالى: سبب ترك دخوله صلى الله عليه وسلم ما كان في البيت من الأصنام والصور ولم يكن المشركون يتركونه يغيرها. فلما كان يوم الفتح أمر بإزالة الصور ثم دخلها كما في حديث ابن عباس في الصحيح.
وأما آداب الدخول فكثيرة، منها: الغسل، ومنها: نزع الحف والنعل، ومنها: ألا يرفع بصره إلى السقف لأن، ذلك يؤدي إلى الغفلة واللهو عن القصد. روى الحاكم عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها كانت تقول: عجبا للمرء المسلم إذا دخل الكعبة حين يرفع بصره قبل السقف يدع ذلك إجلالا لله تعالى وإعظاما، دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة ما خلف بصره موضع سجوده حتى خرج منها. ومنها: ألا يزاحم أحدا زحمة شديدة يتأذى بها أو يؤذي بها أحدا. كما ذكره النووي رحمه الله تعالى: ومنها: إن يلزم قلبه الخشوع والخضوع، وعينيه الدموع إن استطاع ذلك، وإلا حاول صورتهما. ومنها: ألا يسأل مخلوقا. قال سفيان بن وعيينة (2) رحمه الله تعالى: دخل هشام بن عبد الملك الكعبة فرأى سالم بن عبد الله بن عمر، فقال: سلني حاجتك. فقال: استحي من الله تعالى أن أسأل في بيته غيره. وأما ما يطلب في الكعبة من الأمور التي صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو: التسبيح والتكبير والتهليل والتحميد والثناء على الله تعالى والدعاء والاستغفار والصلاة. لأحاديث وردت في ذلك يأتي بيانها في غزوة الفتح إن شاء الله تعالى.
(1) أخرجه البخاري 3 / 546 (1600) (1791، 4188، 4255). (2) سفيان بن عيينة بن أبي عمر بن الهلالي مولاهم أبو محمد الأعور الكوفي، أحد أئمة الإسلام. عن عمرو بن دينار والزهري، وزيد بن أسلم وصفوان بن سليم، وخلق كثير. وعنه شعبة ومسعر من شيوخه وابن المبارك من أقرانه وأحمد وإسحاق وابن معين وابن المديني وأمم. قال العجلي: هو أثبتهم في الزهري، كان حديثه نحو سبعة آلاف. وقال ابن عيينة: سمعت من عمرو بن دينار ما لبث نوح في قومه. وقال ابن وهب: ما رأيت أعلم بكتاب الله من ابن عيينة. وقال الشافعي: لولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز. مات سنة ثمان وتسعين ومائة، ومولده سنة سبع. الخلاصة 1 / 397. (*)
[ 174 ]
الباب الخامس في فضل النظر إلى البيت الشريف قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: النظر إلى الكعبة محض الإيمان. وقال حماد بن أبي سلمة رحمه الله تعالى: الناظر إلى الكعبة كالمجتهد في العبادة في غيرها. وقال يونس بن خباب رحمه الله تعالى: النظر إلى الكعبة عبادة فيما سواها من الأرض عبادة الصائم القائم الدائم القانت. وقال مجاهد رحمه الله تعالى: النظر إلى الكعبة عبادة. وقال سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى: من نظر إلى الكعبة إيمانا وتصديقا خرج من الخطايا كيوم ولدته أمه. وقال أبو السائب المدني رحمه الله تعالى: من نظر إلى الكعبة إيمانا وتصديقا تحاتت عنه الذنوب كما يتحات الورق من الشجر. وقال زهير بن محمد رحمه الله تعالى: الجالس في المسجد ينظر إلى البيت لا يطوف به ولا يصلي أفضل من المصلي في بيته لا ينظر إلى البيت. وقال عطاء رحمه الله تعالى: النظر إلى البيت عبادة، والناظر إلى البيت بمنزلة الصائم القائم القانت الدائم المخبت المجاهد في سبيل الله. روى الجميع الأزرقي والجندي.
[ 175 ]
الباب السادس في بعض فضائل الحجر الأسود والمقام روى الترمذي وابن ماجة وابن حبان والحاكم والبيهقي في الدلائل عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة
طمس الله تعالى نورهما، ولولا ذلك لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب " (1). وروى الحاكم عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة " (2). وروى البيهقي في الشعب عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن الركن والمقام من يواقيت الجنة، ولولا ما مسهما من خطايا بني آدم لأضاءا ما بين المشرق والمغرب، وما مسهما من ذي عاهة ولا سقيم إلا شفي. وروى الترمذي - وصححه واللفظ له - والإمام أحمد وابن خزيمة عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضا من اللبن فسودته خطايا بني آدم " (3). وروى ابن خزيمة عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الحجر ياقوتة بيضاء من ياقوت الجنة، وإنما سودته خطايا المشركين، يبعث يوم القيامة مثل أحد يشهد لمن استلمه وقبله من أهل الدنيا " (4). لطيفة: قال الإمام بدر الدين أحمد بن محمد الشهير بابن الصاحب رحمه الله تعالى: فإن قلت: ما الحكمة في كون الحجر من ياقوت الجنة دون غيره من جواهرها ؟ قلت: سر غريب نبهت عليه في كتاب " الرموز في كشف أغطية الكنوز " وأنا ضنين بذلك ولكني أبوح (5) هنا بشئ من قشوره، وذلك أن الشمس في الفلك الرابع المتوسط: لو لم يكن وسط الأشياء أحسنها * * ما اختارت الشمس من أفلاكها الوسطا وهي الممدة لما فوقها وما تحتها من الأفلاك، والمعدة في الفلك الرابع من الأنفس وهي الممدة لما فوقها وما تحتها مستقرها النار، وخلق الله تعالى فيها عينا نباعة بحمض معينة على الهضم والتبريد، ومكة في الفلك المتوسط من الدنيا وهو محل النار، وهي الممدة للدنيا، قال الله تعالى:
(1) أخرجه البيهقي 5 / 75، وابن حبان 1004، وذكره السيوطي في الدر المنثور 1 / 119، والمتقي الهندي في الكنز 34740.
(2) أخرجه ابن خزيمة (2731). (3) أخرجه الترمذي (877)، وأحمد في المسند 1 / 307، 373. (4) أخرجه ابن خزيمة 4 / 220 (2734) وفي إسناده أبو الجنيد وهو الحسين خالد الضرير قال ابن معين: ليس بثقة. (5) في أ: ألوح. (*)
[ 176 ]
(جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس) أي: قياما لدينهم ودنياهم، وجعل الحجر من ياقوت الجنة الذي لا يبالي بالنار ويحصل منه التبريد المعنوي والحسي: وطالما أصلي الياقوت جمرا غضا * * ثم انطفا الجمر والياقوت ياقوت ثم سر آخر: وهو أنه نقطة الدائرة الياقوتية. ذكر ما قبل في أسوداد الحجر بعد بياضه قال السهيلي - رحمه الله تعالى - بعد أن ذكر شيئا يتعلق بالحجر الأسود: وانتبه من ها هنا إلى الحكمة في أنه سودته خطايا بني آدم دون غيره من أحجار الكعبة وأستارها وذلك أن العهد الذي فيه هو الفطرة التي فطر الناس عليها من توحيد الله تعالى، فكل مولود يولد على تلك الفطرة وعلى ذلك الميثاق، فلولا أن أبويه يهودانه وينصرانه ويمجسانه حتى يسود قلبه بالشرك لما حال عن العهد، فلما صار قلب ابن آدم محلا لذلك العهد والميثاق وصار الحجر محلا لما كتب فيه من ذلك العهد والميثاق فتناسبا، فاسود من الخطايا قلب ابن آدم بعدما كان ولد عليه من ذلك العهد، واسود الحجر الأسود بعد ابيضاضه، وكانت الخطايا سببا في ذلك حكمة من الله تعالى. وروى أبو الشيخ عن جعفر بن محمد رحمه الله تعالى قال: كنت مع أبي محمد بن علي، فقال له رجل: يا أبا جعفر ما بدء خلق هذا الركن ؟ فقال: إن الله - تعالى - لما خلق الخلق قال لبني آدم: ألست بربكم ؟ قالوا: بلى، فأقروا فأجرى نهرا أحلى من العسل وألين من الزبد، ثم أمر القلم فاستمد من ذلك النهر، فكتب إقرارهم وما هو كائن إلى يوم القيامة، ثم ألقم
ذلك الكتاب هذا القلم الحجر، فهذا الاستلام الذي يرى إنما هو تبعية على إقرارهم الذي كانوا أقروا به. وروى عبد الرازق في المنصف وأبو الشيخ عن فاطمة بنت حسن - رضي الله تعالى عنها - قالت: لما أخذ الله الميثاق من بني آدم جعله الله - تعالى - في الركن، فمن الوفاء بعهد الله تعالى استلام الحجر. وروى الجندي في فضائل مكة وأبو الحسن القطان في المطولات والحاكم والبيهقي في الشعب عن أبي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه - قال: حججنا مع عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - فلما دخل في الطواف استقبل الحجر فقال: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك ثم قبله (1)، فقال له علي
(1) أخرجه البخاري 3 / 540 كتاب الحج (1597، 1605، 1610) ومسلم 2 / 925، 926 كتاب الحج (251 / 1270) وما ذكر عن علي لم يرد في الصحيحين. (*)
[ 177 ]
- رضي الله تعالى عنه -: إنه يضر وينفع يا أمير المؤمنين. قال: بم ؟ قال: بكتاب الله تعالى. قال وأين ذلك من كتاب الله قال: قال الله عز وجل: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم) إلى قوله: (بلى)، خلق آدم ومسح على ظهره فقررهم بأنه الرب وأنهم العبيد، وأخذ عهودهم ومواثيقهم وكتب ذلك في رق، وكان لهذا الحجر عينان ولسان، فقال له: افتح فاك، ففتح فاه فألقمه ذلك الرق وقال: اشهد لمن وافاك بالموافاة يوم القيامة، وإني أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " يؤتى بالحجر الأسود يوم القيامة وله لسان ذلق يشهد لمن يستلمه بالتوحيد " فهو يا أمير المؤمنين يضر وينفع. فقال عمر: أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا الحسن. تنبيه: قال المحب الطبري رحمه الله تعالى: وقد اعترض بعض الملحدة، فقال: كيف يسود الحجر خطايا أهل الشرك ولا يبيضه توحيد أهل الإيمان ؟.
والجواب عنه من ثلاثة أوجه: الأول: ما تضمنه حديث ابن عباس الذي رواه الجندي: أن الله - تعالى - إنما طمس نوره بالسواد ليستر زينة الجنة عن الظلمة وكأنه لما تغيرت صفته التي كانت كالزينة له بالسواد كان ذلك السواد له كالحجاب المانع من الرؤية وإن رئي جرمه، إذ يجوز أن يطلق عليه غير مرئي، كما يطلق على المرأة المستترة بثوب أنها غير مرئية. الثاني: أجاب به ابن حبيب (1) رحمه الله - تعالى - فقال: لو شاء الله - تعالى - لكان ذلك، وما علمت أيها المعترض أن الله - تعالى - أجرى العادة بأن السواد يصبغ ولا يصبغ، والبياض ينصبغ ولا يصبغ. والثالث: وهو منقاس، أن يقال: بقاؤه أسود - والله تعالى أعلم -: إنما كان للاعتبار، وليعلم أن الخطايا إذا أثرت في الحجر فتأثيرها في القلوب أعظم. والله أعلم. شهادة الحجر الأسود يوم القيامة لمن استلمه بحق روى الدارمي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ليبعثن الله الحجر يوم القيامة له عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به، يشهد لمن استلمه بحق " (2).
(1) عبد الملك بن حبيب بن سليمان بن هارون السلمي الإليبري القرطبي، أبو مروان: عالم الأندلس وفقيهها في عصره. أصله من طليطلة، من بني سليم، أو من مواليهم. ولد في إلبيرة، وسكن قرطبة. وزار مصر، ثم عاد إلى الأندلس فتوفي بقرطبة. كان عالما بالتاريخ والأدب، رأسا في فقه المالكية. له تصانيف كثيرة، قيل: تزيد على ألف. منها " حروب الإسلام " و " طبقات الفقهاء والتابعين " و " طبقات المحدثين " و " تفسير موطا مالك " توفي سنة 238 ه. الأعلام 4 / 175. (2) أخرجه أحمد 1 / 291، 371، والبيهقي 5 / 75، والطبراني في الكبير 12 / 63، وذكره المتقي الهندي في الكنز 34748، والدارمي 2 / 42. (*)
[ 178 ]
وورد من حديث أنس رواه الحاكم، ومن حديث سلمان رواه الأزرقي، ومن حديث
عبد الله بن عمر، ورواه ابن خزيمة والطبراني والبيهقي في الأسماء والصفات. ما جاء في تقبيل النبي صلى الله عليه وسلم الحجر واستلامه له وسجوده عليه قال ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما -: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلم الحجر ويقبله. رواه الشيخان (1). وقال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحجر رواه الترمذي. وقال أيضا: رأيت عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - قبله وسجد عليه، ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك. رواه البيهقي. وقال جابر بن عبد الله - رضي الله تعالى عنهما -: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن مسحهما - يعني الركنين - كفارة للخطايا " (2). رواه الترمذي. وقال عابس - بالباء الموحدة والمهملة - بن ربيعة: رأيت عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - يقبل الحجر، ويقول إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك. رواه الشيخان (3). قال المحب الطبري رحمه الله تعالى: إنما قال ذلك عمر لأن الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام، فخشي عمر أن يظن الجهال أن استلام الحجر من باب تعظيم بعض الأحجار كما كانت العرب تفعل في الجاهلية، فأراد عمر - رضي الله تعالى عنه - أن يعلم الناس أن استلامه اتباع لفعل النبي صلى الله عليه وسلم لا أن الحجر ينفع ويضر بذاته كما كانت الجاهلية تعتقده في الأوثان. ما جاء أن الحجر الأسود يمين الله تعالى في الأرض يصافح به عباده روى الطبراني عن عبد الله بن عمرو بن العاص (4) - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال
(1) أخرجه البخاري 3 / 555 (1611)، ومسلم 2 / 924 (246 / 1268).
(2) أخرجه الترمذي 3 / 292 كتاب الحج (959)، والنسائي 5 / 221، والبيهقي 5 / 80. (3) أخرجه البخاري 3 / 540 (1597)، ومسلم (2 / 925 - 926). (4) عبد الله بن عمرو بن العاص السهمي أبو محمد، بينه وبين أبيه إحدى عشرة سنة. له سبعمائة حديث. كان يلوم أباه على القتال في الفتنة بأدب وتؤدة ويقول: ما لي ولصفين، ما لي ولقتال المسلمين لوددت أني مت قبلها بعشرين سنة. قال يحيى بن بكير: مات سنة خمس وستين. وقال الليث: سنة ثمان. الخلاصة 2 / 83. (*)
[ 179 ]
رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يأتي الركن يوم القيامة أعظم من أبي قبيس، له لسان وشفتان يشهد لمن استلمه بحق، وهو يمين الله - تعالى - في الأرض، يصافح به خلقه " (1). رجاله رجال الصحيح، إلا عبد الله بن المؤمل، وهو ضعيف. وروى الطبراني وابو عبيد القاسم بن سلام (2) عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الحجر يمين الله تعالى في الأرض " (3). ورواه الأزرقي وأبو طاهر المخلص (4) عنه موقوفا بلفظ: الحجر الأسود يمين الله تعالى في الأرض، فمن لم يدرك بيعة النبي صلى الله عليه وسلم فمسح الحجر فقد بايع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. ورواه الأزرقي أيضا عنه موقوفا بلفظ: الركن يمين الله تعالى في الأرض، يصافح به عباده كما يصافح أحدكم أخاه. وفي لفظ رواه محمد بن أبي عمر العدني والأزرقي أن هذا الركن الأسود يمين الله تعالى في الأرض يصافح بها خلقه، والذي نفس ابن عباس بيده ما من مسلم يسأل الله تعالى عنده شيئا إلا أعطاه إياه (5). قال الحافظ في المطالب العالية: موقوف صحيح الإسناد، زاد تلميذه الحافظ السخاوي في المقاصد الحسنة فقال: وله شواهد، منها ما رواه الديلمي عن أنس مرفوعا: الحجر الأسود يمين الله في الأرض. فمن مسح يده على الحجرفقد بايع الله تعالى ألا بعصيه (6)، ومنها: ما رواه الحارث بن أبي أسامة (7) والخطيب وابن عساكر عن جابر بن عبد
(1) أخرجه الحاكم في المستدرك 1 / 457 وابن الجوزي في العلل 2 / 85. (2) القاسم بن سلام أبو عبيد البغدادي. أحد أئمة الإسلام فقها، ولغة وأدبا، صاحب التصانيف المشهورة والعلوم المذكورة، أخذ العلم عن الشافعي والقرآآت عن الكسائي وغيره. قال الإمام أحمد: أبو عبيد ممن يزداد كل يوم خيرا. توفي بمكة سنة أربع وعشرين ومائتين. الطبقات لابن قاضي شهبة 1 / 67، 68، 69، والأعلام 6 / 10 وابن سعد 7 / 355، وتذكرة الحفاظ 2 / 417، ووفيات الأعيان 3 / 225. (3) أخرجه ابن عدي في الكامل 1 / 336 وذكره العجلوني في كشف الخفا 1 / 417، وعزاه للطبراني في معجمه وأبي عبيد القاسم بن سلام عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. (4) محمد بن عبد الرحمن بن العباس، أبو طاهر، المخلص الذهبي البغدادي: من حفاظ الحديث. كان مسند بغداد في عصره. له " منتقى سبعة أجزاء " في الحديث، لعله " الفوائد المنتقاة الغرائب الحسان " توفي 393 ه. الأعلام 6 / 190. (5) انظر كشف الخفا الموضع السابق. (6) أخرجه الخطيب في التاريخ 6 / 328، وابن الجوزي في العلل 2 / 575، وذكره المتقي الهندي في الكنز (34744). (7) الحارث بن محمد بن أبي أسامة داهر الإمام أبو محمد التميمي البغدادي الحافظ صاحب المسند، ومسنده لم يرتبه ولد سنة ست وثمانين ومائة. وثقه إبراهيم الحربي مع علمه بأنه يأخذ الدراهم، وأبو حاتم بن حبان، وقال الدار قطني: صدوق وأما أخذ الدراهم على الرواية فكان فقيرا كثير البنات، وقال أبو الفتح الأزدي وابن حزم: ضعيف عاش سبعا وتسعين سنة. وتوفي يوم عرفة سنة اثنتين وثمانين ومائتين. تذكرة الحفاظ 2 / 619، 620. (*)
[ 180 ]
الله - رضي الله تعالى عنها -. مرفوعا: " الحجر يمين الله في الأرض يصافح بها عباده ". قال الإمام الخطابي رضي الله تعالى عنه: معنى أنه يمين الله في الأرض أن من صافحه: أي الحجر - كان له عند الله عهد، وجرت العادة بأن العهد يعقده الملك بالمصافحة لمن يريد مولاته والاختصاص به، فخاطبهم بما يعهدونه. وقال في النهاية: هذا كلام تمثيل وتخييل، أن الملك إذا صافح رجلا قبل الرجل يده، فكان الحجر الأسود لله بمنزلة اليمين للملك حيث يستلم ويلثم.
وقال المحب: الطبري (1): معناه أن كل ملك قدم عليه الوافد قبل يمينه، فلما كان الحاج أول ما يقدم يسن له تقبيله بمنزلة يمين الملك ولله المثل الأعلى.
(1) أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن إبراهيم، شيخ الحرم. محب الدين، أبو العباس الطبري المكي. ولد في جمادي الآخرة سنة خمس عشرة وستمائة. وسمع من جماعة، وتفقه، ودرس، وأفتى، وصنف كتابا كبيرا إلى الغاية في الأحكام في ستة مجلدات، وتعب عليه مدة، ورحل إلى اليمن وأسمعه للسلطان صاحب اليمن. روى عنه الدمياطي وابن العطار وابن الخباز والبرزالي وجماعة. قال الذهبي: الفقيه، الزاهد، المحدث، وكان شيخ الشافعية ومحدث الحجاز. وقال ابن كثير: مصنف الأحكام المسبوطة، أجاد فيها وأفاد، وأكثر وأطنب، وجمع الصحيح والحسن، ولكن ربما أورد الأحاديث الضعيفة ولا ينبه عليه ضعفها. وله كتاب ترتيب جامع المسانيد. توفي في جمادي الآخرة، وقيل في رمضان، وقيل في ذي القعدة سنة أربع وتسعين وستمائة. وحكى البرزالي عن بعض علماء الحجاز أن الشيخ محب الدين توفي في جمادي الآخرة، وولده توفي بعده في ذي القعدة. الطبقات لابن قاضي شهبة 2 / 162، 163، والأعلام 1 / 156، وتذكرة الحفاظ 4 / 1475 والطبقات للأسنوي 312، وشذرات الذهب 5 / 425. (*)
[ 181 ]
الباب السابع في فضائل زمزم اختلفوا لم سميت بذلك ؟ فقيل: لكثرة مائها. قال أبو عبيد البكري يقال ماء زمزم وزمزام: أي كثير. وفي " الموعب " لابن التيان (1): ماء زمزم وزمزام وهو الكثير. وقيل: لتزمزم الماء فيها، وهو حركته. والزمزمة: الصوت يسمع له دوي. وقيل: لاجتماعها. نقل عن ابن هشام. وقال مجاهد رحمه الله تعالى: سميت زمزم، لأنها مشتقة من الهزمة. والهزمة: الغمز بالعقب في الأرض. رواه الفاكهي بسند صحيح.
وقيل: لأنها بالميزان لئلا تأخذ يمينا وشمالا. وقال البكري في معجمه: في زمزم لغات: زمزم بفتح أوله وإسكان ثانية وفتح الزاي الثانية، وزمزم بضم أوله وفتح ثانيه وتشديده وكسر الزاي الثانية، وزمزم بضم أوله وفتح ثانيه بلا تشديد وكسر الزاي الثانية. قال أبو ذر رضي الله تعالى عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنها طعام طعم وشفاء سقم " (2). رواه أبو داود الطيالسي (3) والطبراني والبزار، ورجاله رجال الصحيح، ورواه مسلم بدون " وشفاء سقم ". وقال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ماء زمزم لما شرب له ". رجاله موثقون، إلا أنه اختلف في إرساله ووصله، وإرساله أصح كما قاله الحافظ. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم، فيه طعام وشفاء سقم " (4).
(1) تمام بن غالب بن عمر المرسي أديب لغوي، من أهل مرسية بالأندلس. توفي في المرية له كتاب " الموعب " في اللغة، قيل: لم يؤلف مثله اختصارا واكتنازا، و " تلقيح العين " لغة. توفي 36 ه. الأعلام 2 / 86. (2) أخرجه مسلم 4 / 1919 كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل أبي ذر رضي الله عنه (132 - 2473)، وأحمد في المسند 5 / 175، والبيهقي في السنن 5 / 147، وابن سعد في الطبقات 4 / 1 / 162، وابن أبي شيبة 14 / 318. (3) سليمان بن داود بن الجارود مولى قريش، أبو داود الطيالسي: من كبار حفاظ الحديث. فارسي الأصل. سكن البصرة وتوفي بها. كان يحدث من حفظه. سمع يقول: أسرد ثلاثين ألف حديث ولا فخرا له " مسند - ط " جمعه بعض الحفاظ الخراسانيين. توفي 204 ه. الأعلام 3 / 125. (4) أخرجه الطبراني في الكبير 11 / 98 وذكره الهيثمي في المجمع 3 / 289، ونسبه للبزار والطبراني في الصغير وقال: ورجال البزار رجال الصحيح. (*)
[ 182 ]
رواه الطبراني، ورجاله ثقاة وصححه ابن حبان. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: " كنا نسميها شباعة، يعني زمزم، ونجدها نعم العون على العيال ". رواه الطبراني ورجاله ثقات. وقال أيضا: اشربوا من شراب الأبرار يعني زمزم. رواه الأزرقي. وقال أيضا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يتحف الرجل بتحفة سقاه من ماء زمزم. رواه أبو نعيم في الحلية وصحح الدمياطي (1) إسناده. وقال عباد بن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهم: لما حج معاوية حججنا معه، فلما طاف بالبيت صلى عند المقام ركعتين، ثم مر بزمزم وهو خارج إلى الصفا، فقال: إنزع لي منها دلوا يا غلام، قال: فنزع له منها دلوا، فأتي به. فشرب، وصب على وجهه ورأسه، وهو يقول: زمزم شفاء وهي لما شرب له. قال الفاكهي. قال الحافظ: هذا إسناد حسن مع كونه موقوفا، وهو أحسن من كل إسناد وقفت عليه لهذا الحديث. وروى الإمام أحمد وابن ماجة عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله (2) رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله: " ماء زمزم لما شرب له " (3) ولفظ أحمد " لما شرب منه ".
(1) عبد المؤمن بن خلف الدمياطي، أبو محمد، شرف الدين: حافظ للحديث، من أكابر الشافعية. ولد بدمياط. وتنقل في البلاد، وتوفي فجأة في القاهرة. قال الذهبي: كان مليح الهيأة، حسن الخلق، بساما، فصيحا لغويا مقرئا، جيد العبارة كبير النفس، صحيح الكتب، مفيدا جدا في المذاكرة. وقال المزي: ما رأيت أحفظ منه. من كتبه " معجم " ضمنه أسماء شيوخه وهم نحو ألف وثلاثمائة، في أربعة مجلدات، و " كشف المغطى في تبيين الصلاة الوسطى " و " المتجر الرابح في ثواب العمل الصالح " و " قبائل الخزرج " و " العقد المثمن " توفي سنة 705 ه. الأعلام 4 / 169.
(2) جابر بن عبد الله بن عمر بن حرام: بمهملة وراء، الأنصاري، ثم السلمي: بفتحتين، صحابي ابن صحابي، غزا تسع عشرة غزوة، ومات بالمدينة، بعد السبعين، وهو ابن أربع وتسعين. التقريب 1 / 122. (3) أخرجه ابن ماجة 2 / 1018 كتاب المناسك (3062). قال السيوطي: هذا الحديث مشهور على الألسنة كثيرا، واختلف الحفاظ فيه، فمنهم من صححه، ومنهم من حسنه، ومنهم من ضعفه والمعتمد الأول. قال في الزوائد 3 / 34: هذا إسناد ضعيف لضعف عبد الله بن المؤمل رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث جابر بن عبد الله ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده عن زيد بن الخباب وسعيد بن زكريا عن عبد الله بن المؤمل به. ورواه أبو يعلى الموصلي من طريق عبد الله بن المؤمل به لكن لم ينفرد ابن ماجة بإخراج هذا المتن فقد رواه الحاكم في المستدرك كذلك من طريق سعيد بن سليمان عن ابن عباس وقال: هذا حديث صحيح الإسناد وكذا رواه الدار قطني في سننه من حديث ابن عباس ولم يضعفه. (*)
[ 183 ]
تنبيهان: الأول: قد صح عن جماعة من الأئمة أنهم جربوا هذا الحديث فوجدوه صحيحا. الثاني: يذكر على بعض الألسنة أن فضيلته ما دام في محله، فإذا نقل تغير. قال في المقاصد الحسنة: وهذا شئ لا أصل له، فقد كتب صلى الله عليه وسلم إلى سهيل بن عمرو " إن جاءك كتابي ليلا فلا تصبحن أو نهارا فلا تمسين حتى تبعث إلى بماء زمزم ". وفيه: أنه بعث له بمزادتين، وكان حينئذ بالمدينة قبل أن تفتح مكة، وهو حديث حسن لشواهده. وروى الترمذي - وحسنه - وابن خزيمة في صحيحه والحاكم والبيهقي عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنها حملت ماء زمزم في القوارير، وقالت: حمله رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأداوي والقرب، وكان يصب منه على المرضى ويسقيهم. وروى الطبراني عن حبيب ابن أبي ثابت (1) قالت: سألت عطاء رحمه الله تعالى عن حمل ماء زمزم، فقال قد حمله رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمله الحسن (2) وحمله الحسين (3)، رضي الله تعالى عنهما (4).
فائدة: يجوز نقل ماء زمزم باتفاق الأئمة الأربعة، بل هو مستحب عند الشافعية والمالكية، والفرق عند الشافعية بينه وبين حجارة الحرم في عدم جواز نقلها وجواز نقل ماء زمزم أن الماء ليس شيئا يزول فلا يعود. أشار إلى هذا الفرق الإمام الشافعي (5) كما حكاه عنه البيهقي.
(1) حبيب بن أبي ثابت: قيس، ويقال: هند بن دينار الأسدي، مولاهم، أبو يحيى الكوفي، ثقة فقيه جليل، وكان كثير الإرسال والتدليس، من الثالثة، مات سنة تسع عشرة ومائة. التقريب 1 / 148. (2) الحسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي، سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم، وريحانته، وقد صحبه وحفظ عنه، مات شهيدا بالسم، سنة تسع وأربعين وهو ابن سبع وأربعين، وقيل: بل مات سنة خمسين، وقيل: بعدها، التقريب 1 / 168. (3) الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو عبد الله المدني، سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم، وريحانته، حفظ عنه، استشهد يوم عاشوراء سنة إحدى وستين، وله ست وخمسون سنة. التقريب 1 / 177. (4) ذكره الهيثمي في المجمع 3 / 290 وعزاه للطبراني في الكبير وقال: فيه من لم أعرفه. (5) محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد المطلبي أبو عبد الله الشافعي الإمام العلم. عن مالك وإبراهيم بن سعد وابن عيينة ومحمد بن علي بن شافع وخلق. وعنه أبو بكر الحميدي وأحمد بن حنبل والبويطي وأبو ثور وحرملة وطائفة. حفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، والموطأ وهو ابن عشر سنين. قال الربيع: كان الشافعي يختم القرآن ستين مرة في صلاة رمضان. وقال بحر بن نصر: كنا إذا أردنا أن نبكي قلنا بعضنا لبعض: قوموا بنا إلى هذا الفتى المطلبي يقرأ القرآن، فإذا أتيناه استفتح القران حتى يتساقط الناس من بين يديه ويكثر عجيجهم بالبكاء من حسن صوته. وقال ابن مهدي: كان الشافعي شابا منهما. وقال أحمد: ستة أدعو لهم سحرا أحدهم الشافعي. وقال: إن الشافعي للناس كالشمس للعالم. وقال أبو عبيد: ما رأيت أعقل من الشافعي. انظر الخلاصة 2 / 377. (*)
[ 184 ]
ذكر بعض خواص ماء زمزم غير ما تقدم منها: أنه يبرد الحمى لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك كما في سنن النسائي من حديث ابن
عباس رضي الله تعالى عنهما (1). ومنها: أنه يذهب الصداع. قاله الضحاك رحمه الله تعالى. ومنها: أنه لا يرفع ولا يغور إذا رفعت المياه أو غارت قبل يوم القيامة. قاله الضحاك أيضا ومنها: أنه يفضل مياه الأرض كلها طبا وشرعا. قال الشيخ بدر الدين بن الصاحب رحمه الله تعالى: وازنت ماء زمزم بماء عين مكة فوجدت زمزم أثقل من العين بنحو الربع، ثم اعتبرتها بميزان الطب فوجدتها تفضل مياه الأرض كلها طبا وشرعا. بل قال شيخ الإسلام البلقيني رحمه الله تعالى: إنه أفضل من ماء الجنة ولهذا مزيد بيان يأتي في باب شق صدره صلى الله عليه وسلم. ومنها: أنه يحلو ليلة النصف من شعبان ويطيب. ذكر ذلك ابن الحاج في مناسكه، نقلا عن مكي بن أبي طالب (2) ونص كلامه: قال الشيخ مكي بن أبي طالب رحمه الله تعالى: وفي ليلة النصف من شعبان يحلو ماء زمزم ويطيب ماؤها، يقول أهل مكة: إن عين سلوان تتصل بها تلك الليلة، ويبذل على أخذ الماء في تلك الليلة الأموال ويقع الزحام فلا يصل إلى الماء إلا ذو جاه وشرف. قال: وعانيت ذلك ثلاث سنين. انتهى. ومنها: أنه يكثر في ليلة النصف من شعبان كل سنة بحيث أن البئر تفيض بالماء على ما قيل، لكن لا يشاهد ذلك إلا العارفون. وقد شاهد ذلك الشيخ صالح أبو الحسن المعروف بكرباج رحمه الله تعالى. ومنها: أن الاطلاع فيها يجلو البصر. قاله الضحاك. ومنها: أنه يحط الأوزار والخطايا. ذكر ذلك أبو الحسن محمد بن مرزوق الزعفراني الشافعي رحمه الله تعالى في مناسكه. وروى الأزرقي عن مكحول (3) مرسلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " النظر في زمزم عبادة وهي تحط الخطايا ".
(1) أخرجه أحمد في المسند 1 / 291. (2) مكي بن أبي طالب حموش بن محمد بن مختار الأندلسي القيسي، أبو محمد: مقرئ، عالم بالتفسير والعربية. من أهل
القيروان. ولد فيها، وطاف في بعض بلاد المشرق، وعاد إلى بلده، وأقرأ بها. ثم سكن قرطبة (سنة 393) وخطب وأقرأ بجامعها وتوفي فيها. له كتب كثيرة، منها " مشكل إعراب القرآن " و " الكشف عن وجوه القرآآت وعللها ". توفي سنة 437 ه. الأعلام 7 / 286. (3) مكحول الشامي، أبو عبد الله، ثقة، فقيه كثير الإرسال، مشهور، من الخامسة، مات سنة بضع عشرة ومائة. التقريب 2 / 273. (*)
[ 185 ]
ومنها: أن الله تعالى خصه بالملوحة ليكون الباعث عليها الملح الإيماني، ولو جعله عذبا جدا لغلب الطبع البشري، وبهذا يرد على أبي العلاء المعري (1) قوله: لك الحمد أمواه البلاد بأسرها * * عذاب وخصت بالملوحة زمزم ومنها: أن من حثى على رأسه منها ثلاث حثيات لم تصبه ذلة أبدا. رواه الفاكهي عن بعض ملوك الروم أنه وجد ذلك في كتبهم. ذكر بعض أسماء زمزم قال الفاكهي رحمه الله تعالى: أعطاني أحمد بن محمد بن إبراهيم كتابا ذكر أنه عن أشياخه من أهل مكة فكتبته من كتابه فقالوا: هذه تسمية أسماء زمزم. هي: زمزم وهزمة جبريل، وسقيا إسماعيل، لا تنزف ولا تذم، وبركة، وسيدة، ونافعة، ومضنونة وعونة، وبشرى، وصافية، وبرة، وعصمة، وسالمة، وميمونة، ومباركة، وكافية، وعافية، ومعذبة، وطاهرة، وحرمة، ومروية، ومؤنة، وطعام طعم، وشفاء سقم. انتهى. زاد غيره: طيبة، وتكتم وشباعة العيال، وشراب الأبرار، وقرية النمل، ونقرة الغراب الأعصم، وهزمة إسماعيل، قال البكري: الهزمة تطامن في الأرض، وهزمة الأرض: حفرتها، والهزائم: الآبار. انتهى. وحفرة العباس. ذكر هذا الاسم ياقوت في المشترك. وهمزة جبريل بتقديم الميم على الزاي ذكره السيهلي، وسابق.
قلت: وزاد البكري: الشياعة. قال: بتشديد الشين المعجمة وتشديد الياء أخت الواو وبالعين المهملة. هذا نصه ولم يتعرض لحركات الحروف وهي في خط مغلطاي في " الزهرة " بثلاث فتحات. وذكره الزمخشري كذلك في أسماء الأماكن والمياه ثم نقل عن الخارزنجي: شياعة بضم الشين وفتح الياء مخففتين. وركضة جبريل، وحفيرة عبد المطلب ونقل ذلك عن أبي عمر الزاهد رحمه الله تعالى.
(1) أحمد بن عبد الله بن سليمان، التنوخي المعري: شاعر فيلسوف. ولد ومات في معرة النعمان. كان نحيف الجسم، أصيب بالجدري صغيرا فعمي في السنة الرابعة من عمره. وقال الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة. ورحل إلى بغداد سنة 398 ه فأقام بها سنة وسبعة أشهر وهو من بيت علم كبير في بلده. ولما مات وقف على قبره 84 شاعرا يرثونه. وإذا أراد التأليف أملى على كاتبه علي بن عبد الله بن أبي هاشم. وكان يحرم إيلام الحيوان، أما شعره وهو ديوان حكتمه وفلسفته، فثلاثة أقسام: " لزوم ما لا يلزم " ويعرف باللزوميات، و " سقط الزند " و " ضوء السقط " وقد ترجم كثير من شعره إلى غير العربية وأما كتبه فكثيرة. توفي سنة 449 ه. الأعلام 1 / 157. (*)
[ 186 ]
وزاد في " الزهر " نقلا عن ابن السيد (1) في المثلث: زمم بفتح الميم الأولى وبضمها مشددة فيهما. وشيعة بفتح الشين المعجمة وسكون المثناة وفتح العين المهملة. وحفيرة عبد المطلب وزاد ابن خالويه (2) في كتاب " ليس ": مكنونة بنونين. ومكتومة بمثناة فوقية وميم. والله تعالى أعلم.
(1) علي بن عبد الله بن أحمد الحسني الشافعي، نور الدين أبو الحسن: مؤرخ المدينة المنورة ومفتيها. ولد في سمهود بصعيد مصر ونشأ في القاهرة. واستوطن المدينة سنة 873 ه، وتوفي بها. من كتبه " وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى "، و " خلاصة الوفا " و " جواهر العقدين " في فضل العلم والنسب، و " الفتاوي " مجموع فتاواه، و " الغماز على اللماز " توفي سنة 911 ه. الأعلام 4 / 307. (2) الحسين بن أحمد بن خالويه، أبو عبد الله: لغوي، من كبار النحاة. أصله من همذان. زار اليمن وأقام بذمار، مدة، وانتقل إلى الشام فاستوطن حلب. وعظمت بها شهرته، فأحله بنو حمدان منزلة رفيعة. وكانت له مع المتنبي مجالس
ومباحث عند سيف الدولة. وعهد إليه سيف الدولة بتأديب أولاده. وتوفي في حلب. من كتبه " شرح مقصورة ابن دريد " و " مختصر في شواذ القرآن " و " إعراب ثلاثين سورة من القرآن العزيز ". توفي سنة 370 ه. الأعلام 2 / 231. (*)
[ 187 ]
الباب الثامن في تجديد حفر زمزم على يد عبد المطلب بن هاشم قال السهيلي: وكانت زمزم كما تقدم سقيا إسماعيل صلى الله عليه وسلم فحفرها له روح القدس بعقبه. وفي تحفيره إياها بالعقب دون أن يحفرها باليد أو غيره: إشارة إلى أنها لعقبه وراثة وهو محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، كما قال تعالى: (وجعلها كلمة باقية في عقبه) أي في أمة محمد صلى الله عليه وسلم. انتهى. ولم يزل ماء زمزم ظاهرا ينتفع به سكان مكة. ولما توفي الله سبحانه وتعالى إسماعيل بن إبراهيم صلى الله عليه وسلم ولي البيت بعده ابنه نابت بن إسماعيل ما شاء الله تعالى أن يليه، ثم ولي البيت مضاض بن عمرو الجرهمي وبنو إسماعيل وبنو نابت مع جدهم مضاض وأخوالهم من جرهم. ثم نشر الله تعالى ولد إسماعيل بمكة، وأخوالهم من جرهم ولاة البيت والحكام بمكة لا ينازعهم ولد إسماعيل في ذلك لخؤولتهم وقرابتهم، وإعظاما للحرمة أن يكون بها بغي أو قتال. ثم إن جرهما بغوا بمكة واستحلوا حلالا من الحرم، فظلموا من دخلها من غير أهلها وأكلوا مال الكعبة الذي يهدى لها فرق أمرهم، فلما رأت بنو بكر بن عبد مناة من كنانة وغبشان من خزاعة ذلك أجمعوا لحربهم وإخراجهم من مكة، فأذنوهم، أي أعلموهم، بالحرب، فاقتتلوا، فغلبهم بنو بكر وغبشان فنفوهم من مكة، وكانت مكة في الجاهلية لا تقر فيها ظلما ولا بغيا، ولا يبغي فيها أحد إلا أخرجته، ولا يريدها ملك يستحل حرمتها إلا أهلكته مكانه.
فخرج عمرو بن الحارث بن مضاض بغزالي الكعبة وبحجر الركن، فدفن الغزالين في زمزم وردمها، ومرت عليها السنون عصرا بعد عصر إلى أن صار موضعها لا يعرف حتى بوأها الله تعالى لعبد المطلب. وانطلق عمرو بن الحارث بن مضاض ومن معه من جرهم إلى اليمن. حفر عبد المطلب وروى قصة حفر عبد المطلب لزمزم ابن إسحاق عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، والبيهقي عن الزهري: أن عبد المطلب بينا هو نائم في الحجر أتي فقيل له: أحفر برة. قال: وما برة ؟ فذهب عنه، حتى إذا كان الغد فنام في مضجعه ذلك فأتي فقيل: له: احفر المضنونة. قال: وما المضنونة ؟ فذهب عنه، حتى إذا كان الغد فنام في مضجعه ذلك فقيل له:
[ 188 ]
احفر ظبية. قال: وما ظبية ؟ فذهب عنه فلما كان من الغد عاد إلى مضجعه فنام فيه فأتي فقيل له: احفر زمزم. قال: وما زمزم ؟ قال: لا تنزف ولا تذم تسقي الحجيج الأعظم. ثم ادع بالماء الروى غير الكدر * * تسقي حجيج الله في كل مبر (1) ليس يخاف منه شئ ما عمر فخرج عبد المطلب حين قيل له ذلك إلى قريش فقال: تعلموا أني قد أمرت بحفر زمزم. فقالوا: فهل بين لك أين هي ؟ قال: لا. قالوا: فارجع إلى مضجعك الذي رأيت فيه ما رأيت، فإن يك حقا من الله يبين لك، وإن يك من الشيطان فلن يعود إليك. فرجع عبد المطلب إلى مضجعه فنام فيه وقال " اللهم بين لي. فأرى في المنام: احفرتكتم. وفي لفظ: فقيل له: احفر زمزم إن حفرتها لم تذم، وهي تراث من أبيك الأعظم، لا تنزف ولا تذم، تسقي الحجيج الأعظم، مثل نعام جافل لم يقسم، ينفذ فيها ناذر لمغنم، تكون ميراثا وعقدا محكم، ليست كبعض ما قد تعلم. فقال: وأين هي ؟ فقيل له: بين الفرث والدم، في مبحث الغراب الأعصم، في قرية النمل.
فقام عبد المطلب فمشى حتى جلس في المسجد الحرام ينتظر ما سمي له من الآيات، فنحرت بقرة بالحزورة فانفلتت من جازرها بحشاشة نفسها حتى غلبها الموت في المسجد في موضع زمزم بين الوثنين إساف ونائلة فنحرت تلك البقرة في مكانها حتى احتمل لحمها، فأقبل غراب يهوي حتى وقع في الفرث، فبحث عن قرية النمل. فقام عبد المطلب فحفر هنالك ومعه ابنه الحارث وليس له يومئذ ولد غيره، فجاءته قريش فقالت له: ما هذا الصنيع ؟ قال: أمرت بحفر زمزم، فلما كشف عنه وبصروا بالطي كبر، فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته، فقاموا إليه فقالوا: يا عبد المطلب إنها بئر أبينا إسماعيل وإن لنا فيها حقا فأشركنا معك فيها. قال: ما أنا بفاعل، إن هذا الأمر خصصت به دونكم. قالوا: تحاكمنا ؟ قال: نعم. قالوا: بيننا وبينك كاهنة بني سعد بن هذيم، وكانت بأشراف الشام. فركب عبد المطلب في نفر من بني أمية وركب من كل بطن من أفناء قريش نفر، وكانت الأرض مفاوز فيما بين الشام والحجاز، حتى إذا كانوا بمفازة من تلك البلاد فني ما عند عبد المطلب وأصحابه من الماء حتى أيقنوا بالهلكة، ثم استسقوا القوم قالوا: ما نستطيع أن نسقيكم، وإنا نخاف مثل الذي أصابكم. فقال عبد المطلب لأصحابه: ماذا ترون ؟ قالوا: ما رأينا إلا تبع لرأيك. قال: فإني أرى أن يحفر كل رجل منكم حفرته، وكلما مات رجل منكم دفعه أصحابه في حفرته حتى يكون آخركم يدفعه صاحبه، فضيعة رجل أهون من ضيعة
(1) الأبيات في البداية والنهاية 2 / 243، والسيرة النبوية في الروض الأنف 1 / 168. (*)
[ 189 ]
جميعكم. ففعلوا. ثقال: والله إن إلقاءنا للموت بأيدينا لا نضرب في الأرض ونبتغي لعل الله تعالى يسقينا لعجز. فقال لأصحابه: ارتحلوا. فارتحلوا وارتحل، فلما جلس على ناقته فانبعثت به انفجرت عين من تحت خفها بماء عذب، فكبر عبد المطلب، وكبر أصحابه ثم نزل فشرب وشرب أصحابه وآستقوا وأسقوا، ثم دعا القبائل من قريش فقال: هلموا إلى الماء فقد سقانا الله تعالى. فجاؤوا وآستقوا وأسقوا، قالوا: عبد المطلب قد والله قضي لك علينا، لا نخاصمك
في زمزم أبدا إن الذي أسقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشدا. ولم يصلوا إلى الكاهنة وخلوا بينه وبينها. فلما رجع عبد المطلب أكمل حفر زمزم وجعل عليها حوضا يملأه ويشرب الحاج منه، فيكسره أناس من حسدة قريش بالليل فيصلحه عبد المطلب، فلما أكثروا إفساده دعا عبد المطلب ربه، فأري في المنام فقيل له: قل: اللهم إني لا أحلها لمغتسل، ولكن هي لشارب حل وبل. ثم كفيتهم. فقام عبد المطلب فنادى بالذي أري، ثم انصرف فلم يكن يفسد حوضه عليه أحد إلا رمي في جسده بداء حتى تركوا حوضه وسقايته. وذكر ابن إسحاق - رحمه الله تعالى - أن عبد المطلب وجد في زمزم غزالين من ذهب وهما الغزالان اللذان دفنتهما جرهم حين خرجت، ووجد فيها أسيافا قلعية وأدرعا. فقالت له قريش: يا عبد المطلب لنا معك في هذا شرك وحق. قال: لا، ولكن هلموا إلى أمر نصف بيني وبينكم، نضرب عليها بالقداح. قالوا: وكيف نصنع ؟ قال: إجعل للكعبة قدحين، ولي قدحين، ولكم قدحين، فمن خرج قدحاه على شئ كان له، ومن تخلف قدحاه فلا شئ له. قالوا: أنصفت. فجعل قدحين أصفرين للكعبة وقدحين أسودين لعبد المطلب وقدحين ابيضين لقريش. ثم أعطوا صاحب القداح الذي يضرب بها عند هبل، وهبل صنم في جوف الكعبة، وقام عبد المطلب يدعو وصاحب القداح يضرب القداح، فخرج الأصفران على الغزالين، وخرج الأسودان على الأسياف والأدرع، وتخلف قدحا قريش. فضرب عبد المطلب الأسياف بابا للكعبة وضرب في الباب الغزالين من ذهب، فكان أول ذهب حليته الكعبة. قال ابن إسحاق - رحمه الله تعالى -: فلما حفر عبد المطلب زمزم ودله الله تعالى عليها وخصه الله بها زاده الله بها شرفا وخطرا في قومه، وعطلت كل سقاية كانت بمكة حين ظهرت وأقبل الناس عليها التماس بركتها ومعرفة فضلها، لمكانها من البيت وأنها سقاية الله عز وجل لإسماعيل صلى الله عليه وسلم. فوائد
الأولى: قال السهيلي - رحمه الله تعالى: الأسياف والغزلان، كان ساسان ملك الفرس
[ 190 ]
أهداها للكعبة، وقيل سابور. وكانت الأوائل من ملوك الفرس تحجها إلى ساسان أو سابور. الثانية: قال السهيلي أيضا: دل عبد المطلب على زمزم بعلامات ثلاث: بنقرة الغراب الأعصم، وأنها بين الفرث والدم، وعند قرية النمل، ولم يخص هذه العلامات الثلاث إلا بحكمة إلهية وفائدة مشاكلة لطيفة في علم التعبير والتوسم الصادق لمعنى زمزم ومائها. أما الفرث والدم: فإن ماءها طعام طعم وشفاء سقم. وهي لما شربت له، وقد تقوت من مائها أبو ذر - رضي الله تعالى عنه - ثلاثين ما بين ليلة ويوم فسمن حتى تكسرت عكن بطنه، فهي إذا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في اللبن: " إذا شرب أحدكم اللبن فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه فإنه ليس شئ يسد مسد الطعام والشراب إلا اللبن " وقد قال الله تعالى: " (من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين) فظهرت هذه السقيا المباركة بين الفرث والدم، وكانت تلك من دلائلها المشاكلة لمعناها. وأما الغراب: فهو في التأويل فاسق، وهو أسود، فذلت تقرته عند الكعبة على نقرة الأسود الحبشي بمعوله في أساس الكعبة بهدمها آخر الزمان، فكأن نقرة الغراب في ذلك المكان تؤذن بما يفعله الفاسق في آخر الزمان بقبلة الرحمن وسقيا اهل الإيمان، وذلك عندما يرفع القرآن. وتحيا عبادة الأوثان. وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليخربن الكعبة ذو السويقتين من الحبشة " (1) وفيه أيضا من صفته أنه أفحج، وهذا ينظر إلى كون الغراب أعصم، إذ الفحج: تباعد في الرجلين، كما أن العصم اختلاف فيهما، والاختلاف تباعد، وقد عرف بذي السويقتين، كما نعت الغراب بصفة في ساقيه. فتأمله. وهذا من خفي علم التعبير، لأنها كانت رؤيا. وأما قرية النمل ففيها من المشاكلة أيضا والمناسبة: أن زمزم عين مكة التي يردها الحجيج والعمار من كل جانب، فيحملون لها البر والشعير وغير ذلك، وهي لا تزرع ولا
تحرث، كما قال سبحانه وتعالى خبرا عن إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام: (ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع) الآية. وقرية النمل كذلك، لأن النمل لا تحرث ولا تزرع وتجلب الحبوب إلى قريتها من كل جانب، ومكة كذلك، كما قال تعالى: (وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان) مع أن لفظ قرية النمل مأخوذ من قريت الماء في الحوض إذا جمعته، والرؤيا تعبر على اللفظ تارة وعلى المعنى أخرى، فقد اجتمع اللفظ والمعنى في هذا التأويل. والله تعالى أعلم.
(1) أخرجه البخاري 3 / 531 كتاب الحج (1591)، ومسلم 4 / 2232 كتاب الفتن (57 - 2909). (*)
[ 191 ]
الثالثة: ذكر الزمخشري (1) - رحمه الله تعالى - في ربيع الأبرار أن جبريل صلى الله عليه وسلم أنبط ماء زمزم مرتين: مرة لآدم صلى الله عليه وسلم حتى انقطعت زمن الطوفان، ومرة لإسماعيل. وفي الزهر: ويعضد ما قاله قول خويلد بن أسد بن عبد العزى في عبد المطلب: أقول وما قولي عليهم بسبة * * إليك ابن سلمى أنت حافر زمزم ركية إبراهيم يوم ابن هاجر * * وركضة جبريل على عهد آدم الرابعة: في شرح غريب ما تقدم: روح القدس بضم القاف والدال، وسكون الدال: المطهر، والمراد به جبريل صلى الله عليه وسلم، لأنه خلق من طهارة، فالإضافة بيانية. العقب (2): ما فضل من مؤخر الرجل عن الساق، والمراد به في الآية الولد. وولد الولد. نابت: بنون ومثناة فوقية. مضاض بميم مكسورة وحكى ضمها وضادين معجمتين. جرهم: بضم الجيم وسكون الراء وضم الهاء. نشر الله ولد إسماعيل: أي كثرهم. رق أمرهم: أي ساءت حالهم. برة بفتح الباء الموحدة وتشديد الراء المهملة، سميت بذلك لكثرة منافعها وسعة مائها المضنونة: قال وهب بن منبه - رحمه الله تعالى -: سميت بذلك لأنها ضن بها على غير المؤمنين، فلا يتضلع منها منافق.
روى البخاري في التاريخ وابن ماجة والطبراني والحاكم والبيهقي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم " (3). له طرق وهو بمجموعها حسن.
(1) محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشري، جار الله، أبو القاسم: من أئمة العلم بالدين والتفسير واللغة والآداب. ولد في زمخشر (من قرى خوارزم) وسافر إلى مكة فجاور بها زمنا فلقب بجار الله. وتنقل في البلدان، ثم عاد إلى الجرجانية (من قرى خوارزم) فتوفي فيها. أشهر كتبه " الكشاف " في تفسير القرآن، و " أساس البلاغة " و " المفصل " ومن كتبه " المقامات " و " الجبال والأمكنة والمياه " و " المقدمة " معجم عربي فارسي، مجلدان، و " مقدمة الأدب " في اللغة، والفائق " في غريب الحديث، و " المستقصى " في الأمثال، مجلدان، وكان معتزلي المذهب، مجاهرا، شديد الإنكار على المتصوفة، أكثر من التشنيع عليهم في الكشاف وغيره. توفي سنة 538 ه. الأعلام 7 / 178. (2) انظر المفردات في غريب القرآن (340). (3) أخرجه البيهقي 5 / 147 والحاكم في المستدرك 1 / 472، والبخاري في التاريخ 1 / 158، والدار قطني 2 / 288، والطبراني في الكبير 11 / 124. (*)
[ 192 ]
وروى الأزرقي عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " التضلع من ماء زمزم براءة من النفاق " (1). وقيل سميت بذلك لأنه قيل لعبد المطلب: احفر المضنونة، ضنت بها على الناس إلا عليك. ظبية: بظاء معجمة فباء فمثناة تحتية، سميت بذلك تشبيها بالظبية وهي الخريطة لجمعها ما فيها. قاله في النهاية تبعا لأبي موسى المديني: والذي جرى عليه السهيلي والخشني: أنها بطاء مهملة فمثناة تحتية، فباء، قال الخشني: من الطيب. وقال السهيلي: لأنها للطيبين والطيبات. تكتم بمثناتين فوقيتين تبنى للمفعول.
لا تنزف: أي لا يفرغ ماؤها ولا يلحق قعرها. قال السهيلي - رحمه الله تعالى - وهذا برهان عظيم، لأنها لم تنزف من ذلك الحين إلى اليوم قط، وقد وقع فيها حبشي فنزحت من أجله فوجد ماؤها يفور من ثلاثة أعين اقواها وأكثرها ماء عين من ناحية الحجر الأسود. ولا تذم: قال الخشني: أي لا توجد قليلة الماء يقال أذممت البئر إذا وجدتها ذمة أي قليلة الماء. زاد السهيلي: وليس معناه على ما يبدو من ظاهر اللفظ من أنها لا يذمها أحد، ولو كان من الذم لكان ماؤها أعذب المياه ولتضلع كل من شرب منه، وقد تقدم أنه لا يتضلع منها منافق، فماؤها إذا مذموم عندهم. وفي النهاية: لا تذم أي لا تعاب أو لا تلفى مذمومة، من قولك: أدممته إذا وجدته مذموما. وقيل: لا يوجد ماؤها قليلا من قولهم: بئر ذمة إذا كانت قليلة الماء. الفرث: ما يكون في كرش ذي الكرش. الأعصم من الغربان: الذي في ساقيه بياض. قاله الخشني - رحمه الله تعالى -. قرية النمل: الموضع الذي يجتمع فيه. الروى: يقال: ماء روى بالكسر والقصر ورواء بالفتح والمد: أي عذب. ما عمر: بفتح العين المهملة أي ما عمر هذا الماء فإنه لا يؤذي ولا يخاف منه ما يخاف من سائد المياه إذا أفرط في شربها بل هو بركة على كل حال. نعام جافل: لم يقسم الجافل: من جفلت الغنم إذا انفلتت بجملتها، ولم يقسم: أي لم يتوزع ولم يتفرق، وعلى هذا يجوز أن يحمل قوله: لا تذم أي لا تذم عاقبة شربها. وهذا تأويل سائغ إلى ما قدمناه من التأويل، وكلاهما صحيح في صفتها. وفي كل مبر: مفعل من البر، يريد في مناسك الحج ومواضع الطاعة. الحزورة بفتح
(1) ذكره العجلوني في كشف الخفا 1 / 364 وعزاه لابن ماجة عن ابن عباس رضي الله عنهما ورواه أبو نعيم عن عبد الله بن ثعلبة الحنثي من كلامه، وذكره في الكنز (34778) والسيوطي في الدر المنثور 3 / 221. (*)
[ 193 ]
الحاء المهملة ثم زاي ساكنة فواو فراء فهاء بوزن قسورة. قال الإمام الشافعي - رضي الله تعالى
عنه -: الناس يشدونه وهو مخفف. وقال الدار قطني: التشديد تصحيف وإنما هو بالتخفيف. موضع بمكة داخل المسجد. الحشاشة (1) بقية الروح إساف: بكسر الهمزة وفتح المهملة المخففة. نائلة بنون وبعد الألف مثناة تحتية. الطئ: قال ابن هشام: ويقال: الطوى: وكل واحد. قال الخشني: وليس بظاهر، لأن الطي للحجارة التي يطوى أي يبنى بها البئر سميت بالمصدر، والطوى هو البئر نفسها. كاهنة بني سعد بن هذيم: كذا روي، ورواه ابن سراج: سعد هذيم. بإسقاط ابن. قال الخشني: وهو الصواب لأن هذيما لم يكن أباه وإنما كفله بعد أبيه فأضيف إليه. أشراف الشام بالفاء أخت القاف: وهو ما ارتفع من الأرض، واحدة شرف. تقول قعدت على شرف من الأرض أي على مكان مرتفع، من أفناء قريش. الأفناء جمع فنو كأحمال وحمل، أي أخلاطهم. المفاوز: القفار واحدها مفازة، وفي اشتقاق اسمها ثلاثة أقوال: فقيل لأن راكبها إذا قطعها فقد فاز: وقيل: معناها: مهلكة، يقال: فاز الرجل، وفوز مشددا، وفاد بالدال المهملة: إذا هلك. وقيل سميت مفازة على جهة التفاؤل. ظمئوا: عطشوا. ضيعة رجل: هو في الأصل المرة من الضياع. نضرب في الأرض: نسافر. انبعث به راحلته: قامت من بروكها. حل بكسر الحاء: الحلال ضد الحرام وبل بكسر الباء الموحدة: المباح. وقيل: الشفاء من قولهم: بل من مرضه وأبل. وبعضهم يجعله إتباعا لحل. قال في النهاية: ويمنع من جواز الإتباع الواو. أسيافا قليعة: منسوبة إلى بلد بالهند من جهة الصين. والقلعة بفتح اللام وسكونها: الموضع المرتفع. النصف بكسر النون وسكون الصاد المهملة وبفتحها: النصفة بفتحات، وهو الاسم من الإنصاف. القداح: جمع قدح بكسر القاف فيهما، وهو السهم الذي كانوا يستقسمون به. هبل: بضم الهاء وفتح الباء. الخطر: بفتح الخاء المعجمة والطاء المهملة. قال في المصباح: خطر الرجل يخطر
خطرا، وزان شرفا إذا ارتفع قدره ومنزلته فهو خطير.
(1) والحشاشة: روح القلب ورمق حياة النفس قال: وما المرء ما دامت حشاشة نفسه * * بمدرك أطراف الخطوب ولا آل اللسان 2 / 886. (*)
[ 194 ]
الباب التاسع في بعض أسماء البلد الشريف والحرم المنيف قال الإمام النووي - رحمه الله تعالى -: ولا يرى في البلاد بلدة أكثر أسماء من مكة والمدينة، لكونهما أشرف الأرض. انتهى. الباسة: بالباء الموحدة والسين المهملة. قال مجاهد - رحمه الله تعالى -: سميت بذلك، لأنها تبس من الحد فيها أي تهلكه وتحطمه. برة: نقله الزركشي عن ابن خليل - رحمهما الله تعالى -. بساق: ذكره ابن رشيق (1) - رحمه الله تعالى - في " العمدة ". قال في شفاء الغرام: وهو بباء موحدة فسين مهملة فألف فقاف. انتهى. وفي الصحاح: بسق فلان على أصحابه أي علاهم. وفي القاموس: أنه كغراب: جبل بعرفات وواد في الحجاز. وفي المشترك لياقوت وربما قالوه بالصاد جبل بعرفات، فيه واد بين المدينة والحجاز وعقبة بين التيه وأيلة. بكة بالباء. قال: أبو عبيد البكري: وهي مكة تبدل الميم من الباء قال تعالى: (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة) وقال: (ببطن مكة) وقال عطية: بكة موضع البيت، ومكة ما حواليه. وهو قول إبراهيم النخعي. وقال عكرمة: بكة: ما ولي البيت. ومكة ما وراء ذلك. وقال القتبي: قال أبو عبيدة: بكة بالباء، اسم لبطن مكة. قال البكري: والذي عليه أهل اللغة أن مكة وبكة شئ واحد، كما يقال سبد رأسه وسمده، وضربة لازم ولازب. قال: وقيل بل هما اسمان لمعنيين واقعان على شئ واحد، فاشتقاق مكة لقلة مائها وذكر ما سيأتي في مكة. ثم
قال، قالوا: وسميت بكة لأن الناس يتباكون فيها أي يزدحمون. انتهى. زاد الزركشي في الإعلام، والفاسي (2) في شفاء الغرام: وقيل: لأنها تبك أعناق الجبابرة إذا ألحدوا فيها، أي تدقها. والبك: الدق. ولفظ الزركشي: أي تكسرهم فيذلون بها
(1) الحسن بن رشيق القيرواني، أبو علي: أديب، نقاد، باحث. وكان أبوه من موالي الأزد. ولد في المسيلة (بالمغرب) وتعلم الصياغة، ثم مال إلى الأدب وقال الشعر، فرحل إلى القيروان سنة 406 ومدح ملكها، واشتهر فيها. وحدثت فتنة فانتقل إلى جزيرة صقلية، وأقام بمازر إحدى مدنها، إلى أن توفى. من كتبه " العمدة في صناعة الشعر ونقده " و " قراضة الذهب - ط " في النقد، و " الشذوذ في اللغة ". توفي سنة 463 ه. الأعلام 2 / 191. (2) محمد بن أحمد بن علي، تقي الدين، أبو الطيب المكي الحسني: مؤرخ، عالم بالأصوال، حافظ للحديث. أصله من فاس، ومولده ووفاته بمكة. دخل اليمن والشام ومصر مرارا. وولي قضاء المالكية بمكة مدة. وكان أعشى يملي تصانيفه على من يكتب له، ثم عمي سنة 828 قال المقريزي: كان بحر علم لم يخلف بالحجاز بعده مثله. من كتبه " العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين " و " شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام " وغير ذلك، واشترط في وقف كتبه ألا تعار لمكي، فسرق أكثرها وضاع. توفي 382 ه. الأعلام 5 / 331. (*)
[ 195 ]
ويخضعون. وقيل: إنها تضع من نخوة المتكبرين فيها. قاله - الترمذي - رحمه الله تعالى. البلد: قال الله تعالى: (لا أقسم بهذا البلد) وروى ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: (لا أقسم بهذا البلد) قال: مكة. (وأنت حل بهذا البلد) يعني النبي صلى الله عليه وسلم، أحل الله تعالى له يوم دخول مكة أن يقتل من شاء ويستحبي من شاء. بلد الله تعالى: لاختياره لها على غيرها. البلدة. قال تعالى: (بلدة طيبة ورب غفور) قال ياقوت في " المشترك ": هي مكة. وقال تعالى: (إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة) قال الواحدي (1) في الوسيط وابن برجان (2) في تفسيره: هي مكة. وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: هي مكة. وروى عبد بن حميد عن
قتادة مثله. وروى ابن المنذر عن ابن جريج قال: زعم الناس أنها مكة. البلد الحرام: لحرمة مكة (3). وسيأتي لهذا مزيد بيان في حجة الوداع. البلد الأمين: لتحريم القتال فيه، قال تعالى: (وهذا البلد الأمين) قال خزيمة بن ثابت (4)، وليس بالأنصاري: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فقال: " مكة ". رواه الطبراني في الأوسط. وبه قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما. رواه أيضا ابن جرير، وابن أبي حاتم. ولا خلاف في ذلك بين المفسرين. الثنية: ذكره الزركشي. وقال في شفاء الغرام: هذه عن ياقوت. انتهى. والذي ذكره ياقوت في المشترك بعد أن ذكر الكلام على الثنية: فالأول: الثنية البيضاء،
(1) علي بن أحمد بن محمد، أبو الحسن الواحدي. كان فقيها إماما في النحو واللغة وغيرهما، شاعرا، وأما التفسير فهو إمام عصره فيه. أخذ التفسير عن أبي إسحاق الثعلبي، واللغة عن أبي الفضل العروضي صاحب أبي منصور الأزهري والنحو عن أبي الحسن القهندري الضرير، صنف " البسيط " و " الوسيط " و " الوجيز " و " أسباب النزول " وكتاب نفي التحريف عن القرآن الشريف، وكتاب الدعوات، وكتاب التنجيز في شرح أسماء الله الحسنى، وكتاب تفسير أسماء النبي صلى الله عليه وسلم وكتاب " المغازي " وكتاب الإغراب في الإعراب، وشرح ديوان المتنبي. وأصله من ساوه. من أولاد التجار، وولد بنيسابور، ومات بها بعد مرض طويل في جمادي الآخرة سنة ثمان وستين وأربعمائة. الطبقات لابن قاضي شهبة 1 / 256، 257، والأعلام 5 / 59، ووفيات الأعيان 2 / 464، وبغية الوعاة 327. (2) هو عبد السلام بن عبد الرحمن بن محمد اللخمي الإشبيلي، أبو الحكم: متصوف، من مشاهير الصالحين. له كتاب في " تفسير القرآن " أكثر كلامه فيه على طريق الصوفية لم يكمله، و " شرح أسماء الله الحسنى " توفي بمراكش سنة 536 ه. الأعلام 4 / 6. (3) في أ: لحرم مكة. (4) خزيمة بن ثابت بن الفاكة بن ثعلبة بن ساعدة بن عمار الأنصاري الخطمي ذو الشهادتين، شهد بدرا وأحدا، له ثمانية وثلاثون حديثا. تفرد له (م) بحديث. روى عنه ابنه عمارة وإبراهيم بن سعد بن أبي وقاص. قتل مع علي بصفين. الخلاصة 1 / 289. (*)
[ 196 ]
وهي عقبة تهبطك إلى فخ بالخاء المعجمة وأنت مقبل إلى المدينة، تريد أسفل من مكة قبل ذي طوى، ولم يذكر أن مكة نفسها اسمها الثنية. فالله تعالى أعلم. الحاطمة: ذكره الأزرقي والنووي وغيرهما، لحطمها الملحدين. الحرم: بحاء وراء مهملتين ذكره سليمان بن خليل في مناسكه. الحرمة بالضم. الحرمة بالكسر. ذكرهما عديس في الباهر. الرأس: قال النووي: لأنه أشرف الأرض كرأس الإنسان. وأنشد كراع (1): وفي الرأس آيات لمن كان ذا حجى * * وفي مدين العليا وفي موضع الحجر الرباح: براء مكسورة فمثناه فوقية فألف فجيم. ذكره المحب الطبري، وقال الزركشي المعروف أن الرتاج: الباب. قال الخليل: وربما أريد به الكعبة. ومنه الحديث: " جعل ماله في رتاج الكعبة " أي لها، فكنى عنها بالباب، لأن منه يدخل إليها. سبوحة: ذكره في شفاء الغرام. وقال في الصحاح: وهي بفتح السين مخففة: البلد الحرام. ويقال: واد بعرفات. وذكرها الفارابي (2) في فعولة بفتح الفاء وضم العين. سلام: بالكسر بلا تنوين ذكره في شفاء الغرام. السبل. ذكره صاحب القاموس (3) في التحبير. صلاح: بفتح الصاد وكسر الحاء المهملة بلا تنوين. قال النووي: سميت بذلك لأمنها. زاد الزركشي في الإعلام: ولأن فيها صلاح الخلق، أو لأنها تعمل فيها الأعمال الصالحة. صلاح: منونة. طيبة: بالتشديد لطيبها. العذراء: لأنها لم تنل بمكروه.
(1) علي بن الحسن الهنائي الأزدي أبو الحسن عالم بالعربية مصري لقب " كراع النمل " لقصره أو لدمامته. له كتب منها " المنضدة " في اللغة توفي بعد 309 ه. الأعلام 4 / 272.
(2) إسحاق بن إبراهيم بن الحسين الفارابي، أبو إبراهيم، أديب، غزير مادة العلم، من أهل فاراب (وراء نهر سيحون) وهو خال الجوهري صاحب الصحاح. انتقل إلى اليمن، وأقام في زبيد، وصنف كتابا سماه " ديوان الأدب " عرفه بقوله: وهو ميزان اللغة ومعيار الكلام. وهو غير الفارابي الحكيم. توفي سنة 350 ه. الأعلام 1 / 293. (3) محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم بن عمر، أبو طاهر، مجد الدين الشيرازي الفيروزآبادي: من أئمة اللغة والأدب. ولد بكارزين (بكسر الراء وتفتح) من أعمال شيراز. وانتقل إلى العراق، وجال في مصر والشام، ودخل بلاد الروم والهند. ورحل إلى زبيد (سنة 796 ه) فأكرمه ملكها الأشرف إسماعيل وقرأ عليه، فسكنها وولي قضاءها. وانتشر اسمه في الآفاق، حتى كان مرجع عصره في اللغة والحديث والتفسير، وتوفي في زبيد. أشهر كتبه " القاموس المحيط " و " المغانم المطابة في معالم طابة " و " تنوير المقباس في تفسير ابن عباس " وله " بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز " و " نزهة الأذهان في تاريخ أصبهان " توفي سنة 817 ه. الأعلام 7 / 146. (*)
[ 197 ]
العرش، بوزن بدر. قاله كراع - رحمه الله تعالى - وبضمتين. قاله البكري. العريش: بزيادة مثناة تحتية ذكره ابن سيده (1)، لأن أبياتها عيدان تنصب وتظلل. قال الزركشي: قالوا: ويقال فيها عروش واحدها عرش. العروض: ذكره في التحبير. ولم يزد على ذلك. وفي الصحاح: عرض الرجل إذا أتى العروض وهي مكة والمدينة وما حولهما. وذكره الفارابي في ديوانه في مادة فعول بفتح الفاء وضم العين. فاران: بفاء فألف فراء فألف فنون، نقله في شفاء الغرام عن ياقوت والذي في " المشترك " له: فاران اسم جبال مكة، وقيل اسم جبال الحجاز، ولها ذكر في التوراة يجئ في أعلام نبوة النبي صلى الله عليه وسلم. المقدسة والقادس والقادسة والقادسية: أسماء لها من القدس وهو الطهر نصيب لأنها تطهر من الذنوب، ذكر الأول ابن جماعة. والثاني والثالث ابن قرقول، وذكر الزركشي الثلاثة والرابع الفاسي.
قرية الحمس: بحاء مهملة مضمونة فميم ساكنة فسين مهملة جمع أحمس. وهم قريش ومن ولدته قريش وكنانة وجديلة وقيس، سموا حمسا لأنهم تحمسوا في دينهم أي تشددوا. والحماسة أيضا: الشجاعة. ولهذا مزيد بيان في باب حفظ الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم في حال طفوليته. وقرية النمل: ذكر هذين الاسمين صاحب القاموس في تحبير الموشى. قال في شفاء الغرام: قرية النمل ونقرة الغراب. علامتان لموضع زمزم حين أمر عبد المطلب بحفرها. وعدها بعضهم اسمين لزمزم مجازا. فإن كان شيخنا - رحمه الله تعالى - لحظ كونهما اسمين وسمى بها مكة من باب تسمية الكل باسم البعض، وهو مجاز شائع، فيصح على هذا أن يذكر في أسماء مكة والصفا والمروة والحزورة وغير ذلك. وقوله: قرية الحمس: إن كان شيخنا لحظ في تسمية مكة بذلك أن الحمس كانوا سكان مكة، فيصح على هذا أن يذكر في أسماء مكة قرية العماليق وقرية جرهم، لكونهم كانوا سكان مكة قبل الحمس، اللهم إلا أن تكون سميت مكة بقرية النمل ونقرة الغراب وقرية الحمس منقولا عن كتب اللغة، فلا يقاس عليه غيره.
(1) علي بن إسماعيل، المعروف بابن سيده، أبو الحسن: إمام في اللغة وآدابها. ولد بمرسية (في شرق الأندلس) وانتقل إلى دانية فتوفي بها. كان ضريرا (وكذلك أبوه) واشتغل بنظم الشعر مدة، وانقطع للأمير أبي الجيش مجاهد العامري. توفي سنة 458 ه. الأعلام 4 / 263. (*)
[ 198 ]
القرية: قال الله تعالى: (ضرب الله مثلا قرية) قال مجاهد - رحمه الله تعالى -: يعني مكة. كوثى: بكاف مضمومة وثاء مثلثة مفتوحة. نقله الأزرقي عن مجاهد وجزم به السهيلي وفي المطالع: سميت باسم بقعة فيها. وأفاد الفاكهي أن كوثى في ناحية قعيقعان. وقيل: كوثى جبل بمنى. المأمون: ذكره الزركشي ونقله الشيخ عن ابن دحية لتحريم القتال فيه.
مخرج صدق: روى الزبير بن بكار في أخبار المدينة عن زيد بن أسلم (1) - رحمه الله تعالى - قال: جعل الله تعالى مدخل صدق: المدينة ومخرج صدق: مكة. المسجد الحرام: قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -: الحرم كله هو المسجد الحرام. رواه سعيد بن منصور. ولهذا مزيد بيان يأتي في تفسير أول سورة الإسراء في أبواب الإسراء إن شاء الله تعالى. المعاد: قال الله تعالى: (إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد) قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -: يعني مكة. رواه البخاري. المكتان: ذكره الشيخ برهان الدين القيراطي - رحمه الله تعالى - في قصيدة في أسماء مكة. قال في شفاء الغرام: ولعله أخذه من قول ورقة بن نوفل: أرى الأمر لا يزداد إلا تفاقما * * وأنصارنا بالمكتين قليل ولهذا مزيد بيان يأتي في باب البعثة إن شاء الله تعالى. مكة: اختلف في سبب تسميتها مكة بالميم، فقيل: لأنها تمك الجبارين، أي تذهب نخوتهم. وقيل: لأنها تمك الفاجر عنها، أي تخرجه. وقيل: لأنها تجذب الناس إليها من قولهم: امتك الفصيل ما في ضرع أمه إذا لم يبق فيه شيئا. وقيل: لقلة مائها. وقيل: لأنها تمك الذنوب أي تستخرجها وتذهب بها كلها. وقيل لأنها لما كانت في بطن واد تمك الماء من جبالها عند نزول المطر وتنحدر إليها السيول. نادر: نقله في " الزهر " عن منتخب كراع. وهو بخط مغلطاي - رحمه الله تعالى - بنون ودال مهملة. الناسة: بالنون والسين المهملة المشددة ذكره الماوردي وغيره، لأنها تنس من ألحد
(1) زيد بن أسلم العدوي، مولى عمر، أبو عبد الله، أو أبو أسامة، المدني، ثقة عالم، وكان يرسل، من الثالثة، مات سنة ست وثلاثين. التقريب 1 / 272. (*)
[ 199 ]
فيها، أي تطرده وتنفيه. وقيل: من نس الشئ إذا يبس من العطش. قال في الصحاح: يقال لمكة الناسة لقلة الماء بها من النس وهو اليبس. النساسة: بنون وسينين مهملتين: الأولى مشددة ذكره ابن جماعة. ومعناها كمعنى الاسم الذي قبلها، وقيل لقلة مائها من النس وهو اليبس. الناشة بالشين العجمة. نقله في " الزهر " عن الخطابي لأنها تنش من ألحد فيها أي تطرده وتنفيه. الوادي: ورد في كلام عمر - رضي الله تعالى عنه -: أم راحم: ذكره في " شفاء الغرام " ونقله في الزهر عن كراع. ومعناه معنى الاسم الذي بعده. أم راحم: براء وحاء مهملتين قال في الزهر نقلا عن ابن السيد: بضم الراء والحاء ويقال بتسكين الحاء ونقله الماوردي وغيره عن مجاهد، لأن الناس يتراحمون فيها ويتواصلون. أم الراحم: معناه معنى الاسم الذي قبله. أم الرحمات: عزاه الشيخ عبد الله المرجاني (1) لابن العربي (2) - رحمه الله تعالى -. أم روح: بفتح الراء من الروح وهو الرحمة ذكره ابن الأثير في المرضع. أم زحم: بزاي من الزحام. ذكره الرشاطي (3) - رحمه الله تعالى -. أم صبيح: ذكره ابن الاثير في كتاب المرصع. وهو بضم الصاد كما في القاموس.
(1) محمد بن أبي بكر بن علي، نجم الدين المرجاني، الذروي الأصل المكي المولد والوفاة: نحوي مكة في عصره. له معرفة بالأدب، ونظم ونثر. من كتبه " مساعد الطلاب في الكشف عن قواعد الإعراب " قصيدة من نظمه، وشرحها، و " طبقات فقهاء الشافعية " ومنظومة في " دماء الحج " وشرحها. توفي 827 ه. الأعلام 6 / 57. (2) محمد بن عبد الله بن محمد المعافري الإشبيلي المالكي، أبو بكر بن العربي: قاض، من حفاظ الحديث. ولد في إشبيلية، ورحل إلى المشرق، وبرع في الأدب، وبلغ رتبة الاجتهاد في علوم الدين. وصنف كتبا في الحديث والفقه والأصول والتفسير والأدب والتاريخ. وولي قضاء إشبيلية، ومات بقرب فاس، ودفن بها. قال ابن بشكوال: ختام علماء
الأندلس وآخر أئمتها وحفاظها. من كتبه " العواصم من القواصم " و " عارضة الأحوذي في شرح الترمذي " و " أحكام القرآن " توفي سنة 543 ه. الأعلام 6 / 230، ووفيات الأعيان 1 / 489. (3) عبد الله بن علي بن عبد الله اللخمي الأندلسي، أبو محمد، المعروف بالرشاطي: عالم بالأنساب والحديث، من أهل أوريولة سكن المرية، وتعلم بها. من كتبه " اقتباس الأنوار والتماس الأزهار في أنساب الصحابة ورواة الآثار " قال ابن كثير: هو من أحسن التصانيف الكبار، وقال حاجي خليفة: هو من الكتب القديمة في الأنساب، لخصه مجد الدين إسماعيل بن إبراهيم البلبيسي المتوفى سنة 802 وأضاف إليه ما زاده ابن الأثير على أنساب السمعاني وسماه " القبس " استشهد بالمرية عند تغلب الروم عليها 542 ه. الأعلام 4 / 105. (*)
[ 200 ]
أم القرى: قال الله سبحانه وتعالى: (لتنذر أم القرى ومن حولها) قال الضحاك - رحمه الله تعالى: يعني مكة. واختلف في سبب تسميتها بذلك. فقيل: لأن الأرض دحيت من تحتها قاله ابن عباس وتقدم في باب بدء أمر البيت، وقيل لأنها أعظم القرى، وقيل لأن فيها بيت الله تعالى. ولما جرت العادة بأن الملك وبلده مقدمان على جميع الأماكن سمي أما لأن الأم متقدمة، وقيل لأنها قبلة تؤمها جميع الأمة، وقيل لأن أهل القرى يرجعون إليها في الدين والدنيا. أم كوثى: ذكره ابن المرجاني - رحمه الله تعالى - ولم يتكلم عليه والله أعلم.
[ 201 ]
الباب العاشر في ذكر حرم مكة وسبب تحريمه حرم مكة: ما أحاط بها وأطاف بها من جوانبها، جعل الله تعالى لها حكمها في الحرمة تشريفا لها. قال الإمام النووي - رحمه الله تعالى - في الإيضاح: وحده من طريق المدينة دون التنعيم عند بيوت نفار على ثلاثة أميال من مكة، ومن طريق اليمن طرف أضاة لبن في ثنية لبن على سبعة أميال. ومن طريق العراق على ثنية جبل بالمقطع على سبعة أميال. ومن طريق
الجعرانة في - شعب آل عبد الله بن خالد على تسعة أميال بمثناة فوقية فسين مهملة. وليس في الحدود تسعة بتاء فسين غير هذا الموضع. ومن طريق الطائف على عرفات من بطن نمرة على سبعة أميال، ومن طريق جدة منقطع الأعشاش على عشرة أميال. فهذا حد ما جعله الله تعالى حرما لما اختص به من التحريم وباين بحكمه سائر البلاد وهكذا ذكر حدوده أبو الوليد الأزرقي في كتاب مكة وأصحابنا في كتب الفقه، ومنهم الماوردي في الأحكام السلطانية. إلا أن الأزرقي قال في حده من طريق الطائف: أحد عشر ميلا. والجمهور قالوا: سبعة كما ذكرنا وقال في شفاء الغرام: وتبعه عليه الفاكهي وأبو القاسم عبيد الله بن عبد الله بن خردذابه (1) في كتابه " المسالك " ولا يعرف للأزرقي فيما قاله مخالف قبله ولا معاصر له ولا بعده غير الماوردي وصاحب المهذب ومن تبعهما - رحمهم الله تعالى -. وقد نظم ذلك بعضهم فقال: وللحرم التحديد من أرض طيبة * * ثلاثة أميال إذا رمت إتقانه وسبعة أميال عراق وطائف * * وجدة عشر ثم تسع جعرانه ومن يمن سبع بتقديم سينها * * لذلك سيل الحل لم يعد بنيانه يعني أن سيل الحل لا يدخل الحرم، كما ذكره جماعة. قال الأزرقي: إلا من موضع واحد عند التنعيم. التنعيم بفتح المثناة الفوقية وسكون النون وكسر العين المهملة بعدها مثناة تحتية، وهو من الحل.